شرح العقيدة الواسطية (شرح عادل بن عزوز)المجلس الخامس

المجلس الخامس

قيد المراجعة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد؛ أخوتي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سنكمل في هذا المقطع -بإذن الله سبحانه وتعالى- شرحنا لـ(( متن العقيدة الواسطية )) لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.

كنا قد تطرقنا في آخر درس للصفات التي تضمنتها آية الكرسي وسورة الإخلاص، أما اليوم فسندرس -بحول الله سبحانه وتعالى- الصفات أو الآيات التي تضمنت صفة العلم.

[تضمن الآيات لصفة العلم]

طيب، كعادته شيخ الإسلام لا يستدل على صفة إلا من الكتاب والسنة؛ هو الآن أورد آية -فوق المائة آية- يستدل بها على صفات الله سبحانه وتعالى، وبعدها سيستدل بأحاديث على صفات أخرى.

يقول شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-:

(( وقَوْلُهُ: { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 3] )).

تمام، هنا في هذه الآية إثبات اسم الله "الأول"، واسم الله "الآخر"، واسم الله "الظاهر"، واسم الله "الباطن".
وقد يتساءل بعضكم ويقول: يا عادل، ما دخل هذه الأسماء في صفة العلم؟ أنت قلت لنا إننا سنتطرق للآيات التي تضمن الصفات -أو عفواً الآيات التي تضمنت صفة العلم-، فما دخل "الأول" و"الآخر" و"الظاهر" و"الباطن" بصفة العلم؟

هذه الأسماء قد فسرها النبي «صلى الله عليه وسلم» في الحديث المعروف في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-؛ أن فاطمة جاءت تسأل النبي «صلى الله عليه وسلم» خادماً، فقال لها «صلى الله عليه وسلم»: « قولي » -يعني علمها دعاءً- قال: « اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ ».

فما علاقة هذه الأسماء بالعلم؟ هذه الأسماء تدل على إحاطة الله سبحانه وتعالى بكل شيء؛ فهو الأول: لا يوجد شيء قبله لا يعلمه، وهو الآخر: لن يوجد شيء بعده لن يعلمه سبحانه وتعالى، وهو الظاهر: أي لا يوجد شيء فوقه لا يعلمه، وهو الباطن: أي لا يوجد شيء صغير جزئي لا يعلمه سبحانه وتعالى.
فقد أحاط علمه بكل شيء سبحانه وتعالى، فهذه هي دلالة هذه الأسماء الأربع على صفة العلم، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في الآية: { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الحديد: 3]، فهذه الأسماء تفيد العلم.

وقوله: (( { وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } [التحريم: 2] ))؛ هنا تضمنت صفة الحكمة أيضاً، سنتطرق لها في درس لاحق بإذن الله سبحانه وتعالى.

(( { وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ } [التحريم: 1] ))؛ هنا صفة الخبرة.

(( { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } [سبأ: 2] )).

هنا فسر السلف { مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ }: أنها الأمطار، { وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا }: أنها النبات.
هذا لا يعني أن الله سبحانه وتعالى إذا ولجت دودة في الأرض لا يعلمها، كلا؛ وإنما هم -يعني قال لك- فسروها بالنسبة لما بعدها: { مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا }. فقال لك: المقصود في هذه الآية، الذي يلج في الأرض هو المطر، وما يخرج منها هو النبات، ولا يعني أن الله سبحانه وتعالى لا يعلم الأشياء الأخرى التي تلج في الأرض.
يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها -وهو النبات وأي شيء طبعاً- ولكن هم قالوا يعني المقصود في هذه الآية.

{ وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ }: هنا ما ينزل من السماء قال بعضهم إنها المطر، وقال بعضهم إنها الملائكة، ولا تعارض؛ وهذا من اختلاف التنوع وليس من اختلاف التضاد، فالذي يقول إن المقصود بالآية هنا ينزل من السماء يعني لا ينكر على الآخر، والذي يقول إن المطر أو الملائكة لا ينكر على الآخر تمام؟ فهذا من اختلاف التنوع.
{ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا }: قالوا الملائكة.

يقول سبحانه وتعالى: (( { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } [الأنعام: 59] )).
فالله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء.

وبالمناسبة يعني هنالك معنى يركز عليه بعض المميعة كثيراً ولكنه معنى حق، ولكنهم هم يعني يستخدمون هذا المعنى الحق في الباطل، يعني كلمة حق أريد بها باطل.
يقولون إن الصفات هي يعني لنعرف عظمه الله سبحانه وتعالى ولنعرف لنتدبر فيها وليست للجدالات وكذا.
طبعاً نحن نوافقهم على جزء من هذا الكلام ونخالفهم في جزء آخر.

الصفات نعم، أنت عندما تقرأ قول الله تعالى: { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } [الأنعام: 59]، تخيل أن هذا البحر الله سبحانه وتعالى يعلم كل ما فيه! يعني تخيل هنالك مقطع يعني لهذاك الحوت الأزرق الذي يخرج وهذاك الصوت المهيب، يعني هذا فقط خلق من خلق الله سبحانه وتعالى، فما بالك بما يوجد داخل البحار من الأمور التي لم تكتشف بعد؟ فالله سبحانه وتعالى يعلم كل هذا.

فأنت هذا يزيدك خشية لله سبحانه وتعالى ويزيدك تعظيماً له، هذا الشق لا ننازع فيه ولا ينازع فيه أحد.
لكن قولهم إنها لم تنزل للجدالات، فهنا الإشكال؛ يعني هم يجعلون الجدالات كلها واحداً: الجدال بحق والجدال بباطل، يعني الذي يدافع عن الحق يجعلونه كالذي يدافع عن الباطل! أنت عندك جدال عقدي، هذا الجدال العقدي أنت تعرف أنك -وهم يقرون- أن هنالك مجادلاً بحق ومجادلاً بباطل، لكن المشكلة أنهم يعني يسوون الحق بالباطل ويقول لك: "لا، اسكتوا".
هذا هو الإشكال.
يعني أنتم تجعلون لا -يعني بطريقة تجريدية تماماً-: "لا، توقفوا عن الجدالات"، بغض النظر من هو على حق ومن هو على باطل!

يا إخوان، إن لم تنصر -إن كان هنالك جدال بين حق وباطل ولم تنصر صاحب الحق- فقد نصرت الباطل؛ لأنه الحق لا يوجد خيار آخر إلا أن ينتصر، لابد أن ينتصر الحق.
فأنت إذا جعلت الحق وسويت الحق بالباطل فهذه كارثة، فهم يلعبون على هذه الجزئيات؛ يقول لك: "الله سبحانه- النبي «صلى الله عليه وسلم» حدثنا بحديث النزول ليس لنتجادل وكذا، وإنما لنعبد الله وندعوه في الثلث الأخير من الليل".
تمام، هذا نحن نوافقك على جزء، لكن الذي ينكر النزول هو لا ينكر النزول هذا، هو ينكر صفات الله الاختيارية! فحتى ردنا عليه هو من باب التعبد، من باب تنزيه الله سبحانه وتعالى عما يقوله المبطلون، فيجب الحذر من هذه المعاني بارك الله فيكم.

ويقول سبحانه وتعالى: (( { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ } [فاطر: 11] )).

وقوله: (( { لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } [الطلاق: 12] )).

فهذه الآيات تدل على صفة العلم للمولى عز وجل.
أظن أن هذه الأخيرة، نعم؛ بعدها انتقل لصفة الرزق أو الرِزق، تمام.

[مذهب أهل السنة والجماعة والفرق في صفة العلم]

الآن ماذا يقول أهل السنة والجماعة في صفة العلم؟

أهل السنة والجماعة يقولون عن صفة العلم: إنها صفة ذاتية لله سبحانه وتعالى، قديمة النوع، حادثة الآحاد، تتجدد بتجدد المعلومات، تمام؟ صفة ذاتية، أولاً -يعني سنشرح كل ما قلناه لكن يعني نجزئ شرحنا-:

  • صفة ذاتية: معناها أن الله سبحانه وتعالى متصف بهذه الصفة لازمة له لا تفارقه تبارك وتعالى.
    بمعنى أن هنالك صفات اختيارية وهنالك صفات ذاتية.
    الصفات الاختيارية يفعلها الله سبحانه وتعالى متى شاء كيفما شاء؛ مثلاً صفة النزول: متى شاء الله سبحانه وتعالى ينزل وكيفما شاء، صفة الكلام: يتكلم الله سبحانه وتعالى متى شاء، أي صفة اختيارية مثلاً صفة الخلق: يخلق الله سبحانه وتعالى متى شاء كيفما شاء.
    أما الصفات الذاتية -مثلاً العلم، مثلاً صفة العلو: أن الله سبحانه وتعالى عالٍ على خلقه بائن منهم، مثلاً صفة العلم التي ندرسه اليوم- هذه الصفات ذاتية؛ يعني لا نستطيع أن نقول: "إن شاء علم وإن شاء لم يعلم"، كلا! هذا يصبح نقصاً؛ لأنه إن قلنا "إن شاء علم"، فإن لم يشأ فماذا سيصبح تعالى الله سبحانه وتعالى؟ تصبح جاهلاً! تعالى الله عن ذلك، وهذا لا يستقيم؛ فالعلِم صفة ذاتية، صفة ذاتية تمام؟ تمام.

  • ما معنى قديمة النوع حادثة الآحاد؟

    هنا سنتطرق لمسألة مهمة جداً وهي مسألة تسلسل الحوادث.
    ما معنى تسلسل الحوادث؟ مسألة تسلسل الحوادث يا إخوان من المسائل المهمة جداً التي كثير من طلبة العلم لا يعطيها أهمية كبيرة، يعني يعتبرونها من باب الجدال الفلسفي المذموم أو كذا، وهي مسألة من صلب الدين يعني، من صلب العقيدة ومن صلب الإيمان بصفات الله سبحانه وتعالى وبأفعاله تبارك وتعالى.

    ببساطة -لو لخصنا مسألة تسلسل الحوادث- هي أن الله سبحانه وتعالى يفعل ما شاء متى شاء، هذه هي بكل بساطة.
    يعني: يفعل ما شاء (هذا متعلق بالقدرة أنه يقدر على فعل ما يشاء)، ومتى شاء (أن الله سبحانه وتعالى أول أزلي، فسبحانه وتعالى يستطيع أن يفعل أي شيء).

طيب، ما معنى تسلسل الحوادث؟ تسلسل الحوادث أي أنه ما من فعل لله سبحانه وتعالى إلا وقبله فعل؛ يعني ما من علم يعلمه الله سبحانه وتعالى بالنسبة لمعلوم معين إلا وقبله علم إلا وقبله علم إلى ما لا بداية تمام؟ صفة الكلام: ما من كلام إلا وقبله كلام إلا وقبله كلام.
هذا لا يعني أن الله لا يتوقف عن الكلام، كلا؛ ولكن يعني لا يوجد كلام تكلم به الله سبحانه وتعالى نقول إن هذا هو أول كلام، كلا تمام؟ مثلاً لا يوجد خلق لله سبحانه وتعالى نقول إن هذا هو أول خلق تمام؟

طيب، هذه المسألة ضل فيها فريقان: الفريق الأول هم الفلاسفة، والفريق الثاني هم المتكلمون.

  1. الفلاسفة: وافقونا في جزء؛ قالوا: نعم، الله سبحانه وتعالى إن كان قادراً وأزلياً فهو يجب أن يعني يكون -يعني لا نستطيع أن نقول إن هذا أول خلق-.
    فماذا قالوا؟ قالوا إنه يجب أن نقول إن المخلوقات قديمة مع الله سبحانه وتعالى! ولذلك قالوا بقدم العالم، وهو قول ابن سينا الكافر تمام؟ لذلك قالوا بقدم العالم.

    المشكلة هنا من أين أُتي الفلاسفة؟ الفلاسفة أُتوا من باب أنهم يعني لم يفرقوا بين النوعي وبين العيني؛ كيف؟ نحن أهل السنة والجماعة نقول عن صفة العلم مثلاً: إنها قديمة النوع حادثة العين، قديمة النوع حادثة العين؛ أي جنس الصفة قديم، أما عين الصفة (عين الفعل هذا، عين العلم هذا الذي علمه الله) ليس قديماً.
    يعني مثلاً بالنسبة للمخلوقات: فعل الخلق هو القديم (فعل جنس الخلق، نوع المخلوقات قديم نوع المخلوقات)، لذلك يسمونه "القدم النوعي".
    نوع المخلوقات قديم، لكن آحاد المخلوقات حادثة؛ يعني لا يوجد مخلوق قديم مع الله سبحانه وتعالى.
    يعني نقصد بهذا: ما من خلق إلا وقبله خلق، ما من خلق إلا وقبله خلق، ما من خلق إلا وقبله خلق إلى ما لا بداية؛ لكن هل الخلق الواحد من هذه المخلوقات قديم (يعني عندما نقول قديم يعني أزلي)؟ هل واحد من هذه المخلوقات قديم؟ لا؛ لكن جنس هذه المخلوقات (هذه المخلوقات ما جنسها؟ كيف نصنفها؟ مخلوقات)، جنسها قديم؛ يعني صفة الخلق أو نوع الخلق هو القديم، أما آحاد المخلوقات فليست قديمة.

    صفة الكلام لله سبحانه وتعالى: صفة الكلام قديمة نعم، لكن آحاد كلام الله سبحانه وتعالى ليست قديمة.

  • تنبيه: ستعول لي: "يا عادل، هنا وقعت في إشكال؛ إذا قلت إن كلام الله سبحانه وتعالى آحاده حادثة، فهذا لازمه أن القرآن حادث".
    هنا أنبهك على معنى "الحادث"؛ الحادث قد يطلق على المخلوق نعم، لكن قد تطلق على الشيء الذي له بداية وله نهاية.
    وهنا نقصد بالحادي فعل الله سبحانه وتعالى، فعل الله ليس مخلوقاً؛ القرآن كلام الله، وكلام الله صفة له، وصفته ليست مخلوقة.
    هي قد تحدث آحاد هذه الصفة لكنها ليست مخلوقة؛ صفات الله متجددة لكنها ليست مخلوقة، يجب أن تفرق بين هين أمرين.

  • تنبيه آخر بخصوص صفة القديم: القديم يطلقه المتكلمون على الشيء الأزلي.
    وقد انتقد ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله تعالى- في شرحه على الطحاوية تسمية الله بالقديم؛ قال لهم: "القديم في اللغة لا تعني الذي لم يسبقه شيء، قد يكون هنالك شيء قديم لكن سبقه شيء؛ فإطلاقكم القديم على الله سبحانه وتعالى لا يصح".

فكما قلنا، الفلاسفة لم يفرقوا بين النوعي وبين العيني، فخلطوا بينهما وقالوا بقدم العالم؛ هم سلموا لجزء -وهذا الجزء صحيح أن الله سبحانه وتعالى لم يزل خالقاً نعم- ولكنه لم يزل خالقاً لا يعني أن هنالك مخلوقات قديمة مع الله سبحانه وتعالى أزلية مع الله، لا؛ هو لم يزل خالقاً من حيث الجنس، أما من حيث آحاد المخلوقات فليست قديمة.

  1. المتكلمون (الأشاعرة وغيرهم): نأتي الآن للطائفة الثانية التي ضلت في هذا الباب، الذين أرادوا أن يردوا على الفلاسفة؛ فماذا قالوا؟ يعني هم أرادوا -الفلاسفة قالوا بقدم العالم- فجاء الأشاعرة أرادوا أن يقولوا بحدوث العالم (أن العالم حادث)، فأنكروا تسلسل الحوادث؛ أنكروا أن الله سبحانه وتعالى لم يزل فاعلاً.
    يعني لينفوا تسلسل الحوادث ماذا فعلوا؟ عطلوا الله سبحانه وتعالى عن الفعل! قالوا الله سبحانه وتعالى لم يكن يفعل حتى خلق هذا الكون.

    فالفلاسفة أثبتوا قديماً مع الله (أثبتوا شيئاً أزلياً مع الله)، والمتكلمون من أشاعرة وغيرهم ماذا فعلوا؟ (على اختلاف أقوالهم وكذا يعني بعد الاختلافات البسيطة، لكنهم ماذا فعلوا؟) عطلوا الله سبحانه وتعالى عن الفعل! وقالوا لنا: "إن أثبتم تسلسل الحوادث وأن أفعل الله سبحانه وتعالى تتجدد، لزمكم أن الله سبحانه وتعالى تحل فيه الحوادث، وما حلت فيه الحوادث فهو حادث".
    نقول لهم: هذا ليس إلزاماً لنا، هذا إلزام لكم أنتم؛ لأننا نحن نقول: ما من فعل إلا وقبله فعل، اعتراضكم هذا سيكون صحيحاً لو قلنا إن هذا هو أول فعل لله سبحانه وتعالى، هنا يمكن أن تعترض علينا؛ لكن لما آتي وأقول لك إن أفعال الله سبحانه وتعالى أزلية ولم يزل فاعلاً، لا تستطيع أن تعترض علي هذا الاعتراض.

تمام، فصفة العلم -كما قلنا- هي صفة ذاتية لله سبحانه وتعالى، قديمة النوع، حادثة الآحاد؛ أي ما من علم إلا وقبله علم.

بخصوص الأشاعرة ماذا يقولون في هذه الصفة؟ الأشاعرة يقولون -يثبتون أنها صفة لله سبحانه وتعالى لكنها لا تتجدد- يقولون لك: "الله عالم الأمور بعلم أزلي" تمام؟ لكن الآن هل يعلم هذه الأمور؟ كلا، لا يعلمها! وهنا الإشكال.
يعني أنا سأضرب هذه العلبه الآن، الله سبحانه وتعالى علم أزلاً أني سأضرب اللعبة، لكن بعد وجود هذا الفعل بعد أن خلقه لم يعلمه! أفعال العباد مخلوقة، فهم عندهم الله سبحانه وتعالى علم الأفعال قبل أن تخلق ولم يعلمها حال وجودها وخروجها للوجود.
هم يقولون إن علم الله سبحانه وتعالى أزلي ولكن لا يتجدد بتجدد المعلومات؛ خلاص الله علم في الأزل والآن لا يعلم شيئاً! يعني الله سبحانه وتعالى علم أن المسجد الفلاني سيبنى، لكن بعد أن بني -بعد خروج هذا المسجد للوجود- هل يعلم الله سبحانه وتعالى بوجوده؟ كلا! يعني هذا هو لازم قولهم؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى يعلم الموجودات حال عدمها ولا يعلمها حال وجودها!

المعتزلة والجهمية يقولون إن الله يعلم ولكنه يعلم بذاته، وهذا خلل.
لماذا؟ لأنهم قالوا إن أثبتنا -شوف الخلل- قالوا إن أثبتنا صفة لله سبحانه وتعالى فسنثبت قديماً مع الله سبحانه وتعالى، سنثبت شيئاً آخر أزلي مع الله سبحانه وتعالى! وهذا خلل.
صفات الشيء لا تنفك عنه تمام؟ هم فرقوا بين الذات والصفات، فجعلوا الذات والصفات شيئين متباينين، وهذا خلل.

لذلك في المناظرة مع الإمام أحمد لما ناظروه، قالوا له: "ماذا تقول؟" -يعني المناظرة كانت حول خلق القرآن وكذا- قالوا له: "ماذا تقول في القرآن؟ أهو الله أم غير الله؟" (يعني القرآن هذا أهو الله أم غيره؟)، "فإذا قلت يا إمام أحمد إن القرآن هو الله فهذا ممتنع لأن القرآن ليس الله، وإذا قلت إنه غيره فقد أثبت أن هذا القرآن هو غير الله إذن هو مخلوق كما تقول المعتزلة".
فالإمام أحمد رد عليهم رداً ذكياً جداً؛ قال لهم: "ماذا تقولون في علم الله؟ أهو الله أم غيره؟".

هنا ننبه على مسألة قد تحل لك الكثير من الإشكالات: يا إخوان هنالك تلازم وجودي بين الذات والصفات؛ يعني لا يوجد ذات في الخارج هكذا تسير لوحدها، لا يوجد.
ولا يوجد صفات تسير لوحدها؛ يعني لا نستطيع أن نرى ذاتاً ونقول: "انظر هذه ذات!"، طيب لا يوجد ذات خالية عن صفات، لا يوجد.
ولا يوجد صفات أيضاً وحدها تسير في الشارع بدون ذات تقوم بها؛ مثلاً لا نستطيع أن نرى صفة الطول تمشي في الشارع، أو صفة القصر تمشي في الشارع، أو صفة الجمال تمشي في الشارع لوحدها.
فلا تقوم الذات إلا بصفات، ولا تكون الصفات إلا بذات تقوم بها، تمام؟ هنالك تلازم وجودي.
فمن الغباء أن نقول: "لا، إذا أثبتنا صفة لله فسنثبت أن هنالك شيئاً غير الله!"؛ صفات الشيء ليست غيره تمام؟ بل هي هنالك تلازم وجودي بين الذات وبين الصفات تمام.

فهم قالوا إن الله سبحانه وتعالى يعلم بذاته، فجعلوا صفة العلم تقوم بالمخلوق! أما الفلاسفة فيقولون إن الله سبحانه وتعالى يعلم الأشياء بعلم أزلي، لكن عندهم تفصيلة مهمة: أنه يعلم الكليات والجزئيات بعلم كلي -وهذا قول ابن سينا-، الكليات والجزئيات؛ يعني مثلاً الكليات: الأمور الكلية، والجزئيات: لنأخذ على سبيل المثال قطرة المطر الفلانية أين ستسقط وكذا، هذه تعتبر من الجزئيات.
فهم قالوا إن الله سبحانه وتعالى يعلم الكليات والجزئيات بعلم كلي، فلزمهم أن الله لا يعلم الجزئيات! وهذا القول كفرهم به أهل العلم.

طيب، هل وافق الأشاعرةُ الفلاسفةَ في هذه المسألة؟ وما هي الفروقات بين قول الفلاسفة وقول الأشاعرة؟

الأشاعرة يقولون إن الله سبحانه وتعالى يعلم الأشياء الكلية والجزئية ولكن بعلم أزلي؛ لكن الفلاسفة يقولون إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم إلا الكليات (يعني حاصل قولهم إن الله سبحانه وتعالى يعلم الكليات فقط).
فالأشاعرة يثبتون أن الله يعلم الجزئيات البسيطة؛ كقول الله سبحانه وتعالى: { وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا } [الأنعام: 59]، فهذا يثبتونه.
لكن الفلاسفة يقولون إن الله يعلم هذه الأشياء بعلم كلي، يعني بعلم عام شامل.

كان هذا كل شيء لليوم.
أسأل الله عز وجل أن نكون قد استفدنا وأفدنا من هذا الدرس.
دعواتكم لنا يا إخوان بالتوفيق والثبات.

اللهم زدنا علماً، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا.
نسأل الله الهداية لنا جميعاً.

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله.

جارٍ التحميل