طيب، الأصل الأول الذي سنتكلم عنه اليوم هو القانون الكلي، قانون الأشاعرة الكلي.
أردت طبعاً أن آتي ببعض النصوص للغزالي —عفواً— للغزالي ولـ الرازي وغيرها، لكن قلت: سنعتبر هذا الدرس درس أخوي وكأننا —يعني— وكأننا نتحدث؛ لكي لا يشعر طالب العلم بالملل، وأنا أصلاً هذه الدروس عملتها لطالب العلم، للإخوة المبتدئين —يعني— الذين تصعب عليهم فك عبارات المشايخ، فهذا كنوع تبسيط.
طيب، القانون الكلي: القانون الكلي هذا هو قانون تقديم العقل على النقل.
يعني هم ماذا قالوا؟ قالوا: إن نحن عرفنا العقل، أو في البداية قالوا: إذا تعارض العقل والنقل، إذا تعارض ظاهر النقل مع العقل، فماذا نفعل؟
-
إما أننا سنقدم النقل.
-
إما أننا سنقدم العقل.
-
وإما ألا نستعمل كليهما.
-
وإما أن نستعملهما كلاهما.
فالأولى: قالوا إذا استعملنا العقل والنقل معا فهذا اجتماع للنقيضين، وإذا رددناهما معاً هذا رفع للنقيضين، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان.
إذاً ما هما الاحتمالان اللذان سيبقىيان؟ سيبقى تقديم العقل على النقل، وسيبقى تقديم النقل على العقل.
فهم قالوا ماذا؟ قال لك: إذا قدمنا العقل على النقل فماذا سيحدث هنا؟ إذا قدمنا النقل على العقل، قالوا: هذا طعن في النقل! لماذا يا أشاعرة؟ قال لك: نحن عرفنا صحة النقل بالعقل، نحن عرفنا صحة النقل بالعقل، فإذا قدمنا هذا النقل فنحن نطعن بالعقل! نطعن في العقل الذي كان أصلاً في إكتشاف النقل! يعني نحن —بعبارة أبسط— لدينا دليل عقلي ودليل نقلي متعارضان، فهنا يقول الأشاعرة أنه يجب علينا أن نقدم الدليل العقلي؛ لماذا؟ لأن الدليل العقلي هو الأصل أصلاً في البداية من الأساس، هو الأصل في إثبات الدليل —نعتذر، نعيد— قالوا: إذا تعارض الدليل العقلي مع الدليل النقلي فسنقدم الدليل العقلي؛ لماذا؟ لأن العقل هو أساس النقل، هو الذي اكتشفنا به صحة النقل، فإذا قدمنا النقل على العقل فنحن نطعن في العقل الذي اكتشف النقل، فبالتالي نحن نطعن في النقل.
هذا هو مضمون القانون الكلي.
وهذا القانون الكلي اتفق عليه كل المبتدعة، بل اتفق عليه كل مناهض للإسلام حتى —حتى— الفرق الكفرية الصريحة، يعني كالعلمانيين، والليبراليين، ومنكري السنة وغيرهم.
هذا المبدأ أو هذا القانون اجتمعت عليه كل الطوائف: العلمانيين يقدمون العقل على النقل —يعني العلمانيين المتأسلمين منهم— والليبراليين نفس الشيء، ومنكري السنة نفس الشيء، یعنی هذا لا يخص الطوائف المبتدعة فقط.
طيب، بخصوص هذا القانون، هذا القانون أول من صاغه صياغة واضحة وصدره في كتبه بشكل واضح هو الرازي، لكن لا يصح أن ننسب هذا القانون للرازي، أن نقول أن أول من اكتشف هذا القانون هو الرازي، لا لا لا، هذا القانون قديم بقدم الرسالات، هذا القانون قديم بقدم الرسالات.
لذلك نجد أن سيدنا نوح—يقول الله سبحانه وتعالى: { يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا } [هود: 42]، { قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ } [هود: 43].
يعني هنا ابن سيدنا نوح عليه السلام استخدم عقله، يعني هو ظن أن عذاب الله سينجيه منه الجبل، فهنا استخدم عقله، عارض النص بماذا؟ بعقله.
فتقديم العقل على النقل هي وسيلة الكفار منذ بداية الرسالات، منذ أن أرسل الله عز وجل الأنبياء.
يقول أيضاً أحد رؤوس المعتزلة وهو عمرو بن عبيد في حديث ابن مسعود رضي الله عنه —حديث جمع الخلق: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ...» إلى آخر الحديث— فقال —بعد أن عدد روة الحديث—: "لو أخبرني فلان ما صدقته، ولو أخبرني فلان ما صدقته، ولو أخبرني النبي صلى الله عليه وسلم ما صدقته، ولو سمعت الله عز وجل يخبر بهذا الكلام لقلت له: ما على هذا أخذت عهدنا".
يعني هؤلاء ليست مسألة أنهم جاهلون، يعني يفوضون مثلاً المعنى أو المعنى لم تتقبله عقولهم، يعني عمرو بن عبيد —وهو لسان حال كل مبتدع صراحة— يقول: لو سمعت الله سبحانه وتعالى يقول هذا الكلام لقلت له ما على هذا أخذت العهد! يعني انظر للجسارة حتى مع المولى عز وجل! نسأل الله الهداية لنا جميعاً.
فالشاهد من ذكر هذه الأمور أن هذا القانون قديم جداً، يعني لا ينسب للرازي أو الغزالي أو كذا، وإنما الرازي هو الذي صاغه بصياغة جديدة وذكره في العديد من كتبه.