خطاب حقيقي لله تعالى، ولكن كلام الله سبحانه عندهم ما يحدث في نفس النبيّ من أصوات يسمعها في نفسه لا خارجا عن نفسه، والملائكة عبارة عن أشكال نورانية يراها تكون في نفسه لا خارجا عن نفسه كما يرى النائم في منامه صورا يخاطبها وكلاما يسمعه وذلك في نفسه، ولهذا جعل أبو حامد هذا طريقا لهم في إثبات النبوة كما سلك ابن سينا وغيره، ولا ريب أن كل ما يقر به من مقر من الحق فإن أهل الإيمان يقرون به لكن يعلمون أشياء فوق ذلك لا يعلمها أهل الباطل فما علمته المتفلسفة من هذه الأمور لا ينكرها أهل الإيمان لكن ينكرون عليهم اقتصارهم في التصديق عليها.
وقد بسطت الكلام على هذه المسألة في جواب المسألة الخراسانية التي سئلت فيها عن ما يتعلق بالقرآن العظيم وكلام الله سبحانه وتعالى وذكرت مراتب تكليم الله تعالى لخلقه، وأنها درجات وأن المتفلسفة أقروا ببعض الدرجات دون بعض بل لعلهم لم يتجاوزوا أدنى الدرجات وهي درجات الإلهام وما يناسبه وما أعطوا هذه الدرجة حقها، وأما المعتزلة فهم خير منهم فإنهم يقرون بما أخبر به القرآن عن أصناف الملائكة وأوصافهم لكنهم مع هذا لا يقرون بأن لله كلاما قائما به فحقيقة مذهبهم أن الله سبحانه لا يتكلم إنما يخلق كلاما في غيره ولما ابتدعت الجهمية هذه المقالة كانوا يقولون: إن الله تعالى لا يتكلم أو يتكلم مجازا.
لكن المعتزلة امتنعت من هذا الإطلاق وقالوا: إنه متكلم أو يتكلم حقيقة لكنهم فسروا ذلك بأنه خلق كلاما في غيره فلم ينازعوا قدماء الجهمية في حقيقة المذهب وإنما نازعوهم في اللفظ.
والسلف والأئمة لما عرفوا حقيقة مذهبهم عرفوا أن هذا كفر وأن هذا في الحقيقة تعطيل للرسالة وأنه يمتنع أن يكون متكلم بكلام لا يقوم به بل بغيره، كما يمتنع أن يكون عالما بعلم لا يقوم به بل بغيره، وأن يكون قادرا بقدرة لا تقوم به بل بغيره، وأنه لو كان كذلك لكان ما يخلقه من الكلام في مخلوقاته كلاما له.
وقد قال تعالى: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ «1»، وقال عز وجل: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (65) «2»، بل لما ثبت أن الله خالق كل شيء فيجب أن يكون على قولهم كل كلام في الوجود كلامه وقد أفصح بذلك الاتحادية الذين يقولون:
الوجود واحد كابن عربي صاحب الفصوص ونحوه وقالوا: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه ومذهبهم منتهى مذهب الجهمية، وهو في الحقيقة تعطيل الخالق والقول بأن هذا الوجود هو الوجود الواجب كما ذكر ذلك أبو حامد عن دهرية الفلاسفة فإن قول هؤلاء هو قول أولئك وهو قول فرعون الذي أظهره، لكن فرعون وغيره من الدهرية لا يقولون: هذا الوجود هو الله، وهؤلاء بجهلهم يقولون: إن الوجود هو الله، وقد أضلوا طوائف من الشيوخ الذين لهم عبادة وزهادة حتى أنه كان في بيت المقدس رجل من أعبد الناس وأزهدهم وكان طوال ليله يقول: الوجود واحد وهو الله ولا أرى الواحد ولا أرى الله، وهؤلاء سلكوا في كثير من أصولهم ما ذكره أبو حامد الغزالي وبنوا على ما في كتابه المضنون به وغيره من أصول الفلاسفة المكسوة عبادة الصوفية فالأمور التي أنكرها عليه علماء المسلمين ما عليها هؤلاء حتى جعل ابن سبعين الناس خمس طبقات أدناها الفقيه ثم المتكلم ثم الأشعري ثم الفيلسوف ثم الصوفي ثم الخامس هو المحقق، وهؤلاء يجعلون ما أشار إليه أبو حامد من الكشف هو ما حصل لهم وإنه لتعبده بالشريعة، لم يصل إلى القول بوحدة الوجود، وهم ينتقصونه بما يحمده عليه المسلمون من الأقوال التي اعتصم فيها بالكتاب والسنة وبالأقوال التي يعلم صحتها بصريح العقل، ويرون أن ذلك هو الذي حجبه عن أن يشهد حقيقتهم التي هي وحدة الوجود، وإنما طمعوا فيه هذا الطمع لما وجدوه في الكلام المضاف إليه ممّا يوافق أصول الجهمية المتفلسفة ونحوهم.
والمقصود هنا: أن المعتزلة خير من المتفلسفة حيث يثبتون لله كلاما منفصلا ويقولون: إن الرسالة والنبوة تتضمن نزول كلام لله تعالى منفصلا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ينزل عليه كما يقول سائر المسلمين، ثم قد يقول من يقول من المعتزلة: أن النبوة جزاء على عمل متقدم وأن النبيّ لما قام بواجبات عقلية أكرمه الله تعالى عليها بالنبوة مع كون النبيّ متميزا بصفات خصه الله تعالى بها وهذا القول موافق في الجملة قول أكثر الناس وهو أن النبوة والرسالة تتضمن كلام الله سبحانه الذي ينزل على رسوله ونبيه وأنه مع ذلك مختص بصفات اختصه الله تعالى بها دون غيره من الأنبياء وأنه لا يكون النبيّ والرسول كسائر الناس في العقل والخلق وغير ذلك، بل هو متميز عن الناس بذلك، والنبوة فضل الله يؤتيه من يشاء لكن مع ذلك الله أعلم حيث يجعل رسالته.
وما ذكره أبو حامد فيه من تقرير النبوة في الجملة على الأصول التي يسلمها
المتفلسفة ويعرفونها ما ينتفع به من كان متفلسفا محضا فإن ذلك يوجب أن يدخل في الإسلام نوع دخول وكلام أبي حامد في هذا ونحوه يصلح أن يكون برزخا بين المتفلسفة وبين أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فالمتفلسفة تنتفع به حيث يصير عندهم من الإيمان والعلم ما لا يحصل لهم بمجرد الفلسفة.
وأما من كان مسلما يريد أن يستكمل العلم والإيمان فإن ذلك يضره من وجه ويرده عن كثير من كمال الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، وإن كان ينفعه من حيث يحول بينه وبين الفلسفة المحضة إلا أن يكون حسن الظن بالفلسفة دون أصول الإسلام فإنه يخرجه إلى الإلحاد المحض كما أصاب ابن عربي الطائي وابن سبعين وأمثالهما، وقد أخبر هو بما حصل له من السفسطة وأنه انحصرت فرق الطالبين عنده في أربع فرق: المتكلمين والباطنية والفلاسفة والصوفية.
ومعلوم أن هذه الفرق كلها حادث بعد عصر الصحابة بل وبعد عصر التابعين بل إنما ظهرت وانتشرت بعد القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابعيهم، ثم الفلاسفة والباطنية هم كفار كفرهم ظاهر عند المسلمين كما ذكر هو وغيره، وكفرهم ظاهر عند أقل من له علم وإيمان من المسلمين إذا عرفوا حقيقة قولهم لكن لا يعرف كفرهم من لم يعرف حقيقة قولهم، وقد يكون قد تشبث ببعض أقوالهم من لم يعلم أنه كفر فيكون معذورا لجهله، ولكن في المتكلمين والصوفية ممن له علم وإيمان طوائف كثيرون بل فيمن بعد الصوفية مثل الفضيل بن عياض «1» وأبي سليمان الداراني «2» وإبراهيم بن أدهم «3» ومعروف الكرخي «4» وأمثالهم ممن
هو من خيار المسلمين وساداتهم عند المسلمين وفي عصرهم حدث اسم الصوفية وظهر الكلام أيضا.
وكلام سلف الأمة والأئمة في ذم البدع الكلامية في العلم والبدع المحدثة في طريقة الزهد والعبادة مشهور كثير مستفيض، ولم يتنازع أهل العلم والإيمان فيما استفاض عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من قوله: «خير القرون قرني، الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» «1» وكل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة، وأن المتبع لهم أفضل من غير المتبع لهم ولم يكن في زمنهم أحد من هذه الصنوف الأربعة ولا تجد إماما في العلم والدين كمالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ومثل الفضيل بن عياض وأبي سليمان ومعروف الكرخي وأمثالهم إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين فيه بعلم الصحابة وهم يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضل والمناقب، والذين اتبعوهم من أهل الآثار النبوية وهم أهل الحديث والسنة العالمون بطريقهم المتبعون لها وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في كل عصر ومصر.
فهؤلاء الذين هم أفضل الخلق من الأولين والآخرين لم يذكرهم أبو حامد وذلك لأن هؤلاء لا يعرف طريقهم إلا من كان خبيرا بمعاني القرآن خبيرا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم خبيرا بآثار الصحابة فقيها في ذلك عاملا بذلك، وهؤلاء هم أفضل الخلق من المنتسبين إلى العلم والعبادة، وأبو حامد لم ينشأ بين من كان يعرف طريقة هؤلاء ولا تلقى عن هذه الطبقة ولا كان خبيرا بطريقة الصحابة والتابعين بل كان يقول عن نفسه أنه مزجي البضاعة في الحديث ولهذا يوجد في كتبه من الأحاديث الموضوعة والحكايات الموضوعة ما لا يعتمد عليه من له علم بالآثار، ولكن نفعه الله تعالى بما وجده في كتب الصوفية والفقهاء من ذلك كتاب أبي طالب «2» ورسالة القشيري «3» وغير ذلك،
وبما وجده في كتب أصحاب الشافعي ونحو ذلك فخيار ما يأتي به ما يأخذ من هؤلاء وهؤلاء.
ومعلوم أن طريقة أئمة الصوفية وأئمة الفقهاء أكمل من طريقة أبي القاسم القشيري ومن طريقة أبي طالب والحارث ومن طريقة أبي المعالي وأمثاله، وأولئك الأئمة كانوا أعلم بطريقة الصحابة وأتبع لها من أتباعهم، فالقاضي أبو بكر الباقلاني وأمثاله أعلم بالأصول والسنة وأتبع لها من أبي المعالي وأمثاله، والأشعري والقلانسي ونحوهما أعلى طبقة في ذلك من القاضي أبي بكر وعبد الله بن سعيد بن كلاب، والحارث المحاسبي أعلى طبقة في ذلك من هؤلاء، ومالك والأوزاعي وحماد بن زيد والليث بن سعد وأمثالهم أعلى طبقة من هؤلاء، والتابعون أعلى من هؤلاء، والصحابة أعلى من التابعين.
وكذلك أبو طالب المكي يأخذ عن شيخه ابن سالم، وابن سالم يأخذ عن سهل بن عبد الله التستري، وسهل أعلى درجة عند الناس من أبي طالب ثم الفضل وأبو سليمان وأمثالهما أعلى درجة من سهل وأمثاله، وأيوب السختياني وعبد الله بن عون ويونس بن عبيد وغيرهم من أصحاب الحسن أعلى طبقة من هؤلاء، وأويس القرني وعامر بن عبد قيس وأبو مسلم الخولاني وأمثالهم أعلى طبقة من هؤلاء، وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي وأبو الدرداء وأمثالهم أعلى طبقة من هؤلاء.
ومعلوم أن كل من سلك إلى الله جل وعز علما وعملا بطريق ليست مشروعة موافقة للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأئمة وأئمتها فلا بد أن يقع في بدعة قولية أو عملية، فإن السائر إذا سار على غير الطريق المهيأ فلا بد أن يسلك بينات الطرق وإن كان ما يفعله الرجل من ذلك قد يكون مجتهدا فيه مخطئا مغفورا له خطؤه، وقد يكون ذنبا، وقد يكون فسقا، وقد يكون كفرا، بخلاف الطريقة المشروعة في العلم والعمل فإنها أقوم الطرق ليس فيها عوج كما قال تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ «1». وقال عبد الله بن مسعود: خطّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطّا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال: «هذا سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم
قرأ: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ «1»» «2». وقال الزهري: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، ولهذا قيل: «مثل السنة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق» وهو يروى عن مالك.
ومن سلك الطرق الشرعية النبوية لم يحتج في إثباتها إلى أن يشك في إيمانه الذي كان عليه قبل البلوغ ثم يحدث نظرا يعلم به وجود الصانع، ولم يحتج إلى أن يبقى شاكّا مرتابا في كل شيء وإنما كان مثل هذا يعرض للجهم بن صفوان وأمثاله فإنهم ذكروا أنه بقي أربعين يوما لا يصلي حتى يثبت أن له ربّا يعبده، فهذه الحالة كثيرا ما تعرض للجهمية وأهل الكلام الذين ذمهم السلف والأئمة، وأما المؤمن المحض فيعرض له الوسواس فتعرض له الشكوك والشبهات وهو يدفعها عن قلبه، فإن هذا لا بد منه كما ثبت في الصحيح أن الصحابة قالوا: يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: «أفقد وجدتموه؟» قالوا: نعم، قال: «ذلك صريح الإيمان» «3». وفي السنن من وجه آخر أنهم قالوا: إن أحدنا ليجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلم به، فقال: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» «4». قال غير واحد من العلماء: معناه أن ما تجدونه في قلوبكم من كراهة الوساوس والنفرة عنه وبغضه ودفعه هو صريح الإيمان.
وهذا من الزبد الذي قال الله تعالى فيه: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ «1». وهذا مذكور في غير هذا الموضع وكلام السلف والأئمة فيما أحدث من الكلام وما أحدث من الزهد مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا: أن يعرف مراتب الناس في العلم بالنبوة ومعرفة قدرها وتعدد الطرق في ذلك وأن عامة الطرق التي سلكها الناس في ذلك هي طرق مفيدة نافعة لكن تختلف مقادير فوائدها ومنافعها، وفيها ما يضر من وجه كما ينفع من وجه، وفيها ما ينتفع به من كان عديم الإيمان أو ضعيف الإيمان فيحصل به له بعض الإيمان ويقوى إيمانه، وإن كان ذلك يضر من كان قوي الإيمان ويكون رجوعه إليه ردة في حقه بمنزلة من كان معتصما بحبل قوي وعروة وثقى لا انفصام لها فاعتاض عن ذلك بحبل ضعيف يكاد ينقطع به وهذا باب يطول وصف حال الناس فيه.
وأما ما ذكره أبو حامد من أن هذه الطريقة التي سلكها تفيد العلم الضروري بالنبوة دون طريقة المعجزات، فالإنسان خبير بما حصل له من العلم الضروري وغيره ليس هو خبير بما حصل لغيره من ذلك، وكثير من أهل النظر والكلام يقولون نقيض هذا، يقولون لا يحصل العلم بالنبوة إلا بطريقة المعجزات دون غيرها كما قال أكثر أهل الكلام ومن اتبعهم كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي والمازري وأمثال هؤلاء.
والتحقيق ما عليه أكثر الناس أن العلم بالنبوة يحصل بطرق متعدد: المعجزات وغير المعجزات ويحصل له العلم الضروري بها كما ذكره أبو حامد بل يحصل له العلم الضروري بالنبوة على الجمل كما ذكره، وعامة من حصر العلم بهذا أو غيره في طريق معينة وزعم أنه لا يحصل بغيرها فإنه يكون مخطئا وهذا كثير ما سلكه كثير من أهل الكلام في إثبات العلم بالصانع أو إثبات حدوث العالم أو إثبات التوحيد أو العلم بالنبوة أو غير ذلك، يسلك أحدهم طريقا يزعم أنه لا يحصل العلم إلا به، وقد يكون طريقا فاسدا وربما قدح خصومه في طريقه الصحيحة وادعوا أنها فاسدة.
وكثيرا ما يكون سبب العلم الحاصل في القلب غير الحجة الجدلية التي يناظر بها غيره فإن الإنسان يحصل له العلم بكثير من المعلومات بطريق وأسباب قد لا يستحضرها ولا يحصيها ولو استحضرها لا توافقه عبارته على بيانها ومع هذا فإذا طلب
منه بيان الدليل الدال على ذلك قد لا يعلم دليلا يدل به غيره إذا لم يكن ذلك الغير شاركه في سبب العلم، وقد لا يمكنه التعبير عن الدليل إذا تصوره، فالدليل الذي يعلم به المناظر شيء، والحجة التي يحتج بها المناظر شيء آخر وكثيرا ما يتفقان كما يفترقان.
وليس هذا موضع بسط ذلك، وإنما المقصود التنبيه على تعدد طرق العلم بالنبوة، وغيرها وكلام أكثر الناس في هذا الباب ونحوه على درجات متفاوتة فيحمد كلام الرجل بالنسبة إلى من دونه، وإن كان مذموما بالنسبة إلى من فوقه إذ الإيمان يتفاضل، وكل له من الإيمان بقدر ما حصل له منه.
ولهذا كان أبو حامد مع ما يوجد في كلامه من الرد على الفلاسفة وتكفيره لهم، وتعظيم النبوة وغير ذلك ومع ما يوجد فيه أشياء صحيحة حسنة بل عظيمة القدر نافعة يوجد في بعض كلامه مادة فلسفية وأمور أضيفت إليه توافق أصول الفلاسفة الفاسدة المخالفة للنبوة بل المخالفة لصريح العقل حتى تكلم فيه جماعات من علماء خراسان والعراق والمغرب كرفيقه أبي إسحاق المرغيناني وأبي الوفاء بن عقيل والقشيري والطرطوشي «1» وابن رشد «2» والمازري «3» وجماعات من الأولين حتى ذكر ذلك الشيخ أبو عمرو بن الصلاح فيما جمعه من طبقات أصحاب
الشافعي وقرره الشيخ أبو زكريا النووي قال في هذا الكتاب: فصل في بيان أشياء مهمة أنكرت على الإمام الغزالي في مصنفاته ولم يرتضيها أهل مذهبه وغيرهم من الشذوذ في تصرفاته، منها قوله في مقدمة المنطق في أول المستصفى «1»: «هذه مقدمة العلوم كلها ومن لا يحيط فلا ثقة له بعلومه أصلا».
قال الشيخ أبو عمرو «2»: وسمعت الشيخ العماد بن يونس يحكي عن يوسف الدمشقي مدرس النظامية ببغداد وكان من النظار المعروفين أنه كان ينكر هذا الكلام ويقول: فأبو بكر وعمر وفلان وفلان يعني أن أولئك السادة عظمت حظوظهم من الثلج واليقين ولم يحيطوا بهذه المقدمة وأسبابها، قال الشيخ أبو عمرو: قد ذكرت بهذا ما حكى صاحب كتاب الإمتاع والمؤانسة يعني أبا حيان التوحيدي أن الوزير ابن الفرات احتفل مجلسه ببغداد بأصناف من الفضلاء من المتكلمين وغيرهم وفي المجلس متى الفيلسوف النصراني، فقال الوزير: أريد أن ينتدب منكم إنسان لمناظرة متى في قوله: إنه لا سبل إلى معرفة الحق من الباطل والحجة من الشبهة والشك من اليقين إلا بما حويناه من المنطق واستفدناه من واضعه على مراتبه، فانتدب له أبو سعيد السيرافي وكان فاضلا في علوم غير النجوم وكلمه في ذلك حتى أفحمه وفضحه، قال أبو محمد: وليس هذا موضع التطويل بذكره.
قال الشيخ أبو عمرو: وغير خاف استغناء العقلاء والعلماء قبل واضع المنطق أرسطاطاليس وبعده عن معارفهم الجمة عن تعلم المنطق، وإنما المنطق عندهم بزعمهم آلة قانونية صناعية تعصم الذهن من الخطأ وكل ذي ذهن صحيح منطقي بالطبع قال: فكيف غفل الغزالي عن حال شيخه إمام الحرمين ومن قبله من كل
إمام هو له مقدم ولمحله في تحقيق الحقائق رافع معظم ثم لم يرفع أحد منهم بالمنطق رأسا ولا بنى عليه في شيء من تصرفاته أسّا.
ولقد أتى بخلطه المنطق بأصول الفقه بدعة عظم شؤمها على المتفقهة حتى كثر فيهم المتفلسفة، والله المستعان.
قال: ولأبي عبد الله المازري الفقيه المتكلم الأصولي وكان إماما محققا بارعا في مذهبي مالك والأشعري وله تصانيف في فنون منها شرح الإرشاد والبرهان لإمام الحرمين، ورسالة يذكر فيها حال الغزالي وحال كتابه الإحياء أصدرها في حال حيدة الغزالية جوابا لما كوتب به من الغرب والشرق في سؤاله عن ذلك عند اختلافهم في ذلك فذكر فيها ما اختصاره أن الغزالي كان قد خاض في علوم وصنف فيها واشتهر بالإمامة في إقليمه حتى تضاءل له المنازعون واستبحر في الفقه وفي أصول الدين وهو بالفقه أعرف.
وأما أصول الدين فليس بالمستبحر فيها شغله عن ذلك قراءته في علوم الفلسفة وأكسبته قراءة الفلسفة جراءة على المعاني وتسهيلا للهجوم على الحقائق لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها وليس لها شرع يزغها ولا تخاف من مخالفة أئمة تتبعها، فلذلك خامره ضرب من الإدلال على المعاني فاسترسل فيها استرسال من لا يبالي بغيره.
قال: وقد عرفني بعض أصحابه أنه كان له عكوف على قراءة رسائل إخوان الصفا، وهذه الرسائل هي إحدى وخمسون، كل رسالة مستقلة بنفسها وقد ظن في مؤلفها ظنون، وفي الجملة هو- يعني واضع الرسائل- رجل فيلسوف قد خاض في علوم الشرع فمزج ما بين العلمين وحسن الفلسفة في قلوب أهل الشرع بآيات وأحاديث يذكرها عندها.
ثم إنه كان في هذا الزمان المتأخر فيلسوف يعرف بابن سينا ملأ الدنيا تآليف في علوم الفلسفة وكان ينتمي إلى الشرع ويتحلى بحلية المسلمين وأدته قوته في علم الفلسفة إلى أن تلطف جهده في رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة وتم له من ذلك ما لم يتم لغيره من الفلاسفة.
قال: ووجدت هذا الغزالي يعول عليه في أكثر ما يشير إليه في علوم الفلسفة حتى إنه في بعض الأحايين ينقل نص كلامه من غير تغيير وأحيانا يغيره وينقله إلى الشرعيات أكثر ممّا ينقل ابن سينا لكونه أعلم بأسرار الشرع منه، فعلى ابن سينا ومؤلف رسائل إخوان الصفا عوّل الغزالي في علم الفلسفة.
قال: وأما مذهب المتصوفة فلست أدري على من عوّل فيها ولا من ينتسب إليه في علمها، قال: وعندي إنه على أبي حيان التوحيدي الصوفي عوّل في مذاهب الصوفية.
وقد علمت أن أبا حيان هذا ألف ديوانا عظيما في هذا الفن، ولم يصل إلينا منه شيء.
ثم ذكر أن في الإحياء فتاوى مبناها على ما لا حقيقة له مثل ما استحسن في قص الأظافر أن يبدأ بالسبابة لأن لها الفضل على بقية الأصابع لكونها المسبحة ثم بالوسطى لأنها ناحية اليمين ثم باليسرى على هيئة دائرة وكن الأصابع عنده دائرة فإذا أراد أصابعه مر عليها مرور الدائرة ثم يختم بإبهام اليمنى هكذا حدثني به من أثق به عن الكتاب.
قال: فانظر إلى هذا كيف أفاد قراءة الهندسة وعلم الدوائر وأحكامها أن نقله إلى الشرع فأفتى به المسلمين.
قال: وحمل إلى بعض الأصحاب من هذا الإملاء الجزء الأول فوجدته يذكر فيه أن من مات بعد بلوغه ولم يعلم أن الباري قديم مات مسلما إجماعا، ومن تساهل في حكاية الإجماع في مثل هذا الذي الأقرب أن يكون فيه الإجماع بعكس ما قال فحقيق أن لا يوثق بكل ما ينقل وأن يظن به التساهل في رواية ما لم يثبت عنده صحته.
قال: ثم تكلم المازري في محاسن الإحياء ومذامه ومنافعه ومضاره بكلام طويل ختمه بأن من لم يكن عنده من البسطة في العلم ما يعتصم به من غوائل هذا الكتاب فإن قراءته لا تجوز له، وإن كان فيه ما ينتفع به، ومن كان عنده من العلم ما يأمن على نفسه من غوائل هذا الكتاب ويعلم ما فيه من الرموز فيجتنب مقتضى ظواهرها ويكل أمر مؤلفها إلى الله تعالى، وإن كان كلها تقبل التأويل فقراءته له سائغة به، اللهم إلا أن يكون قارئه ممن يقتدى به ويغتر به فإنه ينهى عن قراءته وعن مدحه والثناء عليه.
قال: ولولا أن علمنا أن إملاءنا هذا إنما يقرؤه الخاصة ومن عنده علم يأمن به على نفسه لم نتبع محاسن هذا الكتاب الثناء ولم نتعرض لذكرها ولكنّا نحن أمنّا من التغرير، ولئلا يظن أيضا من يتعصب للرجل أنا جانبنا الإنصاف في الكلام على كتابه ويكون اعتقاده هذا فينا سببا لئلا يقبل نصيحتنا.
قال الشيخ أبو عمرو: وهذا آخر ما نقلناه عن المازري.
قلت: ما ذكره المازري في مادة أبي حامد الغزالي من الصوفية فهو كما قال المازري عن نفسه: لم يدر على من عول فيها، ولم يكن للمازري من الاعتناء بكتب الصوفية وأخبارهم ومذاهبهم ما له من الاعتناء بطريقة الكلام وما يتبعه من الفلسفة ونحوها، فلذلك لم يعرف، ولم تكن مادة أبي حامد من كلام أبي حيان التوحيدي وحده بل ولا غالب كلامه منه، فإن أبا حيان تغلب عليه الخطابة والفصاحة وهو مركب من فنون أدبية وفلسفية وكلامية وغير ذلك، وإن كان قد شهد عليه بالزندقة غير واحد وقرنوه بابن الراوندي كما ذكر ذلك ابن عقيل وغيره وإنما كان غالب استمداد أبي حامد من كتاب أبي طالب المكي الذي سماه قوت القلوب، ومن كتب الحارث المحاسبي وغيرها، ومن رسالة القشيري ومن منثورات وصلت إليه من كلام المشايخ، وما نقله في الإحياء عن الأئمة في ذم الكلام فإنه من كتاب أبي عمر بن عبد البر في فضل العلم وأهله «1»، وما نقله من الأدعية والأذكار نقله من كتاب الذكر لابن خزيمة، ولهذا كانت أحاديث هذا الباب جيدة وقد جالس من اتفق له من مشايخ الطرق لكنه يأخذ من كلام الصوفية في الغالب ما يتعلق بالأعمال والأخلاق والزهد والرياضة والعبادة وهي التي يسميها علوم المعاملة.
وأما التي يسميها علوم المكاشفة ويرمز إليها في الإحياء وغيره ففيها يستمد من كلام المتفلسفة وغيرهم كما في مشكاة الأنوار والمضنون به على غير أهله وغير ذلك، وبسبب خلطه التصوف بالفلسفة كما خلط الأصول بالفلسفة صار ينسب إلى التصوف من ليس هو موافقا للمشايخ المقبولين الذين لهم في الأمة لسان صدق رضي الله تعالى عنهم، بل يكون مباينا لهم في أصول الإيمان كالإيمان بالتوحيد والرسالة واليوم الآخر ويجعلون هذه مذاهب الصوفية كما يذكر ذلك ابن الطفيل صاحب رسالة حي بن يقظان وأبو الوليد بن رشد الحفيد، وصاحب خلع العلم، وابن العربي صاحب الفتوحات وفصوص الحكم، وابن سبعين، وأمثال هؤلاء ممن يتظاهر بمذاهب مشايخ الصوفية وأهل الطريق وهو في التحقيق منافق زنديق ينتهي إلى القول بالحلول والاتحاد، واتباع القرامطة أهل الإلحاد، ومذهب الإباحية الدافعين للأمر والنهي والوعد والوعيد ملاحظين لحقيقة القدر التي لا يفرق فيها بين الأنبياء والمرسلين وبين كل جبار عنيد وقائلين مع ذلك بنوع من الحقائق
البدعية، غير عارفين بالحقائق الدينية الشرعية ولا سالكين مسلك أولياء الله الذين هم بعد الأنبياء خير البرية فهم في نهاية تحقيقهم يسقطون الأمر والنهي والطاعة والعبادة مشاقّين للرسول، متبعين غير سبيل المؤمنين، ويفارقون سبيل أولياء الله المتقين إلى سبيل أولياء الشياطين، ثم يقولون بالحلول والاتحاد، وهو غاية الكفر ونهاية الإلحاد، ولهذا في كلام العارفين كأبي القاسم الجنيد وأمثاله من بيان أن التوحيد هو إفراد الحدوث عن القدم ونحو ذلك.
ومن بيان وجوب اتباع الأمر والنهي ولزوم العبادة إلى الموت ما يبين به أن أولئك السادة المهتدين حذروا من طريق هؤلاء الملحدين، ولهذا نجد هؤلاء كابن عربي وابن سبعين وأمثالهما يردون على مثل الجنيد وأمثاله من أئمة المشايخ ويدعون أنهم ظفروا في التحقيق بنهاية الرسوخ وإنما ظفروا بتحقيق الإلحاد، والدخول في الحلول والاتحاد، وما زال شيوخ الصوفية المؤمنون يحذرون من مثل هؤلاء الملبسين كما حذر أئمة الفقهاء من سبيل أهل البدعة والنفاق من أهل الفلسفة والكلام ونحوهم، حتى ذكر ذلك أبو نعيم «1» الحافظ في أول حلية الأولياء، وأبو القاسم القشيري في رسالته، دع من هو أجل منهما وأعلم منهما بطريق الصوفية وأقل غلطا وأبعد عن الاعتماد على المنقولات الضعيفة والمنقولات المبتدعة، قال أبو نعيم في أول الحلية: أما بعد أحسن الله تعالى توفيقك فقد استعنت بالله عز وجل وأجبتك إلى ما أبغيت من جمع كتاب يتضمن أسامي جماعة وبعض أحاديثهم وكلامهم من أعلام المحققين من المتصوفة وأئمتهم وترتيب طبقاتهم من النساك ومحجتهم، من قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم ممن عرف الأدلة والحقائق وباشر الأحوال والطرائق وساكن الرياض والحدائق، وفارق العوارض والعلائق، وتبرأ من المنقطعين والمتعمقين، ومن أهل الدعاوى المسوفين، ومن الكسالى والمثبطين، المتشبهين بهم في اللباس والمقال، والمخالفين لهم في العقيدة والفعال، وذلك لما بلغك من بسط ألسنتنا وألسنة أهل الفقه والأثر في كل الأقطار والأمصار، في المنتسبين إليهم من الفسقة الفجار، والمباحية والحلولية الكفار، وليس ما حل
بالكذبة من الوقيعة والإنكار، بقادح في منقبة البررة الأخيار، وواضع من درجة الصفوة الأطهار، بل في إظهار البراءة من الكذابين، والنكير على الحشوية البطالين، نزاهة الصادقين، ورفعة المحققين، ولو لم نكشف عن مخازي المبطلين ومساويهم ديانة، للزمنا إبانتها وإشاعتها حمية وصيانة، إذ لأسلافنا في التصوف العلم المنشور، والصيت والذكر المشهور، فقد كان جدي رحمه الله تعالى أحد من يسر الله تعالى به ذكر بعض المنقطعين إليه، وكيف يستجيز نقيصة أولياء الله تعالى ومؤذيهم مؤذن بمحاربة ربه.
ثم أسند حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه البخاري في صحيحه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى قال: من آذى لي وليّا» وفي الرواية الأخرى: «من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه» «1». قلت: قد ذم أهل العلم والإيمان من أئمة العلم والدين من جميع الطوائف من خرج عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأعمال باطنا أو ظاهرا ومدحهم هو لمن وافق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كان موافقا من وجه ومخالفا من وجه كالعاصي الذي يعلم أنه عاص فهو ممدوح من جهة موافقته، مذموم من جهة مخالفته.
وهذا مذهب سلف الأئمة وأئمتها من الصحابة ومن سلك سبيلهم في مسائل الأسماء والأحكام، والخلاف فيها أول خلاف حدث في مسائل الأصول حيث كفرت الخوارج بالذنب وجعلوا صاحب الكبيرة كافرا مخلدا في النار، ووافقتهم المعتزلة على زوال جميع إيمانه وإسلامه وعلى خلوده في النار، لكن نازعوهم في الاسم فلم يسموه كافرا بل قالوا: هو فاسق لا مؤمن ولا كافر ننزله منزلة بين المنزلتين، فهم وإن كانوا في الاسم إلى السنة أقرب فهم في الحكم في الآخرة مع الخوارج.
وأصل هؤلاء أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقّا للثواب
والعقاب والوعد والوعيد والحمد والذم بل إما لهذا وإما لهذا فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها، وقالوا: الإيمان هو الطاعة فيزول بزوال بعض الطاعة، ثم تنازعوا هل يخلفه الكفر على القولين، ووافقتهم المرجئة والجهمية على أن الإيمان يزول كله بزوال شيء منه، وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل فلا يزيد ولا ينقص وقالوا: إن إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والمؤمنين، لكن فقهاء المرجئة قالوا: إنه الاعتقاد والقول، وقالوا: إنه لا بد من أن يدخل النار من فساق الملة من شاء الله تعالى كما قالت الجماعة، فكان خلاف كثير من كلامهم للجماعة إنما هو في الاسم لا في الحكم، وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وبيّنا الفرق بين دلالة الاسم مفردا ودلالته مقرونا بغيره كاسم الفقير والمسكين فإنه إذا أفرد أحدهما يتناول معنى الآخر كقوله تعالى: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ «1»، فإنه يدخل فيهم المساكين وقوله تعالى: إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ «2»، فإنه يدخل فيهم الفقراء، وأما إذا قرن بينهما كقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ «3» فهما صنفان، وكذلك قوله تعالى: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ «4»، يدخل في المعروف كل واجب وفي المنكر كل قبيح، والقبائح هي السيئات وهي المحظورات كالشرك والكذب والظلم والفواحش.
فإذا قال: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ «5» وقال: وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ «6» فخص بعض أنواع المنكر بالذكر وعطف أحدهما على الآخر صارت دلالة اللفظ عليه نصّا مقصودا بطريق المطابقة بعد أن كانت بطريق العموم والتضمن سواء قيل إنه داخل في اللفظ العام أيضا فيكون مذكورا مرتين أو قيل إنه باقترانه بالاسم العام تبين أنه لم يدخل في الاسم العام لتغيير الدلالة بالإفراد والتجرد بالافتراق والاجتماع كما قدمنا، وهكذا اسم الإيمان فإنه تارة يذكر مفردا مجردا لا يقرن بالعمل الواجب فيدخل فيه العمل الواجب تضمنا ولزوما، وتارة يقرن بالعمل فيكون العمل حينئذ مذكورا بالمطابقة والنص ولفظ الإيمان يكون مسلوب الدلالة عليه حال الاقتران أو دالّا عليه كما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ
يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ «1»، وقوله سبحانه لموسى عليه السلام: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (14) «2» وقوله تعالى: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ «3» ونظائر ذلك كثيرة.
فالأعمال داخلة في الإيمان تضمنا، ولزوما في مثل قوله سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ2الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ3أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا «4». وفي مثل قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) «5»، وقوله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ «6»، وأمثال ذلك من الكتاب والسنة.
ومن استقرأ ذلك علم أن الاسم الشرعي كالإيمان، والصلاة والوضوء والصيام لا ينفيه الشارع عن شيء إلا لانتفاء ما هو واجب فيه لا لانتفاء ما هو مستحب فيه، وأما قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ7«7» ونحو ذلك فالعمل مخصوص بالذكر، إما توكيد وإما لأن الاقتران لا يغير دلالة الاسم فهذا موقف يزول فيه كثير من النزاع اللفظي في ذلك، وأيضا فإن الإيمان يتنوع بتنوع ما أمر الله تعالى به العبد فحين بعث الرسول لم يكن الإيمان الواجب ولا الإقرار ولا العمل مثل الإيمان الواجب في آخر الدعوة فإنه لم يكن يجب إذ ذاك الإقرار بما أنزله الله تعالى بعد ذلك من الإيجاب والتحريم والخبر ولا العمل بموجب ذلك، بل كان الإيمان الذي أوجبه الله تعالى يزيد شيئا فشيئا كما كان القرآن ينزل شيئا فشيئا، والدين يظهر شيئا فشيئا حتى أنزل الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً «8».
وكذلك العبد أول ما يبلغه خطاب الرسول عليه أكمل الصلاة وأكمل السلام إنما يجب عليه الشهادتان، فإذا مات قبل أن يدخل عليه وقت الصلاة لم يجب عليه شيء غير الإقرار، ومات مؤمنا كامل الإيمان الذي وجب عليه وإن كان إيمان غيره الذي دخلت عليه الأوقات أكمل منه فهذا إيمانه ناقص كنقص دين النساء حيث قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنكن ناقصات عقل ودين، أما نقصان عقلكن فشهادة امرأتين بشهادة رجل واحد، وأما نقصان دينكن فإن إحداكن إذا حاضت لم تصل» «1» ومعلوم أن الصلاة حينئذ ليس واجبة عليها، وهذا نقص لا تلام عليه المرأة، لكن من جعل كاملا كان أفضل منها بخلاف من نقص شيئا ممّا وجب عليه، فصار النقص في الدين والإيمان نوعين نوعا لا يذم العبد عليه لكونه لم يجب عليه لعجزه عنه حسّا أو شرعا، وإما لكونه مستحبّا ليس بواجب، ونوعا يذم عليه وهو ترك الواجبات.
فقول النبيّ صلى الله عليه وسلم لجارية معاوية بن الحكم السلمي لما قال لها: «أين الله»؟ قالت: في السماء، قال: «من أنا» قالت: أنت رسول الله، قال: «اعتقها فإنها مؤمنة» «2». ليس فيه حجة على أن من وجبت عليه العبادات فتركها وارتكب المحظورات يستحق الاسم المطلق كما استحقته هذه التي لم يظهر منها بعد ترك مأمور ولا فعل محظور، ومن عرف هذا تبين أن قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لهذه إنها مؤمنة لا ينافي قوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» «3». فإن ذلك نفي عنه الاسم لانتفاء بعض ما يجب عليه من ترك هذه الكبائر وتلك لم تترك واجبا تستحق بتركه أن تكون هكذا، ويتبع هذا أن من آمن بما جاء
به الرسل مجملا ثم بلغه مفصلا فأقر به مفصلا وعمل به كان قد زاد ما عنده من الدين والإيمان بحسب ذلك.
ومن أذنب ثم تاب أو غفل ثم ذكر أو فرط ثم أقبل فإنه يزيد دينه وإيمانه بحسب ذلك، كما قال من قال من الصحابة كعمير بن حبيب الخطمي وغيره: الإيمان يزيد وينقص، قيل له: فما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا حمدنا الله وذكرناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وأضعنا فذلك نقصانه «1». فذكر زيادته بالطاعات وإن كانت مستحبة ونقصانه بما أضاعه من واجب وغيره، وأيضا فإن تصديق القلب يتبعه عمل القلب، فالقلب إذا صدق بما يستحقه الله تعالى من الألوهية وما يستحقه الرسول من الرسالة تبع ذلك لا محالة محبة الله سبحانه ورسوله عليه الصلاة والسلام وتعظيم الله عز وجل ورسوله، والطاعة لله تعالى ورسوله أمر لازم لهذا التصديق لا يفارقه إلا لعارض من كبر أو حسد أو نحو ذلك من الأمور التي توجب الاستكبار عن عبادة الله تعالى والبغض لرسوله عليه الصلاة والسلام ونحو ذلك من الأمور التي توجب الكفر ككفر إبليس وفرعون وقومه واليهود وكفار مكة وغير هؤلاء من المعاندين والجاحدين.
ثم هؤلاء إذا لم يتبعوا التصديق بموجبه من عمل القلب واللسان وغير ذلك فإنه قد يطبع على قلوبهم حتى يزول عنها التصديق كما قال تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ «2»، فهؤلاء كانوا عالمين فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، وقال موسى لفرعون: لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ «3»، وقال تعالى: كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ «4» إلى قوله سبحانه: وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ «5». قال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ
وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ109وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) «1»، فبين سبحانه أن مجيء الآيات لا يوجب الإيمان بقوله تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ109وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ «2» أي فتكون هذه الأمور الثلاثة: أن لا يؤمنوا وأن نقلب أفئدتهم وأبصارهم، وأن نذرهم في طغيانهم يعمهون؛ أي وما يدريكم أن الآيات إذا جاءت تحصل هذه الأمور الثلاثة، وبهذا المعنى تبين أن قراءة الفتح أحسن وأن من قرأ «أن» المفتوحة بمعنى «لعل» فظن أن قوله: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ كلام مبتدأ لم يفهم معنى الآية، وإذا جعل ونقلب أفئدتهم داخلا في خبر أن تبين معنى الآية، فإن كثيرا من الناس يؤمنون ولا تقلب قلوبهم لكن قد يحصل تقليب أفئدتهم وأبصارهم وقد لا يحصل أي فما يدريكم أنهم لا يؤمنون، والمراد وما يشعركم إنها إذا جاءت لا يؤمنون بل نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة، والمعنى وما يدريكم أن الأمر بخلاف ما تظنونه من إيمانهم عند مجيء الآيات وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ فيعاقبون على ترك الإيمان أول مرة بعد وجوبه عليهم إما لكونهم عرفوا الحق وما أقروا به أو تمكنوا من معرفته فلم يطلبوا معرفته ومثل هذا كثير.
والمقصود هنا: أن ترك ما يجب من العمل بالعلم الذي هو مقتضى التصديق، والعلم قد يفضي إلى سلب التصديق، والعلم كما قيل: العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل «3». وكما قيل: كنا نستعين على حفظ العمل بالعمل به «4». فما في القلب من التصديق بما جاء به الرسول إذا لم يتبعه موجبه ومقتضاه من العمل قد يزول إذ وجود العلة يقتضي وجود المعلول، وعدم المعلول يقتضي عدم العلة، فكما أن العلم والتصديق سبب للإرادة والعمل فعدم الإرادة والعمل سبب لعدم العلم والتصديق، ثم إن كانت العلة تامة فعدم المعلول دليل يقتضي عدمها.
وإن كانت سببا قد يتخلف معلولها كان له بخلفه أمارة على عدم المعلول قد يتخلف مدلولها، وأيضا فالتصديق الجازم في القلب يتبعه موجبه بحسب الإمكان
كالإرادة الجازمة في القلب فكما إن الإرادة الجازمة في القلب إذا اقترنت بها القدرة حصل بها المراد أو المقدور من المراد لا محالة كانت القدرة حاصلة ولم يقع الفعل كان الحاصل هي لا إرادة جازمة وهذا هو الذي عفي عنه.
فكذلك التصديق الجازم إذا حصل في القلب تبعه عمل من عمل القلب لا محالة لا يتصور أن ينفك عنه بل يتبعه الممكن من عمل الجوارح فمتى لم يتبعه شيء من عمل القلب علم أنه ليس بتصديق جازم فلا يكون إيمانا لكن التصديق الجازم قد لا يتبعه عمل القلب بتمامه لعارض من الأهواء كالكبر والحسد ونحو ذلك من أهواء النفس لكن الأصل أن التصديق يتبعه الحب وإذا تخلف الحب كان لضعف التصديق الموجب له، ولهذا قال الصحابة: كل من يعص الله فهو جاهل.
وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار جهلا.
ولهذا كان التكلم بالكفر من غير إكراه كفرا في نفس الأمر عند الجماعة وأئمة الفقهاء حتى المرجئة خلافا للجهمية ومن اتبعهم، ومن هذا الباب سب الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وبغضه، وسب القرآن وبغضه، وكذلك سب الله سبحانه وبغضه ونحو ذلك ممّا ليس من باب التصديق والحب والتعظيم والموالاة بل من باب التكذيب والبغض والمعاداة والاستخفاف.
ولما كان إيمان القلب له موجبات في الظاهر كان الظاهر دليلا على إيمان القلب ثبوتا وانتفاء كقوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ «1» وقوله عز وجل: وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ «2» وأمثال ذلك.
وبعد هذا فنزاع المنازع في أن الإيمان في اللغة هو اسم لمجرد التصديق دون مقتضاه أو اسم للأمرين يؤول إلى نزاع لفظي، وقد يقال أن الدلالة تختلف بالإفراد والاقتران والناس منهم من يقول أن أصل الإيمان في اللغة التصديق ثم يقول والتصديق يكون باللسان ويكون بالجوارح، والقول يسمى تصديقا والعمل يسمى تصديقا كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» «3».
وقال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن بما وقر في القلب وصدقه العمل.
ومنهم من يقول بل الإيمان هو الإقرار وليس هو مرادفا للتصديق، فإن التصديق يقال على كل خبر عن شهادة أو غيب، وأما الإيمان فهو أخص منه فإنه قد قيل لخبر إخوة يوسف وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وقيل: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ إذ الإيمان بالنبيّ عليه الصلاة والسلام تصديق به والإيمان له تصديق له في ذلك الخبر وهذا في المخبر ويقال لمن قال: الواحد نصف الاثنين والسماء فوق الأرض: قد صدقت، ولا يقال: آمنت له، ويقال: أصدق بهذا ولا يقال: أؤمن به، إذ لفظ الإيمان أفعال من الأمن فهو يقتضي طمأنينة وسكونا فيما من شأنه أن يستريب فيه القلب ويخفق ويضطرب وهذا إنما يكون في الإخبار بالمغيبات لا بالمشاهدات.
والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الموضع وإنما المقصود أن فقهاء المرجئة خلافهم مع أهل السنة يسير وبعضه لفظي ولم يعرف بين الأئمة المشهورين بالفتيا خلاف إلا في هذا فإن ذلك قول طائفة من فقهاء الكوفيين كحماد بن أبي سليمان وصاحبه أبي حنيفة وأصحاب أبي حنيفة، وأما قول الجهمية وهو أن الإيمان مجرد تصديق القلب دون اللسان فهذا لم يقله أحد من المشهورين بالإمامة، ولا كان قديما فيضاف هذا إلى المرجئة، وإنما وافق الجهمية عليه طائفة من المتأخرين من أصحاب الأشعري.
وأما ابن كلاب فكلامه يوافق كلام المرجئة لا الجهمية وآخر الأقوال حدوثا في ذلك قول الكرامية أن الإيمان اسم للقول باللسان وإن لم يكن معه اعتقاد القلب، وهذا القول أفسد الأقوال لكن أصحابه لا يخالفون في الحكم فإنهم يقولون إن هذا الإيمان باللسان دون القلب هو إيمان المنافقين، وأنه لا ينفع في الآخرة وإنما أوقع هؤلاء كلهم ما أوقع الخوارج والمعتزلة في ظنهم أن الإيمان لا يتبعض بل إذا ذهب بعضه ذهب كله ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يتبعض وأنه ينقص ولا يزول جميعه كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان» «1».
فالأقوال في ذلك ثلاثة: الخوارج والمعتزلة نازعوا في الاسم والحكم فلم يقولوا بالتبعيض لا في الاسم ولا في الحكم فرفعوا عن صاحب الكبيرة بالكلية اسم الإيمان وأوجبوا له الخلود في النيران، وأما الجهمية والمرجئة فنازعوا في الاسم لا في الحكم فقالوا يجوز أن يكون مثابا معاقبا محمودا مذموما لكن لا يجوز أن يكون معه بعض الإيمان دون بعض وكثير من المرجئة والجهمية من يقف في الوعيد فلا يجزم بنفوذ الوعيد في حق أحد من أرباب الكبائر كما قال ذلك من قاله من مرجئة الشيعة والأشعرية كالقاضي أبي بكر وغيره، ويذكر عن غلاتهم أنهم نفوا الوعيد بالكلية لكن لا أعلم معينا معروفا أذكر عنه هذا القول، ولكن حكي هذا عن مقاتل بن سليمان والأشبه أنه كذب عليه.
وأما أئمة السنة والجماعة: فعلى إثبات التبعيض في الاسم والحكم فيكون مع الرجل بعض الإيمان لا كله ويثبت له من حكم أهل الإيمان وثوابهم بحسب ما معه كما يثبت له من العقاب بحسب ما عليه، وولاية الله تعالى بحسب إيمان العبد وتقواه، فيكون مع العبد من ولاية الله تعالى بحسب ما معه من الإيمان والتقوى فإن أولياء الله هم المؤمنون المتقون كما قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ62الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (63) «1». وعلى هذا فالمتأول الذي أخطأ في تأويله في المسائل الخبرية والأمرية وإن كان في قوله بدعة يخالف بها نصّا أو إجماعا قديما وهو لا يعلم أنه يخالف ذلك بل قد أخطأ فيه كما يخطئ المفتي والقاضي في كثير من مسائل الفتيا والقضاء باجتهاده؛ يكون أيضا مثابا من جهة اجتهاده الموافق لطاعة الله تعالى غير مثاب من جهة ما أخطأ فيه وإن كان معفوّا عنه، ثم قد يحصل فيه تفريط في الواجب أو اتباع لهوى يكون ذنبا منه، وقد يقوى فيكون كبيرة وقد تقوم عليه الحجة التي بعث الله عز وجل بها رسله ويعاندها مشاقّا للرسول من بعد ما تبين له الهدى متبعا غير سبيل المؤمنين فيكون مرتدّا منافقا أو مرتدّا ردة ظاهرة، فالكلام في الأشخاص لا بد فيه من هذا التفصيل، وأما الكلام في أنواع الأقوال والأعمال باطنا وظاهرا من الاعتقاد والإرادات وغير ذلك فالواجب فيما تنوزع في ذلك أن يرد إلى الله والرسول فما وافق الكتاب والسنة فهو حق، وما خالفهما فهو باطل، وما وافقهما من وجه دون وجه فهو ما اشتمل على حق وباطل فهذا هو.
والمقصود هنا: أن أهل العلم والإيمان في تصديقهم لما يصدقون به وتكذيبهم لما يكذبون به وحمدهم لما يحمدونه وذمهم لما يذمونه متفقون على هذا الأصل فلهذا يوجد أئمة أهل العلم والدين من المنتسبين إلى الفقه والزهد يذمون أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة في الاعتقادات والأعمال من أهل الكلام والرأي والزهد والتصوف ونحوهم وإن كان في أولئك من هو مجتهد له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور له.
وقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» «1». فكان القرن الأول من كمال العلم والإيمان على حال لم يصل إليها القرن الثاني، وكذلك الثالث وكان ظهور البدع والنفاق بحسب البعد عن السنن والإيمان، وكلما كانت البدعة أشد تأخر ظهورها، وكلما كانت أخف كانت إلى الحدوث أقرب، فلهذا حدث أولا بدعة الخوارج والشيعة ثم بدعة القدرية والمرجئة وكان آخر ما حدث بدعة الجهمية حتى قال ابن المبارك ويوسف بن أسباط وطائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، إن الجهمية ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة بل هم زنادقة، وهذا مع أن كثيرا من بدعهم دخل فيها قوم ليسوا بزنادقة بل قبلوا كلام الزنادقة جهلا وخطأ، قال الله تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ «2» فأخبر سبحانه أن في المؤمنين من هو مستجيب للمنافقين فما يقع فيه بعض أهل الإيمان من أمور بعض المنافقين، هو من هذا الباب.
والمقصود هنا: أن يعلم أنه لم يزل في أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن أمته لا تبقى على ضلالة بل إذا وقع منكر من لبس حق بباطل أو غير ذلك، فلا بد أن يقيم الله تعالى من يميز ذلك فلا بد من بيان ذلك ولا بد من إعطاء الناس حقوقهم كما قالت عائشة رضي الله عنها: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم» رواه أبو داود وغيره «3». وهذا الموضع لا يحتمل من السعة وكلام الناس في مثل هذه الأمور التي
وقعت ممن وقعت منه؛ بل المقصود التنبيه على جمل ذلك لأن هذا محتاج إليه في هذه الأوقات، فكتب الزهد والتصوف فيها من جنس ما في كتب الفقه والرأي وفي كلاهما منقولات صحيحة وضعيفة بل وموضوعة، ومقالات صحيحة وضعيفة بل وباطلة، وأما كتب الكلام ففيها من الباطل أعظم من ذلك بكثير بل فيها أنواع من الزندقة والنفاق.
وأما كتب الفلسفة فالباطل غالب عليها بل الكفر الصريح كثير فيها وكتاب الإحياء له حكم نظائره ففيه أحاديث كثيرة صحيحة وأحاديث كثيرة ضعيفة أو موضوعة، فإن مادة المصنف في الحديث والآثار وكلام السلف وتفسيرهم للقرآن مادة ضعيفة، وأجود ماله من المواد المادة الصوفية، ولو سلك فيها مسلك الصوفية أهل العلم بالآثار النبوية واحترز عن تصوف المتفلسفة الصابئين لحصل مطلوبه ونال مقصوده، لكنه في آخر عمره سلك هذا السبيل، وأحسن ما في كتابه أو أحسن ما فيه ما يأخذه من كتاب أبي طالب في مقامات العارفين ونحو ذلك فإن أبا طالب أخبر بذوق الصوفية حالا وأعلم بكلامهم وآثارهم سماعا وأكثر مباشرة لشيوخهم الأكابر.
والمقصود هنا: أن طرق العلم بصدق النبيّ عليه أفضل الصلاة والسلام بل وتفاوت الطرق في معرفة قدر النبوة والنبيّ متعددة تعددا كثيرا إذ النبيّ يخبر عن الله سبحانه أنه قال ذلك إما إخبارا من الله تعالى وإما أمرا أو نهيا ولكل من حال المخبر عنه والمخبر به بل ومن حال المخبرين- مصدقهم ومكذبهم- دلالة على المطلوب سوى ما ينفصل عن ذلك من الخوارق وأخبار الأولين والهواتف والكهان وغير ذلك، فالمخبر مطلقا يعلم صدقه وكذبه أمور كثيرة لا يحصل العلم بآحادها كما يحصل العلم بمخبر الأخبار المتواترة بل بمخبر الخبر الواحد الذي احتف بخبره قرائن أفادت العلم.
ومن هذا الباب علم الإنسان بعدالة الشاهد والمحدث والمفتي حتى يزكيهم ويفتي بخبرهم ويحكم بشهادتهم وحتى لا يحتاج الحاكم في عدالة كل شاهد إلى تزكيته فإنه لو احتاج كل مزكّ إلى مزكي لزم التسلسل، بل يعلم صدق الشخص تارة باختباره ومباشرته، وتارة باستفاضة صدقه بين الناس، ولهذا قال العلماء: إن التعديل لا يحتاج إلى بيان السبب فإن كون الشخص عدلا صادقا لا يكذب لا يتبين بذكر شيء معين بخلاف الجرح فإنه لا يقبل إلا مفسرا عند جمهور العلماء لوجهين: أحدهما: أن سبب الجرح ينضبط.
الثاني: أنه قد يظن ما ليس بجرح جرحا، وأما كونه صادقا متحريا للصدق لا يكذب فهذا لا يعرف بشيء واحد حتى يخبر به وإنما يعرف ذلك من خلقه وعادته بطول المباشرة له والخبرة له، ثم إذا استفاض ذلك عند عامة من يعرفه كان ذلك طريقا للعلم لمن لم يباشره كما يعرف الإنسان عدل عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وظلم الحجاج.
ولهذا قال الفقهاء: إن العدالة والفسق يثبتان بالاستفاضة وقالوا في الجرح المفسر يجرحه بما رآه أو سمعه أو استفاض عنه، وصدق الإنسان في العادة مستلزم لخصال البر كما أن كذبه مستلزم لخصال الفجور كما ثبت في الصحيحين عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابا» «1». وكما أن الخبر المتواتر يعلم لكونه خبر من يمتنع في العادة اتفاقهم وتواطؤهم على الكذب، والخبر المنكر المكذب يعلم لكونه لم يخبر به من يمتنع في العادة اتفاقهم على الكتمان فخلق الشخص وعادته في الصدق والكذب يمتنع في العادة أن يخفى على الناس فلا يوجد أحد يظهر تحري الصدق وهو يكذب إذا أراد إلا ولا بد أن يتبين كذبه، فإن الإنسان حيوان ناطق فالكلام له وصف لازم ذاتي لا يفارقه، والكلام إما خبر وإما إنشاء والخبر أكثر من الإنشاء وأصل له كما أن العلم أعم من الإرادة وأصل لها والمعلوم أعظم من المراد، فالعلم يتناول الموجود والمعدوم والواجب والممكن والممتنع وما كان وما سيكون وما يختاره العالم وما لا يختاره.
وإما الإرادة فتختص ببعض الأمور دون بعض والخبر يطابق العلم فكل ما يعلم يمكن الخبر به، والإنشاء يطابق الإرادة، فإن الأمر إما محبوب يؤمر به أو مكروه ينهى عنه، وأما ما ليس بمحبوب ولا مكروه فلا يؤمر به ولا ينهى عنه وإذا كان كذلك فالإنسان إذا كان متحريا للصدق عرف ذلك منه وإذا كان يكذب أحيانا لغرض من الأغراض لجلب ما يهواه أو دفع ما يبغضه أو غير ذلك، فإن ذلك لا بد أن يعرف منه، وهذا أمر جرت به العادات كما جرت بنظائره فلا تجد أحدا بين طائفة من الطوائف طالت مباشرتهم له إلا وهم يعرفونه هل يكذب أو لا يكذب؟
ولهذا كان من سنة القضاة إذا شهد عندهم من لا يعرفونه كان لهم أصحاب مسائل يسألون عنه جيرانه ومعامليه ونحوهم ممن له به خبرة فمن خبر شخصا خبرة باطنة فإنه يعلم من عادته علما يقينيّا أنه لا يكذب لا سيما في الأمور العظام، ومن خبر عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وسفيان الثوري ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وأضعاف أضعافهم حصل عنده علم ضروري من أعظم العلوم الضرورية أن الواحد من هؤلاء لا يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تواترت عنه أخبارهم من أهل زماننا وغيرهم حصل له هذا العلم الضروري ولكن قد يجوز على أحدهم الغلط الذي يليق به، ثم خبر الفاسق والكافر بل ومن عرف الكذب قد تقترن به قرائن تفيد علما ضروريّا أن المخبر صادق في ذلك الخبر فكيف ممن عرف منه الصدق في الأشياء فمن كان خبيرا بحال النبيّ صلى الله عليه وسلم مثل زوجته خديجة وصديقه أبي بكر إذا أخبره النبيّ صلى الله عليه وسلم بما رآه أو سمعه حصل له علم ضروري بأنه صادق في ذلك ليس هو كاذبا في ذلك ثم أن النبيّ لا بد أن يحصل له علم ضروري بأن ما أتاه صادق أو كاذب فيصير إخباره عمّا علمه بالضرورة كأخبار أهل التواتر عما علموه بالضرورة.
وأيضا فالمتنبئ الكذاب كمسيلمة والعنسي ونحوهما يظهر لمخاطبه من كذبه في أثناء الأمور أعظم ما يظهر من كذب غيره فإنه إذا كان الإخبار عن الأمور المشاهدة لا بد أن يظهر فيه كذب الكاذب فما الظن بمن يخبر عن الأمور الغائبة التي تطلب منه، ومن لوازم النبيّ التي لا بد منها الإخبار عن الغيب الذي أنبأ الله تعالى به فإن لم يخبر عن غيب لا يكون نبيّا فإذا أخبرهم المتنبئ عن الأمور الغائبة عن حواسهم من الحاضرات والمستقبلات والماضيات فلا بد أن يكذب فيها ويظهر لهم كذبه، وإن كان قد يصدق أحيانا في شيء كما يظهر كذب الكهان والمنجمين ونحوهم وكذب المدعين للدين والولاية والمشيخة بالباطل فإن الواحد من هؤلاء وإن صدق في بعض الوقائع فلا بد أن يكذب في غيرها بل يكون كذبه أغلب من صدقه بل تتناقض أخباره وأوامره، وهذا أمر جرت به سنة الله التي لن تجد لها تبديلا قال تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً «1». وأما النبيّ الصادق المصدوق فهو فيما يخبر به عن الغيوب توجد أخباره صادقة مطابقة وكلما زادت أخباره ظهر صدقه، وكلما قويت مباشرته وامتحانه ظهر صدقه كالذهب الخالص الذي كلما سبك خلص وظهر جوهره بخلاف المغشوش
فإنه عند المحنة ينكشف ويظهر أن باطنه خلاف ظاهره، ولهذا جاء في النبوات المتقدمة أن الكذاب لا يدوم أمره أكثر من مدة قليلة إما ثلاثين سنة وإما أقل فلا يوجد مدعي النبوة كذبا إلا ولا بد أن ينكشف ستره ويظهر أمره، والأنبياء الصادقون لا يزال يظهر صدقهم بل الذين يظهرون العلم ببعض الفنون والخبرة ببعض الصناعات والصلاح والدين والزهد لا بد أن يتميز هذا من هذا وينكشف، فالصادقون يدوم أمرهم، والكذابون ينقطع أمرهم، هذا أمر جرت به العادة وسنة الله التي لن تجد لها تبديلا.
وأما المخبر عنه وبه كالنبيّ يخبر عن الله تعالى بأنه أخبر بكذا أو أنه أمر بكذا فلا بد أن يكون خبره صدقا وأمره عدلا قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) «1» والأمور التي يخبر بها ويأمر بها تارة تنبه العقول على الأمثال والأدلة العقلية التي يعلم بها صحتها فيكون ما علمته العقول بدلالته وإرشاده من الحق الذي أخبر به، والخبر الذي أمر به شاهد بأنه هاد ومرشد معلم للخبر ليس بمضل ولا مغو ولا معلم للشر، وهذه حال الصادق البر دون الكاذب الفاجر، فإن الكاذب الفاجر لا يتصور أن يكون ما يأمر به عدلا وما يخبر به حقّا وإذا كان أحيانا يخبر ببعض الأمور الغائبة كشيطان يقرن به يلقي إليه ذلك أو غير ذلك فلا بد أن يكون كاذبا فاجرا كما قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ221تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223) «2». وهذا بيان لأن الذي يأتيه ملك لا شيطان، فإن الشيطان لا ينزل على الصادق البار ما دام صادقا بارا إذ لا يحصل مقصوده بذلك وإنما ينزل على من يناسبه في التشطين وهو الكاذب الأثيم، والأثيم الفاجر.
وتارة يخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بأمور ويأمر بأمور لا يتبين للعقول صدقها ومنفعتها في أول الأمر، فإذا صدق الإنسان خبره وأطاع أمره وجد في ذلك من البيان للحقائق والمنفعة والفوائد ما يعلم به أن عنده من عظيم العلم والصدق والحكمة ما لا يعلمه إلا الله تعالى أعظم ما يتبين به صدق الطبيب إذا استعمل ما يصفه من الأدوية، وصدق العقل المشير إذا استعمل ما يراه من الآراء وأمثال ذلك، وحينئذ فيحصل للنفوس علم ضروري بكمال عقله وصدقه فإذا أخبر بعد ذلك عن أمور ضرورية يراها أو يسمعها حصل للنفوس علم ضروري بأنه صادق لا يتعمد الكذب وأنه
متيقن لما أخبر به ليس فيه خطأ ولا غلط أعظم ما يتبين به صدق من أخبر عما رآه من الرؤيا أو عما رآه من العجائب وأمثال ذلك، فإن الخبر إنما تأتيه الآفة من تعمد الكذب أو الخطأ بأن يظن الأمر على خلاف ما هو عليه فإن كان من العلوم الضرورية التي كلما دامت قويت وظهرت وزادت زال احتمال الخطأ وما كان يتحرى الصدق الذي يعلم معه بالضرورة انتفاء تعمد الكذب هو وغيره من الأمور التي يعلم معها انتفاء تعمد الكذب ويزول معه احتمال تعمده، وأما العلم بالعدل فيما يؤمر به وبالعدل الفاضل فيما يأمره فهذا يعلم تارة ممّا نبينه من الأدلة العقلية ونضربه من الأمثال وهذا هو الغالب على ما يذكره الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أصول الدين علما وعملا وتارة يظهر ذلك بالتجربة والامتحان وتارة يستدل بما علم على ما يعلم.
وأيضا فقد علم أن العالم ما زال فيه نبوة من آدم عليه السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فالنبيّ الثاني يعلم صدقه بأمور منها إخبار النبيّ الأول به كما بشر بنبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام الأنبياء من قبله، وكذلك بشر بالمسيح الأنبياء من قبله.
وتارة يعلم صدقه بأن يأتي بمثل ما أتوا به من الخبر والأمر فإن الكذاب الفاجر لا يتصور أن يكون في أخباره وأوامره موافقا للأنبياء بل لا بد أن يخالفهم في الأصول الكلية التي اتفق عليها الأنبياء كالتوحيد والنبوات والمعاد كما أن القاضي الجاهل أو الظالم لا بد أن يخالف سنة القضاة العالمين العادلين، وكذلك المفتي الجاهل أو الكاذب، والطبيب الكاذب أو الجاهل فإن كل هؤلاء لا بد أن يتبين كذبهم أو جهلهم بمخالفتهم لما مضت به سنة أهل العلم والصدق، وإن كان قد يخالف بعضهم بعضا في أمور اجتهادية فإنه يعلم الفرق بين ذلك وبين المخالفة في الأصول الكلية التي لا يمكن انخرامها ولهذا يتميز للناس في الأمراء والحكام والمفتين والمحدثين والأطباء وسائر الأصناف بين العالم الصادق وإن خالف غيره من أهل العلم في الصدق في أشياء وبين من يكون جاهلا أو كاذبا ظالما ويفرقون بين هذا وهذا كما أنهم يعلمون من سيرة أبي بكر وعمر من العلم والعدل ما لا يرتابون فيه وإن كان بينهما منازعات في أمور اجتهادية كالتفضيل في العطاء ونحو ذلك.
وأيضا فإذا أخبر اثنان عن قضية طويلة ذات أجزاء وشعب لم يتواطآ عليها ويمتنع في العادة اتفاقهما فيها على تعمد الكذب والخطأ علمنا صدقهما مثل أن يشهد رجلان واقعة من وقائع الحروب أو يشهدا الجمعة أو العيد أو موت ملك أو
تغير دولة ونحو ذلك أو يشهدا خطبة خطيب أو كتابا لبعض الولاة أو يطالعا كتابا من الكتب أو يحفظاه ونعلم أنهما لم يتواطآ ثم يجيء أحدهما فيخبر بذلك كله مفصلا شيئا فشيئا من غير تواطؤ فيعلم أنهما صادقان ويخبر الآخر بمثل ما أخبر به الأول مفصلا شيئا فشيئا من غير تواطؤ فيعلم أنهما صادقان حتى لو كان رجلان يحفظان بعض قصائد العرب كقصيدة امرئ القيس أو غيرها وهناك من لا يحفظها، وهناك شخصان لا يعرف أحدهما الآخر فقال الذي لا يحفظها لأحدهما: أنشدنيها فأنشدها، ثم طلب الآخر وقال له: أنشدنيها فأنشدها كما أنشدها الأول علم المستمع أنها هي هي، بل وكذلك كتب الفقه والحديث واللغة والطب وغير ذلك، ولو بعث بعض الملوك رسلا إلى أمرائه ونوابه في أمر من الأمور ثم أخبر أحد الرسولين بأنه أمر بأمر ذكره وفصّله وأخبر الآخر بمثل ذلك للقوم الذين أرسل إليهم من غير علم منه بإرسال الآخر لعلم قطعا أن ذلك الأمر هو الذي أمر به المرسل وأنهما صادقان فإنه يعلم علما ضروريّا أنه يمتنع في الكذب والخطأ أن يتفق في مثل هذا.
ومعلوم أن موسى عليه السلام وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين كانوا قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد أخبروا عن الله سبحانه وتعالى من توحيده وأسماءه وصفاته وملائكته وأمره ونهيه ووعده ووعيده وإرساله بما أخبروا به، ومعلوم أيضا لمن علم حال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان رجلا أمّيّا نشأ بين قوم أميّين ولم يكن يقرأ كتابا ولا يكتب بخطه كما قال تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (48) «1» وأن قومه الذين نشأ بينهم لم يكونوا يعلمون علوم الأنبياء بل كانوا من أشد الناس شركا وجهلا وتبديلا وتكذيبا بالمعاد، وكانوا من أبعد الأمم عن توحيد الله سبحانه، ومن أعظم الأمم إشراكا بالله عز وجل، ثم إذا تدبرت القرآن والتوراة وجدتهما يتفقان في عامة المقاصد الكلية من التوحيد والنبوات والأعمال الكلية وسائر الأسماء والصفات ومن كان له علم بهذا علم علما ضروريّا ما قاله النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، وما قاله ورقة بن نوفل: إن هذا الناموس الذي كان يأتي موسى.
قال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ «2» وقال تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ
قَبْلِكَ «1» وقال تعالى: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ «2». وأمثال ذلك ممّا يذكر فيه شهادة الكتب المتقدمة بمثل ما أخبر به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهذه الأخبار منقولة عند أهل الكتاب بالتواتر كما نقل عندهم بالتواتر معجزات موسى وعيسى عليهما السلام وإن كان كثيرا ممّا يدعونه من أدق الأمور لم يتواتر عندهم لانقطاع التواتر فيهم فالفرق بين الجمل الكلية المشهورة التي هي أصل الشرائع التي يعلمها أهل الملل كلهم وبين الجزئيات الدقيقة التي لا يعلمها إلا خواص الناس ظاهر ولهذا كان وجوب الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان وحج البيت وتحريم الفواحش والكذب ونحو ذلك متواترا عند عامة المسلمين وأكثرهم لا يعلمون تفاصيل الأحكام والسنن المتواترة عند الخاصة فإذا كان في الكتب التي بأيدي أهل الكتاب وفيما ينقلونه بالتواتر ما يوافق ما أخبر به نبينا محمد عليه الصلاة والسلام كان في ذلك فوائد جليلة هي من بعض حكمه إقرارهم بالجزية: أحدها: أنه إذا علم اتفاق الرسل على مثل هذا علم صدقهم فيما أخبروا به عن الله تعالى حيث أخبر محمد صلى الله عليه وسلم بمثل ما أخبر به موسى من غير تواطؤ ولا تشاعر.
الثاني: أن ذلك دليل على اتفاق الرسل كلهم في أصول الدين كما يعلم أن رسل الله قبله كانوا رجالا من البشر لم يكونوا ملائكة فلا يجعل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي جاء بها كما قال تعالى: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ «3» وقال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ109حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) «4». الثالث: أن هذه آية على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بمثل ما أخبرت به الأنبياء من غير تعلم من بشر وهذه الأمور هي من الغيب قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) «5». وقال تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ
يَمْكُرُونَ (102) «1» وقال تعالى: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ44وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (55) «2». وكثير من أهل الكتاب آمنوا بمثل هذه الطرق، قال تعالى: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً107وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (109) «3» وقال تعالى: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) «4» وقال تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ6«5». ولا ريب أن منكري النبوات لهم شبه؛ منها: إنكار أن يكون رسول الله بشرا ومنها: دعوى أن الذي يأتيه شيطان لا ملك وغير ذلك وكل ذلك قد أجاب الله تعالى عنه في القرآن العظيم وقرر ذلك بأبلغ تقرير لكن جواب هذا السؤال لا يتسع لبسط ذلك في القرآن، قال تعالى: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ1أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ «6».
وقال تعالى: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا94قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا (95) «1». وقال تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ7وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (9) «2» بين أن الرسول لو كان ملكا لكان في صورة رجل إذ لا يستطيعون الأخذ عن الملك على صورته ولو كان في صورة رجل لعاد اللبس وقالوا: أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا.
وقال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ «3» وقال تعالى: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ7وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (8) «4» فأمر سبحانه بمسألة أهل الذكر إذ ذلك ممّا تواتر عندهم أن الرسل كانوا رجالا، وقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً «5». وبالجملة: فتقرير النبوات من القرآن أعظم من أن يشرح في هذا المقام إذ ذلك هو عماد الدين وأصل الدعوة النبوية وينبوع كل خير وجماع كل هدى وأما حال المخبر عنه فإن النبيّ والرسول يخبر عن الله تعالى بأنه أرسله ولا أعظم فرية ممن يكذب على الله عز وجل كما قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ «6» ذكر هذا بعد قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ91وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (92) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ «7». فنقض سبحانه دعوى الجاحد النافي للنبوة بقوله: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ
بِهِ مُوسى «1» وهذا الكتاب ظهر فيه من الآيات والبينات واتبعه كل الأنبياء والمؤمنين وحصل فيه ما لم يحصل في غيره، فكانت البراهين والدلائل على صدقه أكثر وأظهر من أن تذكر بخلاف الإنجيل وغيره.
وأيضا فإنه أصل والإنجيل تبع له إلا فيما أحله المسيح وهذا كما يقول سبحانه: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا «2» أي القرآن والتوراة، وفي القراءة الأخرى قالوا: ساحران أي محمد والقرآن وكذلك قوله: إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) «3» وكذلك قوله: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً «4» وكذلك قول الجن: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ «5»، ولهذا كانت قصة موسى هي أعظم قصص الأنبياء المذكورين في القرآن وهي أكبر من غيرها وتبسط أكثر من غيرها.
قال عبد الله بن مسعود: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عامة نهاره يحدثنا عن بني إسرائيل «6». ولما قرر الصدق بين حال الكذابين بأنهم ثلاثة أصناف، إذ لا يخلو الكذاب من أن يضيف الكذب إلى الله تعالى ويقول: إنه أنزله أو يحذف فاعله ولا يضيفه إلى أحد أو أن يقول إنه هو الذي وضعه معارضا، فقال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ «7». وأما المخبر عنه فإنه الله تعالى، ولا ريب أنه يعلم من أمور الرب سبحانه
بما نصبه من الأدلة المعاينة الحسية التي يعقل بها نفسها وبالأمثال المضروبة وهي الأقيسة العقلية ما يمتنع معه خفاء كذب الكاذب بل يمتنع معه خفاء كذب الكاذب بل يمتنع معه خفاء صدق الصادق، فالدجال مثلا قد علم بوجوه متعددة ضرورية أنه ليس هو الله وأنه كافر مفتقر وإذا كانت دعواه معلوما كذبها ضرورة لم يكن ما يأتي به من الشبهات مصدقا لها، إذ العصمة الضرورية لا تقدح فيها الطرق النظرية فإن الضروريات أصل النظريات فلو قدح بها فيها لزم إبطال الأصل بالفرع فيبطلان جميعا فإنه يظهر أيضا من عجزه ما ينفي دعواه.
وكذلك من أباح الفواحش والمظالم والشرك والكذب مدعيا للنبوة يعلم بالاضطرار كذبه، للعلم الضروري بأن الله سبحانه لا يأمر بهذا سواء قيل أن العقل يعلم به حسن الأفعال وقبحها أو لا يعلم به، فليس كلما أمكن في العقل وقوعه، وكان الله قادرا عليه يشك في وقوعه، بل نحن نعلم بالضرورة أن البحار لم تقلب دما، وأن الجبال لم تقلب يواقيت وأمثال ذلك من المعادن، وإن لم يسند ذلك إلى دليل معين، وإن كنّا عالمين بأن الله تعالى قادر على قلب ذلك لكن العلم بالوقوع وعدمه شيء، والعلم بإمكان ذلك من قدرة الله سبحانه شيء، وكل ذي فطرة سليمة يعلم بالاضطرار أن الله تعالى لا يأمر عباده بالكذب والظلم والشرك والفواحش وأمثال ذلك ممّا قد يأتي به كثير من الكذابين بل يعلم بفطرته السليمة ما يناسب حال الربوبية، وهذا باب واسع ليس هذا موضع بسطه ولكن نذكر ما أشار إليه مصنف العقيدة.