سابعا مؤلفاته وآثاره
كما سبق أن عرفنا فقد كان الشيخ أشبه ما يكون بموسوعة، له في كل فنّ نصيب، كان قلمه سيالا، تميز بسرعة الكتابة- ولولا ذلك والله أعلم- لما خلّف هذا التراث الضخم.
يقول أخوه أبو عبد الله: «وقد منّ الله عليه بسرعة الكتابة، ويكتب من حفظه من غير نقل» اه «1». وقد ذكر ابن عبد الهادي أنه يكتب مجلدا لطيفا في يوم، بل إنه كتب «الحموية» في جلسة بين الظهر والعصر «2». وكتب «الواسطية» في قعدة بعد العصر «3». وغالب ما كتب في «باب العقائد» إما ردّ على مبتدع، أو جواب لسؤال ورد عليه، كما ذكر ذلك هو عن نفسه، في مناظرة الواسطية قال: «وأما الكتب، فما كتبت إلى أحد كتابا ابتداء أدعوه به إلى شيء من ذلك.
ولكنني كتبت أجوبة أجبت بها من يسألني من أهل الديار المصرية وغيرهم» اه «4». وقد كان للفتن والمحن التي مرّ بها الشيخ أثر في ضياع بعض مصنفاته وكتبه فكثيرا ما يقول: «قد كتبت في كذا وكذا ويسأل عن الشيء، فيقول: كتبت في هذا، فلا يدري أين هو؟ فيلتفت إلى أصحابه، ويقول: ردّوا خطي وأظهروه لينقل.
فمن حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه فيذهب ولا يعرف اسمه» «5». وأيضا من أسباب ضياع بعض كتبه: أنه يكتب في بعض الأحيان الجواب لمن سأله، فإن وجد من ينقل الجواب ويبيضه، وإلا أخذ السائل الجواب وذهب «6». وذكر ابن عبد الهادي أن الشيخ لما حبس تفرّق أتباعه، وتفرقت كتبه، وخوّفوا أصحابه من أن يظهروا كتبه، وذهب كل أحد بما عنده وأخفاه، ولم يظهروا كتبه.
فبقي هذا يهرب بما عنده، وهذا يبيعه، أو يهبه، وهذا يخفيه ويودعه، حتى إن منهم من تسرق كتبه أو تجحد، فلا يستطيع أن يطلبها، ولا يقدر على تحصيلها فبدون هذا تتمزق الكتب والتصانيف «7».
ولهذه الأسباب وغيرها تعذر إحصاء مصنفاته، وتباينت أقوال العلماء في تعدادها.
يقول الحافظ البزار: وأما مؤلفاته ومصنفاته فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها، أو يحضرني جملة أسمائها، بل هذا لا يقدر عليه غالبا أحد، لأنها كثيرة جدّا، كبارا وصغارا، وهي منشورة في البلدان.
فقلّ بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه.
ثم ذكر أنه يمكن تعداد ما ينيف على المائتين من مؤلفاته «1». أما تلميذه ابن القيم فقد ذكر نحوا من سبعة وثلاثين وثلاثمائة مصنف للشيخ، إجابة لمن سئل عن تعداد ما ألّفه شيخ الإسلام، وذكر أن هذا هو الذي يحضره وأنه لم يستوعبها «2». وقد قيل: إن تعداد مؤلفاته تصل إلى الألف، وقيل خمسمائة وقيل ثلاثمائة، وقيل غير ذلك، وكل يذكر ما وصل إليه «3». وإنه لمن الصعب ذكر جميع مؤلفاته عبر هذه الترجمة الموجزة، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جلّه، وسأذكر هنا أنموذجا لبعض مؤلفاته الكبار، وخاصة في ما يتعلق بالعقيدة والذي سبق أن طبع، فمنها: 1 - درء تعارض العقل والنقل: والكتاب طبع بتحقيق د. محمد رشاد سالم، في عشرة أجزاء والحادي عشر فهارس.
ط الأولى 1399 هـ- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
2 - منهاج السنة في نقض كلام الشيعة القدرية: وأيضا طبع أخيرا بتحقيق د. محمد رشاد سالم، في ثمانية أجزاء التاسع منها فهارس.
ط الأولى 1406 هـ- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
3 - نقض التأسيس: طبع منه جزءان، بعناية: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، والكتاب حقق
في عدة رسائل علمية- في قسم العقيدة بكلية أصول الدين- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
4 - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: طبع في جزءين، وقد حقق في عدة رسائل علمية، في قسم العقيدة بكلية أصول الدين- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
5 - الاستقامة: طبع بتحقيق د. محمد رشاد سالم، في جزءين.
ط الأولى 1403 هـ- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
6 - اقتضاء الصراط المستقيم: طبع أخيرا بتحقيق د. ناصر بن عبد الكريم العقل، في جزءين ط الأولى 1404 هـ- مكتبة الرشد للنشر والتوزيع- الرياض.
7 - وهناك عدة رسائل نحو: التدمرية، والتسعينية، والحموية، وشرح الأصفهانية، وغير ذلك.
كما أن كثيرا من مؤلفات الشيخ قد طبعت ضمن مجاميع، مثل: «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» جمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم، و «مجموعة الرسائل الكبرى» و «الفتاوى الكبرى» و «مجموعة الرسائل والمسائل» و «مجموعة الرسائل المنيرية» «1».