أهل الأثرالأرشيف العلمي

الفصل الثالث

أن من انتسب منهم إلى الملل من المسلمين واليهود والنصارى هم مضطربون في ما جاءت به الأنبياء في المعاد فالمحققون منهم يعلمون أن حججهم على قدم العالم ونفي معاد الأبدان ضعيفة، فيقبلون من الرسل ما جاءوا به ومنهم قوم واقفة متحيرون لتعارض الأدلة وتكافئها عندهم ومنهم قوم أصروا على التكذيب ثم زعموا أن ما جاءت به الرسل هو أمثال مضروبة لتفهم المعاد الروحاني، وهؤلاء إذا حقق عليهم الأمر صرحوا بأن الرسل تكذب لمصلحة العالم وإذا حسنوا العبارة قالوا إنهم يخيلون الحقائق في أمثال خيالية، وقالوا إن خاصة النبوة تخييل الحقائق للمخاطبين وأنه لا يمكن خطاب الجمهور إلا بهذا الطريق كما يزعم ذلك الفارابي وأمثاله، مع أن الفارابي له في معاد الأرواح ثلاثة أقوال متناقضة تارة يقول لا تعاد وينكر المعاد بالكلية، وتارة يقول إنها تعاد، وتارة يفرق بين الأنفس العالمة والجاهلة فيقر بمعاد العالمة دون الجاهلة ولهم في تفضيل النبي على الفيلسوف أو بالعكس نزاع فعقلاؤهم كابن سينا وأمثاله يفضل النبي على الفيلسوف وأما غلاتهم فيفضلون الفيلسوف، ولا ريب أن أوليهم ليس لهم في النبوات كلام محصل وكلامهم في الإلهيات قليل، وإنما توسع القوم في الأمور الطبيعية والرياضية ومصنفات معلمهم الأول أرسطو عامتها من ذلك والذي فيها من الإلهيات أمر في غاية القلة مع اضطرابه وتناقضه.
فإذا عرف ذلك فما جاء به السمع من أمر المعاد قرره عليهم النظار بطريقين: أحدهما: ببيان الكلام الصريح في إثبات معاد الأبدان وتفاصيل ذلك.
والثاني: أن العلم بالرسل جاءت بذلك علم ضروري فإن كل من سمع القرآن والأحاديث المتواترة وتفسير الصحابة والتابعين لذلك علم بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بمعاد الأبدان وأن القدح في ذلك كالقدح في أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان وحج البيت العتيق ونحو ذلك، والقرامطة الباطنية- وهم من الفلاسفة- أنكروا هذا وهذا وزعموا أن هذه كلها رموز وإشارات إلى

علوم باطنة كما يقولون: إن الصلاة معرفة أسرارنا والصيام كتمان أسرارنا والحج زيارة شيوخنا المقدسين ونحو ذلك ممّا هو مذكور في الكتب المؤلفة في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، ولهؤلاء القرامطة صنفت رسائل إخوان الصفا وهم الذين يقال لهم: الإسماعيلية لانتسابهم إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر.
قال ابن سينا: كان أبي وأخي من أهل دعوتهم ولهذا اشتغلت بالفلسفة.
وأما الفلاسفة الذين لم يدخلوا في القرمطة المحضة فهم لا ينكرون العبادات والشرائع العملية بل قد يوجبون اتباعها والعمل بها لا سيما من دخل منهم في التصوف أو الكلام لكن منهم من يوجب اتباعها على العامة دون الخاصة أو يوجبها من غير الوجه الذي أوجبها الرسول كما يجوزون أن يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم من يأتي بشريعة أخرى ويقولون إن أحدهم يخاطبه الله سبحانه وتعالى كما خاطب موسى بن عمران، ويعرج به كما عرج بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وأمثال هذه المقالات التي كثرت لما ظهرت الفلسفة التي أفسدت طوائف من أهل التصوف والكلام.

فصول الكتاب · 39 فصل · 228 صفحة
شرح العقيدة الأصفهانية
تأليف ابن تيمية
الأولى - 1425هـ
تقدّمك في الكتاب: الفصل الثالث — 37 من 40
فصول شرح العقيدة الأصفهانية · 228 صفحة
المقدمةترجمة المصنفأوّلا اسمه ونسبه ومولدهثانيا نشأته، وبداية حياته العلميةأ- صفاته الخلقيةب- صفاته الخلقيةكرمه:قوته وشجاعته:زهده وتواضعه:رابعا مواقفه الجهاديةخامسا محنته ووفاته- رحمه الله-سادسا مكانته العلمية وثناء العلماء عليهسابعا مؤلفاته وآثارهثامنا شيوخه وتلاميذهالمدخلمذهب السلف في الأسماء والصفاتفصل [الرد على من نفى بعض صفات الله تعالى]فصل [تميز أهل السنة والجماعة عن الكفار والمبتدعين]فصل [الرد على نفاة الصفات]فصل [الدليل على علم الله تعالى]فصل [الدليل على قدرة الله تعالى]فصل [الدليل على أنه سبحانه حي]فصل [إثبات صفتي العلو والكلام والرد على النفاة]مذهب أهل الحديث في الصفات وذكر الآيات الدالة على ذلكذكر الأحاديث الدالة على الصفاتفصل [طريقة إثبات السلف والأئمة لكلام الله سبحانه والرد على المشبهة]فصل [طرق أخرى في إثبات كونه سبحانه متكلما]فصل [إثبات كون الله تعالى سميعا بصيرا]
فصل [الدليل على نبوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام]
فصل [طرق دلالة المعجزة على الصدق]فصل [مسألة التحسين والتقبيح العقليين]فصل [دلائل نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم]فصل [التصديق بما أخبر به النبيّ صلى الله عليه وسلم من الأمور الغيبية]الفصل الاولالفصل الثانيالفصل الثالثالفصل الرابعالفصل الخامسالفصل السابع
جارٍ التحميل