مذهب السلف في الأسماء والصفات
] فالذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف «1» ولا تعطيل «2»، ومن غير تكييف «3» ولا تمثيل «4» فإنه قد علم بالشرع مع العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله كما قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «5»، وقال تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا «6» قال تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ «7»
قال تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ4«1» وقد علم بالعقل أن المثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، فلو كان المخلوق مماثلا للخالق للزم اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع، والخالق يجب وجوده وقدمه، والمخلوق يستحيل وجوب وجوده وقدمه، بل يجب حدوثه وإمكانه فلو كانا متماثلين للزم اشتراكهما في ذلك فكان كل منهما يجب وجوده وقدمه ويمتنع وجوب وجوده وقدمه، ويجب حدوثه وإمكانه فيكون كل منهما واجب القدم، واجب الحدوث، واجب الوجود ليس واجب الوجود يمتنع قدمه لا يمتنع قدمه، وهذا جمع بين النقيضين.
فإذا عرفت هذا: فنقول: إن الله سمى نفسه في القرآن بالرحمن الرحيم، ووصف نفسه في القرآن بالرحمة والمحبة كما قال تعالى: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً «2». قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ «3» وقال تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ «4». قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ «5» ويحب المحسنين ويحب الصابرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفّا كأنهم بنيان مرصوص ونحو ذلك.
ومن الناس: من جعل حبه ورحمته عبارة عما يخلقه من النعمة كما جعل بعضهم إرادته عبارة عن ما يخلقه من المخلوقات، وهذا ظاهر البطلان، لا سيما على أصل الصفاتية، ومنهم من جعل حبه ورحمته هي إرادته ونفى أن تكون له صفات هي الحب والرضا والرحمة والغضب غير الإرادة.
فيقال لهذا القائل: لم أثبت له إرادة وإنه مريد حقيقة ونفيت حقيقة الحب والرحمة ونحو ذلك؟ فإن قال: لأن إثبات هذا تشبيه لأن الرحمة رقة تلحق المخلوق والرب ينزه عن مثل صفات المخلوقين.
قيل له: وكذلك يقول من ينازع في الإرادة أن الإرادة المعروفة ميل الإنسان إلى ما ينفعه وما يضره، والله تعالى منزه عن أن يحتاج إلى عباده وهم لا يبلغون ضره ولا نفعه بل هو الغني عن خلقه كلهم.
فإن قلت: الإرادة التي نثبتها لله ليست مثل إرادة المخلوق كما أنّا قد اتفقنا وسائر المسلمين على أنه حي عليم قدير وليس هو مثل سائر الأحياء العلماء القادرين.
قال لك أهل الإثبات: وكذلك الرحمة والمحبة التي نثبتها لله ليست مثل رحمة المخلوق ومحبة المخلوق.
فإن قلت: لا أعقل من الرحمة والمحبة إلا هذا؟ قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الإرادة إلا هذا ومعلوم عند كل عاقل أن إرادتنا ومحبتنا ورحمتنا بالنسبة إلينا كإرادته ورحمته ومحبته بالنسبة إليه، فلا يجوز التفريق بين المتماثلين، فيثبت له إحدى الصفتين وتنفي الأخرى، وليس في العقل ولا في السمع ما يوجب التفريق إذ أكثر ما يقال أني أثبت الإرادة بالعقل لأن وجود التخصيص في المخلوقات دل على الإرادات فيقال لك: انتفاء الدليل المعين لا يقتضي انتفاء المدلول فهب أن مثل هذا الدليل لا يثبت في الرحمة والمحبة فمن أين نفيت ذلك؟ ثم يقال: بل السمع أثبت ذلك أيضا وقد يسلك في إثبات ذلك نظير الطريق العقلي الذي أثبت به الإرادة فيقال: ما في المخلوقات من وجود المنافع للمحتاجين، وكشف الضر عن المضرورين والإحسان إلى المخلوقات وأنواع الرزق والهدى والمسرات هو دليل على رحمة الخالق سبحانه والقرآن يثبت دلائل الربوبية بهذا الطريق؛ تارة يدلهم بالآيات المخلوقة على وجود الخالق ويثبت علمه وقدرته ومشيئته، وتارة يدلهم بالنعم والآلاء على وجود برّه وإحسانه المستلزم رحمته وهذا كثير في القرآن، وإن لم يكن مثل الأول أو أكثر منه ولم يكن أقل منه بكثير كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ21الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ «1» وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (27) «2» وقوله في سورة الرحمن بعد أن ذكر كل نوع من هذه الأنواع: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (13) «3». وبالجملة ما ذكره في القرآن من الأمثال والآيات تارة يقرر بها نفس مشيئته وقدرته وخلقه وتارة يقرر بها إحسانه وإنعامه ورحمته، وهذه الطريقة مستلزمة للأولى من غير عكس، فإنه يلزم من وجود الإحسان والرحمة وجود القدرة
والمشيئة من غير عكس، وقس على هذا غيره من الصفات وأمره هو أيضا مما يعلم بالسمع وبالعقل أيضا كما تعلم إرادته وكما تعلم محبته، وهذه المسائل مبسوطة في مواضع، وإنما ذكرنا في هذا الشرح ما يناسب حال هذه العقيدة المختصرة المشروحة.
وقد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام في محبة الله وذكرنا أن للناس في هذا الأصل العظيم ثلاثة أقوال: أحدها أن الله تعالى يحبّ ويحبّ، كما قال تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ «1» فهو المستحق أن يكون له كمال المحبة دون سواه، وهو سبحانه يحب ما أمر به، ويحب عباده المؤمنين، وهذا قول سلف الأمة وأئمتها «2»، وهذا قول أئمة شيوخ المعرفة، والقول الثاني: أنه يستحق أن يحبّ لكنه لا يحب إلا بمعنى أن يريد وهذا قول كثير من المتكلمين ومن وافقهم من الصوفية، والثالث أنه لا يحب ولا يحب وإنما محبة العباد له إرادتهم طاعته وهذا قول الجهمية ومن وافقهم من متأخري أهل الكلام والرازي.
ومما يوضح ذلك أن وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ليس موقوفا على أن يقوم عليه دليل عقلي على تلك الصفة بعينها فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول إذا أخبرنا بشيء من صفات الله تعالى وجب علينا التصديق به وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم: قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ «3» ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنا بالرسول ولا متلقيا عنه الأخبار بشأن الربوبية ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيء من ذلك أو لم يخبر به فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه بعقله لا يصدق به بل يتأوله أو يفوضه وما لم يخبر به إن علمه بعقله آمن به، وإلا فلا فرق عند من سلك هذا السبيل بين وجود الرسول وإخباره وبين عدم الرسول وعدم إخباره، وكان ما يذكره من القرآن والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده وهذا قد صرح به أئمة هذا الطريق.
ثم الطريق النبوية فمنهم من يحيل على القياس، ومنهم من يحيل على الكشف، وكلّ من الطريقتين فيها من الاضطراب والاختلاف ما لا ينضبط وليست
واحدة منهما تحصل المقصود بدون الطريق النبوية، والطريق النبوية تحصل الإيمان النافع في الآخرة بدون ذلك، ثم إن حصل قياس أو كشف يوافق ما أخبر به الرسول كان حسنا مع أن القرآن قد نبه على الطرق الاعتبارية التي بها يستدل على مثل ما في القرآن كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ «1». فأخبر أنه يري عباده من الآيات المشهودة التي هي أدلة عقلية ما يتبين أن القرآن حق.
وليس لقائل أن يقول: إنما خصصت هذه الصفات بالذكر لأن السمع موقوف عليها دون غيرها فإن الأمر ليس كذلك لأن التصديق بالسمعيات ليس موقوفا على إثبات السمع والبصر ونحو ذلك.