كتاب الذكاة
قال القاضي -رحمه الله-: «يتعلق بالذكاة خمسة أشياء» إلى قوله: «وقيل: كراهية».
شرح: الأصل في التذكية قوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: 3] وذلك في المقدور عليه، كما ذكره، ثم بين أن العقر في المتوحش طبعًا وسيجيء ذلك في كتاب الصيد.
وأما المقدور عليه فتذكيته بالذبح أو النحر.
واختلف المذهب فيما استوحش من بهية الأنعام وغيرها، أو المستأنس من الوحش هل يعتبر حكم أصله، أو حكم مآله، كما سنذكره في كتاب الصيد.
قوله: «ولا تبيح الضرورة فيما ذكاته النحر والذبح أن يذكي بالعقر»: وهذا هو المشهور.
وقال ابن حبيب: إذا تردت في هواة، ولم يمكن ذبحها ولا نحرها طعنت في جنبها، أو ما أمكن من جسدها، ورآه ضرورة فصار بمنزلة المقدور عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 693
قوله: «وأما شروط الذكاة فشرط الذبح هو استيفاء قطع الحلقوم والودجين في قطع واحد»: وهذا كما ذكره وهو المشهور من المذهب، ولم يذكر المرى، ولا خلاف في المذهب أن الذابح إذا قطع الودجين، والحلقوم والمريء فإنها تؤكل، فإن لم يقطع الودجين والحلقوم فقولان.
المشهور أنها تؤكل وهو قول الجمهور من أهل العلم.
وقد اختلف الناس في ذلك.
أما مالك فالمشهور عنه ما ذكره، وقال أبو حنيفة: الواجب قطع ثلاثة غير معينة من الأربعة التي هي الودجين والحلقوم والمريء.
وقال الشافعي: الواجب قطع الحلقوم والمريء فقط.
وقال محمد بن الحسن: الواجب قطع أكثر واحد من الأربعة، وقال بعض أهل العلم: الواجب قطع ما وقع الإجماع على جواز الأكل بعد قطعه، وهي الأعضاء الأربع.
وقال ابن أبي زمنين: المريء عرق أحمر تحت الحلقوم عليه مدخل الطعام والشراب، ومشهور قول مالك: أن قطع المريء ليس بشرط لما رواه أبو أمامة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما أفرى الأوداج
الجزء: 1 - الصفحة: 694
فكلوا) الحديث، وإذا قلنا باشتراط الودجين والحلقوم فقط فلا يخلو من ثلاث صور إما أن يقطعها الذابح كلها، أو أكثرها، أو لا يقطع منها شيئًا، فإن قطع جميعها فلا خلاف في المذهب أنها تؤكل، فإن لم يقطع منها شيئًا، أو قطع أقلها فلا خلاف أنها لا تؤكل، فإن قطع أكثرها أو نصفها فهل يؤكل أم لا؟ فيه قولان في المذهب والمشهور أن قطع الكل غير مشترط، بل يكفي في ذلك قطع النصف فأكثر، وإذا قطع الحلقوم وحصلت الغلصمة إلى الرأس فهي تذكية صحيحة، وإن حصلت إلى البدن، فهل تؤكل أم لا؟ اختلفت الروايات فيه، والمشهور أنها لا تؤكل، وهو الذي رواه الجمهور من الرواة عن مالك.
وقال أشهب في أحد قوليه، وابن عبد الحكم، وابن وهب وابن مصعب، وموسى بن معاوية وغيرهم تؤكل، وفي المذهب قول ثالث الكراهية.
وسبب الخلاف في ذلك: هل قطع الحلقوم شرط في الذكاة أم لا؟ فمن قال: إنه شرط أوجب قطع الغلصمة، لأنه إذا كان القطع فوقها لم يقطع الحلقوم، ومن لم ير قطع الحلقوم شرطًا في التذكية أجاز القطع فوقها، وهو قول شاذ في المذهب.
قوله: «في قطع واحد»: تحرزًا من أن يرفع يده، ثم يعيدها إلى الذبح،
الجزء: 1 - الصفحة: 695
وهكذا نص القاضي أبو الحسن بن القصار وغيره من أئمتنا أن من شرط الذكاة أن تكون في فور واحد، فإن رفع يده قبل الإجهاز، ثم أعادها فإن طال الأمر لم تؤكل بلا خلاف، وإن لم يطل ففي المذهب فيه ثلاثة أقوال.
أحدها: منع الأكل.
قال سحنون وإن رجع مكانه.
والثاني: جواز الأكل بناء على أن ما قرب الشيء هل له حكمه، وهو قول ابن حبيب قال: فإن رجع في فور الذبح قبل أن يذهب جاز.
والثالث: أنه إن رفع مختبرًا أكلت، وإن رفعه ظنًا أنه قد أكمل الذكاة لم تؤكل، وتأوله بعض الشيوخ على سحنون، وفيه قول رابع اختاره الشيخ أبو بكر ابن الشيخ بن عبد الرحمن وهو أنه إن رفع يده مجتهدًا، ثم تبين له أنه أخطأ أكلت إذا عاد في الفور، وإن كان مختبرًا لم تؤكل، وهو عكس ما تأوله بعض الشيوخ على سحنون، وصوب الشيخ أبو الحسن القابسي قول أبي بكر بن عبد الرحمن لأن المختبر غير معذور، والمجتهد معذور بالاجتهاد، وحمل المختبر على المسلم على الشك فصلاته فاسدة، والمجتهد كالمسلم ظانًا أنه قد أكمل صلاته ويسجد.
واختلف الفقهاء في مسألتين تتعلقان بما ذكرناه.
المسألة الأولى: إذا تمادى بالذبح حتى انقطع النخاع.
وتحصيل المذهب فيه أنه إن فعل ذلك ناسيًا، أو متأولًا، أو جاهلًا، فإنها تؤكل، فإن فعل ذلك عمدًا.
فقال ابن الماجشون: لا تؤكل، والمشهور أنه أساء، والذبيحة جائزة، وروي عن مالك أنها تؤكل ما لم يتعمد ذلك، وهو قول
الجزء: 1 - الصفحة: 696
مطرف، وابن الماجشون.
المسألة الثانية: إذا ذبح من القفا، ولا خلاف في المذهب أنها لا تؤكل لأنها لا تؤكل لأنها منفوذة المقاتل وهو قول ابن المسيب وابن شهاب وغيرهم.
وأجاز ذلك الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور وبه قال ابن عمر وعلي بن أبي طالب وعمران بن الحصين وهو مستقرأ من المذهب.
ومبنى المسألة على المنفوذ المقاتل: هل تعمل فيها الذكاة أم لا؟
قوله: «والنحر سنة ذكاة الإبل ويجوز ذبحها»: وهذا كما ذكره.
والغنم مذبوحة، والبقر يجوز فيه الأمران، والذبح أفضل، وكذلك النعام عندنا، وقد قال الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ [البقرة: 67] ويجوز مع الضرورة نحر ما يذبح، وذبح ما ينحر.
واختلف المذهب في ذلك مع عدم الضرورة على ثلاثة أقوال: منع الأكل وهو المشهور وجوازه وهو الشاذ.
والثالث أنه يؤكل الإبل إذا ذبحت، ولا تؤكل الغنم ونحوها إذا نحرت وهو قول ابن بكير، لأن النحر في غير الإبل نفاذ المقاتل قبل خروج النفس، ومخالفة الشرع.
الجزء: 1 - الصفحة: 697
قال القاضي -رحمه الله-: «وأما سننه ومندوباته فأربعة إحداد الآلة» إلى قوله: «فإن تكن غير».
شرح: أما إحداد الآلة فلما في ذلك من الإجهاد على الذبيحة وهو مأمور به، وقد قال -عليه السلام-: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) وهذا عموم.
وقال -عليه السلام-: (اعف عن الناس قتلة أهل الأيمان) وظاهره العموم.
وأما التسمية فمأمور بها، فإن تركها متهاونًا فقولان المشهور أنها لا تؤكل، وكذلك إن تركها عمدًا غير متهاون فيه قولان، وفي الناسي قولان المشهور جواز الأكل، والخلاف فيه بين السلف قائم.
فقال ابن عمر، والشافعي، وابن سيرين: التسمية على الذبيحة فرض على الإطلاق لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا ما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: 121]. وقال أبو حنيفة، والثوري: هي فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان لقوله -عليه السلام-: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) وقيل: سنة، وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة، والشافعي، وأصحابه لما رواه هشام بن عروة عن أبيه قال: (سئل رسول الله فقيل له: يا رسول الله إن ناسًا من أهل البادية يأتوننا بلحم ولا ندري أسموا الله عليها أم لا؟ فقال -عليه السلام-: سموا الله ثم كلوا)
الجزء: 1 - الصفحة: 698
وتأول هؤلاء قوله: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: 121] على أن المقصود ما ذبح للأصنام، وقيل: إن حديث هشام بن عروة هذا كان في أول الإسلام، وقيل: إن الآية ناسخة له.
وأما استقبال القبلة بالذبيحة، فقد اختلف الناس فيه، فمنهم من أوجبه، ومنهم من استحبه، ومنهم من أباحه.
وتحصيل مذهب مالك فيه أنها مأمور بها، فإن ترك ذلك سهوًا، أو تعذرًا أكلت وإن ترك ذلك عمدًا فقولان المشهور جواز الأكل، والشاذ أنها لا تؤكل، لأن ذلك مخالف للسنة، ومندوب لها أن يضطجعها برفق على الجانب الأيسر، ويأخذ بصوفها، أو شعرها لينظر موضع الذبح.
قوله: «فأما صفة الذابح فأن يكون مسلمًا أو كتابيًا عاقلًا عارفًا بالذبح قاصدًا به التذكية»: وهذا كما ذكره، أما الكافر غير الكتابي فلا تصح ذكاته.
واختلف المذهب في تذكية تارك الصلاة، هل هي مجزئة، أو غير مجزئة.
وبناه على الخلاف هل يكفر تارك الصلاة مطلقًا أم لا؟ وأما الكافر الكتابي فإن العلماء قد اختلفوا في جواز ذبيحته، والجمهور على جوازه.
وتحصيل مذهب مالك في ذلك: أن الكتابي إما أن يذبح لنفسه، أو لمسلم على وجه الاستتابة، فإن ذبح لنفسه، فإما أن يكون مما يستحله، أو مما لا يستحله، فإن كان مما لا يستحله إما أن يكون محرمًا عليهم في شريعتنا أو مما أخروا عن تحريمه.
فإن كان مما حرم عليهم في شريعتنا كذي
الجزء: 1 - الصفحة: 699
الظفر، ففي صحة ذكاتهم ثلاثة أقوال في المذهب التحريم، وهو المشهور، والكراهية، والإباحة.
فالتحريم بناء على أنه إذا كان محرمًا عليهم فكأنهم لم يقصدوا ذكاته، والإباحة بناء على أن شريعتنا ناسخة.
والكراهية مراعاة للخلاف وفيما اختاروا عن تحريمه وأحرموه على أنفسهم قولان: الإباحة، والمنع كراهية، أو حظرًا مبنيان على الذكاة هل تتبعض أم لا؟ وإذا ذبح لمسلم باستنابة فهل يستباح أم لا؟ فيه قولان في المذهب الإباحة و «المنع» لصحة ذكاتهم ومنع، لأن المستباح وطعامهم وهذا ليس منهم، واختلف في ذبائح نصارى العرب فقال ابن عباس: والجمهور هم أهل الكتاب في جواز أكل ذبائحهم، وقال علي بن أبي طالب، وغيره: ذبائحهم محرمة، وهو أحد قولي الشافعي.
وسبب الخلاف: هل يتناولهم الاسم أم لا؟ وكذلك اختلفوا في جواز ذبيحة المرتد، والجمهور على أن ذبيحته لا تؤكل، لأنه غير داخل تحت الإطلاق، وقال إسحاق: ذبيحته جائزة، وقال الثوري: مكروهة، وأجاز أهل المذهب ذبائح السامرية وهم صنف من اليهود ينكرون بعث الأجساد، ومنعوا ذبائح الصابئين، لأنهم بين النصرانية والمجوسية.
وقد اختلف العلماء في ذبائحهم، وفي ذبائح المجوس، والصحيح أنها ممنوعة، وبه قال الجمهور.
واختلف المذهب فيما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم ولعبادهم، وفي المذهب فيه عندنا قولان الكراهية، والمنع، وعن ابن حبيب ما يقتضي الجواز، وقال ابن القاسم: كان مالكًا يكرهه كراهية شديدة من غير أن يحرم.
قوله: «عاقلًا»: احترازًا من المجنون، وقد اختلف العلماء في ذبيحة
الجزء: 1 - الصفحة: 700
المجنون والسكران يمنع من تذكيتهما، وأجاز ذلك الشافعي.
ومبنى المسألة على اشتراط النية في الذكاة، وقول القاضي: «عارفًا بالذبح» احترازًا من غير العارف إذ لا يؤمن معه أن يذبح في غير موضع الذبح.
قوله: «قاصدًا به التذكية»: نص على اشتراط النية في الذكاة إجراء لها على مجرى القربات، والعبادات، ولا خلاف في اشتراط ذلك عندنا.
قوله: «وليس من شرطه الذكورية ولا البلوغ»: تنبيهًا على مذهب المخالف، وقد اختلف العلماء في جواز تذكية الصبي، والمرأة إذا أطاق الذبح، والجمهور على جوازها، ومنهم من أجازها في موضع الضرورة، ومنعها في غير الضرورة، وقال أبو مصعب عن مالك: لا أحب ذبحها لا في حال الضرورة، ولا في غيرها، ومذهب مالك أن يؤكل ما ذبحت المرأة من غير ضرورة، وهي أولى من النصراني في الذبح، وذكر ذلك محمد في حال السعة، فإن ذبحها أكلت الذبيحة.
وفي الصحيح: (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل عن ذبيحة المرأة فقال: لا بأس).
وكذلك اختلف الناس في تذكية السارق والغاصب آلات المذبوح بها، أو الشيء المذبوح، والجمهور على الجواز، وسئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (عن شاة ذبحت بغير إذن ربها فقال: أطعموها للأسارى) الحديث.
الجزء: 1 - الصفحة: 701
قال القاضي -رحمه الله-: «فأما صفة المذكى فأن يكون حيًا غير مايوس» إلى آخره.
شرح: وهذا هو مشهور المذهب كما ذكره أن منفوذ المقاتل والميؤوس منه لا تعمل فيه الذكاة، وقال قوم: إن الذكاة فيها عاملة، وهو قول ابن عباس والزهري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وأحد قولي مالك.
ومبنى الخلاف على الاستثناء المذكور في قوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ هل هو متصل أو منقطع.
قوله: «وأما الآلة المذكى بها فأن تكون ممن ينهر الدم» إلى آخره.
وهذا كما ذكره أن المقصود في ذلك إمرار إزهاق النفس من غير تعذيب رفقًا بالبهيمة، فبأي شيء حصل ذلك أجزى، وفي السن والظفر أقوال في المذهب: أحدها: جواز أكل ما ذبح بهما، وعمدتهم قوله -عليه السلام-: (ما أنهر الدم فكل).
الثاني: المنع لقوله -عليه السلام-: (ليس السن والظفر).
والثالث: جواز ذلك في المنفصل دون المتصل، ولذلك نبه عليه القاضي.
والقول الرابع: جواز أكل ما ذبح بالظفر، ولا يؤكل ما ذبح السن، وكره مالك غير الحديد -مع وجوده في المبسوط- كل شيء يصنع من فخار أو عظم أو قرن فهو جائز.
الجزء: 1 - الصفحة: 702
باب الصيد
قال القاضي -رحمه الله-: «كل حيوان مأكول اللحم طبعه التوحش» إلى قوله: «من كلب، أو باز».
شرح: الصيد مشروع، والأصل في ذلك الكتاب، والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة: 4].
وقال تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: 2].
وأما السنة فما رواه علي بن حازم، وفيه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله).
وأجمع العلماء على أنه مشروع على تفصيل نذكره في ذلك.
قال علماء المالكية: الصيد على قسمين: بري، وبحري، فالبحري يؤكل جملة من غير تفصيل صاده من صاده، وصيد البر على ثلاثة أقسام: صيد مسلم يؤكل بشروط، وصيد مجوسي لا يؤكل جملة من غير تفصيل، وفي صيد الكتابي ثلاثة أقوال: الجواز لعموم قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: 5].
الجزء: 1 - الصفحة: 703
والمنع لمفهوم قوله تعالى: ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ [المائدة: 95] ودليل خطابه أنه مقصور على المؤمنين والكراهية توسطًا بين القولين.
وقد قسم المتأخرون الصيد إلى أحكام الشريعة فقالوا: إنه على خمسة أقسام: محظور: وهو صيد المجوسي، وصيد ما لا يحل أكله من السباع، وصيد المحرم، ومكروه وهو صيد على وجه اللهو، وواجب ومندوب إذا كان سببًا للتعفيف عن المحظور والمأكل، والمكروه وهو في حق بعض الناس دون بعض، ومباح وهو: ما عرى عن هذه الوجوه، وكان المقصود منه التكسيب والتمول، وقيد القاضي بقوله: «كل حيوان مأكول اللحم» تحرزًا مما لا يجوز أكله، ولا يوقن فيه الاصطياد أباحه بالإجماع.
قوله: «طبعه التوحش»: احترازًا من الإنسي المتوحش، لأن الاستحاش ليس بطبع له وإن صار غير مقدور عليه.
قوله: «لا يقدر عليه»: تحرزًا من الوحش، لأن طبعه ههنا غير معتبر من حيث صار مقدورًا عليه، وقد اختلف العلماء في حكم الإنسي يستوحش.
فقال أبو حنيفة والشافعي: هو كالمتوحش طبعًا، والمعول عليه من قول مالك: أن له أصله فلا يؤكل لا بذكاة المقدور عليه اعتبارًا بحكم الأصل، واعتبار المعنى يصح ما قاله الشافعي وأبو حنيفة والدليل لهما من جهة السمع ما رواه رافع بن خديج أن بعيرًا ند وكان في القوم خيل يسرة فطلبوه فأعياهم، فسبق إليه رجل منهم فقتله.
فقال -عليه السلام-: (إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما ند عليكم فاصنعوا به هكذا) الحديث.
الجزء: 1 - الصفحة: 704
قوله: «من جارح أو محدد سلاح»: الجارح هو الكلب وغيره من الحيوانات التي يجوز الاصطياد به كقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارج مكلبين﴾.
واختلف أهل العلم في المراد في الآية، فقال: إنه على ظاهره، والمراد خروجها للصيد وتشهى فيه، وقيل: الجوارح بمعنى الكواسب من قوله: ﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ [الأنعام: 60] روى: أي ما كسبتم، وهذا جار على من لم يشترط التسمية.
قوله: «إذا تلف عنده»: تحرزًا من أن يكون تلفه بسبب آخر من الصيد من ماء أو فرو يقع فيها، أو أمر يحدث فلا يكون ذلك له.
قوله: «إذا تلف في حال امتناعه وانتفاء القدرة عليه على تذكيته بالذبح من غير تفريط»: راجع إلى ما قدمته من اشتراط كونه غير مقدور عليه، وقد بين ذلك أولًا بقوله: «لا يقدر عليه إلا بالاصطياد» وحال امتناعه هو انتفاء القدرة عليه ولازم عمله.
قوله: «والآلة المصيد بها نوعان: جوارح، وسلاح» وهذا كما ذكره، واشترط في الجارح شرطين: التعليم، والإرسال، وعم القول في نوع الجوارح، وبه قال الجمهور، والتفصيل في ذلك، أن أنواع الجوارح قسمان: كلاب وغير كلاب، أما الكلاب فهي داخلة تحت الآية عمومًا على رأي الجمهور سودًا كان أو غير سود من غير كراهية في شيء، وكره قتل الكلب الأسود وبه قال الحسن البصري والنخعي وقتادة.
وقال أحمد بن
الجزء: 1 - الصفحة: 705
حنبل وإسحاق: ما أعرف أحدًا مرخصًا فيه إذا كان بها، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بقتله، وهذا يدل عندهم على معنى الاصطياد به.
وأما غير الكلاب فهو كالكلاب عندنا من سباع الوحش، والطير إذا قبلت التعليم حتى ابن شعبان أجاز صيد النسور إذا قبل التعليم، وبه قال ابن عباس في جميع الجوارح القابلة للتعليم، وشذ قوم منهم: مجاهد، فقصروا الأمر على الكلاب مطلقًا، وأخرج أحمد منها الأسود كما ذكرناه، وهؤلاء عولوا على أن لفظة: «مكلبين» مشتقة من اسم الكلب المخصوص، ولم يجعلوه عامًا في جميع الجوارح، وألحق قوم البزاة بالكلاب، والصحيح اعتبار المعنى، وأن كل ما وجد فيه معنى الكلب من قبول التعليم فهو كالكلب سيان لأن لفظة الكلب مقول بالاشتراك.
قوله: «وتعليمه أن يفقه عن مرسله»: أجمع العلماء على أن التعليم في الجارح كلبًا كان أو غيره لقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح﴾ ولقوله -عليه السلام-: (إذا أرسلت كلبك المعلم).
واختلف المذهب في التعليم المشترط على أربعة أقوال.
فقيل: الانزجار والانشلاء والإجابة، وقيل: ترك الأكل، وقيل: إن ترك الأكل مشترط في الكلب دون غيره من الجوارح.
وقال ابن حبيب: ليس الانزجار شرطًا في البزاة، والصقور وغير ذلك من سباع الطير، لأنها لا تقبله، وإنما هو مشروط في الكلاب فقط دون سائر الجوارح، وإلى هذا الخلاف أشار القاضي بقوله: «لا من كلب ولا من غيره».
والصحيح أن التعليم مشترط، والمقصود منه أن يصرف عن طبعه الأصيلي بالتعليم المكتسب فيصير لمرسلها كالآلة فيمسك له، لا لها.
الجزء: 1 - الصفحة: 706
وسبب الخلاف في اشتراط نفي الأكل في التعليم اختلاف الأحاديث.
ففي حديث عدي بن حاتم: «فإن أكل فلا يأكل».
وفي حديث أبي ثعلبة الخشني: قلت: وإن أكل منه يا رسول الله، قال: وإن أكل منه.
وحديث عدي بن حاتم أصح من حديث أبي ثعلبة، ولذلك رجح مقتضاه الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق والثوري، وبه قال ابن عباس.
قال القاضي -رحمه الله-: «وأما الإرسال فأن يبتدئ صاحبه بعثه» إلى قوله: «إرسال الجارح أو السهم».
شرح: اشترط في الإرسال شروط وهي أن يكون فعلًا مبتدئًا من المرسل مقصودًا مقترنًا بالتسمية، فتحرز بقوله: «أن يبتدئ صاحبه بعثه من يده» من أن يخرج الجارح بنفسه من غير إرسال صاحبه، وقد اختلف الناس في هذه الصورة، وهي إذا أفلت الجارح، ثم أعاده صاحبه بعد إفلاته.
وتحصيل مذهب مالك في ذلك: أنه إذا انفلت بنفسه فلا يخلو أن يزجره ويغريه بعد انفلاته أم لا؟ فإن كان أغراه، واستدعى إليه فرجع إليه، أو وقف ثم بعثه (فانبعث)، فالمشهور في هذه الصورة التعليم المشترط في الجوارح،
الجزء: 1 - الصفحة: 707
وإن انبعث الجارح بنفسه من غير إرساله من يده ولا أغرى به بعد انبعاثه لم يؤكل الصيد بلا خلاف، لأن صفة التعليم غير حاصلة فإن انبعث بإرسال الصيد، وليس في يده، ففي المذهب فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يؤكل، لأن المقصود إرساله بنفسه لا كونه تحت يده.
والثاني: أنه لا يؤكل لاحتمال أن يكون انبعاث الجارح بنفسه فلا يتحقق انتفاء ذلك إلا أن يخرجه من تحت يده.
والقول الثالث: إن الجارح إن كان قريبًا أكل الصيد، لأنه إن كان قريبًا منه فكأنه تحت يده، بناء على أن ما قرب الشيء له حكمه، وإن كان الجارح بعيدًا لم يؤكل، ومبناه على أن قربه بعمل يده يغلب على الظن ائتماره له لا لنفسه فخالف البعيد.
ومن هذه الأسولة أن يبعث الصائد الجارح فيمر في الطلب نحو الصيد ثم يرجع عنه أو يتحير في موضع الطلب، ثم استمر في الطلب أكل الصيد، ولو اشتغل بشيء فأكله في أثناء مروره اشتغالًا كثيرًا، ثم تمادى في طلب الصيد لم يؤكل، وإن كان تركًا للطلب، وإن كان اشتغاله يسيرًا ففيه قولان: جواز الأكل ومنعه.
أخرجه أبو الحسن اللخمي.
قوله: «ناويًا به إرساله للاصطياد والتذكية»: شيء متفق عليه، فلذلك قلنا: إن من لا تصح له النية كالمجنون والسكران لا يصح صيده، وقد تقدم الكلام في التسمية في كتاب الذبائح.
قوله: «ثم قتله الصيد بنوعين بعقر وبغير عقر»: وهذا كما ذكره ولا خلاف أن الجارح إذا قتل الصيد فوجده الصائد ميتًا، أو منفوذ المقاتل فهي تذكية، وإن وجده غير منفوذ المقاتل افتقر إلى التذكية الجارية في المقدور عليه من الذبح أو النحر.
وقال الشافعي، والحسن البصري: إذا وجدته حيًا غير
الجزء: 1 - الصفحة: 708
منفوذ المقاتل، ولم يجد حديدة، فأرسل عليه الكلاب حتى تقتله تعويلًا على قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: 4] والجمهور على أنه إذا وصل إلى هذه الحال فهو في حكم المقدور عليه، فيفتقر إلى الذكاة المعتادة.
ومن هذه الأسولة إذا أرسل الصائد على الصيد جارحًا ثم جارحًا، فإن قتله الأول فلا خلاف أنه يؤكل، وإن أمسكه الجارح الأول، ثم جاء الجارح الثاني فقتله لم يؤكل، لأنه مقدور عليه، فلا يجزئ فيه إلا ذكاة المقدور عليه ولو أرسل الصائد الجارح الثاني على الصيد قبل إمساك الجارح الأول فالمنصوص أنه يؤكل، وهو ظاهر النظر، إذ هو غير مقدور عليه.
وخرج اللخمي أنه لا يؤكل، ولعله بناء على الغالب.
ثم ذكر القاضي الخلاف في الصدم والنطح وغيره مما لا تنييب فيه ولا جرح، هل هي تذكية أم لا؟ وفيه قولان عندنا، فمن اشترط التنييب حمل لفظ الجارح على ظاهره من الجراح والتأثير، ومن حمله على المعنى اللغوي فإنه كقوله تعالى: ﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ لم يشترط تنييبها، والخلاف بين ابن القاسم وأشهب، فابن القاسم منع أكل المصدوم بموت من صدمة الجارح، وأشهب أجازه لعموم قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ وأما إذا مات الصيد فزعًا من الجارح أو تردى في هواة، أو مات في ماء، ونحو ذلك من مواضع الشك، فلا يؤكل الصيد في جميع هذه المواضع تمسكًا بحكم الأصل.
قوله: «وأما السلام فكل ما جرح فالاصطياد به جائز» وهذا كما
الجزء: 1 - الصفحة: 709
ذكره، وقد تقدم فيما يقع التذكية به، وأنه كل محدود يحصل به الإجهاز.
واختلف في هذا الباب فيما قتله المعراض أو الحجر، وفيه ثلاثة أقوال، فقيل: يؤكل مطلقًا، وقيل: لا يؤكل مطلقًا، وقيل: يؤكل إذا أصاب بحده دون عرضه وهو قول جمهور الفقهاء تعويلًا على قوله -عليه السلام- لما استفتى عما قتله المعراض، أما ما قتله عرضه فلا يؤكل، وأما ما قتله بحده فكل.
وإنما منع الجمهور كل ما قتله بعرضه، لأنه داخل تحت قوله تعالى: ﴿والموقوذة﴾ بعصا وفي معنى العصا كل ما ليس بمحدود.
وفي حديث عدي بن حاتم حين سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن المعراض إذا أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه قد أشار إلى التعليل الذي ذكرناه، والمعراض: سهم لا ريش له قاله الداودي.
قال القاضي -رحمه الله-: «فإن بات الصيد عنه بعد إرسال الجارح» إلى آخر الباب.
شرح: اختلف العلماء في الصيد إذا بات، أو غاب عن الصائد مصرعه هل يؤكل أم لا؟ فقالت طائفة من العلماء: يؤكل مطلقًا، وقالت طائفة: لا يؤكل مطلقًا، وبالكراهية قال الثوري، وفي مذهب مالك في ذلك خلاف، فقال مالك في المدونة: لا يؤكل وإن وجد منفوذ المقاتل سواء كان بجارح أو بسهم.
وقال ابن الماجشون: يؤكل منهما جميعًا إذا وجد منفوذ المقاتل، وقال بعضهم: لا يؤكل من الجارح ويؤكل من السهم، وحكى الشيخ أبو الحسن قولًا بالكراهية، وجه المنع ما خرجه مسلم من حديث أبي ثعلبة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا أرسلت سهمك فغاب عنك مصرعه
الجزء: 1 - الصفحة: 710
فكل ما لم يبت) ومن طريق المعنى محل الشك فوجب التمسك بحكم الأصل، لأنه أحوط، ووجه قول ابن الماجشون ما خرجه مسلم أيضًا من حديث أبي ثعلبة أيضًا في الذي يدرك صيدة بفلاة.
فقال -عليه السلام-: (كل ما لم يبيت) لأنه وجده منفوذ المقاتل غلب على الظن أنه الذي قتله.
وأما من أباح ذلك في السهم، فلأن السهم لا يخفى الأمر فيه، فغلبة الظن فيه أقوى، وفي حديث عدي بن حاتم عنه -صلى الله عليه وسلم-: (إذا وجدت سهمك فيه، ولم تجد فيه أثر سبع، وعلمت أن سهمك قتله فكل).
قوله: «وشركة الجارح غير المعلم، أو مرسل المجوسي مانعة من أكل ما شركا فيه جارح المسلم أو سهمه»: وهذا كما ذكره لاحتمال الشك في هذا المحل أيضًا، ويتعلق بالشك مسائل منها: إن أبصر الجوارح فيقع في حفرة، والمشهور عندنا أنه لا يؤكل للشك، وقيل: يؤكل، ومنها: أن تجد جماعة صيدًا، ولا يدري عين الذي أرسل عليه (فيها، أو يجد صيدًا ولا يدري هل الذي أرسل عليه أم لا؟ والفرق بين هاتين الصورتين أنه في الأولى متيقن أن الذي أرسل عليه) في جملة الصيد إلا أنه شارك في العين لالتباس الأعيان، وتشابهها.
وفي الصورة الثانية غير متيقن أن الذي أرسل عليه في الجملة، فهو سواء في الحكم بناء على وجوب التعيين عند الإرسال، وقد ذكر كثير من أصحاب مالك أنه إذا أرسل على ما في غيضة أو كهف، وقصد
الجزء: 1 - الصفحة: 711
أخذ ما أرسل عليه من غير أن يراه ويعينه فهو جائز، وأكله مباح بناء على عدم وجوب التعيين، وكذلك لو رأى الصائد الجارح يضطرب، ولم يبصر شيئًا بناء على الاضطراب هل يكتفي بذلك أم لا؟ فيه قولان كما ذكرناه.
قوله: «وإذا بان من الصيد عضو أو بضعة يعيش مع مفارقتها، لم يؤكل وأكل سائره»: هذه المسألة قد اختلف الفقهاء فيها، فقالت طائفة من الفقهاء يؤكلان جميعًا، وقال قوم: يؤكل الصيد دون ما بان منه، وفرق قوم بين أن يكون ذلك العضو مقتلًا فيؤكلان جميعًا، أو غير مقتل فيؤكل الصيد دون العضو.
وتحصيل مذهب مالك في ذلك: أن العضو إما أن يكون مقتلًا، أو غير مقتل، فإن كان غير مقتل فلا يخلو أن يكون موته بمعنى غير القطع كالصيد إذا قطع نصفه فلا يمكنه الأكل فيموت جوعًا، فإنه لا يؤكل واحد منهما (لا الصيد) ولا العضو البائن عنه، وإن كان غير مقتل، وكان موته بالقطع أكل الصيد دون العضو البائن، فإن كان العضو البائن مقتلًا فلا يخلو أن يكون الباقي كالبائن، أو أقل منه، أو أكثر، فإن كان الباقي أكثر من البائن أكل الباقي، وهل يؤكل البائن أم لا فيه قولان.
أما من قال: يؤكل الجميع وهو الذي حكيناه أولًا عن طائفة من الفقهاء، فاحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ وظاهر قوله: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ ومقتضاهما التسوية بين البائن والباقي.
وأما من قال: إن البائن لا يؤكل فاحتج بقوله -عليه السلام-: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة).
وأما من فرق بين أن يكون العضو مقتلًا، أو غير مقتل، وهو أصل مذهب مالك، فاعتبر الحياة، لأنه إذا كان ذلك
الجزء: 1 - الصفحة: 712
العضو مقتلًا لم يدخل تحت عموم قوله -عليه السلام-: (ما قطع من البهيمة وهي حية) إذ الحياة غير مستقرة حال القطع، ثم ذكر القاضي أن ما قتله الحبالة والسهم المسموم لا يؤكل، وعلل كل واحد من الحكمين.
أما الأول فلأنه مقدور عليه، وهي معنى ما أدركه، والجوارح تنهشه، وأما الثاني فلحصول الاشتراك في قتله.
قوله: «ولا صيد المجوسي»: يريد صيده البري وقد تقدم أن صيد البحر حلال، وذكرنا الخلاف في صيد الكتابي وفيه كفاية.
الجزء: 1 - الصفحة: 713
باب الأطعمة والأشربة
قال القاضي -رحمه الله-: «الأطعمة ضربان» إلى قوله: «وأما الأشربة».
شرح: الأطعمة على ضربين محللة ومحرمة، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا كلوا من طيبات﴾ [البقرة: 172] والطيب عندنا الحلال اللذيذ، وقال تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي﴾ الآية [الأنعام: 145]. وثبت من السنة تحريم السباع، وتحريم النجاسات.
وقد بينه القاضي بيانًا شافيًا.
قوله: «ما لم يكن نجسًا بنفسه أو بمخالطة نجس أن يقول أو مضرًا كالطيب، فقد كره ابن المواز أكل الطيب، وقال ابن الماجشون: أكله حرام.
قوله: «وأما البحري فيؤكل جميعه كان مما له شبه في البر، أو مما لا شبه له»: تحرزًا من مذهب الليث بن سعد وغيره من المخالفين ممن رأى تحريم خنزير الماء وإنسانه، والجمهور على تحليل ذلك.
ومبنى المسألة على أمرين: هل يتناولها الاسم فيكون لفظًا مشتركًا أم لا؟ الثاني: هل الاسم المشترك محمول على العموم أم لا؟ والصحيح أن اللفظ لا
الجزء: 1 - الصفحة: 714
يتناولهما لغة، وقد قال مالك: أنتم تسمونه خنزيرًا.
وقد روي عن مالك كراهية خنزير الماء تحرزًا من الخلاف.
قوله: «وما تلف بسببه»: تحرزًا أيضًا من مذهب المخالف، لأن من أهل العلم من ذهب إلى أن ميتة البحر حرام، وهي التي تتلف بنفسها.
وللعلماء في ميتة البحر ثلاثة مذاهب.
فقال الجمهور: هي حلال اعتمادًا على حديث العنبر، وعلى قوله -عليه السلام-: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
وقال قوم: هي محرمة بناء على تقديم العموم المتواتر على الواحد، ولتواصل الحقيقة، وفرق قوم بين أكل الطافي والدانف، فأباح أكل الدانف، ومنع أكل الطافئ اعتمادًا على ما رواه أبو الزبير عن جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما ألقى البحر أو جزر عنه فكلوا وما طفا فلا تأكلوه) والحديث صحيح، وروي موقوفًا على جابر، فلذلك ضعف الاحتجاج به عند الجمهور.
قوله: «ما عدا الخنزير»: وشحمه، وجلده، وجميع أجزائه في التحريم
الجزء: 1 - الصفحة: 715
سواء، على أن الأصح في شعره وجلده، وقد روي عن مالك جواز الانتفاع بشعره، وعن أبي يوسف وغيره طهارة جلده بالدباغ وشذ من خالف في شحمه فهو مسبوق في الإجماع.
قوله: «والسباع فإنها مكروهة»: هذا هو المشهور من رواية عن المذهب، قال ابن حبيب: لم يختلف المدنيون في تحريم السباع العادية الأسد والنمر والذئب ونحوه، وأما غير العادية كالضب والثعلب والضبع والأرنب كره أكلها دون تحريم، وروى أشهب أيضًا عن مالك أنها محرمة وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وهو مستقرأ من نص مالك في الموطأ وهو الصحيح، واعتمادًا على قوله -عليه السلام-: (أكل كل ذي ناب من السباع حرام) وإنما قال بالكراهية تعويلًا على قوله تعالى: (أكل كل ذي ناب من السباع حرام) ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي﴾ الآية، واختلفوا في السباع المكروهة فقال أبو حنيفة: كل ما أكل اللحم فهو سبع حتى الفيل والضب واليربوع والنسر والقرد، وقال الشافعي: السباع المنهي عنها هي العادية على الناس كالأسد والنمر والذئب وألحق بها الكلب بنجاسة عينه، واختلفوا في الممسوخ كالفرس والقرد والقنفود على قولين: التحريم والكراهية.
قال ابن المواز: لا يحل ثمن القرد ولا كلفه وهو نص
الجزء: 1 - الصفحة: 716
الواضحة، وأجاز بعض أصحابنا ثمنه وجلبه إلى المدينة، وأمر عمر بن الخطاب أن يرد إلى الشام من حيث جلب، وروي عن النبي -عليه السلام- النهي عن ثمنه، وكذلك اختلفوا في ذي ناب من الطير فقيل: مكروهة، وقيل: محرمة، والخيل والبغال والحمير فيها ثلاثة أقوال: التحريم والكراهية والإباحة في الحمير والبغال شاذة في المذهب أنكره الشيوخ، واحتج من قال بتحريم ذلك بظاهر من السنة.
أما الخيل فاحتج أبو حنيفة على تحريمها بقوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ [النحل: 8] فدليل خطابه أنه لم يخلق للأكل لقوله تعالى في بهيمة الأنعام: ﴿ومنها تأكلون﴾ [النحل: 5] وأما الحمير فثبت من حديث جابر أنه -عليه السلام-: (نهى يوم خيبر عن لحوم الأهلية وأمر بإكفاء القدور بما فيها وأذن في لحوم الخيل).
وأما البغال فالحكم ثابت عندهم على الحمير، وأما من أباح الجميع فعل على قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي﴾ الآية، وأما الكراهية فتوسط بين القولين والله أعلم.
قوله: «ولا يؤكل الجراد عند مالك إلا أن يتلف بسبب» هذا إشارة إلى الخلاف، فقيل: إنها تفتقر إلى الذكاة، وقيل: لا تفتقر، واختلف في صفة ذكاته إذا قلنا: بالافتقار إليها فقيل: صيده، وقيل: سلفه، وقيل: قطع جناحه،
الجزء: 1 - الصفحة: 717
وقيل: قطع عضو من أعضائه مطلقًا، وقد قيل: إنه طعام البحر.
قوله: «والطير كله مباح ذو المخلب وغيره»: وهذا أصل مذهب مالك اعتمادًا على ظاهر قوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي﴾ الآية.
وظاهره حصر المحرمات، وقد قيل: إنها مكروهة اعتمادًا على ما خرجه أبو داودة من حديث ابن عباس قال: (نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير) ولم يخرجه الشيخان.
قوله: «ما عدا ذلك فمكروه»: إشارة إلى الحشرات التي تستقبحها النفوس وتستقذرها الطبائع، والأمر فيها عند الجمهور كما قاله القاضي أنها مكروهة غير مقطوع بتحريمها، حرمها الشافعي.
أما الحشرات المستقبحة فعول من حرمها على قوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: 157] ورآها داخلة تحت العموم، وعول الآخرون على ظاهر الحصر المستفاد من الآية المقتضية لحصر أنواع المحرمات.
قال القاضي -رحمه الله-: «وأما الأشربة فلا يحرم منها إلا ما سكر» إلى آخره.
شرح: انعقد إجماع المسلمين على تحريم الخمر وهو الماء المعصر من العنب قليلًا كان أو كثيرًا، والدليل عليه الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش﴾ الآية [الأعراف: 33]، والإثم الخمر.
الجزء: 1 - الصفحة: 718
قال الشاعر:
شربت الإثم حتى ضل عقلي ** كذلك الإثم يذهب بالعقول
وقال تعالى: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: 91] فقال عمر: (انتهينا يارب انتهينا يارب) ففهموا التحريم من الآية ولا مخالف، وأما الأنبذة فأجمع المسلمون على تحريم الإسكار منها.
واختلف في القليل الذي لما يقع به الإسكار، والجمهور على التحريم، لها في الصحيح من حديث عائشة قالت: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن البتع وعن النبيذ فقال: (كل شراب أسكر فهو حرام) خرجه مسلم قال ابن شعبان: هذا أصح حديث روي عنه -عليه السلام- في تحريم المسكر وهذا حديث ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (كل مسكر كرام) خرجه مسلم وخرج أبو داود حديث جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما أسكر كثيره فقليله حرام).
وفي حديث ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (حرمت الخمر لعينها، والسكر من غيرها) وهل يسمى النبيذ خمرًا أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين أهل العلم مسند إلى النص والمعنى، أما النص فما رواه ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن من العنب خمرًا
الجزء: 1 - الصفحة: 719
ومن العسل خمرًا، ومن الزبيب خمرًا، ومن الحنطة خمرًا، وأنا أنهاكم عن كل مسكر).
وهذا يدل على أن هذه تسمى خمرًا في الشرع، وأما المعنى فإن الخمر إنما هي بذلك من المخامرة وتغطية العقل فحيث ما حقق هذا المعنى صدق إطلاق اللفظ عليه، وهذا مبني على جواز القياس والخلاف في ذلك مشهور.
قوله: «وشرب الخليطين مكروه» وهذا كما ذكره.
وقد اختلف العلماء في ذلك، والصحيح نهيه -عليه السلام- أن يخلط الثمر والزبيب والزهو والرطب والبسر والدباء والمزفت والمعنى ألحقهم آلات ينتبذ فيها، وقد اختلف الناس في الانتباذ فهي على ثلاثة أقوال فكره الثوري ذلك.
وأجاز أبو حنيفة الانتباذ في هذه الظروف وغيرها.
والمشهور من المذهب كراهية الانتباذ في الدباء والمزفت لسرعة الإسكار فيها دون ما عداهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 720
وأما الانتباذ في الظروف من الأدم فجائز إجماعًا لقوله -عليه السلام-: ( .... ) والصحيح العمل على مقتضى نهيه -عليه السلام- عن الانتباذ في الأربع التي ذكرها الثوري.
قوله: «وشرب العصير والعقيد جائز»: ويقربه المطبوخ الذي ذهب منه الإسكار بكل حال والإجماع على جوازه، لأنه في حكم الحلو والعسل واللبن وغير ذلك من المائعات والله أعلم.
قال ابن المواز: ليس ذهاب الثلثين في كل بلد ولا في عصير يحل.
قال غيره: المقصود أن يذهب منه قوة الإسكار.
قال مالك: كنت أسمع إذا ذهب ثلثاه لم يكره.
قال ابن المواز: لا أجد في طبخ العصير ذهاب ثلثيه، وإنما النظر إلى السكر.
الجزء: 1 - الصفحة: 721