واعتمد مالك في العمل عليها في الأمرين: النص والعمل، أما النص فما رواه الحسن عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: (عهدة الرقيق ثلاثة أيام) وروى قتادة عن الحسن مرسلًا أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: (لا عهدة بعد أربع) وفي هذين الحديثين مقال لأهل العلم بالإسناد.
وصح أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قضى بالعهدة، فقال: ما أجد لكم شيئًا أوسع مما جعل النبي- صلى الله عليه وسلم- لحيان بن منقذ، فإنه جعل له عهدة ثلاثة أيام فيما اشترى إن رضي أخذ، وإن سخط ترك، وقال محمد بن يحيى بن حبان: ما جعل ابن الزبير عهدة الرقيق ثلاثة أيام إلا لقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لمنقذ بن عمرو أنت بالخيار ثلاثًا وروى مالك أن أبان بن
عثمان، وهشام بن إسماعيل كانا يذكران الرقيق في عهدتهما وخطبتهما عهدة الرقيق ثلاثة أيام من حين يشتري العبد أو (الوليدة)، وبه قال عمر بن عبد العزيز وأبو الزناد، والزهري، والفقهاء السبعة الأعلام بالمدينة، وعلموا بها في المدينة، (واستمروا) عليها، وروى الشافعي عن ابن جريح قال: سألت ابن شهاب عن عهدة السنة قال: ما علمت فيها أمرًا سالفًا، وهي على قسمين: صغرى، وكبرى، فالصغرى عهدة الثلاث وهي صغرى في الزمان، كبرى في الضمان، وهي من جميع العيوب الحادثة فيها عند المشتري، والكبرى: عهدة السنة من العيوب الثلاثة: الجنون والجذام والبرص، وهي كبرى في الزمان، وصغرى في الضمان، وما حدث فيها من غيرها من العيوب فهي من المشتري تمسكًا بالأصل، وهي في الرقيق فقط، لأنه يكتم عيبه، فيستظهر على البائع فيه بثلاثة أيامٍ للإمكان أن (يظهر عيبه) المكتوم كأيام الخيار، والاستبراء والتصرية التي نص الشارع عليه الصلاة والسلام عليها في حديث المصراة، وجعلت السنة للعيوب الثلاثة، لأنها قد تظهر في بعض الفصول
الأربعة من السنة، وإذا ثبت القول بها تعين النظر في مسائلٍ (تتعلق)، بها.
المسألة الأولى: محلها، ولا خلاف في القضاء بها في كل بلدٍ جرت العادة بالقضاء بها فيه، وهل يقضي (بها) في البلاد التي لم يعرفوها أم لا؟ اختلفت الرواية في ذلك عن مالك، فروى المدينون عنه القضاء بها في كل بلدٍ علموا بها أم لا، واعتادوها أم لا، ويحكم بها علة من علمها، أو جهلها وروى المصريون عنه أنه لا يقضي بها حيث لم تجر العادة بها.
المسألة الثانية: في تداخل العهدتين، اختلف المذهب على قولين: المشهور من المذهب نفي التداخل، وأن عهدة السنة بعد عهدة الثلاث، وبه قال الفقهاء السبعة، والشاذ عهدة الثلاث داخلة في عهدة السنة.
المسألة الثالثة: (اختلف المذهب) في ابتداء عهدة الثلاث، قال ابن القاسم: لا يحسب يوم العقد نهارًا كان العقد، أو ليلًا، والابتداء عنده من أول النهار، والثاني من يوم العقد، وقال سحنون: الاعتبار من حين العقد إلى مثله من الزمان، وهذا أعدل.
المسألة الرابعة: الضمان في العهدتين من البائع على الصفة التي ذكرناها، والنفقة والكسوة عليه والغلة له على مقضى الضمان، إلا أن المذهب على خلاف ذلك، وفي العهدة الصغرى النفقة والكسوة على البائع والضمان منه، واختلف المذهب في الغلة، والمشهور أنها للمشتري وفيه نظر، لأنها
تابعة للضمان كما ذكرناه، (ورأى) بعض المتأخرين أن الغلة للبائع (بالتبعية) للضمان، وحكاه عن المذهب هذا حكم العهدة في الصغرى، وأما النفقة والكسوة في العهدة الكبرى فعلى المشتري، والغلة له، والضمان عليه إلا في العيوب الثلاثة فقط.
هذا (التحصيل).
المسألة الخامسة: النقد المشترط في عهدة الثلاثة غير جائزة لتردده بين البيع والسلف وهل يجوز بغير شرطٍ أم لا؟ فيه خلاف في المذهب، ويجوز في عهدة السلف القضاء به على من أباه اعتبارًا بالمصلحة، ومراعاةً للحاجة إلى الأثمان.
المسألة السادسة: إذا طرأ على المبيع عيب ولم يعلم (أكان) حدوثه في العهدة، أو بعدها، ففيه روايتان: فقال ابن القاسم هو من المبتاع حتى يعلم أنه أصابه في العهدة اعتبارًا بأصل السلامة وقال ابن نافع هو من البائع حتى يعلم أنه سلم في أيام العهدة اعتبارًا بأصل الضمان فتقابل هذين الأصلين وقع الخلاف في ترجيح أحدهما على الآخر.
المسألة السابعة: إذ وجبت العهدة بالعادة، أو بالاشتراط فللمشتري إسقاطها لأن ذلك حق له، فله القيام به وإسقاطه، فإن أسقطه سقط، فإن أحدث في المبيع ما يمنع الرد، ويقتضي الرضى به كالعتق، ثم حدث في العهدة عيب في عهدة الثلاث قولان، قال سحنون العهدة ثابتة، والعتق نافذ، ويرجع بقيمة العيب، وفي كتاب محمد تسقط بقيمة العهدة، ولا رجوع له، وهذا الحكم في عهدة السنة أيضًا.
قوله: "ويجوز البيع بشرط البراءة في الرقيق دون غيره": اختلف
المذهب في بيع البراءة على ستة أقوال:
الأول: جوازه فيما يعلم به البائع من العيوب في الرقيق خاصة، لأنه يكتم عيبه.
والثاني: جوازه في الرقيق، وسائر الحيوان، إذ لا يكاد يحاط بعيوبه.
والثالث: جوازه في الحيوان والعروض، وسائر المبيعات، وهو نص ابن وهب، وابن كنانة.
والرابع: إنكاره، ولا يتنفع باشتراط البراءة مطلقًا، ولا يبرأ البائع إلا من العيوب التي علمها واشتراطها على المشتري.
(الخامس: إنكاره إلا فيما خفف السلطان فيه، وفي بيع المواريث لقضاء الديون).
والسادس: إنكاره إلا فيما كان من العيوب لا يتجاوز قيمته ثلث (قيمة) المبيع، وهو قول المغيرة، والمخزومي، قال بعض الشيوخ المتأخرين: لم يختلف قول مالك في جواز بيع البراءة من البيع باليسير، ولا في بيع البراءة في بيع السلطان، ولا في سقوط العهدتين في بيع البراءة، فأما من أجاز مطلقًا فوجهه أن القيام بالعيب حق المشتري، فإذا أسقطه البائع بالبراءة، ورضي المشتري بذلك سقط كسائر الحقوق المالية، وأما من منعه مطلقًا فلأنه من باب الغرر والجهالة، إن لم يعلم البائع عيبًا، وإن علمه وكتمه برئ منه فهو غش.
وأما من أجازه (مطلقًا) في الرقيق خاصةً، فلأنه يكتم
عيبه خوفًا من أن يزهد فيه، وأما من أجازه في سائر الحيوان فلما ذكرناه من أنه لا يكاد يحاط بعيوبه (فيعقد) البائع فيه، ويصدق فيما يدعيه من جهل العيوب التي فيه.
وروى مالك- رضي الله عنه- أن عبد الله بن عمر باع غلامًا له بثمانمائة درهم، وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء لم تسمه فاختصما إلى عثمان بن عفان فقضى على عبد الله أن يحلف: لقد باع العبد وما به من داءٍ يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف فارتجع العبد، وصح أن زيد كان يجيز بين البراءة، وإذا ثبت ما ذكرناه، فهل يجوز أن يبيع البائع على البراءة بحدثان ملكه، وإن لم يختبر المبيع، أو لا يجوز بيعه على البراءة إلا بعد الاختبار قولان: المشهور من المذهب اشتراط الاختبار، قال مالك: التجار يقدمون بالرقيق فيبيعونه بالبراءة ولم تطل إقامة الرقيق عندهم قال: هؤلاء يريدون أن يذهبوا بأموال الناس باطلًا لا تنفع البراءة، وقال بعد الملك تنفعهم البراءة وههنا فروع تتعلق بما ذكرناه:
فرع: روى ابن القاسم أنه إذا باع السلطان عبدًا على مفلس، فللمشتري أن يرده بالعيب وهو يؤخذ منه أن بيع السلطان ليس ببيع براءة، وحكى بعض أشياخنا أن المذهب لم يختلف أن بيع السلطان بيع براءة، باع للمفلس، أو لقضاء الديون عن الميت، أو على الغائب، وكذلك الوصي إذ باع للإنفاق على يتيمه، فبيعه بيع براءة على المشهور.
فرع: إذا فرعنا على المشهور من المذهب أن بيع السلطان بيع براءة،
فاشترى منه رجل ظانًا أن المبيع مال السلطان، وأنه ليس (بنائبٍ) فيه عن المفلس، ثم اطلع على عيبٍ فهل له القيام به أم لا؟ قولان: أحدهما أنه لا مقال، لأن بيع السلطان لا يكاد يخفى لاجتماع الناس إليه (واحتيالهم فيه غالبًا).
والثاني أن له القيام بالعيب.
قوله: "والعبد يملك ملكًا ناقصًا": وهذا أصل مذهب مالك كما (ذكره) أن العبيد مالكون خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، والدليل لنا قوله سبحانه: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور: 32].
وصفهم الله سبحانه بالفقر، والغنى وهما من صفات المالكين، وقال تعالى: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعامًا فهم لها مالكون﴾ [يس: 71] (نبه) جميع العقلاء حرهم وعبدهم على معرفة الصانع، ووصفهم بأنهم مالكون.
وقال- صلى الله عليه وسلم-: (من باع غلامًا وله مال) وهذا لأم مالك.
والأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز ولأنه يملك المنافع كوطء زوجته وغير ذلك فكذلك الأعيان، ولا خلاف أن لسيده انتزاع ماله إلا أن يتعلق به حق غيره كالمأذون له في التجارة.
ثم ذكر حكم مال العبد في التبعية وهو في البيع للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع اعتمادًا على نص الحديث، فإن اشتراطه المبتاع جاز وكان تبعًا له، وهو يجوز أن يشتري نصفه أو ربعه أم لا؟ قولان في المذهب: الجواز قياسًا
على الكل، والمنع لأن القصد إلى التجزئة دليل على أنه معتبر لا تبع، وما له في العتق تابع له، وقد روي عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من أعتق عبدًا وله مال فماله له إلا أن يستثنيه سيده) والأصل أنه مالك للسيد، فلا يخرج منه إلا بدليل، وذكر الخلاف في الهبة والصدقة وإسلامه في الجناية هل يتبعه ماله أم لا؟ قولان والصحيح أنه غير تابع، لأن انتقال الملك لا يكون بالشك.
قوله: "ولا تجوز التفرقة بين الأم وولدها": قلت: الأصل في منع التفرقة قوله- صلى الله عليه وسلم-: (لا توله والدة عن ولدها) وقوله- صلى الله عليه وسلم-: (من فرق بين الأم وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) وانعقد الإجماع على تحريمه، وإذا كان التفريق محرمًا فالجمع واجب، وهل المقصود الجمع في الملك الواحد، أو في البلد الواحد قولان عندنا (وإذا وقع البيع على التفرقة على مراعاة النهي هل يفسخ، لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه أو يفسخ، ويجبران على الجمع فيه قولان عندنا) مبنيان على الاختلاف في النهي كما ذكرناه، وفي حد التفرقة روايتان في المذهب أحدهما الأثغار، والثاني البلوغ، وفي المذهب رواية شاذة بنفي التفرقة مطلقًا تمسكًا بعموم اللفظ.
قوله: "ولا يجوز في الأب" قلت: لأن النص لم يتناول إلا الأم لما لها من الشفقة والحنان فلا يستضر بمفارقة الأب كالأم.
قوله: "والتصرية عيب" التصرية في اللغة: الجمع يقال صريت الماء في
الحوض أي جمعته فيه، قال تعالى: ﴿فأقبلت امرأته في صرةٍ﴾ [الذاريات: 29] أي في جماعةٍ من النساء، وقد قدمنا الكلام في حكم المصراة، وبقيت فروع تتعلق بذلك:
الأول: إذا اطلع على عيب المصراة فله الرد به كما ذكرناه إلا أن يرضى بذلك، فلا يرد وهو إن علم أنها مصراة فله الرد به كما ذكرناه إلا أن يرضى بذلك، فلا يرد وهو إن علم أنها مصراة قبل الحلاب أو بعده، وله إذا حلب مرة أن يهمل حتى يحلب مرة أخرى ليعلم مقدار حلبها، فإن حلبها ثالثة فهل له أن يرد بعد الحلبة الثالثة، وهو مقتضى الحديث، أو ليس له الرد، لأنه إذا اختبرها (بالثانية) ثم حلبها الثالثة فهو رضى، قولان عندنا مشهوران ففي كتاب محمد له أن يرد إن شاء ولو حلب الثالثة، (وقال ابن القاسم: لا يرد إذا علم التصرية بالحلبة الثانية).
فرع: أوجب الشارع- صلى الله عليه وسلم- رد صاعًا من تمر.
وفي بعض طرق الحديث: (صاعًا من طعام)، وفي بعضها: (صاعًا من سمراء) وكل ذلك دفعًا للخصومة، ولو أراد رد اللبن (بعينه) لم يجز لأنه بيع الطعام قبل قبضه، وإنما نبه- صلى الله عليه وسلم- على التمر، لأنه غالب قوتهم حينئذٍ.
فرع: إذا قدرنا أن قيمة الصاع تزيد على قيمة الشاة فهل يقضى عليه بالصاع أم لا؟ ظاهر المذهب أنه يقضى عليه".
فرع: إذا كانت شياه كثيرة مصراة فهل يكتفي بصاعٍ واحدٍ لجمعيها أو بصاعٍ لكل واحدة.
(اختلف فيه المتأخرون، فقال ابن القاسم بن الكاتب بتعديد الصيعان، وقال أحمد بن خالد: يكتفى بصاعٍ
واحد".
فرع: إذا رضى بعيب التصرية ثم رد بعيب غيره فهل يقضي عليه برد الصاع أم لا؟ قال أشهب: يرد الصاع، وقال محمد: لا يرد قصرًا للحديث على ما ورد، حكاها المتأخرون من الأشياخ.
قوله: "وإذا فات المبيع في البيع الفاسد ضمنه المبتاع"، وهذا كما ذكره أن المبيع بيعًا فاسدًا يضمنه المشتري بالقبض، لأنه قبضه بشبهة العقد، ولم يقبضه على حكم الأمانة ويفسخ (ما دام) قائمًا، فإن فات بعيبٍ في البدن، أو عقد، عتق، ونحوه أو حوالة سوق وتعذر فسخه رجع فيه (بقيمة) المثل فيما له مثل، أو القيمة في ذوات القيم، وسواء كان المبيع مجمعًا على فساده، أو مختلفًا فيه، فإنه يضمن بعد الفوت القيمة، وفي المذهب رواية شاذة أن المختلف فيه إذا فات أمضى بالثمن لشبهة الاختلاف.
قال القاضي- رحمه الله-: "والبيع جائز مساومةً ومرابحةً" إلى آخر الفصل كلا البيعتين جائز شرعًا لدخول النوعين تحت عموم قوله سبحانه: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ (وفي) المرابحة (وجهان)، وكلاهما صحيح جائز، ثم أحسن البيان، وحاصل الأمر فيه على ثلاثة أقسام: منها ما يحسب، ويحسب ربحه وهو ما أثر في المبيع بزيادةٍ كالخياطة والصبغ، ومنها ما يحسب ولا يحسب له ربح، وهو غير المؤثر كحمل المبتاع من بلدٍ إلى بلد، وكراء
البيوت، ومنها ما لا يحسب ولا يحسب ربحه كالسمسرة والدلالة والشد والطي، وفرق القاضي بين الدلالة والسمسرة جريًا على عرفهم، وهما في عرفنا سواء، ذكر اختلاف المتابعين، والأصل في هذه المسألة ما ثبت عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع ويترادان) وفي حديث ابن مسعود: (تحالفا وتفاسخا).
وتحصيل مذهب مالك فيه أنهما إذا اختلفا في مقدار الثمن ففي المذهب فيه خمسة أقوال:
الأول: القول قول المشتري بوجود العقد لأنه الغارم.
قال الإمام أبو عبد الله: ذكر اللخمي في معياره أن بعض الأصحاب ذكر عن السيوري أنه وقع في الواضحة أن القول قول المشتري بنفس العقد، وهو قول أبي ثور.
(والثاني: أن التحالف والتفاسخ مطلقًا فات المبيع أو لم يفت، إذ لا ترجيح، وكل واحد منهما مدعٍ ومدعى عليه).
والثالث: التحالف والتفاسخ ما لم يفت المبيع، فإذا فات فالقول قول المشتري ترجيحًا بالفوات، لأنه الغارم حينئذٍ ما لم يقبض المشتري المبيع بان به أو لم يبن.
والفوت يكون بتغير السوق وزيادة المبيع (ونقصانه)، وإن اختلفا في جنسه مثل أن يقول: (أحدها) بعتك بدينار، وقال الآخر بثوب، فلا خلاف في هذا أنهما يتحالفان ويتفاسخان، ولو اختلفا في النوع فقال: أحدهما بعتك
بقفيز (قمح)، وقال الآخر بقفيز شعير فهو (كالاختلاف) في المقدار، وقيل: كالاختلاف في الجنس، وإذ أوجبنا التحالف فمن المبدأ باليمين ثلاثة اقوال:
أحدها: تبدئة البائع.
لأن أصل الملك له.
والثاني: تبدئة المشتري، لأن البائع قد وافقه على البيع، وإنما خالفه في الثمن.
والثالث: التقارع بينهما، واختاره بعض المتأخرين، أو أهل التبدئة من باب الأولى أو من باب الأوجب، وحكى الشيخ أبو الحسن اللخمي وغيره فيه قولان، ولو نكلا عن اليمين قولان أيضًا:
أحدهما: أن القول قول البائع (لابن حبيب)، وقيل يترادان: (لابن القاسم) حكاهما القاضي، وإذا تحالفا انفسخ البيع، فإذا أراد أحدهما أمضى ما قاله صاحبه، فهل له ذلك، ويجبر عليه من أباه، لأنه مقتضى الإقرار بالعقد أم لا؟ لأنه قد انفسخ بالتحالف، وهذا كأنه ابتداء بيع قولان عندنا.
وبدأ القاضي من مسائل بالاختلاف في الصحة والفساد (ولا شك أن الأصل الصحة فمن ادعاها رجح قوله بادعاء حكم الأصل، ويحلف لنفي دعوى خصمه إلا أن يكون الفساد) غالبًا على البياعات، ففيه حينئذٍ اختلاف في المذهب.
قال سحنون: القول حينئذٍ قول مدعي الفساد، وإن اختلفا فما ينفي اللزوم مثل أن يدعي أحدهما (الخيار، والآخر، البت)،
فالقول قول مدعي البت، لأنه الأصل.
وقال أشهب: القول قول مدعي الخيار، وحكى الأشهر من المذهب في الاختلاف في المقدار، وقد ذكرنا ما فيه.
قوله: "وإن كان (اختلافهما) في قبض الثمن".
قلت: قد يختلفان في قبض الثمن، وقد يختلفان في قبض المثمون، فإن اختلفا في قبض المثمون رجع إلى العادة، فإن أشكل الأمر فإن الأصل أن الثمن) والمثمون باقيان بيد أربابهما، إلا أن يثبت الانتقال؟ ولو قيل: إن أصل العقد (يقتضي) التمكين والتقابض فالقول قول مدعيه لكان صوابًا، فإن أشهد المشتري على نفسه بقبض الثمن فهل يكون إشهاده شهادة على قبض المثمون أم لا قولان عندنا، وما شهدت فيه العادة باستعجال القبض غالبًا نحو البقل واللحم والصرف، فالقول قول مدعي العادة إذا قبض المشتري سلعته، وبان بها، وإن قبضها وهي بيده، ولم يبن بها ففي هذه الصورة قولان: المشهور القول قول البائع، لأنه مدعي عليه القبض، والشاذ أن القول قول المشتري لأنه غارم، وطول الزمان شاهد على صحة دعوى القبض، ولو اختلفا في تعجيل الثمن أو تأجيله رجع إلى العرف، فإن لم يثبت ففيه قولان حكاهما القاضي رواية ابن وهب أن القول قول المشتري، ورواية غيره أن القول قول البائع، والصحيح أن الأصل التعجيل فالقول قول مدعيه.
واختلف المذهب في العرف هل هو (كشاهدين أو) كشاهدٍ فيحلف مدعيه أم لا قولان عندنا.
قال القاضي- رحمه الله-: "فصل ولا يجوز لمن وطئ أمة الفصل" إلى آخره.
شرح: من أراد بيع أمة وطأها وجب على البائع الاستبراء عندنا لاحتمال أن تكون حملت منه فيكون قد باع ولده (وأم ولده)، ومدخلًا للشبهة في نسبه، والنسب أوجب ما احتيط له، وقال أبو حنيفة والشافعي الاستبراء في هذه المسألة واجب على المشتري مستحب للبائع وهو ضعيف، والصحيح وجوبه على كل واحدٍ منهما، إما على البائع فلما ذكرنا، وإما على المشتري فلقوله- صلى الله عليه وسلم-: (لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض).
قال القاضي أبو محمد وغيره من أئمتنا، ولا يحل للمشتري مقدمات الوطء مطلقًا من اللمس للذةٍ وغير ذلك إلا بعد تحقق الاستبراء لاحتمال أن تكون أم ولد البائع.
قوله: "والاستبراء حيضة" قلت: لأن البراءة تحقق بها مع أن مقتضى قوله- صلى الله عليه وسلم-: (حتى تحيض) وذلك يصدق على الواحدة، واتفاق على المتبايعين على استبراء واحد جائز كما ذكره القاضي لحصول الغرض المقصود من البراءة، ويكفي في صحة الاستبراء قولها، لأن النساء مؤتمنات على أرحامهن إلا أن يدعين ما لا يشبه بحال، ثم ذكر حكم القافة عند الالتباس فيها إذا وطأها وأتت بولدٍ يمكن لحوقه بهما، والقافة عند العرب قوم كانوا يعملون المشابهة، وقد اختلف العلماء في الحكم بها، وقضى بها جمهور الفقهاء من المدنيين، والشاميين وغيرهم، ونهى عن الحكم بها العراقيون، والدليل لمالك وسلفه من وجوه: الأول: حديث عائشة- رضى الله عنها-، قالت دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مسرورًا تبرق أسارير وجهه فقال: ألم تسمع ما قاله مجزز المدلجي
لزيدٍ وأسامة: ورأى أقدامهما فقل إن هذه الأقدام بعضها من بعض)، فسرور رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذلك يدل على أنه حق لا باطل كما يقول العراقيون وكان المشركون يطعنون في نسب أسامة، لأنه أسود، وأبوه أبيض.
الدليل الثاني: قوله- صلى الله عليه وسلم- في قصة هلال بن أمية (إن جاءت به على نعت كذلك فهو لشريك).
وقد تقدم الحديث وعمل به عمر بن الخطاب بمحضر الصحابة، لا مخالف له وجرى العمل به المدينة فكان حجة، وإذا ثبت الحكم بالقافة تعين النظر في مسائل:
الأولى: محلها: ومحلها عند مالك اليمين؟ وهل يقضي بها في النكاح أم لا؟ قولان في المذهب، المشهور أنه لا يقضى بها فيه، وقال ابن وهب يقضى بها في النكاح، وهو قول الشافعي.
المسألة الثانية: هل يكتفي بقائفٍ واحد، أو لابد من قائفتين قولان عندنا مبنيان على الاختلاف في القافة هل هي حكم أو شهادة.
المسألة الثالثة: إذا قضى القائف بالاشتراك في الولد الواحد، فقد اختلف الفقهاء فيه، وفي المذهب فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يؤخر الصبي حتى يبلغ ويقال له وال أيهما شئت اعتمادًا على قول عمر بن الخطاب (للغلام وال أيمما شئت) كما رواه مالك في موطئه.
والثاني: أنه يلحق بأقواهما شبهًا.
والثالث: أن يكون ابنًا لهما قاله أبو ثور، وروي ذلك عن سحنون وغيره من أهل المذهب وبه قال من السلف عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما، وهي بنوة شرعية لا بنوة طبيعية، ولا يكون الولد ابنًا لأبوين طبعًا.
قال سبحانه: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى﴾ [الحجرات: 13]، وقال: ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ [لقمان: 14]، وقال تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا﴾ [لقمان: 14].
وفي المذهب قول رابع أنه لا يكون ابنًا لواحدٍ منهما، إذ لا يلحق النسب بالشك، وقد قال بعض أهل العلم بإلحاق الولد: بالقرعة اعتمادًا على ما رواه (الشعبي) عن زيدٍ بن أرقم قال: كان علي- رضي الله عنه- (باليمن) فأتى امرأةً وطأها ثلاثة أناسٍ في طهرٍ واحد فسأل كل واحدٍ أن يقر لصاحبه بالولد فأبى فأقرع بينهم ولضى بالولد للذي أصابته القرعة رواه الثوري بإسناده.