يحكموك فيما شجر بينهم} الآية [النساء: 65] فجعل اعتقاد إصابته في الحكم شرطًا في الأيمان.
وخرج أبو عبد الرحمن النسائي عن أبي هريرة قال: (مررت عن أبي بكر وهو متغيظ على رجل من أصحابه فقلت: يا خليفة رسول الله، من هذا الذي تغيظ عليه، فقال: ولم تسأل؟ قلت: أضرب عنقه؟ قال: فوالله لأذهب كلمتي غضبه، ثم قال: ما كانت لأحد بعد محمد -صلى الله عليه وسلم-.
وروى أبو داود من حديث عكرمة عن ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي -صلى الله عليه وسلم- وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا ينزجر، قال: فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي -صلى الله عليه وسلم- وتشتمه فأخذ المغول فوضعه في بطنها، واتكأ عليها فقتلها فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجمع الناس فقال: أنشد الله رجلًا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل حتى تعد بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول في بطنها فاتكأت عليه حتى قتلتها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ألا اشهدوا أن دمها هدر) ولعله -صلى الله عليه وسلم- علم بالوحي صحة قول الأعمى، فلذلك أهدر دمها.
فرع: إذا وجب قتل من سب النبي -صلى الله عليه وسلم- فهل يستتاب أم لا؟ سمعت أشياخنا يحكون فيه قولين: المشهور أنه لا يستتاب، وإذا كانت توبة القاذف لغيره لا يسقط عنه حد القذف ففي قذفه -صلى الله عليه وسلم- أولى، والشاذ أنها تقبل، لأنها ردة، والمرتد يستتاب.
واختلف قول مالك في الكافر: إذا تاب بالإسلام من
سبه -صلى الله عليه وسلم- هل يسقط عنه سبه أم لا؟.
فمن قبل إسلامه، وأسقط ما قبله اعتمد على قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: 38] وعلى قوله -صلى الله عليه وسلم-: (الإسلام يجب ما قبله) ولأن ذلك ليس أعظم من كفره، والكفر ممحو بالإسلام ومن لم يقبل إسلامه فلتعظم حرمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأما من سب الله تعالى فحكمه أن يقتل، وهل يستتاب أم لا؟ سمعت الأشياخ يحكون فيه قولين: أشهرهما: أن توبته مقبولة، وفرقوا بينهما، ولم يزل ذلك يجري في المذاكرات، وكذلك من تنقص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو استهزأ بحديثه، وضحك عند سماعه شيئًا منه استخفافًا به، أو قال: إن إزاره وسخ فإنه يقتل ولا يستتاب.