روضة المستبين في شرح كتاب التلقينصفحات 1029-1068

قال القاضي- رحمه الله-: "الإجارة جائزة" إلى قوله: "والإجارة ضربان".
شرح: الإجارة مشروعة، والدليل على ذلك الكتاب والسنة (والإجماع) أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿فإن أرضعن لكم فئآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: 6]، وقوله سبحانه: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج﴾ [القصص: 27] الآية، والدليل على ذلك من السنة وجوه: الأول: قوله- صلى الله عليه وسلم-: (أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه).
والثاني: حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، وذكر فيه (أنه استأجر أجيرًا) الحديث وهو ثابت في الصحيح، وقال- صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة وذكر رجلًا استأجر أجيرًا فاستوفى عمله ولو يوفه أجره) وقال- صلى الله عليه وسلم-: (إن الله يطوي المظالم يوم القيامة ويجعلها تحت قدميه

إلا ما كان من فض الخاتم وعرق الأجير) ذكره الإمام أبو بكر بن فورك في المشكل، وذكرنا في كتابنا فيه، ومنها ما خرجه البخاري عن عائشةٍ قالت: استاجر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر رجلًا من بني الديل وقيل: إنه عامر بن فهيرة هاديًا خريتًا وهو على دين كفار قريش فدفعا له راحلتيهما وواعده غار ثور براحلتيهما بعد صبح ثلاث ليال، وذلك حين أمر بالهجرة من مكة إلى المدينة فطلب أبو بكر صحبته).
وأجمع العلماء على جواز عقد الإجازة إلا من لا عبرة (بمخالفته مخالفة) الجمهور كالأصم وابن عيينة فإنهما منعاها.
قال بعض شيوخنا: ولعل الأصم لم يبلغه الإجماع لصممه، وإنما منعاها، لأن المنافع في العقد معدومة، فكان اشتراؤها غررًا، (وكان من باب) بيع ما لم يخلق، وإذا ثبت جوازها فهل هي من العقود الجائزة

كالجعل والشركة، أو من العقود اللازمة، جمهور أهل العلم أنها من العقود اللازمة.
قوله: "ولا تصح أن تكون المنافع المعقود عليها معلومة" ينبغي أن يزيد من جنس ما لم ينه عنه الشرع احترازًا من المنافع المعلومة المنهي عنها كأجر (النائحات) والمغنيات وغير ذلك، ثم ذكر العلم بالمنافع طريقين: أحدهما: أن يكون جنس المنفعة معلومًا كركوب الدابة، وبناء الحائط، وخياطة الثوب، وسكنى الدار ونحوه مما يعلم بالمشاهدة.
والثاني يلزمه فيه ضرب الأجل لينحصر به، وهذا الذي قاله فيه نظر، فإن ركوب الدابة، وسكنى الدار وإن كانا معلومين فيلزم فيهما ضرب الأجل (ابتداءً وانتهاءً) لينتفي الغرر (وتتبين المدة) المشتراة منافعها لا محالة، ويتنزل ذكر المسافة في ركوب الدابة منزلة ذكر الأجل، ثم ذكر ضابطًا كليًا لما يجوز استئجاره من المنافع فقال: كل عينٍ لها منفعة يجوز تناولها بغير أجرةٍ فإجارتها لتلك المنفعة جائزة، وهذا معترض فإن إجارة الآبق والبعير الشارد ممنوعة وهبة أعيانهما وهبة منافعهما جائزة لجواز هبة الغرر، والمجهول، انظر هل يدخل تحت هذا والضابط إجازة الدنانير والدراهم وغيرهما مما لا يعرف بعينه أم لا؟ (وظاهره) تناوله، وإن كانت إجارة ذلك لا تصح على المشهور من المذهب.
قال ابن القاسم: وإجارة الدنانير والدراهم قرضًا وإنما لم تصح إجارتها، لأن الإجارة تقتضي تمليك الانتفاع بها، وذلك يستلزم إتلاف أعيانها، إذ لا منفعة فيها مع بقاء العين، فإذا أتلف (عينها)، ورد مثلها صار

حكم الإجارة إلى القرض في المعنى، فإن استأجرها فهي قرض، والإجارة ساقطة عن المستأجر على قول ابن القاسم، وأجاز الشيخ أبو بكر الأبهري وغيره استئجارها للتجميل بها، (والتكثير) ليراها الناس بين يديه لما يتعلق (له) بذلك من الأغراض (بشرط) أن يكون مالكها حاضرًا مع مستأجرها خوفًا من إتلاف عينها، ورد مثلها مع زيادة الأجرة فتكون سلف جر نفعًا ثم ذكر القاضي أن إجارة العيان مدة معلومة على ثلاثة أضرب: أحدها أن يبين الابتداء والانتهاء، وهذا لا خلاف في جوازها لانتفاء الغرر فيه من كل وجه.
والثاني: أن يذكر المدة ولا يبين أولها، واتفق المذهب على جواز ذلك إحالة على العادة، إذ مقتضاها أن أول المدة من حين العقد كابتداء الأجل في السلم وفي اليمين فيمن حلف أن لا يتكلم فلانًا شهرًا (فانعقد اليمين) عليه من وقت يمينه بحكم العادة، في جميع ذلك، وقال الشافعي: إن لم يبين أول المدة في الكراء فهو باطل وراءه غررًا.
والثالث: أن يعقد الكراء منه مشاهرةً، فيقول الشهر بكذا، أو السنة بكذا، فالخلاف في هذا القسم في محلين: الأول: في جوازه، ولا خلاف في مذهب مالك في جوازه، لأن المنافع معلومة المقدار في المعنى فهو بمنزلة أن يقول له بعتك ما في هذه الصبرة ما شئت كل قفير بكذا، ومنع الشافعي كراء المشاهرة من حيث إن المنافع لم تتقيد، وله وجه من النظر.
الثاني: إن انعقدت الإجارة مشاهرةً فله أن يخرج متى شاء، وللمالك أن يطالبه بالخروج متى شاء.
واختلف المذهب هل يكون عليه من الأجر بحسب

ما سكن وهو الصواب، إذ العقد (لم يكن) على شهرٍ كامل، وإنما وقع على (حساب) أن الشهر بكذا وتكون أجرة شهر واحد أو سنة كاملة إن كانت الإجارة مشاهرةً أو مساناةً وكل الكراء (واقع) على الحد المقدار من سنة، (أو شهر).
تكميل: شرط علماؤنا في المنفعة المشتراة في عقد الإجارة خمسة شروط: الأول: أن تكون معلومة من الطرفين كما ذكرناه، واختلف في فروعٍ (تتعلق بهذا الشرط).
الأول: إذا استأجر الطحان بصاعٍ من دقيقٍ أو القمح الذي يطحنه، ففيه قولان الجواز، لأنه معلوم حكاه الشيخ أبو الفرج، والمنع، وهو قول ابن المواز للغرر.
الفرع الثاني: إذا قال له القط زيتوني أو أحصد زرعي فما لقطت أو حصدت فلك نصفه فيه قولان: الجواز لابن القاسم، (لأنه جعل) له الترك متى شاء، والمنع لغيره لإمكان الغرر.
والشرط الثاني: حصول المنفعة للمستأجر احترازًا من الاستئجار على العبادة التي لا تصح النيابة فيها (شرعًا) كالصلاة والصوم، والخلاف في جواز النيابة في الحج معلوم، وتجوز الإجارة على غسل الميت، (لأن كل

واحد من الحي والميت) ينتفع بذلك.
واختلف المذهب في جواز الإجارة على الأذان والصلاة، فمنع ابن حبيب الإجارة على ذلك مجتمعين أو مفترقين، (وأجاز ذلك ابن عبد الحكم مجتمعين أو مفترقين)، وكأنها إجارة على ملازمة الموضع الخاص على ارتقاب الأوقات لا على العبادات، والمشهور من المذهب جواز الإجارة على الصلاة مع الأذان لا على الصلاة وحدها، وصح أن عمر بن الخطاب أجر سعيد القرظي رزقًا للأذان، وكان أحد مؤذني النبي- صلى الله عليه وسلم-.
والثالث: أن تكون المنفعة مقدورًا على تسليمها حسًا وشرعًا، فإن كانت غير مقدور عليها حسًا لم تجر الإجارة كالاستئجار على تعليم الأخرس اللفظ، والأعمى الخط، وكذلك إن كانت للمنفعة غير مقدور على تسليمها شرعًا.
فالعجز الشرعي كالعجز الحسي مثل أن يستأجر حائضًا على كنس المسجد، فالإجارة (غير جائزة).
والشرط الرابع: أن لا يتضمن استيفاء (المنفعة استيفاء) العين، فإن تضمن ذلك لم تجز الإجارة مثل أن يستأجر (الأشجار) لأكل ثمارها، والشاة والناقة لنتاجها فهذا بيع عين قبل الوجود لا شراء منفعة.
والشرط الخامس: أن تكون المنفعة متقومة، وعلى هذا اختلف في فرعين: الأول: إجارة المصحف.
فقال ابن حبيب: لا تجوز إجارته، وأجاز بيعه، قال: وكره إجارته من لقيت من أصحاب مالك، واختلف قول ابن القاسم، لأن إجارته ثمن للقرآن وبيعه بين الورق والخط فافترقا.

الفرع الثاني: هل يجوز استئجار الأشجار لتجفيف الثياب عليها، وفيه روايتان: الجواز، والمنع، وكلاهما للأصحاب.
قوله: "وعقد الإجارة لازم من الطرفين" قد ذكرنا اختلاف العلماء في ذلك والمعول عليه اللزوم، لأنها بيع من البيوع، فإن طرأ (على العين المستأجرة ما يمنع استيفاء المنافع منها انفسخت الإجارة، وكذلك إن طرأ ما ينقص منها) نقصًا يتضرر به المكتري مثل تساقط السقف وكثرة التأذية بالقطر، مثل القاضي القسم الأول المانع من استيفاء المنافع باحتراق الدار (وانهدامها) أو غصبها أو مرض العبد والدابة، وهذه (محلها أسباب تقتضي الفسخ لحصول الخلل في المعقود عليه، وكذلك الحوانيت يأمر السلطان (بغلقها)، فإن الكراء يفسخ على نص الروايات، وهي كغصب العين، أو المنفعة.
فإن نقصت المنفعة وأراد الإصلاح ورفع الضرر الموجب لنقص المنفعة مضى ذلك، فإن أدى (ذلك) إلى ضرر المستأجر لطول المدة، فله الفسخ إذا كان ضرره لا يمكن البقاء معه سبب للخيار في فسخ العقد إن شاء فإن أمكن استيفاء المنافع وتعذر أحد المتعاقدين فالإجارة لازمة لا تنفسخ عندنا إلا في كراء الدابة للحج، لأن أيام الحج معلومة، وأما غير ذلك فلا، مثل أن يستأجر حانوتًا ليبيع فيها متاعه، فيحترف، أو دار ليسكنها، ثم يريد السفر ونحوه لأن (العقد لازم) مع إمكان استيفاء المنافع، وقال تعالى: {أوفوا

بالعقود} بخلاف تعذر المنفعة، وتعلق بنقص المنفعة من العين المعقود عليها.
فروع: الأول: إذا اكترى أرضًا فغرقت فمنع ذلك من (الانتفاع) بها، فهل يسقط عنه الكراء أم لا؟ فصل الأشياخ فقالوا إن كان غرقها في الإبان بحيث لو انحصر الماء عن الرض لأمكن زرعها، فلم ينحصر فالكراء ساقط، وكان كانفساخ الإجارة، وإن كان الغرق بعد الإبان فالكراء لازم لا يسقط منه شيء، ولو استأجر أرضًا فكانت النمل والدود ونحو ذلك مما يفسده، ولم يبينه له رب الأرض فالكراء ساقط عن المستأجر نص عليه أبو الحسن اللخمي ولو استأجر أرضًا للزراعة فزرعها فأصابته جائعة فالكراء لازم، ولا يسقط عنه منه شيء.
قوله: "وتسليم الأجرة (غير مستحقة) بمجرد القول" وهذا تنبيه على مذهب الشافعي لأن مالكًا يرى أن الأجرة ثمن للمنافع، فكل جزء من المال يقابل كل جزء من المنفعة إلا أن تكون هناك عادة، أو شرط، أو يكون التقديم هو مقتضى الأحكام، وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي: يجب تسليم الأجرة عند تمام العقد وانبرامه، فإن كانت الأجرة عرضًا معينًا، أو طعامًا رطبًا يسرع إليه الفساد، فالتعجيل في هذه الصور خارج عن الأصل، لأنه لو أخر العرض المعين لكان من باب المعين (يقبض إلى أجل) فيؤدي إلى الجهل (والغرر) لإمكان تغيره بالتأخير، فالشرط ظاهر بالتنصيص عليه، والعادة في الطعام الرطب والفواكه كون التقديم هو موجب الأحكام مثل أن

يكون الثمن (عرضًا) معينًا فتأخيره من باب المعين بقبض إلى أجل، وهو مممنوع، واختلف في فروع: إذا استأجر بثوبٍ معين ومقتضى العرف التقديم (جازت الإجارة)، فإن كان مقتضى العرف التأخير، فهل يحمل الإطلاق على العرف الفاسد فيسقط العقد أو يصح تغليبًا لمقتضى الأحكام على مقتضى العرف فيه قولان عندنا.
قال القاضي- رحمه الله-: "الإجارة ضربان: إجارة عين وإجارة الذمة" إلى قوله: "والجعل جائز".
شرح: وهذا كما ذكره في أن الإجازة المتعلقة بالعين تقتضي تعليق العقد بتلفها العين تقتضي تعليق العقد بتلفها العين وانفساخه تبلغها، إذ هو مقتضى التعيين.
قوله: "وتقع المحاسبة" يعني: في الدواب وغيرها ما عدا السفن، فلا محاسبة فيها على المشهور، لأنها على البلاغ، وتنفسخ الإجارة بموت الرضيع والصبي والمتعلم لتعذر الخلف غالبًا، ولو استأجر على خياطة ثوب فهلك فهل تنفسخ الإجارة، أو عليه البدل إذا لم يتعذر غالبًا قولان.
واختلف المذهب إذا استأجر على رعاية غنم، هل يلزم اشتراط الخلف في أصل العقد أم لا يلزم، إذ هو مقتضى الحكم قولان المشهور اشتراط ذلك فى العقد وقيل: هو مقتضى، فلا حاجة إلى الاشتراط، وعندنا رواية ثالثة بالفسخ عند موتها ولا سبيل إلى البدل، لأنة فسخ دين فى دين.
(قوله: "والشروع في الاستيفاء": وهذا كما ذكره، لأن قبض الأوائل كقبض الأواخر).
قوله: "وموت أحد المتعاقدين لا يوجب فسخ الإجارة": هذا مذهب

مالك خلافًا لأبي حنيفة والدليل لنا أنه عقد معاوضة لا ينفسخ بموت أحد المتعاقدين كالبيع وبه قال الشافعي، وأحمد، وداود، وأبو ثوار، وغيرهم، واعتمد أبو حنيفة على أن الملك بالموت قد انتقل إلى الورثة وقياسًا على النكاح الذي يبطل الموت.
قوله: "أو ما عدا الشرب" يعني: أن الزرع في أرض السقي يسقط الكراء بخلاف سائر الجوائح وقد قدمناه).
قوله: "ولا يتعين من تستوفي به المنافع وإن عين" قلت: وإن كان إشارةً إلى مسألة الغنم فهو صريح مذهب ابن القاسم، وإن كانت إشارةً إلى غيره ففيه نظر.
ورأى القاضي أن تعيين المحل كالوصف، فلا تنفسخ الإجارة بذهاب المحل ويتنزل المثل منزلة العين، وهذا الأصل عندنا فيه خلاف في المذهب، وتظهر فائدته إذا فات المحل كتلف الغنم وهلاك الثوب هل تنفسخ الإجارة أم لا؟ وعليه البدل قولان مشهوران قد تقدما.
قوله: "وإذا استأجر دابةً ليركبها أجاز أن يركبها (غيره) وكذلك إذا اكترى أرضًا ليزرعها": وهذا الذي قاله هو الصحيح خلافًا لمنعه، والحجة لنا أنه ملك المنافع، فله أن يفعل فيها ما شاء مما لا يضر برب الأصل.

قوله: "وإذا زاد (على ذلك) قيمة الزيادة ": وفيه تنبيه على خلاف أبي حنيفة، قال: لا كراء فيها زاد لأنه (المتسلط) وهذا خطأ فإنه لم يسلطه على الزيادة، فإذا زاد فقد انتفع، فعليه قيمة الزيادة، وأما الدابة يزيد عليها في المسافة فعليه الأجرة الأولى بلا خلاف، وربها بالخيار فيه تضمين قيمة الدابة، وأخذ قيمة الزيادة، لأنه متعد بالإمساك وحبسها عن أسواقها، فعليه الضمان كالتعدي بالأصل، وقال الشافعي: ليس لرب الدابة تضمين قيمة الدابة لبقاء عينها، وإنما على المتعدي قيمة الزيادة فقط، وهو (سديد) في النظر وقد اشترطنا الإجارة أن تكون معلومة من الطرفين، وطعام الظئر والأجير وكسوتهما معلومان بالعادة، ويقضى في ذلك بالوسط، فلذلك أجازه الجهمور ومنعه الشافعي في كل أجير، ووافقه أبو حنيفة في الظئر للضرورة، وحكى القاضي جواز كون (الإجارة) ثمنًا للمنافع جريًا على المشهور من المذهب، وفيه رواية بالمنع، وبه قال أبو حنيفة، لأنه دين بدين وهو ضعيف.

قوله: "وإجارة المشاع جائزة من الشريك وغيره": نبه على خلاف أبي حنيفة لأنه قال: لا تجوز إجارته إلا من الشريك خاصةً، والصحيح جوازه مطلقًا، لأن الشريك كالأجنبي في إمكان الانتفاع بالجزء المشاع.
قوله: "ولا يضمن (الأجير) ما تلف (في) يده": قلت لأنه يده يد أمانة، وقد قيل بتضمين كل أجير في الطعام وغيره، وإن لم يفرط، وهي رواية عن مالك، والمعتمد عليه تضمين الأجراء في الطعام خاصة رعيًا للمصلحة، كان منهم تفريط وتغرير أم لا؟.
وإذا قامت لهم البينة على هلاك الطعام من غير تفريط سقط الضمان على الأصح لزوال التهمة بالشهادة ولو قال الراعي: أكلها الذئب، فالأصل أمين فإن ذبحها، وقال: خفت عليها الموت لم يضمن على المشهور، لأنه مصدق، وقيل: يضمن حكاه الشيخ أبو القاسم.
قوله: "واختلف في كرائها" في الملاح روايتان: أحدهما أنه لا شيء له بناءً على أنه على البلاغ، وقيل: بقدر المسافة، وفرق أصبغ بين أن يلجج أم لا، فإن لجج فهو جعل، وليس له من الكراء

شيء إلا بالبلاغ، وإن لم يلجج (فهو إجارة له) بحساب ما سكن، وإن لم يضمن الملاح لأنه غير متعد، فإن تعد وثبت تعديه فهو ضامن إن غر بالفعل، وإن غر بالقول لم يضمن على المشهور، ويتعلق (بالسفينة) ذكر تخفيفهما، ولا خلاف في وجوبه في حال الشدة، وخوف الغرق فيلقى من السلع ما ثقل دون الخفيف، واختلف المذهب في الرقيق وهل هو كحرمة الآدمي أو كسائر الأموال، والصحيح أنه كالآدمي أو كسائر الأموال، والصحيح أنه كالآدمي ويقع التوزيع على التجار على حسب القيم.
واختلف المذهب في مكان القيمة، فقيل: في أقرب المواضع إليه، وقيل: في المكان الذي تحمل السلع إليه، وقيل: المعتبر الثمن الذي اشتريت به.
قوله: "ويضمن الصناع (المؤثرون) بصناعتهم" قلت: اختلف الفقهاء في تضمبن الصناع فقال به مالك ومن (اتبعه)، وخالف في ذلك أبو حنيفة والشافعي (وأحمد) والعمدة لنا أنه يروى عن عمر وعلي وغيرهما، ولا مخالف لهما فكان كالإجماع، وأعطاهم المخالف حكم الأمانة المحضة وهو الصحيح نظرًا، وبه أفتى أبو عمران الفاسي فشنع عليه فقهاء عصره بالقيروان، (وأن الشتاء حينئذٍ صب في داره بالماء المالح) لما

خالف مالكًا، والقول بتضمينهم اعتبارًا (بالمصالح)، وسواء عمل في حانوته، أو في بيته بأجرٍ أو بغير أجر، كان التلف بصنعه أو بغير صنعه إذا كان مما يقدر على التحفظ منه.
واختلف المذهب في إفساد الفأر هل يضمنه الصانع أم لا؟ على قولين، ولو قامت لهم البينة على التلف فهل يسقط عنهم الضمان أم لا؟ قولان المشهور سقوطه، عملوه بأجرٍ أو بغير أجرٍ وقال أشهب: لا يسقط، (وإن سقط) الضمان عنهم ففي وجوب الأجرة لهم قولان، قال ابن القاسم: لا أجرة لهم، وقال ابن المواز: هي لهم.
وجه قول ابن القاسم: أنهم لم يسلموا المنفعة بتلف العين واعتبر ابن المواز أنه وفى عمله، وهذا حكم الأجير العام، وأما الخاص فأمين محض لا ضمان عليه.
فرع: إذا قلنا بتضمين الصناع فشرط الصانع نفي الضمان هل ينتفع بهذا الشرط أم لا؟ فيه قولان عندنا.
فرع: والصناع الضامنون المؤثرون بصناعتهم كما ذكره القاضي، وأما من لم يؤثر كالناسخ يضع عنده الكتاب المستنسخ منه، والحداد يضع (المثال) الذي يعمل عليه.
قال سحنون: لا ضمان على هؤلاء إذا لم يؤثروا بصناعتهم شيئًا، وقال محمد: ضامنون اعتبارًا بالمصلحة.
قوله: "والقول قول الصانع إذا خالفه رب السلعة" قلت: اختلافهما يتصور في مسائل: الأولى: أن يقول رب المتاع للصانع سرق مني، وقال الصانع: استصنعتني قولان أحدهما أن الصانع مدع، فالقول قول رب المتاع.
والثاني: أنهما يتحالفان، ثم يقال لربه: ادفع له قيمة عمله، فإن أبى قيل له:

ادفع له قيمة شيئته، فإن أبى كانا شريكين، ولو قال ربه للصانع أودعكته وقال الصانع: استصنعتني، فقال ابن القاسم: هو مصدق إذ العادة لم تجر بالإشهاد على مثل هذا، وقال غيره: الصانع مدعي: فالقول قول ربه.
والثانية: إذا قال الصانع لرب المصنوع: استصنعتني بأجر، وقال ربه باطلًا، فالقول قول الصانع مع يمينه، وهل تكون له أجرة مثله أو الأقل منها.
أو ما ادعى من الأجرة قولان عندنا.
المسألة الثالثة: إذا دفع إلى الصانع ببينةٍ فلا يبرئه إلا الرد بالبينة، فإن قبضوا بغير بينة، فادعوا الرد، ولم تقم عليه بينة، فقال ابن الماجشون: القول (للصناع لأنهم حائزون بالعمل)، ولو اختلفا في مقدار أجرة البناء في دارٍ أو غيره، فالقول قول رب الدار، تكميل: قال علماؤنا من الحزن أن يعلم الأب ابنه الصغير الصنعة إذ المال تعرض له آفات الزمان، فإن احتاج الولد إلى الصنعة وجدها، وقد علم الله سبحانه كثيرًا من النبيئين الصنائع ورضيها لهم، ولو شاء لغناهم عنها، فالأول من حرث آدم، وكان نوح نجارًا، وكذلك كان يحيى بن زكريا، وكان إدريس خياطًا، وكان إبراهيم بزازًا، وكان داود صانع الدروع وأجار موسى نفسه من شعيب، وسليمان من الملاحين حين زال ملكه، وفقد خاتمه الذي كان سر أمره، فينبغي (اتباعهم)، والاقتداء بآثارهم صلوات الله عليهم.
فصل قال القاضي- رحمه الله-: "والجعل جائز وليس بلازم" إلى آخره.
شرح: الأصل في جواز الجعل، الكتاب، والسنة، أما الكتاب فقوله

تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعيرٍ وأنا به زعيم﴾ [يوسف: 72] وأما السنة فقد صح أنه- صلى الله عليه وسلم- أمضى لصاحب الرقية ما أخذ على رقيته حيث شفى زعيم الحي فقال له: (من أكل برقيته فقد أكل برقية حق) الحديث، والإجماع منعقد على جواز الجعل في الآباق والضوال.
واختلف الفقهاء في جوازه فيما عداهما، فمنعه أبو حنيفة للغرر والجهالة، وللشافعي قولان: الجواز، والمنع، والصحيح جوازه، اعتمادًا على ما ذكرناه.
قوله: "وليس بلازمٍ إلا أن يشرع في العمل": واختلف المذهب في الجعل هل هو من العقود الجائزة، أو اللازمة، والمشهور من مذهب مالك أنه من العقود الجائزة لا يلزم إلا بالعمل كالشركة والقراض وغير ذلك، فإن شرع المجعول له في العمل لزم الجاعل هذا هو الصحيح من المذهب.
وحكى الشيخ أبو الحسن اللخمي وغيره من المذاهب فيه ثلاث روايات: أحدها (هذه الرواية الصحيحة المشهورة، الرواية الثانية أنه يلزم بالقول في حق الجاعل خاصةً دون المجعول له، الرواية الثالثة) أنه لازم بالقول لهما كالإجارة ومعتمد المشهور من المذهب جريان العمل من السلف بالمدينة عليه.
وإذا فرعنا على جوازه فاخلتف فيه في فروع: الأول: اختار القاضي أبو محمد في المعونة، وشرح الرسالة وغيرهما أن الجعل إنما يجوز في الشيء (اليسير الذي لا خطر له، أو فيما كان لا ينحصر بأجرةٍ، ولا يجوز في الشيء) الكثير، وحمله على المذهب

وظاهر الروايات أنه يجوز في الكثير واليسير مما لا يتقدر من الأعمال بزمان، هكذا حكى القاضي أبو الوليد الباجي، وأبو الوليد بن رشد وغيرهما من المذاهب.
قوله: "ومن شرطه تقدير الأجرة دون العمل": وهذا كما ذكره، لأن الأجرة إن كانت مجهولة دخلها الغرر من الطرفين.
الفرع الثاني: إذا وقعت العقدة بين المتجاعلين جازت بشروطها، فإن قال رب الآبق: من جاء بعبدي الآبق فله كذا من غير أن يعقد ذلك مع رجلٍ بعينه، فجاء به، فهل له الرجوع على ربه بما أنفق عليه أم لا؟ المشهور أن له ذلك، وفي العتبية: النفقة من الذي جاء به، وهل له الطلب بالأجرة، وإن كره رب الآبق أم لا؟ فصل فيه أهل المذهب فقالوا إن كان الآتي به عادته ذلك، وعلم منه أن ذلك من شأنه، وأنه مما يكتسب بذلك، فله أجر مثله، وله النفقة التي أنفقها على الآبق، فإن لم يكن ذلك من شأنه، ولم يكن مما نصب نفسه للطلب، فلا جعل له على رب العبد، وإن أنفق عليه فهل يقضى له بالنفقة عليه أم لا؟ لأنه محتسب فيه قولان عندنا، والمشهور أنه ليس له في هذه الصورة إلا نفقته فقط، ولا جعل له، وقال ابن الماجشون: لا جعل له، ولا نفقة.
الفرع الثالث: إذا جاعله على الإتيان بعبده فاستحق العبد بعد أن وجده، وقبل وصوله إلى ربه ففيه تفصيل: إما أن يستحق العبد بحريةٍ ففيه قولان أحدهما أنه لا جعل له على أحدٍ بحال، والثاني: الجعل على الجاعل، وإن استحق بملك في هذه الصورة فجاء به، فهل يكون الجعل على الجاعل أو على المستحق الأول وهو المشهور، لأنه مقتضى العقد.
الفرع الرابع: إذا جاعله على عبده الآبق فأتى به ثم (أفلت) فأتى به

آخر فلن يكون الجعل، فيه خلاف والصحيح أنه بينهما بمقدار (التعب)، ولو أخذ الآبق، ثم أرسله ضمن قيمته لتعديه.
الفرع الخامس: إذا أنكر المالك: (سعى) العامل في الرد فالقول قول مالك: لأنه المدعى عليه الغرم.
الفرع السادس: إذا اختلفا في مقدار الجعل تحالفا ورجعا إلى جعل المثل.
الفرع السابع: اختلف في الجعالة الفاسدة هل ترد إلى جعل مثلها أو إلى أجرةٍ مثلها فيه خلاف في المذهب حكاه القاضي أبو الوليد، واختلفت قاعدة المذهب في مشارطة الطبيب على البرء والمعلم على التعليم، (والحافر) على استخراج ماء البئر، والمغارسة في الأرض هل ذلك كله حكم الجعالة، أو حكم الإجارة حكاه القاضي وغيره، فإن كان حكمه حكم الإجارة تعين العمل فيه بالزمان أو غيره مما يضبطه، وإن كان جعلًا امتنع تقدير الأجل لكثرة الغرر حينئذٍ.

باب القراض

قال القاضي- رحمه الله-: "باب القراض" إلى آخره.
شرح: قلت: الكلام في جواز القراض وأحكامه وفروعه، قال الليث بن سعد كان القراض في الجاهلية معلومًا فأقره الإسلام، وصار سنة، وذكر علماء الآثار انعقاد الإجماع على جوازه، واختلفوا في أول قراض كان في الإسلام، فروى أن أول قراض كان في الإسلام أن عمر بن الخطاب أخرج من السوق من لا يعلم حكم البيوع، وكان فيه يعقوب مولى الحرقة جد العلاء بن عبد الرحمن فأعطاه عثمان مالًا قراضًا فأجلسه في السوق وكان يعلمه ويرعى أحواله، إذ لا يتقضي عثمان وورعه إلا ذلك، وقيل: أول قراض كان في الإسلام الذي أخذه عمر من أبنائه لما خرج عبد الله وعبيد الله ولداه في جيشٍ إلى العراق فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة فرحب بهما، فقال لو أقدر لكما على أمرٍ أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ههنا مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، ويكون لكما الربح فقالا وددنا ذلك ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن ياخذ منهما المال فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر فقال أكل الجيش أسلفه مثل هذا قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أديا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا لو نقص هذا المال، أو هلك لضمناه، فقال عمر: أدياه فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر:

يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضًا، والرجل عبد الرحمن بن عوف، فقال عمر: قد جعلته قراضًا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح المال)، فإذا ثبت جوازه، فالربح فيه على قدر ما يتفقان (عليه) من الإجزاء من نصفٍ، أو ثلثٍ، أو سدسٍ، ونحوه، ولو كان الجزء معلومًا بالتقدير.
لم يجز مثل أن يقول لك من الربح مائة، أو درهمًا فلا يجوز، لأنه لا يعلم هل يزيد الربح على ذلك أو لا يصل إليه فيقوى فيه الغرر، ولو قال له: اعمل في المال على أن لك فيه شركاء، وكانت لهم عادة حملًا على ما اعتادوه، فإن لم يكن في البلد عادة مخصوصة فقال ابن القاسم: للعامل قراض مثله، وقال غيره له النصف.
قال القاضي- رحمه الله-: "وإن عقداه على أن جميع الربح لأحدهما جاز" قلت: وكذلك إن جعلاه المساكين، لأن الربح مال لهما فمن أسقط حقه لصاحبه، أو وهبه لغيره فهو جائز كالهبة المحضة وخالف في ذلك الشافعي، فقال إن العقد حينئذٍ فاسد إذا اشترطه أحدهما لصاحبه نفيًا للغرر، وقصر له على سنته من حيث إنه رخصة، وذلك أنه إن كانت (خسارة) فعلى رب المال، وإن كان ربحًا فليس له في شيء، فتأكد فيه الغرر مع اشتراط الربح لأحدهما، فلذلك منعه الشافعي، وقال أبو حنيفة: إذا (كان) جميع الربح للعامل كان قرضًا لا قراضًا.
قوله: "ولا (يجوز أن) يكون رأس المال فيه عرضًا ولا غيره سوى

الدنانير والدراهم، وفي التبر والنقار وخلاف": يتعلق (به) الكلام في رأس مال القراض، واشتراط علمائنا فيه أربعة شروط: الأول: أن يكون نقدًا، احترازًا من غيره كالعروض وغيرها، وقد اختلف الفقهاء في القراض بالعروض فمنعه الجمهور، وجوزه ابن أبي ليلى، واحتج الجمهور على منعه باختلاف الأسواق في العروض وتبيانها بالارتفاع، والانخفاض ويقوى فيها الغرر، فالواجب عند الجمهور أن يقر على سنته، إذ هو خارج عن الأصول، ووجدت (وثيقة) بخط الشيخ أبي محمد بن أبي زيد- رحمه الله- مضمونها أنه دفع عروضًا لرجلٍ على أن يبيعهما، ويجعل ثمنها قراضًا بينه وبينه.
وأصل مذهب مالك أنه إذا أعطاه عرضًا يبيعه على أن يجعل رأس المال من العروض فهو ممنوع، ومنعه الشافعي أيضًا لأنه قراض ومنفعة، أو قراض وجعل، أو إجارة إن جعل له على البيع ثمنًا، ومع ذلك فثمن العرض مجهول

فيؤول ذلك إلى الجهل برأس مال القراض، وأجازه أبو حنيفة.
واختلف المذهب في مسائل: المسألة الأولى: النقرة غير المسكوكة إذا وقع التعامل بها جاز أن يكون رأس مال القراض إجماعًا فإن لم يكن التعامل بها فهل يجوز القراض بها أم لا، فيه ثلاثة أقوال: الجواز والمنع والكراهة، فالجواز لأنه ذهب يتعلق الحكم بعينه، والمنع لأنها ليست أثمانًا (في الحال)، وإن اعتبرنا القولين خرج من ذلك الكراهة توسطًا بينهما، والتبر عندنا كالنقار سواء.
المسألة الثانية: اخلتفوا في الفلوس هل هي كالعروض، أو كالعين، وعندنا فيها قولان لمالك وعلى ذلك يجري الخلاف فيها في هذا الباب وغيره.
المسألة الثالثة: لا يجوز القراض بالدراهم المغشوشة قاله القاضي أبو محمد، وقاله غيره: إن جرى التعامل بها في بلد، وصارت فيه أصول الأثمان فهي مثل غير المغشوش.
والشرط الثاني: أن يكون معلومًا، احترازًا من أن يكون صرة مجهولة.
والشرط الثالث: أن يكون معينًا ويدخل تحت هذا الشرط فروع: الأول: أن يكون له دين في ذمته، فيقول له اجعله قراضًا، ولا خلاف فيه أنه محرم لما فيه من التهمة على أن يكون من باب: انظرني وأزيدك، وهو ربا الجاهلية.

والثاني: أن تكون الدراهم رهنًا بيد العامل، أو بيد أمين، فلا يجوز أن يقارضه بها (حتى يقبض ربها) فإن كانت عنده وديعة فقارضه بها، فالمشهور الكراهة، فإن نزل مضى، والشاذ الجواز وهو الصحيح نظرًا، (لأنها) في المعنى تحت يد ربها، [وإن] كان دينًا في الذمةـ، فأحضره لربه جاز أن يبقيه عنده قراضًا بعد حضوره على الأصح لخروجه بإحضاره عن تهمة الإبقاء في الذمة، ولو أمر رجلًا أن يقبض (دينًا) له من رجلٍ (آخر، ويعمل به قراضًا لم يجز عند مالك وأصحابه، لأنه اشترط لنفسه منفعة) (زائدة) في القراض وهي تكليف (العامل للقبض)، وأجازه الشافعي لأنه وكالة.
والشرط الرابع: أن يكون مسلمًا (إلى يد العامل)، احترازًا من أن يشترط رب المال أن يبقى المال في يده، أو يد غير العامل، فلا يجوز لما فيه من التضييق المؤدي إلى الغرر، وكذلك لو اشترط أن يراجعه، أو وكيله في التصرف لم يجز للتضييق (المؤدي) للغرر (وكذلك شرط: المخرج له من باب الأمانة إلى (التهمة)، فإن شرط رب المال أن يعمل معه غلامه بحظٍ من الربح قولان: الجواز والمنع.

فرع: إذا دفع له مالين قراضًا ففيه تفصيل إما أن يدفع له ذلك على شرط أن يخلطها أم لا؟ فإن كان على شرط الخلط جاز، اتفق الجزء فيهما أو اختلف، فإن كان على أن لا خلط لم يجوز مع اختلاف الجزء لما فيه من الغرر والمقامرة، فإن اتفق الجزء فيهما بشرط عدم الخلط، ففي المذهب في هذه الصورة قولان: الجواز، والمنع، فالجواز أنه مال واحد في المعنى لاتفاق الربح والمنع لأن ذلك إخراج له عن بابه إلى باب المقامرة.
قوله: "وهو مستثنى من أصولٍ ممنوعة": والأمر كما ذكره ولما كان كذلك وجب أن لا يخرج به عن سنته المشروعة فيه، ولذلك لا يجوز فيه الأجل للغرر المتأكد حينئذٍ خلافًا لأبي حنيفة تشبيهًا له بالإجارة، ثم ذكر أنه من العقود الجائزة لا اللازمة، لكل واحدٍ منهما (تركه قبل العمل) بخلاف المساقاة على الأصح.
قوله: "إلا أن يتعلق للآخر فيه حق" إشارةً إلى حكمه بعد وقوع العمل لتعلق حق كل واحد منهما بالعمل الذي هو مظنة الربح غالبًا، فإذا اشتغل العامل المال (بسلع فليس لأحدهما حله وعلى العامل بيعها، ونض المال، وكذلك إن طعن به فليس لرب المال) رد العامل بعد طعنه ولو اشترى (العامل) زاد السفر فلرب المال حل العقد، ولا يكون ذلك شغلًا إلا أن يطعن به ويجبر على (رد) المال من أباه إلا أن يكون تأخير (البيع: نظرًا مصلحًا فيحملان عليه حسب العرف، ومقتضى العادة.
قوله: "ولا يجوز أن يضم إليه عقد غيره": وهذا هو المشهور، لأنه

رخصة أجيز للضرورة (فيقتصر) على ما ورد به الشرع، وحكى أشياخنا خلافًا في المذهب في العقود المختلفة الأحكام هل يجوز أن يضم بعضها إلى بعضٍ أم لا؟ قولان والصحيح المنع.
قوله: " (ولا أن يشترط) أحدهما زيادةً على صاحبه" تتصور الزيادة المشترطة في حق رب المال، (وفي حق العامل، أما حق رب المال) فمثل أن يشترط بعد اشتراط جزءٍ من الربح عدد مثل أن يقول في شرط الربح وزيادة مائة دينارٍ أو نحوه وكذلك في حق العامل، وكذلك لو اشترط رب المال الضمان على العامل، فالقراض فاسد، لأنه زيادة (غرر)، وكذلك لو شرط رب المال على العمل زكاة رأس المال فهذا لا يجوز بلا خلاف، فإن شرط أحدهما على صاحبه زكاة الربح ففيه في المذهب (نظر، تحصيله بعد).
قوله: "وله أنه يسار بالمال إلا أن يشترط عليه (ترك السفر) وليس له أن يبيع بالدين إلا أن يؤذن له": وهذا كما ذكره القاضي تحكيمًا للعادة، لأن السفر بمال القراض عادة معلومة، وعرف جار عند التجار، إذ لم توجد عنه مندوحة غالبًا.
قال ابن حبيب: السنة أن لا يخرج العامل بالمال إلا أن يأذن له ربه، ولعله راجع إلى العادة فإن (حجر عليه ربه الخروج) فخرج فهو

متعد، (وكذلك البيع بالدين خارج عن العرف، فلذلك منعناه منه، فإذا سافر العامل) بالشرط أو بمقتضى العادة الجارية، فهل له النفقة والكسوة أم لا؟ فيه خلاف بين العلماء، وتحصيل القول فيه أنه إن كان به في الحضر فليس له نفقة ولا كسوة إلا بالشرط، فإن شغله البيع والشراء عن الانقلاب إلى منزله فنصوص المتقدمين أن نفقته في الحضر على نفسه، ولم يفرقوا، وحكى ابن القاسم في وثائقه أنه إذا منعه البيع والشراء في الحضر عن الانقلاب إلى (أهله) فله أن يتعدى (بالأفلس)، فإن سافر فلا يخلو أن يكون يسيرًا بحيث تستغرقه النفقة والكسوة أم لا فإن كان يسيرًا فلا شيء له بلا خلاف عندنا، وإن كان كثيرًا وسافر به إلى بلدٍ له فيه أهل (فلا نفقة في انصرافه إليهم، أو عنهم، وإن لم يكن له فيه أهل) فله النفقة ذاهبًا وراجعًا.
وفي المذهب في هذه الصورة قول آخر أن له النفقة في ذهابه دون غيابه حكاه ابن القاسم الموثق وحكى القاضي أبو محمد أن للعامل في السفر النفقة والكسوة (التي لولا الخروج) بالمال لم يحتج إليها، وهي الزيادة على نفقة الحضر، قال ابن القاسم وله أن يكتسى منه في بعيد السفر، ولا يكتسى في قريبه إلا أن يقيم إقامةً يحتاج فيها إلى الكسوة.
قال ابن حبيب (ومن قول مالك) أنه ينفق في قريب السفر في ركوبه وطعامه، ولا يكتسى إلا في البعيد، قال محمد: والخمسون دينارًا كثيرًا

(وفي غير كتاب محمد الأربعين دينارًا كثيرًا) (وأشهر أقوال) الشافعي أنه لا نفقة له أصلًا إلا أن يأذن له رب المال، وروي عنه أن له النفقة (مطلقًا)، وروي عنه أيضًا أن له النفقة في الحضر) وقال الليث: يتغذى في الحضر ولا يتعاشى.
قال القاضي أبو محمد: "وينفق القريب على نفسه في إقامته في الحضر كالحاضر يسافر": والصحيح أنه ينفق منه بالمعروف إذا انتقل به في السفر والحضر، وكان انتقاله مانعًا من تصرفه لنفسه لأنه لم يدخل على التبرع.
وإنما هو طالب للفضل، فلو أوجبنا عليه النفقة من ماله وهو مشتغل بتحريك مال القراض لأدى إلى تلف ماله، ثم ذكر أن يد العامل على المال يد أمانة، فلا يضمن إلا بالتفريط، أو بالتعدي، وكذلك ليس عليه من الخسارة شيء فإن خسر في المال، ونض المال فرده إلى ربه، وبريء منه، ثم أخذه بعد ذلك فهو قراض مؤتنف، وليس عليه جبر الخسارة إلا أن يعمل فيه بعد الخسارة، وقبل أن يرده إلى ربه فيربح في العمل الثاني قبل الرد فعل العامل الخسارة، ويجبر على ذلك من أباه.
قوله: "ولا يفسخه العقد بموت أحد المتقارضين" وهذا كما ذكره، وتحصيل القول فيه أنه إن مات رب المال فلورثته من الحق ما لموروثهم، ولهم الفسخ، ورد المال ما لم يشرع العامل في العمل، فإن مات العامل فإما أن يموت قبل الشروع أو بعده، فإن مات العامل قبل الشروع فمن طلب منهما حل العقد فله ذلك، وإن مات بعد الشروع في العمل، فقد تعلق

الحق بكل واحد من رب المال والعامل، فلورثة (في المال العمل) إن كانوا أمناء أو أتوا بأمين، وإلا رد المال على ربه، ثم ذكر حكم القراض الفاسد، وهل المستحق فيه أجرة المثل، أو قراض المثل.
وفصّل بعضهم: لكل قراض فاسد أجرة مثله... سوى أربعة قد حصلت بيان قراض بعرض وقراض مؤجل... أو إبهام حظ وقراض ضمان وفرق القاضي بين قراض المثل، وأجرة المثل بما ذكره.
وقال ابن حبيب: أجرة المثل معلقة بالربح كقول الجمهور في قراض المثل، وحكى القاضي أبو محمد عن بعض الأصحاب أن قراض المثل متعلق بالذمة، (والفرق بين الذمة والرقبة حقيقة أن القبة: عبارة عن ذاته وهيكلته، فإذا قيل: في بعض الأحكام في رقبته، فالمراد أن يقتضي منه عينًا لا بدلًا، وأما الذمة فهي عبارة عن ظرف ودعاء أثبتها الشرع على أن تكون محلًا للإلزام والالتزام شرعًا لا وجودًا لما في الأعيان، وإنما وجودها في الأذهان كالإنسانية في الإنسان، والحيوانية في الحيوان، وذلك أن الآدمي لما فارق الحيوان بخطاب الشرع فارقه بذمة تكون محلًا للإلزام في العقود والحقوق والتمليكات، وسائر الأحكام، وهو نوع كرامة لما أكرموا بالخطاب الملزم للحقوق وأكرموا بالمحل لذلك، وأما الحكمي فهو أن كل دين التزمه برضا من له الدين كان في ذمته، فيسمى دين معاملة، وكل ما التزمه بغير رضى كان في رقبته، فيسمى جباية) كقول الجمهور في إجارة المثل، وتظهر فائدة الخلاف إذا كان أحدهما أقل من الآخر، وفيما إذا عدم الربح على الأشهر.
قوله: "وزكاة رأس المال على رب المال" إلى آخره، وهذا (لا خلاف) فيه أن زكاة رأس المال على رب المال لأنه ملكه، لا ملك فيه

للعامل، وزكاة الربح تابعة لأصله، ويزكى العامل، ورب المال زكاة المالك الواحد على المشهور من المذهب، وتظهر فائدة هذا إذا كان أحدهما ممن لا تجب عليه الزكاة كالعبد والذمي.
قال ابن القاسم: إذا كان العامل عبدًا، أو ذميًا، فلا زكاة عليه في حصته من الربح، إذ ليس من أهل الزكاة، وقال عبد الملك تلزمه الزكاة اعتبارًا بالملك، ولا يجوز أن يشترط رب المال على العامل زكاة رأس المال بلا خلاف، وهل يجوز اشتراط أحدهما على الآخر زكاة الربح ففي المذهب أربعة أقوال: الجواز مطلقًا والمنع مطلقًا، وجواز اشتراط رب المال على العامل دون عكسه، وقيل: عكسه والصحيح الجواز وكذلك ربع العشر مضاف إلى الجزء الذي وقع العقد عليه، والمنع اعتبارًا.
بها يتطرق إلى التجزئة من الجهالة بالاشتراط، وهو بعيد، لأن ربع العشر الذي هو مقدار (الزكاة) مضاف بنسبته إلى الجزء فلا جهالة، وبقيت مسائل تتعلق (بالقراض نذكرها فرعًا فرعًا).
الأول: القراض شراء تجارة العامل، ويجب أن تكون غير مضيقة بالتعيين أو (بالتأقيت) وقيدنا بالتجارة لتخرج أعمال اليد كالطرز والصبغ والصناعة وسائر الحرف، فإن العقد عليها استئجار لا قراض، فإن عين له صنفًا من (أعيان) المتاجر فلا يخلو أن يكون كثير الوجود أو (نادر) الوجود، فإن كان (نادرًا) لم يجز لما في ذلك من التضييق على العامل (المحقق للغرر) وإن كان كثير الوجود جاز تعيينه، وإن عين له رجلًا

للمعاملة لم يجز وكذلك إن عين له حانوتًا أو سوقًا محصورًا (تندر) فيه السلع.
فرع: قال أهل المذهب لا يبيع العامل بدين إلا بإذن، ولا يشتري بالدين، وإن أذن له، وانظر ما الفرق بينهما، وله الرد بالعيب إذا اطلع عليه، وإن كره رب المال ولا يشتري العامل من رب المال خوفًا من التهمة على القراض بالعروض، ولا يشتري بأكثر من رأس المال، فإن زاد فعل ذمته لا على ذمة رب المال، ولا يجوز للعامل أن يقارض غيره، ولا أن يشاركه، لأن رب المال إنما رضى بأمانته، فإن فعل فهو متعد.
فرع: إذا اشترى العامل أمة من مال القراض فوطئها فحملت فهي له أم ولد إن كان موسرًا وإن كان معسرًا وله حصة من الربح فالمشهور أن الجزء الذي يخصه منها بحسب ربحه له حكم أم الولد وقيل: جميعها أم ولد، ويتبعه بقيمتها دينًا في ذمته، وإذا أثبتا لها في حال اليسر حكم أم الولد، فعليه لرب المال الأكثر من ثمنها أو قيمتها.
واختلف الأشياخ (في تعيين) القيمة، فقيل: يوم الوطء، وقيل: يوم الحمل، لأن به وقع الفوت، ومن ضمن قيمة أمة بالوطء من شريك، أو مقارض فلا شيء عليه من قيمة الولد، وروى عن مالك أنها تباع، وإن حملت، وهذا إذا لم يكن فيها فضل، لأنه متعد في ذلك، وإن وطئها العامل ولم تحمل فرب المال مخير بين أن يضمنه قيمتها يوم الوطء، أو يطلبه بثمنها والله الموفق.
فرع: إذا اختلف المتقارضان فاختلافهما في فصول: الأول: ضياع المال، أو خسارته، فالقول قول العامل مع يمينه، لأنه أمين، فإن اختلفا في رد المال وكان قبضه بغير بينة (صدق، لأنه أمين)،

فإن قبضه ببينة فقولان: أحدهما: أنه لا يقبل دعواه في الرد إلا ببينة.
الثاني: أنه يقبل بغير بينة (فلا يبرأ إلا ببينة)، فإن اختلفا في مقدار رأس المال فالقول قول العامل، لأنه أمين، فإن اختلفا في الجزء الذي وقع القراض عليه فإما قبل الشغل فللعامل الخيار بين أن يعمل بما ادعاه رب المال أو يترك، وإن كان بعد الشغل فالقول قول العامل بشرطين: الأول: أن تكون دعوى مشبهة.
والثاني: أن يكون المال بيده، فإن أسلمه إلى رب المال فالعامل مدع، والقول قول رب المال وكذلك لو ادعى ما لا يشبه ولو ادعى العامل أنه قراض، وقال: ربه بل بضاعة بغير أجرة ففيه قولان: أحدهما: أنهما يخلفان جميعًا، ويعطى العامل أجرة مثله قاله محمد وقيل: القول قول صاحب المال مع يمينه إلا أن تكذبه العادة، ولو قال العامل: هو بضاعة بأجرة، وقال صاحب المال قراض كان القول قول العامل، ولو قال العامل: هو قراض وقال ربه هو قرض، فالقول قول (رب المال)، وإن اختلفا في الصحة والفساد فالمشهور أن القول قول مدعي الصحة والشاذ العكس إذا كان غالبًا، ولو ادعى العامل زيادة (نفقة) في السفر من ماله قبل المقاسمة فالقول قوله لأنه أمين، وكذلك القول قول العامل إذ ادعى عليه رب المال التعدي ليضمنه فإن قال صاحب المال: هو وديعة، وقال الآخر: قراض، والمال قام، فالقول قول رب المال فإن ضاع المال في هذه الصورة، فإما أن يكون ذلك قبل التحريك أو بعده، فإن كان قبل التحريك فلا ضمان على العامل لاتفاقهما على أنه أمانة ومصيبته حينئذٍ من ربه، وإن ضاع بعد التحريك فالقول قول رب المال لأنه لم يأذن له في التجارة، وهكذا نص عليه أهل المذهب، وفهي نظر (محال) على (تشبيه) الدعوى، وترجيح قول الغارم المدعى عليه، ولو

قال: هو في يدي قراض، أو وديعة، وقال ربه سلف، فالقول قول ربه كما قدمناه، وحيث جعلنا القول قول العامل (أو رب المال) فلابد من اليمين لنفي التهمة في هذه (المحل) لاحتمال الكذب.
وإن قال رب المال: هو بضاعة بأجرة، وقال العامل: بل هو قراض، فإن اتفقت الأجرة (والجزء فلا فائدة للخلاف في هذه الصورة وإن اختلفا) فالقول قول العامل إذا أشبه قوله، فإن نكل أو لم يشبه قوله فالقول قول رب المال في الأجرة التي سمي مع يمينه.
قال أبو الوليد: وأصل قول مالك أن العامل أمين فالقول قوله في جميع دعاويه إذا ادعى ما يشبه.
فرع: إذا اشترى العامل بمال القراض من يعتق عليه، أو على رب المال فيه تفصيل لنا: إذا اشترى من يعتق عى رب المال فلا يخلو أن يكون عالمًا بذلك أو غير عالم؟ فإن كان غير عالم بذلك عتق على رب المال وولاؤه له، ويرجع عليه العامل بما يخصه من ربح إن كان، وإن كان عالمًا فإنه يعتق على رب المال (فاشتراه) قاصدًا، فذلك لا يخلو أن يكون العامل موسرًا أو معسرًا، فإن كان العامل موسرًا أعتق على رب المال وولاؤه له، وعلى العامل غرم ثمنه له، لأنه أتلف عليه ماله في المعنى، وإن كان العامل معسرًا أعتق منه بقدر حصة العامل من الربح، وبيع منه بقدر رأس المال وحصة ربه من الربح، إذ لم يملكه في المعنى، قال سحنون: هذا أحسن ما جاء في ذلك من الاختلاف، فإن اشترى العامل من يعتق عليه فلا يخلو أن يكون في المال ربح أم لا؟ فإن لم يكن في المال ربح لم يعتق عليه مطلقًا إذ لم يملكه إلا بتقدير أن يملك حظًا من الربح، وذلك معدوم فإن كان في المال ربح، فإن وفى حظه من الربح بقيمة العبد (عتق عليه جميعه، وإن لم يف حظه من الربح بقيمة العبد) إما أن يكون موسرًا قادرًا على التكميل أم لا؟ فإن لم يكن له سوى

حظه من الربح عتق عليه منه بحظه، وإن كان له ما يكمل به عليه عتق جميعه واختلف المذهب في حظ رب المال هل يلزمه قيمته أو الأكثر من ثمنه أو قيمته يوم الحكم فيه قولان عندنا، قال ابن القاسم: إن كان موسرًا وقد علم، رأيت أن يعتق عليه ويدفع إلى رب المال رأس ماله.

باب المساقاة

قال القاضي -رحمه الله-: "باب المساقة وكراء الأرض والمزارعة وما يتعلق بذلك".
شرح: المساقاة عند جمهور أهل العلم جائزة خلافًا لأبي حنيفة، ومعتمد الجمهور ما وراه عبد الله بن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم ولرسول الله -صلى الله عليه وسلم- شطر ثمرها وقال لهم: أقركم ما أقركم الله) ورأى أبو حنيفة أنها خارجة عن الأصول من أوجه:

الأول: المزابنة لأن فيها قسمة التمر بالتمر متفاضلًا، وهي بيع الخرص.
والثاني: المخابرة: وهي كراء الأرض بما يخرج منها.
والثالث: بيع ما لم يخلق.
والرابع: إجارة مجهولة فلما خالفت الأصول جعل قضية أهل خيبر مخصوصة، ورأى أنهم عبيد ملكهم -صلى الله عليه وسلم- وأرضهم بحكم الفتح فأقرهم على حكم العبيد، وأجرى لهم شطر التمر رزقًا لهم كما تجرى السادات بدليل قوله: (أقركم ما أقركم الله) فلو كان عقدًا صحيحًا لقيده بالأجل وفيه نظر لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يبعث عبد الله بن رواحة الأنصاري يخرص عليهم فيقول لهم إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي فكانوا يأخذونه)، وهذا يعطي حكم الشركة مع أن الأئمة أبا بكر وعثمان فعلًا ذلك، ولا مخالف لهما من السلف، وقياسًا على القراض لاشتراكهما في دعوى الضرورة إليهما وهو مظنة الترخيص، ويتعين الكلام في محلها، وبه بدأ القاضي ولا خلاف عندنا أنها جائز في الأصول كلها، وفي الشجر اعتمادًا على فعله -صلى الله عليه وسلم- لأنه ساق أهل خيبر على ما فيها من زرع وشجر، فلذلك أجازها مالك في المباقل والمقاثي والزرع إذا عجز عن ذلك صاحبه.
وهل تجوز في الثمرة بعد الطيب في ذلك قولان منعه ابن القاسم

إذ لا ضرورة حينئذٍ، وأجازه سحنون، وفي البقول (إذا نبتت) قبل أن تستقل: قولان عندنا: الجواز نظرًا إلى سبب الرخصة التي هي دعوى الحاجة والمنع قصرًا للرخصة على محلها.
قال علماء المالكية: يشترط في الأصل التي تقع المساقاة عليها ثلاثة شروط: الأول: أن تكون مما لا تختلف ثمرتها احترازًا مما له بطون كالورد والقضب والقرط.
والثاني: أن تكون مما يمنع بيعها احترازًا مما حل بيعه، فلا تجوز المساقاة فيه، إذ لا ضرورة إلى المساقاة، وأجاز ذلك سحنون كما ذكرناه، ورأى ذلك إجارة بنصفه.
والشرط الثالث: وهو مخصوص بالزرع (بشرطين: الأول: أن يعجز ربها عنها).
والثاني: أن تكون ظاهرة قد عجز ربها عنها أما ظهورها فمشترط بلا خلاف، وفي اشتراط العجز عنها خلاف عندنا، المشهور ما ذكرناه من اشتراطه، لأن (بوجوده) تتحقق الضرورة المقتضية (للرخصة).
قوله: "وهي عقد لازم" قلت: بخلاف القراض وهل تنعقد بغير لفظها أم لا؟ قولان عندنا المشهور أنها لا تنعقد إلا بلفظ المساقة، وقال محمد بن

المواز وسحنون تنعقد بكل لفظ من ألفاظ الإجارة، ثم ذكر القاضي العمل الذي يوجبه عقد المساقاة على العامل وهو معلوم بالعادة، وهو عمل يده ونفقته على نفسه، وعلى دواب الحائط ورقيقه، كانوا له أو لرب الحائط، وعليه السقى والإبار والزبر، والتذكير وسرو الشرب، وهو تنقية الحياض، وشد الحظار، وهو تحصين الحائط، (وخم) العين وهو كنسها ونحو ذلك مما يوثر في الثمرة، وينقضي بانقضائها، وأما ما لا يتعلق بالثمرة، ويبقى بعد زوالها كحفر الآبار، وإنشاء الغراسة، وبناء بيت الاحتراز ونحوه فلا يقتضيه العقد، وهو يجوز اشتراطه أم لا؟ نص القاضي أبو محمد وغيره من المالكية أن اشتراط ذلك لا يجوز، وحكى القاضي أبو الوليد بن رشد أنه يدخل في المساقاة بالشرط لا بالعقد، ومن هذا القسم إنشاء ظفيرة للماء، والظفيرة ما حول النخل، وقيل: هي موضع الماء كالصهريج، وقيل: هو الشجرة يغرسها، والصحيح من المذهب أن هذه الأشياء التي تبقى بعد (انقضاء المساقاة) لا يقتضيها العقد، ولا يدخل فيه، ولا يجوز اشتراطها لأن ذلك زيادة، وينفرد بها رب المال، تخرج المساقاة عن بابها إلى باب الإجارة المجهولة، وبيع الثمار قبل بدو صلاحها، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ساقى أهل خيبر ولم

يشترط عليهم من ذلك شيئًا، ولم (يلزمهم) -عليه السلام- لهم مؤونة، وما كسر من آلات الحائط، أو مات من الحيوان، أو غار من العيون أو انهار من الآبار، فعلى رب الحائط إصلاحه ليتمكن العامل من العمل، وإذا وجبت على العامل الآلات والدواب والدلاء وغير ذلك فاشترطها على رب الحائط، فهل يجوز ذلك أم لا؟ أما ما كان من ذلك من الحائط فيجوز للعامل اشتراطه، وأما ما لم يكن في الحائط فهل يجوز أن يشترطها العامل على رب الحائط أم لا؟ قولان عندنا المشهور أنه لا يجوز، وأجازه ابن نافع وهو قول الشافعي.
واختلف المذهب فيما رث من دلو أو حبل أو سانية بحيث لا ينتفع به هل يكون خلفه على رب الحائط، أو على العامل قولان عندنا (وكذلك اختلف المذهب هل يجوز لرب الحائط أن يشترط إخراج ما في الحائط من دولب أو رقيق أم لا؟ فيه قولان عندنا) المشهور جواز ذلك، والشاذ منعه.
قوله: "وانتهاؤها إلى الجذاذ": لأن بالجذاذ حصلت المنفعة، ولم يبق محل للعمل إلا أن تنعقد على أعوام، فتلزم إلى انقضائها.
قوله: "والمساقاة على جميع أنواع الشجر جائزة": يريد النوعين من شجر السقي والبعل ونبه على خلاف الليث وغيره فإنه منع المساقاة في البعل، إذ السقي بالماء هو العمل الأغلب المقصود في (الغلات)، وقال

داود: لا تكون إلا في النخل، وقال الشافعي: لا تكون إلا في النخل والكرم، والجمهور على جوازها في الشجر المسقي والبعل لدعوى الحاجة إليها في جميع ذلك.
فرع: يجوز أن يساقيه سنين ما لم تكثر، قيل لمالك: عشرة أعوام فأنكر التحديد.
قوله: "وإذا أخرج الحائط خمس أوسق بين رب المال والعامل ففيه الزكاة": وهو معتبر بالقراض، لأنه مال واحد بخلاف الخلطة، لأن العامل لا يستحق شيئًا إلا ببدو الصلاح، (وببدوه تجب) الزكاة فيتناولها الوجوب، وهي على ملك صاحب الأصل.
قوله: "وليس لأحدهما زيادة شرط على الآخر" يعني: مثل أن يشترط أحدهما على الآخر زيادة دراهم، أو شيئًا خارجًا عن المساقاة لا يتعلق بصلاح الثمرة، وأجاز اشتراط الزكاة على أحدهما بخلاف القراض، قال القاضي أبو محمد في المعونة، لأن ذلك جزء معلوم، وهذه العلة جارية في القراض، والمعنى فيهما واحد، ثم ذكر حكم البياض يكون في الحائط.
وتحصيل القول فيه أنه يستحب لرب الحائط أن يلغيه للعامل، لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما ساقى أهل خيبر ألغى لهم البياض الذي كان لهم فيها، ولم ينقل أنه منع اليهود منه، ولا استثناه لنفسه، ولا طلب أجرة منهم عليه، فإن لم يلغه رب الحائط للعامل، واستثناه لنفسه، فإن كان على أن يعمله بنفسه أو بماله ولا يتولى المساقى من عمله شيء، ولا يناله سقي الحائط للعامل فهذا

لا خلاف في جوازه بناء على أصل الملك، فإن سكتا عنه فهو لرب الحائط بحكم الملك، وروى عن مالك أنه يلغي للعامل، فإن اشترطه رب (الحائط) لنفسه على أن على العامل سقيه وعلاجه، لم يجز سواء كان بذره من عنده أو من عند رب الحائط، لأنه اشتراط زيادة على المساقاة، (وذلك إخراج لها عن مورها، وإن اشتراط دخوله في المساقاة)، فإن كان أكثر من الثلث لم يجز أن يدخل في المساقاة، لأنه من باب اجتماع الشركة والمساقاة، وإن كان أقل من الثلث فاشترطه العامل جاز بشرط أن تكون قيمته الثلث فأقل من نصيب العامل عن ابن حبيب، أو من الجميع على القول الثاني الواقع في كتاب محمد، فإن كان قيمته أكثر من ثلث نصيب العامل، أو من ثلث الجميع لم يجز اشتراطه، لأنه حينئذٍ يصير معتبرًا لا ملغي، فإن اشترط دخوله في المساقاة في محل الجواز جاز، وكان حكمه حكم التجزئة في المساقاة، فإن شرط رب الحائط على المساقي أن يزرعه من عنده، ويعمله بيده، وما حصل بينهما جاز، وإذا أجزنا إدخاله في المساقاة إذا كان يسيرًا، (فاشترطه) صاحب الأرض، وهو أكثر من النصف، فهل يجوز أم لا؟ كرهه أصبغ ونص على كراهته القاضي أبو محمد، وأجازه غيره، وإنما اعتبرنا الثلث، لأنه حينئذٍ يصير تبعًا كمسالة الدار فيها شجرة يستثنى المكتري ثمرتها قبل طيبها، فيجوز إذا كان قيمة ثمرتها الثلث فدون، (لأن ذلك ينزلها منزلة) التبعية، فإن زادت قيمتها على الثلث، لم يجز، وكان من باب شراء الثمرة قبل (بدو صلاحها)، وبقيت مسائل تتعلق بالمساقاة:

جارٍ التحميل