تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وثبت من حديث عبادة بن الصامت قال: (سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح سواء بسواء عينًا بعين فمن زاد أو استزاد فقد ربا، وإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)، (وهذا نص في منع لتفاضل في الصنف الواحد، ومنع النسيئة في الصنفين).
(قال القاضي): «والربا تفاضل ونساء»: يعني به (الربا) الشرعي الثابت تحريمه بالنص وإلا فالربا اللغوي أعم من ذلك، لأنه عبارة عن الزيادة، وانعقد الإجماع على تحريم النساء في هذه الأصناف المعدودة في حديث عبادة.
وأجمع الجمهور على تحريم النساء في هذه الأصناف المعدودة في حديث عبادة.
وأجمع الجمهور على تحريم التفاضل في الصنف الواحد منها، وقد كان ينقل عن ابن عباس: (أن لا ربا إلا في النسيئة) اعتمادًا على ما روى من قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا ربا إلا في النسيئة) وأجاز ابن
علية التفاضل والنسيئة في هذه الأصناف الربوية إذا اختلف الصنفان ما عدا الذهب والفضة، فإنهم اتفقوا على تحريم النساء (فيه)
قوله: «والتفاضل على وجهين تفاضل في العين وتفاضل في القيمة» هو كما ذكره، وقد مثل كل واحد من القسمين، وكذلك قال أهل المذهب: التوليج على قسمين، توليج في الأعيان، وتوليج في الأثمان، وكلاهما موجب للرد.
قوله: «فالتفاضل في العين يحرم» (يريد) الربوي من المطعومات والعين مسكوكًا أو غير مسكوك، وجمهور الفقهاء على أن الحكم معلق بمعاني هذه الأشياء المعدودة في حديث عبادة بن الصامت وأبي سعيد لا بأسمائهما، وقال قوم: إن الحكم معلق بأسمائهما، ومقصور عليها وهما صنفان منهم نفاة القياس، ومنهم القائلون بإثبات القياس إلا أنهم عدموا في هذا المحل النوع المعتبر منه، ولم يروا قياس الشبه حجة، وهؤلاء الذين قصروا الحكم عليها
قائلون بنفي القياس (رأوا أن) ذلك من باب الخاص، ورأى الجمهور أن ذلك من باب (الشبهة على العلة) فيلحق المسكوت (عنه) بالمنطوق به إذا كان في معناه بناء على إثبات قاعدة القياس، وقد اختلف (القائلون بالتعليق) في علة الربا، ولهم في ذلك مسالك.
ونبدأ بعلة النساء للإجماع على امتناعه، وقد اختلف الناس في ذلك، واتفق مذهب مالك -رحمه الله- وجميع أصحابه على أن العلة في ذلك الطعم مطلقًا في النصف والصنفين، ولذلك حرموا النسيئة في الصنفين، وأجازوا التفاضل (فيهما)، فالطعم (بالإطلاق) علة (منع) النسيئة في المطعومات عندنا وهو الصحيح لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (الطعام بالطعام مثلاً بمثل يدًا بيد والتعليق بالمشتق كاف في التعليل، إلا أنه يلزمهم على مقتضاه الاكتفاء بذلك في امتناع التفاضل وهم غير قائلين به، وأما العلة في امتناع التفاضل فللمالكية فيها ثلاث طرق: أحدها: اعتبار الاقتيات والادخار معًا، والثانية: اعتبار الاقتيات فقط، وهو اختيار القاضي أبي إسحاق، واعتبر بعضهم الادخار فقط، وأضاف القاضيان أبو (الحسن) وأبو محمد إليهما وصفًا ثالثًا: وهو كونه متخذ للعيش غالبًا، وأضاف بعضهم كونه مصلحًا للأقوات، اعتبر بذلك الملح فيها وهو مصلح للأقوات وإنما خصوا الأقوات، لأن طلب قانون العدل فيها أعم، وحفظ المعاش فيها ألزم لحاجة جميع الناس إليها، وجعل بعضهم الادخار مكملاً للعلة، لا شرطًا ولا
جزاءً، وأجرى حكم الربا في النادر الادخار كما أجراه في المعتاد، وقال الشافعي: (العلة) في ذلك الطعمية، وقالت الحنفية: المعتبر الكيل والوزن، وقال ابن الماجشون: المعتبر المالية (بالربا) فالربا ممتنع عنده في جميع الأموال حياطة لها، وتحرزًا من المغابنة، وبه قال بعض المتابعين، وقال بعضهم المعتبر المالية في الأجناس التي يجب فيها الزكاة فقط، وقال ابن المسيب: (العلة) الطعم والكيل، وهو جمع بين قولي الشافعية، والحنفية، واتفقوا كلهم على أن العلة في الذهب والفضة كونهما أثمانًا للمبيعات، وقيمًا للمتلفات وأرواشًا للجنايات وهذه تسمى بالعلة القاصرة، وكل طائفة تمسكت بطريق من الاستنباط، أما المالكية قالوا له كان المقصود الطعم وحدة للزم الاكتفاء بصنف واحد، ولما وقع التعديل دل على أن المقصود التنبيه بكل واحد منها على ما في معناه فاشتركت كلها في الاقتيات، والادخار، والطعمية، والكيل، والوزن، والمالية، واختص البر والشعير بكونهما أصول الأقوات، فوقع التنبيه بهما على ما في معناهما من القطاني والسلت، ونبه بالتمر على جميع الحلاوات كالسكر والعسل والزبيب، ونبه بالملح على جميع التوابل المتخذة لإصلاح الطعام، وأما الشافعية فعولوا على تعليق الحكم بالوصف المشتق، وذلك دليل العلة اعتمادًا منهم على
قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلاُ بمثل يدًا بيد)، (فكان الطعام علة كالسرقة المرتبة عليها القطع في قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة﴾ الآية) وعول الحنفية على قوله -صلى الله عليه وسلم-: في بعض طرق حديث (عبادة) وكذلك ما يكال، أو يوزن، وأما ابن الماجشون فرأى أن المقصود هو العدل في المبيعات، وحفظ الأموال ليلاً يغبن بعض الناس بعضًا فكان ذلك عامًا في جميع الأموال، ولما كان نفي الغبن، وتحصيل قانون المماثلة والعدل منها (حصرها) الجمهور في الأقوات فقط، لأن الحاجة إليها أهم والمنفعة (بها أعم) (وأنها متقاربة) المنافع المقصود لا يختلف كل الاختلاف، فلذلك كان المطلوب فيها التماثل.
تنبيه: اختلفوا في تعيينا لقياس الذي (يقع به) إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به في حديث عبادة فبعضهم جعله قياس شبه، وجعله بعضهم قياس المعنى فألحق الزبيب بالتمر، لأنه في معناه، وهو قول القاضي أبو بكر بن الطيب، عول على قياس المعنى من حيث كان قياس الشبهة عنده ليس بحجة.
وإذا فرعنا على مذهب مالك -رحمه الله- وجب تحصيل الربوي من غير الربوي، ومعتمد مذهب مالك أن المطعومات على ثلاثة أقسام: قسم ربوي
بلا خلاف، وقسم ليس بربوي بلا خلاف، وقسم مختلف فيه، فالأول ما اجتمع في الأوصاف الثلاثة (وهو) كونه مقاتًا مدخرًا متخذًا للعيش غالبًا.
والقسم الثاني: غير الربوي هو ما لم يحصل فيه واحد منهما كالخص والهندبا والبقول.
والقسم المختل فيه هو ما وجد فيه بعض الصفات دون بعض، والخلاف في ذلك خلاف (في) شهادة، وتنحصر أصول ذلك في مسائل: المسألة الأولى: (اختلفوا في البيض، والمشهور أنه ربوي، وقال الشيخ ليس بربوي).
المسألة الثانية: اختلفوا في التوابل هل هي ربوية أم لا؟ وفي المذهب فيها قولان، وإذا قلنا إنها ربوية فهل هي من جنس واحد، أو أجناس مختلفة (قولان في المذهب) والمختار أنها أجناس مختلفة لاختلاف منافعها وتباين الأغراض (فيها)، ولأنها لا تتمازج في منبت ولا في محصد، قاله القاضي أبو الوليد.
المسألة الثالثة: اختلفوا في الفواكه كالتفاح والكمثرى والمشمش
(ونحوه هل هو ربوي أم لا؟ قولان) في المذهب.
المسألة الرابعة: البلح وهو الرطب قبل طيبه هل هو (علف، أم طعام ربوي، قولان) عندنا والمشهور أنه ربوي.
المسألة الخامسة: ما لا يمر من الرطب، ولا يتزبب من العنب قولان (والمشهور) أنه ربوي.
المسألة السادسة: اختلفوا في اللبن المخيض، والمشهور أنه ربوي لأنه (قوت غالب) الأعراب وقيل إنه ليس بربوي، واتفقوا على أن الحليب ربوي، لأنه فيه (سمن)، والسمن، والإدام ربوي.
المسألة السابعة: (اختلفوا في الحلبة) هل يجري فيها الربا أم لا؟ ثلاثة أقوال فيها قيل إنها ربوية وقيل (إنها) ليست بربوية، وقيل: اليابسة ربوية بخلاف الخضراء.
المسألة الثامنة: اختلفوا في الماء العذب، وجمهور أهل العلم أنه ليس بربوي، وقد استقرئ من قول ابن نافع: أنه ربوي لأنه مشروب متطعم، وبه قوام الأجسام، وربما كانت الحاجة إليه في بعض الأوقات أشد من الحاجة إلى الطعام، فإن أجرينا فيه الربا، فانظر: (هل يجوز) بيع (دار بدار) فيهما عينان تجريان.
فيه نظر مبناه على الإتباع هل هي مقصودة أم لا؟ قولان ذكرهما الإمام.
أبو عبد الله، وإنما خصوا (العذب) لأن المالح ليس بمشروب، وقد وقع في بعض الروايات أن الماء ربوي، وظاهره العموم، وقال بعض المتأخرين الرجوع في مثل هذه المسائل إلى العوائد، وهو المفتي أن يحيل عليها، وأن الخروج عن العادة في ذلك وهم.
قال القاضي -رحمه الله-: «وكل (مسمى) مما يحرم التفاضل فيه فإنه صنف منفرد بنفسه لا يضم إليه سوى أنواعه إلا الحنطة والشعير والسلت فإنها صنف واحد، (واختلف قوله) في القطنية» قلت اتفق المتقدمون من أهل المذهب على أن القمح والشعير والسلت صنف واحد قال الإمام أبو عبد الله لا يختلف المذهب في ذلك، ورأى الشيخ أبو القاسم السيوري
ومن نصر قوله من المتأخرين أن الشعير والقمح (صنفان) وهو أصل مذهب الشافعي، والمعتمد لنا من وجوه:
الأول: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (الطعام بالطعام مثلاً بمثل) واسم الطعام يشملها قاله القاضي أبو محمد.
الثاني: ما رواه مالك في موطئه أن سعد بن أبي وقاص علف حماره فقال لغلامه: خذ من حنطة أهلك، فاتبع بها شعيرًا (ولا تأخذ إلا مثلها، وعن عبد الرحمن بن الأسود ومعيقيب الدوسي مثله، وروى مسلم: (أنه أرسل غلامه بصاع قمح فقال بعه واشتر به شعيرًا فذهب الغلام وأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمر أخبره بذلك فقال لم فعلت ذلك انطلق فرده، ولا تأخذ إلا مثلاً بمثل).
ففي هذا دليل قاطع على أنهما جنس واحد.
واعتمدوا من طريق المعن على أنها متقاربان في المنبت والمحصد
(والمقصود) والاقتيات والرفاهة الحاصلة فالحنطة غير مقصودة قصدًا شرعيًا، وربما (ألحقت) بالمكروهات، ولم يكن غاب قوت بالحجاز إلا الشعير فلتفت مالك إلى عوائدهم الغالبة، واعتمد الشافعي على (تقديرها) في حديث عبادة بن الصامت، وذلك دليل على اختلاف أجناسهما لاختلاف أسمائها وصفاتها، واختلفوا هل (يلحق) بالقمح والشعير والسلت العلس وهو الأشقالية أم لا؟ قولان في المذهب أنه ير ملحق بها، وألحقه ابن حبيب، وكذلك الأرز والذرة والدخن ألحقها ابن وهب بالسلت والشعير الحنطة، والمشهور من المذهب خلافه، وقد بينا أن ذلك اختلاف في شهادة.
وإذا فرعنا على أن هذا غير ملحق، فهل يكون أجناسًا مختلفة أو جنسًا واحدًا (قولان في المذهب المشهور أنه أجناس مختلفة، وقيل إنها جنس واحد حكاه القاضي أبو الوليد رواية، وحكى القاضي الخلاف في القطاني هل هي جنس واحد أو أجناس مختلفة) وفي مذهب فيه ثلاثة أقوال فقيل: إنه جنس واحد وقيل: أجناس مختلفة، وقيل: إنه جنس واحد في الزكاة احتياطًا، ومختلفة في البيوع.
واخلفوا في أجناس (القطنية) هل هي جنس واحد أو أجناس مختلفة، وذلك مع تسليم كونه أصولها واحدة.
قال القاضي -رحمه الله-: «واللحوم ثلاثة أصناف»: قلت: اختلف الناس في اللحوم على ثلاثة مذاهب، فقال أبو حنيفة: هي أجناس مختلفة والتفاضل فيها
جائز إلا في الجنس الواحد منها فقط، وقال الشافعي هي جنس واحد، وجعلها مالك ثلاثة أجناس، فلحم ذوات الأربع جنس واحد، ولحم الطير كله جنس، وقد روى عنه أن الجراد صنف رابع، قال الإمام أبو عبد الله: والمعروف من المذهب أن بيع بعضه ببعض متفاضلاً جائز، وذكر ابن حارث عن سحنون أن التفاضل فيه ممتنع، لأنه مما يدخر وييبس، واعتمد مالك على أن (هذه الأشياء أجناس مختلفة فلحم كل جنس تابع) لجنسه، وعول الشافعي على اتفاق الاسم، والمنفعة المقصودة غالبًا مع (عموم) قوله -صلى الله عليه وسلم-: (الطعام بالطعام مثلاً بمثل يدًا بيد).
قوله: «وما غيرته الصنعة من المأكول صار (كجنس آخر)» يريد أن اختلاف المنافع والصنائع المقصودة تصير جنس الواحد جنسين، والضابط أن الصنعة إن كثرت جدًا، وأخرجت المصنوع (عن أصله) فهي معتبرة، وإن قلت فهي غير معتبرة، والجمهور أن طحن الحبوب وعجنها (بعد الطحن) لا يخرجها عن (أصلها) لقلة الصنعة في ذلك، فإن اختبز الحنطة أو أقليت فهل يكون ذلك صنعة أم لا؟ (قولان) المشهور أن الخبر والقلي صنعة،
واختلف المتأخرون هل يجز بيع الخل بالزبيب، والثمر بالعنب والمشهور جواز ذلك بناء على أن الصنعة فيه ناقلة، ومنعه أبو زيد في الثمانية، ورأى أنه من باب المزابنة، وإذا ليس فيه إلا تفريق الأجزاء [فهو] يشبه الطحن.
وجعل القاضي الخبز والطبخ (والتخليل) (صنعة)، ويريد الطبخ بالإبزار، وأما السبق (بالماء) وحده، فهل هو صنعة أم لا؟ فيه قولان، المشهور أنه ليس بصنعة، والتجفيف بالشمس، أو بالنار لا يعد صنعة ناقلة.
فرع: إذا قلنا إن طبخ اللحم صنعة فهل المعتبر الطبخ فقط، أو اللحم والمرق فيه قولان في المذهب مبنيان على اختلاف في شهادة، وبناه الإمام أبو عبد الله على الإتباع هل هي مقصودة أو ملغاة.
فرع: اختلف المذهب في بيع الدقيق بالحنطة مثلاً بمثل.
وفي المذهب فيه ثلاثة أقوال: الجواز مطلقًا.
والثاني المنع مطلقًا، لأن القمح يختلف ريعه، والثالث جاوزه وزن التحقيق المماثلة لا كيلاً فروى عن مالك جواز القمح بالدقيق في اليسير بين الجيران لضرورة، وكذلك اختلف قوله في العجين بالعجيب والخبز بالخبز متماثلاً فيه قولان عن مالك، المشهور جوازه متماثلاً لحصول المساواة، والشاذ منعه لاختلاف العجين في التعجين بالماء، وهو من باب اعتبار الربا المتوهم، وفيه خلاف، وعبارة شيوخنا في ذلك الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل.
فرع: في الجاف بالجاف، والمشهور جوازه، وقال ابن حبيب: لا خير في القديد بالقديد لاختلاف اليبس، وكذلك المبلول بالمبلول لاختلافه.
فرع: اختلفوا في مد القمح ومد دقيق بمد قمح ومد دقيق، أو في مد قمح ومد شعير بمد قمح ومد شعير، والمشهور المنع، وأجازه محمد إذا تبين الفضل، وذكر القاضي في صرة التفاضل المعنوي أن يبيع صاعًا معقليًا وصاعًا دقل بصاعي برني فالتفاضل بينهما حاصر في المعنى لاختلاف المعنى وهو ممتنع محققًا سواء كان ربا أو متوهمًا، لأن قاعدة المذهب أن توهم الربا كتحققه.
قال القاضي «فأما النساء فهو على ضربين»:
شرح: قد ذكرنا أن النساء محرم في المطعومات، وفي النقدين مع (التماثل) والتفاضل وأما في غير المطعومات وغير النقدين فتحريم النسيئة في ذلك مع التفاضل (في الجنس الواحد) مثل أن يبيعه ثوبًا بثوبين إلى شهر، فذلك سلف بزيادة، وإن باعه كثيرًا بقليل فهو ضمان بجعل، (وأصل مذهب ملك -رحمه الله- سد الذرائع) وحمل الناس على التهمة، واعتبار ما مذهب ملك -رحمه الله- سد الذرائع) وحمل الناس على التهمة، واعتبار ما
يدخل اليد، وما يخرج منها، ولذلك ينظر إلى (أفعال) المتعاقدين، وما يخرج من أقوالهما لا إلى نفس الأقوال، وخالف الشافعي في هذه القاعدة، (ودلائل) المذهب معلومة مبناها على اتهام الناس، والاحتياط للدين.
قال القاضي -رحمه الله-: «فضل والمزابنة»: قلت اشتقاق المزابنة من الزبن وهو الدفع، لأن كل واحد من المتبايعين يريد مدافعة صاحبه ومغابنته، وهي جارية في الربويات وغيرها من الجنس الواحد، ويجمعها بيع معلوم بمجهول، (أو مجهول بمعلوم، أو مجهول بمجهول) من جنسه، فإن كان المبيع من جنس الربويات كان فيه الربا والمزابنة، وإن كان من غير الربويات كانت فيه المزابنة فقط لاحتمال أن يكون أحدهما أكثر من الآخر، وذلك كاف في التحريم، فإن تحققت الزيادة، (وتبين التفاضل) في غير الربويات جاز، وخرج بتحقيق الزيادة عن باب المزابنة، وأجاز بيع الرطب بالرطب مع (اختلاف) الرطوبة، وقد ذكرنا الخلاف فيه، وأصل المذهب أن التساوي فيما يطلب فيه شرعًا، التساوي مطلوب في الحال والمآل، لذلك قلنا إن ما تقع فيه المعاوضة إما أن يكونا رطبين أو يابسين أو أحدهما رطبًا والآخر يابسًا، فإن كان رطبين فلا يخلو أن تكون الرطوبة هي غاية طيبها أم بعدها غاية أخرى فإن كانت (تلك) الرطوبة في الغاية فلا خلاف (في المذهب) في
جواز ذلك مثلاً بمثل لأن التساوي المطلوب حاصل كالزيتون بالزيتون، (والملح بالملح)، وإن كانت بعدها غاية أخرى، ففي المذهب فيه قولان أجازه مالك، ومنعه عبدا لملك، وذلك كالرطب بالرطب والعجين بالعجين، وإن كانا يابسين جاز متساويًا (وإن كان ربويًا) أو مطلقًا إن كان غير ربوي يدًا بيد وإن كان أحدهما رطبًا والآخر يابسًا فهو الذي نص عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، واعتبر فيه المآل فقال -صلى الله عليه وسلم-: (وقد سئل عن (بيع) الرطب بالتمر (قال) أينقص الرطب إذا جف قالوا نعم قال فلا إذن) وهذه أول مسألة سئل عنها أبو حنيفة حين دخل بغداد، وأخطأ النص وعدل إلى القياس، وقال: إن كانا جنسين جاز متفاضلاً أو متساويًا، وإن كان جنسًا واحدًا جاز التساوي في الحال، وغفل عن اعتبار المآل، وخالفه في ذلك صاحباه، وهذا الحكم عندنا جاز في كل رطب بيابس من جنسه، وأجاز القاضي اللبن باللبن إذا كانا حليبًا أو مخيضًا، وأما الحليب بالمخيض أو المخيض فلا يجوز، لأن ذلك داخل في باب المزابنة.
فرع: إذا وجب اعتبار المماثلة وفقد المكيال والميزان رجع إلى التحري، وجرى مجرى الكيل والوزن.
واختلفوا في فروع.
الأول: إذا أجزنا التحري (في اللحم) فهل يتحرى اللحم نقيًا من العظم ويقدر قدره بعد (زوال) العظم منه أو لا يلتفت إلى العظم، ولا يعتبر قولان في المذهب والمشهور نفي الالتفات إليه، لأنه موجود في أصل الخلقة، وبه قوام اللحم فأشبه النوى، والقول الثاني: أنه يزال فيتحرى اللحم دونه حكاه الشيخ أبو إسحاق، وكذلك اختلفوا في قشر البيض هل يعطي حكم العدم فلا يدخل في التحري ويراعي ويقدر إسقاطه قولان أيضًا، وهذا بناء على أن البيض ربوي، وعلى جواز بيع بعضه ببعض تحريًا، وقد ذكرنا الخلاف فيهما.
فرع: اختلفوا في الجلد هل يعتبر نزعه إذا تحرينا لحم الشاة المذبوحة بمثلها أم لا؟ قولان:
أحدهما: أن الجلد ساقط غير معتبر كالقشر، وقيل: إنه معتبر، وفي المذهب (قول آخر) أنه لا يجوز التحري في الشاتين المذبوحتين حتى يستثنى (... ) كل واحد منهما جلده بنفسه، لأنه سلعة ولحم بسلعة ولحم فصار كذهب وسلعة بذهب وسلعة، والمذهب منعه.
فرع: إذا أجزنا (الخبز) بالخبز تحريًا فهل يتحرى الدقيق أو رطوبة الخبز ويبوسته في المذهب قولان، ورواية المتقدمين تحري الدقيق، ورأى القاضي أبو الوليد أنه إنما يتحرى الخبز في نفسه كالدقيق.
قال القاضي -رحمه الله-: «فصل الأعيان المبيعة ضربان طعام وغير طعام»:
شرح: تكلم في هذا الفصل على بيع الطعام قبل قبضه، وقد ثبت عن
النبي -صلى الله عليه وسلم- النهي عن ذلك وأرخص في الإقالة والشركة التولية.
وثبت عنه- صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن بيع ما لم يقبض، وربح ما لم يضمن وقد اختلف العلماء في تفسير نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن ربح ما لم يضمن، فروى محمد بن المواز عن مالك، وأكثر أهل المدينة أنه مخصوص بالطعام المشترى كيلاً لا جزءًا لأن
الجزاف يدخل) في ضمان المشتري بنفس التسليم والقبول.
وقال جمهور أهل المذهب إنه عام في الطعام وغيره.
(وصورة ربح ما لم يضمن) أن يبيع الرجل ملك غيره بغير إذنه، ثم يشتريه البائع من مالكه الأول بدون ما باعه به، وذلك ممنوع، لأنه من ربح ما لم يضمن.
واتفق مالك، وأكثر أصحابه على القبض مشترك في الطعام فقط، فلا يباع (الطعام) قبل قبضه، ويباع ما عداه قبل القبض، وقال عبد العزيز بين أبي سلمة، وعبد الملك بن حبيب القبض شرط في جواز كل مكيل أو موزون، لأن فيه حق التوفية كالطعام وسوى القاضي (بين) ما ينقل وما لا ينقل في جواز بيع ذلك قبل قبضه تنبيهًا على مذهب أبي حنيفة لأنه اشترط القبض في كل مبيع سوى العقار فقط، وقول القاضي: «ما لم يعرض فيه (مانع)» فيه إشكال.
(وقراءته) غير مرتبة فذكرت فيه أنه إشارة إلى أصل المذهب في حماية الذرائع، وذلك فيما إذا اشترى سلعة فلا يجوز له أن يبيعها من بائعها قبل قبضها بأكثر من ثمنها خيفة من أن تصير السلعة محللة (وكأنها لغو، يدفع) في المعنى) عشرة في خمسة عشر وهو محرم، لأنه ربح في السلف، فمنع بيع ما عدا الطعام في هذه الصورة قبل
قبضه لعارض وهو قصد الربا (أو توهمه)، وكذلك إذا بيع (ذلك) قبل قبضه بأي وجه من وجوه الربا كالدين بالدين، أو البيع والسلف فيمنع في غير الطعام لعارض، وكذلك إن عرض في الطعام نحو ذلك، فيحرم لعلتين، إذ الحكم الشرعي قد يكون معللاً بعلل كثيرة، وإنما قصر مالك الحكم على الطعام فقط لأنه المنصوص عليه في الحديث.
فدل على أن ما عداه بخلافه، وإذا قلنا إن المنع مقصور على جنس الطعام فهل هو عام في جنسه، أو مخصوص بالربوي دون ما عداه في المذهب قولان أحدهما انه عام في الربوي وغير الربوي، وروى ابن وهب وابن نافع عن مالك أنه مخصوص بالربوي فقط، والأول أصح تمسكًا بمقتضى (عموم) لفظ الطعام إلا أن يثبت التخصيص بدليل، وإذا قلنا إنه مخصص بالأطعمة (كلها) فهل ما كان من الأدوية والعقاقير (داخل) في ذلك أم لا؟ وقد اختلفت الرواية في الكزبور (والكروياء) والفلفل وما في معناهما من التوابل هل يلتحق بالطعام أو بالأدوية قولان في المذهب، ففي المدونة إلحاق ذلك بالأطعمة، وفي مختصر ابن شعبان إلحاقه (بالعقاقير) والأدوية، وكذلك اختلفوا في الحبة الحلوة والحلية، فابن القاسم ألحقها بالأطعمة، وألحقها أصبغ، ومحمد بالأدوية، قال سحنون
وأجمعوا كلهم على أن الزعفران ليس بطعام، والخردل طعام وهذا فيه نظر.
فرع: إذا قلنا أن القبض شرط في بيع الطعام فقط فهو جار فيما فيه (حق التوفية) وأما الجزاف فاختلفوا في جواز بيعه قبل قبضه، فأجازه مالك والأوزاعي لأنه داخل في ضمان المشتري بنفس العقد بخلاف ما فيه (حق) توفية، ومنع ذلك أبو حنيفة والشافعي لعموم نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن بيعه قبل قبضه، (ومبنى) الخلاف على تخصيص العموم بالقياس المظنون العلة.
قوله: «إلا أن يكون على غير وجه المعاوضة» قلت الطعام إما أن يثبت من معاوضة أو من غير معاوضة، أو متردد بينهما، والمعاوضة تنقسم على ثلاثة أقسام:
الأول: معاوضة يقصد فيها المغابنة والمكايسة كالبيع والإجارة والمهور والصلح، والمال المضمون بالتعدي والخلع ونحو ذلك، فلا خلاف في المذهب أن هذا النوع لا يباع قبل قبضه.
والثاني: المعاوضة متخصصة للمكارمة والرفق كالقرض والبدل فلا خلاف في المذهب في جواز بيع هذا الطعام قبل قبضه، واختلفوا فيما
(يصح) فيه كلا الوجهين كالشركة، والإقالة، والتولية، فأصل المذهب جواز الإقالة» من الطعام قبل قبضه (لما ثبت) من (مراسيل) ابن المسيب أنه -صلى الله عليه وسلم-: (نهى عن بيع الطعام قبل قبضه وأرخص في الشركة والإقالة والتولية) وذلك لأنها جارية مجرى المعروف، وخارجة عن باب المكايسة إلى باب (المعروف) والمكارمة.
وقد اختلف المذهب في الإقالة هل هي حل للبيع أو ابتداء البيع، والأول أصح، (وأما الإقالة في الطعام مما) ثبت من غير معاوضة كالهبة والصدقة والميراث، ولا خلاف في المذهب في جواز بيعه قبل قبضه لخروجه عن مورد النص، وأما ما ثبت للأجناد في بيت المال من الطعام فهل يجوز لهم بيعه قبل قبضه (لأنه) كالهبة أو يمنع ذلك تغليبًا لحكم المعاوضة لأنهم إنما يستحقونه عوضًا عن خروجهم للغزو وذبهم عن المسلمين قولان فيه في المذهب.
فرع: إذا ملك طعامًا بهبة، أو صدقة جاز بيعه قبل قبضه كما ذكرناه، فإن ابتاع طعامًا (قبل قبضه) جاز له أن يهبه قبل قبضه، ولا يجوز لمن صار
إليه أن يبيعه (قبل قبضه) لأنه قائم مقام الواهب.
فرع: إذا قلنا بجواز الإقالة من الطعام، وكان رأس المال عينًا مما يقضي فيه بالمثل فهل تجوز الإقالة فيه على مثل رأس المال لا على عينه، منعه ابن القاسم لاحتمال خروجه عن باب المعروف إلى باب المعاوضة برد المثل، ورأى أن حقيقة الإقالة رد الأعيان نفسها أجازه أشهب لأن المثل كالعين، ومبنى المسألة على الدنانير والدراهم هل تتعين أم لا؟.
فرع: إذا اشترى طعامًا فأشرك فيه قبل قبضه أو ولاه ففي المذهب في ذلك قولان الظاهر الجواز كالإقالة، لأن مورد النص عدل بدليلهما والشاذ اختصاص الجواز بالإقالة فقط دون الشركة والتولية، وهو ضعيف بالنظر إلى مقتضى الدليل اللفظي.
فرع: إذا أشرك في البعض، أو أقال في البعض لم يجز، لأن التبعيض يخرجه عن حقيقة باب المعروف ولو قبض بعضه وبقي بعضه جاز تولية ما قبض (والشركة) فيه دون من لم يقبض، لأن قصد المعروف في ذلك ظاهر، فإن أشرك فيما قبضه، وفيما لم يقبض لم يجز لخروجه عن باب المعروف إلى باب المكايسة، وفي ذلك خلاف في المذهب.
قال القاضي -رحمه الله-: «وكل مبيع هلك قبل قبضة فهو من المشتري إن كان متعينًا متميزًا»: إلى آخر الفصل.
شرح: أصل المذهب أن العقد على الحاضر ينقل الضمان فيه إذا لم يكن في المبيع حق توفيه.
وحكم العهدة غير ناقض لهذه القضية الكلية لأنه خارج عن القياس فهل يشترط فيه التمكين (وأن يمضي زمان يمكن التسليم
فيه، أو يكتفى بلفظ التعاقد والإيجاب قولان في المذاهب ونصوص المتقدمين أن العقد في ذلك كاف في نقل الضمان، وأما الجزاف يباع على الكيل فلا يدخل في ضمان المشتري إلا بالقبض، واختلف (المذهب) في (المكيال والميزان) يهرق بنفس امتلائه هل يكون من البائع، أو من المشتري قولان.
قوله: "وبيع الطعام وسائر المكيلات جزافا": قلت الضابط: (فيما يجوز) بيعه جزافًا، إن كل ما (يكون) المقصود منه جملة لا آحاد أعيانه جاز بيعه جزافًا، وكل ما يكون المقصود آحاد أعيانه، فلا يجوز بيعه جزافًا، وتفصيل ذلك أن المكيلات والموزونات يجوز بيعها جزافًا.
وأما المعدودات، فإن قلت أثمانها جاز بيعها جزافًا، وإن كثرت أثمانها، واختلفت آحادها اختلافًا كثيرًا كالجواهر والثياب، لم يجز بيعها جزافًا، وأما العين فهل تباع جزافًا أم لا؟ فيها تفصيل إما أن تكون مصوغة، أو مسكوكة، (فإن كانت مصوغة)، فانظر هل المقصود آحادها، أو جملتها، وذلك إحالة على شهادة وإن كانت مسكوكة فلا يخلو أن يكون التعامل فيها وزنا، أو عددًا، فإن كان التعامل فيها عددًا ففي جواز بيعها جزافًا قولان في المذهب التحريم، وهو المشهور، وحكى القاضي أبو الحسن فيه الكراهة لقلة الغرر، وتماثل الآحاد، وإن كان التعامل فيها وزنًا فيها يجوز بيعها جزافًا أم لا؟ قولان في المذهب: الجواز، والمنع، واختلفوا هل منع كراهة، أو تحريم.
قوله: "ومن شرط جواز (بيع الجزاف) تساوي المتعاقدين في الجهل بمقداره": قلت: وهذا كما ذكره لأنه إذا علم أحدهما مقداره (غلب القمار) والمخاطرة، وقد اختلف المذهب في (هذا الأصل)، وهو علم أحد (المتعاقدين هل يؤثر في فساده أم لا؟ ويجوز بيعه على تصديق البائع نقدًا، ومنعه في بيع النسيئة خوفًا من تطرق الربا إليه لاحتمال أن يجد) نقصًا في الكيل قيتركه رجاء الصبر عليه، فيكون (مرة) عليه سلفًا جر منفعته.
قال القاضي رحمه الله: "بيع الثمار بعد بدو الصلاح جائز مطلقًا"
شرح: بيع الثمار إما أن يكون قبل بدو الصلاح، أو بعده، فإن كان بعده فلا خلاف في جوازه مطلقًا، وإن كان قبله فلا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن (يشترط) التبقية، (أو يشترط القطع، أو يكون عاريًا من الشرطين، فإن اشترط التبقية) فلا خلاف في المذهب في فساد البيع لخوف العاهات والغرر، فإن تطوع المشتري بالقطع فسد البيع (لا محالة اعتبارًا بحكم انعقاده، وإن) شرط القطع جاز البيع بلا خلاف عندنا، وفي العقد المطلق روايتان: الفساد، والصحة، رواية البغداديين عن المذهب الفساد، وهو اختيار الشيخ أبي محمد بن أبي زيد، وأبي إسحاق التونسي، واختار الشيخ أبو الحسن
اللخمي، والشيخ أبو القاسم بن محرز الصحة، ويجبر المشتري على القطع، واستقرئ ذلك في الكتاب.
وأختلفوا في فروع:
الأول: إذا اشترى الشجرة في صفقة، ثم اشترى الثمرة (في صفقة) قبل طيبها، صح البيع وذلك كما لو اشتراهما في صفقة واحدة، لأن الثمرة تبع، ومنع ذلك ابن عبد الحكم، والمغيرة، وابن دينار.
فرع: إذا اعتبرنا بدو الصلاح فهو معتبر في كل نوع يطيب بعضه، وهل يتعدى إلى الحوائط المتعددة له، لأنها في حكم الحائط الواحد لإمكان هدم الجدار، أو يعتبر كل واحد من الحوائط بحكم نفسه قولان في المذهب (وأصل المذهب) إجراء ذلك في النوع الواحد مطلقًا لتقارب الوقت غالبًا، واختلفوا هل يباع نوع بطيب آخر أم لا؟
والجمهور أن كل نوع معتبر بنفسه، وشد الليث وغيره فجعل طيب نوع جاريًا في غيره وسار إليه.
فرع: إذا قلنا إن طيب بعض النوع معتبر في باقي ذلك النوع فهم فيما يتقارب زمانه، وأما الباكور الذي لا يتقارب زمانه، فلا يباع جميع النوع بطيب أوله لتباعد الزمان.
فرع: إذا كانت الأشجار مما يطعم بطنين في سنة واحدة، ففي جواز بيع البطن الثاني ببدو صلاح الأول روايتان: الظاهر، المنع، وظاهر كلام
القاضي جوازه، ويكون للمشتري إلى آخر إبانه، واشترط أصحابنا في (بيع) بطون الموز أن يضرب الأجل لآخره، (لأنه يبقى سنين عديدة فيحتاج إلى مدة معلومة)، وأجاز مالك أن يباع أول بطن من القرظ والقضب ونحوه بطيبه، واختلفوا هل يجوز اشتراط الخلفة أم لا؟ وتحصيل المذهب في ذلك أنها إن كانت غير مأمونة فلا يجوز اشتراطها بلا خلاف، وإن كانت مأمونة فهل يجوز اشتراطها أم لا؟ قولان في المذهب فإذا أجزنا اشتراطها، فهل يشترط خلفات معدودة أو يجوز اشتراطها إلى أن تفنى قولان في المذهب المشهور اشتراط العدد وأجاز الشيخ أبو القاسم بن الجلاب اشتراطها إلى أن تفنى.
قوله: "ولا يجوز شراء الكتان إذا استثنى البائع حبه، ولا القرظ واستثنى برسيمه".
وهذا كما ذكره، وهو مبني على أصلهم في المستثنى هل هو مبقى على ملك للبائع أو [الـ] مشتري والأصل مختلف فيه، وبيع الحنطة في سنبلها ممنوع، لأنه بيع ما لم تعلم صفته، وأجاز بيع الباقلاء، والجوز، واللوز، في قشره جريا على العادة واختلفوا في جواز بيع السنبل مع حبه فأجازه جمهور العلماء من أهل المدينة، ومنعه الشافعي لأنه من باب الغرر كبيع
الزرع في تبنه بعد درسه، (وأجاز مالك بيعه في تبنه بعد درسه) جزافًا، والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور ما رواه نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض وتأمن العاهة، نهى البائع والمشتري" قوله: "ومن باع أصل نخل وفيها ثمر مؤبرة فثمرها للبائع": قلت: اختلف الفقهاء في الثمار هل تتبع الأصول أم لا؟ فقال أبو حنيفة الثمرة للبائع قبل الإبار وبعده، ولا تتبع الأصول عنده بحال، وقال ابن أبي شبرمة هي للمشتري مطلقًا أبرت أم لا، وهذا بناء على (نفي) التبقية المحضة، وفرق مالك بين أن تؤبر أم لا؟، فإن أبرت فهي للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، وإن لم تؤبر فهي للمشتري بالعقد من غير شرط اعتمادًا على ما رواه ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع).
فرع: اختلفوا إذا أبر بعضها دون بعض، (تحصيل) مذهب مالك أنهما إن كانا متساويين أعطى كل واحد منهما حكمه، وإن كان إحداهما تبعًا فهل يعطى حكم نفسه أو حكم متبوعه قولان.
(كما حكى) القاضي، وإبار الزرع فركه، وقيل: ظهوره، وبالأول قال ابن القاسم.
قوله: "والزرع الصغير (إذا لم يظهر) إذا بيعت الأرض وسكت عنه، فقيل للبائع، وقيل للمشتري"، قلت: إذا أطلق لفظ البيع في الأرض فقد نصوا على أن البناء والشجر مندرج تحت الأرض، واتفقوا على أن الظاهر من الزرع الذي أفرك، أو قارب الإفراك غير داخل.
واختلفوا في الذي لم يظهر لصغره، أو فيما ظهر ولم يتبين ظهوره، وفي الحجارة هل تندرج) تحت لفظ الأرض أم لا؟ والمعول عليه أنها إن كانت مخلوقة في الأرض اندرجت، واختلفوا إن كانت مدفونة لدافن، والخلاف فيه مبني على الخلاف فيمن ملك ظاهر الأرض هل يملك باطنها أم لا؟ قولان، وكذلك لفظ البستان تدخل فيه الأشجار، ولفظ الدار لا يتناول المنقولات وإنما يندرج تحت (الثوابت)
كالأبواب والأشجار، (والرفوف) والسلاليم المبنية بالمسامير، وبالطين دون المحلولة، وسنذكر حكم مال العبد في التبعية، (وأصل المذهب) أنه لا يتبع إلا بالشرط.
قوله: "وبيع الثمار على رؤوس النخل جائز فإن استثنى بعضه فعلى وجهين"، قلت: اتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يبيع الرجل ثمر حائطه، ويستثنى ثمر نخلات معينة.
واختلفوا هل يجوز أن يستثني منه كيلاً معلومًا، فمنع من ذلك فقهاء الأمصار لانه من باب الثنيا فاتقوا فيه الغرور (لأنه استثناء) مكيل من جزاف، وأجازه مالك وأهل المدينة في الثلث فما دونه، ومنعوه فيما فوق الثلث، وكذلك اختلفوا في الصبرة تباع جزافًا هل يجوز أن يستثني منها كيلاً معلومًا، فمنعه الجمهور، وأجازه مالك، كالنخل، وأجاز أيضًا استثناء الجلد والسواقط من الأطراف التي لها قيمة يسيرة من الحيوان الذي لا يجوز ذبحه، واختلفوا في استثناء ما له قيمة، والمشهور المنع، وأجاز ابن حبيب أن يبيع الشاة، ويستثني الرأس والأكراع، واختلف قول مالك إذا استثنى منها أرطالاً معلومة، فروى عنه
ابن وهب منع ذلك، وروى عنه ابن القاسم أنه أجازه في الأرطال اليسيرة فقط (والجمهور) على الامتناع كالصبرة (وثمرة) الحائط يستثني منها مكيله.
قال القاضي رحمه الله: "فصل في العرية": اختلف أهل اللغة لم سميت بذلك، فقيل: لأنها عريت من الثمن، وقيل: لإعراء النخل عن الثمرة بالهبة، وقيل: لإعرائها من المساومة عند البيع، وقيل: هي مشتقة من قولهم عروت الرجل إذا قصدته تلتمس معروفه، والعرية في الشرع إعطاء الثمرة على وجه مخصوص، وقال القاضي: العرية أن يهب الرجل ثمرة نخله أو نخلات من حائطه لرجل قال الأبهري: وهي من فعل المعروف، واتفق العلماء على أنها خارجة عن الأصول مستثناة من أصول ممنوعة، واختلفوا في وجه الرخصة فيها، فقال مالك: الرخصة فيها للمعري خاصة من وجوه، لأنه فيها أنواعًا من المزابنة والتفاضل في الحال والمئال والتسمية (وبيع الطعام بالطعام إلى أجل)، وقال الشافعي الرخصة فيها للمعري، ولغيره من كل من أراد شراؤها للضرورة (إلى أكل الرطب، وقال أبو حنيفة: الرخصة فيها
من حيث إن فيها رجوعًا في الهبة على صفة مخصوصة) إذا كان الموهوب لم يقبضها، وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في العرية أن تباع بخرصها تمرًا يأكلها أهلها رطبًا وفي هذا دليل على أن الرخصة فيها عامة لأن كل من اشتراها فهو من أهلها، وقيل: هو للمعري فقط، وإذا قلنا بمذهب مالك فلها خمسة شروط:
الأول: أن تزهى.
والثاني: أن تكون أقل من خمسة أوسق روايتان للشك الواقع في الحديث المتضمن جوازها، ولا خلاف في امتناع ذلك في الزائد عليها.
والثالث: أن يشتريها بالتمر، فإن اشتراها بالعين فهل يجوز يجوز أم لا؟
قولان المشهور المنع قصرًا للرخصة على موردها، والشاذ الجواز ملاحظة لمعنى الترخيص وهو قول (المخالف).
والرابع: أن تكون التمرة مؤجلة إلى الجذاذ فإن عجلت بشرط لم يجز، ولو تطوع بتعجيله بعد العقد جاز، وإنما اعتبرت هذه الشروط لأن باب الرخصة أن تقصر على ما وردت عليه، ولا يخرجها عن ذلك، وأوجب الشافعي أن يعطي التمر نقدًا فإن أخرت لم يجز عنده، فإذا ثبت جوازها فهي مقصورة على النخل والعنب عند مالك، وروى عنه أنها جائزة فيما ييبس ويدخر كالجوز واللوز والتين (والفستق) وغيره، واختلف المذهب في وضع
الجوائح فيها على قولين قال ابن القاسم فيها الجائحة.
وقال أشهب ليس فيها جائحة.
تنبيه: عجبًا (من أبي حنيفة كيف جوز) العرية وجعلها من (أصول) مستثناة في النهي عن الرجوع في الهبة، ولم يقع فيها استثناء من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يجعلها مستثناة مما استثناه الرسول صلى الله عليه وسلم.
وههنا فروع تتعلق بالعرية:
الأول: إذا تعددت الحوائط فأعراه من كل واحد منها قدر خمسة أوسق فما دون، فهل يجوز أن يشتري من كل واحد خمسة أوسق اعتبارًا له بحكم نفسه، أو يجعل جميعها كالحائط الواحد فلا يشتري من جميعها إلا خمسة أوسق فيه ثلاثة أقوال بين المتأخرين فاختار الشيخ أبو محمد بن أبي زيد وتلميذه أبو بكر بن عبد الرحمن أنها كالحائط الواحد، ورآى الشيخ أبو الحسن بن القصار أن لكل واحد منها حكم نفسه، فيشتري من كل واحد منها خمسة أوسق، وفرق الشيخ أبو القاسم بن الكاتب قال: إن كانت العواري كلها بلفظ واحد، في زمان واحد، فالحوائط المختلفة كحائط واحد، وإن كانت في أوقات مختلفة بألفاظ مختلفة أعطى كل واحد حكمه.
المسألة الثانية: شراء المعري بعض عريته هل يجوز أم لا؟ فيه قولان مبنيان على تحقيق العلة.
المسألة الثالثة: إذا أعرى جماعة شركاء في حائط واحد عرية فهل يجوز لأحدهما أن يشتري حظ الآخر من العرية أم لا؟ قولان، منعه ابن الماجشون
لخروجه عن محل الرخصة، وأجازه غيره.
المسألة الرابعة: اختلفوا في زكاة العرية والهبة، فقيل: على الموهوب والمعرى، (وقيل: على المعري)، وكذلك اختلفوا في السقي، فقيل: على المعرى، وقيل: على المعري، وقال: محمد لا خلاف أن السقي على المعرى، والخلاف صحيح مبناه على لفظ العرية هل يقتضي التزام الزكاة، والسقي أم لا؟ وهو الصحيح.
المسألة الخامسة: اختلفوا في حوز العرية، فقيل: الإبار، وقيل: تسليم الرقبة قاله أشهب في كتاب محمد، وقال ابن حبيب: لا يتم حوزها (إلا باجتماع أمرين أن يكون في النخل ثمرة، وأن يقضيها الموهوب).
قال القاضي: "والجوائح (موضوعة) " إلى آخره.
شرح: اختلف الناس في وضع الجوائح فقال مالك: وأصحابه بوضعها، (وأنكرها) أبو حنيفة، والشافعي، والثوري، والليث، والدليل على وضعها ما خرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اتباع تمرًا فأصابته جائحة فلا يأخذ من أخيه شيئًا فبم يأخذ أحدكم من
مال أخيه) الحديث، ومن طريق المعنى أنه مبيع بقى على البائع فيه حق توفيه السقي، فكان ضمانه منه كالصبرة تشتري على الكيل، وضعف الشافعي حديث جابر، وكان يقول أنه اضطرب في ذكر الجوائح فيه، قال: فإن ثبت حديثه وجب وضعها في القليل والكثير.
واحتج من أسقط القضاء بحديث أبي سعيد الخدري قال: أجيح رجل في ثمار ابتاعها، وكثر دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تصدقوا عليه فتصدقوا عليه فلم يبلغ وفاء دينه فقال صلى الله عليه وسلم لغرمائه خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك) ولحكمه صلى الله عليه وسلم بالجائحة، وزعم بعض أهل العلم أن الأمر بوضعها كان قبل النهي عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، وتأول مالك وأصحابه حديث أبي سعيد على أن البائع عديم، أو على أن المقدار الذي أصيب من التمر حينئذ لا يقضى فيه بالجائحة لقلته، أو على أن تكون الجائحة أصابت الثمرة بعد طيبها وبعد جذاذها، ولا يقضى بالجوائح التي تصيب حينئذ، وهذه تأويلات لا عاضد لها.
فصل: إذا ثبت القضاء بالجوائح فذهب معظم الثمرة لزم المشتري بقية الثمرة بحصتها من الثمن بخلاف الطعام يشتري على الكيل، ثم يذهب معظمه فلا يلزم المشتري باقية، لأن الجوائح معتادة في الثمار، فالمشتري قد دخل
عليها بخلاف الاستحقاق، أو نقص الطعام، فإذا تقرر ما ذكرناه، فالقول في الجوائح ينحصر في فصول:
الفصل الأول: فيما يعد جائحة وما لا يعد.
الفصل الثاني: في محلها في المبيعات.
والفصل الثالث: في قدرها.
والفصل الرابع: في زمان القضاء بالجائحة.
والفصل الخامس: في كيفية الرجوع.
فأما الأول فيما يعد جائحة، فقد اختلف الفقهاء فيه، فقال ابن القاسم الجائحة ما لا يستطاع دفعه وإن علم به، وقال مطرف وابن الماجشون الجائحة ما أصيب الثمرة من السماء، وأما ما كان من صنع الآدمي فليس بجائحة.
وتحصيل (المذهب) فيها على أنها (على وجهين أحدهما أن تكون من فعل الله تعالى، والثاني من فعل الآدمي فالأول) على وجهين إما أن تكون من قبل الماء، أو من قلته، فإن كان من قبل الماء) وقلته كالعطش، فاتفقوا على أنها جائحة، وهذا القسم من أقسام الجوائح.
اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة على القضاء بها، ويوضع قليله وكثيره بلا خلاف عندنا (وإن كان) من قبل الماء لكثرته فهو نوع من العفن.
قال ابن القاسم يوضع قليله وكثيره وأما ما كان من فعل الله، وليس من قبل الماء كالبرد الشديد، والحر، والريح، والعفن والجراد، وانكسار الأشجار فلا خلاف عندنا أنها جائحة.
وأما ما كان من فعل الآدمي فلا يخلو أن يكون مما يستطاع دفعه
كالسارق، أو مما لا يستطاع دفعه كالجيش، والخلاف في القسمين منصوص في المذهب، ومذهب ابن القاسم أن الجيش والسارق جائحة، وقال صلى الله عليه وسلم: (أرايت إن منع الله الثمرة) وظاهر ذلك اختصاصها بالأمور السماوية، وهو قول مطرف وابن الماجشون.
الفصل الثاني: في محلها وهي (جارية) في الثمار بلا خلاف، وهل تجري في البقول، سيأتي القول فيه، وتحصيل القول الكلي فيها أنها جارية في كل ما يحتاج إلى بقائه في أصوله لتمام إصلاحه، واستكمال طيبه كالتين والعنب، والخوخ، والزيتون، والرمان، والياسمين، والورد، ونحوهما ما له ساق (ثابت) وأما ما لا يحتاج إلى بقائه في أًوله (كالتمر اليابس، والزيتون المستكمل فلا جائحة اتفاقًا، لأن طيبه قد كمل، واختلف الرواية في قسم ثالث دائر بين القسمين وهو ما احتيج إلى بقائه في أصله لحفظ) نضارته لا لتمام صلاحه (هل يقضى فيه بالجائحة أم لا؟، فروى أصبغ عن ابن القاسم ما يدل على أنه لا جائحة فيه بناء على أن المراعى كمال الصلاح)، ومقتضى رواية سحنون أن الجائحة موضوعة فيه، واختلفوا في البقول هل توضع فيها الجائحة أم لا، قولان مشهوران، في المذهب وإذا قلنا إنها توضع فيها، فهل هي معتبرة فيها بالثلث كالثمار أم توضع في قليلها وكثيرها قولان مشهوران أيضًا.
الفصل الثالث: في قدرها، والمعتمد عليه في مذهب مالك أنها
(إنما) توضع إذا بلغت الثلث (فإن قصرت عنه فلا توضع وقد ذكرنا الاتفاق في العشر، والاتفاق في البقول، وإذا قلنا باعتبار الثلث) فهل المقصود ثلث القيمة، أو ثلث المكيلة فيه تفصيل، تحصيله أنه إن كان مما يحبس أوله على آخره، وتختلف قيمته بحسب أوله وآخره، فالمعتبر فيه ثلث القيمة اتفاقًا، (وإن تساوى) ولم يكن مما يحبس أوله على آخره، فهل المعتبر ثلث المكيلة، أو ثلث القيمة قولان في المذهب والصحيح من مذهب ابن القاسم اعتبار ثلث المكيلة، ومذهب أشهب اعتبار ثلث القيمة، لأنها المقصود من المكيلة.
واختلفوا في فروع:
الأول: إذا كانت الثمار أجناسًا مختلفة فوقعت الجائحة فهل يعتبر كل جنس على حدته، أو تكون الجائحة المقدرة بالثلث معتبرة بالجميع قولان في المذهب، وهل يعتبر في ذلك ثلث المكيلة أو ثلث القيمة، فيه أيضًا ما قدمناه.
فرع: إذا تزوج امرأة بثمرة فأجيحت فهل يقضي بالجائحة في ذلك البيع أم لا؟ لأنه من عقد معاوضة ومكارمة قولان.
قال ابن القاسم: لا جائحة فيه، وقال ابن الماجشون: فيه الجائحة كالرد بالعيب، وقد ذكرنا الخلاف في العرية هل يقضي فيها بالجائحة أم لا؟ على قولين في المذهب.
الفرع الثاني: إذا باع ثمر حائطه، واستثنى منه مكيلة معلومة، ثم أجيحت الثمرة فهل توضع من العدد المستثنى بقدره أم لا؟ فيه قولان في المذهب.
(قال ابن وهب لا يوضع من ذلك قيلاً أو كثيرًا، وروى ابن القاسم وأشهب أنه يوضع عنه بقدره) وقال ابن القاسم مرة أخرى إن قصرت الجائحة عن
الثلث لم يوضع (عن المشتري) شيئًا، وإن بلغت الثلث وضع عن المشتري بقدره.
الفرع الثالث: إذا اشترى الأصل والثمرة في صفقة واحدة فلا جائحة، لأن الثمرة تبع، ويجري الخلاف فيها على الخلاف في الاتباع (هل يراعى) وإن اشترى الأصل، ثم اشترى الثمرة فإما أن تكون بعد بدو الصلاح أو قبله، فإن كان بعد بدو الصلاح فالعقد صحيح، وفي وضع الجائحة قولان مبنيان على الاتباع، وإن كان قبل بدو الصلاح ففي صحة العقد قولان: الظاهر الفساد، ومن (أجاز ففي) وضع الجائحة حينئذ قولان، وإن اشترى الثمرة أو لا، ثم (أتبعها) الأصل نظرت فإن كان الشراء قبل طيب الثمرة فالبيع فاسد، ولا جائحة حينئذ إلا أن يشتريها على القطع، ثم يتبعها الأصل من غير تراخ، فالتبقية جائزة، وإن كان بعد طيبها، فالجائحة موضوعة فيها (لأنها مقصودة).
قال القاضي رحمه الله: "قد بينا (تحريم) التفاضل في الجنس الواحد".
شرح: تكلم في هذا الفصل على (جمل) من أحكام الصرف، وهو مشتق من الصريف، وهو الصوت وسمى بذلك لتصويت (النقد عند
طرحهما).
وذكر أهل العلم أن هذه اللفظة لم تقع في كتاب ولا في سنة، إلا في حديث عبادة بن الصامت (التمس مني صرفًا).
والصرف في الاصطلاح: عبارة عن بيع أحد النقدين بخلافه.
فإن بيع بمثله فهو مبادلة إن كان عددًا، أو مراطلة إن كان وزنًا بالصنجة أو الكفة.
والأصل في وجوب التناجز في الصرف ما رواه مالك عن نافع عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضه على بعض).
وقال في الفضة: نحوه: (ولا تبيعوا غائبًا بناجز) وقال صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب إلا ها وها مثلاً بمثل) وقد
اتفق العلماء على أن الإشارة بقوله: (ها وها) إلى سرعة المناجزة، وهل ذلك عبارة عن المجلس أم لا؟ اختلف العلماء فيه، فقال أبو حنيفة والشافعي: إذا تعاقدا وطال الأمر بينهما في المجلس من غير تقابض، فالعقد (بينهما) جائز، وذلك تناجز ما داما في المجلس لم يفترقا وهؤلاء جعلوا التناجز عبارة عما يكون في المجلس وإن طال، وقل مالك إن طال الأمر بينهما في المجلس من غير تقابض فسد الصرف (سبب الخلاف اختلافهم) في قوله: (ها وها) واختلفوا إن كان التأخير غلبة هل يفسخ الصرف أم لا؟ فيه قولان في المذهب، واتفقوا على فساده إذا وقع التأخير اختيارًا.
وههنا فروع تتعلق بالمتاجرة.
فرع: اختلفوا في المواعدة في الصرف على ثلاثة أقوال في المذهب:
الأول: المنع قال أصبغ في ثمانية أبي زيد، فإن وقع ذلك فسخ قياسًا على المواعدة (على النكاح) في العدة.
والثاني: الجواز مطلقًا (قاله) ابن نافع في السليمانية، قال ما علمت أحدًا أكرهه، وليس كالمواعدة في العدة لأن تتميم العقد في النكاح محرم، وتتميم العقد في الصرف هو المقصود (فافترقا وامتنع) الإلحاق، والثالث الكراهية هو المشهور عن مالك، وهو اختيار ابن القاسم مراعاة للخلاف.