روضة المستبين في شرح كتاب التلقينصفحات 627-635

المسألة الرابعة: الفرس الضعيف هل يسهم له أم لا؟ اختلف فيه.
فقال أشهب وابن نافع: لا يسهم له لأنه لا يمكن القتال عليه حال ضعفه فهو كالكسير، وكذلك الأعجف الذي لا ينتفع به، وقيل: يسهم للضعيف لأنه مرجو البرء.
قوله: "ولا يقتل النساء و (لا) الصبيان ولا الشيخ الفاني ولا أهل الصوامع والديارات إلا أن يخاف منهم أذى أو تدبير": وهذا أصل مذهب مالك كما ذكره، وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافًا كثيرًا.
وتحصيل القول فيه أنهم أجمعوا على جواز قتل المشركين الذكران البالغين المقاتلين في حال الحرب، واختلفوا في قتل صبيانهم ونسائهم وشيوخهم ورهبانهم وأجرائهم وخدامهم والأعمى والمعتوه منهم.
فقال الشافعي: يقتل جميع هذه الأصناف، (فاستدل) بالكتاب والسنة والمعنى.
أما الكتاب فظاهر قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: 5].
وقال تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كآفة﴾ الآية [التوبة: 36].
وأما السنة فعموم قوله -عليه السلام-: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) الحديث.
وأما المعنى فرآى أن علة القتل إنما هي

الكفر وهي عامة في جميع الكفار.
وحكى الشيخ أبو الطاهر أن (الآية) مجتمعة على خروج الولدان من الأقوال، المشهور عن الشافعي وغيره جواز قتل الولدان والنسوان مطلقًا.
وتحصيل مذهب مالك في ذلك أن هؤلاء إن قاتلوا أو آذوا المسلمين بوجه من وجوه الإيذاء، إما برأي أو تدبير أو بإعانة إما بزاد وإما بقتل، فإنهم يقتلون وإن لم يفعلوا هذا على سبيل الإجمال.
فإن فصلت قلت: أما النساء فإن لم يقاتلن لم يقتلن، فإن قاتلن فهل يقتلن أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال في المذهب.
أحدها: أنهن لا يقتلن على الإطلاق لعموم نهيه -عليه السلام- عن قتل النساء والصبيان.
وثانيها: أنهم يقتلن لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مر على امرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه تقاتل) فظاهره أنها لو قاتلت لقتلت.
وثالثها: أنها تقتل إن قاتلت في حين القتال، وإلا لم تقتل بعد.
وإذا قلنا: إنها تقتيل إن قاتلت، فالمراد قتالها بالسلاح المعتادة، فإن قاتلت بالرمي والحجارة ونحوه فهل هو كالقتال والسلاح فتقتل أم لا؟ فيه قولان، المشهور من المذهب أنها إذا (سرحت) بلساها أو أخرجت مع النسوة في السور والحصون فإنها لا تقتل، وأما الصبيان فلا يقتلون إلا أن

يقاتلوا بالسلاح، ولو قاتلوا بالحجارة أعرض عنهم ولم يقتلوا.
وقيل: إذا قاتلوا مطلقًا قتلوا والقولان في المذهب.
واختلفوا فيه حد البلوغ في هذا الباب على قولين في المذهب الإنبات، وقيل: الاحتلام، وكذلك اختلفوا أيضًا في الرهبان المنقطعين عن الناس إذا لم يؤذونا بوجه، المشهور أنهم لا يقتلون تعويلاً على قول أبي بكر: فدعنهم وما حبسوا أنفسهم له.
وروى ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان بعث جيوشه قال: (لا تقاتلوا أصحاب الصوامع) والشاذ أنهم يقتلون لعموم قوله تعالى: ﴿وقاتلوا المشركين كآفة﴾ [التوبة: 36].
ومنبى المسألة على جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.
واختلفوا في النساء إذا ارتهبن هل يقتلن أم لا؟ وفي المذهب فيه قولان: أحدهما: أنهن يقتلن لأن الرهبانية مختصة بالرجال.
والثاني: يتركن لانقطاعهن وانفرادهن عن الناس، واختلفوا في الزمناء، والأجراء، والمريض، ومن لا معونة له برأي، ولا غيره هل يقتل أم لا؟ وفي مذهب مالك في ذلك قولان.
أحدهما: أنهم يقتلون تمسكًا بالعموم.
والثاني: أنهم يؤمرون ولا يقتلون، وإذا قلنا في الرهبان أنهم يقتلون فكذلك لا يؤسرون أيضًا.
قال مالك: ولا ينزل من صومعته، وكذلك

اختلفوا في الحراث، قال الأوزاعي: لا يقتل.
قوله: " (ويترك) لهم أموالهم": وهذا كما ذكره، ولا خلاف في المذهب على القول أنهم لا يقتلون أنه يترك لهم أموالهم، وهل جميعه، أو ما يقوم به الأيام اليسيرة، ويؤخذا ما فضل عن ذلك، فيه قولان في المذهب لأن أخذ الجميع قتل في المعنى.
قال مالك في المدونة: "يترك لهم ما يعيشون به، ولا يؤخذ كله".
قال محمد بن المواز: أما ما لا يشبه أن يكون لهم، فلا يترك ولا يصدق الراهب في مثل هذا.
قال مالك: (ويترك) البقرتين والغنيمات (والغليمات) والنخيلات ويؤخذ ما بقي ويحرق.
قال مالك أيضًا: ما علم أنه لهم من عبيد وزروع فلا يتعرض لهم فيه.
وإذا قلنا: بالقتل فيهم أوقع القتل القتل فيمن يجوز قتله في الأصل، فهو يجوز أن يحرقوا بالنار بعد قتلهم لأنه نكاية، أولاً لنهيه -عليه السلام- عن التعذيب بالنار فيه قولان في المذهب.
فرع: لو قتل أحد من هؤلاء الذين لا يجوز قتلهم بعد أن صار مغنمًا فعلى قاتله قيمته بجعلها في المغنم، ولو قتل قبل أن يصير مغنمًا فليستغفر الله قاتله ولا شيء عليه.

قوله: "وأمان الأمراء نافذ": وهذا ثابت بالإجماع، والدليل عليه الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين﴾ الآية [التوبة: 6].
وأما السنة فقوله عليه السلام: (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ).
وسيجيء الخلاف فيه هل هو إخبار أو إنشاء.
قال علماؤنا المالكية: الأمان على قسمين: عام لا يتولاه إلا الإمام.
وخاص يستقل به الآحاد.
وأجمع الفقهاء على أن من كملت (فيه) هذه الشروط فإن إمامته جائزة.
فالأول الإسلام ثم البلوغ ثم العقل ثم الحرية ثم الذكورية، وهذه الشروط الخمسة مشترطة في استحقاق الإمامة شرعًا، فإذا حصلت الإمامة المنعقدة بهذه الشروط، وأمن الإمام فلم يختلف المسلمون في جواز تأمينه مطلقًا كان تأمينه أو مقيدًا.
واختلف في تأمين غيره فيمن حصلت له هذه الشروط، فقال ابن الماجشون: لا يجوز أمان أحد سوى الإمام إلا بإجازته، أو بإذنه، والجمهور على خلافه.
والتفصيل فيه: أما قولنا: "بالإسلام" احترازًا من الكفار، وقد اختلف المذهب في تأمين الذمي إذا كان من الجيش على قولين: أحدهما: أنه ليس بأمان وهو المشهور لقوله -عليه السلام-: (يجبر على المسلمين أدناهم) فشرط

الإسلام في جواز التأمين.
والشاذ أنه أمان جائز لأنه تبع للمسلمين، فله ذمتهم وحكمهم في ذل.
ولو قال حربي: ظننته مسلمًا فقد اختلف قول ابن القاسم في ذلك فقال مرة: يقبل دعواه، ويرد إلى مأمنه، وقال مرة: هم فيء ولا أمان (لهم) ولا يردون إلى مأمنهم.
قال أبو الطاهر: وهذا خلاف في حال، فإن ظهر كذبه لم يقبل عذره، وإن ظهر صدقه قبل، وإن أشكل الأمر فالرجوع إلى الأصل يقتضي الإباحة، والرجوع إلى أشكال الحال يقتضي صحة التأمين.
وأما قولنا: "في البلوغ" احترازًا من الصبي في المقاتلة جاز تأمينه وإلا فلا.
قال غيره: يجوز تأمين الصبي، أجازه الإمام في المقاتلة أم لا؟ لقوله -عليه السلام-: (يجير على المسلمين أدناهم) والصبي أدناهم.
وقلنا: "العقل" احتراز من المجنون لا أمان له.
وقولنا: "الحرية" احترازًا من العبد.
وفي المذهب في تأمين العبد ثلاثة أقوال: أحدها: جوازها قاتل أم لم يقاتل.
وثانيهما: أنه غير جائز، وقال سحنون: إن أذن له سيده في القتال جاز أمانه.
وحكى بعض شيوخنا قولاً رابعًا عن المذهب في العبد أنه إن قاتل صح تأمينه وإلا فلا وهو قول أبي حنيفة.
وسبب الخلاف في جواز تأمين العبد معارضته للعموم وللقياس.
أما

العموم فقوله -عليه السلام-: (ويسعى بذمتهم أدناهم) وهذا يقتضي تأمين العبد.
وأما القياس فهو أن التأمين نوع من الحكم والولاية، ومن شرطه الكمال ونقص العبودية مانع من ذلك كمانع (من) الإمامة والشهادة وغير ذلك من مراتب الكمال.
وقولنا: "الذكورية" احترازًا من المرأة.
وقد اختلف المذهب في تأمين المرأة فأجازه ابن القاسم وأشهب بناء على أن قوله -عليه السلام-: (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ) إخبار عن حكم الله، وحكى أبو الفرج عن عبد الملك أنه باطل وليس بأمان.
وسبب الخلاف ما ذكرناه من الأصليين.
الأول: هل قوله: "قد أجرنا من أجرت" إنشاء أم خبر.
الثاني: معارضة العموم للقياس.
وههنا مسائل اختلفوا فيها: الأولى: هل يثبت الأمان بقول المؤمن، أو بشهادة شاهدين فيه قولان في المذهب فقال ابن القاسم: يثبت بقوله كابتداء الأمان.
واشترط سحنون في ثبوته قيام الشهادة، لأنها دعوى على العسكر فيفتقر إلى الشهادة.
الثانية: إذا أجزنا تأمين غير الإمام فهو جائز قبل الفتح فإن وقع الفتح، وصار في قبضة المسلمين، فهل يجوز تأمينه، ويكون مانعهن قبله أم لا؟ فيه قولان (عندنا) حكاهما أبو الطاهر: أحدهما: جوازه لأن إجارة أم هانئ كانت بعد الفتح، وقد أمضى ذلك -عليه السلام- لها.
وثانيهما: أنه لا يجوز لأنه صار هراق الدم بحصوله في قبضة

المسلمين.
الثالثة: يصح التأمين بكل ما يفهمه من نطق، أو إيماء باللسطان القوي إجماعًا.
الرابعة: يجوز عندنا التأمين لواحد أو لعدد محصور، ولو عقده لعدد غير محصور لم يجز، لأن هذا من قسم التأمين العام، وعقد مخصوص بالسلاطين لا (يتولاه) غيرهم.
قال القاضي -رحمه الله-: "والإمام في الأسارى" إلى آخر الباب.
شرح: وهذا هو أصل مذهب مالك (وتبعه) على هذا جماعة من الفقهاء، وذلك عام في جميع أنواع المشركين إلا الرهبان، فإن طائفة من العلماء رأوا أن يتركوا ولا يتعرض لهم برق ولا بإسباء ولا بغير ذلك اتباعًا لفعل أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-.
وهذه الخصال الخمسة راجعة إلى اجتهاد الإمام فما يراه منها صوابًا فعله، وإذا استرقه فهو (عبد) لجميع الغانمين وهذا أولى من القتال وقد يرشده الله تعالى للإسلام، وقتله جائز إن رآه الإمام صلاحًا، لأنه إنكار العدو.
وقد قال جماعة من أهل العلم: لا يجوز قتل الأسير اعتمادًا على ظاهر الحصر المفهوم من قوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ الآية [محمد: 4] فظاهر الآية حصر ما يفعل بالأسير بعد أسره وليس إلا المن والفداء.
والجمهور على خلافه، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قتل الأسارى في غير ما موضع، وفعله ناسخ للآية إن سلمنا دلالتها على الحصر وفيه نظر.
قوله: "وفي الجاسوس الاجتهاد": قلت: اختلف المذهب في

الجاسوس للكفار على خمسة أقوال: فقيل: يقتل مطلقًا من غير استتابة إن لم يتب، وقيل: يكفي ضربه وتنكيله، وقيل: يقتل إلا أن يعذر بجهل، وقيل: إن كان معتادًا لذلك، وإن كان ذلك منه أول الأمر ضرب ونكل.
والأصل في المسألة حديث حاطب بن أبي بلتعة، ومن رآى استتابته قاسه على المرتد، ومن رآى نفي الاستتابة قاسه على الزنديق والله أعلم.
قوله: "وترد الرهائن وإن أسلموا": هذا مذهب مالك والأصل فيه ما خرجه البخاري في حديثه.
ثم تكلم عن أرض الصلح وأرض العنوة، فحكمهما ظاهر.
فأرض من أسلم صلحًا ملكًا له، وأرض عنوة من جملة الغنائم لا يرجع إلى أربابها بإسلامهم، وقد قدمنا الكلام على حكم الفيء والخمس وما في معناه.

جارٍ التحميل