وههنا فرع: إذا ادعى الزوج بأن للمرأة عيبًا في الفرج، أو ادعت المرأة على الزوج عيبًا فأنكر.
وتحصيل القول في ذلك: إن الأصل السلامة والتمسك بدعواهما هو مقتضى الحكم، إلا أن الروايات في ذلك من المذهب مختلفة فقال ابن حبيب وسحنون وابنه ينظر إليها النساء إذا ادعى الزوج بأن بها عيبًا في الفرج، وقال ابن القاسم القول قولها، ولا ينظر إليها النساء تمسكًا بما ذكرناه من حكم الأصل، ولو ادعت هي عليه فأنكر فهو مصدق.
وقال ابن حبيب: أما الحصور والممسوح الذكر والأنثيين، أو الذكر خاصة فيعتبر بالجس على الثوب، ولو ادعت أنه عنين، أو معترض فأنكر فهو مصدق، ونزلت بالمدينة، فأفتى مالك وعبد العزيز بن الماجشون بذلك.
فرع: إذا اطلع الزوج على عيب بعد العقد، فادعى أنه كان سابقًا على العقد فعليه البينة، لأنه يريد الفسخ للعقد الثابت المقرر المستصحب حكمًا.
وقال ابن حبيب: إن كان الولي أبًا أو أخًا فعليهما يمين، لأنهما ممن يظن به أن يعلم على ذلك غالبًا.
وإن كان بعيدًا ممن لا يظن به العلم فاليمين على المرأة، وهذا اليمين لا فائدة لها إلا التداعي في الصداق وهو مال.
قوله: «وإن طلق فلا شيء عليه»: لأنه فسخ اقتضته الأحكام، وحكم بالتخيير فيه للإمام.
قوله: «وأما المشتركة فالجنون والجذام والبرص» والأمر كما ذكره،
وهذه العيوب مانعة من كمال لذة الوطء، لأن من أصله، فالجنون هو ذهاب العقل بصرع، أو وسواس، فإن كان مطبقًا في جميع أحواله، أو هو نادر في أوقات قليلة، فانظر هل يعتبر أم لا؟ وعموم الروايات أنه عيب من غير تفصيل واعتبار الأغلب منه دون إيقاع النادر، وكذلك نص الروايات في الجذام أنه عيب قليلًا كان أو كثيرًا، لأنه أقرب إلى العود.
واختلف المذهب في البرص وتحصيل القول فيه أنها ترد من البرص الكثير لتحقق الضرر به، وتأدية الزوج هذا مشهور الروايات، واختلفت الروايات في القليل، فروى عن مالك ما سمعت إلا في الحديث ولم يفرق بين قليل ولا كثير، وروى عن ابن القاسم أن البرص بالفرج لا يثبت الخيار، وإن كان شديدًا.
وروى عنه عيسى أنه لا يرد بالبرص الخفيف بخلاف ما فيه ضرر مما لا يصبر على المقام عليه، وروى عن ابن القاسم رواية ثالثة في الزوجة أنها ترد من قليله إلا أن يعلم أنه لا يزيد، وسوى ابن عبد الحكم بين الرجل والمرأة بالبرص وهو الأصح من روايات ابن القاسم، وروى أشهب أن برص الرجل لا يثبت به الخيار للزوجة وإن غرها.
وأصل القاضي على ظاهر الروايات حيث أطلق من غير تقييد، وهو مقتضى نص الخبر الثابت في القاعدة، ولا مهر لها إن اختارت أو اختار الفسخ قبل الدخول لأن بضعها بيدها وسلعتها معها، فإن وقع الدخول وجب لها الصداق، لأن سلعتها قبل فاتت عليها، والنظر بعد هذا في الرجوع به.
وتحصيل القول فيه: أنها إما أن يكون منها الغرر أو من وليها، فإن كان الغرر منها رجع عليها بعد دفعه إليها ولم يترك لها منه سوى ربع دينار عوضًا عن الاستباحة الشرعية.
واختلف المذهب إذا غرته بعيب فلم يعلم به إلا بعد موتها، أو طلاقها، أو اختلاعها منه أو غيرها، فلم تعلم إلا بعد ذلك، فهل يقع الرجوع أم لا؟ فيه قولان المشهور ألا رجوع على المعيب
منهما بما أخذ، ولو مات أحدهما توارثا، وكان لها الصداق، قاله مالك في الواضحة وكتاب محمد.
وقال سحنون: يتراجعان فيما بينهما، وللزوج أيضًا أن يرجع على من غره ولو بعد الموت والطلاق والخلع والأول أشهر، وكأنه جعله من باب التفويض.
وقال سحنون: أصح في القياس لأنه حق أوجبته الأحكام فلا يتغير، وأما إن كان الغرر من قبل الولي فلا يخلو أن يكون قريبًا ممن يظن به علم ذلك كالأب والأخ ونحوهما، أو بعيدًا كابن العم والمولى والرجل من العشيرة، فإن كان قريبًا يظن به علم ذلك فلا يخلو أن يكون غرره بالقول أو بالفعل فإن كان بالفعل فقولان المشهور اللزوم والرجوع عليه، وقيل: لا يرجع عليه، وإن غر بقوله لا بفعله فقولان: أحدهما: لا يرجع عليه، والثاني: يرجع عليه وهو ظاهر الروايات، واختلف في فروع:
الأول: إذا كان قريبًا ممن يظن به علم بحيث يعلم أنه يخفى خبرها، فالمشهور عن مالك أنه لا غرم عليه وهو رواية ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم عنه، وروى أشهب أن عليه الغرم، وإن كان غائبًا لا يعلم وهو بعيد في النظر، وهل يستحلفه الزوج على نفي العلم فيه قولان، فروى ابن حبيب عن ابن القاسم أنه يحلف بالله أنه ما علم به، وقيل: لا يحلف ومبناه على الخلاف في أيمان التهم.
الفرع الثاني: إذا حلف الولي القريب الغيبة على نفي العلم على مقتضى رواية ابن حبيب عن ابن القاسم، ففي رجوع الزوج على الزوجة بعد أن استحلف الولي روايتان أحدهما: أنه يرجع عليها لأن يمينه لا يقتضي إسقاط حقه عنها بل عن الولي روايتان أحدهما: أنه يرجع عليها لأن يمينه لا يقتضي إسقاط حقه عنها بل عن الولي فقط، وقيل: لا يرجع، لأنه حق قد استحلف على أصله.
الفرع الثالث: إذا كان له الرجوع على الولي فكان فقيرًا، هل يرجع على الزوجة إن كانت موسرة بناء على أنهما غريمان أم لا؟ بناء على أن الولي هو الغار فهو الغريم، حقيقة فيه قولان، وكذلك اختلف هل يتبع أولهما أو
أيسر، أو يطلب يسر الولي الغار فقط، فيه قولان عندنا مبنيان على ما ذكرناه هل هما غريمان أم لا؟ وأما إن كان الولي بعيدًا كابن العم، والرجل من العشيرة والمولى، فلا يرجع الزوج عليه، ويرجع على الزوجة، ويترك لها ربع دينار، وإذا وجب له الرجوع على الولي حيث يوجبوه، فهل يترك الزوج له ربع دينار أم لا؟ فيه قولان، فقيل: يترك كما يترك للزوجة ملاحظة لعوض الاستباحة، وقيل: لا يترك، لأن عوض الاستباحة حاصل للزوج وجوب الغرم على الولي أمر اقتضته الأحكام من جهة الغرور وهل للزوج أن يستحلف الولي الأبعد الذي لا رجوع له عليه على نفي العلم أم لا؟ قال ابن المواز: لا يمين له عليه، وقال ابن حبيب إن اتهم، وإلا فلا شيء عليه، فإذا غرم الولي بسبب غروره، فانظر هل يرجع الولي على الزوجة أم لا؟ ومقتضى القياس أنه يرجع ويترك لها ربع دينار فقط، لأن معوضها لا يستحق عوضًا.
قوله: «ولا خيار له فيما سوى ذلك من العيوب» هذا كما ذكره إذا لم يشترط السلامة من العيوب كلها شرطًا مقصودًا صريحًا، فإن اشترط ذلك وجب الوفاء بشرطه كما قدمناه.
قال القاضي -رحمه الله-: «وتستحب المتعة لكل مطلقة إلى قوله: ونكاح المريض».
شرح: قد تقدم الكلام في هذا الفصل بما يغني عن إعادته فأشبه الرجعة إن لم يرتجع فإن ارتجع قبل انقضاء العدة فلا متعة لها، ولو كان الطلاق بائنًا فهي إذا كان لها المتعة، فهذا نص الروايات.
قوله: «وتجب النفقة للزوجة بالعقد والتمكين» إلى آخره.
النفقة على
الزوجات بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ الآية [الطلاق: 7].
وقال تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن﴾ الآية [البقرة: 233]، وأما السنة فقوله -عليه السلام- لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) والأحاديث في ذلك كثيرة، والإجماع منعقد عليه، لأنه من الحقوق المقتضاة، وبإمكان الاستمتاع بمثلها، أما التمكين فاحترازًا من الناشز، وقد اختلف العلماء في وجوب النفقة على الناشز، وفي المذهب في ذلك قولان أحدهما: وجوب النفقة لها، والثاني: سقوطه، وتحصيل القول في ذلك: أن المرأة إما أن يظهر منها التمكن أو الاستمتاع، أو أشكل الأمر ولا يظهر منها تمكن ولا امتناع، استحقت النفقة لشرطها على خلاف، وإن أظهرت الامتناع وعدم التمكن فلا نفقة لها، وإن لم يظهر منها تمكين ولا امتناع فهل يتنزل منزلة المتمكنة أو الممتنعة فيه قولان في المذهب المشهور: الامتناع بعد التمكن، والمشهور من المذهب سقوط النفقة بالنشوز بعد التمكن إجراء لها مجرى المعاوضة، لأنها إنما وجبت عوضًا عن الاستمتاع فقط فيسقط بالمنع منه، ومن رأى أنها مستحقة بالزوجية وهي ثابتة أوجبها كوجوبها للمريضة والمجنونة، والنشوز منع الوطء والاستمتاع، والخروج بغير إذنه نشوز.
قال في كتاب محمد: إذا أسخطت المرأة فخرجت بغير إذنه وأبت أن ترجع وأبى أن ينفق عليها حتى ترجع فأنفقت من عندها.
قال مالك: فلها إتباعه بالنفقة وهذا يدل على وجوب النفقة للناشز، وكذلك إذا حلف بطلاقها إن أرسل إليها حتى تأتي بنفسها فعليه النفقة ما أقامت، وهذا يدل على وجوب النفقة للناشز، لأن له أن ينقلها كرهًا، واختار اللخمي إذا عجز عن ردها فلا نفقة.
وأما البلوغ فاحترازًا من الصغير، وتحصيل القول فيه: أنهما إن كانا بالغين وجبت النفقة، وإن كانا غير بالغين ولا مطيقين للوطء البتة لصغرهما فلا نفقة، وإن بلغ ولم تبلغ، فإما أن تطيق الوطء، أو لا، وإن لم تطق الوطء فلا نفقة لها البتة، وإن طاقت على الوطء فلها النفقة.
وإن بلغت الحلم ولا القدرة على الوطء فلا نفقة عليه وإن كان قادرًا على الوطء، وجبت عليه النفقة وإن لم يحتلم.
قوله: «وإمكان الاستمتاع» تحرزًا من المريضة التي بلغت السياق ونحوها مما لا يمكن الاستمتاع، ففي وجوب النفقة لها خلاف، المشهور وجوبها، واستحسان سقوطها بناء على تحقيق معنى المعاوض.
قوله: «والاعتبار بحالهما» فهذا مذهب مالك في النوع والقدر والزمان ستة أشهر والجمعة للجمعة وهو ما ينوي.
وروى أنه قدر بالمد، وقدر غيره من أصحابه بالمد والثلث.
وروى عن ابن القاسم أنه قال: يفرض لها في الشهر وبيتان ونصف إلى ثلاثة وبيات، قال ابن حبيبة: والويبة اثنان وعشرون مدًا بمد النبي -عليه السلام-، والمد المعتبر عند الجمهور الوسط من الشبع من البر أو الشعير أو الذرة أو التمر على حسب الأحوال، والأشخاص، وبحسب اختلاف البلدان، وكذلك يفرض لها من القوت والإدام ما لا يستغنى عنه، وكذلك آلات الطبخ مما لا يستغنى عنه.
قال علماء المالكية: الواجب على الزوج للزوجة حقوق الطعام والإدام ونفقة الخادم لمن
يستحق منصبها الخدمة والكسوة والآلات النظيفة كالحناء والمشط والكحل والسكنى، ويزاد على المهر بقدر ما يحتمل حاله، وعلى الجملة فالمقصود من ذلك ما يقيم الاو.... في حق المعسر، وهل يقضى على الموسر بالزائد على مقار القوت أم لا؟ فيه قولان المشهور اختبار ذلك.
قوله: «ويخدمها كفايتها» وهذا هو المشهور إذا كانت ممن لا يخدم مثلها، وإذا كان معسرًا فليس عليه إخدامها، وإن كانت ذات قدر وشرف، وعليه الخدمة الباطنة كالعجين والطبخ والكنس والفرش وعمل البيت كله، واستقاء الماء إذا كان معها، وهل يقضى عليها بلباسها الحرير، إن كانت مما يليق بها أم لا المنصوص أنه لا يلزم.
وقال ابن القصار: يلزم إذا اقتضاه الحال، وهل يقضى عليه بخادمين فأكثر إذا كان حالهما يقتضي ذلك أم لا؟ فيه قولان، فقيل: يقضى عليه بذلك، وهي رواية أصبغ، وروى سحنون عنه أنه لا يفرض لها إلا نفقة خادم واحد.
قال أصبغ: ولو ارتفع قدرها جدًا مثل بنت السلطان الأعظم لرأيت أن يزاد في عدد الخادم إلى الأربع والخمس ويلزم الزوج الإنفاق عليهن، وإخراج زكاة الفطر عنهن، وهل تطلق عليها بالإعسار الخادم قياسًا على النفقة أم لا؟ قولان فيه، المشهور أنها لا تطلق لذلك، والشاذ أنها تطلق لأنهما من باب واحد في اللزوم.
قوله: «إلا أن تتزوجه عالمة بفقره، وأنه متكفف لا مال له» وهذا كما ذكره، وفي هذه الصورة قولان: المشهور أن لها القيام وإن دخلت على فقره لما ترجوه من انتقال حاله، والثاني: أنه ليس لها ذلك، إذ قد رضيت به أولًا.
فرع: هل يجوز له أخذ الثمن من الطعام أم لا؟ فيه قولان، أحدهما: المنع، لأنه من بيع الطعام قبل قبضه، والثاني: الجواز، لأنه معروف فجاز فيه ذلك كالطعام الثابت من قرض.
فرع: إذا خاصمت المرأة زوجها فأبى إلا مقاصتها بذلك من دين له عليها لزمها ذلك إن كانت موسرة، وإن كانت معسرة لم يلزمها ذلك.
قوله: «ولها في غير ذلك أن تفارقه مع الإعسار» قلت: الأصل في ذلك قوله النبي -صلى الله عليه وسلم-: (والزوجة تقول له أنفق علي أو طلقني) الحديث.
واختلفوا في ضبط العجز عن النفقة الذي به يكون الطلاق لها.
وتحصيل القول فيه: أن العجز عن القوت مطلقًا، أو ما يسد مسدها، ويبقى رمقًا يوجب للمرأة، واختلفوا في قدر ما يسد الرمق، هل يقع لها الخيار مع وجود القدرة عليه على قولين حكاهما الإمام وغيره.
قال ابن حبيب: إذا لم يعجز عن الخبز وحده، وما يواري عورتها من غليظ الكتان لم يفرق بينهما غنية كانت أو فقيرة شريفة، أو وضيعة.
قوله: «بعد ضرب الأجل» اختلفوا في مقدار التلوم.
فقال أصبغ: إن لم يطمع له بمال فالشهر، وإن طمع له بمال فأكثر من ذلك.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب الشهر والشهرين.
وقال محمد بن المواز: الذي عليه أصحاب مالك في ذلك الشهر ونحوه.
وفي المبسوط يؤخر اليوم ونحوه مما لا يضر بها في الجوع، وقيل: يضرب لها الإمام من غير تحديد،
وهذا هو الأصح، وهو بحسب اجتهاد الحاكم في حال الزوج، ولا تطلق عليه عن النفقة لما مضى من الزمان، لأن ذلك من الديون المستقرة في ذمته، وكذلك لا تطلق من الصداق بعد الدخول ولو أعسر به قبل الدخول لكان لها أن تطلق نفسها بعد تلوم السنة والسنتين بحسب حاله إذا أجرى النفقة، وإن لم يقدر على إجراء الإنفاق فالشهر ونحوه.
قوله: «وطلاقه رجعي» قلت: إنما وقع بسبب فينتفي بانتفائه، والرجعة موقوفة على اليسر وله الرجعة بوجود ما لو وجده أولًا لم تطلق عليه، فمن كان حاله يقتضي أن يفرض عليه الشهر بالشهرين رجع إذا أيسر بوجود نفقة الشهر، وكذلك من وجد نفقة الجمعة إذا كان حاله يقتضي ذلك، وكذلك إذا لم يجد إلا عيش يوم أو يومين، فله الرجعة إلا أن يكون ممن لا يفرض عليه ذلك.
واختلفوا هل تطلق الزوجة على زوجها الغائب الذي لا يوجد له مال ينفق عليها منه أم لا؟ على قولين للمتأخرين: المشهور أنها تطلق رفعًا للضرر وهو أصل المذهب.
قال الشيخ أبو الحسن: لا يفرق على الغائب لأنه لم يستوف حجته.
قال القاضي -رحمه الله-: «ونكاح المريض المخوف عليه» إلى قوله: «وأما الصهر».
شرح: اختلف المذهب في نكاح المريض والمريضة على ثلاثة أقوال: المشهور أنه غير جائز، وروى مطرف عن مالك إجازة ذلك جملة من غير تفصيل، والقول الثالث التفصيل، فإن دعته إلى ذلك ضرورة، واقتضته الحاجة وإلا فلا.
وسبب الخلاف أصلان، الأول: اختلافهم هل النكاح من باب الترفهات منعه، لأن في ذلك إدخال وارث، ولذلك منعنا نكاح المريض، وقلنا: إن
طلاقه له يقطع الميراث جملة من غير تفصيل، والأصل الثاني: أن الصداق لا يعلم هل يستحق من الثلث أو من رأس المال.
وإذا فرعنا على ما قلناه، فهل يكون الصداق من رأس المال، أو من الثلث، فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من رأس المال كضروراته التي يحتاج إليها من النفقة على نفسه في مرضه.
الثاني: أنه من الثلث كالوصايا.
الثالث: أن الصداق المثل منه من أصل المال، والزائد على ذلك وصية فجعلت الثلث، ولهذا اختلفوا إذا تزوج هل يبدأ الزوج بصداقها إذا طلق من الثلث أم لا؟ وفيه قولان، فقيل: يبدأ لأنه عوض عن استهلاك البضع وقيل: لا يبدأ إجراء له مجرى الوصايا المتساوية.
وحكى الشيخ أبو عمران إجماع أصحابنا على أن الصداق من الثلث.
وحكى الشيخ أبو الحسن عن المقبري أنه من رأس المال.
ووقع في كتاب المقبري أنه من الثلث، فنقل الشيخ أبو الحسن عنه في ذلك مضطرب.
وحكى بعض الأشياخ أن يكون ربع دينار منه رأس المال، وما زاد فيزاد عليه من الثلث فاختاره أبو محمد عبد الحق.
وإذا قلنا بإبطاله فلا صداق لها ما لم تدخل، فإن دخل بها فلها المسمى إن كان صداق مثلها، والمشهور أن لها المسمى كاملًا مطلقًا، وهو قول مالك وأكثر أصحابه من الثلث لا من رأس المال كما ذكرنا احتياطًا على الورثة، ولهذا اختلفوا إذا تزوج في مرضه من لا يرث كالأمة، النصرانية، واليهودية، فقال: لا يصح ذلك لوجهين.
الأول: طرد القاعدة فلا تنقض بالصور النادرة.
الثاني: اعتبار
الطوارئ لجواز تغيير حالهما بالإسلام والعتق، وقيل: يصح نكاحه لهاتين نظرًا إلى العلة، وتغليبًا لحق الورثة لأنه ليس العقدة، وقد خرج الشيخ أبو الحسن والقاضي أبو محمد وغيرهما الخلاف فيه هل هو فاسد لعقده، أو لحق الورثة على روايتين، وثمرة ذلك إذا صح قبل الفسخ، فقال ابن القاسم: هو صحيح لا يفسخ، وهو قول ابن الماجشون، وقيل: يفسخ وهو قول ابن عبد الحكم، وفي رواية أخرى عن ابن القاسم مبنية على ما ذكرناه، وحكى القاضي في التلقين روايتين.
قوله: «ولا نكاح المولى عليه إلا بإذن وليه» يعني: المحجور، لأن ذلك نظر في مال وبضع، والمحجور معزول عن النظر في ذلك، وقد ذكرنا الخلاف في البالغ السفيه هل يجيره أبوه، أو وصيه، على النكاح أم لا؟ والمشهور أنه يجبر وقال عبد الملك: لا يزوجه من ولي عليه إلا برضاه.
فرع: لو تزوج اليتيم بغير إذن وليه، فالولي بالخيار بين الإجازة والفسخ، فإن لم يعلم وليه حتى مات أحدهما، فهل يقع التوريث بينهما أم لا؟ فيه خلاف، فروى أصبغ عن ابن القاسم أنهما يتوارثان ويمضي الصداق، لأن النظر قد فات بالميراث، وقيل: لا يتوارثان وترد ما أخذت من الصداق، واختلفوا هل يترك لها ربع دينار لاستحلال البضع أم لا، حفظًا لمال المحجور عليه، وروى عن ابن القاسم أنه إن مات المحجور عليه فلا ميراث لها منه، وإن ماتت الزوجة فالخيار للولي أن يجيز النكاح، فيستحق الميراث، ويغرم عنه الصداق، أو يرد النكاح، ولا ميراث ولا صداق حينئذ، وهو قول
مطرف، وابن الماجشون.
وروى عن أصبغ أنه إن مات الزوج وردت كل ما أعطاها إلا ربع دينار أصابها، ولم ترثه، وقيل: يزاد الشريفة على ربع دينار أصابها بحسب الاجتهاد، وروى ذلك عن ابن القاسم.
قوله: «ولا يجوز استباحة الفرج في الشرع» إلى قوله: «وأما الصهر» وهذا كما ذكره والانحصار في الوجهين إجماع، وكلام القاضي في هذا التقسيم جامع.
قوله: «إلى غير المرأة» فيه تجوز، لأن الحكم لا يعلق بالأعيان بل لمعان فيها، فقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: 23] إشارة إلى تحريم فعل فيها هو الوطء أو نحوه من أنواع المحرمات، فإذا أضيف الحكم إلى العين فهو في المعنى متعلق بمعنى في العين، وكذلك قول الشارع حرمت الخمر، فالمراد شربها، والانتفاع بها، وقد قيل في هذا النوع من الخطاب أنه مجمل، والصحيح خلاف ذلك، ثم تكلم على الأعيان السبع.
قوله: «فتدخل في ذلك الأم دينة وأمهاتها» هو إشارة إلى إطلاق اللفظ لغة أو شرعًا، ولهذا انعقد الإجماع على أنها إذا ولدت من الزنا لم يحل لها نكاح ولدها لغة وشرعًا.
وقوله: «والبنت اسم لكل أنثى لها عليها ولادة» وهذا كما ذكره ثابت بالإجماع في ابنة الصلب وبناتها وبنات الأبناء وإن نزلن، وإنما اختلف العلماء في نكاح الزاني للمخلوقة من مائة فالمشهور من مذهب مالك أن نكاحه لها حرام.
وأجازه عبد الملك بن الماجشون وحكاه القاضي أبو الحسن بن القصار، وقال سحنون: قول ابن الماجشون خطأ صراح، وما علمت من قاله من أصحابنا اعتمادًا على ما ذكرنا من أن الأم في الزنا أو ولدها أخوها، وسيجيء الكلام في الزاني بأم المرأة هل يقتضي فراق المرأة أم لا؟
قوله: «وأما الرضاع فإنه يكسب من وجوبه من الاسم ما يكسبه النسب» وهذا كما ذكره لقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ [النساء: 23] وقوله -عليه السلام-: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
قال القاضي -رحمه الله-: «وأما الصهر فأربعة» إلى قوله: «وأما التحريم».
شرح: التحريم بالصهر ثابت في هذه الأربعة بإجماع المسلمين، أم المرأة والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم﴾ [النساء: 22] وحليلة الابن والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ [النساء: 23] وإنما قيد سبحانه بالوصف تحرزًا من ادعائه بالتبني، وقد فصل القاضي الكلام في ذلك فنتبعه.
قوله: «فأم المرأة تحرم بمجرد العقد الصحيح»: أجمع المسلمون على تحريم الاثنين من هؤلاء الأربع بنفس العقد وهما: زوجات الآباء والأبناء تمسكًا بمقتضى اللفظ لقوله تعالى: ﴿ولا تنحكوا ما نكح﴾ والمراد به العقد كقوله تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ [الأحزاب: 49] وقوله: ﴿وحلائل أبنائكم﴾ وهي بالعقد تسمى حليلة، وأجمعوا على أن البنت لا تحرم إلا بالدخول بالأم اعتبارًا باشتراطه في نص الآية، واختلفوا في الأم، فذهب فقهاء الأمصار على أن العقد على البنت يرحم الأم.
وروي عن علي بن أبي طالب، وابن عباس أن الأم لا تحرم إلا بالدخول بالبنت كالبنت التي لا تحرم إلا بالدخول بالأم، وسبب الخلاف اختلافهم في التقييد بالوصف هل يعود إلى المتقدم أو إلى المتأخر وهو أقرب مذكور.
قال
تعالى: ﴿من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ [النساء: 23] هل يعود هذا التقييد بالوصف إلى البنات فقط، أو على البنات والأمهات هذا مورد الخلاف والجمهور على أنه يعود إلى الأخير لأنه أقرب، ويؤيده ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أيما رجل نكح امرأة ودخل أو لم يدخل فلا تحل له أمها).
قوله: «بمجرد العقد الصحيح» تحرزًا من العقد الفاسد.
وتحصيل القول في العقد الفاسد لا يخلو أن يكون مجمعًا على فساده أو مختلفًا فيه، فإن كان مجمعًا على فساده كنحاح الخامسة، والنكاح في العدة، ونكاح التحليل، ونكاح السر ونحو ذلك.
ففي المذهب قولان: المشهور أن التحريم لا يقع به، وهو مذهب مالك ورواية ابن القاسم.
والقول الثاني: وقوع التحريم به مراعاة للعقد، وإذا وقع التحريم بالزنا على أحد القولين فالعقد (... ) لعقود الشريعة أو بالتحريم، وإن كان مختلفًا في فساده، وقد وقع التحريم.
قال ابن القاسم: كل نكاح لم يكن حرامًا في كتاب الله -عز وجل- ولا حرمه رسول الله، وقد اختلف الناس فيه، فهو عنده يحرم كما يحرم النكاح الصحيح الذي لا اختلاف فيه وهو الذي سمعت عمن ارتضي، قلت: وهذا الكلام يقتضي وقوع الخلاف فيه حينئذ، وأجرى أبو الحسن اللخمي الخلاف فيه
فمنهم من أوقع التحريم، ومنهم من لم يوقعه، والمذهب ما ذكرناه.
قوله: «في الدخول وما دونه» قتل: لا خلاف أن الوطء ينشر الحرمة، وأما مقدمات الوطء إن كان للذة من بالغ فلا خلاف عندنا أنها كالوطء اعتبارًا بالمعنى لأن التلذذ بما دون الوطء في معنى الوطء إذ لا مقصود من الوطء للذة، وهي حاصلة في المقدمات فإن كانت لغير لذة فإنها لا تنشر الحرمة.
واختلف المذهب في فروع، من ذلك اللمس إذا كان للذة من الرجل البالغ هل تنشر الحرمة أم لا؟ فيه قولان في المذهب المشهور وقوع الحرمة.
وقال داود والشافعي والمزني وجماعة من أهل العلم: لا يحرمها إلا الوطء وقوفًا مع النص.
قوله: «استمتاعًا مباحًا أو بشبهة» أما الاستمتاع المباح فظاهر وهو المستحق بالعقد الصحيح، قوله: «أو بشبهة» يحتمل أمرين: الأول: إشارة إلى الاستمتاع في العقد المكروه المختلف في فساده الذي بقيت بالدخول، وقد قدمنا حكمه.
الثاني: أن يكون إشارة إلى الوطء بالأشباه، فإنه يحرم.
قال الشيخ أبو عمران: نعلم خلافًا بين أصحابنا في وطء الشبهة أنه يحرم إلا ما روى عن سحنون فيمن مد يده إلى زوجته في الليل فوقعت على ابنته منها غالطًا أن ذلك لا يحرم زوجته.
قوله: «وفي محض الزنا روايتان»: فمذهب الموطأ لا يحرم وهو قول الشافعي، ومذهب المدونة أنه يحرم وهو قول أبي حنيفة والثوري
والأوزاعي.
قال سحنون: أصحاب مالك إلا ابن القاسم على ما في الموطأ وليس بينهم فيه خلاف وهو عندهم.
قال ابن القاسم: قال لنا مالك فيمن زنى بأم امرأته فارقها ولا يقيم عليها.
واختلف الأشياخ هل يحمل الأمر بالفراق على الإيجاب أو على الاستحباب.
وسبب الخلاف في هذه المسألة مراعاة الدلالة اللغوية، أو الدلالة الشرعية قال: لا يحرم إذ لا يسمى نكاحها شرعًا.
فرع: إذا وطئ امرأة مكرهًا هل تنشر الحرمة بوطئه ذلك أم لا؟ قال الإمام أبو عبد الله: حكم هذه المسألة يتخرج الخلاف في وطء المكره هل يعد زنا فيحد فيه أو لا يعد زنا فيسقط عنه الحد إجراء مجرى الغلط وقد وقعت هذه المسألة بالفقيه أبي بكر بن التبان وذلك أنه أراد وطء زوجته فوقعت يده على ابنتها، فالتذ.
وقد اختلف الأشياخ في حكم هذه المسألة حين وقعت، واختلف المتقدمون أيضًا فيها.
وذهب الليث بن سعيد، وابن سحنون وأبو القاسم الطائي وأبو سعيد بن أبي هشام، وأبو القاسم بن شبلون إلى أن ذلك لا يحرم عليه زوجته، وذهب غيرهم إلى أن
ذلك يحرم عليه زوجته وهو اختيار أبي إسحاق بن شعبان والشيخ أبي الحسن القابسي والشيخ أبي عمران وأبو بكر عبد الرحمن، وأبي الحسن التونسي وأبي حفص القطاني، وأبي القاسم السيوري وأبي بكر بن التبان والشيخ عبد الحميد وغيرهم من الأشياخ، وعن الشيخ أبي محمد بن زيد روايتان في هذه المسألة التحريم ونفيه، وروى عن الشيخ أبي الحسن القابسي والشيخ أبي عمر أنه يؤمر باجتناب الزوجة ومفارقتها على وجه الاستحباب لا على معنى الإيجاب، وقد ألف الإمام أبو عبد الله المازري في ذلك جزءًا سماه: «كشف الغطا عن لمس الخطأ» واختار فيه أن الزوجة لا تحرم عليه، واحتج عليه بأنه لا رافع للحد المستصحب في الزوجة إلا آية التحريم للمصاهرة وهي لا تناول البنت من نسائه في الحال كالزوجة ولا يصلح كالأجنبية هذا نص الإمام أبي عبد الله.
وعول الآخرون القائلون بانتشار الحرمة على التحريم بالزنا، وأنه ينشر من الحرمة على مذهب المدونة ما ينشره الوطء الصحيح، فقاسوا الوطء الأشبه على وطء الزنا، ومنهم من قاس ذلك على انتشار الحرمة بشبهة العقد، ومن الأشياخ من وقف في هذه المسألة، ولم يحكم بتحريم ولا تحليل، من الوطء المختلف فيه هل ينشر
الحرمة أم لا؟ مثل: أن يعبث الإنسان بربيبته أو بابنته، ففي انتشار الحرمة بذلك قولان مبنيان على انتشار الحرمة بوطء الحرام المحض.
فقال الإمام أبو بكر بن المنذر: اتفقوا على الوطء بملك اليمين يحرم من ذكر ما يحرم بالنكاح.
قوله: «سواء كانت الربيبة في حجر المتزوج أمها أم لا» وهذا مذهب مالك كما ذكره خلافًا لداود احتجاجًا بظاهر التقييد بالوصف في قوله تعالى: ﴿في حجوركم﴾ وقال الجمهور وهو خطاب خرج عن الغالب فلا مفهوم له.
قوله: «وأما اللعان فيحرم على التأبيد» وهذا هو المشهور من المذهب.
وروى الأبهري أن فراق اللعان كثلاث تطليقات تحل بعد زوج.
قوله: «وكذلك وطء المتزوجة في عدة بنكاح أو ملك» وهذا هو أيضًا المشهور في المذهب وفيه عندنا أربعة أقوال في المذهب، الأول: التحريم وإن لم يطأها.
الثاني: لا تحريم وإن وطئ.
الثالث: التحريم إن وطئ.
قال القاضي -رحمه الله-: «وأما التحريم غير التأبيد» إلى آخر الفصل.
شرح: ذكر في هذه المسألة ستة عشر قسمًا، الأول: أن تكون المرأة ذات زوج وهذا تبين في التحريم.
الثاني: أن تكون في عدة، والتحريم أيضًا في هذه الصورة بين لما يؤدي الحال في ذلك من اختلاف الأنساب المناقض لحكم الشريعة.
الثالث: أن تكون مستبرأة من غير الناكح، وقع فيه روايتان: أحدهما: مستبرأة مأخوذ من الاستبراء الذي هو فسخ العدة والعقد على المستبرأة كالعقد على المعتدات سواء في التحريم.
والرواية الثانية: مستبرأة
مأخوذ من الريبة، وحكم المستبرأة انتظار زوال الريبة، وسنفصل ذلك بعد.
قوله: «من غير الناكح»: تقييد لازم، لأن استبراءها من غير الناكح مظنة لاختلاط الأنساب.
وأما الناكح فالماء ماؤه أولًا وآخرًا.
قوله: «أو حاملًا حملًا لا يلحق به» يريد لا يلحق بالناكح، لأنه ليس له.
قوله: «كان لاحقًا بالواطئ»: يريد إذا كان الوطء مما يلحق فيه النسب بنكاح أو ملك وغير لاحق كالزنا.
الرابع: أن يكون أحدهما مرتدًا وهو كما ذكره لأن ارتداد أحد الزوجين سبب فسخ النكاح، ووقوع التحريم.
واختلف المذهب هل يفسخ بطلاق ولو ارتد إلى دين زوجته اليهودية أو النصرانية.
قال ابن القاسم: تقع الحرمة بينهما كما لو كانت مسلمة.
وقال أصبغ: لا يخلي بينه وبينها ولا تحرم عليه إن عاد إلى الإسلام، ولو رفع زوجته المسلمة إلى الحاكم، وادعى أنها ارتدت وأنكرت قضى عليه بالفراق لمقتضى إقراره.
قاله سحنون، واختلف إذا رجع المرتد إلى الإسلام وزوجته في عدتها فقال ابن الماجشون، وسحنون، والمخزومي: هو أحق بها كالمشرك.
وقال ابن القاسم: لا رجعة له البتة.
الخامس: أن تكون المرأة كافرة غير كتابية وهذا لأن نكاح الكافرة غير الكتابية لا يجوز، فإذا كان العقد على ما لم يترتب عليه مقتضاه.
السادس: أن يكون الرجل كافرًا بأي أنواع الكفر كان لا يحل له وطء المسلمة مطلقًا لا بنكاح ولا بملك يمين.
السابع: أن تكون أمة كافرة وهذا كما ذكره لأن نكاح إماء الكوافر لا يجوز لقوله تعالى: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ [النساء: 25].
الثامن: أن يكون في حال الإحرام لقوله -عليه السلام-: (لا ينكح المحرم ولا ينكح).
وهذا القسم قد اختلف فيه العلماء لاختلاف الآثار فيه، ومن عول على الحديث الذي قدمناه منعه
النكاح، ومن عول على ما روى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تزوج ميمونة وهو محرم) أجازه العقد وهو قول أبي حنيفة، وروى أنه -عليه السلام- تزوجها وهو حلال.
التاسع: أن تكون المرأة أمته أو أمة ولده.
العاشر: أن يكون الرجل العبد للمرأة أو لولدها، والأمر في هذين القسمين ظاهر، لأن الملك والنكاح لا يجتمعان، فإذا كانت أمة وطئها بالملك وإذا كان عبدًا لها انفسخ النكاح لأنها تطلبه بحكم الزوجية وهو يطلبها بحكم العبودية وأمة الولد الصغير كأمته في ذلك، وانظر هل الكبير كالصغير إذ لا يجد في وطئه، أو ليس كذلك، لأنه ابن مستقل بنفسه.
الحادي عشر: إن نكاح الحر الأمة بغير شرط الإباحة على الأشهر من المذهب في أن الإباحة موقوفة على الشرطين وقد تقدم.
الثاني عشر: أن يكون جامعًا بين أكثر من أربع.
الثالث عشر: أن يكون عنده من ذوات محارمه ممن لا يجوز الجمع بينها وبينها وهذا راجع إلى صفة العقد وسنذكره بعد.
الرابع عشر: أن يكون أحدهما مريضًا وقد قدمنا الكلام في نكاح المريض.
الخامس عشر: نكاح من ركنت إلى غيره لقوله -عليه السلام-: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه) وهذا أيضًا راجع إلى صفة العقد، ويجوز أن يرجع إلى صفة الزوجة.
السادس عشر: أن يكون العقد يوم الجمعة والإمام على المنبر وهذا خارج على الضابطين الأولين لأن الفساد فيه من جهة الزمان لورود النهي عن البيع حينئذ، وفي معنى البيع جميع المشغلات وإن رددناه إلى أحد الضابطين ففيه مسامحة.
قال القاضي -رحمه الله-: «ولا يجوز العقد على معتدة» إلى قوله: «وإذا أسلم الكافر».
شرح: الأصل في منع العقد على المعتدة ومنع التصريح بخطبتها قوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم﴾ [البقرة: 235] إلى قوله: ﴿حتى يبلغ الكتاب أجله﴾ فمنع سبحانه المواعدة والعقد، وأباح التعريض، ويتعلق بذلك مسائل.
المسألة الأولى: التعريض جائز كما ذكرنا، وهل يجوز له أن يهدي لها وليها اختلفوا فيه فأجازه بعض المالكية، قال: ولا يجوز أن يهدي لها في أيام عدتها، ومنعه الجمهور فمن أجازه رآه من ناحية التعريض، ومن منعه رآه من ناحية المواعدة.
المسألة الثانية: إذا نكحها في العدة ودخل بها وهو عالم بالتحريم، فقد اختلف في ذلك على قولين: أحدهما: أنه زان وعليه الحد، ولا يلحق به الولد، وله أن يتزوجها إذا انقضت عدتها.
والثاني: أن الحد عنه ساقط، والمهر لازم، والولد لاحق، ويفرق بينها وبينه ولا يتزوجها أبدًا حكاهما الشيخ ابن الجلاب في تفريعه، وقد قدمنا الروايات الأربع في تأبيد التحريم، وإذا دخل بها في العدة، والمعتمد عليه في ذلك قضاء عمر بن الخطاب، وبانتشار قضائه بين الصحابة -رضي الله عنهم- ووافقه ولا مخالف له، وقياسًا على الملاعن، لعلة إدخال التهمة في النسب، وعلى القاتل حيث منعناه الميراث لعلة الاستعجال.
المسألة الثالثة: اختلفوا في القبلة والمباشرة في العدة هل هي كالوطء
أم لا؟ فيه قولان عندنا.
ففي المدونة: أنها كالوطء يقع به التحريم المؤبد.
روى عيسى عن القاسم أنها لا تحرم بخلاف الوطء.
المسألة الرابعة: العدة من الوفاة والطلاق البائن سواء، واختلف إذا كان الطلاق رجعيًا فتزوج في عدتها منه فقيل: هو كالتزويج في العدة، وقيل: هو كمن تزوج ذات زوج، لأن أسباب الزوجية من النفقة والميراث وغير ذلك باقية.
المسألة الخامسة: اختلف إذا فرق بينهما بعد الدخول، وقد مضت حيضة من عدتها، فقيل: تعتد بثلاث حيض من يوم فرق بينها وبين الزوج الثاني وعدتها ذلك للموطئين جميعًا، لأن علامة الاستبراء حاصلة، وقيل: تعتد بقية العدة الأولى، ثم تعتد بعد ذلك للزوج الثاني عدة ثانية بناء على أن باب العدة عبادة، والروايتان في المذهب.
المسألة السادسة: قد تقدم أن ذكرنا أن الوطء في أيام الاستبراء كالوطء في أيام العدة وقد اختلفت الرواية فقال مالك ومطرف: سبيله سبيل من تزوج في العدة كما ذكرنا.
وقال ابن الماجشون: لا تحرم بالوطء في الاستبراء، ولو كانت مستبرأة من وطء المالك من بيع، أو هبة فوطئها في ذلك الاستبراء بملك، فإنها لا تحرم بذلك، ولا يكون حكمه حكم الوطء في العدة، وهذا مما لا يختلف فيه.
قوله: «ويجوز لمن زنى بامرأة أن يتزوجها إذا استبرأها» وهذا كما ذكره، ويجب عليه مع ذلك التوبة والاستغفار.
وفائدة هذا الاستبراء تحقق صحة النسب، لأن الماء الأول فاسد قد يمكن الحمل منه، أما الزانية المعروفة بالزنا فيكره نكاحها، لأن ذلك أنزه
للدين والمروءة وقد حرم قوم من أهل العلم نكاح العفيف للزانية، والزاني للعفيفة لقوله تعالى: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ [النور: 3] والإشارة عندنا أن الزنا طاهر إلى النكاح، ونص القاضي كراهية نكاح الكتابية وذلك بين لوجهين:
الأول: إنها تحمل ولدها إلى الكنيسة وتنشئته على الكفر.
الثاني: قذارتها بالكفر من حيث كانت لا تطهر من جنابة، ولا تتنظف تنظيف أهل الإسلام، وقد قال بعض السلف: إن نكاح الإماء المسلمات خير من نكاح الكتابيات.
قوله: «ولا يفسخ نكاح المرأة بزناها عند زوجها» وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم واستبراؤها من وطء الزاني واجب خيفة اختلاط الأنساب.
قوله: «ونكاح حرائر الكتابيات جائز»: قلت: في ظاهر كلامه تعارض لأنه جعل ذلك في قسم المكروه كتزويج المعروفة بالزنا، وجعله هذا في قسم الجائز، ومعنى كلامه أنه يكره ابتداء، فإن وقع جاز، والكراهية الأولى كراهية تنزيه لا تحريم وبكراهية ذلك قال عبد الله بن عباس وعبد الله بن الخطاب وغيرهما والدليل على جواز نكاح الكتابية قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ [المائدة: 5] والإحصان ههنا عبارة عن الحرية وأما إماء أهل الكتاب فوطؤهن جائز بالملك دون النكاح اعتبارًا بالتقييد بالوصف من قوله تعالى: ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ وروى عن أشهب فيمن أسلم وتحته أمة كتابية بالتزويج قال: لا يفسخ نكاحها، واستقرأ منه الشيوخ جواز نكاح الإماء الكتابيات، وفيه نظر، لأن ابتداء العقد ليس كالتمادي على
الوطء، بعقد سابق في حال يجوز له فيه ذلك العقد، وفي نكاح المجوسية قولان عندنا، الجواز لعموم قوله -عليه السلام-: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب).
والمنع قصرًا للحديث على الجزية لأنه سبب العموم، وأجاز للرجل أن ينكح أمة أبيه وأمه، ومنع الأب أن ينكح أمة ابنه، والأم أن تنكح عبد ابنها، وذلك لأن الشبهة هي محل المنع أقوى.
قال القاضي -رحمه الله-: «وإذا أسلم الكافر» إلى آخر الفصل.
شرح: اشتهر الخلاف بين العلماء في مناكح المشركين هل هي محمولة على الصحة، أو على البطلان بناء على الخلاف هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ وتحصيل القول في ذلك: أنه إن أسلم وعنده من لو ابتدأ العقد عليها في الإسلام لجاز إقراء على النكاح، واستمر على وطئها بناء على الأشهر في صحة مناكحها.
وإن كان تحته من لو ابتدأ العقد عليها في الإسلام لم يجز، فإن النكاح يفسخ في هذه الصورة كما يفسخ لو تزوجها في حال الإسلام كذات المحرم وغيرها من المحرمات، ثم لا يخلو أن يسلما معًا أو يسبق أحدهما الآخر، فإن أسلما معًا استقر النكاح إذا خلا عن المفسدات دخل أو لم يدخل، ويقع النظر حينئذ في المهر، لا يخلو أن يكون مما يحوز التعامل به في الإسلام، ويستباح تملكه أم لا؟ فإن كان يستباح التملك وقعت المطالبة إن لم تقبض، فإن وقع التقابض فيه مضى الأمر بلا خلاف، وإن كان مما لا يجوز المعاوضة به في حال الإسلام لامتناع تملكه، فلا بخلو إما أن يقع التقابض من الطرفين أو لا يقع مطلقًا، أو يقع من أحدهما دون الآخر، فإن وقع التقابض بينهما في حال الكفر من الطرفين مضى ذلك وأقر النكاح من غير استئناف مهر، فإن لم يقع التقابض من الطرفين فالزوج بالخيار بين أمرين:
الفراق ولا شيء عليه، أو الدخول والغرم، واختلفت الروايات في الواجب عليه فقيل: المثل، لأنه أعدل، وهو المشهور، وعليه أكثر أصحاب مالك، والرواية الثانية: أن عليه قيمة المسمى عند أهل الكفر، والرواية الثالثة: أن عليه ربع دينار، وليس له أكثر من ذلك، وهو تخريج عن أشهب نظرًا إلى أن البضع ليس له قيمة محققة، إذ ليس من المبيعات، وإلى أن المسمى لا يجوز تملكه ولا بيعه، فلا يجوز تقويمه، فلم يبق إلا ربع دينار الذي هو عوض عن البضع شرعًا للتغرير، وإن وقع القبض من أحد الطرفين فذلك يتصور على وجهين، أحدهما: أن يكون قد قبض البضع بالدخول ولم تقبض المرأة شيئًا حتى وقع الإسلام فالخلاف جاز فيما تستحقه، فقيل: صداق المثل، وقيل: قيمة المسمى، وقيل: ربع دينار على اعتبار الأوجه المذكورة.
الثاني: أن تقبض في حال الكفر ولا يقبض الزوج البضع بالدخول فهل يكفي المرأة ما قبضت في حال الكفر أو لابد من تجديد عوض الإسلام، فيه روايتان عندنا أحدهما: أن على الزوج أن يغرم ثانية بناء على بطلان ما أخذت في حال الكفر.
والرواية الثانية: أنه لا شيء لها اعتبارًا بصحة ما قبضت، وإذا قلنا: بالغرم فهو صداق المثل على الأشهر وهو نص المدونة.
وقال ابن عبد الحكم صداق المسمى، وقال أشهب: ربع دينار.
وإن أسلم أحدهما قبل الآخر فلا يخلو أن يسلم الزوج قبل الزوجة أو بالعكس.
فإن أسلم الزوج قبل الزوجة فلا يخلو أن تكون المرأة مجوسية، أو كتابية فإن كانت حرة كتابية وقع الاستمرار على النكاح كما لو أراد ابتداء العقد عليها، وإن كانت أمة كتابية فهل يفسخ النكاح، لأن نكاح الأمة الكتابية لا يجوز، أو لا يفسخ رعيًا للخلاف فيه قولان، وكذلك اختلف المذهب إذا كانت مجوسية، فقيل: يفسخ نكاحها، إذ لا تحل مناكحة المجوس، وقيل: لا يفسخ لعموم قوله -عليه السلام-: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) وقصره الأولون على الجزية فقط، وإن كانت المرأة وثنية أو غير ذلك من أنواع الكفر غير المستباح
نكاحهم، فأسلم الزوج قبل الدخول أو بعده عرض عليها الإسلام، فإن أسلمت وإلا فرق بينهما.
واختلف العلماء في مدة العرض فقيل: ثلاثة أيام كالمرتدة، وقيل: يعرض عليها حال إسلامه، فإن أبت الإسلام وقعت الفرقة ولو غفل عنها، ولم يعرض عليها الإسلام حتى مضى الشهر ونحوه.
قال ابن القاسم: ليس الشهر بكثير، ويقر النكاح إن أسلمت في هذه المدة، وقيل: يقر وإن أسلمت بعد شهرين، وقيل: تقع الفرقة بينهما إذا لم تسلم في الحال، وهذه الروايات الثلاثة واقعة في المذهب، والمشهور أن ما قرب الشيء فله حكمه، وإذا وقعت الفرقة في هذه المسائل فهل هي فسخ أو طلاق، مذهب الكتاب أنه فسخ بغير طلاق وهذا اختيار ابن المواز وغيره، وفي العتبية عن ابن القاسم هي طلقة بائنة، وفي الآثار: أن أبا سعيد أسلم بين الظهرين قبل زوجته هند بنت عتبة ثم رجع إلى مكة وهند كافرة فأخذت بلحيته وقالت: يا معشر قريش اقتلوا هذا الشيخ الضال، ثم أسلمت بعده فثبتا على نكاحهما.
وأما إن أسلمت المرأة قبل الزوج فلا يخلو أن يكون قبل الدخول، أو بعده، فإن كان قبل الدخول فرق بينهما، وإن كان بعد الدخول فمذهب مالك أنه أحق بها إن اسلم في عدتها اعتمادًا على حديث صفوان بن أمية أن زوجته
ابنة الوليد بن المغيرة أسلمت قبله، ثم أسلم هو فأقره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على نكاحه، وكان بين إسلام صفوان، وإسلام امرأته نحو من الشهر.
وقال ابن شهاب: «ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى الله ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدتها» وههنا فروع.
الأول: المرتد إذا رجع إلى الإسلام في عدة زوجته، فقال سحنون والمخزومي: هو أحق بها كالكافر.
وقال ابن القاسم: الارتداد يوجب طلقة بائنة لا يكون للزوج بعدها رجعة بإسلامه في عدتها وهي رواية ابن أبي أويس وابن الماجشون.
ولو تنصر يهودي أو تهود نصراني فهل هي ردة توجب الاستتابة، أو القتل؟ المشهور أنه يعرض إليه، لأنه خرج من باطل إلى باطل، ويقتل بخروجه عن العمل الذي انعقد به.
قال أصبغ في كتاب ابن حبيب: إذا ارتد الزوج إلى دين زوجته اليهودية أو النصرانية لا يخلى بينه وبينها، ولا تحرم عليه إن عاد إلى الإسلام.
وقال ابن القاسم: تقع الفرقة بينهما كما لو كانت مسلمة.
وروى سحنون عن أبيه في المسلم يرفع زوجته المسلمة إلى الحاكم يدعي عليها أنها ارتدت عن دينها فتنكر أن الحاكم يفرق بينهما لإقراره بارتدادها، وذلك يقتضي عليه بفسخ نكاحها.
وقول القاضي -رحمه الله-: «وإن أبت انفسخ النكاح في الحال كان قبل الدخول أو بعده» تنبيهًا على مذهب المخالف، لأن مذهب الشافعي أن الإسلام الناجز في العدة يوجب ثبوت النكاح، فإذا أسلمت المرأة
قبل الزوج فهو أحق بها إن أسلم في العدة، وإن أسلم الرجل قبل المرأة، أو المرأة قبل الرجل، فإن النكاح يثبت إذا وقع الإسلام في العدة فلا فرق بين اعتبارين أن يسلم قبل المرأة، أو تسلم المرأة قبله، وذلك كله لا يتصور إلا بعد الدخول، إذ لا عدة على غير المدخول بها والله الموفق.
وعدد القاضي -رحمه الله- المجوس والصابئين أنواع الكفر.
قال علماؤنا: الكفر ثلاثة أصناف: قسم يجوز نكاح أحرار نسائهم بلا خلاف وهم أهل الكتاب، وقسم لا يجوز نكاح نسائهم بلا خلاف، وهم ما عدا الكتابيين والمجوس، وقسم به خلاف وهم المجوس فهل يجوز نكاح نسائهم.
لعموم قوله -عليه السلام-: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)، أو لا يحل قصر الحديث على الجزية فقط وقد قدمناه.
قال القاضي -رحمه الله-: «ومن أنواع التحريم» إلى قوله: «وأما الراجح إلى العدد».
شرح: الأصل في تحريم الجمع بين نساء المحرمات قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تنكح المرأة على عمتها، أو على خالتها).
نبه -صلى الله عليه وسلم- على سائر المحرمات، وجعل القاضي هذا التحريم راجع إلى صفة العقد نظرًا إلى صورة الجمع التي من صفة العقد، إذ الجمع والافتراق هيئتان من هيأة العقد.
وقسم هذا التحريم قسمين: أحدهما: راجع إلى الجمع، والآخر: راجع إلى العقد، والضابط في تحريم الجمع أن كل امرأتين بينهما من القرابة والرضاع ما يمنع تناكحهما لو قدرت أحدهما ذكرًا فلا يجوز الجمع بينهما من النكاح، وذلك إذا كان من
الطرفين، احترازًا من المرأة وربيبتها، فإن الجمع بينهما جائز، ولو كانت الربيبة ذكرًا لا يجوز له نكاح المرأة لأنها امرأة أبيه، وقد قال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم﴾ فلولا اعتبار الطرفين لم يحرم الجمع بين المرأة وربيبتها لأنا إن قدرنا أن المرأة ذكر حل لها ابنة الزوج، لأنها أجنبية عنها، فلابد من ذكر هذا القيد في الضابط ففيه استدراك على القاضي حيث أهمله، وقوم يمنعون الجمع مطلقًا كان من طرفين أو من طرف واحد؛ حكاه الإمام أبو عبد الله.
وتحصيل القول فيه: إذا زوج أمًا وابنتها أنه لا يخلو أن يكون ذلك في عقد واحد أو في عقدين، فإن كان ذلك في عقد واحد فلا يخلو أن يدخل بهما أو لا يدخل بواحدة منهما، أو يدخل بإحداهما دون الأخرى فإن دخل بهما حرمتا للأبد، وإن لم يدخل بواحدة منهما فلا خلاف أن البنت لا تحرم، لأن تحريمها مشروط بالدخول بالأم، وهو غير واقع، وهل تحرم أمها لشبهة العقد أم لا؟ فيه قولان مبنيان على العقد الفاسد، هل يقع التحريم به أم لا؟ عندنا فيه قولان تقدم تذكرهما، وإن دخل بالأم حرمت البنت بلا خلاف لحصول شرط التحريم وهو الدخول بالأم، وهل تحرم الأم لشبهة العقد أم لا؟ فيه أيضًا قولان المتقدمان.
وإذا قلنا: لا تحرم ابتداء عليها نكاح جائز، وإن دخل بالبنت حرمت الأم، وهل تحرم البنت أم لا؟ فيه ما قدمناه من الخلاف، فقيل: تحرم لشبهة العقد، وقيل: لا تحرم وله أن يبتدئ عليها النكاح الجديد، وعقدًا مؤتنفًا.
وإن تزوج أمًا وابنتها في عقدين مختلفين فلا يخلو أن تعلم الأولى منهما أو لا تعلم، فإن علمت الأولى منهما وكانت هي البنت فإن دخل بهما جميعًا حرمتا عليه معًا الأم بالعقد فقط، والبنت بالدخول بالأم، وإن لم يدخل بهما لم تحرم البنت لعدم شرط التحريم فيها وهو الدخول بأمها، وتحرم بمجرد العقد على ابنتها، وإن دخل بالبنت حرمت الأم، وإن دخل بهما حرمتا معًا وهذا بين لا إشكال فيه، وإن كانت الأم هي الأولى فلا يخلو أيضًا أن يدخل بهما أو يدخل بإحداهما وهذا لا
خلاف فيه، وإن لم يدخل بهما حرمت بالعقد على ابنتها دون البنت لفقدان الشرط فيها، وإن دخل بالأم حرمتا معًا، وإن دخل بالبنت حرمت الأم فقط وهذا بين لا إشكال فيه.
واختلف في فروع:
الأول: إذا علمت الأولى منهما ببينة فقد قدمنا حكمه، فإن لم تقم هناك بينة فهل يقبل قول الزوج في ذلك أم لا؟ وروى ابن القاسم وأشهب أنه يقبل قول الزوج في ذلك.
قال محمد وهو أصوب إلا أن تخالفه الأخرى، فإن يكف، لأنه يدعي سقوط المهر.
فرع: إذا دخل على البنت قد فسخ نكاحها، وكان له أن يبتدئ العقد عليها، وحرمت عليه الأم لعقده على ابنتها، وهل يلزمه للأم شيء أم لا؟ قال القاضي إسماعيل، وأبو بكر الأبهري وغيرهما: يلزمه للأم نصف صداقها، لأن الفراق جاء من قبله وهذا هو المشهور، وقيل: لا شيء لها لأنه فسخ أوجبته الأحكام، وإن لم يعلم فلا صداق.
فرع: في معنى نكاح ملك اليمين، فلو اشترى أمة فوطئها حرمت عليه أختها وخالتها وعمتها بلا خلاف، وهو معنى قول القاضي: «ولا يجوز الجمع في الوطء بملك اليمين بين ما يحرم جمعهما بالنكاح».
قوله: «وإن كانت أمة فبإخراجها عن ملكه» وهذا كما ذكره، ونص القاضي أن بيعتها وهبتها ممن لا يعتصرها منه وتزويجها وكتابتها وعتقها المنجز أو المؤجل ليحصل له التحريم، واختلف في فروع:
الأول: إذا قال: كل أنثى وطئتها فهي حرة هل يحصل بذلك تحريمها وينزل منزلة العتق أم لا؟ المشهور من المذهب أن ذلك الإيلاء يكتفى به، ولا يحصل بها تحريمها، واستقرأ الشيوخ من المذهب وقوع
التحريم بذلك بناء على أنه لا يمكن من الوطء ولا من دواعيه.
فرع: وإذا أخدمها فإن قرب أمد الخدمة لم يحصل بذلك التحريم بلا خلاف، وإن طالت سنين الخدمة فهل يحصل بذلك التحريم أم لا؟ المشهور إنه لا يحصل بذلك التحريم، لأن إخدامها لا يمنع عموم وطئها.
وقال ابن الماجشون: إذا طالت السنون فهو تحريم.
فرع: أجمع العلماء على أن الجمع بين الأختين بملك اليمين للاستخدام جائز، وأما الجمع بينهما للوطء بملك اليمين فجمهور الأمة على تحريمه لعموم قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ [النساء: 23].
وقال عثمان: إن أباحتهما الآية إشارة إلى هذه الآية حرمتهما آية إشارة إلى عموم قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ولأنه عموم غير مخصوص ليس في موارد الأحكام وتحصيل القول في الجمع بين الأختين أنهما إما أن تكون جمعتا بالنكاح، فالإجماع منعقد على تحريمه، أو بملك اليمين للاستخدام، فالإجماع منعقد على جوازه، أو بملك اليمين للوطء، وهو كالأولى في التحريم، فإن كانت إحداهما بالنكاح، والأخرى بملك اليمين ولم يطأ واحدة منهما خير بين أن يحرم فرج أيتهما شاء ويطأ الأخرى، فإن وطئهما معًا فالتحريم، وكان عاصيًا وحرمتا عليه، وإن وطء الأمة عليه وطء الزوجة إلا بعد تحريم الأمة.
الأول: النكاح الصحيح وهو المشهور، لأن له وطء الزوجة بتحريم وطء الأمة عليه بالعقد صحيح لصحة المراد منه الذي هو الوطء، ويمكن العقد من ذلك، إذ التحريم غير مؤبد، بل هو مقدور على رفعه.
الثاني: إن عقد النكاح باطل إلحاقًا لهذا العقد على المحرمة، والصحيح أن إباحة العقد راجع إلى اختيار الناكح بتحريم الأولى، فالعقد صحيح.
الفرع الثاني: إذا قلنا: إن عقد النكاح صحيح فهل يكون نكاح الزوجة تحريم الأمة، فكأن العقد المقتضي لإباحة وطء الزوجة وهو بعينه المقتضي تحريم الأمة ترجيحًا لجانب الزوجة، أو يوقف عنهما حتى يرجح ويعين من يختار الوطء فيه قولان: أحدهما: أن بنفس التزويج تحرم الأمة ترجيحًا لجانب الزوجة كما ذكرناه.
الثاني: أنه لا يكون تحريمًا، لأن الأولى ترجيح بالتقديم، أشار إلى ذلك الإمام أبو عبد الله وغيره.
قال القاضي -رحمه الله-: «وأما الراجع إلى العدد دون الأعيان فهو الجمع» إلى آخر الفصل.
شرح: أجمع أهل السنة على أن الزيادة على نكاح أربع زوجات محرم، ولم يخالف في ذلك من أهل العلم إلا من لا يعتد به، وهذا حكم جميع الأمة.
وأما النبي -عليه السلام- مخصوص بذلك إجماعًا.
وقد قال تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: 3] ومعناه: في أحد هذه الأعداد وتقدير اثنان إن شئتم، وثلاث إن شئتم، وأربع إن شئتم، وهو تخيير في الأنواع، وروى بعضهم أن الواو بمعنى «أو» ولا يحتاج إليه، وشذ من لا يعتد به، فأجاز نكاح التسعة، وفهمه من ظاهر الآية، والحق ما قدمناه.
قوله: «وليس في ملك اليمين حد» هذا كما ذكره لا أعلم فيه خلافًا بين الأمة والبينونة تبطل الزوجية، فلذلك إذا بانت منه زوجته فله أن يتزوج ما كان يمنع الجمع بينه وبينها ولو كانت رجعية لم يجز ما دامت في عدتها لأنها تجب حكم العصمة.
قوله: «وإذا أسلم مشرك وعنده» إلى قوله: «وفارق البواقي» والأصل في ذلك حديث غيلان الثقفي حين أسلم على عشرة نسوة فقال النبي -عليه السلام-: (امسك أربعًا وفارق باقيهن) ولم يسأله عن الأوائل ولا عن
الأواخر ولا هل زوجهن في عقد واحد، أو في عقود مختلفة وأمر -عليه السلام-: (مسروق الديلمي) حين أسلم على أختين أن يختار أيتهما شاء.
قوله: «وله اختيار الأوائل والأواخر كان نكاحهن في عقد واحد أو في عقدين، أو في عقود مفترقة»، وقيل: إن تزوجهن في عقد واحد فارق جميعهن، وروى عن ابن الماجشون أنه إذا أسلم على أختين فارقهما جميعًا، ثم استأنف النكاح من أحب منهما.
ويتعلق بهذا الفصل فروع:
الأول: إذا أمسك أربعًا وفارق البواقي فهل يكون للبواقي شيء من الصداق أم لا؟ فيه قولان في المذهب، فمذهب المدونة أنه لا شيء لهن، واختلفوا فيما يكون لهن، فقيل: لكل واحدة خمس صداقها وهو قول ابن المواز، والقول: أن لكل واحدة نصف صداقها.
وجه القول: بأن لا شيء لهن أنه فسخ أوجبته الأحكام فلا يعد مختارًا في الطلاق، ووجه القول باستحقاق الصداق أنه مختار في التعيين وإن كان مقهورًا على أصل الفسخ، إذ هو من واجبات الأحكام، وهو معنى قول أصحابنا: أن من خير بين شيئين يعد متنقلًا، ومن لم يعده متنقلًا رآى أنه اختار فراق من أوجب فكأنه ما اختار قط إلا ما أمسك، ومن أفسخ نكاحه منهن فالحكم أوجب فسخه
لاختياره فيقع النظر حينئذ فيما يستحق، فوجه القول: بأن لكل واحدة خمس صداقها النظر إلى أنه فارق الجميع لا يلزمه إلا صداقان نصف صداقها لكل واحدة من الأربعة المباحة شرعًا، فإذا قسمت الصداقين على العشر كان لكل واحدة خمس صداقها.
ووجه القول الثاني: أن لكل واحدة نصف الصداق لأنه كالمطلق بناء على أن من خير بين شيئين يعد متنقلًا، فلكل واحدة نصف صداقها كالمطلقة قبل الدخول وهذا كله إذا وقع قبل الدخول فإن وقع الدخول والتقابض في حال الكفر، فقد مضى القول فيه، فيما إذا قبض أحدهما.
الفرع الثاني: إذا أسلم فمات من بعده قبل الاختيار ففيه قولان في المذهب:
أحدهما: أن عليه أربع صداقات بين جميعهن، وهو المشهور بناء على تعليل ابن المواز.
والثاني: أن عليه سبع صداقات.
ووجه ذلك: أن أربع أصدقة مختصة لأربع زوجات غير معينة فلا مقال للورثة في ذلك ويقع التنازع في التعيين بين الزوجات، والستة الزوجات الباقيات قد وقع الفراق عليهن بنفس إسلام الزوج، فلو قدرناه فارقهن لوجب لهن ثلاثة أصدقة بناء على القول بأن لكل واحدة نصف الصداق، فكذلك يجب بالفراق بالإسلام فيتعين إضافة الثلاثة الأصدقة المستحقة بالفراق، والحكم إلى الأربعة فتكمل سبع صدقات، فتقسم على عشر زوجات بالسواء لتساوي تداعيهن في التعيين إنما وقع بعد الفراق حكمًا.
الفرع الثالث: إذا حبس أربعًا فكشف أنهن أخوات فأراد رد من فارق من العشرة فله ذلك ما لم يتزوجن فهل يكون ذلك فوت أم لا؟ فيه قولان في
المذهب، أحدهما: أنه له أن يرد، وإن دخل بهن بناء على أن ذلك ليس بفوت، والثاني: أنه فوت.
قوله: «العدل بين الزوجات واجب في القسم وغيره من حقوق النكاح» وهذا كما ذكره.
والأصل في وجوب ذلك الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا﴾ الآية [النساء: 3] حرم المباح خوفًا من ترك الواجب، وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من كان له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل).
وكان -عليه السلام- يقيم بين نسائه مع أن ذلك غير واجب، ثم يقول: (اللهم إن هذا قسمي بما أملك فلا تأخذني بما تملك ولا أملك) يعني: ميل القلب، هذا مع انعقاد الإجماع على أن القسم لم يكن واجبًا عليه -صلى الله عليه وسلم- لقوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء منهن وتئوي إليك من تشاء﴾ الآية [الأحزاب: 5] إلا أنه -عليه السلام- تفضلًا منه وإحسانًا إلى نسائه -عليه السلام-، وانعقد الإجماع على وجوب العدل بين الزوجات على كل زوج مكلف، وعلى ولي المجنون أن يطوف به على نسائه.
قوله: «في القسم وغيره من حقوق النكاح»: يتعلق به صفة القسم وهو سواء بين الحرائر، فإن كان الزوجات حرائر وإماء، فهل تقع المساواة بينهن يومًا أو ترجح الحرة فيكون لها يومان، وللأمة يوم، فيه ثلاثة أقوال في المذهب المشهور: التساوي نظرًا إلى الاشتراك في سبب الواجب سواء كان الزوج حرًا، أو عبدًا، والثاني: ترجيح الحرة إذا كان الزوج حرًا لتختص الحرة، والتساوي إذا كان الزوج عبدًا، لأن الحرة لما رضيت بتزويج العبد
دخلت تحت أحكامه، والأمة من نسائه.
وحد القسمة يوم يوم وهل له الزيادة على ذلك، المشهور أنه ليس له الزيادة على ذلك إلا أن يتفق الجميع.
الثاني: أن له الزيادة على يوم إن أحب ذلك، وهذا استقراء أبي الحسن اللخمي، وإذا قلنا: ليس له الزيادة على يوم فزاد واحدة منهن فهل يحسبها رفعًا للضرر، ورجوعًا إلى أصل العدد أو يبتدئ لأن المحاسبة تتهم بفعل مبني على الجور، فيه قولان في المذهب.
ولو حاضت إحداهن فضر به فهل يسقط حقها، ويبيح له المبيت عند غيرها فيه قولان في المذهب حكاهما الإمام أبو عبد الله وغيره.
ولا خلاف في سقوط القسم إذا كان مريضًا مرضًا مخوفًا يضر به الطواف ويتعذر فيه الاستمتاع.
فإذا كان المريض خفيفًا يمكن معه الطواف ويتأتى معه الاستمتاع بقي حكم العدل على ما كان على الأشهر، واختلف المذهب في السفر، هل هو عذر يسقط القسم ويبيح له أن يسافر بمن شاء أو يجب عليه القسم فيه اختلاف في ذلك على القولين.
وفي الصحيح أنه -عليه السلام-: (كان يقرع بين نسائه إذا أراد سفرًا) وفعله حجة، وقيل: يقرع بينهن في الحج والغزو دون غيرهما من الأسفار، ويقسم النفساء والرتقاء والمجذومة والتي آلى منها، زوجها أو ظاهر.
قال في كتاب محمد: فله أن يبدأ بالليل أو النهار وهو بالخيار في ذلك.
قال القاضي أبو الوليد: الأظهر من أقوال أصحابنا أن يبدأ بالليل،
ولا يقيم في يوم إحداهن عند ضرتها، وله أن يدخل عندها لعذر من اقتضاء دين، أو علاج، أو نحوه، وله أن يقف ببابها، ويسلم من غير أني يدخل لإقامة.
قوله: «من حقوق النكاح»: يريد النفقة والسكنى والاستمتاع، وتخرج منه المحبة وسبيل القلب إذ ليس من موجبات القلب مع أنه مقدور عليه.
قوله: «ومن تزوج بكرًا فله أن يقيم عندها سبعًا»: والأصل في ذلك قوله -عليه السلام-: (للبكر سبعًا وللثيب ثلاثة أيام) وهذه لام الاستحقاق، وهل هو حق للزوج إن شاء فعله وإن شاء تركه، أو حق للزوجة لحاجتها إلى التأنيس والبسط فيه قولان في المذهب وإذا جعلناه حقًا لها جاز لها هبته، وأخذ العوض عنها، وهو أحد القولين، ففي وجوبه، أو استحبابه روايتان إحداهما: أنه واجب يقضي به على الزوج إن أباه، وقال أصبغ في كتاب محمد ويقضي عليه بذلك، وقال ابن عبد الحكم: ذلك حق على الزوج يقضى له عليه، وهل يخرج العروس إن شاء للجمعة وللجماعة أم لا فيه قولان في المذهب.
قال القاضي -رحمه الله-: «ومن غاب عن امرأته فعمي خبره، وانقطع أثره ولم يعلم حياته من موته وأضر ذلك بزوجته، فإنها ترفع أمرها إلى الإمام».
شرح: يتعلق بهذا الفصل أحكام المفقود، ولا يخلو الغائب أن يكون معلوم الموضع بحيث يمكن الكتب إليه أم لا؟، فإن كان معلوم الموضع، وأمكن الكتب إليه وطلبته المرأة بحقها في النفقة، والوطء، أو في أحدهما
كتب الإمام إليه، فإما أن يجيء، وإما أن يطلق، فإن أبى طلق عليه بعدما يرام في التلوم، وإن لم يعلم له مستقر فهو المفقود، وهو على أربعة أقسام: الأول: المفقود في بلاد المسلمين.
الثاني: المفقود في صفوف المسلمين في فتنهم بينهم.
الثالث: المفقود في الغزو.
الرابع: الأسير.
الأول: المفقود في بلاد الإسلام بحيث لا يوقف له على خبر، ولا تعلم حياته من موته فهذا له حكمان: حكم يتعلق بزوجته، وحكم يتعلق بماله، أما ما يتعلق بزوجته فلا خلاف في مذهب مالك في أنه يضرب له أربع سنين، فإن وقف له على خبر حياة، وعلمت جهته كتب إليه، فإن وصل أو طلق، وإلا طلق عليه الإمام هذا حكم زوجته.
وأما ماله فلا خلاف في المذهب أنه لا يقسم بين الورثة إلا بالتعمير.
واختلف في تعليل أهل المذهب بالتحديد بالأربعة أعوام، فقيل: لأنها غالب المسير في الأقطار الأربعة فجعل لكل قطر من أقطار الأرض سنة.
وقال أبو بكر الأبهري: إنما ضرب هذا الأجل لأنه أقصى الحمل غالبًا، ويلزم على مقتضاه التسوية بين الحر والعبد في ذلك، وقد اختلف في أجل العبد في ذلك فقيل: سنتان على شطر من أجل الحرية لأنه يؤول إلى الطلاق، وقيل: هو كالحر اعتبارًا بما ذكرناه من الجهات، أو أقصى الحمل، وذلك لا يختلف.
ومبدأ هذا الأجل الذي هو أربع سنين من يوم يعجز معرفة خبره بعد البحث، وهل تحد امرأة المفقود أم لا؟ المشهور أن عليها الإحداد بعد انقضاء الأربعة أعوام، لأنه موت حكمي.
وقال ابن
الماجشون: لا تحد امرأة المفقود لأنه طلاق وليس بموت (واستنصر به بعض).
قوله: «فإن جاء في الأجل، أو في العدة، أو بعدها قبل أن تتزوج فهي امرأته» قلت: اختلف المذهب في هذه المسالة إذا جاء المفقود بعد انقضاء الأجل عليه، على أربعة أقوال:
الأول: أنها بانت بنفس انقضاء العدة.
الثاني: تفوت بعقد الثاني عليها، وهو قول المغيرة وغيره، وروى عن مالك.
الثالث: أن الثاني أحق بها إن دخل وهو رواية ابن القاسم وأشهب، وإليه رجع مالك.
الرابع: أن الأول أحق بها، وإن دخل بها الثاني.
وجه القول الأول: أن الطلاق الواقع شرعي وانقضاء العدة بأصح من تعلقات العصمة في ذلك لحصول البينونة بانقضائها، ووجه القول الثاني: أن العقد الثاني واقع في محله فاصل بين العصمتين حقيقة، والعدة من توابع العصمة باقية في المعنى من حيث كانت من سبب الأول فلا مقابل لحقه إلا مع وجود العقد، ومن يرجح بالدخول لاحظ الاطلاع والمكاشفة التي يصيب معهما اعتبار المتقطعة مع أن الطلاق وقع على المفقود بالدخول، ومن رآه أحق بها مطلقًا، رأى أن حكم الحاكم في الظاهر فقط وهو في الحقيقة غير مطابق.
قوله: «وإن كان الأول لم يدخل بها ففي رجوعه عليها بنصف الصداق روايتان» قلت: اختلف المذهب إذا وقعت الفرقة في هذا الباب قبل الدخول
هل يقضى لها بالصداق كله في ماله إجراء له مجرى الموت بدليل الإحداد في العدة، أو بالنصف كالطلاق، ففيه قولان حكاهما الشيخ أبو القاسم.
وإذا قلنا لها ثم قدم فهل يرجع عليها بنصف الصداق، لأنه إن كان موتًا وجب لها جميع الصداق تحقيقًا، وإن قدر طلاقًا قبل الدخول وجب لها عليه نصف الصداق تحقيقًا، والنصف حكمًا رعيًا للخلاف فلا معنى لرجوعه سيما أنه سبب في إيقاع المفارقة فليس من الفسوخات الحكمية.
وههنا ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: نفقة ولد المفقود مستمرة لهم حتى يعمر، أو يثبت موته.
ونفقة نسائه مستمرة إلى انقضاء الأجل الذي هو أربعة أعوام، فإن أنفق عليها في الأجل، ثم موته قبل ذلك ردت ما أخذت من النفقة، وكذلك يرد أولاده ما أنفقوا بعد وفاته، ولا نفقة لزوجته في أيام العدة كالمتوفى عنها، لأن المال منتقل إلى الورثة حقيقة أو حكمًا.
المسألة الثانية: إذا كان له نساء فرفعت إحداهن أمرها إلى الحاكم فضرب لها أجلًا، فقال ابن القاسم: ضرب الأجل لواحدة منهن كضربه لجميعهن، فإذا انقضى الأجل تزوجن إن أحببن.
المسألة الثالثة: إذا طلقها الثاني بعد دخوله بها، وقد كان الأول طلقها