قال القاضي -رحمه الله-: «النكاح مندوب إليه» إلى قوله: «والولاية ولايتان».
شرح: النكاح لغة: هو الإدخال والإيلاج من قولهم: نكحت الحصاة أخفاف الإبل إذا أدخلت فيها، وأنكحت الأرض البدر إذا ولجته فيها.
وهو في الشرع عبارة عن الوطء نفسه حقيقة، وعن العقد مجازًا، وقيل: حقيقة فيهما من باب الاشتراك، وتحقيق معناه اللغوي يقتضي أن يكون حقيقة في الوطء وقد استعمل في كتاب الله سبحانه على الأمرين.
قال سبحانه: ﴿ولا تنحكوا ما نكح ءاباؤكم﴾ [النساء: 22] والمراد عندنا الوطء، وحد النكاح في الشريعة: استباحة البضع بعوض شرعي، ولا يخفى.
وقد اختلف الناس في حكم النكاح، فقال الجمهور: إنه ليس بواجب.
واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: 3] خير بين النكاح، أو التسري وهو ليس بواجب.
فالنكاح مثله، وحملوا الأوامر الواردة فيه على الندب كقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ [النساء: 3] وكقوله تعالى: ﴿وانكحوا الأيامى منكم﴾ [النور: 32] وحمله أهل الظاهر على ظاهره وهو الوجوب،
والتفت كثير من متأخري المالكيين إلى المصلحة، والقياس من المرسل فقسموه بحسب أقسام الشريعة فقالوا: قد يكون واجبًا في حق من يخشى العنت، وندبًا في حق من اضطره أمنه، ويرجى منه النسل، ومباحًا في حق المتعفف الذي لا يرجى له النسل، ومكروهًا في حق من اضطره إلى مكروه، ومحرمًا في حق من اضطره إلى محظور كالاضطرار بالزواج إلى اكتساب السحت وغير ذلك.
وقد تقرر في أصول الفقه أن أكثر الفقهاء أنكروا القياس من المرسل: وهو الذي ليس له أصل معنى يسند إليه.
وقال القاضي: «للقادر عليه» عام في القادر طبعًا وعادة شرعًا.
ونبه بقوله: «من غير إيجاب» على مذهب المخالفين.
ومما احتجوا به على وجوبه نهيه -عليه السلام- عن التبتل وردة ذلك عن عثمان بن مظعون وغيره، وذلك يدل على وجوب النكاح، إذ النهي دال على فساد المنهي عنه، وقد اشتهر خلاف العلماء أيهما أفضل: التبتل لعبادة الله سبحانه، أو التكاف.
قوله: «والمنكوحات ضربان حرائر وإماء» وهذا كما ذكره، إذ لا واسطة بينهما، ولا شرط في نكاح الحرة.
واختلف العلماء في نكاح الحر للأمة هل هو جائز مطلقًا، أو موقوفًا على الشرطين، كما ذكره القاضي، وفي المذهب فيه قولان، وسئل ابن القاسم عن نكاح الحر للأمة فقال: هو حلال في
كتاب، وقسم الحرائر إلى أبكار وثيب، وأصاغر، وأكابر، ومردود الاسم مشترط من جهة الوجود من الحرائر، والإماء، لا أنه خص ذلك بالحرائر، لأن ذلك محل للفقه والأحكام.
قوله: «ولا نكاح إلا بولي ذكر» وهذا كما ذكره، وتحرز بالذكر من الأنثى، والذي عليه الجمهور من العلماء أن المرأة لا تعقد النكاح على نفسها، ومن لا يعقد على نفسه، فأحرى أن لا يعقد على غيره.
وسيأتي القول في اشتراط الولاية في النكاح وصفات الأولياء.
واختلف المذهب في المرأة إذا كانت وصيًا هل تلي عقدة النكاح عن ذكور محاجر أم لا؟ وفيه قولان عندنا، المشهور أنها تقدم غيرها بناء على أنه يشترط في الوكيل، والوصي ما يشترط في الولي، وقيل: لا يشترط ذلك، وروي عن ابن القاسم في العتبية أنها تلي العقد على غيرها وعلى ذكور محاجرها دون البنات، لأن للصبي حل العقد إذا كرهه بخلاف الأنثى، وعلى هذا اختلفوا هل يصح توكيل العبد، والصبي، والنصراني على عقد النكاح أم لا؟ وفيه قولان مبنيان على ما ذكرناه، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (فإن الزانية هي التي تنكح نفسها) الحديث وفي إسناده مقال.
قوله: «وأما صغار النساء فلا يزوجهن أحد من الأولياء سوى الآباء» والسادات عندنا، لما للآباء من خصوصية الحنان، والرأفة، وللسادات من
خصوصية الملك، والذي عليه الجمهور من أهل العلم أن للأب أن يجبر ابنته البكر الصغيرة على النكاح إذا كرهته، ولم يخالف في ذلك إلا الشواذ كابن شبرمة ومن تبعه، والدليل على ذلك ما ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تزوج عائشة وهي بنت ست، أو سبع، وبنى بها وهي بنت تسع بإنكاح أبيها أبي بكر -رضي الله عنه-، وكذلك يجبر ولده الصغير قياسًا على الأنثى عندنا.
واختلفوا في الجد هل ينزل منزلة الأب في الجبر أم لا؟ وقال مال: لا يجبر الجد.
وقال الشافعي: الجد أب الأب في الجبر كالأب، وقال أبو حنيفة: يجبر الصغيرة جميع أوليائها، ولها الخيار إذا بلغت، والدليل لنا قوله -عليه السلام-: (والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها) وهذا عام في كل بكر، فخرج موضع الإجماع، وبقي ما عداه على الأصل.
قوله: «وأما الأبكار البوالغ فللآباء إنكاحهن بغير إذنهن»: وهذا عام
جار كما ذكرناه في الأبكار البوالغ ما عدا المعنسة فإنه أخرجها بعد من العموم، وروي أن الاستئذان مستحب في الأبكار البوالغ وهو قول مالك والشافعي وابن أبي ليلى وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأبو ثور بوجوب استئذان البكر البالغ غير المعنسة.
وسبب الخلاف تعارض النص والمعنى.
أما النص فثبت من حديث ابن عباس أنه -عليه السلام- قال: (والبكر يستأذنها أبوها) وهذا عام في كل بكر فخرجت الصغيرة بدليل الإجماع وبقي ما عداها على العموم، وفي بعض طرق الحديث: (والبكر تستأمر) وهذا عموم في وجوب الاستئمار في كل بكر، وقال -عليه السلام-: (تستأمر اليتيمة في نفسها) خرجه أبو داود، وفي لفظ آخر: (لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها).
ودليل هذا الاختلاف أن ذات الأب لا تستأمر.
فعارض دليل الخطاب مقتضى العموم، فيقع النظر في ترجيح أحدهما على الآخر.
وأما المعنى فاختلافهم هل الجبر معلل بالصغر، أو بالبكارة، أو بهما،
فمن علله بالصغر فقط، أو بالصغر والبكارة.
فقال البكر: البالغ لا تجبر، ومن علله بالبكارة رأى الجبر ويلزم على ما اقتضاه جبر المعنسة إلا أن يثبت دليل التخصيص، وإذا بنينا على مذهب مالك أن الاستئذان غير واجب فهل يستحب ذلك للأب أم لا؟ فيه تفصيل.
أما في الصغيرة التي لا إذن لها فلا يستحب ذلك له فيها على المشهور، لأن إذنها كلا إذن، وأما البالغ فاستئذان الأب لها مستحب عندنا.
ومحمل قوله -عليه السلام-: (البكر تستأمر في نفسها) كالبكر اليتيمة فالاستئذان واجب هنالك اتفاقًا، إلا أن ينص الأب على الوصي بالجبر، ففيه خلاف نذكره بعد.
قوله: «وينقطع الإجبار عن المعنسة»: وهذا هو الذي اختاره القاضي أبو محمد في المعنسة، والخلاف في المعنسة هل يجبرها الأب أم لا؟ مشهور عندنا، فقيل: إن الإجبار دائم عليها، وقيل: ينقطع، ومبناه على تعليل الإجبار بالصغر، أو بالبكارة.
واختلفت الرواية في مقدار سنها، فروى ابن وهب في المدونة أن سنها الثلاثون، والخمس والثلاثون، فروى عيسى عن ابن القاسم الأربعون والخمس والأربعون، وقيل ذلك محال على العادة.
والخلاف في استدامة الجبر على المعنسة، أو انقطاعه جار على اختلافهم في علة الجبر هل هي البكارة وهي موجودة في المعنسة، أو الصغر الذي هو مظنة الجهل بالمصالح وذلك منتف في حق المعنس.
قوله: «وأما الثيب من البوالغ فلا إجبار عليها» ومراده بقوله: «من البوالغ» تحرزًا من الثيب الصغيرة، وتحصيل القول فيه: أن الثيب على
قسمين: صغيرة وكبيرة، فالكبيرة البالغة من الثيب لا تجبر على النكاح عند جمهور أهل العلم بقوله -عليه السلام-: (الثيب أحق بنفسها من وليها) وشذ قوم فرأوا أنها تجبر، وهو خلاف للإجماع، والسنة الصحيحة ترد عليهم، وقال -عليه السلام-: (الثيب تعرب عن نفسها) والثيب الصغيرة غير البالغ هل تجبر على النكاح أم لا؟ فيه قولان في المذهب الجبر، ونفيه مبنيان على اختلاف التعليل في علة الجبر، والمعول عليه عند الحنفية البكارة هي علة الجبر وعند الشافعية الصغير، وعند المالكية أن كل واحد منهما يوجب الإجبار إذا انفرد.
فقالت الحنفية على مقتضى مذهبهم تجبر البكر البالغ، ولا تجبر الثيب الصغيرة وعكسه الشافعي.
ومعتمد المالكية على ما ذكرنا من أن كل واحد منهما موجب على الانفراد.
قوله: «والثيوبة المسقطة للإجبار» إلى آخره.
قلت: هذا أيضًا فرع اختلف فيه، فقال الشافعي: الثيوبة ترفع الإجبار سواء كان بوطء حلال، أو حرام، والمشهور من المذهب خلافه، وأن الحرام المحض لا يقطع الإجبار كالزنا، والغصب، وقيل: إن تكرر الزنا منها ارتفع الإجبار عنها وإلا
فلا وسبب الخلاف: هل تعلق الحكم بالثيوبة اللغوية أو بالثيوبة الشرعية، وقد قال بعض المتأخرين من شيوخنا: إنما تجبر الزانية على النكاح، لاحتمال أن تسقط بالزنا زوال سبب الجبر عنها فتعامل بنقيض قصدها.
وقيل: لأن الزنا خفي، والجبر أمر ظاهر، فلا يسقط الظاهر بالخفي واختلف في فروع: إذا دخلت على زوجها قبل المسيس هل تجبر أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال في المذهب، فقيل: يبقى الجبر عليها لبقاء البكارة، وقيل: بانتفائه مع الطول إذا شهدت مشاهد النساء، وعرفت مصالحها.
واختلف في حد الطول المعتبر في ذلك، فقيل: لسنة، وقيل: هي محال على العادة، وقال ابن عبد الحكم: يزوجها بغير رضاها، وإن طالت إقامتها ما لم تمس.
قال القاضي -رحمه الله-: «والولاية ولايتان» إلى قوله: «وأما الولاية العامة».
شرح: وهذا كما ذكره، والأصل في الولاية العامة قوله سبحانه: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: 10] وقوله: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم﴾ الآية [التوبة: 71] والآيات في هذا المعنى كثيرة، ومعنى تسميتها «عامة» أن المعتبر فيها وجود الوصف الأعم، وهو الإسلام بخلاف «الخاصة» فإن المعتبر فيها الوصف الأخص، وهو الأعم وزيادة، والدليل على اعتبارها من الكتاب قوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ [الأنفال: 75] أي في حكمه، وقال -عليه السلام-: (المسلم أخو المسلم) وظاهره إطلاق الأخوة في سائر النوع، وقال عمر بن الخطاب: معتبرة بأسباب أربعة، وقدم منها ولاية النسب، وبين أنها مستحقة بالتعصيب لا مدخل فيها لذوي الأرحام، وهذا
مذهب مالك -رحمه الله- بناء على أن ذوي الأرحام لا مدخل لهم في الميراث، ورآى الكوفيون وغيرهم من أهل العلم دخولهم في الميراث وغيره من الولاية احتجاجًا بظاهر قوله تعالى: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم﴾ ولقوله -عليه السلام-: (الخال وارث من لا وارث له) ولم يذكر القاضي -رحمه الله- جميع الصفات المشترطة في الولي، فالمتفق عليها الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والقرابة.
والمختلف فيها العدالة، والرشد، وقد أشار إلى هذه الشروط في أثناء كلامه.
قوله: «ثم ما يملك بها نوعان إجبار وإنكاح بإذن» وهذا كما ذكره ولا واسطة بينهما والضمير في قوله: «بها» عائد على ولاية النسب.
قوله: «وأما الإجبار فلا يملكه إلا الأب وحده»: يعني الإجبار المستحق بالنسب، وتعرض لإجبار السادات مماليكهم وهو غير مستحق بالنسب، وسقط في بعض النسخ: «والسيد في أمته» وفي إلحاقه نظر، لأنه إنما تعرض في سياق الكلام للإجبار المستحق بولاية النسب، وجبر السيد خارج عن ذلك، وخص الأمة والعبد في معنى لتساويهما حكمًا، ولعله أراد المنكوح لا الناكح، وجبر الآباء ثابت عن صفة ولم يخالف في أصل ذلك إلا الشواذ.
والدليل على ذلك تزويج أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- ابنته عائشة من النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي بنت ست سنين، أو بنت سبع، على ما فيه من الخلاف بين أهل العلم، وقد رأى قوم أن هذه القضية مخصوصة به -عليه السلام-، لأنه قد خص في قاعدة
النكاح بأشياء لم يكن لغيره، وزعم أن هذا من ذلك العمل.
قوله: «وأما الإجبار فلا يملكه إلا الأب وحده على صغار بناته» وهذا فيه مناقشة، لأن صغير البنين كصغير البنات ولا معنى لخصوصية الإناث، فلو قال: على صغار ولده لكان أحسن لأنه إنما تكلم على إجبار المستحق وهو عام في الذكور والإناث، ولعله إنما قصد إجبار المنكوح لا الناكح، لأنه إنما صدر الفعل بذكر المنكوحات، على ذلك تأولت كلامه وقت الإقراء.
فبدأ -رحمه الله- بالصغار تحرزًا من الكبار، إلا أنه عطف الأبكار البوالغ على الصغار، وأدخل الصنفين تحت حكم الجبر، وفي ذلك تفصيل مذهبي قد قدمنا الإشارة إليه، لبابه أن البكر الصغيرة يجبرها الأب، واختلف النظر في الصغيرة الثيب هل لعلة الصغر، أو لثيوبة فلا تجبر، والبكر البالغ المعنسة تجبر على أحد القولين اعتبارًا بالبكارة، ولا يجبر على القول الآخر، تغليبًا لحكم التعنيس.
وأما الثيب البالغ فلا تجبر إلا أن تثيب قبل البلوغ، أو تثيب بزنا ففي القسمين الخلاف الذي قدمنا ذكره، وقد تقرر أن الجبر خارج عن معهود الشريعة، وإنما خص له الآباء على صفة لما ثبت لهم من خصوصية الإشفاق، وحسن النظر.
وهل يتنزل وصيه في ذلك، وولده المفوض إليه منزلته، سأذكر ما فيه من الاختلاف بعد.
وذكر أن الأب وسائر الأولياء سواء في الإنكاح بالاستئذان، ورتب العصبة فيه على حكم ترتيبهم في التعصب، وقدم البنين على الآباء.
وقد اختلف المذهب في ذلك فقيل: ولد البنت مقدم على أبيها، وقيل: أبوها مقدم على ولدها، فالأول: نظر إلى قوة التعصيب، والثاني: أن الأصل الوجود.
وقدم الإخوة ما كانوا على الجد، وفيه أيضًا اختلاف في المذهب، المشهور ما ذكر من تقديم الإخوة، والشاذ تقديم الجد، وهو قول المغيرة، والظاهر التساوي بناء على أنه إن اختار في الميراث أن يكون أخًا من الإخوة فله
ذلك، وكذلك اختلفوا أيضًا في ترجيح الأخ الشقيق على غير الشقيق وهي رواية ابن حبيب عن مالك وابن القاسم نظرًا إلى قوة التعصيب، أو عدم ترجيح، نظرًا إلى أنه سبب واحد بالنوع وهي رواية ابن زياد.
قوله: «وإن أنكح الأبعد مع وجود الأقرب فيمن تستأذن جاز».
شرح: اختلف فيه المذهب بناء على الاختلاف في اشتراط تقديم الأقرب هل هو من باب الأولى، أو من باب الأوجب، وفيه قولان في المذهب، وإذا قلنا بتقديم الأقرب فكان غائبًا فهل يستقل الأبعد بالأقعد من غير مشورة الحاكم، أو لابد من الرفع إلى الحاكم فيه قولان، وإنما قيد القاضي -رحمه الله- بقوله: «فيمن تستأذن» تحرزًا من الأب يفتات على ابنته البكر التي في جحره أحد أوليائها فيزوجها بغير تفويضه فهذا مردود مطلقًا على أحد الأقوال، وموقوف على خيار الأب على القول الآخر، وتزويج الأبعد أقرب من تزويج الأجنبي، وحكى الأشياخ في تزويج الأبعد مع وجود الأقرب أربعة أقوال عن المذهب جواز النكاح مطلقًا وفسخه ما لم يطل، أو يفت بالدخول.
وقال سحنون، قال بعض الرواة: ينظر في ذلك السلطان، وقال آخرون: للأقرب الخيار بين الرد والإجازة إلا أن يتطاول الأمر وتلد الأولاد.
وقال ابن حبيب: للأقرب أن يفسخه أو يمضيه ما لم يبن بها، ويطلع على عورتها.
قال الشيخ أبو الحسن: لم يختلفوا أن النكاح صحيح لا يتعلق به فساد وإنما اختلفوا هل يتعلق به حق آدمي أم لا؟ قال: فإن كانت المرأة لا قدر لها، ومضى نكاح الأبعد قولًا واحدًا.
ومبنى الخلاف على ما ذكرنا من تقديم الأب: هل من باب الأولى أو من باب الأوجب.
ولو زوجها الأجنبي مع وجود الأقرب جدًا، فيه هذا
خلاف، ويختص هذا بقول خامس، وهو فسخ النكاح أبدًا، وإن طال وولدت أولادًا.
ولو زوجها أجنبي وأولياؤها غياب فقال ابن القاسم في المدونة: للولي أو السلطان أن يفسخ ذلك، وكتب مالك إلى ابن غانم إذا زوجها أجنبي وأولياؤها غياب فرفع ذلك إلى السلطان فلا ينظر فيه إلا أن يقدم الولي فيطلب الفسخ، ولا عقوبة في ذلك الدخول إذا كان النكاح مشهورًا، فإن بنى بها عوقبا جميعًا، وعوقب الولي العاقد والشهود.
قوله: «وأما خلافة النسب فوصى الأب في البكر خاصة هو أولى من سائر الأولياء»: وهذا هو المشهور من المذهب كما ذكره، قال في الكتاب: لا نكاح للأولياء مع الوصي.
ووصى الوصي أولى من الأولياء وهو في الثيب واحد منهم، وفي السليمانية عن سحنون: الولي أولى بالعقد من الوصي وهو قول ابن عبد الحكم في مختصر ما ليس في المختصر، واختاره النخعي لأن الولي أجنبي، وإنما هو وكيل على المال.
والصحيح أنه نائب عن الأب، فكان له من التزويج والإجبار ما للأب، وذلك إذا نص له الأب على الجبر، وقد قيل: لا يجبر مع النص عليه، لأن المعنى المسوغ بجبر الآباء موجود في سواهم.
قوله: «وإذن الثيب بالقول» وهذا كما ذكره، والفعل الصريح التنزل على القول في الدلالة كالقول.
قوله: «وإذن البكر بالقول أو بالصمات»: وهو حكم مخصوص باليتيمة من الأبكار، وأما ذات الأب فالاستئذان في حقها غير واجب، لأن للأب جبرها غير المعنسة على ما فيها من خلاف، قد قدمنا ذكره، وعلى كل تقدير، فالصمت لا يكون رضى إلا في حق اليتيمة كما ذكرناه، لأن الغالب مع وجود اليتم والبكارة والخوف والحياء إلا ثلاثة مواضع، فإن إذن اليتيمة فيها لا يكون إلا نطقًا لاحتمال: الأول: أن يكون الزوج عبدًا.
الثاني: أن يكون الصداق عرضًا.
الثالث: أن يسبق العقد الاستئذان، وإذنها في هذه المواضع الثلاثة نطقًا، هذا نص المذهب في ذلك، وهل يشترط عليهما بأن صمتها رضى واجبًا، أو مستحبًا، فيه قولان في المذهب، واستحب ابن شعبان أن يطال المكث عندها، ويقال لها: إن رضيت فاسكتي ثلاثة، وذلك استحبابًا لا إيجابًا.
قال القاضي -رحمه الله-: «وأما الولاية العامة فولاية الدين» إلى قوله: «ويجوز خلع الأب على ولده».
شرح: قد ذكرنا أن للولاية العامة مدخلًا في النكاح لقوله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ واشترط فيها تعذر الولاية الخاصة، وحكى قولين في جوازها مع وجودها، فقيل: إنها جائزة في الدنية، وقيل: لا تجوز بحال مع القدرة.
وتحصيل القول فيه: أن الولاية الخاصة إن كانت ولاية إجبار كالأب في البكر، والسيد في عبده وأمته فسخ النكاح على كل حال.
وحكى القاضي في إجازة نكاح الأمة إذا أجازها السيد روايتين، وإن كانت الولاية الخاصة ليست
ولاية إجبار كالأب في ابنته وسائر العصبة في البكر والثيب، فقال ابن القاسم: إنه يوقف في إجازته، وروى أشهب في الدنية تولي أجنبيًا ينكحها مع وجود القريب، قال لنا عن مالك: ولو عمل بها ضاعت الفروج.
هكذا وقع في كتاب أبي محمد.
قوله: «وإذا تقدم العقد على الإذن فالصحيح ألا يجوز»: وهذا هو النكاح الموقوف.
وأصل المذهب أن النكاح لا يجوز فيه وقف ولا خيار، وقد روى عن مالك أن النكاح الموقوف جائز مع القرب إذا أجازه من له فيه الخيار، وهل يشترط في القرب أن يكون معه في البلد أم لا؟ فيه قولان في المذهب.
قوله: «وللولي إنكاح صغار الذكور»: وهذا تحرزًا من الكبار، ولا يخلو الكبير أن يكون سفيهًا أو رشيدًا، فالكبير الرشيد لا يجبر على التزويج بلا خلاف، فإن كان بالغًا سفيهًا فهل يجبره الأب، أو الوصي فيه قولان في المذهب، فمن راعى السفه أثبت الجبر، ومن راعى الكبر أسقطه، ثم ذكر أن الصداق ثابت على من سمى عليه إذا أنكح الأب ولده الصغير، فإن سكت عنه، فالأصل أنه واجب على قابض السلعة مطلقًا إلا أنهم جعلوه على الأب المزوج مع عسر الولد تغليبًا للعادة.
ولا ينتقل إلى الولد بيسره، لأنه ثبت في ذمته، فانتقاله منها لا يكون إلا بواجب كما تكرر.
قال القاضي -رحمه الله-: «ويجوز خلع الأب عن ولده الصغير» إلى قوله: «إلا بإذن السيد».
شرح: قد تقرر أن الأب ناظر لولده الصغير بالمصلحة في المال والبدن
والتزويج والخلع في المال والبضع، فكان للأب أن ينوب في ذلك عن ولده نيابة شرعية إذا تيقن وجه المصلحة، أو غلب في الظن وهو مع الاحتمال محمول على الصلاح والسداد، ولذلك جاز إنكاحه ابنته بأقل من صداق مثلها حملًا لفعله على الإصلاح، وبناء على أن النكاح مبني على المكارمة إذ ليس للبضع ثمن محقق، وقد منع كثير من أهل العلم تزويجها بأقل من صداق مثلها بناء على مراعاة المصلحة الظاهرة، وغفلوا عن مراعاة المصلحة الخفية من سداد الحال، واستقامة طريق الزوج.
قوله: «في العفو إذا طلقت قبل الدخول» تحرزًا من الطلاق بعد الدخول، لأن الصداق قد ثبت بالدخول وجوبه بالذمة، فلا معنى لانتقاصه ولا لإسقاط شيء منه إلا أن يخاف الطلاق فيترك بعضه رجاء الاستصلاح وقد قال تعالى: ﴿أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح﴾ [البقرة: 237] وهو الأب في ابنته، والسيد في أمته خلافًا للشافعي حيث قال: إنه الزوج والمسألة مشهورة في مسائل الخلاف.
قوله: «وللولي أن يلي نكاح نفسه من وليته التي يجوز له إنكاحها» وهذا بناء على أحد القولين.
وتحصيل القول فيه: أنه إما أن يقيم قابلًا عنه لعقدة النكاح أم لا؟ فإن أقام قابلًا لعقدة النكاح فقولان، المشهور صحة النكاح، والشاذ فساده.
وإن لم يقم قابلًا فقولان، المشهور منعه، والشاذ جوازه.
ومبنى المسألة على الخلاف المعروف في المخاطب هل يدخل تحت الخطاب أم لا؟ ولأهل الأصول فيه قولان.
قوله: «وإذا زوج الوليان فالداخل من الزوجين أولًا»: وهذا مما يجب تفصيل القول فيه، فإن الداخل إما أن يكون هو الأول فلا خلاف أنه أولى، وإن كان الداخل هو الآخر، فإن علم بذلك، وقصد التفويت على الأول فقولان، المشهور فسخ نكاحه بناء على أنه في عصمة محققة وهو زان يدرأ عنه الحد للشبهة، والشاذ صحة نكاحه، والشاذ فسخه، وإذا قلنا: إنه أولى بالدخول فلا كلام في فسخ نكاح الثاني إذا لم يدخل، وترجع إلى الأول، فإن جهل الأول منهما فسخ النكاح، وقيل لها: تزوج من شئت منهما، وفسخه بطلاق، وقد قيل: إن الطلاق موقوف.
واختلف في نفقتها أيام الاستبراء من فسخ النكاح الفاسد هل هي على الدفع الحقيقي لرهن الزوج حقيقة، أو على الثاني لأنها محبوسة من أجله أو عليها، أو ينبغي أن يكون ذلك محمولًا على إذا ما علمت فمكنته من نفسها.
قوله: «ولا ولاية لعبد ولا من فيه بقية رق»: وقد قدمنا أن الحرية والإسلام شرط في استحقاق الولاية، أما الحرية فلأن من لا يملك العقد على نفسه فأحرى ألا يعقد على غيره، وكذلك الإسلام، ولذلك لا يعقد الكافر نكاح وليته لقوله -عليه السلام-: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه) ولا يعقد المسلم نكاح وليته الكتابية من مسلم ولا كافر، فإن كان الولي مسلمًا، والزوج مسلمًا والزوجة كتابية فهل يعقد عليه أم لا؟ فيه قولان: المشهور المنع مطلقًا، والشاذ جوازه تغليبًا لحكم الإسلام، وهذا فيما سوى ولاية الرق وأما
ولايته فحكمه حكم مال، فله فيه التصرف بحكم سلطانيته لملك كما ذكره.
ويعقد المولى الأعلى على المولى الأسفل ويستخلف المعتقة، ولا ولاية للمولى الأسفل.
وحكى الشيخ أبو عمران أن له مدخلًا في الولاية قال: وليس بشيء.
وذكر أن السيد يجبر عبيد ولده الصغار، وعبيد محاجره على النكاح، وكل ذلك نظر بالمصلحة.
واختلف المذهب هل يجبر من فيه بقية رق على النكاح أم لا؟ وفيه أربعة أقوال: الجبر مطلقًا، ونفيه مطلقًا، ويجبر من يقدر على انتزاع ماله، ولا يجبر من سواه، ويجبر الذكر لقدرتهم على الحل دون الإناث لانتفاء قدرتهم على ذلك.
قال القاضي -رحمه الله-: «ولا يجوز لعبد، ولا أمة أن ينحكا إلا بإذن سيدهما» وهذا كما ذكره؛ لأن رقبته وتصرفاته مملوكة للسيد، والسيد بالخيار كما ذكره، لأنه نكاح موقوف، فإن أجازه السيد، فهل يجوز أم لا؟ فيه أربعة أقوال.
أحدها: أنه لابد من فسخه مطلقًا بناء على أنه وقع فاسدًا.
والثاني: أن له الإجازة مطلقًا في العبد والأمة.
والثالث: أن له إجازة نكاح العبد إذا تزوج بغير إذن سيده بخلاف الأمة تتزوج بغير إذنه، فلابد من فسخ نكاحها على كل حال.
والرابع: أنه يجوز إذا أجازه السيد بالقرب فإن تباعد لم يجز، وقد قيل في الأمة: إن باشرت العقدة بنفسها وقع الفسخ على كل حال، فإن وكلت غيرها فللسيد الخيار.
واختلف المذهب إذا لم يعلم بالنكاح إلا بعد العتق هل له فسخ أم لا؟
فيه قولان: المشهور أنه ليس له الفسخ، لأن سبب الحكم في ذلك هو الملك، وقد بطل بالعتق.
قوله: «وللعبد أن ينكح أربعًا كالحر» وهذا فيه قولان.
أحدهما: أنه كالطلاق فهو فيه على النصف من الحر.
والثاني: جواز نكاحه الأربع تمسكًا بعموم قوله تعالى: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: 3] ونكاح العبد الأمة جائز مطلقًا، وفي نكاح الحر الأمة قولان: الجواز مطلقًا، والجواز بشرط، وقد قدمناه.
قوله: «والإشهاد من شروط كمال النكاح» وهذا كما ذكره، فإن وقع الإعلان جاز، ويتنزل منزلة الشهادة، فإن عربت العقدة عن الشهادة، واقترنت بالدخول جاز النكاح خلافًا للشافعي حيث جعل الشهادة شرطًا في صحة العقد تعويلًا على ظاهر قوله -عليه السلام-: (لا نكاح إلا بولي، وصداق، وشاهدي عدل).
قوله: «والتراضي بكتمان العقود يفسده» وهذا كما ذكره لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن نكاح السر وأمر بالإعلان وقال: (اضربوا عليها بالدف والغربال).
واختلف المذهب في فرعين:
الأول: في حقيقته فقيل: هو العاري عن البينة، وقيل: هو الذي أوصى فيه البينة بالكتمان وهذا خلاف في شهادة.
الثاني: هل يفسخ أم لا؟ وفيه ثلاثة أقوال في المذهب فقيل: يفسخ مطلقًا، وقيل: لا يفسخ مطلقًا، ويؤمر بالإعلان، وقيل: يفسخ قبل الدخول، فإن وقع الدخول مضى، وأمر بالإعلان.
قوله: «ولا يجوز لولي عضل وليته إذا دعت إلى كفء في الدين» وهذا كما ذكره لقوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن﴾ الآية [البقرة: 232] نزلت في معقل بن يسار وكان عضل أخته فنهى الله عن ذلك.
قوله: «إذا دعت إلى كفء»: دليل على اشتراط الكفاءة في بعض الأحوال إذا لحق الأولياء بتركها عار.
قوله: «فإن اتفق الأولياء والزوج على غير كفء جاز»: يقتضي أن الكفاءة ليست حقًا له سبحانه، وإلا لما جاز التراضي على إسقاطها، وقد اختلف أهل العلم في الكفاءة في محلين:
الأول: هل هي شرط في النكاح أم لا؟
الثاني: في تفضيل الكفاءة.
المسألة الأولى: هل هي معتبرة أم لا؟ وقد اختلفوا في ذلك، وذهب مالك وجماعة من أهل العلم إلى أنها معتبرة اعتبارًا بالعادة ورفقًا للضرر اللاحق للأولياء، ونظرًا إلى قوله سبحانه: ﴿ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح﴾ الآية [النساء: 25] أباح من الانتقال من الأفضل إلى المفضول مع العذر وذلك يقتضي وقوفه عليه، وذهب أبو حنيفة وغيره إلى أن الكفاءة غير معتبرة لقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: 13] ولقوله -عليه السلام-: (كلكم من آدم وآدم من تراب) وقوله -عليه السلام-: (إن الله يرفع عنكم عبية الجاهلية وتفاخرها بالأنساب ليس إلا مؤمن تقي، أو فاجر شقي).
والمعتبرون الكفاءة اختلفوا في تفصيلها، فقيل: مجرد الإسلام، وقيل: لا يرفع الإسلام من أمر زائد وهو النسب والمال والحرية وسلامة البدن لقول عمر -رضي الله عنه-: (لا يزوج القبيح ولا الشيخ الكبير) وهو مقتضي مذهب مالك على تفصيل فيه لبابه، أما الإسلام فمشترط إجماعًا، وهل يجوز للولي تزويج وليته من فاسق أم لا؟ فيه تفصيل، لأن الفاسق إما أن يثبت بالاعتقاد، أو بالجوارح، فإن كان عقديًا كالخوارج والقدرية وغيرهم فنص مالك في كتاب محمد أنهم لا يزوجون.
وأما الفاسق بالجوارح كشارب
خمر أو نحوه فتزويج الولي منه لا يصح، ويفسخ قبل الدخول وبعده على مقتضى الرواية، وخالف فيه المتأخرون، ولما يؤدي من كثرة الفسق في وقتها.
وأما النسب ففي اشتراط المكافأة فيه خلاف، فمن صح أنه غير مشترط، وأما القول بتحصيل القول فيه: أن الزوج إن كان غير قادر على النفقة فليس بكفء البتة، وإن كان قادرًا عليها فلا يخلو أن يضرب بها في مالها أو لا؟ فإن أضر بها فيه، فلها فيه مقال وإن لم يضرب بها فيه قولان ظاهر الكتاب أن لها متكلمًا فيه، وقيل: لا كلام، وجعله بعض الأشياخ خلافًا في صورتين.
وأما الحرية ففيها قولان: فقال ابن القاسم: العبد كفء الحرة، وقال المغيرة وسحنون: ليس بكفء.
وكذلك اختلف المذهب في المولى: هل هو كفء للعربية، وهو قول ابن القاسم، أو ليس بكفء، وهو قول غيره.
قوله: «وليس كمال مهر المثل من الكفاءة» تنبيهًا على قول المخالف، وأصل مذهب مالك ما ذكره ولذلك أجاز أن يزوج الرجل ابنته البكر بأقل من صداق مثلها بناء على أن له النظر في المصالح وهو غير متهم، ولا يكون ذلك في الثيب، ولا لغيره من الأولياء مطلقًا.
قوله: «والتوكيل في عقد النكاح جائز» وهذا لا خلاف فيه، لأنه من
عقد المعاوضة فتجوز فيه النيابة كما تجوز في البيع، وسواء كان التوكيل من الزوج، أو من الزوجة، أو من الولي.
قال القاضي -رحمه الله-: «والصداق مستحق في عقد النكاح ولا يجوز التراضي على إسقاطه» إلى قوله: «ونكاح الشغار باطل».
شرح: الصداق ركن من أركان النكاح، والدليل عليه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وءاتوا النساء صدقاتهن﴾ [النساء: 4]، وقوله: ﴿أن تبتغوا بأموالكم محصنين﴾ [النساء: 24]، وقوله: ﴿واءتوهن أجورهن﴾ الآية [النساء: 25].
وأما السنة: فقوله -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي أراد أن يزوج الموهوبة: (التمس ولو خاتمًا من حديد) وذلك يدل على أنه مشترط وقال -عليه السلام-: (لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل) وانعقد الإجماع على ذلك.
قوله: «ولا يجوز التراضي على إسقاطه، ولا النكاح المشترط فيه سقوطه» وهذا كما ذكره لأن ذلك سفاحًا لا نكاحًا.
ولو انعقد النكاح
على سقوطه فلا خلاف في فسخه قبل الدخول، وفي فسخه بعد الدخول روايتان في المذهب: الأولى: الفسخ لوقوعه فاسدًا، والفاسد لا سبيل إلى تقديره، والثانية: الإمضاء ويصح بصداق المثل فيه، والأول أصح لما ذكرناه.
قوله: «ولا حد لأكثره» وهذا كما ذكره، واستحب بعض السلف الرخص فيه فعول على قول عمر بن الخطاب: (أيها الناس لا تغالوا في صدقات النساء، فقامت امرأة فقالت: الله أعطانا وتحرمنا يا عمر، أما سمعت الله يقول في كتابه العزيز: ﴿وءاتيتم إحداهن قنطارًا﴾ [النساء: 20] فقال عمر -رضي الله عنه- أصابت المرأة وأخطأ أمير المؤمنين).. الحديث.
وله طرق باللفظ مختلفة وأصله ثابت في الصحيح والآثار المنهي أرخصهن.
قوله: «وأقله محدود وهو ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الورق، أو ما يساوي أحدهما من العروض» وهذا كما ذكره، وهو أصل مذهب مالك، واعتمد في ذلك على القطع في السرقة فقالوا: عضو مستباح، فلا يستباح بأقل من ربع دينار قياسًا على القطع، وفيه بحث من وجوه.
الأول: أن الأصل غير متفق على حكمه.
الثاني: أن حكمهما البائن مختلفة.
الثالث: أنه قياس في مقابلة النص فكان قابلًا، لأن قوله: «ولو خاتم من حديد» يقتضي جواز أقل من ربع دينار، وهي رواية ابن وهب عن
مالك، وبذلك يقول الشافعي وغيره من أهل العلم.
قوله: «يجوز أن يكون أعيانًا ومنافع، والأعيان أحب إلينا» تنبيه على خلاف.
وتحصيل القول فيه: أن كونه عينًا متفق على جوازه.
واختلفوا في جواز كونه منافع، وفي المذهب فيه ثلاثة أقوال.
الجواز وهو قول مالك فيما رواه (أصبغ وسحنون)، وبه قال الشافعي، والمنع وهي رواية ابن القاسم، والكراهية.
فالجواز قياسًا على البيع، لأن قبض الأوائل كقبض الأواخر، واعتمد على قضية شعيب مع موسى قال الله تعالى حاكيًا عنهما: ﴿إني أريد أن أنكحك﴾ الآية [القصص: 27] والمنع بناء على أن قبض الأوائل ليس كقبض الأواخر، وقصة شعيب موسى -عليه السلام- مخصوصة بهما بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا والكراهية توسطًا بين القولين.
وقوله -عليه السلام-: (انكحها بما معك من القرآن) فيه خلاف في محلين:
الأول: هل هو خاص بذلك الرجل لخروجه عن الأصل أم لا؟
والثاني: في مفهوم قوله: (بما معك من القرآن) فقال بعضهم: إنه -عليه السلام- جعل القرآن لنا شفيعًا، وأنكحها منه بغير صداق لحرمة القرآن، وهذا يقتضي الخصوصية، وفي لفظ آخر: فعلمها وهذا يدل على انعقاده على المنفعة: التعليم.
قوله: «ولا يجوز إصداق ما لا يجوز بيعه»: ضابط القول الكلي
فيه: إن كل ما جاز بيعه جاز أن يكون صداقًا، وليس كل ما يجوز إصداقه يجوز بيعه بجوازه على وصف مطلقًًا، وعلى جهاز بيت، وكل ذلك لا يجوز، ويقضي في ذلك بالوسط، إذ هو المتعارف.
وقال أبو حنيفة: يقضي فيه بالقيمة مطلقًا، ومنع الشافعي قياسًا على البيع مثل: القاضي بالخمر والخنزير في المحرم العين، وبالإبل الشارد، وفي المحرم الأجل.
قوله: «تعجيل المهر وتأجيله» وهذا كما ذكره، ويعني به الأجل القريب، وأما الأجل البعيد فمكروه، والأجل المجهول إلى موت أو فراق محرمًا عند جمهور العلماء، وأجازه الأوزاعي إلى موت أو فراق، ومنع قول التأجيل به مطلقًا.
ولو وقع النكاح فاسدًا من جهة صداقه بوجه من وجوه فساد الصداق لوجب فسخه قبل الدخول، وهل يفسخ بعده أم لا؟ فيه روايتان، وهل فسخه إيجابًا، أم استحبابًا فيه أيضًا روايتان، وظاهر النظر: أن الفاسد لا يقرر، وتصحيح بعد الدخول تقرير له، إلا أنهم لاحظوا حده بالاطلاع على العورة، فلذلك صححوه بعد الدخول بعوض الصداق الجائز، وإنما استحب مالك وأصحابه تعجيل ربع دينار لتتحقق بالإباحة بعوضها المحقق، فيخرج من مشابهة السفاح، وعلى ذلك عمل كثير من السلف.
قوله: «والصداق واجب بالعقد والتسمية، ويستقر وجوبه بالدخول فيؤمن سقوطه» وهذا لباب المذهب، واحترز القاضي بقوله: «والتسمية» من نكاح التفويض، وذلك أنه لو طلق قبل الدخول والفرض لم يكن عليه
شيء، فلو اقتصر على العقد دون التسمية لدخل فيه نكاح التفويض، وانظر هل سقوطه يقتضي تحقيقه قبل السقوط أم لا؟ إذ لولا ثبوته لم يسقط، إذ الساقط لا يسقط، والتحقيق يقتضي أن العقد يوجب تحقيق نصفه، والنصف الثاني واجب بأول الملاقاة لا قبلها، وإيجابه بطول الخلوة بعد إرخاء الستور دون مسيس استحسان لا دليل عليه، وفيه خلاف في المذهب.
قوله: «وعلى المرأة أن تتجهز لزوجها من صداقها، أو غيره»: وهذه المسألة قد اختلف الفقهاء فيها، فقال الجمهور: هو ملك لها لا يلزمها التجهز به، ولا بشيء منه تمسكًا بظاهر قوله تعالى: ﴿وءاتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ ومالك وأصحابه اعتبر العادة في ذلك، وأجازوا أن يقتضي منه -إن كان عينًا- اليسير من دينها، وأجاز الجمهور التصرف فيه، وهو قول القاضي، وغيره بناء على العرف، وذلك إذا كان لها مال ممن تقتضي العادة أن الزوج غالى في الصداق لأجل مالها.
واختلف في الصداق إن فعل ذلك فوجدت عديمة، فقيل: يلزمه جميع ما سمى ولا يسقط عنه منه شيء، وقيل: يسقط عنه ما يرى أنه زاد لأجل ما ظنه من مالها.
والقول الثالث اعتبار الزيادة على صداق المثل فيسقط، ولا يسقط من صداق المثل شيء.
قوله: «وله إن طلقها قبل الدخول نصف ما ابتاعته»: لأنها تصرفت تصرفًا جائزًا، فلا ينقض فعلها الواقع على وجه الجواز، فإن خرجت عن عادة فعلها ردت نصف ما قبضت لا نصف ما اشترت.
قال القاضي -رحمه الله-: «ونكاح الشغار باطل» إلى قوله: «وصداق المثل».
شرح: الشغار مصدر شاغر شغارًا، واختلف أهل اللغة في اشتقاقه، فقيل: من قولهم: بلد شاغر إذا كان خاليًا، فسمي به هذا النكاح لخلوه عن الصداق وقيل: هو مشتق من قولهم: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول، فكأن كل واحد من الوليين يقول: لا ترفع رجل وليتي بذلك الفعل حتى أرفع رجل وليتك بها، والصحيح عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (نهى عن الشغار، والشغار أن يزوج ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ولا مهرًا بينهما).
واختلف العلماء في هذا التفسير هل هو من كلام الراوي، أو من كلامه -عليه السلام-.
وأجمع العلماء على النهي عنه، وإنما اختلفوا في حكمه إذا وقع، فقال الجمهور: إنه فاسد يجب فسخه اعتمادًا على أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، سواء كانت من كلام النبي أو من كلام الراوي، لأنه أعلم بما روى، وقال أبو حنيفة: إنه فاسد إلا أنه إذا وقع صح بعوض الصداق الصحيح فيه.
وفي المذهب فيه تفصيل أشار القاضي إليه، لبابه أنه إما أن يعرى عن التسمية من الطرفين أو من أحدهما، أو لا يعرى من التسمية بل تقع التسمية.
واشتراط العقد بالعقد.
فالأول: تقع فيه التسمية مطلقًا قبل الدخول وبعده لما ذكرناه، والثاني: يصح فيه نكاح المسمى لها.
وأما نكاح التي لم يسم لها فيفسخ ما لم يقع الدخول، فإن وقع الدخول ففيه قولان: الفسخ، والإمضاء فإن وقع الفسخ قبل الدخول فلا صداق فيه، وللمدخول بها الأكثر
من المسمى لها أو المثل على الأصح.
وإن وقعت التسمية من الطرفين، واشتراط أحد العقدين بالآخر بطل الشرط، وصح النكاح قبل الدخول وبعده، وقيل: يفسخ قبل الدخول، ويفوت بالدخول، وقيل: يفسخ مطلقًا، لأنه من وجه الشغار، وكأنها كالصفقة تجمع حلالًا وحرامًا، فتفسخ كلها على الأصح.
قوله: «ونكاح المتعة باطل» وهذا كما ذكره، وقد انعقد الإجماع على تحريمه، وهو من أغرب ما وقع في الشريعة فإنه أبيح ثم حرم، ثم أبيح ثم حرم، ولم يعهد نظير ذلك في الشريعة، وفي حرف ابن عباس: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى).
واختلفت الأحاديث متى حرم، فقيل: عام خيبر، وقيل: عام تبوك، وقيل: في حجة الوداع، وقيل: في عمرة القضاء، وقيل: في عام أوطاس، وقيل: عام الفتح، وقيل غير ذلك، ولم يخالف فيه أحد، وصح القول عن ابن عباس وأصحابه من أهل مكة واليمن قال: (ما كان المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد لولا نهي عمر عنها ما اضطر إلى الزنا إلا الأشقى ثم رجع عنه إلى التحريم).
فأما حديث جابر: (كنا نستمتع بالقبضة من التمر، والقبضة من الدقيق على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر ونصفًا من خلافة عمر، ثم نهى عمر عنها الناس) رواه ابن جريج
وعطاء وغيرهما.
قوله: «وهو العقد المشترط فيه الأجل»: بنقصه أن يعول أو المهم من الطرفين.
واختلف المذهب على قولين إذا قصده الزوج وحده: هل هو متعة فيفسخ أم لا؟
قوله: «والخطبة على خطبة الغير جائزة على وجه وممنوعة على آخر»: قلت في الصحيح: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا بيع أحدكم على بيع أخيه، قال: ولا يسوم أحدكم على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبته) الحدث ثابت، وعليه عمل أهل العلم، إلا أنهم اختلفوا في مفهومه فحمله بعضهم على الإطلاق، ورأى مالك ومن تابعه أن النهي إنما تعلق بحالة التراكن، وأما الخطبة قبل التراكن وتقدير الصداق فجائزة، وهو نص القاضي.
ولو خطب غير المسلم فهل يجوز للمسلم الخطبة على خطبته، إذ ليس بأخ حقيقة، أو لا يجوز، لأن ما خرج عن العادة لا مفهوم له فيه قولان في المذهب مبنيان على ما ذكرناه، وهل يفسخ نكاح الخاطب على الخطبة فيه قولان: الأصح الفسخ إذا وقع التراكن بناء على أن مقتضى النهي
محمول على الكراهية، وفيه قول ثالث: أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده وهو الجاري على المشهور من المذهب.
وأما اشتراط الحباء من الولي فيحرم، ولا يحل للولي أكله، لأن ذلك من أكل المال الباطل إلا أن يهبه ذلك بعد العقدة، فهو له، وكان من عادة الجاهلية أن يشترط لنفسه توليته، فنهى الشارع عن ذلك، وقد جاء فيه أثر ضعيف الإسناد خرجه النسائي وأبو داود وعبد الرزاق من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أيما امرأة نكحت على حباء قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه وأحق ما أكرم عليه الرجل ابنته وأخته).
وتكلم المحدثون في صحيفة عمرو بن شعيب.
قال الإمام أبو عمر بن عبد البر: إذا روته الثقات عمل بها، لأنها صحيفة ثابتة، وهي نص أقواله -رحمه الله-.
قوله: «ونكاح التفويض جائز»: الأصل في جواز نكاح التفويض الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم﴾ الآية.
انعقاد النكاح قبل قبض الصداق، ولا يرد إلا على النكاح المنعقد.
وأما السنة: فما خرجه أبو داود والنسائي والترمذي من حديث بروع بنت واشق وصححه الترمذي، وبه احتج ابن مسعود حين سئل عن ذلك إذا مات الزوج قبل التسمية والدخول فقال: أقول فيها برأيي فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني: أرى لها صداق امرأة من نسائها ولا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، فقال معقل بن سنان: أشهد لقضيت فيها بقضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بروع بنت واشق.
وانعقد الإجماع على جوازه.
واختلف في النكاح على التحكيم هل يجري مجراه أم لا؟ وفيه ثلاثة أقوال جوازه مطلقًا، ومنعه مطلقًا، وجوازه إذا كان الحكم للزوج دون غيره، وكل هذه الأقوال معروفة في المذهب.
ومبنى المسألة في اختلافهم في جواز القياس على النص.
قال القاضي -رحمه الله-: «ولا يسميا صداقًا، أو على أن يفرضاه بعد العقد» فيها صورتان بالشخص متحدتان في الحكم.
والثانية منها أخص، لأنه إذا كان الفرض بعد العقد، فمقتضاه أن الدخول لا يكون إلا بعد الفرض، ولو عقد على أن لا يسميا صداقًا لكان الدخول جائزًا قبل الفرض، ويقع الفرض بعد الدخول، ويقضي على الزوج فيه بمهر المثل.
قوله: «وإن طلق استحب له أن يمتع» وهذا كما ذكره، وإنما ذلك لتكون المتعة عوضًا من الصداق وتسلية وحشية الطلاق.
وقد اختلف الفقهاء في حكم المتعة، والجمهور على أنها مستحبة تمسكًا بمقتضى قوله تعالى: ﴿حقًا على المحسنين﴾ [البقرة: 236] وفي آية أخرى: ﴿حقًا على المتقين﴾ [البقرة: 241] والتقييد يقتضي الاختصاص وينفي الإيجاب، لأن للزوج أن يقول: لست بمحسن، وذكر أنها بحسب الأحوال، والأمر كذلك.
قال علماؤنا: أربعة لا متعة لهن: المختلعة، والمخيرة، والملاعنة والمطلقة قبل الدخول وقد فرض لها فحسبها نصف صداقها، وروى عن مالك أن للمخيرة المتعة.
قوله: «ومن مات من الزوجين قبل الفرض فبينهما الميراث ولا صداق» وهذه المسألة مشهور بالخلاف، وأصل المذهب الذي لا خلاف فيه أن لها المتعة والميراث ولا صداق لها وهو قول الأوزاعي، وأحد قولي الشافعي، وقال أبو حنيفة وأحمد وداود لها الصداق والميراث وهو قول الشافعي، واعتمادًا على حديث بروع بنت واشق، وقال الشافعي: إن ثبت فلا يعول على سواه حكاه المزني عنه، وعول مالك على أن الصداق
عوض وإذا لم يقبض المعوض عنه لم يجب العوض.
قوله: «والموت في استقرار الصداق به كالدخول»: هو استئناف حكم لا يرجع إلى المسألة التي قبلها، ولا يتناقض كلام، لأن الموت قبل الفرض لا يوجب نصف الصداق ولا جميعه، فليس كالدخول البتة إلا أن يريد الموت بعد الفرض وقبل الدخول، فهو صحيح.
قال القاضي -رحمه الله-: «وصداق المثل معتبر بحالها» إلى آخره.
شرح: والأمر في صداق المثل على ما ذكره، ولا خلاف فيه في المذهب فيما أعلمه.
ثم تكلم على منع جواز العتق صداقًا، والأصل في هذه المسألة أنه -عليه السلام- أعتق صفية وجعل عتقها صداقها، فقال مالك: ذلك خاص به -صلى الله عليه وسلم- لكثرة اختصاصه في قاعدة النكاح، وأجازه الشافعي وأحمد وداود وغيرهم، واعتمد مالك على أنها إذا عتقت فقد ملكت نفسها، فلا يلزمها النكاح، قال الشافعي: إن كرهت زواجه غرمت له قيمتها وهو إنما رضي بعتقها بشرط الاستمتاع بها.
قوله: «وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها» قلت: وهذا كما ذكره، وكذلك حكم البائع له منع السلعة إلا بعض قبض ثمنها، ولو اختلفا في تقديم قبض الثمن، أو تقديم السلعة يجري فيه الخلاف المشهور فقيل: يفترقان، وقيل: يقضي على البائع بإقباض المبيع، ثم على المشتري بدفع الثمن، وقيل بالعكس، ولو طاعه بالتسليم قبل قبض الصداق ولم يكن لها رجوع في ذلك.
قوله: «وإذا اختلفا في مقدار الصداق» قلت: الاختلاف في الصداق إما أن يقع في مقداره، أو في جنسه، أو في قبضه، أو في أجله.
فإن اختلفا في المقدار فلا يخلو أن يكون ذلك قبل الدخول أو بعده، فإن كان قبل الدخول ففيه قولان، المشهور التحالف والتفاسح من غير اعتبار بدعوى الأشبه.
والقول الثاني: اعتبارًا بالأشبه.
فإذا فرعنا على المشهور فمن يبدأ باليمين هل الزوج وهو وراء المشتري، أو الزوجة وهي وراء البائع، فيه قولان: المشهور تبدئة المرأة كالبائع، وإذا حلفا فهل يقع الانفساخ بنفس التحالف، أو لابد في ذلك من حكم الحاكم فيه قولان في المذهب، ولو نكلا معًا، ففسخ النكاح، ثم أرادت المرأة الرجوع إلى قول الزوج وأبي الزوج ذلك، فهل يجبر عليه، لأنه مقتضى إقراره أولًا، لأن العقد الأول لم يتقارا عليه، فلا يؤخذ بمقتضاه فيه قولان في المذهب، وشبهه بعضهم باللعان.
فإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، فالقول قول الحالف.
وإن كان اختلافهما في ذلك بعد الدخول ففيه قولان المشهور: إن القول قول الزوج كالفوت في البيع، والقول الثاني: التحالف والتفاسخ، ويجري صداق المثل في ذلك كالقيمة في المبيعات ويقضي للمرأة به كما يقضي على المشتري برد القيمة مع فوت السلعة.
فرع: أبو البكر في اليمين المتوجهة عليه كابنته، لأنه وكيل مفوض إليه متوجه عليه اليمين دون البكر لاسيما إن كانت صغيرة.
فرع: إذا ادعت المرأة أنها تزوجها بالعين في عقدتين، وأقامت البينة
على ذلك، لزم العقدان لإمكان أن يتحللها قبل الدخول أو بعده فيه احتمال، وخلاف بين الأشياخ قيل يقدر قبله إلا أن تبين المرأة أنه وقع بعد الدخول، فيستقر لها الصداق، وقيل: يقدر بعد الدخول إلا أن يثبت الزوج خلاف ذلك، فيسقط عنه نصف المهر الأول بوقوع الطلاق قبل الدخول، وأما لو اختلفا في جنسه فقال: تزوجتك على عبد، وقالت: على خادم، فلا يخلو أيضًا أن يكون قبل الدخول أو بعده، فإن كان قبل الدخول تحالفا وتفاسخا، وجرى فيه ما ذكرناه من الاختلاف في القدر، وإن كان بعد البناء ففيه خلاف في المذهب، فقيل: القول قول الزوج، وهو اختيار القاضي وأبي الحسن بن القصار وقيل: يرجع في ذلك إلى صداق المثل ما لم يكن أقل مما اعترف به، وأكثر مما ادعت وهو المشهور من المذهب، وقيل: ينظر في ذلك إلى الأشبه ولو اختلفا في التسمية، فادعى أحدهما التسمية، والآخر التفويض، فالأصل التسمية إلا أن ترده العادة، وكذلك لو اختلف في التوقيت، فادعت حلولها وادعى الأجل، فالأصل الحلول إلا أن ترده العادة وأما إذا اختلفا في القبض، فالصحيح القول في المعجل قول الزوج، وفي الكالئ قول المرأة، إذ هو الآن مقتضى العادة، واختلاف الرواية في ذلك مبني على اختلاف العادات، وروي أن ذلك إن كان في عقد صداقها، والقول قولها قبل الدخول، وبعده، لأن الوثيقة شاهدة بالحق.
قال القاضي -رحمه الله-: «ويثبت الخيار للزوجين بعيوب» إلى قوله: «وأما العيوب».
شرح: الأصل في الرد بهذه العيوب الأصل والمعنى، فأما الأصل فما ثبت أنه -عليه السلام- تزوج امرأة من بني جهينة فوجد بها وضحًا فردها وقال
لأهلها: دلستم علي.
وصح عن عمر بن الخطاب أنه قال: (أيما رجل تزوج امرأة وبها جذام أو برص أو قرن فلها صداقها كاملًا، وذلك غرم لزوجها على وليها).
وفي طريق آخر عنه أنه قال: (ترد المرأة من أربع الجنون والجذام والبرص، وداء الفرج) قاله بمحضر الصحابة، ولا مخالف له فكان حجة، ومضى عليه العمل، وبه قال الفقهاء السبعة، وفقهاء الأمصار.
وأما المعنى فقياس النكاح على البيع، ولما كان العيب في البيوع يوجب خيار الرد أو الإمساك فكذلك النكاح.
واختلف الفقهاء بعد ذلك في تفصيل العيوب التي توجب الرد فقال أبو حنيفة والثوري: لا ترد المرأة إلا بعيبين فقط القرن والرتق.
والجمهور على أنها ترد من الأربعة المذكورة في الحديث.
وقسم العيوب على قسمين مشترك ومختص، فالمختص بالزوج أربعة عيوب: الجب والخصا والعن والاعتراض.
أما المجبوب فهو المقطوع ذكره وأنثياه، والخصى هو المقطوع أحدهما.
قال الجوهري في الصحاح:
خصيت للفحل خصًا ممدودًا إذا سللت خصييه، والرجل خصى، وموضع القطع مخصي، واختلف في العنين فقيل: هو الذي له ذكر صغير لا يقدر به على الوطء وقيل: هو الذي ذكره لا يتحرك كالأصبع.
قال صاحب الصحاح: عن الرجل عن امرأته إذا حكم القاضي عليه بذلك، والاسم من العنة، ورجل عنين لا يريد النساء، وامرأة عنينة لا تريد الرجال ولا تشتهيهم، وكذلك اختلفوا في الحصور، فقيل: هو الممنوع من الوطء فهو فاعل بمعنى مفعول كأنه محصور من الوطء فيرجع معناه إلى معنى الاعتراض، وقيل: هو الذي خلق بغير ذكر، وقد فسر القاضي -رحمه الله- الأربعة عيوب تفسيرًا حسنًا على مقتضى اللغة.
وتحصيل القول في هذه العيوب: أنها توجب للمرأة خيار الرد أو البقاء، لأن الوطء مراد لها مطلوب منهما معًا، وهذا إذا حدثت قبل العقد وأما إذا حدثت بعد العقد فهو مصيبة بها لا قيام لها بها.
ولو تزوجته عالمة بالعيب، فوطئ مرة، ثم حدث اعتراض أوجب فهل لها القيام لها، لأن المرة الواحدة قد قطعت الخيار.
الثاني: أن لها الخيار رفقًا لأصحاب الضرر.
وبنى القاضي على المشهور من المذهب في الخصى القائم الذكر الذي يمكنه الوطء دون الإنزال، فجعل لها الخيار في ذلك، لأن الخصى أكمل وطئًا، وفي المذهب قول آخر: أنه ليس بعيب يوجب الخيار، لأن الذكر إذا كان قائمًا يمكن به الوطء دون وجوده.
هل هو عيب يوجب الخيار أم لا؟
وفيه قولان في المذهب.
واختلف المذهب أيضًا على قولين في هذه العيوب إذ يوم العقد هل توجب الخيار أم لا؟ وفيه قولان في المذهب.
قوله: «وأما المعترض فيضرب له أجل سنة» وهو كما ذكره إنما وقع التحديد لتمر عليه الفصول الأربعة مبناهما على ترجيح أحد القولين المتساويين على الآخر للتقابل إلى موجب فيها.
واختلف المذهب في أجل العبد في ذلك فقيل: هو كالحر ملاحظة للفصول الأربعة، وذلك متساوي بالنسبة إلى الحر والعبد، والرواية المشهورة أن أجل العبد في ذلك ستة أشهر على الشطر من أجل الحر وهي رواية ابن القاسم في الكتاب.
قوله: «والقول قوله: إن ادعى الوطء في السنة» وهذا هو المشهور في البكر والثيب.
وقد روى عن مالك أن النساء ينظرن إليها إن كانت بكرًا، لأن هذا الحال ضرورة، فيجوز فيه الاطلاع على العورات، وإذا قلنا: إن القول قوله في دعوى الوطء، فهل لها أن تستحلفه على ذلك أم لا؟ فيه قولان في المذهب المشهور أن لها أن تستحلفه رفعًا للدعوى، وقيل القول قوله بغير يمين.
فرع: إذا قلنا: إن القول قوله في دعوى الإصابة بيمين، فنكل عن اليمين
فلها الخيار عند انقضاء الأجل، فإن اختارت البقاء معه، ثم أرادت الفراق بعد ذلك، فروى أبو زيد في العتبية عن ابن القاسم أن ذلك لها وهو قول ابن المواز لأن لها أن تقول: رجوت البرء بخلاف الجب والخصى والعنة وغير ذلك مما لا يمكن تغيره كما ذكره القاضي.
واختلفوا في فرعين:
الأول: هل يتكرر لها ضرب الأجل أم لا؟ وفيه قولان أحدهما: أن الأجل الأول كاف، لأن الرد قد تحقق، ورأى أنه قد تقرر.
الثاني: أن يضرب له أجل آخر، وكأنه ابتداء حكم، وهو أظهر.
الفرع الثاني: هل لها أن تفارق دون أمر السلطان، أم ليس لها ذلك إلا بأمر السلطان فيه قولان المشهور أنها لا تفارق إلا بأمر السلطان، لأنه أمر مختلف فيه، والحاكم يرجح أحد الطرفين بحكمه، وروى أبو زيد عن ابن القاسم أن لها أن تطلق نفسها مكانها متى شاءت بغير أمر السلطان، لأن الحاكم لما حكم بضرب الأجل أولًا فقد حكم بما يؤول إليه من الطلاق.
قوله: «وذلك إذا لم يكن منه وطء قبل الاعتراض» وهذا تقييد لازم كما ذكره لأنه إذا وطئ، ثم اعترض فهو مصيبة نزلت بها لا قيام لها بذلك كما ذكرناه.
وذكر في تكميل الصداق روايتين إحداهما: التكميل مطلقًا.
الرواية الثانية: التكميل بشرط طول إقامتها وتلذذه بها قياسًا على مسائل الخلوة وهو اجتهاد محض، ومقتضى النص أن الطلاق قبل المسيس لا يوجب إلا نصف الصداق، وعلل التكميل في الكتاب بأنه قد بلى جهازها وخلق ستورها، وفيه نظر، قال بعض المتأخرين: إن طال مقامه ففي تكميل الصداق بها روايتان: المشهور: التكميل نظرًا إلى ما ذكرناه، والشاذ عدم التكميل نظرًا إلى الأصل، ولو لم يطل ففيه أيضًا قولان المشهور عدم التكميل تمسكًا بالأصل بنص قوله سبحانه: ﴿وإن طلقتموهن من قبل﴾ الآية [البقرة: 237].
قال القاضي -رحمه الله-: «وأما العيوب المختصة بالمرأة» إلى قوله: «وتستحب المتعة».
شرح: عيوب الفرج كثيرة، والمعتبر منها في هذا الباب أربعة: الرتق، قال القاضي وما في معناها.
قال ابن الجلاب: قرن من صفة القرن والرتق والبخر والإفضاء وهو أن يكون المسلكان واحد، زاد غيره العفن والرتق والقرن، وجمع ابن حبيب هذه العيوب تحت ضابط واحد داء الفرج كل ما كان في الفرج مما يقطع لذة الوطء.
وتحصيل القول في عيوب المرأة أن الزوج إما أن يشترط السلامة من عيوبها كلها شرطًا مقصودًا منصوصًا عليه أم لا يشترط ذلك، أو يشكل الأمر، فحينئذ ترد بالعمى والعور والعرج وداء الفرج والزمانة، والسواد، والقرع، والبخر والجرب ونحو ذلك من العيوب المخالفة لمقتضى شرطه، فإن لم يشترط ذلك فله الرد بالعيوب الأربعة المانعة من الوطء والاستمتاع.
وإن أشكل الأمر فهل يجعل كالاشتراط فترد بكل عيب، بناء على أن قاعدة النكاح خارجة عن قاعدة المعاوضة قولان بين الأشياخ، قالوا: ولو قالوا صحيحة، العقل والبدن لم يكن شرطًا، لأنه من تلفيق الموثقين، فلو قال سالمة العقل والبدن لكان كالشرط.