روضة المستبين في شرح كتاب التلقينصفحات 229-268

كل شعرة جنابة) وهو ضعيف الإسناد.
قوله: "ثم يتوضأ وضوء الصلاة": ظاهرة التكميل.
وقد اختلف المذهب على أربعة أقوال: أحدهما تكميل الوضوء اعتمادًا على حديث ميمونة، وقيل: بالتخيير في ذلك حملا على جمع الحديثين، وفرق بعض العلماء بين أن يكون الموضع نقيًا فيقدمها، أو أن يكون قذرًا فيؤخرها فرارًا

من التكرار، إن قدم، وإذا غسلهما بعد فراغه من غسله، فإنه ينوي بذلك تكميل غسل الجنابة، وقد ذكرنا أنه يقصد النية بعد زوال الأذى عن فرجه عند شروعه في الغسل، ويبتدئ بعد زوال بغسل الفرج قاصدًا بذلك أمرين: الأول: نية رفع الأذى، الثاني: رفع الجنابة، وكان ابن عمرو (يأمر النساء أن ينقضن رؤوسهن) حينئذ بعد النية، ويشدهما.
واختلف بعض السلف هل يلزم نقض شعر الرأس في الغسل أم لا؟ قولان فقالت طائفة من الصحابة والتابعين: أنه ينقض، وقالت طائفة، إنه لا ينقض.
والمنصوص عن مالك أنه لا ينقض، وروى بعض المتأخرين نقضه، وتؤول كلام مالك على شعور الأعراب، ولم تكن مربوطة بالخرق والخيوط، وإنما كانت (مبسولة) أو مربوطة ربطًا خفيفًا لا يدفع الماء، والأحاديث في ذلك مختلفة عن النبي -صلى الله عليه وسلم -، ففي صحيح مسلم عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله إني امرأة أشد ظفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة قال:

(إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات).
وكذلك في حديث ثوبان وروى هشام بن عروة عن عائشة -رضي الله عنها -أن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال لها في غسل الحيض: (انقضي واغسلي) قال النخعي: تنقض العروس رأسها لتغسل، وبلغ عائشة -رضي الله عنها -: (أن عبد الله بن عمرو بن العاص يأمر النساء أن ينقضن رؤوسهن ولا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن) فقالت: (كنت إذا اغتسلت اغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم -من إناء واحد، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث غرفات).

باب في المياه وأحكامها

قال القاضي: "الأصل في المياه كلها الطهارة والتطهير" لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماًء طهورًا﴾ [الفرقان: 48] ثم قد يخرج عن أصله بما يعرض له، والخارج عن أصله نوعان: نجس ومضاف.
وكلاهما لا يستعمل في الطهارتين، وذكر ماء البحر في التفصيل، وبطهارته، وتطهيره قال جمهور العلماء إلا القليل اعتمادًا على قوله -عليه السلام -: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) وفي إسناده متكلم.
وقد أنكر القاضي أبو الحسن الخلاف فيه، ولا معنى لإنكاره لثبوت الخلاف عن عمر وابنه وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة.
قوله: "إلا ما تغيرت أوصافه": وهذا ما ذكره، ولا خلاف فيه إلا التغيير بالريح، فقد قيل: إنه غير معتبر مطلقًا.
حكاه القاضي أبو الوليد عن ابن الماجشون: لا اعتبار بتغير الرائحة، وحكى عن ابن الماجشون أنه لم

يعتبر تغيير الريح في بعض الصور دون بعض.
قال: في الهرة تقع في البئر ميتة (لا يحل) ذلك الماء، وإن تغيرت رائحته حتى تغير لونه أو طعمه، وقال: "إن وقعت حية فغيرت رائحته فهو نجس" والذي قيل لا يتغير هو ما تغير بالمجاورة لا بالحلول كالشاة تموت حول الغدير، فيحمل الريح نتنها إلى الماء، فإنه لا ينجس، إذ هو مجاورة غير حال، واتفقوا على أن ما تغير بأصله وما هو قرار له ولا يخرج لذلك عن أصله، واختلفوا فيما تغير بأحمال حمأة وبأوراق الشجر، والحشيش، ونحوه، وهل هو مطهر، لأنه غالب، وهو قول العراقيين من المالكية أو مضافًا فلا تجوز الطهارة منه قاله الأبياني وروى ابن غانم في المجموعة عن مالك في غدير ترده الماشية، فتبول فيه وتروث، وتغير طعم الماء منها أنه لا يعجبني الوضوء به ولا أحرمه.
وكذلك اختلفوا في المحل يذوب في الماء هل يضيفه أم لا؟ وهو الذي

اختاره القاضي أبو الحسن، لأن الملح من جنس الأرض، وقد اختلف في ذلك ابن أبي زيد (وابن القاسم) وكذلك اختلفوا في اليسير من طاهر المائعات يخالط الماء هل يضيفه أم لا؟ قال القاضي أبو الوليد عن خلاف بين الفقهاء: لعله إنه مطهر إلا ما روي عن (ابن القاسم) لأنه لا يتطهر به.
قوله: "سوى أنه يكره استعمال القليل منه": هذا أحد الأقاويل.
وقد اختلف المذهب في الماء اليسير تحله النجاسة اليسيرة، ولم تغيره، على أربعة أقوال.
الأول: أنه نجس وهو قائم من المدونة.
والثاني: مكروه ولا يستعمل مع وجود غيره كماء ولغ فيه الكلب.
والثالث: أنه طاهر مطلقًا لعدم تغيره.
والرابع: أنه مشكوك فيه، فيجمع بينه وبين التيمم، واختلف المذهب هل يبدأ به أو بالتيمم فيه قولان، وهل يصلي به صلاة واحدة أو صلاتين فيه قولان أيضًا.
أما الماء الكثير إذا خالطته النجاسة ولم تغيره، فالمحققون على أنه طاهر مطهر، لأن مناط النجاسة التغيير، ومناط الطهارة عدمه.
وقد روى عن مالك أنه لا يستعمل إذا وقعت فيه النجاسة غيرته أو لم تغيره.
ورواية أهل

المدينة عن مالك أن النجاسة إذا خالطت الماء القليل ولم تغيره فهو طاهر مطهر.
فرع: في العتبية من رواية موسى عن ابن القاسم "في ماء وقعت فيه قطرة من دم أو من بول إن كان مثل الجرار لم تفسده، وإن كان مثل إناء الوضوء أفسدته القطرة، وروى أبو زيد في ثمانيته عن ابن القاسم أن ذلك لا يفسده"، ومن رواية موسى في العتبية عن ابن القاسم أيضًا تفسده روث الدواب، إلا أن تجده طافيًا في الإناء فإنه لا يفسده، ولا بأس به للاختلاف فيه، وروى عن مالك في الإناء يوجد فيه الروث طافيًا أو يابسًا لا خير فيه، ولعله مبني على القول بنجاسة أرواثها، وبذلك قال: من لا يجوز مسح الخف منه.
فرع: إذا وجد الماء متغيرًا أو أشكل سبب تغيره نظر إلى ظاهر أمره.
قال ابن القاسم عن مالك في العتبية في بئر دار تغيرت ولم يدروا من أي شيء تغيرت قال: "تترك يومين أو ثلاثة، فإن طابت، وإلا لم يتوضأ بها، وقال في موضع آخر: أخاف أن تغسل القذرات، ولو علم أنه ليس منه لم ير به بأسًا.
وروى عن علي بن زياد: رب بئر في الصفا والحجر لا يصل إليها شيء، ورب أرض رخوة يصل إليها، فروى ابن وهب عن مالك في البئر تملأ من النيل إذا زاد، ثم يقيم بعد زواله، لا يسقى منه، فتتغير رائحته بغير شيء أنه لا بأس بالوضوء منها.
وفي العتبية عن أشهب في خليج

الإسكندرية لا يعجبني الوضوء به إذا تغير ماؤه، (وخرجت النعل) قال: وقال المغيرة: يسقى بهذا الماء المراحيض وقال: "اجعل بينك وبين الحرام سترة من الحلال" وظاهره الكراهية لا التحريم.
وما رواه علي بن زياد عن مالك فيمن توضأ بماء وقعت فيه النجاسة ولم تغيره، وصلى أنه يعيد في الوقت.
قال ابن حبيب: إن توضأ به عامدًا أو جاهلاً أعاد أبدًا، وإن توضأ به غير عالم أعاد في الوقت.
وقال يحيى بن يحيى هو كمن لم يتوضأ ويعيد أبدًا، لأنه نجس كالمتغير.
فرع: وروى أِهب عن مالك في العجين، أو الحنطة يبتل في الماء الذي وقعت فيه النجاسة ولم تغيره أنه لا يؤكل ذلك الخبز ولا الحنطة.
واختلف شيوخنا هل المنع من أكل ذلك على وجه الكراهية، وهو قول أبي بكر الأبهري بناء على أنه ليس بنجس، أو على وجه التحريم، تأويله القاضي عن أشهب، وهو مقتضى روايته، وسئل مالك عن ذلك فقال: لا يؤكل ونهى أن يطرح ويعلف للدواب، وإن كان خبزًا.
وحكى ابن

حبيب إذا عجن بالماء النجس المتغير لا يطعم للدجاج، وهو كالميتة، وحكى ابن القاسم عن مالك في المدونة أن الغسل النجس يعلف للنحل.
وقال المغيرة: يسقى بهذا الدواب، وبنجس اللبن والأشجار والثمار وقال على، وابن عمر: يسقى الحيوان، ولا ينجس لبنها ولا ثمرة الشجر.
وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ أن ما عجن من الخبز بماء لم يتغير أحد أوصافه فلا بأس أن يطعم (رغيفه) من (اليهودي دون النصراني) وحكى ابن سحنون عن أبيه أنه لا يطعم إياه ولا يمنعهم.
قوله: "فالطاهر يسلبه التطهير فقط": ظاهره الإطلاق سواء كان الخلط يسيرًا أو كثيرًا وقد ذكرنا أن اليسير الطاهر لا يضيف الماء على مذهب الجماعة، خلافًا لظاهر كلام القاضي.
قوله: "كماء الحب": وهو بالحاء المهملة وهو: الإناء الصغير.

قوله: "ويدخل فيه الماء المستعمل على كراهية مناله": قلت: الماء المستعمل لا يخلو مستعمله أن يكون طاهر الأعضاء أو نجس الأعضاء، فإن كان نجس الأعضاء فقد تقدم، وإن كان وسخًا طاهرًا وهو مورد الخلاف، قال ابن القاسم: كره استعماله مع وجود غيره، فإن لم يجد غيره، وتوضأ به أجزأه، وهو يقتضي أنه ظاهر مطهر، وهو المشهور من المذهب.
وقال أصبغ: هو طاهر غير مطهر وهو أحد قولي الشافعي، وحكى عن ابن القاسم أنه مشكوك فيه، وتجمع بينه وبين التيمم، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه نجس احتجاجًا بأنه عليه الإثم، لأنه سماه: ماء الخطايا، والدليل على مذهبنا قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماًء طهورًا﴾ وذلك يقتضي تكرار الطهارة بالماء.
قاله القاضي أبو الوليد.
قوله: "وما تغير بزعفران أو عصفر أو كافور أو بغير ذلك من الطيب" إلى آخره.
هذا كله داخل في القسم المضاف بالطاهر، لم يختلف العلماء أنه طاهر غير مطهر.
وقال أبو حنيفة: في ماء الزعفران، والورد،

ونحو إنه ظاهر مطهر، والدليل فيه قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماًء فتيمموا﴾ [المائدة: 6] فشرط التيمم بعد الماء المطلق في استعمال التيمم، ولم يجعل سبحانه بين الماء المطلق واسطة.
أبو حنيفة جعل ماء الزعفران ونحو واسطة بينهما، وفيه نظر.
فصل قال القاضي -رحمه الله -: "والحيوان كله طاهر العين طاهر السؤر" إلى قوله: "ويغسل الإناء من ولوغ الكلب (في الماء) سبعًا".
شرح: اتفق العلماء على طهارة عين الآدمي إلا المشترك والمميت ففيهما خلاف شاذ، واتفقوا على طهارة عين جميع الحيوان غير الآدمي إلا سباع الوحش، والكلب، والخنزير، والهرة، وسائر سباع الطير المفترسة، فالجمهور على أن ذلك كله طاهر العين، بناء على أن الحياة علة الطهارة، فكل حي طاهر.
وقال أبو حنيفة: إنها نجسة العين حتى الهرة إلا أن ينتزع عفا عن سؤرها لما لم يكن الاحتراز منها، وعلى ذلك نشأ الخلاف بين العلماء في أسآر الحيوانات، وأصل المعنى أنها طاهرة، إلا ما لا يتوقى النجاسة غالبًا كالكلب، والخنزير، والمشركين.
وقال الشافعي: أسآر الحيوانات كلها طاهرة إلا الكلب، والخنزير، وقال أبو حنيفة: آسارها كلها نجسة كلها نجسة إلا سباع الطير وسؤر الهوام، والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك قوله -عليه السلام- في الهرة:

(إنها ليست بنجس، وإنما هي من الطوافين عليكم والطوافات).
وقال عمر بن الخطاب لصاحب الحوض: "لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا، ووافقه على ذلك أهل الركب من الصحابة فكان كالإجماع.
وقال الشافعي: قال -عليه السلام -: (يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا) وذلك يقتضي النجاسة.
فرع: في المجموعة عن علي بن زياد عن مالك: الكلاب كالسباع لا يتوضأ بسؤرها إذا كان في أفواهها وقت شربها النجاسة.
واختلف في الكلاب هل تنزل منزلة الهر أم لا؟ فيه قولان، وفي المدونة:

لا بأس بسؤر البرذون والبغال والحمير.
وفي المختصر: لا بأس بفضل جميع الدواب والطير إلا أن يكون (موضعًا) تصيب فيه الأذى.
وروى أبو زيد عن مالك: لا بأس بالوضوء والشرب من أحياض الدواب، وإن ولغت فيه للكلاب، فإن ولغت فيه الخنازير، فلا يتوضأ بها ولا يشرب منها".
قال القاضي -رحمه الله -: "ويغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا" إلى قوله: "في غسل الإناء من ولوغ الخنزير" واختلف الفقهاء في غسل الإناء من ولوغ الكلب في مسائل: الأولى: هل الأمر بغسله إيجابًا، أو ندبًا، أو استحبابًا، وفيه قولان جاريان على الاختلاف في الأمر المطلق.
الثانية: هل الغسل للعبادة وهو المشهور، أو النجاسة وهو قول

الشافعي وابن الماجشون وسحنون.
الثالثة: هل ذلك عام في الكلاب كلهم، أو مخصوص بالكلب المنهي عن اتخاذه فيه قولان مبنيان على الألف واللام، هل هي جنسية، أو عهدية.
الرابعة: هل يغسل أوان الطعام كأوان الماء أم لا؟ قولان جاريان على الخلاف فيما خرج على الغالب، هل له ذلك أم لا؟.
الخامسة: هل يغسل بذلك الماء، وبماء آخر فيه قولان جاريان على القول بنجاسته أو بطهارته.
السادسة: إذا ولغت كلاب شتى في إناء واحد هل يغسل لكل واحد سبعًا، أو تجزي سبعة على الجميع فيه قولان.
السابعة: هل يغسل من ولوغ الخنزير أم لا؟ فيه قولان.

الثامنة: هل يعفر بالتراب أم لا؟ والخلاف فيه قائم بين السلف.
التاسعة: إذا قلنا بالتعفير هل يجعل أول المرة أو آخرها فيه خلاف مبني على اختلاف طرق الأحاديث.
العاشرة: هل العرك شرط أم لا؟ فأسقطه أبو حنيفة، ورآى أنه كسائر النجاسات والجمهور على غسل ذلك.
الحادية عشر: هل يؤمر بغسله إذا أراد استعماله (مطلقًا) فيه قولان.
الثانية عشر: الغسل من ولوغ الهرة، وقد جاء فيه اختلاف بسطناه في شرح الأحكام.
قال القاضي -رحمه الله -: "ثم الحيوان بعد ذلك على ضريبين بري وبحري".
شرح: فالبحري نوعان نوع تطول حياته في البر كالسلحفاة والسرطان.
وذلك مختلف فيه هل يلحق بحيوان البر، أو بحيوان البحر، أن البحر أصله، أو بحيوان البر اعتبارًا بطول حياته فيه، وهو عند مالك طاهر حلال لا يحتاج إلى ذكاة"، وقال ابن نافع: هو حرام نجس إن مات حتف أنفه.
ونوع

لا تطول حياته كالحوت ونحوه وهو ظاهر حي وميت، خلاف ما قال أبو حنيفة في ميته (وهو) معتمدنا على قوله -عليه السلام -: (هو الطهارة ماؤه الحل ميتته).
وتبع أبو حنيفة عموم الكتاب قال الله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: 3].
وذكر البري أيضًا على ضربين: منه ما له نفس سائلة، ولا خلاف أنه نجس بالموت ومنه ما لا نفس له سائلة، وهل ينجس بالموت أو لا؟ اختلف العلماء فيه فقال مالك: لا ينجس بالموت كبنات وردان والخنفساء ونحوه.
قال الشافعي: نجس بالموت.
والدليل لنا قوله -عليه السلام -: (إذ (وقع) الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء).
(قال): فمات (من ذلك) نجس، ونجس ما مات فيه من مائع غيره، أو لم يغيره، ولا ينجس الماء إلا بإذن يغيره"، وفيه

تفصيل، أما غير الماء من المائعات كالسمن، ونحوه هل ينجس جميعًا جامدًا، أو مائعًا، أو لا ينجس إلا موضع النجاسة وما جاورها إن كان جامدًا، فيه قولان في المذهب، والأصل في ذلك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال: (إن كان مائعًا فاطرحه، وإن كان جامدًا فاطرحه وما حوله)، وبمقتضاه قال الجمهور؛ وهو المشهور عند مالك.
وأما الماء فلا يخلو أن يتغير أم لا، فإن تغير نجس، وفي العتبية من رواية أشهب، وابن نافع عن مالك في البئر تقع فيه الهرة فتموت، فإنه ينزح منها مقدار كبر الدابة وصغرها، وقلة الماء وكثرته، وكذلك الفأرة.
وفي المجموعة إن ما وقع في البئر من الفرث والدم فإنه ينزعه إلا أن يغلبه، وإن لم ينزع منها شيء، وفرق ابن الماجشون بين أن يقع حيًا أو ميتًا، فإن وقعت ميتة لم يضر ذلك الماء، وإن تغيرت فيه رائحته حتى تغير لونه أو طعمه، ولم يؤمر أهل البئر أن ينزحوا منها شيئًا، وإن وقعت حية، وماتت نزح منها قدر ما يطيبها، وإن لم يتغير، حكى ذلك أبو زيد في الثمانية، وقال أصبغ: (كل) الوجهين يفسد الماء (ويوجب إباحته) وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ أن الآبار الصغار كآبار الدور يفسدها ما مات فيها من شاة، أو دابة، أو دجاجة، وإن لم تتغير، ولا تفسد بما وقع فيها ميتة حتى تتغير.

وأما آبار السواني فلا تفسد، ولو مات فيها شاة إلا أن تتغير.
وأما البرك العظام فإنه يفسدها ما مات فيها، وإن لم يتغير، إلا أن تكون عظيمة جدًا.
قال ابن وهب: الدابة تموت في الجب يكون فيها ماء السماء، ولم يتغير الماء لكثرته إلا ما قرب منها قال: تخرج الدابة وينزع منها ما يذهب الرائحة واللون، فتطيب بذلك إن كان الماء كثيرًا وأنكره ابن القاسم وقال: لا خير فيه.
وفرق ابن وهبب في هذه المسألة بين الماء المشكوك الذي له مادة، والدائم الذي لا مادة له، وأصل ابن القاسم أن الماء الدائم بخلاف الماء المتحرك الذي لا مادة له، والمشهور ألا تحديد فيه، وإنما ذلك لكثرته، وقلته، وكبر الدابة، وصغرها.
وكان ابن الماجشون إذا سئل عن ذلك يقول ما نستقي أربعين خمسين، ستين، ولا تقف عند حد محصور.
قوله: "وما تغير وجب نزح جميعه إلا أن يزول التغيير (منه) ": ولو قال حتى ينفذ الماء لكان صوابًا، لأن حكم النجاسة مستدام إلى أن يرفع الماء، ولعله جعل زوال التغيير علمًا على نفاذ الماء.
وذكر فيما لا نفس له سائلة أنه لا ينجس بالموت وهو كما ذكره.
فرع: اختلفوا فيما فيه دم ينتقل إليه عن غيره كالبراغيث، هل يلتحق بما له دم، أو بما ليس بدم، ففيه قولان في المذهب: فألحق القاضي بهوام

نجس من (... )، ونحوها مما له دم أنه نجس بالموت، وقال سحنون في برغوث ودم وقع في الثريد لا بأس أن يؤكل، وهذا يدل على أنه لا ينجس، وجعل ابن حبيب البعوض في صنف ما ليس له دم، ولا خلاف أنه لا ينجس بالموت، ولا ينجس ما مات فيه، ومنه ما له دم، ولا خلاف أنه نجس بالموت، وينجس ما مات فيه على تفصيل ما قدمناه، ومنه ما فيه دم، وليس له دم - كالبراغيث والبعوض - ففيه قولان في المذهب.
قال القاضي -رحمه الله -: "لا يجوز التطهر من حدث ولا نجس ولا بشيء من المسنونات (والقرب) بمائع سوى الماء المطلق".
وهذا كما ذكره، لا خلاف فيه في المذهب، وشذ على مذهبه أبو حنيفة.
حيث جوز الوضوء بالنبيذ غير المسكر، وقد روي عنه أنه وافقهم في المسكر فقط.
والحديث الذي اعتمد عليه ليلة الجن ضعيف الإسناد، وقد قيل إن ابن مسعود أنكره، وفي المذهب خلاف شاذ في المائعات، هل تزيل النجاسات أم لا؟ والمشهور الاقتصار على الماء لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا﴾ وقوله -عليه السلام -: (حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء) فنص على الماء المطلق، فدل ما حوله بخلافه.

باب في الاستنجاء وآداب الأحداث

قال القاضي -رحمه الله -: " (ويختار) لمريد الغائط والبول أن (يبعد) بموضع لا يقرب منه أحد ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها".
شرح: هذا كما ذكره، ويؤخذ من هذه الترجمة أن الاستجمار داخل تحت الاستنجاء لأنه بوب على الاستنجاء، وأدخل فيه الاستجمار وأحكامه، وقد ثبت أن الاستنجاء مأخوذ من النجو، وهو المكان المنخفض من الأرض، وقد يطلق على الرفع أيضًا: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ [يونس: 92].
قال أهل العلم: نجوتك أي نجوتك عن الأرض ليكون (خطابًا من المستعطفين وغيره من المتعبدين) فسمى الاستنجاء بذلك، لأن الغالب في حال المستنجي أن يقصد الموضع المنخفض من الأرض، لأنه بعيد عن العيون، وقيل: إنه مأخوذ من قولهم: نجوت العود إذا قشرته وأصلحته، وسمى به لأنه في الاستنجاء تقشير النجاسة عن محلها وإذهاب لعينها.

قوله: "ويختار لمريد الغائط والبول أن يبعد": هذا كما ذكره، وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم -... وقوله -عليه السلام -: (إن كل سائلة يريد الرائحة وفي رواية يريد الصوت) وذكر في تهذيب الآثار أنه كان إذا أراد قضاء الحاجة يذهب (إلى المغسول) قال (ابن عمر): نحو ميلين عن مكة.
وأما الاستقبال والاستدبار فقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من منع ذلك مطلقًا في الصحاري والمدائن بناء على حديث أبي أيوب، ولم يعتبره ابن مسعود وغيره وهو قول عطاء والنخعي والثوري ومجاهد

وأبو حنيفة (وأبي أيوب).
وأجاز ذلك طائفة على الإطلاق [اعتمادًا] على حديث جابر قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم -أن نستقبلها وأجاز مالك ذلك في المدائن دون الصحاري جمعًا بين الأحاديث، وأجاز قوم الاستدبار، ومنعوا الاستقبال، اعتمادًا على حديث ابن عمر.
والصحيح ما ذهب إليه مالك، لأن فيه إعمال الأحاديث والجمع بينهما، فهو أولى من ادعاء النسخ.
واختلف المذهب في النهي عن ذلك، هل النهي لحرمة القبلة فيمنع مطلقًا، أو لحرمة المصلين فيمنع حيث يكون المصلي وفيه قولان.
واختلف المذهب أيضًا على قولين في التجريد هل تجري إجماعًا على مجرى قضاء الحاجة أم لا؟ وسبب الخلاف النظر في تحقيق المناط.

قوله: "ولا ينبغي له قضاء الحاجة على قارعة الطريق": قلت: النهي عن التخلي في الموارد (والطرقات) وقد (أمر) رسول الله -صلى الله عليه وسلم -فاعل ذلك خرجه أهل الصحيح، وذلك لما فيه من الضرر العام، وثبت نهيه -صلى الله عليه وسلم -عن البول في الماء الدائم لأنه أفسده، وأجازه في الجاري، إذ لا يفسد بذلك.
قوله: "ولا يكلم أحدًا في حال جلوسه للحدث": هذا (محمل) على الكراهية.
قوله: "وإذا أراد الاستنجاء فبشماله": قلت: النهي عن الاستنجاء باليمين ثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم -، والأمر فيه بين لما منع الاستنجاء به صحيح محرم، وقال به بعض أهل العلم، اعتمادًا على النية.
قوله: "والأفضل (له) أن يجمع بين الماء والأحجار": أجمع العلماء على أن الجمع أفضل لقوله تعالى: ﴿رجال يحبون أن يتطهروا﴾ [التوبة: 108] وفي بعض الآثار أنهم كانوا يجمعون بين الأحجار والماء.
وذكر أبو

داود أنهم كانوا يستنجون بالماء.
وروى الشافعي أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: (يا أهل قباء ما هذا الثناء الذي أثنى الله عليكم).
وأجمع جمهور العلماء على أن الآية نزلت في أهل قباء، وشك بعضهم فقال: إن المسجد المذكور في الآية، هو مسجد المدينة، وهو أصح.
وأجمع العلماء على جواز الاقتصار على الماء، وأجمعوا على جواز الاقتصار على الاستجمار مع عدم الماء، واختلفوا هل يجوز الاقتصار مع وجود الماء أو لا يجوز، والمشهور جوازه اعتمادًا على أنهم كانوا في الصدر الأول يقتصرون عليه، وأباه ابن حبيب، وتأول ما كان يفعله الصدر (تأويلاً) ضعيفًا.
وروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: "غسل اليدين نجاة" وقال سعيد بن المسيب، وقد سئل عن الاستنجاء بالماء، فقال: "إنما ذلك وضوء النساء" والجمهور على خلافه.
قوله: "فإن انتشر (عن) ذلك الموضع لم يجزئه إلا الماء": وهذا كما ذكره، لأنه لا يخرج حينئذ عن حكم الاستنجاء، وفيما قرب المخرج قولان، فقيل: لا يزال إلا بالماء، وقيل: يزال بالأحجار وبالماء، على أن ما قرب

الشيء حكمه كحكمه.
قوله: "ويستحب له أن يأتي بالثلاثة": وهذا كما ذكره لقوله -عليه السلام -: (من استجمر فليوتر)، وقد اختلف العلماء هل المطلوب الإنقاء فقط، أو الإنقاء والعدد، ومذهب مالك أن العدد يستحب، واختلفت الرواية هل يجوز الاقتصار على ثلاثة للمخرجين، أو يطلب لكل واحد منهما وترًا، وفيه قولان، وكذلك اختلفوا هل يعم بكل حجر جميع المخرج، أو يجعل حجرين للجانبين، وثالث لوسط المخرج، والأول مشهور المذهب.
واختلفوا إن اقتصر على حجر واحد له ثلاثة شعب، هل يجزئه أم لا؟ والصحيح حصول الإجزاء، بناء على أن المقصود النظافة والاستطابة.
قوله: "وكل جامد يحصل به الإنقاء فهو كالحجر في الإجزاء": وهذا كما ذكره.
وقد شد قوم فقصروا الاستجمار على الأحجار، والتراب وما في معناه.
قوله: "ويكره له العظم والبعر": لأن فيه حقًا للجن، والبعر أنه ملوث، وفي الحديث: (ولا تقربني حائلاً ولا رجيعًا) (ومن

إجزائه) "أخذ الحجرين ورمى الروث، وقال: إنها نجس".
وقال الشافعي: إذا استنجى بالعظم لا يجزئه، وفي بعض الآثار أن عمر بن الخطاب كان له عظم يستنجي به، ثم يتوضأ، وفي إسناده ضعف.

قال القاضي -رحمه الله-: "ومَن ترك الاستنجاء والاستجمار وصلى بالنجاسة... " إلى آخر الفصل.
شرح: اختلف المذهب في إزالة النجاسة على أربعة أقوال: الأول: إنها فرض مطلق؛ لقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر... ﴾ الآية، وقد قيل: إن المراد القلب؛ لأن الآية مكية [نزلت] قبل نزول الوضوء، وفيه نظر؛ لقوله -عليه السلام- في حديث المعذبين: (إنهما يُعذبان، وما يُعذبان في كبير... ) الحديث، وفي بعض روياته: (أما أحدهما فكان لا يستبرئ)، وفي آخَر: (لا يستبرئ مِن بول).

الثاني: إنها واجبة مع الذِّكر ساقطة مع النسيان؛ اعتمادًا على حديث النعلين، خرجه أبو داود، وفيه: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خلعهما وهو في الصلاة، فاتبعه الصحابة عندما أخبره جبريل أن فيه قذرًا... ) الحديث.
الثالث: إنها مستحبة؛ اعتمادًا على حديث سلى جزور.
الرابع: إنها سنة.
وعلى ذلك يترتب الخلاف في صلاة مَن صلى ولم يستجمر ولم يستنج، فقيل: يُعيد أبدًا، وقيل: يُعيد في الوقت، وقيل: إن كان عامدًا أعاد أبدًا وإن كان ناسيًا أعاد في الوقت.
واختُلِف في وقت الصبح، وقيل: يعيدها ما لم يقع الإسفار، وقيل: ما لم تطلع الشمس، وهو مبني على الخلاف في الإسفار: هل هو وقت اختيار أو وقت اضطرار؟ والخلاف فيه مشهور.
واختلف في وقت الظهر والعصر، فقيل: الإصفار، وقيل الغروب.

قوله: "ويكره له البول قائمًا": اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال: فمنهم مَن حرَّمه؛ اعتمادًا على النهي الثابت في حديث عائشة: (مَن حدَّثكم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بال قائمًا فلا تصدقوه).
ومنهم مَن كرهه.
ومنهم مَن

أباحه، اعتمادًا على حديث السباطة وفيه: (أنه بال قائمًا)، وروينا عن عمر بن الخطاب أنه قال البول: قائمًا أحصن للدبر.
وقيل: إن العرب تستشفي بالبول قائمًا، وقيل: إنما فعله -عليه السلام -لمرض، وقيل: لنجاسة الموضع.
قال القاضي -رحمه الله -: "كل مائع يخرج من أحد السبيلين" إلى آخره.
قلت: هذا كما ذكره، ولا خلاف بين العلماء في نجاسة ما خرج من أحد السبيلين إلا المني، ففيه خلاف بين العلماء.
فقال الشافعي: هو طاهر ويجزئ فركه، اعتمادًا على حديث عائشة، وقال مالك وأصحابه: هو

نجس، لأنه جرى مجرى البول ومخرجه، مع الاعتماد على الأحاديث المقتضية غسله أيضًا، وفرق قوم بين الرطب واليابس، فأجازوا فرك اليابس، وغسل الرطب، واختلفوا فيما خرج من فرج المرأة (من دم) هل هو نجس أجراه مجرى سائر المائعات الخارجة منه، أو طاهر أجراه مجرى عرقها.
قوله: "والدماء كلها نجسة، (من إنسان أو حيوان له نفس سائلة) تجوز الصلاة بقليلها ولا تجوز بكثيرها": هذا فيه تسامح لأن ظاهر الجواز يقتضي إباحة دخول الصلاة بالدم اليسير وهو ممتنع، وإنما الرخصة في العفو منه (بعد) رؤيته في الصلاة إلا دم الحيض ففيه روايتان، الأمر كما ذكره، فقيل: إنه كسائر الدماء يعفى عن يسيره، قيل: لا يعفى عن يسيره، ولا عن كثيره، لأن الله تعالى سماه "أذى"، وهذا فيه نظر، لأن كل نجس أذى، واختلفوا في دم الحوت هل هو نجس أجراه مجرى سائر الدماء، أو

طاهر لكونه غير مسفوح، قاله ابن القاسم.
مسألة: قليل النجاسة وكثيرها سواء لا يعفي عنه سوى الدم عند مالك، وقال الشافعي: النجاسات كلها سواء، الدم، وغيره لا يعفى عن قليلها ولا كثيرها بدليل حديث العرى وقال أبو حنيفة: قدر الدرهم من جميع النجاسات معفو عنه، وما زاد على ذلك يجب إزالتها، والدليل على خلاف قوله، حديث العرى، وظاهره الإطلاق في يسير البول وكثيره، وإنما رأى مالك العفو عن قليل الدم لعدم الانفكاك عنه والتحرز منه، وقد روى ابن القاسم عن مالك أنه يغسل ما قل من الدم وكثر كقول الشافعي.
فرع: إذا قلنا إن اليسير من الدم معفو عنه، فقد اختلف في حد اليسير، فحكى الداودي عن مالك أنه لا حد له، لقلوه في دم البراغيث أنه يغسل إلا أن ينتشر، وروى علي بن زياد في المجموعة عن مالك أن مقدار الدرهم من الدم لا تعاد الصلاة منه، ولكن تعاد من الفاحش الكثير المنتشر، وقال ابن حبيب: سئل مالك عن قدر الدرهم فرآه كثيرًا، وروى قدر الخنصر قليلاً.

قال المصنف عفا الله عنه: قدر ما فوق الدرهم كثير، وقدر القيراط فما دونه يسير، واختلفوا فيما بينهما، هل هو في حد اليسير أو الكثير، فيه قولان في المذهب، وقال ابن قتيبة: إن الدرهم الصنجي قليل ولو كان هو الماء، بحيث لو انتشر لعم جميع الثوب، وهذا فيه نظر، وقد قيل: إن قدر الدرهم كحافر البغل.
قال ابن حبيب: من لم يغسل موضع المحاجم من الدم حتى صلى لم يعد.
وفي العتبية عن أشهب: من جفف من غسل في ثوب فيه دم ألا يخرج بالتجفيف، فلا شيء عليه، وإن كان فيه دم كثير يخاف بلل التجفيف فليغسل داره منه.
فرع: إذا ألقى عليه في صلاته نجس قال سحنون: أرى أن يبتدئ صلاته، وقال أبو الفرج: يتمادى على صلاته وإن أمكنه طرحه، وكذلك

اختلفوا إذا رأى نجاسة في ثوبه في أثناء الصلاة: فروَى ابن القاسم عن مالك: أنه يقطع الصلاة، وقال غيره: يتمادى ويعيد إيجابًا أو استحبابًا على اختلاف في إزالة النجاسة هل هي فرض أم لا؟ وقال أبو الفرج: إن خف طرحه تمادى في صلاته ولم يقطعها.

وذكر القاضي: أن الأبوال تابعة للحوم، وهو أصل مذهب مالك في الألبان والأبوال.
وقال الشافعي بعموم نجاسة الأبوال.
والمعتمد لنا: حديث العرنيين، أباح لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- شُرب أبوال الإبل وألبانها، وتأوله الشافعي على أنه محل ضرورة.
واحتج علماؤنا بحديث طوافه -عليه السلام- على البعير ولا يُؤمَن منه الحدث.
ولا حجة فيه.

قوله: "وأجزاء الميتة كلها نجسة إلا ما لا حياة فيه": هو كما ذكره، أن ما تحله الحياة ينجس بالموت، وما لا تحله الحياة لا ينجس بالموت.
واختلف المذهب في أنياب الفيل على أربعة أقوال: التحريم، والكراهية، والإباحة، والفرق بين أن يسلق فينتفع به كالمدبوغ أو لا يسلق فلا ينتبع به.
قالوا: وأطراف القرون التي لا تؤلم البهيمة بقطعها ولا تنمو بنفسها ميتة.
وكذلك خصية الفحل تبقى معلقة بعد الخصي ميتة أيضًا؛ لأن نمو الحياة قد انقطعت عنها بانقطاع نموها.
ولو حلب من الشاة الميتة لبنٌ بعد موتها لم

يُشرَب، وقيل إنه يُشرَب؛ لأنه لو أخذ منها في حال حياتها لم يضرها.
ولو ماتت دجاجة فوُجدَت فيها بيضة؛ فهي نجسة في المشهور.

قوله: "وجلود الميتة كلها نجسة لا يطهرها الدباغ": تعقَّبه عليه بعض شيوخنا؛ لأن لفظه معارِض لنص قوله -عليه السلام-: (إذا دُبغ الإهاب فقد طهر).
والأولى أن يقول: إنما يطهرها الدباغ طهارة خاصة.
وقد اختلف المذهب فيه على قولين: فقيل: إنما يطهرها طهارة عامة، وقيل: طهارة خاصة.
وفائدة الخلاف: هل يُباع أم لا؟ فيه قولان.
وهل يُستعمَل في اليابسات فقط؟ أو المائعات واليابسات؟ فيه قولان جاريان على ما ذكرناه مِن عموم الطهارة أو خصوصها، والظاهر العموم.

باب في التيمم

قال القاضي -رحمه الله -: "وفصوله خمسة" إلى قوله: "وأما جوازه لتعذر الاستعمال".
شرح: التيمم يقال: تيممتك أي قصدتك مخففًا ومشددًا إذا قصدك وهو في الشريعة طهارة ترابية توجب مع الإضرار دون الاختيار، والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة.
كما قال الله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [النساء: 43] أي اقصدوا.
وحديث العقد ثابت، وبسببه أنزل الله آية التيمم، وقد قال -عليه السلام -: (إنما يكفيك ضربة لوجهك ويديك).

قوله: "فأما من يجوز له التيمم فكل محدث حدثًا أعلى أو أدنى": هذا مذهب الجمهور، وقد نقل عن ابن مسعود وغيره أن الجنب لا يتيمم، وروى ذلك عن عمر بن الخطاب والجمهور على خلافه والقائلون بأنه تيمم اختلفوا إذا وجد الماء هل يلزمه استعمالها أم لا؟ فقال الجمهور: إن وجود الماء ناقض لهذه الطهارة.
وقال أبو سلمة عبد الرحمن بن عوف لا يلزمه استعمال الماء، والدليل على خلاف ما ذهب إليه قوله -عليه السلام -: (فأمسسه جلدك).
قوله: "فإن وجد دون الكفاية لم يلزمه استعماله": وهذا كما ذكره، وحكمه أن يزيل به إذا كان عليه، فأما إن لم يكن عليه، إذا لم يلزمه استعماله وعدمه لشربه هذا عند الجمهور إلا من شذ (تعولاً) من الشواذ، لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾ وهذا واجد الماء، وهو ضعيف في النظر.
والمعنى: فإن لم تجدوا ماء كافيًا، فعليه يدل السياق.
قوله: "وذلك بأن يدخل الوقت": بيان أنه لا يتيمم قبل الوقت وبه قال الجمهور: بناء على أنه لا يرفع الحدث.

قوله: "وأما ما يخص فهو عادم الماء لا يجوز له التيمم إلا بعد طلب الماء وإعوازه": وهو مذهب الجمهور لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا﴾ واشترط في استعمال التيمم نفي الوجود، وليس يتحقق ذلك إلا بعد طلب الماء، وقد شذ قوم من أهل العلم فلم يوجبوا الطلب واستعمال (الأسباب) وهذا باطل، ولزمه الشراء بقدر ما لا يحجف به، وليس فيه حد محصور.
قال ابن الجلاب: ويمكن أن يحد بالثلث بناء على أنه يسير، أو ذلك مختلف بحسب الأحوال.
وذكر في تعذر الاستعمال وجوهًا، منها: متفق عليه في المذهب، وهو لخوف التلف، ومنها مختلف فيه، وهو ما دون ذلك، وشد الحسن بن جبير، فقال: يجب عليه استعمال الماء ولو خاف التلف.
ونص الكتاب والسنة يرد عليه: قال تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: 195] وقال: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: 29] وفي حدي أبي داود: (ما لهم قتلوه قتلهم الله، ألا تسألوا، إذ لم يعلموا) وخوفه على نفسه من لصوص أو سباع مبيح الانتقال إلى التيمم، فإن خاف تلف ماله فهل يبيح له التيمم أم لا؟ فيه قولان في المذهب، المشهور الإباحة لأن دين الله يسر، وأما إذا خاف إن تشاغل به فوات الوقت، فهل يبيح له التيمم أم لا؟ فيه قولان في المذهب، فروى البغداديون عن المذهب أنه يتيمم محافظة على الوقت، وقيل: لا يتيمم، ويلزمه استعمال الماء لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا﴾

واختلفوا إذا خاف فوات الجمعة بذهابه إلى النيل، والجمهور على أنه يجب عليه طلب الماء.
وقال: أهل الظاهر يبيح له الانتقال إلى التراب.
والخلاف مبني على وجوبه أو نفيه.
قوله: "أو أن يخاف على نفسه أو إنسان يراه التلف": أطلق ولم يفرق، ولا خلاف أن المسلم مقدم، وأن خوفه تلفه مبيح لانتقاله إلى التيمم، وهل يقدم الكافر، أم تقدم الصلاة عليه؟ لم أر فيه نصًا.
قال بعض الشيوخ: يحتمل الخلاف.
قوله: "بل يجوز للحاضر والمسافر": أما المريض والمسافر فالإجماع على أنهم من أهل التيمم، واختلفوا في المرض هل هو عام في كل مريض أو مخصوص، والظاهر أنه للمريض المانع من استعمال الماء لخوف شديد.
واختلفوا أيضًا في السفر المبيح للتيمم، فقيل: السفر المبيح لقصر الصلاة، وقيل: هو عام في كل سفر.
واختلفوا في الحاضر الصحيح، هل يباح له التيمم عند الماء أم لا؟ وفيه قولان في المذهب جاريان على الخلاف في المفهوم هل هو حجة أم لا؟.
قوله: "فأما صفة التيمم فهي أن يضع يديه على الأرض": قال بعض الشيوخ: مضموم الأصابع في الضربة للوجه، (ومفترقهما) في الضربة الثانية لليدين، لأنه لو فتح أصابعه في شربة الوجه لتعلق به التراب، فمسح حينئذ بتراب قصد به مسح الوجه، فيكون كالماء المستعمل، وزاد بعض الشيوخ: ويجعل أطراف الأنامل على الصعيد، ويمسح وجهه كله كما

يفعل في الوضوء فشذ قوم من أهل العلم فقالوا: يقدم اليدين على الوجه، وهو قول الأوزاعي.
قال أبو حنيفة: هو بالخيار إن شاء قدم الوجه، وإن شاء قدم اليدين.
ومبنى المسألة على الخلاف في "الواو" هل ترتب، أم لا؟.
ومنتهى اليدين في المسح المرفقان قياسًا على الوضوء، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، وقال علي بن أبي طالب وابن المسيب والأعمش والأوزاعي وعطاء وأحمد وإسحاق: يمسحهما.
وقال الزهري: يبلغ بالتيمم إلى الآباط والمناكب، وهو قول محمد بن مسلمة، ولا دليل عليه.
واختلفوا إذا اقتصر على الكوعين، وقلنا: إنه يقتصر، أو اقتصر على ضربة واحدة، وقلنا: إنه لا يقتصر، فقيل: لا إعادة عليه، وقيل: يعيد أبدًا، وقيل: يعيد في الوقت.
فرع: هل ينفض يديه من التراب أم لا؟ اختلف الفقهاء فيه فقال مالك: ينفضهما نفضًا خفيفًا، وقال الشافعي: لا بأس به، وقال أحمد: لا يبالي

نفض أو لم ينفض، وصح النفخ فيهما من حديث عمار بن يسار وهو أصل في الباب.
قوله: "فأما ما يتيمم به فالأرض نفسها وما تصاعد عليها": وهذا يجوز بكل ما هو على وجه الأرض.
قال الله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾.
واختلف العلماء في الصعيد، فقيل: وجه الأرض ترابًا كان أو غيره قاله ابن الأعرابي.
وقال: الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات، وقال غيره: الصعيد المستوي من الأرض، وقال الشافعي: لا يقع الصعيد إلا على تراب الأرض ذي غبار، وقال: الصعيد الأرض نفسها.
واختلفوا في الطيب، فقيل: الطاهر، وفيل: (المذهب)، وعلى هذا اختلفوا، هل يجوز التيمم على السباخ أم لا؟ والجمهور على جوازه خلافًا

لمجاهد، بناء على أن الطيب المنبت.
واختلفوا في غير التراب هل ينزل منزلة التراب أم لا؟ وفيه قولان في المذهب والجمهور على أنه ينزل منزلته مع وجود التراب وعدمه تعلقًا بلفظ الصعيد، وقيل: لا ينزل مع وجوده لقوله -عليه السلام -: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) وعموم قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ وقال -عليه السلام -: (الصعيد الطيب كافيك) وفي رواية: (التراب كافيك).
واختلفوا في المصنوعات، والمشهور من المذهب المنع لأنه (تغيرته) الصنعة، واختلفوا فيما لا يلصق باليد من التراب المنقول، والرمل الذي تسفيه الرياح هل يتيمم عليه أم لا؟ وفي المذهب فيه قولان، واختلف في الملح على قولين: أحدهما: جواز التيمم لدخوله تحت الصعيد.
الثاني: في ذلك لأنه بناء على منفعة.
الثالث: جوازه في المعدن دون السبخ، لأن السبخ منفعته حقيقة، بخلاف التيمم.
قال القاضي -رحمه الله -: "ولا يجوز الجمع بالتيمم بين صلوات فروض" إلى قوله: "ففيه روايتان".
شرح: اختلف المذهب هل يجوز الجمع بين فرضين بتيمم واحد م لا؟ والمشهور المنع، بناء على وجوب الطلب، وقيل: إنه جائز مطلقًا، وقيل: إنه

جارٍ التحميل