روضة المستبين في شرح كتاب التلقينصفحات 189-228

وقال الحسن (بن عيسى) في الجنب يدخل يديه في الإناء قبل أن يغسلهما أفسد الماء، ونفى بعض التأخرين الوجوب بالتحديد، ولا قاطع فيه وهل غسلهما للتعبد أو للنظافة، ففيه قولان في المذهب وكذلك اختلفوا هل يغسلان مجتمعين أو مفترقين، وهل يغسلان مرتين أو ثلاثًا، وقلنا قولان في المذهب مبنيان على اختلاف رواية عن ابن زيد، ففي بعضها أنه وصف وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قال: (فغسل يديه مرتين مرتين) وذلك يقتضي التفريق، وفي بعضها "مرتين"، وذلك يقتضي الجمع، وكذلك

اختلفوا إذا شك هل غسلهما ثلاثًا أو اثنين هل يأتي بالرابعة، بناء على الأقل المنفي، أو لا يأتي بها خوفًا من توقيع زيادة الرابعة، وهو مكروه فيه قولان بين الأشياخ.
قال القاضي -رحمه الله -: "بأي (وجه) كان انتقاض وضوئه" تنبيهًا على مذهب المخالف لأن من أهل العلم من قصره على النائم، والصحيح التساوي وسبب ذلك قاعدة قياسية، لأن مورد النص هو النائم، وألحق غيره من باب الجمع بالاشتراك بالعلة وهي مظنة النجاسة غالبًا.
قال ابن حبيب في الواضحة: إنما أمر النائم بغسل يديه قبل إدخالهما في الإناء لأنه قد ينال يديه نجاسة أو قذر يخرج منه ولم يعلم به وقال العراقيون من المالكية إنما أمر بذلك لأنه لا يكاد يسلم من حك جسده، فأمر بذلك تنظفًا وتنزيهًا، وقيل: (لأنه لا يكون يستخرجون)، وقد تبقى في المخرج نجاسة يابسة يصلها اليد في حال النوم، وعموم هذه التعاليل

داخل تحت قولنا: مظنة النجاسة غالبًا، وذلك مستحق في غير النائم، فيتساوى الحكم فيه، ومخرج الحديث عندنا على الغالب، وقصر بعض المالكية الحديث على النائم فقط، والاشتراك في المعنى يقتضي التساوي كما ذكرنا من الأحداث وأسبابه، (واقتصره) أحمد بن حنبل على نوم الليل تعلقًا بلفظ البيات ولا يستعمل إلا ليلاً.
واختلف المذهب هل يفتقر غسلهما إلى النية أم لا؟ فابن القاسم اشترط في ذلك النية بناء على أنه عبادة، وروى أشهب ويحيى بن يحيى عن مالك أن ذلك نظافة فلا يفتقر إلى النية.
وعلى ذلك الخلاف في غسل الجمعة أيضًا جمهور أصحابنا في أنه يفتقر إلى نية تعلقًا بحكم العبادات عليه.
قال الشيخ أبو الوليد: ويجيء على قول أشهب، والشيخ أبي إسحاق أن ذلك لا يفتقر إلى

نية، ولذلك أجازه بماء الورد وماء الريحان والزعفران ونحوه، بناء على أنه نظافة.
وكذلك اختلفوا في غسل الذكر من الذمي هل يفتقر إلى نية أم لا؟ بناء على أنه عبادة ونظافة ونزاهة كما ذكرناه.
وقوله: " (في) ليل أو نهار"": تنبيهًا على ما حكيناه عن أحمد بن حنبل، لأنه أوجب غسلهما في المستيقظ من نوم الليل دون نوم النهار تعلقًا بلفظ البيات، ولا يستعمل غالبًا إلا ليلاً.
قال القاضي -رحمه الله -: "وأما تطهير داخل الفم فإنه سنة" إلى آخر الفصل.
شرح: تكلم في هذه الجملة على حكم المضمضة والاستنشاق وغسل البياض الذي بين الصدغ والأذن، وحكم مسح الأذنين والترتيب.
أما المضمضة فهي مشتقة من مضه الدهر إذا حركه، وسميت بذلك لأن المضمضة تخضخض الماء فيه وتحركه، والاستنشاق مأخوذ من الشاق وهو زمام يكون في أنف البعير.
وقد اختلف العلماء في حكمهما، واتفق مذهب مالك -رحمه الله -على أنهما غير واجبتين في الوضوء والغسل، وقال أحمد وغيره؟ إنهما واجبتان، لأن

بهما تعرف رائحة الماء وطعمه.
وأوجب قوم الاستنشاق دون المضمضة، وأوجبها ابن أبي ليلى في الوضوء (دون الغسل)، ومنشأ الخلاف هل يتناولهما لفظ الوجه أم لا؟ والتفاريق غير صحيحة في النظر، والصحيح أنهما لا يتناولهما لفظ، إذ الوجه مشتق من المواجهة، ولو وجب غسل العضو القاصي في أصل الخلقة، لوجب (غسل ذلك) العينين، مع أن الوضوء يتناولهما نصًا فسقط وجوبهما، وثبت استنانهما بفعله -عليه السلام -الدائم الظاهر، ويجوز فيهما الجمع والتفريق على صفات شتى بحسب الإمكان، إذ ليس في ذلك حد محدود، ولا هيئة معلومة (لا تتعذر).
وروى النسائي عن لقيط بن صبرة قال: (قلت يا رسول الله أخبرني

عن الوضوء قال: أسبغ وبالغ في الاستنشاق إلا أن يكون صائمًا).
وقد جاء ذلك في الآثار الثابتة، وتاركهما سهوًا إن تركهما قبل صلاته فعلهما ثم صلى، وإن ذكر بعد صلاته فعلهما لما يستقبل ولم يعد وضوءه ولا صلاته عندنا، وإن تركهما عمدًا ففي بطلان صلاته وإيجاب الإعادة عليه قولان جاريان على تارك السنة متعمدًا عليه، والخلاف في ذلك مشهور، واستحب المبالغة في الاستنشاق إلا في الصوم خشية الفطر، وكذلك حكم المضمضة، واستحب بعض العلماء أن تكون المضمضة ثلاثًا ثلاثًا والاستنشاق لأنهما عضوان، واستحب بعضهم أن تفعلا ثلاث مرات من غرفة واحدة، لأنهما كعضو واحد، وحكى عن بعض أهل العلم أنه رأى النبي -عليه السلام -فسأله عن ذلك فقال: له لا بأس بالجمع والتفريق وقد جاء ذلك واختلف قول الصحابة فمنهم من عدهما فضيلتين، ومنهم من عدهما سنتين، وهو المشهور.
وقد تقدم الكلام في البياض الذي بين الصدغ والأذن، والصحيح أن

عرض الوجه في حق الأمرد، والملتحي سواء، وهو ما بين الأذنين، وهو قول أبي حنيفة والشافعي رواه ابن وهب في المبسوط عن مالك، وهو الجاري على مقتضى اللغة.
فأما مسح الأذنين فقد اختلف العلماء في حكمه، والجمهور على أنه غير واجب، ويلزم وجوبه على القول بأنهما من الرأس، كما يلزم وجوب غسلهما على القول بأنهما من الوجه.
وتحصيل المذهب في ذلك أن مسح داخلهما سنة أو فضيلة، واختلفوا في مسح ظاهرهما، فقيل: إنه سنة، وقيل: إنه واجب، والقولان في المذهب نصًا وإلزامًا.
وحكى القاضي أبو الوليد عن محمد بن مسلمة والأبهري أن الأذنين يمسحان فرضًا [ولم يفرقا بين ظاهرهما وباطنهما] قال: وذهب سائر أصحابنا يمسحان (فرضًا) وهو ظاهر (مذهب) مالك، والأصل في (إسقاطه) الوجوب الاعتماد على أنه وضوء، وعلى قوله -عليه السلام -للأعرابي: (أن توضأ كما أمرك الله).
واختلفوا في تجديد الماء لهما، وفي ظاهرهما ما هو، فقيل: الذي يلي الوجه، وقيل: الذي يلي الرأس القفا، والتحكم فيه إلى اللغة.
وقد جاء

عن النبي -عليه السلام -: تجديد الماء لهما، وعليه العمل عند جمهور العلماء.
والصماخ: ثقبة الأذن.
قال ابن حبيب: من لم يجدد الماء لهما فهو بمنزلة من لم يمسحهما، وقال محمد بن مسلمة: إن شاء جدد لهما الماء، وإن شاء لم يجدد، وقال أبو حنيفة: (لا) يستأنف الماء لهما.
قوله: "في صفة الترتيب أن يبتدئ بعد النية فيسمي الله -عز وجل": يتعلق

به حكم النية والتسمية.
أما النية فقد قدمنا الكلام فيها، وظاهر كلام القاضي أبي محمد أنه يعقد النية عند الشروع في طهارته، وأما التسمية فقد اختلف العلماء فيها، فقد رأى مالك إنكارها، وقال أيريد أن يذبح؟ إشارة إلى [أن] التسمية إنما شرعت عند الذكاة، وقيل: إنها فضيلة، وقيل: جائز ومخير فيها وأوجبها بعض أهل العلم لقوله -عليه السلام -: (لا وضوء لمن لم يسم الله عليه) وعن النبي -صلى الله عليه وسلم -: (إن العبد إذا سمى الله وتوضأ تطهر بدنه كله، وإذا توضأ ولم يسم لم يطهر إلا أعضاء الوضوء خاصة).
والأحاديث

في التسمية في الوضوء غير ثابتة عند أهل الإسناد.
قوله: في صفة غسل الوجه: "يبدأ من أعلاه": تنبيهًا على الأفضل حتى إنه لو بدأ في وسطه أو أسفله أجزأه.
لأن ذلك غسل لا مسح، وصفة الغسل في الهيئة للأعضاء المغسولة أن يلقى العضو بالماء، والماء بالعضو مع إمرار اليد حينئذ، فإن تناول الماء بيده، ثم أرسله ثم أمر بيديه على العضو المغسول، فهذا مسح لا غسل، فلا يقع به الإجزاء عند الجمهور، وقال أبو يوسف: إن مسح وجهه وغيره كمسح الظاهر أجزأه.
وقال النخعي: ما عهدناهم ينطحون وجوههم بالماء.
واختلف المذهب في كيفية رفع الماء للغسل، روى ابن القاسم عن مالك أنه يدخل الممسوح، فإن كان العضو ممسوحًا فغسله، فقال الشيخ أبو [إسحاق]: يجزئه، وقال ابن حبيب: في الخفين لأن الغسل مسح وزيادة.

وقد اختلف المذهب في حكم الترتيب على أربعة أقوال، فقيل إنه واجب، ولا تجزئ الطهارة إلا به.
اقله الشافعي وهي رواية عن ابن زياد عن مالك، وقيل: إنه ليس بواجب، ولا يشترط في صحة الطهارة، وهو قول أبي حنيفة، فمنهم من قال: إنه سنة، ومنهم من قال: مستحب، وهو اختيار أبي القاسم بن الجلاب، وروى عن ابن القاسم أنه واجب مع الذكر ساقط مع النسيان (لأنها) وردت (فيهما) ولا أصل في الإطلاق والخفيف إلا أن يقول إن المجاز خير من الاشتراك، ولا يتجه على هذا إلا أن يكون حقيقة في الجمع في الترتيب.
واختلف المتأخرون هل حكم الترتيب في المسنونات كحكمه في المفروضات أم لا؟ والمشهور أن الترتيب إنما ورد في الفرائض.
قال ابن حبيب: "من نكس وضوءه عامدًا أو جاهلاً يبتدئ، فإن فعل ذلك ناسيًا نظرت، فإن فعله في مسنون أو مفروض فلا شيء عليه، وإن كان بين مفروض أحدهما قدم وأتى بما بعده من مفروض، وهو قول مطرف، وابن الماجشون"، وروى ابن ابن مسلمة في المبسوط فيمن غسل رجليه قبل مسح رأسه وليس عليه أن يعيد غسل رجليه، لأن المسح خفيف.

قال القاضي -رحمه الله -: "وأما فضائله فالسواك بعود يابس أو رطب" إلى آخر الفصل.
شرح: اختلف العلماء في السواك، والجمهور على أنه ليس بواجب، خلافًا لأحمد وأصحابه، والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور قوله -صلى الله عليه وسلم -: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وقد روى: (عند كل وضوء)، واحتج أحمد بقوله -عليه السلام -: (ما لكم تدخلون قدحًا استاكوا) ومحمل ذلك عندنا على الندب والاستحباب.

وقد جاء في الحض عليه أخبار كثيرة، فقد جاء أنه -عليه السلام - (كان يستاك عند قيلته من النوم.
قبل الوضوء، وبعد الوضوء قبل الصلاة، وعند القيام إلى الصلاة).
وأما تكرار المغسولات فثابتة، واتفق العلماء على أن الواجب الإسباغ، والزيادة عليه ليست واجبة، وقال -عليه السلام -: (لا يقبل الله الصلاة إلا به) قاله لما توضأ، وصح أنه توضأ مرتين وثلاثًا ثلاثًا، وفي الصحيح: (قام إلى شن معلقة (يتوضأ) وضوءًا بين الوضوءين) يريد -والله أعلم -مرتين لأنه بين الواجب ذلك بحسب الأحوال.

وقد اختلف العلماء في الثانية والثالثة فقيل: هما سنتان، وقيل: فضيلتان، وقيل: الأولى سنة، والثانية فضيلة.
واختار الغزالي أن الثانية فضيلة، لقوله -عليه السلام -: (أتاه الله أجره مرتين)، وهذا يقتضي الفضيلة، والثالثة فضيلة، لقوله -عليه السلام -: (هذا وضوئي ووضوء النبيئين من قبلي) وهذا

يقتضي أنه سنة، وسنة مشهورة عن الأنبياء قبله.
واختار أبو إسحاق والشيخ أبو محمد وغيرهما من شيوخنا أن ينوي بالثانية تكميل الفرض إن كان قد تخلى منه شيئًا لم يعلم به، وفيه نظر لأن النية المترددة لا تنوب عن النية العازمة على مشهور المذهب.
قال ابن القاسم فيمن لم يذكر جنابة واغتسل على أنه إن كان عليه جنابة فهذا الغسل لرفع حكمها، ثم ذكر بعد ذلك جنابة قال: لا يجزئه رواه عيسى عنه، وقال عيسى: يجزئه.
وكذلك اختلف إن كرر الثانية بنية الفضيلة، ثم تبين له أنه أخل ببعض الفرض هل تجزئه نية الفضيلة عن نية الفريضة أم لا؟ فيه قولان، واحتج بقول ابن كنانة أن غسل الجمعة ينوب عن غسل الجنابة قال فكيف [بهذا] وفصل فيه القاضي أبو الوليد تفصيلاً انظره في المنتقى.
واختلف الأشياخ إذا شك في الثالثة، فكره بعضهم أن يعتقد في محله أن تكون رابعة فيقع في السرف الممنوع، وبعضهم أجاز ذلك، ورأى أنه فعل الثانية مع تجويز أن يكون بناء على أصل الشرع في البناء على الأقل، وإذا شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا، ومثله إذا شك في عرفة أن يكون يوم النحر فهل يكره صيامه مخافة الوقوع في المحظور أم لا يكره؟ بناء على الأقل فيه نظر

بين المتأخرين من الأشياخ.
واختلف العلماء في الممسوحات كالرأس هل تكرر أم لا؟ قاعدة المذهب نفي التكرار في الممسوحات وهو قول أبي حنيفة واستحب الشافعي فيه التكرار، وقد ثبت ذلك من حديث عثمان وغيره عن النبي -صلى الله عليه وسلم -، قال الإمام أبو عبد الله: أحاديث عثمان الصحاح تدل على أنه -عليه السلام -، مسح الرأس مرة واحدة، وقد روى ابن نافع عن مالك في صفة المسح في الرأس قال: يمسح مرة أو مرتين، فاستقرأ منه بعض شيوخنا تكرار الممسوحات، ورأى بعضهم أنه ليس من باب التكرار وإنما هو من باب استيفاء ما بقي منه في المسحة الأولى.
واتفقوا على نفي التكرار في التيمم، والمسح على الخفين، وهما يلحقان بالرأس على مشهور مذهب مالك.
واختلف المذهب إذا مسح رأسه، ثم حلقه، فقال مالك: ليس عليه إعادة المسح، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة عليه الإعادة، وفي المدونة عنه هذا من لحن

الفقه روايتان وتأويلان.
وقوله: "والثلاث أفضل من الاثنين": لأن لكل واحدة حظها من الإجزاء، وقد قال مالك: أكره الواحدة من غير العالم وفيه تأويلان: إما خشية الابتدائية، وإما لترك الفضل، وترك الفضائل مكروه، وقد روى عنه: لا أحب الواحدة إلا لعالم، يريد العالم بالوضوء، وأحكامه، لأنه يستوعب بها محل فرض بخلاف الجاهل فإنه عسى أن لا يكمل بها.
وقوله: "وما زاد على الثلاث (بعد إيعاب العضو المغسول) (فسرف) ممنوع": هو كما ذكره: سرف ممنوع مع الإسباغ، فإن بقي بعد الثلاثة لمعة غسل موضع اللمعة وحده دون العضو كله، وإعادته العضو كله خروجه إلى حد التجاوز والسرف.

باب ما يوجب الوضوء وما ينقضه بعد صحته

قوله: "يوجب الوضوء شيئان": شرح: قد يفهم من هذه الترجمة ما لا يحصل عنده الترادف والتكرار، وذلك باطل، وإنما قصد القاضي الكلام على حالين: أحدهما الحدث بالأصل، الثاني من طرأ عليه الناقض بعد وجوب الطهارة، هما صورتان متباينتان بالشخص، متساويتان في الحكم، وذكر أن الوضوء يجب بشيئين أحداث وأسباب الأحداث، وترتيب حكم الوضوء عنهما واحد وربما اختلف.
والفرق بين الحدث والسبب أن الحدث يقتضي الوضوء قليله وكثيره بخلاف السبب، لأنه مظنة، فينتقض الوضوء بما يتحقق فيه مظنة دون ما ينظر فيه غالبًا.
قوله: "هو (خارج) من أحد السبيلين من المعتاد دون النادر": تكلم

على قاعدة المذهب.
وقد تقرر أن الوضوء ينتقض بالخارج المعتاد على وجه الصحة والاعتياد.
وقيدنا في صفة الخارج المعتاد تحرزًا من النادر كالحصا والدم والدود، هل ينتقض بذلك الوضوء أم لا؟ اختلف المذهب فيه على ثلاثة أقوال، فقيل: إنه ينقض الوضوء إجراء له مجرى المعتاد، قاله: محمد بن عبد الحكم، وهو قول: أبي حنيفة والشافعي، وقيل: إنه لا ينقض، إعطاء له حكم نفسه، وهو المشهور من المذهب، والقول الثالث إن كان معه بلل ينقض الوضوء وإلا فلا، وهذا لأنه يشبه المعتاد إذا قارنه البلل والله أعلم.
وقوله: "فإن كان البول والمذي خارجين على وجه السلس والاستنكاح فلا وضوء فيهما واجب": قلت: لا يخلو صاحب السلس إما أن يقدر على التداوي أولاً، فإن قدر على رفع ذلك بالتداوي فنصوص المتقدمين على أنه معفو عنه، ولعل ذلك بناء على أن النجح مشكوك فيه، ومنهم من أوجب عليه الوضوء لكل صلاة بناء على غالب الظن النجح عند التداوي، وإن لم يقدر على

رفع دائه، فقد اختلف الفقهاء فيه، فقال الشافعي وأبو حنيفة أن السلس ينقض الطهارة على حال، وقال مالك: لا ينقضها كدم الاستحاضة.
وفصل المتأخرون ذلك فقالوا: إما أن تكون الملازمة أكثر، أو المفارقة أكثر، أو يتساوى الأمر فيه، ففي الصورة الأولى قولان إيجاب الوضوء واستحبابه، والمشهور الاستحباب والشاذ إيجاب الوضوء.
وفي الصورة الثانية قولان أيضًا المشهور إيجاب الوضوء، والشاذ استحبابه.
وفي الصورة الثالثة قولان الإيجاب والاستحباب، ومبنى ذلك على تحقيق المناط في المشقة هل هي حاصلة أم لا؟ فإن كان السلس لا ينقطع أصلاً، وهذه الصورة نادرة فلا معنى لإيجاب الوضوء ولا استحبابه.
واتفقوا على إيجاب الوضوء على صاحب السلس والخارج المعتاد، وكذلك إذا لاعب قاصدًا اللذة، ووجد اللذة، فالوضوء واجب في هذه الصورة لأنها خارجة عن باب السلس.
واختلف أهل العلم في السلس يجده المرء في صلاته، فذهب حذيفة

وزيد بن أسلم وثابت والحسن وعطاء وقتادة إلى أن البلل لا ينقض الوضوء، ولا يمنع صحة الصلاة حتى يقطر أو يسيل، وكان سعيد بن المسيب يقول: لا يبطل الوضوء ولا الصلاة وإن قطر وسال.
وقال مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب: "أنه سئل عن الرجل يجد البلل وهو في الصلاة فقال سعيد: لو سال على فخذي ما انصرفت حتى أقضي صلاتي"، وترجح عليه الرخصة في ترك الوضوء من المذي، ولعله إن ما حمله على ذلك فهو من قرائن الحال، وإلا فظاهر لفظه عام في البلل علة، مذيًا كان أو غيره.
وروى ابن نافع عن مالك إن وجد بللاً في الصلاة فلا ينصرف حتى يستيقن، إلا أن يكون مستنكحًا.
وحكى القاضي أبو الحسن في المرأة خرج منها دم الاستحاضة المرة بعد المرة عليها [... ] (وأنكر ذلك

[... ] واستحب (له) الوضوء)، وسئل مالك عمن اعتراه [المذي] المرة بعد المرة، فقال: عليه الوضوء إلا أن يستنكحه ذلك.
فرع: إذا قرن صاحب السلس، أو المستحاضة بين صلاتين بوضوء واحد، فقطع ذلك عنه في بقية من الوقت الثانية، فروى أشهب عن مالك في المستحاضة الإعادة عليها لأنها اجتهدت وصلت.
وروى ابن المواز عنه أنها تعيد الثانية، ويتخرج في مثله في صاحب السلس لاشتراكهما في أنه علة تعرض.
قال القاضي -رحمه الله -: "ويفسد الوضوء الردة" إلى قوله: "وأما مس الذكر".
شرح: اختلف العلماء في الردة هل تبطل الطهارة أم لا؟ وفي المذهب في ذلك قولان، والمشهور أنها تنقضها كما ذكره القاضي اعتمادًا على

قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الرمز: 65] الآية.
والطهارة عمل، قال كثير من العلماء: لا تبطل أعمال المرتد بنفس الردة، بل بالوفاة عليها لقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ [البقرة: 217] فشرط الوفاة في (الاحتباط) الاحتجاج بهذه الآية الثانية، لأنها عاملة، والأولى مخصوصة للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
قوله: "ولا يوجب الوضوء بشيء خارج من غير السبيلين": تنبيهًا على مذهب المخالف، ولهم في ذلك تفصيل.
وكذلك اختلفوا في ذبح البهيمة، وغسل الميت هل ينقض الوضوء أم لا؟ على ما أشار إليه القاضي بعد، والجمهور على أن ذلك غير موجب للوضوء.
فرع: إذا انفتق مخرج الحدث من غير السبيلين فلا يخلو إما أن ينسد المخرجان المعلومان أم لا؟ فإن انسد وكان المنفتق تحت المعدة فهو كالمخرج المعتاد، وإن لم ينسد فهل يجري مكان المنفتق مجرى المخرج المعتاد؟ فيه قولان في المذهب، وكذلك إذا كان فوق المعدة، وهذه خاصة بالحدث.
قوله: "وأما أسباب الأحداث فهي ما أدت إلى خروج الأحداث غالبًا (وهي) نوعان: زوال العقل، واللمس": وذكر أن زوال العقل يكون بأسباب النوم والجنون والإغماء والسكر، أما النوم فشبهة زوال العقل وإلحاقه بالجنون، والإغماء، فيه نظر عندي، بل النائم عاقل بأنه يشهد في حال نومه، بمعنى أن شرط التكليف حاصل له، ويتأكد هذا في خفيف النوم.
وقد قال

كثير من الصحابة ومن بعدهم: أن الأمر كان منها فكيف يتصور أن يكون النائم غير عاقل إلا أن يدعي في ذلك خصوصية الأنبياء ولو كان النوم زوالاً للعقل حقيقة لتعطل إحساس النفس باللذات والآلام.
وكل إنسان ينام، ولا يصدق إطلاق القول بأن كل إنسان يزول عقله كل ليلة، وقد أمر الله سبحانه به على الحيوانات وجعله راحة للنفس -وستأتي الأحكام -وذلك يدل على أنه نعمة، ولو كان فيه زوال العقل لكان نقمة، وإنما سماه الله سبحانه وفاة، لأن النفس لا تتعطل عن كثير من أفعاله البائنة، وأما النفس الحية المدركة، فلا يتعطل فيه البتة في يقظة ولا منام.
ويتعلق بمعقودها الكلام في انتقاض الوضوء به، وقد قال كثير من السلف: إنه لا مدخل له في نقض الوضوء البتات بدليل أن الصحابة كانوا ينامون حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون، ولا يتوضأون، وفي الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (اعتم ليلة بصلاة العتمة فبادر عمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم -حتى نام النساء والصبيان)، ولم يأمرهم -عليه السلام -بتجديد الوضوء، وصح عن أبي موسى الأشعري وغيره أنه إذا كان نائمًا يجعل حارسًا، والجمهور على أن له مدخلاً في نقض الوضوء.

واختلف قول مالك هل هو حدث بنفسه، أو سبب الحدث، وهو المشهور، وإذ قلنا إنه حدث، نقض قليله وكثيره، وهو قول المزني وغيره، ووقع في سماع ابن القاسم.
وجمهور المالكية في تفصيله فقسمه بعضهم بحسب حال النائم، وقسمه بعضهم بحسب حال النوم، فقال الأولون: إما أن ينام المرء قائمًا، أو راكعًا، أو ساجدًا، أو محتبيًا، أو مضطجعًا.
أما القائم فلا وضوء عليه، لأنها حالة لا يثبت فيها النائم، وفي الراكع والساجد قولان في إيجاب الوضوء وإسقاطه، والمشهور إيجاب الوضوء على النائم ساجدًا دون الراكع، لأن الساجد حصل له سببان ينقضان الوضوء، والراكع لم يحصل له إلا سبب واحد، فناقص على مرتبة الساجد.
واختلفوا في المستند، والصحيح إيجاب الوضوء عليه، وعلى المضطجع.
وأما المحتبي فلا يخلو أن يستيقظ قبل انحلال حبوته أو بعد انحلالها أو مع ذلك، فإن استيقظ قبل انحلال حبوته فلا وضوء عليه، وإن استيقظ عند انحلال حبوته، ففي إيجاب الوضوء عليه خلاف، الأحوط الإيجاب.

وأما من قسمه بحسب صفة النوم في نفسه فقال: لا يخلو (إما) أن يكون ثقيلاً طويلاً، أو خفيفًا قصيرًا، أو خفيفًا طويلاً، أو ثقيلاً قصيرًا.
فالصورة الأولى: توجب الوضوء، ولا وضوء عليه في الثانية.
وفي الثالثة والرابعة قولان إيجاب الوضوء واستحبابه.
وأما زوال العقل بالجنون والإغماء فيوجب الوضوء لأنه مظنة للحدث لا يشعر كالنوم، بل أحرى وأولى، وهل يوجب الغسل أم لا؟ فيه قولان في المذهب، المشهور أنه لا يوجب وقال ابن حبيب: من جن أو أغمي عليه (وجب عليه) الغسل لاحتمال أن ينزل وهو لا يشعر، وهذا فيه نظر، إذ لا يخفى إنزال الماء، فإن قدرناه خفي فهو عار عن اللذة فلا يوجب الغسل على الأصح.
وأما اللمس فقد اختلف الفقهاء فيه هل يوجب الوضوء أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا يجب به الوضوء مطلقًا، وفسر اللمس في قوله: ﴿أو لمستم النساء﴾ [المائدة: 6] بأنه الجماع، وهو قول (ابن عبدوس) صح عنه أنه قال: "ربنا حي كريم كنى لكم باللمس عن الجماع".
وقال ابن

عمر وابن مسعود المراد به في الآية اللمس باليد.
وقال زيد بن أسلم والأوزاعي والشافعي اللمس يوجب الوضوء مطلقًا.
واختلف قول الشافعي في لمس ذوات المحارم.
وتحصيل مذهب (مالك) أنه لا يوجب الوضوء على حال دون حال، وقسمه المتأخرون أقسامًا إما أن يقصد اللمس ويجد اللذة، أو يقصد ولا يجد، أو لا يجد ولا يقصد.
فإن قصد ووجد، وجب عليه الوضوء اتفاقًا عن المذهب، وإن لم يقصد ولم يجد فلا وضوء عليه، وإن وجد ولم يقصد وجب عليه الوضوء، وحكى بعض الشيوخ في هذه الصورة قولين، والصحيح ما ذكرناه.
وإن قصد ولم يجد فيه قولان: إيجاب الوضوء وإسقاطه، وأجرأه بعض الشيوخ

على الخلاف في رفض الوضوء هل يؤثر أم لا؟ قال القاضي أبو الوليد: والذي يتحقق من مذهب مالك وأصحابه أن الوضوء يلزم التذ بذلك أم لم يلتذ.
قال المصنف -رحمه الله -: "إنما يجب بقصد اللذة دون وجودها" فيه مناقشة، لأن ظاهره حصر الموجب في القصد، وبقي كون الوجود موجبًا، ومقصده خلاف ذلك، وهو أن الوجود ليس بشرط في الوجوب، بل يجري في حصول الوجوب مجرى القصد وإن لم يقاربه وجود اللذة، فمقتضى كلامه ومقصده تقدير الوجوب على القصد المفرد وإن لم يجد اللذة.
وأما اللمس فإن التذ توضأ، وإلا فلا وضوء عليه.
وفرق القاضي بين أن يكون الحائل خفيفًا، أو كثيفًا، بناء على ما أشار إليه القاضي من حصول اللذة مع الخفيف الكثيف، والمعتمد لنا في اللمس على حديث عائشة وفيه: (فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتها) الحديث.
قوله: "ولا فرق بين اللمس باليد أو بالفم (بغير القبلة) ": وقد اختلف المذهب في القبلة على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنها تنقض الوضوء مطلقًا، وبه قال كثير من السلف منهم ابن عمر وابن مسعود.

والثاني: اعتبار اللذة أنها إن كانت في الفم وجب الوضوء مطلقًا، وإن كانت في غيره اعتبرت اللذة، وفي المجموعة في قوله ليس على أحد الزوجين [... ] بغير شهوة من مرض أو غيره وضوء.
قوله: "ولا (فرق) بين الزوجة والأجنبية وذات محرم": يريد مع وجود اللذة والله أعلم.
قال القاضي -رحمه الله -: "وأما مس الذكر فالمراعاة فيه اللذة عند أصحابنا البغداديين كلمس النساء وعند المغاربة وبعض البغداديين ببطن الكف أو الأصابع فقط".
شرح: اختلف المذهب في مس الذكر هل هو من نواقض الوضوء أم لا؟ على أربعة أقوال: الأول: أنه ناقض للوضوء مطلقًا اعتمادًا على ما رواه عمر بن الخطاب وأبو هريرة، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وسعد بن أبي

وقاص وحفصة، ويزيد بن خالد الجهني وبسرة وأم حبيبة وأبو أيوب وابن عمر وغيرهم.
عن النبي -صلى الله عليه وسلم -أنه أمر بالوضوء من مس الذكر.
وألفاظهم مختلفة ومعناها واحد.
الثاني: أنه لا ينقض الوضوء أصلاً اعتمادًا على قوله -عليه السلام -: (وهل هو إلا بضعة منك) وقد قيل: إنه منسوخ، لأنه كان في أول الإسلام، وحديث

أبي هريرة كان عام خيبر.
والقول الثالث: أنه إن مس الذكر عامدًا وجب عليه الوضوء، وإن مسه ناسيًا فلا وضوء عليه، لأن حكم النسيان مرفوع في الشريعة مع أن الغالب عدم (اللذة).
والقول الرابع: اعتبار باطن الكف، فإن مسه بباطن الكف وجب عليه الوضوء، لأن الغالب اللذة لما فيه من اللطافة، فالوضوء به.
وإن مسه بظاهر كفه فلا وضوء عليه إلا أن يلتذ، واختلفوا في باطن الأصابع هل تنزل منزلة الكف أم لا؟ وفيه قولان في المذهب.
وقدم جمهور العلماء حديث أبي هريرة وبسرة وغيرهما على حديث طلق لما ذكرناه من التاريخ.
تفريع: إذا أمرناه بالوضوء ولم يتوضأ، فقد اختلف فيه المذهب، فروى ابن القاسم، وابن نافع عن مالك أنه يعيد الصلاة في الوقت، وروى ابن القاسم نفي الإعادة مطلقًا، وذهب العراقيون من أصحابنا إلى وجوب الإعادة في الوقت وبعده وبه قال ابن نافع، وابن دينار، وقد روى مالك

عن عبد الله بن عمر أنه أعاد الصبح بعد ما طلعت الشمس، وكان مس ذكره وصلى ولم يتوضأ، وروى الزهري (و) سالم بن عبد الله بن عمر: أن الصلاة التي أعاد عبد الله بن عمر هو العصر.
فرع: إذا مسه من فوق حائل، فقد اختلف المذهب فيه فقيل: بإيجاب الوضوء مطلقًا، ولو مسه من فوق الحائل بدعة، وقيل: إن كان خفيفًا توضأ، وإن كان كثيفًا فلا وضوء عليه، إلا أن يلتذ.
فرع: إذا مسه بإصبع زائدة فهل يجب عليه الوضوء أم لا؟ فيه قولان في المذهب: إيجاب الوضوء وإسقاطه.
فرع: إذا مس غيره من جنسه أو من غير جنسه أو ذكرًا مقطوعًا أو ذكر صبي، أو فرج بهيمة فهل يجب عليه الوضوء أم لا؟ قولان في المذهب.
قوله: "ومس المرأة فرجها مختلف فيه": قلت: اختلف المذهب على أربعة أقوال: إيجاب الوضوء، واستحبابه وإسقاطه وإيجابه إن لطفته أو قبضته وإلا فلا.
قال إسماعيل بن أبي أويس: سألت خالي مالك بن أنس،

فقلت له: ما ألطفت؟ قال: أن تدخل إصبعها بين شفرتيه، قلت: وقبضت قال: أن تشد عليه يدها وتقبضه، وذلك مظنة اللذة غالبًا، والصحيح إن مسته أن الوضوء ينقض عليها لقوله -عليه السلام -: (من مس فرجه فليتوضأ).
واختلف المذهب في الإنعاظ بمجرده، فروى ابن نافع عن مالك أنه لا يوجب الوضوء ولا غسل الذكر.
قال الشيخ أبو إسحاق: من نعظ إنعاظًا قويًا انتقض وضوئه وهو قول مالك، وفرق شيوخنا إن كانت عادته لا يباشر إلا عن لذة، توضأ، وإلا فلا وضوء عليه.
قوله: "ولا وضوء من مس الأنثيين": قلت الوضوء من مس الأنثيين

لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم -حين سئل عن الماء يكون بعد الماء فقال: (ذلك المذي وكل فحل يمذي فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة) يريد من المذي.
واتفق جمهور العلماء على أن مس الأنثيين لا يوجب الوضوء، وأوجبه عروة ومن اتبعه (فمن شاء)، وكذلك إذا مس ما بين أليتيه فلا وضوء عليه عند جمهور أهل العلم.
وقال الليث: عليه الوضوء.
وأما مس الدبر فالمشهور من المذهب أنه لا وضوء عليه بناء على لفظ الفرج والذكر لا يصدقان عليه.
وروى حمديس القفصي عن مالك

وجوب الوضوء منه، وبه قال الزهري والشافعي وجماعة من العلماء.
وأما أكل ما مسته النار فالخلاف في إيجاب الوضوء منه، مشهور بين الصحابة، واستقر جمهورهم على ترك الوضوء من ذلك حملاً على الأحدث فالأحدث من أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم -. وكذلك اختلفوا في القهقهة، وفيمن مس صبيًا يحمل منيًا هل يجب الوضوء بذلك، والجمهور على إسقاط الوضوء من ذلك، إذ لم تثبت سنة تقتضي إيجاب الوضوء والله أعلم.
وأما من ذبح الماشية فلا أعلم أن أحدًا أوجب الوضوء به، ولعل القاضي إنما نبه على خلاف اطلع عليه.
فرع: يتعلق بهذا إيجاب الوضوء الأول، إذا تعين أنه أحدث قبل (الوضوء) أو بعده بخلاف في إيعاب الوضوء وهذا من باب تعيين الحدث، والشاك في الطهارة، وروى القاضي أبو الحسن عن مالك أن شك في الحدث في نفس الصلاة فلا وضوء عليه، وإن شك خارج الصلاة فلا وضوء عليه وهو قول العلماء.

باب ما يوجب الغسل

قوله: "يجب الغسل على الرجل بشيئين" إلى آخره.
شرح: وهذا كما ذكره الغسل يجب بإنزال الماء الدافق للذة في اليقظة والمنام، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الاحتلام لا يوجب غسلاً وإن أنزل، ولعله بناء على أن النائم في حال نومه غير مكلف عنده.
قوله: "للذة" احتراز من إنزاله لغير اللذة، وهل يجب الغسل بإنزاله عاريًا عن اللذة أم لا؟ فيه قولان في المذهب مبنيان على النادر هل يعطى له حكم نفسه أو حكم الأكثر، وكذلك إذا قارنته اللذة غير المعتادة، ففي المذهب فيه قولان كاللدغ، أو ضرب سوط، أو سائق، أو أنزل في ماء ساخن فأمنى، والظاهر في هذه الصورة إيجاب الوضوء لأنها تشبه المعتادة، وكذلك اختلفوا إذا خرج منه الماء، فاغتسل، ثم خرج منه الماء بعد ذلك هل يجب عليه الغسل أم لا.
وفيه قولان في المذهب.
قوله: "والإيلاج بالحشفة في قبل أو دبر": [... ] وابن القاسم

المتفق عليه، كان الإيلاج محرمًا أو جائزًا فهو في إيجاب الغسل به سواء، وأما الإيلاج في الدبر محرم في الزوجات على خلاف في المذهب وغيره، ويحرم في غيرهن إجماعًا من أهل الملة، ولم يختلفوا في وجوب الغسل به.
قوله: "وخروج الولد": محمول على إطلاقه، واتفقوا على أنه يوجب الغسل إذا خرج معه الدم، فإن خرج عاريًا عن الدم، ففي إيجاب الغسل بذلك قولان الظاهر إيجابه، إذ لا ينفك عن الدم غالبًا وإن قل.
واختلف المذهب في الولدين يخرج أحدهما بعد الآخر، هل يتكرر عليها الغسل بخروج الولد الثاني أم لا؟ وفيه قولان في المذهب، والظاهر اعتبار الطوارئ والمعهود، فيترتب على كل واحدة حكمها.
قوله: "وعليها بإسلام الكافر منهما" ويتعلق بهذا الكلام في غسل الكافر هل هو واجب أم مستحب وفيه قولان في المذهب الوجوب لقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: 28] ولقوله -عليه السلام -في حديث ثمامة: (اذهب فاغسل بماء وسدر) وظاهر الأمر الوجوب.

والاستحباب لقوله -عليه السلام -: (الإسلام يجب ما قبله) ويلزم على مقتضاه سقوط الطهارة الصغرى عنه إلا أن يقال إنها واجبة على كل قائم إلى الصلاة، ففيه نظر.
تحقيقه التساوي، فتأمله.
وسيأتي الكلام في غسل الجمعة والعيدين.

باب صفة الاغتسال

قال القاضي -رحمه الله -"باب صفة الاغتسال".
تكلم في هذا الباب على مفروضات الغسل، ومسنوناته ومستحباته، وذكر أن المفروضات ثلاث منها التدلك ووجوبه في أصل مذهب مالك، وروى الشافعي وغيره أن التدليك ليس بواجب مطلقًا وهو قول أبي الفرج من المالكية، ولابن عبد الحكم في ذلك قولان: أحدهما: أنه ليس بواجب مطلقًا وهو قول الشافعي، وأبي الفرج، والثاني: أنه ليس بواجب في الطهارة الكبرى دون الصغرى وهو قول ابن عبد الحكم جاريًا على مذهب الشافعي.
ولا ينبغي أن يعزى إلى المذهب، لأنه في مذهب الشافعي، وإنما عدل عنه عند اختصار الشافعي حين أشار لأصحابه ثم [... ] المتوضئ اجتماعهم إليه بعد موته، وكان ابن عبد الحكم يظن أنه يخصه بذلك فكان بعد

ذلك تخلف مذهبه، وربما وقع فيه.
والمعتمد للشافعي وجوب التدلك على أنه شرط في تسميته "غسلاً" لغويًا بدليل أن العرب تفرق بين الغمس، والغسل لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: 6] الآية، والمبالغة تقتضي الثلاثة لأنه أبلغ في النظافة، وفيه نظر، لأن المبالغة قد جاءت في التيمم، ومبناه على المسح المشروع تخفيفًا.
واختلف في مسائل: الأولى: هل يشترط أن يكون العرك ملازمًا لصب الماء أو لا يشترط ذلك؟ فيه قولان في المذهب، والظاهر أنه إن كان عقبه أجزأ، لأن المقارنة حرج، وقد أسقطته الشريعة.
المسألة الثانية: اختلفوا إذا بقي في جسده موضع لا يصل إليه بيديه، فقيل: يلزمه الاستنابة وقيل: لا يلزمه ذلك، ى ويكفيه أن يكثر من صب الماء فينوب له ذلك منابة التدلك، وقيل: إن كان كثيرًا استناب، وإن كان يسيرًا بالغ في صب الماء وأجزأه.
قوله: "ويفعل الغسل بما يفعل به الوضوء من الماء المطلق": وهذا متفق عليه وانظر هل يجوز قول الحنفية في نبيذ أم لا؟ ومقتضى القياس جوازه في الغسل قياسًا على الوضوء، وذكر في تخليل اللحية في الغسل روايتان: أحدهما الوجوب، والأخرى أنه سنة، وقد روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم -: (أنه كان يخلل لحيته في الغسل) يروى عنه -عليه السلام -أنه قال: (تحت

جارٍ التحميل