روضة المستبين في شرح كتاب التلقينصفحات 477-497

واختلف العلماء في الحبوب والثمار هل يشترط فيها النصاب أم لا؟ فقال الجمهور باشتراط النصاب فيها لمقتضى نص قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ليس فيما دون الخمسة أوسق الزكاة).
وقال أبو حنيفة: لا يشترط النصاب في الحبوب لعموم قوله -عليه السلام-: (فيما سقت السماء العشر) وضعفه الجمهور لأن المقصود منه بيان المقدار المخرج، لا بيان القدر المخرج منه مع أنه عام والخاص يقضي على العام، ولم يشترط فيه الحول لقوله سبحانه: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾.
قوله: ((وهي واجبة في المقتاة وما يجري مجراه)): هذا هو أصل المذهب، وقد اختلفت الروايات فيه عندنا، فقال ابن الماجشون: الزكاة واجبة في كل شيء كالرمان والتفاح والسفرجل، والرواية الثانية: أنها تجب في كل مقتاة، متخذ للعيش غالبًا، والرواية الثالثة: أنها تجب في كل ما يخرج من الحبوب.
والرواية الرابعة: أنها تجب في كل مقتاة، وإن لم يكن أصلًا للعيش كالتين ونحوه.
قال ابن حبيب: يزكي بالأندلس، لأنها عندهم قوت، واختلف في زريعة العصفر، فقيل: يزكى، وقيل: لا زكاة فيه، وقيل: إن أكثر زيتها وجبت فيه الزكاة، وإن قل لم تجب، وكذلك اختلفوا

فيما لا يزبب من العنب وفيما لا يخرج زيتًا من الزيتون، وفيما لا يصير ثمرًا في النخل هل في ذلك كله زكاة أم لا؟، وفيه قولان عندنا: وجوب الزكاة وإسقاطها، وقد روي عن مالك في كتاب محمد إسقاطه في القطاني وكذلك اختلفت الرواية في حب الفجل والكتان هل فيه زكاة أم لا؟.
وكل ذلك نظر في تنقيح مناط الحكم، لأن الشارع صلوات الله عليه قصد نص على التمر تنبيهًا به على مقتضى العلة الذي علق الشرع الحكم عليها وهي الاقتيات الغالب، إذ كان التمر غالبًا القوت بالحجاز، ثم تعلق أصحابنا بما ذكرناه من لفظ ((الحصاد)) والحب والكيل، وكل ذلك غير مطرد في البقول.
قوله: ((وتجب الزكاة بطيب الثمر ويبس الزرع)): وهذا الأصل قد اختلف المذهب فيه على أربعة أقوال: الأول: هو المعتبر الذي حكاه القاضي -رحمه الله-.
وهو المعروف عن مالك.
قال مالك: إذا زها النخل، وطاب الكرم وأفرك الزرع فاستغنى عن الماء واسود الزيتون أو قاربه وجبت فيه الزكاة هذا نص المتقدمين من أصحابنا.
الثاني: أنهما إنما تجب في الحبوب والثمار بالخرص وهو قول المغيرة.
الثالث: أنها إنما تجب بالجداد وهو قول ابن مسلمة.

الرابع: أنها تجب ببدو الصلاح.
والأول هو المشهور لأن الطيب واليبس نهاية الكمال، والصحيح الانتفاع، وأما من أوجبها فينزل الخارص منزلة الساعي، وزكاة الماشية إنما تجب بخروج الساعي على ما فيه من اختلاف.
وأما من اعتبر الجداد فينزله منزلة الحصاد المنصوص على اعتباره في الآية ومن اعتبر بدو الانتفاع اعتبر بدو الصلاح.
وتظهر فائدة ذلك الخلاف إذا مات رب الثمرة، أو باع في أثناء هذه الأحوال، فلا خلاف في وجوب الزكاة عليه إن باع بعد الجداد، وكذلك في الموت، ولا خلاف في سقوطها عنه إذا باع أو مات قبل بدو الصلاح، واختلف إن مات في أثناء ذلك على الاختلاف المذكور.
فرع: إذا باع الثمرة بعد وجوب الزكاة عليه، وقبل إخراجها فهل يرجع المصدق على المشتري إن وجد الثمرة بعينها أو يتبع البائع، ولا شيء على المشتري، فيه قولان.
قال ابن القاسم: يرجع المصدق على المشتري، لأن الزكاة متعلقة بالعين، فلم يرجع المشتري على البائع إذا أيسر.
وقال أشهب: يتبع المصدق للبائع ولا شيء له على المشتري، لأن الوجوب متعلق بالبائع.
فرع: إذا باع الثمرة بعد وجوب الزكاة عليه، فاشترط الزكاة على المشتري للقدر الواجب عليه وهو نصف العشر.
قوله: ((وكل جنس معتبر بنفسه)): وهذا كما ذكره والأصل في ذلك تقارب المقصود، واتفاق المنفعة المقصودة غالبًا، والمنصوص عندنا أن القمح والشعير والسلت صنف واحد، وقيل: هما صنفان، ووافقه

بعض المتأخرين كالسيوري وغيره.
واختلف المذهب في القطاني فقيل: إنها صنف واحد في الزكاة والبيوع وقيل: إنها أصناف مختلفة.
والقول الثالث: إنها صنف واحد في الزكاة تغليبًا لحق الفقراء، واحتياطًا لهم، وأصناف مختلفة في البيوع، وقد كان مراعاة جانب الاحتياط في البيوع يوجب كونها جنسًا واحدًا احترازًا من الربا.
قوله: ((وإذا (كان) نوعًا واحدًا أخذ الزكاة منها)) إلى آخره.
قلت: الأصل في أخذ الزكاة من العين الذي تعلق منها الوجوب، فإذا كانت العين نوعًا واحدًا فلا إشكال حينئذ، وإن كانت أنواعًا مختلفة فالوسط عدل بين الفقراء، وأرباب الأموال هو مقصود الشرع، وقيل: يؤخذ من كل نوع بقدره كما ذكره القاضي، وهو سديد، اعتبارًا لكل عين بنفسها، كذلك وقع في كتاب محمد وقد قيل: إذا كان كله جيدًا أخذ منه، وإذا كان كله رديئًا أخذ منه، ولا يكلف المزكي أن يأتي بما ليس عنده رفعًا للحرج والمشقة.
قال القاضي -رحمه الله-: ((والنصاب خمسة أوسق)) إلى قوله: ((ويخرص الرطب)).
هي ستة أقفزة، وربع قفيز بإفريقية.
والواجب فيه معتبر بسقيه فما احتاج إلى آلة كالدلو وغيره، ففيه نصف العشر تخفيفًا على أرباب الأموال،

وما شرب سيحاً أو بعلًا أو من ماء السماء والعيون ففيه العشر بلا خلاف إلا أن يكون رب الأرض لا يملك ذلك، وإنما يشرب بالثمن، فهل يجري مجرى أصله، أو مجرى ما يسقى بالدلو فيه قولان عندنا، فقيل: فيه نصف العشر، لأن شراءه بالثمن يتنزل منزلة الآلات، وقيل: فيه العشر اعتبارًا بأصله، ولأن المؤنة ربما كانت فيه أحف من المسقى بالدلاء، فإن سقى بالأمرين بالنضح والسماء ففيها تفصيل، إن كان أحدهما أكثر فثلاثة أقوال: أحدها: اعتبار الأكثر، فيعطى حكمه بناء على أن الاتباع غير مراعاة (بنفسها) وهو الذي حكاه القاضي.
والثاني: كل واحد بنفسه.
والثالث: النظر إلى (الأخير) (منهما) لأن به حيي الزرع، فإن حيي بماء المطر فالعشر، وإن حيي بماء الدلاء والسواني، فنصف العشر، وإن تساوى الحال فيهما، فإن سقى بهما معًا سقيًا واحدًا ففيه قولان في المذهب، فقيل: الواجب فيه ثلاثة أرباع، وقيل: المعتبر الأخير الذي حيي به الزرع.
قال القاضي -رحمه الله-: ((ويخرص الرطب والعنب)) إلى آخر الفصل.
شرح: الأصل في الخرص أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (بعث عبد الله بن رواحة

إلى يهود خيبر للخرص بينه وبينهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي فكانوا يأخذونه) الحديث.
وخرج الترمذي في حديث: (عتاب بين المنذر بن الأسد) أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم) وخرج أيضًا من حديث سهل بن أبي حثمة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: (إذا خرصتم فخذوا ودع الثلث فإن لم تدع الثلث فدع الربع) وهذا رد على أبي حنيفة حيث قال: الخرص باطل لأنه قال من باب المزابنة إذ فيه بيع التمر بالتمر كيلًا وتأولوا قصة أهل خيبر، وقد ذكرنا ذلك في شرح الحديث، ولا خلاف في مذهب مالك في جواز خرص النخل والعنب، واختلف مذهب مالك هل (يخرص) الزيتون والزرع إذا احتاج أهله إلى الأكل منه أم لا؟ فقال ابن الماجشون: يخرص ذلك عليهم، وقال ابن

عبد الحكم، وقال داود بن علي: لا خرص إلا في النخل إذا أزهت وأمنت (من) العاهات، لأنه الذي كان غالبًا تختبر حينئذ.
واختلف أشياخ المذهب في علة منع خرص الزيتون، فقيل: لأن أوراقه تستره، وقيل: لأنه لا يؤكل رطبًا بخلاف النخل، وإذا قلنا بالخرص فقد اختلف المذهب، هل هو شهادة فلا يكفي فيه أقل من خارصين، أو حكم فيكتفي فيه بخارص واحد، وفيه قولان في المذهب، وكذلك اختلفوا في القائف والطبيب وحاكم الجزاء في الصيد.
وحديث عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف أصل في ذلك.
واختلف المذهب هل يخفف عن أصحاب الثمار في الخرص للغرباء والضيف أم لا؟ وعندنا فيه قولان، فقال في المدونة: لا يترك لهم شيء، وقال ابن حبيب: يخفف عنهم وهو الصحيح اتباعًا لأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك.
وإنما بنى في المشهور على أن الزكاة وجبت بالطيب، فلا يجوز إسقاط الواجب، ولا شيء منه.
قوله: ((ولا تضر مخالفة الوجود للخرص)): هذا إذا ثبت على غلط

الخارص.
وتحصيل القول فيه: أنه إن لم يكن عارفًا بالخرص، فالرجوع إلى ما تبين لا إلى قوله.
وإن كان من أهل المعرفة، ثم تبين أنه أخطأ فزاد أو نقص فهل يؤخذ بقوله أو بما تبين، فيه قولان في المذهب مبنيان على الاجتهاد هل يرفع الخطأ أم لا؟ والخلاف فيه مشهور.
قال الشيخ أبو القاسم: إذا كان الإمام عدلًا، والخارص عدلًا فالخرص حكم متبع لا سبيل إلى نقصه في الزيادة والنقصان، فلا ينقص الزكاة مع النقص، ولا يزاد مع الزيادة، وإن كان الإمام والخارص جائرين زكى رب المال على ما وجد، وروى عن مالك أنه إذا زاد الخرص فأحب إلى أن يؤدي عن الزيادة، قال بعض القرويين: أحب بمعنى أوجب، وقال غيره: هو على ظاهرة، ثم تكلم القاضي على ما لا يزبب من العنب، ولا يثمر من البسر، وجعل المثل والثمن في ذلك كالعين.
واختلف فيما يستعمل (منه زيت) إذا بيع قبل تناهيه فقيل: يخرج زكاة من ثمنه، وقيل: من حبه أو دهنه.
حكاه الشيخ أبو القاسم.
ثم تكلم على الخضروات والبقول والخلاف في ذلك مشهور، وقد تقدم من ذلك ما فيه كفاية.

باب زكاة الفطر

قال القاضي -رحمه الله-: (((وزكاة الفطر) تلزم الرجل عن نفسه)) إلى آخر الباب.
شرح: اختلف العلماء هل مأخذ زكاة الفطر من الكتاب والسنة، أو من السنة فقط، فقال بعضهم: إن الكتاب دال عليهما عمومًا وخصوصًا.
أما من جهة العموم فلدخولها تحت عموم قوله سبحانه: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة] [البقرة: 43].
وأما من جهة الخصوص فلقوله تعالى: {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى﴾ الآيات [الأعلى: 14 - 15]. والمراد زكاة الفطر، وصلاة العيد، وقيل: إن وجوبها (من السنة) ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر قال: (فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين حرًا، أو عبدًا، رجلًا، أو امرأة، صغيرًا أو كبيرًا صاعًا من تمر، وصاعًا من شعير) هذا خرجه مسلم، ومن العلماء من ذهب إلى أنها منسوخة بالزكاة المفروضة، وعن قيس بن سعد قال: أمرنا

رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهانا، ونحن نفعلها وكنا نصوم عاشوراء فلما قرض شهر رمضان لم يأمر ولم ينه).
وأمر الله سبحانه (بها) لحكمتين: الأولى: أن تكون طهرة تقرب للصوم.
الثانية: إغناء الفقراء عن سؤال يوم العيد، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (أغنوهم عن سؤال هذا اليوم) وفي مذهب مالك -رحمه الله- في حكم هذه الزكاة قولان فقيل: هب واجبة، وقيل: هي مسنونة، وروى عن مالك أنها فرض بالقرآن لدخولها تحت عموما قوله في الآية المقتضية وجوب الزكاة، وتأول بعض المالكية ((فرض)) في حديث ابن عمر بمعنى ((قدر)) لا بمعنى ((وجب)).
قوله: ((تلزم الرجل عن نفسه)): هذا كما ذكره سواء كان (مالكًا لنصاب) أم لا.
عندنا إذا كان له فضل عن قوت يومه، وإن لم يجد إلا قوت يومه لم يلزمه إخراجها.
هذا أصل المذهب.
وقد اختلفت الروايات عندنا، فوقع في المذهب إن كان من يجوز له أخذ زكاة الفطر لا يجب عليه إخراجها، وقال عبد الملك بن الماجشون في المبسوط من حلت له سقطت عنه، وفي

كتاب محمد: قيل: من له عشرة دراهم، فأخرج زكاة الفكر أيأخذ منها؟ فقال: يخرج، ويأخذ إذا كان هكذا فلا يأخذ منها.
قال القاضي أبو محمد يخرجها الفقير ما لم يلحقه ضرر بإخراجها، وإفساد (معاشه) وجوعه وجوع عياله.
وقيل: تجب على من يحجف به إخراجها، وقيل: من قدر على أن يتسلفها ويخرجها وجب عليه إخراجها، هذه رواية وقعت في المذهب ولعلها تكون على حسب الأحوال، والأصل ما ذكرنا، ولا خلاف عندنا أنه يؤمر بإخراجها عمن تلزمه نفقته من الآباء والأبناء والفقراء، وهل يخرجها عن زوجة أبيه أم لا؟ فيه قولان مبنيان على وجوب الإنفاق عليه في ذلك، والصحيح أنه ينفق على زوجة أخيه، ويخرج عنها زكاة الفطر كما يجب عليه أن يزوجه إذا خاف العنت.
واختلف المذهب إذا كان للأب الفقير زوجتان هل يلزم الولد الإنفاق عليهما، وإخراج زكاة الفطر عنهما أم لا؟ فيه قولان مبنيان على تحقيق المناط.
ويخرج زكاة الفطر على ولده الصغار الفقراء بلا خلاف.
وأما الكبير الزمن الفقير فهل يجب إخراجها عنه كما يجب عليه الإنفاق لعجزه عن الكسب أم لا؟.
فيه قولان عندنا.
وأما الزوجة فإن كانت مدخولًا بها فالمشهور أنه يخرج عنها زكاة الفطر تبعًا للنفقة، وروى ابن أشرس عن مالك أنه لا يخرج عنها إن أبى ذلك، لأن النفقة في مقابلة الاستمتاع فهي كالأجير، وإن كانت (مدخولًا) بها وجبت عليه زكاة الفطر

حيث تجب عليه النفقة، وذلك بالتمكين والدعاء إلى الدخول، وبلوغ الزوج، وكون الزوجة ممن يستمتع بمثلها.
واختلف المذهب في اليتيمة على قولين، فقيل: النفقة وزكاة الفطر واجبتان على الزوج بالعقد، وقيل: هي كغير اليتمية، وكذلك يلزمه إخراجها على خادمها إن كانت ممكن يليق بها ذلك، ولو احتاجت إلى خادمين (لمنصبها وشرفها) هل يقضى عليه بنفقتها، وصدقة الفطر عنهما أم لا؟ فيه قولان مبنيان على العادة.
واختلف المذهب في العبد المعتق بعضه على ثلاث روايات، فقيل: صدقة فطره على سيده وقيل: عليه بقدر حصته، وعلى العبد بقية ما ينوبه، وقيل: على السيد بقدر حصته، ولا شيء على العبد والمدبر والمعتق إلى أجل وأم ولد كالعبد المعتق.
واختلف المذهب في المكاتب فقيل: على سيده مراعاة للملك، وقيل: على نفسه مراعاة للنفقة، وكذلك اختلف المذهب أيضًا في المخدم، فقال في المدونة زكاة فطره على المالك، وفي كتاب محمد على من له الخدمة.
وقال ابن الماجشون إن قلت الخدمة فعلى المالك وإن كثرت فعلى المخدم وكذلك (العبد يشترى بمال) القراض فقيلك صدقة فطرهم من رأس المال كنفقتهم، وقال ابن القاسم: صدقة فطرهم على رب المال من ماله لا من مال القراض ونفقتهم من مال القراض وقيل: إن كان في القراض ربح فزكاة فطرهم منه، فإن كان فيه ثلث فعلى المالك سدس

زكاتهم وإن كان الربع فعلا العامل الثمن إن قارضه على النصف.
واختلف المذهب أيضًا في العبد المشترك بين جماعة، والمشهور أن على كل واحد نصيبه، فروى عن مالك أن لكل واحد بقدر نصيبه، وروى عن مالك أن على كل واحد من الشركاء الفطر كاملة، وأنكر سحنون هذه الرواية لما فيها من الحيف على الشركاء.
قوله: ((وقدرها صاع (من غالب قوت) والبلد وقوت المزكي نفسه))، وقد روى عن مالك أنه يخرجها من الحنطة نصف صاع لورود ذلك في مرسل من مراسيل سعيد بن المسيب، والأصح التعويل على حديث ابن عمر، ونبه القاضي بقوله: ((ولا ينقص من صاع من أيها أخرجت)) على هذه الرواية الشاذة.
قوله: ((وتجب بغروب الشمس)) قلت: اختلف في وقت وجوبها، فقيل: إنها تجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان، لأنها زكاة فطر، فتجب عند انقضاء زمن الصوم، ودخول زمن الفطر ووجوب الصوم ينتفي بمغيب الشمس، ولأنها مطهرة للصوم فتجب بختامه، وقيل: بطلوع الفجر من يوم الفطر وهي رواية ابن القاسم لأن الفطر إنما يعتبر في محل الصوم، والليل ليس بمحله، فيتعلق الوجوب بطلوع الفجر الذي هو عار من الصوم شرعًا، ولأنها مضافة إلى اليوم، فتجب بافتتاحه، وهي رواية أشهب عن مالك، وقيل: بطلوع الشمس من يوم الفطر لأنه وقت إرفاق المساكين وقيل: وقت وجوبها موسع إلى غروب الشمس من يوم الفطر توسعًا خفيفًا.

وتظهر فائدة هذا الخلاف إذا ولد مولود في أثناء هذه الأوقات، أو باع العبد أو ابتاعه، أو مات فيما بين هذه الأوقات هل تخرج عنه هذه الزكاة أم لا؟ ولو قدم إخراجها قبل وجوبها فقال مالك: إن أخرجها بيوم أو بيومين فلا بأس به، وهو اعتماد على عمل ابن عمر يتحقق فيه التوسع على الفقراء بطحن القمح وتيسره والانتفاع به.
وقال ابن مسلمة وابن الماجشون: لا تجزئه فإن فاتت بيد آخذها وجبت عليه تكريرها، وإن كانت قائمة استرجعت من يده، وقد تقدم الكلام فيمن تجب عليه بما فيه كفاية.

باب في قسم الصدقات

قال القاضي -رحمه الله-: ((ومصرفها في الأصناف الثمانية)) إلى آخر الفصل.
شرح: الأصل في مصرف الصدقات قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ الآية [التوبة: 60] فبدأ سبحانه بكلمة الحصر التي هي لتحقيق المتصل، وتحقيق المنفصل (أبدانا) وإعلانًا بأنها لا تخرج في غير هذه الوجوه.
وقد اختلف أهل اللغة في الفقير والمسكين هل هما اسمان على مسمى واحد أو على معنيين مختلفين؟، فقيل: هما بمعنى واحد، وقيل: هما مختلفان، وعلى هذا أيضًا اختلفوا أيهما أسوأ حالًا فقيل: الفقير، وقيل: المسكين (والاحتجاجات) على ذلك من اللغة معلومة في موضعها.
وقد اختلف العلماء هل هذه اللام في قوله سبحانه: ﴿للفقراء﴾ لام الملك أو لام المصرف، فمن رأى أنها للملك، رآى أن كل واحد من هذه الثمانية مالك لحظة من الصدقة، فلا يخص به أحد من الأصناف دون أحد فمن رآى أنها لازم المصرف جعل للإمام النظر (في ذلك) بحسب المصلحة، فإن أراد أن يخص أحد الأصناف الثمانية لمقتضى المصلحة جاز.
والعاملون عليها جباتها وسعاتها، ومعناها: ويأخذون بقدر عملهم إن كانوا فقراء، وإن كانوا

أغنياء فهل يأخذون منها قولان، المشهور أنهم يأخذون بحكم الإجارة، وروى ابن القاسم أن الغني لا يأخذ عائلًا أو معالًا، وكذلك إن كان العامل عبدًا، أو نصرانيًا، فمنع ابن المواز من ذلك فقال: لا يعطون شيئًا.
وأجاز (محمد) بن نصر الداودي فقال: يعطون أجرتهم منها.
واختلف العلماء في ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾ فقيل: حكمهم (منسوخ الآن لقوة الإسلام وهو قول القاضي.
وقيل: حكمهم) باق إلى الآن وهم قوم استجلبوا ولم يتمكن الإسلام في قلوبهم فكان -عليه السلام- (يستلفهم) بالعطاء، وقيل: بل هم كفار كان -عليه السلام- يطعمهم رجاء إسلامهم وإسلام قومهم.
واختلف العلماء في تفسير: ﴿وفي الرقاب﴾ فقيل: إعانة المكاتبين في آخر نجومهم لتخليص رقابهم، وقيل: ابتداء العتق وهو الذي حكاه القاضي.
وأجاز ابن عبد الحكم أن تفك من الصدقة الأسارى، وأدخله تحت قوله: ﴿وفي الرقاب﴾ والمشهور أنه لا يجوز، وكذلك اختلف المذهب هل يجوز أن يعتق من الزكاة بعض عبد أم لا؟ وفيه قولان عندنا،

وكذلك عبد العبد.
﴿والغارمين﴾ هم المديانون في غير سفه، فإن أقلعوا عن السفه والفساد بعد أن أدركتهم الديون في ذلك فهل يعطون من الزكاة تجليبًا للطاعة إلى قلوبهم أم لا؟ لأن أصل الدين إنما ركبوه عن معصية، فيه قولان عندنا، فإن كانوا مستمرين على الفساد غير مقلعين عنه لم يعطوا الزكاة إجماعًا، واختلف المذهب فيمن مات وعليه دين لا يجب قضاءه هل يؤدي عنه دينه من الزكاة أم لا؟ فيه قولان في المذهب وقال: (فدين الله أحق أن يقضى) واختلفوا فيمن بيده من المال ما يؤدي منه دينه إلا أنه يعفى بأدائه فلا يسأل الناس، هل يعطى من الزكاة إبقاء للتعفيف من المسألة أم لا؟ فيه قولان عندنا.
((وسبيل الله)): هو الجهاد والرباط، وقيل: هو الحج والعمرة، والأول قول مالك قال ابن عبد الحكم: يجعل منها نصيب في السلاح والمساح والقسي لحفر الخنادق والجبال لعمل المنجنيقات.

وإنشاء المراكب للغزو ويدفع منها كراء النوانية ويعطى منها جواسيس المسلمين على الكفار، مسلمين كان الجواسيس أو نصارى وهذا كله من سبيل الله.
﴿وابن السبيل﴾ هو الغريب المنقطع به لفقره إذا كان سفره غير معصية، واختلف المذهب إذا كان غنيًا ببلده، ووجد من يسلفه هل يكلف بالسلف فيكون بذلك غنيًا، قاله مالك في كتاب ابن سحنون أو لا يكلف (سعاية) السلق قاله ابن عبد الحكم، ولما يخاف من تلف ماله، وبقاء الدين في ذمته.
قوله: ((ولا يجوز نقلها عن موضع وجوبها)): فهذا كما ذكره لقوله -عليه السلام-: (تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم) فإن كانت الحاجة أشد نقلت إليهم على الأشهر رعيًا للمصلحة.
قوله: ((كره، وجاز)): يعني كره ابتداء، وجاز وقوعًا، ولو قال: وأجاز كان من جاز.
قوله: ((ولا يجوز صرفها إلا للمسلمين)): تنبيهًا على مذهب المخالف، وقد أجاز بعض العلماء أن يعطى فقراء الكفار من الزكاة لعموم قوله: ﴿للفقراء﴾ وكذلك اختلفوا هل يشترط مع الفقر الحرية والجمهور على

اشتراطه، لأن العبيد أغنياء لسادتهم.
قوله: ((ولا في غير الأصناف المذكورة)): اعتبارًا بنص الآية.
قال مطرف رأيت مالكًا يعطي لقرابته من زكاته.
وفي المدونة لا يعجبني أن يلي ذلك بنفسه.
وقال مالك وابن أبي ذئب والثوري، والنعمان وأبو يوسف أفضل من أعطيته زكاتك أهل رحمك الذين لا تعول، قال ابن حبيب: وله أن يوسع عليهم إذا كان فيهم التعفيف والصلاح.
قال القاضي -رحمه الله-: ((يكره دفع جميع الزكاة إليهم))، فإن فعل أجزأته.
وكره (مالك) له تفريق زكاته بنفسه لقرابته أو لغيرهم خوف المحمدة.
قال القاضي -رحمه الله-: ((ويعشر أهل الذمة)) إلى آخر الفصل.
شرح: الأصل في تعشير أهل الذمة إذا اتجروا فعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بمحضر الحصابة ولا مخالف له في ذلك.
واختلف المذهب

هل يؤخذ منهم هذا العشر لحق وصولهم إلى غير (بلدهم)، أو لحق انتفاعهم بالتجارة وفيه قولان عندنا، وينبني على ذلك إذا دخلوا ببضاعة فأرادوا الرجوع قبل أن يبيعوا ويشتروا.
قال ابن القاسم: لا عشر عليهم إلا بالانتفاع.
وقال ابن حبيب: عليهم العشر، وإن رجعوا به على حاله لحق وصولهم إلى القطر، وعلى قول ابن القاسم عول القاضي حيث قال: ((بعد أن (يحصل) لهم غرضهم)) ولا خلاف أن العشر يتكرر عليهم بتكرير الرجوع في السنة الواحدة، ولو ألف مرة.
واختلف المذهب في فروع (تتعلق بذلك).
الأول: هل المسلمون شركاء لأهل الذمة في الأعيان، أو في الأثمان فيه قولان عندنا.
وتظهر فائدة ذلك إذا قدم تجار بإماء.
قال ابن حبيب: يمنعون من وطئهن واستخدامهن، ويحول بينهم وبينهن بناء على أن الشركة في الأعيان.
وابن القاسم لا يرى المنع.
فرع: إذا قدم تجار بخمر أو خنزير أو نحو ذلك مما لا يجوز للمسلمين تمليكه، فإن أرادوا بيعه من أهل الإسلام منعوا من ذلك بلا خلاف، وإن أرادوا بيعه من أهل الكفر، فهل يمكنوا من ذلك أم لا؟ فيه قولان.
المشهور أنهم يمكنون فإذا باعوا أخذ منهم عشر الثمن.
وإن خاف الإمام خيانتهم جعل عليهم أمينًا، وقيل: لا يمكنون من بيع ذلك بحكم الإسلام.
فرع: قال سحنون: إذا اشترى الذمي فأخذ منه العشر، ثم استحق ما بيده أورده بعيب رجع بالعشر.
فرع: إذا ثبت أن على الذمي دينًا لمسلم، فباع له وقاصه في دينه فهل

يؤخذ منه العشر أم لا؟ ففيه قولان لأصحاب مال، والصحيح الأخذ لأنه انتفاع، وقال أشهب: لا عشر عليه في هذه الصورة.
فرع: أخذ العشر عام في كل الأشياء، وفي كل قطر إذا وصلوا به إلى المدينة، فقيل: يؤخذ منه العشر، وقيل: نصف العشر ليكثر الحمل إلى المدنية، وهو الذين فعله عمر بن الخطاب.
فرع: الحربيون إلى الإمام فإن شاء صالحهم على العشر أو على أكثر منه، وقيل: هم كتجار أهل الذمة والأول أصح.

جارٍ التحميل