روضة المستبين في شرح كتاب التلقينصفحات 1109-1149

كتاب الحجر والتفليس وما يتصل به

صفحات 1109-1149

قال القاضي رحمه الله تعالي: "المستحق عليهم الحجر ضربان" إلى آخره.
شرح: الحجر: منع المالك من التصرف في ملكه لمعني ما، والأصل فيه الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم﴾ الآية [النساء:5]، وأما السنة فما ثبت في الصحيح أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- حجر على معاذ بن جبل، وقال لغرمائه خذوا ما وجدتم، وليس لكم غيره) قال الزهري: أدان معاذ ديناً فباع رسول الله -صلي الله عليه وسلم-[ماله] حتى قضي دينه، وقال: (ليس لكم إلا ذلك)، وأجمع العلماء على أن جنس الحجر مشروع، أما على الأيتام الذين لم يبلوغ الحكم فبالاتفاق، لأنه نص القرآن، وإذا اختلفوا في الحجر على العقلاء الكبار السفهاء فالجمهور على أن للقاضي أن (يستأنف) الحجر عليهم

اعتمادًا على فعله -صلي الله عليه وسلم- حين حجر على معاذ، وعلى أنه إجماع الصحابة، حين وقعت قضية عبد الله بن جعفر مع أن الآية التي ذكرناها أصل في هذا الباب، تقتضي أن سبب الحجر السفه، فحيث وجد علق الحكم (عليه)، وللخصم أن يقول السفه جزء العلة، ومجموع العلة الصغر والسفه معاً بناء على جواز التعليل بالعلة المركبة، وتعليل الحكم الواحد بعلتين وهو الأصح من أقوال الأصوليين، وقال طائفة من العلماء لا يبدأ الحجر على الكبار، و (الدليل) لهم حديث حسان بن سعد وفيه أنه ذكر لرسول الله -صلي الله عليه وسلم- أنه يخدع في البيوع فجعل له رسول الله -صلي الله عليه وسلم- الخيار ثلاثاً ولم يحجر عليه).
وقسم القاضي المحجور عليهم على قسمين، وقال علماؤنا: أسباب الحجر سبعة، الصبا، والجنون، والتبذير، والرق، والفلس، والمرض، والنكاح في حق الزوجة، وسنذكر ذلك مفصلاً، ثم قسم المحجور عليهم لحق أنفسهم أقساماً، وبين ذلك -رضي الله عنه- أحسن تبيين.
قوله: "ولا تراعي عدالته في دينه أو فسقه": وهذا لأن المقصود من الرشد ضبط المال وإصلاحه وتنميته، ونبه على خلاف الشافعي حين راعي العدالة في الرشد، وأوجب الحجر على الفاسق المصلح لماله.

قال مالك: وإذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء، وهذا يدل على أنه لا بالبلوغ محمول على الرشد، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد يذهب بنفسه لا بماله.
قوله: "وأما (في) الصغيرة فيراعي مع البلوغ وإصلاح المال أن تتزوج، ويدخل بها زوجها": ويؤنس رشدها إذ لا يتصور إيناس الرشد من المرأة إلا (بعد اختبارها غالباً)، وفي المذهب في ذلك روايات: الأولى: إنها بالبلوغ وإيناس الرشد محمولة على الرشد من غير اشتراط التزويج كالذكران، وهي رواية عن مالك، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة.
والرواية الثانية: أن المعتبر الدخول وأبناء الرشد من غير تحديد بمدة مقدرة.
والثالثة: أنها لا يحكم لها بالرشد إلا بعد سنة.
والرواية الرابعة: اعتبار سنتين بعد الدخول.
والرواية الخامسة: أنها لا يحكم لها بالرشد إلا أن تمر بها بعد الدخول خمس سنين.
والرواية السادسة: أنه لا يحكم لها بعد إلا بعد سبع سنين التي هي أقصي (أمد) الحمل، وهذا لا وجه له، وهذا كلها استحسانات ليس عليها من الشرع دليل.

واختلف المذهب في فروع: الأول: أفعال المهمل، وعندنا في ذلك روايتان، فروي ابن القاسم أن أفعاله كلها على الرد وروي ابن كنانة، وابن نافع أن أفعاله كلها ماضية، وزاد المتأخرون قولين: أحدهما أنه إن كان ظاهر السفه ردت أفعاله، (وإن كان خفي السفه مضت أفعاله)، القول الآخر: أنه إن كان (سفهه) حاصلاً قبل البلوغ، ثم استمر ولم يأت عليه حال رشد فأفعاله مردودة، لأنه لم يزل في ولاء، يبيع ما يساوي ألفاً بمائة.
(الفرع الثاني: المحجور عليه إذا رشد ولم يفك الحجر عنه هل تمضي أفعاله أو ترد فيه قولان حكاهما الإمام أبو عبد الله)، ثم ذكر علامات البلوغ، والاختلاف فيها إلا في الإنبات خاصة، وفي تقدير السنين، أما الإنبات فهو من علامات البلوغ عندنا، ولم يعتبره أبو حنيفة، واختلف فيه قول الشافعي، والدليل على أنه بلوغ، أو دلالة على البلوغ، قوله -صلي الله عليه وسلم- (الجزية على من جرت عليه المواسي وقال في بعض غزواته: (اقتلوا من جرت عليه المواسي) وحكم-صلي الله عليه وسلم- سعدًا في قريظة، فحكم بقتل مقاتلهم، وسبي ذراريهم، فكنا نكشف عن مآزرهم فمن أنبت منهم قتلناه،

ومن لم ينبت جعلناه في الذراري، فقال -صلي الله عليه وسلم- (حكمت فيهم بحكم الله) وذكر أهل الآثار أن عثمان بن عفان أتي بغلام قد سرق فقال إن كان أخضر منزره فاقطعوه، واختلف في سن البلوغ فعن ابن وهب أن أقل ذلك خمسة عشرة سنة، وقيل ثمانية عشر، وقيل ما بينهما، وحديث ابن عمر حين (أغزاه) النبي -صلي الله عليه وسلم- وهو ابن خمسة عشر سنة، ورد ابن أربع عشر سنة، دليل على صحة ما ذهب إليه ابن وهب على أن حديث ابن عمر فيه اختلاف بيه (الرواة).
واختلف المذهب في أفعال البكر المعنسة، فروي ابن الحكم ومطرف عن مالك أنها إذا عنست جاز صنيعها في مالها، وإن كان لها أب أو وصي، وقال ابن القاسم: لا يجوز لها بيع، ولا عتق، ولا عطية، ولا كفالة، وإن أجازه الولد لم ينبغ للسلطان أن يجيزه، وعن ابن وهب وغيره أن بيعها جائز، وهبتها وصدقتها لا تجوز.
قوله:"ولا يحجر عليه إلا الحاكم": يعني الكبير السفيه، ونبه على خلاف محمد بن الحسن، حيث قال يحجر عليه الأب من غير حاكم وهو

ضعيف وكل مختلف فيه فيفتقر إلى اجتهاد الحاكم بترجيح أحد القولين على الآخر.
قوله: "ولا ينفك (حجره إلا بحاكم" في هذه اللفظة روايتان أحدها ولا ينفك حجره فيتقيد ذلك بالكبير السفيه، والرواية الثانية: ولا ينفك الحجر، وهذا إطلاق في كل حجر، وهذا إطلاق في كل حجر، والرواية الأولى أجري على المشهور من المذهب، لأن للأب أو الوصي أن يفك الحجر من غير إذن حاكم، أما الأب فلا أعلم فيه خلافاً عندنا، وأما الوصي، فاختلفت فيه الروايات عن المذهب والمشهور أن الوصي من قبل الأب كالأب، فله أن يفك الحجر إذا علم رشده من غير افتقار إلى حكم حاكم، وقيل لا ينفك عنه الحجر إلا أن يعلم غيره رشده من غير حكم، وعندنا رواية ثالثة أنه لا بد من يثبت رشده ويتقرر عند الحاكم ثبوته.
قوله:"وأما المحجور عليهم لحقوق غيرهم فأربعة": وبدأت بالزوجات وهن قسم مختلف فيه، والمذهب كله متفق على الحجر عليهن فيما زاد على الثالث إلا في المعاوضات والمصالح، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا حق لزوجها في مالها، ولا حجر عليها، والدليل لنا قوله -صلي الله عليه وسلم-: (تنكح المرأة لدينها، ومالها، ولجمالها) وذلك يدل على أن للزوج حقًا في مالها، هذا استدل به القاضي أبو محمد وغيره، وفيه نظر، وقال -صلي الله عليه وسلم-: (لا يجوز لامرأة

أن تقضي في ذي بال إلا بإذن زوجها) رواه ابن الماجشون بإسناده إلى النبي -صلي الله عليه وسلم- وقال-صلي الله عليه وسلم-: (لا يحل لامرأة ملك زوجها عصمتها عطية في مالها إلا بإذنه) فإن صح مقتضاه الحجر عليها في جميع مالها، وهو خلاف المذهب أن تصرفها بالعطية والائتلاف جائز في الثلث فما دونه، ولعله قياس على المريض فإن تصرفت في أكثر من الثلث فهل يحمل ذلك على الجواز حتى يسترده الزوج، وهو قول ابن القاسم، أو على الرد حتى يجيزه وهو قول مطرف وابن الماجشون، ثم إذا اختار الرد فقال مالك: يرد جميعه لأنه ضرر، وقال المغيره، يجوز منه مقدار الثلث (اعتباراً بالمريض، وقيل يجوز منه مقدار الثلث) إلا في العتق خاصة، إذا لا يتصور فيه التبعيض فيرد جميعه حكاه الشيخ أبو الحسن اللخمي وغيره، وأما المريض (والعبيد والمفلسون) فلا خلاف في الحجر عليهم، وألحق الحامل والزاحف في القتال والمقرب للقتل بالمريض، للاشتراك في العلة غالباً.
قوله: "ومن استدان من المحجور (عليهم) ديناً (بغير إذن وليه)، ثم فك حجره لم يلزمه ذلك فيمن حجر عليه لحق نفسه كالسفيه والصغير": وهذا كما ذكره، إذا لو لزمهم لم يكن للحجر عليهم فائدة بخلاف من حجر عليه لحق غيره لذهاب العلة، فإن فسخ السيد عن عبده الدين قبل عتقه بطل، ويكفي في ذلك الإشهاد من غير حاجة إلى حكم حاكم، وهذا في غير المأذون له، وأما المأذون فلا تفك عنه الديون، لأنها مقتضي الإذن له في التجارة.

قوله: "ولولي المحجور عليه لسفه أو لصغر أن (يأذن) له في التجارة:: وهذا كما ذكره أن اختبار الولي لمحجوره مأذون فيه بمقتضي قوله سبحانه: ﴿وابتلوا اليتامي﴾ الآية [النساء:6]، ومخرج الخطاب على الغالب، وما استدان من دين فمتعلق بمال الاختبار (لا بذمته) لبقاء الحجر عليه، وقدر مال الاختبار تابع القدر مال اليتيم (وولي اليتيم) مصدق فيما يدعيه من النفقة على محاجيره الذين في حجره، وتحت حضانته فإن كان الأيتام عند الأم، أو الحاضنة لزمه إقامة البينة على ما يدعي دفعه من النفقة، ثم ذكر أن النفقة على الأيتام تابعة لأموالهم وأحوالهم، وتلزمهم نفقة أمهاتهم وآبائهم مع يسرهم، وعسر آبائهم، ويجوز تأديب الوصي ليتيمه وضربه وخلط نفقته، بنفقته على وجه النظر والمصلحة، وكذلك التجارة في ماله لقوله سبحان ﴿ويسئولنك عن اليتامي قل إصلاح لهم خير﴾ [البقرة: 220] ويأكل الوصي من مال اليتيم بالمعروف إذا كان محتاجاً إلى ذلك بقدر أجر له إذا كان ينظر في مصلحته ويقوم بأشغاله ومنع من ذلك أبو حنيفة والدليل لنا قوله تعالي: ﴿ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾ [النساء:6] وبه أفتي ابن عباس وغيره، ولا يقبل قول الوصي في رد المال إلى اليتيم بعد الرشد إلا بالإشهاد" لقوله تعالي ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ الآية [النساء:6]، وقال أبو حنيفة: القول قوله مع يمينه لأنه أمين، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لأنه مقتضي النص.
فصل قال القاضي -رحمه الله-: "وأما المفلس فإذا طلب غرماؤه أو بعضهم الحجر عليه (فللحاكم) أن يحجر عليه ويمنعه التصرف في ماله": وهذا كما

ذكره، وقد ذكرنا أن الأصل في ذلك أن النبي -صلي الله عليه وسلم- حجر على معاذ بن جبل، وإنما يجوز الحاكم الحجر علي المديان بالديون الحالة الزائدة على قدر ماله، لا بالديون المؤجلة، وإذا أفلس (الغريم) نفسه، ومكن غرماءه من ماله، فقسموه من غير حكم، فهو كحكم الحاكم بتفليسه، وهذا حكم الحاضر، وأما الغائب فلا يخلو أن يكون قريب الغيبة مثل الأيام فليكتب الإمام في الكشف عن أمره حتى يعلم ملؤه من عدمه، وإن كان بعيد الغيبة وعرف ملؤه فهل يفلس أم لا؟ قولان قال ابن القاسم: لا يفلس اعتباراً بما علم من ملئه وقال أشهب: يفلس وتحل ديونه أخذاً بالاحتياط.
قوله: "ويمنعه التصرف في ماله" قلت: للحجر أربعة أحكام: التصرف في المال بالتفويت، والثاني: حلول دينه، وبيع ماله وقسمته على الغرماء، والثالث: حبسه إلى ثبوت (إعساره)، والرابع: الرجوع إلى (عين) المال.
(أما الأول: منع التصرف) في المال، ولا خلاف أن الحجر يمنع التصرف في المال بالإتلاف، فلا يجوز عتقه ولا هبته ولا بيعه بالمحاباة، لأن ذلك إتلاف لمال الغرماء، والحاكم بتحجيره عليه قد منعه من ذلك فأما بيعه بالقيمة فموقوف على إجازة الغرماء.
واختلف المذهب في عتقه أم ولده هل يمضي، إذا ليس له من رقبتها إلا الوطء أم لا (إجراء لها مجري) الرقيق في انتفاعه بها، فإمضاء ابن القاسم في الكتاب وفي كتاب ابن سحنون، وقيل: مردود قاله المغيرة: وإذا قلنا بمضي العتق على قول ابن القاسم: فهل يتعبها أم لا؟ ففي كتاب

محمد يتبعها مالها، وقال ابن القاسم: لا يتبعها إلا أن يكون يسيرًا، وأما ما لا يتعلق بماله وتصرفاته كالطلاق، والخلع، واللعان، واستحاق النسب وغير ذلك فلا خلاف أنه ماضي عليه.
واختلف المذهب في فرعين: الأول: إذا أقر بعد الحكم بتفليسه بدين عليه هل يقل إقراره أم لا؟ ثلاثة أقوال المشهور أنه لا يجوز إقراره بدين مطلقاً لقريب و (لا) بعيد.
الثاني: إقراره ماض إن كانت ديونه ثابتة بإقراره للتساوين وإن كانت (بغير) بينة فلا يجوز إقراره إلا أن يقيم المقر لهم بينة لما في ذلك من إدخال النقص عليهم في المحاصة بقوله.
والثالث: جوازه إذا علم أن رب الدين كان يتقاضاه.
الفرع الثاني: إذا أقر المفلس بقرض معين، أو وديعه بعينها، ففيه ثلاثة أقوال أجاز ابن القاسم (إقراره) بذلك، وأبطله اصبغ إلا ببينه على ذلك، والثالث جوازه) إذا كان على أصل القراض والوديعة بينه، (وإن لم تقم علي عينه)، فإن لم تكن على أصله بينة فهو إقرار باطل وهذا حكم المديان بعد تفليسه، وتحجير الحاكم عليه، وأما قبل الحجر فيمنع من الإتلاف كما ذكرناه وأما معاوضته وما يلزمه بالشرع من النفقات والأضحية والصدقة اليسيرة فجائز، واختلف المذهب في جواز رهنه، وقضاء بعض غرمائه دون بعض،

فعن مالك في ذلك روايتان.
فرع: وإذا أبطلنا إقراره بالدين (يتعلق) بذمته إن أفاد مالاً غير ما حر عليه فيه، ويحلف المفلس على دين يقوم له به شاهد واحد، فإن نكل عن اليمين مع شاهده فلغرمائه من أحب منهم أن يحلف قاله ابن حبيب، وكذلك إن نكل عن اليمين المردودة، وإن أراد سفراً فلمن بقي له عليه دين حال منعه من السفر.
قوله: "وتحل الديون المؤجلة عليه بفلسه" وهذا مذهب مالك -رضي الله عنه- لخراب الذمة بالفلس والموت فتحل الديون في المحلين عندنا قال ابن شهاب: مضت السنة أن الدين الذي عليه يحل بالموت، وقال غيره: لأن الله سبحانه لم يبح التوارث إلا بعد قضاء الدين، وقال الحسن وغيره: لا تحل الديون بالموت، وللشافعي في حلول الديون المؤجلة بالفلس روايتان، والصحيح ما ذهب إليه مالك لما ذكرناه، وأما ديون المفلس، أو الميت فباقية إلى آجالها (لاستمرار) الذمم، وانتقال حق رب الدين إلى الورثة والغرماء، ثم ذكر أن حقوق الغرماء منها ما يتعلق بمال معين كبائع السلعة يجدها بعد التفليس على الشرائط التي نذكرها، ومنها ما يتعلق بالذمة، ويوجب المحاماة، وفي الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: (أيما رجل أفلس فأدرك الرجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره) وروه الزهري على مساق آخر عن

أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هاشم عن أبي هريرة أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: أيما رجل غاب أو فلس فوجد بعض غرمائه ماله بعينه فهو إسوة الغرماء ولتعارض هذه الأحاديث اختلف الفقهاء في ذلك فحمل الحديث الأول جماعة من الفقهاء على الوديعة والعارية وهذا ضعيف لم ثبت في الرواية الصحيحة من ذكر البيع، وقد بينه عبد الرازق في مصنفه مسنداً إلى النبي -صلي الله عليه وسلم- وفيه: (أيما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه (شيئاً فوجد بعينه فهو أحق به، وإن مات ابتاعه فصاحب المتاع) إسوة الغرماء، وفي طريق الزهري: فإن كان قبض من ثمنها شيئاً فهو إسوة الغرماء ذكره أبو عبيد في كتاب الفقه.
وتحصيل مذهب الفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: قال قوم: صاحب السلعة أحق بها من الغرماء في الموت والفلس (وهو قول الشافعي وأحمد وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة والكوفيون هو إسوة الغرماء في الموت والفلس).
وقال مالك: هو أحق بها في الفلس دون الموت على شروط

نذكرها، وذلك إذا تعذر الثمن من مال المفلس، وههنا فروع: الأول: إذا أراد الغرماء أن يدفعوا لبائع السلعة ثمنها من أموالهم ويأخذوها لأنفسهم فلا يخلو أن يحطوا عن المفلس من دينهم أم لا؟ فإن التزموا دفع ثمنها من أموالهم والحطيطة عن المفلس من ديونهم فلا خلاف في المذهب أنهم يمكنون من ذلك، وقال ابن كنانة: ليس لهم دفع ثمنها من أموالهم بحال ولا معني، وإلا أرادوا دفع ثمنها من أموالهم من غير حطيطة عن المفلس فهل يمكنون من ذلك أم لا؟ قولان عندنا، المشهور: أن ذلك لهم، وقال أشهب: ليس لهم ذلك إلا بعد الحطيطة، ولو اتفق الغرماء على أن يدفعوا الثمن للبائع من مال المفلس، ويتمسكوا بالسلعة لجاز ذلك، ويكون نماء السلعة (ويقضي لهم عليه).
الفرع الثاني: إذا قبض البائع الثمن، فقد اختلف الفقهاء فيه، فقال داود، وإسحاق، إن قبض من الثمن شيئًا فهو أسوة الغرماء اعتماداً على مساق حديث عبد الرازق، وقال مالك هو بالخيار بين أن يرد ما قبض، ويختص بسلعته، أو يحاص بما بقي له من الثمن، (ولو قبض بعض الثمن ووجد بعض السلعة فهو بالخيار بين أن يضرب ببقية الثمن) أو يرد ما قبض، ويأخذ ما وجد، ويضرب بقية ثمن ما فات، وهذا ما لم يتغير المبيع بغير انتقال فذلك فوت فليس حينئذ مع الفوت إلا المحاصة، والفوت كالحنطة يطحنها، أو يزرعها، أو يخلط جيدها مع رديئها، والكبش يذبحه والثوب يصبغه، والخشبة يقطعها، والهزيل يسمنه، وقد قيل: إن طحن القمح لا يكون فوتًا في باب العيوب، ويتخرج ذلك ههنا.
واختلف عندنا في صبغ الثوب ودبغ الجلد هل هو فوت أم لا؟ واضطرب في ذلك قول ابن وهب، ونبه على أنه ليس بفوت، وروى عن

مالك أنه سئل عن قطع مثله، فوقف فيه وقال لا أدري، فإن أضاف إليه (صناعة) مثل الغزل ينسجه، أوعينًا مثل البناء في الأرض، فله الرجوع في عين سلعته، ويكون شريكاً للغرماء بقيمة ما زاد، وأما إذا خلط السلعة بجنسها المماثل لها كالزيت يخلط بمثله، والزبيب بجنسه ونحو ذلك، فله أخذ مكيلته، ويتنزل المثل منزلة العين ولو ولدت الأمة، أو الماشية فله أخذ الولد مع أمه لأنها كالعين الواحدة فولدها كعضو منها، وأما الثمرة والصوف على ظهور الغنم كالغلة إلا أن تكون الثمرة مأبورة يوم الشراء، أو الصوف كاملاً على ظهور الغنم فحينئذٍ يدفع مع أصله، ويرجع للبائع، لأنه عين شيئه.
فرع: إذا باع ثوباً أو ثوبين فوجد أحدهما قائماً وفات الآخر، فله أن يأخذ القائم، ويحاص الغرماء بقيمة الفائت من الثمن الأول، ولو ولدت الأمة فمات أحدهما فقد ذكرنا أن الولد مع أمه كالعين الواحدة فليس له أخذ الباقي بجميع الثمن، أو المحاصَّة، فإن بيع الولد، وبقيت الأمة أو عكسه ففيه اختلاف، تحصيله إن بيعت الأم، وبقي الولد فقولان أحدهما أنه يأخذ الباقي بحسابه من الثمن حكاه الشيخ أبو القاسم، والثاني أنه يأخذ الباقي في جميع الثمن وهو قول سحنون، وكذلك إذا بيع الولد، وبقيت الأم فالمشهور أنه يأخذها بجميع الثمن وهو قول ابن القاسم، وقيل: يأخذها بحصتها من الثمن، ويحاص الغرماء بما ينوب الولد من الثمن وهما كسلعتين في صفقة.
فرد: إذا ابتاع عبدًا فجنى، ثم فلس المشتري قبل قبض البائع الثمن فله المحاصة مع الغرماء، فإن أراد البائع أن يفديه من الجناية، فذلك له ويأخذه حينئذٍ بنفسه بجميع الثمن، ولا يحاص بما فداه به، (لأن ذلك منه يتنوع، ولو وجده مرهوناً فأراد فداه وأخذه بالثمن، فله الرجوع إلى محاصة الغرماء بقدر

ما فداه به)، والفرق بين أن يفديه من الرهن أو من الجناية ظاهر، لأن الرهن متعلق بذمة المشتري بخلاف الجناية، فلهذا أوجبنا له المحاصة بقدر الفدية من الرهن دون الفدية من الجناية.
فرع: قد ذكرنا أن البائع أحق بسلعته إذا فلس المشتري قبل دفع الثمن، وهذا إذا كان البيع صحيحاً، واختلف المذهب في المبيع الفاسد هل يكون البائع أحق به من السلعة كالبيع الصحيح أو لا؟ قولان، قال سحنون: كالبيع الصحيح)، وقد محمد: لا يكون أحق بها.
فرع: إذا فاتت السلعة بالبيع فللبائع المحاصة لا غير، فإن ردت بعيب على البائع المفلس وهو المشتري أو لا فهل للبائع أن يرد ما أخذ في الحصاص ويأخذ سلعته أم لا؟ المنصوص عن ابن القاسم أن له ذلك، وقيل حكم مضي فلا يرد، خرجه الشيخ أبو الحسن اللخمي.
قوله: "وفي الموت لا رجوع له": وهذا كما ذكره، هذا مذهب مالك -رحمه الله- لأن ذمة الورثة كذمته بخلاف الفلس لخراب ذمته.
قوله: " وإذا جمع الحاكم مال المفلس": يتعلق به الكلام في (تلف) مال المفلس، وفصل القاضي بين أن يتلف بعد جمع الحاكم له، وقبل بيعه، أو يتلف ثمنه على يد الحاكم، فضمان الأول من المفلس في الثاني روايتان، وحكي الشيخ أبو الحسن، وغيره فيه خلافاً مطلقاً في المذهب فيما إذا تلف مال المفلس بعد أن جمع قبل البيع أو بعده يرجع حاصلة إلى أقوال ثلاثة: الأول: المشهور عن مالك أن مصيبته (من المفلس حتى يقبضه الغرماء كان عرضاً أو عيناً، والثاني رواية عبد الملك عن مالك أن مصيبته) من الغرماء

من حضر منهم ومن غاب، ومن علم ومن لم يعلم، كان دينه عيناً، أو عرضًا، أو حيوانًا، أو ما كان، والثالث: إن كان عينًا فضمانه من الغرماء، وإن عرضًا فضمانه من المفلس وهو قول المغيرة وغيره، والصحيح أنه باق على ملك المفلس حتى يقبضه الغرماء وههنا فروع: قد ذكرنا أن البائع أحق بسلعته في الفلس، وإذا حكمنا له بأخذها فهل ذلك نقض للبيع الأول، أو ابتداء بيع قولان عندنا، وتظهر ثمرة ذلك في مسائل منها: إذا باع عبداً فأبق عند المشتري، ثم فلس فقال ابن القاسم: ليس له ذلك)، وقال أشهب: له ذلك فإن وجده كان أحق به، وإلا رجع فحاص، وفي كتاب ابن حبيب عن أصبغ: ليس له أن يختاره، وهذا بناء على أنه بيع الآبق.
فرع: هل يكون في الفلس أحق بالعين كما يكون أحق بالعرض أم لا؟ قولان عندنا ففي المدونة فيمن أسلم عينًا دنانير أو دراهم ثم فلس المسلم إليه فربها أحق بها في الفلس إذا عرفت وهي كالمكيل والموزون، وقال أشهب: يكون إسوة الغرماء، ومبناه على الخلاف في تعيين الدراهيم والدنانير.
فرع: إذا كان العرض من قرض ففي كتاب محمد فيمن أقرض عرضاً أو عبداً هو أسوة الغرماء، لأن الحديث إنما جاء في البيع، وقيل: هو أحق به كالبيع، حكاه أبو محمد الأصيلي لقوله -صلي الله عليه وسلم- (أيما رجل أدرك ماله

بعينه)، وهذا عام وملاحظة للمعني وهو فيهما واحد.
فرع: اختلف المذهب في الحوالة هل يكون المحال أحق بالسلعة إذا كانت من بيع، وأحيل بثمنها وفلس المحال عليه، فقال ابن القاسم: لا يكون أحق (بالسلعة) وقال غيره هو أحق، ومبناه على الحوالة هل هي من باب البيع أو من باب المعروف.
فرع: إذا باع ثمرة قد أزهت ثم فلس المشتري بعد أن يبست فقال مالك: هو أحق بها لأنها عين ماله، وقال مرة هو إسوة الغرماء لانتقال حالها.
فرع: اختلف المذهب هل تقع المحاصة مع الغرماء بنفقة الزوجات والأبوين والصداق، (والجنايات، ومتعة المطلقة أم لا؟ بناء على أن ذلك هل يلحق بالمعاوضات أو بالهبات)، وموجبات الأحكام قولان عندنا، ثم ذكر حبس المديان إذا أدعي الفلس من غير بيان وهو الحكم الرابع الذي أوجبه الحجر، والواجب أولاً (خلعه) من ماله فيؤخذ العين وتباع عروضه للتجارة أو للقنية، واختلف في فروع.
الأول: هل تباع خاتمة عليه أم لا؟ قال ابن القاسم: تباع، وقال أشهب: لا تباع وكذلك اختلف المذهب في ثياب جمعته هل تباع عليه أم لا؟ قولان، وكذلك كتب العلم هل تباع عليه أم لا؟ وفي كتاب محمد: لا تباع (عليه) للغرماء، وإن مات كان الوارث (وغيره) ممن هو أهل للانتفاع بها سواء، وقال ابن عبد الحكم: تباع عليه، وتباع كتابه المكاتب، وخدمة المعتق

إلى أجل، والمدبر ودينه المؤجل ويترك له من النفقة ما يعيش به هو وأهله الأيام، وفي كتاب محمد: الشهر، وعن ابن كنانة في كتاب المدنيين لا يترك له شيء من النفقة وهل يترك له كسوة زوجته أم لا؟ قولان قال سحنون: لا يترك له كسوة، والمشهور خلافه، وإذا خليت كسوته وكسوه ولده وزوجته فهل تجرد لهم أم لا؟ قولان قال سحنون: تجرد، وقال غيره لا تجرد.
فصل في الحبس وإنما يحبس من جهل حاله، وأدعي الفقر، فإذا ثبت فقره فهل يقضي عليه باليمين على صحة الشهادة لأنها إنما تعلقت بالظاهر فقط، أو لا يحلف، قولان.
قوله: "ومدة الحبس غير مقدرة" وقال ابن الماجشون: لا يحبس في الدريهمات (أكثر) من نصف شهر ويبلغ في الكثرة أربعة أشهر وفيما بين ذلك الشهرين، وهل يحبس الولد في دين الوالد أو نفقته قولان عندنا، وصح أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- سجن في تهمة وسجن الصحابة بعده) وقال -صلي الله عليه وسلم- (يحل عرضه وعقوبته) والعقوبة هنا السجن وعرضه أن يقول مطلني ظلمني ونحوه، وذكر أبو عبيد أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قدم عليه ناس من البادية ومعهم إبل فصحبهم في الطري قرجلان وباتا معهم، فلما أصبحوا فقدموا بعض إبلهم فجاؤوا إلى رسول الله-صلي الله عليه وسلم- فحبس أحدهما، وقال لصحابه أذهب فأطلب ما ذهب، فذهب فجاء بما ذهب، فقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: (استغفر لي، فقال له

يغفر الله لك، فقال له النبي-صلي الله عليه وسلم- وأنت يغفر الله لك) فأخذ منه بعض الفقهاء السجن بمجرد الدعوي مع الشبهة، ويحبس النساء في الدين كالرجال، وتجعل معهن امرأة أمينة، ويمنع المسجون من دخول زوجته عليه تضييقاً سيما إذا سجن في أمر بين، ولا يمنع المسجون من أن يزوره من إخوانه من النسب والإسلام، وإذا لم (يجد من) يشهد له، وقد طال سجنه أخرج، وقد سئل مالك عن التجار الذين يأخذون أموال الناس ثم يقولون ذهبت منا، ولا يعرف ذلك، فقال يحبسون حتى يوفوا الناس حقوقهم أو يتبين أنه لا شيء له، قال: فهذا لا يعرف ولا يعجل سراحهم حتى يستبرأ أمرهم، وفي كتاب محمد، وابن حبيب عن مالك وأري أن يخرج هؤلاء من السوق، وإذا ثبت عسر المحبوس خلي سبيله، وهل للغرماء أن يدوروا معه حيث دار، ويلازموه؟ المنصوص ليس لهم ذلك، والحجة عليه قوله -صلي الله عليه وسلم- (خذوا ما وجدتم معه ليس لكم غيره) ولأن الملازمة حبس، وقد ثبت موجب نفيه وهو مقتضي قوله سبحانه: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ ويحبس الوصي على الأيتام فيما عليهم من دين إذا كان لهم بيده مال، لأن امتناعه من الأداء من باب اللدد، وهل يطاف بالمفلس في السوق (والملعن بالسفه)، وينادي عليه، فيه خلاف عندنا، وجري العمل عليه حفظاً لأموال الناس، وهل

يؤخذ المديان بعمل صنعة يكتسب منها، ويؤدي الدين، قال الجمهور: ولا يؤاجر اعتمادًا على الآية وقضية معاذ، وقال أحمد بن حنبل يؤاجر، واختاره اللخمي إذا كان صانعًا (إنما عوامل غالبًا على صناعته، ثم ذكر فلس (الصناع) ومستأجريهم، وتحصيل القول فيه فأنهم إذا قبضوا السلع وأفلس أربابها فهم أحق بها في أيديهم إذا كانوا قد عملوا الصنعة في الموت والفلس، لأن صنعتهم بأيديهم ولم يسلموها، وإن كان التفليس قبل العمل فهو بالخيار بين أن يفسخ الإجارة، أو يكون أسوة (الغرماء) إن عمل، وإن فلس الصانع فلرب السلعة أن يخلص بقيمة تلك السلعة، وباقي مسائل التفليس (مذكور في المطولات).

باب الصلح والمرافق وإحياء الموات

وما يتصل بذلك شرح: الأصل في الصلح الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿والصلح خير﴾ [النساء: 128] وأما السنة فما روي مرفوعًا إلى النبي -صلي الله عليه وسلم- أنه قال: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا، أو حرم حلالاً) وقد روي موقوفًا على عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وهو على قسمين: صلح على الإقرار، وصلح على الإنكار، فالصلح على الإقرار جائز، بإجماع المسلمين،

وأما الصلح على الإنكار فأجازه الجمهور، ومنعه الشافعي لأنه من أكل المال بالباطل، واعتمد الجمهور على أنه شراء خصومه وافتداء من اليمين، وقد صح جوازه عن عثمان، وابن مسعود وغيرهما فكان حجة، وقسمه القاضي قسمين، معاوضة وإسقاط وإبراء، فالقسم الأول: أن يدعي على رجل شيئًا، ثم يبيعه منه فلا يجوز إلا في معلوم وحكمه حكم البيع، فيراع (في صحته) ما يراعي في البياعات، فيحرم فيه (من وجوه الربا ما يحرم في البيع ويحل فيه ما يحل فيه، والقسم الثاني: وضع بعض الحق المدعي فإن كان الغريم مقرأ فهو صلح على (الإقرار، وإن كان منكراً فهو صلح علي) الإنكار، وهل يراعي في الصلح على الإنكار ما يرعي في البيع أم لا؟ فيه قولان عندنا مثل أن يدعي دنانير فينكر فيصالحه عليها بدراهم مؤاجلة، فهو محرم عند ابن القاسم، لأنه صرف مستأخر، وأجازة أصبغ وغيره، ولم يره صرفًا وإنما رآه معاوضة على إسقاط المنازعة فقط، فإذا وقع الصلح فاسدًا بخروجه إلى باب الربا فهل يفوت بوقوعه أم يفسخ أبدًا، أو يفسخ ما لم يطل هذه الثلاثة الأقوال واقعة عندنا، والصحيح أنه كالبيع الفاسد فيفيته ما يفيت البيع الفاسد.
قوله: "وإحياء الموات على وجهين": قلت اختلف الفقهاء في إحياء الموات على ثلاثة أقوال، فاشترط فيه أبو حنيفة إذن الإمام قرب من العمران

أم لا؟ ولم يشترط الشافعي مطلقًا، وفصل مالك فاشترطه في القريب دون البعيد هذا هو المشهور من مذهبه، وقال أصبغ وسحنون: لا يفتقر إلى إذن الإمام فيما قرب، ولا فيما بعد، ورواه ابن عبدوس عن أشهب، والأصل في جوازه قوله -صلي الله عليه وسلم-: (من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق) والإحياء: البناء والغرس وحفر الآبار وشق العيون وغير ذلك من أنواع (العمارة) مما يعلم أنه إحياء، واختلف الرواية عن المذهب فيمن أحيا (أرضًا) وتركها حتى خربت، ثم أحياها رجل آخر فهل تكون للأول لأنه ملكها أولاً بالإحياء، أو للثاني لأنها كالموات حيث خربت فيه عندنا قولان المشهور أنها للثاني كالصيد إذا استأنس ثم استوحش، ثم صاده صائد فهو للثاني، لأنه باستيحاشه صار غير مقدور عليه.
فرع: إذا بيننا على المشهور من اشتراط إذن الإمام فيما قرب تعين النظر في أمرين: الأول: حد القرب والنظر فيما إذا أحيي بغير إذن الإمام فيما اشترطنا فيما إذنه، وحد القرب عندنا مختلف فيه، أما البلدان فالقريب منها ما تلحقه مواشيها بالرعي في غدوها ورواحها وهو لهم مسرح، ومحطب، وأما الدار فحريمها إذا كانت محفوفة بما احتوت مرافقها التي يضطر إليها (ويعلمها)

الناس من مرافقها في العادة كمطرح التراب، ومصب الميزاب، ومواضع الطريق، وأما البئر فليس لها حريم معلوم لاختلاف الأرض بالصلابة والرخاوة، وحريمها في الحقيقة ما لا يضر بمائة، ولا يضيق مناخ إبلها، ومرابط مواشيها، وأما إذا أحيي بغير إذن الإمام ممن أوجبنا عليه الاستئذان فالحكم فيه للإمام إن حسن عنده أمر فعله، فإما أبقاه (بيد من أحياه)، وإما أزاله وإما أقطعه، وإما أبقاه للمسلمين وأعطاه قيمته، وهل يعطي قيمته مقلوبًا وهو المشهور لأنه متعد بالإحياء، أو قائمًا حكاه ابن القاسم في وثائقه.
فرع: هل للذمي أن يحي في بلاد المسلمين أم لا؟ اختلفت الرواية فيه عن المذهب، فحكي القاضي أبو الحسن بن القصار عن المذهب أنه ليس له ذلك، وقال ابن القاسم: له الإحياء لعموم لفظ الحديث إلا في جزيرة العرب لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (لا يبقين دينان بأرض العرب) فإن أحيي في جزيرة العرب نزع من يده، وأعطي قيمة ما عمر، وقال مطرف وابن الماجشون له الإحياء في البعيد عن العمران دون القريب، ولا يجوز له الإحياء (في القريب)، وإن أذن له الإمام، ويعطي قيمته، وينزع من يده.
قوله: "وليس لحريم البئر حد إلا الاجتهاد"، وهذا كما ذكره،

والمعهود من الشريعة رفع الضرر (فما يعلم أن يضر) بالبئر الأول كذلك الحريم، وهو مختلف باختلاف الأرضي، هذا في آبار (البراري) والفلوات، وأما إذا أراد أن يحفر بئراً في أرض ملكه تضرب ببئر جاره، فهل يمنع من ذلك أم لا؟ حكي القاضي فيه روايتان المنع رفع للضرر، (والجواز) لأنه تصرف في ملكه بما يحتاج إليه.
قوله: "ومن حفر بئرًا في ملكه فإن البئر مع الأرض ملك له، وله منع الناس منها": اختلف الفقهاء في منع الماء للناس على ثلاثة أقوال: فقالت طائفة: لا يمنع ولا يباع مطلقًا كان في أرضه مملوكة أم لا؟ وهو مذهب أهل الظاهر، وقوم رأوا أنه مما يتصور ملكه، والمنع منه بالإطلاق، وفرق قوم من الفقهاء بين أن يكون في الأ {ض المملوكة فيملك، أو غير المملوكة فلا يملك، واعتمد الأولون على قوله -صلي الله عليه وسلم- (لا يمنع نفع ولا فضل ماء) وجعله رسول الله -صلي الله عليه وسلم- من الأشياء المشتركة كالحطب والنار، واعتمد من أجاز منعه على أنه كسائر (المتمولات الممتلكة).
وتحصيل مذهب مالك في ذلك: أن المياه على ثلاثة أقسام: عام، وخاص، ومتردد بين الخصوص والعموم، فالعام ضربان: الأول: الماء الجاري في الأرض المملوكة المستقر فيها، فهذا لا خلاف في المذهب أنه مملوك لمن جري في ملكه، واستقر في أرضه على صفة الملك لواحد كان أو للجماعة فلمالكه منعه، وتحجير فضله، والاختصاص بجميعه، وليس عليه أن يرسله إلى من تحته، لأنه بدخوله في أرضه وجريانه عليها، واستقراره فيها

صار ملكًا له، ويقتسمه الشركاء في هذه الأرض على حسب أملاكهم، والثاني: الماء الذي طريقة في الأرض المباحة كالماء الذي يسيل من شعاب الجبال وبطون الأودية، وهذا حكمه أن يسقي به الأعلى فالأعلى، إذا كان الأعلى قديمًا، وإن كان محدثًأ فسنذكره، واختلفت الرواية في تحديد السقي، فقال ابن وهب، وابن الماجشون وغيرهم يسقي الأول ويرسل جميع الماء في حائطة حتى يبلغ الماء في الحائط كله كعب من يقومفيه فحينئذ يغلق مدخل الماء ويرسله إلى جاره، وروي زياد بن عبد الرحمن عن مالك: أن الأول يجري الماء في (ساقيته إلى حائطه) قدر ما يكون الماء في الساقية إلى الكعبين حتى يروي حائطه، أو يفني الماء، فإذا روي حائطه أرسله كله، فاعتبر في هذه الرواية ري الحائط، وجعل الكعبين مقدار الماء في الساقية لا في أرض الحائط، وفي المدينة من رواية عيسي عن ابن وهب أن الأول يسقي حتى يروي حائطه، ثم يمسك بعد ري حائطه من الماء ما يبلغ إلى الكعب، فجعل الكعبين في هذه الرواية مقدار الماء المسقي بعد الري، وقال ابن كنانة: إن كان المسقي زرعًا فيمسك الماء حتى يبلغ النعل، وإن كان شجرًا فيمسكه حتى يبلغ الكعبين، فهذه (أربع) روايات واقعة عن مالك، وهذا إذا كان الأعلى قديمًا (لا يسبقه) الأسفل بإحياء وغرس، ثم أراد غيره إحياء ما فوقه، والسبق إلى الماء، فالقديم أحق، ويمنع المحدث من الأحداث إلى علي حسب دولته، فإذا رضي بحطه من الماء مما فضل عن الأقدم، فله ذلك، نص عليه سحنون.

والقسم الثاني: الماء الخاص وهو المصون في الأواني، أو في الآباء الممتلكة بالحر أو بالشراء، فهذا من جملة الأملاك التي يختص بها مالكها ولا يتصرف فيها غيره إلا بإذنه.
والقسم الثالث: المتردد بين الخاص والعام، وهو ماء (البئر) المحتقرة في الفيافي والبوادي للماشية، فلا يباع ولا يورث، وحافرها أحق (بقدر كفايته)، وعليه إرسال فضلته وورثه حافرها بمنزلته، والعادة تشهد في مثل هذا، لأن حافره إنما يحفره (لتشرب) ماشيته، ويتصدق بما فضل من مائة على من احتاج من مسافر أو مقيم إلا أن ينص حين الحفر على التمليك التام، ويشهد بذلك فلا سبيل عليه، وإذا وقعت الضرورة وتبينت الحاجة كان المسافر أولى من المقيم بالماء الذي فضل عن صاحبه لإضرار المسافر.
وروي ابن وهب عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: (لا يقطع طريق ولا يمنع فضل ماء ولا ابن السبيل على شربه للدلو والرشا والحوض، ويخلي بينه وبين الدلو فيستقي، ولا يلزم الاستقاء له)،وفي الأثر: أن أبناء السبيل اقتتلوا مع أهل الماء وجرحوهم فأهدر عمر -رضي الله عنه- جراحات أهل الماء وأغرمهم جراحات ابن السبيل، وقال: ابن السبيل أولي الماء من الساقي عليه، وهو مقتضي المصلحة والله أعلم.
وحكي القاضي قولين فيهما، وإذا أوجبنا على الجار أن يبذل فضل مائة المملوك لزرع جاره الذي خيف عليه الهلاك، هل يقضي عليه ببدل الفضلة بالثمن، أو بغير ثمن قولان مبنيان على اعتبار المصالح، وإنما يقضي عليه لزرع جاره الذي خيف هلاكه عطشًا إذا كان جاره قد زرع على أصل ماء ثم انهارت بئره، فأما إن زرع اتكالاً على فضل ماء جاره فلجاره المنع، إذا لا ضرورة حينئذ.

قوله: "ويستحب لمن سأله جاره أن يغرز خشبة في جداره أن لا يمنعه": قلت: اختلف الفقهاء هل يقضي بهذا على من امتنع منه أم لا؟.
فقال الشافعي وأحمد وداود وأبو ثور: يقضي به اعتمادًا على نص حديث أبي هريرة: (ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتفاكم)، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يقضي بها على من أباه اعتمادًا على قوله -صلي الله عليه وسلم- (لا يحل مال امرئ إلا عن طيب نفس)، ومن هذا النمط ربيع عبد الرحمن بن عوف وخليج الضحاك بن خليفة ذكر مالك في موطئه أن الضحاك بن خليفة ساق خليجًا من العريض فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمه فأبي محمد، فقال له الضحكاك: لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولاً وآخرًا ولا يضرك، فأبي محمد فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب فدعا عمر محمد بن مسلمة فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد: لا، فكرر عليه، فامتنع، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك فأمره عمر أن يمر به ففعل الضحاك، روي أصبغ عن مالك فقال: لا يؤخذ بقضاء عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة في الخليج، وروي مالك أيضًا في موطئه عنعمر بن يحيي المازني عن أبيه قال: كان في حائط جده ربيع لعبد الرحمن بن عوف فأراد عبد الرحمن أن يحوله إلى ناحية من الحائط هي أقرب إلى أرضه، فمنعه صاحب الحائط فكلم عبد الرحمن بن عوف عمر بن الخطاب فقضي له بتحويله، وروي أصبغ عن مالك قال: يؤخذ بقضاء عمر

لعبد الرحمن في تحويل الربيع دون قضائه في الخليج، قلت: لعله فرق بينهما، لأن تحويل الربيع ليس من إحداث طريق لم يكن، ثم ذكر القاضي حكم فتح الكوة.
وتحصيل القول في ذلك على مقتضي المذهب: أن لا يمنع من إحداث ما ينتفع به، ولا يضر بجاره، فإن أضرت الكوة بجاره رفع الضرر شرعًا، وأما الجدار المشترك فليس له فتح الكوة فيه إلا بإذن الشريك ثم ذكر أن السقف لصاحب السفل، وعليه إصلاحه ليتمكن صاحب العلو من الانتفاع به تمكن مثله، فإن اختلفا في السقف حكم به لصاحب السفل، (كما ذكرنا: وقال الشافعي: هو مشترك بينهما؛ لأن السقف محمول على ملك صاحب السفل) فكان حائزًا له بملك حامله كالدابة يحمل عليها مالكها فالحامل والمحمول ملك له إلا أن يثبت خلافه، والعرف شاهد في الجدال المتداعي فيه (فمن شهد له به) العرف فهو له بعد يمينه، وقيل بغير يمين بناء على أن العرف كشاهدين، والقمط بسكون الميم جمع قماط، وأصل القماط الخرقة التي يلف بها الصبي.
قوله: "وليس لأحد الشريكين في الحائط أن يتصرف فيه إلا بإذن شريكه" وهذا حكم جميع الأملاك المشتركة، وإذا انهدم الحائط المشترك فهل (جبره) عليهما، وهل يجبر علي بنائه من أباه، في المذهب قولان: أحدهما: الجبر لقوله -صلي الله عليه وسلم- (لا ضرر ولا ضررا)،والثاني: نفي الجبر، لأن

جبر المالك على أن يبني ملكه غير معهود، وللقائل أن يقول تصور الجبر ههنا لحق الغير.
قوله: "ومن له حق في إجراء (مائة) على سطح غيره فنفقه السح على صاحبه"، وهذا كما ذكره لأن صاحب المسيل له حق في مرور الماء على السطح، فعلي صاحب السطح (تمكينه) من ذلك بحيث يتمكن من منفعته، ويتوصل إلى حقه بخلاف من له شرب في بستان، فاحتاجت ساقيته أو نهره إلى نفقه فهي عليهما جميعًا، لأن موضع الماء لهما والسطح لصاحبه فقط، ولا شيء معه فيه لصاحب المسيل، وقد تقدم الكلام في وجوب طرح المتاع من المركب يخاف عليه الغرق، وذلك من باب التسبب في إحياء النفوس، ولا كلام في وجوبه، ومن هذا المعني أكل المضطر الميتة إذا خاف الموت، وقد تقدم الكلام في كيفية التوزيع بين أهل السلع، وهل الرقيق كالمال أو كالأحرار، وفي ذكر موضع التقويم، ثم ذكر مسألة المركبين يصطدمان ولا ضمان علي واحد منهما، إذا لا يقدر على رد الريح، بخلاف الفارسين يصطدمان فيقتل أحدهما صاحبه فدية كل واحد منهما على عاقلة صاحبه والله الموفق.

باب الوديعة والعارية

قال القاضي -رحمه الله- "باب الوديعة والعارية".
الوديعة: استنابة في حفظ المال والأصل فيها الكتاب والسنة والعمل، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ [النساء: 58] أما السنة فقوله -صلي الله عليه وسلم- (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) وجري العمل في الجاهلية عليها، فأقرها الإسلام، وهي أمانة محضة غير مضمونة عند الجمهور، وشد قوم فقالوا: إنها مضمونة (أمر

بردها) اعتمادًا على قوله-صلي الله عليه وسلم- (على كل يد رد ما أخذت) وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، والدليل للجمهور أن الله سبحانه أمر بردها لربها، ولم يأمر بالإشهاد، فالواجب تصديق الأمين في دعوي التلف، والرد عليه، إلا أن يدفع إليه بينة، فاختلف الفقهاء حينئذ، فقال مالك: لا يقبل منه دعوي الرد إلا ببينة، لأن رب المال لم يرض بأمانته إلا على صفة (الشهادة)، فلا يتعدي ذلك، وإلا فكان الإشهاد عبثًا، وقال الشافعي وأبو حنيفة: القول قول المودع في دعوي الرد مع الإشهاد وغيره كالتلف تمحيضًا لحكم الأمانة، وهي رواية معروفة عن ابن القاسم، والمعتمد عليه في دعوي التلف أن القول قوله مع يمينه قبضها ببينة أم لا، لأن يده يد أمانة.
قال القاضي أبو محمد: "وسواء كان متهمًا، أو غير متهم" لأن ربها رضي بأمانته واختار المتأخرون من أهل المذهب التسوية في حكم الأمانة بين دعوي التلف، ودعوي الرد، فيقبل قوله فيهما مطلقًا.
قوله: "لا تضمن إلا بالتعدي" وهو كما ذكره مثل أن يسافر بها، وقد دفعت إليه في الحضر أو يودعها غيره، أو يجعلها في غير مأمون فهو ضامن إلا أن يودعها غيره ممن ترضي أمانته إذا أراد المودع سفرًا، فهذا مأذون فيه، ولا ضمان عليه في هذه الصورة.

قوله: "والقول قول المودعي في تلفها على الإطلاق" يعني: كان الدفع إليه ببينة أو بغير بينة، متهم أو غير متهم كما بينه في غير هذا الموضع.
تكميل: لما كانت الوديعة استنابة المودع على حفظ المال اشترطنا في المودع ما يشترط في الوكيل، فلذلك يجوز له أن يودع الصبي والسفيه والعبد والمرأة إذا رضي بأمانتهم، ولا ضمان على الصبي والسفيه في ذلك إذا أتلف أو ضيع، لأن رب الوديعة رضي بذلك وسلط عليه وكذلك لا ضمان على العبد في رقبته إلا أن يتعدي فيضمن، ويتعلق (ذلك) بذمته، وفي المذهب قول آخر في العبد يودع، فيتعدي أو يستهلك الوديعة أنها جناية في رقبته كسائر جنايته، والأول (المشهور).: قوله: "وليس له أن (يودعها) غيره إلا من ضرورة": قلت: (يجب الضمان في الوديعة بأسباب: الأول: التضييع لها والتفريط في حفظها، ولا خلاف أنه ضامن في هذا المحل، وذلك مثل أن يلقيها في غير مأمون، أو يدل عليها سارقًا، والثاني: أن يودع غيره من غير عذر فهو ضامن، لأن ربها لم يرض إلا بأمانته، فإن فعل، ثم استرجعها لم يضمن بعد ذلك كردهًا إذا تسلف منها، فإن اضطره إلى إيداعها عزمه على السفر جاز له إيداعها لمكن الضرورة، فإن أعطي الوديعة زوجته أو جاريته على جري عادته في ذلك لم يضمن، لأن من عادة الناس والمودع في الحضر يريد السفر، فله أن يودع غيره كما ذكرناه بخلاف المسافر يودع في السفر فليس له أن يودع غيره، لأنه على أمانته قبله لا على أمانة غيره، وكذلك نقل الوديعة من بلد إلى بلد هو في ذلك ضامن لتعديه بالنقل، قال مالك في امرأة ماتت بالإسكندرية فكتب وصيها إلى ورثتها وهم ببلد آخر فلم يأت منهم خبر، فخرج بتركتها إليهم فهلكت في الطريق فهو ضامن، فلو أودع جرار زيت

فنقلها من موضع في داره إلى موضع آخر فيها، فلا ضمان عليه إذا انكسرت، ولو سقط عليها شيء من يده فانكسرت، أو رمي في داره وهو يريد إصابة غيره فأصابها، فانكسرت، ضمنها لأنها جناية، والخطأ والعمد في أموال الناس سواء، وقال أشهب: ولو سقطت من يده فانكسرت فلا ضمان عليه.
الثالث: المخالفة في كيفية حفظها مثل: أن يودعه صندوقًا، واشترط عليه أن لا يقفله لما في ذلك من الشهرة بتقفيله، أو بالعكس فهو ضامن بالتعدي والمخالفة، ولو قال له: أقفله بقفل واحد فقفله بقفلين فلا ضمان عليه، وإذا أودعه دراهم فجعلها (في جيب قميصه)، فضاعت، فهل يضمن أم لا؟ قولان عندنا، قال ابن وهب: من أودع وديعة في المسجد فجعلها على نعله فذهبت فلا ضمان عليه ولو اشترط عليه أن يجعلها في جرة فخار فجعلها في جرة من نحاس ضمن، وعلله أصحابنا بوجهين: الأول: أنه شهرها، والثاني: أنه خالف، وقصد إلى ما يقصد سرقته، ولو قال له: أجعلها في نحاس فجعلها في فخار لم يضمن.
الرابع: خلط الوديعة بما لا تتميز معه، وهو (ههنا) ضامن أيضًا لتعدية بالخلط، فإن (خلطها بجنسها) المماثل له فلا ضمان عليه لإمكان التمييز بالمكيلة.

والخامس: الانتفاع بها كلبس الثوب، وركوب الدابة (فتهلك) فهو ضامن، واختلف في فروع: الأول: هل يضمن الوديعة بالنسيان أم لا؟ فيه صورتان: الأولى: أن ينساها في موضع فهل يضمنها أم لا؟ قولان، والثانية: أن ينساها من دفعها إليه، ويدعيها رجلان ففيه قولان: أحدهما: أنه يضمن لكل واحد منهما وهو اختيار الشيخ أبي الحسن، والثاني: أنهما يحلفان، وتقسم بينهما.
الفرع الثاني: هل يجوز استسلاف الوديعة أم لا؟ قولان: الكراهة على المشهور، (والجواز) لأشهب إذا كان له مال فيه وفاء، واشهد بذلك.
الفرع الثالث: إذا تسلفها ثم ردها بعد الانتفاع بها فهل يضمن أم لا؟ قولان عندنا: أحدهما: لا يبرأ من ذلك، لأنها بالاستسلاف صارت دينًا في ذمته، والثاني: أنه يبرأ، لأنها رجعت إلى حكم الأمانة، وقال (أصبغ): إن ردها بالإشهاد بريء وإلا فلا، وقيل: لا ضمان عليه إلا أن يكون المردود المثل فإن رد العين فلا ضمان عليه.
الفرع الرابع: إذا أودع رجلاً وديعة فخانه، ثم أودعه الخائن، فهل يجوز له أن يجحده ويخون من خانه، فيه خمسة أقوال في المذهب: المنع، والكراهة، والإباحة والاستحباب لما فيه من تخليص ذمته عند الله سبحانه، والجواز إذا لم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين لم يجز له أن يجحد إلا مقدار ما يقع في المحاصة.
قوله: "والعارية تمليك منافع العين بغير عوض" وهو فعل خير

ومندوب إليه، والأصل فيها قوله سبحانه: ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون:7] (وحثهم) على المنع، فدل على أن المنحة مرغب فيها، وقد استعار رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وقال: (كل معروف صدقة) وقال: (العارية مؤداه) وكل ذلك مبني على قوله تعالي: (وافعلوا الخير) [المؤمنون: 77].
وثبت جوازه عن السلف قولاً وفعلاً حكاه أئمة الآثار، وهي علي قسمين: ما يغاب عليه مما يخفي هلاكه، وما لا يغاب عليه، أما ما لا يغاب عليه فلا ضمان فيه على المستعير عندنا بلا خلاف اعتمادًا على قوله -صلي الله عليه وسلم-: (ليس على المستعير غير المتعدي ضمان)، وأما ما يغاب عليه فلا يخلو أن تقوم البينة على هلاكه أم لا؟ فإن لم تقم البينة على الهلاك وجب الضمان على المستعير لمكان التهمة اعتمادًا على قوله -صلي الله عليه وسلم-: (عارية مؤداه) مضمونة، وإن قامت البينة على الهلاك فهل يسقط الضمان في هذه الصورة أو يثبت، فيه قولان: المشهور سقط الضمان في هذه الصورة أو يثبت، فيه قولان: المشهور سقوط الضمان (مع قيام البينة اعتبارًا بالشهادة والشاذ الضمان) لأن أصله مأخوذ على الضمان، قال مالك (في

كتاب محمد) وما علم اه هلك بغير سببه فلا ضمان عليه كالسوس في الثوب، وقرض الفأر.
واختلف المذهب إذا اشترط أحدهما نفي الضمان فيما فيه الضمان أو عكسه، هل يعتبر الشرط أم لا؟ قولان: المشهور اعتبار الشرط، والشاذ اعتبار الأصل وقد قال -صلي الله عليه وسلم- (من ألزم نفسه شيئًا لزمه) فعلي مقتضاه الاعتماد.
قوله: "وإن كانت إلى أجل لم يكن للمعير الرجوع فيها إلى انقضاء الأجل": قلت: العارية على قسمين: مؤجلة، ومبهمة، فالمؤجلة (تبقي) إلى انقضاء أجلها سواء كانت عقارًا، أو حيوانًا، أو عروضًا، فإن أعاره عارية مبهمة فهل تحمل إلى أجل المثل أم له الارتجاع في الحال قدمنا فيه قولين، ومن ذلك، أن يعيره أرضًا ليبني فيها، أو يغرسها، فأما قبل فراع المدة المشترطة أو المعتادة فليس له إخراجه، وأما بعد فراغ المدة المشترطة، فهل له إخراجه، وعليه أن يعطيه ما أنفق [وقيمة ما بني فيه قولان عندنا، والمشهور من المذهب أن المدة المعتادة كالمشترطة، وأما بعد فراغ كل واحد من المدتين فله الإخراج، وعليه قيمه البناء والغرس مقلوعًا، فإن أبي رب البناء أو الغرس إلا أن يأخذ عين لبنه وأحجاره وشجره، فله ذلك إلا أن تكون مما لا قيمة له بعد النقض فلا يكون للباني فيه قيمة البتة، واختلف المذهب إذا اختلفا في دعوي الرد، فقال المستعير: رددت، وقال المعير: لم ترد، فالقول قوله عند ابن القاسم في كل ما لا يصدق المستعير في ضياعه، وأما ما يصدق المستعير في ضياعه فالقول في الرد قوله مع يمينه.

﴿كتاب الغصب والتعدي وما يتصل بذلك من الاستحقاق﴾ قال القاضي رحمه الله تعالي: "كتاب الغصب والتعدي وما يتصل بذلك من الاستحقاق": قلت: الغضب وضع اليد العادية، ورفع اليد المالكة على وجه القهر، وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق﴾ [الشورى:42] وقال تعالي: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة:188] والآيات الدالة على تحريمه كثيرة، وقال -صلي الله عليه وسلم-: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكن هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)، وانعقد الإجماع على تحريم الغصب، وأخذ المال بغير حقه مطلقًا، فإذا ثبت هذا تعين إتباع لفظ القاضي -رحمه الله-: "ومن أتلف مالاً لغيره ظلمًا لزمه بدل ما أتلف" وهذا كما ذكره

إلا أن قوله ظلمًا لا معني له، لأن الغرم واجب عليه على كل حال سواء كان الإتلاف ظلمًا أو تأويلاً أو خطأ، فتقيده بخصوصية الباب لا بخصوصية الحكم، وأطلق القاضي القول في التلف عمومًا فقال: "ومن أتلف" فدخل في عموم لفظه المكلف وغير المكلف، ولا شك أن حكم المكلف ظاهر في الغرامة والعقوبة، أما الغرامة فقد فسرها القاضي، قال علماؤنا: ويعاقبه الإمام على قدر اجتهاده بما يراه من أدب أو سجن إن كان مكلفًا، وأما غير المكلف يؤدب كما يؤدب الصبي في المكتب.
واختلف المذهب في الصغير الذي لا يعقل إذا تلف على ثلاثة أقوال: أحدهما: الأموال هدر، والدماء على العاقلة، والثاني: الأموال والدماء هدر كالعجماء، لأنه غير مكلف، والثالث: أن الأموال لازمة في مال، والدماء على عاقلته، وكذلك الجراحة إذا كانت الثلث فصاعدًا، وسواء كان التلف بمباشرة المتلف كالقتل والأكل والإحراق والهدم، أو بتسبيبه مثل: أن يفتح قفصًا فيطير منه طائر، أو يحفر بئرًا في محل (عام) فيهلك فيه هالك، أو يحل دابة من ربطها، فتذهب، أو عبدًا مقيدًا فيهرب، فيضمن في جميع ذلك، واختلف المذهب في فروع من هذا النمط، إذا فتح باب دار فيها دواب، فذهبت فهل يضمن أم لا؟ فيه خلاف عندنا، فقيل: هو ضامن مطلقًا، وقيل: إن كان في الدار أربابها لم يضمن، وإن لم يكونوا فيها ضمن، وقال أشهب: إن كانت الدواب مسرحة ضمنها، وإن كان رب الدار فيها، ثم قسم القاضي البدل قسمين: مثل، وقيمة، فالمثل في المكيل والموزون والمعدود كالبيض

والجوز ونحوه، والقيمة في العروض والحيوان (عندنا خلاف للشافعي وأبي حنيفة حيث أوجبوا في العروض والحيوان) المثل لا القيمة، إلا أن يعدم المثل والمعتمد لنا قوله-صلي الله عليه وسلم- (من أعتق شركًا في عبد قوم عليه قيمة عدل) الحديث.
عدل النبي -صلي الله عليه وسلم- عن المثل إلى القيمة بيانًا للواجب، واعتمد الآخرون على مأخذين: الأول: قوله سبحانه: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: 95] والثاني: قوله -صلي الله عليه وسلم- (قصعة بقصعة) الحديث، وهو ثابت في الصحيح، وجعله أصحابنا من قضايا الأعيان المخصوصة بمحالها، مع أن قضية القصة وقع فيها التراض، وإنما الخلاف في المشاحة والمخالفة، وقد قيل: إن القصعتين للنبي -صلي الله عليه وسلم- لأنه رب البيتين وإنما قال ذلك تطبيبًا للنفوس لا حكمًا جزمًا، وههنا فروع تتعلق بما ذكرناه.
الأول: الحلي هل هو من ذوات الأمثال، أومن ذوات القيم فيه قولان عندنا، الثاني: (الغزل من ذوات الأمثال، أو من ذوات القيم، قولان عندنا، والثالث): إذا تعذر المثل في ذوات المثل فقولان: الأول: أنه يصبر حتى يوجد، وليس له إلا ذلك، وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب:

جارٍ التحميل