روضة المستبين في شرح كتاب التلقينصفحات 1245-1269

كتاب الجنايات (وموجباتها من قصاص ودية وما يتصل بذلك من أحكامها)

صفحات 1245-1269

ليخففوا عنهم في الإيمان، وإن لم يكن للعصبة مدخل في الدم.
وههنا فروع: الأول: إذا كان الأولياء أكثر من خمسين فقد قدمنا الخلاف هل يقتصر على خمسين أم لا؟ فإن كانوا خمسين فأرادوا أن يحلف رجلان منهم خمسين يمينًا وهم في العقد سواء، ففي المجموعة عن مالك لا يجزئهم ذلك، وهو كالنكول، وفي الموازية عن ابن القاسم إن ذلك يجزء وينوب عن من بقى.
الفرع الثاني: قال أشهب: إذا كانوا ثلاثين حلفوا يمينًا يمينًا، ثم حلف منهم (عشرون) عشرين يمينًا.
الفرع الثالث: قال (أشهب) إذا استعان الأولياء بالعصبة حلف الأولياء مع العصبة ما ينوبهم من الأيمان، فإذا حلف المعينون أكثر من الأولياء لم يجز ذلك.
وكان كالنكول من الأولياء.
قوله: ((ونكول المستعان بهم غير مؤثر)): وهذا كما ذكره بخلاف نكول بعض ولاة الدم، فإذا أنك الولي لم يكن للعينين من العصبة القسامة ولا المطالبة بالدم، إذ لا حق لهم في الدم، وإنما استعين بهم من باب النصرة، وإذا نكل المعين فللولي القسامة.
واختلف المذهب إذا نكل بعض الأولياء وكانوا عصبة فهل يقسم الباقون على حظهم من الدية أو ترد الأعيان على المدعى عليهم قولان: حكاهما القاضي، والأول أصح في النظر، لأنه حق مالي يمكن فيه التبعيض فإذا سقط

أحدهما حظه لم يسقط حظ الآخر إلا بإسقاطه فإن كان الأولياء بنين أو إخوة، فنكل بعضهم، فإن الأيمان ترد على المدعى عليهم وليس لمن بقى أن يحلف هكذا حكى القاضي أبو الوليد عن المذهب وظاهر كلام القاضي إجراء الخلاف في صورة نكول بعض الأولياء مطلقًا من غير اعتبار الذي حكاه أبو الوليد وإذا حكمنا في هذه الصورة برد اليمين على المدعى عليه، فنكل ففيه قولان حكاهما القاضي أحدهما: أن الدية عليه في ماله كاعترافه، والعاقلة لا تحمل الاعتراف، والثاني: أنه يحبس حتى يحلف، فإن طال حبسه خلى سبيله، لأنها يمين الاستظهار، ألا ترى أن الورثة أضعفوا سبيلهم ودعواهم بنكولهم عن السبب المرجح للدعوى، فلم يثبت طلبهم بدعواهم حكم محقق، ولما كان الدم حق الورثة كان لهم التصرف فيه بالطلب والإسقاط على عوض الدية، أو ما وقع الصلح عليه، وههنا فروع تتعلق بهذا الأصل.
الأول: إذا كان الأولياء أولاد أو إخوة (فعفا بعضهم سقط الدم بلا خلاف، وكان لمن لم يعف حظه من الدية، وإن كانوا عصبة ففيه روايتان إحداهما أنهم كالأولاد والإخوة) والثاني أن الأيمان ترد على المدعى عليهم.
الفرع الثاني: اختلف في النساء هل لهن مدخل في الدم أم لا؟ فعن مالك في ذلك روايتان الإدخال ونفيه، وجه الإدخال قياس حق القصاص على حق الميراث، ولقوله -صلى الله عليه وسلم- (من له قتيل فأهله بين خيرين إن شاءوا قتلوا وإن شاءوا عفوا وأخذوا الدية) ووجه نفي إدخالهن أن ولاية

الدم مستحقة بالدفاع والنصرة، وهو مسلوب من النساء، والأول أصح، وإذا قلنا بدخولهن في ذلك فهل يدخلن في القود والعفو أو إنما يدخلن في العفو فقط قولان من مالك ويتفرع في هذا إذا اختلف أولياء المقتول فدعا بعضهم إلى القود، وبعضهم إلى العفو وفيه ثلاث روايات في المذهب أحدهما أن القود قول من دعا إلى القول لأنه الأصل في قتل العمد، والثاني: أن القول قول من دعا إلى العفو، لأنه أحب إلى الله تعالى.
والثالث: أن القول قول الذكور من البنين أو العصبة دون النساء لأنهم بالنصرة أولى، وبطلب الدم أحرى، وفي الموازية عن مالك إذا اجتمع أب (وإخوة) فالأب أولى، من الإخوة، ولا قول للإخوة معه، قال ابن ابن المواز: أجمع مالك وأصحابه على أن الأب بعد (الولد الذكر) أولى من جميع من ترك الميت من إخوة وأم وغيرهم (لا اختلاف) فيه.
واختلفت الرواية مع الجد والإخوة، فقال أشهب: الإخوة أولى منه بالعفو أو القود، لأنهم أقعد، وقال ابن القاسم: هو واحد من الإخوة، والإخوة الأشقاء أولى من الإخوة للأب، وليس للإخوة لوم في العفو عن الدم ولا للزوج، وكذلك لو اجتمعت بنات وعصبة فعفت بنت واحدة، وواحد من العصبة، فالمشهور أن ذلك جائز على من بقى وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: لا يجوز العفو إلا باجتماع البنات والعصبة ولا حق للأم (في الابن في عفو ولا قود، وإن انفردت الأم فهل لها مدخل في ذلك أم لا؟ فروى ابن حبيب: ليس الأم) ولاية في دم العمد، إلا أن يصير مالًا وروى عيسى عن ابن القاسم ومطرف عن مالك أن لها ولاية في الدم فهي أولى

من العصبة وفي المجموعة في أم، وأخ، وعصبة لا عفو للأم دونها وفي الموازية أن البنات أولى من الأم، والأم أولى بالدم من الأخوات.
فرع: قد ذكرنا اختلاف المذهب هل للنساء مدخل في الدم أم لا، واظهر فائدته في فرع: الأول: إذا عفا الذكور من الأولاد فهل يسقط حق البنات من الدية أم لا؟ قولان منصوصان أحدهما: أنه يسقط حق البنات من الدية بناء على أن النساء تبع لا حق لهن في الدم، وكذلك يسقط حق الأخوات إذا عفا الإخوة، وروى أشهب عن مالك أنه (إنما يسقط حق) العافي وحده، وحظ غيره من الدية باق، لأن الدم قد استحال مالًا.
وتحصيل هذا الضابط أن كان الأولياء كلهم ذكورًا ففيه ما قدمناه، وإن كانوا كلهم إناثًا أو فيهم الذكور والإناث لم يسقط حق الباقي، لأنه عفا بعد أن استحال الدم مالًا، ولو عفا الولي، ثم قال: إنما عفوت على الدية لا عفوًا مطلقًا، فالقول إلا أن تكذبه قرائن الأحوال ويحلف أنه ما أراد ترك الدية، ويأخذ حقه فيها، قاله مالك وابن القاسم.
قوله: ((ولا يقسم في العمد إلا على واحد)): وهذا هو المشهور من المذهب أنه لا يقسم في العمد إلا على واحد بخلاف الخطأ، فافترق العمد

والخطأ في هذا القسم في نوعين: أحدهما: أن الخطأ يقسم الولي الواحد فيه، (لأنه مال واجب على العاقلة كالديون الثابتة بخلاف العمد، فإنه دم فلا يحلف فيه أقل من اثنين، الثاني أن الخطأ يقسم الواحد فيه) على الجماعة، فتحمل الدية على عواقلهم، ولا يقسم في العمد الأعلى واحد فيقتلونه هذا قول ابن القاسم، وأنكره سحنون، وسوى في هذا بين العمد والخطأ، وقال يقسمون على جميعهم، فيقتلون، وفي الخطأ، فتحمل الدية على عواقلهم، وبه قال الشافعي وغيره قياسًا على قتل الجماعة بالواحد إذا ثبت الدم بإقرار، أو بينه، وقال أشهب: لهم أن يقسموا على الجماعة، ولا يقتلون إلا واحدًا ممن أدخلوا في قسامتهم، وقال في كتاب محمد يقسمون على واحد من أيهم شاءوا، لا يقسمون على جميعهم، يقتلون واحدًا: ويقولون إذا قسموا على واحد من الجماعة لقد مات من ضربه، ولا يقولون من ضربتهم، واعتمد ابن القاسم على قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث: الجاريتين يقسم خمسون منكم على رجل منهم الحديث.
قال في المجموعة ولم يعلم قط قسامة كانت إلا على واحد، وههنا فروع تتعلق بما قدمناه.
الأول: لو ضربه رجلان أحدهما عمدًا والآخر خطأ فمات لم يقتل ضارب العمد بالشك.
وقال أشهب: يقسمون على أيهما شاءوا فيقتلون في العمد وتحمل العاقلة، ولو مات من ضربات خطأ وقال الأولياء لا ندري من أيهما مات سقطت الدية، لأنه حمل بالشك، وقيل: يقضي على عاقلة الضاربين وهو أصح.
قوله: ((ويضرب من بقي مائة ويحبس سنة)): وهذا كما ذكره قياسًا

على قاتل العمد إذا عفا عنه (الأولياء بجامع حكمة الردع والتأديب المطلوب تحصيله شرعًا، قال في الموازية إذا عفا عنه) من له حق العفو بقى حق الله تعالى نظرًا إلى أن الزاجر قد اشتمل على حقين حق الله، وحق الآدمي فإذا أسقط الآدمي حقه بقى حق الله تعالى، قال في المجموعة سواء بجب الدم ببينة أو إقرار، أو قسامة، قال مالك: إذا تعلقت القسامة بجماعة فقتل واحد منهم بالقسامة، فإن سائلاهم يضرب كل واحد مائة، ويسجن سنة، لأن الأولياء قد ملكوا قتل كل واحد بالقسامة، فإذا تركوا قتله بالقسامة (إلى) غيره كان عفوا، (وإن) نكل ولاة الدم عن القسامة، وردت الأيمان على المدعى عليهم فحلفوا برئوا، قال ابن المواز: وعلى المدعى عليهم الجلد والسجن، وحكاه القاضي أبو الوليد، قال عبد الملك: إذا حلف المدعى عليه خمسين يمينًا برئ من الجلد والسجن.
فرع: إذا كان المقتول كافرًا كتابيًا، أو مجوسيًا، أو عيدًا للقاتل أو لغيره فعلى القاتل جلد مائة وسجن سنة، قال ابن القاسم، وأشهب، ومطرف، وابن عبد الحكم، وغيرهم قال عبد الملك إنما ذلك في المسلم عبدًا كان أو حرًا، قال أصبغ: إذا قتل السيد عبده لزمه الجلد والسجن، قال محمد: إذا قتلت أم الولد سيدها فعليها الجلد والحبس يعني إذا عفا عن دمها، قال أشهب: إذا قتل العبد فلم يقتل فليجلد ويسجن، قال أصبغ: على العبد والأمة الجلد دون السجن قياسًا على التغريب في الزنا، إذا هو ساقط في العبد، والأمة والمرأة، واختلفت الرواية بأيهما يبدأ ففي الموازية عن أشهب ذلك واسع إنشاء بالجلد أو بالسجن، وفي العتبية أنه يبدأ بالجلد، لأن في (تأخيره) تعريض لإبطاله لاحتمال أن يموت في أثناء السنة.
قال القاضي -رحمه الله-: ((وتقسم الدية بين الورثة)) إلى أخر الفصل.

(قلت) وهذا كما ذكره لأن الدية مال موروث، فيستوي فيه جميع الورثة، وروى الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كب إلى أبيه أن يورث امرأة أشيم من دية زوجها) وقد اختلف الفقهاء في توريث القائل، ومذهب مالك أن قاتل العمد لا يورث مطلقًا، وقاتل الخطأ يرث من المال دون الدية، ثم تكلم على دية الجنين، والأصل في ذلك ما رواه مالك في موطئه من حديث أبي هريرة أم امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينًا ميتًا فقضى فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بغرة عبد أو وليدة) وفي مرسل ابن المسيب فقال: الذي قضى عليه كيف أغرم ما لا أكل ولا شرب ولا نطق ولا استهل)) ومثل ذلك بطل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنما هو من إخوان الكهان) فإذا ثبت هذا فالنظر في ذلك في فروع: الأول: (متى تجب الغرة) وعندنا أنها تجب إذا خرج ميتًا وهي حية، فإن ماتت، ثم خرج الجنين ميتًا فقد اختلف العلماء فيه، وفي مذهب مالك قولان: المشهور أنه لا شيء في الجنين وفي الأم الدية، أو القود إن كان الضرب عمدًا، وبه قال جمهور أصحاب مالك، وقال ابن شهاب، والليث،

والشافعي: فيه الغرة وبه قال أشهب.
الفرع الثاني: إذا بنينا على المشهور أنه لا تجب فيه الغرة إذا خرج بعد موتها، فخرج بعضه وهي حية ثم ماتت فحكى الشيخ أبو إسحاق وغيره وجوب الغرة فيه روايتين مبنيتين على مراعاة ابتداء الخروج أو تمامه.
الفرع الثالث: الجنين الذي تجب فيه الغرة ما (علم) النساء أنه ولد كانت فيه الروح أو لم تكن كان (مخلقا) أو لم يكن.
الفرع الرابع: إذا كانا توأمين أو أكثر فهل يكتفي بغرة واحدة أم لا؟ قولان أحدهما الاكتفاء بغرة واحدة وفي العتبية فيهما غرتان من سماع أشهب، وفي المجموعة نحوه، وسواء كان الجنين ذكرًا أو أنثى.
الفرع الخامس: الغرة موروثة على كتاب الله سبحانه، وعليه جمهور أصحاب مالك ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وابن الماجشون، ومطرف، وابن عبد الحكم وأصبغ، وابن أبى حازم، وقال المغير والمخزمي هي للأبوين خاصة فإن لم يكن إلا أحدهما فهي له، وقال ربيعة: للأم خاصة لأنها كعضو من أعضائها، والصحيح أنها دية، فهي موروثة عن كتاب الله سبحانه كسائر الديات.
الفرع السادس: قال مالك: القيمة في الغرة (حسنة) وليست كالسنة المجمع عليها، وإذا بذل غرة قيمتها خمسون دينارًا أو ستمائة درهم قبلت

منه، وإن كان أقل لم تؤخذ إلا أن يشاء أهلها وذلك عشر دية أمه، ولم يذكر الإبل في ذلك في حق أهل الإبل قال ابن القاسم: لا مدخل للإبل في ذلك، وإن كان من أهل الإبل، وروى أبو زيد عن ابن القاسم يؤخذ فيها أهل الإبل.
قال أشهب: لا يؤخذ من أهل البادية (فيها إبل) قال مالك: الغرة من الحمران أحب إلي من السودان إلا أن يغلوا فهو أوسط السودان، قال عيسى بن دينار القاتل مخير بين أن يعطي غرة عبد أو وليدة قيمتها خمسون دينارًا أو ستمائة درهم، أو يعطي الدنانير والدراهم.
الفرع السابع: إذا طرحته حيًا، ثم مات، وكان الضرب خطأ ففيه الدية على العاقلة، وإن كان الضرب عمدًا، فقد اختلف قوله مالك فيه، فالمشهور من قوله أنه لا قود فيه، قال أشهب: عمده خطأ لأنه بالضرب لأمه غير قاصد إلى قتله، وفي المجموعة عن ابن القاسم إذا تعمد (الجنين) بضرب البطن أو الظهر أو موضع يرى أنه أصاب به الجنين قاصدًا ففيه القود بالقسامة، فإن ضرب رأسها، أو يدها، أو رجلها ففيه الدية بالقسامة في مال الضارب قاله ابن القاسم، وقال أشهب على العاقلة.
الفرع الثامن: إذا ضرب امرأته فألقت جنينًا ميتًا ففيه (الغرة) كما ذكرناه، فإذا استهل صارخًا ثم مات وجبت فيه الدية كما ذكرنا في الأجنبي، وهل تغلظ لا؟ قولان في هذه الصورة المشهور أنها مغلظة، وقال أشهب لا تغلظ.
الفرع التاسع: تعلم حياة الجنين بالاستهلال والبكاء والصراخ، واختلف في التثاؤب والعطاس، والحركة، والبول، والحدث حكاه القاضي أبو الوليد

الباجي، وقسم القاضي الأجنة خمسة أقسام وهي ظاهرة أولها جنين حرة مسلمة فيه عشر دية أمه كما ذكرناه.
والثاني جنين كتابية حرة من زوج مسلم، وهو كالأول سواء كان زجها حرًا، أو عبدًا.
والثالث: جنين الكافرة من الكافر فهو معتبر بديتها.
والرابع: جنين الأمة من سيدها الحر المسلم فهو كالأول.
والخامس: جنين الأمة من غير سيدها، ففيه عشر قيمة أمه.
وقال ابن وهب: في كتاب محمد فيه ما نقصها، لأنه كعضو من أعضائها.
قال القاضي -رحمه الله-: ((فصل وتجب الكفارة في قتل الخطأ دون غيره): وهذا كما ذكره، والدليل على وجوبها في قتل الخطأ قوله سبحانه:} ومن قتل مؤمنًا خطًأ فتحرير رقبة مؤمنة {الآية وهل تجب في قتل العمد أم لا جمهور العلماء على أنها مخصوصة بالخطأ، وقال الشافعي: هي واجبة في العمد من باب الأولى والأحرى وعندنا أنها أعظم من أن يكفر كيمين الغموس.
قوله: ((إذا كان المقتول مؤمنًا حرًا)): احترازًا من الكافر والعبد، وأوجبها الشافعي في قتل العبد، وأوجبها غيره في قتل الكافر، والدليل التعلق بالنص، وأما العبد فإنه مال.

قوله: ((كان القتل بانفراد، أو بالاشتراك)) يعني: إذا قتل جماعة رجلًا مؤمنًا خطأ فعلى كل واحد منهم كفارة عندنا، وقال بعض العلماء: تجزئ عن الجميع كفارة واحدة لقوله تعالى:} ومن قتل مؤمنًا خطًأ ﴿فعم الاشتراك والانفراد وهذه الصفة عتق أو صيام لا إطعام فيها، وقد تقدم الكلام في شروط الرقبة، وأن من شروطها أن تكون (مؤمنة) سليمة من العيوب ليس فيها شرك ولا عقد حرية.

قال القاضي -رحمه الله-: (﴿فصل: والردة محبطة للعمل (بنفسها) من غير وقوف على موت المرتد﴾) قلت: اتفق العلماء على أن الردة محبطة للعمل بنفسها، لكن اختلف الناس، والمذهب هل تبطل الأعمال بنفس الردة، وهو الذي حكاه القاضي عن المذهب أو بشرط الوفاة عليها، ومن مذهب مالك فيه قولان: مشهورهما ما حكاه.
فمن اعتمد على قوله تعالى:﴾ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴿قال بالمشهور، ومن اعتمد على قوله تعالى:﴾ ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ﴿الآية فشرط الوفاة على الكفر في إحباط العمل، وتظهر فائدة هذا الخلاف فيما تركه من الصلوات في حال كفره هل يلزمه قضاؤه إذا عاد إلى الإسلام وهل يبطل حجة وطلاقه الثلاث أم لا؟ وكل هذه المسائل قد اختلف العلماء فيها ومذهب مالك أنه لا يقضي ما ترك من الصلوات في حال ردته إذا عاد إلى الإسلام لقوله سبحانه:﴾ قل للذين كفروا إن ينتهوا {الآية، وقال الشافعي: يقضي ذلك اعتمادًا على استمرار الخطاب الأول ويلزمه إعادة الحج، وحجته الأولى غير مجزئة عن حجة الفريضة لرجوعه إلى الإسلام، ويبطل طلاقه الثلاث عند ابن القاسم، وعند غيره لا يبطل وحكمه أن يستتاب خلافًا لقوم

من أهل العلم اعتمادًا على حديث عمر حين بلغه أن مرتدًا قتل قبل الاستتابة، قال: اللهم إني لم أحضر، ولم أمر ولم أرض إذ بلغني فإن تاب قبلت توبته)) لقوله سبحانه:} قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ﴿الآية ولقوله سبحانه:﴾ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده {الآية، ومن العلماء من قال: لا يستتاب ولا تقبل توبته إن تاب، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (من بدل دينه فاقتلوه) وهذا حكم مطلق، وهل تدخل المرأة إذا ارتد في عمومه أم لا؟ اختلف الفقهاء فيه، فقال الجمهور أنها داخلة تعلقًا بظاهر العلوم، وقال أبو حنيفة: إذا ارتدت المرأة لم تقتل اعتبارًا من الأنوثة العاصمة من القتل لنهيه -صلى الله عليه وسلم-: (عن قتل النساء والصبيان) فخلاف خصوصية المحل، وإذا قيل: لم يورث لأنه كافر والمسلم لا يرث كافرًا فماله فيء لجماعة المسلمين.
وقال أبو حنيفة يورث عنه ما كسب قبل ردته، وهل يكون ماله فيئا بنفس الردة، أو بعد القتل فيه خلاف مشهور أنه (يتوقف) على القتل لا على الكفر، وإذا انتقل الكافر من كفر إلى كفر لم يقتل إذ ليس بمرتد شرعًا بناء على أن الكفر كله ملة واحدة عندنا خلافًا للشافعي، ولا خلاف عندنا أن الزنديق يقتل وهو الذي يظهر الإسلام ويعتقد الكفر، وكان يسمى منافقًا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا تقبل توبته إذ لا يعلم صحتها، وقال الشافعي: تقبل توبته

كما قبل النبي -صلى الله عليه وسلم- (إسلام) المنافقين، وحكى الشيخ أبو الوليد وغيره عن ابن عبد الحكم وأصبغ أن الزنديق يستتاب.
ثم ذك حكم الساحر، وقد اتفق أهل السنة على أنه حق، وله حقيقة في نفسه وتأثير في الأديان وأحوال النفس كالحب والبغض خلافًا لمن أنكره، وقال قوم: ليس له حقيقة، وقد جاء بذكره الكتاب والسنة الصحيحة، قال الله العظيم:} وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ﴿الآية إلى قوله:﴾ وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر {وهاروت وماروت بدل من الملكين لا مضاف إلى بابل، لأن ما لا ينصرف إذا أضيف أو دخل عليه الألف واللام انجر وغلظ فيه الشيخ أبو عبد الله الكناني (القابسي) الأصولي فأعربه مضافًا، وغلظ فيه أبو الحسن بنخروف النحوي (ولم يرجع إليه، لأنه كان

ضعيف البضاعة في علم العربية، وكان ابن خروف يقرأ عليه الإرشاد لأبي المعالي وهو يقرأ على ابن خروف النحو) فجرى بينهما هذا الوضع.] سمعت ذلك من الأستاذ أبي عبد الله بن هشام النحوي وشارح الإيضاح عفا الله عنا أجمعين [. وفي قوله:} فلا تكفر {تأويلان، وقيل المعنى، فلا تكفر بتعليمه، وقيل: (بعلمه) لا بتعليمه، وقد سحر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (بنات أسد ابن أعصم) فكان يخيل إليه أن فعل الشيء ولم يفعل في مشط، ومشاطه تحت رعوفه في بئر ذروان خرجه مسلم والبخاري وغيرهما من أئمة الدين.
وأجمع العلماء على أن الإجارة عليه حرام وعمل ما يبطله والإجارة عليه جائز، قال ابن المسيب لأنهم إنما يريدون الإصلاح قال ابن المسيب: فأما ما ينفع، فلم ينه عنه، وأجمع العلماء على أنه إن عمله، وقتل

به، فإنه يقتل به، فإن عمله ولم يقتل به فهل يقتل أم لا الجمهور من العلماء على أنه يقتل بعمله سواء قتل به أم لا هذا إذا كان الساحر مظهرًا للإسلام، لأن الله سبحانه سماه كفرا لاعتقاده أن ذلك من فعله، وأنه قادر عليه، ومذهب أهل الحق أن الله سبحانه هو المنفرد بالقدرة عليه، فإن كان الساحر ذميًا فهل يقتل أم لا؟ اختلفت الرواية فيه عن مالك فروى ابن سحنون عن أبيه أنه يقتل أضربه أم لا إلا أن يسلم، وقال مالك: لا يقتل إلا أن يدخل سحره ضررًا على المسلمين فيكون ناقضًا للعهد، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقتل أسد بن الأعصم ولا بناته.
وههنا فروع: الأول: هل يستتاب الساحر أم لا؟ المشهور أنه لا يستتاب قاله مالك، وقال ابن عبد الحكم وأصبغ: الزنديق والساحر يستتبان، فإن تابا وإلا قتلا، وبه قال الشافعي.
فرع: إذا لم يباشر السحر بنفسه، ولكنه ذهب لمن يعلمه له لم يقتل ويؤدب (أدبًا شديدًا) نص عليه محمد ابن المواز.
فرع: إذا سحر العبد والأمة سيدها وثبت ذلك عند السيد قطعًا، فقال أصبغ ليس لسيده قتله، ولا يلي قتله إلا السلطان، وروى أن حفصة أم المؤمنين قتلت جارية لها سحرتها.
فرع: إذا قتل الزنديق، أو المرتد، أو الساحر فهل على قاتلهم شيئًا أم لا؟ قال ابن المواز: لا شيء على قاتل الزنديق من دية ولا قصاص على عاقلة المرتد.
واختلف في الدية، وقال ابن القاسم: عليه دية أهل الدين الذي ارتد إليه، وقال مرة أخرى في المرتد ديته دية المجوسي في العمد والخطأ.
وقال

سحنون: لا دية له في عمد أو خطأ، وكذلك اختلف إذا قطع له عضو هل يكون فيه أرش أم لا؟ بناءً على قتله هل فيه الدية أم لا؟ لأنه مستحق للقتل شرعًا، وقال محمد أيضًا: فيمن قطع يمين سارق وخطأ لا دية عليه، وفي موضع آخر عن ابن القاسم عليه ديتها حكاه الشيخ أبو الحسن وغيره من الأشياخ.
فرع: إذا قتل الساحر بسحره فماله لبيت (المال) ولا يصلى عليه إذا كان مجاهرًا به، وإن كان مستترًا به فقال ابن عبد الحكم، وأصبغ إذا قتل فماله لورثته من المسلمين، ولا أمرهم بالصلاة عليه فإن فعلوا فهم أعلم.
(قال المؤلف -رحمه الله-) مقتضى قتله كفرًا أن ماله فيء مطلقًا سواءً كان مستترًا أو مجاهرًا والله أعلم.
ثم تكلم على حكم الفيئة الباغية وهم عصاة متأولون كمقاتلة عثمان ومقاتلة علي يوم صفين ويوم الجمل، ولا يخرجهم القتال بالتأويل إلى حد الكفر فيغسل قتلاهم، ويصلي عليهم، ولا يتبعون بما استهلكوا من (الأموال إذا تابوا، ولم يطالب أحد من المبغاة المقاتلين لعلي -رضي الله عنه- في صفين بما استهلكوا من) نفوس وأموال، وقد أجمع أهل الحل والعقد على أن فئة معاوية بغاة ظلمة بالتأويل ثم ذكر (حكم) المحارب، والأصل (فيه) الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى:} إنما جزاء اللذين يحاربون الله ورسوله {الآية واختلف في سبب نزولها، والصحيح أنها نزلت في (العرنيين) كما خرجه البخاري ومسلم، وقيل: نزلت في قوم من أهل

الذمة نقضوا العهد، وقيل: نزلت في قاطع الطريق وقيل: نزلت في الكفار، وفيها دليل على وجوب إقامة الحدود، (وعلى أنها لا تكفر الذنوب بانتفاء الطلب بها عند الله سبحانه، وهو معارض) لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (الحدود كفارة لأهلها) ولقوله -صلى الله عليه وسلم- في عبادة بن الصامت: (بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى بذلك فأجره على الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه فبايعناه على ذلك).
وقد اختلف العلماء في المفهوم من هذه الآية في مسائل الأول: هل هذه الحدود على الترتيب أو على التخيير في مذهب مالك في ذلك قولان أحدهما أن ذلك على التخيير رواه سحنون عن ابن القاسم عن مالك وصرف ذلك إلى اجتهاد الإمام ونظره، وعليه جمهور العلماء ما لم يقتل فإن قتل فلا خلاف أنه يقتل لا خيار للإمام في في غيره حكاه الشيخ أبو الحسن اللخمي عن المذهب، والثاني أنه على الترتيب، فلا يقتل من لم يقتل ولا يصلب ولا يقطع فإن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يقطع ولم يصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطع، والذي يقتضيه كلام العرب أن الإمام مخير لأنه مقتضى ((أو)) ويجوز أن تكون للتنويع، وبه تعلق الشافعي -رضي الله عنه- وكان من أئمة اللسان.
المسألة الثانية: الحدود النصوص عليها في الآية أربعة بمقتضى النص

وعجبًا لمن أسقط منها ما هو منها، وزاد فيها ما ليس منها، وهل هذا إلا إحادث شرع ولا يجوز إلا للمعصوم.
الحد الأول: القتل، وحقيقته واحدة، فإن قيل: ما معنى المبالغة فيه، قلت: هو نظير ما ذكره سيبويه وحكاه عن العرب: أنهم يقولون: إبل مغلطة، ولا يقولون بعير مغلط، والغلاط وشم في النعق، وهو تكثير بحسب المال لا بحسب الصفة في نفسها، ولذلك يقولون في الواحد مغلط.
والثاني: الصلب، وقد اختلف (الفقهاء) في معناه فروى (أشهب) أنه يصلب حيًا، ثم يترك حتى يموت جوعًا، ومن العلماء من فسره بأنه يصلب بعد القتل، ومنهم من فسره بأنه يصلب، ثم يطعن بالرمح طعنًا فهل يصلب وهو حي أو ميت فيه من الخلاف ما ذكرناه، فرواية ابن القاسم وابن حبيب عن مالك أنه يصلب حيًا، ثم يقتله بطعنة، ورواية غيره أنه يصلبه بعد قتله في الأرض، وبه قال الشافعي.
واختلف المذهب إذا صلب فروى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه يتركه على الخشبة حتى تفنى الخشبة، ويأكله الكلاب، ولا يمكن أهله من إنزاله ردعًا وتهديدًا.
وقال أصبغ وغيره: (ينزله) ويصلى عليه، ويدفن (قال سحنون): إذا صلبه الإمام أنزل من تلك الساعة، ودفع إلى أوليائه فيغسلوه ويصلوا عليه.

فرع: إذا بنينا على انه ينزل (لأهله) من الخشبة ليغسلوه ويصلوا عليه (فيفعلوا ذلك) ورأى الإمام إعادته إلى الخشبة، فقال سحنون للإمام: أن يعيده إلى الخشبة، وروى عنه ابنه محمد أنه لا يعاد إليها بعد الصلاة عليه وبه أجابني حين سألته عن ذلك، ولو حبسه الإمام ليقتله فمات في السجن أو قتل فهل يصلب أم لا؟ الرواية أنه إن مات في السجن حتف أنفه فإنه لا يصلب، وإن قتل فيه أو قتله الإمام فليصلبه.
الحد الثالث: تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، وعندنا أن للإمام القطع سواء أخذ نصابًا، أو أقل من ذلك، لأن ما لا يعتبر فيه الحرز لا يعتبر فيه النصاب.
وقال الشافعي: لا تقطع يد المحارب فيما دون النصاب وههنا فروع: الأول: القطع من الكوعين والكعبين كالقطع في السرقة، واختلفوا هل يتأتى القطع على الكوعين والكعبين، أم لا؟ قولان.
والثاني: إذا كان مقطوع اليمنى أو كانت شلاء.
فقال ابن القاسم: تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى.
وقال أشهب: تقطع يده اليسرى ورجله اليسرى.
ومبنها على تحقيق المخالفة، فابن القاسم حققها حسًا، وأشهب أثبتها معنى، لأن اليد اليسرى هي منه اليمنى في المعنى لقيام المنافع.
الحد الرابع: النفي في الأرض، وهو رابع الحدود الثلاثة بمقتضى القرآن، وعجبًا ممن أسقطه ولم يره في الآية حدًا، وإنما رآه حالاً للمحارب لا حكمًا له، حكاه القاضي أبو الوليد الباجي وغيره عن ابن الماجشون وغيره.
قال القاضي أبو الوليد: قال ابن الماجشون: ليس عندنا النفي الذي

ذكره الله -عز وجل- أن ينفى من قرية إلى قرية فيسجن بها، ونما قول الله تعالى:} أو ينفوا في الأرض ﴿معناه: أن يطلبوا فيختفوا وأنتم تطلبوهم لتقام عليهم العقوبة، فإذا ظفر بهم فلا بد من أحد العقوبات الثلاث: القتل، أو الصلب، أو القطع وهو في ذلك مخير.
قال (وهكذا قال) المغيرة وابن دينار، قال ابن حبيب: وقاله (ابن شهاب) وبه أقول.
قال القاضي أبو محمد، وبه قال الشافعي قال الشيخ أبو الحسن: قال ابن الماجشون: هو الطلب لهم فيكون فرارهم واختفاؤهم ممن يطلبهم هو نفيهم.
قال المصنف عفا الله عنه: وهذا الكلام بعيد عن التحقيق وخارج عن كلام العرب، والمقطوع بصحته من اللسان أن النفي حد معطوف على الحدود الثلاثة التي قبله.
وههنا فروع: الأول: الصحيح من مقتضى الكلام أن النفي حد معطوف على الثلاثة الحدود وهو إخراجهم من بلدهم وحبسهم في البلد التي يغربون إليه حتى تظهر توبتهم.
قال أصبغ: ويكتب إلى عامل البلد الذي غرب إليه بذلك ولا نفي على العبيد لحق السادات، وقال مالك مرة: النفي أن يضربه ويطيل سجنه، ولا يخرجه (وقال: النفي حبسه ببلده حتى تظهر توبته وهو قول أبي حنيفة، والقول الأول أسعد) بظاهر القرآن.
قال المؤلف عفا الله عنه: هذه الحدود الأربعة في المحاربين هي التي ذكر الله سبحانه، فمن أسقط النفي فقد أبطل النص، ومن زاد عليها الضرب فقد استدرك على الله سبحانه:﴾ وما كان ربك نسيا {. وروى مطرف عن مالك إذا استحق المحارب عند الإمام النفي فيجلده.
قال غيره: يسجنه ببلده حتى تظهر توبته.

قال أشهب: وإن وجده مع النفي لضعيف، ولو قاله قائل: لم أعبه.
قال ابن القاسم: يأخذ بأيسر ذلك وهو الجلد والنفي.
قال ابن القاسم: وليس بجلده حد إلا الاجتهاد من الإمام فمقتضى هذه الرواية إثبات الجلد حدًا خامسًا، والآية لا تقتضيه البتة.
فرع: اختلف المذهب في المرأة إذا حاربت.
والصحيح أن حدها القطع، أو القتل من غير صلب، لأنها عورة، واختلف في نفيها، فإن قلنا: إن النفي السجن (نفيت)، وإن قلنا: إنه التغريب سقط إلا مع الولي أو الجماعة المأمونة.
تنبيه: إذا رأى الإمام أن يسلم المحارب إلى أولياء مقتوله فعفوا عنه.
قال أشهب: ينقض ذلك ويقتل ولا عفو لهم فيه.
وقال ابن القاسم: هم حكم قد نفذ فالعفو ماض ولا ينقض عليهم، ولا سبيل إلى قتله، والأول أصح.
قوله: "ويسقط عنه - إن جاء تائبًا قبل القدرة عليه - (حقوق) الله تعالى ويؤخذ بحقوق الآدميين" وهو كما ذكره لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ﴾ [المائدة: 34].
وفي العتبية عن أشهب: إذا تاب المحارب وقد كان زنى أو سرق، وفي حرابته لم يوضع ذلك عنه، وإنما تسقط عنه حدود الحرابة دون سائر الحدود، وصفة توبة المحارب أن يختلف إلى المسجد ويعرف جيرانه ذلك منه، ويظهر منه (فعل) الخير والندم على ما فات وإن لم يأت السلطان.
قال ابن وهب وابن عبد الحكم: توبة المحارب أن يأتي السلطان تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله -عز وجل-.
قال ابن الماجشون: إن لم تكن توبته إلا أن يأتي السلطان، ويقول له: جئتك تائبًا لم ينفعه ذلك حتى تعرف توبته قبل مجيئه.

قوله: "ولا يراعى تكافؤ الدماء فيها" وهذا كما ذكره، لأنه ليس قتل قصاص، واعتبر الشافعي تكافؤ الدماء، ثم ذكر صفة المحارب، وسوى بين المحارب في المصر والبدو وهو صريح مذهب مالك -رحمه الله-.
وقال أبو حنيفة: لا يكون محاربًا إلا في الصحراء والبرية عن البلد.
وبه قال ابن الماجشون قال عبد الملك: لا يكونوا محاربين في القرية يريد بذلك القرية كلها، والدليل لنا ظاهر الآية.
ومقتضاها العموم في المدينة والصحراء.
قوله: "ولا عفو في الحرابة لولي الدم" قد قدمنا الخلاف فيه، والصحيح كما ذكره القاضي، لأنه حق الله سبحانه ولمن طلبه أن يدافعه، وإن قتل اللص فشر قتيل وإن قتل المطلوب فخير قتيل لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (من قتل دون ماله فهو شهيد).
قال أشهب: جهاد اللصوص جهاد من أفضل الجهاد، قال مالك في أعراب قطعوا الطريق جهادهم أفضل من جهاد الروم.
واختلف المذهب في فرعين من هذا الباب: الأول: هل يناشد المطلوب اللص الله تعالى أم لا؟ فعن مالك أنه يناشده الله ثلاثًا، فإن عاجله قتله، قال: يدعوه ليبادر إلى قتله، لأنه قد استحق حق الحرابة لخروجه.
الفرع الثاني: إذا طلب اللص الشيء اليسير من المال، هل يعطى أم لا؟

المشهور أنه يعطاه، ولا يقاتل.
وفي العتيبة وغيرها: لا يعطى اللص شيئًا، وإن قل وليقاتل فذلك أقطع لطعمهم، واختلف في فروع تتعلق بالمحارب.
الأول: ليس للإمام أن يؤمن المحارب إذا طلب الأمان بخلاف المشرك، لأن المشرك يقر على دينه، والمحارب فإنه لا يقر على حرابته، فإن أمنه الإمام فنزل على حكم الأمان، وقد كان امتنع من النزول قتله.
قال ابن المواز: اختلف في ذلك فقيل: يتم له الأمان، وقيل: لا يتم له ذلك، ويؤخذ بحقوق الله سبحانه وسواء أمنه السلطان أو غيره.
الفرع الثاني: لو أن محاربين أخذوا مالًا واقتسموه فتاب أحدهم، وقد كان في حين حرابته أخذ حظ من المال فهل يغرم التائب جميع المال، لأن بعضهم تقوى ببعض أو إنما يغرم منه ما أخذ فقط قولان وبالأول قال ابن القاسم، وبالثاني قال ابن عبد الحكم وهو الصحيح.
الفرع الثالث: ما وجد بأيدي اللصوص فادعوا أنه لهم فهو لهم حتى يقيم مدعية البينة؛ قاله أشهب.
الفرع الرابع: إذا طالب اللص ففر من الطلب فهل يتبع أم لا؟ قال أصبغ عن ابن القاسم: إن كان قتل أحدًا فليتبع، وإن لم يقتل أحدًا فما أحب أن يتبع وفرارهم كالتوبة.
قال سحنون: يتبعون ولو يلغوا (نكس) العماد.
الفرع الخامس: إذا ارتد المحارب ولحق بدار الكفر (يقاتلنا) معهم، ثم أسر استتابه الإمام، فإن تاب سقط عنه القتل بالردة، وأخذه بأحكام الحرابة في حقوق الله وحقوق الآدميين.
الفرع السادس: قال مالك في الذين يسقون الناس السيكران هم

محاربون، وقال فيمن لقى رجلًا فسأله (طعامًا) فأبى فكتفه، وأخذ منه طعامه وثيابه يشبه المحارب يضرب وينفي، وكذلك من غتال رجلًا أو صبيًا فأدخله بيته فقتله، وأخذ منه متاعًا فهو محارب.
قوله: "وللرجل أن يدفع عن نفسه ما يصول عليه من إنسان أو بهيمة" وهذا كما ذكره، لقوله سبحانه: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: 195]. قوله: "ولا ضمان عليه فيما يؤول إليه أمره" قلت: لأنه متصرف بالإذن، واختلف المذهب في المغضوض (إذا خرج إصبعه فكسر إحدى ثنيتي العاض وفيه قولان: أحدهما: ما قضى به -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: لا شيء على المعضوض) لتعدي العاض بالعض، وأن المعضوض مأذون له في الدفع عن نفسه فلا شيء عليه، وإن آل دفعه عن نفسه إلى قتل العاض، وروى أن امرأة خرجت تحتطب فأتبعها رجل فراودها عن نفسها فرمته بحجر فقتلته فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال: قتيل الله لا تؤدى أبدًا وأهدر دمه.
ثم ذكر في خطأ الطبيب الحاذق روايتان: إحداهما: أنه مضمون لأنه كالقتل خطأ، والثاني: أنه لا يضمن لأنه تولد عن فعل مباح، وقد تقرر الخلاف في الاجتهاد هل يرفع الخطأ أم لا؟ وكذلك الخاتن والمؤدب إذا لم يجاوز الأدب المأذون فيه، فما كان من هذه الجنايات دون الثلث فعلى الجاني، وما زاد فعلى العاقلة، وتضمين حافرا البئر إذا كان متعديًا، وممسك الكلب العقور، وموقف الدابة حيث لا يجوز له إيقافها ظاهر من باب أن فاعل السبب كفاعل المسبب، ويضمن أهل المواشي ما أفسدته بالليل دون النهار اعتمادًا على قضاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وذلك أن ناقة للبراء دخلت حائطًا فأفسدته

فرفع ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقضى على أرباب الأموال حفظها بالنهار، وعلى أرباب المواشي حفظها بالليل.
والله الموفق بفضله.

جارٍ التحميل