روضة المستبين في شرح كتاب التلقينصفحات 973-1012

والمسألة الثانية: اختلفوا في الخيار في الصرف، وفيه قولان في المذهب: المشهور، المنع والشاذ الجواز، حكاه أبو اسحاق بن شعبان في الزاهي عن المذهب، وبه قال (أبو زيد) وغيره من المخالفين ومبناه على الخلاف في بيع الخيار هل هو على الحل أو على العقد؟ المسألة الثالثة: الوكالة على العقد والقبض جائز وعلى القبض فقط، وعلى العقد فقط ممنوع إل أن يكون الموكل حاضرًا وقت القبض فهل يجوز توكيله على القبض بمحضره أم لا؟ قولان (في المذهب) المشهور اشتراط قبض الموكل نفسه، والشاذ جواز قبض الوكيل بحضرته وهو خلاف في حال.
قوله: "ولا تجوز فيه (نظرة ولا) حوالة ولا حمالة" وهما كما ذكره لأن ذلك داع إلى التراخي فإن أعطى الحميل فيه على الاستحقاق جاز،

وأما أخذ الحميل بأحد النقدين ممنوع، واختلف المذهب هل من شرط التناجز أن يفترقا بعد التقليب أم لا؟ المشهور أنه شرط، وإن افترقا على غير تغليب ففي كتاب محمد الصرف منقوض، وإن وجدها خيارًا، وروى عن مالك الصرف جائز إذا كانت خيارًا، وكذلك اختلفوا هل يجوز الصرف على التصديق والمشهور المنع بناء على اعتبار المثال، وأجازه أشهب.
فرع: هل من شرط التناجز حضور النقدين أم لا؟، واختلف المذهب فيه على قولين وتنبني عليه فروع: الأول: صرف ما في الذمة، والصرف على الذمة، أما صرف ما في الذمة ففيه اختلاف مشهور، وتحصيل القول فيه أن ما في الذمة إما أن يكون (حالاً أو مؤجلاً، وإما أن يكون من جانب واحد أو من جانبين؟، فإن كان حالاً من جانب واحد فقولان: الأشهر، الجواز، والشاذ المنع، وإن كان حالاً من جانبين ففيه قولان أيضًا وهو من نوع المقاصة والاقتضاء، وإن كان مؤجلاً فالمشهور منعه مطلقًا كان) من جانب واحد، أو من جانبين، وأجازه الشيخ أبو اسحاق بن شعبان لأنهما متناجزان في المعنى، وأما الصرف على الذمة فصورته أن يتعاقدًا على الصرف، ويستسلف كل واحد منهما ما عقد عليه، وهو ممتنع إن كان ذلك من الجانبين للتراخي الممتنع في عقد

الصرف وإن استسلف أحدهما، وكان نقد الآخر حاضرًا ففي المذهب قولان: الجواز، والمنع مبنيان على علم أحد المتبايعن بالفساد هل يفسد العقد أم لا؟ فرع: اختلفوا في صرف المغصوب على ثلاثة أقوال منهم من جوزه في المسكوك والمضروب وغيره، ومنهم من منعه مطلقًا، ومنهم من أجازه في المسكوك دون المصوغ، ومبنى الخلاف على الخلاف في الدنانير والدراهم هل تتعين أم لا؟ ولا خلاف في المذهب أنها تتعين إذا ظهر (قصد) التعين، وكذلكط اختلفوا أيضاً في جواز صرف (الرهن والمستعار (والمستودع) على قولين: الجواز، والمنع.
قوله: «فإن تقابضا نقودًا أحدهما رديًا أو زائغًا فأراد رده بطل الصرف، وله أن يمسكه ولا (يبطل الصرف)» وهذا كما ذكرناه، وتحصيل القول فيه أنه لا يخلو إما أن يقوم بزائف أم لا؟ فإن قام به فهل يجوز له البدل، ولا ينتقض الصرف أو لابد من انتقاضه فيه قولان في المذهب المشهور الانتقاض، (وأجاز) الليث، وابن وهب، وأشهب رواية عن مالك (البدل، وقال

أحمد) يكون شريكًا له بمقدار الزائف، وإذا قلنا (بالانتقاض) فهل ينتفض جميعه، أو ينتقض منه مقدار الزائف فقط، فيه خلاف في المذهب والشهور أنه ينتقض جميعه، وقيل: ينتقض منه ما قابل الزائف وحده، وقيل: ينتقض ما قبل دينارًا واحدًا إن قابله النقض، فإن زاد انتقض على صرف دينار انتقض منه صرف دينارين، وهذا إذا سمى لكل دينار ثمنًا، (فإن لم يسم لكل دينار ثمنًا) انتفض الصرف كله، وهو اختيار الشيخ أبي القاسم بن الجلاب وابن أبي زمنين (والشيخ أبي إسحاق والشيخ أبو القاسم بن محرز)، والقاضي أبو الوليد، وقيل: إذا كان النقض يسيرًا انتفض منه ما قابله وحده أو ما قابل دينارًا واحد على قول آخر، وإن كان النقض كثيرًا انتقض جميعه، وقيل: إن وجد النقص بعد (المفارقة) والطول انتقض الصرف كله، وإن وجده بالحضرة فلم يرض به فله البدل ناجزًا، ولا ينتقض الصرف، ومبنى المسألة على الخلاف في العقدة إذا اجتمعت حلًالا وحرامًا هل يفسخ جميعها أو يفسخ منها ما قابل الحرام فقط، وأما لو رضي بالزائف فلم يقم به فروي ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك أن الصرف (لا ينتقض) وروى ابن المواز عنه أن الصرف منتقض، وقد روى عنه التفرقة بين اليسير والكثير، فأجازه في اليسير، ومنعه في الكثير.
وإذا فرقنا بين اليسير والكثير، فقد اختلف في حد اليسير فقيل

الدانق، وقيل: ما تختلف (به) الموازين، واختلف في النحاس، والرصاص، هل يجعل كالمغشوش أو كالعدم إذا كان التعامل معه متعذرًا البتة، واختلفوا إذا قال له بعد العقدة زدني، هل تعد هذه الزيادة هبة محضة، أو ملحقة بالصرف فلها حكمه فيه قولان.
وثمرة هذا الخلاف إذا وجد الزيادة زائفًا هل له رده أم لا؟ قولان، وإذا قلنا: بالرد انتقض الصرف على المشهور من أقوال المتأخرين، وقال سحنون: القيام كالرد، ولابد من فسخ الصرف، وإا أجزنا (المصالحة) عن الرد، فيختلف هل يجوز بكل شيء نقدًا أو إلى أجل أو يشترط فيها النقد وأن يكون من جنس ما يباع به النقد فيه قولان في المذهب المشهور اشتراط ذلك، والشاذ عدم اشتراطه.
قال القاضي رحمه الله: «ويجوز اقتضاء الذهب من الرق والورق من الذهب إذا حلا»: قلت: هذا الذي ذكره (بناء) على الأصل الذي حكيناه عن المذهب أن صرف ما في الذمة جائز إذا كان حالًا، وهو مشهور المذهب وجعلوا حلوله على المشهور محضوره من الجهتين، واشترط القاضي حلولهما معًا وهو المشهور.
وتحصيل المذهب في اقتضاء أحدهما عن الآخر أنهما إن كان حالين فقولان: الجواز، وهو المشهور، والمنع وهو الشاذ، وإن لم يحلًا معًا فقولان المشهور المنع والشاذ الجواز، وكذلك إذا حل أحدهما دون الآخر ففيه الخلاف الذي ذكرناه.
وصح عن ابن عباس، وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما منعا اقتضاء أحدهما عن

الآخر حلا أو لم يحلا اعتمادًا على ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد وغيره: (ولا تبيعوا غائبًا بناجز) وأجازه أبو حنيفة وإن لم يحل الأجل نظرًا إلى المتاركة الناجزة، وفي حديث ابن عمر قال: (كنت أبيع الإبل بالبقيع أبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم وأخذ الدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير، فسألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا بأس به إن كان بسعر يومه) خرجه أبو داود في السنن.
قوله: «ولا يجوز في الذهب بالذهب (أو) الفضة بالفضة أن يكون مع أحدهما غيره قليلًا كان أو كثيرًا» إلى آخره.
شرح: وهذا كما ذكره وعقد هذا الباب على مذهب مالك أن كل جنس فيه الربا إذا بيع بمثله فلا يجوز أن يكون مع أحد الجنسين غيره، ولا معهما جميعًا سواء كان ذلك الغير مما فيه الربا، أو مما لا ربا فيه، وأجاز ذلك أبو حنيفة وغيره، فيجوز على نص مذهبه أن يباع (صاع) من ثمر وثوب صاعي تمر، وقابل الصاع بالصاع، والثوب بالصاع الآخر، وكذلك أجاز دينارًا ودرهمًا بدينارين على المقابلة (الحكيمة)، وهو ممتنع على مذهب مالك، لأنه تفاضل معنوي كما نص عليه القاضي والدليل على ما (ذهب إليه القاضي) ما رواه فضالة بن عبيد قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم يوم

خيبر) بقلادة فيها ذهب وخرزًا ابتاعها بتسعة دنانير، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا حتى تميز بينهما) فقال: إنما أردت الحجارة فقال: لا حتى تميز بينهما) وهذا نص في محل الخلاف).
قال القاضي رحمه الله: «ولا يجوز دينار ذهب عال ودينار دون بدينارين (وسط)»: وهذا كما ذكره القاضي ون ذلك داخل تحت التفاضل المعنوي، وأصل المذهب أن المبادلة في النقدين يطلب فيها التساوي، ولها بعد ذلك وجهان: إما العدد، وإما المراطلة، والتسوي هو الأصل فيهما من غير زيادة ولا نقصان، كانت الزيادة من جنس ما تراطلًا به، أو من غير جنسها لأنهم أجازوا أن يبدل الناقص بالوازن على وجه المعروف والرفق في اليسير دون الكثير مع تساوي الفضتين، أو الذهبين، وإنما خصوه باليسير بناء على أن العادة تقتضي المسامحة في اليسير دون الكثير، ولم يختلف (المذهب) أنه ممتنع في الكثير، واختلف في حديث اليسير، فقال بعض المتأخرين في ضبط ذلك أما الثلاثة دنانير فيجوز قولاً واحدًا، وأما فوق ستة دنانير فيمتنع قولًا واحدًا، وما بين ذلك ففيه قولان الجواز والمنع والتحديد بناء على العادة.
قال القاضي رحمه الله: «الدينار والدينارين في حد اليسير وقيل الثلاثة»: وفي كتاب محمد الستة دنانير، واختلفوا في حد النقص أيضًا

فقيل: (الدانق)، وقيل: الدانقان وهو خلاف في حال.
فرع: إذا اشترطنا تساوي النقدين فكان الأنقص أطيب امتنعت المبادلة اتفاقًا لخروجها عن باب المعروف إلى المكايسة، وإن كان الأرجح أفضل فقولان: الجواو لابن القاسم، لأنه أبلغ في المعروف، والمنع لمالك لأمرين أحدهما الرجوع إلى حكم الأصل، ومقتضاه مع التفاضل بين الذهبين، فخرجت الصورة المتفق على جوازها، وهي مع تساوي النقدين، ورجع ما عداها إلى حكم الأصل، (وثانيهنا اعتبار المثال) لاختلاف نفاق السكة في (المثال)، فيتوهم فيه المكايسة، وكذلك روى عن مالك منع اقتضاء السمراء من المحمولة، واقتضاء القمح من الشعير قبل الآجل إذا كان من قرض اعتبارًا بالمثال، والصح جوازه.
قوله: «وتجوز المراطلة وهي الذهب بالذهب متماثلاً في الميزان بغير صنجة» وهذا كما ذكره، لأن المطلب من التماثل حاصل باستواء المكفتين، واختلفوا في فروع: الأولى: اختلف المتأخرون في المراطلة بالمسكوك قبل أن يعلمك وزنه، وفيه قولان: المنع، لنه جزاف، والجواز اعتبارًا بتساوي الكفتين.
الفرع الثاني: اختلفوا في السكة والصياغة هل (هي معتبرة في المراطلة

كما في الاقتضاء، لأنهما مقصودان، أو غير معتبرة قولان بين المتأخرين، فإن اعتبرناها امتنع مراطلة المسكوك والمصوغ بغيره من التبر والمسكوك، وإن لم نعتبرها أجزنا ذلك، والأول أصح لأنها مقصودة فيدخل ذلك تحت التفاضل المعنوي كسلعة وفضة، بسلعة وفضة.
الفرع الثالث: إذا اختلفا في الجودة والرداءة، واختلطا في الكفتين امتنعت المراطلة وإن انفردا فكان الرد~ كله في كفة واحدة، والجيد في كفة أخرى، جازت المراطلة لحصول التساوي وزنا.
قوله: «ولا يجوز أن ينضم إلى الصرف عقد بيع إلا في (اليسير) يكون تبعًا» قلت: اختلف (المذهب) في اجتماع الصرف والبيع على ثلاثة أقوال: المنع مطلقًا في اليسير والكثير، والثاني الجواز مطلقًا في اليسير والكثير، وهو قول أشهب، واستقرأه اللخمي من كتاب محمد، والثالث جوازه إن كان أحدهما يسيرًا، ولا يجوز ذلك في الكثير، وذلك النكاح والبيع والقراض والمساقاة، وهذه العقود المختلفة الأحكام على القولين المشهور المنع، والشاذ الجواز، وإذا قلنا بالمنع فله علتان أحدهما أنه معلل باعتبار المثال لإمكان الاستحقاق، فيقع التأخير في الصرف، والثاني: أنه معلل بتناقض الأحكام وإذا فرعنا على اعتبار الجواز في اليسير فكان البيع، والصرف في دينار واحد، فهل يطلب فيه أن يكون أحدهما تبعًا للآخر أم لا؟ قولان في المذهب المشهور أنه لا يعتبر ليسارة الدينار في نفسه، وقيل: إنه معتبر، وإذا قلنا بالاعتبار، فما مقدار اليسير، قال في كتاب محمد الثلث فما

دونه، قال القاضي أبو محمد الدرهم فما دونه، وقال: في موضع آخر نصف الدرهم، وحصله بعض المتأخرين قال: إما أن يكون الصرف إلا فيما دون الدينار، فإن كان البيع أكثر، والصرف أقل فلا خلاف أنه لا يجوز أن يكون الصرف تبعًا أو البيع تبعًا، وإن كان الصرف أكثر والبيع تبعًا جاز، واختلفوا في قدر ذلك فمنهم من اعتبر أن تكون قيمة العرض أقل من صرف دينار كما يعتبر في الدراهم قدر ذلك، وهو اختيار الشيخ أبي موسى بن مناس، واعتبر بعضهم الثلث حكاه الشيخ أبو القاسم بن محرز، وقال بعضهم دون الثلث، وقال: بعض العراقيين من المالكية النصف تبع، وبالزيادة عليه يخرج من حد البيع، وهذه (الروايات) منصوص عليها في اعتبار التبعية في السيف المحلى، وهي جارية في هذا المحل).
قال القاضي رحمه الله: «ومن باع بنقد أو (اقترض) ثم بطل التعامل به لم يكن (له) عليه غيره إن وجد وإلا فقيمته إن فقد»: قلت: وهذا كما ذكره أن المراعى هو النقد الذي وقع التعامل به، فإن عدم ذلك انتقل إلى قيمته، واختلف قوله مالك في الفلوس، والصحيح أنها كالدراهم إذا تعامل الناس (بها، إذ) الحكم ليس متعلقًا (بعين) النقدين، بل (بالمقصود) منها وهو متساو، ثم ذكر شراء تراب المعادن، وشراء تراب (الصواغين).
وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فمنع الشافعي الوجهين، وأجازه

غيره فيهما، ومالك رحمه الله (فصل)، فأجاز شراء تراب المعادن ومنعه في الصواغين، لأنه غالبه الخطر والغرر بخلاف تراب المعادن.
قال القاضي رحمه الله: «يجمع بين الغرر ثلاثة أوصاف»، إلى آخر الفصل.
شرح: وقع في هذا الموضع روايتان: الرواية الصحيحة: "يجمع بين الغرر ثلاث أوصاف" (وفي رواية: "يمنع بين الغرر لثلاث أوصاف) والرواية الأولى أحسن في المعنى، والمقصود حنيئذ ضبط أنواع الغرر وهو مقتضي الفصل.
وجعل القسم الثالث وهو الخطر عين الثاني وهو الجهل، ونوع قسم الجهاز (أنواعًا) والخطر راجع إلى الجهل، فأما المغايرة بينهما فلا تتحقق على ما وصفنا، وأشار القاضي إلى أن كثيرًا منها تتداخل.
قوله: «فأما ما يرجع إلى تعذر التسليم فكالآبق والضالة والشرد والمغضوب» إلى آخر التمثيل أم العبد الآبق، والبعير الشارد فيمتنع بيعه مع جميع ما مثل به من ذلك، لما ذكره من تعذر التسليم والجهل بصفة المبيع، لأن ذلك كله مجهول الصفة إلا المغضوب في بعض أحواله، فإنه قد يكون حاضراً مرئياً، فإن كان الآبق (معلوم الصفة)، معلوم المكان (مثقفاً) فيه

بحيث لا يمكن فراره فتبايعاه فهو حينئذ من باب بيع (الغائب)، فيشترط فيه ما يشترط في الغائب المبيع على الصفة، فانظر كيف رجعت الأنواع الثلاثة إلى قسم الجهل، وإن اختلفت أنواعه واعتباراته.
قوله: «وبيع الأجنة واستثنائها»:أما بيعها فظاهر المنع وأما استثناؤها فممتنع بناء على أن المستثنى مبيع لا مبقى على ملك البائع.
قوله: «وحبل الحبلة» وهو نتاج ما تنتجه الناقة، وهو أيضاً ممتنع للتعذر والجهل معاً، وقد صح النهى عن بيع حبل الحبلة.
واختلف العلماء في تأويله، فقيل: كان أهل الجاهلية يجعلونه أجلًا، فيقولون أبيعك بكذا إلى أن تنتج الناقة، وتنتج نتاجها، وقيل: هو بيع نتاج النتاج، فكانوا يجعلونه مبيعاً لا أجلًا، وكلا الوجهين محرم، والمضامين بيع ما في ظهور الفحول، والملاقيح بيع ما في ظهور الإناث، هذا هو المشهور من أقوال العلماء وهو قول (مالك) وعكسه آخرون.
قوله: «وأما ما يرجع إلى الجهل فيتنوع» وجميع هذه الأنواع التي مثل بها (ظاهرة المنع) وأما قوله: بعتك ما في كمي فالجهل فيه بالذات والصفة ظاهر.
قوله: «بعتك ثوابًا في بيتي» فهو كالأول في الجهل، (ويخالفه) من

حيث أن الجهل في الصورة الأول متعلق بذات المبيع وصفته، وفي القسم الثاني بصفته كما أشار إليه فإن قال له: بعتك ثوبًا في بيتي على صفة كذا فهو منوع، لأنه من باب بيع الحاضر على الصفة وعندنا قولان في جواز بيع الحاضر على الصفة، والمشهور امتناعه، لأن الرجوع إلى الصفة إنما (أحزناه) لتعذر الرؤية في الغالب بخلاف الحاضر.
قوله: «ومنعه البيعتان في بيعة»: وهذا راجح إلى الجهل بذات المبيع (وثمنه وقد صح نهى النبي صلى اله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة".
قوله: «ومنه بيع الحم في جلده»: راجع إلى الجهل بصفة المبيع، وذلك شرط الخيار المتد)، لن المبيع قد تغير صفته مع طول المدة غالباً.
قوله: «وأما الخطر فبيع لا مرجى سلامته كالمريض في السياق، وما لا يدري أيسلم أم يتلف»: ومثل ذلك بالثمرة قبل بدون صلاحها، وقد أشار - صلى اله عليه وسلم - إلى على ذلك فقال: "أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأكل أحدكم مال أخيه"والمراد شراؤه على التبقية، وأما شراؤها قبل طيبها على الجذ، والمنع تغليبًا لحكم الإبقاء إذ هو المقصود الأغلب في الثمار، وفسر القمار بيع الملامسة وهو أيضاً راجع إلى الجهل (بصفة المبيع)، وفصل القمار عن

الخطر، وجعله هنا قسمًا متميزًا بنفسه عن الخطر، وجعلهما في أول القسم قسمًا واحدًا، وفسر بيع الحصاة، وهذا كلها بيوع ثبت النهى عنها، وكانت معلومة في الجاهلية، وهي (تنيف عن الثلاثين) بيعاً فاطلبها في (كتاب شرح) الأحكام.
قوله: «تأكد الغر لكثرة أسبابه ظاهر»: وانظر هل يلزم (تأكد) التحريم أم لا؟ ومبنى المسألة على نظر أصولي وهو هل ما يقال هذا أوجب من هذا، أو هذا أحرم من هذا أم لا والصحيح أنه (مقول) من جهة كثرة المحرمات، وباعتبار كثرة الزواجر، وتعد الأوامر وتضاعف الثواب (والعقاب) لا باعتبار نفس الحقيقة إذ المعقول من الواجب والحرام شرعًا لا يختلف.
قال القاضي رحمه الله: قوله: «وأما ما يرجعل إلى الحال فبيع الإنسان على بيع أخيه».
شرح: روى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تلقوا الركبان للبيع ولا بيع بعضكم على بيع بعض ولا تناجشوا ولا تصوروا بالإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر)

ولا خلاف بين العلماء في صحبة نهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وفي الصحيح من طريق آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يبع) أحدكم على بيع أخيه ولا يسم على سومه، ولا يخطب على خطبته) وقد اختلف العلماء في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا بيع أحكم على بيع أخيه) فقال: مالك وأبو حنيفة المعنى لا يسم على سومه ورداص معنى قول صلى الله عليه وسلم: (لا بيع أحدكم على بيع أخيه) إلى معنى نهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يسوم أحدكم على سوم أخيه، وذلك إذا ركن البائع إلى (السائم) ولم يبق بينهما إلا اختبار الذهب، أو اشتراط العيوب أو البراءة، ولهذا كره بعض أهل العلم بيع المزايدة في إلحاقه خوفًا من الوقوع في لك، وقال الشافعي: معنى نهيه صلى الله عليه وسلم عن أن بيع البعض على بعض البعض إذا تم البيع بينهما باللسان، ولم يفترقا بالأبدان فأما آخر هو أن يعرض عليه سلعة هي خير منها.
وقال الثوري: معنى النهى عن ذلك أن لا يطرأ رجل آخر على المتابعين قيل تمام البيع، فيفسد البيع بينهما، وهو راجع إلى ما ذكرناه، وفسره الشيخ أبو القاسم فقال: "ولا يجوز أن يبيع الرجل على بيع الرجل

وذلك أن يوقف السلعة فيركن المشتري إليه، فيأتي رجل آخر فيعرض عليه سلعة مثل تلك السلعة بأدنى من ثمنها ليفسد على البائع ما شرع فيه من البيع ولا يجوز أن يسوم على سوم أخيه، وذلك أن يدفع في السلعة ثمناً، ويركن البائع إلى عطيته فيأتي رجل آخر فيزيد للبائع إلى عطيتع فيأتي رجل آخر فيزيد للبائع في ثمنها ليفسد على المشتري"، واختلف العلماء فيهذا البيع إذا وقع، فقال قوم من أهل العلم: فمن فعله أساء ويستغفر الله وليتب، وليعرض السلعة على الذي داخل عليه فيها، فإن أراد أن يأخذها بالثمن الذي اشتراها به فليسلمها له.
وقال داود وأصحابه إن وقع ذلك فسخ على كل حال، إذ النهى يقتضي فساد المنهي عنه، وهو الذي حكاه القاضي عن المذهب في البيع والنكاح، وروى عن مالك أن البيع يفسخ ما لم يفت وكذلك النكاح، وأنكره ابن الماجشون في البيع وقال: إنما قال ذلك مالك في النكاح واخنتلف العلماء هل يدخل الذمي تحت هذا النهى أم لا؟ قال الجمهور: لا فرق في ذلك بين الذمي وغيره، وقال الأوزاعي: لا بأس بالسوم على سوم الذمي، إنما ذلك للمسلم.
قوله: «ومنه بيع النجش» أيضاً من الفساد الراجع إلى حال العقد كالأول والنجش في اللغة: الزيادة، وقال بعض أهل اللغة النجش مدح الشيء وإطراؤه، فمعناه لا يمدخ أحدكم السلعة ويزيد في ثمنها، وهو لا يريد شراءها، وقال بعضهم؛ أصل النجش في اللغة تنفير الوحش من مكان إلى مكان، ومعناه

في البيع: تنفير الناس عن شيء ما إلى غيره، وقال بعض اللغويين: أصل النجش الختل، ومنه قيل للصائد ناجش لأنه يختال الصيد، ويحتال عليه، والنهي عن هذا البيع لما فيه من الفساد والضرر وسواء كان الناجش من سبب البائع ممن دسه يريد نفعه، أو ممن لا يريد الإضرار بالمشتري، وإن لم يقصد نفع البائع.
واختلف العلماء في هذا البيع إن وقع أيضاً، فقالت طائفة من العلماء: هو مفسوخ لصحة النهي عنه، والنهي يدل على فساد النهى عنه وهذه رواية ابن الجهم (والقزويني) عن مالك، وبه قال أهل الظاهر، وقال أبو حنيفة: الناجش آثم، والبيع تام.
قال الإمام عبد أبو عبد الله المشهور من مذهب مالك أنه ليس بمفسوخ كالمصراة، لأن علة النهى (معقولة)، وللمشتري الخيار بين الرد وأخذها يفيتهما ما لم تزد على الثمن وسئل مالك عن ثلاثة (شركاء في سلعة) أرادوا التفاضل فيها، فقال أحدهم لآخر: امسك عن الزيادة فيها إذا تقاومناها ليقتدي بك الثالث، وهو بيني وبينك، فنهى عن ذلك، ورآه في معنى النجش، وأجازه أصبغ وابن حبيب ولم يجعلاه نجشاً، ولا في معناه، لأن النجش

هو الزيادة، وها (إمساك) لا زيادة.
وقوله: «ومنه تلقى السلع قبل أن تورد للأسواق» وصح أيضاً النهي عن ذلك، وقد اختلف العلماء في نهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك هل هو لحق أهل السوق، أو لحق البائع خوفاً أن يغنيه، (أو حق عام بأن يبيعه) ويسترخص في الشراء منه، فقال مالك: لحق أهل السوق، وقال الشافعي: هوم حوطة على البائع، فإن قيل: يلزم على مقتضي قول الشافعي: أن يكون نهيه صلى الله عليه وسلم (عن التلقي) معارض لنهيه عن أن يبيع الحاضر للبادي، (إذ علة النهى عن التلقي أن لا يغبن البدوي، وعلى البيع عن بيع الحاضر للبادي أن لا يستقصى للبادي) بحيث يسترخص منه، قلنا: أجاب عنه علماؤنا رضي الله عنه، فقالوا المصلحة الراجحة العامة أولى من المرجوحجة الخاصة وبيان ذلك أن مصلحة التلقي خاصة للمتلقي، وليس مصلحته بأولى من مصلحة البائع للبادي فتعين النهى لمعنيين: الأول: رجحان جانب أهل السوق واعتبار مصلحتهم أولى.
والثاني: مقابلة مصلحة المشتري المتلقي بالبائع المتلقي فحيث تساوي (النظر في) مراعاة ذلك، فإن مراعاة صاحل الملك أولى تغلبياً للأرجح، ولما كان في مباشرة

البدوي للبيع بنفسه سبيل إلى الرخص على أهل السوق، ورجح جانبه على جانب البائع البدوي، لأن الأشياء عندهم بغير ثمن فقويت المصلحة الراجحة في المجلس، (وعاد) الأصلان إلى معنى واحد.
وقد اختلف العلماء في حكم التلقي إذ وقع بعد اتفاقهم على النهي عند ابتداء، وأن فاعله إن عاد إليه بعد النهي أدب، فروى ابن حبيب أن السلعة تنزع من يده، وترد (على بائعها وهو اختيار ابن المواز) وروى عن ابن القاسم أنه يؤدب وتنزع السلعة من يده وترد لأهل السوق، فيشترك فيها أهل السوق من أهل الحاجة إليها من التجار وغيرهم، فالربح له والوضيعة عليه، وروى عن ابن القاسم أنه يؤدب ولا تنزع السلعة من يده، فإذا حصل ذلك، قلت: هل تنزع السلعة من يده أم لا؟ فيه قولان عندنا، وإذا قلنا أنها تنزع فهل ترد إلى البائع أو إلى أهل السوق قولان عندنا أيضاً، ومبنى ذلك على اختلافهم في علة النهى هل هي حق للبائع أو لأهل السوق.
فرع: اختلف المذهب في حد التلقي ففي الواضحة عن مالك لا تلقي السلع وإن كانت على مسيرة يوم أو يومين، وعن مالك أيضاً أنها تتلقى فيما كان بعيداً، وهو ما زاد على الميل، وقيل: عنه ما زاد على الفرسخين فلا بأس بالتلقي فيه، وجعل في (حد) اليسير.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا

تلقوا الجلب فمن تلقى منه شيئاً فاشتراه فصاحبه بالخيار إذا أتي السوق وهذا حديث متفق على صحته، (ومقتضي القول به).
قوله: «ومنع بيع الحاضري للبادي»: قلت صح النهى عن ذلك أيضاً، قال ابن وهب: ومن فعل ذلك زجر، ولم يبلغ به الأدب، وإنما ذلك ليتمكن غبنه، إذا هو جاهل بالأسعار فيترك أهل الحاضرة لاسترخاص منه، والارتفاق به، إذ الأشياء تأتيهم عفواً بخلاف أهل (الحاضرة).
واختلفوا في البادي المراد في الحديث، هل كل وارد على مكان، ولو كان من أهل المدينة، وقيل: المراد به سكان البوادي فقط، والتفسيران في المذهب وعندنا فروع: مختلف فيها): الأول: لا خلاف عندنا أنه لا يبيع حاضر لبادي، وهل يشتري الحضري للبدوي أم لا؟ فيه قولان فقيل: لا يشتري له كما لا يبيع له ليتمكن للحضري غبتة ترجيحاً لأهل الحواضر في ذلك عليهم، وقيل: يشتري له، لأن علة النهى (في البيع) منتفية (في الشراء له) وهو قول ابن حبيب.
الفرع الثاني: هل يخبر الحضري البدوي بالقيمة ينصحه، ويشير عليه إذا

استشاره أم لا؟ فيه قولان، فروى عن مالك أنه لا يشار على أهل البادية في بيع سلعهم التي يأتون بها إلى الحاضرة، ولا يخبرون بالسعر، وجعل إخبارهم بالسعر كالمشورة، والمشورة كالبيع، وروى عنه جواز ذلك، لنه مقتضى النصيحة الإيمانية والأخوة الإسلامية، قال صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه، وفي حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا بيع حاضر لبادي ذروا الناس يرزق الله بعضهم من بعض).
الفرع الثالث: إذا وقع هذا البيع المنهي عنه، هل يفسخ أم لا؟ قولان مبنيان على النهي هل يدل على فساد المنهي عنه.
قوله: «ومنه البيع يوم الجمعة بعد النداء»: وهذا البيع أيضاً منهي عنه لقوله تعالى: ﴿وذروا البيع﴾ واختلف المذهب في فروع: الأول: هل يفسخ هذا البيع أم لا؟ فالمشهور أنه يفسيخ مطلقاً، وعن ابن الماجشون يفسخ في حق من اعتاد ذلك وتكرر منه، وفي المجموعة لا يفسخ.
الفرع الثاني: ما في معنى البيع كل مشغل كالنكاح والإجارة على المشهور.
الفرع الثالث: إذا قلنا بفسخة فذلك ما لم يفت، فإن فات فهل يمضى بالثمن، إذا هو فاسد في الثمن، أو بالقيمة خوفاً من تتميم البيع الفاسد، فيه قولان عندنا.
الفرع الرابع: إذا فات وكضى بالقيمة، فمتى يقوم هل بعد الصلاة، وهو

وقت الإباحة، أو وقت البيع بناء على تقدير (الجواز) لإمكان اختلاف القيم قولان عندنا، وثمرة ذلك إذا اختلفت القيمة في الزمانين.
قال القاضي: رحمه الله: «وبيع الأعمى وشراؤه جائز».
شرح: الأعمى يمكنه العلم (بالبيع) ذات وصفه من طريق الإخبار، فإذا حصثل عنده العلم بالمبيع جاز العقد اعتباراً بالحصحي بجامع العلم، وهذا (هو المشهور) (وقد) قال أشياخنا كل من صح منه عقد السلم صح منه بيع الأعيان كالبصير.
قوله: «ومن زاد في سعر إخراج من سوق المسلمين إلا أن يلحق بالناس» إلى قوله: " وبيع العربان على وجهين" يتعلق بذلك حكم الحكرة والتسعير، والأصل في التسعير ما رواه أبو هريرة قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله سعر لنا فقال: بل ادعو الله، فجاء رجلفقال: يا رسول الله سعر لنا فقال: بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقي الله وليس لأحدعندي مظلمة) وفي حديث آخر أنه قال حين سأله:

(إن الله هو القابض والباسط المغلي، وإني لأرجو أن ألقي الله، وليس لأحد عندي مظلمة ظلمته إياه في عرض ولا مال).
قال علماؤنا: والتسعير على وجهين أحدهما إن حط من (سعر) الناس أمر أن يلحق بسعرهم، أو يقوم من السوق، والثاني أن يحد لأهل السوق سعراًيبيعون عليه لا يتجاوزونه بع جمع أهل السوق (ومعاونهم)، واتفاق الجمهور على (الزيادة) في سعر ذلك، فالول في قسمي التسعير (غير جائز، والأصل في) ذلك قصة عمر بن الخطاب مع حاطب بن أبي بلتعة حين مر به وهو يبيع زبيباً له بالسوق فقال له عمر: (إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا) قال عيسى بن دينار: كان حاكب يبيع بدون سعر الناس، وهذا السعر المعتبر المجهول أصلاً يرجع إليه الناس، وهو سعر جمهور الناس لا ما ينفرد به الواحد أو العدد يسير، فيرجع الواحد والأقل للجمهور، ولا ينعكس الحال، وهل ذلك عام في كل المبيعات أو مخصوص، وقال ابن حبيب: ذلك في المكيل والموزون مأكولاً (كان أو غير مأكول دون غيره من المبيعات التي لا يكال ولا يوزن فإنما اختص المكيل والموزون) لأن الرجوع فيه إلى

المثل، فالمصلحة فيه تقتضي حمل الناس فيه على سعر واحد بخلاف (ما يرجع إلى) القيم لاختلاف الأغراض فيه ما لم يكن متماثلاً، وهذا حكم (غير) الجالب، (وأما الجالب) إلى السوق الذي ليس من الباعة الملازمين له (المترسمين)، به فهل يمنعون من النقص كما يمنع الباعة أم لا؟ وفي كتاب محمد لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون بيع الناس ليتسامح (فيكثر الجلب) وقيل: هم كأهل السوق مطلقاً، وقيل: كأهل السوق إلا في القمح، والشعير فيسامحون فيه خاصة لعموم الضرورة إليه.
قال المصنف: قد فسر الأشياخ قول القاضي رحمه الله: «ومن زاد في سعر على وجهين» أحدهما أن يبيع أغلى من أهل السوق، والثاني أن يبيع أرخص من أهل السوق إضراراً بأهل السوق، والتفسير الأول هو الصحيح، وهو الجاري على قضية حاطب بن أبي بلتعة.
والقسم الثاني من قسمي التسعير وهو أن يحد لأهل السوق حداً فهذا هو الذي اختلف فيه العلماء، فقال بمنعه عبد الله بن عمر بن الخطاب، وولده سالم والقاسم بن محمد والجمهور، وهو مذهب مالك الصحيح الذي لا شك فيه، ورخص فيه سعيد بن المسيب، وربيعة، ويحي بن سعيد وروي أشهب في العتبية عن مالك أنه لا بأس إذا سعر عليهم على قدر شرائهم فقال مالك لا بأس) به ولكني أخاف أن يقوموا من السوق، واحتج الجمهور بحديث أبي هريرة الذي قدمناه، وراعى في رواية أشهب المصالح

العامة، وأما الجالب فلا (يسعر) عليه، (وبيع كيف يشاء.
قوله: «والحكرة ممنوعة» الأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحتكر إلا خاطئ) وقال عمر بن الخطاب: (لا حكرة في سوقنا) رواه مالك في موظئه.
وحقيقة الاحتكار: هو إدخار المبيع وطلب الربح فيه بانتقال الأسواق.
واللحكرة حالتان: يمنع في إحداهما وهي إذا كانت في وقت الضيق والضرورة فيمنع المحتكر (من الشراء) حينئذ من السوق، وإذا أضر ذلك (بالناس) إلا في مقدار قوته، فإنه مضطر إليه فلا يمنع منه، وتجوز في حال الكثرة، والسعة، وروى ابن المواز عن مالك أنه سئل عن التربص بالطعام وغيره رجاء الغلاء فقال: ما علما فيه نهى، ولا أعلم به بأساً يحبس إذا شاء، ويبيعه إذا شاء، ويخرجه إلى أي البلاد شاء، وقيل: لمالك فيمن يبتاع الطعام، فيجب غلاءه قال: ما من أحد يبتاع طعاماً أو غيره إلا ويجب غلاءه، قال مالك: ومما يعيبه من مضى ويرونه ظلماً منع الاحتكار إلا لم يكن مضراً بالناس ولا بأسواقه، وذلك سواء عندنا في الطعام وغيره.
وروى ابن حبيب عن مالك أن احتكار الطعام يمنع في وقت الضيق والسعة، وهذا فيمن صار إليه الطعام

بابتياع، وأما من صار إليه بزراعة أو غيرها فلا خلاف في أنه لا يمنع احتكاره.
فصل: إذا احتكر من منعناه الاحتكار، فهل يأمر الإمام ببيعه، ويجبرهم على إخراجه في وقت الغلاء الشديد، اختلفت الرواية فيه، فروى عن مالك أنه أنكر ذلك، وقال ما سمعته، وعنه رواية أخرى أنه لا يخرج عليهم ويباع من أهل الحاجة إليه بمثل ما اشتراه، وإن لم يعلم شراؤه فيسعره يوم احتكاره، وجميع ما يحتاج الناس إليه في ذلك سواء يمنعون من احتكاره وقت الضيق والضرورة.
قال القاضي رحمه الله: «وبيع العربان على وجهين» إلى آخر الفصل، ترجم مالك رحمه الله ما يكره من بيع العربان وروى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربان وفسره مالك بالوجه الممنوع الذي ذكره القاضي.
وإن وقع البيع على ذلك فقال عيسى بن دينار: يفسخ فإن فات كانت فيه القيمة، وأما الاحتساب بالعربان إذا مضى البيع فجائز كما ذكر القاضي إلا أنه يشترط أن يجعل العربان على يد غير البائع، أو يد البائع مختوماً خوفاً من أن يكون (النقد) تارة ثمناً وتارة سلفاً.
قوله: «والدين بالدين ممنوع إذا كان من الطرفين» تحرزاً بقوله: "إذا كان من الطرفين" من السلم.

قوله: «وما كان خارجاً عن أصله» إلى آخره إشارة إلى (الرخص إذ) لا يقاس عليها ولا يتعدى بها (محلها).
وذكر المستثنيات من قواعدها وهي ظاهرة كما ذكره كالإقالة والشركة والتولية والحوالة والعرية والسلم.
وفي مراسيل ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، وأرخص في الشركة والإقالة والتولية) وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا أحيل أحدكم على ملئ فليتبع) وفي حديث ابن عباس: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان وأرخص في السلم).
قوله: «وإذا باع مالك غيره» يتعلق به بيع الفضولي، وهو عندنا موقوف على الإذن، جائز بإجازة المالك، وقال الشافعي: هو عندنا فاسد،

والدليل (للإجازة) حديث عروة الباقي حين دفع له رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً ليشتري به شاة، فاشتري به شاة، ثم باعها بدينارين، فابتاع بأحدهما شاة فجاء بالدينار والشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه صلى الله عليه وسلم وبارك له في صفقة يمينه) ولو كان فاسداً لفسخه.
ذم ذكر مسألة النصراني يسلم عبده، أو يشتري عبداً مسلماً، والأمر فيهما ظاهر، والأصح في المسألة الثانية فسخ العقدة لوقوعها فاسدة.
قال القضي رحمه الله: «فصل ومن ابتاع سلعة على السلامة فظهر بها عيب» إلى قوله: «ولا يجوز لبائع السلعة (المعينة) أن يكتم عيبها».
شرح: الأصل في وجوب الرد بالعيب الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر) وقد أجمع علماء الأمصار على من اطلع على عيب قديم في المبيع فله الرد على ما يأتي تفصيله، وذلك في عقود المعاوضة كالبيع، والنكاح، فيثبت في ذلك حكم الرد بالعيب بلا خلاف (وأما عقود المكارمة كالهبة والصدقة فلا يثبت فيها حكم الرد بالعيب بلا خلاف)، واختلف المذهب في هبة الثواب فقال: عبد الملك بن الماجشون: لا يرد الموهوب له فيها بعيب، لأن مبناها على المكارمة، وقال المغيرة: (له الرد بالعيب) المفسد دون ما عداه لأن العيب المفسد متلف للمقصود حكاه القاضي أبو الوليد.

ولا بد من ذكر العيوب التي توجب الرد فنقول الأصل أن المشتري إذا ظهر على عيب يوجب الرد فهو مخير بين الرد والإمساك، فإن رده أخذ ثمنه الذي دفع، وإن أمسك فلا شيء له ولا يجبر على أرش العسيب من أباه إذا كان الرد ممكناً ولم يحدث معنى مفوناً إلا في العقار على ما سنذكره، فإن تراضيا على الأرش مع إمكان رد العين جاز، لأن ذلك حق لهما، فإذا اتفقا على ذلك فلا مانع منه (وانفرد) ابن شريح من علماء الشافعية فقال: ليس لهما اختيار في ذلك وهل هو كالحقوق المالية كخيار الشفعة وغيره.
قوله: «ولا غيره»: تلفيف، إذا لا محل للغير.
قوله: «ولا يلزم بذل الأرش ولا أخذه بالتراضي»: أبدل البذل من الأرش بدل اشتمال وأطلق القاضي القول في جميع المبيعات جرياً على مذهب البغداديين من أصحاب مالك، لأنهم جعلوا العقار والحيوان والعروض في ذلك سواء، والمشهور من مذهب مالك الذي عليه (أكثر) أصحابه التفريق بين العقار وغيره، فقالوا إن للمشتري التمسك بالمبيع من العقار وأخذ إرش العيب اليسير، ولا يقع الرد فيه بالعيب اليسر إلا أن يختاراه معاً، (ويتفقا عليه) ويتراضيا به، وإن كان العيب كثيراً فهو مخير بين الرد والإمساك ولا شيء له.
واختلف نظر المتأخرين في تحديد اليسير، فقيل: ما نقص عن الثلث، وقيل: السدس، وقيل: (ما لا يأتي) على معظم الثمن.
وأما

الحيوان فهو فيه مخير بين أن يرد، أو يتماسك، ولا شيء له، واختلف الرواة في العروض، فالمشهور أنها كالحيوان، والشاذ أنها كالأصول وهو اختيار كثير فقهاء الأندلسيين.
قوله: «فإن فات ذلك لم يكن إلا الأرش» وهو كما ذكره، ثم بين أنواع الفوت فذكر منها فوت المبيع بالموت، والزمانة، والهرم، وفواته بتلف الملك كالعتق، والتدبير، والاستيلاء، والكتابة، واختلف المذهب في مسائل: المسألة الأولى: البيع هل هو فات أم لا؟ وعندنا فيه ثلاثة أقوال أحداها: أنه (ليس هو) فوتاً مطلقاً، ولا رجوع له بقيمة العيب.
والثاني: أن له الرجوع بقيمة العيب.
والثالث: إنه إن نقص من ثمنه لأجل العيب رجع على البائع بالنقص وإلا فلا، وبسط القول فيه بعض أشياخنا فقال: لا يخلو؟ أن يبيعه من بائعه، أو من غيره، فإن باعه من غير بائعه ففيه الثلاثة الأقوال الاتي قدمناها، وإن باعه بأقل، رجع عليع بالأقل من أرش العيب أو بقيمة الثمن، وإن باعه منه بأكثر.
(فالزيادة) للمشتري إن كان البائع مدلساً، وإن لم يكن مدلساً وقع التراجع، وانفسخ البيعتان، وعاد المبيع إلى ملك الأول.
المسألة الثاني: وظء الجارية هل هو فوت يوجب له الرجوع بقيمة العيب كسائر المفوتات أم لا؟ اختلف العلماء فيه، والمشهور من مذهب مالك أنه ليس بفوت، وقال أبو حتنيفة: هو فوت يمنع الرد، ويوجب له الرجوع بقيمة العيب، وهي رواية ابن وهب، وابن نافع، وأصبغ في البكر والثيب، وعلى المشهور بني القاضي رحمه الله مذهبه قال: (ووطء للثيب لا يمنع الرد وكذلك وطء البكر") وإنكا الوطء في الثبت كالقبلة واللمس بخلاف الوطء

في البكر، لأنه قطع عضواً منها، فله الرد، وعليه رد ما نقصها الوطء كسائر العيوب الحادثة عنده، وصريح مذهب الشافعي أن وطء البكر يمنع الرد.
المسألة الثالثة: اختلف المذهب في (العيوب) النفسانية كالآبق والسرقة هل يفيد الرد بالعيب أم لا؟ فالذي حكى القاضي عن المذهب أن الإباق فوت خلافاً للشافعي، لأن الرد ينعدم معه، ويجعله في حكم الغائب المفقود.
المسألة الرابعة: إذا اشترى شيئاً على السلامة، ثم أجره أو رهنه، ثم اطلع على عيب قديم فمذهب ابن القاسم أنه يرد بالعيب (متى) عاد إلى يده، وقال أشهب: إذا لم يخلصه من الرهن، أو الإجارة معجلاً لطول مدة الإجارة أو الرهن، وبعد أجلها، كان له أرش العيب، وهو اختيار ابن حبيب، وقال ابن القاسم إذا قرب ذلك كالشهر ونحوه فله الرد، فإن فات ملكه بهبة، ثم اطلع على عيب، فالمنصوص أنه يرجع بقيمة العيب، لأنه إنما يشتري على الصحة قال مالك: إذا فات المبيع بشيء من وجوه الفوت كان فيه قيمة العيب.
المسألة الخامسة: إذا حدث في المبيع تغير عين المقصود منه، وصيره كأنه ليس العين المبيعة، كان ذلك كتلف العين المعيبة للرد، فإن حدث فيه ما أثر فيه، إلا أنه لم يغير المقصود منه فليس بفوت، والمشتري بالخيار بين أخذ قيمة العيب القديم، أو رد ما (نقصه) العيب الحادث عنده، واختلف المذهب فيب الرمد، والحمى، والوعك، هل يفيت الرد وكذلك العمى والشلل، وقطع ذنب بغلة الركوب، وعجف الدابة، وهرم العبد، أو الأمة وتزويج الأمة هل يمنع جميع ما ذكرناه الرد إلحاقاً له بما يتلف المقصود أو لا يمنع الرد، وعليه

إذا أراد الرد رد ما نقصته هذه العيوب، والصحيح أن هذا كله ممنوع، فما أتلف كالعمى منع الرد، وما غير الصفة ولم يتلف المقصود، فله الرد، وعليه (رد) ما نقص، فإن شك التمسك وأخذ قيمة العيب فله ذلك، وكذلك نقصان القيمة كحوالة الأسواق، والهزال لا يفيت الرد في هذا الباب (على المرضى).
وههنا فروع: إذا اختلف البائع والمشتري فقال البائع للمشتري رد المبيع مع قيمة النقص الحادث، وأبى المشتري إلا أخذ قيمة العيب القديم، فهل القول قول المشتري، أو قول البائع، قولان في المذهب حكاهما القاضي أبو الوليد وغيره مبنيان على مراعاة الأصل (والمثال)، والكمشهور أن القول قول المشتري، لأن البائع إما مفرط إذا لم يكشف عن العيب، وإما مدلس فكأنه طلب حل البيع، (المنعقد)، ولا سبيل إليه إلا بالتراضي.
قوله: «وكذلك إن تصرف في المبيع»: قلت تصرفه في المبيع بعد علمه بالعيب له ثلاثة أحوال حال الاختيار، وحال الاضطرار، (وحال الاختبار) بلا خلاف في تصرف الاختيار أنه يبطل الرد، ولا يبطله حال الاختبار بلا خلاف.
واختلفوا في حال الاضطرار على قولين كما حكاهما القاضي: أحدهما: أنه مسقط للرد لأنه تصرف بعد العلم بالعيب، والاضطرار لحق نفسه لا لحق البائع.
والثاني: أن ذلك لا يسقط الرد، لأنه في حكم (المكره).
فرع: الاستعمال القاطع للرد بالعيب (بعد) الاطلاع على العيب هو

الاستعمال المقتضي نقصًا في المبيع كلبس الثوب، ووطء الجارية البكر والثيب، إذ الوطء إنما يباح فيمن (يستقر) ملكه، وأما من يريد نقض (البيع) فيه فلا يجوز له وطؤها حينيذٍ، واختلفت الرواية في العبد والدابة هل يمنع من استخدام العبد، وركوب الدابة أم لا؟، فالمشهور أنه يترك استعمال ذلك، وقال ابن حبيب لا يمنع من استخدام العبد وركوب الدابة، لأنه من باب الخراج بالضمان، فإن كان المبيع عقارًا فهل يخليه إذا أراد (الرد) بالعيب أم لا؟ المنصوص أنه لا يخليه، بل له الانتفاع به، وهو ينازع البائع، لأن ذلك خراج محض، وهو (مانع) للضمان، هذا نص الرواية.
قوله: "وإذا ابتاع رجلان عبدًا" إلى آخره.
ذكر في هذه المسألة قولين أحدهما قول ابن القاسم أن لمن شاء منهما الرد، لأن البائع دخل على التبعيض حين العقد فكأنهما صفقتان.
والثاني: قوله أشهب: أنه ليس له الرد مع اختلافهما، فإذا اختار الرد خير (شريكه)، وليس لأحدهما التبعيض على البائع، إذ المبيع شيء واحد ولو اشترى سلعةً على الخيار فمات، فأراد بعض الورثة الرد، وبعضهم الإمضاء لم يكن لهم التبعيض، لأن البائع لم يدخل في هذه الصورة على التبعيض، وهي مسألة القياس والاستحسان.
قوله: "وإذا نما المبيع على المبتاع، ثم أراد رده" إلى آخره.
الطارئ على المبيع قد يكون نقصًا وقد تقدم، وقد يكون زيادة، وهي على قسمين: منفعة، أو غلة، وعين، وعطف الغلة على المنفعة بواو الجمع.
إما كقوله: (أقوى وأفقر بعد التهم)، وإما أن تكون المنفعة ما سكن، والغلة ما اغتل من خراجٍ وغيره فأما المنفعة فلا خلاف في المذهب أنها ترد، ولا يرد شيء

مما استغل، لأنه خراج، والخراج بالضمان على مقتضى ما رواه عروة عن عائشة (أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قضى بأن الخراج بالضمان) إن كانت الزيادة عينًا فلا تخلو أن تكون ولادة، أو نتاج أو غيره، فإن كانت ولادة فالمشهور أن الولد كعضوٍ من أعضائها ليس بغلةٍ فيرد مع أمه.
والقول الثاني: أنه غلة ويجبر نقص التزويج الحادث عنده بزيادة الولد، وروي ذلك عن ابن القاسم.
وعندنا رواية ثالثة أنه لا يرد مع أمه، ولا يجبر به العيب الحادث، وعليه رد ما نقصه العيب الحادث مع رد الولد، لأنه كعضوٍ من أعضائها، وقال الشافعي: الولد للمشتري كسائر الغلات اعتمادًا على قوله- صلى الله عليه وسلم-: (الخراج بالضمان) والنتاج حكمه كالولادة وغاير القاضي- رحمه الله- بين (النتاج والولادة)، وإنما يفترقان لأن النتاج لا يستعمل عرفًا في الآدميات، وإنما يستعمل للناقة، وقد يستعمل لسائر الماشية، والولادة تستعمل في جميع الحيوانات وربما استعمل في الشجر مجازًا، فإن كان النماء ليس ولادة ولا نتاج فهو أنواع: الأول: كالثمار، ولا يخلو أن تكون موجودة حين العقد أم لا؟ فإن حدثت بعد العقد فهي للمشتري بلا خلافٍ كالخراج والغلة، وإن كانت موجودة حين العقد، إما أن تكون مأبورة أم لا؟ فإن كانت (غير مأبورة فهي له، كما لو حدثت عنده، ولا يرد عنها شيئًا إذا اختار الرد)، وإن كانت مأبورة ففي هذه الصورة قولان المشهور أن لها قسطًا من الثمن فيردها مع الأصل وهو قول ابن القاسم، والشاذ أنه لا ترد الثمرة أبرت أم لا؟ لأنها بيع وغلة، وإذا أوجبنا عليه الرد على المشهور فتلفت الثمرة بغير فعله، فله الرد، ولا شيء عليه في هلاك الثمرة، لأن ذلك كموت ولد الجارية الحادث

عنده، وإن كان هلاك الثمرة بفعله غرم مكيلتها اعتبارًا بالأجنبي.
وإذا أوجبنا عليه رد الثمرة فله قيمة السقي والعلاج مطلقًا، وقيل: ما لم يزد على الثمرة، لأنه إنما أوجب له قيمة السقي في عين الثمرة لا في ذمة البائع.
والثاني: الألبان والسمون، ولا خلاف أنها غلة للمشتري لا يرد عنها شيئًا سواء كان ذلك موجودًا يوم العقد أو غير موجود، لأنه تبع غير مقصود بالبيع.
والثالثة: الصوف إن حدث بعد العقد فلا خلاف أنه له، وليس عليه رده، سواء كان قائمًا بيده أو فائتًا، فإن كان موجودًا يوم الصفقة تام الخلقة فهل (يردها) لأنه له قسطًا من الثمن أم لا؟ قولان مذهب ابن القاسم أنه يردها معها وإن جزت، وقال أشهب لا يرد الصوف مطلقًا سواء كان حادثًا أو يردها معها وإن جزت، وقال أشهب لا يرد الصوف مطلقًا سواء كان حادثًا أو موجودًا حين العقد تامًا أو غير تام، لأنه تبع، وقول ابن القاسم: تشهد له العادة.
والرابع: الزيادة المتصلة كالصبغ والرقم في الثوب، وذلك لا يمنع الرد، ويوجب للمشتري الخيار في التمسك والرجوع بقيمة العيب أو الرد، ويكون شريكًا للبائع بما زادت الصنعة في ثوبٍ فقط، ومن هذا النمط السمن.
اختلف المذهب فيه على قولين وجوده كعدمه، ولا يثبت به الخيار للمشتري، وليس له إلا التمسك أو الرضا بالعيب من غير أرش، وقيل: يثبت له بالخيار بين أخذ الإرش أو الرد.
وقد ذكرنا الخلاف في الهزال وههنا فروع: إذا كان له الرد فصرح به، ثم هلك المبيع قبل الوصول إلى يد البائع، فاختلف المذهب في ضمانه على ثلاثة أقوال:

أحدها: أن ضمانه من البائع بناءً على أن الرد بالعيب نقض بيع.
والثاني: أنه من المشتري بناءً على أنه ابتداء بيع.
والثالث: أنه إن حكم الحاكم بالرد فمن البائع، وإلا فمن المشتري.
قال القاضي -رحمه الله-: "ولا يجوز لبائع السلعة (المعيبة) أن يكتم (عيبها) " إلى قوله: "والبيع جائز مساومةً ومرابحةً".
شرح: الغش محرَّم شرعًا، لأنه من أكل المال بالباطل، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تصروا الإبل والغنم) الحديث.
ومر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- برجلٍ يبيع طعامًا فسأله كيف يبيع فأخبره فأومأ إليه أن أدخل يده فيه.
فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول فقال -صلى الله عليه وسلم-: «من غشنا فليس منا».
واختلف العلماء في تأويله، فقال بعضهم المراد به تكفير المستحل له، وقال بعضهم هو على معنى التغيظ كقوله -صلى الله عليه وسلم-: (أيما عبدٍ ترك الصلاة فقد كفر) وقال بعضهم معناه: ليس على مثل سنتنا وطريقتنا.

والتصرية: حقن اللبن في الثدي أيامًا ليوهم البائع المشتري أن ذلك الحيوان غزير اللبن.
واختلف العلماء في البيع الواقع على صفة الغش كالتصرية ونحوها، فقال بعضهم: إن ذلك يمنع صحة العقد، فإذا وقع البيع على الغش فهو فاسد، وقال أبو حنيفة: ليس التصرية عيبًا، وقال مالك والشافعي والجمهور: التصرية عيب وغش، والبيع معها صحيح، وللمشتري الخيار تمسكًا بمقتضى نص تخييره -صلى الله عليه وسلم- المشتري في حديث المصراة الثابت الصحيح حيث قال: «فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر» فأثبت له الخيار، فدلَّ على أن العقد صحيح، قال أبو حنيفة: حديث المصراة خارج عن الأصول من أوجه: الأول: إنه معارض لقوله- صلى الله عليه وسلم-: (الخراج بالضمان).
والثاني: إن فيه الطعام بالطعام نسيئة، وهو محرم إجماعًا.
والثالث: إن فيه المزابنة وهي بيع (المعلوم بالمجهول).
والرابع: إن فيه نقض الأصل، لأن الواجب في المتلف، إما المثل وإنما القيمة ولا واحدٍ في هذا المحل.
والخامس: إن فيه بيع الطعام قبل قبضه.
إلى غير ذلك من الوجوه التي فارقها بها الأصول، فقدمت عليه، وبه قال أشهب: من أصحابنا، ولا شك في فساد قولهما، لأنه) أصلٌ بنفسه، فلا يتحكم فيه على الشارع.

قوله: "والقول في الموضعين قول من قوي سببه منهما مع يمينه" يعني: أنه إن ثبت قدمه فهو من البائع، وإن ثبت حدوثه (بالمشاهدة، أو بالبينة) فهو من المشتري، (وإن وقع الشك فالأصل الصحة فهو من المشتري) ويحلف البائع وقوي السبب بالمشاهدة (أو الشهادة، و) في حال الاحتمال باستصحاب حال (السلامة)، وإذا وجب اليمين في هذه الصورة، فهل يحلف على العلم في العيب الخفي والظاهر أو على البت في الظاهر، وعلى العلم في الخفي.
اختلف في ذلك ابن القاسم (وأشهب) فمذهب ابن القاسم الفرق بين الظاهر والخفي، ثم ذكر العيوب الموجبة للرد وأنها ما أثرت نقصًا في المبيع، أو في الثمن، أو في التصرف، أو خوفًا في العاقبة، وهذه الأقسام متداخلة: فالأول: هو (نقص ذات المبيع) منه ما يؤثر في نقص الثمن كقطع عضوٍ من أعضائه، ومنه (ما لا يؤثر) في بعض الأحوال كالخصة فإنه ربما يزيد في الثمن، ولعله أراد بالنقص في التصرف إذا قطع بعض الآلة البدنية التي تعينه على التصرف، إذا بنينا أن هذا يكون على الثمن بالنقص والعيب المخوف عاقبته هو ما تؤمن عودته من الأورام الذاهبة بعد حدوثها (لإمكان عودتها)، ومثله

القاضي في المعونة بالزوجة في العبد، والزوج في الأمة، فإن الطلاق لا يسقط (الرد) فيهما، وجعل الخصى مما ينقص في الثمن، وذلك يختلف بحسب الأمصار والعوائد والأحوال، وأما الدين في (غير) سفه، فلا يرد به إذا قضاه العبد، لأنه برده قد سقط.
ومثل نقصان الأحكام الشرعية فيعود ذلك بنقص الثمن.
وعطف القاضي الجذام والبرص على العمى والعور لا على نقصان الأحكام بالجنون.
قال صاحب العين: الزعر في شعر الرأس وفي ريش الطائر.
قلت وفرق في ذلك إذا ذهب أطوله وبقى أقصره وأردؤه.
فرع: وجود الزنى في العبد والأمة، قال مالك والشافعي هو عيب، لأنه نقصان في الخلق الشرعي الذي هو العفاف.
وقال أبو حنيفة ليس بعيب.
فرع: التأنيث في الذكر، والتذكير في الأنثى عيب عندنا، والبول في الفراش عيب عند مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: ترد به الجارية دون العبد، وهو نظر حسن لأن الجارية قد تراد للنوم معها في فراشٍ واحد.
فرع: الحمل في الرائعة فيه، وفي الوخش قولان مبنيان على العادة.
فرع: اختلف المذهب في ارتفاع الحيض هل هو عيب أم لا؟ قولان

عندنا المشهور أنه عيب في العلي، والاستحاضة عيب في الوخش وغيره، وقد قيل في العلي خاصة.
فرع: الشيب الكثير في الرائعة عيب، واختلف المذهب في اليسير فيها على قولين وليس بعيبٍ في الوخش عندنا.
فرع: الخفاض عادة (نساء) العرب، فعدمه في العلي من رقيق العرب عيب، وليس بعيبٍ في رقيق العجم، لأنهم لا يعرفونه قاله القاضي أبو محمد.
ومثل القاضي أبو محمد ما يتقي علاقته بالزوج والزوجة والاستدانة في سفهٍ ولم يمثل ما تؤمن عودته، ولعله أشار إلى الأورام، وبياض العين ونحوه.
قوله: "وعهدة الثلاث لازمة في الرقيق": واختلف الفقهاء في القضاء بالعهدة، ومعنى العهدة أن يشتري عبدًا أو أمةً فما حدث فيه من فوت عين، أو من عيبٍ عند المشتري في الثلاثة الأيام فهو من البائع، وعهدته عليه، فإن شاء المشتري أخذ بجميع الثمن، وإن شاء رده على البائع، ولا شيء عليه فيما حدث عنده فإن هلك عنده في الثلاثة، أو في عهدة السنة من عيوبها الخاصة فهو من البائع، وقد قال مالك: ومن اتبعه.
وعلى منع القول به قال أكثر فقهاء الأمصار ورأوا أن كل عيبٍ حدث بعد قبض المشتري فعهدته عليه.

جارٍ التحميل