فقه العبادات على المذهب الشافعيصفحات 494-15
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 494-15
عن هذه الطبعة
عَلَم
درية العيطة
الكتاب
فقه العبادات على المذهب الشافعي
المؤلف
الحاجة درية العيطة [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
  • بناء على ما تقدم تكون الكيفية الفضلى للصلاة كالتالي:
  • 1 - يقرن النية مع تكبيرة الإحرام.
  • 2 - يقرأ الفاتحة سراً 1 بعد التكبيرة الأولى والتعوذ، دون دعاء الافتتاح، ويؤمن بعدها ندباً 2 .
  • 3 - ثم يكبر الثانية ويصلي بعدها على النبي صلى الله عليه وسلم.
  • 4 - ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت بعدها.
  • 5 - ثم يكبر الرابعة ويدعو.
  • 6 - يسلم بعد التكبيرة الرابعة.
    تنبيهان خاصان بالمأموم: الأول: إذا تخلف المأموم عن الإمام بتكبيرة إلى أن شرع في الثانية، بدون عذر، بطلت صلاته، لأن كل تكبيرة تقوم مقام ركعة.
    والتقدم كالتخلف.
    الثاني: إذا أدرك المقتدي الإمام بعد غير التكبيرة الأولى مشى على ترتيب صلاة نفسه، ثم بعد سلام الإمام يأتي بما بقي عليه من التكبيرات وأذكارها.
  • أولى الناس بالصلاة على الميت: أولى الناس بالصلاة على الميت عصباته، ثم الولاء، ثم الإمام أو نائبه، ثم ذوو الأرحام لأن القصد من الصلاة الدعاء للميت، ودعاء هؤلاء على الترتيب الذي ذكرنا أرجى للإجابة.
  • تعقيبات:
  • 1 - تصح الصلاة على الغائب، لما صح أنه صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي بالمدينة يوم موته بالحبشة، عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أخاً لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه) يعني النجاشي 1 .
  • 2 - تصح الصلاة على المدفون ممن كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم الموت، وحال بينه وبين الصلاة عليه حائل.
    لما روي عن ابن نمير قال: (انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب فصلى عليه، وصفوا خلفه، وكبر أربعاً) 2 .
  • 3 - تجوز الصلاة على الميت أكثر من مرة، كأن يصلي عليه وهو في المسجد، ويصلي عليه بعد الدفن، وكذا يجوز للنساء أن يصلين على الميت قبل صلاة الرجال عليه في المسجد لما روي عن عائشة رضي الله عنها (أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه، ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين عليه) 3 .

حمل الجنازة:

  • هو فرض كفاية، وليس فيه دناءة، ولا سقوط مروءة، بل هو بر وطاعة وإكرام للميت، فعله الصحابة والصالحون.
    ويحمل الجنازة الرجال دون النساء، لما رُوي عن أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه صعق 1 . والأفضل أن يحمل الجنازة خمسة، ويحرم حملها على هيئة مزرية، كحمله في قفة وغراره، كما يحرم حملها على هيئة يخاف منها سقوطه، ويسن الإسراع بها لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها، وإن يك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" 2 .

اتباع الجنازة:

  • يستحب اتباع الجنازة، وعدم الانصراف حتى يدفن، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان، قيل وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين" 1 . ويسن المشي أمامها قريباً منها، على أنه يجوز له المشي حيث شاء قريباً منها، لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه المتقدم بعضه وفيه: "الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها، قريباً منها" 2 . وروى سالم عن أبيه رضي الله عنهما قال "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة" 3 ولأنه شفيع الميت، والشفيع يتقدم المشفوع.
    ويكره اللغط فيها، واتباعها بنائحة أو نار، لما روي عن عمرو بن العاص رضى الله عنه أنه قال وهو في سياقة الموت 4 : " ... فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار ... " 5 . كما يكره اتباع النساء للجنازة، لما روت أم عطية رضى الله عنها قالت: "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا " 6 . ويكره الركوب في الذهاب معها إلا لعذر، فإن ركب في الانصراف لم يكن به بأس، لما روى جابر بن سمرة رضى الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم اتبع جنازة أبي الدحداح رضي الله عنه ماشياً ورجع على فرس" 7 . ولا يكره للمسلم اتباع جنازة قريبه الكافر، لما روى عن علي رضي الله عنه قال: "قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن عمك الشيخ الضال قد مات.
    قال: "اذهب فوار أباك " 8 . ويستحب لمن مرت به جنازة أن يقول: سبحان الله الذي لا يموت، أو سبحان الملك القدوس، وأن يدعو لها ويثني عليها إن كانت أهلا لذلك.

دفن الميت:

  • هو فرض على الكفاية، كما قدمنا، لأن في تركه على وجه الأرض هتكاً لحرمته، وأذى للناس برائحته.
    ويتولاه الرجال لأنه يحتاج إلى بطش وقوة، وأولاهم بذلك أولاهم بالصلاة عليه، إلا المرأة فالأولى بدفنها زوجها، ثم أحد محارمها.
  • الواجب في الدفن: الواجب فيه أن يوضع الميت في القبر مستقبلا القبلة، ولا يجزئ وضعه على وجه الأرض، والبناء عليه إلا إذا تعذر الحفر.
    أما إذا توفي في السفينة بعيداً عن الساحل، فيشد بين لوحين لئلا ينتفخ ويلقى في البحر بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه.
  • شروط القبر: أقل القبر حفرة تكتم رائحة الميت، وتحرسه من السباع 1 ، وأكمله حفرة بعمق قامة وبسطة، لما روي أن عمر رضي الله عنه أوصى أن يعمق قامة وبسطة 2 . ولحديث هشام بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم يوم أحد: "احفروا وأعمقوا وأحسنوا" وفي رواية "وأوسعوا" 3 .
  • ما يسن في الدفن: -1- أن يكون الدفن في المقبرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدفن الموتى بالبقيع، ولأنه يكثر الدعاء له ممن يزوره، ويجوز الدفن في البيت لأن النبي صلى الله عليه وسلم دفن في حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها.
    -2- يستحب أن يجمع الأقارب في موضع واحد، لما روى المطلب رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك عند رأس عثمان بن مظعون صخرة وقال: "أتعلم قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي " 4 . -3- أن يكون في غير الليل.
    وفي غير وقت حرمة الصلاة، إلا أنه يجوز الدفن في هذين الوقتين من غير كراهة.
    ودليل عدم كراهته في الليل حديث ابن عباس رضى الله عنهما " أن رسول صلى الله عليه وسلم مر بقبر قد دفن ليلاً فقال: "متى دفن هذا؟ " قالوا: البارحة.
    قال: "أفلا آذنتموني؟ " قالوا: دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك.
    فقام، فصففنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم، فصلى عليه " 5 . -4 - أن يكون الدافنون رجالا، لأن المرأة أضعف، ولئلا ينكشف بدنها حين الدفن، وأن يكونوا وتراً، فإن حصلت الكفاية بواحد وإلا ثلاثة، وإلا فخمسة، إن أمكن، واحتيج إليه.
    -5- يسن الدفن باللحد إذا كانت الأرض صلبة، وفي الشق إذا كانت رخوة، لئلا ينهار عليه اللحد.
    روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال في مرضه الذي هلك فيه: "ألحدوا لي لحداً، وانصبوا على اللبن نصباً كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم" 6 . والشق هو ما يحفر في قعر القبر كالنهر، وتوضع بلاطة فوقه، واللحد هو حفرة في الجدار القبلي للقبر من الأسفل، بقدر حجم الميت.
    فبعد أن يحفر القبر ويعمق بقدر قامة وبسطة يحفر في جانبه اللحد.
    ثم يسد اللحد بعد وضع الميت بلبنة، ثم ينهال عليه التراب إلى أن يملأ القامة والبسطة.
    -6- أن يستر القبر عند الدفن بثوب، سواء كان المدفون رجلاً أو امرأة، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "جلل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر سعد بثوبه" 7 . -7- أن يوضع رأس الميت عند رجل القبر، ثم يسل فيه سلا، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "سُلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل رأسه " 8 . ولأن ذلك أسهل.
    -8- أن يفضى بخده إلى الأرض، ويكره أن يجعل له وسادة، أو صندوق، ولو أوصى بذلك، إلا إذا احتيج إليه لنداوة الأرض، روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "إذا أنزلتموني في اللحد فأفضوا بخدي إلى الأرض" 9 ، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئاً" (10) . -9- يسن أن يسند وجه الميت ورجلاه عند الدفن إلى جدار القبر، وظهره بنحو لبنة أو حجر لئلا ينكب على وجهه.
    وأن يوضع على شقه الأيمن، قياساً على النائم، وعلى المصلى مضطجعاً، وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم للبراء بن عازب رضي الله عنه: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن".
    -10- ويسن أن يقول عند إضجاع الميت: "بسم الله، على ملة رسول الله ". قال الشافعي رضي الله عنه، ثم يقول: "اللهم أسلمه إليك الأشحاء من ولده وأهله وقرابته وإخوانه، وفارق من كان يحب قربه، وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه، ونزل بك وأنت خير منزول به، إن عاقبته فبذنب، وإن عفوت فأهل العفو أنت، غني عن عذابه، وهو فقير إلى رحمتك، اللهم اشكر حسنته، واغفر سيئته، وأعذه من عذاب القبر، واجمع له برحمتك الأمن من عذابه، واكفه كل هول دون الجنة، اللهم اخلفه في تركته في الغابرين، وارفعه في عليين، وعد عليه برحمتك يا أرحم الراحمين" 10 وله أن يدعو بغيره إن شاء.
    -11- ويسن لكل من على القبر أن يحثو عليه ثلاث حثيات تراب بيديه جميعاً، روى عامر ابن ربيعة عن أبيه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم حين دفن عثمان بن مظعون رضي الله عنه، فصلى عليه، وكبر عليه أربعا وحثا بيديه ثلاث حثيات من التراب وهو قائم على القبر" 11 . -12- ويسن ألا يزاد على التراب الذي أخرج من القبر، فإن زادوا قليلا فلا بأس به.
    ويشخص القبر من الأرض قدر شبر، لما روى القاسم بن محمد قال: "دخلت على عائشة فقلت: يا أمَّه اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء " 12 . -13- كما يسن أن يسطح القبر، ويوضع عليه الحصى، ويرش عليه بالماء لأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في قبر ابنه إبراهيم.
    ولأنه إذا لم يرش زال أثره فلا يعرف.
    -14- يسن أن يقف جماعة بعد دفنه يدعون للميت، ويستغفرون له، ويقرؤون عنده شيئاً من القرآن، وختمه أفضل، ويسألون الله له التثبيت، لما روى عثمان رضي الله عنه قال: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت، ووقف عليه قال: "استغفروا لميتكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل" 13 . كما يسن تلقينه، لما روى سعيد بن عبد الله الأودي قال: "شهدت أبا أمامة رضي الله عنه وهو في النزع فقال: إذا أنا مت فاصنعوا في كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "إذا مات أحد من إخوانكم، فسويتم التراب على قبره، فليقم أحد على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانة فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون.
    فليقل؟ اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقران إماماً" 14 . -15- يسن وضع الجريد الأخضر والريحان على القبر لأنه يستغفر للميت ما دام رطباً.
    ودليله الحديث المتقدم في المعذبين في القبر، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع الجريد على القبرين وقال: "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا".
    ولا يجوز أخذه قبل أن ييبس من غير واضعه.
  • ما يكره في الدفن: يكره أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه، لما روى جابر رضي الله عنه قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ " 1 ، ولأن ذلك من الزينة.
  • ما يحرم في الدفن:
  • لا يجوز أن يدفن ميت في موضع ميت، إلا أن يعلم أنه قد بلى، ولم يبق منه شيء، ويرجع فيه إلى أهل الخبرة بتلك الأرض، كما لا يجوز أن يدفن اثنان في قبر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفن في كل قبر إلا واحداً، فإن دعت الضرورة إلى ذلك جاز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع الاثنين من قتلى أحد في ثوب واحد، روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد" 1 . وإن دعت الضرورة أن يدفن مع امرأة رجل جعل بينهما حائل من التراب، وجعل الرجل أمامها اعتباراً بحال الحياة، وإن كان لها ابناً.
  • كذلك لا يجوز أن يدفن كافر في مقبرة المسلمين، ولا مسلم في مقبرة الكفار.
  • كما لا يجوز نبش القبر قبل البلى.

زيارة القبور:

  • تسن زيارة القبور للرجال، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه ... وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: (فزوروا القبور فإنها تذكر الموت) " 1 . وتكره للنساء تنزيها لقلة صبرهن، والدليل على عدم حرمتها عليهن ما روي عن أنس رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة تبكي، عند قبر، فقال: (اتقي الله واصبري) " 2 فلم ينهها عن الزيارة.
    لكن إن كان في خروجهن إلى القبور فتنة فتحرم عليهن الزيارة، وعليه حمل حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لعن رسول صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج" 3 ، ويستثنى من ذلك قبر الرسول صلى الله عليه وسلم فتندب لهن زيارته، وكذا قبور سائر الأنبياء والأولياء.
    ويندب أن يقول الزائر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم قوله إذا خرجوا إلى المقابر، فيما رواه بُرَيْدة رضي الله عنه: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية) 4 . وله أن يزيد: اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم.
    كما يندب له أن يقرأ ما تيسر من القرآن، كسورة يس، ويدعو له ولجميع أهل المقبرة، يتصدق على روحه، ويسن أن يقترب من قبر المزور بقدر ما كان يدنو من صاحبه لو كان حياً وزاره، وأن يسلم عليه من قبل رأسه.
    ويكره تقبيل القبر واستلامه، وتقبيل التابوت واستلامه، لأن ذلك عادة النصارى وفيه تعظيم للقبر، وقد صح النهي عن تعظيم القبور.
    ويكره الجلوس على القبر، ووطؤه إلا لضرورة والاتكاء عليه، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر" 5 . كما يكره المبيت في المقبرة، لما فيها من الوحشة.

التعزية:

  • التعزية لغة: التصبير لمن أصيب بمن يعز عليه.
    حكمها: هي سنة، لما روى أسامة بن زيد رضي الله عنه كما قال: "أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه أن ابناً لي قبض فائتنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: (إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر، ولتحتسب) " 1 . ويستحب أن يعزي جميع أقارب الميت، أهله الكبار والصغار، الرجال والنساء، إلا أن تكون المرأة شابة فلا يعزيها إلا محارمها، وتعزية الصلحاء، والضعفاء عن احتمال المصيبة، والصبيان، آكد.
    صيغتها: يستحب أن يعزي بتعزية الخضر عليه السلام أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن يقول: "إن في الله سبحانه وتعالى عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك ودركاً من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب" 2 . ويستحب أن يجمع بين الدعاء للميت والمعزى به، والمشهور تقديم الدعاء للمعزى فيقول: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميتك.
    فإن عزى مسلماً بكافر قال: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك.
    وإن عزى كافراً بمسلم قال: أحسن الله عزاك، وغفر لميتك.
    وإن عزى كافراً بكافر قال: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك 3 . وقتها: من حين الموت إلى حين الدفن، وبعد الدفن بثلاثة أيام.
    وتكره بعدها إلا إذا كان المعزي أو المعزى غائباً، فلم يحضر إلا بعد ثلاثة أيام، فإنه يعزيه، وعلة كراهتها بعد ثلاثة أيام أن المقصود منها تسكين قلب المصاب، والغالب سكونه بعد الثلاثة، فلا يجدد له الحزن.
    وهى بعد الدفن أفضل منها قبله، لانشغال الأهل قبل الدفن بتجهيز ميتهم، ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر.
    أما الجلوس للتعزية، بأن يجتمع أهل الميت فيقصدهم من أراد التعزية فمكروه، وينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزاهم، ولا فرق في كراهة الجلوس لها بين الرجال والنساء.
    قال الشافعي رحمه الله: وأكره المآتم وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء 4 .

البكاء على الميت:

  • هو جائز، من غير ندب ولا نياحة 1 ، روي عن عبد الله بن عمر رصي الله عنهما قال: "اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد ابن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال: (قد قضى؟) . قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا، فقال: (ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم، وإن الميت بعذب ببكاء أهله عليه) " 2 . وهو جائز قبل الموت وبعده.
    ولا يجوز لطم الخدود، ولا شق الجيوب، ولا رفع الصوت بإفراط، وما إلى ذلك من خمش الوجه، ونشر الشعر، والدعاء بالويل، لما روى عبد الله بن مسعود رض الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية 3 . هذا إذا كان مختاراً، فإن كان مغلوبا لم يؤاخذ به لأنه غير مكلف.

فصل في اللباس

  • يحرم لبس الحرير للذكر البالغ، إلا لضرورة، وكذا يحرم استعماله، لحديث حذيفة رضي الله عنه قال: "نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه" 1 . ونوعا الحرير: القز 2 والإبريسم 3 في الحرمة سواء، وكذا نوعا قماشه: الديباج 4 والسندس 5 . أما الحرير الصناعي فلا يحرم لبسه ولا استعماله.
    والعلة في التحريم ما ذكره الإمام الغزالي رضي الله عنه قال: في الحرير خنوثة 6 لا تليق بشهامة الرجال.
    ويستثنى من الحرمة ما ركب من حرير وغيره إن استويا في الوزن، وكذا التطريز والترقيع بالحرير الخالص، والحشو، والخياطة به، ما لم يبلغ كل من ذلك وزن الثوب، أما التطريف 7 بالحرير فالعبرة فيه بعادة أمثاله.
    روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المُصْمَت 8 من الحرير، فأما العلم من الحرير، وسدى الثوب، فلا بأس به" (9) . كذلك يحرم على الرجل استعمال الحرير الخالص، كالجلوس عليه، والاستناد عليه من غير حائل بينهما، وكذا يحرم الجلوس تحته (10) . ويستثنى من تحريم الاستعمال للرجال كيس المصحف، وعلاقته، وخيط السبحة، وخيط المفتاح، وما يوضع منه على قبور الأنبياء والأولياء، إن خلا عن النقد.
    ويجوز ستر الكعبة به.
    ويجوز استعماله للضرورة، كفجاءة الحرب، أو لحر أو برد مهلكين، إذا لم يجد غيره، وكدفع جرب أو حكة، أو ستر عورة، إن لم يجد غيره من دواء أو لباس، فمتى وجد حرم الاستعمال، لحديث أنس رضي الله عنه قال: "رخص النبي صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن في لبس الحرير لحكة بهما" 11 . والتحريم يقتصر على الذكر البالغ العاقل، أما إن كان صبياً أو مجنوناً فلا يحرم.
    أما النساء فيحل لهن لبس الحرير واستعماله، لما روى علي رضى الله عنه قال: "إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله، ثم قال: (إن هذين حرام على ذكور أمتي) " 12 . ويحرم على الرجال لبس المزعفر 13 واستعماله.
    أما المنقط بالزعفران فلا يحرم، لحديث أنس رضي الله عنه قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزعفر الرجل" 14 . ويكره للرجال لبس المعصفر كله أو بعضه، واستعماله كذلك، إلا المنقط أو المقلم فلا يكره، لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين فقال: (إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) " 15 . ولا يحرم، ولا يكره الأحمر والأصفر والأخضر والأسود والمخطط.
    ويحرم التختم بالذهب للرجل، لحديث علي رضي الله عنه قال: "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التحتم بالذهب" 16 . أما الفضة فيجوز التختم بها، بل يسن، ما لم يسرف فيه عرفاً، والأفضل جعله في اليد اليمنى، ولبسه في الخنصر، لحديث روي عن ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه " ... ثم اتخذ - رسول الله صلى الله عليه وسلم - خاتماً من فضة، فاتخذ الناس خواتيم الفضة، فلبس الخاتم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، حتى وقع من عثمان في بئر أريس" 17 .910
فصول الكتاب · 8 فصل · 500 صفحة
جارٍ التحميل