كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- درية العيطة
- الكتاب
- فقه العبادات على المذهب الشافعي
- المؤلف
- الحاجة درية العيطة [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
- نصاب الفضة مائتا درهم 1 ، وما زاد فبحسبانه، وفيها ربع العشر، ودليلها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس فيما دون خمس أواق 2 من الورق 3 صدقة 4 ". وحديث علي رضي الله عنه المتقدم.
ولا يكمل أحد النقدين بالآخر ليبلغ النصاب، وذلك لاختلاف الجنس، لكن يكمل نوع بنوع آخر من جنس واحد، ويؤخذ من كل نوع بالقسط إن سهل، وإلا أخذ من الوسط.
ولا زكاة في المغشوش 5 من الذهب أو الفضة حتى يبلغ خالصه نصاباً، وعندها يخرج الواجب إما خالصاً، وإما مغشوشاً خالصه بقدر الواجب.
زكاة الحلي:
- لا يجب في الحلي المباحة زكاة لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "لا زكاة في الحلي 1 ، ولأنها معدة للزينة، وهي استعمال مباح.
أما إن ورثها ولم يعلم بها حتى مضى الحول فتجب زكاتها، وكذا لو انكسرت وقصد كنزها فتجب زكاتها، لأنه لا يقصد بإمساكها الاستعمال المباح، بخلاف ما لو قصد إصلاحها، فلا زكاة فيها وإن بقيت أحوالاً.
والحلي المباحة هي ما أحل للمرأة لبسه، فقد أحل لبس جميع أنواع الذهب والفضة، كالسوار والخلخال والخاتم 2 ، وكذا لبس ما ينسج بهما من الثياب، ما لم تسرف، وكذا ما أحل للرجل لبسه، وهو خاتم فضة، بحسب عادة أمثاله، ويحل له تحلية بعض آلات الحرب بالفضة، كالسيف والرمح، ولكن يحرم الإسراف في ذلك.
أما الحلي المحرمة، كسوار وخلخال للرجل فتجب الزكاة فيها، وكذلك الأواني الذهبية والفضية، وما يعلق للنساء والصغار من النقدين في القلائد والبراقع فتجب الزكاة فيه، ويعتبر في الأواني المحرمة وزنها لا قيمتها، أما الحلي فتعتبر قيمتها لا وزنها 3 ، فإذا كان الحلي مما يمكن تجزئته، فيخرج جزء بمقدار ربع العشر، ولا يجب كسر الحلي لإعطاء الزكاة منها، وكذا الآنية، بل تخرج الزكاة من ذهب غيرهما.
زكاة المعدن المستخرج من المناجم:
- تجب الزكاة فيما استخرج من مناجم الذهب والفضة من فلزات وقت حصولها بيده إن كانت نصاباً، أما أداء الزكاة فيجب بعد التنقية والتصفية.
هذا إذا كان المستخرج من أهل وجوب الزكاة وهو المسلم الحر، أما الكافر فلا يجوز أخذ الزكاة منه، بل يجب أصلاً أن يمنعه الحاكم من استخراج المعدن وأخذه من البلاد الإسلامية.
زكاة الركاز:
- الركاز هو دفين الجاهلية، بشرط أن يكون نقداً، وأن يكون نصاباً، أما إن كان دفين إسلام، كأن وجد عليه شيء من القرآن، أو اسم ملك من ملوك الإسلام فيجب رده إلى مالكه إن علم، لأنه مال مسلم، ومال المسلم لا يملك بالاستيلاء عليه، وإن لم يعلم مالكه فهو لقطة، وإن وجده في أرض موات 1 أو في مِلك أحياه 2 فإنه يملكه وعليه أن يخرج خمسه فوراً.
ولا يشترط في زكاته الحول.
ودليل الركاز حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ... وفي الركاز الخمس" 3
شروط وجوب زكاة النقد:
-يشترط في زكاة النقد، بالإضافة إلى الشروط العامة لوجوب الزكاة:
الحول: فلو زال ملكه أثناء الحول عن النصاب أو بعضه، ببيع أو غيره، انقطع الحول، ولو عاد بشراء أو غيره استؤنف الحول لانقطاعه بزوال ملكه، فعودة ملك جديد، ومن ذلك ما لو باع نقداً بنقد - أي ذهباً بفضة أو العكس - بشروطه، فيستأنف الحول كلما بادل 1 .
ويستثنى من اشتراط الحول المناجم والركاز، فالزكاة فيها واجبة حال وجودها، كما قدمنا.
تعقيبات:
-1 - إذا بلغ النقد نصاباً، ثم ازداد أثناء الحول، تبعت الزيادة النصاب في الحول، ودفعت الزكاة عن الجميع في نهايته.
-2 - تجب الزكاة في الأقساط المدفوعة للجمعيات السكنية متى بلغت نصاباً، وحال عليها الحول، إلى أن يوجد العقار، ويتم التخصص به، وتعرف قيمته النهائية، حيث تعتبر الأقساط منذئذ سداد دين، وهي قبل ذلك أموال مدخرة.
الباب الخامس: زكاة التِّجارة
تعريف:
- التجارة لغة: التقليب في المال.
وشرعاً: التقليب في المال المملوك بمعاوضة، لغرض الربح، مع نية التجارة عند كل تصرف.
زكاة التجارة:
- تجب الزكاة في عروض 1 التجارة، والدليل على ذلك ما روي عن سَمُرَة بن جُنْدَب رضي الله عنه قال: "أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع 2 ". وذلك بأن تقوم 3 عروض التجارة آخر الحول بما اشتريت به من النقد 4 ، فإذا بلغت القيمة نصاباً أخرجت الزكاة، وإلا فلا، وتخرج الزكاة من القيمة لا من العين 5 ، فإذا كان تاجر بناء مثلاً يقوم ما عنده من بيوت في آخر الحول، ويخرج الزكاة عن قيمتها، ولا عبرة للمباع والمشترى خلال الحول 6 ، ويبدأ حول العروض بنية التجارة والمماكسة 7 معاً، فلو نوى فقط ولم يماكس، أو ماكس ولم ينوها، لم يبدأ الحول، ولا عبرة لقيمة العروض في أول الحول مهما بلغت، وإنما العبرة للقيمة آخر الحول، وإن ردت العروض إلى النقد الذي اشتريت به أثناء الحول، وكان هذا النقد نصاباً فأكثر، لم ينقطع الحول، أما إذا كان النقد الذي ردت إليه أقل من النصاب انقطع الحول، فإذا اشترى به عرضاً آخر بنية التجارة بدأ حول جديد.
والتقويم لا يكون إلا بالنقد الذي اشتريت به العروض؛ فإذا اشتراها بذهب قومها بالذهب، أو بفضة قومها بفضة، وإن اشتراها بهما معاً قدر ما قابل الذهب وما قابل الفضة، ولا يضم أحدهما إلى الآخر، فلو لم تبلغ نصاباً بما اشتريت به فلا زكاة عليها، ولو بلغت نصاباً في غير هذا النقد.
وإن تملكها بعوض كعرض أو نكاح أو صلح عن دم قومت بغالب نقد هذا البد.
أما مقدار زكاة التجارة فهو ربع العشر، ودليله ما ذكر زُرَيْقُ بن حيان - وكان زريق على جواز مصر في زمن الوليد بن عبد الملك وسليمان وعمر بن عبد العزيز - "أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه أن انظر مر بك من المسلمين، فخذ مما ظهر من أموالهم، مما يريدون من التجارات، من كل أربعين ديناراً ديناراً، فما نقص فبحساب ذلك، حتى يبلغ عشرين ديناراً فإن نقصت ثُلُثَ دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئاً" 8 .
اجتماع زكاة عين مع زكاة تجارة:
- وذلك إذا كان عرض التجارة مما تجب الزكاة في عينه، كالنعم مثلاً، فلا تجب فيه زكاتان، بل تخرج زكاة ما كمل نصابه دون زكاة الآخر، فإذا كان يملك مثلاً في آخر العام ثلاثين شاة، ففي هذه الحال لم تكمل زكاة العين، فإذا قومها بالنقد الذي اشتريت به، وبلغ النصاب، أخرج زكاة التجارة، وهي ربع عشر قيمة الشياه، وإذا اجتمعت الزكاتان معاً قدمت زكاة العين على زكاة التجارة، إلا أنه تجب بالإضافة إلى زكاة العين زكاة صوفها ولبنها.
شروط وجوب زكاة التجارة:
-1 - أن تبلغ قيمة العروض في نهاية الحول نصاباً بالنقد الذي اشتريت به.
-2 - نية التجارة عند كل تصرف، ولو في مجلس العقد، لتتميز عن القِنية.
فإذا قطع نية التجارة، كأن يقصد القنية، أثناء الحول، انقطع الحول.
-3 - اقتران النية بالتملك.
-4 - أن يكون التمليك بمعاوضة، كشراء، أو جعل العروض مهراً في نكاح، أو عوضاً في الخلع، أو صلحاً عن دم، فلا زكاة فيما ملك بغير عوض، كهبة وإرث 1 ووصية، لانتفاء المعاوضة.
-5 - ألا تُنَضَّ 2 عروض التجارة بالنقد الذي اشتريت به، ناقصاً عن النصاب، أثناء الحول، وإلا انقطع الحول.
تعقيبات:
أولاً - زكاة المعامل: ليس على الآلات المستعملة في المعمل زكاة 3 ، وإنما الزكاة على ما هو معروض، سواء أكان بضاعة أو مواد أولية قابلة للبيع.
مثال ذلك: في معمل للنسيج تفرض الزكاة على الغزل غير المنسوج، وعلى النسيج، دون الآلات.
ثانياً - زكاة الأسهم في الشركات: نظراً لأن الأسهم تشمل آلات وبضاعة، فإن تقدير زكاتها يحتاج إلى تحديد مقدار كل منهما.
ولصعوبة هذا وعسره كان الأحوط أن تدفع الزكاة عن ثمن الأسهم، وتقدر بالنسبة للقيمة السوقية في نهاية العام.
ثالثاً - زكاة تجارة العقارات: إذا اشترى المرء عقاراً بقصد التجارة، ودفع ثمنه على أقساط، ثم عرضه للبيع، ولم يتم بيعه، فتخرج الزكاة عن كامل قيمة العقار في نهاية الحول، ويبدأ الحول من اليوم الذي جرت فيه أول مماكسة عليه، ولو لم يتم البيع، على ما قدمنا.
الباب السادس: زكاة الفطر
الغرض منها، حكمها، شروط وجوبها:
- الغرض منها: جبر الخلل الواقع في الصوم، كما يجبر سجود السهو الخلل الواقع في الصلاة، ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين" 1 .
- حكمها: هي فرض، بدليل حديث ابن عمر رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على كل عبد ذكر أو أنثى، من المسلمين" 2 . وفي حديث آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر على الصغير والكبير والحر والمملوك" 3 .
- شروط وجوبها:
-1 - الإسلام: فلا فطرة على الكافر الأصلي.
أما المرتد ففطرته موقوفة، إن عاد إلى الإسلام وجبت عليه، وإلا فلا، وكذلك فطرة من على المرتد مؤنته.
أما قريب الكافر المسلم فعلى الكافر فطرته كما عليه نفقته.
-2 - إدراك جزء من رمضان وجزء من شوال 1 : فمن مات بعد غروب شمس ليلة العيد وجب إخراج زكاة الفطر عنه بخلاف من مات قبل الغروب.
ومن ولد له ولد قبل غروب شمس ليلة العيد وجبت عليه فطرته، بخلاف من ولد بعد الغروب.
-3 - وجود الفضل عن مؤنته ومؤنة عياله في يوم العيد وليلته: وتشمل المؤنة القوت والمسكن وخادماً يحتاج إليه، وثوباً وقميصاً وسراويل وعمامة تليق به، وما يحتاج إليه من زيادة لبرد أو تجميل، وغير ذلك مما يليق به وبممونه أيضاً.
ولا يلزم ببيع ما هيأه للعيد من كعك وسمك ونقل 2 وغير ذلك.
ولا يشترط لزكاة الفطر أن تكون فاضلة عن دينه.
ومن أعسر وقت وجوبها فلا زكاة عليه ولو أيسر بعده.
وإذا كان الزوج معسراً فلا فطرة عليه ولا على زوجته ولو كانت موسرة.
على من تجب زكاة الفطر:
-تجب الزكاة على الشخص عن نفسه، وعمن تلزمه نفقته من المسلمين 1 ، إذ المعروف في قواعد الفقه أن: كل من تلزمه نفقته من المسلمين تلزمه فطرته.
ويستثنى من هذه القاعدة الابن، فلا يلزم بفطرة زوجة أبيه حال إعسار الأب، وإن وجبت نفقتها عليه لإعسار الأب، لأن النفقة واجبة على الأب مع إعساره فيتحملها عنه ابنه، بخلاف الفطرة، فليست واجبة عليه مع إعساره فلا يتحملها عنه ابنه.
ولا يلزم الأب بفطرة ابنه الراشد، أو فطرة الأجنبي، حتى لا يجوز إخراجهما عنهما إلا بإذنهما.
مقدار زكاة الفطر:
- يجب أن يكون المخرج صاعاً من غالب قوت بلده إن كان عن نفسه، ومن غالب قوت بلد المخرج إن كان عن غيره، ويكون غالب قوت البلد قمحاً أو شعيراً أو ذرة، ولا يجوز إخراجها من قوت أدنى من المعتاد إنما يجزئ القوت الأعلى 1 ، ولو لم يكن غالباً، عن القوت الأدنى.
وترتيب الأقوات من الأعلى إلى الأدنى كما يلي: البُر، السلت 2 ، الشعير، الذرة، الأرز، الحمص، العدس، الفول، التمر، الزبيب، اللبن، الجبن، والمعتبر في غالب قوت البلد غالي قوت السنة لا غالب قوت وقت الإخراج.
وإذا لم يملك الشخص قدراً يكفي عن جميع من تجب عليه نفقته أخرج عن نفسه ثم عن زوجته، ثم ولده الصغير، ثم أصوله الذكور، ثم أصوله الإناث.
ومن لم يوسر بصاع بل ببعضه لزمه ذلك البعض محافظة على الواجب، لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) 3 ، ولمتا هو معروف في قواعد الفقه من أن: "الميسور لا يسقط بالمعسور" فإن لم يستطع إلا نصف صاع أو ربعه أخرجه 4 .
وقتها:
- يجوز إخراجها في أول رمضان 1 ، ويسن إخراجها قبل صلاة العيد للاتباع، ولكف المحتاجين عن السؤال يوم العيد، ويكره تأخيرها إلى آخر يوم العيد، ويحرم تأخيرها عن يوم العيد بلا عذر 2 ، ولا تسقط.
الباب السابع: أداءُ الزّكاة
دافع الزكاة:
- تدفع الزكاة من قبل مالك المال عن نفسه، أو يدفعها عنه وكليه 1 ، أو يقوم إمام المسلمين أو نائبه بتوزيعها بعد جمعها من دافعي الزكاة، وإن طلبها الإمام، ولو جائراً، عن مال ظاهر، كالماشية، والزروع والثمار، والمعدن، فيجب أداؤها له، لكن ليس للإمام طلبها عن مال باطن، وهو النقد والركاز، وألحقوا بذلك زكاة الفطر.
وتجب النية في أدائها من قبل المالك، أو من قبل الإمام بإذن المزكي، وتكون النية بأن يقصد معنى قوله: هذه زكاتي، أو فرض صدقة مالي.
وإن كان للمالك دين على شخص فقال له: جعلت ما عليك من زكاتي، أو قال في نفسه: جعلت هذا الدين زكاة مالي، فإن ذلك لا يجزئه.
وإن طلب المدين 2 من الدائن 3 أن يعطيه زكاة ماله على أن يدفعها له عن الدين، ففعل، أجزأه ذلك 4 . وإن كانت للشخص وديعة وردها إليه من ودعت عنده، فأعطاه إياها عن الزكاة أجزأه ذلك أيضاً.
ويسن للشخص دفعها عن طيب نفس.
تعقيب: لا يمكن للزوجة أن تخرج زكاة زوجها، التي لا يقوم بإخراجها، من مالها الذي أخذته منه، لأنه لا بد من نية صاحب المال أو موكله، كذلك الحال بالنسبة للابنة عن أبيها، أو الأخت عن أخيها.
ولا تستطيع إخراجها من ماله المودع عندها كأمانة، ما لم يأذن لها بذلك.
والدليل ما روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قام خطيباً، فقال في خطبته: (لا يجوز لامرأة عَطِيَّة إلا بإذن زوجها) 5 . أما إن كانت موكلة على هذا المال، وأمنت حدوث فتنة حين يعلم بإخراجها الزكاة من ماله فلها أن تخرجها، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها، غير مفسدة، لها أجرها، وله مثله، وللخازن مثل ذلك، له بما اكتسبت، ولها بما أنفقت) 6 .
وقت تأديتها:
- يجوز تعجيل الزكاة في أثناء الحول، قبل تمامه، بشرط أن يبقى المالك أهلاً للوجوب إلى آخر الحول، وأن يكون القابض آخر الحول مستحقاً، وإلا لم تجزئه زكاته 1 .
ويحرم على المالك نقل الزكاة من محل وجوبها 2 إلى مسافة القصر فأكثر، مع وجود المستحقين فيه، ولو كان ذلك بغية إعطائها لقريب، لكن يستطيع الاحتفاظ بها إلى حضور ذاك القريب إلى بلده.
أما الإمام فلا يحرم عليه نقلها.
لمن تعطى الزكاة:
- يجب صرف الزكاة إلى الموجودين من الأصناف الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل﴾ 1 وإنما للحصر، فلا تصرف إلى غير ما ذكر، وهذا مجمع عليه، ولكن اختلف في استيعابهم، فعند السادة الشافعية يجب دفعها للأصناف الثمانية، إلا العامل فيجوز أن يكون واحداً إن حصلت الكفاية به، لكن في هذا عسر، لذا اختار بعض الشافعية جواز صرفها لواحد، ولا بأس بتقليده في زماننا هذا، وقال بعضهم: لو كان الشافعي حياً لأفتى به 2 .
شرح الأصناف الثمانية:
-1 - الفقير: هو من لا مال له أصلاً، ولا كسب من حلال، أو له مال أو كسب دون أن يكفيه أيّ من ذلك، بأن كان أقل من نصف الكفاية، وتعتبر الكفاية بالنسبة للعمر الغالب، وهو اثنان وستون سنة 3 . وإذا كان الشخص ذو الصفات السابقة يملك نصاباً فأكثر، فإنه يعطي زكاته، مع كونه هو أهلاً لأخذ زكاة غيره.
ويعتبر من حاجياته المطعم والمسكن والملبس وغيرها مما لا بد منه له ولمن عليه نفقته، ومما يليق بحاله من غير سرف ولا تقتير، وكذا الحاجيات التي أصبحت اليوم من الضروريات كالبرادة والغسالة وآلات طهي الطعام الحديثة، أما المذياع والتلفاز فليسا من الضروريات.
-2 - المسكين: هو من له مال أو كسب، أو كلاهما معاً، مما يكفيه بمقدار خمسين إلى تسعين في المائة من حاجياته.
وهكذا يكون المسكين أحسن حالاً من الفقير.
ويمنع الفقرَ والمسكنة كفايةُ الشخص بنفقة قريب أو زوج لانتفاء الحاجة عندئذ.
ولا يمنع الفقر أو المسكنة امتلاك الشخص لمسكن أو خادم، كذا الثياب ولو للتجميل، وكتب يحتاج إليها، ومال غائب عنه هو منه على بعد مرحلتين أو أكثر، أو مال مؤجل، وهنا يعطى الزكاة إن لم يجد من يقرضه ما يكفيه إلى أن يصل ماله أو يحل الأجل.
وكذا لا يمنع من وصف المرأة بالفقر والمسكنة أنها تملك حلياً تتزين بها بحسب العرف.
ويعطى الفقير والمسكين من الزكاة، مقدار ما يخرجه من الحاجة إلى الكفاية على الدوام، كأن يعطى ثمن آلة ليشتغل عليها، إن كان قادراً على الكسب، إما إن كان عاجزاً عن الكسب فيعطى بمقدار ما يسد حاجته خلال سنة على أرجح الأقوال.
-3 - العامل: ويشمل كل من استعمله الإمام لجباية الزكاة من جامع الزكاة والكاتب 4 والقاسم 5 والحاشر 6 ، دون القاضي أو الوالي، ويجب أن يكون فقيهاً في الزكاة عالماً بأحكامها.
وتُعطى الزكاة ولو كان غنياً على سبيل الأجرة، فيعطى بقدر أجر مثله، وذلك إذا لم تكن له أجرة مقدرة من قبل الإمام.
-4 - المؤلفة قلوبهم: وهم أربعة أقسام، كلهم مسلمون 7 : - 1 - ضعيف الإيمان الذي أسلم حديثاً، فيعطى منها ليقوى إيمانه.
- 2 - من أسلم وله شرف في قومه ويتوقع بإعطائه من الزكاة إسلام غيره من الكفار، فيعطى ولو كان قوي الإيمان.
- 3 - مسلم قوي الإيمان يتوقع بإعطائه أن يكفينا شر من وراءه من الكفار.
- 4 - مسلم يكفينا شر مانعي الزكاة.
-5 - الرقاب: هم المكاتبون 8 مكاتبة صحيحة، فيعطون ما يعينهم على العتق إن لم يكن معهم ما يفي بنجومهم 9 . أما مكاتبو المزكي فلا يعطون من زكاته لعود الفائدة إليه من كون المعطى ملكه.
-6 - الغارم 10 : وأقسامه ثلاثة: -1- مدين لتسكين فتنة بين طائفتين، في قتيل لم يظهر قاتله، فيقضى دينه من سهم الغارمين، سواء كان غنياً أو فقيراً 11 . وكذلك لو استدان لمصلحة عامة كبناء جامع.
-2- من استدان في مصلحة نفسه أو عياله 12 ، وصرف ذلك في مباح أو في معصية ثم تاب 13 . -3- من عليه دين بسبب ضمان لغيره، وكان معسراً هو والمضمون، إذا كان الضمان بإذنه، أما إن تبرع هو بالضمان دون إذن المضمون فيعطى متى أعسر هو ولو أيسر المضمون.
ويعطى الغارم من الزكاة ما يسد دينه.
-7 - في سبيل الله: هم الغزاة الذكور المتطوعون بالجهاد، وليس لهم نصيب من المخصصات للغزاة في الدولة، فيعطون من الزكاة ولو كانوا أغنياء، إعانة لهم على الغزو، ويجب على كل منهم أن يرد ما أخذه إن لم يغر، وكذلك ما فضل بعد الغزو.
-8 - ابن السبيل: هو من ينشئ سفراً من بلد الزكاة، أو يكون مجتازاً لها، فهذا يعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده أو ماله بشرط كونه محتاجاً عندئذ، وبشرط ألا يكون عاصياً بسفره، فلو سافر لمعصية لم يعط، وكذا الهائم في سفره دون هدف، فإنه لا يعطى أيضاً.
من لا يجوز دفع الزكاة إليهم
وخمسة لا يجوز دفع الزكاة إليهم:
-1- الغني بمال أو كسب.
-2- العبد غير المكاتب، لأن العبد غني بسيده 1 .
-3- بنو هاشم وبنو المطلب ومواليهم، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث رضي الله عنه: (إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) 2 ، ولما رواه ابن عباس رضي الله عنهما من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابني عمه: (لا يحل لكما أهل البيت من الصدقات شيء، ولا غسالة أيدي الناس، إن لكم في خمس الخمس لما يكفيكم) 3 . ولا تجوز لمواليهم لأنهم منهم، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مولى القوم من أنفسهم) 4 .
ولكن يجوز لهم أخذ صدقة التطوع، فالممنوع عليهم صدقة الواجب فقط.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فيمتنع عليه كل من الصدقة الواجبة والمندوبة، لأنها لا تليق بمقامه الشريف.
-4- الكافر: لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه، حين بعثه إلى اليمن: (فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) " 5 أي فقراء المسلمين، فلا حق للكافر فيها 6 .
-5- من تلزم المزكي نفقته؛ فلا يدفع زكاته إليه باسم الفقراء والمساكين، لكن يجوز دفعها إليه باسم الغزاة أو الغارمين أو العاملين أو المؤلفة قلوبهم.
ويجوز إعطاء زكاة الأب إلى الابن البالغ إذا كان فقيراً أو مسكيناً، لأنه غير ملزم بالنفقة عليه، أما إذا كان عاجزاً عن الكسب فلا يجوز أن يعطى زكاة أبيه، لأن الأب عندئذ ملزم بالنفقة عليه وعلى أولاده، فيكون غنياً بأبيه.
أما الابنة، فإن أباها ملزم بالنفقة عليها ما دامت في حجره، وليس لها عمل يكفيها، فإن تزوجت، أو صار لها عمل يليق بها، لم يعد ملزماً بنفقتها.
وعلى هذا يمكنه أن يعطي زكاته لزوجها إن كان فقيراً أو مسكيناً.
ويمكن أن يوكلها بدفعها إن كانت ثقة.
ويجوز للزوجة أن تعطي زوجها زكاة مالها إن كان فقيراً أو مسكيناً، ولو أنفق ذلك عليها.
أما إعطاؤه الزكاة من أجل التوسعة فلا يصح.
ودليل صحة إعطائها الزكاة له حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه "أن زينب امرأة مسعود جاءت تستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: يا رسول الله هذه زينب.
فقال: (أي الزيانب؟) فقيل: امرأة ابن مسعود.
قال: (نعم، ائذنوا لها) . فأذن لها.
قالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم) " 7 .
ويجوز إعطاء الزكاة لامرأة مريضة لتصرفه على مرضها، حتى ولو كان لها زوج ميسور، إلا أنه لا يصرف عليها.
ويصح إعطاء الأخت زكاتها لأخيها الشاب الذي له مورد يكفيه، إذا كان لا يستطيع الزواج لعدم توفر المهر له، حتى ولو لم يتزوج فوراً بعد تمليكه المال.
كما يصح إعطاء الزكاة لامرأة تقوم بتربية طفل أو طفلة، لتنفقها عليه، حتى لو كان الطفل أخاً لها أو أختاً وليس لهما أصل غني تجب عليه نفقتهما، ومثل ذلك اللقيط الذي لا مال له، حتى لو لم تكن المرأة المربية فقيرة.