ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكامصفحات 640-679
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب مسائل الاحتساب

صفحات 640-679
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو الأصبغ
الكتاب
ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام
المؤلف
عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي الجياني القرطبي الغرناطي أبو الأَصْبَغ (المتوفى: 486هـ)
المحقق
يحيي مراد
الناشر
دار الحديث، القاهرة - جمهورية مصر العربيةعام النشر: 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أصبغ عن أشهب.
قال أصبغ: سالت أشهب، وساق المسألة، وهذا كله قد كان كفاه إياه من تقدمه بفتياه، وصار لذلك جوابه من الحشو الذي لا يحتاج إليه، ومن التكرار الذي لا يعول عليه، وكان يحسبه أن يختار أحد القولين أو يحمل القاضي – كما فعل أخيرًا – على اختيار أحد المذهبين إلى ما في كلامه من المحال، وقبيح نظم المقال ك قوله: وهو ما قد سمعته وقرأه عليك أصحابنا من رواية زونان وأصحابه، لم يقرؤه على القاضي، إنما جاوبوه به كتابًا ومخاطبة، فرآه هو مسطورًا من جوابهم، فلم يقرءوه هم عليه ولا سمعه هو منهم، إنما كان وجهه أن يقول: وهو ما قد جاوبك به أصحابنا مما أفتوك به وكتبوا إليك بنصه، أو يقول: وهو ما قد رأيته وقفت عليه من أجوبة أصحابنا أو ما كان في معنى هذا.
وقوله: فأحكي لك ما في أحد ذينك الكتابين قبل الباب الذي قرئ عيك أو بعده، وهذا غير معقول ولا يقع عليه تحصيل لأنه ذلك كتابين، وإنما هو كتاب واحد، وهو كتاب السلطان، وفيه سماع أصبغ وسماع زونان، ثم قال: قبل الباب الذي قرئ عليك أو بعده، فأتى باختلاط هو أشبه بالهذيان منه بالبيان.
فإن كان أراد أنه يحكي ما في سماع أصبغ، وعني بالكتابين السماعين، فما الذي دعاه إلى الشك في كون ما يحكيه قبل ما جاوب به غيره أو بعده وهو قد نقل ما في سماع أصبغ على نصه من كتابه؟ ألم ير سماع أصبغ بعد سماع ابن الحسن بعينه؟ فما له ولا دخل الشك في لفظه، ولو تتبعت جواب كل واحد منهم بمثل هذا الانتقاد حتى أنزل الألفاظ منازلها، وأطبق المعاني مفاصلها لطال الكتاب وصرنا إلى الإسهاب، وفيما نشير إليه مقتنع لأولي الألباب.
وبالجملة فإن علم أكثر القوم قليل، ونظرهم عليل، وقد تقدم كرنا لما استشهد به ابن لبابة منهم إذ ذلك عنده من كان يشاور معه، والتوفيق من الله لا يهدي إليه سواه، وقد كر ابن حبيب رحمه الله هذه المسألة في كتابه بأحسن مساق، وأعذب الألفاظ، وأبين معان مما وقع في العتبية، ولم يذكر ذلك كل واحد منهم ولا خرجوا عما في العتبية، فدل على مغيب ما في كتاب ابن حبيب عنهم وعزوبه عن ذكرهم، ورأيت نقله إذا فيه تتميم لمسألتهم، وبرهان واضح على علو قدر أصبغ ببلده وفي غير بلده، بخلاف ما توهمه فيه من جهل منزلته من هؤلاء المفتين.

قال ابن حبيب: سألت مطرفًا وابن الماجشون عن الرجل يبني أبرجة في الطريق ملصقة بجداره، هل يمنع من ذلك ويؤمر بهدمها إذا فعل؟ فقالا لي: نعم ليس له أن يحدث في الطريق شيئًا ينتقصه به، وإن كان أبقى من الطريق واسعًا لمن سلكه، قلت لهما: فالرفوف والعساكر تظل على الطريق، هل يمنع من ذلك عاملها؟ قالوا: لا لم تزل هذه العساكر والرفوف يتخذها الناس ويظلون بها على الطريق، فلا أرى أن يمنع أحد من ذلك ما لم يضر بأحد.
قلت لهما: فالكشف التي تتخذ في الطريق، ويحفرها الرجل في الطريق بلصق جداره ثم يواريها هل يمنع من ذلك؟ قالا: إذا واراها وغطاها، واتقن غطاءها، وساواها بالطريق حتى لا يضر مكانها بأحد فلا أرى أن يمنع، وما كان من ذلك ضررًا بأحد منع.
قال ابن حبيب: وسألت أصبغ بن الفرج عن ذلك، فقال لي مثل قولهما في الرفوف والعساكر والكتف.
وقال لي في الأبرجة التي تبنى أن ذلك له أيضًا إذا كان ما وراها من الطريق واسعًا، قال لي أصبغ: وذلك أن عمر بن الخطاب قضى بالأفنية لأرباب الدور، قال لي: فالأفنية دور الدور كلها؛ مقبلها ومدبرها، ينتفعون بها ما لم تضيق طريقًا أو تمنع مارة أو تضر بالمسلمين فإذا كان لهم الانتفاع بغير ضرورة حموه إن شاءوا، ومن اخل منهم في بنيانه ما كان له أن يحميه ببروج تشد داره أو حظير حظره وزاده في داره، لم أر أن يعرض له ولا يمنع إذا كانت الطريق وراءه واسعة منبسطة، لا تضر بوجه من الوجوه ولا تضيق.
قال: وأكره له أن ابتداء أن يحظره أو يدخله في بنيانه مخافة الإثم عليه فإن فعل لم أعرض له فيه بحكم ولا أمنعه منه وقلدته منه ما تقلد وقد بلغني أن مالكًا كره له البنيان وأنا أكرهه بديا فإذا فات على ما وصفنا لم أر أن يعرض له فيه.
قال لي أصبغ: وقد نزل مثل هذا عندنا واستشارني فيه السلطان وسألني النظر إليه يومئذ، فنظرت فرأيت أمرًا واسعًا جدًا، فجًا من الفجوج، وكان له أيضًا في وجه جداره في القنا محط محظر عن الطريق يجلس فيه، ويجتمع فيه الباعة، فكسره وأدخله في بنيانه، فرأيت ذلك كله له واسعًا، وأشرت به على السلطان فحكم به، وسألت عنه أشهب يومئذ فذهب مذهبي، وقال مثل قولي.
فأي دليل أدل على علو شأن أصبغ ببلده من هذا أن لي علو على قوله في هذه

النازلة، ويعمل فيها برأيه، ويعتمد سلطانه في ذلك على نظره وشيخه أشهب بحضرته وموافق له وقد دعوى إلى القضاء ببلده مصر، ثم أدركته مطالبة ممن حسده وغض منه بأنه مولى فلم ينفذ ذلك، وساذكر ما حضرني من فضائله بعد إكمال هذه المسألة إن شاء الله.
قال ابن حبيب: وقول مطرف وابن الماجشون فيه أحب إلي وبه أقول، ألا يكون له أن ينقص اطريق والفناء ببنيان يشد به جداره، أو يدخله في داره، وإن كانت الطريق وراءه صحراء في سعتها، لأنه حق لجميع المسلمين، ليس لأحد أن ينتقصه كما لو كان حقًا لرجل لم يكن لهذا أن ينتقصه إلا بإذنه ورضاه، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقه طوقه يوم القيامه من سبع أرضين 1 ". وإنما تفسير قضاء عمر بن الخطاب بالأفنية لأرباب الدور الانتفاع للمجالس والمرابط والمصاطب وجلوس الباعة فيها للبيوعات الخفيفة في الأفنية وليس بأن تحاز بالبنيان والتحظير، وكذلك سمعت من أرضى من أهل العلم يقول في تأويل ذلفك، ثم ذلك ابن حبيب خبر عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – في هدم كير الحداد وأثرًا عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في اقتطاع الأفنية أو الطرق أو الوعيد في ذلك.
وفي المجموعة روي ابن وهب عن ابن سمعان أن من أدرك من العلماء قالوا في الطريق يريد أهلها بنيان عرصتها: أن الأقربين إليها يقتطعونها بالحصص على قدر ما شرع فيها من رباعهم، فيعطي صاحب الريعة الواسعة بقدر ما شرع فيها من ريعهم، وصاحب الصغير بقديرها ويتركون لطريق المسلمين ثمانية أذرع.
قال القاضي: وهذا أشد مما أنكره منكرهم من قول أصبغ؛ لأن أصبغ كرهه ابتداء ورأى أن تركه لمن فعله إذا كان واسعًا رحراحًا فجًا من الفجوج.
وقال ابن أبي زيد في نوادره: قال لنا أبو بكر بن محمد: اختف أصحابنا فيمن تزيد في بنيانه من الفناء الواسع أن يضر فيه بأحد، فروي ابن وهب عن مالك أنه ليس له ذلك، وقال عنه ابن القاسم: لا يعجبني ذلك.
ولابن وهب عن ربيعة في المجموعة من بني مسجدًا في طائفة من داره فلا يعجبني ذلك.
ولابن وهب عن ربيعة في المجموعة من بنى مسجدًا في طائفة من داره فلا

يتزيد فيه من الطريق، وقال مالك: لا بأس بذلك إن كان لا يضر بطريق الناس.
وفي كتاب ابن سحنون: سأله حبيب عمن أدخل في داره من زقاق المسلمين النافذ شيئًا، فلم يشهد به الجيران إلا بعد عشرين سنة.
قال: إذا صحت البينة فليرد ذلك إلى الزقاق ولا تحاز الأزقة وفي موضع آخر: إن كان ضرر ذلك بينًا ولا عذر للبينة في ترك القايم بلك فهي جرحه، وهذا كله لم يقف القوم عليه ولا بلغته مطالعتهم، ولو علموه لنقلوه وآثروا ذكره وسطره على تكرار بعضهم كلام بعض بما لم يحل منه بطائل ولا جيء فيه بمعنى زائد.
وقول محمد بن غلاب: والعجب من الذي اختار قول أصبغ كيف فارق عمر وهو أعجب مما تعجب منه؛ لأنه تلم بغير تدبر وأنكر قبل أن يفكر؛ لأن قول أصبغ قد رواه عن أشهب فصار مختار ذلك مختارًا لقولهما، وقد أقر ابن غالب في جوابه ذلك بإمامة أشهب، فقد سلم لمخالفه أنه اختار قول إمام هذا الاحتجاج عليه من كلامه، ولو أنكر إمامه أشهب لم يكدح ذلك في إمامه أشهب، ولا في فقهه ورسوخه وتقدمه، كما لم يكدح قوله في تقدم أصبغ عيه، ومجاراته لشيوخه في العلم وانتقاده عليهم في كثير من المسائل.
أعرب أبي غالب بذلك الكلام عن جهل نفسه، وسجل عليها باتابع كله ناعق وبارتفاع الحقيقة عنده في العلم بأصبغ وعلمه وتقدمه، وحصل في الطائفة المذمومة المذكورة في تفسير علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – الناس حيث قال: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، الحديث.
وقول أصبغ وروايته عن أشهب ينضاف إليهما ما ذكره ابن سمعان عمن أدركه من العلماء، ويوشك أن يكونوا من التابعين، مع اختلاف قول مالك في هذا الأصل.
ومن استظهر بهذا كله في جوابه لا يشنع عليه مخالفة عمر – رضي الله عنه – لأن هؤلاء كلهم لم يخالفوه إلا إلى أصل، ولا اجتمعوا على القول به إلا عن علم، مع أن حديث عمر وجواب أصبغ ومن وافقه مختلفًا المعنى في الظاهر؛ لأن المعهود في طرق الأسواق وأزقتها الضيق في مساحتها فمنع عن أن ينتقص منها، وهي مجتمع للناس فهم محتاجون إلى حيث يجولون ويتصرفون.
وكذلك في حديث عمر أنه قال، حين أمر بهدم الكير: تضيقوا على الناس السوق

والطريق، في مسألة أصبغ كان واسعًا ظاهر الاتساع، غير مضر بالمارة فكان الاستحسان عنده لمن يريد مثل هذا الطريق أن يترك لئلا يفسد عليه ما بني ويذهب إنفاقه باطلاً، ولعله كان مضطرًا إلى ذلك لضيق ساحة داره، وتقصيرها عما يقوم به في مسكنه، فالمختار لقوله على هذا غير مخالف بل مجتهد في النظر واضع للاستحسان في موضعه، والله ولي التوفيق.
ولما لم يجد ابن غاب عند نفسه علمًا يورده ولا برهانًا على مخالفة يعضده قام مقام الحصر فهذي وخرج عن ذلك المعنى، كما اعترى مصعب بن مقاتل أخو حيان بن مقاتل، خطب خطبة نكاح فحصر فقال: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فقالت له أم الجارية: الهذا دعوناك؟! عجل الله موتك.
وحضر عبد الله بن عامر على منبر البصرة فشق ذلك عليه، فقال له زياد: لا يشق ذلك عليك أيها الأمير، إنك إن أقمت أكثر من ترى عرض لهم ما عرض لك، فقيل لرجل من الوجوه: قم فاصعد على المنبر وتكلم، فلما صعد حصر فقال: الحمد لله الذي يرزق هؤلاء ويكسوهم، وبقي ساكنًا فأنزله، وصعد آخر فلما استوى قائمًا وقابل وجوه الناس وقعت عينه على صلعة رجل، فقال: اللهم العن هذه الصلعة.
ومثله كثير.
وكذلك ابن غالب سئل عن مسألة لم يكن عنده فيها إلا ما قد جاوب به غيره فعدل إلى الغض من العلماء، وظن أن ما سمعه من محمد بن عبد الحكم، ويونس بن عبد الأعلى في أصبغ بن الفرج – رحمه الله – بعض منه ويكدح يه، وهيهات هيهات من ذلك، ولم يعلم أن ابن وهب قال: لا تجوز شهادة القارئ على القارئ يعني العلماء لأنهم أشد الناس تباغيا وتحاسدا، وقاله الثوري للبغي والمنافسة ومن طريق المحاسدة، قال القطان وابن مهدي: سمعناه يقول: ما أخاف على دمي إلا الفقهاء والقراء.
زاد غيرهما: ممن أصحابي.
قال القاضي: هكذا نصه في المبسوطة وأين محمد ويونس من أصبغ، وفي أصحاب أصبغ المتفقهين عليه الحالمين عنه المقدمين له مع كبار أصحاب مالك من يساويهما أو يشف عليهما، مثل عبد الملك بن حبيب، ويحيى بن إبراهيم بن مزين، بالأندلس، وابن حبيب عالمها، كما قال ابن لبابة، بل قاله عنه سحنون لمانعي له ابن حبيب قال: مات عالم بالأندلس، بل والله عالم الدنيا.
ذكره الزبيدي عنه في كتاب النحويين له وهو يقول في غير مسألة من

الواضحة إذا كان فيها تنازع: قال هذا كبار أصحاب مالك/ المغيرة وابن دينار وأشهب وفلان وفلان وأصبغ فيجعله معهم ويسميه في جملتهم.
ومن كبار أصحابه المشهورين محمد بن إبراهيم بن المواز عليه وعنده تفقه على جلالته وتدقيقه للمسائل وتنقيحه، وأبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم الأندلسي صاحب الثمانية معولة فيها عليه وعلى مطرف وابن الماجشون، ولو لم يحمل عنه إلا بعض هؤلاء لكان منقبة لا يخفي سبقه وتقدمه معها وأني للمذكورين مثل هذه الدرجة.
اما محمد فإن ابن حبيب وابن المواز قد ساويا بين أبيه وأصبغ في حملهما عنهما وتفقهما عندهما، ومحمد أكثر علمه عن الشافعي محمد بن إدريس، حضه أبوه عبد الله بن عبد الحكم على الاختلاف إليه والأخذ عنه والتعويل عليه ومع ذلك فمحمد بن عبد الله فقيه كبير محسن، وأما يونس بن عبد الأعلى فلا ذلك له في هذا المعنى، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وقال فضل بن سلمة راسخ المذهب في وقته وبعده: أخبرني يوسف بن يحيى المقامي، عن عبيد بن سعيد، قال: قدمت على أصبغ بن الفرج، فلما حان توجهي إلى المدينة كتب معي إلى عبد الملك بن الماجشون يسأله أن يجيز له كتبه، فلما قدمت عليه أعلمته بكتابه إليه وهو يومئذ قد كف بصره، فقال لي: اقرأه فلما قرأته.
قال لي: اكتب إليه: أشخص للعلم إن كنت تريده فإنما العلم لمن شخص إليه.
قال: فذاكرته حال أصبغ، فقال لي: ما أخرجت مصر مثل أصبغ، قال: قلت له: ولابن القاسم؟ قال: ولا ابن القاسم.
قال عبيد بن سعيد: كلفًا من ابن الماجشون بأصبغ.
قال فضل: وأخبرني يوسف، عن يحيى بن إبراهيم، قال: لما قدمت على أصبغ سلمت عليه وهو محتب، فأخرج يده من تحت حبوته، وكنت أعرف مروءة أصحابنا بالأندلس، فقلت في نفسي: لقد ضاع سفري إلى هذا الرجل، ثم جلست فلما خاض في العلم، قلت في نفسي: ما يضرك لو أخرجتها على طوقك، يعني يده.
وقال يوسف: قال ابن مزين: أو غيره من أشياخنا: مرض أشهب فدخل عليه عواده، وفيهم أصبغ، فلما خرج من عنده قالوا: يا أبا عمرو من لنا بعدك؟ قال: هذا الخارج عنا، وأخبرنا يحيى قال: كان ابن وهب يقول: يا أصبغ، لولا أن يكون بدعة لسورناك كما تسور الملوك فرسانها.

قال القاضي: هذه هي الشهادة القاطعة لتعظيم أصبغ لا قول حاسد باغ، وكله غاب عن تحصيل ابن غالبن ولم يكن في علمه، وقال في جوابه: ورأيت أصحابنا قالوا بهدم الحائط إلا أنهم شرطوا.
حتى يذرع ما اقتطع.
وأنا أقول باجتهادي: أن الحائط مضروب في غير حقه بإجماع من الشهود، فهدمه واجب إذ صار جسمه أجمع موضوعًا في غير حقه، ثم يكون التذريع من بعد مصحف اللفظ والمعنى.
فأما اللفظ فقوله: حظروا الهدم حتى يذرع لأنهم لم يذكروا تذريعًا، إنما قال بعضهم: يهدم بعد سير الشهود إلى الموضع وحيازتهم إياه وهذا هو الفقه بعينه والعمل الذي لا يجوز الحكم بغيره، كما أنه لا يقضي القاضي بما شهد فيه وثبت عنده من الأصول للمشهود له إلا بعد حيازة الشهود لذلك، وبعد الشهادة والحيازة يكون الإعذار وبه جرى العمل، وقد تقدم هذا في صدر الكتاب، والحمد لله، وأصلح هذه الأجوبة جواب أبي صالح، ومن وافقه.
ذلك هدم الحائط على الحاجب ابن السليم: إنما تركنا التسجيل في الحائط الذي هدم سعيد بن السليم خروجه به على المحجة، فإن ذلك شيء اختلف فيه أهل العلم علينا، فذهب بعضهم إلى ألا يهدم، وكثر في ذلك بالعلل، فلما اختلفوا كان عند القاضي في علمه أنه قد خرج ولا يعرف القدر، ولمي يجز أن يحكم بعلمه فلما شهد به عنده رجلان يعرفهما إلى علمه، وزادا في معرفة الحيازة رأي إمضاء الهدم.
والأخذ في ذلك بقول من رأى هدمه اجتهادًا منه، ورد ما أخذ من الطريق وترك التسجيل لقول من لم يرد الهدم فتوسط أقاويلهم، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "خير الأمور أوسطها 1 " وجائز للحكم أن يتوسط فقد جاء عن عمر بن الخطاب أنه أتى بامرأة زنت فكشفها فقالت: زنيت بمرغوش بدرهمين، تستهل بالزنا مع رجل سمته بمرغوش فكشف من حضره، فقال له علي وعبد الرحمن بن عوف: نراها تستهل بالزنا فعليها الرجم، فقال

لعثمان: ما تقول؟ فقال: قد أفتاك أخواك، فقال له: لتقولن، فجلس على نفسه وكان مضطجعًا فقال: تراها تستهل بالزنا، كأنها لا تعرفه وإنما الحد على من عرفه، فقال عمر: أجل إنما الحد على من عرفه وضربها مائة قاله محمد بن غالب.
ركوب القاضي مع الفقهاء إلى معاينة حائط فيه تنازع: وقنا مع القاضي - وفقه الله وسدده - إلى الدارين اللتين فيهما عيسى بن دينار وأمينة وحواء ابنتا إبراهيم بن عيسى في الترس الحاجز بين داريهما بغربي دار المرأتين، وبشرقي دار ابن دينار، فرأينا عضادة في جبهة الترس إلى الجوف على الشارع، وعلى العضادة على الحائط الذي من دار المرأتين على نحو الشير.
ورأينا هذه العتبة عتبة موصولة بعضها بالية إلى ناحية دار المرأتين وقد خرجت الجديدة نحو الترس الذي تنازعا فيه على قدر العضاة أو خارج قدر أربع أصابع دون العتبة البالية إلا أنها أخذت عرض الترس، وفي طرف هذا الجديدة الكلب الذي يجب عليه الرف، وسمعنا الشهادات الواقعة للمرأتين بأن الترس من داريهما إلى ما رأينا عيه من رف خارج على الترس نحو الذراع، يدل على أن الترس للمرأتين مع عقد الطابية العليا التي تحت السقف.
فيجب - والله الموفق للصواب - أن يترك عتبة ابن دينار الباية كما هي، وينزع الكلب الخارج الذي فيه الترس الذي شهد فيه، ويقطع من العتبة الجديدة بحيال الترس لا يزاد عليه، ويدخل فه مكان الخشب طوب، ولا تمنع المرأتان من الانتفاع بحائطهما في أعلاه وأسفله.
ولا يمس من عتبة ابن دينار البالية شيء إلا أن يكون عند ابن دينار في الشهود الذين قطعوا بأن الترس للمرأتين مدفع، فينظر القاضي وفقه الله في ذلك بما يريده من الحق إن شاء الله.
فإن كان في مدفعه ما يسقط الشهود ويستحق به الترس لإقامته البينة على ذلك، ولم يكن للمرأتين في ذلك مدفع حكم بالترس لابن دينار، وإن لم يكن في مدفعه ما يستحق به الترس ويسقط به الشهود فإن للمرأتين حجة في الترس بالعقد الظاهر فيجب لهما مع أيمانهما.
قال بذلك عبيد الله بن بيحيى، ومحمد بن لبابة، ومحمد بن وليد وسعد بن معاذ، ويحيى بن سليمان، وأحمد بن يحيى.

قلتم أكرمكم الله: أن المرأتين تستحقان الترس بعد أيمانهما، مع العقد الظاهر، ولم يأت ابن دينار بأحد يشهد له على الترس ولا بمدفع إلا ما قد عرفتم في أهل المسجد وشكيته بهم، وقد انصرمت الآجال في أهل المسجد وغيرهم، فهل يجب نزع ما ذكرتم في كتاب المشورة من الكلب ووصل العتبة الجديدة وما عليها من الرف على ما لخصتم في كتاب المشورة لو لم يشهد للمرأتين شهود من غير أهل المسجد مع يمينهما والعقد الظاهر الذي ذكرتم؟ أم لا يجب ذلك إلا بالبينة التي شهدت من غير أهل المسجد؟ أوضح لنا رحمك الله ما أرادته من ذلك.
قال محمد بن لبابة: فهمت – أكرم الله القاضي، والشورى صحيحة إن تدبرتها وإنما قلنا: إذا تمت للمرأتين شهادة الشهود الذين شهدوا تم لهما ما قلنا من نزع الكلب في الوصل، وإن سقطت شهادتهم بما شكي من عداوتهم له وتظاهرهم عيه عادت المرأتان في الفتيا إلى ما قاله أهل اعلم أن الترس الذي له العقد، وبقول ابن الماجشون وأشهب: مع أيمانهما.
ويترك ما وجد فيه كما وجد لا يقلع، وليكن – أكرمك الله – رأيت من الرف والعتبة دليلا واضحًا ما يثبت به للمرأتين الترس ولا يقلع ما وجد فيه لابن دينار إلا ببينة تقطع، إلا فحسب الفريقين أن يتركوا على أن الترس للمرأتين وفيه لابن دينار خشب، ونسأل الله توفيقك وتسديدك على ما قلدك.
من أحد درجًا في داره وبلصق جاره وأدخل فيه خشبًا ومطبخًا يؤذيه دخانه: قام عند الوزير صاحب الأحكام بقرطبة محمد بن الليث بن يحيى بن جعد بن مضح، وهند على إشراق مولاة محمد بن حي وقالا: إنها أحدثت في دارها بلصق الحائط الجوفي من دارهما التي بداخل مدينة قرطبة بالموضع المعروف بالتحيل بحومة مسجد أبي رباح درجًا يصعد عليه إلى غرفة لها وأن ذلك يضر حائطهما، وإنها أدخلت أطراف عتبتين في غراب مجلس دارهما وأطراف فرش غرفة أحدثتها لمطبخ دارها، وقالا: إن دخان هذا المطبخ يؤذي ساكني دارهما.
وأنكرت إشراق الأحداث، وأقرت لهما بالحائط، وثبت عنده إقرارهما وأن الغراب من حقوق دارهما وأن ملكهما مع سائر الدار لم يفوتا شيئًا من ذلك في علم شهدائه وحيز ذلك، وشهد عنده ابن الندى أنه يعرف الحائط المذكور منذ نحو عشرين عامًا لا درج

بجوفيه وأن الغراب لمي يكن يتعلق منه فرش غرفة ولا العتبتان، وشهد عنده آخر بمثل ذلك في الفرش والعتبتين وقبلهما، وحازا ما أنفقا عليه وأعذر فيه إلى إشراق فأظهرت عقد استرعاء، فيه أن شهوده يعرفون الدرج والفرش والعتبتين على الهيئة التي هي عليها منذ نحو ثلاثين سنة وشهد به شهيدان، وقبل أحدهما وتوقف الآخر وشاور في ذلك.
فجاوب ابن عتاب: قرأت ما خاخبتنا به وأدرجت طيه، وإذ قد ثبت عندك ما ذكرت، ولم يثبت عندك ما أظهره من إيه أعذرت مما ذلك في عقد الاسترعاء الذي شهد عندك فيه شاهداه وعرف أحدهما ولم تعرف الآخر لالقضاء بتغير ما أحدث واجب، وإزالته وإعادة الحال على ما كانت عليه أولا لازم، واليمين تضعف عن يحيى وهند، فأنفذ ذلك من نظرك موفقًا للصواب إن شاء الله عز وجل.
وجاوب ابن القطان: يا سيدي، تصفحت خطابك وما أدرجته والجواب المتقدم على ذلك صحيح إلا أن اليمين على القائمين مختلف فيها على ما اختلف فيها أهل العلم في البينة إذا لم تقبلن هل هي شبهة في وجوب اليمني أم لا؟ فالذي رواه ابن القاسم عن مالك، أنه ليس بشبهة، وروى أن ذلك شبهة.
وأرى في هذه المسألة أن ذلك شبهة، واليمين واجبة، ثم يغير المحدث والله عز وجل الموفق للصواب، والملهم إلى الرشاد بفضله.
وجاوب ابن مالك: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يا سيدي ووليي، ومن وفقه الله وسدده وأرشده فيما تقلده شهادة ابن الندي وصاحبه إذا لم تفد فائدة عندي ولا بأثير لها في رأي بلا شك والاسترعاء الذي يه دافعت إشراق لم يثبت، وقد ثبت الجداران لابني مضم، فالبينة على من أدعى واليمين على من أنكر، والمدعية إشراق تكلف البينة بقدم ذلك الضرر، وقد عجزت عنها، فاليمين على القائمين يحلفان بما ينفي ذلك عنهما ويزاح ذل عن حائطهما ولهما رد اليمني.
حملنا الله وإياك على الصواب برحمته والسلام.
قال القاضي: تكلمت مع ابن مالك بعد ذلك في وجه سقوط شهادة شاهدي القائمين، فقال:

إنما رأيت سقوط شهادتهما لأنهما شهدا بمدة طويلة من آخر معرفتهما الجدار لا عتبتين ولا فرش فيه، ويحتمل أن يكون الإحداث من حينئذ فكان يستحق بالقدم؛ إذ ليس من الضرر المتزايد كدخان الفرن وضرر الدخان وشبهه إن أثبت القائمين علمًا بذلك في هذه المدة كلها، قلت له: فإن القائم: لا أدي متى أحدث، قال: يحلف على ذلك أنه محدث ولا أدي متى أحدث.
وسئل ابن القطان عن اليمين المذكورة في جوابه كيف تكون؟ فقال: يحل القائمان في مقطع الحق: إن ذلك محدث وإن إشراق أحداثته، ثم يهدم عنهما، وسكت عن ذلك الدخان إذ لم يثبته القائمان، وسيأتي الكلام فيه وفي غيره إن شاء الله عز وجل.
من ادعى أن هذا بنى على حائط متعديًا: فهمنا – وفقك الله – ما قاله أحمد بن محمد بن الوليد بن غانم، من تعدى أحمد بن قاسم عليه في حائط له، وامتداد أعوانه إلى البنيان على حائط، فالذي نرى أن يأتي هذا القائم أحمد بالبينة أو بشاهد عدل أو شبهه يجب بها عقل هذا الباني حتى يتم عندك إثبات ما ذكره.
قال بذلك عبيد الله بن يحيى، وقال: وإن أرسل القاضي لامتحان ذلك بمن يثق به مجس، وقال بذلك ابن لبابة، وسعد بن معاذ، وابن وليد، ويحيى بن سليمان، ويحيى بن عبيد الله، وأحمد بن بيطر، ومحمد بن عبد الملك بن أيمن.
قال القاضي: محمد بن عبد الملك بن أيمن من أهل قرطبة، فقيه مشاور، حافظ لمذهب مالك، سمع بالأندلس من ابن وضاح وغيره، ورحل فدخل الأمصار وحمل عن جماعة من علمائها، وقد استغنى به القاضي الحبيب ابن زياد في ولايته الأولى عن ابن لبابة وأبي صالح ودارت الفتى يومئذ عليه، وتوفى في شوال سنة ثلاث وثلاثين وثلاثة مائة وكان مولده مستهل ذ الحجة سنة اثنين وخمسين ومائتين.
هدم سعيد بن مجاهد لبيتي محمد بن خالد: شهدت بينة لمحمد بن خالد أنهم حضروه، يقول لسعيد ابن مجاهد: ما دعاك لنقضي بيتي الذي بقرية فلان، وأخذ خشبهما وعتبهما وقرامدهما؟ فقال سعيد أبوك أذن لي في ذلك، ولم يدع شيئًا غير هذا الإذن الذي زعم، وثبت ذلك من قوله عند السلطان وأعلمه بثبوته، فادعى أن عنده مدفعًا لما لم يشهد به عليه، فضرب له آجالاً واسعةً وتلوم عليه

وانصرمت الآجال، ولم يأتي بشيء فعجز.
ودعاه الخصم إذ ظهر عجزه إلى رد ما نقض من ذلك وإعادته إلى مثل حالته، وأنصف ما نقص ليقام بتلك الصفة أو يأخذ بقيمة ذلك فنكل عن الصفة وادعى الجهل بها لددًا وتركًا عن الحق، وزعم أنه باعه ولم يحضر نقضه، فدل هذا من قوله أيضًا على باطله ومحكه وهل يبيع الإنسان إلا ما تثبتت معرفته ولا يجهله؟! فهل ترى رحمك الله للسلطان أن يجبره ويشتد عليه في الصفة بالحبس والجلد، ثم يحلفه عليه إذا كان المتعدي عليه جاهلا بالصفة، فقد رأى مالك في الخصم إذا كان ملدًا ظالمًا أنه يجلد، فيكيف وقد ظهر من هذا التعدي واستحق قبله مع لدده لادعائه الجهل لما يعرف أنه يعرفه، ولا يقع اسم الجلد إلا على الظهرز الجواب: في هذا المتعدي الجاهل في صفة ما تعدى فيه واستهلكه أن يقال له: يصح في معقول كل سامع منك ما حكيت من التجاهل أنك لا تنقض إلا ما أحطت به بعيان، وهربك عن الصفة لدد وللملد حكم، قال به أهل العلم من حمل السوط عليه حين تبين لدده فإن وصف صفة وازدجر بالأدب عن التجاهل غرم قيمة ما استهلك.
وإن مضى في تجاهله ولم يزعه عن باطله حمل التأديب عليه وكان المتعدي عليه يحيط بمعرفة ما استهلك له وصف ذلك وأغرم هذا قيمة الصفة مع يمينه على الصفة، وإن ادعى أيضًا جهلا في الصفة فهو في ذلك أعذر من المتعدي أقرب عهدًا بما تعدى فيه.
ولست أقول أن هذا تعذر لمعنى واحد أرى عليه أدبًا في تجاهله بما يشهد الذهن على معرفته، وأدبًا بما اجترم من التعدي الذي لا يجب أن يسوغه أحد، وإذا تجافى الحكم عن تغيير مثل هذا ذهبت الحقوق، واجترأ الملد على إصراره على اللدد، وإذا جهلت الصفة بتجاهل الفريقين أخذ له أوسط قيمة ما يستدل عليه من وجه لمعاينة الموضع ومعرفة قدر ما كان فيه وإن كانت العين غائبة؛ لأنه إذا أخذ في ذلك بأوسط القيمة فكأن العين قومت إن شاء الله.
قال بذلك كله محمد بن غالب، وأيوب بن سليمان، وقال به يحيى بن عبد العزيز إلا ما ذلك من السوط فقد يكون الأدب بالحبس وبما هو دون السوط، وقال عبيد الله بن يحيى إلا أن يتبين للقاضي عن لدده ما يجب ضربه بالسوط، وقال ابن لبابة لا أقول بشيء

في هذه المسألة.
قال القاضي: قد تقدم من ذلك الروايات في عقوبة الملد ما فيه كفاية إن شاء الله.
فيمن صب ماء جداره على حائط جاره: فهمنا – وفقك الله – ما قاله سليمان وأحمد مما أراده مشتري العرصة التي تجاور جنان نسائهما من رفع حائط على حنان نسائهما وكراهة نسائهما لذلك، وما ذلك عن المشتري من أنه يقول: إن العرضة كانت مبنية، وكان ماء بنيانها ينصب لي الجنان، فالذي يجب أن يمنع المشتري من صب ماء حائطه في هذه الحنان حتى يثبت أن ذلك حق له واجب تشهد به البنية، وذك بعد أن يثبت توكيل نسائهما على المخاصة عنهما يه.
قاله ابن لبابة.
مسائل في الرفوف: كتبت إلى شيوخنا بقرطبة في شعبان سنة ستة وخمسين وأربع مائة أسألهم عن دارين متجاورتين لرجلين، وبين الدارين حائط لأحد الرجلين، وله على الحائط رف، وقد خرجت أكلبه إلى داره، فأراد صاحب الرف أن يبني على أطرافه الأكلب حائطًا بأجر أو غيره، ويرفعه لحجة أو غرفة يريد ابتناءها فمنعه صاحب الدار، وقال الهواء لي لأنه لإزاء هواء داري، وإنما لكل إخراج الرف إلى ناحيتي لا غير؛ وكيف إن أراد صاحب الرف إزالته ورفع حائطه وإعادة الرف عليه على ما كان، هل له ذلك؟ فكتب إلى ابن عتاب: ليس لصاحب الرف ما أراد من البناء على أطراف الأكلب ويمنع منه، وإنما يملك الهواء من ملك قاعته، وله رفع الحائط وإعادة الرف عليه على نحو ما كان في الخروج.
وكتب ابن القطان: لصاحب الرف أن يبني على أطراف أكلبه ما شاء ولا يمنع من ذك ولا من أعلى حائطه من غير ضرر إلا من الريح والضوء وشبهه فليس بضرر.
وكتب ابن مالك: يمنع صاحب الرف مما ذهب إليه إلا أن يأذن له معترضه.
وكانت جرت بطليطلة بيني وبين موسى بن السقاط قاضي وادي الحجارة،

وجوب ابن القطان عندي أشبه، والله أعلم بالوصواب، وفي كتاب ابن سحنون من سؤال حبيب: وعن رف لحظور خارجة الرجل إلى دار جاره، ولا قصب عليه فأراد أن يضع عليه القصب فمنعه جاره، قال سحنون: ليس له منعه وإنما وضعت الحظور لهذا، وقال فيمن له رف خارج إلى دار جاره فبنى جاره جدار الرف جاره، وأراد أن يعلي بناءه على الرف: ليس له أن يبني فوقه؛ لأن صاحب الرف قد مل سماءه.
قال القاضي: وهذه تدل عندي على ما ذهب إليه ابن القطان، وقال سحنون في جواب حبيب، من أراد أن يطر حائطه من دار جاره فمنعه، قال: ليس له منعه أن يدخل داره فيطل حائطه، وكذلك لو قلعت الريح ثوبًا عن كتفي رجل فألقته في دار رجل لم يكن له أن يمنعه من أن يدخل فيأخذه أو يخرجه إليه.
تعليق البنيان من حيطان الجوامع والمساجد: كتبت بذلك في شعبان سنة ست وخمسين إلى قرطبة: هل يجوز تعليق حوانيت من حيطان جامع بلدة وكون الحوانيت محبسة عليه أم يترك ما حوله رحابًا؟ وهل لمن جاور مسجدًا أو جامعًا أو يغرز خشبة في جداره قياسًا على جدار جاره؟.
فكتب إلى ابن عتابك كان الشيوخ – رحمهم الله – لا يمنعون من العليق من المساجد إذا كان التعليق لا يضر بها واتصلت بالدور والدور بها كان ذلك لدار المسجد أو لتلك الدار ولمن جاورها أن يغرز خشبه فيها إذا لم يضر بها ولا يمنع من ذلك.
وأما الجامع فلا تعلق منته جوانب إذا كان ما حوله فناء له لأنه منع للصلاة عند ضيقه أو لإمساك دواب المصلين وفيه تقييد لحاله، وهذا شأن الجوامع، وكان من حجة الشيوخ في ذلك حديث النبي (صلى الله عليه وسلم): "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره 1 "

الحديث.
فحملوا أمر المسجد على ذلك ولو جاور الجامع دار رجل لكان الحكم فيه كذلك، فإذا لم يجاوره أحد فلا يعلق منه شيء، ولم يتكلم الشيوخ في الجامع وإنما ذلك اجتهادي على قولهم والله أسال التوفيق.
وقال ابن القطان: منع من غرز الخشب في جدار المسجد إن شاء الله عز وجل.
وقال ابن مالك: لا تعلق الحوانيت في جدار المسجد بحال، ولا لمن جاور مسجدًا أن يغرز خشبة في جداره البتة، وذلك بين والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
من ابتاع دارًا أحدث عليها باب أو غيره فأراد مخاصمة محدثه فيه: كتب من يباسة قبل سنة أربع وأربعين وأربع مائة في رجل له دار ظهرها في زقاق لقوم غير نافذ، ففتح الرجل باب داره إلى هذه الزقاق، وبقى كذلك نحو ثلاثة أعوام، ثم باع القوم دورهم فأراد مبتاعها إغلاق هذا الباب المحدثن واحتج بأن ذلك قد كان للبائعين منه القيام به وأنه تدخل محلهم.
فجاوب ابن عتاب: ليس للمبتاعين فيه كلام ولا اعتراض وإنما الكلام فيه للبائعين، فإذا لم يفعلوا حتى باعوا فهو رضي منهم إن شاء الله عز وجل.
وقال أحمد بن رشيق: فقيه المرية مثله.
وقال ابن مالك: روى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ أنه لا كلام للمشتري في ذلك إلا أن يكون البائعون باعوا، وقد خاصموا في ذلك وعلى أن ليس له ذلك تدل المدونة يوجد ذلك في النكاح الأول منها.
قال القاضي: يريد مسألة العبد ينكح بغير إذن سيده، ثم يبيعه ولم يعلم بنكاحه، فيريد مبتاعه فسخ نكاحه.
قال ابن القاسم: قد سمعت عن مالك فيه شيئًا ولست أحقه وأرى أنه ليس لمشتريه أن يعترض فيه إلا إنه مخبر في إمساكه كذلك، أو رده على بائعه فإن رده فلبائعه فسخ ذلك النكاح أو إجازته.

وفي العتبة في سماع اشهب وابن نافع عن مالك في كتاب الأفضية ما يدل على خلافه، وكذلك في وثائق المعروف بالملون: أن للمبتاع القيام تعلى محدث الضرر على الدار التي ابتاع وكأنه وكيل للبائع في ذلك.
وفي مسائل حبيب بن نصر: سألت سحنون عن الزنقة غير النافذة لأقوام، وفيها أبواب دورهم، ودبر دار رجل إليها وليس له فيها إلا حائط دبر داره وكيف قديم في الزنقة يلصق هذا الحائط، وللكنيف قناة تخرج من هذه الدار التي ليس لها في الزنقة إلا هذه الكنيف، وهو مغطي والقتاة لم تجر فيها شيء منذ زمان، فأراد صاحب الدار فتح هذه القناة إلى الكنيف، ويجري فيها العذرة فمنعه أهل الزنقة، فقال: ليس لهم منعه إلا أن يدعو الكيف فيكشف عن دعواهم.
فأما إن لم يدعوه فهو لصاحب الدار بهذه الرسوم والآثار التي تدل على أنه لصاحب هذه الدار، قلت له: فإن كان قد باعها فقام المشتري يطلب كنس الكنيف وعمارته فقال له من ذلك ما كان للبائع صاحب الدار ويقوم مقامه، وهذا مثل ما في الوثائق وقال فضل على مسألة ابن حبيب: انظر هل يجوز هذا البيع على قول غير ابن القاسم على أن يكون على خصومته.
إحداث فرن بقرب دار: أثبتت عاتكة عند الوزير القاضي بقرطبة أبي علي حسن بن محمد بن زكوان أن عبد الرحمن أحدث بقرب دارها فرنًا يؤذيها دخانه، وأعذر إليه فعالج ضرر قطع الدخان عنها، وأثبت ذلك عند القاضي، فاعترضت عاتكة بأن كون الفرن بقرب دارها ضرر عليها؛ لأنه يحط من ثمنها، وأثبت ذلك فجمع القاضي الفقهاء إلى مجلسه وشاورهم في ذلك.
فأفتى ابن عتاب: بأنه لا كلام لعاتكة فيما ذكرته من حطيطة ثمن دارها لقرب الفرن منها إذ قد ارتفع ضرر الدخان عنها، قال لي ابن مالك: ووافقته على ذلك.
وأفتى أبو مطرف بن جرج وغيره: أن ليس لعبد الرحمن أن يحدث على عاتكة ما يعيب دارها، وافقه على ذلك محمد بن سعيد أبي زعبل، فلما افترقوا من عند القاضي كتب إليه أبي زعبل محتجًا لقوله، وقول

ابن جورج ومن وافقهما: سيدي ووليي وعدتي، ومن أدام الله نفعه، وأبقى بركته، جمعت الفقهاء في دارك عمرت بك، وشاورتنا فيما ثبت عندك لعاتكة من ضرر الفرن الذي أحدثه عبد الرحمن متصلا بدار عاتكة، وثبت عندك أن ذلك مضر بدار عاتكة، ثم أثبت عندك عبد الرحمن أنه قطع الضرر عنها.
ثم أثبت عندك أيضًا عاتكة عقدًا ثانياً أن الفرن المحدث بلصقها ضرر وعيب كبير لاحق بدارها يحط من ثمنها، لقرب الفرن من دارها ولما يتوقع من وقوع النار في الأفران على العادة المفروفة فيها، وأنها لا تجد إن ذهبت إلى البيع من يبتاع منها الدار إلا بحطاط كثير من ثمنها.
فجاوبه فيه الفقهاء أبو المطرف بن جورج – سلمه الله – ومن تبعه على مذهبه: أن ليس لعبد الرحمن أن يحدث على عاتكة ما يعيب دارها، ويوقعها تحت ضرر ما تتوقع في الأفران من النيران على العادة في ذلك، واحتجوا فيه بقول الله تعالى: ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ (الأعراف: من الآية 85) وبقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): "لقد أوصاني بالجار حتى كاد أن يورثه 1 " ومن ذهب إلى أن يحط من ثمن داره بإصلاح ما له فهو غير آخذ بما أمر الله به، وحض الرسول عليه السلام عليه.
ومما يبين ما تقاله الفقيه أبو المطرف، ومن تبعه على قوله ما روي عن الرسول عليه السلام من قوله: "لا ضرر ولا ضرار 2 " والضرر عند أهل العلم أن تضر نفسك لتضر بغيرك، فكيف بمن أصلح مال نفسه بإفساد مال جاره وقد أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، في حديث طويل في حجة الوداع، إذ جعل حرمة الدماء والأموال سواء، وحرمها وضمنها في العمد والخطأ، فكيف بمن قصد فساد مال أخيه المسلم بإصلاح ماله! ومن هذا وشبهه عن الرسول كثير.
وقد روي عن مالك في رجل وضع جرة زيت حذاء باب رجلن ففتح الرجل بابه ولا علم عنده بالجرة، وقد كان مباحًا له وغير ممنوع أن يفتح بابه ويتصرف فيهز فانكسرت الجرة فضمنه مالك من قول الرسول أنه تضمن أموال الناس بالعمد والخطأ،

فكيف بمن قصد إفساد مال غيره بإصلاح مال نفسه! وحديث الضرر، وحديث حجة الوداع غير منسوخي العمل بهما في جميع الأمصال على ما تقدم من التفسير، فيما فسره أهل العلم.
ومحال غير مسموح أن يعارض مثل هذين الحديثين وما قبلهما من القرآن من قوله: ﴿ولا تبخسوا الناس اشياءهم﴾ (الأعراف: من الآية 85) من رأى أحد من الفقهاء أو يتأول عيهم غير ما جرى في كتاب الله وسنة رسول (صلى الله عليه وسلم)، فهم رضي الله عنهم كانوا أعلم بما أراد الرسول بالحديثين، وفسروا معانيهما، ومن تأويل عليهم غير ذلك فهو غير مصيب.
وذكر بعض الفقهاء المخالفين لأبي المطرف ومن وافقه أن مالكًا قال فيمن بني جدارًا في داره ورفعه حتى منع جاره الشمس والريح: أن ذلك جائز، وقال: هذا يرد ما قاله من قال: أن ليس لعبد الرحمن أن يبني فرنًا بقرب دار عاتكة إذ يحط ذلك من ثمنها ويعيبها، وليس كما قال لأن غيره أثبت عندك أن العيب لاحق بدارها لقرب الفرن منها ولما يتوقع من النيران.
ومن أقام حائطًا في دار الإلب من أمرالحائط السلامة، اللهم إلا إذا كان الحائط غير حصين يحذر تهدمه وإفساد دار جاره، فيجبر على دفع الخوف عن جاره وما يفسد به داره، كما قال مالك في مثل هذا الحائط، وفيمن أراد أن يلقي نارًا في شعراء أرضه، فقال: إن كان غررًا أو خوفًا على أرض جاره منع من ذلك.
فأين فرق بين دار وأرض؟ ولولا أن يطول الكتاب لاجتلبت من قول أهل العلم في هذا كثيرًا.
ولما ورد هذا الكتاب على القاضي أرسل به إلى الفقيه أبي عبد الله بن عتاب ورأيته عنده في أسطوان داره، فكتب إلى القاضي مجاوبًا عنه مستدلاً لصحة قوله بجواب نسخته: عصم الله القاضي بتقواه، ووافقه لما يحبه ويرضاه، أعلمتنا في مسألة الفرن المحدث الذي قامت به عاتكة عندك فيه، وذكرت أن دخانه يضر بدارها، أنه قد ثبت عندك أن إحداثه كان قبل الشورى بأشهر ستة أو سبعة، فأوجبنا عقله الفرن وقطع عمارته إلى أن يثبت عندك يه، وذكرت أن دخانه يضر بدارها، أنه قد ثبت عندك أن إحداثه كان قبل الشورى بأشهر ستة أو سبعة، فأوجبنا عقلة الفرن وقطع عمارته إلى أن يثبت عندك محدثه ما ذلك من قطع ضرر الدخان.
فعرفتنا بذلك أنه ثبت عندك أن ضرر الدخان الذي قيم بسببه قد ذهب عن دار

عاتكة القائمة، وأنك أعذرت إليها في ذلك، فأثبتت عندك أن إحداث الفرن بقرب دارها عيب كبير يحط كثيرًا من ثمنها؛ إذ لا يقدم كثير من الناس على ابتياعها بسبب، ولا يجب – وفق الله القاضي – أن يراعى هذا ولا يتلفت إليه بعد ثبوت انقطاع ضرر الدخان.
والضرر فيما أجمعوا عليه من ذلك وما اختلفوا فيه منه مجمعون على أنه إذا قطع الضرر محدثه وزاله فلا يعرض له، ولا أعلمهم نصوا في انحطاط ما يحدث عليه الضرر إذا ارتفع الضرر تكلموا فيه، وفي تركهم النص عليه دليل بين أنه لو كان ذلك مما يجب أن يراعي ومنع بسببه محدثه لبينوه وذكروا، إذ قد تكلموا في معاني الضرر وأقسامه بما سطروه في كتبهم، وفي مسائلهم ما يدل على ذلك مما لا يجب أن يراعي.
والذي أقول به وأتقلده من مذهبهم قديمًا: أن جميع الضرر يحب قطعه إلا ما كان من رفع بناء بمنع هبوب الريح وضوء الشمس، أو ما في معناهما فإنه لا يجب قطع ذلك، إلا أن يثبت أن محدثه قصد به الضرر بجاره، وكذلك كل ضرر بؤول إلى انحطاط قيمة ما يجاوره لا يتعدى الضرر المحدث إلى شيء غير انحطاط القيمة الخاصة.
والدليل على صحة ما ذكرته من ذلك: ما وقع في كتاب حريم الآبار من المدونة، وهو: قلت: أرأيت الرجل يرفع بنيانه فيمنعني الريح التي كانت تهب في داري والشمس أيكون لي أن أمنعه من أن يرفع بنيانه إذا كان ذلك مضر لي في شيء من هذا الوجوه؟ قال: لا يمنع من هذين، وإنما يمنع إذا أحدث كوًا وأبوابًا يشرف منها، ولم نسمع من مالك في الشمس والريح شيئًا، ولا يمنع من ذلك.
وفي كتاب القسمة من المدونة نحو هذا، وزاد قلت أرأيت إن كانت لي عرصة إلى جانب دار قوم فأردت أن اتخذ في تلك العرصة حمامًا أو فرنًا أو موضعًا لرحى، فأبى علي الجيران فقال: إن كان ما تحدث ضرر على الجيران من الدخان وشبهه منعت من ذلك:

قلت: وكذلك إن كان حدادً واتخذ فيها كيرًا أو فرنًا أو رحى تضر بجدران الجيران قال: يمنع من ذلك.
فإنما رعى ابن القاسم في ذلك ضرر الدخان وما يضر بالجدر، ومعروف متى رفع به البنيان وقطع به ضوء الشمس أن القيمة تنحط بذلك فيما أحدث عليه الرفع ولو كان انحطاط القيمة يراعي في ذلك لذكره ابن القاسم وبينه، ولم يترك ذكره.
هذا موضع الاستدلال بهذه الروايات.
وفي المستخرجة: سئل مالك: أترى من قول النبي (صلى الله عليه وسلم): "لا ضرر ولا ضرار" أن يستأذن الرجل جاره في خشبة يغرزها في جداره، فيأذن له ثم يغضبه فيريد نزعها؟ فقال: إذا أذن له فما أرى له نزعها على وجه الضرر؛ لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "لا ضرر ولا ضرار" فهذا منه.
فأما إن كان احتاج إلى جداره لأمر لم يرد به ضررًا، رأيت للرجل أن يبني في جداره ويرفعه ما بدا له، وإن كان في ذلك مضرة على جيرانه، لأن الرجل يعمل في حقه ما أحب.
وقال أشهب في موضع آخر: وما احتكره الرحل في ملكه مما بجاره، فليس له ذلك إن كان يجد منه بدًا، ولم يضر ليه، فأما إن كان به ضرورة إليه فله أن يحتفر في حقه، وإن أضر بجاره، لأنه يضر به منعه كما أضر بجاره حفره، فهو أولى أن يمنع جاره أن يضر به في منعه له من الحفر في حقه؛ لأنه ماله.
وكذلك قال لي مالك فلم يرد مالك بقوله: إن أضر ذلك بجيرانه، وقول أشهب عنه: وإن أضر حفره بجاره أن ذلك ضرر دخان أو اطلاع؛ لأنه قد نص على المنع من ذلك، وفي مسائله وكتب أصحابه، وإذا لم يرد هذا النوع من الضرر فلا يتوجه قوله هذا إلا إلى ضرر يؤول إلى انحطاط القيمة أو ما يدخل في معناه.
وقد كان من فتي الشيوخ عندنا فيمن أراد أن يفتح بابًا في زقاق نافذ: أنه إن كان الزقاق ضيقًا نكب عن باب جاره إن أمكنه التنكيب، وإن لم يمكنه التنكيب لم يمنع من الفتح، وإن كان فيه ضرر على جاره.
وفي الواضحة: قال مطرف وابن الماجشون واصغ في الرجل يريد أن يبني وقربه أندر، وهو يحبس بنيانه الريح عن الأندر، فلا يمنع من البنيان في حقه وجد عنده مندوحه أو لم يجد، وإن كان في بنيانه بطلان الأندر لأن الأندر نفعه يصرف إلى غيره، ولو منع

هذا من البنيان في حقه لموضع الأندر لكان قد أضر به ومنع من حقه.
وإذا أحدث الأندر إلى جانب الجنان وأضر تبنه بها مع محدثه من هذا؛ لأن هذا بمنزلة الحمام والفرن يحدث في جوار الدار فيضر دخانهما بمن جاورهما، فإنه منع من إحداثهما، وليست من الأفياء التي ليس أحد أن يمنع منها أحد.
وفي الثمانية لأبي زيد نحو هذا، قال ابن حبيب في كتاب آخر، وهو كتاب السداد لحسين بن عاصم، نحو ما تقدم، وزاد قال عنه وعن عبد الله بن الحكم: وليس لأحد حجة في حبس ريح أو شمس أو قمر أو ما أشبه ذلك من الأفياء، وإنما الحجة في الأحداث التي أحدثها الناس بأفعالهم، فتكون من المضرة بأعيانهما، مثل مصب ماء أو فتح كوة يطل منها، أو ما أشبه هذا، فتلك الأحداث التي يمنع محدثها من إحداثها، قال عبد الملك وهو قول العامة وبه أقول.
ولسحنون في المستخرجة في بعض الروايات مثل هذا، وزاد سحنون كما لا يمنع من رفع بنيانه لمنع جاره من ضوء الشمس وهبوب الريح، واختلف قول سحنون في هذا، وقد اختلف هوله في الأندر اختلافًا كبيرًا، وإنما ذكرت هذه الروايات لقولهم: ولو منع هذا من البنيان لكان قد منع من حقه وأضر به، ولم يمنع الباقي من التصرف في أرضه وإن كان في ذلك مضرة على جاره، إذ ذلك الضرر مما لا يوجب قطعه عندهم.
وقد بينوا ذلك في آخر المسالة، وبينوا أن ضرر الحمام والفرن هو الدخان، ولم يذكروا انحطاط قيمة ولا غيرها.
فتدبر ذلك وتدبر قوله أيضًا: وإنما الحجة في الأحداث التي أحدثها الناس بأفعالهم، فتكون هي المضرة بأعيانها، في ذلك المعنى الذي وصفته وفي المدينة وغيرها.
قال ابن كنانة فيمن له أرض في مجص فأراد أن يبني في هذا، وقال الذين حوله: لا تبن فيها، فإنك تضر بزرعنا.
قال لا يمنع أن يبني ما شاء إذا كان له مخرج إلى الطريق في أرضه.
فلم يراع أحد ممن تقدم قوله في شيء من هذه المسائل نقصان القيمة.
قال فضل: سئل يحيى بن إبراهيم عن الرجل يفتح بابًا في الزقاق النافذ أو غير النافذ فيطل منه على جاره وجدار جاره تصير نحو الحيطين وشبههما، فإن بني خيطًا ثالثًا ثم يطل عليه، فقال يجبر جاره على أن يبني خيطًا ثالثًا، وليس له أن يضر جاره، ولا يمنعه من فتح بابه إذا كان على هذا النحو.
فتأمل – وفقك الله – إلى هذه المسألة وقد قال فيها فضل: إنها

جيدة، ولم يمنعه من فتح الباب، وألزمه بنيان ما لم يكن له حاجة إليه.
وكان الشيوخ عندنا قديما يختلفون في الرجل يجعل في داره رحى أو شبهه، مما له دوي أو صوت يستضر به، فذهبت طائفة منهم إلى المنع من ذلك، وطائفة لم تمنعنه، ورأيت فيها جوابً لابن عثمان بن عبد ربه ابتدأه بأن قال: قال أبو بكر عبد الرحمن: وإذا اجتمع ضرران اسقط الأصغر للأكبر، ومنع الرجل من الانتفاع بماله وضيعته التي يقوم بها معاشه أكبر ضررًا من الذي يتأذى بدوي الطاحن، فالضرر الأكبر عنده هو منع الرجل من التصرف في ماله، والضرر الأصغر هو اعتراض جاره عليه.
وإنما ذكرت هذه الحكاية عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وهو أحد المشيخة السبعة، وهو موافق لما رواه أشهب عن مالك، وهذه مسألة قد نزلت قديمًا عندنا ولم نسمع أحدًا من فقهائنا جعل انحطاط قيمة ما يجاور ذلك ضررًا يمنع به من الإحداث، وإنما جعلوا الضرر في ذلك الدخان ومصب المياه وما شبهه.
ولم يذكر أحد من الموثقين في وثائقهم القديمة والحديثة وثيقة في معنى انحطاط القيمة، ولو كان ذلك مما يقضي به ويحكم لذكروه كما ذكروا وثائق الضرر؛ إذ ذلك مما يكثر نزوله بين الناس في القديم والحديث.
ومما يؤيد ما ذكرته من أن انحطاط القيمة لا تراعى: اتفاق الجميع فيمن أحدث فرنًا على فرن آخر قديم، أو حمامًا على حمام، أو رحى على رحى قديمه، ولا يضر المحدث من ذلك بالقديم في شيء من وجوه الضرر إلا في نقصان الغلة أو قلة العمارة أنه لا يمنع محدث ذلك من إحداثه، وليس لصاحب القديم اعتراض في ذلك، ومعلوم إنه إذا قلت العمارة أو الاستغلال أن القيمة تنحط، بل ربما آل ذلك إلى أن يبطل القديم بسبب ما أحدث عليه.
وفيما قدمت ذكره ما يدل على صحة ما قلته فيه واعتقدته ولكل مسألة تقدمت شاهد يؤيدها من الأثر والقياس والنظر، تركت ذلك إذ لم أقصد إلى الاحتجاج إلا الاستدلال أو الرد على من خاف قولي، وإنما قصدت إلى التبيان عنه على سبيل الفتوى، وما جرت به عادة شيوخنا – رحمهم الله – وإن أحب القاضي – وفقه الله – الوقوف على مواضع الحجة ووجوه الأدلة كتبت به إليه، والله عز وجل أسأله حسن العون عليه، والتوفيق لما فيه النجاة لديه برحمته.

قال القاضي: في كلام ابن أبي زعبل تخاذل لمن تدبره، تركته كراهة التطويل، والصواب، فيما ذهب إليه ابن عاب، والله أعلم.
قيام ابني ابن المراثي على زوجة العمري في ضرر ذكراه من دارها على دارهما: قاما عند الوزير صاحب الأحكام وذكر أن في دارها غرفة فيها باب يخرج منه إلى سقف بين يديه من دارها ويجلس عليه، ويطلع منه على غرفة في دارهما الملاصقة لدارها بداخل مدينة قرطبة، وبحومة الجامع وأنه قد يصعد من هذا السقف إلى سقف دارهما، لقرب رفوفهما من رف ذلك السقف، ويكشف الصاعد عليها ما في قاعة دارهما.
وأثبت في ذلك ضررًا عليهما، وأعذر في ذلك إلى زوجها وكيلها أبي القاسم.
فأثبت عنها أنه لا ضرر من ذلك الباب على دارهما إذ لا يقع بصر الناظر منه على شيء من دارهما، لأنه مفتوح إلى غير ناحيتها، وقال: إنه لا يخرج أحد إلى السقف الذي بين يديه وأعذر إلى ابني أبي المراثي فلم يكن عندهما مدفع إلا ما توجبه السنة، وشاور الحكم في ذلك.
فأفتى محمد بن فرج: يا سيدي ووليي، تصفحت خطابك وما أدرجت طيه، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لا ضرر ولا ضرار" والاطلاع من الضرر الذي يجب قطعه، إلا أن الاطلاع الذي أثبته عندك أخو بكر لا يجب تطميس الباب، ولا قلع عتبته، إذ لا يطلع منه حتى يخرج إلى السقف، وإنما يجب أن تؤمر فاطمة أن تجعل على الباب المذكور شرجبًا وثيقًا عاليًا حتى لا يوصل منه إلى السقف الذي يطلع منه على دار بكر وأخيه.
وهذا كان راي القاضي محمد بن بيقي بن زرب، إذ نزلت هذه المسألة بعينها في أيامه فاقتد بالقاضي رحمه الله، فهو أهل من يقتدي به، وأنفذ ذلكعلى قاطمة، ولا منفعة لها في العقد الذي أثبت وكيلها أنه لا ضرر في الباب.
ومن أثبت الضرر أعلم ممن نفاه إلا أن يكونوا عندك أعدل وأعرف من الآخرين وأبصر، فيجب حينئذ أن ترسل من قبلك من تثق بعد التهم وبصرهم إلى الدارين جميعًا.
فإن اتفقوا على الاطلاع نفذ قطعة بما ذكرناه، وإن اتفقوا على أنه من وقف على السقف المتصل بالباب لم ير من في دار بكر، ولا من في قصبته، ولم يتبين شخصه لبعد ما

بين الموضعين، بقي الباب على حاله وتقدمت إلى قاطمة وزوجها أشد التقدم ألا يصعد أحد على السقف إلا لإصلاحه أو لما لابد منه من سبب ما في عقد أبي بكر وأخيه أنه قد رأى السقف رجال، وكذا نساء، على حالة قبيحة وتغيير.
هذا وشبهه واجب وإنكاره لازمن والله تعالى نسأله لنا ولك خلاصًا جميلا برحمته، والسلام عليك يا سيدي ووليي ورحمة الله.
وأفتيت أنا: يا سيدي ووليي، ومن أدام الله عصمته، وأجمل فيما قلده عاقبته: شهادة من أثبت شيئًا بشهادته أولى بالقبول من شهادة من نفاه – قاله غير واحد من أصحابنا وبه العمل، وهو دليل المدون والعتبية وغيرهما، فلا يلتفت إلى ما جاء فيه من خلاف لضعفه، وقلة قائله.
وقد ثبت لمحمد وبكر ما ذكرته من الضرر على غرفتهما وسقف دارهما، من باب غرفة فاطمة، فأحكم لهما بقطعة عنهما بما ذكره الفقيه أبو عبد الله محمد بن فرج في جوابه في وضع حاجز في الباب الشرقي، يمنع من التطرق منه إلى السقف الضار بدار بكر ومحمد، وقد خصت في ذلك معها في مجلس حكمك ورأيت اختيارك ما ذكره، أبو عبد الله من وضع شرجب في الباب المشتكي منه، فأنفذ ذلك من اختيارك؛ إذ هو اختيار القاضي أبي بكر ابن زرب، رواه عنه القاضي يونس بن عبد الله – رحمهما الله.
ونص ما حكاه عنه، قال – يريد ابن زرب -: من فتح بابًا إلى غرفة على دار جاره، لا يطلع عليه منها إلا بكلفة، مثل أن يدخل رأسه وشبهه، فإنه لا يسد ذلك عليه إلا أني أستحسن أن يوضع على الباب شرجب لئلا يدخل رأسه منه، قال يونس: فقلت له: هل رأي هذا لأحد، فقال: لا، إلا أني استحسنه وأفتيت به.
هذا نص ما ذكره عنه، وهو إن شاء الله نظر حسن، والله تعالى يحملك على الصواب، وينفلنا جميعًا جزيل الثواب.
من سأل القاضي أن يبعث من ينظر إلى ما يدعي أنه أحدث عليه، وقال الآخر لا يبعث إلى مالي أحد: من أحكام ابن زياد: قال قاسم للقاضي: ابعث من يكشف عما أحدثه علي عباس في أندر داخل جنان محدثة، وقال عباس: لا يجب أن تبعث إلى مالي حتى يثبت عندك ما يقوله، فإذا ثبت عندك نظرت بما يجب.
قال عبيد الله بن يحيى: أما أنا فإني أرى اتبعث

معه من ينظر إلى الذي أحدث، إذ صار في داخل غلق لا يمكن أن يوقف إليه من يستشهد به، فإن شهد عندك رسلك أن الذي أحدثه مضر به أمرت بصرف الضرر عنه، وإن شهد بغير ذلك حملتهما على ما يجب.
وقال ابن لبابة: ليس للخصم مقال فيما احتج به؛ لأن الضرر الذي يدعيه قاسم في غلق ممنوع عنه، فلهذا نرى إرسال القاضي لمعاينة الضرر.
وقال بذلك أيوب بن سليمان وقال: قد بعث النبي (صلى الله عليه وسلم) حذيفة بن اليمان مع القوم الذي اختصموا في خصر، فقضي به حذيفة للذين كان القمط من قبلهم ثم أخبر به النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقال: "أصبت 1 " وهذا الحديث أصلنا في الإرسال وفي معاقد الحيطان.
الشهادة في فرن وقناة أحدثا على دار رجل: فهمنا – وفقك الله – الشهادات فرأيناها اجتمعت على إحداث الفرن وإضراره بدار عمرن واختلفت في معرفة القناة، فإذا عرفت من الشهود في القناة شاهدين، وكنت قد أعذرت إلى محدث الفرن في ذلك، فلم يكن عنده مدفع، فقد وجب عليه قطع ضرر الفرن، فإن لم يمكنه قطعه إلا بهدمه وجب هدمه، ولزمك الإشهاد للمقضي له بالحكم بالمقضي عليه وقطع الضرر، ويجري ما السماع في القناة على ما شهدوا به.
والله نسأله التوفيق قاله ابن لبابة وأصحابه.
الحكم في قناة أنها محدثة وصاحبها يدعي قدمها: قال ابن زمزم في القناة الجارية إلى الجنان: إنه لم يحدثها، وإنها لم تزل جارية على حالها، فالواجب – وفق الله القاضي – أن ينظر إلى هذه القناة رجلان تقبلهما، فإن شهد عليه بقدم، على ما يؤديه العيان، قبل لمن ادعى الإحداث: أقم البينة على ما ادعيت.
وإن دل على أنها محدثة منع اضرر.
وإن أشكل الأمر فلم تقطع بينة بإحداث ولا بقدم وكان حالهما متوسطة أوجبت التوقف على البينة، قيل لمجريها: أقم البينة أنها جرت بحق وإلا فإن العداء ظاهر حتى يأتي بما

يسقطه إن شاء الله، وهذا يكون إذا ثبت الجنان لمن يذب عنها ويدفع.
قال بذلك عبيد الله بن يحيى، ومحمد بن الوليد، ومحمد بن لبابة.
قال القاضي: ولو شهدت البينة بقدم القناة على ما دلهم لعيان عليه، فمن تمام شهادتهم بذلك الشهادة بتحديد أمد القدم، بدليل معرفة لاختلاف أصحابنا في هذا الأصل، وقد قال سحنون في قناة جرت على دار رجل سنة: ذلك قليل والأربع حيازة واستحقاق ذكره حبيب بن نصر في سؤالاته.
وقد فرق في ذلك أيضًا بين ما ضرره متزايد وغير متزايد، وذلك كله في الأصول مبسوط لابن حبيب وغيره، وقد ذكرناه بعد هذا في مسألة الشجرة مختصرًا فتأمله.
في قنوات مقبرة عامر وركوب القاضي والفقهاء إليها بأمر الأمير وإعلام الأمير بذلك: ركبت – أبقى الله الأمير – إلى مقبرة عامر كما أمرني أعزه الله منع من استركبته مع يمن أهل العلم وغيرهم فنظرت ونظروا إلى قدرات الدور الشارعة إلى الشرع والشارعة إلى الغرب فرأوا قنوات مغطاة تفضي إلى المقبرة ورأوا قناة الحمام مع بنيان دور مع المقبرة متصلة بها، تفضي إلى حفرة في المقبرة، فيها يستنقع ماء القنوات المغطاة والمصخرة وإلى حفرتين غيرهم، ويصب فيها مياه القنوات.
فرأى عبيد الله حفرًا تفضي إلى الحفر الكبيرة وقال: إنه لا يعرف ماء الدور منذ ثلاث وستين سنة مقبلاً إليها لم أر مشتكيًا لأذاه، ولا متكلمًا فيه إلى أيامنا هذه، ويعرف ماء الحمام من ذلك الوقت ينساب إلى حفرة ثانية لا يشتكيه أحد ولا يدعي ضرره.
وقال محمد بن عمر بن لبابة: قولنا في ذلك ما قد قلناه وكتبنا به إلى الأمير – أكرمه الله – أن القنوات المفدونة التي رأيناها مع القاضي – وفقه الله – يجب ردمها لضررها بالمقبرة وبالطريق وأنها لا مخرج لها فيما رأينا إلا المقبرة، ثم تمضي إلى الحفرة.
ورأينا أن تباع القنوات على وجه الأرض فيخرج منها ماء السماء وقت المطر، ويجري في مجاريه التي كان يجري فيها حتى يستقر في الحفر الثلاث، فإنه لا يستحق على المقابر والطريق ضرر إذ ليس للمقابر متكلم، إلا أن يقوم محتسب يرفع ذلك إلى الحاكم فإذا غبيت المجاري كان ضرره ظاهرًا، إذ ليس يستبين إلا بظهوره، ويقطع ضرر قناة الحمام عن المقبرة.

وقال محمد بن وليد: الذي قال ابن لبابة في هذا الحق عندي، وبقوله في ذلك أقول وأسأل الله التوفيق.
وقال خالد بن وهب: نظرت إلى القنوات التي بالمقبرة المنسوبة إلى عامر، إذ استركبنا القاضي فقولي قد تقدم في ذلك على ما كتبت به إلى الأمير – أعزه الله – في الكتاب الأول وبه أقول، وأنا عليه أن المقابر مقابر – المسلمين – أحباس المسلمين ليس لأحد أن يحدث فيها شيئًا، ولا ينقصها بما يكون ضرر بها.
وأما مجاري دور الساكنين عليها فواسع لهم أن يجروها على وجه الأرض يسيل فيها ماء السماء، لا يمنعون من ذلك الافتراق الماء إذا خرج على وجه الأرض وقلة ضرره، وهو حينئذ كالمطر يسيل عليها، ولا يمنعون من ذلك وأسأل الله التوفيق.
وقال سعد بن معاذ: قد تقدم لي فيها إلى الأمير _ أصلحه الله – ما تقدم، وهو مثل ما قاله أصحابنا، وبه أقول.
وماء الحمام ظاهر النجاسة، وهو ماء الكنف، وهو جار إلى حفرة المقبرة فينبغي قطع جريه فيها، ولا يترك.
قال جميعهم بمثل قول ابن لبابةوابن وليد.
وأوصى الأمير إلى القاضي بالكف عن النظر في ذلك، فكتب القاضي: أتاني سعيد المغيلي ن أصحاب الرسائل فأعلمنا أن الأمير – أطال الله بقاءه – يا سيدي بأن أقرط كتابًا أتاني به عليه طابع الأمير – أكرمه الله – ويعلمني أن أكف عما كنت قد شرعت فيه مما أمرني به – أبقاه الله - من النظر في القنوات التي تخرج إلى مقبرة عامر.
وكتب الأمير في ذلك إلى عبيد الله بن يحيى ليعلمه بقدم هذه السواقي أو حدثها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أعلمنا بما عندك في السواقي الشراعة من دور الناس إلى حفرة مقبرة عامر، إن كانت قديمة لا يجب تبديلها عن حالها، أو مستحدثة مما يجب فيها النظر، فقد اختلف أصحابك وغيرهم في أسبابها.
وسبب ساقية الحمام المنسوب إلى ابن طملس، فقد أدركت من ذلك بالسن ما لم يدركه غيرك، ومع هذا فليس بين الحمام والحفرة التي إليها يصير ماؤه واساقية الخارجة من دار موسى بن زياد إلا يسير وإخال بعض السواقي التي فيها جاور مسجد منيقلة شارعة إلى حفرة غيرها مقاربة للدور والمساكن، إذ لا يكره من هذا ولا يقل إلا ما امتد وطال وبعد، فإن ضر ذلك إذا كان بين، فقل في هذا بما تستحسنه على ما أدركت منه، ومن قدمه وأوشك ذلك لتأمر فيه إن شاء الله عز وجل والله المستعان.

جواب عبيد الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أعز الله الأمير وأكرمه وأدام إقامة السنن به، الذي أدركت – أكرم الله سيدي – أني أعرف المقبرة من تاريخ خمس وأربعين ومائتين سنة، منذ ثلاث وستين سنة، على الحال التي هي عليه، تحضر الجنائز بها ما سمعت مخلوقًا تظلم في شيء من مجرى ماء دورها إلى أيامنا هذه.
وأعرف الدار التي صارت إلى موسى بن زياد لرجلين من التجار يسمى أحدهما عيسى والآخر منتيل، ولا اشتكى مجرى ماء دورهما إلى هذه الأيام، وأعرف ماء الحمام من هذه المدة وهو في دار خلد النار، وماؤه يجري إلى الحفرة التي فيها مجراه اليوم، هذا الذي عرفت – أكرم الله الأمير – سيدي لم أسمع متكلمًا ولا مستنكرًا لشيء منه إلى الوقت الذي تهيج فيه من تهيج والله أسأل الأمير إطالة البقاء.
الشهادة في كوة مفتوحة لمجرى ماء على دار رجل: شهد عندنا أبو صالح أنه دخل دار عمر بن عامر، فنظر إلى كوة لمجرى ماء دار عمر على دار زكريا دل على أنها قديمة، ولم ير في الدار كوة لجري ماء دار عمر سواها، ولا مصب لداره إلا تلك الكوة، وفي شهادته أنه دخل دار زكريا فنظر إلى حفرة الفرن المحدثة قبالة الكوة التي نظر إليها في دار عمر لقرب ما بينهما.
وفي شهادته: أن دخان ذلك الفرن المحدث وحره مضر بعمر في داره، وشهد سعد بن معاذ بمثل ذلك.
فهمنا – وفق الله القاضي – الشهادتين الواقعتين في هذا الكتاب فرأيناهما اجتمعتا على إحداث الفرن والإضرار بدار عمر، واختلفت في معرفة القناة، فإذا عرفت من الشهود شاهدين مع شهادة أبي صالح أنه نظر إلى كوة لمجرى ماء دار عمر على دار زكريا، ولم ير في الدار كوة مجرى ماء دار عمر سواها، ولا مصب لماء دار عمر إلا تلك الكوة، وشهادة ابن معاذ بمثله.
وكنت قد أعذرت إلى محدث الفرن في ذلك ,أجلته آجالاً، فلم يكن عنده مدفع، فقد وجب على المحدث قطع ضرر الفرن، وإن لم يمكنه إلا بهدمه وجب عليه هدمه ولزمك الإشهاد للمقضي له الحكم على المقضي عليه بقطع الضرر وغمضاء القناة يجري ماء السماء على ما شهدوا فيه.
قاله ابن لبابة، وعبد الله، وابن غالب، وابن وليد.

إباحة الدخول في دار رجل للنظر إلى قناة له: فهمنا – أكرمك الله – ما تناظر فيه ابن مرزبان عن زوجه وأصبغ عن نفسه، فالواجب على أصبغ أن يبيح الدخول إلى القناة لينظر إليها كيف هي، وقد نزل مثل هذا لمحمد بن سلمة فأشرنا بجمعاتنا عليه بهذا الفعل.
قاله أيوب بن سليمان.
الشهادة إلى هذه القناة بالنظر إليها تشق بيت أصبغ وداره إلى الخندق: فهمنا – وفقك الله وسددك – ما قامت به أمة الرحيم بنت حريس من أن قناة دارها اليت يربض مسجد أبي الوليد، تخرج بحشوش ما يقع فيها بيت أصبغ المعروفة بابن البقية مدفونة ثم يخرج على بيته وتشق داره حتى تفضي إلى الخندق، وقول أصبغ أن الدار داره، وأنكر أن يكون عليه قناة لدار أمة الرحيم لكنيف أو غيره.
فهمنا منا ذكرته من إرسالك إلى معاينة القناة من وثقت به، وشهدوا عندك بمعاينة القناة بشق من دار أمة الرحيم على بيت اصبغ في داره حتى تقع في الخندق، وقالت أمة الرحيم: إن أصبغ سد القناة، فرجع ما كان يجري فيها إلى دارها وأضر بها وسالت عن الواجب في ذلك.
فالذي نقول به: إن لم يكن عندك أصبغ مدفع في شهادة الذين وجهتهم لمعاينة ذلك، أن يلزم مرور القناة على بيته على ما كانت تسلك فيه، وينهي عن سدها، ويقطع أذاه عن أمة الرحيم، ويمنع من ذلك.
قاله ابن لبابة، وابن وليد وأيوب بن سليمان، وإن دفع أصبغ في الشهود الذين بعثهم القاضي لمعاينة ذلك بدفع يسقط شهادتهم بعث غيرهم أبدًا؛ لأنه أمر حاضر وشيء ظاهر، وقال عبيد الله، وابن غالب.
أبراج الحمام وإضرار النحل بها: كشفنا من حضرنا من أهل العلم عما رفعه إلينا بعض أهل البوادي من عمل قرطبة، من أن لهم أبرجة حمام قديمة، أن قومًا من أهل تلك البوادي أحدثوا عليها نحلا اتخذوها يف تلك البوادي، في كشورو وى، وأن ذلك النحل يضر بحمام الأبرجة في مسارحها عند الماء وغيرها حتى بحجر الحمام وربما أضر في القوائل بالماشية عند شربها الماء.
فقالوا نرى – والله الموفق للصواب والمعين عليه – لو لم يكن في هذا غير قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) "لا ضرر ولا ضرار" لكان قولاً شافيًا كافيًا مغنيًا عن كل قول وموجبًا عن لقطع الضرر، وأن يمنع متخذ النحل من اتخاذها، فكيف وهو قول أصحابنا، وقد

وقعت هذه المسألة بعنيها في كتاب السلطان من المستخرجة: أنه لي لأحد أن يتخذ نحلاً تضر ببرج حمام قديم، وما أعلم بينهم في ذلك اختلاف، وأسأل الله أن يحضرك التوفيق والرشد والتسديد.
قاله ابن لبابة، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ، ويحيى بن سليمان وغيرهم.
مسألة أخرى مثلها: قال أبو عبد الله بن وليد: الذي نقول به أن كل ضرر يحدثه الرجل على جيرانه فهو ممنوع منه؛ لقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لا ضرر ولا ضرار" وليس يكون من الضرر شيء أبين من أن يأتي الرجل فيدخل على أهل القرية ما يهلك حمامهم ويؤذ في صبيانهم، فيجب أن يمنع هؤلاء من إدخال الأجباح في دورهم ويقصروا على ذلك إن شاء الله، ولا يستطاع الاحتراس من النحل والحمام، كما لا يستطاع الاحتراس من البهائمولا ضرر أعظم من اتخاذ ما لا يستطاع الاحتراس من أذاه.
وقاله ابن معاذ، وابن لبابة، ويحيى بن سليمان.
قال القاضي: قولهم في المسألة التي قبل هذه: وقد وقعت هذه المسألة بعينها في كتاب السلطان من المستخرجة أنه ليس لأحد أن يتخذ نحلا يضر ببرج حمام قديم، وهو خطأ وتصحيف للتي في الكتاب المذكور، وأظنهم كتبوا ذلك في جوابهم متكلين على حفظهم فخانهم الذكر وغلب عليهم النسيان الذي هو آفة علم الإنسان، إنما في كتاب السلطان في بعض الروايات، وهو أيضًا في كتاب الجدار: وسئل عيسى بن دينار: عن الحمام والنحل يضر بشجر القوم إذا نورت وبكرومهم، أيمنع صاحبها من اتخاذا عليهم، ويؤمر بإخراجها؟ قال: نعم، أو ما يشبه ذلك الماشية تعدوا على الكرم والشجر والزرع، وحفظ الزرع ونحوه على ربه؟ قال: لا يشبه النحل الماشية؛ لأن النحل والدجاج الطائر والحمام لا يستطاع الاحتراس منها، كما يحترس من الماشية، ألا ترى أن الماشية الضارية لفساد الزرع تغرب وتخرج، فما أستطيع الاحتراس منه فهو كالماشية لا يؤمر صاحبها بإخراجها عنهم، وقد قيل فيمن له كواء في حائطه أو عرفته تجتمع فيها البراطيل فتؤذي الناس في زروعهم: إنه يؤمر بسدها.

قال القاضي: هذا ما في بعض كتاب روايات السلطان من هذه المسألة، وذكرها ابن حبيب في كتاب البنيان والأشجار والمياه والأنهار.
قال: سأل مطرفًا عمن اتخذ نحلاً في قرية تضر شجر القوم أو اتخذ برجًا فيه حمام وكواء للعصافير تأوي إليها، ويأخذ فراخها وهو تؤذي كما يؤذي الحمام في الزرع.
قال هذا كله من الضرر، ويمنع من اتخاذ ما يضر الناس في زرعهم وشجرهم.
ولا يشبه النحل والحمام الماشية؛ لأن النحل والحمام طائر لا يستطاع الاحتراس منها كما يستطاع ذلك في الماشية، ألا ترى أن مالكًا قال في الدابة الضارية بفساد الزرع التي لا تحترس منها إنها تغرب، وتخرج وتباع على صاحبها، فانحل والحمام أشد وكذلك الدجاج الطائرة والأوز وشبهها مما لا يستطاع الاحتراس منه.
قال وسلت أصبغ عن ذلك، فقال لي: النحل والحمام والأوز والدجاج عندنا كالماشية، لا يمنع صاحبها من اتخاذها، وإن أضرت وعلى أهل القرية حفظ زروعهم وشجرهم وهذا أن ابن القاسم يقول.
قال ابن حبيب: وليس يعجبني هذا، وقول مطرف في ذك أحب إلي، وبه أقول، وهو الحق إن شاء الله، ولابن كنانة في المجموعة نحو قول أصبغ؛ لأنه لا يمنع قال: وأكره أن يؤذي أحدًا، وقال غيره لا يمنع صاحب البرج من اتخاذ منافعه في جداره وبرجه ولا من اتخاذ الدجاج والأوز وعلى أهل الزرع حفظه بالنهار.
قال القاضي: هذا الموجود في كتابنا في هذه المسألة، وأما ألا يتخذ نحلاً على برج حمام قديم، فليس في أمهات كتبنا بمعلوم، وإنما هي النازلة التي جاوبوا عنها وأنكرنا قولهم أنها في كتاب السلطان بعينها، والله ولي التوفيق.
في شجرة قديمة مظلة على دار: إذا ثبت به مخلد كتب به على نفسه أنه التزم قطع ما اظل من زيتونه على دار آمنة، ودفع الضرر عنها، قطع إلا أن يعذر بجهالة، وكان مثله يعذر، فإن عذر بجهالة وحلف بالله: ما التزمت ذك إلا وأنا أظن أنه يلزمني، نظر حينئذ في الزيتونة، فإن كانت قديمة

سنين فما فوقها لم يقطع، وإن كانت غير قديمة قطع الضرر عنها.
قال بذلك عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، أيوب، وابن وليد.
وقال يحيى بن عبد العزيز: يلزمه ما ألزم نفسه، وقال ابن لبابة: العشر السنين في الضرر قليل وهي قوله كانت تروي عن أصبغ بن الفرج، والذي روي عن أصبغ وعرف قوله، وسمعت بعض مشايخنا المفتين يقول: لا يستحق الضرر.
قال القاضي: انظر جعلوا الضرر يستحق بحيازته عشرة أعوام فأزيد بمحضر الذي أحدث عليه، وقال ابن لبابة: هي قوله الأصبغ وجعلوه هنا كسائر ما يستحق من الأموال بطول الحيازة بمحضر القديم بعدها، وهذه القولة وقعت لأصبغ في نوازله في كتاب جامع البيوع من العتبية في مسائل ماء من دارك على دار جارك، وتركت نقل المسألة كراهة التطويل.
والقول الآخر عنه في كتاب آخر كتاب الاستحقاق فيمن أحدث كوة أو بابًا على دار غيره أو أندرًا على جنانة أو ميازب على حائط وهو حاضر ينظر ولا ينكر ولا يغير قال: لا يستحق هذا في السنين الخمس ولا العشر بعد أن يجعلوا له أنه ما كان عن رضى ولا تسليم إلا أن يطول بالدهور الكثيرة جدًا، يحمل على ذلك أنه حق يستحق بالحبازة، وقال ابن حبيب في شرح قول النبي (صلى الله عليه وسلم): "لا ضرر ولا ضرار": هما كلمتان بمعنى واحد رددتا توكيدًا في المنع مننه، وقد يأخذه تصريف الإعراب فالضرر الاسم والضرار الفعل.
وقوله: "لا ضرار" أي لا يدخل على أحد من أحد ضرر وإن لم يتعمده، "ولا ضرار" أي لا يضار أحد بأحد.
ووجوه الضرر كثيرة تستبين عند نزول الحكم فيها، منها دخان الحمامات والأفران وغبار الأندار ورش دباغ الدباغين إذا أضر ذك بمن جاوره، قيل لمحدثه: احتل له وإلا فاقطعه، وسواء كان قديمًا أو محدثًا.
ولا يستحق الضرر بالقدم إلا أن يكون الضرر أقدمن المتأذي به، ولا تكون الحيازة في أفعال الضرر حيازة تقوى بها حجة محدثة، بل لا يزيده تقادمه إلا ظلمًا وعداء.
قال في آخر المسألة: هكذا فسر لي من لقيت من أصحاب مالك عندما كشفتهم عنه، وفي المسألة طول اختصرته.

وفي كتاب السداد: سئل عيسى بن دينا عمن له منصب حيتان صاد فيه أعوامًا، ثم شكى جيرانه أن ذلك يضر بهم، واحتج هو باستحقاقه ذلك عليهم هذه الأعوام، قال: لهم أن يمنعوه.
قال القاضي: وهذا نحو ما ذكره ابن حبيب، ونحو أحد قول أصبغ، وقد تقدم لسحنون في مصب ماء على دار جاره أنه يستحقه في الأربعة الأعوام.
وقال ابن أبي زمنين: رأيت في مسائل سئل عنها يحيى بن إبراهيم بن مزين، ما كان من الضرر يبقى على حال واحدة لا يزيد، كفتح الباب والكواء يطلع منها وشبه ذلك، فإن محدثه بمحضر ممن أحدثه عليه؛ يستحقه في مثل ما يستحقه به ما يحاز بطول الزمان، وما كان ضرره يتزايد كالكنف؛ فلا يستحقه محدثه بطول حيازة ويقطع عن المستضر به متى قام فيه، وكذلك الدباغ لأنه مما لا يبقى على حالة واحدة، قال: وهذا الذي علمناه ولم نزل نسمعه.
قال القاضي: وقول الشيوخ في ملتزم قطع الشجرة: أنه إن قال: جهلت أنه لا يلزمني، وكان ممن يعذر بالجهالة؛ حلفه على ذلك ولم يكن عليه أن يقطع: وهو أصل مختلف فيه.
قال ابن القاسم في رسم أمهات أولاده، فمن تصدق على ابنه بدنانير وعمل له فيها فمات وهو في يديه، فانفذها له الورثة ثم أرادوا الرجوع فيها: الناس في هذه مختلفون، أما أنا فأرى أن يحلفوا – أن كانوا معرفين بالجهالة – أنهم إنما انقذوها له، وهم يرون أن ذك عليهم يلزمهم، ويرجعون فيها فيأخذونها، وهذا جواب الشيوخ في مسألة مخلد الشجرة.
وفي كتاب الصدقة أيضًا في نوازل سحنون: فيمن تصدق على أخيه بنصف ماله في مرضه مرضًا ليس مندفًا دام به سنين يخرج في حوائجه يقضيها، وقبض أخوه الصدقةوجازها سنين، ثم مات المريض المتصدق، فقام ورثته على المتصدق عليه وقالوا: لا تجوز لك هذه الصدقة لأنها كانت في المرض، وإنما لكل منها الثلث، وقد سالنا عنها الفقهاء، فقالوا هذا؛ فرد إليهم ما زاد على الثلث، ثم علم أن الصدقة كلها جائزة.
قال سحنون: ومن يعلم أنك جاهلاً أن جميع الصدقة لك، أنت تدفع مالك

بعد ما حزته ثم تدعي الآن الجهالة؟ ما أرى لك فيما دفعت إليهم حقًا، فقال السائل: أنا أقيم البينة أنهم قالوا لي: لا يجوز لك من الصدقة إلا الثلث، وأن الفقهاء أخبرونا بذلك، فقال لهم: أما إن أقمت البينة على هذا فأرى أن ترجع عليهم بما أخذوا.
ونحوه في نوازله في آخر الدعوى فيمن قتل رجلاً له وليان، فصالح أحدهما على نصيبه بألف دينار، ثم صالح الآخر بألف، إذ خاف القتل، ثم أخبر أنه لا قتل عليه فقام على الثاني ليسترجع منه خمس مائة دينار، فقال سحنون: لكل واحد منهما ألفه والصلح جائز إلا أن يثبت عند الحكم أنه إنما صالح الباقي وهو يرى أن له قتله فيرجع حينئذ بخمسمائة دينار.
وفي الشهادات في نوازل أصبغ في هذا الأصل إلا رجوع له ولا قول، وكذلك في سماعه في كتاب النكاح، وفي رسم أوصى لمكاتبه في التخبير، وهو أصل مختلف فيه كما قال ابن القاسم.
قال أبو عبد الله بن عتاب: سمعت شيخنا القاضي أبو عبد الرحمن بن بشر يقول غير مرة: كان أبو عمر أحمد بن عبد الملك الإشبيلي يقول لنا: سبعة أشياء لا يعذر فيها بالجهالة مدعيها.
قال القاضي: وكان لا يذكرها لنا وإذا سألناه عنها لم يشرحها لنا.
قال القاضي: فتتبعت ذلك إلى وقتي هذا فلم أجد إلا بعضها، ثم أخرج إلى كتابه الذي علقها فيه فكتبتها من خطه وقرأتها عليه وهي: إذا قام الشفيع أكثر من عام وهو عالم بشفعته ثم أراد الأخذ بها وادعى الجهالة فإنه لا يعذر، وفي كتاب الأخبار إذا علمت الأمة أنها أعتقت فوطئها زوجها ثم أرادت أن تختار نفسها وادعت الجهالة فإنها لا تعذر.
وفي كتاب الرجيم: إذا وطء المرتهن الجارية الرهن وادعى الجهالة حد ولم يعذر، وفي كتاب السرقة: من سرق خرقة أو ثوبًا لا يساوي ربع دينار فأكثر أنه إن كان سرق نم ذلك ما يسترفع في مثله قطع ولم يعذر بالجهالة، وفي التخبير في رسم إن خرجت من سماع عيسى، فيمن ملك امرأته أمرها فقضت بالبتة فلم يمكر عليها، وادعى الجهل وظن أن ذك لا يلزمه وإراد أن ينكر عليها حين علم فإنه لا يعذر بالجهالة.

قال ابن عتاب: فتتبعت ذلك فوجدت منه مسائل كثيرة، منها: حديث مرغوس في المقرة جهلا بالزنى، قال لا يعذر أحد فيه اليوم من العجم وغيرهم، وذكر ابن حبيب عن أصبغ أن يدرأ فيه الحد عمن جهل تحريم الزنى ممن يرى أن مثله يجهله كالصبي وشبههم، وفي سماع ابن القاسم: سئل مالك عمن أسلم من العجم فأتى حدًا لا يعذر بالجهالة ويقام عليه الحد.
وفي كتاب الصلاة من سماع يحيى عن ابن القاسم فيمن خير امرأته فطلقت نفسها واحدة، فيقول: ليس ذلك لك، فتقول فإذا ليس ذلك لي فأنا طالق البتة، قال: لا أرى ذلك لها من أجل أنها تركت ما جعل بيدها فلم تقضي فيه بما يجوز لها، وإن قالت ما كنت أعلم أن لي بالتخيير إلا واحدة فلما تبين لي طلقت بالبتة، فلا يقبل منها ولا تعذر بما اعدت من الجهالة.
وفي المستخرجة في كتاب التخيير من سماع عيسى ع ابن القاسم فيمن ملك امرأته أمرها فقالت: ثم صالحها بعد ذلك قبل أن تسأل ما قبلت أنها تسأل، فإن قالت: كنت طلقت بقولي قد قبلت اثنتين أو ثلاثًا فالقول قولها إلا أن يناكرها فيحلف على ما نوى، قل له أيناكرها، وهي في غير مكله؟ قال: نعم ذلك له.
وإن قال: لم أنو شيئًا فالقضاء ما قضت.
فإن قالت: كنت طلقت اثنتين فالصلح ثلاث ولا تحل له إلا بعد زوج، وفي البتة لا تحل له أيضًا إلا بعد زوج، وإن قالت: كنت طلقت ثلاثًا فلم يناكرها فليس عليه أن يرد ما أخذ منها لأنها حين صالحت علمت أنها لم تطلق ثلاثًا وإن ادعت الجهل لم تعذر.
قال القاضي أبو الأصبغ: اختصرت بعضها وفي كتاب الشهادات في نوازل سحنون، قال أصبغ: قال ابن القاسم: من استحلف اباه في حق له عليه سقطت شهادته وإن جهل أن عقوق، وكذلك قاطع الدنانير جاهلا بكراهيته.
وفي سماع أصبغ فيمن استحلف أباه وأخذه بحد فحد له لم تجز شهادته وإن جهل أنه عقوق، وقال: إن عذر بالجهالة في هذا عذر أيضًا في أشياء كثيرة من ارتكاب الحرام وشبهه فلا أرى أن تجوز شهادته، وروي المقامي عن ابن حبيب في غير الواضحة عن أصبغ قال ابن القاسم في الذي يقطع الدنانير والدراهم جاهلا بكراهيته، ويستحلف أباه

في العقوق جاهلاً أنه عقوق: لا تجوز شهادة هذين وإن كان جاهلين.
وفي كتاب ابن المواز وابن القاسم أنه لا تجوز شهادة قاطع الدنانير والدراهم إلا أن يعذر بالجهالة.
وقال فيمن وقع له على أبيه يمين في حق أنه يحلفه، وكذلك الحد يجب له عليه أنه يحد له إن أحب فإن أحلفه أو حده لم تجز شهادته، وإن عذر بالجهالة يم ينفعه ذلك.
وفي كتاب الأكرية من سماع بن حبيب نقلته من أصله بخطه، وقال: وسألت أصبغ هل يجوز للرجل أن يكري الدابة لحمل طاعماه إلى رحى سماها، وحمله من الرحى مطحونًا إلى داره ولا يؤقت وقتًا لحبسه الدابة؟ فقال لي: إذا لم يكن ذلك في إبان حمل الأنهار أو في إبان كثرت الناس واجتماعهم والأوقات التي يكون فيها الحبس على الطحين وطول اللبث على ذلك فلا بأس به، وإن كان ذلك في أبان خوف الحبس واللبث فلا خير فيه إلا مؤقتًا.
قال: وإن كان في غر إبان الحبس ثم أتى الحبس من علة رحى أو ما أشبه ذلك فإنه إذا انقضى من الوقت مثل ما كان يعرف قبل ما حدث من العلة والحبس أخذ دابته ولم يكن عليه انتظاره الطحين إلا أن للمكتري أن يكريها راجعه من الرحى على مثل حمل طعامه إلى مثل موضع داره.
قلت: فإذا جهل ذلك ورد الدابة، وهو يرجوا أخذها إذا طحن؟ قال لا شيء له، ولا يعذر بالجهالة، فإن اشترط أنه متى طحن أتى لأخذ الدابة، وهو يرجو أخذها إذا طحن؟ قال: لا شيء له ولا يعذر بالجهالة، قلت: فإن اشترط أنه متى طحن أتى لأخذ الدابة، وهو في إبان خوف الحبس واللبث؟ لا يجوز ذلك إلا على الوقت كما فسرت لك.
وفي الدمياطية لابن القاسم في المرتهن: يرد الرهن إلى الراهن إن ذلك خروج من الرهن ولا يعذر بالجهالة.
وفي الواضحة فيمن باع جارية وقال: كان لها زوج فطلقها أو مات عنها، وقالت له الجارية ذلك؛ لم يجز للمشتري أن يطأها، ولا يزوجها حتى تشهد البينة على الطلاق أو الوفاة، فإن أراد المشتري ردها وادعى أنه ظن أن قول الجارية والبائع في ذلك مقبول: لم يكن له ذلك، وإن كان ممن يجهل معرفة ذلك وقد لزمته بعينها.

وفي سماع ابن حبيب سمعت أصبغ يقول في المظاهر يطأ قبل الكفارة أنه يعاقب؛ جاهلا كان أو عالمًا.
ولأشهب في ديوانه فيمن أعتق أم ولده ثم وطئها في العدة وأدعى الجهالة أنه لا يعذر لذلك والحد لازم كما لو زنى رجل وزعم أنه لم يعلم بتحريم الزنى، وفرق أشهب بين المعتق والمطلق ثلاثًا أو البتة يطأ في العدة، فقال في المطلق: لا يجد ويلحقه الولد، وهو موضع شبهة لأهل الجهل وكذلك المطلق قبل الدخول ثم يطأ يلحقه الولد ولا حد عليه ولا عليها، وذكر ابن حبيب عن أصبغ في الموصي إليه يشتريى نصرانية فيعتقها: ثم يجز ويضمن الوصي وإن أخطأ أو جهل.
وفي سماع ابن القاسم: سئل مالك عن رجل علي صيام الظهار فصام ذا الحجة، فقال: لما صام وهو يعلم أنه مفطر؟ فقيل له: قد كان ذلك.
قال أحب إلى أن يبتدئ الشهرين وإن بنى على صيامه فعسى أن يكون له في ذلك سعة، وما هو بالبين، قال ابن القاسم: أرى أن يبتدئ الشهرين، ولا تنفعه الجهالة؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿فصيام شهرين متتابعين﴾ (النساء: من الآية 92): فلا تنفع أحدًا جهالته فيما خالف كتاب الله.
وفي الشهادات من سماع ابن حبيب: وسألت مطرفًا عن تارك شهود الجمعة، وهو ممن يجب عليه حضورها، هل يجرح ذلك شهادته؟ فقال لي: سمعت مالكًا يقول: من تركها من غير مرض ولا عذر؛ لم تجز شهادته.
قال مطرف: وذلك إذا تركها مرارًا ولم يعرف له عذر في تركها، وشهادته مطروحة حتى يثبت عذره ويظهر ولا يعذر في ذلك بجهالة.
وروي عن مالك ابن أبي حبيب قال: قلت رجل وأنا حديث السن: ما على الرجل يقول: على مشي إلى بيت الله ولم يقل: على نذر مشي، فقال لي رجل: هل لكان أعطيك هذا الجرو – لجرو قثاء في يده – وتقول علي المشي إلى بيت الله؟ قال: فقلت: نعم، فقلت وأنا يومئذ حديث السن، ثم مكث ما شاء الله حتى عقلت فقيل لي: إن عليكم مشيًا فجئت سعيد بن المسيب فسألته فقال: عليك مشي، فمشيت.
قال مالك: وهذا الأمر عندنا.
قال أبو عبد الله: وحكم الجاهل في مسائل الصلاة حكم العامد سواء لا يعذر بالجهل فيها، وكذلك الحج يستوي فيه الجهل والعمد والنسيان

في كثير من وجوهه.
قال مالك في الموطأ: من نتف شعرًا من أبطه، أو من أنفه، أو طلي جسده بنورة، أو حلق عن شجه في رأسه لضرورة، أو حلق قفاه لموضع المحاجم وهو محرم؛ ناسيًا أو جاهلاً، فعليه في ذلك كله الفدية إن فعل شيئًا منه، ومن قذف عبدًا فظهر أنه قد كان أعتقه قبل ذلك فالحد يلزم، ولا يعذر بجهل العتق، وكذلك إن لم يعرف العبد بعتقه، فقذف أو شرب مسكرًا أو زنى فحده حد الحر.
والمرأة يغيب عنها زوجها فتنفق من ماله ثم يأتي نعيه أنها ترد ما أنفقت من حين توفي وإن كانت جهلت موته.
والبيوع الفاسدة حكم الجاهل في ذلك حكم العامد في جميع الوجوه، ومن اشترى أباه أو أحدًا ممن يعتق عليه جاهلاً بذلك لم يعذر بالجهالة وعتق عليه، فإن اشتراه عبده المأذون أو مقارضة فكذلك.
قال القاضي: هنا انتهى ما جمعه الشيخ أبو عبد الله بن عتاب رحمه الله مما لا يعذر فيه بالجهل فاعله، وما قصر رحمة الله عليه ورضوانه.
التنازع في طريق إلى كرم داخل كروم أو أرض بين أرضين: كان لرجل كرم بين كروم لأناس شتى متلاصقة، وكانت قد تبورت، فكان صاحب الكرم يسير إلى كرمه من حيث شاء لا يمنع ثم عمر أرباب الكروم كرومهم، فمنعوه من الدخول عليها، وكان قبل عمارتهم لها بالغرس قد سلك على الأرض إلى كرمه نحو ستة أعوام، فلما غرس الأرض ربها وأدرك الغرس منعها من السلوك عليه أو سكتت له الأربعة الأعوام أو نحوها بعد الغرس.
ونزلت ببياسة فكتبت بها إلى قرطبة قبل سنة أربع وأربعين وأربع مائة قلت: وكيف إن كان في موضع الكرم أرض بيضاء ما العمل في ذلك؟ فكتب إلي ابن عتاب: الأرض البراح مخالفة لما قد حشر عليها وصرف إلى موضع يدخل منه، فإن كان لأهل البلد سنة في الفدادين والأحقال حملوا عليها، وإلا فإن كان صاحب الأرض المجهولة المدخل يعلم أن مثله يجهل ذلك لمغيب أو صغر يكون قد ورث الأرض وهو صغير أو

غائب يجهل أمرها، فيلزم ل من جاوره اليمين أنه لا مدخل له على أرضه، فمن حلف برئ ومن نكل كان عليه المدخل.
وإن كان صاحب الأرض ممن يعلم أنه لا يخفى عليه ذلك ولا يجهله قيل له: لا يمين لك على من يجاورك بهذه الدعوى التي لا تحققها، فإن حققت دعواك على أحد لزمته اليمين أو يصرعها عليك فيحق بذلك ما تطلبه وإلا فلا شيء لك فلما وردني جوابه هذا أعدت سؤاله عن الحكم كيف يكون إن حلفوا أجمعوا أو تكلموا أجمعون.
فكتب إلي: ليس عندي من الجواب إلا ما جاوبتك به إلا أنه أظهر إلى بعض أصحابنا مسألة كتب فيها إلى يحيى، فأجاب فيها، تشبه مسألتك في اللفظ، وتخالفها في المعنى، وهي كتب عثمان بن غازي إلى يحيى بن يحي بن يحي في رجل كانت له أرض، وقد أحاط بها أرض قوم فغرسها، فكان يختلف أحد الشركاء إليها على أرض من جاوره، فسد القوم أرضهم بالسد، ومنعوه الممر فيما سدوا عليه، فوقف لا يجد ممرًا إلى كرمه، فكتب إليه أن يؤمروا أن يجعلوا له طريقًا إلى كرمه على غير مضرة بهم ولا به ثم يتراد القوم هذا الممر بينهم حتى تكون على جميع من كان يختلف عليه.
وكتب ابن القطان إلي.
قي مسألتي إذا لم يثبت لصاحب الكرم الداخل طريق على واحد من المانعين له، فلا طريق له عليهم وإنما يقول له الحكم: إن أثبت عندي شيئًا حكمت لك له، إلا أنه إن ادعى أن له طريقًا على أحدهم وحقق دعواه حلف له المدعي عليه، فإن نكل حلف المدعي، وقضي له بما يدعي من الطريق.
وأما سلوكه المدة التي ذكرت فلا حجة له في ذلك إن لم يحتج بسكوت المسلوك عليه، وإن قال هو ملكي ومالي وطريقي إلى كرمي؛ فعلى رب الكرم أن يثبت أن الأصل له وأن مروره هذا محدث، فإن أثبته قضي له بدفع محدث الطريق إن شاء الله عز وجل وكان في جوابه إصلاح اعتذر منه كما يعتذر في الوثائق.
قال القاضي: ورأيت بعد ذلك في هذا المعنى كتب إلى بكر بن وافد فيمن له أرض فغرسها كرمًا وحوله أرض جيرانه وقرابته غير محظور عليها، فكان يختلف إلى كرمه من حيث أمكنه

عشرين سنة أو نحوها، ثم غرس جيرانه وقرابته أرضهم من كل ناحية، وأغلقوا عليه فمنعوه الاختلاف إلى كرمه من كل ناحية، فأجاب ليس لهم أن يغلقوا ما يقطعون بإغلاقه السلوك إلى أرضه إن شاء الله.
وفي كتاب البنيان والأشجار لابن حبيب: وسألت أصبغ عن أرض لرجل في وسط أرضين لقوم كان ينتجعها بالحرث والحصاد على فدان من لم يحرث فدانه تلك السنة، فأراد أن يتخذ بنيانًا في أرضه تلك فمنعه أصحاب الفدادين المحيطة به، وقالوا: تطرق علينا وتضر بنا فداديننا إذا زرعنا.
هل يمنع مما أراد من البنيان في أرضه؟ فقال لي: لا يمنع من ذلك وهو يمر إلى أرضه من حيث كان يمر مرة من هذه الأرض إذا لم تزرع ومرة على هذه الأخرى إذا زرعت، ويمنع من أن يضر بالقوم في زروعهم.
قلت: فإن أراد كل واحد منهم أن يغلق على أرضه ببنيان أن بحظير البستان كيف يصنع صاحب الأرض المتوسطة؟ قال: يمنعون مما ذكرت حتى يجتمعوا له على ممر يتركونه له من أرض من شاءوا منهم، وذلك على كل من كان هذا المتوسط يختلف على أرضه إلى ارض نفسه.
قلت فإن اختلفوا في هذا الممر؟ فقال لهم المتوسط: اتركوا لي ممرًا واسعًا يحملني وماشيتي وجميع حوائجي، وأبى القوم من ذلك.
فقال لي يحكم له عليهم بمثل الممر الذي كان له في أرضهم من قبل البنيان منهم، ومنه على حال ما كان يختلف إليها بماشيته.
وإن لم يكن يختلف قبل ماشيته لم يكن عليهم أن يتركوا له ممر ماشيته وكذلك إذا أراد هو البنيان وحده.
ولم يردوا هم بنيان أرضهم، وتركوها للحرث والزرع كما كانت، فاحتاج من المنافع من دخوله إلى أرضه وخروجه منها إلى أكثر مما كان يحتاج أولاً؛ إذ كان يختلف إليها للحرث فقط فإنه يمنع من البنيان؛ لأنه استحقاق لأكثر من حقه.
قال وسئل ابن القاسم عن ذلك فقال مثله.
وفي حريم البئر من المدونة: فيمن له بئر يحول بينه وبين أرضه أرض جاره، فمنعه الجار من الممر إلى العين.
قال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول فيمن له أرض حوله أرض للناس مزروعة فأراد أن يمر بماشيته إلى أرضه في زروعهم إن كان ذلك يفسد فلهم أن يمنعوه.

فصول الكتاب · 23 فصل · 750 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام · 750 صفحة
مقدمة المؤلفباب في القضاء والأحكامباب في المقالات والشهادة والحيازةباب في مسائل أداء الشهادات، ونقلها، والإشهاد عليها، والشهادة على الخط، ومن سأل أن يدفع له نسخ ما يشهد به عليه، أو سأل القاضي أن يعطيه المشورة التي شاور بهاباب في الاستئمان والخلطة وكشف القضاة عما يستريبونه من الأمور بمن يرسلونه ممن يثقون بهباب اليمين مع الشاهدباب في مسائل المحجوز
باب الوصايا بالأيتام والأموال
باب مسائل العتق وادعاء الحرية في عبد بين ثلاثة؛ أعتق أحدهم نصيبه في وصية، واشتكى بأحد سيديه
باب النكاح
باب في الحضانة والنفقات واختلاف الزوجين في متاع البيتباب الطلاق وأسبابهباب الحلف بالأيمان اللازمة والحنث فيهاباب في البيوعباب العيوبكتاب الأقضية
باب الأقضية والشهادات
باب الإقرار
باب الشفعةباب ما ينقسم وما لا ينقسم والاختلاف فيهباب الصدقات والهبات وشبيههاباب الحبس
باب مسائل الاحتساب
جارٍ التحميل