ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكامصفحات 434-471
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب الأقضية والشهادات

صفحات 434-471
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو الأصبغ
الكتاب
ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام
المؤلف
عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي الجياني القرطبي الغرناطي أبو الأَصْبَغ (المتوفى: 486هـ)
المحقق
يحيي مراد
الناشر
دار الحديث، القاهرة - جمهورية مصر العربيةعام النشر: 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وجل، أنها ما غابت على شيء من تركة زوجها، ولا عندها شيء من تركته ولا عند غيرها بسببها؛ لا بوديعة منها لذلك ولا بغيرها من الأسباب.
وهذه اليمين كانت تلحقها دون الاسترعاء، فبهذا جرت الأحكام قديمًا في هذا وأشباهه، ولا سبيل إلى العدول عنها، ولا الخروج منها، والسلام عليكم ورحمة الله.
قاله محمد بن عتاب.
وجاوب ابن القطان: سيد قرأت كتابك وما ضمنت خطابك من استرعاء وإنكار، فرأيت في ذلك ريبًا ظاهرًا، وتهمًا بينة مكشوفة، إذ كان ذلك كله وهي آمنة ن غير إكراه ولا ضغط، وعلى ذلك يدل كتاب الاسترعاء؛ لأن شهوده معروفون بالخير والعدالة، وذلك كله موجب للتشدد على الزوجة مسعدة؛ إذ ثبت عليها إنكارها لما وقع، وسكوتها وإقرارها أنها رأت القدر المذكورة في يبيتها، وقولها: لا أدري علامة سوء، يوجب ذلك كله التشدد عليها، وللوارثين ذلك المالكين لأمورهما طلب حقهما.
فإذا ظهر شيء قسم ذلك قسم ذلك وقدم حينئذ للصغير من يقسم عليه ويقبض حصته، وليس صغر الصغير ويتمه مما يمنع الوارثين طلب حقهما وإثباته، والذي كان من انتهاب مال لبيب البيطار معلوم، وما شاع من ظهور ماله مشهور غير منكور، ولهذا وشبهه وما أثبت في الاسترعاء وإنكار مسعدة: وجب ما ذكرته، والله عز وجل يبين الحق ويظهر بحسن النية فيه وفي إظهاره، بعزته إن شاء الله تعالى.
ولم أتكلم في أمر الترقيب، ولا جاوبت فيه؛ إذ لم أخاط به ولا شاع أن ذلك كان في حال إقرار أو إنكار، ولا يحسن الجواب إلا فيما يجب والسلام.
وجاوب ابن مالك: سيدي ووليي، ومن أرشده الله إلى ما يرضاه، وعصمه فيما يتولاه: تدبرت خطابك والاسترعاء المدرج طيه، فأبدا لي ريبة مسعدة، وأنها مسترابة متهمة، واليمني في هذا موضوعه في كتاب الله عز وجل على المريب المتهم، هل أخفى شيئًا من التركة؟ وهذا قوله سبحانه ﴿فيقسمان بالله إن ارتبتم﴾ (المائدة: 106) وقد اختلف عن مالك في هذه الآية هل هي منسوخة أم لا؟ والقول بأنها محكمة أصح، وعليه أكثر الأمة، وإن كان في أحكام إسماعيل: راسخ مذهبنا أنها منسوخة، وهو عندي قول واه، تبدو عليه هجنة؛ لأن قائله يزعم أن ناسخها قوله عز وجل ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ (البقرة: 282) ﴿وأشهد ذوي عدل منكم﴾

(الطلاق: 2) والمائدة إنما نزت بعد هذا، فكيف يتقدم الناسخ على المنسوخ لولا فتور التحصيل، ولو سلمنا نسخها ما منع من احتجاجنا بها وجوه، منها: أن مالكًا قد احتج في المدونة إذ سئل عن مسألة بآية لم يختلف في نسخها وزوال حكمها، وهذا يطول شرحه وجلبه.
والجواب في مسألتك إن تحلف مسعدة ومن اتهم، لا سيما وقد تقصبت واستبرأت، وقد خاب من حمل ظلما وتقد خيانة، فإن نكت عن اليمين؛ فالتشدد بالسجن وغيره، وبذلك أفتى عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وأبو صالح، ومحمد بن وليد، ولعلماء الأندلس.
حملنا الله وإياكم على الصواب، برحمته، والسلام سيدي ورحمة الله وبركاته.
قال القاضي: في قوله: وبذلك أفتى عبيد الله، وابن لبابة، ومن ذلك معهما، وقد ذكرنا ذلك عنهم من أحكام ابن زياد، في صدر الكتاب، وفي باب الأيمان، وفي الحقوق والتهم هناك، مستوفي كثير المسائل، وقوله: وقد احتج مالك في المدونة على مسألة بآية منسوخة، يريد قول مالك في يالنصرانية لها أخ مسلم ويخطبها مسلم، وإن كانت من نساء أهل الجزية، فلا يجوز للأخ أن يعقد نكاحها وماله ومالها، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ (الأنفال: 72).
وفي الواضحة: هذا إن تشاح أهل دينها في ذلك، وإلا فإن يلي عقد نكاحها مسلم خير من أن يليه كافر، وقال ابن القاسم في سماعه إن كانا معتقين فله أن يلي العقد عليها، وأما الآية فذكر أبو جعفر بن النحاس في كتابه عن قتادة في قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ (الأنفال: 72) قال: وكان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وكان من أسلم ولم يهاجر لم يرث أخاه، فنسخ ذلك ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ (الأنفال: 75).
قال ابن عباس: آخى النبي (صلى الله عليه وسلم) بين أصحابه، فكانوا يتوارثون بذلك حتى نزلت ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ (الأنفال: 75).
فتوارثوا بالنسب، قال أبو جعفر: فقال العلماء: إن هذه الآية ناسخة للتي قبلها، وذكر عن عكرمة نحوه.
وأما قول ابن مالك في آية الوصية في سورة المائدة: إن قول من قال: إنها منسوخة قول واهٍ

تبدو عليه هجنة، فكان ينبغي له أن يتعداه إلى سواه مما هو أحسن لفظًا وأجمل مقطعًا؛ لجلالة قائله ورسوخهم في العلم.
فقد حكى أبو جعفر في كتاب الناسخ والمنسوخ ذك عن زيد بن أسلم ومالك ابن أنس والشافعي وأبي حنيفة، وقال في كتاب المعاني له عن إبراهيم النخعي أيضًا أنه قال: إنها منسوخة نسختها ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (الطلاق: 2) وقد ذلك الشيخ فيها أبو بكر محمد بن الحسين في كتاب المشاكل له، وإن كان لم يسم قائله.
وما قاله هؤلاء العلماء وأئمة الفقهاء، واتبعهم عليه من الخلف مثل القاضي إسماعيل بن إسحاق وغيره، ليس بطلق فيه القول مثل هذا التهجم، ولا ينكر بأقبح الذكر، إذ توقيرهم علينا واجب، وحقهم لنا لازم، وحسب المنكر له العدول عنه، وترك القول به، إذا كان لذلك أهلا وكان معه من العلم إدراك يميز به صحة ما يختاره ويميل إليه.
وإنما يستسهل الإنسان هذا اللفظ وشبهه في المتسمين بالعلم من المتأخرين المتكلفين لما لا يحسنون، وفقنا الله أميع، واستظهار على أحكام الآية بأن الناسخ لا يكون قبل المنسوخ لا يسلم له، فقد نسخ قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ (البقرة 240) الآية، وهي في التلاوة بعد الناسخة، مع أن في الآية خمسة أقوال أحدهما نسخها والثاني قول ابن عباس: إنها محكمة على ظاهرها في السفر.
وقاله شريح: تجوز شهادة أهل الكتاب في وصية المسلم في السفر، وقاله ابن المسيب، وسعيد بن جبير، وعبيدة وابن سيرن، وغيرهم.
وتركنا ذلك مما قيل فيها لئلا نخرج عن غرضنا في هذا الكتاب وبالله التوفيق.
شورى فيما تخلف إبراهيم بن محمد المعروف بابن السقا قيم دولة ابن جمهور بقرطبة.
شاور صاحب أحكام قضاء الجماعة بقرطبة سراج بن عبد الله – وفقه الله – من حضرة من أهل العلم أرشدهم الله فيما يذكر بعد هذا من أموال الهالك إبراهيم بن محمد بعد أن ثبت عنده موته، وأن المحيط بميراثه في علم من ثبت ذلك عنده ابنه الصغير محمد.
ولم يلف له ناظرًا فقدم لنظر له محمد بن مطرف بن كوثر، وسألهم عن الواجب

في تركته هل تنفذ منها وصيته، ويرث سائرها ورثته أم لا؟ إذ قد ثبت عنده استطالته في الأموال بغير حق، واقتطاعه إياها واستبداده فيها دون واجب، وقلة ذا يده وتفاهة وفرة يوم ولي النظر في أموال المسلمين، وأنه هلك في تولية ذلك، وهو عظيم الوفر واسع الجدة بين الإكثار.
وكذلك شاورهم فيمن اتصل بالهالك من قرابته وخاصته، وشاركه في قبض أموال المسلمين وجديها على يديه ممن ثبت عند إقلاله وتفاهة يده يوم تولى ذلك، وثبت عنده عريض غناه وكثرة ذات يده يوم أزيح عن ذلك منهم سالم أخو الهالك إبراهيم، ومحمد بن أخت الهالك إبراهيم، وسهره يحيى بن وهب، وأعلمهم أنه قد ثبت عنده هلاك محمد بن أخت الهالك، وأن المحيطين بميراثه في علم من ثبت بهم ذلك عنده بنوه الأصاغر يحيى وإبراهيم وعبد الملك وأبو يحيى، وأنه لم يلف لأصاغر ذلك ناظرًا من قبل أب ولا قاض.
فقدم للنظر لهم جدهم يحيى ويوسف بن أحمد بن عبد العزيز القيسني، وأعذر فيما وجب أن يعذر فيه من جميع ما ذلك في هذا الكتاب إلى من وجب أن يعذر إليه بما وجب، فلم يكن عند من أعذر إليه في ذلك مدفع، وأقر عنده سالم ويحيى المذكوران أن جميع ما بأيديهما من الأموال والرباع والعبيد وما بنياه من المنازل، إنما هو من مال المسلمين، حاشا الدار التي يسكنها يحيى منهما الآن بحاضرة قرطبة بحومة مسجد الغلباطي وحاشا الحانوت التي بيد سالم، وكان لمتجره بسويقة ابن سليمان.
وثبت إقرارهما بذلك عنده في مجلس نظره، واستفسر الفقهاء عن الواجب في ذلك كله، فقالوا: نرى والله الموفق للصواب إذ قد ثبت عندك ما ذكرت، وأعذر على حسب ما وجب أن جميع تركة الهالكين إبراهيم ومحمد لمسلمين إلا ما صح ملكه لهما، وأن جميع ما أقر به سالم ويحيى لازم لهما فيما أقرا به.
قال بذلك محمد بن عتاب، وأحمد بن محمد، وموسى بن هذيل، وعبيد الله بن مالك.
قال القاضي: أخبرني ابن مالك رحمه الله قال: كتبت هذه الشورى عند الوزير ابن جهور وبمحضر القاضي سراج والفقهاء في سنة خمسين وأربعمائة التي قتل فيها إبراهيم بن محمد بن يحيى، وكلهم قد درج رحمنا الله وإياهم.

شورى في دار بين شركاء، بعضهم يسكنها وباقيهم يسأل أخلاءها ليبيعها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد سؤال لصاحب الأحكام بقرطبة: يا ساداتي، لورثة خلف بن سعيد دار بعضهم فهيا وبضعهم خارج عنها، فأراد الخارجون عنها تسويقها وبيعها، وقالوا: لا يمكن تسويقها إلا بإخلائها، ودعا ساكنها إلى عزم كرائها على الإباحة للتسويق، فأبى ذلك الخارجون عنها.
فجاوب أبو عبد الله ابن عتاب: سيدي ووليي، الذي أفتى به سيوخنا قديمًا، وحكم به في ذلك/ أن الدار التي لا تحتمل القسمة، وتنازع الورثة فيها – كما ذكرت – تخلي من جميعهم لتسوق خالية، إلا أن يوجد من يكتريها من غير الورثة على شرط التسويق، فتكري منه إذا أمن منه الميل إلى بعض الورثة، ولم يكن من ناحية أحدهم ولا من سببه، وبهذا أقول.
وجاوب أبو عمر بن القطان: سيدي ووليي بقاء الدار دون كراء ضرر على من يذهب إلى ارتفاق بنصيبه إن كانت دارًا يكرى مثلها، فوجه العمل أن يقال لهم: إن أنفقتم الآن على التقاوم في الكراء إلى أن ينفذ البيع فيها فتقاوموها، ثم يسكنها من أراد، وإن أبيتم أخليت منكم ثم أشيدت للكراء، كما تشاد الدور للبيع.
فإذا بلغ كراؤها ثمنًا ما كان لمن أراد السكنى أن يضم كراء أصحابه بما بلغت ويسكن الدار، إلا أن يزيد عليه من شركة، فالزائد أحق، والإشادة للكراء على شرط التسويق للبيع، إلا أن يثبت في ذلك من الساكن فيها من الورثة ضرر يخل بالبيع، أكريت من غيره، وإن ثبت عندك أن تسويقها للبيع خالية أفضل من مسكونة وأوفر لثمن؛ أخليت إن شاء الله تعالى .. وجواب أبي مروان ابن مالك: سيد، إن كانت هذه الدار لا تحتمل القسمة بينهم لضرر، فلا أجد فيما أظهره الله إلي من العلم على مذهبنا إلا ما قاله الفقيه أبو عمر حفظه الله، أعرف أنه الحاصل في ذلك من مذهبنا، كما يعرف الناس أبناءهم.
قال القاضي: هكذا وجدت هذه المسألة على النص من أولها إلى آخرها بخط أبي مروان رحمه الله

في آخر بعض أسفاره من مختصر المدونة وقد تقدم، هذا المعنى على نحو ما أفتى به ابن عتاب، وكان جوابه مقنعًا لو كان إنصاف وائتلاف ولم يكن تناكر واختلاف، واليه يرجع ما أطال أبو عمر الكلام فيه، والله الموفق للصواب.
مسألة زوجة الشرقي في قيامها عليه في مغيبة بحق طلبت به وكيله فأقر لها به: قامت عند صاحب الأحكام محمد بن الليث فاطمة التي كانت زوج محمد بن أحمد الشرقي إلى أن طلقت نفسها في مغيبة بشرط المغيب، وادعت أنها كانت دفعت إليه قبل مغيبه مائة مثقال يبتاع بها خادمًا، وأنها كانت أسلفته مدى قمح، ثم رغب منها أن تأخذ منه فيه ثمانية عشر مثالا، ولم يؤدها إليها، ولا ابتاع لها المملوكة.
ووقفت على ذلك عند ابن الليث محمد بن أحمد الباغاي إمام الفريضة بعد أن ثبت عنده أنه وكيل الغائب ابن الشرقي على طلب حقوقه كلها وقبضها والإقرار والإنكار وقبض مستغلاته توكيلاً تامًا مفوضًا، أقامه فيه مقام نفسه في يعقد مؤرخ بنصف المحرم سنة تسع وخمسين وأربع مائة.
وكان ابتداء العقد: توكل فلان بن فلان على كذا وكذا، ثم قال: شهد على إشهاد المتوكل والموكل على أنفسهما إلى التاريخ، ثم قال: وكان إشهادهما على التوكيل المذكور قبل تاريخه، بعام أو نحوه في علمهم، فأقر الوكيل محمد على الغائب ابن الشرقي للزوجة فاطمة بدعواها.
وقال: إنه حق قبل موكله، وتقيد إقراره في أسفل التوقيف وشهد لها بالمائة مثقال شاهدان أهما سمعا الغائب يقر لها بها، فقبل الحكم أحدهما، وطلبت فاطمة أن تنصف من ذلك من ثمن المملوكة المبيعة على الغائب في غيبته، لشكواها الضيقة، وأنها لا نفقة معها، وطلب الوكيل قبض الثمن الموقف عن أمر الحكم على يدي ثقة ارتضاه الحكم لذلك، واحتج الوكيل في طلبه لذلك بما في عقد الوكالة من أنه وكيله على فقبض حقوقه، فشاور ابن الليث في ذلك كله.
فأفتى بن عتاب: تصفحت خطابك ونظرك الذي نظرته في يأمر المملوكة، وبيعها صحيح، وما وقفته للغائب، فلا سبيل إلى إخراجه عن من وقفته على يديه إلى بتوكيل الغائب على قبضه توكيلاً ينص فيه على قبضه، وأما بالتوكيل الذي أدرجته فلا، وكذلك لا سبيل إلى قبض

فاطمة ما ادعته، لتوفقك عن قبول أحد شاهديها، فيبقى ثمن المملوكة عند من وقفته بيده إن شاء الله تعالى.
وأفتى بن القطان: أما التوكيل المذكور، فللموكل محمد بقض جميع حقوق موكله الغائب بقوله: إنه وكيله على قبض كل ما وجب له من حقوقه، ويبرأ المقبوض منه بقبض الوكيل، وقد نزل مثل هذه المسألة في رجل وكل رجلا على قبض حقوقه، ووقع للموكل بعد ذلك ميراث، فلم يختلف حينئذ أحد من شيوخ الفقهاء، وهم متوافرون أن له قبض ما وجب لموكل، وإذا لم يثبت عندك لفاطمة ما يوجب لها حقا فلا شيء لها في مال الغائب.
وأفتى أبو محمد بن أبي عبد الصمد: ما ادعته المرأة فاطمة من المائة مثقال قبل الغائب ليبتاع لها بها خادمًا إنما هو في أمانة الغائب، وليس بدين ثابت في ذمته، ولا يعدي في مال الغائب بما هو في أمانته، وما ادعته من بقاء ثمن القمح الذي كانت سلفته إياه عليه فهو دعوى ما لا يجوز؛ لأنه فسخ دين في دين، ولا يقضي لها بشيء من ذلك في مال الغائب للوجه الذي ذكرنا.
وما دعي إليه الوكيل من قبض ثمن المملوكة الموقفة للغائب، فذلك له واجب؛ لأنه من حقوق الغائب أن شاء الله تعالى.
وأفتى ابن مالك سيدي ووليي، ومن وفقه الله وسده، أراك إنما اعتمدت فيما ذكرته لنا من مغيب ابن الشرقي على ما ثبت عندك فيه ولا تاريخه، إذا لم تعرفنا به، فإن كان فيما ثبت عندك بعد مغيبة واتصال غيبته وتاريخ الشهادة بمغيبة قريب جدًا، فذلك الذي يبيح العمل بالوكالة.
فإن كان إيقاع الشهادة بالمغيب قد بعد عهده فنبغي أن تعاد الشهادة إلي باتصال غيبته، ثم إن الوكالة المدرجة إلينا يبدو فيها أن الموكل ابن الشرقي لم يشهد على نفسه في العقد المدرج إلينا منتسخة، ولا أرى الكتاب، وإنما لقن ما فيه من حفظ الشهود على وجه الاسترعاء إلا بأن ينص لك الشاهد معانيها من حفظه كما يزعم القائم أن من حفظهم كتبت، وأما أن يقول لك: هذه شهادتي أشهد بها عندك، فتعلم له عيها، فلا يجوز لك، ولا يسعك ذلك في مثل هذا، فالله الله في الاهتبال بأمور الناس والنظر لنفسك.
فإذا عزم الأمر وحق العمل بالوكالة بتهذيب ما ذكرنا واستبرأته أنصفت فاطمة مما

توقف لغائب، إما بإعمال إقرار وكيله عليه، وإما بأنه شاهد لها فتحلف معه بما يجب، وهذا بين بما في الموطأ وبيانه، ولها شاهد آخر مقبول سوى الموقف عنه، ويقبض الوكيل ما بقي للغائب بعد إكمال ما قلت لك وإحكامه على ما يجب إن شاء الله تعالى.
قال القاضي: جواب أبي عبد الصمد في ترك ادعاء فاطمة بما ثبت لها في أمانة زوجها ومن المعاملة الفاسدة جهل لا يلتفت إليه، وأما ابن عتاب فإنما أفتى بأن لا يقبض الوكيل ثمن مملوكة المبيعة على موكله؛ لأنه كان قبل له إن الوكيل غير مأمون عليه، فرأى من النظر إبقاءه في مكانه، وضع ذلك الوكيل من ضعف الوكالة.
تداعى ابن الدباغ وعمر في بئر سانية وصهريجها، وفي المقاسمة فيها: اختصم عند صاحب الأحكام بقرطبة ابن الليث محمد بن محمد بن عتبة المعروف بابن الدباغ مع عمر بن محمد بن عمر في بئر سانية وصهريجها في جنة بالرملة.
وأظهر أحمد كتاب تقاسم في الجنة عقده أبوه ومحمد والد عمر أن السانية والصهريج بين محمد بن عمر ومحمد بن عتبة بنصفين، وجحد عمر الاشتراك، وادعى أنهما لها خالصان، فأنكر عقد التقاسم، واحتج بكونهما بيده وسفيه لجنته بهما، فأثبت محمد عقد المقاسمة، وحيرت بئر السانية والصهريج، وأجل عمر في المدفع، ثم دعا أحمد إلى تحليف عمر أنه ليس عنده من عقد المقاسمة نسخة إذ كان في الذي أظهره والكتاب نسختان.
فأفتى ابن عتاب: أن اليمين لاحقة له أن ما عنده نسخة من المقاسمة واعلم هل بها وخالفه ابن القطان وابن مالك، فقالا لا يمين عليه، إذ قد ثبت الكتاب الذي بيد القائم، ثم اتصل الخصام بينهما، وكان أحمد أثبت عقد المقاسمة بثلاثة شهود، وحازوا القطيع الذي فيه البئر ودورها وصهريجها وأعذر إلى عمر في ذلك، فجرح احد الشهود بعداوة بينهما متصلة، وأنهما لا يتكلمان، وشهد لهم بذلك شهود غير مبرزين، إلا أنهم مقبولون.
وبدا من أحد شاهدي المقاسمة الباقيين ما أوجب التوقف في شهادته، وأثبت كتاب استرعاء تضمن معرفة شهوده بالبئر والصهريج في اعتمار محمد بن عمر، وكونهما في ملكه يسقى منها ويتصرف إصلاح آلتها مدة عشرة أعوام اتصل آخرها بوفاته، وصارا في اعتمار المقوم عليه عمر أزيد من اثني عشر عامًا بمحضر القائم ومشاهدته لا بغي عليه؛ إلى

أن بلغهم قيامه يطلب فيها نصيبًا في تاريخ شهادتهم سنة ثمان وخمسين.
وأثبت أحمد عقد استرعاء بان البئر والصهريج كانا معطلين مدة خمسة عشر عامًا، وأنهما في ملك محمد بن عتيبة ابنة ومل محمد بن عمر بنصفين، ولم يزد الشهود على هذا، وكان قد تقيد من مقال أحمد أنه أعار ذلك عمر وحيز ذلك، وأعذر فيه إلى كل فريق على ما وجب، فلم يأتيا بشيء غير ما ذلك، وشاور الحكم فيها.
فأفتى ابن عتاب: الذي أحاطه العلم وجرى به العمل والحكم في التجريح بالعداوة أنها تكون بشهادة من يزكي من الشهداء، ولا يشترط في أهل التبريز في العدالة من غيرهم، وإنما يطل بالتبريز غير العداوة من وجوه التجريح، ولا أعلم في هذا خلافًا، وذكرت أنه طرأ عيك، وانتهى إليك ما أوجب التوقف باقي شهود المقاسمة، فإذا كان هذا فلا معنى للاشتغال بالسؤال عن الجواب عنها.
ورأيت الكتب المدرجة قد عريت من تحديد الجنة التي فيها البئر والصهريج وإنما أشير إليها في كل كتاب إشارة لا تنحصر ولا تنضبط، ولا يتوجه الحكم في ذلك إلا بالتحديد البين والتعريف المعلوم المكشوف، فيجب تحديد ذلك على المعهود من التحديد، ولا يكتفي من ذلك بما في كتاب المقاسمة لما ذكرته في خطابك من توقفك من باقي شهودها.
وأما في شهادة الشهداء في الاسترعاء الذي ذكرت أنه لم يكن عندهم من يد فيها، ففي إعمال هذه الشهادة اختلاف؛ فمن الفقهاء من يرى ترك إعمالها مع بقاء الشهود وحيازتهم، وإعمالها عند فقدهم وذهابهم، وعدم السبيل إلى استفسارهم، ولكنهم إذا قالوا عندك لا مزيد فيها عندك فلا يجب إعمالها.
والذي يجب في هذه القصة – والله أعلم بحقيقة الصواب – أن يحلف كل واحد على تحقيق ما يدعيه، فإن حلفا كان مشتركًا بينهما على ما قاله مالك رحمه الله فيمن ادعى شيئًا أنه له، وادعى غيره أن له منه نصفه، وما شهد به لعمر في استرعائه، ولأحمد في عقده غير عامل لالتباسها وإشكالها، ولكنهما مدعيان يدا لكل واحد منهما، فإن نكل أحدهما فللحالف ما حلف عليه.

وأفتى ابن القطان: أما كتاب المقاسمة، فلا حجة فيه لمظهره لبطلانه بعد ثبوته، وكذلك عقده بتعطيل البئر والصهريج، والذي أثبته عمر، والذي تقيد من قول أحمد أنه أعاره ذلك؛ يوجبان القضاء لعمر بذلك الأمر حالة؛ لأن الاسترعاء والمقال يوجبان بدًا لعمر إلا لو أثبت ما ذكره في مقاله وما شهد به من الملك لا في القائم ولا في المقوم عليه فلا يتلفت إلى ذلك لنقصانه إن شاء الله.
قال القاضي: قول أبي عبد الله في جوابه على ما في السؤال عن شهود الاسترعاء بتعطيل البئر والصهريج خمسة عشر عامًا، وأنها في ملك ابن عتبة وابن عمر بنصفين، ولم ترد شهادتهم على هذا، وفي إعمال هذه الشهادة اختلاف، ذهب إلى ما في المدونة في كتاب الشهادات عن مالك فيمن شهدت له بينته بداية أو غيرها أنه شيئه لا يعلمونه باع ولا وهب أنه يستوجب بهذه الشهادة ذلك، ويحلف ما باع ولا وهب ولا خرج عن يده بوجه ويأخذه.
زاد في كتاب العارية عن ابن القاسم: فإن لم يشهدوا أنهم لا يعلمونه باع ولا وهب.
حلف أنه ما باع ولا وهب، وقضى له فأمضى ههنا شهادتهم، ولم يقولوا: لا نعلمه باع ولا وهب ولا قال، يعادون ويستفسرون إن كان حضروا.
وفي شهادات المغرب عن أشهب: أن هذه الشهادة إنما تمضي إذا لم يوجد سبيل إلى سؤالهم، وأما إن حضروا فسئلوا فأبوا أن يقولوا: لا نعلمه باع ولا وهب فشهادتهم باطل.
ومثل هذا شهادتهم في عدة الوراثة؛ لابد أن يزيدوا: لا نعلم له وارثًا غيرهم، ولا يشهدون في هذا ولا الأول على البت ولا وارث له غيرهم ولا أنه شيئه لم يبعه ولا قوته، كذا في المدونة في سماع أشهب في شهادات العتبية، وفيه خلاف في كتاب ابن حبيب وكتاب أبي فرج لبعض أصحاب مالك، أن الشهادة بذلك لا تكون إلا على البت لا على العلم، ولهذا تبيين، وفيه تنوع تركناه لطوله.
وجواب ابن القطان في هذه المسألة أظهر من الجواب الثاني، وليس أيضًا يبعد في النظر، والله أعلم بالصواب.
ويمين من استحق شيئًا متنوعة متنازع فيها، وأرجو أنها تأتي في غير هذه المسألة فنبينها إن شاء الله تعالى وهو المنعم بالهدى.

من ادعى بيع ثوب من إنسان وقال المدعي عليه: بل أمرني ببيعه: فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه ورثة ابن علي واليهودي، بأن قال ورثة ابن علي أن ابن علي باع من اليهودي درنكًا 1 وشقة، وبقي ثمنها عنده، وقال اليهودي: لم أشترهما منه؛ أنا دلال؛ أبيع لناس، فسألني بيعها، فبعت الدرنوك بثمن والشقة بثمن، وأوردت جميع ذلك عليه، وأخذت أجرتي منه.
فالذي يذهب إليه أصحاب مالك وسحنون معهم: أن القول قول اليهودي مع يمينه، وقالوا: كل من أقر بشيء في أمانته فلا يعدو إلى ذمته، ونسأل الله التوفيق، قال بذلك ابن لبابة، ومحمد بن وليد.
قال القاضي: الذي نص عن ابن القاسم في هذه المسألة بعينها خلاف ما ذهبوا إليه، وإشارتهم في جوابهم غنما هي إلى ما روي عن مالك وأصحابه في غير هذه المسألة، من ذلك ما في كتاب القرض من المدونة، فيمن له بيد آخر مال، فقال رب المال: هو قرض، وقال الذي هو بيده: إنما هو قراض، قال ابن القاسم: قال مالك: القول قول رب المال.
يريد مع يمنه.
قال ابن القاسم: لأنه قال: أخذت مني المال على ضمان، وقال العامل: بل أخذته على غير ضمان، فهذا قد أقر له بمال وبدعي لا ضمان عليه فيه، فلا يصدق، فقال ابن حبيب في قراض الواضحة: إلى هذه رجع مالك، وأخذ به مطرف وابن الماجشون وأشهب وابن وهب بعد أن كان يقول: القول قول المقر؛ أنه قراض.
وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ، قال ابن حبيب: وبالذي رجع إليه مالك أقول، وروي انب وهب عن مالك في المبسوط مثل ما ذلك ابن حبيب عنه؛ أن القول قول رب المال.
وفي المدونة في كتاب الوكالات: قال مالك فيمن دفع إلى رجل ألف درهم ليشتري له بها حنطة فاشترى بها تمرًا، وقال: بذلك أمرتني؛ فالقول قوله، ورب المال مدع 2. وقال أشهب في نوازل أصبغ في العتبية، قال أصبغ: إلى هذا رجع ابن القاسم بعد أن كان يقول: القول قول رب المال والمأمور مدع، قال أصبغ: وبه أقول.

وقد ظهر بهذا الذي أوردنا أن صاحب المال هو المصدق عند أكثر أصحاب مالك بخلاف ما قال ابن لبابة وصاحبه، وقول سحنون الذي أشار إليه هو مروي عنه فيمن قال لرجل: ادفع لي ثمن جاريتي التي بعتك، وقال المطلوب: بل أودعتنيها وتعديت عليها فوطئتها وأولدتها، وما بعتنيها؛ قال: رب الجارية مدع عليه مالاً ولا يصدق.
ومقر أنها أم ولد لهذا المطلوب.
فولده منها أحرارا وتوقف هي، فإن ماتت عن مال أخذ منه المدعي ثمنها ويوقف باقيه، فإن رجع الذي أولدها إلى الإقرار بابتياعها يومًا ما أخذه، ويحد إن ثبت على إقراره بالتعدي في وطئها، وروي حسين بن عاصم عن ابن القاسم مثله، وهذه مسألة طويلة متفرعة على وجوه كثيرة في العتبية وكتاب ابن حبيب وغيرهما، تركت كتابها على وجوهها لطولها، ومع هذا فليست بنفس المسألة التي سئلوا عنها.
وأما التي سئلوا عنها فوري عيسى بن دينار عن ابن القاسم الذي فيه مسألة سحنون المتقدمة، قال في كتاب البراءة: وسألته عن رجل أتى إلى رجل فقال له: هات ثمن الثوب الذي بعتك، فقال: ما بعنيه، ولكن أمرتني أن أبيعه، فالقول صاحب الثوب، ويحلف أنه باعه منه، يريد لينفي دعواه الوكالة، فإن نكل عن اليمين حلف الآخر ويرئ.
قلت: فإن حلف صاحب الثوب أنه باعه منه واختلفا في الصفة، قال: يصف المشتري الثوب، ويحلف على صفته، ثم يقومه أهل البصر، ويغرم قيمته، قلت: فإن نكل، قال: يصفه صاحب الثوب وقومت الصفة وغرم المشتري، قال: وإن أتيا جميعًا بما يستنكر في الصفة ونكلا عن اليمين فالقول قول المشتري، قلت: فإن كانت قيمته أدنى من الثمن الذي باع به، قال: يقال للذي باع الثوب: اتق الله، إن كان أمرك ببيعه كما زعمت فادفع إليه بقة ثمن ثوبه ولا تحبسه، ولا يقض عيه بذلك؛ لأن صاحب الثوب يدعي أنه باعه منه.
هذا تفسير مسألة اليهودي وورثة ابن علي، وبها كان يجب أن يفتي إن كانا ذكراها.
من ادعى أنه ابتاع وقال المطلوب: بل رهنتنيه: قرأت – وفقك الله – الشهادات الواقعة على مريم وسعيدة وحمدة وعلي ابن الماشطة، وفهمنا ما أدعاه ابن الماشطة من الاشتراط منهن اشتراءً محضًا وقول السناء أنهن

رهنه ولم يبعن منه شيئًا، وضربت لابن المشاطة آجالاً في إثبات ما ادعاه من الاشتراء منهنه، وانصرمت الآجال.
فالذي نرى أن يحلف النسوة في مقطع الحق بالله: إنهن ما يعن منه هذه الدار، ولا كتبن له اشتراءً أو إنما رهناها رهنًا، فإذا حلفن غرمن له الثمن الذي يقول إنه اشتراها به إذا كان في قيمة الدار ما يفي بذلك بعد يمينه إن أنكر العدة عليه، فإن نكل عن اليمين في العدة ردت اليمين في العدة على النسوة فحلفن على ما يذكرن من الرهن ويحاسبنه في الدار من الكراء.
وإذا لم يكن في قيمة الرهن مثل ما ادعى من الثمن وحلف النسوة على ما يذكرن لم يكن عليهن إلا ما يذكرن إلا أن زادت قيمة الرهن على ما قلن، وهو أقل مما يقول هو، فيحلف أيضًا هو ما ادعى، ويكون له عليهن من الثمن على قدر ما بغت الدار من الثمن، قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، ومحمد بن وليد.
دعوى فيما يقرب من هذا المعنى: فهمنا – وفقك الله – ما قام به عبدي الله بن مسور الطرطوشي عندك على موسى بن محمد بن موسى بن فطيس، وأثبت قبله من دين داين به موسى رحيمًا وعبيد الله، وكتب لهما به ذلك حق أقر فيه بدينهما على ما استجلبته وتيقنهما عليه بذلك، وفيه إرهان موسى لهما منيته وجنانه التي بشرقي مدينة قرطبة، وأن موسى قضاهما بعد دينهما وبقيت منه بقية خلصت لعبد الله، وأقر موسى الرهن بيده، وقدمه على بيعه إذا أوجب حقه، وثبت ذلك كله عندك.
وأعذرت في ذلك إلى رحيم وموسى، فلم يكن عندهما مدفع غير ما اعتل به موسى من فساد الصفقة، وما ادعاه من القضاء، وكلفته إثبات ما ذلك، وضربت لوكيله فيه آجالاً استبلاغًا في الإعذار إليه، فلم يأت بمدفع، وأحضر بينة شهدت لموسى فيما ادعاه من فساد الصفة لم تعرفهم، فلما طال تلومك فيه وبان لك عجزه عجزته بعجزه.
واستظهر فيما ادعاه موسى على عبد الله من فساد الصفقة بأن حلفته بالله في مقطع الحق: لما انعقدت صفقته على موسى على ما ادعاه من فسادها، ولقد انعقدت على الجواز وعلى ما انعقدت به في الظاهر ما دخل في الصفقة ولا بعدها ما يفسدها كما ذلك موسى، ولا قضاه من باقي دينه شيئًا، ونظرنا إلى ما عقدته من الحكم لعبد الله على

موسى.
وأردت معرفة رأينا في ذلك، فالذي عقدته – حفظك الله – هو الحق الذي لا يسعك أن تخلي منه شيئًا، والإشهاد به وجه القضاء الذي لا يحل خلافه، قاله ابن لبابة، وابن وليد، ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ، وأيوب ابن سليمان، ومحمد بن غالب.
دعوى في نحو هذا المعنى في دار ابن البراء: فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه ابن البراء وابن أخيه أحمد في الدار التي كانت ملكًا براء، وذكر ابن أحمد: أن عمته أخذت من أبيه أحمد ثلاث مائة دينار، ورهنت بذلك هذه الدار، وأنكر ذلك ابن البراء وذكر: أن الذي باعت أخته لمغرم السلطان لسبب اعترض فيه، وهذه الدار صيرتها إلى أخيها؛ لأنه شقيقها، وادعى رهنًا لم يصح.
فالذي نرى – والله الموفق – أن ابن أحمد قد أقر أنها رهن، والرهن غير بيع فوجب بذلك وعقلته هذه الدار، فإن صح ما قال من أنها رهن، لم يعرض له في حقه، فإما أن يفديها الورثة بالعدة التي رهنت بها ونقسم الدار، وإن عجزوا أمرت بالنداء عليها وبيعها، وقضى ابن أحمد بن البراء ما ثبت له، والعقلة للدار واجبة ثبت ما ذكره ابن البراء أو لم يثبت، لإقراره بالرهن، والرهن غير بيع، وإنما هي وثيقة بحق ادعى فيه، فاستعجل أيها القاضي العقلة لها فهو وجه النظر، ثم من استحق شيئًا قضى له به إن شاء الله.
قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وسعد بن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز، ومحمد بن وليد، وأحمد بن أبي عيسى.
قال القاضي: سؤال هذه المسألة غير بين، وجوابهم بالعقلة غير ظاهر، وفي مساع أصبغ عن ابن القاسم: فيمن ادعى في جارية عند رحل أنه رهنها وقال الآخر: اشتريته منك، وشهد لكل واحد على دعواه شاهدان، ولا يدري ما كان أولا؛ البيع أم الرهن؟ قال: الاشتراء أولى وأثبت؛ لأنه قد ثبت به أنها له، إلا أن يشهد للمدعي أنه رهنه إياها بعد الاشتراء، فيعرف أنها قد رجعت إليه.
ولسحنون في كتاب ابنه عن ابن القاسم مثله فيه أخذ، وقد قال بعض أصحابنا يقضي بأعدل البينتين، ولو لم تكن بينهما بينة؛ صدق الراهن مع يمينه؛ لأن المشتري قد أقر له بالملك وادعى الشراء، وكذلك في تكاؤ البينتين.

وفي وكلات المدونة: إن قال: رهنتنيها، وقال رهبا: بل أودعتكها، فالقول قول رهبا.
وف يالرهون: وكذلك إن قال: أعرتكها.
وفي الوديعة: إن قال: سرقتني، وقال الآخر: أودعتني؛ صدق، لأن ربها ادعى عليه بالفجور، وفي الجعل: إن قال: سرقته مني، أو قال: سرق مني، وقال الآخر: استعملتني، تحالفا، وقيل لرب المتاع: أعطه أجرته وخذ متاعك، فإن أبى؛ قيل للآخر: أعطه قيمة متاعه، فإن أبى؛ كانا شريكين، وقال غيره: لا يكونان شريكين والعمل مدع، ونحوه في أحكام الواضحة، ولو قال: أودعتكه، وقال الآخر: استعملتنيه؛ صدق وقيل: العامل مدع.
وقال فضل: إن قال: بعتنيه، وقال ربه: بل غصبتنيه، صدق الذي هو بيده، وكذلك إن قال: قارضتني، وقال الآخر: عسبتني، لأن ربه يدعي عليه باب فساد، وقد تقدم قبل هذا بقية هذا المعنى.
دعوى بين ابن أبي الحباب وابن القرشي في تبايع وكشف وامتناع من جواب بإقرار أو إنكار: قام عندي – رحمنا الله وإياكم – معاوية بن هشام بكتاب ابتياع من محمد وعبدة ابني أحمد بن طاهر، فسأل أن يكشف إبراهيم زوج عبدة ووكيلها؛ إن كانت باعت من معاوية ما وصف بيعها له في ذلك الكتاب منه أم لا؟ فكشف له محمد بن إبراهيم فقال: ما أرد في الكتاب شيئًا حتى ينسخ لي وأقرأه على صاحبتي، فكتبت اليكم أسألكم: هل يجب له أن ينسخ له الكتاب أم لا؟ فكبتم إلي: إن مثل ذلك الكتاب لا يجب أن ينسخ لمحمد اختصار ما فيه، فقرئ عيه الكتاب، فقال عن زوجته بعد سماعه ما فيه: لا أرد فيه شيئًا حتى يقول وكيل معاوية إن كان ذلك الشراء لنفسه أم لغيره، ودعي محمد إلى شورى أهل العمل في قوله، فأردت معرفة رأيكم في الواجب في ذلك فاكتبوا إلي برأيكم في ذلك إن شاء الله تعالى.
قال محمد بن وليد: فقرأت ما كتب به القاضي أكرمه الله، وحبس على المسلمين نظره، وفهمت ما سألت عنه وما ذكره فإنا كتبنا إليه بخطوط أيدينا؛ بأن لا ينسخ شراء معاوية لمحمد بن إبراهيم لاختصار ما فيه، بل يقرأ عليه، فكذلك قلنا وكتبنا به إليك، والذي نقول به في قول محمد: إنه لا يرد عن زوجته في شراء معاوية، أنها باعت منه أو لم تبع؛ حتى يقول معاوية إن الشراء إنما اشترى ما فيه نفسه أو لغيره، أن الرد على محمد

واجب قبل أن يرد عليه معاوية، فيما أحب محمد رد معاوية فيه؛ لأن معاوية هو ابتدأ كشف محمد، فلابد للمكشوف أن يرد فيما سئل عنه بإقرار أو إنكار، ثم يكشف هو عما بدا له، فإن كان لما يكشف عنه معنى؛ يجب على المكشوف عنه الرد فيما رد عليه.
وأقول: إن من لزمه الرد بإقرار أو إنكار فلم يرد؛ فالسوط حتى يرد، هذا قول مالك رحمه الله، وما يجب عندي على معاوية أن يرد إن كان ابتاع ذلك لنفسه أو لغيره؛ لأنه يقول: أنا قد اشتريت، فما سؤالك أنت: النفسي اشتريت أم لغيري؟ فإن قام علي قائم يدعي أني اشتريت ذلك له، فعلى ذلك القائم أرد عليك، والله نسأله التوفيق.
وقال ابن لبابة مثل ذلك، وهو أبين من أن يحتاج فيه إلى فتيا؛ لأن من كشفه خصمه عن كتاب قام به؛ لابد له من الإقرار والإنكار، وبقي من كلامه شيء غير معقول فتركته.
وقال أبو صالح: ليس لمن سئل أولا أن يسأل، حتى يرد فيما سئل عنه، فإذا رد، قيل له: سل عما بداك، وهذا مما لا يحتاج فيه إلى فتيا، وبه قال سعد بن معاذ.
دعوى أخرى أيضًا في ذلك بينهما وبين الحاجب سعيد بن السليم: قام عندي – رحمكم الله – محمد بن إبراهيم المعروف وكيل زوجته بنت أحمد بن طاهر عنها، على سعيد بن السليم، في جنان بيد سعيد، وواضح الخصومة عندنا فيها محمد بن إبراهيم، وعبد الله وكيل سعيد، وتقاعد الوكيلان عندي مرارًا في ذلك، ثم إن معاوية بن هشام القرشي قام عندي بكتاب ابتياع للجنان التي فيها: قام محمد بن الحباب على سعيد، فقال معاوية: إني ابتعت هذه الجنان من زوجة ابن الحباب، وأراه قد ادعاها ملكًا لزوجته، وقام يخاصم فيها عنها، وأنا إن سوغته ذلك بعد معرفتي بقيامه وادعائه ذلك ملكًا لها، وهي بشرائي من زوجته، وسألني أن أكشف له محمد بن الحباب: هل باعته زوجة الجنان من معاوية؟ فلما كشف عن ذلك قال: لا أقر ولا أنكر حتى يقول معايوة إن كان ابتاعها لنفسه أم لغيره؟ ثم رجع ابن الحباب فقال: يا قاضي لا يجب أن توقفني عن زوجتي إن كانت باعت هذا الجنان من معاوية مما انتشبت فيه خصومتي عن زوجتي مع وكيل سعيد عندك وعند الناظرين.
فقال معاوية: أنا غير سعيد، فإن كنت أنت واضعت فهيا وكيل سعيد الذي أمر

القاضي وصاحباه بالنظر للمشكاة على الأربعة منهم، فأنا لست من الأربعة الذين صرف نظرهم إليه، وأنا واحد من المسلمين في مطلب أطلبه عند قاضي الجماعة، ومطلي عند زوجتك وأنت وكيلها، فرد علي، فإن أقررت عليها بالبيع مني، أشهد لي القاضي على ما ثبت من إقراراك عنها بالبيع وقبض الثمن، ليكون لي وثيقة على سالف الأيام، لأنك – وأنا قائم – تدعي مالي ملكًا لزوجتك بعد بيعها له مني، فاكتبوا لي رحمكم الله وأياكم فيما تحاجا فيه.
قال محمد بن وليد: قرأت ما كتب به القاضي – وفقه الله – في كتابه هذا، وتدبرت حجة الرجلين، فالذي أقول به في ذلك – والله أسأله التوفيق -: أن على محمد بن إبراهيم الرد على معاوية عند القاضي وحده فيما كشف عنه معاوية؛ لأن معاوية يقول: أنا غير سعيد، الذي صرف الأمر – أعزه الله – انظر بينه وبين ظلمه إلى القاضي وصاحبه، وفق الله جميعهم.
ومن ابتاع ريعًا من رجل، ثم نظر إلى ذلك الرجل بيعه من آخر، ويدعي فيه دعوى، ثم لم ينكر المبتاع على البائع؛ وهن بذلك شراء المبتاع، فتأكد بهذا عندي: أن من حق معاوية أن يرد عيه ابن الحباب – عن زوجته – هل باعت أم لا؟ وهذا أقول.
وقال ابن لبابة: يلزم ابن الحباب الرد: هل باعت زوجة الحنان من معاوية أم لا؟ وقول ابن الحباب – حتى يقول معاوية: هل أشترى منها أم لا – عجز سديد، إنما يسأل السائل فيجاب فيما سأل، ثم إن كان للمسئول دعوى سأل عنها، فإما أن يقول المسئول: بل أنت قل هو ابتعت؟ فيصير المسئول سائلا قبل رده، وهذا جهل شديد لابد أن يرد عما سئل ثم يسأل عما شاء، وقال بذلك خالد بن وهب، وسعد بن معاذ.
وقال أبو صالح: نظرت – أكرمك الله – في تجاوب معاوية وابن الحباب، فرأيت لكل وجهًا يجوز عليه خافه؛ إذ لا ينكر رجوع الشيء إلى بائعه بعد أن كان باعه، فإن كان الجنان بيد معاوية، فلا تباعه لابن الحباب أن يجيب معاوية فيما سأله عنه، إذ صارت الخصومة بينهما دون سعيد، ولا رد جوابه على معاوية حتى يجب فيما سأله عنه معاوية.
فإن أبي أن يجيب قبل له: إما أن تجيب وإما عزناك وقضينا معاوية، فإن أجاب

فوجب له سؤال معاوية: ألنفسه ابتاع أم لسعيد وبماله والحنان بيد معاوية، لم يضر سعيدًا ما أجاب به معاوية من ذلك، وإن كانت الجنان بيد سعيد ومعه ابتياع من معاوية أو لم يكن لم يضره؛ لأن لسعيد أن يقول لمعاوية: ابتعت منك ولم تبتع مني.
ولو قال سعيد: نعم ابتاع لي أو قامت بذلك بينة، لم يضر ذلك أيضًا حتى يثبت بينة على أصل غصب، وإن كانت الجنان بيد سعيد وقت النظر قيل لابن الحباب: هل عادت الجنان إلى ملك زوجتك بعد أن باعتها من معاوية، ثم خرجت عن ملكها إلى ملك سعيد أملا؟ فإن قال: لم تعد إلى ملكها بعد أن باعتها من معاوية؛ أثبت ذلك عليه ومضت الجنان معاوية من بعده، حتى تقوم بينة على ابتياع معاوية لسعيد وبينه على أن سعيدًا من أهل الغصب، وإن قال: عادت ملكها بعد البيع من معاوية ثبت عليه أيضًا البيع من معاوية، ووجبت عليه البينة برجوع ملكها إليه بعد البيع من معاوية.
قال القاضي: هذه ألفاظ هجينة ومعان ركيكة وتطويل في غير معنى، وأعادوا الرد في موضع الجواب وهو لفظ عام غير مستعمل، وإنما يقابل السؤال الجواب، ويقال عن سئل: أجب سائلك بإقرارك أو إنكار إن كان في تداع أو استخبار.
وقالوا في الجواب قبل هذا: إن أبي أن يرد فالسوط.
قاله مالك، وإنما المعروف من قوله أنه يجير على الإقرار والإنكار ولا يترك وما أراد.
رواه ابن كنانة عنه في سماع أشهب وقال في كتاب ابن المواز: يجبر بالسجن، وكذلك في كتاب محمد بن عبد الحكم، وقاله سحنون في كتاب ابنه.
وقال ابن حبي: في كتابه: إن أبي أن يتكلم أو قال لا أخاصمه إليك، قال لي القاضي: تكلم وخاصم، وإلا حلفته على ما ادعى قبلك وحكمت له عليك، فإن لم يتكلم أحلف الطالب وقضى له إن كان يستحق باليمين مع نكول المطلوب، وهذا كله اختصرت مسائله كراهة التطويل.
دعوى في مصحف: فهمنا – وفقك الله – مقال المعلم الذي أتاك بالمصحف، وذكر أن محمد بن عبد البر بن لقيط أتى به منذ زمان ليصلحه له فأصلحه، ثم أتى فذكر أن المصحف ضاع وسأله إن وقع إليه أن يوقفه له، وأن امرأة وقفت به عليه فسامها به ثم قال لها: من أين وقع إليك هذا المصحف وأنا أعرفه لابن عبد البر؟ فقالت: إن لابن شهيد وإن وقع أمره إلى محمد

بن يحيى صاحب السوق، وأدخل ابن عبد البر عليه بينة، فلم يفصل فيه بشيء حتى مات.
فالذي ترى: أن تأمر بإيقافه وتبعث في ابن عبد البر وفي المرأة فتكشفها عن خبر هذا المصحف وتحملها فيه على ما يصح عندك لمن أثبته قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن أيمن، وغيرهم.
دعوى في بيع غلام وقال المطلوب: أمرني ببيعه: قام عندي محمد بن الشامة فذكر أنه باع عبدًا من ابن عقيل النخاس، ,اقبضه العبد ولم يقبض منه الثمن، وحضر ابن عقيل فقال: قبضت منه مملوكًا أسود لأبيعه له ولم أشتره منه، وقد أبق مني.
فالقول – أكرمك الله – قول من منهما، فإنه حضرني بعض أهل العلم، وقال: القول قول صاحب المملوك.
وذكر ألفا مروية لعيسى عن ابن القاسم في رجل قال لرجل: ادفع لي ثمن الثوب الذي بعت منك، قال: ما بعته مني، ولكني دفعته إلي لأبيعه لك وقد ضاع مني، فقال ابن القاسم: القول قول رب الثوب الذي زعم أنه باع من الرجل، ويقال للرجل: صف الثوب الذي أقررت أنك قبضته، فإذا وصفه وصدقه رب الثوب قوم الثوب وغرم له قيمته.
فما ترى أنت في ذلك.
قال أبو صالح: فهمت ما ذكرته من خبرهما وما ذكره الرجل، والرواية كما ذلك لا اختلاف عندنا في ذلك، وهو قولنا ومذهبنا؛ فنفذ القضاء به موفقًا إن شاء الله.
وإنما يستوصف قابض العبد إذا لم تكن له بينه على صفته، فأما إن كانت بينة على صفته فهو أحق من الوصف، إلا أن يرضى بترك البينة والرجوع إلى الصفة.
قال ابن لبابة: قول أصبغ وروايته عن ابن القاسم أصح من هذه وبه نقول: قال القاضي: قد ذكرت رواية عيسى عن ابن القاسم قبل هذا في مسألة اليهودي ومخاصمته بكمالها، وزادوا فيها ههنا ما لم يقع في الرواية وهو قولهم: وقد ضاع مني.
وقول ابن لبابة: رواية أصبغ أصح، لا أعلم بهذه الرواية التي ذلك، وإن كان عني التي في سماع عيسى في رسم العربة: إذ قال رب الجارية: هات ثمن جاريتي هذه.
وقد

ولدت.
وقال الآخر: ما اشتريت ولكن زوجتنيها، لما وصل بها في هذا الرسم من رواية أصبغ – فليست مثل المسألة التي سئلوا عنها، وقد ذكرت قبل هذا في مسألة اليهودي قول سحنون في هذا.
دعوى في خندق بين فدائي رجلين حفر أحدهما فيه ما تشكى الآخر أذاه: قام عندي – رحمه الله – أحمد بن مروان، فذكر أن الخندق الكبير الجاري القديم بقلبقار، وكان حجزًا بين فدان لي وفدان لعبد الرحمن، وأحدث علي فيه حفر مؤديا للخندق القديم، وخندق في فداني.
وقال عبد الرحمن لست أعرف مما قال أحمد قليلا ولا كثيرًا والحفير الذي ادعى انه حفر في ماله ليس هو كما قال، إنما حفرت في مالي ومتاعي.
فالذي يجب في هذا – والله الموفق – أن أحمد قد أقر أن الخندق فاصل وحاجزين أرضه وأرض عبد الرحمن، ثم ادعى أن عبد الرحمن تعدى عليه وحفر في ماله، فعلى أحمد إقامة البينة على دعواه، وعليك – وفقك الله – إعانته لشهادة البينة، على أن يضعف عن طلب حقه.
قاله يحيى بن عبد العزيز، وابن لبابة.
وقال أحمد بن بيحيى: يجب عونه وأن ترسل معه عدولا ينظرون إلى ذلك، لظهور ضعفه مع شهادة من شهد أنه ضعيف.
وقال أبو صالح: إذا جاء مثل هذا الإشكال من الدعوى أرسل القاضي من يفهمه ويأتيه بالصحيح منه؛ لأنه أمر يدرك ويفهم، وقد ركب عثمان بن عفان (رضي الله عنه) في أمر أشكال، وقد ركب عندنا أيضًا أحمد بن زياد في أمر أشكل.
وقال سعد بن معاذ: البينة – أكرمك الله – على أحمد فيما ذلك أن عبد الرحمن حفر في فدانه، إلا أن يكون الحفر حادثًا يفهم بالوقوف إلى الخندق؛ فحينئذ ترسل من ينظر إلى ذلك فتعمل بما تقوم به البينة المرسلة المعاينة.
وقال به أيوب بن سليمان، إن ادعيا جميعًا الحفر الطري حتى يثبت لمن هو منهما.
قال القاضي: خبر عثمان الذي ذكره أبو صاح وقع في أقضية العتبية في سماع ابن القاسم في رسم تأخير صلاة العشاء.
قال مالك: كان بين رجلين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خصومه في

أرض لهما قريبة من المدينة حتى ارتفع الشأن بينهما، فركب عثمان (رضي الله عنه) في زمانه في ذلك، وركب معه رجال، فلما ساروا قال له رجل: إن عمر (رضي الله عنه) قد قضى فيه، فقال عثمان: أنظر في أمر قد قضى فيه عمر ورجع.
وهكذا وقع في آخر الزكاة الأول من المدونة، وهو خبر حسن ذكره أبو عمر محمد ابن عبد الواحد الماوردي الزاهد المعروف بالمطرز في كتاب البواقيت له، عن الشعبي قال: أول من جرا جريا أي وكل وكيلا من الصحابة على رضي الله عنه، وكل عبد الله بن جعفر، فقيل له لم وكلت عبد الله وأنت سيد من سادات الناطقين؟ فقال: إن للخصومات فحمًا.
قال عبد الله: فنازعني طلحة في ظفير كان بين ضيعتين: ضيعة لعلي وضيعة لطلحة، وكان علي يحب أن يثبت الظفير وكان طلحة يحب أن يزال.
قال: فتنازعنا الخصومة بين يدي عثمان وهو خيفة، فقال لنا: إذا كان عدًا ركبنا في الناس معكما حتى أقف على الظفيرا فأحكم بينكما معاينة.
قال عبد الله: فركب معنا من المهاجرين والأنصار، وكان معنا معاوية كان جاء زائرًا فتنازعنا الخصومة في الطريق، فقال معاوية: لو كان منكرًا لأزاله عمر.
قال: فوالله ما خرج كلامه حسنًا حتى توجه الحكم لي، ثم وقف عثمان والناس معه على الظفير، فقال: يا هؤلاء، أخبرونا أكان هذا أيام عمر؟ قال: قلنا: نعم، قال: فدعونا كما كان أيام عمر.
قال: فانصرفنا.
قال عبد الله: وجئت من فوري إلى علي، فقصت عليه القصة حتى بلغت إلى كلام معاوية، فضحك ثم قال: أتدري لم أعانك معاوية؟ قال: قلت: لا، قال: أعانك بالمناقية، قم الآن إلى طلحة فقل له: إن الظفير لك فاصنع به ما بدا لك، فأتيته فأخبرته؛ فسر بذلك، ثم دعا بردائه ونعله، وقام معي حتى دخلنا على علي، فرحب به وقال: الظفير لك فاصنع به ما شئت، قال: قد قبلت وإنما جئت شاكرًا ولي حاجة ولابد من قضائها، فقال له علي: سل حتى أقضيها لك، قال طلحة: أحب أن تقبل الضيعة مني مع ما فيها من العلمان والدواب والآلة، فقال علي: قد قبلت.
قال: ففرح طلحة، وتعانقا وتفرقنا.
قال عبد الملك: فوالله ما أدري أيهما أكرم في ذلك المجلس أعلى إذ جاء بالظفير أم طلحة إذ جاء بالضيعة بعد ضنه لمشاة؟.

وإن كان في هذه الحكاية بعض الخلاف عما حكام ملك، فإن المعنى المقصود منها متفق عليه وهو ركب القاضي مع الثقات في الأمر المشكل، وترك القاضي الاعتراض فيما قضى به غيره قبله.
وقولهم في مسألة الخندق: ويجب أن يحسن عون أحمد لضعفه، فذكر ابن حبيب في كتاب منهاج القضاة له عن مظرف وابن الماجشون نحوه.
قالا: ولا ينبغي للقاضي أن يلقن أحد الخصمين حجة قد عمي عنها لضعفه، بأن يقول له: قل: كذا وكذا، ولا بأس بأن يحتج بذلك هو عنه ويكلم خصمه ويعتد له به، حتى كأنه هو تكلم بذلك واحتج به.
وقال أشهب في غير كتاب ابن حبيب: وللقاضي أن يشتد على عضد أحدهما إذا رأى ضعفه عن صاحبه وخوفه منه، لينبسط أمله في الإنصاف ورجاء العدل، ولا بأس أن يلقنه حجة عمي عنها، وإنما يكره تلقين أحدهما حجة الفجور.
وقال روي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "من ثبت عيبا في خصومته حتى يفهمها ثبت الله قدمه يوم تنزل الأقدام" 1. وقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس أن يلقنه حجة لا يعرفها.
وقال سحنون في كتاب ابنه وفي المجموعة: ولا ينبغي أن يشد عضد أحدهما ولا يلقنه حجة.
وقول سحنون هذا هو الفقه، وما ذكره ابن حبيب حسن وقول أشهب ومحمد بن عبد الحكم ليس بشيء.
والقاضي مأمور بالعدل بين المتحاكمين فيما هو أخف من هذا، في النظر إليهما.
والإقبال عليهما، وتسوية المجلس بينهما، ولا حجة لهما في الحديث الذي ذكره أشهب؛ لأنه قد يكون في غير القاضي، والله الموفق للصواب.
في امرأة ادعت أنها سبيت: فهنا – وفقك الله – ما ذكره العريف سعيد من جلسه على باب داره وحضوره امرأة معها فارسان فسألها سعيد بمحضرهما عن خبرها، فقالت: إنها سبيت بحصن فلاي ثم سير بها إلى أشبيلية، فأضر بها الذي كانت عنده، فخرجت عنه وأقبلت إلى قرطبة،

فتقبض عليها هذان الفارسان، وأنهما يريدان بها إلى حصن بطليوس، فلما سمع ذلك الفارسان همزا هاربين وتركاها عنده، فوقفتها أربعة أشهر أو نحوها، فلم يأت لها طالب.
فنرى، والله الموفق للصواب، أن تطلق وتذهب حيث شاءت وتقيم حيث أحبت؛ إذ لم يأت لها طالب ولا مدع، وفي أقل من هذا التوقيت، كان يجب إطلاقها وتسريحها.
قال أيوب بن سليمان، وابن لبابة، وابن وليد، وأحمد بن يحيى.
تداعيا مملوكًا بينهما: كشفنا القاضي – وفقه الله – عن رجلين أتياه ومعهما غلام، كل واحد منهما يدعيه ملكًا، وقال الغلام: كنت مملوكًا لابن نوبة، ونقلتني الأملاك حتى صرت إلى بائعي من ابن الحاسبة.
وأحضرت ابن نوبة فأثبت أنه كان مملوكًا له منذ ثلاثة أعوام، وأر بيعه من رجل حضر عندك، وأقر بابتياعه وبيعه من أحد هذين المتداعين فيه، وأعلمته بثبوت ملكه عندك لابن نوبة لثلاثة أعوام مضت، وعرفته بمن شهد في ذلك، وأجرت شهادته، فقال المدعي الثاني: ابتعته من فلان منذ شهرين.
وفلان هذا ليس من التداول ملك بعد ابن توبة، وأنه لا حجة عنده ولا مدفع، فوجب ملكه لابن توبة؛ لأنه أقدم تاريخًا ممن ألفى عنده، ولم يبق عليك بعد اتلإعذار إلا إحلاف المالكين له: ابن توبة ومن صار إليه بعده ببينة، فإذا أحلفا وجب القضاء به لمستحقه، وإن تعدى الذي خرج من يده على بائعه منه إذ أقر له بالبيع منه، ثم إن طلب حاجة فأنت من وراء نظرك بتوفيق الله لك.
قاله ابن غالب، وعبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وابن وليد.
تداع في دابة وإقالة: فهمنا – وفقك الله – ما أدعاه قاسم أنه سرق منه برذون بمتاع له بالبيرة، وتعلق برجل يقال له أصبغ، وذكر أنه وجده عنده.
وقال أصبغ: اشتريته من قوم ثم أقلوني، فالذي يجب في ذلك إذا أثبت قاسم فيما ادعاه؛ أن يتخذ على أصبغ حميل بإيقاف البرذون خمسة أيام إلى الجمعة، فإن أتى قاسم بشاهد عدل وجب عقل البرذون حتى يثبت بشاهد ثان، ويكون لأصبغ الموجود بيده البرذون أن يكلم أصحابه في الإقالة، فإن صحت له أعدى عليهم بالمال، وكان الكلام في البرذون بينهم وبين قاسم، وإن لم تثبت الإقالة مضى الكلام بين قاسم وأصبغ قاله ابن لبابة، وابن وليد.

قال القاضي: وكان أبو عبد الله ابن عتاب يقول: لا تجب اليمين لمدعي الإقالة على المدعي عليه فيها، إلا أن يأتي بشبهة تقوى بها دعواه، وشاهدته بفني بذلك، وقال: في ذلك اختلاف.
وكذلك كان صاحب ابن قطان يفتي أنه لا يمين في ذلك إلا بشبهة، وأنا أرجح في ذلك، والفقه فيه لحاق اليمين في ذلك إلا أن الناس يبدوا باطلهم في دعوى ذلك إذا طلبوا بثمن المبيع منهم، ويجعلونه باباًا من أبواب اللدد والعدول عن الإنصاف.
فإن كان مدعي ذلك ممن يظن به طلب الباطل؛ كلف الشبهة، وإن كان ممن يظن به أنه محقق في دعواه لصلاح حاله وتنزهه عن الباطل؛ فاليمين لاحقة في ذلك إن شاء الله.
ومن لم يراع الخلطة في الدعوى ابتداء، وأوجب اليمين دونها؛ فاليمين في دعوى الإقامة على أصله أقوى للمعاملة المتقدمة بينهما التي يدعي الإقالة منها، والله أعلم بالصواب.
دعوى في قبالة إرجاء وإقرار وإنكار ويمين في ذلك المعنى: فهمنا – وفقك الله – ما ثبت عندك من إقرار عمر بن سعيد القرشي وأمه بنت عباس القرشي بأنهما قبلا الإرجاء بثلاثمائة دينار من قوم، وأن عامرًا زوج در مولاة عباس التي كانت زوجته وهلك عنها، سألها أن يأخذ الإرجاء على القبالة كما كان قبلاها وأن يتقاضا تحت يده ويبرأ إلى ورثة عباس بباقي الثلاثمائة دينار.
وأنكر عامر زوج در أن يكون يعرف شيئًا من ذلك.
وضربت لهما في إثبات ما ادعياه من القبالة المذكورة آجالاً، وسعت عليهما فيها، فلم يأتيا بمدفع حتى مضت مدة بعد الأجل يجب في أقل منها التعجيز والحكم للطالب بما ثبت له.
فالذي نرى أن الحكم قد وجب للطالب بعد يمين عامر على ما أنكر، ويمين در أنها ما علمت أن زوجها قبض منها شيئًا مما ذكراه، ثم تعدى در بما ثبت لها من ذلك.
قاله محمد ابن لبابة، وقال ابن وليد مثله، إلا في عامر فلا يمين عليه إلا بثبوت الخلطة.
وقال عبيد الله بن يحيى: لا يمين إلا بخلطة، وقال أيوب بن سليمان: هذا جواب

مفرط من وثيقة ليس بينه وبينها نسب؛ إنما الدعوى بين عامر وزوج در، وبين عمر وأمة الرحمن في قبالة ادعياها عليه فأنكرها فلم يثبتا ما ادعيا، فوجب تعجيزهما عنه، ثم لا يمين على عامر، كقول مالك رحمه الله فيمن شهدت عليه بينه غير عدلة بدعوى، لا يمين عليه؛ لأن غير العدلة كلاشيء هذا قول مال (رضي الله عنه) نصًا.
وكذلك در أيضًا لا يمين عليها؛ لأنهما ادعيا أنهما أحلاها على زوجها بشيء، ولا ادعيا عليها أن زوجها قبض لها شيئًا منهما، فقران هذا الصك إلى الوثيقة محال.
وإيجاب الإيمان على عامر ودر أحرى وأولى، والى الله أرغب في التوفيق.
وقال سعد بن معاذ: الذي قاله أبو صالح من قول مالك في المستخرجة وإليه قصد، وغيره من أصحابنا أوجبوا اليمين بغير بينة، وذهبوا إلى إحلاف زوجها على الحديث الذي جاء.
فالقاضي – وفقه الله – مخير في ذلك والله يوفقه وإيانا لصواب، فليتخير من ذلك ما يشاء فكل قد ورويناه، والحكم واجب لدر في المال بعد أن يتخير القاضي أي القولين أحب، قال أبو صالح: قد أجبت بما عندي، وليس أحد من أصحابنا يوجب يمينًا لمن جاء بغير بينة عدلة.
قال القاضي: الذي ذكره أبو صالح من قول مالك، وقع في الشهادات في رسم الشجرة، ونصه: وسئل مالك عن الرجل يأتي بشهداء عدول على رجل بحق، فأثبت المشهود عليه أن بينهم وبينه عداوة، فترد شهادتهم عنه، أترى أن يحلف؟ قال: إذا ردت شهادتهم فهو بمنزلة من لم يشهد عليه، وكأنه رأى أن يحلف.
قال سحنون مثله.
وفي رسم العتق من سماع عيسى مثله، وكذلك في كتاب ابن المواز، وقاله أشهب في تهاتر البينتين، ومنه في سماع حسين بن عاصم مثله، وفي النوادر، قال أبو بكر بن محمد: وقد قيل بحلف.
وجواب أبي صالح هذا أدل هذه الأجوبة على العلم.
وقولهم في السؤال: وضربت في إثبات ما أدعيا من القبالة آجالا، وسعت عليهما فيها، فلم يأتيا بمدفع؛ قول خلف، وإنما لاصواب: فلم يأتيا بشيء يوجب لهما نظرًا؛ لأنهما

كان طالبين لشيء لم يثبتاه، ومدعين لأمر لم يحققاه، فليس بموضوع مدافع.
وكنا نقول: من خطأ الناقل لا من خطتهم لولا أن تكلفهم حكاية ما جرى عند قاضيهم وسؤاله لخم بألفاظ غير مهذبة، ومعان غير منتمة، ومقاطع غير صحيحة ولا مفهومة أشد عليهم من هذه اللفظة وحدها، ولولا أن أبا صالح منهم بين بعض ما في السؤال ما بان مراد من ذلك المقال، وكذلك أكثر مسائلهم، وقد نبهنا على كثير منها والذي تركناه أكثر.
وقد كان يكفيهم أن يقولوا فهمنا ما خاطبتنا به، والجواب كذا، وينقل السؤال بتكلف كتاب هذه المسائل الجامع لها أولا وهو القاضي ابن زياد النازلة بين يديه على ما ذكرنا في يصدر كتابنا هذا، والهدى من الله تعالى.
دعوى بين ورثة ابن بسيل في مال بقرية غليب، ادعى بعضهم أنه ماله من غير سبب موروثهم، وقد تقدم هذا المعنى فيما كتبنا: فهمنا – وفقك الله – ما قام به مروان على إبراهيم بن حمدون بن بسيل، وكشف القاضي إياه عما بيده من مال حمدون بن بسيل بقرية بني غليب، وبعد أن أثبت موت حمدون، وعدة ورثته، والمعنى الذي حاز بهلمروان أن يكشفه عن ذلك، وما قاله إبراهيم: إن مال أبيه حمدون وليس بيده منه شيء، وإنما هو بأيدي عرفاء أنزلوا عليه، وأن الذي يعتمره بهذه القرية ماله وملكه ليس من مال حمدون ولا بسببه، وما أشهد به الشهود من أنهم لا يعرفون لأحد من ورثة حمدون بقرية غيب ملكًا بغير سبب حمدون.
فيجب فيما ادعاه إبراهيم ملكًا أن يثبته؛ لما ثبت أن دخول ورثة حمدون بقرية غليب بسبب حمدون لا بغير سبيه، فإن أثبت شيئًا نظرت فيه، وإن كان كما قال مروان من انصرام الآجال المضروبة على إبراهيم في ذلك وجب إخراج إبراهيم عما بيده من القرية ورده إلى جميع ورثة حمدون إلا أن يدعي بينة قريبة ومدفعًا معجلاً على ما يراه القاضي، وأكثر ذلك أيام الجمعة.
قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وغيرهما.
دعوى ويمين التهمة في المدعي: قال أبو صالح: قرأت – وفقك الله – ما كشفت عنه عبد الله بن مفرح وأخته وإنكارهما جميعًا الكشف.
وفي كشفهما أن أصبغ بن حارث ذلك أن ما في الكشف أخرجته ابنته زينب إلى

دار خالتها فاطمة على العصيان لها منها، وأن لك كان من ماله، ولم يزل ذلك في دار أخته حتى أخرجها عبد الله بن مفرح إلى داره، وحجب أباها عنها حتى ماتت عنده وعند أخته فاطمة.
فالجواب: أنه إن كان عبد الله وفاطمة ممن يقع عليه مثل هذا وممن لا يدع عن بسط يده ويأخذ ما ليس له، وممن يجحد حقًا عليه؛ وجبت اليمين عليهما في مقطع الحق.
وإن كان بغير هذه الصفة، ممن لا يقع عليهما مثل هذا اللفظ فيهما وصلاح معروف منهما؛ فلا يمين عليهما إلا أن يأتي بوجه يوجب حقًا ويلزم حقًا أو يلزم يمينًا سوى ما في الكشف فيصير إلى ما تبين من ذلك.
وقال به ابن لبابة، وسعد بن معاذ، وابن وليد.
يهودي ادعى في غلام خدمة على أنه مملوكه: فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه اليهودي والغلام الذي أسلم وأخرج من عند اليهودي فادعى العلام أنه إنما خدمه على أنه جر ابن حرين، وإنما لما أراد الخروج عنه أمسكه حتى صاح، وأخرجه القاضي من عنده.
وقول اليهودي: هو عبدي وابتعته من يهودي من أهل طلبطلة منذ أربع سنين.
فيجب في ذلك أن يؤجل الغلام فيما ادعاه من بينته ما رجى له شيء يستأت عليه؛ فإذا ظهر عجزه، وطلب الغلام يمين اليهودي من أنه لم يكن عنده على معنى الخدمة بالحرية، ولكن على معنى المملكة له؛ وجب ذلك له، فإذا حلف؛ أمر القاضي ببيع الغلام ودفع ثمنه إلى اليهودي.
قال بذلك: ابن لبابة، وابن غالب، وابن وليد.
قال القاضي: في العتق الثاني من المدونة؛ قال ابن القاسم: من كان بيده صبي صغير، وقال: هذا عبدي، فلما بلغ الصغير، قال: أنا حر، وما أنا لكل بعبد؛ لم يقبل قوله، وهو عبد إذا كانت خدمته معروفة وحيازته إياها معلومة.
قال: ولو كان الصبي يعرب عن نفسه، فاقل سيده: أنت عبدي، وقال الصبي: بل أنا حر؛ فهو كالأول إن كان قبل ذلك في يده يختدمه وهو في حوزة لم ينفع الصبي قوله وهو عبد.
وإن كان إنما هو متعلق به، لا تعلم منه قبل ذلك خدمته له ولا حوزة وإياه؛ فالقول

قول الصبي.
على هذا النص كان يجب أن يكون جواب الشيوخ في مسألة اليهودي؛ فيقولوا إن كانت خدمة الغلام معلومة الأعوام التي ذكرها اليهودي صدق اليهودي.
وأراهم إنما عموا في تصدق اليهودي على قول الغلام: إنما خدمته على أني حر ابن حرين؛ فأعملوا إقراره له بالخدمة.
وكان يلزمهم كشفه عن هذه المدة التي أقر بخدمته فيها فلعلها لم تكن إلا الأيام أو الأشهر، ومثل هذا لا يجب أن يحكم عليه في بالرق، بل يجب أن يكلف البينة مدعى ملكه.
وفي كتاب ابن سحنون وغيره: من أجر إنسانًا من آخر، ثم قال الأجير: أنا حر، فهو مصدق؛ لأنه قد تكون له الخدمة عليه فيؤاجره، ألا ترى لو كان يخدمه، فقال: أنا حر صدق! لأن الخدمة ليست إقرارًا بالرق، إلا أن تطول الخدمة حتى يخرج من حد الإجارة.
وهذا يبين معنى ما في المدونة أنه إنما ذلك في الخدمة الطويلة والمدة البعيدة، مع أنه لا يكاد يخفي على الجيران المصاقبين ابتياع من جارهم للمملوك ولا لما هو أحقر منه، فإذا لم يستدع ذلك عند جيرانه ولا سمعه أهل موضعه فكذبه في دعواه ظاهر، وكلامه باطل، وكلف إثبات دعواه وإلا سقطت.
وإذا أبطلوا إنكار الغلام لدعوى اليهودي وأعملوا دعوى اليهودي في ملكه له، فكان ينبغي أن يكون جوابهم: ألا يسمع قول الغلام حتى يأتي بشبهة أو لطخ في حريته، على ما رواه ابن القاسم عن مالك في سماعه في رسم المناع والحيوان في العبد يدعي الحرية ويذكر بينه غائبة، والجارية تدعي ذلك.
قال: لا يقبل قول العبد، إلا أن يأتي ببينه، أو أمر يشبه فيه وجه الحق، فإن أتى بذلك رأيت ذلك له، واستحب في الجارية أن يوقف صاحبها عنها – يريد عن خدمة العبد – وإن كان مأمونًا أمر بالكف عنها، وإن كان غير مأمون وجاءت بأمر أقوى في الشهادة كالشهادة العدل وضعت على يدي ارمأة، وأجل فيه الشهران والثلاثة.
وفي كتاب ابن حبيب: قال أشهب: سأل ابن كتانة مالكًا لابن غانم عن عبد ادعى حرية، وأن له بينة بموضع كذا، فطلب السيد منه حميلاً وهو لا يجده؟

قال: إن جاء بلطخ وشبهة فأمكنه ن الخروج يأتي ببينة بعد حميل لسيدة، فإن لم يأت بحميل؛ سحن، ووكل من يقوم بأمره، وكتب إلى الموضوع الذي ذلك، وهذا إذا أثبت السيد ملكه إياه وحوزه له.
وإن لم يثبت ذلك؛ حيل بينه وبين لإنكار العبد الرق.
قال أصبغ: فإذا الكتاب في أمره بما يستوجب به الرفع رفعه مع سيده، وإن بعد المكان، وكذلك الجارية.
وكل هذا خلاف ما أفتوا به في مسألة اليهودي.
ومسألة ادعاء العبد الحرية متكررة في مواضع بمعان متقاربة، وتركت اجتلابها عن نصوصها كراهة التطويل.
دعوى في فدان غلب صاحبه عليه وحيز أو عين: فهمنا – وفقك الله – ما قام به العطار على النصرانيين في الفدان فحجر بحردة ودعواه الغلبة، وثبوتهما بما شهد به الشهود فيه، وقول النصرانيين: إنهما اشتراه من نصرانيين، وقول وكيلهما: هذا الفدان المعارض فيه ليس الذي شهدت به البينة على الاسترعاء في الإكراه.
فيجب في ذلك أن تحوز البينة اليت شهدت في هذا الفدان، أو تقول: إن الفدان الذي وقعت فيه المعارضة هو هذا بعينه، أو يقول الوكيل: إنه هو بعينه، أو يحوز الفدان غير هذه البينة أنه هو المقوم فيه فتسقط حينئذ الحيازة؛ فإن ثبت أنه هو وجب للعطار استرجاعه بما ثبت له من الإكراه إلا أن تكون للنصرانيين حجة عند الإعذار إليهما.
قاله ابن لبابة وغيره.
مشورة أخرى في هذه القصة: تكشف – وفقك الله – زكريا وعثمان النصرانيين عن الفدان المحدود في كتاب الاسترعاء؛ فإن أقرا أنه الفدان الذي تعارضوا فيه بعينه؛ نظرت في الشهادات الواقعة في الاسترعاء على ما يجب إن شاء الله.
وإن أنكراه وذكر أنه غير الذي أوقعت فيه المعارضة ورضى العطار بأيمانهما؛ حلفا في كنيستهما بالله الذي لا إله إلا هو: ما هذا الفدان المحدود في هذا الكتاب بالفدان الذي يطالبهما به، ولا هو الذي وقع في كتاب المراضاة، فإن حلفا برئا من طلب العطار.
وإن نكلا؛ فإن كان القاضي ممن يرى اليمين مع الشاهد؛ لم يكن لهما الرد؛ لأن

العطار، عليه وجبت اليمين فردها.
وإن كان لا يرى اليمين مع الشاهد؛ فالنصرانيان إذا نكلا؛ رد اليمين على العطار؛ فإن حلف؛ نظرت في هذا بما يجب، وإن نكل؛ سقطت طلبته عنهما.
قاله ابن لبابة، وابن وليد.
دعوى في زرع: قام عندي – رحمكم الله – خشنة فذكر أنه أفع زرع فدان زوجته الذي بغربي بمحشر الدمشق وأقر له بعد حصاده في أندر ابن معصب.
ولما أراد درسه منعه منه محمد بن قاسم، وحضر عندي محمد بن مصعب وأقر ابن مصعب بما ذكره خشنة، وقال: إن محمدًا ادعى فيه إذا أراد خيشنة درسه.
وقال محمد: بل أنا أنزلت الزرع في أندر ابن مصعب وهو لي، فكلفته البينة بعد أن أمرت باعتقال ما حصل في الزراع، وضربت له آجالاً واسعة، وتلومت عليه بعدها، قلم يأت بسبب يوجب له الزرع، وطال التأني فيه وسألني خيشنة إطلاق يده عليه.
فهمنا – وفقك الله – ما ذكره خيشنة وابن قاسم واتفاقهما أن الزرع في أندر ابن مصعب وإقرار ابن مصعب أن خيشنة أنزله فيه ابن قاس؛ فالذي يجب فيه أن إقرار ابن مصعب بالزرع الذي في أندره لخيشنة يوجب الزرع لخيشنة وإطلاق يده عليه قاله محمد بن وليد، وعبد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة، وسعد ابن معاذ قال القاضي: هذا الجواب صحيح إن كانت المرأة صدقت الزوج فيما ادعاه عنها، وحفت على ذلك، وأما إن أنكرت مقالته وتبرأت من الزرع فإنه لابن قاسم إذ لا مدعي له سواه.
وإن كان لم يتعرف ما عندها ولا ثبت توكيلها لزوجها فلا يصح في الزرع حكم، ويوقف حتى تعلم بذلك فتدعيه وتحلف؛ فيكون لها أو تنكل عن اليمين؛ فيحلف ابن قاسم ويأخذه.
وفي كتاب الشهادة من المدونة: إذا تداعى رجلان زرعاً في أرض رجل، وأقام أحدهما بينة، ورب الأرض لا يدعي الزرع؛ فإنه يستيرئ ذلك، ويقال لهما: زيدا بينه، فإذا طال زمن الاستثناء وتكافأت البينات؛ حكم لهما به وكان بينهما – يريد بعد أن يحلفا.

وإن نكل أحدهما؛ أخذه الآخر الحالف، وإن كان الزرع في يد واحد منهما كان أولى به إذا أقام البينة.
يريد وقد أقام الآخر بينه وتكافأت، وإن لم يقم واحد منهما بينة كان للذي هو بيده.
قال ابن القاسم: ولو ادعى رب الأرض الزرع ترك بيده، ولو أقر رب الأرض به لأحدهما وقد استوت حالهما في تداعيهما كان للذي أقر له به رب الأرض مع يمينه؛ لأنه لو ادعاه لنفسه لكان له.
وفي كتاب الولاء من المدونة ما يدل على ذلك.
ولأشهب في المجموعة، وفي كتاب ابن سحنون تداعيا أرضًا أو دارًا، وقال كل واحد منهما إنها له وفي يده، والدار بيد غيرهما، فأقر أنه اكتراها من أحدهما أو استعارها منه؛ كانت الذي: أقره هذا، إلا أن يقيم الآخر بينه فتكون له، إلا أن يقيم الآخر أيضًا بينة فتكون لأعدلهما، فإن تكافأتا كانت للمقر له بعد أن يحلف، ولا يمين مع المقر؛ إذ لو رجع عن إقراره لم يصدق، وإن كان شاهدًا فالشاهد لا يحلف، وإن تداعيا عبدًا في أيديهما، والعبد لا يتكلم، فمن قامت له بينة منهما به كان له، وإن أقاما جميعًا بينة قضى بأدلهما، وإن تكافأتا كان بينهما بنصفين، وإن كان العبد كبيرًا يتكلم أسأله حتى أسالهما البينة فإن أقاماها كان لأعدلهما، وإن تكافأتا فهو لمن أقر له العبد منهما بالملك.
قال القاضي: وتب إلى من مالقة بمسألة من هذا المعنى، في جمال عيه رزق زينب ادعى رجلان كل واحد منهما أن الزق له استأجره على جمله، والحمال ينكرهما ويدعه لنفسه أو أقر لأحدهما أو لهما.
فجاوبت في ذلك: إن ادعا الحمال لنفسه كان له بعد أن يحلف لكل واحد منهما على تكذيب دعواه؛ وإن أقر به لأحدهما كان لمقيم له مع يمينه إن لم تقم للآخر بينة، وإن أقر أنهما جميعًا أسلماه إليه واستأجراه عليه على جملة، حلف كل واحد منهما واقتسماه، ومن نكل منهما أخذه الحالف، وسواء كان حامله معروفًا بالحمل على الناس أو غير معروف بذلك؛ إذا ادعاه ملكًا لنفسه فهو أوى مع يمينه لكونه في يديه وحوزة من مدعيه باستئجاره عليه.
هذا معنى ما جاوبت به، وكله على الأصل الذي قدمناه من المدونة وغيرها، وعلى ما في أحكام ابن زياد رحمه الله في الزرع، وإن كنت قد رأيت في مسألة الزرع التي في المدونة قد كتب عليهما في حاشية كتاب: أن رب الأرض لو أقر بالزرع لأحد متداعية لم

ينتفع بذلك، وأراه عن أبي عمر الأشبيل أحمد بن عبد الملك، وهو خطأ لا يلتفت إليه.
قال في تلكل المعلقة: والزرع، بخلاف لو كان بيده ثبوب فأدعاه رجلان، وقال الذي هو بيده: هو لهذا منهما.
هذا كان يكون لمقر له، ولا فرق بين الزرع وما هو ممسكه بيده، والله الموفق للصواب.
مسألة أخرى في تداع زرع من أحكام ابن زياد: فهمنا – وفقك الله – ما طلبه خلصة من الزرع الذي في أرض أخته الموروثة، وذكر أن زوجها وههيأ الفتى زرعها بزوج المرأة زوريعتها، فالذي يجب فيه أن تكشف وهيأ عنه فإن أقر أنه زرع بزوج المرأة وزريعتها لنفسه؛ فازرع له ويكون عليه كراء حصته خلصة من الزوج، وكراء الأرض مع حصته من الزريعة، وإن أنكر الزوج والزريعة حلف بالله – أن ذلك ليس لمرأة منه شيء، ويحلف أيضًا أنه ما زرع إلا لنفسه، ثم يكون عليه كراء حصته من الأرض.
قاله ابن لبابة، ومحمد بن وليد.
قال القاضي:

قولهم: ويحلف أيضًا أنه ما زرع إلا لنفسه بعد يمينه أنه لا شيء منه للمرأة؛ ضعيف، لا وجه؛ لأن خصلته لم يذكر ذلك في دعواه، إنما زعم أن وهبًا زرع بزوج المرأة وزريعتها، فإذا حلف أن ذلك لا شيء للمرأة فيه؛ انقطعت دعوى خلصة، ولم يبق له على وهب ما يحلفه عليه في هذا، ولو ادعى خصته أنه إنما زرعه على سبيل المزارعة والشركة بينه وبين المتوفاه، وأنكر وهب أن يكون لها فيه شيء، وحلف على أن الزوج والزريعة لا شيء للمرأة منه لكان كافيًا فيما يلزم أن يحلف، ولم يحتج إلى تلكل الزيادة.
ولو ادعى أيضًا خلصة أن ذلك إنما زرعه على أن لها منه انصف أو الثلث لما لزمته يمين في هذا، لأنها عطية لم تشهد المرأة بقبولها، فذلك الوجه الذي زادوه أن يوجد له معنى، ولو كان له معنى ولحقت فيه اليمين لم يكن عليه تكرار اليمين فيه، إنما كان تدخله اليمين الأولى أن الزوج والزريعة له لا شيء منه لها، وما زرع ذلك إلا لنفسه هكذا كانت تكون اليمين ولحقت في ذلك يمين، لأن الدعاوى إذا اجتمعت للطالب على المطلوب، إنما يحلف فيها يمينًا واحدةً لا يمينًا لكل دعوى، فهذا شاهدت العمل به، وفيه تنازع تركت ذكره لطوله.

من قال: إنما اشتريت منك غيره واشترطت خياره: فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه الغنوى والمشتري منه، وما ادعاه المشتري من اشتراطه عند الابتياع أنه إنما يشتري لغيره وأنه استثنى رضى المشتري له، وأنكر الغنوي لما قال من أنه اشتراه لغيره واشتراط الخيار، فيجب في ذلك أن أثبت المبتاع ما ذكره أخذ به، وإلا حلف الغنوي بالله ما اشترط عليه شيئًا ولا باع منه إلا لنفسه لا لغيره كما ذلك، إلا أن يثبت الغنوي أن المشتري اشترى لنفسه فتسقط اليمين عنه، إلا أن يقول المبتاع إن هذا الشرط كان بينهما لم تطلع عليه بينة، فإن قال ذلك فلابد من اليمين ولا معنى للبينة، لأنه قد يشترط مثل هذا ولا تحضر بينة، فإذا حلف الغنوي وجب له ثمن الثوب على المبتاع، وإن نكل عن اليمين فله ردها على المبتاع، فإن حلف انفسخ ما بينهما إن لم يقبل المبتاع له، وإن نكل لزمت اليمين.
قال محمد بن لبابة، ومحمد بن وليد، وأحمد بن يحيى، وعبيد الله بن يحيى، ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ.
قال القاضي: عند آخر تاب العيوب من المدونة: من اشترى سلعة من رجل وقال لفان: اشتريتها لا لنفسي، فعليه إحضار الثمن إن كان نقدًا وهو في النسيئة عليه إلى أجله.
قال ابن القاسم: لأن النقد عليه، وإن اشترى لغيره إلا إن قال للبائع: النقد لك على الذي اشترى له ليس لك على منه شيء؛ فيكون حينئذ للبائع على الأمر، فإذا كان النقد على المشتري لغيره – كما قال ابن القاسم – والمبتاع له مسمى والبائع بذلك مقر، فما ألزم هؤلاء الغنوي في يمينه ولا باع منه إلا لنفسه لا لغيره، وهو ينكر والمبتاع له غير مسمى.
ثم أكدوا ذلك بأن قالوا: إلا أن يثبت الغنوي أن المشتري اشترى لنفسه، فكلفوه العناء فيما لا يلزمه ولا يستفيد به فائدة، هو يقول: نعم اشتريت لزيد، أد أنت الثمن وصير المبيع لمن شئت فيلزم المشتري أداء الثمن، كما قال ابن القاسم رحمه الله إنما يلزم البائع أن يحلف ما باع منه إلا بإلزام بخيار لا غير، على ما في كتاب الوكلات من المدونة.
وقولهم: إلا أن قال المبتاع: كان هذا الشرط بيني وبينك ولم تطلع عليه بينة، فلا بد من اليمين كلا غير صحيح؛ لأن البينة إنما عن شهدت بحضور التساوم ابتداء بينهما والعقد دون خيار، فلا يمين على البائع في ذلك للمبتاع، إلا أن قال المبتاع بعد الافتراق: جعلت إلى الخيار؛ ففي اليمين حينئذ نظر.

دعوى في مبارأة ووضع كالئ وغير ذلك: فهمنا – وفقك الله – ما نازع فيه بن أمية وزوجه عائشة ودعواها أنه بارأها وأخذ لها خادمًا ونصف دار، ووضعت عنه كالئها في المبارأة لضرر ذكرته، ووقع ذكره في كتاب، وأنكر ابن أمية ذلك من دعواها المبرأة، وقال: إنها وضعت كالئها عنه، وأن بذلك عنده نسخة يطلبها، فما ألزم بالنسخة زعم أنه لم يجدها، وزعم أن إقرارها بالوضع يجزئه، فالذيث يجب على يحيى بن أمية أن يحلف بالله ما بارأها كما ذكرت، ولا عنده النسخة التي ذكرت كما ذلك، إلا على معنى المبرأة – فإذا حلفت لم يلزمها الوضع، ولم يلزم الزوج المبرأة إلا أن يقيم البينة عليهما.
قال بذلك ابن لبابة، ومحمد بن وليد، وأيوب بن سليمان، ويحيى بن عبد العزيز، وعبد الله بن يحيى.
قال القاضي: انظر كيف أفتوا بوجوب اليمين عليه في دعواها المبرأة، وذلك لا يلزم عند مالك وأصحابه إلا بشاهد تقيمه على ذلك، على ما المدونة والموطأ وغيرهما.
دعوى ابن عيسى على زوجه وختنته ومصالحتهما له، ووضع كالئ ومبرأة بعد الوضع وادعاء ضرر وجهل: قام الدلال بن عيسى على زوجه وأمها مدعيًا عليهما أنهما أخذتا له سبعين مثقالا ذهبًا قرمونية فأنكرتاه، ثم اصطلحوا عن ذلك بعشرين مثالاً تؤدي كل واحدة نصفها، وعقد عليها بذلك عقدًا، وكتب على الزوجة عقدًا آخر أنها وضعت عنه كالئ صداقها وأسصقطته عنه، ثم بارأها بعد شهر أو نحوه، وطلبها وأمها بالعشرين مثقالا، فادعت الجهل، وقالت الزوجة: إنه أضر بها وأنها إنما التزمت له ذلك لإضراره بها.
وكتبت عقدًا بسماع الشهود من النساء أنه كان يضربها ولم يقلع عن ذلك إلى أن باررأها.
فأفتى ابن عتاب وابن القطان إن عقدا الضرر ضعيف والذهب لازمه لهما، قال أحدهما: ويؤجلان في إحضار العشرين مثقالا ثلاثة أيام، وأفتى الآخر بخمسة عشر يومًا.
قال ابن عتبا: ويحلف الطالب أنه لم يضربها.
قال لي: وهذه اليمين استحسان قلت له: ولم لم يبطل عقد الضرر مطلبه قال: لأنها قد رضيت بالصلح والتزمته عن دعواه وأشهدت بذلك، وإنما ينفع الضرر في الطلاق، وقلت له: وما الذي يمنع من نفعه في وضع

الصداق إن كان الوضع قبل الطلاق، قال: لو استزرعت أنها إنما تضعه لإضراره بها غير طيبة بذلك نفسها؛ نفعها ذلك.
قلت له: فإذا وضعت على المبرأة ثم أثبتت الضرر أليس ينفعها وإن لم تسترع؟ قال: بلى.
قلت: فأي شيء هذا مما تقدم، هذا تناقض! قال: ليس فيه تناقض، وكله يرجع إلى أصل واحد.
في امرأة أقرضت زوجها دنانير إلى أجل فطلقها قبل الأجل، فادعت أن ذلك التأخير إنما كان من أجل الزوجية: نزلت هذه المسألة بقرطبة: أسلفت زوجها ثلاثين دينارًا ذهبًا، وأنظرته بها خمسة أعوام أو ثلاثة – الشك مني -، ثم طلقها بعد عام ونصف من تاريخ السلف.
فزعمت أنها إنما أسلفته وأنظرته استدامة لعصمتها معه، ورجاء في حسن صحبته لها.
وكان التحاكم فيها عند أحمد بن بقي، فشاور في ذلك فأفتى ابن عتاب القول قول المرأة فيما ادعته من ذلك، وتحلف ثم تأخذ حقها منه حالاً، وبذلك أفتى الشيوخ فيها قبل هذا: أن القول قولها مع يمينها؛ إذ هو الظاهر من أمر النساء أنهن يفعلن ذلك، فهو كالعرف الذي يصدق فيه من ادعاه.
وقد قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ذكره مال في الموطأ وغيره -: من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه الصدقة لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته ويرجع فيها إذا لم يرض منها – فحكم (رضي الله عنه) بما دلت عيه الحال، فكذلك هذه.
وكان قد خالفه فيها أبو عمر بن القطان، فجمعت حينئذ مسائل تدل على صحة جواب الشيخ ابي عبد الله فيها، من ذلك في كتاب الوكالات من المدونة: إذا قال المقرض: قرض حال، وقال المستقرض: بل هو إلى أجل كذا.
قال ابن القاسم: القول قول المقرض ويأخذه حالا، يريد ويحلف؛ فصدقه لأنه فعل معروفًا، فهو فيه مصدق، بخلاف لو كان الدين من معاملة، وادعى الغريم أجلاً قريبًا، وقال ربه: بل هو حال، فالغريم مصدق مع يمينه، إلا أن يكون لأهل تلك السلعة أمر يتبايعون عليه قد عرف، فالقول قول مدعيه.
وكذلك من قول مالك في كتاب الرهون: إذا قال المبتاع – وقد فاتت السلعة -: ابتعتها إلى أجل كذا، وادعى أجلاً قريبًا، صدق، وإن قال ابن القاسم: لا يصدق المبتاع في الأجل ويؤخذ الثمن حالاً.

ففي الذي في كتاب الوكالات دليلان: أحدهما: تصريح الفرق بين القرض وغيره بتصديق المقرض في دعوى حلوله، وكذلك يجب أن تصدق المرأة لأنها مقرضة.
والدليل الثاني: أن من ادعى المعروف صدق، ولأن العرف كالشاهد له في دعواه، والمتعارف من أحوال النساء فيما يوسعن به على أزواجهن من أموالهن أنهن إنما يرون بذلك استجلاب مودة الأزواج واستدامة عصمتهن معهم، وتغمر مسرتهم.
فإذا وقع الطلاق واستحالت أنفسهن عن ذلك إلى ضده، هذا الذي لا يعرف غيره، وارتفع السبب الموجب لتوسعتهن عليهم، وإذا ارتفع السبب الموجب المعروف فلصاحبه الرجوع فيه، على ما في نوازل سحنون في جامع البيوع في الذي يبتاع البعير فيسرق، أو الرأس فيستغله ويخاف الوضيعة فيه، يذكر ذلك للبائع، فيقول له: لا بأس عيك، قح حط الله عنك من ثمنه خمسة دنانير، ثم يصيب البعير أو بيع الرأس دون وضيعة.
قال سحنون: فلا شيء للمشتري من الوضيعة، إن قد عوفي بما خافه، وفي سماع يحيى عن ابن القاسم في كتاب آخر نظيره.
كما أنهن أيضًا لما عرف من أحوالهن عند بغضهن لأزواجهن إرادة الفرق لم يضرها دعوى الطلاق في ميراثه عند موته ورآه لها، مع ما ادعته قبل ذلك من طلاقهما، وأعطاها مالا كانت قد تبرأت منه، وسمع منها تكذيبًا لنفسها عند وجوبه لها بموت زوجها، هكذا في سماع سحنون في كتاب طلاق السنة.
وكذلك أيضًا صدقها مالك رحمه الله في الدعوى في رسم يشرب خمرًا، إذا ادعت أنها إنما وهبت لزوجها في مرضه ميراثًا منه؛ لأنه توعدها إن لم تفعل ذلك أن يضيق عليها، ولا يدعها تأتي أهلها ولا يأتونها.
قال مالك رحمه الله: وليست المرأة في ذلك كغيرها من الوراثة، ولم يكلفها رحمه الله بينة على دعواها؛ إذ هو معروف بين الزوجين أن الزوج يسومها هذا وشبهه، وفي المسألة أشهر عليها بالهبة لميراثها منه، ولم يصرها ذلك عنده.
وليس يعارض ما ذكرناه ما فيه سماع أسبغ وسماع سحنون: في التي تضع عن زوجها صداقها على أن لا يطلقها ويقبل ذلك، ثم يطلقها بعد وقت يرى أنه لم يعجل فيه: أن الوضيعة ماضية؛ لأن الوقت في هذه المسألة غير محصور، والزمنان فيه غير محدود، فصار الرجوع فيه إلى اجتهاد المفتي حسبما يراه.
وفي مسائلهم كثيرًا لا يرون فيه العام ونحوه طولاً من ذلك، وهو مما يشاكل هذا

الباب – قول مالك في سماع ابن القاسم فيمن غاب عن امرأته إلى موضع يعرف ويبعث إليها بنفقتها وأمرها، وقال: أما الحين فإني أرى أن يحتبس عنها ويبعث بنفقتها إليها.
قال ابن القاسم في مساع عيسى: الحين الأمد القريب فيما السنتين والثلاث، وأما إذا تطاول ذلك فأرى أن يقضي لها على له فلم ير السنتين والثلاث في هذه المسألة طولاً، فكيف بسنة ونص؟! ومع ذلك فلا يقع في وهم متوهم منصف أن تكون المرأة تنتظره مدة يطلقها دونها ويعجل فراقها قبلها، ويس قولها: إنما أسلفته استدامة لصحبته وجميل عشرته من باب الحرام، فيقال: القول قول الزوج لأنه مدعي الحلال؛ إذ ليس في دعواها تلك إنما ادعت أنها أنظرته لوجهه فها وجهه، فإذا قد حال بينها وبينه الطلاق فلها الرجوع في الإنطار.
وكذل قال ابن عمر في ذكره أقسام السلف، فسلف تسلفه تريد به وجه صاحبك فليس لك إلا وجه صاحبك.
وقد يوجد في مسائلنا ما يقيل فيه قول مدعي الحرام إذا كان ما ادعاه معروفًا في البلد، كما أن دعوى المرأة في هذا متعارف، ويس فيه حرام.
هذا كله على نصه جمعته حينئذ في ورقة كاغد، وحملتها إلى ابن عتاب، وصارت عنده قبل فصول جوابه في المسألة، ورأيت جوابه بعد ذلك، وقد ذلك فيه التي ذكرتها من رسم بشرب خمرًا.
وقال ابن شهاب في آخر السفر الثالث من البخاري فيمن قال لامرأته: هبي لي بعض صداقك أو كله ثم لم يمكث إلا يسيرًا حتى طلقها، فرجعت فيه، قال: يرد إليها إن كان خلبها، وإن كانت أعطته عن طيب نفس منها ليس في شيء من أمره خديعة جاز؛ قال الله عز وجل: (فَإن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) (النساء: 4)، وفي هذا دليل ما قلناه إن شاء الله تعالى.
وكان ابن مالك قد وافقه في تعجيل السللف للمرأة، وأخبرني بذلك واستدل على صحته بما في سماع أصبغ عن ابن القاسم فيمن أعطى امرأته عطاء بعد دخوله بمها فألقى النكاح مفسوخًا ففرق بينهما، قال: له الرجوع فيما أعطاها؛ لأنه أعطاها على الثبات والغنى عنه والجمال لنكاحه والعشرية بينهما فيه، فلم يقر عليه، وذلك إذا كان الفسخ بحدثان العطية، فأما إن كان زمان ذلك قد طال السنتين والسنين قبل الفسخ ثم فسخ، فلا أرى له فيه شيئًا، وإن أدركه بعينه كالخادم بعينه والمنزل بعينه؛ لأن الذي أعطى قد

رسخ حتى استمتع منه واستمتع بعطيته فيه، فالفسخ كطلاق حادث منه هاهنا.
هذا نص قول ابن القاسم فيها، وهو دليل ظاهر لمسألة القرض.
وكذلك يدل على صحة جوابها ما في سماع يحيى عن ابن القاسم فيمن ابنته أمة فأراد سيدها بيعها وتغريبها، فقال الأب لرجل: اشترها وأعينك في ثمنها بمائة دينار، فاشتراها بثمن كبير واستعان بهذا المائة فيه، ثم أراد بيعها بإثر ذلك، فقال الأب: إنما أعنتك بالمائة لما رجوت من حبسك إياها.
قال: ينظر فإن راى أنه إنما أعانه لهذا الوجه، فهو كالشرط؛ يرد المائة على الأب؛ وإن كان إنما أعانه على وجه الصلة؛ حلت له الأمة، ولم يرد المائة، وفي هذه المسألة والتي قبلها طول اختصرناه، وأتينا بالدليل فيه؛ والله الموفق للصواب، ومن الحجة لابن القطان: قول النبي عليه السلام: "المسلمون عند شروطهم 1 ولم يخص" وقال ربيعة في كتاب الخيار: من أسلف رجلاً سلفًا، فليس له أن يعجله إن سمي له أجلا إلا إلى أجله؛ لأن ذلك معروف.

فصول الكتاب · 23 فصل · 750 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام · 750 صفحة
مقدمة المؤلفباب في القضاء والأحكامباب في المقالات والشهادة والحيازةباب في مسائل أداء الشهادات، ونقلها، والإشهاد عليها، والشهادة على الخط، ومن سأل أن يدفع له نسخ ما يشهد به عليه، أو سأل القاضي أن يعطيه المشورة التي شاور بهاباب في الاستئمان والخلطة وكشف القضاة عما يستريبونه من الأمور بمن يرسلونه ممن يثقون بهباب اليمين مع الشاهدباب في مسائل المحجوز
باب الوصايا بالأيتام والأموال
باب مسائل العتق وادعاء الحرية في عبد بين ثلاثة؛ أعتق أحدهم نصيبه في وصية، واشتكى بأحد سيديه
باب النكاح
باب في الحضانة والنفقات واختلاف الزوجين في متاع البيتباب الطلاق وأسبابهباب الحلف بالأيمان اللازمة والحنث فيهاباب في البيوعباب العيوبكتاب الأقضية
باب الأقضية والشهادات
باب الإقرار
باب الشفعةباب ما ينقسم وما لا ينقسم والاختلاف فيهباب الصدقات والهبات وشبيههاباب الحبس
باب مسائل الاحتساب
جارٍ التحميل