باب الأقضية والشهادات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو الأصبغ
- الكتاب
- ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام
- المؤلف
- عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي الجياني القرطبي الغرناطي أبو الأَصْبَغ (المتوفى: 486هـ)
- المحقق
- يحيي مراد
- الناشر
- دار الحديث، القاهرة - جمهورية مصر العربيةعام النشر: 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وقد تقدمت منه مسائل متخيرات:
دار تنازع فيها مدعوها، واختلف الشهادات تفيها، وتضمنت ذكر رجوع الشاهد، وجرحته بعد الحكم:
من أحكام ابن زياد: فهمنها - وفقك الله - ما شهد به ابن عبيد وابن شراحبيل في الدار التي حكمت فيها سيدة ابنة رضوان وسعيدة، اللتين اختصمتا فيها، فادعتها سعيدة لنفسها، وادعتها سيدة لأمها، وأنها توفيت وقد أوصت بثلثها فيها، وثبت عندك أنها لرضوان، وحكمت بها لورثتها ولوصيتها، بعد الإعذار إلى سعيدة في ذلك وتأجيلها آجلاً واسعة.
ثم أتت سعيدة بابن عميرة وغيره فشهدوا أنهم يعرفون الدار لسعيدة، ووصفوا حدودها، وكان في شهادة الصدفي وصاحبيه الذين حكمت بهم أن حد الدار التي لرضوان كذا وكذا؛ فودنا في شهادة ابن عبيد وابن شراحبيل أنهما لم يعرفا الحد الجوفي، وفي شهادة رضوان أن الحد الجوفي هو في دار رضوان؛ فلم يكن في شهادة ابن عبيد وصاحبيه ما يدفع به ما شهد به شهود رضوان؛ إذ لم يعرفا الحد وعرفها شهدوها؛ فشهاتهما غير ظائرة لشهود رضوان، ولا يجب بها توقف الحكم.
ونظرنا فيما طعن به في شهادة سعيدة فوجدناها غير ظائرة للحكم ولو كان فيما شهد به عليه رجوع عن شهادته لما ضر الحكم ولا وجب التوقف، لأنك قد حكمت بشهادته وشهادة رجلين سواه، ولو لم يكن في الحكم غيره وآخر إليه ثم رجع عن شهادته مضى الحكم وغرم نصف قيمة الدار لسعيدة؛ لأن من حكم بشهادته وآخر إليه ثم رجع عن شهادته نفذ الحكم وغرم الراجع عن شهادته نصف قيمة ما حكم به لو بقي شاهدان سواه لم يغرم شيئًان ولو ثبت عليه سخطه حال لم يغرم شيئًا ومضى الحكم؛ لأن الحاكم قد اجتهد بقول أهل العلم، فكيف وليس فيما قاله ابن مسرور وابن رومان ما يوجب على سعيدة شيئًا.
قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن وليد.
وقال أيوب بن سليمان: أعلم لمن علمه ولا يقضي عليه لمن جهله، والشهود لرضوان قد أثبتوا دار سعيدة، وأنها بقبلي دار رضوان، وأثبتوا دار رضوان أنها بجوفي التي بجوفيها فلا نفع لسعيدة في هذا، لأن شهودها لم يشهدوا لمن الدار التي بجوفي دارها التي
اجتمعت عليها الشهادات، فالدار الجوفية من دار سعيدة ماضية رضوان على ما عرفه فوقه، ولم تزدها البينة التي جاءت بها قليلا ولا كثرة على ما شهدت به البينة الأولى، وأما شهادة سعيدة فماضية إذ قد وقع الحكم بها والله الموفق للصواب.
قال القاضي:
أكثر كلامهم حشو لا يفيد علمًا ولا يزيد فهمًا، وما زاده أبو صالح أيوب بن سليمان منثور المعاني، وحشي المساق وركيك الألفاظ، بعيد عن البيان أشبه بالهذيان، كقوله: ولا يوقف الحكم ولا ينقض منه حرف فما فوقه، ما الذي أدخل الحرف في الحكم؟ والحروف إنما تضاف إلى الكلام لا إلى الأحكام، ولو قال: لا ينقض منه فصل، ولا يختل منه معنى، لكان بمراده أليق وبمقصده ألصق وأكد تلك الهجنة بقوله: فما فوقه وهذا من فخار قوله، ولم تزدها البينة التي جاءت بها قليلا ولا كثيرًا، ولو قال: لم تزدها بيانًا ولا أوجبت لها حقًا لكان أشبه.
وأعادوا الحد الجوفي عارًا من معنى وخير أعرى من جوف العين، وقالوا في الراجع من الشاهدين عن شهادته بعد الحكم بها: يغرم نصف قيمة ما شهدا به قولا مجملا ولم يبنوا هل أقر في رجوعه بتعمد الزور أم ادعى التشبيه والغلط؟، وهو موضع تنازع إن قال: نسيت أوش به علي ونحوه، فأكثر أصحاب مالك يقولون: لا غرم عليه وهو قول ابن الماجشون، وقال: هذا قول جميع أصحابنا بالمدينة؛ المغيرة وابن دينار وابن أبي حازم وغيرهم.
قال: قال ابن حبيب: وبه أقول، وهو أقيس، وروي عيسى عن ابن القاسم نحوه، وكذلك عنه في الموازية، وذكره ابن حبيب.
وعن مطرف وأشهب وأسبغ أنه يغرم ما أتلف بشهادته، قال: تعمدت أو شبه علي، وهو ظاهر ما في كتاب السرقة من المختلطة.
وقولهم: يغرم نصف قيمة ما شهدا به، وهو كلام غير محصل، لأنهما قد يشهدان يما فيه المثل عن عين أو مكيل أو موزون، فإنما يغرم حينئذ المثل، ومسائل الرجوع عن الشهادة كثيرة متفرعة؛ في الدماء، والنكاح، والطلاق، وغير ذلك، واسيعابها في الواضحة، والموازية، وكتاب ابن سحنون وغيرها، والذي في المدونة منها يسير، في الأقضية، والعتق، والرجم، والسرقة.
وقولهم: إذا ثبت على الشاهد سخطه بعد الحكم بشهادته مضى الحكم ولا شيء
عليه ولا على الحاكم، نحوه، في كتاب الرجم إذا قضى القاضي بشهادة رجلين لرجل بحق، ثم تبين له أن احدهما عبدًا أو مسخوط حلف المحكوم له مع شهادة الباقي وترك له المال، فإن نكل حلف الآخر ما عليه شيء، ورد المال إليه.
وفي غير رواية ابن وضاح قال أشهب: إن كان أحدهما مسخوطًا فالحكم ماض ولا يمين على المحكوم هل، قال ابن القاسم: وإن تبين أنهما مسخوطان أو عبدان ردا الحكم، وقال سحنون: لا يرد في المسخوطين، وفيه خطأ القاضي فتأمله.
شهادات في دار وذكر اعتقالها:
فهمنا - وفقك الله - ما شهد به لعبد الرحمن وكريا ابني يحيى بن مالكان هما ثلاثة أرباع دار بقرية مساس وريعها لأبيهما، وأن أباهما مات، وورثاه ولداه هذان مع باقي ورثته، وقبولك لشاهد منهم عرفته وطلب ويكيلهما عقل الدار، فالذي يجب أن ربع أبيهما من الدار يجب عقلته حتى يثبت بشاهدين موت أبينهما يحيى وعدة ورثته، ويجب عقل الثلاثة الأرباع التي لهما عقلا يمنع الموجود في الدار من أن يحدث فيها حدثًا إلا أن يأتي خصم الملغي في الدار بما يسقط به العقل.
قال بذلك ابن لبابة، وابن وليد.
شهادة شاهد واحد بملك وموت ووراثة:
قال ابن لبابة: فهمت - وفقك الله - ما تنازع فيه المتكلم عن الصغير والمتعدي وشهادة الشاهد على ملك الدار التي للصغير فكيف يخرج احد عن ذلك بشهادة شاهد واحد؟ وكيف يورث؟ هذا لا يستقيم ولا يعرض لمن في الدار ويخرج حينئذ عنها.
فأما يشاهد واحد، فلا يثبت به مال رجل موته وعدة ورثته فكيف ولمن شهد هذا الشاهد على عدة الورثة إنما شهد أنه يعرف من الورثة، وهذا غير معقول، والله أسأله التوفيق.
قال القاضي: قد تقدم هذا المعنى في أول الكتاب مستوعبًا متنازعًا فيه.
هل يكشف الشهود من أين علموا ما شهدوا به؟
فهمنا - وفقك الله - ما كشفت عنه من أمر الشهود؛ هل يسألون من أين علموا ما شهدوا أم لا؟ وليس عليك - أكرمك الله - كشفهم عن علمهم من أين علموا إذا شهدوا أنه كفؤ تمت شهادتهم، ووجب عليك إنكاحها.
قاله ابن لبابة.
قال القاضي: قد بينا هذا المعنى في مضي.
الله ولي الهدى.
اختلاف الشهادة في الملك والقضاء لأقدمها تاريخاً:
فهمنا - وفقك الله - ما سأله عبد العزيز وكيل مروان من النظر لمروان وأخيه يوسف الذي هو في ولايته، وما ذلك من انقراض الآجال التي أجلت لخصمه في المدفع فيما ثبت من ملك المتوفي للملك المنسوب إلى غليب فيما دخله من الإرجاء لحمدون ابن عبد السلام، وما قام به عبد الله وكيل إبراهيم بن حمدون في ذلك من أربة أثبتها في داخل منزل غليب المنسوب إليه.
فالذي يجب في ذلك أن تكشف الشهود لمروان عن الوقت الذي يعرفون فيه المال بمنزل غليب ملكا لمروان، ومنذ متى يعرفون ذلك، وتكشف شهود إبراهيم بن حمدون في الأحقال التي ثبت ابتياعه لها من عبد ربه بن أصبغ في داخل المال المنسوب إلى ابن غليب وأنهم يعرفون الأحقال المبيعة ملكًا لبائعها من إبراهيم بن حمدون ولم يوقتوا للملك وقتًا فيكشفون عن ذلك، فإذا انكشفت التواريخ وجبت الملك لأقدم التاريخين، إلا أن يشكو للمشهود عليه في ذلك مدفع.
وسائر الأحقال المبيعة من المال المنسوب إلى غليب ترفع يد إبراهيم بن حمدون عن اعتمارها ويد مروان أيضًا بعد أن يحوز المنزل الشهود الذي شهدوا فيه إلى أن يأتي نظرك في ذلك على ما يجب بما يظهر إن شاء الله تعالى.
ويعجز إبراهيم بن حمدون عما ادعاه في هذا المنزل من الملك عن قرابته إلا ما أدخل فيه البينة المتعجلة، لأن طول الأعذار مما يوجب قطع الدعوى.
قاله عبيد الله ابن يحيى، وإبراهيم وابن لبابة، وسعد بن معاذ، ومحمد بن وليد، وأحمد بن يحيى، ومحمد بن أيمن.
شهادات وتقييد القاضي لها:
فهمت - وفقك الله - الشهادات، وقول المعارض لا يجب على القاضي تقييد بها من أجل أن يكسنه لم يثبت موتها ولا عدة ورثتها، وتدبرت الكتب الثلاثة فوجدت عبيد الله ابن يحيى لم يشهد إلا في كتاب النكاح؛ لقوله: ويعرف الناكح والمنكح، ولولا قوله هذا لما عرفنا في أي الكتب شهد لأن هذه الشهادة مفرطة من الكتب الثلاثة.
ورأيت شهادات سعد بن معاذ وقعت في الكتب الثلاثة، فلم يشهد على موت يكسنه وعدة ورثتها وشهد محمد على كتاب الاشتراء وحده، وكذلك شهادة سلميان وشهادة
محمد في كتاب الاشتراء وموت يكسنه وعدة ورثتها، فم يجب تقييد كتاب النكاح؛ لأنه لا يجوز أن يقوم به غير يكسنه أو ورثتها إذا ثبت موتها، وهو لم يثبت إلا بشهادة واحد.
وأما كتاب الاشتراء للغير ابنه أبي ثور فهو يجب أن يقيد، لأنه قد ثبت بشهادة محمد وسعد وسليمان، وقد نسخت في ذلك نسخة على ما أحببت، فلا أعدمك الله العناية بأمور المسلمين، وإدخال النفع عليهم، قاله محمد بن لبابة.
قال القاضي:
انظر قوله: إذا ثبت موتها، وهو لم يثبت إلا بشاهد واحد، وإنما كان يجب أن يقول: وهو لم يشهد به إلا شاهد واحد، لأنه قد قال: إذا ثبت فأعطي أنه لم يثبت، ثم قال: وهو لم يثبت إلا بشاهد واحد، فأوجب إثباته فصار تناقضًا في المعنى، وهو خطأ في الفقه لأنه لا يثبت إلا بشاهدين.
شهادة في عمري دار وبيعها والإعذار فيها:
قرأنا - وفقك الله - الشهادات التي شهد بها لسوسة في ملك الدار وعامرها ابنتها وقرأنا الكتاب الذي عارض الشهادات ببيع ابنتها للدار من المعارض للشهادات، فرأينا الشهادات الواقعة لسوسة تامة انظر بها واجب بعد الإعذار إلى ابن فطيس في ذلك، فإن أثبت اشتراءه بعلم سوسة ومحضرها سقط شهادتهم، وإن لم يثبت ذلك أعذرت أيضًا إلى ابنتها فاطمة البائعة.
فإن لم يكن عندها مدفع في ذلك، نظرت لسوسة بالحكم لها إن شاء الله واعديت ابن فطيس على ابنتها بالثمن قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وسعد بن معاذ، وابن وليد، وأحمد بن يحيى، وحمد بن أيمن.
شهادات في هبة نصف دار اعترض فيها:
نظرت أكرمك الله في كتاب ما وهبت كنزة وقرأت الشهادتين، فرأيتها تامة في الكتاب وفيها لابن محمد بن يوسف مقال بأن قال: إن الهبة التي بها تتم لم تصح بهذه الشهادة، لأن الواهب قال بانقطاع المدخل والمخرج عن نصف عمر وفتح بابا كنزة في نصفها، ولم يكن في هذا شيء فلم تتم الهبة في نصف الدار.
فقلت له: إن الأب هو الحائز فقال: هذه دار مشاعة، وبقي إبراز النصف، فلم يبرزه فسقطت الهبة، وأنا أرضى بيمين كنزة في مقطع الحق إن أباها أبز لها هذا النصف
ولم يسكنه طول حياته إلى أن مات، وقد قطعت عنها طلبي، فرأيت أن الذي دعا إليه إنصاف، ثم قال: وإن شاءت أقمت أنا البينة أنه لم يزل ساكنًا فيها جمعًا، فتنظر أنت في ذلك إن شاء الله.
وأما ما ذلك أن ضرب الأجل لا يجب إلا بتمام الشهادة فصدق إنما يضرب الجل بعد تمام الشهادة، فأما قبل تمامها الذي به تصح فلا يضرب والله الموفق للصواب برحمته.
قاله محمد بن عمر بن لبابة.
قال القاضي:
هذا الجواب غير مهذب ولا ملخص، ويطول علينا تبين ما يتم به وما ينقص منه وأما هبة المشاع فعلى وجهين: إن وهب الواهب نصيبه من دار باقيها لغيره، وتخلى عن نصيبه واحتازه الموهوب له وحل فيه مع من له باقيها محل الواهب في صحته، فهذا جائز، نافذ ولا خلاف فيه، بين مالك وأصحابه.
وأما إن وهب جزءًا من نداره أو مزرعته لأجنبي أو ابنه الصغير في حجره، واستبقى باقي ذلك لنفسه وحاز ما وهب لابنه أو حاز الأجنبي ما وهب له في صحة الواهب، فالهبة جائزة في قول مالك وأكثر أصحابه، وكذلك في المدونة والواضحة والعتبية في مساع ابن القاسم وغيره.
وخالف أصبغ فقال: لا يعجبني هذا ولا ينفذ، كمن تصدق بمائة من غنمه ولم يفرزها بعينها ولا وسمها، وهو آخر قول مالك في الغنم، وقد كان يقول إذا تصدق على ابنه بعدة منها غنمه كما هي، إن ذلك جائز.
اختلاف الشهادات في سكنى الواهب نصف أملاكه مشاعًا دارًا منها هي أكثر ثلثها حتى مات:
وهب رجل لابنه الصغير نصف أملاكه مشاعًا بقرية كذا من عمل طليطلة، في دورها وأرضيها وزرعها، وفي أثوار الحرث بها ودوابه وآلته، وفي القرية دار هي أكثر من ثلث أملاكه، فسكنها الواهب بنفسه ومتاعه حتى توفى فيها، وخرجت منه جنازته، وثبت ذلك عند القاضي بعدول، وشهد أيضًا عدول إنما كان يسكن بطليطلة ويختلف إلى القرية فتوفي فيها ونزلت سنة ستة وخمسين وأربعمائة.
وكشف شيوخنا عن أي الشهادتين أعمل؟ وكيف إن طلب الصغير الموهوب له
من تركة أبيه النصف الموهوب من الأثوار والآلة والزرع والدواب، وكانت وفاة الواهب بعد الهبة بأعوام، ولا توجد بينة تشهد له على عين شيء من ذلك، ولا على أن الواهب بعد الهبة بأعوام، ولا توجد بينة تشهد له على عين شيء من ذلك، ولا على أن الواهب عين رسمًا منه؟ وهل يضاف ذلك بالتقدير إلى الأصول حتى يعرف أن الدار المسكونة أكثر من ثل الجميع أم لا يضاف ذلك إلى الأصول، ويلغي ما كان معها من مجهول؟
فجاوب ابن عتاب:
يقضي باعدل البينتين؛ هذا في سكنى الأصول، فإن كانتا في العدالة سواء بطلت الشهادتان؛ إذ هو في التهاتر، ثم ينظر، فإن قامت بينة أن الواهب أخلى الدار من نفسه وثقله سنة في الهبة، وإنما عدا إلى سكناها بعد أن أخلاها سنة، فالهبة في الأصول نافذة جائزة على مذهب مالك في رواية ابن القاسم وغيره عنه، وبه أقول.
وإن لم تقم بينة بذلك فهي باطل وترجع ميراثًا، ولا شيء للصغير من الزرع والدواب وسائر ما ذكرت في تركة أبيه، ولا ينفذ له منه شيء، إذا لم يعينه الواهب عند الإشهاد وهو ميراث لجميع الورثة، وإنما ينظر في سكنى الواهب إن كان الثلث أو دونه من الأصول، والدور، والأرضين، والثمار دون أن يضاف إليه العروض والماشية، هذا الواجب في ذلك.
وقال ابن مالك: أما الإشعاع فليست بعلة توهن الهبة، وبهذا مما قيل في ذلك أقول لحديث البهزي وما شاكله، وأما اختلاف الشهادتين في أمر الدار، فالشهادة بصحة الحوز أعمل لوجوه من النظر يطول شرحها مع موافقة الروايات في مثل ذلك.
وأما ما لم يعين من الأشياء الموهوبة بأعيانه بتوقيف الشهود عليها أو يوصف بتحصن به تمييزها؛ فباطل لا ينفذ، وليس هذا بناقض الروايات في مثل ذلك.
وأما ما لم يعين من الأشياء الموهوبة بأعيانه بتوقيف الشهود عليها أو يوصف بتحصن به تمييزها؛ فباطل لا ينفذ، وليس هذا بناقض لما قدمت من إجازة هبة المشاع وإن كان لم يكمل تعينه من أجل الإشاعة.
فإذا بطلت الهبة في تلك الأشياء فكأنها لم تكن فيها هبة قط ووجب إلغاء ذكرها فلا الموهوب له يتبع بشيء منها ولا يحتاج إلى السؤال عما تضاف إليه في التقدير، وكذلك جعلها ابن القاسم لغوًا كأن لم تكن فيها هبة قط رواه عنه عيسى في كتاب
الحبس والصدقات والهبات من المستخرجة، والله سبحاه أعلم بالصواب وأولى به، وأتى السؤال على بصره بالفقه فلهذا جاء جوابي على هذا السياق.
قال القاضي:
تشتمل هذه المسألة على ضروب من الفقه وفنون من العلم، أشار إليها المفتيان وأحلا عليها، وإن كانا لم يبيناها ولا أعربا عنها، وأنا أبين ذلك وأبسطه بالاختصار والتجميل مجانبًا للتطويل وحسبنا الله ونعم الوكيل، فأما قول ابن عتاب: يقضي بأعدل البنتين في السكنى فإن تكافأتا سقطتا، فالرواية منصوص كما ذلك في المسألة بعينها.
قال أشهب في كتاب ابن عبدوس: من أقام بينة في أمة بيد رجل أنها لأبيه مات وتركها ميراثًا لا يعلمون له وارثًا غيره، وأقام آخر بينة أن أبا هذا الطالب تصدق بها عليه وحازها عنه، فإن قالت بينة ابن الميت أنها لم تزل في يد الميت يختدمها حتى مات قضيت بأعدل البينتين، فإن تكافأتا فهي بينة ابن الميت.
قال: ومن أقام بينة أن أباه تصدق عليه بعبد فقبضه وقامت بينة أنه لم يزل في يد الأب حتى مات، قال: إذا فات إيقاف الشهود قضيت بأعدلهما لتكاذبهما وإن لم يفوتا وقفوا، فإن رأى في إحدى الشهادتين ما هو أقوى من الآخر قضى بذلك مثل أن تقول بينة تشهد أنه كان يخدمه في مرضه كما كان يخدمه في صحته، وقالت الأخرى نعلم أنه حاز، ولا نعلم ما قلت هذه، أو تقول بينة الحوز أنه لم يزل في يد المتصدق عليه حتى مات المتصدق، وتقول الأخرى لا علم لنا بهذا، ولكن رأيناه يختدمه، فتكون بينة الحوز أولى.
وإن لم تتكافأ في القوة قضيت بأعدلهما، وإن تكافأتا في العدالة فالصدقة باطل، فهذا نص لقول ابن عتاب وله نظائر يطول اجتلابها في المدونة وغيرها.
وخالف ابن مالك في ذلك فقال: الشهادة بصحة الحوز أعمل لوجوه في النظائر يريد أن شهادة من أحق الحق وأثبت المطلوب أولى من شهادة من شهد بما يبطلها، ومتى شهد العدل بشيء لم ترد شهادته بأنه ليس كما شهد، إنما ترد بالتجريح بما يسقطها.
وقد تقدمت من هذا المعنى مسائل في العيوب، وقوله مع موافقة الروايات في مثل ذلك يريد مثل ما في الموازية في شاهدين في رهن على حيازته، وشهد آخران أنه لم يجزه، قال: شهادة الحوز أولى وكذلك في المجموعة عن المغيرة وابن الماجشون.
وفي كتاب ابن سحنون عن سحنون ونحوه عنه في نوازله في العتبية، وقال ابن المواز: وأحسن ذلك أن يقضي بينة من ذلك يده، وقول ابن عتاب: إن قامت بينة الواهب أحلى الدار من نفسه وثقله سنة بعد الهبة ثم عاد إليها بعد البنية، تقدمت الهبة، فهي زاوية ابن القاسم كما قال في سماعه وسماع عيسى بن دينار، وكذلك عنه.
وعن أصبغ في كتاب ابن حبيب، وفيه خلاف لمطرف وابن الماجشون أن الهبة والصدقة تبطل برجوع الواهب إلى سكنى الدار، وإن كان قد أخلاها الزمان الطويل إذا سكنها في رجوع حتى يموت، وبه أخذ ابن حبيب وبالأول جرى العمل.
واتفق ابن عتاب وابن مالك في الدار أنها إنما يقدر الثلث فدون من الأصول المعروفة الموهوبة دون أن يضاف إليها ما ذلك معها من حيوان وشبهه مما لم يشهد بعينه ولا بصفته، وهو الصحيح لأنه لم تثبت الهبة فيه ولا حيازته فيبطل، وقول ابن مالك ما لم يوقف الشهود على عينة ولا وصف بما يتحصن به تمييزه باطل، وهو قول أصبغ في سماع عيسى في رسم سلف دينارًا في ثوب.
قال ابن القاسم: وسألت مالكًا عن الرجل يتصدق على المرأة بالخادم فتخدمها وتخدمه، هل تراه حوز؟ قال: نعم.
والخدمة عند مالك إنما تكون على الزوج إذا لم يكن للمرأة خادم دخلت بها من صداقها، وقاله أصبغ وكذلك الأمتعة والوطاء والثياب وفرش البيت وآنية المنزل في ذلك كله إليها تصدق به على صاحبه يريد من الزوجين فهو حوز وإن أقراه في المنزل بينهما وتواطأه جميعًا وانتفعا به.
إذا أعلن الصدقة به أشهاد وبالسداد لها وبالتخلي منه إلى الآخر، وإن لم يعاين الشهود، الدفع والقبض ولا عرفوه بعينه، إذا كان موصوفًا وهذا أمر المسلمين عامة، والحرة وأم الولد في ذلك سواء إذا تصدق عليهما بمتاع البيت من حلي وغيره.
قال القاضي:
هذا الذي أفتى به ابن مالك في ذلك، وقوله: ليس هذا يناقض لقولي بجويزي هبة المشاع، هو كما قال لأن هذا الذي لم يعين بالنظر إليه ولا بصفة محيطة كالمعدوم المفقود غير الموجودة، فهو كلا شيء، وأما المشاع فمعلوم العين معروف المكان محدود الأقطار، فلا يضره شياع الموهوب فيه عند الأكثر.
وقوله فإذا بطلت الهبة في تلك الأشياء فكأنها لم تكن فيها هبة ووجب إلغاء ذكرها، وكذا جعلها ابن القاسم لغوًا كأن لم تكن فيها هبة، قط إلى آخر كلامهم، إنما عني ما في كتاب أمهات الأولاد من سماع عيسى في كتاب الوصايا فيمن تصدق أو وهب ولم يجز ذلك عنه حتى مات، ولم يذكر ذلك في مرضه وأوصى بوصايا.
قال ابن القاسم: فإن الوصايا تدخل في تلك الهبات والعطاي التي لم تحز عنه إذ قد رجعت مالاً من ماله تورث عنه، وكأنه لم يعقد فيها هبة، هذه المسألة التي أراد ابن مالك وفيها طول، قد ذكرنا منها المعنى الذي أراده.
ولأصبغ في سماعه في كتاب الصدقة خلافه، قال: تطرح تلك الصدقة التي لم تحز عنه من رأس ماله، وتكون الوصايا في ثلث ما بعدها، وترجع ميراثًا، هذا بيان ما أراده ابن عتاب وابن مالك في جوابهما في هذه المسألة.
وإذا تدبرت أجوبة شيوخنا الذين حملنا عنهم وتفقهنا عليهم، وجدتها أدل على العلم وأجمع لمعاني الفقه من أجوبة الشيوخ قبلهم على من تأمل ما أوردناه عن الفريقين في كتابنا هذا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
شهداء عرفاء البنيان والقسام في عيوب الدور:
قال القاضي أبو بكر ابن زرب في مسائله: قد دخل عرفاء البنيان إلى أن يشهدوا في قيمة عيوب الدار، وقد شاورني بعض الحكام فيه فقلت له: وما الذي يمنعهم من الشهادة في هذا؟ فقال: إنما هذا للقسام الذين يعرفون قيمة الدور ويشهد العرفاء بالعيوب، ويقدر القسام ما ينقص العيب من الدار، فقلت له: وإذا كان العرفاء يعرفون قيمة الدار ثم أنكرت أن يشهدوا في مثل هذا أو عدول من غير العرفاء وغير القسام، فقال لي: بلى إذا كانوا عدولاً غير مغفلين جازت شهادتهم في هذا، إلا أن المفتي إذا استفتى في مثل هذا يجب له أن يفتي بأن يقول سئل عن هذا أهل البصر بالعيوب فيتخلص، فإن كان العرفاء أو غيرهم من أهل البصر جازت شهادتهم في ذلك.
قلت له: إن العدول من أهل كل ربض أدرى بالسداد من القسام، وشهادتهم أصح وأولى أن تسمع من القاسم؛ إذ المعلوم في القسام أنهم لا يشهدون بالأجرة ما جازت شهادتهم فيه.
مسائل من الرجوع عن الشهادة:
في مختصر أبي بكر ابن أبي يحيى: إذا شهد شاهدان على رجل بنكاح امرأة، وشهد عليها آخران بالدخول، ثم رجع الأربعة عن الشهادة فعلى شاهدي النكاح ثلاثة أرباع الصداق، وعلى شاهدي الدخول الربع، وإن شهد اثنان بالنكاح، وشهد آخران بالفراق عنه بالرجم رجع واحد من الشهود، ثم تمادوا في الرجم، فأوضح موضحة، فرجع ثان ثم تمادوا في رجمه حتى قتل فرجع آخر، قال: لو لم يجع هذا الثالث لم يكن على الآخرين من رجوعهما شيء، فعلى الراجع الأول سدس دية العين وعلى الثاني خمس دية الموضحة وسدس دية العين، وعلى الراجح بعد قتله ربع دية انفس فقط؛ لأن دية النفس تأتي على ما قبل ذلك، وفي غير رواية ابن نطرف وقد قيل على الثالث أيضًا خمس الدية وسدس دية العين، والأول أصح.
استئناف الشهادة عند حكم ثان إذا لم يشهد الأول بقبولها:
فهمنا – وفقك الله – أن شهادات وقعت لابنة ابن مزين فيما تنازعت فيه مع ابن عمها، وأنه لم يكن من القاضي إشهاد في قول تلك الشهادات تقييدًا لها لعلل دخلتها، واختلف أهل العلم فيها من أجل تلك العلل، فبقي الأمر ذلك إلى أن صرف النظر بينهما إلى سلمة بن علي الوزير، وقلت – وفقك الله: إن الوزير سلمة سلمه الله، أوصى بان تبعث إليه بتلك الشهادات، فكشفتنا عن هذا.
فالذي نقول به في ذلك على مذهب أصحابنا وقولهم: اء ذلك لا يجب عليك، لأنك لم تكن قيدت الشهادات بقبول أشهدت عليه، وعلى من صار النظر إليه ابتداء النظر فيها، قال بذلك أيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ.
الشهادة لأبي جميل في وراثة ابن أبي عطيف:
فهمنا – وفقك الله – ما شهد به لأبي جميل بأنه المحيط بوراثة ما هلك عنه محمد بن أبي عطيف على ما وقعت به شهاداتهم وشهادة عبد الله بن محمد بن عتيلة، وتعديل محمد بن لبابة ومحمد بن وليد، وقالا فيه إنه عندهما من أهل العدل والرضى، وما شهد به عبيد الله بن يحيى، مما صح عنده كصحة اليقين، أن أبا جميل وارث ابن أبي عطيف إلى ما جاءك عن محمد بن جنادة قاضي أشبيلية في كتابه إليك أنه ثبتت عنده أن أبا جميل وارث ابن أبي عطيف وأنه ابن عمه.
فرأينا شهادات أوجبت لأبي جميل وراثة ابن أبي عطيف لقبول من قبلت من الشهود إلى ما تظاهرت به الشهادات لأبي جميل على ما ثبت له من وراثة ابن أبي عطيف والإعداء له تركته، قال محمد بن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن وليد، وأيوب بن سليمان، وسعد بن معاذ، واحمد بن يحيى، وأحمد بن بيطير، ويحيى بن سليمان.
شهادات في موت ووراثة ودعاوى في مال العجلي:
تصفحت – أكرمك الله – الشهادات، فوقعت شهاداتي على التراضي الواقع في الكتاب، وعلى معرفة قاسم وزوجة، ووقعت شهادة عمر على مثل ذلك، وعلى موتها وعدة ورثتهما ومعرفة أعيان بعضهم، وشهد ابن بيطير على المراضاة، ومعرفة قاسم وزوجه وموتهما، وعدة ورثة قاسم، ومعرفة عين الصغير، فبقى شاهد يشهد بمثل شهادة عمر وشهادة زكريا، فإنها تامة إذا ثبتت ثبت الوراثات، ووجب الإشهاد على ما ثبت عندك بعد الإعذار إلى عمر بن وليد عن الصغير في المراضاة، لأنه غير وارث زوجة قاسم، ولابد من إعذارك إلى من يليه أو ترجى له الحجة، قاله محمد بن لبابة، ومحمد بن وليد.
أتاني – أكرمك الله – فلان بكتاب، فذكر أنك امرأته بالوقوف إلي لإقراره، وأكتب إليك بما يجب إن شاء الله، وعما يطلب العجلي من أخذ نصيبه من دين أمه، فقد شهد ابن بيطير بمثل شهادة عمر، فالذي طلب من ذلك هو من حقه؛ إذ قد ثبت عند الدين وموت العجلي وعدة ورثته وموت امرأته المطلقة صاحبه الدين، وعدة ورثتها.
إلا أنه يجب على ابنها أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما علم أمه قبضت من أبيه من الدين الذي بذكر أنه باق عليه شيئًا، ولا أحالت به أحدًا ولا استحالت به على أحد في علمه، فإذا حلف أعطى فرضه منه، يؤخذ له مما ثبت من مال أبيه والجارية إن كانت بكرًا فلا يمين عيها، ولها حقها، ولو كانت ثيبًا أو ذات زوجن وكانت غير مولى عليها لحلف في حصتها، فهذا وجه انظر في هذا إن شاء الله تعالى، قاله ابن لبابة.
توقف القاضي عن إمضاء الحكم لاعتراض الشهود عليه فيما استحلفته موروثته من عاصب وارث، وفي بيعها في مرضها ولم تعاين البنية دفع الثمن.
كشفتني – وفقك الله – عما وقعت الشهادات فيه، واعترض المشهود عليه بما اعترض، وتوقفت عن تقييد الشهادات باعتراضه، لتعلم بالشورى موقع ما اعترض به هل يعلق أم لا؟ وكذلك فعل القاضي – وفقه الله – التوقف عند الشبه، فزاد الله في توفيقه،
وحسن على المسلمين أيامه ونظره.
شهد قوم أن المرأة التي كانت زوج محمد بن سلمة أشهدت على كتب فيها بيع بثمن كبير، وعلى أفعال من نحو ذلك مولاة أقرت لها، وقال الشهود في شهاداتهم إنها كانت مريضة مرَا لا تمنع به القاضء في مالها، وأن يكون فعلها في ذلك الوقت كفعل الصحيح، فكان رأينا بإجماع: أن الشاهد العدل مقبول القول لا يدافع فيما قاله.
ثم لا سيما إذا كان من أهل العلم، كالذي شهد في هذه العقدة.
وكان لها عاصب ثابت النسب أو استحقت عاصبًا بقولها أقرب له بمثل قعدد الثابت إذا كان العاصب قبل أيضًا، إنما ثبت بإقرار متقدم لا إقرارها للآخر.
فقلنا في هذا: إن العاصب الذي أقرت به أولا أقعد من الذي أقرت به آخرًا، إذ كان هذا وهذا بإقرار وإن كان الأول ثبت بشهادة فهو الأحق على كل حال، فملا ثبتت شهادة العدل الفقيه أنها في وقت إشهادها ممن يجوز فعلها كان ما أشهدت به ماضيًا، فاعترض العاصب الثابت بان قال إنما أدخلت على من هذا العاصب الثاني مسترابة في جانبي وهاربة بميراثها عني إلى غيري.
فإذا كان هذا أوجب أن يكون فعلها وما أقرت به أنها عقدته لهذا العاصب مولجًا إليه، فقلنا له: فما الدليل على قولك هذا؟ وما الظهير الذي ترجو به رد ما وقعت به الشهادات عليها؟ فقال: عدم العاصب، وأنه ممن لا يملك مثل هذا لإقلاله، وغيبة عين الثمن، فلم يظهر عند ذلك البيع، ولا ألفى في تركتها، فيصير وجود الثمن ظهيرًا قائمًا، فرأينا ما احتج به إن ثبت عندك ما قال يوهن ما عقدت، ويدل على أنها ذهبت مذهب الحيف وإزاحة المال عن وارثها، كما رجت أن يكون استحقاقها نقصًا على الغاصب الأول.
وقد يمكن أن يكون يحتج محتج فيقول وقد يكون عديمًا فيجد السلف فيبتاع بمال غيره، فيجب أني قال له: إذ قد استبريناك فأثبت الأسباب التي تذهب المريب عنا فيك، والشك في أمرك، وإلا وجب التوقف إن شاء الله تعالى، قال بجميع ذلك أيوب بن سليمان، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن غالب، ومحمد بن وليد، ويحيى بن عبد العزيز.
وقال ابن لبابة: فإن لم يظهر الثمن إذا كان ببيعها في مرض قبل أد الثمن إذا لم يظهر دفعك للثمن أولا أو انحل.
قال القاضي: ما أبعد كلامهم من البيان الصواب، وما أكثر حشوهم في الخطاب رحمنا الله وإياهم وتجاوز عنا وعنهم.
من طلب امرأة عند قاض فأنكرته، وأراد صرف نظره إلى غيره من الحكام:
قام عندي رجل بكتاب فيه ذلك حق على امرأة، فأنكرت ذلك الحق، فأتى بينة لم أعرفها، فقال الطالب: إن كنت لم تعرفهم ولست أقدر على تعديلهم فدعني أمضي إلى غيرك من الحكام، فقالت المرأة: وكيف بعد أن أنكرت وأتى ببينة لم تقبلهم، وأنا أرجو أن تجره وتقطع طلبه وتعنيته عني، وكيف يخرجني من عدلك إلى من ليس مثلك من الحكام؟
الحواب في هذا إلى اجتهادك، إن كان ما أدخل بينه مشبهة قد يقبلها حاكم ويجعلها آخر، فما بأس أن تكشف عنها، فلعل حق الرجل يصح عند غيرك من غير أن يكون في ذلك قطع بينة، إن كانت بينة ضعيفة، ليس مثلها يرجى قبلها، فلا تخرجها من عندك، واستمر في نظرك كما نظرت في مثل هذا من العجيز، قاله محمد بن عمر بن لبابة.
قال القاضي:
هذا ألحن الفقه، ولو سوغ الناس هذا وشبهه لكان عونًا على التشعيب وتطويل الخصام على المطلوب، وهم لا يجيزون له التوكيل على الخصام بعد مجالسة المطلوب عند الحاكم، إذا كانت مجاهرته إياهم قد تكررت مجالسة المطلوب عند الحاكم، إذا كانت مجاهرته إياهم قد تكررت مجلسين أو ثلاثة، وانعقدت بينهما مغالات إلا بعذر بين للحكم به، فكيف يسعه ترك النظر في أمره بعد إنكاره مطلوبته وشهادة ببينته؟.
هذا مما لا ينبغي أن يقول به أحد، ولا يبيحه حاكم مع ما فيه من إزالة الحكام، والاستخفاف بهم، والتعويض بمسامحة بعضهم.
وقد أجازوا تحكيم المتداعيين رجلا يحكم بينهم.
قال مالك: وينفذ حكمه عليهما، قال ابن القاسم: وإن قضى بما اختلف فيه، وقال ابن حبيب: قلت لمطرف وابن الماجشون: هل للخصم أن يرجع عن رضاه بتحكيم الحكم قبل الحكم أو بعده؟ فقال لي مطرف: له النزوع عن ذلك في مبتدأ أمرهما، وقبل نظره في شيء بينهما، فأما بعد تشوبهما في الخصومة عنده ونظره في شيء من أمرهما فلا نزوع لواحد منهما، وقد لزمتهما المخاصمة والتمادي فيها، وما جرى من صواب حكمه ورأيه.
وقال لي أصبغ مثله، وشبهه بالخصمين إذا تواضعا الخصومة عند القاضي، فليس لواحد منهما أن يدعها ويوكل مكانه غيرها وكذلك إن وكل فليس له أن يعزله ويوكل غيره مكانه، أو يتولى هو المخاصمة إذا كان قد تواضعا الخصومة والنظر فيها بالمقاعدة وشبهها.
وقال لي ابن الماجشون: إذا أشهدا على رضاهما بتحكيم المحكم فلا نزوع لهما لا قبل المواضعة ولا بعدها، ولا قبل الحكم ولا بعده، ولو كان لهما النزوع قبل الواضعة أو قبل الحكم ما لزمهما ذلك بعد المواضعة أو بعد الحكم، ولو كان لهما النزوع قبل المواضعة أو قبل الحكم ما لزمهما ذلك بعد المواضعة أو بعد الحكم، فإذا كان مطلقين منه قبل ذلك، قال ابن حبيب: وهذا أحب إلي، ولا يشبه هذا التوكيل على الخصومة، بل هو كالمولى عليهما في ذلك الأمر بعينه.
قال القاضي:
فهذا كله يؤيد أنه لا ينبغي للقاضي أن يحل من ابتداء التحاكم عنده رجاء أن يظهر عند غيره، بل يعجزه إن عجز، ويقطع عن المطلوب تعنيته إياه، وكان ينبغي لراغب في مثل هذا أن يختار لنفسه الحكم الذي يظن ظهور حقه عنده، وأما بعد ابتدائه عند حكم يريد العدول عنه إلى آخر فغير سائغ له، وقد كان من ينزل به من الحكام ذلك بقرطبة يوكل بمن بلغه عنه مثل ذلك في الرجوع إليه لإتمام محاكمة إليه وهو الذي لا ينبغي غيره ولا يتسامح في سواه وبالله التوفيق.
من مات قبل تمام القضية عليه، وقد كان أعذر به:
فهمنا – وفقك الله – ما ذكرت من أنك كنت أعذرت إلى خلف فيما كانت أثبته فاطمة عليه في الجنة التي بالرملة، وأجلته فيما ادعى أجالاً انصرمت وكنت على فصل القضاء عليه لقاطمة، فعجلته المنية.
فيجب في ذلك أن تمضي نظرك لفاطمة على ما ثبت لها وتذكر ضرب الآجال على خلف حتى ظهر عجزه، ووجب الحكم عيه فعاجلته المنية، وأن توقف لورثته ثمن الجنان الذي وجب على فاطمة رده إلى ورثة خلف حتى يثبت عندك عدة ورثته وأعيانهم، فتنظر في ذلك بما يجب – إن شاء الله – قال بذلك محمد بن لبابة، وقال تدخل المرأة في الجنان، التي حيزت لها، وثبتت حيازته عندك، وقال بذلك أيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد.
النظر في أسباب مواريث بني البراء بأمر الأمير أعزه الله
قرأنا – وفقك الله – ما كتب به الأمير – أعزه الله – من النظر بين بني البراء في مواريثهم، وأن تمسك عن انظر بينهم للمعدم، وأن تسمع من البينة فيه، وذكرت أن بينة شهدت عندك في دار من دور البراء أنها رهن لبعض القوم، وفيهم من يرجى تعديله، وذكر مدخلهم أن عنده من البينة سواهم.
وقال: بعض: أن تدخل تلك الدار في الميراث معجلاً.
فالذي يجب فيه أن يستأنى في أمر هذا الدار، وتثبت فيها حتى ينكشف لكل حقيقة الأمر، وما يجب به انظر، قال عبيد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان، وقال: ما بيع بيت مال المسلمين من التثبت فيه والاستنابة حتى تنكشف حقيقته وتنضح أسبابه، وقاله ابن وليد، وسعد بن معاذ، وابن لبابة، وغيرهم.
رغبة ابن حمدين أن يخرج من السجن لإحضار كتب يراها الفقهاء، وتوكيل على بيع منية مرهونة، وتنفيذ وصية:
إن الخصومة – أبقاكم الله – تبين عن كل دقيق، فإذا كثر لفظ قول الخصمين أو أحدهما ظهر المستور، وانتقلت الفتيا وصار نظري إلى التوقف بالحادث من كلام الخصوم، وهو الواجب على أن أتوقف عن الشبهة من الأمور، وقد أجبتموني في أمر ابن حمدين جوابًا عقدته بخطوطكم، وتوركت عليه.
فلما خرج ابن حمدين قلت له: إن الكتاب ينطلق بتوكيلهكما المرتهن على بيع الرهن، وأنا إن نظرت فلابد من ثبوت حوز المنية لمعرفة مواقف حدودها، وليكون ما يحتاز منها للوصية معقودًا وتسلط البيع على عين قائمة، فقد كان تنفيذ الوصية إلى حكم الورثة، فقال ابن حمدين: فليمض المرتهن على وكالته في بيع الرهن، فلا يحتاج القاضي إلى موافقة المعضل وهو يجد سبيلاً إلى غيره.
ثم ذلك أن بيده كتبًا فيها علل، وهي كثيرة في اللفظ، ولا أخالها عند العيان إلا أكثر اعتياضًا، وطالب الحق يطلب نظري والمحبوس يرغب في الانطلاق، وأنا مقصور على السنة، بحيث تقدمت أو تأخرت صرت، وأنتم الأئمة، وعن رأيكم أصدر، فاكتبوا إلي برأيكم في ذلك؛ لأعمل به إن شاء الله.
وكان فيما طلب ابن حمدين أن أكتب إلى أصحاب الحبس أن يطلقوه فيمضي إلى إخراج ما عنده من الوثائق التي أحببت أن تسمعوها وتجيبوا عليها فإن يكن من حقه فعلت إن شاء الله تعالى.
قال محمد بن غالب: قرأنا ما كشف عنه القاضي – وفقه الله – والذي طلب ابن حمدين من الخروج بملطي ليحضر بالكتب من حقه إن شاء الله، إلا أنه إذا أخرج كتبًا بدت فيه معان توجب لبسًا وطولاً في النظر، وامتنع من أجل ذلك بيع الرهن لتحصيل الغلل، ولم يكن له مال غيره، فثبوت ذلك عندك وإطلاقه بالحميل واجب حتى يناظر في الكتب، ويقيم الحجة عن نفسه، وإن كان له مال غير هذا كان محبوسًا حتى يبيع من ماله ما يقضي به عن نفسه، لأن الوثائق تتخذ عدة لمن يكتبها، ليس أن يعني معها ويطول عناؤه، وقاله ابن لبابة.
طلب ورثة أبي ريان التجيبي باليمين أنه ما ورث عن أخيه شيئًا:
أشرتم علي رحمكم الله بوجوب اليمين على التجيي لورثة أبي ريان.
إذا ادعى التجيي أنه لم يرث شيئًا عن أخيه الذي استودعه موسى بن زياد، إذ كان قاضيًا قطيعًا من تركة أبي ريان، فأوصت إلى التجيي بما أشرتم به من وجوب اليمين عيه، فقال عندي: ما أسقطها به عن نفسي، فقلت: وما ذلك؟ فقال: بينة عدل تشهد عندك أن أخي مات فقيرًا.
فقال ورثة ريان ليس هذا مما يسقط عنه اليمين، فإن البينة لا تعلم الغيب وإنما تشهد بموته فقيرًا في علمهم، وقد يملك ما لا تعمه البينة؛ من ناض يستتر، وجوهر مما تحويه البيوت، ونحن نقول: إنه هلك عن مالك وصل إلى التجيي، فعرفونا – وفقكم الله – هل يسقط اليمين عن التجيي ما ادعاه من البينة إن شهدت بما قال أم لا؟
فهمنا – وفقك الله – ما ذكرته في ذلك لا تسقط اليمين عن التجيي لو شهد له به عدول أهل قرطبة ألا ترى أن القاضي يحبس المفلس لدين يثبت عليه فيكشف له عدمه وتشهد بذلك بينة على علمها، ولابد من يمينه مع ذلك ما له عوض ولا فرض ولئن رزقه الله ليقضينهن ثم يطلقه القاضي في حبسه، وبذلك قضى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ووجبت اليمين، لأن الشهادة في ذلك على العلم، ولو كانت على البت كانت غموسًا.
وكذلك وارث الميت يحلف بالله ما صار إليه من تركته شيء، ولا وجد له مال،
ولا ورثته عنه، وكذلك يحلف التجيي إذا شهدت البينة أنا لا نعلم أنه تخلف مالا، هذا الذي ترى وانتهى إلينا علمه، قاله ابن لبابة.
في التعدي على أعوان القاضي والاستخفاف بهم:
قرأنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة عندك على بني السوسي باستخفافهم وتعديهم، فرأينا شهادات توجب عقوبتهم في انتهاكهم حرمة السلطان واستخفافهم بقضاء المسلمين، وتعديهم على الرسل وعلى الطالب لهم، وإذا لم يحم مثل هذا لمن تأمل أغلظ منه مما يقود إلى فتنة.
ونحن أشرنا عليكم أن توقف هؤلاء إن كانوا زرعوا هذه الأرض التي عقلت لقسمتها بين أهلها ونفذت فيها قضاء محمد بن سلمة قبلك عيهم، قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى.
وأرى أن تستبلغ في التغيير على بني السوس وتعاقبهم بأبلغ العقوبة.
وقال بجميعه محمد بن وليد، وأيوب بن سليمان، وابن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز، وطاهر بن عبد العزيز رحمهم الله أجمعين.
دعوى خصم ابن حكم المدفع فيما قضى به عليه وهو حاضر:
كشفتنا – وفقك الله – عما قام به عندك محمد بن حكم على عبد الله بن محمد وثبوت ذلك الحكم عندك، وشاورتنا بعد ثبوته بالعدول من البينات فيما يجب عليك من النظر في ذلك، فأشرنا بأجمعنا إنك تبيح له المدفع في الشهود الذين شهدوا عندك على إشهاد محمد بن مسلمة إياهم إذا كان قاضيًا بقرطبة على ما ذلك في ذلك الكتاب وما أنفذ فيه القضاء على عبد الله بأبحت ذلك له بمشهدنا.
فذكر عبد الله أنه لم يدفع في الشهود الذين حكم بهم محمد بنن مسلمة عليه، وكان ردنا عليك بأجمعنا أن الحكم يظن أن محمد بن سلمة لم يحكم عليه إلا بعد إعذار يستبلغ فيه، فلو كان عنده يومئذ مدفع لحضره به، ولما نفذ القضاء عله يومئذ فتوقف عن اعتراض حكم ابن مسلمة، ونفذت ما اجتمع عيه ملؤنا، وأشهدت على ثبوت حكم ابن مسملة عندك إذا لم يدفع عبد الله في الشهود الذين ثبت بهم عندك نظر ابن مسلمة وحكمه، فكان هذا من النظر الواجب، والأمر اللازم الذي لا يحل غيره.
وكان مما أشرنا به عيك حيازة الحبس والأمر بقسمته بين أهله، ورأينا أجمعون أن
مثله ممن قد استربته بإنكار النحلة التي ثبتت عليه مما يجب أن يسقط به نظره لها، فكتب كله وأنفذته بالإشهاد عليه، قاله محمد بن غالب، وعبيد الله بن يحيى وابن لبابة، وأيوب بن سليمان ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ.
قال القاضي:
قد تقدمت مسألة ابني صلتان في اعتراض المحكوم عليهم في الحكم لهما وهي من هذا الأصل، وتقدمت مسألة القبلة في إنكار ما جهز به ابنته، وقولهم أشرنا بحيازة الحبس وقسمته بن أهله، يريد قسمة اعتمار وانتفاع لا قسمة تمليك لأبد، وهو وجه فيه تنازع وربما ذكرناه فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
الشهادات بموت سماك بن محمد وعدة ورثته وملكه لدور بقرية فلان، واعتقال الملك لدعوى ابنه أنه كسبه مما لم يرثه عنه:
شهد عند القاضي أحمد بن محمد بن فلان بن فلان الفلاني أنه يعرف سماك بن محمد، توفي فأحاط بوراثته في علمه ولداه محمد وأحمد وزوجة فلانة ابنة فلان، وأنه خمس دور بقرطبة، ويحوزونها بالوقوف إليها ولا يعلم ملكه زال عنها إلى أن توفي، وشهد محمد بن عبيد بمثل ذلك.
نظرنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة لابني سماك في هذا الكتاب، فرأيناها على عدة ورثة سماك، واختلف في العدة واجتمع شاهدا عدل على عدة ورثة سماك وابنه أحمد، وشهد شاهد عدل على معرفة عين سماك، ومعرفة ملك دوره على اختلاف شهادات في العدد، فيجب إذ قد ثبتت موت سماك وعدة ورثته بشاهدي عدلن وشهد شاهد عدل على ملك سماك بقية فلانة، أن يكلف حوز ملك سماك من القرية فيعتقل إلى أن يستكمل النظر في إثبات الملك لسماك.
وفيما ثبت من الورثة بعد الإعذار إلى محمد فيما ثبت عندك، وكذلك في الدور ما ثبت عندك منها يشاهد عدل وجب عقله بعد الإعذار إلى محمد في ذلك، ثم ينظر في استتمام النظر بما يجب، وإن ادعى محمد بن سماك كسبًا غير ميراث أبيه بالقرية، فإن كان مما حازه أحمد بن زيد منع من عمله؛ لأن العقلة أخذته، وإلا فلا يمنع من عمارته ما لم يجز، إلا أن يشهد آخر بمثل شهادة أحمد أنه لا يعلم لمحمد بها مالاً غير وراثة أبيه، فيمنع حينئذ من عمارة الجميع إلا أن يثبت كسبه، قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة وغيرهم
قال القاضي: انظر في هذا الجواب العقلة بشاهد واحد عدل، وقد ذكرنا التنازع فيه في أول الكتاب ببيان مقنع إن شاء الله، وفي الحكاية هنا عن شهادات الشهود تخليط، وكذلك قولهم في الجواب ما ثبت عندك منها بشاهد عدل وجب عقله بعد الإعذار إلى محمد؛ لأن الأعذار إنما يكون بعد العقلة ولأن ما شهد به واحد لا يقال فيه ثبتن إنما يثبت إذا انضافت إليه يمين الطالب أو شاهد آخر، وبالله التوفيق.
ملك بين منع بعضهم أكثره فلم يوجد من يحوزه، فشهد أنهم لا يعرفون لهم دخوًا في القرية إلا بسبب مورثهم، وفي المسألة التي فوق هذا من هذا المعني.
أعلمنا – وفقك الله – أن امرأة قامت عندك فزعمت أن زوجها توفي عن مال بقرية فلانة، وأن لها منه ابنًا وابنة، وأن الذي لزوجها بالقرية هذه أطل عليه من زعم أنه ناظر المال ينظر عليه، وقد بقيت بزعمها هي وابناها، فبقي لابد من نظر قاضي، وأثبتت عندك موت زوجها وعدة ورثته.
وقلت: إن هذا المال كان مجملاً كما توفي عنه سماك وهو كثير وافر، وحيازته صعبة على إلا أني أثبت بالبينة أن أبا زوجي هلك عن مالك كثير بهذه القرية، وأن ابنية – أبا شيبة وزوجي – أحاطا بوراثته مع أمهما، وأن ابنيه لا يعلم لهما مال بهذه القرية إلا ما ورثاه عن أبيهما سماك، ودعت إلى كشفنا عما يجب لها مع ثبوت دعواها هذه إن ثبتت لها.
فالذي نقول به: إن المنزل إذا عرف للأب، وإنما كان يغشاه الولد بسبب الأب، فهو على الملك الأول حتى يثبت به يبين به كل واحد منهما بنصيبه منه، فإن زعم أحد الفريقين أن له مالاً أحقته البينة ويجب حينئذ إن شاء الله أن يقال لهذا المدعي الإصلاح على الأيتام أن ادعى ذلك؟ لسنا نسألك إلا عن إصلاح من غيره، ولكن ما تقول في المال أجمع هو بينك وبين أخيك؟ فإن قال: نعم، فقد أنصف، وصدق ما قال أنه من أهل الإصلاح عليهم.
وإن أدخل حجة وانتقل إلى ادعاء ماله فأمض العقل عليه في الجميع إن حيز أو فيما حيز من ذلك، وامنعه العمل فيما لم يحز حتى يثبت له ما ادعاه، إلا أن يقول إنه يعلمه لغيره على معاملة، فيكشف عن ذلك، وأنت في كشف هذا ومثله عن الصغير ومن لا ناظر له في ثواب وأجر جزيل.
قاله ابن غالب.
وقال ابن لبابة: وجه ابتداء النظر في هذا الذي رفعته المرأة أن تأمر بإحضار هذا الأخ فتكشفه عما رفعته، فإن أر به كان كما أفتى أبو عبد الله بن غالب، وإن أنكر جميع ما رفعت كلفت المرأة البينة على ما ذكرت، فإذا ثبت وجب عقل المال وإخراج هذا الأخ عنه والإعذار إليه، فإن جاء بمدفع نظرت فيه بما يجب ويظهر لك، وإن لم يأت بمدفع نظرت لأيتام بما يظهر لك من حقهم إن شاء الله.
وقال أيوب بن سليمان بمثل ذلك، وعبيد الله بن يحيى، ويحيى بن عبد العزيز.
قال القاضي:
أراد ابن لبابة أن يعرب فأعجم، فليته سلم فيسلم فلم يأت بشيء زائد على ما ذكره المفتي قبله، بل أخطأ في قوله وجه ابتداء النظر فيما رفعته أن تأمر بإحضار هذا الأخ.
ولا يجب رفعه بإجماع من أئمة علماء المذهب إلا بعد إثبات الموت وعدة الورثة، فإن قيل: إن هذا قد ثبت على ما ذلك في السؤال، قيل: فلم يزد شيئًا على ما تضمنه قبله، وكلاهما قد قصر في الإعراض عن ذلك زوجة سماك إذا لم يلزما القاضي كشفها ولا الإعذار فيما ثبت إليها، وإن كانت منيته فكان ينبغي أن يكتفي بوجوب ثبوت موتها.
وكذلك أغفلا أن يشيرا عليه بالتقديم لليتيمين من ينظر لهما، ويتكلم عنهما، وإن كان قد ثبت أن لهما وصايا من أبيهما، فكان يلزم إحضاره وكشفه عما عنده في هذا المطلب، وهذا كله نقصان من وجوه الحكم إلى غير ذلك مما تركنا ذكره لئلا يطول الكتاب.
وفي مسائل القاضي أبي بكر ابن زرب:
من هذا المعنى قال: هذه مسألة ينبغي لكم أن تحفظوها.
الرجل يتخلف ملكًا في قرية فيزعم بعض ورثته أن له ملكًا فيها، ملك ذاك بغير الميراث؛ بابتياع أو غيره، كان القول قوله مع يمينه فيما يقربه من جملة ما في القرية من تركه المتوفي، وإن لم يعلم ذلك وعلم أنه لم يكن له فيها ملك خالص بغير ذلك الميراث، فجميع ذلك موروث إلا أن يقيم البينة على أنه كان له فيها ملك خالص بغير ذلك الميراث، وكذلك الرجل تشهد عليه بينة أنه غصب ملك الرجل بقرية، ولا يعلم أن له بتلك القرية ملكًا غير الذي شهد عليه بغصبه، ويزعم أن له فيها ملكًا فإنه يحال بينه وبين ذلك المال، ويكلف إقامة البينة على أن
له فيها ملكًا غيره، فإن أقام بينة وإلا أخرج عنه، وإن شهدت عله بينة بالغصب، ولم يعرف الملك المغصوب، ولا علم إن كان له في القرية غيره أم لا، فإنه يقال له: أبرز الملك المغصوب المشهود به عليك، واحلف أن لك الباقي، ويكون ذلك لك.
سئل القاضي أيضًا عمن هلك وترك بنين وبنات وأرضين وقرى وعقارًا، فتزوج البنون والبنات، وخرج كل واحد إلى داره، وملك البنون جميع العقار، وكانت تحت أيديهم، واكتسبوا أرضًا لأنفسهم وعقارًا غيرها أضافوه إلى ما بأيديهم من أملاك أبيهم، وملكوا ذلك عشرين سنة، وكانوا يعطون البنات مقدار أنصبائهن من غلة مواريثهن عن أبيهن طول هذه المدة، ثم أراد جميعهم قسمة ما تخلفه أبوهم.
وقال البنون: بعض هذه الأملاك من كسبنا وقال البنات: بل جميعها موروثة عن أبينا.
فقال: إذا كان دخول البنين في القرى بسبب ميراثهم في أبيهم فعليهم إثبات ما يدعونه من الاكتساب الزائد على الموروث، فإن عجزوا عن ذلك حلف البنات على إنكار ذلك أو رددن اليمين على إخوتهم إن شاء الله.
دعاوى بني أبي عبدة في قرية أكتسل وثبوت تحبيس فيها، وهي من المعنى الذي فوق هذا:
من أحكام ابن زياد فهمنا – وفقك الله – ما تداعى فيه بنو عبد الله بن أبي عبدة من قرية أكتسل، وثبوته كتاب عبد الله بتحبيس ملكه بها على ابنتيه البكرين، ودعوى الكبيرين من بنيه أن المال مالهما من غير سبب أبيهما، وما شهد به عندك من أنه لا يعلم الشهود لبكر وعبد الغافر ملكًا بهذه القرية غير ما ذكره عبد الغافر في شهادة الشاهد، فيجب في ذلك أن تأمر هذين الكبيرين بغثبات ما ادعيا أنهما استفاداه.
فإذا أثبتا كانا ا؛ ق ممن شهد أنه لا يعلم لهما بها ملكًا؛ لأن من علم أولى ممن لم يعلم، وإنما وجب عليهما إثبات ما ذكرناه بشهادة الشهود أنهم لا يعلمون لهما بهما ملكًا، فبهذا يدفعون عن القرية إلا بما يجوز به الطعن في تحبيس أبيهما، والمدفع فيه.
قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة.
دعوى ابتياع فيه محاباة وتوليج:
قامت عند القاضي – وفقه الله – حجاجة بابتياع من عمه لها لما في الكتاب الذي قامت به، وفيه أن بعض الثمن قصاص من حق أقرت لها به، واقتضاء البعض بمحضر من
شهد ذلك ممن أجزت علمه، فالصفقة تامة في البيوع إن لم تكن فيه محاباة، فإن كانت فيه محاباة كانت في الثلث.
ثم إن ثبت عندك من العمة في اللصوق بها، وتباعد ما بين العمة وابن أخيها الوارث، سقط الإقرار في المقاصة، وأخذت حجاجة بتلك العدة من الثمن، وهذا إن كان قد ثبت عندك أن هذا الفعل كان في المرض، ومضى لها المقبوض الثابت قبض العمة له، وقد وقعت عندك شهادات من قبلت في حين كتابنا هذا الجواب بتباعد ما بين أبي أخي كنزة وبينهما، ويتقارب ما بين حجاجة وعمتها، وإنها كانت منها بسبيل خدمة وقيام حتى وجب الاتهام ووقعت الظنة بمثل هذه الحال، فأمض النظر – وفقك الله – لهذه الشهادات بما في صدر جوابنا، فهذا الذي نقول به.
قاله ابن لبابة، وابن غالب، ويحيى بن عبد العزيز.
رجلان تداعيا غلاماً:
سألت – وفقك الله – في المملوك الذي تداعى فيه الرجلان وأتيا به وبثباته، كل واحد منهما يدعي أنه مملوكه، فالذي يجب أن تأمر بإيقافه في الحبس، أو بيد من تثق به حتى يثبته أحدهما فتحكم به لمن اثبته بعد الإعذار إلى صاحبه.
قاله عبيد الله، وابن لبابة، ومحمد بن وليد.
رجل ادعى خادمًا في ملك ابن حفصون:
وقد تقدم هذا المعنى قبل هذا في مسائل العتق: قرأت – وفقك الله – بطاقة ابن أثلة المرفوعة إلى الأمير – أطال الله بقاءه – المصروفة إليك المكتوب في ظهرها أمره إياك بالنظر له بواجب الحق ولازم السنة، وفهمنا دعواه في النصرانية بما نطقت به بطاقته، فألفيناه قال إنه كان يملكها في حصن بياشتر، وأن ابن حفصون أخذها وزوجها، ثم انتقلت إليه بنظر القائد، وصرف فروة لهما إليه مني، وأحببت أن تعلم ما عندنا فيما رفعه ابن أثلة، لتنظر له بنظرك للعامة التي قلدك الله النظر لها من الحق والعدل.
فالذي نقول به إن بياشتر وما انضوى إلى المرتد ابن حفصون من الحصون التي تجاوره، أو نأت عنه موضع فساد ودار حرب، ومن ملك هناك مملوكًا أو مملوكة لم يستحكم له الملك كما يستحكم لمن ملك في موضع الطاعنة، وحيث تجوز أحكام ولاة الأمير أكرمه الله، إلا أن ابن أثلة كان من قوله في البطاقة إن هذه النصرانية ليست الآن في
يده، وإنما هي بيد غيره، وذلك أنه قال: إن ابن حفصون أخذها فأزال ملكه عنها وزوجها فأقر بأخذها، وكونها تحت زوج بعد ما ادعاه من كونها بيده، فما ترى له مقالاً فيها بدعوى ملكها، ولو أقرت له بذلك.
فإن أثبت بالبينة ملكًا صحيحًا لا ليس فيه وجب الحكم له بها على ما جرت به أحكامك في هذا ومثله، والاستقصاء لمن حكمت له وإن لم يأت بذلك، فما ملكه ابن حصفصون ليس بملك ينعقد، وهي على الحرية والإطلاق لمن علق الملك بالوجهين جميعها.
احدهما: أنها ملكت بدار الحرب، وحيث تجري أحكام الشيطان.
والثاني: إقرار بان أثلة أنها بيد غيره، وأنها تحت زوج.
فلا أرد قوليه هذين بدعواه التي تثبت بالإطلاق واجب، فما أجلته ووسعت عليه في ضرب الآجال له في البينة بما تقدم من فتيانا عندك في هذا غير مرة، وقد حكمت بحمل البينة على كل من ادعى ابتياعاًا في مملوك أو أمة بموضع الفتنة، وحيث لا يتسلط الحق، وحررت بذلك غير واحدة، وكان ذلك فتيانا وما عقدنان لك بخطوطنا، وقد وجب لهذه مثل ذلك، فاطلق سبيلها إلى الحرية التي عليها جميع من ادعى الملك بهذه والأمكنة فإنك إذا فصلت وافقت الحق وقضيت به، وفصلت بعدل وشفعت به نظرك المحمود منك، إن شاء الله تعالى.
قاله أيوب بن سليمان، ومحمد بن غالب، وعبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، ومحمد بن وليد، ويحيى بن عبد العزيز، وسعد بن معاذ، وأحمد بن يحيى.
وقال أيوب بن سليمان:
نظرت فيما كشف القاضي وفقه الله عنه في شأن النصرانية، المحكوم لها بالحرية على ابن أثلة في إرجاء الحجة لها إذ كان غائبًا أو اتخاذ حميل عليها إلى حضور ابن أثلة، فالذي نقول به: إن الحكم على الغائب أن ترجأ له الحجة، وليس اتخاذ الحميل على هذه المطلقة بواجب ولا لازم، وقال ابن لبابة، وابن وليد جميعهم.
كذا وقعت في الجزء الرابع من أحكام ابن زياد.
في امرأة ادعت على رجل أنه غرب ولدها:
فهمنا – وفقك الله – ما كان من تظلم امرأة عندك من أهل ترجيلة من رجل أخذ ولدها صغيرًا وغربه عنها، وأقر الرجل بتغريب الصبي، وادعى أنها امرأته تزوجها بقرطبة، وصدقته المرأة في دعوى نكاحها، ولم يثبت عندك التناكح، وقالت المرأة: إنما نحي عنها
الولد لتبيح له نفسها بلا نفقة بقيمها لها ولا عائدة يعود بها عليها، وأمرت بحبسه إلى أن يحضر الصبي إذ لم تأمن زواله فتصير المرأة بذلك إلى اتباعه والخروج معه إلى حيث أحب، والمساعدة له على ما أراد، شفقة على ولدها، وأحببت أن تعلم هل تشردك عليه بالسجن صواب.
فالذي نقول به أن الذي فعلته من ذلك واب ورشد، وقد أجمعنا لقاضي أن له أن ينظر باجتهاده نظره بمثل هذا وشبهه، فزاد الله القاضي رشدًا وتوفيقًا.
فما نظر إلا بالحق، وقد شهدنا نظره في ذلك، ورأينا من لفظ الترجيلي وتسلطه ما كان يجب به أدبه فضلا عن حبسه.
قاله محمد بن وليد، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن لبابة.
قال القاضي:
ذكروا أن الترجيلي ادعى أن هذه المرأة زوجته، وأنه تزوجها بقطربة، وصدقته امرأة، وقالوا: ولم يثبت عندك التناكح، فليت شعري ما الذي منع منه القاضي ومنعهم من كشفها عن موضع تناكحهما، والولي العاقد له بينهما، والشهود عليهم بذلك، فإن بان له كذبهما، وأقرا بان ذلك الولد منهما، أو به حق له بها، أو وطئه إياها؛ أقام الحد عليهما، على ما في المدونة وغيرها في حامل قالت: استكرهت، لم تصدق وحدث، بخلاف لو كانا طارئين، وهذا مننهم تقصير، وبالله التوفيق.
دعوى في دار ثبت نصفها لمصابيح وذكر نحله لم تثبت على العبدي المطلوب بها:
فهمنا – وفقك الله – ما أردت معرفته فيما ثبت من نصف الدار التي فيها العبدي لمصابيح، وطلب العبدي عقلة نصف الدار التي تسكنها كنته بزيعة إذ ثبت عندك أنها للعبدي، وقيم عليه بنحلة شطرها، وادعى عليه في النصف الثاني بنحلة لم تثبت، فالذي نرى أن العقل قد وجب في شطري الدار، حتى يبدو لورثة مصابيح قسمة النصف الذي ثبت لها، ويؤجل القائم عن فاطمة في إثبات نحلته إياها الشطر الثاني الذي لم يقر به العبدي.
فإن ثبت لها ولم يكن للعبدي مدفع في ذلك أطلقت يد فاطمة في ذلك الشطر، وإن عجزت عن إثبات الخلطة نظرت في ذلك بما يجب إن شاء الله، والدار لم يعتقل نصفها بدعوى النحلة أنها كلها تعتقل بالخروج عنا، من أجل أن العبدي قد ورث في ولادة ابنه ابنه، إلا أن يبدو لورثة ولادة القسم فيقسم بينهما، ولا يجوز القسم في النصف الذي هو
لولادة حتى يخرج منه الثلث الذي عهدت به ولادة في كتاب وصيتها الثابتة عندك إن كان مما يحتمل القسم، ويعطي الورثة قيمة ذلك الثلث من أموالهم فيكون ذلك لهم ويقتسمون النصف، وإن لم يؤامن التقاسم وجب اعتقالها كما قلنا بالخروج عنها، وإن أراد الورثة إعطاء القيمة قومها رجلان من أهل المعرفة بالقيم فيما قوماها به كان ذلك ثمنها، ولا ينظر إلى من يزيد على ذلك.
قاله محمد بن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ.
دعوى بين ابن الحراني وابن أبي البهلول:
فهمنا – وفقك الله – ما أظهره ابن الحراني من الكتاب الذي فيه أن ابن أبي البهلول قال إن الذي في صدر كتابه هو آخر دعواه، فاحتملت هذه اللفظة أن يرد بها آخر حقوقه، وأن يردي آخر دعواه وإن يكون آخر دعواه غير ما نظر فيه من الربعة الأقفزة التي ثبتت عندك بإقرار ابن الحراني بها، فترى أن يحلف ابن أبي البهلول: بالله الذي لا إله إلا هو ما أردت آخر حقوقي في غير ما نظر فيه من الأربعة الأقفزة، فإذا حلف وكلت على ابن الحراني حتى يبرز له أرضًا لأربعة أقفزة، ولابن أبي البهلول: رد اليمين على ابن الحراني، فيحلف أن ردها عليه بالله الذي لا إله إلا هو لقد دخلت هذه الأربعة القفزة فيما قطع عني من دعواه، وأنها داخلة في حدود الأرض، إذ وجدتها قد عورت.
فإن حلف هكذا سقطت عنه الأربعة الأقفزة وكراؤها من يوم إقراره عند محمد بن سلمة، إذ كان قاضيًا بقرطبة، وذلك في عقب ربيع الآخر من سنة تسع وثمانين ومائتين السنين التي زرع فيها الأربعة الأقفزة، قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، ومحمد بن وليد، وأيوب بن سليمان.
في دعوى بينهما أيضًا:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه منصور وابن الحراني من طلبة منصور، وكشف ابن الحراني عن المنزل الذي وصفه في الرق الذي يريد كشف عنه، وقول ابن الحراني سمي طلباته كلها، فالجواب في ذلك أنه إن كان ابن الحراني قال: جميع دعوياتك في المنزل وغيره فليس ذلك، وله أن يكلمه فيما سأله، ولا يضمه إلى الخصومة في غير المال، يطلب من حقوقه ما شاء، ويسكت عما شاء.
وإن كان إنما قال له: هل لك في القرية دعوى غير ما ذكرته في الابتياع، وعنه
يكشفني، فذلك له، فإذا قال: جميع دعاوي في هذا المنزل أنه لي بابتياعي ليس لي فيه دعوى غيرها، لزم ابن الحراني الانكشاف فيه بالإقرار والإنكار.
قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن وليد، ويحيى بن عبد العزيز، وأحمد بن أبي عيسى.
دعوى ثالثة بينهما في أرض:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه ابن أبي بهلول وابن الحراني، من اليمين التي طلبها ابن الحراني من منصور أنه قد علم بارتهانه، وقول منصور بن أبي بهلول لابن الحراني: فهل قبضت ما ارتهنت؟ فقال ابن الحراني: لا ولكني بعت بتوكيل الراهن لي على البيع، فقال منصور: متى بعت؛ أقبل شرائي أم بعده؟ فقال ابن الحراني: قبل اشترائك وقد علمت أنت ذلك، ولكن احلف لي أنك لم تعلم بارتهاني ووكيل ابن أبي بهلول لي على البيع قبل اشترائك.
فالذي نراه – والله الموفق للصواب – أن اليمين تجب على منصوب أنه لم يعلم بالرهن الذي ذكره عمرو، ولا بتوكيل ابن أبي بهلول له على البيع، فإذا حلف سقط عنه ما ادعاه عمرو الحراني، فإن نكل حف عمرو: لقد علم منصور بالارتهان والبيع، فإن حلف صار ما ذلك أنه كان رهنًا بعد أن يظهره ويجوزه، ويكون الأربعة أقفزة أو نحوها لدين عمرو على ابن أبي بهلول، ولغيره ممن ثبت على ابن بهلول دينًا، ولابد من إظهاره هذه الأرض وإبرازها وعقلها، إلى أن يأمر القاضي ببيعها لأهل الدين إن شاء الله، إلا أن يأتي منصوب ببينة أن يبيع عمرو لهذه الأرض من ابن دحون لبعد تاريخ اشتراء منصور هذا من ابن أبي بهلول، فتسقط اليمين عن منصور، قاله ابن لبابة، ومحمد بن وليد، ومحمد بن غالب.
دعوى بين هشيمة وابن عمها من بين مزين، في أحقال بقرية شيتمة البربر:
فهما –وفقك الله – ما ذكرته هشيمة بنت سعيد بن مزين قامت بعد أن ثبت عندكم موت أبيها وعدة ورثته، فذكرت أن محمدًا ابن عمها جعفر يعترضها في أحقال من أرض أبيها سعيد بقرية شيتمة البربر، وسألته النظر لها وحضرت بمحمد فسمع دعواها وأنكر اعتراضها في يأحقال من مال أبيها، وقال: إنه في نصيبه بهذه القرية من ميراث أبيه جعفر، فقالت له هشيمة: فهل بيدك في هذه القرية أحقال من مال محمد بن سعيد بن مزين، فقال: بيدي أحقال ابتاعها أبي من محمد بن سعيد أخي ودخوله في هذه القرية
وجميع ورثة أبي بسبب ميراثنا له.
فهذه الأحقال يجب لجماعتنا فيها الميراث حتى يثبت انفراد محمد بها بما يوجب إثباتها له، وطلبت أن تعتقل الأحقال على محمد بن جعفر، أو يثبت أنها لم تكن مال سعيد أو يثبت أنها صارت لبائعها محمد بن سعيد بغير أبيه سعيد، فقلت: أكرمك الله إنه شهد عندك شاهدان عرفتهما انهما يعرفان بيد سعيد بن مزين مالاً بقرية شيتمة البربر، ويعرفان القرية بعينها، ولا يقفان على حايزة ما كان بيد سعيد منها، ويعرفانه يملكه حتى مات وتركه ميراثًا لورثته.
وفي شهادتهما أن جعفر بن يحيى أشهدهما على ابتياع أحقال بهذه القرية من محمد ابن سعيد، وفي شهادتهما أيضًا أن جعفرًا لم يدع في مال سعيد بهذه القرة في علمهما غير الذي ابتاعه من محمد بن سعيد، وشهد عنده خالد بن وهب وغيره في معرفة أرض سعيد، ثم صرف عنك النظر في أمر هشيمة وخصمها نحو ستة عشر شهرًان ثم أعيد إليك، وأمرت بالنظر بنيهما، فسألت هشيمة أن ينفذ لها ما كان شهد به عندك قديمًا في أرهما، فأمرتها بإعادة الشهود، إذ كان نظرك لها مستأنفًا، وأحببت أن تعرف إن كان ما أمرتها به واجبًا عليك أم لا؟ وهل يجب اعتقال تلك الأحقال وتكليف محمد بن جعفر ما طلبت هشيمة أن تكلفه؟ وهل يجب عليه أن يثبت ابتياع أبيه جعفر للأحقال التي ذلك الشهيدان أنه أقر عندهما بابتياعها من محمد ابن سعيد؟
فلم يقم عندك محمد بن سعيد ولا أحد عنه على ولد جعفر بشيء، فالذي نقول به والله الموفق للصواب: أن ما أمرت به هشيمة من إعادة البينة صواب واجب إن شاء الله، ولا يجب أن نكلف ابن جعفر أن يثبت ابتياع أبيه من محمد بن سعيد ما ذلك ابتياعه منه، إذ لم يقم عليه في ذلك محمد بن سعيد ولا أحد عنه، ولا يجب اعتقال الأحقال لقول هشيمة أنها من مال أبيها، إلا أن تثبت عندك أن محمدًا لم يدخل القرية إلا بسبب أبيه سعيد، أو يشهد عندك عدل أنها من مال سعيد ويحوزها الشاهد، فيجب عندك ذلك اعتقال الأحقال بعد الإعذار إلى من وجب أن يعذر إليه فيه.
قاله أيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة.
قال القاضي:
قد تقدم من قولنا أن حشو كلامهم كثير، وفي أجوبتهم تقصير، وإن كان لهم تقدم
ومكانه معلومة، وإنما نحن بشر، والنقصان فينا غير ينكر، وهذه المسألة، وما أفتوا به من ذلك المعنى الذي نبهنا عليه وأشرنا إليه، والرغبة في الإعراب عن الصواب تحمل على ذلك سقوطهم في السؤال والجواب، فمن ذلك في هذه المسألة قولهم: فهمنا أن هشيمة قامت بعد أن ثبت عندك مموت أبيها وعدة ورثته، وإنما صوابه أن هشيمة قامت عندك وأثبتت موت أبيها ووراثته ورافقت إليك ابن عمها فلانًا.
أو كانوا يقولون أن هشيمة أثبتت عندك موت أبيها ووراثته، وقامت على ابن عمها فلان في كذا أو نحوها، مما يقتضي أن قيامها كان بسببه ثبوت موت أبيها، وأما على ما سطروه فغنما يعطي أنها لم تكلف هي إثبات موت أبيها وعدة ورثته، وإنما أثبته مثبت، ثم قامت هي مازعة لابن عمها دون أن تكلف هي إثبات ذلك، وطريقة الحم التي بها مضى العمل أن على كل من طلب حقًا بسبب ميت أن يكلف إثبات موته وعدة ورثته، وإن كان موته مشهورًا عند الحكم وغيره، وسلكوا هذا السبيل في جوابهم، فقالوا: فيجب عند ذلك اعتقال الأحقال بعد الإعذار، وهذا محال، إنما الإعذار بعد الاعتقال.
وقد تقدم لهم نحو هذا المقال، وإنكارنا له هناك أبين ومن ذلك قولهم: ما أمرت به هشيمة من إعادة البينة صواب واجب، بل ذلك تكليف غير واجب، وإلزام غير لازم، إذ لا فائدة في إعادة الشهادة فيما قد شهد به عنده، إذ هو نفس المطلوب عند ذلك القاضي بعينه، وهو باق على خطته لم يعزل عنها، ولا حل سواه فيها، وقد كان يلزمه إذ أمر بترك النظر فيما بينهما ألا يأتمر حتى يعزل إن كان قد بان لها حق قبل خصمها، ولا ينظر في قول الأمير.
وهكذا ذكره ابن حبيب عن أصبغ في كتابه، وأما إن كان أمره بالكف عن النظر بينهما قبل أن يلوح الحق لطالبه في مبتدأ أمرهما فله أن يدعهما، وفي هذا الجواب الاعتقال بشاهد واحد، وقد ذكرناه بما فيه من التنازع في أول الكتاب والله الموفق للصواب.
مشورة أخرى في أمر بني مزين:
فهمنا – وفقك الله – ما تنازع فيه جعفر بن يحيى، وهشيمة ابنة سعيد بن يحيى، ومن إقرار جعفر أنه إذا ثبت ملك سعيد كما ذكت البينة، وادعى أحد ورثة سعيد ملكًا مستفادًا غير ما ورث عن أبيه، فعليه إثبات غير ما ورث مما استفاد، وإلا فالمال للمورث، هذا الذي أدركنا عليه أحكام القضاة ببلدنا.
قاله ابن لبابة، ومحمد بن وليد.
وقال يحيى بن عبد العزيز: نظرنا إلى إقرار جعفر أنه لا حق له بهذه القرية إلا ما اشتراه من محمد بن سعيد، فإن كان أحد يقوم عن محمد أو يقوم بنفسه قيل لجعفر أو لورثته: قد أقررت لمحمد فأثبت ما ادعيت عليه، وقد يملك الابن مع أبيه، وقد يشتري من الأجنبيين مما لم يرثه عن أبيه.
وقال سعد بن معاذ بمثل قول يحيى بن عبد العزيز، وقال أحمد بن يحيى بمثل قول ابن لبابة، وقال عبيد الله بمثل قول ابن عبد العزيز، وقال بذلك يحيى بن عبيد الله.
مشورة أخرى في أمرهم: فهمنا ما شهد به الشهيدان من أنهما يعرفان بيد سعيد بن مزين مالاً بقرية شتيمة ويعرفان القرية بعينها، ولا يفان على حيازة المال الذي كان بيد سعيد منها، ويعرفان ذلك في ملكه حتى مات وتركه ميراثًا لورثته، وفي شهادتهما أن جعفر بن مزين أشهدهما على ابتياع أحقال بهذه القرية من محمد بن سعيد بن مزين، ولم يدع جعفر في شيء من مال ورثة سعيد بهذه القرية غير الذي ابتاعه من محمد ابن أخيه سعيد، وفي شهادتهما أنهما يعرفان ورثة سعيد بن مزين وهم بنوه محمد وهشيمة ورقية وفاطمة لا يعلمان له وارثًا غيرهم، وأنهما يعرفانهم بالعين والاسم والنسب.
فالذي يجب في ذلك أن تحمل ولد جعفر إثبات ما زعم أبوه جعفر أنه اشتراه إذا ثبت عندك إقرار جعفر بذلك، وثبت عندك قول ورثة جعفر إنه هو على ميراث بقرية شتيمة عن أبيه فيما زعم أنه لا ملك له غير ميراثه عن أبيه جعفر، وقال جعفر: إني اشتريت من ابين أخي لم يدع غيره، فعليه إثبات اشتارء أبيه وحيازته، فإذا حازه وجب له، إلا أن يكون لمحمد بن سعيد في ذلك مدفع، قاله ابن لبابة وابن وليد، وقال أيوب: شهادة الشهيدين فيما زعما أنهما عرفاه بيد سعيد ساقطة حتى يحوزه غيرهما، لا اختلاف وفي هذا بين أصحابنا.
وأما شهادتهما على جعفر بالإقرار بالابتياع من محمد بن سعيد فغير ضائر لورثته جعفر لأنه إنما اقر أنه ابتاع من محمد ولم يقل من محمد بن سعيد ما كان ورثة من أبيه سعيد، وقد يكون للوالد والولد المال في القرية الواحدة وهذا أكثر من أن يحصى.
وقد يمكن أن يكون جعفر ابتاع بهذه القرية بعد هذا الإقرار مالا من غير محمد بن سعيد إلا أن يكون أشهدهما أنه مما ورثه عن أبيه سعيد، وليس على ولد جعفر إثبات شيء مما اشتراه أبوه؛ لأن البائع من أبيه لم يدع بشيء، ولأن الشركاء لمحمد بن سعيد لم
يثبتوا أن الذين باع محمد كان من أبيهم.
فعلى المدعي فيما بيد ولد جعفر إثبات حيازة مال سعيد، فإذا ثبت فادعى ولد جعفر شيئًا منه، نظر حينئذ بما يجب له وعليه.
وقال عبيد الله بن يحيى: فهمت وفقك الله جواب الرجلين في أمر سعيد بن مزين وما ذهبا إليه أن شهادة الشهيدين اللذين شهدا عنك على التوارث يوجب لهما المال بغير حوز، وفي هذا اختلاف بين أهل العلم.
وقال: إن ولد سعيد لا يجب له أخذ شيء إلا بأن تحاز له دعواه، فإن كان ثبت عندك أن سعيدًا لم يزل يعتمر الأحقال التي ابتاعها فلا حوز أوضح من هذا، فإن لم يثبت اعتمارًا فيه له فلابد من الحوزة.
قال القاضي: بقي من كلام عبد الله نحو سطور، وقع في حاشية الورقة فتشرمت وانقطع لامه لذلك وليته لم يتكل؛ لأنه هذى وظن أنه أجاب وأفتى، قال: فهمت جواب الرجلين في أمر سعيد بن مزين إلى آخر الفصل فإن كان عني بالرحلين؛ ابن لبابة، وابن وليد، فذلك وهم وغلط؛ لأن جوابهما ليس فيه شيء مما ذكره عنهما، إلا أن يكون ترجم عما في نفوسهما، فذلك شيء انفرد به العليم الخبير بذات الصدور لا إله إلا هو السميع البصير.
وقال في آخر ذلك الفصل في اختلاف بين أهل العلم: ولا عالم يقول فيما أعلم أن من بيده ملكًا بوجه شبه في ميراث أو ابتياع وشبهة تخرج عنه وتنزع منه بشهادة لا حيازة معها، هذا لو كانت الشهادة بنفس الملك، فكيف وهو لم يقل عن الرجلين إلا أنهما قالا إن شهادة الشاهد بالتوارث توجب لهما المال بغير حوز؟
وهذا كله غير معقول وغير واقع وتحت تحصيل؛ لأن الشهادة بالتوارث لا توجب مالاً بحوز ولا بغير حق والحمد له، وقوله: توجب لهما، هذه التثنية لا معنى لها في شيء من هذه المألة إذ ليس فهيا اثنان مخصوصان بمعنى، فيرجع الضمير إليهما، وإنما أراد والله أعلم لهم يريد الورثة، فأخطأ، وكله خطأ ومنه قوله: وقالا: إن ولد سعيد لا يجب له أخذ شيء غلا بأن تحاز له دعواه، والدعوى لا تحاز؛ لأن الدعوى اسم الادعاء والادعاء فعل، وهو مصدر ادعى يدعي.
وإن كان قد يخرج لهذا وجه على ما يجوز في اللسان لو كان قابله من أهله وقصده
ووصله بقوله، فإن كان قد ثبت عندك اعتمار سعيد للأحقال الحقال التي ابتاعها وهذا اختلاط لأنه ليس في المسألة لا في جوابها أن سعيد ابتاع أحقالا إنما في المسألة أن جعفر بن مزين أشهد أنه ابتاع أحقالا بقرية شتيمة من محمد بن سعيد، وأظنه رحمه الله كان في حين هذا الجواب ذاهلاً عنه لأمر شغل بالله وكدر حاله؛ لأنه لو لم يخطئ إلا في الفقه لحمل على الجهل.
وأما إحالته لمعنى السؤال وألفاظ المفتيين فليس له تأويل غير عزوب التحصيل بقلبه الذهول، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وبالجملة فإن أبا مروان رحمه الله لم يكن من أهل العلم ولا وصف به، وغنما عول فيما حمل منه على أبيه يحيى بن يحيى لم يعرج على غيرهن فبقى صفر اليدين منه وقد سئل في بعض مجالسه عن النعامة فقال: طير من طيور الماء، وكان بالحضرة عبد الله بن غانم فقال في ذلك:
هذب الزمان بفوة العلماء ... وبقيت في ظلماء وفي عمياء
وأتى طعام رتع من بعدهم ... لا فرق بينهم وبين الشياء
فإذا سألت عن النعام أسدهم ... علمًا يفسره بطير الماء
ذلك هذا كله عنه أبو محمد بن عبد البر في تاريخه قال: وتوفي عبد الله بن يحيى في شهر رمضان لعشر مضين منه سنة ثمان وتسعين ومائتين، فلم يزل - بعد الصدر الأول المنتخبين رضي الله عنهم - يتكلم في العلم من لا رسوخ له فيه ولا بصر عنده به.
هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن رحمه الله يبكي ويقول حين سئل: أبكاني أنه اتسفتى من لا علم له، وقال لبعض من بقي ههنا أحق بالسجن من السراق وجناية هذا على الأمراء في إشارتهم بذلك إلى من لا فقه له ولا سبقت له عناية على حسب ما يحملهم عليه هواهم وتزينه لهم وزراؤهم اعتناء بالجهال وإزراء بأهل العلم وقد صدق ابن المبارك في قوله:
وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها
والله تعالى حسيبنا وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولو ذكرت من هذا ما شاهدته وما بلغني لطال معه الكلام، وخرجنا عن الغرض الذي قصدنا فيه، وجواب ابن لبابة وابن وليد في هذه المسألة ليس بشيء، وجواب أبي صالح أيوب بن سليمان جواب صالح، وقوله فيه:
إن من شهد في أصل ولم يحزه حازه شهود آخرون، وهو كلام صحيح لا خلاف فيه كما ذلك.
قال يحيى بن يحيى في سماعه في رسم المكاتب من كتاب الاستحقاق عن ابن القاسم وسألته عن الأرض تستحق بالعدول ولا يثبتون حوزها فشهد على حوزها من الجيران غير العدول: أيتم بذلك الحكم لمدعيها مع يمينه؟ فقال: لا يشهد في الحوز وغيره إلا العدول، ولا أرى أن يتم لهم استحقاقهم إلا بالعدول.
وعن ابن القاسم في المجموعة مثله، وفي العتبية في الأقضية في رسم تاخير صلاة العشاء عن مالك، فإن كانوا عدولاً ثبتت شهادة شهود املك بهم، وبهذا شاهدت القضاة مرارًا، وأفتى ابن مالك في جنة شهد شهود لرجل بابتياعها إلا أنهم لم يعرفوها، وعرفها غيرهم أن العارفين بها يشهدون عند احكم بمعرفتها ثم يحوزونها، فتهيأ في ذلك عقدان: عقد بمعرفتهم لها، وعقد بحيازتهم إياها، قال لي: وهو حسن وبه رأيت العمل.
قال القاضي: وهذا فضل لا يحسنه كثير من القضاة والحكام، ويجهلون كيفية تهذيبه.
حيازة في مال ابن مزين:
فهمنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة من حيازة مال ابن مزين، فرأينا شهادات اجتمعت على أحقال بقطع من الشهادة لسعيد بن مزين، ورأينا شهادات وقعت بأمر ملتبس جعل الحد في بعضها سهام بنات سعيد، فأشكل الأمر إذا لم تقل البينة أنا نعرف هذه الأحقال مالا لبنات سعيد بشيء يصفونه.
فرأينا – وفقك الله – أن يكون نظرك ناجزًا فيما لم تختلف فيه البينة، ولم تشك في شيء منه، ويبقى النظر في الملتبس حتى تأتي منه على غاية لقطع الشك فيه، وذلك أن يعذر إلى من يجب الإعذار إليه في الشهادات التي لا لبس فيها، قال بذلك ابن وليد، وأيوب بن سليمان.
ورأينا حقلاً منها انفرد فيه حائز واحد، وقال بذلك محمد بن غالب، وقال محمد بن لبابة فيما اجتمع فيه عدلان وما كانت الحيازة على حيازة والد وولد؛ فلا يجوز ذلك، وقاله أبو صالح، وابن غالب، وابن وليد، وقال: إذا قال القاضي إن شهادة الأب كانت قبل الولد عنده؛ سقطت الآخرة، وقال عبيد الله بن يحيى: شهادة الوالد والولد جائزة إذا
لم يجز أحدهما إلى صاحبه في شهادة شيئًا
قال القاضي: تنازعهم في شهادة الأب والابن في شيء واحد قد سبقهم إليه أصحاب مالك، ذلك ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون أن شهادة الأب مع ابنه جائزة، ولايتهم أحدهما أن يرد إتمام شهادة الآخر، قال ابن الماجشون: ويجوز نقل الأب شهادة ابنه، ولا يجوز له تعديله.
ولأصبغ في العتبية: لا تجوز شهادة أحدهما على شهادة الآخر، فقال: وكل من لا يجوز لكل تعديله فلا يجوز لك أن تشهد على شهادته، وإن كان المشهود على شهادته عدلا، وفي منتخب ابن لبابة عنه في شهادة الأب مع ابنه أنه كرهها، وعن سحنون أنه أجازها.
في حيازة ما حكم به قاضي:
حكم القاضي محمد بن سلمة بمال الطالب، ثم قام بعد الحكم بن عبد الله يعترض في ذلك، فقال محمد بن غالب: حكم محمد بن سلمة يمضي، ودعوى ابن عبد الله على ختنه بالاعتراض في مالله الذي خلص ملكه له لا يوجب على المال المحكوم فيه بدعواه شيئًا.
فإذا جاءت الدعوى منه مبهمة، ولم يقل بتصريح أنه يعترض في المال المحكوم فيه، فإن حكم محمد يتوجه به رجلان بأمر القاضي، ويحضر اللذان بهما تثبت الحايزة، فيحزان ذلك، فإن كانت دعوى هذا القائم في داخل ما حازه فلا مقال له، وإن كان خارجًا عن ذلك ابتداء الخصومة فيه، ومضى القسم على الغائب المتورك ويوقف له نصيبه إلى أن يحر فيأخذه، وقال عبيد الله وسعد بن معاذ أو محمد بن وليد.
إذا حازت البينة بعض ما شهدت به فدعا القائم إلى تحليف المطلوب فيما قصرت البينة عن حيازته.
فهمنا – وفقك الله – ما سأله ابن سليمان لنفسه ولأخته زهرة من إحلاف يوسف ابن عيسى، وسلمه وسعدونة على ما قصرت عنه حيازة بينتهما التي شهدت على ملك جدها ابن رزق مما وقع وصفه في الكتاب الذي كشفوا عنه، فذكروا أنه لخم وبأيديهم، فحاز الشهود بعض تلك الأحقال ولم يقفوا على حيازة ما بقي، فالذي يجب في ذلك أن يحلفوا بالله الذي لا اله إلا هو أن الأحقال التي ذلك عبد الله أنها من مال رزق، ووصفها
في الكتاب، ملك متصير إليهم بالميراث عن أبيهم ولا يعلمون لعبد الله بن رزق فيها ملكًا ولا لأحد.
حيازة وعقله في الأملاك المذكورة في هذه المسألة:
فهمنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة لعبد الله بن سليمان، الواقع عن نفسه في ميراثه عن أمه – أمة العزيز – فيما ورثته أمه عن أبيها عبد الله بن رزق، وإثباته عدد الورثة، على تناسخ الوراثات عن عبد الله بن رزق، وإثبات ما شهد له به من ملك عبد الله بقرية دجال، من عقل ذلك بعد أن أثبت عينه إلى أن ينظر القاضي فيه بما يجب إن شاء الله تعالى.
فالذي يجب أن يوجه الشهود لحيازة ما شهدوا به عليه من مال عبد الله بقرية دحالن فإذا حيز ولم يعارض فيه غير ورثة عبد الله رفع إلى القاضي فنظر فيه بما يجب إن شاء الله قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد.
حيازة ما أقر المطلوب بعد إنكاره بحدوده:
فهمنا – وفقك الله – ما طلبته امة الخالق من إيقاف عقبة على حيازة الدار والجنان والكرم الذي طلبته به، وجحدها إياه، ثم رجع إلى الإقرار بحدود خافت أمة الخالق إلى أن ترجع إلى الإنكار ثانية، فلا يوجد من يحوزها لها، فالذي طلبت من ذلك حقها يؤمر بحيازة ذلك بمحضر من العدول يعاينون الحيازة ويكونون شهودًا على عينها، قال ابن لبابة، وسعد بن معاذ، ومحمد بن وليد.
قوم ادعو أملاكًا بيد قريب لهم، فاحتج بالاعتمار بمحضرهم، وأثبت ذلك بشهودهم:
كتبت بها إلى أبي عبد الله بن عتاب في قوم قاموا على قريب لهم في أرض وشجر بيده، وادعوا ذلك وأثبتوا موت أبيهم ووراثته ومله لثلث تلك الأرض، والشجر، إلى أن توفى وراثهم، ذلك وأنهم لم يفوتوه إلى حين قيامهم، وحيز الملك وأعذر إلى المطلوب.
فأثبت عقدًا باعتماره إياه ثمانية عشر عامًا بمحضرهم لا يغيرون ولا ينكرون، شهد له بذلك الشهود الذي ثبتت بهم للقائمين ما ذكرناه، وشهد بعضهم باعتمار أحد عشر عامًا، وفي شهادتهم أن المعتمر غرس بعض تلك الأملاك، وقطع شعراءها، وكسر صخورها، هل شهادتهم للفريقين إسقاط لها؟
فكتب إلى شهادتهم للفريقين جائزة لا يضرها اجتماعها في ها لأنهم شهدوا في
الأمرين بعلمهم، ورأوا اعتمارًا يحتمل أن يكون بابتياع أو إرفاق أو توكيل، وليس يلزمهم الكشف عن ذلك، ولم تبين القرابة، ولو بينت لكان الجواب أوضح، وقطع المعتمر وغرسه بعلم القائمين حيازة في ذلك الشيء بعينه، وليس يلزم المطلوب أن يقول: من أين صارت الأملاك بيده، إلا أن طلبه الطالب بذلك، هل صارت اله بسببه، أو بسب مورثه، فيلزمه الجواب عنه على ما جرى به الاصطلاح عندنا.
والله أعلم بحقيقة الصواب.
قال القاضي: في هذه المسألة فصول؛ منها:؛ حيازة الأربين بها هل هي كحيازة الأجنبيين فما حازه بعضهم على بعض؟ ومنها: شهادات الشهود لمن حيز عليه ملكه بمحضره، ثم قام بعد مدة هل يسقطها سكوتهم؟ ومنها: كشف المطلوب عن الوجه الذي صارت به هذه الأملاك إليه، ومنها: تفويت بعض الملك هل هو كتفويت للجميع أم لا؟
وهذا كله محتاج إلى شرح وتفصيل وبسط طويل، وفي جميعه تنازع تركت اجتلابه كراهة التطويل.
مسألة ابن دهمة في دعوى ورثته بجنة حيزت في مغيبهم وحضوهم على موضعها وهو في موضع خصمهم:
رجل ابن دهمة هذا عن بياسة في الفتنة إلى سرقسطة مدة، وتوفي بها هو وبعض بنيه، ثم رجع ابناه عبد الله وأخوه إلى بياسة تاجرين، واقاما بها نحو عشرين عامًان ثم انصرفا إلى بياسة واستوطناها، والجنة بيد إنسان يعتمرها.
فقال عبد الله منها يطلبها، وأثبت المغيب والموت والوراثة واتصال الملك في الجنة، وحيزت، وأعذر إلى المطلوب فقال: هي ملكي، وادعى مدفعًا أجل فيه، فأثبت انصراف هذا القائم وأخيه إلى بياسة، وإقامتهما بها الأيام المذكورة وهو يعتمر الجنة، ولم يحركاه فيها.
وقال شاهد واحد إنه خاصماه فيها ثمن انصرفا، وأثبت أيضًا وثيقة بسماع مستفيض أنه ابتاعها من القائموأخويه منذ ثلاثين عامًا، وأثبت ايض أن هذا القائم قال بين يدي حكم قبل هذا: هبك بعت أنا وأخي أمنا لم تبعظ وأظهر أيضًا وثيقة الابتياع، وليس فيها إلا شاهد واحد حي، وكتبت بذلك إلى قرطبة، وقلت هل قوله هبك بعت أنا وأخي هل هو إقراظ وكيف إن قالا: نحن نمضي البيع، أعطنا الثمن.
فجاوب ابن عتاب: قول القائم هبك بعت أنا وأخي أمنا لم تبع؛ إقرار منه على
نفسه بالبيع، ولا قيام له في ذلك إلا بسبب أمه إن كانت توفيت بعد البيع، ولا يبلط قيامه بسبها انصرافه تاجرًا؛ لأنه كان مسافرًا وليس لهما طلب المطلوب بالثمن لإنكارهما البيع، ويحلف لقد ابتاع منهما ووفاهما الثمن، فإن كان موت أمهما قبل البيع، فما ورثاه عنها داخل في البيع، وإن كان بعده فلهما القيام ورثاه عنها، والله عز وجل أسأله التوفيق.
وجاوب ابن القطان: ما أثبته المقوم عليه من الابتياع بالسماع الفاشي يوجب القضاء على القائمين إن لم يكن عندهم مدفع، وقول الطالب: هبك أني وأخي بعتك، ليس بإقرار يقضي به؛ لاحتمال اللفظ، ولا يقضي باحتمال، ولا شيء للقائم من الثمن بعد يمين المطلوب لبعد مدة الابتياع وبالله التوفيق.
مطلوب وقف على أملاك بيده من أين صار إليه:
فقال عندي بالوجه الذي صارت به إلى وثائق غائبة، ثم طولب عند حكم آخر غير الذي قال عنده هذه المقالة بإحضار تلك الوثائق، فأنكر تلك المقالة، وقال: إنما قالت إنها أملاك وبيدي، وثبتت عليه المقالة الأولى، هل يزلمه إضارها أم لا؟
كتبت إلى ابن القطان فكتب إلي: لي على الموقف إحضار الوثائق؛ إذ لم يكن للحكم أن يسأله من أين صارت له الأملاك؟ إلا أن يكون الموقف معروفًا بالغصب والتسور والاستطالة والقدرة على ذلك، ولا يكل من لم يكن بهذه الصفة أكثر من أن يقول هي ملكي وبيد، وقد تقدم في الورثة قبل هذه في هذه المعنى.
دعوى في شركة وإظهار بينة بعد قطع الدعاوى وبين المطلوب:
قام عند صاحب السوق بقرطبة رجل، فقال: إن الزرع الذي بقرية فلانة بيني وبين هذا السواء، تشاركنا في زراعته وإقامته، وكانت البقر والدواب التي بها تولينا هذه الزرع بيننا، وأنكر الآخر دعواه وقال: لا حق له فيه، وإنما هو زرعي، فحلف هذا المدعي عليه، وانعقد بينهما كتاب في آخره ممن أشهد كل واحدة منهما أنه لم يبين لواحد منهما قبل صاحبه دعوى، ولا تبعة، ولا علقة يمين بوجه من الوجوه كلها قديمها وحديثها.
ثم قام المدعي ببينة شهدت له أنه وذلك المطلوب أقرا عنده المرة بعد المرة أن البقر والزرع الذي بقرية كذا الذي زرعها في السنة كذا مشترك بينهما، وثبت هذا عند الحكم فشاور فيه.
فأفتى بان عتاب: هذه المسألة الخلاف فيها مشهور بين التابعين فمن بعدهم،
واختلف قول مالك فيها؛ فروى ابن القاسم عنه أنه إذا أخاف المدعي المدعي عليه، وهو عالم ببينة، فلا قيام له بعد ذلك، وإن حلف هوهو لا يعلم بها فله القيام.
قال سحنون: والقول قوله إنه لم يعلم ببينته مع يمينه، وروي أشهب وابن نافع عن مالك في كتابالمذيان والتفليس فيمن قضى رجلا دينًا كان له عليه، وأشهد على ذلك شاهدين، ثم جاءه يتقاضاه الدين فقال: قد قضيتك وأشهدت عليك فلانًا، فقال: ما قضيتنيه، فقال: أتحلف وأعطيك؟ فحلفن فأراد أن يأتي عيه بالشاهدين، أترى ذلك بعد يمينه ورضاه؟
قال مالك: نعم أرى ذلك، فليأت بها، واحتج من ذهب إلى هذه الرواية بما روى عن عمر رضي الله عنه، وعن شريح رحمه الله أنهما قالا: البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة، ومن خالف هذا القول تأول قولهما على غير هذا التأويل، وقال: لما اشترط اليمين الفاجرة، ولم يقولا اليمين فقط دل على أنهما لم يريدا إلا الفاجرة، ولا يوقف على اليمين.
وبرواية ابن القاسم أقول: يحلف سعادة بالله ما عرف شهوده حين تحليفه لفرج، فإذا حلف على ذلك؛ وجب الحكم بما اجتمع عليه شهادة الشهيدين إن شاء الله تعالى، ولا يضر سعادة إشهادهما على أنفسهما أنه لميبق لواحد منهما قبل صاحبه دعوى ولا تبعة ولا يمين ولا علقة بوجه من الوجوه قديما وحديثها؛ لأن ظاهر هذا الإشهاد لم يقصدا فيه إلى إسقاط البينة.
فإن أدرك اجتهادك إلى الأخذ بتحليف سعادة أنه ما علم ببينته، فعرفه بما يروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "من حلف على يمين كاذبة لقي الله وهو عليه غضبان 1 " ثم تلا رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانه ثمنا قليلا﴾ (آل عمران: 77) إلى آخر الآية.
رد دعوى ورثة ابن لبيب البيطار على زوجته أنها أخفت بعض تركته:
وشاور الفقهاء في يذلك صاحب المدينة بقرطبة محمد بن هشام بن عيسى الحفيد، يا سادتي وأوليائي ومن أحسن الله عنهم الدفاع، وأدام بهم الامتناع: قام محمد وعبد الودود
ابنا أحمد بن عبد الرحمن بن منهال الجذامي – من ورثة عبد الله بن لبيب البيطار – يدعيان على مسعدة زوجة مورثهم عبد الله بن لبيب؛ أنها أخذت من تركته أشياء تلوح لكمن في استرعاء أدرجته طي خطابي هذا إليكم، مؤرخ بجمادي الآخر سنة تسع وخمسين وأربع مائة.
استبدت بها دون سائر الورثة.
فكلفتهما إثبات موت عبد الله المذكور ووراثته، فأثبتا ذلك عندي على ما تضمنه عقد الاسترعاء في كتاب مؤرخ بجمادي المذكور أدرجته طي هذا الخطاب، فاستحضرت مسعدة ووقفاها عندي على ما ضمنه عقدة الاسترعاء المذكور، فأنكرت ما فيه، وأن يون استقر بيدها شيء من ذلك، وثبت قولهما بذلك عندي في مجلس النظر، وثبت عندي الاسترعاء بشهادة إبراهيم، وعبيد الله، وعيسى، من شهدائه على عينها، وأعذرت إليها فهم، ولم يكن عندها مدفع، وثبت قولها بذلك عندي.
ودعيت إلى الفصل بينهم بالوجب، فلم يسعني إلا مشاورتكم، فخاطبتكم بكتابي هذا مدرجًا طيه كتاب الاسترعاء والوراثة، لتشيروا علي بما أعتمد عليه وأنفذه بينكم موفقين مأجورين إن شاء الله تعالى، والسلام.
وكان في عقد الاسترعاء المذكور أن شهوده استوصفوا رضا مولاة لبيب بحضرة مسعدة زوجة عبد الله عما تخلفه من الناس، وحيث استقر بعد وفاته فذكرت أنها أحضرت حينئذ مال ابنه عبد الله قدرًا فيه سبع مائة دينار دراهم قاسمية، وقدرين غير مملوءين فيهما قراريط، وخريطة فيها دراهم ضرب المرية زنتها ستة أرطال، وثلاث صحاف حنثمية فها قراريط قرطبية، وثلاث قديرات صغار مملوء بدراهم قاسمية، غير ما احضرته مع ذلك مما سرقه أخو مسعدة في مال لبيب، وأحضره عند التشدد في مجلس الوزير ابن جهور من الصفة المذكورة، ووضع جميع ذلك، حاشي اقدر المذكور أولا – بأمر عبد الله بن لبيب في تابوت في بيت سكناه مع زوجة مسعدة، واتفق عليه بمحضر مسعدة.
وصار القفل بيدها؛ إذا كان عبد الله معتلا، وكان وصف رًا لهذا بحضرة مسعدة لا تنكر عيها شيئًا، فسألها الشهود عن القدر المذكور، فقالت: رأيتها في بيتي، فقلوا لها: فأين ذلك؟ فقالت: لا أدري.
فجاوب ابن عتاب: سيد تصفحت خطابك وما أدرجت طيه، فرأيت في عقد
المورث والوراثة أن من جملة الورثة يتيمًا يجب أن يقدم عليه، وأن يها وصية، وهذا إنما هو إلى القضاة أو من إليه النظر في أحكام القضاء لا إلى غيرهم، ووقفت على ما تضمنه الاسترعاء من إنكار مسعدة لما وقفت عليه، وإعذارك إليها، في حالة لا يلزمها فيه إقرار ولا إنكار للمستفيض المتحد عليها به من التوقيف السمج القبيح بالأجعال المؤلمة والنفات الموجعة بالمياومة.
وكون المراقبين عليها معا في الدار التي تعتمد فيه، ومداخلين لها فيها، وهذا أمر أحدثه الهالك إبراهيم في أحكام الدين، واخترعه ,أنفذه على المسلمين، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من اتبعه عليها إلى اليوم القيامة لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من اتبعه عليها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا 1 ".
فبادر إلى إزالة الترقيب والتوكل ساعة تقف على جوابي؛ إذ لا يجوز بقاء ذلك ساعة من نهار، وهذا غير جائز إن يعمل في حيازة الأموال، فكيف في المواريث؟
والاسترعاء الذي أعذرت فيه ضعيف جدًا وغير بين، إذ خلط فيه ما كان في حياته وبعد مماته وغير ذلك، فمن ضعفه: ما حكي شهوده عن أنفسهم فيه أنهم استوصفوا رضا عما تخلفه لبيب وحيث استقر.
وليس هذا سبيل الشهود؛ لأنهم إذا كانوا هم الذين استوصفوا وتصرفوا في ذلك فذلك يوهن الشهادة، وذكروا أنه وضع جميع ذلك – حاشي القدر – بأمر عبد الله بن لبيب في تابوت في بيت سكناه مع زوجة مسعدة، وأقل عليه بمحضر مسعدة، ولم يقولوا من فعل ذلك، وصار مفتاح القفل بيدها، إذ كان عبد الله بحال علة، فأثبتوا أولا أن ذلك بأمر عبد الله، ثم ناقضوا آخرًا في مقالهم بأن عبد الله كان عليلا، وقالوا: إن المفتاح صار عند مسعدة، ولم يقولوا من صيره بيدها أعيد الله صيره بيدها أم هم؟ ولم يبينوا على أي وجه صار بيدها؟ ولا أنها أشهدتهم على شيء من ذلك وهذا كله اختلاط من المقال.
والعجب من الشهود كيف ذهب عيهم هذا ولم يحرزوا الشهادة فيه، ورأيت أحدهم قد استثنى أمر المفتاح، والأمر في ذلك واحد، والذي يلزم مسعدة اليمين بالله عز