باب الوصايا بالأيتام والأموال
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو الأصبغ
- الكتاب
- ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام
- المؤلف
- عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي الجياني القرطبي الغرناطي أبو الأَصْبَغ (المتوفى: 486هـ)
- المحقق
- يحيي مراد
- الناشر
- دار الحديث، القاهرة - جمهورية مصر العربيةعام النشر: 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فجاوب ابن عتاب: تصفحت العهد المدرج طي كتابك وفهمته، وإقرار الوصية بالدين جائز نافذ لمن أقرت له به وما عهدت به من تصديق المقر لهم، فقول ابن القاسم: إن ذلك كما عهدت يصدقون بلا يمين.
وقال غيره: الحق فيها لغير الميت، فلابد من اليمين.
وما ذكرت من بيع دار سكناها والحمام واللاحق بها وإخراج دينها من ثمنها؛ فللورثة الامتناع منه إن كان لها مال غيرهما يؤخذ الثمن منه، وحسبها قضاء دينها وإنفاذ عهدها، وهو قول كثير من أصحاب مالك.
وإن دعا الأولياء إلى ذلك فلا يكون بيع شيء من الأصول إلا بنظرك، ولابد من إثبات ملكها وحيازة ذلك، وكذلك ما عهدت ببيعه لكفنها أن يبيع بنظرك، فلابد من إثبات موتها ووراثتها وملكها للدار إلى أن توفيت، وحيازتها وما عهدت به من أمر كفنها وضرب القبة على قبرها، فهذا مما لا يحتاج إلى الجواب فيه إذ قد نفذ ذلك.
لكن قول مالك وأصحابه في ذلك: أن من أوصى أن يكفن في سرف من الكفن فلا يوز له منه إلا كفن مثله في غناه وفقرة، واختلف في ضرب القبة على القبر؛ فكرهه بعضهم وأجازه بعضهم وفعله، ورأيي إنفاذ الوصية به لاختلاف أهل العلم فيه، وهو عندي مخالف لما رواه عيسى عن ابن القاسم فيمن أوصى أن يقام بنائحه على ميت: أن ذلك لا يجوز لافتراق ما بينهما.
وما عهدت به لقارئ يقرأ على قبرها فهو نافذ كالاستئجار للحج، وهو رأي شيوخنا، وذلك بخلاف ما لو أوصت بمال لمن يصلي عليها أو يصوم لوجه أوبج ذلك أنت واقف عليه، وإنما يكون هذا وما أوصت به من القبة في ثلثها إن حمله الثلث، وما عهدت به من إخراج ثلثها وتنفيذه فهو كما عهدت، وما أوصته بتبرئته بريء، وما لم توص بتبرئته بريء منه، وما يوجب الحكم بتبرئته، وما أوصت به في الحج فهو نافذ إن حمله الثلث.
والمملوكة المعتقة لقبل موتها بشرين؛ قد اختلف قول ابن القاسم وأشهب في ذلك؛ فقال ابن القاسم: هي حرة من رأس المال، وقال: ينظر إلى الأجل الي ذكرت، فإن حل وهي مريضة عتقت المملوكة من الثلث لا أجرة لها في ذلك الأجل، وإن حل وهي صحيحة عتقت المملوكة من رأس المال، وبهذا العمل عندنا، وقلوه تفسير وعمل
اختصرته.
وقال أشهب: هي من الثلث على كل حال، وله قول آخر مخالف لجميع ما تقدم، وبالله التوفيق.
موت ووراثة وتنازع فيها:
وفي أحكام ابن زياد كشفنا القاضي - وفقه الله - عن رجل، يقال له سعيد بن إبراهيم من أهل قرية كذا من إقليم أبي مريم ثبت عنده موته، وأنه لم يترك غير زوجة وابنة بكر في علم البنية، ولم يلف القاضي للبكر وصيًا من أبيها ولا وكيلاً من قاضي، فوكل لها من ينظر عليها، وذكر القاضي أن قومًا ادعوا أنهم عصبة الميت؛ بنو عمه لأبيه، ورفع إليه أن للميت بني عم للأب بالمشرق خرجوا إلى الحج.
فالذي نقول به في ذلك: أن أحدًا لا يعطي بدعواه ولا يستحق حقًا بشهادة غير العدول، وأقل ذلك شهادة عدلين فليدع القاضي - وفقه الله - هؤلاء الحضور بالبينة على ما ادعوا فإن أثبتوه نظر لهم، وإن عجزوا عنه عجزهم بعجزهم، ووقف ما بقي من التركة بعد نصيب الزوجة والابنة حتى يثبت عنده أمر الغائبين، ثم ينظر في ذلك عند انكشاف الأمر له بما يجب الحق إن شاء الله.
قاله محمد بن وليد، وسعد بن معاد، ويحيى بن عبدالعزيز، وخالد بن وهب، وابن لبابة، وعبيد الله (أ-38).
شورى في مولاة ورثها حفيدًا معتقها وذكرت أن لها زوجًا غائبًا بجيان:
شاورنا في ذلك بقرطبة عبيد الله بن أدهم، وضاحب المظالم: يا سادتي وأوليائي، قام عندي أحمد بن خلف طالبًا عن نفسه وأمه ذونه عن ابنها الصغير حامي أخي المذكور شقيقه الذي في كفالتها وحضانتها، وذكر أن معتقه لحامد جد أحمد وحامد، وتسمى يعلى توفيت، وإنما أحق الناس بولائها ووراثتها.
وسألني أحمد وأمه ذونه الطالبان إن أبيح لهما إثبات ما يجب في ذلك، فأبحته له ما فأظهرا إلي عقدًا فيه عتق حامد بن بكر جد أحمد وحامد ذلك للمتوفاة على المسماة، وإنكاحه إياها من نفسها.
وثبت عندي على نصه، وثبت عندي موت حامد بن بكر معتق علي وأنه لم يترك أحدًا يستوجب ميراث على حاشًا ابنه خلف بالولاء في علم من شهد بذلك، وأن خلفًا
ابنه هذا مات وترك ابنيه أحمد وحامدًا لا يعملون له وارثًا يتوجب الولاء المذكور غيرهما.
وثبت عندي موت علي وإقرارها بأن لها زوجًا غائبًا بجيان، وأن أهل الإحاطة بميراثها أحمد وحامد حفيدًا معتقها، وأنها عهدت بثلثها في كتاب عهدها الثابت عندي، وأنها لم تنسخه بغيره في علم شهدائه.
إلى أن توفيت لمحمد وفاطمة ابني مفرج اللذين في ولاية ملك بن أغلب، بتقديم محمد بن أحمد بن بقي، إذ كان يلي أحكام القضاء بقرطبة إياه عليها.
وثبت عنيد هذا التقديم، وثبت عنيد صغر حامد ويتمه وحضانة أمه ذونه له وأنه لا مال له بما وجب أن يثبت، وأعذرت إلى أحمد وذونه في عهد المتوفاة علي وفي قولها: إن لها زوجًا بجيان، فقالا: لا مدفع عندنا في عهدها، ولا نعلم ما زعمت من الزوج، وشهد عندي أن علي تركت ثيابًا ودويرة، وكل ذلك حقير الثمن.
وطلب القائمان أحمد والحاضنة لحامد أن أعيدهما على تركة علي بما يجب لهما، فوجهت مشاروتكم في ذلك، وقد أدرجت إليكم عقد العتق والنكاح المذكور، وعقد موت علي وإقرارها بالزوج وكتاب عهدها على حسب ما ترونه، وقد تأنيت منذ نحو ثلاثين يومًا رجاء أن يظهر إلي في أمر الزوج المقر به شيء يوجب نظرًا فلم يظهر، فتأملوا بفضكم فصول خطابي وجاوبوني بالذي ترونه موفقين مشكورين، والسلام.
فجاوب محمد بن فرج:
سيدي ووليي، تصفحت خطابك وما أدرجت طيه، وإذ قد ثبت عندك أن أهل الإحاطة بميراث علي حفيدًا معتقها أحمد وحامد، وثبت عندك صغر حامد ويتمه وكفالة أمه له ونزاره ما يصير له.
فللأم بيع ذلك عليه وقبض ثمنه، وهكذا الرواية فيه، ويقبض أحمد أخوه لنفسه ويبيع الوصي مالك وشريكه في الإيصاء محمد بن خلف الثلث الذي عهدت علي، ويقبض الثلث ملك ليتيمه.
وإقرار علي بأن لها زوجًا غائبًا بجيان لا يثبت به ميراثه منها إلا ببينة على أصل النكاح أو على السماع إذ النكاح على علمك، مما يشهد فيه على السماع.
إلا أن الواجب أن يقوم من يقبض ميراث الزوج الغائب ويتوقف عنده بأمرك
لقرب جيان؛ لعله يقدم أو يظهر عندك ما يصح به النكاح، فإن طال الأمر، ولم يثبت عندك شيء؛ أطلقت أيدي الورثة على الذي وقفته للزوج واقتسموه إن شاء الله عز وجل.
وجاوبت أنا:
سيدي ووليي، ومن أدام الله عصمته، وأسبغ عليه نعمته، ما انتهى إليه نظرك مما خاطبتنا به كامل، وما ثبت عندك مما ذكرته عامل، والتلوم الذي تلومته للزوج المقر به كاف، وجيان، وإن كانت المسافة إليها قريبة؛ فالبغية في التوصل إلى معرفة أمر ذلك الزوج غير ممكنة، وهي بذلك كالمرية بل كإفريقية؛ فلا ينبغي منع من له حق في تركه من حقه لما ذكره من زوجة لم يثبت، ولا شهد بها شاهد، ولا سمت له رجلاً معروفًا.
ومما يشبه ذلك ما في شهادات العتبية في سماع أشهب وابن نافع من ذلك في شاهدين، شهدا أحدهما أ، هذا وارث فلان لا أعلم له وارثًا غيره، وشهد الآخر أنه وارثة لا أعلم له وارثًا غيره وغير زوجة له؟
قال مالك: هذا جائز ويوقف له المال كله حتى يكتب إلى ذلك البلد ويتبين من ذلك.
قال ابن القاسم: فإن طال ذلك أعطى الوارث المال كله.
وقال أشهب: الوارث بالخيار: إن شاء حلف مع شاهده الذي لم يذكر الزوجة وأخذ المال، وإن لم يحلف عزل نصيبها وأخذ هو ما بقي من المال بغير يمين (ب-38).
فهذا أشهب قد رأى للوارث أخذ جميع المال مع يمينه، ولم يراع شهادة الشاهد بالزوجة، ولا رأى حبس حق الوارث من أجله ولا التلوم بسببه، فكيف توقف تركة على بقولها إن لها زوجًا؟! وابن القاسم قد قال: إن طال أعطى الوارث المال، ولا يمين إلا أن شهادة الشاهد أعمل من قولها وأقوى؛ لأن إقرار من له ورثة معروفون بوارث غير مقبول إلا في ثلاثة أوجه مع اختلافهم في إقرار من لا وارث له بوارث.
وذكر ابن حبيب رواية أشهب عن مالك على نحو ما ذكرها العتبى؛ قال ابن حبيب: وسألت أصبغ عمن شهد له شاهدان أنه وارث لا يعلمان له وارثًا غيره، وشهد شاهد واحد أن لذلك الهالك وارثًا بمصر، أو بالمدينة، والتداعي عند بعض حكام الأندلس؟
فقال لي: يحلف المشهود له بالله: ما يعلم للميت وارثًا سواه، ثم يدفع إليه جميع الميراث، ولا يوقف منه شيء في مثل هذا البعد.
قلت: ولم أحلفته مع شهادة شاهديه؟ قال: لشهادة الشاهد الذي شهد أن معه وارثًا غيره، فأوجب أصبغ اليمين هنا من أجل هذا الشاهد.
ففي كثير من المسائل ما يدل على أنه لا يمين عليه، ولهذا سأل ابن حبيب عن اليمين، وإذا كان في الأصول ألا يراعي الشاهد مع الشاهدين؛ كان ترك مراعاة قول المتوفاة أولى، ولو قدم من جيان رجل فادعى أنه الزوج الذي أقفرب به لم يكن له بذلك ميراث.
قال ابن القاسم في سماع يحيى في امرأة ادعت على رجل قد مات أنه زوجها، وأقامت بينه بإقراره في صحته أنها امرأته، ولم يشهد بأصل النكاح وكانت نائية عنه منقطعة في مسكنها منه: إنها لا ميراث لها ولا صداق إذا لم تقم بما كانت تدعيه إلا بعد موته؛ لأنها لو ماتت هي وهو حي لم يرثها بذلك الإقرار الذي كان منه قبل موتها حتى يعرف إقرارها بنكاحه الذي كان يدعيه مع إشهار ذلك وإعلانه [ويقدم إذاعته] منهما.
وفي موضوع آخر من قوله أنه لم ير ذلك نكاحًا حتى يثبت أصله بالبينة؛ لقول عمر - رضي الله عنه: لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدين عدل.
وقال أشهب نحوه.
وفي هذا كله دليل واضح على إسقاط قول علي؛ إذ لم يقترن بإقرارها شيء من هذا، ولثبوت وراثتها بشاهدي عدل لم يذكر واحد منهما زوجًا.
وأما بيع الحاضن أو الحاضنة ما قل ثمنه من مال المحضون لحاجته إلى ذلك فنافذ عليه لازم له.
قال أصبغ في كتاب ابن حبيب، وفي التفليس من العتبية وبه جرى العمل، وهو في مسألتنا أقوى لاقتران فعل الحاضنة بنظرك الذي ثبتت به حضانتها للمبيع عليه ويتمه وصغره، فأطلقها وأحمد والصيين على اقتسام تركة على وبيع ما لابد لهم من بيعه، أعانك الله على ما قلدك وتخلصك مما عصب بك بعزته والسلام.