ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكامكتاب الأقضية
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأقضية

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو الأصبغ
الكتاب
ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام
المؤلف
عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي الجياني القرطبي الغرناطي أبو الأَصْبَغ (المتوفى: 486هـ)
المحقق
يحيي مراد
الناشر
دار الحديث، القاهرة - جمهورية مصر العربيةعام النشر: 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مسألة في كراء أرض محبسة لخمسين عامًا على أن يغرسها المكتري فغرسها، ثم قام السنة المكريات لها على غراسها بعد سبعة أعوام أو نحوها من أمد الكراء، وطلبن الكراء، وكان الحبس لم يثبت إلا بإقراراهن به، وامتنع المكتري الغارس من ذلك، وهو أخو أحد فقهاء بطليوس أبي شاكر ابن المعذل، وبها كانت النازلة.
قال القاضي: فكتب إلي بها أبو شاكر وقاضيها أبو الحسن عامر بن خالص بعد تقدم جوابي على بعض فصولها، فجاوبت أبا شاكر عن ذلك، وكان أنكر الجواب بنقض هذا الكراء.
سيدي قد علمت أن المعول فيما يفتى به مما جرت الأحكام عليه على قول ابن القاسم رحمه الله لا سيما الواقع منه في المدونة، ثم على ما وقع لغيره فيها، هذا الذي سمعناه قديمًا في مجالس شيوخنا الذين تفقهنا عندهم، وعلة ذي ما جرى به القدر من اعتماد الناس في هذا المغرب في تفقههم ومناظرتهم عليها حتى لا أنست نفوسهم إليها وألفت معانيها واستحكمت عندهم صحة أصولها وفروعها، وما سبق إلى النفس ألفته، فعسير عليها الانفصال منه والصدود عنه، هذا مدرك بالعادة صحيح بالخبرة، ولذلك قل ما ترى المتفقة لمالك المقدم لدرس مذهبه إلا مرتبطًا به لا يريم عنه إلى مذهب غيره، وكذلك الحنفي والشافعي وغيرهما رجوعهم عما تعلقوا به من مذاهبهم وقدموه في دراستهم، وتعمهم قليل لا يكاد يوجد إلا في النادر.
وإن كان من أدركنا من شيوخنا الذين كانت الفتيا تدور عليهم بقرطبة - رحمهم الله - ربما امتدوا في الاختيار إلى ما وقع في غيرهما من الواضحة أو سواها، مما يرون من اختلاف أصحاب مالك صحيحًا وأقوى في النظر من غيره، ورمبا فعل ذلك بعضهم ميلاً إلى خلاف من تقدمه من أصحابه، والله يوفق من يشاء.
وإذا كان هذا هكذا فالذي في المدونة في كراء الأرضين منها أن عقد الكراء في أرض المطر يجوز لعشر سنين، ولا ينقد فيها إلا لعام واحد بعد إمكانها للحرث.
هذا قول ابن القاسم وروايته عن مالك.
وقال غيره فيها: لا يجوز أن تكرى إلا لعام واحد قرب الحرث ووقع المطر.
قال: وأجازه الرواة ثم لا

يجوز النقد فيها إلا حتى تروي ريا مبلغًا للجميع أو لأكثره مع رجاء لوقوع غيره.
وفي كتاب ابن المواز مثل ما تقدم لابن القاسم سواء.
وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون في النقد فيها كقول ابن القاسم وأن العقد يجوز لعشرين سنة وأزيد.
وهذا كله يرد ما جرى في تلك النازلة من العقد لخمسين عامًا وشرط النقد فيهان ويبين فساده، وليس ما حكيناه عن مطرف وابن الماجشون من تجويز العقد فيها لعشرين عامًا أو أكثر دليلاً على جواز الخمسين عامًا؛ إذ لابد لقولهم وأكثر من حد تشهد الأصول بصحته وينتهي إليه ويوقف عليه، وإلا فالقائل بظاهر وأكثر وأن العقد يجوز فهيا المائة عام وأكثر، وهذا لا يقوله أحد.
وقد قال في كتاب ابن المواز: تجوز المساقاة لأربعة أعوام وأكثر.
وقال في المدونة: أرأيت المساقاة أتجوز لعشرة سنين؟ قال: قال مالك: المساقاة لسنين جائزة، فأما ما يحد إلى عشر سنين أو ثلاثين أو خمسين فلا أدري ما هذا، ولم أسمع من مالك فيه شيئًان وأما ما لم يكثر جدًا فلا أرى به بأسًا.
فقد قال ابن القاسم: ما لم يكثر، مع قول مالك في كتاب ابن المواز: وأكثر، فلابد للكثرة من تحديد، ولا يجوز غير هذا في الأصول، كما أن من طلق إلى أجل يبلغه عمره - ثلاثين سنة أو نحوهما - لزمه ذلك وعجل الطلاق عليه، ولو طلق إلى مائة سنة أو ألف سنة لم يلزمه.
قال ابن القاسم: في سماع عيسى: لإيقاع ذلك إلى أجل يدركه الموت فيه قبله، وروي عن مالك في أصل السماع أنه لا خير في مساقاة إلى أجل وإن سمي سنين، إنما المساقاة إلى الجداد.
وفي كتاب محمد بن يحيى الوقار: لا بأس بكراء الدور السنة والسنتين وما فوق ذلك إلى العشرة والعشرين سنة، ولا يجوز أن يكرى الحبس إلا لسنة واحدة ونحوها.
هذا نص ما في كتابه.
وظاهره أن العشرين سنة فيها حد لا يتجاوز، وإن كان في كتاب ابن المواز لابن وهب عن مالك: أنه لا بأس بكراء الدار الثلاثين سنة؛ فقد نقل محمد بن حارث في كتاب الشروط له عن يحيى بن أيوب الزهري أنه كان يجوز راءها السنين الشعر والخمس عشرة ما لم يطل جدًا.
وهذا نحو ما ذكره الوقار بخلاف رواية ابن وهب عن مالك في كتاب

بن المواز.
وليس في هذا كله تجويزه لأربعين عامًا، فكيف إلى خمسين مع شرط النقد في مسألتنا في أرض المطر، وذلك لا يجوز عند أكثرهم والعقد به فاسد عند ابن القاسم ومن وافقه، وكذلك ظاهر هذه النازلة الفساد بدلي ما ذكرنا من المسائل لطول أمده.
وأما عند غيره الذي ذكرناه من المدونة فلا يجوز هذا الكراء عنده بوجه، ولو لم يعقد إلا لسنتين فأزيد؛ شرط نقد الكراء أو لم يشترط.
ومما يزيد في بيان الفساد فيه لطول الأمد ما وقع في سماع ابن القاسم في كتاب العتق من العتيبة: سئل مالك عن محمد بن سليمان وكان قد أوصى في جواريه أن يحبس سبعين سنة ثم هن أحرار، فقال: أراه غير جائز، وينظر السلطان فيه، فإن رأى أن يعن؛ بعن، وإن رأى أن يعتقن؛ عتقن، وعجل عتقهن ولا يتركهن هكذا.
قال ابن القاسم: وهو رأي وقال ابن الماجشون: إن كان الأجل لا تبلغه أعمارهن؛ بعن، وكان بمنزلة من أعتق عبدًا بعد موته.
وهذا هو الفقه عندي في هذا، فإذا روعي في العتق طول الأجل هذه المراعاة، وأبطل؛ فهو في المبايعات والأكرية أكثر مراعاة، وفساد العقد به أبين فساد.
وهذه المسألة تبطل ما ذكره أبو جعفر بن رزق - سلمه الله - من جواز عقد الكراء إلى سبعين عامًا، ولا سمعته، ولا رأيته، وإنما حكي لي عن المنصور محمد بن أبي عامر أنه اكترى موضعًا حبسًا إلى سبعين عامًا، وهذا لو صح نقله لم يصح أصله، ولا يجوز العمل به لما ذكرناه عن مالك وأصحابه.
وقد ذكر ابن العطار في وثائقه أن الذي جرى به العمل في قبلات أرض الأحباس الأربعة أعوام، وهذا الذي شاهدناه نحن بقرطبة، وأما دور الأحباس والحوانيت وشبهها فإنما تكرى عامًا فعاماً، حضرت ذلك عند قضائها بمحضر فقهائنا مرارًا.
وقد رأيت مسألة نزلت في يجنة محبسة، سوادها تبع لبياضها قبلت إلى اثنى عشر عامًا، حكم فيها صاحب أحكام قضاء الجماعة بقرطبة أبو بكر يحيى ابن قاضي الجماعة أبي بكر محمد بن بيقي بن زرب، بخصام جرى بين ورثة المقتبل والمقبل في غرس كان غرسه فهيا، وذكر في حكمه أنه شاور في ذلك الفقهاء فاختلفوا في نقض الكراء فيها لطول المدة، قال بعضهم: يفسخ، وقال بعضهم يمضي، وأين هذا مما نحن فيه.؟

وهذا كله واضح بين لائح، لا خفاء فيه، ولا إشكال في صحة معانيه.
ويزيد ذلك وضوحًا وبيانًا ما لابن القاسم في سماع أصبغ فيمن باع سلعة بثمن إلى عشرين سنة أو ثلاثين.
قال: أما الثلاثين فلا أدري، ولكن عشر وما أشبهه، وكرهه أيضًا إلى العشرين قال: فإن وقع لم أفسخه، ولو كان إلى السبعين فسخته، وكذلك أفسخ النكاح بصداق مؤجل إلى عشرين سنة وأكرهه ابتداء.
قال أصبغ: وكذلك إلى الثلاثين فيه وفيه البيع، قال أصبغ: ولا أرى به بأسًا إلى خمسة عشر عامًا وعشرين؛ لأن مالكًا قد سئل عن العبد يؤاجره سيده الخمس عشرة سنة ونحوها فقال: لا بأس به، وهو جائز، والنكاح فيه أبين وآمن.
وفي كتاب النكاح من الواضحة قال أصبغ: شهدت ابن القاسم وابن وهب تذاكرا أجل الكالئ، فقال ابن وهب: فيه العشرون وما جاوزها فمفسوخ، قال ابن القاسم: وأنا معك على ذلك ثم رجع ابن القاسم فقال: لا أفسخه إلى العشرين، ولا إلى الثلاثين، ولا إلى الأربعين، وأفسخه فيما فوق ذلك.
قال أصبغ: وبه آخذ قال ابن حبيب: إن جاوز ذلك فسخ، وإن كانت الأربعون كثيرًا جدًا.
وحكي ابن المواز عن ابن القاسم أنه يفسخ إلى الأربعين فما فوق، وحكي أيضًا أنه يفسخ إلى الخمسين، فقد أجمعوا على فسخ النكاح في الخمسين.
وقال أصبغ: النكاح أبين وآمن من البيع والإجارة، وهذه المسائل كلها أوضح في الرخصة في تطويل الأجل من تطويله في عقد الراء، إذ ليس فيه إلا الخروج في العقد عن المعهود، ومثل هذا إذا وقع مردود لقول النبي عليه السلام: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد 1 " وكله صريح ببطلان ما ذكر من جواز الكراء إلى السبعين والخمسين والحمد لله رب العالمين.
وأما مسألة سحنون التي في نوازله فيمن حبس دارًا له على ولده وولده ولد الأتباع، ولا تورث حبسًا صدقة وهم صغار أو كبار، فأكراها المحبس من رجل خمسين سنة وأكثر، وقبض الكراء ثم مات بعد ذلك بيسير وهو مليء أو عديم، فأراد المحبس عليهم فسخ الكراء.

قال: اما حبسه على الأكابر فغير جائز؛ لأنهم لم يقبضوا حتى أغلق الكراء فيها ومات ولم يقم عليه، وأما الصغار إذا أشهد لهم بالحبس، وأغلقها بالكراء إلى هذا الآمد الذي لا يجوز له؛ فلا يجوز إلى هذا الأمد البعيد، ويفسخ ما فات منه وبعد.
ويرجع المكتري بما بقي من نقدهم في مال الأب إن ترك مالا، وإلا فهو دين يطلب به في الآخرة، وإنما يجوز له أن يكري عليهم إلى مقدار بلوغهم.
فهي غير بينة في تجويزه الكراء إلى خمسين سنة لأنه لم يقصد فيها إلى الجواب عن هذا المعنى، ولا وقع عنه لا سيما وهو قد قال في جوابه فيها أنه إذا أغلقها فالكراء إلى ألأمد الذي لا يجوز له فسخ ما بعد منه، فالحجة بها ما بيناه وذهبنا إليه أظهر منها في تجويزه لذلك.
وفي مساع أشهب وابن نافع من مالك فيمن تصدق بدار على مواليه وأولادهم وأولاد أولادهم، فإذا انقرضوا فمرجعها إلى ولده، فلم تزل كذلك حتى لم يبق منهم إلى رجل واحد فأراها من بعض من له المرجع من ورثة المتصدق إلى عشرين سنة، فأنكر ذلك باقي ورثة المتصدق وقالوا: لا نجيزه، لأنا نخاف أن يموت هذا المولي في هذه المدة فتحتج أنت علينا بحيازتك، فقال إذا مات هذا المولي في المدة انفسخ الكراء، ولقد أكثر هذا في السني فليكتبوا عليه كتابًا بذلك يتوثقون عليه فه، فقد قال مالك في هذه العشرين سنة: لقد أكثر هذا في السنين.
ولابن الماجشون في النوادر، وذكره إسماعيل عنه: يجوز كراء ولي الحبس لما يراه يظن السنة والسنتين، وما يجوز مثله للوكيل، وأما بطول فلا يجوز؛ لأنه إنما يليها حيًا نفاذا مات اعرض حكمه.
وأما مكري ما مرجع رقبته لآخر بعده، فلا يلزم ما عقد فيه الكراء من مدة يبقى منها بعد موته شيء وإن قل، بخلاف ولي الحبس الذي ذكرنا إنما يلزم ما قل من عقده؛ لأن الذي إلى غيره المرجع ليس له أن يعقد على غيره، وإنما يكري لنفسه، فهو يجوز له أن يكري أربع سنين أو خمس.
وقد أكرى مالك منزله عشر سنين وهو صدقة على هذا الحال، واستنكره المغيرة وغيره، فما أبيح له في الوجيبة فيجوز له فيه؛ لأنه إنما يتسلفه لنفسه، وإنما الخطر في كثرة السنين؛ إذ قد نص عمره فرد ما بقي فصار سلفًا، ولا يدخل من الخطر في القرب ما

يدخل في البعد.
وقال ابن وهب عن مالك: من أسكن دارًا حياته فله أن يكريها السنة والسنتين وينتقد، ولا يرجع في المدة ولكن يكري قليلا قليلاً.
وفي ثاني وصايا المدونة قال ابن القاسم: من أخدم عبدًا حياته فلا يبع خدمته من أجنبي، إلا لمدة قريبة السنة والسنتين والأمر مأمون، ولا يكريه إلى الأجل البعيد.
وهو قول مالك.
وقال ابن أبي زمنين: يريد إذا انتقد، وكذلك الدار، ولا بأس بتطيول المدة إذا لم ينتقد إلا بما سكن، وهذا كله شاهد لما قلناه، والهدي من الله ولا يوافق له سواه.
واختصرت بعض ألفاظ هذه المسألة لقصدنا منها إلى ما استظهرنا به.
وأما ما اغترس في الرض المكتراة فرواية ابن القاسم عن مالك في المدونة أنه إذا تمت المدة فلعله المكتري، إلا أن يشاء المكري أخذه بقيمته مقلوعًا فله ذلك، ولا يكون للغارس قلعة حينئذ لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) "لا ضرر ولا ضرار 1 ". وكذلك الغارس في أرض منحها ليغرس فيها لمدة سمياها فنقصت أو لغير مدة، وقد مضى ما يرى أنه منحها لمثل ذلك من الأمد، لرب الأرض أخذ الغرس بقيمته مقلوعًا يوم الحكم، وإن لم يشأ ذلك كلف الغارس قلعة، وحجة المكري ليبنيه والإذن أنه إنما يأخذه بقيمته مقلوعًا لأنه يقول: لم آذن لك في الغرس حين أذنت لك وأنا أريد أن أغرم شيئًا، وإنما أذنت لك لترتفق، وقد علم الغارس حين غرس بإذن أو كراء أنه يطلبه يقلع ذلك عند انقضاء المدة، فلم يغرس ولا بني إلا وقد أجمع على القلع لا على الإبقاء.
قال ابن القسم: ورددته على مالك غير عام، فقال مثل ذلك.
وقال ابن المواز: يأخذه بقيمته مقلوعًا بعد طرح أجر من يقلع ذلك.
وهذا خطأ من القول لا معنى له إنما يقوم مقلوعًا فأي أجرة قلع في هذا.

وذكر ابن حبيب عن المدنيين من أصحاب مالك في هذا وفي كل ما بني أو غرس بشبهة، لا بتعد: أنه إنما يأخذه رب الأرض بقيمته قائمًا، وقد شهدت شيخنا أبا عبد الله بن عتاب رحمه الله يفتي بذلك، وخالفه أبو عمر بن القطان وأفتى بقيمته مقلوعًا على قول ابن القاسم وروايته، وبه العمل.
وهو أصح عندي في النظر، غير أنه يتوجه عندي في هذه النازلة أن يكون للغارس قيمة غرسه قائماً.
وله تفسير، انظره في الفروق قال: وإن أمضى الراء إلى انقضاء الأمد فله حينئذ أخذه بقيمته مقلوعًا، ومن هذه يستدل على أن لذلك المكتري قيمة ما غرس قائمًا إذا نقض باقي أمر كرائه إن لم يستوف الأمد الذي كان أكرى إليه.
وبهذه يستغنى إن شاء الله عن قول سحنون في مبتاع الحبس يبني فيه أو يغرس، وهو معروف لابن القاسم، أن يؤمر يقلع بنيانه وقنضه، وإن كانت الحجة آخرًا لسحنون، ذكرها ابن زيد في النوادر، ومنع سحنون فيها من أن يعطي مستحق الحبس قيمة البنيان للباني.
وفي غير النوادر اختلف في تفسير الواجب في ذلك البنيان، فقال سحنون في كتاب الشرح للمسائل لابن عبدوس: يؤمر الباني بقلع بنيانه إذ ليس ثم من يعطيه قيمة.
وقال ابن المواز في كتابه: أخبرني أصبغ وغيره عن ابن القاسم، قال: سمعنا مالك يقول فيمن حبس دارًا أو أرضًا على رجل حياته، فبني أو غرس ثم مات المحبس عليه - قال: إن أرضي صاحب الدار ورثة المحبس عليه الباني، وإلا أخذوا نقضهم وغرسهم، إلا أن يعطيهم قيمة ذلك مقلوعًا، فقد أعطاك ذاكر هذا في تأليفه أنه يجوز أن يعطي الباني في الحبس قيمة بنيانه أو غرسه بخلاف قول سحنون.
وفي شفعة المختلطة: سئل مالك عن قوم حبست عليهم دارًا فبنوا فيها ثم مات أحدهمن فأراد بعض ورثته أن يبيع نصيبه من ذلك البنيان، فأراد إخوته الأخذ بالشفعة.
قال مالك: مال الشفعة إلا في الأرضين والدور، وإن هذا شيء، وأرى لهم فيه الشفعة، ونزلت بالمدينة فاستحسن مالك أن يجعل فيها الشفعة.
وقال ابن عبدوس: قال سحنون: هو يقول ما بني في الحبس فليس له أخذه ولا بيعه

وهو حبسن قيل له: لعله أراد حبس عمري، قال: فبيع النقض إذا لا يجوز وينقض، ولا شفعة فيه لأنه بيع فاسد.
وهو قول أشهب، وقال: إنه لا يجوز بيعه إلا أن يباع في الضرورة لدين وشبهه، وقال: هو كالشريك يبيع حصته من العبد بعد عتق شريكه، فذلك غير جائز، هكذا في الباب الرابع من شفعة النوادر من قول ابن عبدوس إلى آخره.
وفي جنايات المدونة مسألة عتق الشرك نصيبه من عبد وهوموسر: أنه لا يجوز بيع الذي لم يعتق لحظة، لأن مبتاعه لا يدري ما ابتاع أنصف عبد أم قيمته.
وفي الحبس من المدونة فيمن حبس داره على ولده وولد ولده، فبني أحدهم في الدار بناء، وأدخل خشية ثم مات ولم يذكر ذلك.
قال مالك: لا أرى للورثة فيه شيئًا.
قال ابن القاسم: هو عندي سواء كان قليلا أو كثيرًا.
قال ابن القاسم: وإن قال خذوه فهو لورثته.
وقال ابن القاسم في التفسير الأول من العشرة: هو لورثة الميت قليلا كان أو كثيرًا، ذكره الميت أو لم يذكره.
وفي المختصر الكبير عنه مثله، وهو نحو ما في الشفعة.
وقال المخزومي في يكتاب الحبس: لا يكون من ذلك محرمًا ولا صدقة إلا اليسير من المبتني وشبهها من الميازيب، وأما البناء الذي له القدر فهو مال من ماله.
وقد أوردنا في هذه المسألة من البنيان ما يغني عن تخرص فلان وفلان، والله المستعان، وذكرنا حكم ما يحدث في الحبس من البنيان تعلقه بما كان الفقيه أبو شاكر اعترض به من مسألة مسحنون على الحكم في القرابين الموضوع في الأرض المكراة لخمسين عامًا، وبالله التوفيق.
وكان سؤالهم إياي عنها وأنا حينئذ بأشبيلية في سنة ثمان وستين، ونقلت جوابي في هذا الكتاب من المسودة في صدر ذي الحجة في سنة أربع وسبعين بسبتة، والحمد له رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين وسلم تسليمًا.
القضاء في مسائل الغائب: من ذلك مملوكة غائب دفعت إلى البائع: غاب محمد بن أحمد الشرقي إلى العدوة عن قرطبة، وتخلف بها مملوكه فقامت بعد مغيبة بمدة عند الوزير صاحب الأحكام أبي بر محمد بن الليث، وذكرت أن سيدها غاب عنها وتركها دون شيء تنفق منه على نفسها، وأنه لم يرسل إليها شيئًا، وسألته النظر لها، فكلفها إثبات

ما يجب إثباته؛ إذ شكت الجوع، ودعن إلى بيعها بمن يموتها وينفق عليها، فأثبتت عنده ملك سيدها إياها ومغيبه عنها وأنه لم يتخلف عندها شيئًا لنقتها، ولا أرسل إليها، وأنها لا مال لها، ولا له مال تعدي فيه بنفقتها.
وشاور في ذلك فأفتى ابن عتاب وابن القطان: إذ قد ثبت ما ذكرت، فأمر من يبيعها ويقبض ثمنها للغائب، ويوقفه عنده له أو عنده ثقة غيره، حتى يقدم إن شاء الله، فحكم بذلك، وستأتي مسألة في طلب ويكل الغائب قبض هذا الثمن إياه، وطلب زوجه إياه بحق ذكرته.
وارث غائب له شريك في دار موروثه وطلب الورثة قسمة الدار: من أحكام ابن زياد: فهمنا ما ذكره القاضي - وفقه الله - من أن عبد الله بن أصبغ أثبتت عنده موت زوجة عائشة بنت مهنا، وعدةورثتها، وهم: عبد الله زوجها، هذا القائم، وأخواها لأبيها: عبد الملك بن مهنا الغائب الشمرق، وفاطمة الحاضرة، وأثبت للميتة، شركاء في دار مع أخيها الغائب وأختها الحاضرة، وأنها أوصت بثلثها لأختها.
وأعذر القاضي في الوصية إلى الحاضرين من ورثة الميتة عائشة بما وجب أن يعذر به، فلم يكن عندهم مدفع.
وسأل بعض الورثة قسم الدار التي ثبت حظ الغائب فيها، وثبت عند القاضي أن الذي يصير من الدار لأقلهم نصيبًا منها لا ينتفع به سكنى، بشهادة رجلين عدلين.
وسأل عبد الله بن أصبغ القاضي وفقه الله أن يأمر ببيع الدار إذ لا تحتمل القسم، وإذ لابد من بيع نصيب الميتة منها لتنفيذ وصيتها، ولما دعي إليه عبد الله زوج الميتة من بيع نصيبه منها وأن يوكل للغائب من يبيع عليه نصيبه، فأحب القاضي معرفة الواجب في ذلك.
فالذي نقول واله الموفق للصواب: إن على القاضي أن يوكل للغائب من يبيع عليه نصيبه من الدار مع من شركه فيها من الحاضرين، ويقبض الوكيل نصيب الغائب له إلى أن يقدم أن شاء الله، وتنفذ وصية المرأة من ثلث مالها، على ما يجب به التنفيذ إن شاء الله.
قال بذلك محمد بن لبابة، ومحمد بن وليد.
وفي قولهما: إن بيع جميع الدار قد وجب على جميعهم ويضمون إلى ذلك؛ إذ ليس في نصيب أقلهم نصيبًا منفعة لسكنى كما قال الشهود في شهادتهم، وقال بذلك كله

أيوب ابن سليمان، وقالب: ترجأ الحجة للغائب.
في وصية أخته مثل قول أبي صالح، وقال أيوب: غنه لا يجب لبعض الورثة أن يسكنها فليخرج من فيها حتى تباع.
وقال به محمد بن وليد، وعبيد الله بن يحيى.
قال القاضي: في هذه المسألة وجوابها إفال، لم يذكر فيها ثبوتمغيب عبد الملك، إنما ذلك فيها حكاية غيبة الغائب بالمشرق، وكان يجب أن يشهد بمغيبه واتصاله، وأنهم لا يغرفونه رجع من مغيبه إلى حينالشهادة بذلك، ولا بين فيها حظ الميتة كم هومن الدار وإنما قال: وأثبت للميتة شركاء في دار مع أخيها وأختها، ولم يذر نصيبها من نصيبه، ولا ملكها لذلك النصيب، ولا ملك أخيها الباقي في الدار، ولا حيازتها.
ولا يجب للقاضي أمر بقيمتها ولا بالبيع على الغائب حتى يثبت ذلك كله، واتصال الملك على ما يجب.
ووقع في سؤالها أن الميتة أوصت لأختها بثلثها وهي وارثتها، ولم يذكروا أن الوصية للوارث وهو إجماع إلا أن يجيزها الورثة، وبعضهم هنا غائب، وذكروا أنه أعذروا؛ الإعذار في شيء ناقص لا يفيد شيئًا.
وقالوا في جوابهم: وينفذ الوصية وصيها، ولم يذكر من هو، ولا أنه قبل الإيصاء أو امتنع منه، وهذا كله مما كان يلزم عمله واستقصاؤه، وفيه غير هذا.
وخصص ابن وليد في جوابه إرجاء الحجة للغائب في وصية أخته، ومن حقه إرجاؤها له في مبلغ نصيبه من الدار، وفي بيعه عليه؛ إذ قد يباع ببخس الثمن وفي الشهادة، فإن الدار تنقسم وإرجاء الحجة للغائب معمول به، ويأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله، وقد مر بيان الإعذار في صدر الأول، وبالله التوفيق.
فيمن عنده كتب لغائب: فهمنا - وفقك الله - ما قام به ابن أبي الحفاظ عن أخته في كتب، ذلك بأنها عند بن خالد الصابري ولدها المقتول قاسم بن أبي عثمان، لها فيه حق ولكنتها زوجة ابنها قاسم، وسأل عنها أن تأمر ابن خالد بإخراج الكبت لينظر فهيا بالذي يجب في ذلك: إن كانت أخته قامت في ذلك عندك، أو وكلت أخاها على الطلب وثبت توكيلها إياه عندك، أن ترسل إلى ابن خالد ليبعث بالكتب إليك، فتنظر فيها بما يجب إن شاء الله.
قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة، وابن وليد وسعد بن معاذ، ومحمد بن غالب، وعبيد الله بني يحيى.

قسمة دار الوزير ابن عامر بين ابنيه الحاضر والغائب: أخبرني أبو عبد الله ابن عتاب أن محمد بن أحمد بن بقي شاورهم في قسمة دار ابن عامر المفصلة على دور التي بداخل مدينة قرطبة، وقال: إن ابنه الواحد الحاضر قام عنده وأثبت ملكها إياها وأنها مشتركة بينه وبين أخيه فلان الغائب بأشبيلية بنصفين، وأنها تحتمل القسمة وحيزت وأثبت مغيب أخيه المذكور.
قال: فأفتيت أنها فيها بالإعذار إلى الذي بأشبيلية لقرب الموضع، وإمكان ذلك بسلوك الطريق إليها وأمنه.
قال: وأفتى ابن القطان بالعهود منه يريد خلافة، قال لي، وقال ابن مالك: الإعذار في هذا وهم لا يحتاج إليه.
قال القاضي: وكنت قد ذهبت إلى التكلم فيها مع ابن مالك فتوفي رحمه الله قبل إمكان ذلك، وكانت وفاته سحر يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادي الأول سنة ستين وأربع مائة.
وتوفي ابن القطان بقرية فاغة الفنداق المجاورة لقبره، ليلة الاثنين لتسع بقين من ربيع الأخير من سنة ستين المذكورة.
وتوفي أبو عبد الله بن عتاب سحر يوم الثلاثاء لعشرة بقين من صفر سنة اثنتين وستين.
وتوفي ابن أبي عبد الصمد يوم الجمعة وقت الظهر، لثمان بقين من ربيع الأول من سنة اثنتين وستين وأربع مائة.
رحمنا الله وإياهم، وكانوا أربعتهم يشاورون في واحد.
غائب طلب بمال وله على حاضر مال: قامت عند ابن الليث ابن حريش مريم على السراج خلف وهو غائب، بعقد تاريخه رمضان سنة ثمان وخمسين وأربع مائة، لها فيه مائتا مثقال وستون مثقالا ذهبًا قرمونية، من ثمن دار كان باعها منها ثم صرفتها عليه بعيوب ثبتت فيها وأثبتت هذا العقد عنده ومغيب

خلف، شهد شاهد بمغيبه إلى ناحية قرمونة وشاهدان بمغيبه حيث لا يعلمان.
وقالت: لغريمي خلف علي أحمد بن فلان مائتا وعشرون مثقالا، وأظهرت إليه عقدًا أشهد خلف وأحمد فيه على أنفسهما أن خلفًا كان ابتاع من أحمد دارا كذا وحدها كذا بثمن مبلغه كذا، ثم اطلع فيه على عيب كذا وأثبته، ووجب له الرجوع بالثمن على أحمد وصرف الدار، فصرفها عليه وقبضها أحمد منه، وأنظره خلف بثمنها المذكور إلى أجل كذا، وحل الأجل.
وسألت مريم إنصافها من دين غريمها الذي له على أحمد، وحضر أحمد مجلس نظره وأقر بهذا العقد عنده، وأن الثمن باق لخلف عليه، وشاور فيما دعت مريم إليه.
فأفتى ابن عتاب: إذ قد ثبت عندك ما ذكرت من المغيب وغيره كما وصفت، فالإقرار الذي حيت لا يكتفي به حتى يثبت عندك العقد الذي أقر به أحمد، فكلف مريم إثباته عندك؛ فإذا ثبت أمرتها بالحلف في مقطع الحق بما يجب عليها أن تحلف به، ويتقاضى يمينها من تقدمه لذلك، فإذا حلفت أمرت احمد بإحضار ما عليه ودفعه إليها، وتقيد ذلك كله من نظرك، وترجأ الحجة للغائب إن لم يمكن الإعذار إليه، والله أسأله التوفيق لجميعنا برحمته.
وأفتى ابن القطان: قرأت خطابك ووقفت عليه، فأما ما ذكرت من ثبوت المغيب عندك، فرأيت شاهديه قد شهدا أنهما لا يعلمان مغيبه حيث هو، ومن تمام الشهادة عندي أن يقولا أن الغيبة بعيدة بحيث لا يعلمون؛ لجواز أن تكون غيبة قريبة، فهو كالحاضر، فإذا تمت الشهادة بذلك حلفت القائمة عندك بما يجب الحلف به، وأعديتها على أحمد بما أقر به، وإقراره لازم كاف وحكمت بذلك على الغائب وأرجأت له الحجة إلى قدومه إن شاء الله.
وأفتى ابن مالك: شهادة الشهود بالمغيب مختلفة ولم تعرفنا من قبلت منهم، فإن كنت غنما قبلت شهادة عبد العزيز وأحمد فقط، أو كانت الطريق إلى قرمونة ممتنعة بالفتنة، فإنما في هذا عندي ما قد شرح لك في الجواب الأول، أرأيت إن أنكر الغائب ما أقر أحمد به من رد الدار عليه، فكيف يستغني في هذا عن ثبوت العقد الظاهر إليك بين أحمد وخلف وأنت لم

توجه إلينا شيئًا في ثبوت الرد عندك، وغنما نفتي بما جاءنا من عندك لا أزيد.
قال القاضي: تكلمت فيها مع ابن عتاب وقلت له: لم لا يستغني بإقرار أحمد لخلف بالدين حتى ثبت، وقد أفتيت في مسألة الشركة إن إقرار ابن صفون للشريك الحاضر بشقق الخز التي أحضرها لازم، ويقضي بالشقق للحاضر الذي هو شريك الغائب.
فقال لي: لأن الشركة في هذه قد كانت ثبتت بين الحاضر والغائب اللذين أقر لهما ابن صفوان بالشقق، فكان إقراره بهذا أقوى، ولأن المشهد على نفسه بدين الغائب فيه ضعف حتى يحضر المشهد له، وكأنه أشار إلى التي في سماع يحيى في الشهادات أنه يفعل ذلك لموجب خلطة بينه وبين المقر له، ثم يدعي عليه بأكثر مما أقر له به، فتأملها.
ومسألة ابن صفوان ستأتي بعد هذا.
قال القاضي: وتكلمت أيضًا مع ابن مالك في جوابه وموافقته لابن عتاب، في أنه لا يكتفي بإقرار أحمد لخلف بالدين حتى يثبت.
فقال لي: لابد من ثبوته وإن أحمد قد أقر به؛ لأن منحجة أحمد أن يقول: إنما أقررت بهذا الدين من هذه الدار التي بيدي، وجائز إذا أخذتم الدين مني أن يجحدني الغائب صرفه للدار علي بعيب أو غيره، ويدعي أنها باقية على ملكه، وأني ادعيت فيها أو غصبته إياها، فلابد لكم من الحكم بها فأكون قد بقيت صفر اليدين من الدار والدين، وإذا بقي قبلي الدين الذي أقررت به وجحدني عند قدومه وقضى له بداره؛ لم يكن له علي سبيل في غيرها، وأكون قد أحرت ثمنها لأني إنما أقررت به من سببها.
وأصلها في كتاب البضائع في سماع عيسى في سم العشور فيمن قال: ابتعت لك هذه الأمة كما أمرتني، وأنكر الآمر ذلك.
قال ابن القاسم: لا يطؤها المأمور وليبعها فإن كان فيها فضل دفعه إليه إلا أن له أن يخرجها إلى السوق ويستقصي في ثمنها، ثم يأخذها لنفسه ويعطيه فضلا إن كان فيها، ثم له أن يطأها.
قال: وليس جحده إياها إسلامًا منه لها إليه، فليعطه فضلها، ولو أعتقها وجحده كانت حرة، وإنما جحده ثمنها.

قال لي: وليست كالتي في رسم العتق من هذا السماع في كتاب العتق، إذ قال: بعت هذا العبد منك وأعتقته؛ فأد إلى ثمنه، وحده المدعي عليه، وقال: لم أبتع منك شيئًا.
فقال ابن القاسم: العتق ماض ولا شيء على المدعي عليه.
والفرق بينهما بين؛ لان هذا لم يقر بشيء وهو بيده فيحتج بإخراجه عنه، إنما ادعى شيئًا يريد أخذه فلا يقبل فيه، والأول إنما أقر بشيء هو بيده عوضًا عن غيره، فلا يخرج عنه حتى يسلم له عوضه.
فتدبر ذلك.
أقرار ابن صفوان بشقق بيده لشريكين أحدهما غائب بفاس في العدوة: قام عند الوزير صاحب الأحكام محمد بن الليث عبد الله بن خيرة بعقد استرعاء: يشهد من يتسمى في هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون محمدًا وعبد الله ابني خيرة بأعيانهما وأسمائهما شريكين متفاوضين في جميع أموالهما وتجارتهما وجميع أمورهما قليلها وكثرها، على هذه الحالة عرفوهما لم يتبدلا بها غيرها في علمهم إلى حين شهادتهم هذه، وتاريخها جمادي الأولى من سنة ثمان وخمسين وأربع مائة.
وأثبت عنده هذا العقد على نصه، وأن محمدًا غاب إلى ناحية مدينة فاس التي بالعدوة منذ عام أو نحوه، وحضر مجلس نظر محمد بن الليث مع القائم عبد الله بن محمد بن صوفان وبيده ست شقق مختلفة الألوان مستنعية منكسة الرسوم، وأقر عنده محمد بن أحمد أن عبد الله ذا وأخاه محمدًا الغائب دفعا إليه ذهبًا في استعمال عشر شقق، هذه الست منها، وصدقة عبد الله في ذلك، وثبت عنده إقرارهما ومقالهما، ودعا عبد الله إلى قبض الشقق فوقها الحكم، وشاور في ذلك.
فأفتى ابن عتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، سيدي، ووليي، ومن وفقه الله وسدده؛ إذ قد ثبت عندك العقد المذكور بالمفاوضة، فشهد بما ثبت عندك منها وتعرف المحضر للشقق بثبوت ذلك عندك، وبتوثق بالإشهاد على دفعها، وإن أحضرها مجلس نظرك ودفعها فيه فهو أتم، وترجئ الحجة للغائب في ذلك، واليمين على عبد الله أن شركتهما لم يحلاها تضعف عندي، ولا أوجبها، والله أعلم بحقيقة الصواب، وإليه أرغب في التوفيق للجميع برحمته، والسلام على سيدي ورحمة الله.

وأفتى ابن القطان: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، سيدي، ووليي، ومن أرشده الله وعصمه؛ تصفحت ما خاطبتنا به، فأما كتاب الاسترعاء بالشركة فإن شهوده قالوا: إنهم يعرفون عبد الله ومحمدًا ابني خيرة، وأنهما شريكان متفاوضان في جميع أموالهما ... إلى آخر العقد، وهذه شهادة ناقصة لا يجب بها قضاء شركة بينهما؛ إذ لم يفسروا معرفتهم بها؛ إن كانت بإشهاد من عبد الله ومحمد أو بإقرار عندهم بذلك، لجواز أن يعرفوا ذلك بسماع يذكر، وهذا غير عامل، فلما جاز أن تكون المعرفة بذلك؛ لم يجز الحكم في هذا بالشركة، إلا بحق لا شك فيه ولا احتمال، ولا سيما إن كان الشهود من غير أهل العلم بهذا، فإن فسر الشهود المذكورون ذلك بالوجه الجائز حكمت بالشركة.
وهذه مسألة شاهدت الشورى فيها، وقد نزلت، وقال أبو محمد رحمهما الله بهذا، ونفذ الحكم به.
وكان استظهر في ذلك بمثل العقد المذكور.
وأما ما ذكرت من حضور محمد بن أحمد بن صفوان، وقوله وإقراره بما ذكرت عنه في المقال المذكور، بمحضر عبد الله بن خيرة، وموافقته له عليه وتصديقه له، فرأيت للقاضي أبي بكر ابن زرب بخطه ورحمه الله، وقال في مسائل ذكره: أنه وقع في الكتاب الثاني من أحكام محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: وإذا كان لرجل على رجل حق فكتب له إلى رجل له عنده مال من دين أو وديعة أن يدفع إليه ماله، فدفع الكتاب إلى الذي عنده المال، فقال: أما الكتاب فإني أعرفه وهو خطة، ولكني لا أدفع إليك شيئًا: فذلك له، ولا يحكم عليه بدفعه، ولا يبرئه دفعه إن دفع إذا جاء صاحب الحق فأنكر الكتاب، وكذلك لو قال: قد أمرني أن ادفع إليك ولكني لا أفعل، فذلك له؛ لأنه لا يبرئه ذلك إن أنكمر الذي له المال أو مات قبل أن يسأل.
ورأيت لسحنون غير هذا أنه يقضي عليه بدفع ذلك لإقراره بأمر صاحب المال له.
وكل له وجه، فإن قادك الاجتهاد إلى أحد القولين بعد تحصين أمر الشركة؛ فقلد من رأيت.
وكتاب ابن زرب رحمه الله إياها يدل على استحسانه لما كبته، وإن أخذت بقول سحنون فأشهد على ذلك من حكمك، والله عز وجل يليهم الجميع إلى الصواب وما فيه الخلاص والنجاة برحمته إن شاء الله عز وجل، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

وأفتى بن مالك: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: سيدي، ووليي، ومن وفقه وسدده وعصمه فيما قلده؛ يحسن أن تسأل اثنين من عدول البينة التي ثبت بها الاسترعاء عندك - عن وجه معرفتهما المفاوضة المذكورة، فإذا فسر لك ذلك أنهما علماء بإعلام المفتاوضين إياهما بذلك؛ أعلمت الشهادة وناب الحاضر منهما عن الغائب، وبدئ الدافع إلى الحاضر من تبعتهما؛ وذلك لأن هذا أمر قريب المأخذ عليك، فهو أتم وأطيب للنفس وأولى بالحسن، والله الموفق لنا ولك برحمته، والسلام على سيدي ورحمة الله وبركاته.
قال القاضي: قول ابن مالك في جوابه: "فهو أتم" هو نص ما ذكره ابن العطار في وثائقه؛ لأنه قال في بعض عقودها للأوصياء ممن يعرف الإيصاء المذكور، ثم قال: إن قلت ممن يعرف الإيصاء بإشهاد الموصي إياه عليه فهو أتم، وهذا يدل أن الشهادة عنده تامة، وإن لم يبين الشاهد الوجه الذي علم منه ذلك.
وذكر هو وابن أبي زمنين وابن الهندي في مواضع من كتبهم ممن يعرف الإيصاء وممن يعرف التوكيل من غير تبيين.
وأخبرني الشيخ أبو عبد الله بن عتاب عن أبي عمر الأشبيلي أنه أفتى في مثل هذا: أن الشهادة تامة معمول بها، قال: ونحوه في أحكام ابن زياد.
وفي المدونة: إذا ثبت أنه مفاوضة ولم يشتركم، فكان التعويل على هذا أولى من التعويل على قول أبوي محمد يعني ابن الشقاق وابن دحون الذي حكاه أبو عمر ابن القطان في جوابه مستظهرًا به، ولا فرق بين هذا وبين شهادة الشاهد أنه يعرف هذا الدار وهذه الدابة ملكًا لفلان بن فلان، ولا يبين كيف وصل إلى علم ذلك.
وما حكاه عن سحنون فالظاهر عنه خلافه قال ابنه في كتاب كتب إلى شرحبيل - فيمن ثبت عليه دين فلم يوجد له مال، ثم غاب فأقر رجل أنه أودعه جارية أو ناضًا - فكتب إليه سحنون: ما أرى أن يقضي الحكم غرماؤه في المال الذي أقر له هذا به، هكذا في تفليس النوادر، وهو مثل قول محمد بن عبد الحكم، وكذلك قال ابن المواز وابن سحنون في هذا الأصل، ذلك كله عنهم ابن أبي زيد في مواضع من نوادره.
وقال في كتاب الوديعة بعد مسألة ابن المواز وابن عبد الحكم: وفيه قول آخر،

وأدخل من قول سحنون كتاب شجرة إلى سحنون يمن أتى الحكم، وقال: إن فلانًا دفع إلي أو بعث إلي دنانير، أنها لورثة فلان، وأن أدفعها بأمر فلان الحاكم كيف يجري أمر الحاكم فيها؟ فكتب إليه: ثبت عندك الورثة، وأقر هذا أن الغائب أمر بدفعها إليهم، كتب له الحاكم أنك ذكرت أن فلانًا أمرك بدفع ذلك إلى ورثة فلان بأمري، وأني أمرتك أن تدفعها إليهم، يريد بعد أن ثبت عندي أنهم ورثة فلان.
ووصل بها مسألة ابن عبد الحكم وابن المواز، ولم اكتبها هنا على نصها كراهة التطويل، وما أدري ما الذي عدل به عن ذلك هذا إلى ما رآه في معلقات القاضي أبي بكر بن زرب رحمه الله.
وفي التفليس من النوادر أيضًا: قال حبيب: أتاني رجل برجل فقال: إن هذا معه بضاعة لفلان الذي بصقلية، ولي أنا على ذلك دين فأعدني في بضاعته هذه.
فقال سحنون: نعم، فأعده إذا جاء بينة على ما ذكره.
وهذه رواية محتملة أن تكون كالتي ذلك عنه شرحبيل، ويحتمل أن تكون خلافها.
وقول أبي عمر في جوابة: "فإن قادك الاجتهاد إلى أحد القولين بعد تحصين أمر الشركة؛ فقلد من رأيت" إغفال وخطأ في الفقه، وخروج عن عرف اللسان في البيان.
فأما الخطأ فإبقاؤه الخلاف في المسألة بعد تحصين أمر الشركة؛ يريد في تبيين الشهود وجه معرفتهم للشركة، كيف كان، وهو إذا حصنها باستعادة عدلين يفسران وجه علمهما بالمفاوضة، وكملت شهادتهما على ما شرطه؛ فالحكم بها واجب، والخلاف عنهما مرتفع.
وقد تقدم هذا المعنى في جوابه بينًا من كلامهم، إلا أنه لما أطال الكلام أنسيه وغفل عنه؛ فلم يذكره.
وإنما الخلاف إن لم يكن الإقرار الذي بيده المال، ولم تقم بينه بالمفاوضة.
وأما الخروج عن عرف اللسان فقوله: إن قادك الاجتهاد إلى احد القولين فقلد من رأيت؛ لأنه يقتضي أمره إياه بالتقليد من رآه تقليده من غر قائلي ذينك القولين.
فإن قيل: إنه أراد تقليد من رأيت قوله صوابًا من هذين القولين، فالمعنى متناقض؛ لأنه من قاده اجتهاد إلى اعتقاد شيء، والعمل به لا يسمى مقلدًا، بل يمسى باحثًا مجتهدًا، والتقليد لا

يكون إلا ممن لا اجتهاد له يؤديه إلى علم ما يقلد عالمًا فيه، وكان وجه الكلام وما قادك إليه اجتهادك من هذين القولين فاحكم به وأنفذه، وإن كان الحكم عنده جاهلا مقلدًا فكأن ترتيب الكلام ونظامه: وما تقلدت من هذين القولين فأنفذ القضاء به.
وقوله: وكتاب ابن زرب إياها يدل على استحسانه، لما كتب خال عن الفائدة داخل في الحشو الذي لا يخل منه بطائل إذ لا يجهل أحد أن ابن زرب لم يكتبه إلا مستحسنًا له مستزيدًا علمه به.
وإن قال إنما أراد باستحسانه لما كتب الأخذ واعتقاد الصواب فيه.
قيل له: هذا ظن؛ إذا لم يخبر ابن زرب بذلك من اعتقاده، والظن لا يغني من الحق شيئًا وهو أكذب الحديث، ولا يلزم لحل من كتب خلافًا عن عالم أن يعتقد أنه الحق الذي يجب المصير إليه والعمل به، هذا هو المعروف المشهور في التآليف وأنواع التصاريف.
وكلهم أدخل أقوال العلماء المتضادة المختلفة ومذاهبهم المنافية غير المؤتلفة، مستحسين لعلمها والإعلام بها، لا ملتزمين للأخذ بجميعها؛ إذ كان من المحال اعتقاد الحرام والحلال في شيء واحد، لم يغيره حال إلى حال.
توقف ميراث غائب من ميت حاضر ثم ثبت موت الغائب قبل الحاضر: غاب علي بن أحمد بن سعيد المعروف بابن الخراز عن قرطبة أعوامًا، وتوفي بعد مغيبة ابن عمه لحا محمد بن علي بن سعيد يوم الاثنين لاثنتين عشر ليلة بقيت من ذي الحجة سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وورثته زوجته وأخته شقيقته وابنا عمه لحا عبد الله بن أحمد ابن سعيد والغائب علي، وثبتت وفاة محمد ووراثته عند القاضي سراج بن عبد الله، ووقف حظ الغائب على عند محمد بن يحيى بن الرفا.
وقام عبد الله عند صاحب الأحكام محمد بن الليث فطلب الحظ الموقوف لعلي، وقال: إن عليًا توفي قبل محمد، وأظهر إليه عقدًا تاريخه ذو القعدة سنة ست وخمسين، تضمن معرفة شهوده موت علي بالسماع المستفيض قبل تاريخه بثلاثة أعوام، وأثبته عنده ونصه: يشهد من يتسمى في هذا العقد من الشهداء أنهم يعرفون عليًا بن أحمد بن سعيد بعينه واسمه، وأنه غاب منذ عشرة أعوام عن قرطبة إلى جهة شرق الأندلس، واستوطن فيه، وأنهم سمعوا سماعًا فاشيًا مستفيضًا من أهل العدل وغيرهم منذ ثلاث أعوام متقدمة لهذا التاريخ أنه توفي هناك.

شهد وأقر محمد بين يحيى بما توقف عنده للغائب، وشاور ابن الليث في ذلك وإن كان يلزم ثبوت وراثة لعلي لعذر إلى ورثته.
فجاوب ابن عتاب: يجب أن تثبت وراثة علي وتذعر إلى ورثته فيما ثبت عندك، فا، لم يكن عندهم مدفع قضيت لعبد الله بوراثته في محمد بن علي وأعديت على جميع ما توقف بسبب علي، وترجئ الحجة في ذلك لعي المشهود بموته، وتعذر أيضًا إلى كل من بيده شيء من المال الموقف لعلي، ثم تقيد ذلك من نظرك موفقًا للصواب إن شاء الله.
وجاوب ابن القطان: إسلام ما وقف بسبب الغائب علي إلى القائم عبد الله واجب بعد الإعذار إلى ورثة علي إن شاء الله قال الذي بعده: وتبرئ الدافع من المتوقف إذا قبض ما كان مستقرًا عنده، وتقيد ذلك من حكمك.
وجاوب ابن مالك: سيدي، ووليي، ومن وفقه الله وسدده، وأرشده إلى الصواب فيما قلده، أرى أن تكلف هذا الطالب - عبد الله - أن يثبت عندك علم جميع من ورث عليا، ثم تعذر إلى ورثته في ذلك حضروا أو قربوا، فإن لم يأتك ما يوهن ما قد ثبت عندك قضيت لعبد الله بمطلبه الذي له قام، وأبرأت الذي بيده الوديعة محمد بن يحيى إن شاء الله، والله أرغب في التوفيق لنا أجمعين، حملك الله على الصواب برحمته.
أثبت عبد الله أن المحيطين بوراثة علي ابناه فلان الغائب وفلانة المالكة لأمرها، وأعذر إليها، فلم يكن عندها مدفع وقضى له بجميع ما كان توقف.
مطاحن ورثتها زوجة وابنان غائبان أحدهما مطلوب ينسج شقق: ثبت عند ابن الليث موت مبارك الصياد، وأن أهل الإحاطة زوجه منجاة وابناه من غيرها مفرج ومحمد، وثبت عنده في عقد آخر أن مفرجًا ومحمد غائبان عن قرطبة منذ ثلاثة أعوام أو نحوها إلى ناحية شرق الأندلس، ولم يؤوبا في علم الشهود، وأقرت عند منجاة: أن المتوفي مبارك تخلف بيدها في دار سكناه معها بحومة باب اليهود في درب ابن عبد الله - أثنى عشر زوج مطاحن يد قائمة في أسرتها، وأنها من حين وفاته منذ عشرة أشهر أجرت وقبضت مكسها، وثبت عنده ذلك من إقرارها.

وقام عنده محمد بن أحمد المستعمل، وأثبت عنده عقدًا تاريخه شعبان سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، فيه أنه دفع إلى مفرج بن مبارك النساج عشرة مثاقيل قديمة طيبة على نسج أربعين شقة خز، كل شقة من ستين بيتًا، سعة كل شقة أربعة أشبار وطولها ست عشرة ذراعًا، عملا تواصفاه لا براءة لمفرج منه إلا بأدائه واتخاذ البراءة لنفسه على أن يشرع فيه، وقال محمد: إن العمل تواصفاه لا براءة لمفرج منه إلا بأدائه واتخاذ البراءة لنفسه على أن يشرع عفيه، وقال محمد: إن العمل باق له على مفرج، وسأله أن يعديه به في حق مفرج من المطاحين، ومن أجرتها التي قبضتها منجاة.
وشاور الحكم في وجه الحكم في ذلك، وفيما ادعته منجاة من النفقة في إصلاح المطاحن، وخلال المدة التي استغلتها فيها.
فجاوب ابن عتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سيدي، ووليي، ومن وفقه الله وسدده، وأحسن عونه فيما قلده، قرأت ما خاطبتنا به وما أدرجته طي خطابك، ويجب إحكام الوراثة بأن يعود إليك شاهدان ممن قبلتهما يشهدان عندك أنهما علما وتيقنا حياة مفرد ومحمد ابني بمارك بعد وفاة أبيهما إلى الموضع الذي هما فيه مستقران، فإن شهدا بذلك وكان موضع مغيبهما بحيث يجب الإعذار إليهما؛ أعذر إلى مفرج فيما ثبت عليه من العمل.
وإن كان الموضع لا يجب الإعذار في مثله لبعده؛ كلفت القائم عندك إثبات ملك المتوفي للمطاحن، فإذا ثبت ملكه على ما يجب من توصيل الملك إلى حين الشهادة أمرت بجلب القائم عندك بما يجب به الحلف عليه، فإذا حلف أمرت ببيع المطاحن وثبت عندك لسداد في بعها، وتعدي القائم عندك بما يجب لمفرج منها، على واجب الحكم فيمن أثبت عملاً مضمونًا أو عمل رجل بعينه، وتقيد ذلك من نظرك.
فإن فضل لمفرج فضل ن الثمن وقفته له على يدي من ترضاه، وترجئ الحجة لمفرج، وكذلك توقف ما وجب لأخيه على يدي من ترضاه، وتشهد عليه.
وإن لم تقطع البينة بحياتهما بعد موت أبيهما لم يكن للقائم شيء حتى تحقق الأمر، وحصنت الموت والوراثة بالإشهاد على ذلك، وإن أمكن تأريخ الوفاة باليوم الذي توفي فيه المتوفي أو بالشهر فذلك أتم، وتحصن ذلك بالإشهاد إلى أن يتحقق من أمرهما ما يوجب الحكم.

وكذلك تصنع بالغلة، والمرأة مصدقة فيما تذكره مما استغلته، ولم يعرض شيء من ذلك إلا أن تدعو الزوجة إلى ما يجب لها بالميراث إن شاء الله.
قاله محمد بن عتاب.
وجاوب ابن القطان: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: سيدي، ووليين ومن عسمه الله وأرشده؛ إذ قد ثبت عندكما ذكرت، فيجب انيثبت عندك إثبات الملك بما يجب للمطاحن، وتوصيل الملك إلى الآن للمطلوب، ثم يحلف بما يجب به الحلف، فإذا تم ذلك قضيت للطالب بحقه الثابت عندك بإدائه في حصة المطلوب وبيع حصته بالواجب قبله، ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك على مذهب أهل العلم من أصحاب مالك المروي عنهم، إن شاء الله عز وجل والسلام.
قال القاضي: كتبت هذين الجوابين علىنصهما، وف كل واحد منهما اختلال بين ونقصان ظاهر: ففي جواب ابن عتاب قوله: يجب إحكام الوراثة، بأن يعود إليك عدلان فيتشهدان بتيقن حياة ابني مبارك بعد وفاة أبيهما إلى الموضع الذي هما فيه مستقران.
وهذا الكلام مختل وصوابه: في الموضع، أي فيشهدان بتيقن حياتهما في ذلك الموضع.
وقوله: "فإذا حلف أمرت ببيع المطاحن" وكان الصواب أن يقول: أمرت بقسمتها؛ إذ لا يمتري أن اثني عشر زوجًا منهما منقسمة أثمانًا بالقيمة في الأغلب، فقد يخرج في ثمنها زوج كامل إن ارتفعت قيمته، أو زوجها وإن انخفضت، وتخرج نصيب الغائب ويقع الإعداء، أو كان يقول: أمرت ببيعها أن ثبت عندك أنها لا تنقسم على أقل الأنصباء، وكرر ذلك البيع في آخر الجواب وأكده بقوله، ولم يعرض لبيع شيء من ذلك إلى أن تدعو المرأة إلى ما يجب لها بالميراث.
وفي هذا الكلام مع ذلك حذف، وكان الإتيان به أحسن في البيان والمعنى إلا أن تدعو المرأة إلى أخذ ما يجب لها بالميراث فيها، وذكر إرجاء الحجة للغائب فيما يحكم به عليه، أصل معمول به عند الحكام والقضاة لا ينبغي العدول عنه ولا الحكم بغيره؛ إذ هو كالإجماع في المذهب إلا شيئًا ذلك عن سحنون: أنه لا ترجأ له حجة، وهو ضعيف لا يوجد عنه في الأصول، إنما رأيته في حواشي المدونات المسموعة على ابن وضاح أو على روايته، ومنها أدخلها ابن الهندي في وثائقه والله أعلم، وعنه في كتاب ابنه وفي العتبية خلاف ذلك على ما عليه جماعتهم، وجرى به العمل من فتواهم.

ولابن الماجشون في ذلك تنويع في كتاب ابن حبيب، وإرجاء الحجة له مصرح عنه في أصول الواضحة وغيرها، وهو في المدونة في مواضع في ثاني النكاح، وفي الخلع وكتاب الشفعة وغيرها.
وقال ابن عتاب في جوابه: والمرأة مصدقة فيما تذكره مما استغلته، ولم يقل بيمين أو بغير يمين، ولابد من يمينها في ذلك، وسكت عن قولها أنها أنفقت في إصلاحها.
هل يقبل فيه قولها؟ وجوابه: أنها لا تصدق في ذلك إلا ببينة أو بدليل على قولها من ظهور إصلاح طرأ فيها، ويثبت ذلك الدليل عند الحكم.
وفميا ذكره من الشهادة بتيقن حياة الغائبين في تاريخ وفاة أبيهما نظر، وقد سكت عنه المفتي بعده، وقال في مقتضى جوابه: إنه لا يحتاج إليه وقد صرح غيره بخلافه في ذلك، وروى أن الغائب محمول على الحياة حتى تثبت الوفاة في مسألة تأتي بعد هذا في ابن غائب طلبه أبوه بالنفقة، والله أعلم بالصواب.
وأما جواب ابن القطان؛ فناقص، منثور الألفاظ، فاسد المساق، ومن ذلك قوله: فيجب أن يثبت القائم عندك إثبات الملك، وهذا خطأ لا معنى له، وإنما أراد - والله أعلم - فيجب أن تكلف القائم عندك إثبات الملك.
ثم قال: إثبات الملك بما يجب للمطاحن، ومفهوم هذا أن للمطاحن حقًا يجب، وإنما كان صوابه: إثبات ملك المتوفي للمطاحن.
ثم قال: وتوصيل الملك إلى الآن للمطلوب، ويفهم من ظاهر هذا أن المطلوب الغريم مملوك، وكان وجه الكلام: وتوصيل ملك المطلوب لحظة منها إلى الآن.
ثم قال: فإذا أتم ذلك، قضيت للطاب بحقه الثابت عندك بإعدائه في حصة المطلوب، وبيع حصته في الواجب قبله؛ فأتى: وبيع حصته، بعد طول الكلام، بحشو قبيح النظام، قليل الفائدة، خال منها، لا يكاد يفهم إلا بفكرة شديدة، وروية بعيدة، وإنما أراد: قضيت للطالب بحقه، وبيع حصة المطلوب فيه، وكان البين أن يقول: أعديت الطالب بحقه في ثمن حصة المطلوب.
وقوله: ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك، تقصير منه، بل ترك أكثر من الذي ذلك، كان يلزمه أن يقول: إن شهود الملك في المطاحن يشهدون على أعيانها عندك إن كان إحضارها ممكنًان وإلا فيجوزونها ويعينونها لمن توجهه معهم إليها، وهو الأشبه، لأنها كانت

مبينة، فهي كسائر الأصول التي لابد من أ، تحاز.
وكان يجب أن يقال: تباع حصة المطلوب مشاعة أو مقسومة، وأن يتلوم في بيعها إياها على ما قاله مالك فيما بيعه القضاة استقصاء للزيادة في ثمن المبيع، وثبوت السداد في ثمنه، وأن يبين الثمن كيف يكون، وما الذي يعدي به الطالب في ثمن الحصة؛ أباعدد الذي دفع إلى المطلوب أم بالعمل؟ وما يلزم الزوجة في ابتياعها المطاحن في المدة المذكورة في الشورى، وعلى أي شيء يحمل العمل المطلوب؛ أعلى المضمون أم على رجل بعينه؟ وهذا كله على مذهب مالك وأصحابه الذي قال هو: إنه لا يحتاج عيه أكثر مما ذلك، ثم قال: على مذهب العلم من أصحاب مالك المروي عنهم، وهذا نظام يغرب تحصيله عن الأفهام، وما صدر عنه هذا الجواب إلا بعد أربعين يومًا أو نحوها، وفقنا الله لما يحب ويرضى.
ثم أعيد السؤال بعد ذلك على ابن عتاب فيما يقضي به للطالب على الغائب، فأفتى أن يقضي له بالعدد الذي دفعه إليه، لا بالعمل لأنه من الكالئ المؤجل الذي يؤخر به المستعمل لئلا يخرج من مستأجره إلى غيره، وكان عندهم متعارفًا فأنفذ الحكم.
مسألة نعمان في طلب نفقته من مال ابنه الغائب بالقيروان: قام عند محمد بن أحمد بن بقي، وأثبت عنده أنه فقير عديم لا مال له، وأن ابنه فلانا غاب منذ نحو عشرين عامًا إلى العدوة، وأن له خمسة أثمان، الدار التي بحاضرة قرطبة بشر في مدينتها بربض كذا بحومة مسجد كذا وحدها كذا، وأنها مشتركة بينه وبين فلان بن فلان الذي له باقيها، وحيزت وثبتت عنده حيازتها، وأقر عنده الذي له باقيها بالاشتراك مع الغائب فيها، على التجزئة المذكورة وثبت عنده ذلك من قوله وإقراره، ودعا الأب إلى بيع نصيب ابنه منها، والإنفاق منه عليه وعلى زوجه.
وشاور ابن بقي في ذلك الفقهاء، وكان ابن القطان وابن مالك قد ماتا.
فأفتى بان عتاب: تصفحت ما خاطبتنا به، ولا سبيل إلى بيع هذا الدار بسبب الأب الطالب لنفقة، إذ لا تجب النفقة في شيء من ثمنها، وهذا مما لا اختلاف فيه ين أصحاب مالك، ولا غيرهم، لوجوه أوجبت منع النفقة عليها، لا حاجة بنا إلى شرحها.
وكان قد أفتى فها أولا أن عقد الاسترعاء المتضمن معرفة شهوده مغيب المطلوب بالنفقة - ناقص، وقال: يجب أن تستعيد البينة، ويبينوا عدة أعوام مغيبة، وهل هو حي أو

ميت أو منقطع الخبر لا يعلم له مستقر؟ ثم تعاون المشورة في ذلك.
فاستعاد ابن بقي البنية، وشهدوا عنده أن الابن غاب غيبة متصلة منذ عشرين عامًا أو نحوها، وأنه بلغهم أنه قد استوطن بالعدوة ونكح بها، وجاوب فيها بما تقدم.
وكان غيره قد أفتى فيها قبل استعادة البينة: يجب أن يحلف الأب ما له مال بعلمه، وإنه فقير عديم، وتشاد الداران جميعها للبيع؛ إذ مذهب الشريك الحاضر بيع نصيبه، فإذا انتهت ثمنًا لا مزيد فيه، وثبت عندك أن البيع به سداد؛ وكلت من يبيع على الغائب، ويقبض حصته من الثمن، وينفق منه على الأب وزوجه على قدر حالههما وحال الوقت، سداد من الفعل، وقيدت ذلك كله من نظرك، وأرجأت الحجة فيه للغائب، وقال بعضهم: ويمين الأب في هذا مختلف.
قال القاضي: الذي أفتى في هذا باليمين قبلهم هو محمد بن لبابة، ذكره ابن العطار، لاستيراء الحاكم فيه، قال: وكانت الفتيا عندنا بعده بسقوط اليمين عنه؛ إذ لا يحلف والد لولده على ما في المدونة.
وقد تقدم هذا.
ثم تكلمت مع ابن عتاب في هذا؛ إذ أعدت إليه المسألة بعد تبيين الشهود مدة المغيب، فقال لي: هذه الأجوبة كلها خطأ، ولا نفقة لأب إلا بعد ثبوت حياة الابن وتيقن ذلك؛ إذ قد يكون مدياناً أو ميتًا.
قال: ولا حجة فيما في طلاق السنة من إيجابه الإنفاق من مال من فقد عن زوجة وبنيه؛ لأن نفقة هؤلاء قد كانت لزمت المفقود إذ كان حاضرًا؛ فلا ترفع عنه إلا بصحة ما يوجب رفعها، وكذلك لا تلحق الابن الغائب المذكور إلا بعد صحة حياته.
قال لنا: ولو باع الحاكم نصيب هذا الابن قبل صحة حياته وتيقنها وأنفق على الأب ثمن ذلك؛ للزمه غرمه؛ لأنه من الخطأ الذي لا يعذر فيه ويرجع به عليه، ولكني أرى إن كان اكترى نصيب الابن في مدة أو سكن، أن يقبض ذلك الكراء ويعطي للأب يرتفق به استحسانًا، وكذلك يكري ذلك النصيب فيما يأتي ويعطاه للأب على سبيل السل، ويحصن ذلك كله بالتسجيل به والإشهاد عليه، ولا يباع حظ الغائب من الدار، وإن دعي شريكه إلى ذلك، ويقسم ويوقف نصيب الغائب إن شاء الله عز وجل.

طلب عمر بن رفاعة الشفعة على ابني أخطل وهما غائبان عن قرطبة: قام عند ابن بقي عمر بن رفاعة فذكر له أنه غاب عن قرطبة مدة طويلة، وأن له حصة في كرمين مبلغها ثلث جميعها على الإشاعة، وأن ابنه أحمد ابتاع باقيها، ثم سلم ثلاثة أرباع مات ابتاع منها إلى أحمد ومحمد ابني عبد الله بن أخطل، وأنه يذهب إلى أخذ ما ابتاعه ابنه، وما صيره إلى أحمد ومحمد بالشفعة الواجبة له، وأثبت ملكه لثلث الكرمين على الإشاعة.
وأنه كن غائبا عن قرطبة مدة ثمانية أعوام، وأنه قدم منذ عام أو نحو متقدم لتاريخ قيامه وهو جمادي الأول سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وأظهر إليه عقدًا بابتياع ابنه أحمد لثلثي الكرمين، وأعذر في ذلك كله إلى من وجب بعد الحيازة، وأثبت عنده مغيب أحمد ومحمد ابني عبد الله بن أخطل؛ أحمد منهما بجهة الشرق، ومحمد بشرق الأندلس، ولم يلف لهما وكيلا بقرطبة يعذر إليه، فشاور في ذلك.
فجاوب ابن عتاب: تصفحت ما خاطبتنا به، وإذ قد ثبت عندك ما ذكرت وأعذرت فيما قد وجب الإعذار فيه؛ فالقضاء لعمر واجب، واليمين تلحقه: أنه ما ترك القيام في الأخذ بالشفعة؛ فإن كان للغائبين المستشفع منهما وكيل يقبض لهما ما يجب قبضه - أسلم ذلك إليه، وإن لم يكن لهما وكيل؛ وقفت ذلك لهما على يدي ثقة ترضاه، وترجئ الحجة جميع نظرك لهما، ولا تقطعهما، وتقيد ذلك من نظرك، موفقًا للصواب إن شاء الله - عز وجل.
وجاوب ابن القطان: قرأت ما خاطبتنا به، ورأيت في خطابك أنه ثبت عندك أن المقضي عليهما أحمد ومحمدًا غائبان الغيبة التي ذكرت، فالذي رواه ابن القاسم عن مالك: أنه لا يحكم على غائب في دار ولا أرض ولا عقار، وقال أصبغ: إلا أن تكون غيبته بعيدة، مثل العدوة من الأندلس، ومكة من أفريقية ومكية، وأشباه ذلك.
فأرى أن يحكم عليه إذا كانت غيبة انقطاع، وإن كان إنما خرج غازيًا أو تاجرًا، وهو ينتظر؛ فلا يحكم عليه.
وهو معنى ما في المدونة.
وقال بعض أصحاب مالك: إنه لا يحكم على غائب في شيء إلا من بعد ضرب الآجال على قدر مسافة البلد الذي هو به، ولا يضرب الأجل حتى تعرف الغيبة ويعرف

أين هو، ويكلف ذلك الخصم الذي يطلبه؛ لأن ذلك من إنجاز ما يطلب.
قال: وإن كان أعياه أمره بعد طول الاستثناء وضرب الآجال على أطراف البلدان وأقاصيها، وحيث تكون المطالب التي لها وجه، وليس أن يضرب على الصين ومرور البحار وما هو ناء من الأرض، ومنها ما يطول ويقصر، وكل يوجه الرأي فيه عند حضوره ونزوله.
وهذا القائل من أصحاب مالك ممن يرى القضاء على الغائب في الأصول وغيرها بهذا الشرط الذي ذكرت.
فهذه أقوال أهل العلم مسطورة مشهورة عنهم في الكتب المعلومة، والله يحمل الكل على الصواب برحمته.
قال القاضي: ولما بلغ ابن عتاب خلاف ابن القطان له في ذلك، استصرف الشورى، وزاد في جوابه الذي في الكتب المشهورة المعلومة إيجاب الشفعة، وإن كان الذي يستشفع عليه غائبًا، ولزمني - أيدك الله - البيان عما جاوبت به، ومن أين قلته، والنصيحة في ذلك للجميع من حكم وطالب ومطلوب لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): "الدين النصيحة" قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولأئمة المسلمين وعامتهم 1 " فلزمني البيان لهذا عما جاوبت به.
وهذه المسألة في مختلطة المدونة في مواضع مكشوفة بينه منصوصة، من ذلك ما وقع فيها في باب عهدة الشفيع، وهي مسألة مطولة منع من استجلابها طولها، أوجب في جميعها الشفعة للقائم، وإن كان المستشفع منه غائبًا، وأوجب فيها البيع على الغائب لدار، ثم ختم المسألة فقال: قلت لابن القاسم: فلو أن المشتري غائب، وحضر الشفيع، أيقضى له الشفعة، والمشتري غائب.
في قول مالك؟ فقال: نعم: ولا يلتفت إلى مغيب المشتري؛ لأن القضاء على الغائب جائز عند مالك، ويكون الغائب على حجته إذا قدم - وهو المسألة هي التي خوطبنا بعينها، وبها جاوبت.
وفي موضع آخر من هذا الكتاب: قلت لابن القاسم: أرأيت إن ادعى أن فلانا وكله على طلب شفعته في هذه الدار، والمشتري غائب، أيجوز ذلك ويمكن منه؟ قال: إذا أقام البينة على الوكالة أمكن من ذلك، ولم يتلفت إلى مغيب المشتري عند مالك.
وهذه

المسألة كالتي تقدمت وفي موضع ثالث من هذا الكتاب: قلت لابن القاسم: أرأيت إن اشتريت شقصًا من دار لرجل غائب، أيكون للشفيع أن يأخذه بالشفعة، في قول مالك؟ قال: نعم، له أن يأخذ؛ لأن مالكًا يرى القضاء على الغائب.
وهذه المسائل بنصها ولفظها في كتاب المبسوط لإسماعيل القاضي، رواها عن أبي ثابت المدني عن ابن القاسم، وكان أبو ثابت من الفضلاء المتقدمين، والثقات في رواية الحديث والفقه.
وفي كتاب ابن المواز: قلت لمحمد بن المواز: فلو أن الشفيع أراد أن يأخذ بشفعته، وأنا غائب ولا وكيل لي حاضر، أكنت ترى ذلك له؟ قال: نعم إن شاء الله، أرى أن يقضي بذلك له.
قال: ويوكل السلطان من يقبض الثمن لك.
وفي موضع آخر منه: قلت: أفترى للشفيع الشفعة وإن كان المشتري غائبًا؟ قال: نعم، أرى أن يقضي له بها.
فهاذ ما في الكتب المشهورة من الروايات المنصوصة، وليس لأحد خلافها والعدول عنها إلى ما ليس من بابها ولا من معناها، ومن فعل ذلك فقد أخطأ، وقصد التشغيب والتلبيس.
ومالك رحمه الله وأصحابه يرون القضاء على الغائب في الشفعة، كما ذكرنا ونصصنا، وفي المقاسمة لشركائه في الدور والرباع، ويرون القضاء عليه في الدين والنفقات التي تلزمه وتباع فيها أصوله وعقاره، ولم يختلفوا في ذلك، وإنما الذي قاله ابن القاسم عن مالك أنه لا يقضي على الغائب في الأصول - إنما يريد في استحقاق الأصول خاصة، لا فيما سوى ذلك، وهذا مسطور منصوص في الكتب المشهورة والأمهات المعروفة.
من ذلك ما وقع في مختلطة المدونة وهو: قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن دارًا في يد رجل غائب ادعى رجل أنه وارث هذه الدار مع الغائب؛ أيقبل القاضي البينة والذي الدار بيده غائب؟ قال: لا أحفظه عن مالك، إلا أني سمعت من يذكر عنه في هذا: أن الدور لا يقضي على أهلها فيها وهم غيب، وهو رأي.
قال ابن القاسم: إلا أن تكون غيبة تطول، فينظر السلطان في ذلك، مثل ما يغيب إلى الأندلس وطنجة، فيقم في ذلك الزمان الطويل، فأرى أن ينظر السلطان في ذلك

فقضي به.
وقال ابن القاسم: في المدونة: إنه لا يقسم على الغائب إلا القاضي، وفي القسمة عليه قضاء عليه في الدور والعقار.
وفيما قدمت بيان لما ذكرت، والعجب كيف حكي المفتي قول أصبغ، وترك قول ابن القاسم في المدونة، والغائبون تختلف أحوال مغيبهم، وتختلف الفتوى بسببها: فمنهم الغائب الذي ذكره ابن القاسم أنه بلغه عن مالك في ترك القضاء عليه، ثم وصفه ابن القسم.
ومنهم الغائب يقرب موضعه بحيث يأخذه الإعذار؛ فهذا يعذر إليه القاضي فيما يثبت عليه.
ومنهم غائب أبعد مسافة فلا يلزم الإعذار إليه، ويقضي عليه دون إعذار ومحمد بن أخطل مغيبة بالمرية، ومن كان بها أو نحوها فلا يلزم الإعذار إليه، ويقضي دون إعذار عليه.
ومنهم غائي يعمى خبره ولا يعرف موضعه؛ فهذا ينظر السلطان فيه ثم يحكم فيه يحكم المفقود.
ومنهم الأسير بدار الحرب.
ومنهم المفقود في صف المسلمين في قتال العدو.
ومنهم الذي يفقد في فتن المسلمين.
وكل واحد منهم الحكم عليه جائز على حسب الواجب، ولا يقطع القاضي الحجة لأحد من الغياب ذلك إن قضى عليه، إلا الغائب الذي قد أعذر إليه لقرب موضعه، فهو كالحاضر.
ومالك وأصحابه مجمعون على هذا إلا سحنون؛ فإنه قال: إذا كان على حجته فلم يقض عليه، وإنما ينبغي أن يضرب له أج، ويتلوم له الشيء بعد الشيء ولا يكثر على الاجتهاد، فإذا فعل ذلك حكم عليه وقطع الحكم، إذا ثبت ذلك بالبينة العدلة، ثم لا تكون له حجة بعد ذلك.
وهذه جملة كافية.
فإن سألت عن الفرق بين قول مالك: لا يقضي على الغائب في الأصول، وقوله: يقضي عليه؛ فيما ذكرنا من الدين، والنفقة، ومن الشفعة، والقسمة، وغير ذلك، وبيع أصوله وعروضه فيما ثبت من حق عليه - أتاك ذلك ببيان شاف من كتاب الله عز وجل،

ومن قضاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من حديثه بتوفيق الله وهدياته، ولا يكون إن شاء الله كاحتجاج من احتج لمالك في إجازة الشهادة على الخط وسطر يده، وقال: الدليل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم﴾ (الأحقاف: من الآية 4): أن بعض المفسرين قال: هو الخط، فتوهم أن الخط الذي ذكره المفسرون هو خط الكتاب، وهذا جهل منه بالصواب، إنما هو الخلط الذي روي في بعض الآثار أن نبيًا كان يخط، فمن وافق خطه فذلك.
هذا معنى الحدث، وهو الخط في التراب، وبالله التوفيق.
قال القاضي: شاهدت هذه المسألة وشافهني فيها أبو عبد الله ابن عتاب، وأنا قلت له: كيف تراك ابن القطان ما لابن القاسم في المدونة، وما لأصبغ في العتبية، واستشهد بما حكاه ابن حبيب عن أصبغ، وهذا هو التقصير بعينه.
ولقد كنت جالسًا مع ابن مالك في الجامع بقرطبة، في الجامع بقرطبة، فقال لي: ما تقول في الغائب يقام عليه بالشفعة، هل يقضي عليه في ذلك؟ فقلت له: نعم، فقال لي: قال مالك: لا يقضي على الغائب في الأصول، فقلت له: هذا معنى آخر، وهذا قبل أن أعلم بتفوى ابن القطان في ذلك.
ثم ورد عليه ذلك المجلس بعض الطلبة فقال له: هل وجدت خلافًا فها؟.
يعني في هذه المسألة في الشفعة؟ فقال له: لقد طلبتها في المبسوط فما وجدت خلافًا؛ إنكارًا منه لجواب ابن القطان، وظنوا أنها قوله لقائل.
وقول ابن القطان: وقال بعض أصحاب مالك: إنه لا يحكم على غائب في شيء إلى آخر ذلك، هو قول ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب في مسالة طويلة، فيها ورقة في كتاب منهاج القضاة، فاختصرت منها ما أورده، ولم يصرح باسمه إخفاء لموضعه وإبهامًا بغرابته، وبدرت هذه المسألة إلى ذكره، وعزبت مسائل الشفعة عن باله ولم تجر على خاطره، فأضل مواضعها، وأخطأ الصواب فيها، ولم يحصل في جوابه على شيء منه، وحاز به إيثار خلاف ابن عتاب، ولو كان إنصاف لأثر الائتلاف على الخلاف.
وفي الشفعة من أحكام الواضحة نحو ما في المدونة وفي الموازية وغيرها وفي الشفعة على الغائب، وكذلك في الجدار لعيسى بن دينار، ولولا التطويل لنقلت ذلك على نصه، وفيما ذكره ابن حبيب كفاية، ولا خلاف في هذا موجود وبالله التوفيق والتسديد، وما

ذكره ابن عتاب من قول سحنون في ترك إرجاء الحجة للغائب قد تكلمت عليه قبل هذا، فأغني عن إعادته، وهو قول ضعيف، لم يجر به عمل، ولا عرج عليه في حكم.
والحمد لله كثيرًا.
مطلوب فقي حق يدعي طالبه أنه حاضر متغيب الدار من أحكام ابن زياد: فهمنا - وفقك الله - ما ادعاه ابن قطيعة من قضاء الطرطوشي لدينه المذكور في الكتاب الذي قام به، فوجهت الحكم بذلك على الطرطوشي، وحضرنا ما ذكره ولد ابن فطيس من غيبة ابنه عن قرطبة مطلعًا لضيعته، وقول الطرطوشي إنه حاضر، وإنما يلزمه بادعائه الغيبة، وزعم ولد ابن فطيس أنه يحضر عشية، وكان ذلك قريبًا، فرأينا تأخير إحلاف الطرطوشي، فإن حضر حلف بمحضر خصمه، وإن مضى على غيبته حلف الطرطوشي، وتثبت يمينه عندك، وتكتب بالإشهاد على ثبوت التوكيل واليمني، إن كان ادعاؤه القضاء أخر ما ادعاه ابن فطيس، قاله محمد بن غالب، وأيوب بن سليمان، وابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد ابن وليد، ويحيى بن عبد العزيز، وجماعتهم.
اقتضاء كراء الغائب والقسمة عليه، وقد تقدم من هذين المعنيين: فهمنا - وفقك الله - ما سأله محمد بن محمد بن الغائب وارث البياني، من فرج الساكن في طرار البياني بكراء حصة الغائب وإغرام زوجة البياني الساكنة في الدار التي هلك عنها زوجها البيان، لكراء حصة الغائب منها.
فالذي نراه: أن ذلك واجب عليهما ولازم لهما، وينظر في الدار والطراز؛ إن كان كل واحد منهما يحتمل القسم قسم، وإلا بيع ما لم يحتمل القسم منهما.
قاله محمد بن لبابة، وابن وليد.
قال القاضي: لم يبين واحدٌ منهما: هل محمد بن محمد وكيل الغائب أم متكلم عنه لصداقة أو غيرها؟ ولا هل ثبت المغيب قريبًا أو بعيدًا؟ فقالا: يقسم كل واحد منهما إن كان يحتمل القسم، وإلا بيع ما لا يحتمل القسمة منهما.
ولم يذكرا على من يقسم، ولا من دعا إلى ذلك، وهل القسمة نظر للغائب أم دعي إليها الحاضرون؟ ولا إن الدار والطراز يجمعان في القسمة، بل أعطيا أن كل واحد منهما يقسم على انفراده، ولا أنه يلزم أن يثبت أنهما لا ينقسمان.

وهذا كله تقصير، وقد نهينا عما يشبهه فيما تتقدم، ولهذا كله بسط يطول معه الكتاب لو ذكرناه، فتركناه لئلا تخرج عن الحد الذي قصدناه من جمع شمل النوازل، وما قرب ضمه إليها من المسائل.
أين يكون التحاكم في مال غائب فيه التخاصم؟ في أحكام ابن زياد: كشف القاضي - وفقه الله - عن أمر قد أحاط علمه به تزايدًا من علم غيره إلى علم نفسه، فقال: إذا اجتمع الخصمان عندي فتداعيا مالا غائبًا عن موضعي، هل لي أن أنظر بينهما، والمال في غير بلدي؟ فقلنا: بإجماع.
أن ذلك مما يجب على القاضي إن شاء الله، وإنما يتوقف عن النظر والفصل بالقضاء في المال الذي يكون في غير بلده، إذا لم يتقاعد الخصمان عنده لغيبة أحدهما، فيكون الواجب حينئذ، إذا أثبت الحاضر غيبة خصمه - أن يسمع منه جميع ما يدلى إليه، فإذا لم يبق إلا القطع والحكم بالقضية له؛ كتب إلى قاضي البلد الذي به المال بمبلغ نظره، فيكون ذلك القاضي المنفذ لنظر قاضي الجماعة مبتدئ النظر للحاضر القائم عنده هذا الذي مضى عليه فتيا أهل العلم وقولهم إن شاء الله.
قال القاضي: في آخر كتاب الجدار لعيسى بن دينار في الرجل من أهل قرطبة تكون له الدار أو القرية أو الحق بجيان، فيدعي ذلك رجل من أهل جيان، ويريد مخاصمة القرطبي عند قاضي جيان حيث الشيء المدعي فيه؛ فقال: لا يدفع القرطبي معه إنما يتحاكمان حيث المدعي عليه.
قال: وأخبرني من حضر ابن بشير، حكم به وكتب به إلى بعض قضاته.
وروي ابن حبيب عن مطرف بن عبد الله مثله.
قال: وكذلك لو كانت الدار في غير موضع المدعي وفي غير موضع المدعي عليه؛ لم يلتفت إلى ذلك، وكان الحكم حيث المدعي عليه.
قال ابن حبيب: وسألت عن ذلك ابن الماجشون، فقال لي: إنما يكون النظر حيث المدعي والمدعي فيه ويسمع قاض ذلك الموضع من بينته وحجته، ويضرب لصاحب الدار أجلا على حال ما يصنع بالغائب، وإن كانت الدار بغير موضع المدعي، فحيث تكون، فإذا جاء صاحب الدار في الأجل؛ خرج أو وكل على الدفع عن نفسه والخصومة لها.

قال وسألت أصبغ عن ذلك، فقال لي مثل قول مطرف حرفًا بحرف.
قال ابن حبيب: وهو أحب إلي، وأبين لدي، وبه أقول.
وقال فضل: مذهب ابن كنانة وسحنون في ذلك كمذهب ابن الماجشون، إلا إن كان أحد القاضيين جائزًا فالخصومة عند الأعدل.
ومذهب ابن القاسم في القسمة من المختلطة كمذهب مطرف وأصبغ وعيسى وابن حبيب: أن التحاكم حيث المدعي عليه.
قال القاضي: واختصرت بعض هذه المسائل تخفيفًا، وقد ذكرنا ما يحتاج إليه منها، ونبهنا على مواضعها لمن أراد مطالعتها في أمكنتها، فيما أوردناه يكمل جواب الشيوخ فيما قدمناه، والله نسأله توفيقه وهداه.
الشهادة في غيبة بهلول أنه عاب منذ حين طويل: من أحكام ابن زياد: نظرنا - وفقك الله - في شهادة من شهد في غيبة بهلول أنه غاب منذ حين، وهذه غيبة لا يجب بها السماع عليه حتى تقطع البينة أنه غاب منذ حين، ولا يدرون أين غاب، فيكون حينئذ كالمفقود، ويجب السماع عليه، أو يقولوا: غاب غيبة منقطعة، أو يسموا بلدًا لا يبلغه الإعذار فيه.
قال بذلك ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان، وابن وليد، وغيرهم.
قال القاضي: قولهم: حتى يشهدوا أنه غاب منذ حين أين لا يدرون، كلام غير مستبين؛ لأن الحين قد يكون ساعة أو شهرًا أو سنة، فحصره بأمد، أبين وأقوم للشهادة وأحسن.
قال مالك في مساع أشهب في جامع العتبية: يقال: حين يعرف، وحين لا يعرف؛ فمن الذي لا يعرف قوله: ﴿ومتاعا إلى حين﴾ (النحل: 80)، وكذلك قوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ (الإنسان: 1) يريد ما مضى قبل ذلك من الدهر، وقبل خلق آدم.
قال: والحين الذي يعرف قوله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾ (إبراهيم: 25) أي كل سنة.
وقال في النذور من المدونة: الحين سنة، فيمن حلف ألا يكلم رجلاً حينًا.
وقاله ابن عباس وربيعة، ورواه ابن وهب عن مالك في الحين والزمان، وشك في الدهر أن يكون سنة.

وقال ابن القاسم: بلغني عنه أنه سنة.
وقاله ربيعة.
وذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون عن مالك في الحين والدهر والزمان في اليمين: سنة بسنة، إلا أن مطرفًا قال في روايته عن مالك في الدهر: إنه أكثر من سنة قال: ولا أوقت فيه وقتًا.
قال ابن حبيب: وقوله تعالى: ﴿ومتعناهم إلى حين﴾ (يونس: 98) أي إلى آجالهم، ولكل حين معناه.
وفي العتبية في طلاق السنة في سماع عيسى: إذا غاب عن زوجة الزمان الطويل إلى مثل طنجة أو أفريقية، وشكت ذلك إلى القاضي؛ كتب إليه، إما أن يقدم إليها أو يحملها إلى نفسه أو يفارقها.
وقضى به عمر بن عبد العزيز، قال مالك: وأرى ذلك وآخذ به.
قال ابن القاسم: وأما غيبة الحين الأمر القريب؛ السنتين والثلاث، إذا كان يتفق عليها، فلا يقضي عيه بالفراق، إلا أن طال ذلك.
فقد أوقع الحين هنا على السنتين والثلاث.
وفي كتاب النذور لأبي عبيد عن ابن عباس وعكرمة فيمن حلف لا يفعل كذا إلى حين: هو ستة أشهر.
وقال ابن المسيب: الحين ما بين أن تطلع النخل إلى أن تجذ، وما بين أن تجذ إلى أن تطلع.
وهو قول أهل العراق.
وكذلك إذا قال: زمانًا أو دهرًا.
وقال طاوس: إذا قال: زمانًا؛ هو شهران أو ثلاثة.
وروي عن ابن عباس أنه قال: قد يكون الحين غدوة أو عشية.
قال القاضي: فكيف تصح الشهادة دون تبيين بما في هذا من التنازع ومحتمل هذه المعاني المختلفة، هذا لا تسمع به شهادة إلا بعد إيضاح الأمر، وتبيين العدد.
وفي جوابهم هذا ما يعضد اعتراضنا على أبي عمر ابن القطا في جوابه في هذا المعن، وقد تقدم بنا والحمد لله.

فصول الكتاب · 23 فصل · 750 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام · 750 صفحة
مقدمة المؤلفباب في القضاء والأحكامباب في المقالات والشهادة والحيازةباب في مسائل أداء الشهادات، ونقلها، والإشهاد عليها، والشهادة على الخط، ومن سأل أن يدفع له نسخ ما يشهد به عليه، أو سأل القاضي أن يعطيه المشورة التي شاور بهاباب في الاستئمان والخلطة وكشف القضاة عما يستريبونه من الأمور بمن يرسلونه ممن يثقون بهباب اليمين مع الشاهدباب في مسائل المحجوز
باب الوصايا بالأيتام والأموال
باب مسائل العتق وادعاء الحرية في عبد بين ثلاثة؛ أعتق أحدهم نصيبه في وصية، واشتكى بأحد سيديه
باب النكاح
باب في الحضانة والنفقات واختلاف الزوجين في متاع البيتباب الطلاق وأسبابهباب الحلف بالأيمان اللازمة والحنث فيهاباب في البيوعباب العيوبكتاب الأقضية
باب الأقضية والشهادات
باب الإقرار
باب الشفعةباب ما ينقسم وما لا ينقسم والاختلاف فيهباب الصدقات والهبات وشبيههاباب الحبس
باب مسائل الاحتساب
جارٍ التحميل