باب مسائل الاحتساب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو الأصبغ
- الكتاب
- ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام
- المؤلف
- عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي الجياني القرطبي الغرناطي أبو الأَصْبَغ (المتوفى: 486هـ)
- المحقق
- يحيي مراد
- الناشر
- دار الحديث، القاهرة - جمهورية مصر العربيةعام النشر: 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وقال القاسم بن محمد صاحب الشرطة: إسحاق بن منذر بن السيلم تثبت في أمر أبي الخير هذا، فإنه أبو الشر، فاتق الله فيه، وأنا شريك في ثوابه، وإن شئت انتفردني في الثواب فافعل، فإذا تولى صلبه بيدي وإثمه في عنفقي، وكانت شهادة جميع الشهود المسمين في هذا الكتاب على عين أبي الخير وبمحضره، وعرفوه حين شهدوا عليه بما ذلك عنهم من شهاداتهم في هذا الكتاب.
فقبل قاسم بن محمد صاحب الشركة شهادة ثمانية عشر شاهدًا من هؤلاء الشهود، وأجازها لمعرفته بهم، وثبت بهم عنده ما شهدوا به من ذلك، واستظهر بسائرهم، وشاور من حضره من أهل العلم في بيت الوزراء، فعهد أمير المؤمنين الحكم – أعزه الله تعالى – ابن أمير المؤمنين عبد الرحمن – رحمه الله – بذلك إليهم وإليه، فيما ذلك ثبوته عنده على أبي الخير في هذا الكتاب، بعد أن أعلمهم بقبوله لمن قبل من الشهداء، واستظهراه بمن استظهر به منهم.
فقال الفقهاء: قاضي الجماعة منذر بن سعيد، وإسحاق بن إبراهيم، وصاحب صلاة الجماعة أحمد بن مطرف وغيرهم: نرى – والله الموفق للصواب – أنه ملحد كافر، قد وجب قتله بدون ما ثبت عليه من غير أن يعذر إليه فيمن قبلت، بعد أن ينهي ذلك إلى أمير المؤمنين أعزه الله.
وأشار عليه بعض من حضر من أهل العلم بأن يعذر إليه في ذلك، فأخذ الناظر في أمره قاسم بن محمد بقول من رأى أن يقتل بغير إعذار إليه؛ إذا كان ذلك رأيه وأيضًا ومذهبه فيه، وأنهى قاسم بن محمد إلى أمير المؤمنين جميع ما نظر به من ذلك.
فرأى أمير المؤمنين – أصلحه الله – أن الحق والصواب في قول من أشار بقتله بلا إعذار، لما استفاض من إلحاد هذا الملحد وانتشار ذلك عنه، فأمضى ذلك فيه، وأمر بصلبه عضبًا لله ولكتابه ولرسوله، ليكون شرادًا لمن ذهب إلى مذهب من مذاهب، أو ثبت عليه سبب من اسبابه التي تثبت على أبي الشر هذا، لعنه الله.
وكتب أمير المؤمنين – أعزه الله – إلى الوزير عيسى بن فطيس كتابًا نسخته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يؤخذ برأي القاضي، وإسحاق، وصاحب الصلاة، فجزاهم عن الدين والذب عن السنة خيرًا، وقد صرفت الوثيقة لتكون في البيت، ورأيت هذا الأمر قد كثر، وكان ممنوعًا مطرودًا، فتقدم إلى القاضي والحكام بالأخذ على أيد الناس في هذا، فمن
خالف مذهب مالك بن أنس رحمه الله بالفتوى أو غيره، وبلغني خبره؛ أنزلت به من النكال ما يستحقه وجعلته شردًا، وقد اختبرت فيما رأيت في الكتب أن مذهب مالك وأصحابه أفضل المذاهب، ولم أر في الصحابة ولا فيمن تقلد مذهبه غير السنة والجماعة؛ فليتمسك بهذا ففيه النجاة إن شاء الله.
ولما نفذ عهد أمير المؤمنين أعزه الله بصلب أبي اشر هذا، وظهر من سرور العامة والخاصة بذلك ما لم يظهر يهم، إلا أصبحوا إلى خلافته أعلاها الله.
كتب إليه إسحاق بن إبراهيم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، سلام على أمير المؤمنين وإمام المسلمين، ورحمة الله وبركاته، والحمد لله الذي لا يزال أمير المؤمنين، سيدي وسيد المسلمين، يمده الله بتوفيقه، ويشد بصائره في الخير بتأييده، والذي من عليه بأن كان أول دم أمر بسفكه في خلافته امتعاضًا له عز وجل ولكتابه ولرسوله (صلى الله عليه وسلم)، وغضبًا على من استخف بعظمته واتخذ آياته ورسوله هزوًا، وذلك من فضل الله عز وجل على أمير المؤمنين، وعلى آبائه المهديين رضي الله عنهم، الذين قفا آثارهم وسار بسبيلهم في غضبهم لله عز ذكره، وشدة انتقامهم له من الملحدين والمارقين والمبتدعين.
فلو كان أمير المؤمنين سيدي بمرأى ومسمع من اجتماع رعيته بالأمس، عند ورود الشورى عليهم بما أمر به في الملحد أبي الشرح من استئصاله وقطع شأفته، وسروهم بذلك، واستهلاك جميعهم بالدعاء، والرغبة إلى الله في إعزازه ونصره، وطول بقائه، مع شكرهم له عز وجل على ما اختصم به وفضلهم على جميع أهل الأرض من خلافته، وأطلعهم عليه مما كانت آمالهم قائمة فيه، وراجية منه – لتضاعف سروره – أعزه الله بالحسنة التي تقرب إلى الله بنها في هذا الملحد، وليتبين أن ليس في المسلمين رعية أرغب في إحياء السنة وإتباعها، والحب لإمامها، والشفة عليه والتكلف به – من رعيته.
فلقد رأيت الناس – أبقى الله أمير المؤمنين سيدي – يتلاقون بالتهاني بما أطلعهم الله عليه من باطن أمير المؤمنين إمامهم، في الغضب ولكتابه ولرسوله وللسلف الصالح من صحابته، ولشدة بطشه وعزمته في الانتقام ممن طعن في الدين؛ ما عظم به سروري لأمير المؤمنين سيدي، وبجماعة المسلمين، لعلمي بأنها سيتزودها الركبان إلى جميع أمصار المسلمين وبلدانهم، على أفضل ما قد أطلع الله عليه رعية أمير المؤمنين من نيته واجتهاده، مما لو أنه رام أن يجمع قلوبهم بقوة سلطانه على ما اجتمعت عليه من ذاتها، لما بلغته طاقة
إلا إلى أقل من ذلك، ولكن الله عز وجل أوصى إليها ما أوصى فتحقق عندها ما لا يتحقق إلا ما عنده، إلا فيما يظهرهم عليه من غيبة، فتبارك الله رب العالمين.
ثم شفع أمير المؤمنين سيدي – أبقاه الله – ما كان تقدم من عهده في هذا الملحد بما جاوب به الوزير عيسى بن فطيس، فيما أنها إليه مما اعترض به من اعتراض في الإعذار فيما ثبت عليه، فبدرت إلى انتساخ ذلك الجواب وأذعته يمن حضرني، فكان سرورهم به كسرورنا وسرورهم بما غدونا عليه من الفرج به غداة خلافته، بل أكثر من ذلكن ثم خرجت بالنسخة إلى من حضرني بالمسجد وقد احتفل من الداعين والمبتهلين والراغبين، فقرأته عليهم، فكلهم دعا بما لا شك أن الله لا يضيعه لهم في أمير المؤمنين إمامهم وكهفهم وحائطهم، ثم تبادر الناس إلى نسخه، فانتشر فيهم كأسرع شيء، فلم تزل طائفة بعد طائفة تنسخه إلى السماء، حتى كأن الله عز وجل إنما استخلفه عيهم تلك الساعة، فهنيئًا لأمير المؤمنين في سيدي ما من الله به عليه وجمعه له، من طاعته لربه، ورسوخ محبته في قلوب رعيته، واستنامتها إلى إمامته.
وبعد – أبقى الله أمير المؤمنين سيدي – بأني لم أشك في هذا الملحد وأصحابه: أن الله ينتقدم منهم بك وعلى يدك، مذ اللهممك إلى التذلل له مما تسميت به من استضارك به، فكفى بهذا تسليمًا وخضوعًا لعزته، ثم هو أصحابه في فضض لعنة الله وخزيته التي أوعدهم بها في كتابه وعلى لسان رسوله، فمما أودعهم به قوله تبارك اسمه وتعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ وأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (57) والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وإثْمًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 57 – 58)، وهو منجز لهم ذلك عاجلا وآجلا.
ومما أوعدهم به على لسان رسوله قوله (صلى الله عليه وسلم): "دعوا أصحابي لا تتخذونهم غرضًا، فمن أحبهم فبحيبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه الله 1 "؛ فمن كان – أبقى
الله أمير المؤمنين سيدي – الله وكتابه ورسوله يطالبه؛ فهو في فضض لعنته، والكتاب والرسول خصماؤه، فأين يفر من سمائه وأرضه.
لم يمنعني – أبقى الله أمير المؤمنين – أن أكون مكان كتابي هذا معينًا له ومشافهًا بدعائي وابتهالي، إلا بمعرفتي برأفته ورغبته في الرفق بي والصون لي من ريح هذا اليوم وبرده، وما نزل من الماء فيه بشكر الله له، ما أعجزه عنه من قضاء حقوقه، وكفاه علي بأفضل ما يحفظه مني آمين آمين، والسلام على أمير المؤمنين سيدي ورحمة الله.
فأجابه أمير المؤمنين – أبقاه الله – في ظهر كتابه جوابًا نسخته: إلى اسحقا بن إبراهيم الفقيه، قرأنا كتابك وفهمناه، والحمد لله الموفق لنا، الذي أجرى على أيدنا وفي أيامنا هذه المكرمة، وجزاك الله عن الذب عن الدين خيرًا، فقد وقع من أفضل موقع، وإنما كان ما ألقى من الكلام نزعة من نزعات الشيطان، وألقية ألقاها على أسنتهم، ولولا البدار لدار لدارت أمور وأمور، والحمد لله الذي ألهمنا إلى البدار، وقطع على أيدينا طرفًا من الكفار، وقد بلغني أن جماعة على مذهبه، وأمرت الحكام بالتشديد عليهم وإخافتهم.
وبلغني أن قومًا يفتون بغير مذهب مالك بن أنس، وأنهم يرخصون في الطلاق وغيره بمناكير من الفتوى، وكل من زاغ عن مذهب مالك، فإنه ممن رين على قلبه، وزين له سوء عمله، فقد نظرت في أقاويل الفقهاء، ورأيت ما صنف من أخبارهم إلى يومنا هذا؛ فلم أر مذبًا ولا أنقى ولا أبعد من الزيغ من مذهبه، وجل من يعتقد مذهبًا من مذاهب الفقهاء؛ فإن فيهم الجهيمي والرافضي والخارجي، إلا مذهب مالك، فإني ما سمعت أن أحدًا تقلد مذهبه قال بشيء من هذه البدع، فالاستمساك به نجاة إن شاء الله.
وقد أحسنت في توقفك، وما أحب إلي ما أحاطك الله به وأصلح من حالك، فقد قلت لمن حضرني يوم السبتي بعد خروجك: لن يزال هذا البلد بخير ما كان فيه هذا الشيخ؛ فكثر الله مثله فهذه بصيرتي فيك.
فاعلمه، والسلام عليك.
ولما ورد جواب أمير المؤمنين الحكم بن عبد الرحمن – أعزه الله – هذا على اسحقا ابن إبراهيم، اجتمع إليه طلبة العلم فرغبوا إليه في انتساخه، فأباح لهم ذلك، وسألوه أن يشرح لهم أصل هذه الفتوى المذكورة عنه وعمن قال مثل قوله، في قطع الإعذار عن أبي الشر استعدادًا بها، وتخليدًا لها على من ظهر منه أو ثبت عليه شيء مما ثبت على هذا الملحد.
فقال إسحاق بن إبراهيم: لم يجر بيني وبين أصحابي فيما سأتلهم عنه مذاكرة أكثر من اجتماعنا على وجوب قتله بغير إعذار؛ إذ ببعض ما ثبت عليه كان يجب قتله بلا إعذار، فكيف بما اجتمع عليه في الشهادات المشهود بها فيه من ضروب الكفر، التي لم أسمع بإجماعها في أحد ممن شهد عليه بالإلحاد، وعرف به، أو نسب إليه شيء منه، قديمًا ولا حديثًا؟ ولكل ذلك قد قاد أصلا احتمل عليه.
فمن أصلي في إسقاط الإعذار إليه فيما تقدم ذكره عني: الاحتمال في ذلك على مذهب مالك (رضي الله عنه) في قطع الإعذار عمن استفاضت عليه الشهادات في الظلم، وعلى مذهبه في السلابة والمغيرين وأشباههم إذا شهد عليهم المسلبون والمنتهبون، بأن تقبل شهادتهم عليه إذا كانوا من أهل القبول، وفي قبولهم عليهم سفك دمائهم مما يحكم به على المحاربين، إذا كان الشهود جماعة، وقد وقف مالك على الجماعة كم هي؟ فقال: أربعة فما زاد.
وفي الرجل يتعلق بالرجل وجرحه يدمي، فيصدق عليه، وفي البكر تتعلق بالرجل وهي تدمي فتصدق عليه، وفي التي تتعلق بالرجل بالمكان الخالي وقد فصحت نفسها بإصابتها لها فتصدق عليه بفضيحة نفسها، وفي الذي وجده (رضي الله عنه) عند أحد الحكام وهو يضرب؛ لدعوى صبي قد تعلق به وهو يدمي، فصدقه الحاكم فيما ادعاه عليه من إصابته له، فلم يزل يضرب ومالك جالس عنده، حتى ضرب ثلاث مائة سوط، وهو ساكت لا ينكر ذلك، إلى ما قد كان تقدم له قبل نزوله عليه من الضرب، وقد بلغني أنه انتهى به الضرب إلى ستمائة سوط.
وفي أهل حصن من العدو يأتون مسلمين رجالاً ونساء، حوامل وغير حوامل، فيصدقون في أنسابهم ويتوارثون بذلك، إذا كانوا جماعة لهم عدد، إلا أن يكونوا يسيرًا: السبعة والثمانية، قال ابن القاسم: والعشرون عندي جماعة دون عذر.
فأين الإعذار من هؤلاء كلهم؟ فإذا كان مالك يرى هذا في أهل الظلم للناس والسلابين والهجامين والمتهبين، وفيمن يلحق بدار الإسلام من المشركين، فالظلم لله عز وجل ولكتابه ولرسوله أحق بان يقطع عنه الإعذار، فيما ثبت عليه من الكفر به والإلحاد والتكذيب لكتابه ولرسوله لو لم يستفض عنه كل ما استفاض، فكيف بما ثبت عليه وانتشر عنه بمن قد شهد في الكتاب الذي انعقد عليه به الشهادات، بمن لم يشهد فيه.
ولو لم يستفض ذلك عنه إلا ممن شهد عليه في ذلك الكتاب خاصة؛ لعظمت
الاستفاضة بهم عندي، ولقبلت جميعهم؛ إذ هم أوجلهم من حملة القرآن وطلبة العلم وحجاج ومجاهدون وعمار مساجد، فكيف، وليس بالأندلس بلد إلا وهو يغلي بالشهادات عليه بما أذاع فيهم من هذا الإلحاد.
فهذه سبيلي فيه وفي أمثاله التي أقول بها وأدعو إليها على بصيرة مني فيها؛ إذ وقت على جميع ما انعقد عليه من الشهادات فوجدتها تشتمل على الكفر بالله والتكذيب لكتابه ولرسوله مع الطعن على الأئمة المهديين والسلف الصالح من المؤمنين، ومع ما كان يدعو به يظهر العزيمة فيه من الخروج على إمام المسلمين – أعزه الله -، وحمل السيف على رعية المسلمين وسيي ذراريهم وإحالة الملحدين أمثاله عليهم، وإحالة في كثير منها لكل ما حرم الله في تنزيله وعلى لسان رسوله من الفواحش،، حاشا نبذتين أو ثلاث من مذاهب المعتزلة، ومثلها من مذاهب الرافضة اللعينة والشيعة المخزية.
ومن تحرج في تعجيل روحه إلى النار فإني متقرب إلى الله عز ذكره بإسقاط التوسعة عليه في طلب المخارج له بالإعذارات، والإسراع به إلى ما أوعد الله به الذين يلحدون في آياته، ولو لم أجد لمالك أصلا فيما تقدم ذكره عنه في هذا الكتاب؛ لنزعت إلى أصله في موطئه للحديث المأثور فيه عن النبي (صلى الله عليه وسلم): "إنما أنا بشر 1 " وهو أم القضايا ولا إعذار فيه ولا إقالة من حجة ولا من كلمة، وإلى كتاب عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) إلى أبي عبيدة بن الجراح وأبي موسى الأشعري وهما أيضًا ملاذ الحكم والأحكام بعد حديث النبي عليه الصلاة والسلام وليس فيهما إعذار ولا إقالة من حجة ولا من كلمة غير قوله: اضرب للطالب أجلا ينتهي إليه، لم يقل: اضرب لمن ثبت عليه حق أجلا ينتهي إليه.
غير أن الإعذار فيما يتحاكم الناس فيه من غير أسباب الديانات استحسان من أئمتنا، وأنا على اتباعهم فيه والأخذ به على بصيرة مستحكمة فيما أوجبوا الإعذار فيه من الحقوق، وألزم التسليم ما استحسنوه؛ إذ هم القدوة والهداة.
فأما في الإلحاد والزندقة والتكذيب للقرآن وللرسول وفي إقامة الحدود فلم أسمع به ولم أره لأحد من وصل إلينا علمه في مقبول الشهادات نأخذ به.
وقد تدور عند حكامنا شهادات لا إعذار فيها بلا اختلاف بين من أدركنا ولا بين
من مضى من مشايخنا، منها ما ينعقد في مجالس الحكام ممن المقالات والإقرارات والإنكارات بشهادات من يحضرها عندهم من المقبولين في الدماء والفروج والأنساب والنكاحات والطلاقات والأموال وغيرها من صنوف الحقوق وكلها بلا إعذار في شيء من هذه الشهادات بإجماعه من مضى وممن بقي.
ومنها شهادات من يعذر بهم الحكام إلى من تحجبه الأحوال المانعة من مشاهدة مجالسهم، فلا يجدون بدًا من الإعذار إليهم، وربما كان الإعذار بواحد وربما كان باثنين أو أكثر على ما يراه الحكم، فلا إعذار في ذلك كله بإجماع من مضى ومن بقي.
ومنها شهادات من يوجههم الحكام إلى امتحان ما لا غنى بهم عن امتحانه ممن يثقون به، وإلى حيازة ما شهد فيه عندهم ومما لابد أن يحاز، والى تنفيذ ما لا يمكنهم إنفاذه في مجالسهم، وإلى معاينة شخوص وأعيان في ضروب شتى لا يمكن نقلها إلى مجالسهم لأسباب يطول ذكرها، ولا إعذار في شيء من هذه الشهادات عندهم بإجماع ممن مضى وممن بقي.
وربما اكتفى في كثير منها بواحد فهل هذه كلها إلا شهادات؟ وهل بينها وبين غيرها فرق في شيء.
ومنها استفاضة الشهادة المشهود بها عند الحكام في الأنساب القديمة والحديثة، وفي الموت القديم والحديث، وفي النكاحات القديمة والحديثة، وتواريخ أقضيتهم ومددها وفي الولاء القديم، وفي الأحباس المتقادمة، وفي الضرورات تكون بين الأزواج في أشياء سوى هذه يطول ذكرها، وفي بعض ما ذكرنا كفاية من بعضها.
فهل هذه كلها إلا شهادات كالتي قبلها؟ هذا إلى ما ارجأت ذكره مما مضى به نظر الأئمة المهديين رضي الله عنهم من لدن عمر بن الخطاب فمن بعدهم مما تفردوا بانفراده وأمضوا أحكامهم به على الاستفاضة.
بل بدونها في استئصال الشكاك والملحدين والمتهمين بالتعطيل، وتطهير البلاد وإراحة العباد منهم، ولعلمهم بما لهم من ثواب الله في حياطة الديانة وإصلاح الخاصة والعامة ما قد حمدته هم العلماء والفقهاء والصالحون في أزمتهم، وبعدها، إلى يومنا هذا.
والذين يعلمون ما أقول ولو ألم أنزع بهذا كله ولم يثبت على هذا الملحد كل ما ثبت عليه إلا ما كان يعد به جلساؤه ومن يستنيم إليه من الخروج على إمام المسلمين -
أعزه الله – ومن حمل السيف على رغيته وسبي ذراريهم لرجوت أن أخطئ بما أشرت به فيه عند الله عز وجل.
فقد أخبرني من وثقت به عن قوم من الصالحين سماهم أنه تقرب إليهم بالمناصحة في نسائهم أن يطلقن الجسم ويتخذون الضفائر ويستعددن بها، فغنهن عن قرب يمتحن بالسبي؛ سببي الشيعة لهن، وانه مقدمته إليهن.
فكيف بمن له نصحت وعنه عز وجل قلت ما قلت؟
وإني لعلى بينة من ربي فيما به أشرت وكل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا.
قال القاضي:
ما قضى أبو إبراهيم – رحمه الله – في التبيين والنصح للمسلمين وإن كان في فصول كلامه اعتراض على الأصول وفي بعضها خلاف، وقد تقدم بعضه في صدر الكتاب والله الموفق للصواب، والبين أن من تظاهرت عليه الشهادات في إلحاد وغيره هذا التظاهر، وكثرت البينة العدلة عليه هذه الكثرة، فالإعذار إليه معدومة الفائدة.
إذا اليقين حاصل بأنه لا يستطيع على تجريح جميعهم ولا يمكنه الإتيان بما يسقط به شهادتهم.
ومن قال بالإعذار قاد أصله المتفق عليه عند العلماء والحكام في لزوم الإعذار في الأموال، ومن اجتهد أصحاب، والله أعلم بالصواب.
مسألة في تكفير أهل البدع أم هم كأهل الكبائر:
سئل الشيخ أبو عبد الله بن عتاب عن طائفتين في أهل الكبائر والبدع:
فقالت إحداهما: أهل الكبائر في المشية وأهل البدع في النار ولم يستثن واحدًا منهم.
وقالت الأخرى: أهل البدع أقمن أن يكونوا في المشيئة لأن الذي أتوه تأويلاً أرادوا فيه الصواب فأخطأوا، وأهل المعاصي والكبائر إنما أتوا ذلك تقحمًا وجرأة، قد علموا أن الله قد حرم ذلك فأمنوا مكره وعذابه وقد وصفه الله في كتابه أن عذابه غير مأمون.
وقد أجمع المسلمون أن من تمسك بعقد من الإيمان لم يحتم عليه بالنار لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): "لا تنزلوا أحدًا من أمتي جنة ولا نار 1 " فأيهما أحق بالتبديع لا زلت مؤيدًا.
فجاوب:
هذا شيء أكره الخوض والتكلم فيه فإذا قد وقع فأقول والله أعلم إن البدع كلها مذمومة من اعتقد شيئًا منها؛ وبعضها أعظم من بعض – عصمنا الله منها – ولم يقبض الله نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) حتى ترك أمته على الواضحة وأمرهم بالتمسك بالكتاب والسنة.
وروي عيسى من ابن القاسم وسئل عن أهل الأهواء هل يعطون من الزكاة؟ فقال: إن نزلت بهم حاجة أعطوا من الزكاة، وهم من المسلمين يرثون يورثون.
وقال ابن القاسم في المدونة: رأيت مالكًا إذا قيل له في إعادة الصلاة خلف أهل البدع يقف ولا يجيب.
وقال ابن القاسم: أرى عليه الإعادة في الوقت، ورويي ابن وهب عن مالك في موضع آخر من سماعه: قيل لمالك: أرأيت من صلى خلفهم فريضة؟ فقال: ما أحب أن أبلغ ذلك كله، أرأيت لو صلى خلفهم سنين؟ فلم يختلف قول مالك في منع الصلاة ابتداء، فإن صلى فروى عنه التوقف.
وروى عنه ألا يعيد وكان سحنون يقول: فإن أعاد فحسن وإن لم يعيد فلا شيء عليه، وكان يضعف الإعادة، ويرى ألا يعيد في وقت ولا غيره.
قال: وكان جميع أصحاب مالك يقولون – أشهب والمغيرة وغيرهما -: إنه لا تعاد خلفهم وإنما يعيد من صلى خلف يهودي أو نصراني.
وقاله محمد بن سحنون.
وممن قال يعيد في الوقت وغيره أصبغ، على خلاف عنه، إذ قد روي عنه الإعادة وروي عن محمد بن عبد الحكم وغيره الإعادة أبدًا وذهب إليه ابن حنبل وغيره.
وأما أصحاب الذنوب والكبائر – أجارنا الله من ذلك كله وعصمنا – فإن الله تعالى قال في كتابة ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ (الزمر: من الآية 53) في آي كثيرة: فالمسرف على نفسه ظالم لنفسه، والكبائر مذمومة كلها وبعضها أشد وأعظم من بعض وقد روي عن كثير من أصحاب مالك أنه قال في مسألة: وقد يكون في غير أهل الأهواء من هو أشر من أهل الأهواء.
والأمر فيما سألت عنه راجع إلى مشيئة الله تعالى: ﴿وإيه يرجع الأمر كله﴾ (هود: من الآية 123) ﴿فعال لما يريد﴾ (هود: من الآية 107)، عدل في جميع ذلك، لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها ولا يقطع عيهم بنار والله عز وجل أعلم.
قال القاضي:
قال بان حبيب في السادس من الواضحة: ومن عرف ببعض الأهواء المخالفة للجماعة مثل الإباضية والمرجئة أو القدرية وأشباههم فلا يصلي خلفهم، ولا يصلي خلف إمام ضال، ومن صلى خلفه فليعد في الوقت وبعده؛ لأن الصلاة رأس الدين، وأولى ما أحيط فيه.
وهذا في إمام يصلي بالناس بغير ولاية ولا سلطان؛ لأنه مندوحة من تركه إلى الصلاة خلف غيره؛ وأما إذا كان إماما تؤدي إليه الطاعة أو قاضيه أو صاحب شرطته أو خليفته على الصلاة فلا إعادة على من صلى خلفهم وصلاته جائزة، هكذا فسره لي من لقيته من علماء المدينة؛ مطرف وابن الماجشرون وغيرهما.
وفسر لي أيضًا ابن عبد الحكم وأصبغ بن الفرج وهو الذي عليه أهل السنة وابن سحنون من هذا في قوله: جميع أصحاب مالك يقولون: لا يعيد من صلى خلفهم؛ أشهب والمغيرة وغيرهما، وقع هذا عنه في مساع عيسى في كتاب المحاربين وزاد ابن مكنانة وغيرهم، وأما تكفير أهل البدع فقد سئل أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي عن ذلك وقيل له: هل يكفرون؟ ويقطع بتخليدهم في النار؟ وأنهم لا يقبل منهم توبة فإن قومًا يزعمون ذلك ويقولون: من لم يكفرهم فهو كافر؟
فجاوب: اعلم – أرشدك الله – أن أول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج بتحكمهم على الله بأنه لا يكون منه يمن خالفهم إلا تخليدهم في النار إذ كانوا قد كفروا من خالفهم واستحلوا دمه فسمتهم الصحابة وجماعة المسلمين خوارج أي عن سبيل الجماعة وسنة الإسلام لأنهم لم يقطعوا مواريثهم ولا أبانوا نساءهم منهم ولا أفرزوا قبورهم من قبول المسلمين ولا أحكامهم عن أحكامهم.
ثم احتمل على ذلك بدهم مالك وأهل بلده والليث بن سعد والأوزاعي وابن أبي سلمة وغيرهم من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر، فأما ن قطع كما ذلك على الله بأنه لا يقبل توبة مبتدع فقد خرق إجماع المسلمين ورد على رب العالمين.
قال الله سبحانه: ﴿غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب﴾ (غافر: من الآية 3)، وأما تكفيرهم فهي طريقة إخوانهم من الخوارج التي ذكرناها والله يعصمنا وإياك من مضلات الفتن برحمته.
وسئل أبو عمر أحمد بن هشام الأشبيلي: عن ذلك فجاوب، وفقنا الله وإياك لطاعته وعصمنا بما عصم به أولياءه وأهل محبته: البدعاء أمر عظيم عند أهل العلم يخاف عليهم الخلاف فيما يعتقدون، تبغضهم القلوب ويشتد غضب المؤمنين عليهم، ولا يخرجون من الإسلام بذلك.
وقد تكلم الناس في هذا وهو الذي وجدنا عليه الفقهاء أهل مدينة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومن اتبعهم، وفقنا الله لما يرضيه منا إن شاء الله والسلام عليك.
قال القاضي: الصحيح عندي في أهل البدع أنهم صنفان، وأن البدع نوعان.
فالنوع الواحد منهما كفر صراح لاخفاء به، وضلا لائح لا ستر يخفيه، كقول بعض الرافضة – لعنهم الله – إن عليا (رضي الله عنه) الله من دون الله – تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا – وكقول صنف آخر منهم يقال لهم الجمورية: إن عليا – عليه السلام – نبي مبعوث وإن جبريل عيه السلام غلط؛ بعث إليه فأتى محمد (صلى الله عليه وسلم) أفيحل لمسلم يعلم الله وسوله ويؤمن بما أنزله عليه من كتابه أن يقول إن هذا غير كفر وإن معتقده والقائل به غير كافر؟.
بل هذا هو الكفر الصراح، والقائل به كعابد وثن كافر مفتر على الله عز وجل مخلد في النار لا يربح رائحة الجنة أبدًا، من قال بغير هذا وارتاب فيه فكافر مثلهم أو شاك قد أضل دينه وأخطأ طريقه.
والنوع الثاني من البدع ضلال وزيغ عن الحق وعدول عن السنة والجماعة، لا يطلق عليه كفر ولا على معتقده كافر كقول المختارية من الرافضة: إن عليا إمام؛ من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، والأئمة من ولده يقومون مقامه في ذلك، وكقول صنف منهم يفضل عليًا على الناس كلهم، ولا نطعن على أبي بكر وعمر ونطعن على عثمان بأنه غير.
وقال لهم: الزيدية.
وكقول الشيعة منهم: أبو بكر وعمر أفضل الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على التقديم، وعلى أحب إلينا.
فهذه كلها بدع خارجة عن رأي جماعة المسلمين، لا نقول إنها كفر ولا إن معتقدها كافر، ولا يمتري ذو حسن في خفتها في التي قبلها ولا في كونها من غير جنسها.
ومثل هذا في التنويع كثير في غير الرافضة من المرجئة والجهمية والقدرية وغيرهم؛
إلا أنا اقتصرنا على هذا التمثيل مجانبة للتطويل وإذ فيه بيان من ذلك التجميل.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وقول ابن عتاب في جوابه: قد قال: كبير من أصحاب مالك: قد يكون في غير أهل الأهواء ومن هو أشد من أهل الأهواء.
هو قول ابن القاسم في تفسير ابن مزين، حكماه عنه عيسى بن دينار وقال به، وقال يحيى بن إبراهيم بن مزين: في تفسير هذا – يريد ابن القاسم – أعذر ممن ركب شيئًا بعد معرفته وتفحمه وجرأته على ذلك فصاروا شرًا من أهل الأهواء.
وفي هذا التأويل عذر لأهل البدع في تحريفهم لكتاب الله عز وجل ومفارقتهم للسنة والجماعة بتأويلهم، ولا خلاف أنهم غير معذورين في مخالفة سبيل المؤمنين.
وقد قال أبو الحسن علي بن محمد بن القابسي في كلام ابن مزين: ما أدري ما تفسير ابن مزين هذا، وإنما أراد ابن القاسم أن في غير أهل الأهواء من هو شر من أهل الأهواء وهم الذين يتدينون بالسنة وتكون منهم جهالات من وراء نسك فهم يغرون به من يسقطونه في جهالتهم، وأهل الأهواء الناس لهم منافرون، هذا وجه قوله عندي، والله ولي التوفيق.
وكيف يقال لمن يخطئ وجه الصواب في الاعتقادات: أنت أعذر ممن سلم له اعتقاده من الخطأ وزل بالجهالة فيما دون الاعتقادات وأتى ذلك تقحمًا؟ هذا يعيد والله أعلم.
هذا كله من كلام أبي الحسن، وهو صحيح حسن، وبالله التوفيق.
قال القاضي:
قد أتينا – بحمد الله وحسن عونه – على ما رغبناه وذهبنا إليه من جمع شمل النوازل التي كمنا قد علقناها على غير ترتيب وكتبناها في غير ما موضع من كتابنا لتقرب فائدتها، وتكمل منفعتها لمن طالعها.
وأضفنا إليها من أنواعها ما فيه تمامها ومن الروايات ما زدنا في بيانها، ولم ننقل ما نقلناه من الأمهات على نصه بل ربما اختصرنا بعض لفظه قصدًا إلى المعنى الذي أردناه فأوردنا وكشفنا لما أردنا بيانه فبيناه.
وما رأينا محتاجًا إليه بجملته كتبناه على هيئة ليكون الاستدلال من ألفاظه ومساقه،
وتركنا من النوزال كثيرًا مما كان يضطر إلى تتميم ويحتاج إلى تنويع وتقسيم وعدلنا عما فيه من الاعتراض إلى التسليم لمانع منع أو لضعف قطع وأرجأنا إلى وقت نشاط إن كان مهل ولم يقطع أجل فتعلق عليه ما يحتاج من التنبيه إليه.
ومن أضاف كتابنا هذا إلى غيره من الكتب الموضوعة في الأحكام كمنتخب ابن أبي زمنين وغيره أو كثرت دراسته للأصول أحرز علم الأحكام على وجوهها، ومعرفة الأقضية على حقائقها، ووقف على سنن الفتيا وما نهجه الشيوخ فيها وفيه أبواب كثيرة لا توجد في كتاب بإيعابها، فيه ولا غنى بعالم فيها عنه.
والحمد لله ثم الحمد لله على ما منحنا من هداه: وفقهنا فيه وعلمنا إياه.
والصلاة التامة على رسوله محمد الذي اصطفاه، وختم به الرسول واجتباه.
حشرنا الله معه ولا خالف بنا عنه، وجعلنا من العالمين له المريدين وجهه الراغبين فيما عنده، وتجاوز عما كان من زلل أو خطأ في قول وعمل، إنه منعم كريم قريب مجيب، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
وكان تمامه يوم الأحد لتسع بقين من المحرم سنة ثلاث وسبعين وأربع ومائة والحمد لله كثيرًا وصلى الله على سيدنا محمد ولعى الله وصحبه وسلم تسليمًا.
تم جمع كتاب الإعلام بنوازل الأحكام بحمد الله الملك العلام وعلى سيدنا ممد أفضل الصلاة والسلام وعلى صحابته الكرام، في يوم الجمعة الرابع شعر من رجب الأصب من عام 12165 ستة عشر ومائتين وألف من الهجرة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام.
على يد كاتبه لنفسه ثم لمن شاء الله من بعده من أولاده وعقبه ثم لمن أصله الله من إخوانه وعصيته على بن سعيد بن علي بن أحمد بن عيسى، عرف بابن سيدي عيسى نسبة إلى الشيخ الشهير الوالي الكبير ذي الكرامات الظاهرة والمآثر الباهرة الزاهرة الشيخ سيدي عيسى بن محمد بن محمد رحمه الله وأعاد علينا من بركاته آمين آمين آمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى الله وصحبه وسلم.
فلله إلا ما دعوت بنية ... لكاتبه بالعفو فهو مثقل
ذله سقطات جمعه غير أنها ... تقل إذ الله الكريم المؤمل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد والله وسلم تسليمًا كثيرًا.
مسائل الغيب في آخر الديوان: سئل أبو إبراهيم عمن له حق مؤجل قريب الأجل أو بعيده فزعم أن الذي هو عليه يريد سفرًا، وأنكر المطلوب ذلك فقال: إن أقام الطالب بذلك شبهة بينة وإن لم تكن قاطعة أحلف المطلوب أنه ما يريد سفرًا، فإن حلف لم يكن له عليه شيء، وإن نكل كلف حميلاً غارمًا مليئًا ثقة، ثم يقال له: إن شئت فسافر أو اقعد.
وسئل عن الكماد يقطع الثوب وينكر القطع.
فقال: يرسل الطالب والكماد إلى أهل البصر فإن قالوا: هو حديث عرض من هذا الكمد، غرم الكماد ما أفسد، وإن قالوا يمكن أن يكون قديمًا أو حديثًا حلف رب الثوب: ما علم بهذا القطع عند نفسه ولا عرض عنده ويضمن الكماد، وإن كان الثوب قد كمد قبل هذا الكمد حلف الكماد ما عرض عنه وبرئ، وإن كان لم يكمد قبل هذا وهو جديد ضمن الكماد لأنه يعلم أنه ما عرض عنده، ولا يمين على رب الثوب للكماد إن شاء الله عز وجل.
قال سحنون: من بني على باب جاره دكانًا في الطريق غير مضر بالطريق إلا أنه حضر بباب داره يقابله لقعود الناس معه عليه منع من ذلك ولو فتح باباً لداره قبالة باب دار آخر نكب عن باب تلك الدار بقدر ما يرتفع الضرر معه.
قال: ومن أحدث في طريق المسلمين كنيفًا أو قناة حمام ولم يرفع ذلك إلى حكم إلا بعد اثني عشر عامًا لم يكن ذلك للمحدث حيازة؛ لأن طريق المسلمين لا يجاز، بخلاف ما يملكه الناس إلا أن قدم أمر هذا الكنيف الستين سنة أو نحوها فلا يعرض له؛ لأنه لا يعلم بأي وجه وضع ذلك بخلاف العشر سنين.
قال: وحكم الدرب غير النافذ حكم الزنقة غير النفاذة إن كان في الدرب زنقة في ناحية منه لرجل في أقصاها باب وأراد أن يقدمه إلى طرف الزنقة، لم يكن له ذلك إلا بإذن أهل الدرب ورضاهم.
قال: وما ضاع عند العيد القصار ففي ذمته يبتع به ولا يباع فيه حماره ولا أداته إلا إن أقر سيده أن ذلك للعبد ولا يحكم للعبد به لكونه بيده بخلاف المأذون له في التجارة.
قال: ومن اعرف حمارًا للحكم له به ثم حكم للذي كان بيده على بائعه منه ثم حكم لذلك البائع على من باعه منه، وذلك كله في مجلس واحد لإقرارهم به، فأراد
المحكوم عليه آخرًا أن يضع قيمة الحمار لمستحقه ويطلب به حقه من الذي باعه منه، فله ذلك، وليس لمحكوم له به أن يقول: ليس بيني وبينك عمل فلا تذهب به، وإذا لم يشهد لمعترف الشيء بها شاهد واحد فطلب الذي هو بيده حميلا من بائعه لئلا يستحق منه وهو غائب، فليس له ذلك حتى يحكم عليه ويؤخذ منه.
قال: ومن اعترف دينار الفضة فقال: ديناره زيادة، أو قال محمد أو قال عباس؛ لم يجب له بذلك حتى يصفه بعلامة فيه من تاب أو غيره.
وقال في القصار يخرج الثوب رديئًا أسود: يريده حتى يخرج جيدًا فإن ضيق رده فساد باسترخاء أو خرق لم يرد إلى العمل، ونظر فإن كان إخراجه خروجًا رديئًا أفسده به على صاحبه ضمنه وأدى قيمته؛ وإن كان فساده يسيرًا أعطي أجره مثله من ذلك العمل.
وإذا أقر الصانع بدين ولا مال لهم إلا عمل أيديهم ترك لهم من لك قدر قوته وقوت عياله ما بقي فلغرمائه، وإن لم يكن عليه دين، ولعيه فرض لأولاده من مطلقة ترك له أيضًا على قدر قوته وفرض عليه فيما بقي لولده، وإن كانت له زوجة فرض له ولها ثم ما بقي ولده وهي أولى منهم.
قال: ومن ادعى عليه غضب أو سرقة وترافعا إلى السلطان ثم صالح المدعي بدنانير وهو منكر وقال للشهود عند دفعه الدنانير: إنما أعطيتها خوف السلطان وضرب السياط وما له عندي حق، ثم أراد الرجوع فيما صالح به، فقال: ليس له ذلك وإلى أن يبتدأ على الناس إلا إلى السلطان، إلا إن كان المدعي معروف الاتصال بذلك السلطان وأنه له منه ناحية فينظر الحكم فيه على قدر ما يرى.
قال: ومن ادعى أنه أبضع مع رجل رأسين فقال الرجل: إنما أبضعت معي رأسًا والثاني ابضعته مع غيري، وأمرتين – إذا وصل به أمدًا كذا – بقبضة فمات قبل أن نصل وقبل قبضه إياه، فأتى المدعي بشاهدين أنه أبضع معه الرأسين قال: فهو ضامن للرأس الذي جحد؛ لأنه أخرج نفسه من الأمانة بجحده بذلك.
وقال: إذا جرح المشهود عليه الشهود فللمشهود له تجريح المجرحين، ولو كان تجرحهم لشهوده وهو غائب فعلى الحاكم أن يخبره بهم، وإذا قال أحد المجرحين فأحد الشهود: هو كذاب، وقال آخر فيه: هو آكل ربا، فليس بتجريح حتى يجتمعا في شيء
موفق.
وإن قال أحدهما: هو خائن، وقال الآخر: يأكل أموال الناس فذلك تجريح؛ لأنه معنى واحد، وقد قال أيضًا: إذا جرحه أحدهما بمعنى، وجرحه الآخر بمعنى آخر، فذلك تجريح؛ لأنهما قد اتفقا على أنه رجل سوء.
قال حبيب: وقد سأتله قبل ذلك عن تجريحهما إياه بأنه رجل سوء غير مقبول الشهادة، وقالا: لا تسمى ما جرحته؟ فقال: هي جرحة ولا يكشفوا عن أكثر من هذا.
وقال: إذا زكى الشاهد في العلانية، وسأل الحاكم عنه في اسر فقيل فهي: هو رجل صالح، فليس بشيء حتى يقول فيه في السر عدلان: إنه عدل وليس صالح بشيء، وتزكية السر والعلانية سواء.
قال: وذاا أتى الشاهد من البادية ليشهد لرجل عند الحكم فنزل عند المشهود له وكان في ضيافته حتى رجع فذلك خفيف ولا تسقط شادته إذا كان عدلاً.
ومن له شاهد فعدله عند هذاالحاكم وكتب له إلى الحكم الذي يشهد له عنده يثبوت عدالته عنده، فأنكرها سحنون إنكارًا شديدًا أن يزكي الشاهد قبل أن يشهد وأن يكون القاضي يكتب بمثل هذا، وقال: لا أعرف هذا، قال: وهو إذا شهد عند الحكم فزكي عنده وحكم بشهادته ثم شهد عنده بعد شهر أو نحوه لرجل آخر كلفه تزكيته أيضًا حتى تشتهر عدالته.
قال: ومن كان حائطه سترة جاره فانهدم لم يكلف بنيانه عند عبد الرحمن، وقال ابن كنانة: يجبر على بنيانه، قال حبيب: ورأيت مذهبه على قول ابن كنانة، قالا: وإن هدمه للضرر يجاره أجبر على بنيانه عندهما.
قال: وإذا حكم على المطلوب بالدين فزعم أنه فقير معدم، وأثبت ذلك عند الحكم ببينة فقال الطالب: عند بينة بأن له دارًا، فقال المطلوب: هي لأمرأته، وهو فيها ساكن معها، فأتى الطالب ببينة بأن تلك الدار لغريمه وأتت الزوجة ببينة أنها لها، فلينظر إلى أعدل البينتين، أن استوتا سقطتا وبقيت الدار للمطلوب وبيعت في دينه لأن سكناه أغلب من سكنى امرأته.
ومن طلب غريمًا بدين وقال عند القاضي: هذا ضمنه لي فأنكره الرغيم وأقر الضامن.
قال سحنون: فليأخذ الضامن بدينه، وإن قال: لي بينة على الغريم بذلك لم يكلف إحضارها، ولهذا وشبهه يؤخذ الحمل وللضامن بعد غرمه القيام بتلك البينة على الغيم وأخذ ما غرم منه.
قال: ومن ادعى في قاعة بين دور قوم، وأتى بشهود شهدوا أن موضع كذا إلى موضع كذا له، فعرض له بعض أهل تلك الدور وقال: ذلك له ولفلان ولقوم مجهولين، وأقام بذلك بينة فشهادتهم ساقطة؛ لأنهم لم يقطعوا بشيء معروف، والحق حق الأول يحكم له به.
وقال: ومن ادعى آبقًا مسجونًا قد كان الحكم سجنه فأقر له العبد بالملك؛ دفع إليه ولم يكلف ببينة؛ إذ لا خصم له يعترض فيه إلا إن أتي طالبه بحدثان سجنه فلا يمكنه منه، وليتلوم له قليلا؛ لئلا يأتي طالب يطلبه، وأما إن كان سجنه قد طال فلا يتلوم له وليدفعه إليه، وقد كان قال قبل ذلك: لا يرفعه إلى طالبه إلا ببينة عدل، وإن كان سجنه قد طال ثم شدد فيه بعد ذلك ورجع إلى ألا يدفع إليه إلا ببينة قال: ولو أراد طالب بيعه وهو في السجن عند قاضي عدل لم يجز له بيعه؛ لأن فيه خصومة.
مسألة في اختلاط سيئك بشيء غيرك:
في أول وديعة المختلطة: من أودع دراهم فخالطها بدراهمه ثم ضاعت كلها فلا يضمن؛ لأن الوديعة قد ضاعت وأن الدنانير في الدنانير كذلك.
وإن خلطت حنطة استودعتها بشعير ضمنت لأنك لا تقدر على تلخيص الحنطة منها ولو خلطتها بمثلها من حنطتك لم تضمن كالدراهم، وإن لم تكن مثلها ضمنت، وإذا ضاع بعض الدنانير فهو منكما، وإن كان يعرف بعضًا من بعض بمصيبة ما ضاع من دنانير كل واحد منكما فيه.
وإن خلط صبي ذلك القمح بشعير ضمن مثل القمح ومثل شعيرك؛ لأنه يلزمه ما استهلك، يريد إن قامت عليه بذلك بينة لا بإقراره إلا أن تشاء ترك الصبي وتكونان في المخلوط شريكين أنت بقيمة كيل شعيرك والمودع بقيمة كيل قمحه.
وقال عبد الحق عن بعض القرويين: إنما تجوز شريكتها على الكيل لا على قيمة طعام كل واحد منهما؛ لأنه يدخل ذلك الفاضل بين الطعامين، لكن يبيعانه ويتقاسمان ثمنه على قيمة طعام كل واحد منهما وجاز لهما بيعه، وكذل لأنهما لم يخلطاه فيكون من
باب الغش، وإن قال أحدهما للآخر: أنا اغرم لك مثل طعامك وآخذه هذا المختلط لم يحل إلا أن يكون هو خلطه فيجوز؛ لأنه ضامن له.
وقال أشهب: وقال أيضًا لا يجوز.
سحنون هو الصح أن لا يجوز، وروي أبو زيد أن يبيعاه ثم يقتسمان الثمن على قدر قيمة طعام كل واحد منهم – يريد يوم خلطه الصبي – وقال يحيى: أجاز أشهب أن يعطي لصاحبه مثل طعامه، وقال يحيى: قبل أن يعترفا وإلا لم يجز.
ذلك ابن أبي زيد في مختصره، وتأمل فيه وفي النوادر رفيقتها، ومنها في كتاب الغصب وفي غصب العتبية في سماع عيسى، وفي آخر كتاب تضمين الصناع من المدونة: من وقع له رطل زيت في زرق زبيق لرجل فله عليه رطل زيت، فإن أبى أخذ رطله.
وقال سحنون: لا أقول بهذا أصله القمح والشعير بختلطان بغير عداء، يضرب صاحب القمح بقمية قمحه معيبًا، وصاحب الشعير بقيمة شعيره غير معيب وقد عاب الزيت الزبيق وسئل عنه، فإن قيل: قد عابه ضرب هذا بقيمة زبيقة معيبًا وهذا بقيمة زينته زبيقة معيبًا، وتأمل باقيها في إقرار النوادر، وقد علقته من آخر تضمين الصناع وفي ثاني عتق النوادر.
وقال ابن المواز: من اختلط له عبد بعبيد لرجل ولم يعرفه، فإن أخرج صاحبهم منهم عبدًا وقال: هذا هو؛ حلف إن أنكر صاحبه، وإن قال: لا أعرفه، لم يكن له غيره.
قال أشهب: ويحلف صاحب العبيد، قال محمد: لا يمين عليه، إلا أن يكون صاحب العبد أنه عبده فيحلف هاهنا، فإن نكل حلف صاحب العبد وأخذ من يحلف عليه، فإن نكل فلس له غير الأول، وإن أعتق صاحب العبد عبده قبل أن يعرف قيم الرقيق على جزء عدتهم؛ إن كانوا تسعة فهو عاشر فله عشرهم، فإن وقع له أقل من عبد أتم عليه عتقه، وإن وقع له عبد عتق عليه، وإن صار له عبد وبعض آخر؛ عتقا عليه وغرم لصاحب الفضل.
ولو أعتقه قبل أن يختلط عتقوا كلهم إلا أن يكون على دين محيط بقيمة عبده ولا مال له فلا يعتق منهم أحد.
وجوابه مثل الأول، وتأمل في رسم الدور والمزارع من كتاب الوصايا ما تنظر إلى هذا الأصل.
وفي رسم أمهات أولاد من كتاب الضحايا: من ابتاع كبشًا يضحي به فأفلت منه فدخل بعض الأزواد فلا يعرف صاحب الذود ولا مشتريه، قال ابن القاسم: يكون مشتريه
شريكا لصاحب الذود، فإن كانت غنمه مائة أعطي جزءًا من مائة جزء وجزء.
ونظيرتها اختلاط دينار لك بمائة دينار لغيرك ثم تضيع منها دينارن في كتاب الوديعة وفي مساع يحيى وفي المدونة وي كتاب الأقضية وغيرها اختلف فيها ابن القاسم ومالك، وهي أيضًا في أحكام الواضحة وفي أول سماع عسى اختلاط.
ومن الضحايا في الأفران وفي كتاب البنيان والشجار والمياه، والأنهار، من الوضاحة عن مطرف فيمن اتخذ برجًا للحمام وفيه كوى من خارجه فتأوى الحمام في داخله وخارجه إلى حمام وضعها فيه، إن عرف شيئًا من الحمام بعينه وعرف صاحبها ردها إليه إن استطاع، وإن لم يستطع رد عليه فراخها إذا فرخت.
وإن اختلط ذلك كله عليه ولم يعرف شيئًا بعينه ولا استطاع صرفه – وإن عرفه – فلا شيء عليه، وله كل ما أوى إلى برجه وعصافر في داخله وخارجه، وله أن يمنع ذلك من غيره، والنحل كذلك إذا آوت إلى خليته ولم يستطع تمييزها وكلها له لا شركة للآخر فيها.
ومثله لابن القاسم من رواية حسين في آخر جامع العتبية في الحمام والنحل وفي آخر كتاب تضمين الصناع منها: قيل لسحنون: أرأيت من أوقعت الريح ثوبه في صبغ سواد رجل والسواد ينقص الثوب؟ قال: لا يضمن بعضها لبعض شيئًا وهي مصيبة دخلت عليهما، ولو سقط من يده في صبغ الصباغ لضمن للصباغ صبغه، زاد في ثوبه أو نقص؛ لأنها جناية منه على نفسه.
ولو أسقطته الريح في الصبغ فزاده الصبغ لكانا شريكين في الثوب ويباع؛ فيكون لرب الثوب قيمته أبيض ولرب الصبغ قدر ما زاد الصبغ في الثوب، ولو سقط من يده في الصبغ فزاد فيه فهو ضامن للصبغ؛ لأنها جناية منه.
لم يقرأه ابن لبابة وأدخلها ابن أبي زيد في النوادر.
وقال ابن عبد الحكم عن أشهب في القصار يعلق الثوب على حبل في العمل فحملته الريح فألقته في قصير به صباغ، فإن زاده ذلك تحاصًا في الثوب، وإن نقصه فعلى القصار ما نقصه ولا شيء على الصباغ.
قال بعض أصحابنا: إذا ثبت ذلك ببينة لم يضمن القصار إلا أن يعلقه في ريح شديد غليطة.
ومن هذا الشرح ما كتب به الباجي محمد بن أحمد بن عبد الله من أشبيلية إلى
الشيخ أبي عمران الفاسي بالقيروان وإلى الشيخ أبى بكر بن عبد الرحمن كتب إليهما فيمن ابتاع دارًا في بيت منها خوافي كبار فأراد البائع إخراجها منه، فلم يمكنه إلا بهدم البيت وهدم باب الدار، وفي ذلك ضرر كثير على البائع هل يفسخ البيع إن أبى المبتاع من الهدم؟ وكيف يصنعان في ذلك.
فجاوب أبو عمران: إذا تصادقا أنهما لم تكن لهما نية في حين التبايع في كيفية ما يعمل في الخرافي، مثل أن ينسى كل واحد منهما أمرها في إخراجها، فلاستحسان عندي أن ينظر؛ فإن كان الهدم لإخراجها يعاد إلى حاله بعد أخراجها ببناء يصلح به، فلبائع إخراجها ولعيه بناء ما هدم بسببها.
وإن كان لا يعود الهدم إلى حاله وإن بني ولابد من دخول نقص على المشتري في بيته أو باب داره، وإن بني البائع ذلك له فللمشتري أن يؤدي قيمة الخوافي له إن شاء، وتكون الخوافي له، كمن اشترى خشبة فبني عليها ثم استحقت فعليه قيمتها ولا يهدم بناؤه.
وقد قال ابن القاسم في رطل زيت وقع في زبيق لرجل ما قد وقفتم عليه، ولسحنون فيها أن أصلها القمح يختلط بشعير لرجل آخر في غير عداء أحد، وإن كره المبتاع ذلك قيل للبائع: إن شئت أن تخرج خوافيك وتصلح ما تهدم لإخراجها وتؤده قيمة ما تدخله من نقص بعد الإصلاح.
قال اب عبدوس في باب سفلى لرجل يعلق عليه الآخر، فلا يمكن الدخول عليه وفوقه علو لغيره: عن صاحب العلو الذي فوقه يرفع بنيانه ويلزم صاحب السفل غرم ما رفع فيه باب لرب العلو، كما قيل في إحدى الروايتين، فيمن انهارت بئره ولجاره بئر فيها فضل: أنه يسقي زرعه بالثمن، فإن امتنع في مسألة الخوافي مما قنلا بقيت الخوافي في مواضعها حتى يصطلحها، وليس على المشتري أداء حصة البيت من الثمن إذا لم يقضه إياه فارغًا مما يشغله، كمن أكترى دارًا في بعض مساكنها متاع له.
وأجاب ايض في سنور انفلت من ربه فدخل في حانوت زجاج واستتر فيه، فأراد طلبه وإخراجه من الحانون فمنعه رب الحانون وقال له: إذا فعلت ذلك كسرت علي الزجاج أو تحرك السنور فكسره، وقيل لهما: ذهب أهل العلم عندنا إلى ترك السنور حتى يخرج ويؤخذ من غير ضرر على صاحب الزجاج، والزجاج يأبى أن يترك السنور خوفًا
على زجاجه.
فقال: إن رجي خروجه بالقرب تلوم فيه وصبر الزجاج، وأما إن قطن الموضع فها هنا إن اختاره الزجاج أن يؤده قيمة السنور لئلا يبطل عليه زجاجه كان ذلك له، وإن أبى وشاء الآخر أن يؤدي قيمة الزجاج الذي ينكسر لخروجه كان له تنفير السنور وطلبه؛ لأنه في تنفيره إياه كناخس دابة فتحني على إنسان أو يزعرها فترمح فهو ضامن لما جنت، وكذلكما يكسره السور في تحريك صاحب له من الزجاج يضمنه.
وربما ضمت الضرورة في نحو هذه المسألة إلى تحرير النظر إذا نزل ما يتشاح فيه من نحو هذا؛ مثل أن تقع جوهرة نفيسة في زجاجة محكمة في مثل هذا فما أداه إليه اجتهاده بعد التأمل وسعة الحكم به والفتية، إن كان أهلا لذلك، وبالله التوفيق.
وجاوب أبو بكر بن عبد الرحمن في مسألة الخوافي: إن كان المبتاع قد علم بها ووقع شراؤه على أنها للبائع لزمه إخراجها، وإن هدم عليه بعض الهدم، وإن كان لم يعلم بها فله في ذلك متكلم وحجة، فإن كان الذي يهدم لعيه يسرًا هدم وقيل للبائع: أصلحه ورده على حسب ما كان وإلا يفسخ البيع.
وقد روى أشهب فيمن هدم لرجل حائطًا أن عليه أن يعيده على ما كان عليه، وكذلك في السنور، فلذلك قلت: إن يعيده إذا كان يسيرًا، ولأن ذلك ضرورة نزلت، إلا أن يصطلحا على شيء يجوز بينهما، وبالله التوفيق.
وقال في مسألة السنور: الذي قاله بعض أصحابنا: من ترك السنور حتى يخرج حسن، إلا أن يجب صاحبه أن يخرجه ويضمن ما أتى علي يديه من ذلك.
وقد قال بعض أصحابنا فيمن ركب فرًا فغلبه فلم يقدر عليه أن ضامن لكل ما أهلكه؛ لأن ركب بما لا يقدر على ضبطه، فكذلك هذا يضمن ما أهلكته السنور، وبالله التوفيق.
قال القاضي عيسى بن سهيل:
جواب أبي عمران فيها أكمل وأنبل وقد رأيت لابن عبد الله بن أبي زمنين في ثور دخل قرناه بين غصني شجرة ولم يستطع على إخراج الثور وإطلاقه من ذلك، أن الغصن يقطع ويؤدي رب الثور قيمته، والله أعلم بالصواب.
وفي جنائز العتبية في نوازل سحنون، في ميت دفن وسوى عليه قبره، فادعى رجل
أن الثوب الذي كان على كفنه له، وله بينة أولا بينة له، أو ادعى على أنه سقط منه خاتمه في القبر أو دنانير لها بال وله بينة قال: لا أدي ما قول مالك، اء كان شأن يعرف أقر له بذلك أهل الميت ولم يدعوه لهم ولا للميت، جعل له سبيل استخراج ثوبه، ولم يذكروه، وكذلك الخاتم والدنانير.
ومن قول أهل العلم في ميت كفنون وسجي عليه أهله بثوب فنسوه وأنزله في لحده به، ولم يذكروه حتى سوى عليه فإن كان يسير الثمن وهو للميت ترك ولم يكشف عنه، وإن كان كثير الثمن كشفوه وأخرجه، وإن كان لغير الميت وشح به صاحبه كشفوا عنه وأخرجوه؛ كان نفسيًا أو غيره، ففي هذا دليل.
ومن سماع عيسى: قال مالك: وإن دفن في ثوب ليس له نبش ونزع عنه إلا أن يطول أو يروح فلا سبيل إليه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يشهد من يتسمى في هذا الكتاب من يشهد أنهم يعرفون عبد الجبار بن زاهر الصقلي بعينه واسمه، وأنه قبض من عبيد الله بن عبد الله بن الرقي مائة قفيز واحدة وخمسة وستين قفيزًا من قمح بلدي بكيل أشبيلية، وانتقل جميعه من داره بحومة باب الحديد إلى مركبه للسفر به قبل نكبه عدب الله بن الرقيق لستة أشهر أو نحوها، وصار جميع القمح عنده.
شهد بذلك كله من علمه على حسب نصه وأقر بذلك عبد الجبار عنده وأوقع عليه شهادته في صفر سنة ست وسبعين وأربعمائة فلان وفلان.
ثم طلب ابن الرقيق القمح واختلفا فيه فأثبت العقد عند حكم أشبيلية، وخاطب بها قاضي طنجة إذ كان ابن زاهر قد صار فيها، واستفتى في ذلك فأجبت فيه: إن ثبت العقد على نصه فالقول قول عبيد الله، في الوجه الذي يدعيه في دفع الطعام من سلف أو بضاعة، وإن زعم أنه باع من عبد الجبار وأنكر عبد الجبار، حلف عبد الجبار، وكان الطعام عليه سلفًا إن شاء الله عز وجل.
وأفتى ابن سمحون بطنجة: أما توجه الحكم بهذا الاسترعاء وأما توجه بوجه الشأن بعد الاستقصاء، فأن تكون يد عبد الجبار ضامنة لمثل ما قبضت، فإن ادعى هو أو وراثه أن أمين فعلى الطالب اليمين، وإن زعم الطالب أنه بضاعة عرض وزعم المطلوب أن يده فيه يد مقترض، فالقول قول المطلوب خلافًا لمن قال: القول قول عبيد الله إن زعم أنه
بضاعة.
وما قلته قال ابن القاسم رحمه الله في المدونة، وفي كتاب محمد، والأصل في هذا أن ظاهر الشهادة توجب على عبد الجبار عدد المكيلة ولاصفة، فمن يجد إلى ما يوجبه الحكم لم يلزمه خلافه إلا بنكوله له عن اليمين، ومن ادعى خلافه من طالب يزعم أن ذلك فيأمانة المطلوب وديعة أو بضاعة أو ما أشبه ذلك، وأنه شغل ذمة المطلوب بثمن ذلك ببيع صحيح، فإن ............. 1 المطلوب إلى ما يوجبه الحكم الذي قدمناه، فالقول قوله، ويلزمه المثل.
وأما البيع الفاسد فقصاره في الحكم إيجاب رد المثل، ولا ينبغي أن يحمل القول في ادعاء الطالب دون أن يفصل صحيحًا أو فاسدًا، ولولا كراهة الإسهاب لزدنا في الواجب، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله عز وجل.
تمت المسائل بحمد الله بتمام جميع الديوان، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وسلم تسليمًا كثيرًا.
تم الكتاب وربنا محمود بمحامد تبقى وليس تبيد، رب يجود على العباد برزقهم، ورب رحيم ماجد معبود، وقضى على من عاش منا بالفناء؛ لا والد يبقى ولا مولود.
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى الله وصحبه وسلم تسليمًا عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل ن ذكره الغافلون، ورضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله أجمعين.
يارب العفو من عندك، يارب العفو من عندك، يا رب العفو من عند، فسفينتي غريقة إن لم يكن عفوك.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى الله وصحبه أجمعين.
تسمية الفقهاء وتاريخ وفاتهم نفعنا الله بهم
أبو عبد الله محمد بن عتاب بن محسن
: كان عالمًا عاملاً، توفي سنة اثنيتن وستين واربعمائة، وصى عليه ابنه عبد الرحمن، وشهد جنازته المعتمد على الله محمد بن عباد، ومشى فيها على قدميه، ومولده سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة.
أبو إبراهيم اسحقا بن إبراهيم التجيبي
: كان من أهل العلم والزهد والدين المتين، ووتوفي سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.
أبو عمر أحمد بن محمد بن عبيسى بن هلال
، يعرف بابن القطان: كبير المفتين بقرطبية، قرأ على أبو محمد الشقاق وابن دحون، ثم تفوي بكورة باغة سنة ستين وأربعمائة، مولده سنة تسعين وثلاثمائة.
و
أبو مروان عبيد الله بن محمد بن مالك
: كان حافظًا للمسائل والحديث ومعاني القرآن، متواضعًا كثير الورع، توفي سنة ستين وأربعمائ، ومولده سنة أربعمائة، وهو قرطبي.
أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد بن سلمة الأنصاري
:
من طليطلة كان حافظًا للمسائل دريًا بالفتوى، وتوفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ومولده سنة إحدى وأربعمائة.
وأبو عمر أحمد بن سعيد بن إبراهيم الهمداني:
عرف بابن الهندي القرطبي، روى عن قاسم بن أصبغ، كان حافظًا للفقه وأخبار أهل الأندلس بصيرًا بعقد الوثائق، توفي في رمضان سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، ومولده سنة عشرين وثلثمائة، وصلى عليه القاضي أحمد بن ذكوان.
سليمان بن محمد بن بطال البطليوس
: له تأليف سماءه المقنع في أسول الأحكام، لا يستغنى عنه الحكام، وكان طالبًا لأبي عبد الله بن أبي زمنين، وقرأ عليه أبو عمر بن عبد البر، تفوي سنة أرعبمائة أو نحوها.
أبو بكر محمد بن بيقي بن زرب
: قاضي الجماعة بقرطبة أعلم الناس بالفقه، توفي في رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
أبو زكريا يحيى بن عبد العزيز
: كمان من المشاورين مع عبيد الله بن يحيى بن يحيى، وكان يميل إلى مذهب الشافعي توفي سنة خمس وتسعين ومائتين.
و
أبو عثمان سعيد ابن حميد بن عبد الرحمن
: كان فقيهًا عالمًا وقورًا ورعًا، روى عن يحيى بن مزين، وأخذ عنه محمد بن أحمد، توفي سنة إحدى وثلاثمائة.
سعد بن معاذ الشيباني
: كان سيخًا حافظًا للسمائل، حج وأدرك محمد ابن عبد الحكم، توفي سنة ثمان وثلاثمائة.
أبو عبد الله محمد بن عمر بن لبابة
: كان صالحاً متقدمًا في حفظ كتاب الله، لا علم له بالحديث، أدرك يحيى بن مزين، ودرس كتب الرأي ستين سنة، توفي سنة أربع عشرة وثلاثمائة وهو ابن تسع وثمانين سنة، وصلى عليه ابنه أحمد.
يحيى بن زكريا بن سليمان
: كان صالحًا فقيهًا في المسائل مساورًا مع ابن لبابة، تعظمه لاخاصة والعامة، توفي سنة خمس عشرة وثلثمائة.
محمد بن غالب بن الصفار
: كان جليل القدر عالمًا بالفقة مقدمًا في الوثائق مشاروًا مع ابن لبابة، توفي سنة خمس وتسعين ومائتين، وصلى عليه ابنه أحمد.
محمد بن وليد
: كان حافظًا للفقه وعليمًا بالوثائق، من أكبر الناس عند أحمد بن محمد بن زياد القاضي في أيام الأمير عبد الله، توفي سنة تسع وثلاثمائة، وصلى عليه ابن لبابة.
أيوب بن سليمان
: من جيان، كان فقيهًا عالمًا توفي سنة اثنين وثلاثمائة.
ظاهر بن عبد العزيز
: قرأ على بقي بن مخلد، كان عرافًا بالحديث رواية له، توفي سنة خمس وثلاثمائة.
أحمد بن بيطير
: كان حافظًا للفقه، روي عن ابن وضاح، وكان مولى لمحمد بن يوسف بن مطروح، وكان مشاورًا في أيام الأمير عبد الله، توفي سنة ثلاث وثلاثمائة.
محمد بن عبد الملك بن أيمن
: إليه انتهت رئاسة الأندلس في الفقه، وله نصيب من علم الحديث، توفي سنة ثلاثين وثلثمائة، وصلى عليه ابنه محمد أحمد.
أحمد بن بقي بن مخلد
: قاضي القضاة بقرطبة، من أعقل أهل زمانه، توفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
أحمد بن يحيى بن يحيى بن يحيى
: روى عن عمر عبيد الله، كان حافظًا للمسائل مشاورًا فيها، توفي سنة سبع وتسعين ومائتين.
أحمد بن محمد بن زياد
: قاضي الجماعة بقرطبة قد عرف في خلافة عبد الرحمن بن محمد سنة سبع وثلاثمائة، وولي القضاء بعده أسلم بن عبد العزيز.
و
أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبيد الله بن سعيد الأموي
:
عرف بابن العطار، وكان مع علمه في الفقه والوثائق بصيرًا بالأدب وعلم الحساب، قدمه للشورى أبو بكر بن زرب، توفي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين:
شيخ جليل من كبار المحدثين والعلماء الراسخين، توفي سنة ثمان وستين وثلاثمائة.
أبو عبد الله محمد بن فرج مولى الطلاع
: كان فقيهًا عالمًا بعقد الشروط، مع خير وعفاف، لا تأخذه في الله لومة لائم، توفي سنة سبع وتسعين وأربعمائة.
أبو مروان عبيد الله بن يحيى بن يحيى
: كان شيخًا جليلا معظمًا، لم يرو بالأندلس عن غير والده، وحج، وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائتين.
أبو محمد عبد الله بن يحيى بن أحمد الأموي
: يعرف بابن دحون كان من جملة الفقهاء وكبارهم، توفي سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
أبو عبد الله محمد بن عمر الفخار
: من كبار أهل العلم المسنجدين، كان يحفظ المدونة توفي سنة تسع عشرة وأربعمائة.
أبو الحسن خالد بن وهب التميمي
: عرف بابن الصقر، كان فقيهًا في المسائل، شور في أيام الأمير عبد الله وأول أيام عبد الرحمن بن محمد، وتوفي الأمير عبد الله سنة ثلاثمائة.
أبو عبد الله محمد بن عبيد الله بن يحيى بن يحيى
: كان ستفتي مع أبيه، توفي سنة ثلاث وثلاثمائة.
يحيى بن إبراهيم بن مزين
: من طليطلة، كان من أحفظ الناس للموطأ، وتوفي سنة تسع وخمسين ومائتين.
أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم
: صاحب الثمانية، كان متفننا في الحديث، والأغلب غليه الفقه، وسمع من يحيى بن يحيى، توفي سنة ثمان وخمسين ومائتين.
أبو مروان عبد الملك بن حبيب
: من اليحرة، كان جماعة العلم، كثير الكتب، توفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
أبو محمد يحيى بن يحيى
: كان أخذ في هيئته بزي مالك بن أنس وقرأ عليه موطأ بالمدينة، وتوفي سنة أربع وثلاثين ومائتين، وصلى عليه ابنه عبيد الله.
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن المواز
: كان من الإسكندرية، تفقه بابن الماجشون، واعتمد على أصبغ، ومات سنة إحدى
وثمانين ومائتين، والمعول بمصر على قوله.
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبدروس
: له كتاب كالمدونة سماها المجموعة، مات سنة إحدى وستين ومائتين.
محمد بن حارث العروي
: انتقل إلى قرطبة كان حافظًا للفقه له تآليف كثيرة فيه وفي غيره، وتوفي سنة أربع وستين وثلاثمائة.
الليث بن أحمد بن حريش العرري القرطبي
: كان عالما بالرأي وحافظا ووافرًا من علم الحديث واستفتى بالمرية، توفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، ومولده سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.
أبو محمد موسى بن هديل بن محمد بن تاجيد البكر القرطبي
: يعرف بان عبد الصمد، روي عن أبوي محمد الشقاق وابن دحون، كان مشاورًا في الأحكام، وعزم عليه محمد بن جهور أن يوليه القضاء بقرطبة، فقال له: أخرني ثمانية أيام حتى نستخير الله، فأخره فعمي في ذلك الأيام، توفي سنة اثنين وستين وأربعمائة.
أبو بكر يحيى بن محمد بن بيقي بن زرب
: ولاه أبو محمد ابن جهور أحكام القضاء بقرطبة والصلاة والخطبة، ولم يكن له كبير علم، وتوفي سنة سبع وأربعين وأربعمائة.
أبو عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام الأشبيلي
: عرف بابن المكوي، كبير المفتيين بقرطبة الذي انتهت إليه رئاسة العلم بها، تفقه عند اسحقا بن إبراهيم الفقيه، ودعي إلى قضاء قرطبة فأبى، توفي سنة إحدى وأربعمائة، ومولده سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
أبو عمر أحمد بن رشيق التغلبي
: شور في المرية، ونوظر عليه في الفقه، وكان له حافظًا، توفي عام ستة وأربعين وأربعمائة.
أبو جعفر أحمد بن مغيث أحمد بن مغيث الصدي
: من طليطلة من جلة علمائها، عالم بالحديث، وعقد الشروط، وله يها تأليف حسن سماع المقتنع، توفي سنة تسع وخمسين وأربعمائة، ومولده سنة ستة وأربعمائة.
أبو جعفر أحمد بن محمد بن عبد العزيز اللخعي
: من أشبيلية، توفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسائة.
أبو علي حسين بن محمد بن سلمون المسيلي
:
أصله من العدوة، شور بقرطبة، كان لا يحسن سوى المسائل، توفي سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة.
أبو علي الحسن بن أيوب بن محمد بن أيوب الأنصاري:
عرف بالحداد، من قرطبة، تفقه عند أبي بكر بن زرب، وكان عالمًا بالمسائل والحديث، مقدمًا في الشورى، توفي سنة خمس وعشرين وأربعمائة، ومولده سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
أبو القاسم سراج بن عبد الله بن سراج
: قاضي الجماعة بقرطبة، وكان مشاورًا بالأحكام من قبل؛ وكان على منهاج السلف المتقدم، توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة وهو ابن ست وثمانين سنة.
أبو بكر يحيى بن عبد الرحمن بن واقد اللخعي
: قاضي الجماعة بقرطبة، كان فقيهًا بصيرًا بالأحكام مع الورع والفضل والتوضاع والدين، توفي سنة أربع وأربعمائة.
أبو الوليد يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث بن عبد الله
: قاضي الجماعة بقرطبة وصاحب الصلاة والخطبة، توفي سنة تسع وثمانين وأربعمائة مولده سنة ثمان وثلاثمائة.
أبو المطرف عبد الرحمن بن سعيد بن جرح
: من البيرة وسكن قرطبة، روى ببلده عن أبي عبد الله بن أبي زمنين، ولي الشورى بقرطبة، كان حافظًا للمسائل، وله حظ في علم النحو، توفي بقرطبة سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، ومولده سنة ثمان وستين وثلاثمائة.
أبو مروان عبد الملك بن محمد بن عبد الملك بن أصبغ القرشي
: كان من أهل العلم له تأليف حسن في الفقيه والسنن، شديد الحفظ مع الفضل والتواضع، توفي سنة ستة وثلاثين وأربعمائة، ومولده سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.
أبو محمد عبد الله بن سعيد بن عبد الله الأموي
: عرف بابن الشقاق، كبير المفتين بقرطبة، توفي سنة ست وعشريين وأربعمائة، ومولده سنة ست وأربعين وثلاثمائة.
محمد بن يحيى بن زكريا بن برطال
: ولي القضاء بعد أبو بكر بن زرب، توفي سنة أربع وتسعين وثلاثمائة.
أبو المطرف عبد الرحمن بن بشر
: كان من الراسخين ومن كبائر المشاورين بالعقود والأحكام، لا يجاره في ذلك، وكان قاضي الجماعة وصابح الصلاة بقرطبة، توفي في النصف من شعبان سنة اثنتين وعشرين وأرعبمائة، وهو ابن نحو ثمان وسبعين سنة، وصلى ابنه عيه يونس بن عبد الله.
أبو عبد الله محمد بن سعيد الموثق، المعروف بالملوان
: ولي بشرطة الأمير عبد الله، له تأليف في الوثائق، روي عن يحيى بن يحيى، توفي في صدر أيام الأمير عبد الله.
ابن حنين
: كان عالمًا روى عن عبيد الله بن يحيى بن يحيى، توفي سنة ثمان عشرة وثلاثمائة.
محمد بن إبراهيم بن عيسى
: ورى عن ابن وضاح، وكان عظيم النعمة متشبهًا بالملوك الأكابر، توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
محمد بن إسحاق بن السليم اللخمي
: من أشرف عرب شدونة البيح تنسب المدينة المعروفة ببني السليم، وكان قاضي الجماعة بقرطبة عالمًا بالحديث والفقه، ولي القضاء بعد منذر بن سعيد، توفي سنة سبع وستين وثلاثمائة.
أبو محمد عبد الله بن موسى بن سعيد الأنصاري الشارقي
: من أهل طليطلة روى عن أبي محمد بن دحون وأبي عمر الطلمنكي، وكان حسن الإدراك حصيف العقل، مع الصلاة الطويلة والصوم الدائم، توفي سنة ست وخمسين وأربعمائة.
أبو بكر محمد بن محمد بن مغيث بن أحمد مغيث بن أحمد بنمغيث الصدي
: من طليطلة، روى عن أبي عبد الله بن أبي زمنين وأبي عمر الطلمنكي، وكان من جلة الفقهاء، توفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة.
أبو عمر أحمد بن إبراهيم بن هشام التميمي
:
من طليطلة، كانمعظمًا عند الخاصة والعامة.
توفي عشر الثلاثين وأربعمائة.
أبو جعفر أحمد بن قاسم بن محمد بن يوسف اللخمي
: من طليطلة، يعرف بابن رافع، ورى عن محمد بن إبراهيم الخشني، كان حافظً للفقه راهبًا فيه بصيرة بالحديث وبمثله عارفًا بعقد الشروط، شاعرًا مطلوبًا، توفي ليلة عاشوراء، سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، قال ابن مظاهر: سمعت الناس يقولون يوم جنازته: اليوم مات العلم.
أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن عيسى الأموي
: من سرقسطة، كان فقيهًا حارجًا للرأي، استقصاء المقتدر بالله بمدينة سالم، توفي سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.
أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطي
: ولي قضاء الجماعة بقرطبة أيام عبد الرحمن الناصر واستعفى عنها فما أعفى، وله تأليف في السنة والقرآن والورع والزهد وارد على أهل الأهواء، وكان مع ذلك خطيًا بالغًا شاعرًا محسنًا، ولى سنة ثلاث وعشرين ومائتين عند ولاية المنذر بن محمد، وتوفي يوم الخميس لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة خمس وثلاثمائة.