باب مسائل الاحتساب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو الأصبغ
- الكتاب
- ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام
- المؤلف
- عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي الجياني القرطبي الغرناطي أبو الأَصْبَغ (المتوفى: 486هـ)
- المحقق
- يحيي مراد
- الناشر
- دار الحديث، القاهرة - جمهورية مصر العربيةعام النشر: 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وفي المجموعة:
سئل سحنون عن طريق الفدادين، فقال: إن كان لهم أمر معروف حملوا عليه وإن نظر، فإن كان أهل الفدادين من سبق منهم إلى حرث فدانه لم يقدر أحد أن يشقه، ودار أصحابه من وراء ذلك فليس لأحد على أحد طريق، وإن كان إذا حرث أحدهم شقوا أرضه وسلكوا في حرثه طريقًا قد عرف ذلك فهو على ما عرفوا ليس لأحد أن يغيره.
وفي الأقضية:
في نوازل سحنون في أهل منزل يحجز رجل على حق له، وارض يغرسها وكان أهل المنزل يسلكون فيها طريقًا هم وغيرهم فقاموا عليه فقالوا: قطعت طريقنا فأنكر أن يكون طريقًا لهم لازمة، فأتوا هم إلى الحكم ببينة أنهم يعرفونها طريقًا سلكها الناس منذ عشرين سنة، ويأتي رب الأرض ببينة أنها طريق محدثة بلا حق.
قال سحنون هذا كثير ما يكون بين المنازل، ويختصر الناس في الأراضي وربما قطعها الحرث، حتى ربما كانت القرية تؤتي من غير طريق، وربما تساهل الناس في أرضهم لاستبعادهم عن ذلك، فإذا ثبت أن هذه الطريق من تلك الأرض فليست بلازمة لرب الأرض إلا أن تكون الطريق الحاملة التي تركب من غير وجه، ويطول ذلك، وتقطع مدة كرية الزرع في اتساعها، وطول زمنها الخمسين والستين سنة فأما الطريق المختصرة فليست بحجة على صاحبها، إذا ثبت ذلك كما ذكرت لك.
وفي رسم المكاتب من سماع يحيى:
ذكر الأفنية وفي كتاب السلطان في رسم طلق وغيره من هذا الأصل وفي قسمة المدونة مسألة من له نخلة في أرض رجل، تركنا جلب هذا وغيره كراهية التطويل، ويما ذكرناه ونبهنا عليه تبصرة لمن استبصر وتذكرة لمن أراد أن يتذكر.
ادعى أن واليا بجيان غصبه منزله فأمر الأمير بالنظر هل:
فهمنا – وفق الله القاضي – بطاقة حسنة وتضرعًا لرجل من أهل جيان ملهوف بأمرك الأمير – أصلحه الله – بالنظر لصاحب هذه البطاقة بالحق والسنة وكشفتنا عن وجه النظر فيها، وكانت شكية الرجل صاحب البطاقة بعامر بن أبي عامر وأنه غصبه منزله في أيام ولايته كورة جبان، فوجه النظر أن تحمل هذا القائم إثبات موت عامر بن عامر وعدة ورثته وغصبه إياه هذا المنزل، فإذا أثبت ذلك أعذرت إلى ورثته ثم تنظر بينهم بما
يظهر لك إن شاء الله.
قال بذلك محمد بن لبابة، وعبد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد.
مسألة ابن نيرة وابنه المقتولين من مماليك منية العجب واعتقال أموالهما لينظر فيها:
مد الله القاضي في النعمة، وللمسلمين في بقائه ودوام أيامه أنت والله نسأله حياطتك في كشفك عن الواجب عليك في جميع نظرك على أفضل ما كان عليه سلفك رحمه الله أخذًا بالحيطة لنفسك ولمن تنظر له، فحاطك الله وحاط بك الذي أحببت – وفقك الله – معرفته في أمر ابن نيرة المقتول، وابنه المقتول معه، وأنهما في ديوان القضاء على اسم مملكة.
وأن من كمان بمينة العجب موقفًا لعمارتها إنما كان في عبيد مسمين قد سميت نساؤهم وأولادهم في كتاب المدون للقضاة، وحجرت على العبيد في نكاح الحرائر، فلم قتل ابن نيرة وابنه أشكل عليه أمرهم، ولم تعلم أهما من أبناء الحرائر أم من أبناء الإماء؟ ورفع رافع أن لابن نيرة مالاً، وقد تخلف ولدًا صغيرًا، ولم يزل الله يحوط بك الصغير والكبير، والحضار والبادي.
فالذي يجب عليك اعتقال مال ابن نيرة من وجهين: أحدهما أنه إن كان من أبناء الإماء هو وابنه المقتول والصغير الباقي، فلما له حكم وإن كان في نفسه من أبناء الحرائر انتقل الحكم إلى غير ذلك إن كان ابنه مثله.
ولو لم يكن هذا المعنى قائمًا لكان عليك النظر للصغير في جميع ماله كما لم تزل تفعل في مال غيره فمره – وفقك الله – باعتقال ذلك ومعرفة مبلغ المال ثم تجمع أهل شوراك فتفصل بما يجتمع عليه قولهم – إن شاء الله – فقد كان في أيام القاضي ابن سلمة مثل هذه القضية في رجل مات منهم وأنت باستقصائك وموالاتك بالمشاورة لا تعدم التوفيق – إن شاء الله – قال محمد بن غالب وعبيد الله وابن لبابة وأبو صالح ومحمد بن وليد.
من لزمه حد ولم تعرف حقيقة بلوغه:
قال ابن لبابة إنما يعرف البلوغ بالسنين كما فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) إذ رد ابن أربع شعرة سنة ومن جهلت سنوه؛ ففيه للصحابة حكم في المهري اختلفوا فيه بالإسكندرية إن كان بالغًا أو غير بالغ، فأمر أبو بصرة الغفاري بالنظر إليه إن كان أنبت فيحكم له بالبلوغ،
وإن كان لم ينبت لم يحكم له به ولا يفرض له في المغانم، والعمل في الإسلام على هذا إن وجدت من يقطع عل ولادة، وإلا فقد نظرنا إليه لم ينبت وحسبك هذا حكمًا من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم).
صبي أسلم وأراد الرجوع إلى دينه: أتاني – رحمك الله – صبي لم يبلغ فأسلم وصار عند رجل فضمه إليه ابتغاء ثواب الله عز وجل فتردد عليه أبواه يريدان رده إلى دينهما، والغلام يأبى، فلما كان البارحة أتاني والده فأعلمني أن ولده يريد الرجوع إلى والديه ودينهما، فاكتبوا غلي بما يجب في ذلك.
قال ابن لبابة:
فهمت ما ذكره القاضي، فإن كان الغلام قد عقل، مثل أن يكون ابن عشر سنين أو ما زاد فليتشدد عليه ويهدد ويوعد عليه، فإن لج في الرجوع إلى دينه برئ به إلى أبويه ولم يبلغ به القتل ولا يكون هذا معجلا حتى يبلغ، ثم تكون الفتيا على ما مضى في الجواب، وأسأل الله التوفيق.
غلام أسلم ثم عاد إلى النصرانية دينه:
كتب القاضي إلى عبيد الله بن يحيى – حفظك الله وأبقاك – أتاني – رضي الله عنك – غلام من النصارى يريد الإسلام، فأسلم على يدي وكتبت إسلامه وأشهدت عليه، فلما كان بعد أيام أتاني فذكر أنه بدا له عن الإسلام فامتحنته فوجدته مصرًا على ما قال، فانظر إليه وإلى كتاب إسلامه، وتكتب إلي برأيك فيه مفسرًا إن شاء الله.
فجاوبه:
أسأل الله أن يديم إقامة السنين بك، وأن يجزل على ذلك ثوابك، الغلام – مد الله في عمرك – في قده مراهق ولا أظنه بلغ، فأرى أن يحمل عليه الوعيد، فإن رجع إلى الإسلام فبتوفيق الله وجميل نظرك/، وإن أصر حبسته أيامًا لعله يراجع أمر الله، فإن أصر تركته في سخط الله عز وجل، فليس بأول من أغواه الشيطان، والله أسال لك أجزل الثواب وأعظم الأجر، والسلام عليك ورحمة الله وقال ابن لبابة مثله.
قال القاضي:
هذه أجبوة مهلهلة يسلم وهو مشكوك في بلوغه ثم يرتد ولا يجبر على الإسلام إلا بالوعيد وسجن أيام!! هذا جهل من قائله! قال سحنون من أسلم قبل بلوغه ثم عقل
الإسلام فارتد ومات قبل البلوغ، وهو يكره على الإسلام فميراثه لأهله.
قال ابن القاسم وأشهب وعبد الملك: ولو لم يمت لم يقتل، وإنما يكره على الإسلام بالضرب وإن بلغ والمغيرة يقتله إن تمادي بعد البلوغ.
وأما ن ارتد من أولاد المسلمين فاليؤدب، فإن تمادى حتى بلغ، فأصحابنا مجمعون على أن يقتل إذا بلغ وتمادى، ابن سحنون قال المغيرة: إن أسلم غلام مراهق يعقل الإسلام ثم مات فلا يرثه أبواه الكافران، وقد أجاز عمر وصية غلام يفاع.
وإن مات أبواه أوقف ميراثه؛ فإن رجع الغلام إلى دين أبيه قبل الحلم ورثه، وإن لم يرجع لم يرثه.
من حدود النوادر.
وفي قول المغيرة هذا نظر فتدبره، وفي هذه الجملة بيان خطأ الجواب في مسألة الصبي الذي أغواه التي قبل هذاه.
غلام يزعم أنه حر وأنه يكره على اليهودية، وادعى يهودي أنه مملوكه فوقف عند أمين فقال الأمين: إنه أبق منه:
فهمنا – وفقك الله – ما ذكرت من رفع الرافع إليك أن غلامًا أقفل عليه في دار يستغيث ويقول: إنه يكره على اليهودية فأرسلت من كشفته بكشف عن ذلك فانصرف ومعه يهودي وغلام بالغ فأعلمنهما بما رفع إليك، فقال اليهودي الغلام عبدي ابتعته منذ أربعة أعوام من يهودي من أهل طليطلة، والغلام حينئذ يهودي وأنكر أن يكون ضربه وأقفل عليه.
وقال الغلام: أنا حر ابن حرين مسلم ابن مسلمين من أهل طليطلة، قدمت منها منذ ثلاث أعوام مع رجل من اليهود فنزلنا فندقًا ثم انتقلنا منه إلى هذا اليهودي بخدمته، وإني حين أظهرت الإسلام وأردت الخروج عن خدمته ضربني وأقل علي وكشف الغلام عن ظهره وبه آثار ضرب شدية لا يمكنه فعل ذلك بنفسه، وقال له البينة أنه حر، وادعى اليهودي بينة حاضة يعرفون الغلام، وقال: إن معه عهدة الغلام مكتوبة بالعبرانية.
فوقف الغلام على يدي أمين الممتحن أمره ونأخذ رأي أهل العلم فه، وسأل اليهودي أن يحبس الغلام في السجن، ثم قال الأمين: ابق الغلام مني من غير تفريط في الاحتراس به، فقال اليهودي: إنه كان سبب إبقاء الغلام أن الأمين خرج به مع نفسه إلى ضيعة، وكان الغلام في مجلس حكومة القاضي في الوقت الذي ذلك فيه اليهودي أن الغلام
أبق إلى وقت ارتفاع القاضي من نظره، وطلب اليهودي إغرام الأمين قيمة الغلام، فسأله القاضي – وفقه الله – هل يجب على الأمين قيمة الغلام أم لا؟
فالذي نقول به في ذلك، والله الموفق للصواب: إن توقيف القاضي للغلام لاستبراء أمره حزن من النظر وصواب من الفعل، والذي يطلبه اليهودي من إغرام الأمين باطل لا يلزم؛ لأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "ليس على أمين غرم 1 ".
وقال أهل العلم: إلا أن يتعدى، وقلت: إنه ثبت عندك أن الغلام كان في مجلسك إلى أن ارتفعت عن النظر في اليوم الذي ذلك اليهودي أنه ابق يه الغلامن ولو ثبت خروج الأمين بالغلام ثم ثبت رجوعه به وابق، لم يضمن أيضًا فهذا قولنا فيما سألتنا عنه.
قاله ابن وليد.
وقال ابن لبابة: ليس على أمين ضمان إلا أن يثبت أنه سار به إلى باديته وأبقى من البادية، فلو ثبت ذلك بالبينة فحينئذ كان يضمن لأنه تعدى بإخراجه عن موضع أمانته، فيكيف وقد رئي في مجلس القضاء يوم إباقه، فهذا تكذيب لما ادعاه اليهودي وإسقاط لدعواه عن الأمين.
وقال عبيد بن يحيى: لا ضمان على الأمين إلا أن يكون أبق عنه من منزله، فأما إن كان رجع به فأبق من داره بعد أن ظهر في مجلس القاضي فلا ضمان عليه.
وقال أحمد ابن يحيى بن أبي عيسى: لا ضمان على الأمين وساق نحو كلام عبيد الله.
وقال محمد بن غالب: خروج الأمين بالغلام محترسًا به لا يوجب ضمانًا حتى يثبت بالبينة العدلة أنه خرج به لمفنعة نفسه، فيكون متعديًا فيضمن، وإن رجع به فلا ضمان عليه أصلاً في كل حال، وقال يحيى بن عبد العزيز مثل ذلك، وقال أيوب مثله، وقال سعد ابن معاذ مثل قول عبيد الله.
من تعدى على باب رجل فكسر بابها وضرب ربها وانتهب ما فيها:
شهد عند القاضي شهود أنهم قالوا لعمر بن عبد العزيز: لقد ساءنا ما سمعناه عن ولديك من مسيرهما بجماعة من أهل الفساد والشر منهم عبيد الأقطع وابن تمامة النواجه وحارث الجنان، وسعد الذي صار في خدمتك إلى دار يسكنها عبد الله، سكارى،
وكسروا الباب وهجموا على العيال، وانتهبوا ما في الدار، وضربوا عبد الله حتى أشفى على الموت.
فقال عبد الملك ومحمد ابنا عمر: نعم فعلنا ذلك وفي شهادتهم أنهم يعرفون الفعلة بأعيانهم وأسمائهم من أهل الفساد والشر وشرب الخمر والعباثة، وشاور في ذلك فقالوا فهمنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة، فرأينا شهادات توجب الأدب البليغ والحبس الطويل على الفعلة المسمين في هذا الكتاب المشهود عليهم إن لم يكن عندهم مدفع وإن ذكروا مدفعًا حبسوا وكشوفوا عن مدفعهم وهم في الحبس، فإن مثل هذا شنيع يكون في مجمع وحاضرة فستحقون الأدب البليغ، ومن شهد عليه بشرب الخمر منهم فعليه الحد وزيادة الأدب، لعظيم ما انتهكوا وأظهروا.
قاله عبيد الله وابن وليد، وابن لبابة وسعد بن معاذ.
قال القاضي:
سكتوا في جوابهم هذا عن الحكم على المشهود عليهم بغرم ما انتبهوا من الدار، على ما شهدوا به الشهود، وهو من فصول المسألة التي يجب بيانها.
قال ابن حبيب في كتاب الأحكام من أسمعته: سألت كطرفًا وابن الماجشون، عن القوم يعدون على منزل الرجل فيغيرون عليه والناس ينظرون فينتهبونه ويذهبون بما كان فيه من مال أو حلي أو ثياب أو طعام أو ماشية، غير أن الشهود لا يشهدون على معاينة ما يذهبون به إلا أنهم يشهدون على غاراتهم وانتهابهم.
فقال لي مطرف: أرى أن يحلف المغرا عليه على ما ادعى مما يشبه أن يكون له وأن مثله يملكه مما لا يستمكر ويصدق فيه، وقال لي ابن الماجشون: لا أرى أن يعطي بقوله ويمينه وإن ادعى ما يشبه، حتى يقيم بينة بدعواه، وسألت عن ذلك أصبغ فأخبرني عن ابن القاسم مثل قول ابن الماجشون، واحتج بقول مالك فيمن انتهب صرة دنانير بحضرة شهود ثم اختلف في عدة ما كان فيها ولا يعرف الشهود – قال مالك: القول قول المنتهب مع يمينه.
قال ابن حبيب: وقول مطرف في ذلك أحب إلي وبه أقول.
وقال ابن كنانة والظالم، أحق من تحمل عليه قلت لمطرف: فإن أخذ واحد من هؤلاء المغيرين، أيضمن جميع ما أغاروا عليه إذا شهدت به بينة أو حلف المغار عليه مما يشبهه؟
فقال لي: نعم يضمن ذلك من أخذ منهم، لأن بعضهم قوى ببعض، كلاقوم يدخلون حرز الرجل فيسرقون الخشبة التي لم يكن يقوى عليها وثمنها ثلاثة دراهم، فكلهم يقطع وكل واحد منهم يضمن جميع ثمنها إن كان له مال، من قبل أنه كأنه إنما سرقها وحده، ولو لم يضمن إلا ما ينويه وهو أقل من ثلاثة دراهم لما قطع إذن، ولكنه أنز كأنه سرق وحده ذلك جبر كأن بعضهم إنما قوي ببعض، فكذلك المغيرون على الرجل.
قال لي مطرف: وكذلك اللصوص المحاربون القاطعون الطريق؛ من أخذ منهم ضمن جيمع ما أخذ هو وأصحابه، وإن أخذوا جميعًا أخذ جميع السراق والمغيرين وهم أغنياء، أخذ من كل واحد ما ينوبه.
وقال ابن الماجشون وأصبغ في ضمان ذلك مثل قول مطرف.
قال لي مطرف وحد هؤلاء المغيرين في العقوبة كحد المحاربين إذا شهروا السلاك عليه، وفعلوه مكابرة على وجه الغلبة، كان بأصل نايرة أو على وجه الغياثة.
قال في جميعهم في والي بلد، يعتب على بعض أهله فيغير عليهم وينسف أموالهم ظلمًا، مثل قولهم في المغيرة.
مسألة في أهل الشر:
قرأنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة عندك، على أحمد وعمر ابني عطاف، بالأذى للناس باللسان واليد والشر والردى والفساد والبسط، والتعدي على الناس، وفهمنا منا ذكرته من قولك لبعضهم، يجب - أكرمك الله – على أحمد وعمر الأدب الموجع والحبس الطويل، فإن الإغلاظ على أهل الشر والقمع لهم والأخذ على أيديهم مما يصلح الله به العباد والبلاد.
قال ابن لبابة، وابن وليد بعد الإعذار في ذلك.
وقال به يحيى بن عبد العزيز، وابن معاذ وعبيد الله، وأيوب، وخالد بن وهب، وقال: من لم يمنع الناس من الباطل ليم يحملهم على الحق.
في امرأة رمت رجلاً أنه افتضها:
أتتني – رحمنا الله وإياكم – امرأة فذكرت أن رجلاً اختدعها وافتضها، ونسبت ذلك إلى رجل شهد عندي جماعة من خيار المسلمين ممن أعرفه أنه من أهل الطهارة والحالة الحسنة، وأنهم لا يعلمونه نسب إليه من هذا الشيء، وشهد عندي أن هذه الجارية منسوب إليها الردى، فاكتبوا إلي بما عندكم في ذلك.
الذي عندنا – أكرمك الله – في هذا أنها إذا رمت في ذلك رجلا لا شيبهه ما رمته به ولا ينسب إليه ما شهد به عليها مما نسب إليها، فالحد لعيها واجب للرجل الذي رمته حد الفرية ثمانون سوطًا.
قاله أبو صالح.
وقال ابن لبابة: وتضرب لإقرارها بالزنا مائة سوط فيكون عليها مائة وثمانون سوطًا، يريد إن أقامت على دعواها، وإن رجعت عن ذلك لم يلزمها إلا حد القذف.
قال القاضي:
وهذه المسألة إذا ادعت المرأة أن فلانًا استكرهها في المدونة في الخلع وكتاب الشهادة وكتاب الغصب، وكفى الشهادات، وعند آخر كتاب السرقة، وفي سماع أشهب في كتاب الغصب، وفي مساع عيسى في الحدود، وفي أول رسم من سماع يحيى في كتاب الدعوى.
وقال ابن المواز: إن جاءت به متعلقة تدمي أو لا تدمي، وهو ممن لا يتهم بذلك، حدت للقذف لا للزنا.
قاله ابن القاسم وابن وهب، وقاله مالك، وقال ابن الماجشون: ولا يلزمه صداق ولا أدب، ولا تحد هي لما رمته به، وقالع أصبغ.
وإن كان متهمًا فلها عليه صداق المثل.
قاله ابن الماجشون وأشهب، وقال ابن القاسم لا صداق لها أن يشهد رجلان أنه احتملها وغاب عليها، فتحلف وتأخذ صداقها إن ادعت أنه أصابها ويوجع هو ضرًا، وقاله مالك.
وقال ابن حبيب: سألت مطرفًا عمن سرق متاعه فاتهم من جيرانه رجلاً أو فريبًا لا يعرف حاله؛ أترى للإمام أن يحبسه حتى يعرف يسأل عنه ويتبين حاله؟ فقال لي: نعم، أرى ذلك على الإمام، وأرى ألا يطيل حبسه.
قلت له: فإن كان هذه المتهم مأبونًا بالسرقة متهمًا بها؟
قال فذلك أطول لحبسه، وإن وجد عنده بعض متاعه وادعى المتهم أنه اشتراه، ولا بينة له، وهو متهم بالسرقة فلا سبيل للمدعي إلا فيما في يديه وإن كان غير معروف بذلك، فعلى السلطان حبسه والكشف عنه.
وإن كان معروفًا بالسرقة مأبونًا في حاله حبس أبدًا حتى يموت في السجن.
قال: وسألت عنه ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ فقالوا مثله، وكتب بذلك عمر بن عبد العزيز.
وقال ابن المواز من ادعى سرقة واتهم بها من هو من أهل التهم، كشف واستقصى عليه بقدر تهمته وشهرته بذلك، وربما كان فيه الضرب، وهذا فول العلماء، وقاله مالك والليث.
قال ابن وهب: قال الليث من وجد معه متاع مسروق وقال: اشتريته، فإن كان متهمًا عوقب.
وكتب عمر بن عبد العزيز في مثله أن يسجن حتى يموت، وقال أشهب: إذا شهد فيه أنه متهم فإنه يمتحن بقدر ما اتهم فيه، وعلى قدر حاله، ومنهم من يجلد بالسوط مجردًا.
وإن كان الولي غير عدل فلا يذهب به إليه ولا يشهد عليه عنده، إلا أن يعرف أنه لا يأخذه بغير حق.
ابن المواز، وذكره ابن حبيب عن أصبغ من حال الوالي برجل، فقال: سرق متاعي، فأن كان موصفًا بذلك متهمًا هدد وامتحن وأحلف.
قال محمد: قال أشهب: لا يمين عليه.
قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: من شهدت عليه بينة أنه سارق معروف بالسرقة متهم بها قد سجن فيها غير مرة، إلا أنه لم تكن معه سرقة حين شهدوا عليه، فلا يقطع بذلك لكن يطال سجنه.
في الشهادة على ابن حمدون يعصر الخمر وبيعها:
شهد عند القاضي أحمد بن محمد قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن كليب ومحمد بن زياد وزكريا بن خميس، أنهم يعرفون عبد الله بن حمدون بعصر الخمر وبيعها وبشربها ويدخرها ويجتمع إليه أهل الشر والفساد.
فجاوب أبو صالح وابن وليد وعبيد الله:
شهد عند القاضي أحمد بن محمد قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن كليب ومحمد بن زياد وزكريا بن خميس، أنهم يعرفون عبد الله بن حمدون بعصر الخمر ويبيعها ويشربها ويدخرها ويجتمع إليه أهل الشر والفساد.
فجاوب أبو صالح وابن وليد وعبيد الله:
قرأت – وفقك الله – الشهادات وفهمتها – إن شاء الله – فإما شرب الخمر ففيه الحد ثمانون سوطًا، وأما عصرها وبيعها فالأدب على قدر ما يزعمه من ذلك وينهاه، وأما جمع أهل الشر والفساد فأكثر من ذلك من الأدب والحبس حتى بظهر منه توبة تعرف بعد الإعذار إليه في شهاداتهم عليه.
وقاله محمد بن وليد.
اللوث في الدم: كشفتك – رحمك الله – عن اللوث في الدم ما هو عندك وما يؤخذ به في ذلك، فقلت لي مشافهة: هو الرجل العذل، ولو وجدت في الدم أكثر من هذا لأخذت به اجتهادًا وحيطة، فأردت أنه يكتب إلي بخط يده بذلك ليكتب بعدك أصحابك.
فجاب عبيد الله بن يحيى بخط يده:
نعم – رحمك الله – كذلك قلت لك، وهو رأيي والذي كنت أعرف والذي رحمه الله يقوله ويشير إليه، وقال ابن لبابة: هذه مسألة فد اختلف فيها، فالذي وضعه مالك في الموطأ أن اللوث البينة غير القاطعة.
وروى أشهب عن مالك أن للوث: الشاهد العدل والشاهد غير العدل واللفيف، وروى ابن القاسم عن مالك وقال به أن اللوث الشاهد العدل، وقال به أصبغ.
وللقاضي – وفقه الله – التخير على الاجتهاد بما يوفقه الله له من الحق إن شاء الله.
وقاله أيوب بن سليمان، وسعد بن معاذ، ومحمد بن وليد ويحيى بن سليمان.
قال القاضي:
ما أدل هذه المسألة على قلة علم عبيد الله لاقتصاره في جوابه عنها على رأيه ورأي أبيه مما قيل في ذلك – رحمه الله وإياهم – وكذلك كان العلم في أكثر الأوقات عزيزًا قليلاً، فقهنا الله في الدين.
وقال ابن حبيب: سألت مطرفًا عن تفسير قول مالك: لا تكون القسامة إلا بأحد وجهين: قول المقتول دمي عن\د فلان أو لوث من بينة غير قاطعة.
فقال لي: سألت مالكًا عن اللوث، فقال لي اللطخ، أليس مثل اللفيف من السواد والنساء يحضرون ذلك، والرجلين غير العدلين أو النفر غير العدول يشهدون على ذلك، فتكون القسامة معهم.
قال مطرف وقد كان بعض أصحاب مالك يروي عنه أنه قال: لا يكون اللوث إلا الشاهد العذل.
وهو وهم من رواه، فاحذر هذا القول لا تقبله، فأظنه أنه قد انتهى إليك أنما قال له ابن أبي حازم ويومًا – ونحن جميعًا معه – يا أبا عبد الله ترى الشاهد العدل لوثًا؟ فقال: نعم، فجعله بعض من سمعه معنى أن تفسير اللوث: الشاهد العدل، وإنما معناه أنه لوث أيضًا، وهو أبين اللوث وأظهره، وإنما اللوث بعينه اللطخ البين، والشاهد الواحد منه اللوث والنفر غير جائزي الشهادة، أو الصبيان أو النساء إذا حضروا ذلك من اللوث أيضًا.
وقد قيل بذلك عندنا بالمدينة.
واللوث التباس الأمر واختلاطه، تقول: التاث هذا الأمر، فأعرف هذا، وإياك أن تقبل غيره.
وسألت عنه ابن الماجشون فقال لي مثل قول مطرف، وأعلمت به أصبغ فاستحسنه، وقال به، ورأى أنه الحق والصواب.
وقال ابن حبيب: وأخبرني أصبغ عن ابن وهب عن الليث عن ربيعة ويحيى بن سعيد في نسوة شهدن عرسًا أو جنازة، فتنازعت امرأتان منهن، فشهدت امرأة كانت معهما أن إحداهما ضربت الأخرى بحجر على فؤادها فقتلتها وجحدت المرأة االقسامة تكون مع شهادتها، وهو من اللطخ والشبهة.
قالا: وكذلك كل من شهد فيه النساء أو العبيد أو الصبيان أو ايهود أو النصارى أو المجوس من قتل فجأة أو قتل أو جرح، ولا يحضره غيرهم فإن شهادتهم في مثل هذا لطخ ولوث بين تجب به القسامة.
ومثل أن يرى المتهم بحذى المقتول وقربه وإن لم يرده حين أصابه.
ولمالك في سماع أشهب أن المرأة لوث، وأن العبد ليس بلوث.
وقال ابن حارث:
رأيت لسحنون: إنما يقسم مع الشاهد العدل إذا رأى جسد المقتول ميتًا.
وقال محمد بن عمر أخو يحيى بن عمر: لا يعجبني هذا وهو خلاف قول المصريين.
وقال ابن القاسم عنه في المختلطة: اللوث الشاهد الواحد إذا كان عدلاً، ويرى أنه حاضر الأمر في المجموعة مثل من روايته وقال عنه ابن نافع: ولا يحلف مع شهادة المسخوط ولا النساء ولا العبيد ولا الصبيان.
وقال ابن المواز قال عن مالك أصحابه: لا تجب القسامة إلا بأحد أمرين إما أن يقول الميت دمي عند فلان أو بلوث من بينة على القتل وإن لم يكن قاطعة.
وأحب إلي أن يكون اللوث شاهد عدل أو امرأتان عدلتان ثم روي أشهب عنه – وهو في العتبية – أنه الشاهد وإن لم يكن عدل، وكذلك المرأة.
وقال مرة في غير العدل: أرجو.
وقال: ليس شهادة العدل باللوث.
قال محمد وذهب أشهب إلى أنه يقسم مع غير العدل ومع المرأة، وأما العبد واصبي والذمي فلم يختلف فيه قول مالك وأصحابه أنه ليس بلوث.
قال أشهب ودعوى الميت أقوى في التهمة من شهادة المسخوط.
قال ابن عبد الحكم: لا تجوز شهادة النساء في قتل العمد، ولا تكون لطخًا.
قال محمد يريد امرأة واحدة، وأما امرأتان عدلان فيقسم مع شهادتهما، ويقتل بذلك.
قاله ابن القاسم: وفي المنتخب لمحمد بن يحيى بن عمر بن لبابة: رجع مالك عن قوله يريد في الموطأ – بلوث من بينة، إلى أن قال: اللوث الشاهد العدل.
قال: وقال ابن القاسم:
وما كل الناس اجتمع على هذا، فكيف إذا كانت غير قاطعة.
قال القاضي: فأين عبيد الله من هذا كله، وفي التفسير الأول ليحيى بن يحيى عن ابن القاسم عن مالك في رجلين شهد أنه حضر بهما ثلاثة رجال يحملون خشبة ومعهم صبي هو ابن لأحدهم، فلما غابوا عنهما سمعا وقع الخشبة في الأرض وبكاء الصبي فأتبعاهم، فوجد اشخبة في الأرض، والصبي في حجر أبيه في الموت، ومات من ساعته: إنها شهادة قاطعة، تجب الدية على عواقهم، وإن لم يشهدا بالمعاينة.
قال: قتل هذا وليي ولي وشهد بذلك رجلان ليم يعرفهما القاضي:
فهمنا – وفقك الله – ما كشفت عنه عن أمر الذي أتاك برجل فزعم أنه قتل وليه، وأتاك برجلين شهدا أن هذا المرمي قتل ولي هذا، ولم تعرف الرجلين، فحبست المرمي، وأمرت أن يعود إليك الشاهدان إذ كنت على ظهر حتى تكتب شهادتهما، فلم يعودا إليك، ولم يعد الرامي، ولا تعرفه ولا قريته، ولا أتاك بسبب أكثر مما ذكرت وله في حبسك أكثر من خمسة عشر يومًا، وأردت معرفة الواجب فيه.
فالواجب إذا لم يأتي الرامي بأكثر مما ذكرت، ولا ثبت نسبه من المقتول ابن عمه، فلا معنى لحبس هذا الرامي، كان متهمًا أو غير متهم، وإنما قال أهل العلم: يحبس المتهم الشهر ونحوه إذا قام بدم المقتول وليه وثبت ذلك، فأما مثل هذا فلا كلام له، ولا يجب به حبس من رماه.
قاله ابن لبابة، وأيوب وابن وليد، وعبيد الله، ويحيى بن سليمان، وابن معاذ.
زعم فلان ضربه وعفج بطنه وغير ذلك من التدمية:
سألتنا – وفقك الله – عن أمر عنيت به من أمور الرعية التي قلدك الله أمرها، وجعلك راعيها عناية منك بها، واهتباك بأسبابها، وذلك أنه يردك من التدميات ما حملك على الكشف عنه، وذلك أن الرجل يأتيك بنفسه، يزعم أن فلان تولى ضربه وعفج بطنه حتى صار ذلك في موقف الموت بزعمه، أو يأتيك وليه عنه بمثل ذلك، ويدعوا إلى السماع من بينة على ذلك، ويطلب القائم بها حبس المدعي عليه، وقد يأتيك آخر ويدعي على رجل وبه جراحات غليطة مخوفة، وآخر عليه جراح سهل قد أسال دمه، وأحببت رضي الله عنك أن تعلم ما يلزمك به النظر في هذا لتنظر به إن شاء الله.
فالذي نقول به: إن الزمان قد فسد، وإن هذه الحالة إنما يسرع إليها من لا رقبة له
عنده ولا خشية تمنعه من ركوب الباطل لاستخراج ما بأيد الناس بمثل هذا من الاحتيال، ولكنه مع ذلك تتوسط لهم بنظرك حالة تكون خلاصًا لك إن شاء الله، وأداء لحق ذوي الحقوق القائمين عندكن إن شاء الله.
فمن جاءك وعليه جراح مخوفة فاحبس المدمي عليهم حتى يصح المجروح أو تتبين حالة يجب بها إطلاقه، ومن جاءك معافى من الجراح يدعي على رجل ضرًا مؤلمًا قد بلغ منه مبلغ الخوف على نفسه بغير سبب قائم، فادعى القائم بمثل هذه البينة على دعواه، فإن أثبت تعدي المرمي عليه ولم يكن عند المدعي عليه في البينة مدفع فغزرن وإن رأيت حبسه فذلك إليك على ما يظهر لكل من شنعه ما ثبت عليه.
ومن جاءك بجرح خفيف وهو ممن يظن به أنه يركب مثل هذا من نفسه فاسلك به سبيل المعافي من الجراح.
فإذا نظرت بهذا، كان نظرًا يدفع الله به اليد، ويدرأ به البسط، وينفع به العامة، ويدفع به عن دمائهم وأموالهم إن اء الله، قال بذلك كله محمد بن عمر ابن لبابة، وابن غالبن وابن وليد، وابن معاذ، ويحيى بن سليمان، وأحمد بن يحيى، ويحيى بن عبد العزيز، وعبيد الله بن يحيى.
وقال أيوب بن سليمان: إلا في المدعي الضرب المؤلم غير الظاهر أو الجرح الخفيف، فإنه ادعى ذلك على من يشبه ما ادعى عليه من ذلك من دعواه، وإن لم يدعه على من يشبهه ذلك، فكما قال أصحابنا.
وقال يحيى بن عبيد الله: قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: مالك يقول في المرأة تتعلق بالرجل الفاضل المبرز بالخير والعدل، وتقول: أكرهني على نفسي؛ قال: الحد عليها.
وأنا آخذ بمثل هذا في التدمية، إذا قصد بدمه رجلاً فاضلاً قد عرف بالخير لا يقارف الدماء، فغني أبطل التدمية ولست أقبلها منه.
قال محمد: وما عندي بينهما فرق.
وصدق إن شاء الله عز وجل.
قال القاضي:
ترك يحيى بن عبد الله المصير إلى قول ابن القاسم وغيره والوقوف عنده والفتوى به، لأنه تفقه على محمد بن أدريس الشافعي في حياة أبيه وغيره من أصحاب المالكين، وإن كان قد رد على الشافعي في كثير من مسائله، ولا أظن ابن عبيد الله قد غاب عنه ما قاله ابن القاسم وغيره، فإن كان علمه فكان يجب أولاً أن يذكره ويختار قول من رأى الحق.
في قوله، وأما أن يعرض عن ذلك مشهور المذهب ولا يذكره ويعداه إلى غيره؛ فذلك تقصير.
في كتاب الديات من المختلطة قال ابن القاسم: قال مالك: من قال دمي عند فلان ففيه القاسمة.
ولم يذكر لنا مالك كأن المقتول مسخوط غاو غير مسخوط، وهو سواء وليس كالشاهد؛ لأنه لا يتهم، والمرأة كالرجل في ذلك في العمد والخطأ؛ في ذلك القسامة.
قيل أرأيت إن قال المقتول: دمي عند فلان، فسمى رجلاً أروع تلك البلاد ممن لا يتهم في الدماء ولا غيرها، ليس بمأبون في شيء من الشر؟
قال: لم أسمع مالكًا يحاشي أحدًا من أحد، وأرى أنه مصدق في كل من ادعى عليه، وإن رمى بدمه صبيًا، أقسم ورثته وأخذوا الدية من عائلة الصبي، وكذلك إن رمى بدمه ذميًا أو أمة أو عبدًا، أقسم ورثته واستحقوا دمه؛ فإن كان عمدًا قتلوا، وإن كان خطأ قيل لسيد العبد: ادفع أو أفد، وقيل لأهل جزية الذمي: احملوا عقل هذا الرجل.
وفي تفسير ابن مزين قال: وسألته يريد عيسى بن دينار عن صفة الضرب الذي إذا ادعاه الرجل أنه ضرب به أو قتمت به بينة؛ وجبت القسامة؟ فقال الضرب كله.
فقلت له أمن ذلك اللطخة؟ قال: نعم قال الله تعالى: ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾ (القصص: 15).
قلت: فإن ادعى أن فلانًا ضربه، ومن ضربه يموت، وليس به أثر ضرب من جسده قليل ولا كثر؟
قال: يحمل من ذلك ما تحمل، وتكون فيه القسامة على سنتها.
قلت وإن لم تعلم منازعة بين المدعي والمدعي عليه ذلك قبله؟ قال: وإن هو أعلم بما وصل إليه من ذلك.
قلت: وإن رمى بذلك صالحًا من الناس لا يتهم بشيء؟ قال: وإن رمى بذلك خير الناس حالاً، فربما حدثت البلايا، وربما كان الضرب الذي يخفي أثره وهو يكيد صاحبه؛ فالقسامة تجب بقوله، ويمضي على سنتها، ويدين من ذلك ما تدين، وأصدق ما يكون المرء إن شاء الله حين ينزل به الموت ويحضره فراق الدنيا.
قال ابن مزين: وأخبرني يحيى عن ابن يحيى عن ابن نافع مثله.
وقال أصبغ من قال: سقاني فلان سمعًا ومنه أموت فمات، أقسم على قوله ووجب القود.
وفي العتبيبة: في آخر سماع عيسى عن ابن قاسم: لا قسامة في مثل هذا إلا في
الضرب المشهود عليه أو الآثار البينة من الجرح وأثر الضرب، وفي سماع أبي زيد عن ابن القاسم فيمن ركض رجلاً برجله البطن، فمكث أيامًا فزعم أنه يجد من الركضة على فؤاده أمرًا شديدًا فمات.
قال: ينبغي مثل هذا أن يخوف ويذكر الله، فإن أصرم وقال: والله مازلت منذ ركضني فلان بشر، وما قتلني إلا الركضة؛ رأيت أن يقسموا معه ويستحقوا دمه إذا كان مضجعًا من يوم ركضه حتى مات، وإن لم يضجع إذا رئي به ضرر ذلك وسببه فهو بمنزلة الاضطجاع.
وقال ابن حبيب في كتاب إلى أصبغ بن الفرج: فيمن قربت إليه امرأة طعامًا، فما أكله تقيأ أمعاءه، فأمكن بالموت مكانه، فأشهد أن امرأته وخالتها فلانة به؛ هل يقسم على قوله؟
وفي قوله من قال: سقاني فلان سمًا منه أموت، ولا يعلم إلا بقوله ولم يتقيأ منه أمعاءه.
وهل هذا كقوله: فلان لطمني ومنه أموت، ولا أثر ضرب به؟ فإنه قد نزل هذا ببلدنا، فاستشرنا فيه الإمام فاختلفنا عليه.
فكتب إلي: نعم أرى القاسمة لأولياء هذا الرجل في مسألتكم إن شاء الله، ولا شك فيه عندنا للذي عاجله من الموت وإن لم يقل منه أموت، وهو كالضرب أو الجرح بسيف أو بعصى، فيقول فلان بي فيكتفي به، وإن لم يقل منه أموت، وقد يكتفي بقوله: فلان قتلني، وإن لم يكن به أثر؛ فيقسم عليه ولا يحتاج إلى كشفه كيف قتلني، ولا يمنع ذلك نم القسامة على قوله إن مات.
وكذلك قال مالك فيمن قال: فلان قتلني مجردًا هكذا، لم يصف ضرًا ولا غيره، ولا أثر به؛ أنه يقسم بقوله، وليس عليك أن يكشف عن قوله أنه قتله، ولا متى ضربه.
أخبرنا إياه ابن وهب عن مالك.
وقاله جميع أصحاب مالك، لا اختلاف بينهم فيه: إن من قال: فلان قتلني، أو فلان ضربني، أن القسامة فيه قائمة في العمد والخطأ، وساق جوابه، وفيه طول وبيان اختصرته، وعند آخره: فالقسامة ثابتة في مسألتك في الذي أطعمته زوجته الطعام فتقيأ، إذا ثبت قوله بشاهدين يقسمون عليها أو على خالتها؛ لأنه إنما يقتل بالقسامة واحد؛ سنة ماضية مجتمع عليها من أهل العلم والسلف في زمان الصحابة، وتضرب الأخرى مائة وتسجن سنة.
وفي سماع سحنون وسماع أصبغ: لا يثبت قول الميت دمي عند فلان، أو شجني
فلان، أو ضربني فلان إلا بشاهدين، فيقسم أولياؤه حينئذ، وأما بشاهد واحد فلان، فالقسامة تجب بقوله: دمي عند فلان على ما تقدم أو بشاهد على القتل أو على الجرح، على مذهب المدونة، وفي سماع يحيى، حتى يشهد على الجرح شاهدان.
وفي أول نوازل سحنون القولتان.
من أتى القاضي متعلقًا برجل برمية بدم وليه:
كشف القاضي عن رجل يأتيه قد تعلق بآخر برمية بدم وليه، ويزعم أنه أحق الناس بالقيام بدمه، وأنه عمد لقتله، ولم يوضح ما ادعاه ولا سبب سببًا ما الذي يجب في ذلك.
فتقول – رضي الله عنك -: إذا جاء مثل هذا المدعي يحتاج إلى أن يثبت أنه ولي هذا الدم، فإذا ثبت له قعدده من المدعي دمه؛ كشفت هل له بينة على دعواه؟ فإن ادعى ثبوت ذلك من يومه أو من الغد أمر القاضي بحبس المرمي، وإن أثبت القعدد ولم يحضره بينة على الدم؛ أطلت له في حبسه على ضربين: إن كان المرمي متهمًا خمسة عشر يومًا إلى الثلاثين في رواية زونان عبد الملك بن الحسن، وإن كان غير متهم؛ فاليومين ونحوهما.
فإن أتى طالب الدم في داخل المدة بسبب قوي سقط هذا الحكم، ووجبت الزيادة في حبسه على ما تراه مما يرجى به إحقاق الدعوى أو غير ذلك.
هذا الذي يجب النظر به إن شاء الله.
قاله ابن لبابة ومحمد بن غالب، ويحيى بن عبد العزيز، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ، وأحمد بن بقي، وأيوب بن سليمان، وعبيد الله، ويحيى بن سليمان، ويحيى بن عبيد الله.
وفي كتاب ابن حبيب:
سمعت مطرقًا يقول: من ادعى على رجل أنه شجه أو ضربه ضرًا يخاف منه على نفسه، وقد عرفت العداوة بينهما؛ فلا يحبس المدعي عليه بقول المدعي، إلا أن يأتي بلطه بين وبشبهة قوية، أو يكون المدعي بحالة يخاف عليه فيها الموت، وقد أشرنا بذلك على حكامنا فحموا به.
وقال ابن الماجشون، وأصبغ.
اختصرتهما.
من رمى حجرًا فأصاب امرأة مجهولة فماتت من ساعتها:
سألتنا – وفقك الله – عن رجل زعم زكوان أنه معتقه، شهد عليه لوث من بينة لم تعرف منهم أحدًا أنه رمى حجرًا، فمضى الحجر عابرًا حتى واقع امرأة فماتت من ساعتها، ولم ترم واحدًا بدمها، وصارت المرأة مجهولة الموضع لا يعلم لها ولي يقوم بدمها،
فلما رفع إليك أمرها، فما زعم القوم أنهم عاينوه من رميه وحضر المرمي؛ كشفتهم هل عمد لذلك أو كانت رمية لم يقصدها بها؟ فقالوا: ما نقف على أنها كانت رمية عمدًا أو خطأن فأمرت بحبسه منذ شهر ونصف أو نحو ذلك ثم سألت المحبوس النظر في أمره بما يجب له وعليه، وهو منكر للرمية المنسوبة إليه، وأحببت أن تعرف ما يجب عليه في دم المرأة على ما قاله القوم الذي جهلتهم ولم تعرفهم مع فقدان ولي المرأة.
فتقول – والله نسأله توفيك – إن اللوث مختلف فيه، فقد قالوا: هو الشاهد العدل، وقالوا: هو اللفيف والجماعة غير العدول، والذي كان منه في حبسه متثبتًا في أمره وطالبًا الولي إن كان صواب.
فإذا طال هكذا ولم يأت ولي وجهل، فلم تعلم الرمية عمد لها أم لا؟ كان الصواب عندنا أن يؤخذ بقول من ألغى شهادة غير العدول وأخذ في اللوث بأنه الشاهد العدل، فإذا كان القول هكذا لم يجب على هذا شيء، إلا أن يتعدل من الشهود واحد، فإن تعدل فسبيل الأمر فيه على ما حكينا، وإن كانوا مما لا يرجيى فيهم تعديل رأينا – استحسانًا – إحلافه بالله ما رمى هذه الرمية، ولا كان ما قاله الشهود.
قال بذلك محمد بن غالب.
وفي قوله: إن أخذت في اللوث باللفيف أقسم عليه، وكانت الديسة على عاقلته إن قام بذلك ثابت النسب، والذي اختار من ذلك أن اللوث الشاهد العدل، وقال ابن وليد مثل ذلك كله.
وقال يحيى بن عبد العزيز مثله إلا في اللوث فإنه عنده اللفيف.
وقال ابن لبابة: إذا ثبت لها ولي، كان القول ما قاله أبو عبد الله بن غالب، وإن لم يثبت لها ولي، لم يكن فيها شيء؛ لأنه لا تكون قسامة لمن لا ولي له، وإنما يثبت بشهادة عدلين، وبذلك قال ابن القاسم.
والذي ذهب إليه من الاستظهار باليمين إن كان أراد يمينًا واحدة فإن الدماء لا تستدفع إلا بخمسين يمينًا، كما لا تثبت إلا بخمسين يمينًا، وهذه إذا لم يثبت لها ولي ولم تكن فيها قسامة، فإذا سقط ردها عمن طلب بها.
وقال أيوب بن سليمان: أصل قول مالك في اللوث أنه اللفيف والبينة غير القاطعة، وهو الذي وطأه في كتابه، ولعيه جماعة أصحابه، إلا ما روى ابن القاسم من نقوله بالشاهد العدل، فإن ثبت لهذه المرأة ولي؛ كان هو المحلف لهذا المرمي بدمها، وإن لم يثبت لها ولي، فالمسلمون أولياؤها ووارثوها كما يرثون مالها يرثون دمها؛ لابد لهذا المحبوس أن
يحلف خمسين يمينًا ما رماها عمدًا، ثم تكون ديتها على عاقلته، فإن أبى من اليمني حبس حتى يحلف، ولا يطل دم مسلم.
وقد روى يحيى عن ابن القاسم في المسلم يقتل المسلم عمدًا الذي لا ولي له إلا المسلمون، أيجوز للإمام أن يعفو عن القتل؟ فقال: لا ينبغي له أن يهدر دم مسلم، ولكن يستقيد له من لا ولي له إلا المسلمون، فكذلك يستخلف في هذا المحبوس.
وقال سعد بن معاذ بمثل قول أيوب بن سليمان.
وقال عبيد الله بن يحيى بمثل قول أيوب بن غالب من الاختلاف في اللوث أنه قال بعض أهل العلم وهو ابن القاسم: الشاهد العدل، وقال غيره وهو ابن نافع وغيره من رواة مالك: اللوث الجماعة غير العدول، فأي القولين رأيت الأخذ به، رجوت أن يوفقك الله.
فأما اليمين إذا لم يثبت لها ولي، وأخذت بقول من رأى اللوث الشاهد العدل، فما أرى عليه يمينًا.
من حبس في دم فشهد له بالطهارة والعافية:
شهد فلان بن فلان أنه يعرف ابن فحلون من أهل الطهارة ولزوم العافية واستقامة الطريقة، بعيدًا مما ينسب إليه من مقارفة الدم، ملازمًا للخير وأهله، لا يعلق به عنده مما أضيف إليه من الدم، وأن الذي كان من انتشاب من وشى به إنما كان اغتمازًا في ماله وفي شهادته أنه كلم المرسل به حزم بن أبي العكر في أن يرد عليه ما كان أخذ من ماله؛ فرد عليه تافهاً يسيرًا وحبس سائره، وشهد فلان وفلان بمثل ذلك.
فهمنا – وفقك الله – بطاقة المحبوس للدم الذي بعث به ابن أبي العكر، وما على ظهرها مما أمرك الأمير به من كشف أمره كشفًا مستقصى، وأن ترفع إليه بمبلغ نظرك، ورأينا الشهادات الواقعة عندك للمحبوس فرأينا شهادات تامة توجب الإطلاق من الحبس؛ لأن من قول أهل العلم في الرجل يرمي بالدم هل يحبس؟ فقالوا إن كان المرمي غير متهم لم يحبس إلا اليوم واليوم، فإن لم يحق عليه في شيء أطلق، وأما المتهم فيحبس الشهر ونحوه.
فهذا ما قالوا من غير بينه تشهد للمرمى بالطهارة والاستقامة، فكيف وقد شهد لهذا بنفي الريبة عنه، وبعده مما ينسب إليه إلى طول ما حبس فيه أكثر من سنتين؛ فترى أن إطلاق هذا المحبوس واجب وحق لازم، لا يحل حبسه ساعة من نهار إن شاء الله.
قال
بذلك ابن لبابة، وأيوب ابن سلمان، ومحمد بن وليد.
وقال عبيد الله إن كان لم يشهد عليه بشهادة توجب حبسه، فإطلاقه واجب لا يحل حبسه.
وقال محمد بن غالب بمثل قول أصحابه المتقدم في الفتوى، ورأى أنه الحق.
رماه بقتل أخيه وتعلق به فيه فرماه الآخر بقتل خاله:
أشرت – رحمنا اله وإياكم – في حبس الرجل الذي رماه المتعلق به بقتل أخيه ورماه المتعلق به بقتل خاله، فقمتم بحبس المرمي بقتل أخيه ولا يحبس المرمي بقتل خاله، ففعلت وأجلته في جلب البينة على ما ذكره، فلم يأت بينة ولا رأيته بعد ذلك، وقد حبسته منذ أيام بغير سبب ولا معنى ولا بينة ولا شبهة، إلا بما أشرتم به على من التشدد والاحتياط، فإن كنت ترى إطلاقه فاكتب إلي بذلك.
فكتب أبو صالح: إذا لم يأت بشيء – أكرم الله القاضي – فقد أخذ له بحقه في حبسه، ثم يؤخذ له بحقه في إطلاقه، إذا لم يأت صاحبه بشيء.
وقاله ابن لبابة.
سجن ابن بريهة في تدمية وعيثه بالقنباينة:
فهمنا – وفق الله القاضي – ما شهد به على ابن بريهة المرمي بالدم الحادث في قنبانية قرطبة بزعم الشهود، ولم تعرف من الشهود أحدًا في سبب الدم، ولا كانت شهادة يجب بها أخذه بدم، ورأينا شهادة محمد بن كليب وما رماه به من العياثة والفساد، فرأينا هذه الشهادة يجب بها خاصة حبس المرمي هشام حبسًا طويلاً، مع تظاهر الشهادات عليه ممن لم يعرف يكون كالتخليد حتى تظهر له توبة.
وذكرت أن له في الحبس عامين، وأن جماعة من أهل الحس ذكروا لك أنه من أهل الصلاح والصيام وتلاوة القرآن، وأن حاله حسنت عندهم، وقد كنا أشرنا عليك أن تسمع هذا من أهل المحبس؛ فإذ قد شهدوا عندك بهذا بجماعتهم، وإن لم تكن قاطعة؛ فإنه يستوجب الإطلاق؛ لأنه لم يحبس على ثبوت شيء عليه؛ لأن الشاهد الواحد لا يحكم به على أحد، وقد قامت له بينة تظاهرت بالتوبة، بخلاف التي شهدت بفساده، ولم تعرف منهم أحد يقولون إن توبته ظهرت عندهم فإطلاقه واجب عندنا، والله أعلم.
قال بذلك ابن لبابة، ويحيى بن عبد العزيز.
محبوس في دم لم يثبت عليه ما رمي به وشهد باستقامته:
فهمنا – وفقك الله – ما كشفتنا عنه في أمر المحبوس الذي أمرك الأمير – أبقاه الله -
بكشف أمره ورفعه إليه بما يصح عندك، وكتابك إلى الأمير – أعزه الله – أنه ليم يقم عندك أحد يسبب إليه شيئًا مما رمى به، وأنه شهد عندك رجل عدله عندك رجلان رضى -0 أنه يعرف هذا المحبوس من أهل الطهارة والاستقامة، وشهدت جماعة لم تعرفهم بمثل ذلك، ورد إليك النظر فيه.
فوجه الأمر فيه أنه إذا لم يقم عندك به أحد، ولا سبب فيه بسبب، وطال أمره وشهد له بالطهارة والاستقامة، فلا معنى لحبسه وإطلاقه من وجهة السنة، ولو سبب عليه القائم ما رماه به، ثم طال أمره ولم يثبت ذلك بشاهدي عدل لوجب إطلاقه ولم يستقم حبسه بعد كشفه والتأني في أمره، فإطلاقه واجب إن شاء الله قاله عبيد الله وابن لبابة، وأيوب، وابن وليد.
تدمية الجهيني على أفلح وختنه:
سمعنا – وفقك الله – الشهادات التي وقعت على أفلح وختنه في تدمية الجهيني؛ فرأينا شهادات ليست تقطع شيئًا، ولكن فيها شبهة تستأني بها في حبسها حتى تستقصي شهادات القائم بالدم، فأن أحق بغير هذه الشهادات شيئًا نظرت فيه بما يظهر لكل إن شاء الله، وإن لم يكن غير هذه الشهادات فإنها ضعيفة، ليس يجب بها عليهما شيء، فإن لم يأت الطالب بشيء يحق به ما قام به بينه وبين الشهر أطلقتهما – قال بذلك ابن لبابة، وأيوب بن سليمان – وكان حبس القاضي لهما إلى استيراء أمرهما من الواجب على ما ذكرناه وحددنا.
جبس العجم للفوفي في الدم وتشكيهم طول سجنهم:
فهمنا – وفقك الله – ما في ظهر الكتاب الذي رفعه العجم المحبوسون إلى الأمير – أبقاه الله – وما فيه من أن التأني في الأمور التي لا وجه لها تفريط، وقد جاوبناك – أكرمك الله – قبل هذا الحين: أنه لو لم يثبت للوفي ما طالبهم به؛ لوجب إطالة سجنهم بما تتابع عليهم من الشهادات، ثم نظرنا فيما كان من حبسهم وما زعموا من طوله؛ فلم نر ما كان من ذلك طولاً في الدم، ونرى أن يزداد في حبسهم ويطال حتى ذلك أدبًا لهم وتشديدًا لمن رام فعلهم، وقد قال تعالى: ﴿فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون﴾ (الأنفال: من الآية 57).
ونحن نسأل الله أن نبقى الأمير ويديم عز الإسلام وأهله بنور دولته وأيامه، ويحسن
عيون القاضي ويديم نظره، فيما يزال ينفذ حين وجوب التنفيذ، ويستأني في موضع الاستثناء.
قاله محمد بن وليد، وعبيد الله، وابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وأحمد بين يحيى.
تراموا بدم سجنوا فيه فاصطلحوا في السجن وكذبوا أنفسهم: حفظكم الله وأبقاكم، بعث إلى صاحب المدينة بثلاث نفر، وقال: تنظر بينهم، فكشفتهم فقال أحدهم: إن هذين قتلا ابن عمي، وقال أحد الاثنين: إن هذا قتل ابن عمي، فأمرت بهم إلى الحبس حتى أعرف رأيكم، فلم يأت الليل حتى بعثوا إلي إنا قد اصطلحنا، وإنما كان شرًا وقع بيننا، وقد تهادرنا واصطلحنا، فكرهت إطلاقهم لما عرفتهم من تحفظي وتثبتي إلا بعد مشاورتكم، فاكتبوا إلي - رحمكم الله - برأيكم في ذلك.
فكتبوا فهمنا ما ذكرت - وفقك الله - وشاورت فيه، والذي عندنا في أمر الثلاثة نفر أن يطلقوا ويخلى سبيلهم، إذ قد تصالحوا وتعافوا من دعواهم، ورجعوا إلى أن ذلك كان عن شر وقع بينهم، ولم يكن لما ادعوه وجه يظهر ولا يسبب يدل، ولا سبيل إلى حبسهم بعد هذا، والله أسأله لكل التوفيق.
قاله أيوب بن سليمان.
وقال يحيى بن عبد العزيز: إنما يقضي القاضي بين المدعي والمدعي عليه، فيكلف المدعي إثبات دعواه وينظر بينهم بحق وعدل، فإذا رجع عن دعواه وترك إثبات طلبته، فليس على القضاة إجبار الناس على طلب حقوقهم، والذي أجاب به أبو صالح صحيح صواب والله الموفق، إلا أن يكون القاضي استراب أمرهم بشاهد أعلمه بشيء من شأنهم، فأما إذا لم يكن عنده إلا ما كان من دعواهم فلا سبيل عليهم.
وقال ابن لبابة، وعبيد الله، ويحيى بن عبيد الله، وأحمد بن بيطر، وسعد بن معاذ، وابن وليد.
سجن بشر بن عبدوس لعقوقه أباه واتهامه بقتل امرأة:
فهمنا - وفقك الله - ما ذكرته من حبسك لرجل يقال له: بشر بن عبدوس لشكيه أبيه به إليك أنه غير بار به، وسبب عليه في ذلك ما حبسته من أجله تأديبًا له، وذكرت أنه بعد أن حبسته قيل لك: إنه كان قتل امرأة، ولم يقله أحد من أهل العدل ولا قيم عندك في دمها بسبب من الأسباب، وإنما كان ما جرى من أمرها خبرًا شاذًا ومضى لحبسه نحو عشرة أشهر، وطلب أبوه إليك في إطلاقه، وقال: إن في دون هذا الحبس ما يؤدبه إن شاء الله.
ويرجعه إلى البر به، وأحببت أن تعرف ما عندنا في ذلك.
فالذي نقوله - والله الموفق للصواب - إن إطلاقه واجب، وإن في بعض ما سجنه
أدبًا له إن شاء الله.
قاله ابن وليد، وابن لبابة، وأيوب، وعبيد الله، وسعد، ويحيى بن عبد العزيز.
رجلان قتلا أختهما وشهدا بذلك عليهما، وكشف القاضي عن أمرهما، فلم يختلف أنهما قتلاها لريبة اتهماها بها:
قرأنا – وفقك الله – الشهادات وما ذكرت في أنك أتيت بالمشهود عليهما، بعد أن كنت قد أرسلت من وثقت بهم للكشف عن أمر هذه البينة وخبرها في القرى المجاورة، فأدى إليك الذين أرسلتهم لكشف ذلك أنهم لم يختلف عليهم أن أخويها محمد وأحمد قتلاها؛ إذ اتهماها بالمكروه، وأحببت – أسعدك الله – أن تعرف ما يجب عليك فعله بالمشهود عليهما.
فالذي يجب عندنا حبسهما بهذه الشهادة، واستجماع القول بما نسب إليهما من قتلها على العداء والظلم من غير مكروه، ثبت لعيها حبسًا طويلاً، لحرمة الدم وما عظم الله من أمره، فإن ثبت عندك قتلهما لها ببينة عدل على معاينة القتل، أو على سماع صوتها إذ طرحت في الغدير من عرف صوتها – أن أخويها يقتلانها واستغاثتها بهذا، وقام بالدم من يجب أن يقوم به؛ نظرت عند ذلك بما يوفقك الله إليه إن شاء الله، مما توجبه السنة في ذلك قاله محمد بن وليد، ومحمد بن غالب، وابن لبابة وأيوب بن سليمان.
قال القاضي: في هذا الجواب تفسير فتدبره.
رمى العريف بدم أخيه ستة رجال فحبسهم الأمير ثم صرف النظر فيهم إلى القاضي:
أعلمنا القاضي – وفقه الله – أن الأمير – أصلحه الله – صرف النظر إليه فيس ستة رجال من حبسه، كانوا حبسوا من سبب رمي محمد بن يوسف بن العريف الحجازي إباهم بدم أخيه عبد الرحمن، وأمره أن ينظر بينهم بالحق، وأن القاضي احضر المرميين والرامي، فكشف محمد بن يوسف عما رماهم به، فقال عن أخي عبد الرحمن كان مارًا بهم فنزل لهم بالمبيت بقريتهم بطرفس؛ فأصبح مقتولاً وذكر أن الذين قتلوه من هؤلاء الستة: خليع وإسماعيل وعمر وقريش، وقال إني لا أعرفهم بأعيانهم، وأقر ألأربعة أنهم المسمون بهذه الأسماء، إلا خليعا فقال إنما يسمى خليلاً، وانتفوا أجمعون من قتل عبد الرحمن بن يوسف أخي هذا الرامي.
وقال محمد بن يوسف إن الاثنين من هؤلاء الستة، وهما شريف وسعد الله بريئان
من دم أخيه، وقال ذلك بمحضرهما ولم يعرفهما بأعيانهما حتى تسميا له، وأنه صح عنده أنهما بريئان من دم أخيه، وقال المرميون: حبسنا منذ عشرين شهرًا، وقال محمد: إنما حبسوا له منذ سنة أو ما قاربها، وقال المرمي: استغار محمد بن يوسف على ماشيتي بعد أن ضربت، وحضر ذلك أهل القرى، وقال عمر بن أحمد أخذ لنا عشرة أثوار.
وكشف القاضي – وفقه الله – عن وجه النظر في ذلك، فالذي يجب في ذلك إذا لم يأت القائم يدم أخيه بالبينة، أو بلوث يجب به الدم مع القسامة، حتى مضت المدة التي أقر محمد أنهم حبسوا فيها أكثر من سنة، وقال المحبسون منذ عشرين شهرًا؛ فلا معنى لحبسهم، ولا يحل حبس مرمي بدم هذه المدة، وإنما قال أهل العلم: إن كان المرمي بالدم متهمًا حبس الشهر ونحوه، فإن لم يؤت عليه بينة في داخل الشهر أطلق، وهؤلاء حبسوا أكثر من ذلك مما لا يجوز حبسهم له.
وفي دون ذلك ما كان فيه استبراء لطلبة الدم، فإذا لم يحق قبلهم حقًا إلى هذه الغاية فلا يحل حبسهم؛ لأن الطالب قد قال: لست أعرفهم بأعيانهم وإنما بلغني أنهم أربعة من هؤلاء الستة، وإبراء اثنين منهم وهو لا يعرفهما حتى تسميا له فأبراهما، فأي شيء – أكرم الله القاضي – أضعف من هذه الطلب.
وفي إطلاق هؤلاء ممن لم تقم عليهم شبهة ولا سبب يوجب حبسًا؛ من ثواب الله، ما نسأل الله أن يوفق الأمير للأخذ به، فإن السجن مقرون بالعذاب الأليم، فواجب على القاضي إنهاء ذلك إلى الأمير لاستعجال إدخال الثواب عليه إن شاء الله.
قال بذلك ابن لبابة، وعبيد الله، وأيوب بن سليمان، ويحيى بن عبد العزيز، وابن وليد، ومحمد بن غالب.
مسألة الطبني الذي أصبح في داره بقرطبة مقتولاً:
أصبح الحاج أبو مروان عبد الملك بن زيادة الله بن مضر التميمي الطبني مقتولاً على فراشه، في داره بالربض الشرقي بحاضرة قرطبة بحضرة مسجد الأمير، في آخر ربيع شهر من سنة سبع وخمسين وأربع مائة، ومشى ابنه مبيضًا منذرًا لجنازته للصلاة عليه لهجًا بأنه طرق ليلاً وقتل.
فاستنكر ذلك الوزير أبو الوليد بن جمهور، وأمر صاحب المدينة محمد بن هشام المعروف بالحفيد فنهض إليها ودخلها، وألفى المقتول مذبوحًا، فيه نيف على ستين ضربة بسكين، وتتبع في الدار أثر نزول فيها أو خروج عنها فلم يقع على أثر من ذلك، وألفى
ثيابه مخبأة في بعض أركان الدار وسكين أقلامه في غرفة فيها دم، وفي سراويل بعض نسائه نضح دم، واستنطقهن فقالت واحدة منهن عن أخرى: هذه قتلته وأعناها نحن، وقالت: كان حقيقًا بالقتل منذ عام.
وكان ابناه ساكنين معه في الدار: المنذر لجنازته وهو الأكبر، وآخر ضعيف الأعضاء قد ضربته ريح، وقال هذا الضعيف: طرقه لصوص فقتلوه، ثم رجع إلى أن قال: إنما قتلته النساء، وإن أخاه الكبير كان واقفًا خلف باب البيت، وثبت موته وورثته، وأن ابني أخيه أحق الناس بالقيام بدمه مع ابنه المضعوف، وشاور في ذلك صاحب المدينة.
فأفتى ابن عتاب:
أنه لا قتل على من كان معه في الدار من نسائه وابنيه، إلا أن على كل واحدمهم القسامة أنه ما قتلهن ولا مالاً عليه، ولا شارك فيه ثم يطال سجنهم.
واحتج في ذلك بمسألة قضى فيها القاضي أبو بكر بن زرب، وقال: في هذا المعنى مسألة تشبهها وتؤيده البينة والحجة، إلا أنه لم يجز بها عمل.
قال: ولما كان قول المرأة عن الأخرى: هذه قتلته وأعناها نحن – قولاً محتملاً أن تعني أنها أعانت بقول أو فعل؛ لم يكن عاملاً في قتلها، ولأنها لم تقل هذا إلا بعد البحث عليهن بالشرط وغيره وفزعهن من ذلك في المسألة التي عنى أبو عبد الله بن عتاب بقوله.
وفي هذا المعنى مسألة تشبهها، إلا أنه لم يجز بها عمل هي التي كتبناها قبل هذا من العشر.
وذكرها ابن لبابة محمد بن يحيى في منتخبه فيمن خرج من دار، فدخل فيها قوم أثر ذلك فوجدوا فيها قتيلاً يسيل دمه.
ونحوه في كتاب التفريع لأبي القاسم ابن الجلاب قال: وإذا وجد مقتولاً بقرية رجل معه سيف، وفي يده شيء من آلة القتل أو شيء من دم المقتول ولعيه آثار القتل؛ فذلك لوث يوجب القسامة لولاته، إلا أن ابن عتاب لما وجد ابن زرب قد قضى فيما يشبه مسألة الطبني بخلاف هذا وصار إليه واتبع العمل فيه.
ويسوغ أن يحتج له بما في سماع ابن القاسم في رسم تأخير صلات العشاء: في امرأة نزل بها رجل فمات فجأة، فاتهمت به، وسأل وليه مالكًا عن ذلك، وقال: أتهمها به من وجه لا أستطيع بثه.
قال مالك: يكشف أمرها فإن كانت غير متهمة لم أر أن تحبس يومًا واحدًا وأرى أن يخلى سبيلها.
قيل له: أفتهدد؟ قال: لا أرى ذلك إذا كانت غير متهمة.
قال ابن القاسم: فإن كانت متهمة حبست ولم يعجل تسريحها لعلها تعين عليها
شيء فإن لم يوجد شيء وطال حبسها استحلفت خمسين يميناً وخلى سبيلها.
وأفتى ابن القطان وابن مالك: في مسألة الطبني أن لابنه الضعيف القيام بالدم.
وفي هذا نظر؛ لقوله أولاً: طرقه لصوص وقتلوه.
فجمع الوزير أبو الوليد بن جمهور الفقهاء والحكام والناس في مسجد ابن عتاب المعروف بمسجد غانم، وأرسل في ابن القطان وغيره من المشاورين، فأنوا من إيثار ابن عتاب عليهم بجمعهم في مسجد عند باب داره؛ فتغيبوا فقال الوزير للرسول: هم وما اختاروا، ونزل الويزر في المسجد مع الناس، وأمر بإحضار ابني المقتول وبني عمهما، وقرئت الشورى، وأمر الوزير بالأخذ بجواب ابن عتاب ونفذ القضاء به، وأقسم الابن الكبير وأم ولده وأم المقتول في داخل المقصورة بالجامع عند مقطع الحق فيه عافى الله في الدنيا والآخرة.
شروى كتبتها في قتل ابن فطيس زوجة رحيمة ابنة عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ابن شهيد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، استحضر الحاجب سراج الدولة أبو عمر عباد بن المعتمد على الله المؤيد بنصر الله – أعزه الله – الوزير صاحب المدينة بقرطبة: محمد بن زياد – وفقه الله والفقهاء – سلمهم الله – وشاروهم عنده – أبقاه الله – الوزير صاحب المدينة فيما جرى بين يديه وثبت لديه، في أمر فطيس بن عيسى بن فطيس المتهم بذلك زوجته رحيمة بنت عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن شهيد، وأعلمهم أن الوزير مغيث بن محمد بن يونس بن عبد الله جدها للأم قام عنده وحضر مجلس نظره، وذكر أن حفيدته رحيمة هذه ذبحها فطيس بن عيسى وسأله النظر في ذلك.
وأثبت عنده أن سراج بن عبد الله في أيام توليه لأحكام القضاء بقرطبة – رحمه الله – قدمه للنظر على رحيمة وأخيها شقيقها عبد الرحمن بن عبد الرحمن تقديمًا، أقامه لهما به مقام الوصي، ,أثبت عنده أيضًا حمدة له على القيام عنها في طلب دم المقتولة ابنتها، وأن ينوب في ذلك منابها توكيلاً مفوضاً، أقامته به مقام نفسها.
وأتى إليه بمن قبل وأجاز من الشهداء، وشهدوا عنده على عين فطيس في شهر رمضان سنة اثنتين وستين وأربع مائة: أنهم يعرفون ساكنًا مع زوجة رحيمة بنت عبد الرحمن عبد الله بن خالد بن شهيد في داره بشرقي مدينة قرطبة – منفردين لا يسكن معهما أحد لا خادم ولا غيرهما، منذ نحو أربعة أشهر متقدمة لتاريخ شهادتهم المذكورة،
وأنهما لم يداخلهما أحد – في علمهم – إلى أن دخلوا عليها يوم الجمعة لثلاث عشر ليلة خلت من شهر رمضان في الدار المذكورة؛ فوجدوا مكتوفة مذبوحة ولم يروا في الدار أثر لدخول أحد فيها من جهة من جهاتها ولا نزول من سقف ولا غيره فيها، ويعرفون فطيسًا ملازمًا لسكني هذه الدار وللمبيت فيها مع زوجته رحيمة هذه، ولا يعلمونه غاب من الدار إلى أن وجدوا رحيمة هذه مذبوحة فيها.
وأنهم يعرفون أن المحيطين بميراثها في علمهم: أمها حميدة بنت الوزير مغيث بن محمد ابن يونس بن عبد الله وأخوها شقيقها عبد الرحمن بن عبد الرحمن الصغير، وأختاه للأم أمة عبد الرحمن وأمة العزيز بنت محمد بن حسين بن أحمد التميمي، وزوجها فطيس بن عيسى المتهم بذبحها.
وأعذر فيما ثبت عنده من ذلك إلى فطيس، وأعلمه بثبوته عنده وبمن ثبت، فقال: إنه لا مدفع عنده فيه، وأنه لم يقتل زوجه رحيمة، وثبت عنده قوله هذا بمن قيل وأجاز من الشهداء، وثبت عنده أن أولى الناس بطلب دمهم والقيام به مع أمها حميدة وأخيها عبد الرحمن الصغير ابنا عم أبيها للأب محمد بن أحمد بن حكم بن شهيد، ومحمد بن هشام بن شهيد.
وحضر مجلس نظره وقال فيه محمد بن أحمد منهما: إنه لا يقسم في ذلك إن وجبت لهم القسامة، وذهب محمد بن هشام إلى أن يقسم إذا وجب وثبت عنده ذلك من قولها.
وسأل الوزير صاحب المدينة الفقهاء الجواب في ذلك كله، وكيف وجه الحكم فيه، وأظهر المتهم ما ثبت عنده مما تقدم وصفه، وإقرارهم إياه على نصه.
فقالوا: نرى – والله الموفق للصواب – إطالة حبس فطيس بن عيسى موثقًا في الكبل مضيقًا عليه في الحبس زمانًا طويلاً، حسما يؤديك إليه اجتهادك، رجاء أن يقوى في خلال ذلك لطخ الدم به، فإن طال حبسه ولم تقو ريبته وظنته، وبقى على حال أمره؛ قال بعضهم: فيقسم حينئذ في مقطع الحق بالجامع خمسين يمينًا: أنه ما قتلها ولا شارك في دمها، ثم يصرح ويخلى سبيله، والله تعالى حسيبه.
وقال بعضهم: بل يقسم بعد طول الحبس – وليها محمد بن هشام ورجل أو رجال من عصبتها، في مقط الحق بمحضرك ومحضر ملأ من المسلمين، إن كان أخاها غير بالغ في ذلك الوقت على عين فطيس وبمحضره: بالله الذي لا إله إلا هو، لقد قتلها عمدًا يكررون
اليمين بذلك خمسين مرة.
وإن كان أخوها قد بلغ الحلم؛ أقسم مع محمد بن هشام على فطيس أنه قتلها، واقتص منه.
وإن لم يكن مع محمد بن هشام من يقسم معه من عصبتها، بقى فطيس في السجن حتى يبلغ أخوها، وأقسم هو وأخوها شهيد، وقتل فطيس إن شاء الله عز وجل.
قال بالقول الأول عبد الله بن محمد بن عباس، وعبد الرحمن بن سوار، وعلى بن محمد.
وقال بالقول الآخر محمد بن فرج، وعبيد الله بن محمد، واحتج محمد بن فرج لقوله بحيدث مالك عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري أن سهل بن أبي حثمة تدثه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قضى بالقسامة في عبد الله بن سهل الأنصاري ثم الحرثي، يوم قتل بخيبر وبدأ ولاته باليمين، ثم وداه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمائة من الإبل، كذا اختصره ابن حبيب في الواضحة.
وتمامة عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره رجال من كبار قومه أن عبد الله ومحيصه خرجا الىخيبر من جهد أصابهم فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في فقير عين، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه فأقبل حتى قدم على قومه، فذكر لهم ذلك، ثم أقبل هو وأهوه حويصة، وهو أكبر منه وعبد الرحمن، فذهب محيطصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "كبر كبر" يريد السن فتكلم حويصة، ثم تكلم محيصة فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "إما أن تدوا صاحبكم 1 ". الحديث
ورواه مالك أيضًا عن يحيى بن سعد عن بشير بن يسار أنه أخبره أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر فتفرقا في حوائجهما، فقتل عبد الله بن سهل الحديث.
وإن أمر ابن فطيس بمصالحته بعدة من الذهب أداها وخلى عنه.
وقال ابن حبيب: أخبرني ابن الماجشون، عن إبراهيم عن ابن سعد عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار ورجال من الأنصار من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية.
نصرانية زعمت أن عيسى هو الله تعالى، وقالت: كذب محمد فيما ادعاه من نبوته عليه السلام:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يشهد المسلمون في هذا الكتاب أنهم حضروا في مجلس القاضي أحمد بن محمد قاضي الجمعة في قرطبة، فدخلت عليهم امرأة تسمت بزيجة زعمت أنها نصرانية، فاستهلت بنفي الربوبية عن الله عز وجل وتكذيبها محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلان فلان.
فهمنا – وفقك الله – ما قالت المرأة الملعونة المتسمية بزيجة، وما شهد به عليها من نفيها الربوبية عن الله عز وجل وقولها: إن عيسى هو الله، وتكذيبها بنبوة محمد (صلى الله عليه وسلم)، فالذي نراه أن قد وجب عليها القتل وتجيلها إلى النار الحامية، عليها لعنة الله.
قال بذلك عبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة، وسعد بن معاذ، ومحمد بن وليد، وأحمد بن يحيى.
قال القاضي:
في سماعه عيسى، في رسم يدير ماله، إذا قال الذمي؛ اليهودي أو النصراني: لم يرسل إلينا محمد وإنما أرسل إليكم، وإنما نبينا موسى وعيسى وما أشبه ذلك.
وأما إن قال: ليس بنبي، ولم يرسل ولم ينزل عليه قرآن، وإنما هو شيء تقوله فالقتل عليه لا شك فيه، وإن نال المسلم من النبي عليه السلام شبه ذلك قتل أيضًا.
وفي رسم شهد قال ابن القاسم: إذا قال النصراني ديننا خير من دينكم، إنما دينكم دين الحمير، عوقب عقوبة موجعة، وإن شتم النبي عليه السلام شتمًا يعرف، قال مالك: ضربت عنقه.
فقال لي غير مرة إلا أن يسلم، ولم يقل لي يستتاب.
ومحمل قوله عندي: إن أسلم طائعًا.
ولقد سألناه عن نصراني كان بمصر، شهد عليه أنه قال: مسكين محمد يخبركم أنه في الجنة هو الآن ما له لم ينفع نفسه؛ إذ كانت الكلاب تأكل ساقية، لو كانوا قتلوه استراح الناس منه.
فلما قرأناها عليه صمت، وقال: حتى أنظر فيها، ثم قال بعد المجلس أين كتاب الرجل، لقد كدت ألا أتكلم فيها بشيء، ثم تفكرت في ذلك فإذا أنا لا يسعني الصمت عنه، اكتبوا إليه يضرب عنقه.
قال ابن القاسم عنه: إن شتم النبي عليه السلام قتل ولم يستتب.
وفي كتاب التفريع الله تعالى أو رسوله عليه السلام من مسلم أو كافر: قتل ولا يستتاب.
وذكر عبد الوهبا في الذمي روايتين في قبول إسلامه بعد ذلك.
عشار قال: أد واشتك إلى النبي وقال: إن كنت سألت أو جهلت، فقد سأل النبي، وجهل (صلى الله عليه وسلم) ولعن العشار:
سئل ابن عاب عن رجل عيان يرصد المسلمين بباب المدينة، ويفتش عليهم أحمالهم وأمتعتهم وما يدخلون به في أسفارهم، ففتش على رجل بحضرة جماعة وضيقعليه، فقال له بضعهم: لما هذا التضييق؟ هكاذ كنت تفعل بغرناطة، ثم رأيتك بعد ذلك تسأله، وستكون كذلك إن شاء الله.
فقال له العيان: إن كنت سألت فقد سأل النبي، وقال أيضًا: إن كنت جهلت فقد جهل النبي.
فشهد عليه بذلك جماعة من المسلمني، وأنكر ما شهدوا به، فعدل عند القاضي عدلان رجلاً من الشهود، وعدل أحدهما رجلاً آخر بعد أن سأله القاضي عنه، وكان تعديلهما بالعدل والرضا، وشهد عليه أيضًا رجل سمعه يقول لرجل كان قد فتش عليهك أد ما عليك واشتك إلى النبي.
وأنكر العيان ذلك كله، وأعذر إليه فلم يكن عنده مدفع.
فجاوب ابن عتاب:
فرأت – رحمنا الله وإياك – خطابك، وفهمت ما سألت عنه، وقد قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ (الحجرات: من الآية: 2) الآية وقال: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ (الفتح: من الآية: 9)، وقال ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ﴾ (الأعراف: من الآية: 157)، وقال: ﴿رَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (الشرح: 4) وقال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ (النور: من الآية: 63) ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ وأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (الأحزاب: من الآية 57)، في آي كثير أمر الله تعالى فيه عباده أن يهاب نبيه (صلى الله عليه وسلم)، وأن عظم ويوقر ويعزز وينصر، وفرض ذلك عليهم إجلالاً وإكرامًا وتفضيلاً، وأوجب ذلك له في حياته وبعد مماته إلى قيام الساعة (صلى الله عليه وسلم) وشرف وكرم.
وروي عن بعض أصحابه قال: كان رجل يسب النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: "من يكفيني
عدوى"؟ فقال خالد بن الوليد: أنا، فبثه النبي (صلى الله عليه وسلم) فقتله 1.
وثبت أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "من لكعب بن الأشرف" فقال محمد ابن مسلمة: أنا، فأتاه محمد بن مسلمة فقتله 2.
وقال ابن القاسم: من سب النبي (صلى الله عليه وسلم) أو عابه أو تنقصه، فإن كان مسلمًا قتل ولم يستتب، وميراثه للمسلمين.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: إن زر النبي صل وسخ، وأراد به عيبه قتل.
وروى ابن وضاح فيمن عبر رجلاً بالفقر، فقال: تعيرني بالفقر والنبي عليه السلام قد رعى الغنم، فقال مالك: قد عرض بذكر النبي عليه السلام في غير موضعه، أرى أن يؤدب.
بالكتاب والسنة يوجبان أن من قصده بأذى أو تنقيص معرضًا أو مصرحًا وإن قل؛ فقلت واجب إذا ثبت ذلك ببينة عدلة، وكذلك القول فيما سألت عنه، إلا أن القاضي لا يكتفي في التزكية والتعديل برجل واحد، وإن كان القاضي والسائل عن الشاهد.
وقد قال ابن القاسم: قال مالك: ولا أحب أن يسأل القاضي في السر اقل من رجلين ولا يقبل في التعديل أقل من اثنين وقاله جماعة من أصحابه وقال مطرف وابن الماجشون وغيرهما وينبغي للحاكم أن يثتكثر من العدلين على الشاهد ولا يكتفي في ذلك باثنين إلا في التبرز في العدالة والعلم بالتعديل ووجوهه وذكرت في سؤالك أن الشاهد الواحد عدله رجلان وعدل الواحد منهما رجلاً آخر بعد أن سأله القاضي عنه فأن لم يعدله غير الواحد الذي كان فالذي يجب عليه بذلك الأدب الموجع والتنكيل والسجن الطويل حتى تظهر توبته فالشهود فالشهود والمعدلون هم الذين يعول عليهم القاضي وبهم تنقذ الأحكام وقد قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لا يوسر رجل في الإسلام بغير العدول والله أسأله التوفيق والتسديد والخلاص بمنه.
مسألة ابن حاتم الطليطلي المحكوم عليه بالزندقة
كان عبد الله بن أحمد بن حاتم الزدي الطليطي هذا مقبول الشهادة عند قاضي طليطلة أبي زيد عبد الرحمن بن عسى الحشا وشاهدته مرارًا يزكى عنده الشهود ثم قيم عنده علي بن حاتم في سنة سبع وخمسين وأربع مائة وشهد عنده عليه نحو ستين شاهدًا بأنواع من التعطيل والاستخفاف بحق النبي (صلى الله عليه وسلم) وحق عائشة وعمر وعلي رضي الله عنهم فمن دونهم من ذلك أنه كان يقول عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وشرف وكرم قال اليتيم ويتيم قريش، وقال: ختن حيدرة، ولم يرد هذا ختن حيدر.
وقال عنه عليه السلام: لو استطاع على رقيق الطعام لم يأكل خشينه، وأن زهده لم يكن عنده قصد، وأن عمر وعلي رضي الله عنهما أجمعين.
لعنه الله.
وقال: لا يجب في الجنابة غسل، وأنكر القدر وأشياء غير ذلك قبيحة.
وتولى كبره والاحتساب عليه فيه محمد بن لبيد المرابط على سبيل الحسبة، وثبت ذلك عند القاضي أبي يزيد، وهو قد تغيب وفر إلى بطليوس.
وشاور أبو زيد فقهاء طليطلة، وكانوا حينئذ أربقعة: أبو جعفر أحمد بن سعيد اللورنكي، وابو جعفر أحمد بن غيث الصدفي، وأبو عبد الله محمد بن قاسم مسعود القيسي، وأبو مطرف عبد الرحمن بن سلمة، فاجتمعوا على وجوب قتله بعد الإعذار إليه، وسجل بذلك أبو زيد، وأخذ به من قولهم، وقضى به وحكم ونص في التسجيل أجوبتهم جوابًا جوابًا، كما نص شهادة كل واحد من الشهود وجعل السجل نسخًا كثيرة.
وأخذ ابن لبيد منها نسخاً، وخرج إلى دانية ومرسية والمرية وغيرها، وأخذ أجوبة الفقهاء بكل حاضرة، بما يلزم انب حاتم بما شهد به عليه بما تضمنه التسجيل.
وراية عنده جواب أبي حفص الهوزني، وكان حينئذ بمرسية، وجواب غيره وورد قرطبة، فأخذ جواب ابن عتاب وغيره في ذلك، وكان في السؤال: إن كان يجب الإعذار إليه؟ أو يكح في شهادة من شهد عليه تركهم القيام بها مدةظ ومن يرث ماله؟ وهل يجب ضمه إلى بيت المال قبل أن يقتل لقراره؟ وهل يجوز لأحد أن يؤويه؟
فحاوب ابن عتاب على ظهر نسخة من التسجيل: تصفحت – رحمنا الله وغياك – السجل المذكور المنعقد في أمر الملحد عبد الله وأجوبة إخواننا الفقهاء.
حفظهم الله، فرأيت أجوبة حسنة مجتمعة في الحكم متفقة المعاني، وجواب الفقيه أحمد بن سعيد المنتسخ أولا في
السجل جوابًا موعب مستقصى، لم يترك لقائل مقالاً.
وما قاله في الإعذار إليه، فقد نزل مثل هذا في أيام الحكم المستنصر الله – رضي الله عنه – في ملحد كان يكنى بأبي الخيرن ولم يكن به وكمناه الناس بأبي الشر، وكان كذلك، شهد عليه بشهادات تشمل معاني من التعطيل والإلحاد، فشاور الناظر في أمره – وهو صاحب الوثائق – الفقهاء بقرطبة.
فأفتى القاضي منذر بن سعيد، وصاحب الصلاة أحمد بن مطوف، وأبو إبراهيم الطليطلي، وغيرهم، بقتله، وترك الإعذار إليه، وأفتى غرهم بالإعذار إليه، وأنهى الناظر في ذلك الأمر إلى الحكم، فا/ر بالأخذ بما أفتى به القاضي ومن وافقه؛ فقد قتله ولم يعذر إليه، وبهذا أقول في هذه القصة، واحتج القاضي منذر وأبو إبراهيم في ذلك بحجج يطول استجلابها.
ولا حجة في تأخر الشهود في إقامة الشهادة عليه؛ إذ لم أعذار كثيرة في ترك القيام يعذرون بها.
وأما من أجاره وستره ومنع منه، بعد المعرفة بذلك والوقوف على صحة الشهادات عليه، فهو في حرج شديد، ولا يحل له ذلك؛ لقول الله عز وجل: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (المجادلة: من الآية 22) فمن أجاره أو منع منه بعد المعرفة بذلك، فقد حاد الله وشاقه، ﴿ومَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ (الحشر: من الآية 4).
وفي الحديث الثابت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "المدينة حرام فمن أحدث فهيا حدثا أو أوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل 1 "، وهذا عام في المدينة وغيرها، ويجب على من أوى هذا الملحد التبري منه لإقامة هذا الحد عليه.
وأما ما سألت عنه من أمر ما له فلا سبيل إليه في حياته، واختلف عن مالك في ميراث الزنديق؛ ففي كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه قال: أرى أن يورث الزنديق بوراثة الإسلام.
قال ابن القاسم: وإذا شهد عليه بذلك فاتعرف وتاب لم
تقبل توبته وقتل؛ فلا يرثه ورثته، وأما من لم يقر ولم يظهره حتى قتل أو مات، فإنه يورث برواثة الإسلام.
ولابن القاسم أيضًا: أنه إذا أعلن ما هو عليه وتمسك به، فلا يرثه ورثته وميراثه للمسلمين كمالمرتد، ولا يجوز له وصية ولا عتق.
ولابن القاسم في المدونة وغيرها: أن ميراث الزنديق لورثته.
وروى ابن نافع عن مالك في المستخرجة: إن ميراث الزنديق للمسلمين، يسلك بماله مسلك دمه.
وجاب أبو عمر بن القطان: يوفق ماله من الآن، ولا يمكن ورثته من شيء منه، ويقتل دون استتابة ولا إعذار إليه يف ذلك، على ما رواه أشهب عن مالك فيما هو أخف من هذا.
قال القاضي:
يريد في سماعه في كتاب الشهادات: إذا شهد القوم عند القاضي وعدلوا، أيقول للمشهود عليه: دونك جرح؟ فقال مالك: إن فيها لتوهينًا للشهادات، ولا أرى إذا كان عدلاً، أو عدل عنده أن يفعل.
قال القاضي:
وهذه روياة ضعيفة متروكة لم يجز بها عمل من القضاة والحكام، ولا أعلم ن أصحابنا مفتيًا بها في الأحكام.
وقد قال ابن نافع متصلاً بها: بل يمكن المشهود عليه منن التجريح بينة وبين المشهود عليه عداوة.
وفي المساع نفسه إذا عدل الشاهد رجلان، وجرحه للمشهود عليه رجلان؛ قال: مالك ينظر في أعدل الشهود.
فقد أباح في هذا الجواب للمشهود عليه التجريح في الشهود، وبه القضاء على ما في سماع يحيى ونوازل سحنون؛ في ذلك الكتاب وفي غيره في المدونة والواضحة والموازية وغيرها، وقد تقدم هذا في صدر الكتاب.
وإسقاط ابن عتاب وابن القطان الأعذار في مسألة ابن حاتم هذه غير سالم من الغفلة لأن القاضي المسجل عليه أبا زيد قد قال في سجله: إنه أخذ بقول من شاوره من فقهاء موضعه وحكم به، ولم يختلف عليه واحد منهم أنه يعذر إليه؛ فلا يجوز تعدي هذا إلى غيره لقضاء أبي زيد به واختياره إياه وإمضائه له، وصار من باب إذا قضى القاضي بما اختلف أهل العلم فيه، فلا يجوز لمن يأتي بعده أن يعرض له، ولا ينقصه، ولا اختلاف في
هذا في شيء من المذهب.
ولعلهما لم يقفا على هذا من السجل، وإن كان وقفا عليه واختار ما أفتيا به فاختيارهما غير موافق للمذاهب، وبهذا أفتيت عند نفوذ الحكم على ابن حاتم وإلى قولي رجع فيه، وبه نفذ القضاء، على ما نذكره بعد هذا في تمام قصته إن شاء الله.
وخاطب أبو زيد بنسخة من قضائه بذلك محمد بن بقي، الناظر في الأحكام بقرطبة، وثبت عنده خطابه بذلك، وقيد على ظهر النسخة أو في أسفلها بثبوتها عنده، وبعد أن أخذ ابن لبيد أجوبة الفقهاء بقرطبة سأل أن يخاطب له قاضي بطليموس بثبوت ذلك السجل، فخاطبه ابن بقي بذلك، وتحمل الخطاب ثقات نهض مع ابن لبيد.
وكان ابن حاتم قد استقر ببطليوس، واطمأن فيها وظهرت له حال عند رئيسها المظفر أبي بكر، وضمه إلى أن يقرأ الكتب عليه، فملا وصل ابن لبيد إليها، وثبت التسجيل عند قاضيها؛ تبرأ المظفر عن ابن حاتم، وخاف ابن حاتم ظفر ابن لبيد به وإلا يحال بينه وبينه، فاستخفى حتى خرج عنها الىشنترين بالغرب، وكان بها مدة، ثم صار إلى سرقطة، فحفره القضاء إلى موضع منيته قرطبة، ووردها لحيته في عقب ربيع الآخر سنة أربع وستين، وقاضيها أبو بكر محمد بن أحمد بن منظور، فسمعت المحتسبة بوروده فقصدوا محله وموضع نزوله، ولببوه، وسفعوه، وساقوه إلى القاضي شر سوق حافيًا مقرع الرأس، فأمر بسجنه حتى يثبت عنده ذلك التنفيذ، وثبت بذلك عنده تسجيل أبي زيد عليه، واستحضره.
وشاورنا: هل يعذر إليه أم يقتل دون إعذار؟ فقال جميع أصحابنا: لا يعذر إليه ويعجل قتله.
وقلت له أنا: لا يسعك الإعذار إليه فيما ثبت عليه؛ لأن القاضي المسجل بذلك قد أخذ به، وقضى بفتوى فقهاء طليطلة، ولا يجوز لك خلافه، لأنه نقض لحكمه، فرجعوا إلى ذلك، ورأوه صوابًا وأعذر إليه بمضحرنا فقال: إن أبا زيد كان عدوه في أسباب الدنيا وعرضها.
فأجله فاتفاقنا شهرين، أولهما لليلتين بقيتا من ربيع الآخر، وصرف إلى السجن، وكفل.
ثم توفى القاضي أبو بكر بن منظور قبل تمام الأجل، وولى مكانه عبد الرحمن بن سوار، واجتمعنا بعد تمام الأجل عند المعتمد على الله، وأحضر في كبله، وسئل: هل أمكنه شيء مما أخر له؟ فقال: لم يمكنني من يسعى لي في ذلك، فاستمرت العزيمة على قتله،
وخرج المعتمد وخرجنا معه إلى رأس القنطرة، وصلب هناك بمحضره وحضرنا، نصف يوم الاثنين، لئر خلون نم رجب، وطعن بالرمح.
والحمد لله الذي عافنا مما به ابتلاه، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً وصلى لله على محمد وأهله وذريته وسلم تسليماً.
قال القاضي: ورأيت من تمام هذه المسألة وصل مسألة أبي الخير بها، التي هي أصلها وشبيهتها في التعطيل والإلحاد.
مسألة الزنديق أبي الخير لعنه الله، وصفه الشهادات عليه:
شهد عندنا قاسم بن محمد، صاحب أحكام الشركة بقرطبة، وقاضي كورة استجة وقبوة محمد بن عبد الله التجبيي، إذ سمع أبا الخير يسب أصحاب البني (صلى الله عليه وسلم) أبا بكر وعمر وغيرهما، وسمعه أيضًا يقول: إن على بن أبي طالب كان أحق بالنبوة من محمد النبي (صلى الله عليه وسلم)، ويرى الخروج على الأئمة رضي الله تعهم، وسمعه يقول أيضًا: إن الخمر حلال.
وأنه أتاه إلى السوق فقال له محمد بن عبدالله: إن السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم.
وقال أبو الخير: ما كان أملي من الدنيا إلا خمسة آلاف فارس أدخل بهم الزهراء وأقتل من بها، وأقوم فيها بدعوةى أبي تميم، وكذلك يكون.
فقال له محمد بن عبد الله: ليس أنت من الإسلام في شيء؛ لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "من أظهر علينا السلاح فليس منا 1 " ودفعه عن نفسه.
وشهد محمد بن أيوب بن سليمان بن ربيع: ا، هـ سمع أبا الخير يقول: إنما الناس كالعشب: رطب ويابس، ثم لا حساب عليهم ولا عقاب.
فقال له محمد بن أيوب: أين قول الله عز وجل: ﴿فَإذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ (يس: من الآية 51) وقوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (الشورى: من الآية 7)، فقال له أبو الخير: بعض القرآن خرافة، وبعضه لا شيء، وإنما لسيف يضم الناس لا الإقرار بها.
وسمعه يطعن على أبي بكر وعمر وعثمان ورضي الله عنهم، ويطعن في خلافة أمير المؤمنين الحكم – أعزه الله – ويقول: لو كانت بسعة أسياف لكنت العاشر.
وعدد عليه شر الخمر، فقال له أبو الخير: هو أحل من الماء للشرب والطهر.
وشهد سهل بن سعيد اللخمي: أنه سمع أبا الخير يقول: أما القرآن النصف الأول
فلا بأس به، وأما الثاني فخرفات، ولو شئت لقلت قرآنا خيرًا منه، إذ قال: ﴿والعاديات ضبحا﴾ (العاديات: 1) هلا قال: والسابحات سبحان تعالى الله عما قال علوًا كبيراً.
وسمعه قبل ذلك يقول: إنه روي عن بعض الصالحين: لا تعبد الله رجاء ما عنده، فيكون كالأجير يخدم ليأخذ، ولا تعبده لخوف عقابه، كالعبد الذي لا يخدم إلا لخوف من مولاه، ولكن أعبده لما هو أهله؛ ثم عطف فقال: ما هو أهله؟ مستزئاً به، عز ذكره وتعالى.
وشهد حسان بن محمد أنه سمع أبا الخير يقول: الخمر حلال في كتاب الله، ويحتج بقوله: ﴿تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ (النحل: من الآية 67) فمن قال غير هذا فهو كاذب، ويعرفه تاركا للصلوات الخمس في المساجد، وتاركا لحضور الجمعة، وشاربا للخمر محللا لها.
وسمعه أيضًا يقول في الملائكة: إنهم بنات الله.
وشهد على بن عبد الله الحجري: أنه سأل أبا الخير عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فقال: دعا فعليها لعنة الله، لقد أنت من شدة احتراقها - وأفصح عن أقبح من هذا القول فيها - ترقد رسول الله حتى يصلي صلاة الصبح في الضحى.
واجتمع به في مقبرة متعة فقال له: شهدت علي؟ قال هل: نعم.
فقال له أبو الخير متهينًا بشهادته وشهادة من شهد عليه: اسمع ما أشهدك به على نفسي: إني أزني وألوط وأشر بالخمر وأسمع العود، ثم قال له: وقفني على هذه الشهادة متى أحببت، فإني أخبرهم بهذا عن نفسي كما أخبرتك.
وشهد أحمد بن سعيد بن بشرى الأموي: أنه يعرف أبا الخير هذا من أهل الطعن على السنن وأهلها، كادحًا فيها، لا يرى إمامه أحد من أئمة المسلمين، هازلا بكتاب الله عز وجل، طاعناً فيه.
وشهد سليمان بن منيه بن عبد الملك: أنه يعرف أبا الخير من أهل المروق والتهزي بالدين، وسمعه يقول: الله در قريش، عفر هذه الوجوه المنتنة بالتراب، وسمعه أيضًا يمدح الخمر ويقولك لقد ظلم محمد في تحريمها، ولقد أحل أشياء كانت الخمر ير منها.
وسمعه محمد بن عمر بن محمد بن عذرة في انصرافه من تشييع خال له خرج إلى الحج، ولقيه ببلاط مغيث وسأله من أين إقباله فأعلمه، فقال أبو الخير ما أحمق الذين يتعبون أبدانهم، ويخرقون ثيابهم، ويقصدون حجارة صماء.
وشهد مسعود بن عمر خيار الأنصاري: لقد سمع أبا الخير والناس يصلون، وهو يقول: يا لهؤلاء القوم، يرفعون أستاهم ويخفضون رؤسهم بالعجمية.
وقلت له: سبحان الله! فقال لي: يا أبا القاسم لا تكن مع الغوغاء، فلو أن غيرك سمعني لنشبت.
وسمته يتأول حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) في السواك، يقول في هذا الحديث معنيان: أحدهما ظاهر، والآخر باطن، فأما الظاهر فهو سواك الفم، والثاني فيما ستر الله، يعني الفاحشة.
وشهد سليمان بن قاسم بن نعمان: أنه يعرف أبا الخير تاركاً للصلوات الخمس في المساجد، تاركاً لحضور الجمعة، شاربا للخمر محللا لها.
وشهد محمد بن يحيى الحضرمي: أنه سمع أبا الخير يقول في النبي (صلى الله عليه وسلم) أن علياً أحق بالنبوة منه، وأن محمدًا غصبه إياها، وأن محاربة بني أمية أحق من محاربة الشرك.
وشهد عبد الله بن بشر القشيري: أنه سمع أبا الخير هذا وهو يتكلم مع نصراني في لحم الخنزير، وهو يسأل النصراني أن يأتيه به، فقال: كيف تأكله؟ فقال أبو الخير: لست على دين محمد، ولا أعتقده.
وسمعه يسمي بالجامع دار البقر، ويحل الخمر.
وشهد نجدة بن السطحي الأموي: أنه سمع أبا الخير يسب الله تعالى بكلام كثير، أعظم نجدة أن يتكلم به، وسمعه يتكلم في الديانة وينتقصها بكلام أعظم – أيضًا – نجده أن يتكلم به.
وشهد عمارة بن الفهري: أنه يعرف أبا الخير هذا معطلاً للكتاب والسنة، محللاً للخمر.
وشهد هارون بن محمد المتطيب: أنه سمع أبا الخير هذه يهزأ بديانة الإسلام، وسمعه يقول لمحمد بن عبد العزيز: لولا حالة تلتزمها – يريد الشراب – كان ينزل عليك الوحي.
وشهد أصبغ بن عيسى القسي: أنه سمع أبا الخير هذا يقول: لو استطعت أن أقلع الكعبة وأترك المسلمين بلا قبلة، لفعلت.
وشهد محمد بن أحمد الخزار القروي: أنه يعرف أبا الخير هذا مستهزئاً بديانة الإسلام، يزري على سلف هذه الأمة وخلفهم، ويقول في جملة الصحابة الستة: عليا وعمارًا والمقداد وأنسيت الثلاثة -: أنهم على ضلال وباطل، وأنهم ارتدوا وعادوا كفارًا، وجميع من تبعهم من جملة المسلمين معهم على ضلال وباطل.
ورأيت له كتابًا جاوز فيه حدود الإسلام إلى معاني التعطيل، وذاكرته ما بلغني عنه من ذلك وأشباهه، فأقر بجميعه، ثم أظهر بعد ذلك التنسك في أطمار صوف يطلب الصدقة، ولم يمض به عام أو نحوه حتى اتصل به عنه شرب الخمر والبهتان العظمي، والنفقات وأفعال الفساق، فاجتمعت به في طريق فقلت له: أبا الخير، ما هذا الذي أنت فيه وبلغني عنك؟ أين التوبة، وما كنت تظهر من الزهد؟ فقال: هذا ضلال ومحال وأخبار المجانين.
فقلت له: أين ما كنت تظهر من النسك والزهد والتوبة؟ فقال: إنما تبت تقية وخوفًا، ولو أمنت لناظرت على أكثر مما كنت.
قلت – ولا قمت الحجة في ذلك فقلت له – ليست هذه ديانة ولا فعل من يؤمن ببعث ولا حساب، فقال لي: هذه الأخبار الباردة، وهذا المحال أخرجك من بلدك، فقلت له: أخرجني الهروب من الكفر وطلب السنن من أهل السنة، فقال لي: الذين خرجت عنهم هم كانوا أهل الحق والسنة، لا الذين أنت معهم؛ لأن أولئك أهل البيت، ولا ينجيك الفرار منهم.
وشهد محمد بن نجاح الأموي: أنه سمع أبا الخير يقول: الخمر حلال في كتاب الله، ويحتج: ﴿تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ (النحل: من الآية 67) فمن قال بغير هذا فهو كاذب.
وشهد محمد بن حفص: أنه سمع أبا الخير يقول بتحليل الخمر.
وشهد عبد الرحمن بن سعيد الأنصاري: أنه سمع أبا الخير يسب أبا بكر وعمر، ولا يرى خلافه من ولاه الله أمرنا.
وشهد عبد الله بن محمد الأموي: أنه سمع أبا الخير يسب أبا بكر وعمر وأصحابهما، وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ويرميها بالبهتان.
ولما قدم عبد الله بن محمد هذا من الشرق سأله أبو الخير: من أكثر بالمشرق: العلوية أو العثمانية أو البكرية؟ فقال له: لقد ظهر الآن العلويون، فقال له أبو الخير: هذا الحق، كأنك ترى الألوية خارجة من داري.
وشهد أحمد بن حفص الرعيني: أنه سمع أبا الخير يقول: لو كانت تسعة أسياف لكان سيفي العاشر، ثم أضع سيفي من باب القنطرة فلا نبقي أحداً.
وشهد إبراهيم بن علي الرعيني: أنه سمع أبا الخير يقول: يحل الكفر واللواط.
وشهد إسماعيل بن حفص الرعيني: أنه يعرف أبا الخير هذا معطلا للمساجد، تاركًا لصلاة الجمعة، لا يرى شهودها، محللاً للخمر، كثير الوقوع في الخلافة المباركة، أدامها
الله وأنه خطر به رجل من أهل الحرم، فسمعه إسماعيل يقول: اللهم اقطعنا من أيام، فقال له إسماعيل: لماذا فقال: الذي أعرفه: والله لو قام تسعة أسياف لكان سيفي العاشر.
وشهد علي بن حفص الرعيني بمثل ذلك.
وشهد أحمد بن عبد الله بن محمد بن بزيع: أنه سمع أبا الخير هذا يقول: اللواط وشرب الخمر حلال.
وشهد محمد بن أحمد بن حكم بن مقسم: أنه يعرف أبا الخير من أهل الاستخفاف بالديانة والتلشية لها.
وشهد يوسف بن سليمان بن داود الأموي: أنه يعرف أبا الخير هذا من أهل البدع والفساد والطعن على أئمة المسلمين وخلفائهم.
وشهد أصبغ بن عبد العزيز: أنه اجمع بأبي الخير هذا بسبته، فمسعه يقول بإنكار الشفاعة، وتخليد المذنبين في النار.
وشهد عبد الله بن حزب الله السكسكي: أنه يعرف أبا الخير هذا يتزين.
وسمع رجلا استفتاه في جارية عنده رهينة: إن كان يحل له وطؤها فقال: وطؤها حلال، فكذبته.
وشهد أحمد بن محمد بن حسان أنه اجتمع بأبي الخير هذا بمقبرة قريش فسمعه يقول: أنا أعلم كيل البحار، ووزن الحبال، وعدد الذر.
وشهد يعيش بن داود بن ضابط الأنصاري: أنه عرف أبا الخير هذا يسب أهل السنة والجماعة.
وشهد سعيد بن عاصم الحق لأني: أنه يعرف أبا الخير هذا من أهل البدع، محتجًا على أهل السنة بالبدع.
وشهد أحمد بن عمر الأموي أنه سمع أبا الخير هذا يطعن في الدين، ويحرف السنن، ويعد نفسه أن يدخل القصر عروسًا، يريد بذلك أن يأتي بخليفة يدخله القصر.
وشهد مسعود بن عبد الله الأموي: أنه سمع أبا الخير هذا يحل الخمر، ويقول إذا مت فاغسلوني بها.
وكان بلغه قبل ذلك أنه يشرب الخمر، فأنكر ذلك ولم يصدق به، فركب مع أصحابه له ليقف على الحقيقة من أمره، فوجده بقرية طرسيل سركان، وقال له حينئذ هذا المقالة.
وشهد معاوية بن سلمة السبئي: أنه سمع أبا الخير هذا يقول بمذهب المشارقة، عليه
لعنة الله وغضبه، ويذهب مذهبهم، وأن الملحد الشيعي أمير المؤمنين، وفخر عنده أن جراية الشيعي عليه وعلى أصحابه جارية.
وشهد محمد بن عبد الله بن محمد بن بديع الأموي: أنه سمع أبا الخير هذا يقر بشرب الخمر واللواط، ويقع في الخلافة أعلاها الله، ويقع في الحكام.
وشهد عمر بن أحمد البهراني: أنه سمع أبا الخير هذا يقول بتخليد المذنبين من المسلمين في النار ويعتقد هذا، ويرى الخروج على الإمام.
وشهد خالد بن عبد الحميد بمثل ذلك، إلا الخروج على الإمام.
وشهد نافذ بن عباس: أنه سمع أبا الخير يقول: كسر العظام ككسر الحجارة.
وكان نافذ قد نبش قبرًا لقريب له، فدخل في القبر وأخرج منه العظام وأعظم كسرها، فقال أبو الخير عند ذلك ما تقدم، فقال له نافذ: وأين حديث عائشة، فقال: عائشة مثل أمك.
وشهد رشيد بن بخت: أنه سمع أبا الخير هذا في بعض المجالس، وقد دارت بينهما مناظرة، فقال له أبو الخير: أين تلزم في السوق؟ وما تجرك؟ فذكر له رشيد موضعه ومتجره، فقال له أبو الخير: للسلطان إليكم سبيل؟ فقال رشيد: بلى، فقال له أبو الخير: أنت ممن يقرأ القرآن؟ فقال له: بلى، فقال له: ألم تسمع الله تعالى يقول: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ (هود: من الآية 113) فرضيت بأن تكون من أهل النار، فرد عليه رشيد في ذلك بما استطاع من الرد، فقال له أبو الخير: ليس هؤلاء من الأئمة الذين تجب إمامتهم ولا معاملتهم، ولو استطعت محرابتهم لجاهدتهم، وكان جهادهم عندي أفضل من جهاد العدو، وكذلك فقهاء هذا الزمان بهذه الصفة عندي.
وشهد بدر مولى أحمد بن خيار: أنه سمع أبا الخير إذا خرج من الطبق يقول – قد سمع صياح صبيان -: ما كنت اشتهي إلا أن اخرج بسيفي هذا؛ لا سيف كان معهم، فأقتلهم صغارهم وكبارهم إلى باب القنطرة، وترجع بدر على ما كان من جوهر في أهل فارس، فقال أبو الخير: أما تقرأ القرآن ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ (النصر: 1)، فهذا نصر الله قد جاء إلى الغرب، والفتح يأتي بعده.
وشهد خيار بن عبيد الله: أنه سمع أبا الخير يقول في سوق البزازين – وقد تزاحم الناس -: ما يستحق هذا الخلق إلا السيف.
وشهد عبد الله بن عمر الأموي: أنه سمع أبا الخير يحل الخمر.