باب مسائل الاحتساب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو الأصبغ
- الكتاب
- ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام
- المؤلف
- عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي الجياني القرطبي الغرناطي أبو الأَصْبَغ (المتوفى: 486هـ)
- المحقق
- يحيي مراد
- الناشر
- دار الحديث، القاهرة - جمهورية مصر العربيةعام النشر: 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
من ذلك: محتسب نبه على سوء عمل الخرازين فتألبوا عليه بعد ذلك وأرادوا إحراجه من سوقهم ومنعه من التصرف فيه، وأظهروا عقدًا هم وإضراره بهم وتسلطه عليهم، وأنه أهل أن يخرج من السوق وشاور الوزير صاحب الأحكام ابن الليث - في ذلك - الفقهاء هل يباح لهم ذلك ويسمح بهم منهم فيه؟
فأفتى ابن عتاب: أنه لا سبيل لهم اليه، ولا يباح لهم القيام عليه ولا يسمع منهم فيه، والمعترض له أولى منه بالإخراج من السوق، وأن تخرق أعمالهم الفاسدة لغشهم بها واستحلالهم أموال المسلمون فيها.
وأفتى من القطان: ما قاله الفقيه ابو عبد الله أكرمه الله صحيح وبمثله أقول، فاعتمد عليه وأنفذ الحكم به إن شاء الله.
وكان الذي رفع ذلك الرافع عنهم ونقم منهم سوء خرازتهم وتشكي الناس: أن ما اشترى من عملهم ينحل سريعًا في أقرب وقت وشاهدت الحكم بشق بالسكين خفًا جديدًا عن عملهم بعد الفتوى بما ذكرنا، وكان ابن القطان قد أفتي قبل ذلك في الملاحم الرديئة النسخ بالإحراق بالنار، وأفتى ابن عتاب فيها بتقطيعها حرقًا وإعطائها إلى المساكين اذا تقدم إلى المستعملين فلم ينتهوا، وكان يقم في الملاحم سعتها وخفة نسجها وألفا سريعة البلى لذلك، قصيرة مدة الانتفاع بها.
وأفتى ابن عتاب في الحيز المغشوش والناقص: أن يكسر ويتصدق به على المساكين وأنكر ابن القطان ذلك، وقال: لا يحل ذلك في مال مسلم بغير إذنه وإنما يؤدب فاعل ذلك بالإخراج من السوق.
قال القاضي:
وهذا اضطراب من جوابه وتناقض في قوله؛ لأن قوله في الملاحم بإحراقها بالنار أشد من إعطاء هذا الخبز المساكين، وابن عتاب أضبط لأصله في ذلك وأتبع لقوله.
ومن الحجة لابن القطان في قوله هذا: قول مالك في سماع أشهب وابن نافع، وقد سئل عن إفراغ صاحب السوق البن اذا مزج بماء وإنهابه متاع أصحاب السوق اذا خلفوا أمره، فقال مالك: لا يحل ذلك ولا يبغي أن ينهب مال أحد، ولا يحل ذلك في الإسلام، ولا يحل ذنب من الذنوب مال الإنسان، ما يحل ماله وإن قتل نفسًا وأرى أن يضرب من
أنهب ومن انتهب.
وهذه رواية محتملة التأويل؛ والظاهر منها والصحيح في معناها: أن جواب مالك إنما وقع على قول السائل إن صاحب السوق ينهب أمتعة أصحاب السوق اذا خالفوا أمره، ولا يمتري في فساد هذا الفعل؛ لأن النهبة لا تحل في المباح فكيف في المحظور؟ ولا يحل لمن خولف أمره من حكم أو أمير أن يرسل الأيدي على مال العاصي له.
فصار جواب مالك إنما وقع على هذا الفعل الممنوع منه المنهي عنه، ولم يقع جوابه على إفراغ اللبن المغشوش في الأرض، وإن كان قد كره في رواية ابن القاسم عنه في كتاب شك في طوافه أن يهراق ورأى أن يتصدق به، ولم يكن ليقول لا يحل ذلك ولا يؤدب فاعله؛ لأن ابن القاسم قد حكى في حرف المدونة أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض أدبًا لصاحبه.
ويصير على هذا الترتيب الذي يقتضيه الظاهر أن مالكًا لم يجب في سماع أشهب على طرح اللبن المغشوش في الأرض وأبان في الرواية الأخرى أن المستحسن عنده التصدق به اذ في ذلك عقوبة الغاش بإتلاف عليه وإخراجه عنه ونفع المساكين بإعطائهم إياه، فقال: يهراق ورأى أن يتصدق به على المساكين بغير ثمن اذا كان هو الذي غشه.
قيل لمالك: فالزعفران والمسك أتراه مثله؟ فقال: ما أشبه بذلك اذا كان هو الذي غشه فه كاللبن.
قال ابن القاسم: هذا في الشيء الخفيف منه وأما اذا كثر ثمنه فلا أرى ذلك، وعلى صاحبه العقوبة؛ لأنه يذهب في بذلك أموال عظام، يريد في الصدقة بكثيرة.
وذكر ابن حبيب في تاسع بيوع الواضحة قول مالك وابن القاسم بنحو ما تقدم، وقال: قال ابن القاسم: سمعت مالكًا وسئل عمن اشترى زعفرانًا فوجده مغشوشًا أترى أن يرده؟ فقال: نعم يرده، وليس عن هذا سألني صاحب السوق وإنما سألني أنه إن أراد أن يحرقه لما فيه من الغش فنهيته عن ذلك.
وسكت مالك عن تفرقته على المساكين.
ثم ذلك ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون عن مالك في الذي غش اللبن والمخالفين لأمر صاحب السوق مثل ما قدمنا من سماع أشهب وابن نافع عنه.
قال ابن حبيب فقلت لهما: فما وجه الصواب عندكما فيمن غش أو نقص من الوزن؟ فقالا: الصواب فيه أن يعاقب بالضرب أو السجن أو الإخراج من السوق إن كان بذلك معروفًا، ولا نرى أن ينهب متاعه ولا يحرق إلا ما خف قدره من اللبن اذا شابه
بذلك والخبر ينقص من وزنه فيفرق على المساكين تأديبًا له مع ما يؤديه من ضرب أو سجن أو إخراج اذا كان معتادً لذلك، وما كثر من اللبن أو بالخبز أو غش في المسلك أو الزعفران فلا نرى أن يفرق ولا يهب.
قال ابن حبيب: ولا يرده الإمام اليه وليأمر ثقة بيعه ممن يؤمن أن يغش به، ويكسر الخبز اذا كثر ممن يأكله ويبين له غشه، هكذا العمل في كل ما غش من التجاريات وتجر فيه، وتجر وهو إيضاح من استوضحته ذلك من أصحاب مالك وغيرهم.
وهذا كله يبين خطأ ابن القطان في مسألة الخبز وإنكاره قول ابن عتاب فيه: يفرق على المساكين، وقد كان تقدم من قوله في الملاحم الرديئة العمل أن تحرق بالنار، وكان ابن عتاب قد كلفني جمع الروايات في هذا المعنى عند إنكار ابن القطان جوابه في الخبز ليوجه به إلى الوزير أن الوليد بن جمهور – رحم الله جميعهم – فلم أنشط لذلك ورأيت ألا أتكلفه، وأسأل الله العصمة في كل حال وأن يجعل أعمالنا لوجهه.
وفي تفسير ابن مزين: قال عيسى بن دينار: قد قال مالك في الرجل يجعل في مكياله زفتًا أيقام من السوق، فإنه أشد عليه، يريد من أدبه بغير ذلك من ضرب أو سجن وكذلك قال في كتاب ابن حبيب: سألني صاحب السوق عن رجل فجر في السوق، فأمرته أن يخرجه منه ولا يتركه فيه، قال مالك: وذلك أشد عليه من الضرب.
قال القاضي:
وسمعت ابن عتاب وقد ذلك له المحتسب أن صاحب المدينة يذهب إلى نقل صنجة سبعة دراهم إلى أن يزيد فيها ويجعلها من ثمانية دراهم، فقال: لا سبيل إلى ذلك، ولا يغير ما جرى به العمل من زمان عبد الملك بن مروان إلى اليوم، هو أول من أجرى صنجة السبعة دراهم وصنجة العشر الكيل.
وقال ابن حبيب في الواضحة: ينبغي أن يكون الكيل في البلد واحدًا: كيل القفيز وكيل القسط ووزن الأرطال؛ فيكون واحدًا معروفًا قد عرفه الناس وقد كان قفيزًا بقرطبة معروفًا عشرة أصبح والوسق ستة أقفزة؛ والخمسة الأوسط التي أوجب النبي (صلى الله عليه وسلم) فيها الزكاة ثلاثون قفيزًا، وهو أذن ما يجب فيه الزكاة حتى تكلف جهال ولاة السوق الزيادة فيه فخلطوا على الناس أمرهم.
مسألة السندروس يعمل من القزدير:
قام عند ابن الليث بن جريش بقرطبة محتسب بعقد استرعاء تضمن معرفة شهدائه أن السندروس الذي يلصق بالجلود ويرف في الوطء والسروج وغير ذلك إنما يعمل من الفضة، وبذلك جرت العادة واستمر العرف، وإن عمله من القزدير غش يضرب بالأسواق، وإن عامله إن بين فلا يؤمر مشتريه أن يغش به وخدع من لا يفرق بينه وبين المعمول من الفضة، وثبت عنده هذا العقد بجماعة وشاور في ذلك.
فأفتى ابن عتاب: إن عمله من الفضة يجب أن يقطع اذ لا يجوز للرجل استعمالها إلا في الخاتم والسيف والمصحف وغلا يمنع عامله من القزدير من عمله.
وافق ابن القطان: يقطع عمله من القزدير اذ هو من الغش الذي لم تجر العادة بجواره، ولا عرفت باستعماله.
وافق ابن مالك: المقوم عليه في ذلك بإثبات دعواه أنه لم يزل يعم من القزدير.
غرس الشجر في صحن المسجد:
كان ابن عتاب رحمه الله لا يرى غرسها في صحون المساجد ولا شيئًا مما يثبت، وكان ينكر ذلك ويمنع منه ويغيره اذا أمكنه، وذكر أحمد بن خالد أنه سأل ابن وضاع عن الشجرة تكون في صحن المسجد.
فقال: أحب إلى أن تقطع ولا تترك فيه، ولم أر في مساجد الأمصار شرة لا بالشام ولا بغيرها.
فقلت: فإذا كانت هل ترى أن الأكل منها مباح لك؟ فقال: إنما هي المؤذن وشبهة، وما كنت أحب أن آكل منها.
وذكر أحمد بن عبد البر في تاريخه في باب صعصعة بن سلام أنه – أعني صعصعة – ولي الصلاة بقرطبة، قال: وفي أيامه غرست الشجرة في الجامع.
وهو مذهب الأوزاعي والشاميين ومالك، وأصحابه يكرهونه، وتوفي صحصعة سنة اثنتين وتسعين ومائة.
من رغب أن تقصر عقود الوثائق بموضعه عليه:
سئل ابن عتاب عن رجل ينتمي إلى الفقه توسل إلى بعض خدمة السلطان راغبًا في أن يقصر عقد الوثائق وكابها عليه خاصة، فأجابه السلطان إلى ذلك وعهد إلى من ببلده ألا يعقد أحد وثيقة إلا هذا المتفقه.
فهل تجوز إمامته اذ هو إمام أو شهادته إن هو شهد؟
فجاوب: لا أكثر من أمثال هذا الفقيه؛ اذ طلب ما لا يجوز له ولا يحل، وإذ قد طلب ذلك ورغبة فإمامته غير جائزة وشهادته ساقطة والله ولي التوفيق.
قال القاضي:
ولو كان السلطان قصر الناس على ذلك ليصر هذا الإنسان بالعقود وثقته ولتقصير غيره عن إدراكه في ذلك ولم يطلب هو ذلك ولا رغبة لكان حسنًا من فعل السلطان ويمثل هذا أمر من نظر المسلمين في مصالح دينهم ودنياهم، كما ذلك مالك عن عمر بن الخطاب أمور المؤمنين (رضي الله عنه) أنه كتب إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، ثم علمهم المستحب من أوقات الصلوات، الحديث لا كما يفعل من محنا بهم من الولاة في هذا الوقت يؤثرون من مالت اليه أهواؤهم وإن كان جاهلاً، ويقضون من انحرفت نفوسهم عنه وإن كان عالمًا؛ فعل من خان الله ورسوله والدين وجماعة المسلمين (وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) (الشعراء من الآية 227)
مسألة في الصلاة في الأسواق:
كتب إلى ابن عتاب رحمه الله الجواب رحمك الله في حوانيت ابتناها السلطان وأكتراها الناس منه لتجارتهم ويقرب هذه الحوانيت ثلاثة مساجد يها أئمة راتبون وفي بعض هذه الحوانيت رجل ولع بإمامة من حوله في الظهر والعصر، يقف رجل في وسط الحوانيت عند الصلاة ويصيح: الصلاة يرحمكم الله، ثم يتقدم ذلك الرجل ويصلي بأرباب الحوانيت المجاورة له، وبكل من كان فيها ممن جلس إليهم، ويتركون لاسعي إلى تلك المساجد، أترى رحمك الله صلاته وصلاتهم في حوانيتهم جائزة والأرض التي بنيت فيها لا يعرف أربابها، وبعضها يعرف ربه وحيل بينه وبينها؟ أم ترى أن ينهوا عن ذلك ويؤموا بالصلاة في تلك المساجد؟ وكيف إن لم ينتهوا؟
اذا كان كما ذكرت والأصل على ما وصف فالتزامهم لتجر فيها غير جائزة، وشهادتهم بذلك ساقطة، ويؤمروا بالصلاة في المساجد، وينهوا عنها في حوانيتهم.
فإذا انتهوا فذلك من توفيق الله تعالى وهدايته إياهم، وأن أبوا وأصروا وذكروا عذرًا يخرجهم إلى ذلك تركوا والله تعالى يعلم المفسد من المصلح، وقد قال تعالى لنبيه عليه السلام: (ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) يونس: 99)
وقد كان الناس يصلون في أسواقهم ولكن كانت المساجد تبعد عنهم، وأمر هذه الأسواق على خلاف ما وصفت، والله أسأله التوفيق لجميع برحمته.
قال القاضي:
في سماع أصبغ: سئل أصبغ من الاكتراء في القيساريات والحوانيت المغصوبة والأبنية بالأموال الحرام، وعن السكنى فيها والتجارة بالبز وغيره فيها.
فقال: لا أرى ذلك يحل، وهو مما وصفت لك من كسب الحرام ومن اكتسب فيها شيئًا فهو خبيث قليله وكثيره، وقال: لا أرى القعود عندهم في تلك الحوانيت، ولا يتخذ طريقًا إلا المرة بعد المرة اذا احتاج إلى ذلك ولم يجد منه بدًا.
وذكر أن ابن القاسم كان في حوار مسجد بني بمال حرام وكان لا يصلي فيه ويذهب إلى أبعد منه، ولا يراه واسعًا لمن صلى فيه، والصلاة عظم الدين، وهو أحق ما احتيط فيه وأهل الورع يتقون هذا، ودونه هذه المسألة يتم ما قاله ابن عتاب في جوابه.
والله المحمود.
مسألة في جائحة جنات الأجناس بقرطبة:
كانت عادة القضاء بقرطبة فيها الإحسان إلى متقبليها ومتقبلي أرضيها اذا تشكوا وضيعة أو جائحة استلافًا لهم، وإذ كانت قبالاتها تنتمي بتزايدهم فيها فاستظهروا بعقد جائحة في جناتها عند القاضي أبى المطرف عبد الرحمن بن أحمد بن بشر رحمه الله.
وقد تقدم ذكره في بعض المسائل.
ونسخة العقد في امتحان مبلغ الجائحة فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: توجه بأمر القاضي عبد الرحمن بن أحمد من تسمى في هذا الكتاب من الشهداء لامتحان ما تشكاه فتقيوا الأجنة المحبسة المضمون نظرها إلى ديوان القضاء بقرطبة من الجائحة الداخلة عليهم من هذه الأجنة في سنة سبع وأربع مائة، بسبب الخشاش المتولد من الأرض غلبة رطوبة الماء عليها في شهر مارس الكائن في العام المذكور، وبسبب امتناع السقاية في شهر أغشت في العام المذكور لمخافة اللاحقة يتكرر الجيش في المحلة شرقي مدينة قرطبة عند ورود العساكر مع النصارى وبسبب تكرر القبليات على الأوراق الموضوعة فيها وتغلبها عليها.
فامتحنوا ذلك وكشفوا ورأوا بما انكشف لهم من ذلك أن يسقط عن متقبلي الجنات برملة قرطبة وما اتصل بها من الجهة الشرقية بسبب جائحة الخشاش وامتناع
السقاية للخوف المذكور ثلث ما عليهم من القبالة في الأرض البيضاء، ويثبت عليهم الثلثان، وأن يسقط عن متقبلي الجنات في الجهة الغربية والجهة الجوفية من مدينة قرطبة بسبب جائحة القلنيات والخشاش في الأرض البيضاء الربع، ويثبت الثلاثة الأرباع وان ذلك من السداد للأحياس المذكورة لما فيه من حق المتقبلين واستئلافهم.
فمن الأجنة في الرملة وما اتصل بها من الجهة الشرقية جنان كذا وجنان كذا، ومن الأجنة التي بالجهة الغربية جنان كذا وجنان كذا، ومن الجنة التي بالجهة الجوفية جنان كذا وجنان كذا، شهد بذلك كله من وقف إليها وعاينه ورآه على حسب ما وصف ممن أوقع شهادته بذلك في شهر كذا من سنة كذا.
وثبت هذا العقد عند القاضي أبي المطرف ونظر لهم بما شهد به فيه وأجرى المتقبلين على عادة في ذلك أيام قضائه وكان ولاء ذلك على بن حمود اذ تغلب على ملك بني مروان وابتزهم إياه في النصف من صفر سنة سبع وأربع مائة، وكان على الصلاة يونس ابن عبد الله بن مغيث المعروف بابن الصفار، وكان ابن بشر من الراسخين، ومن كبار المشاورين المفتين، بصيرًا ما هو بالعقود والأحكام، لا يجاري في ذلك، ويسلم له ذلك لشغوفه فيه، واتصل قضاة أيام علي.
فلما صار الأمر إلى أخيه القاسم بن حمود عزل ابن الصفار عن الصلاة لتنازع قبيح جرى بينه وبين أبي عبد الله بن عبد الرءوف صاحب المظالم، وذلك في ربيع الآخر سنة تسع وأربعمائة وأضاف الصلاة إلى خطة قضاة الجماعة لابن بشر فاستقل بهما إلى انقراض دولة آل حمود سنة تسع عشر وأربع مائة.
وولى هشام بن محمد بن عبد الملك المعتمد بالله من بني أمية، فسعى الفقهاء على ابن بشر عنده حتى عزل وولي مكانه يونس بن عبد الله الخطتين: القضاة والصلاة.
وتوفي ابن بشر في النصف من شعبان سنة اثنين وعشرين، وصلى عليه القاضي يونس بن عبد الله، وشهد الخليفة هشام ودفن بمقبرة العباس، وهو ابن نحو ثمان وسبعين سنة، فقام متقبلوا الأحباس عند ابن الصفار يونس بنحو ما تقدم يسألون الرفق لهم والإحسان إليهم بالوضع عنهم، وأثبتوا عنه عقدين.
وشاور في ذلك الفقهاء:
يا سادتي وأوليائي ومن أبقاهم الله، وسلمهم وأدام بركتهم ونفعهم، أدرجت طي
كتابي هذا عقدي استرعاء في أحدهما: ذلك جنات، وفي الثاني: ذلك دارين، وثبت عندي بمن قبلت فصفحوا رضي الله عنكم الكتابين ذلك فعرفوني برأيكم فيهما، وإن كان يجب أن يحط القائمون بهما من العدة التي انعقدت عيهم بها القبالبة في الجنات والدور، بسبب ما ثبت عندي من ذلك مما هو مذكور في الكتابين ذلك، ولما يرغبونه من العادة الجارية في ذلك التي بنيت على تركها فيما استقبل من قبالات الأجناس، ولا يكون انعقادها إلا على توجيه السنة في ذلك أم لا مأجورين موقفين إن شاء الله عز وجل والسلام.
فجاوب ابو علي الحسين بن أيوب الحداد:
سيدي وولي ومن وصل الله حياته للمسلمين ومدهم في عمره وأيده تعونته، أنت بحمد الله قدوة في العلم وعالم بوجوه الصواب، وهذا العقد الثابت عندك في قاعات الجنات كالبقاء، المهلهل نسجها، والمحبر إفكها، وهي كما قال الوارد على عمر – رحمه الله: أثبتك لأمر لا رأس له ولا قلب، فأمر صاحب الأحباس أن يحضركالفناديق التي انعقدت بها القبلات على المتقبلين، فإن كانت لا شرط فيها بشيء مما شرط في هذا الكتاب الثابت عندك فاطرح هذا الكتاب لو شهد عندك فيه أهل الأرض.
وإن كان قد شهد عند ثقات فلم يقصدوا قصد الباطل ولا الزور، ولكنهم نظم لهم يه محالات فلم يتحفظوا من خله والدخول تحت منكره قيل فيه إنهم تقبلوا القبلات على أن يحسن إليهم، ويوهب لهم الكثير، وإن ذلك قد صار كالشرط، وهذا مجهول حرام لا يجوز ولم يقولوا إن الدال أشهدهم على ذلك، ولا أنهم شاهدوا انعقاد القبالات على ذلك، ولا أنهم سمعوا الدال يقول للمتقبلين هذا المقال، وقطعوا على جميع جنات قرطبة وما حواليها أنها باحال التي ذكروا.
وبعيدا أن يكونوا قد أحاطوا علمًا بجميع الجنات أو خيبروها، ولم يذكروا في العقد جنات الأحباس، ولا ذكروا أن متقبلي الأحباس قاموا بهذا الكتاب، ولا أنهم أدخلوهم فيها في كل الأوقات أو في أمد معروف ولا سموا عام كذا وهذا جهل عظيم.
وقد تكون الجنات بزرع في قاعاتها حناء وزرع وكتاتين وقول وحمص، وغير ذلك مما لم يكسد، وقد يكون الاكتراء والابتياع مرتخصصا وغالبًا، وقد يريح ولا يريح، وقالوا: إن اكتراء المتقبلين افتقروا وافي لهم بعلم ذلك وكل ذلك عيب وغرر، ولست أتقلد أن يوهب لهم للاستئلاف إلا من نصف العشر إلى العشر، هذا أقصى ما خبرته في عمري
وأدركته ببحثي.
وكذلك متقبلو الدور لا يوهب لهم إلا للاستئناف على حسب ما ذكرناه، إذ وثيقتهما عليهما لا لهما إذ ذلك فيها أنه منع من عمارة البيوت الخالية وخص الكراء.
فأثبت يا وليي على الحق ثبت الله قدمك يوم الحاجة، فست ممن يقعقع له بالشنآن، فالعقد الثابت عندك له جعجعة ولا طحنه، جعلنا من المتبعين الحق والقائلين به والمؤدين له، والسلام عليك يا سيدي ووليي ورحمة الله.
قال بذلك الحسن بن أيوب.
وجاوب أبو محمد عبد الله بن يحيى بن دحون:
سيدي ووليي ومن ايده الله بتوفيقه: قرأت كتابك وما أدرجت فيه من جواب الفقيه أبي علي حفظه الله تعالى وتحليله في علم ما تضمنته الوثيقة الثابتة عندك من كساد الأوراق وذهاب أثمانها وافتقار الجنانين وتلف أموالهم بذلك، وكيف كان عقد القبالات لهم، وهذا قد فشا واستذاع حتى علمته الخاصة والعامة، ويتحدثون به في الأسواق والمجالس، وما كان الدال يشير بذلك.
بل كان يقول في مجالسه عند عقد القبالة ويقول فيما يبلغ الأثمان العظيمة: لو حصل من هذا الثلث أو الربع لكان حسنًا.
أخبرني بذلك جماعة من الناس لا أحصي عددهم، وخبرته بنفسي، كما علمت منه أنه كما يشترط للمتقبلين من الأحباس في مواضع القفيز عشرة وفي غيرها ثمانية وستة ونحو هذا ثم يشرف على معرفة الأرباح والجوائح بقوم قد اقتصر عيهم، ولا يسمع في ذلك شهادة غيرهم من أهل العدل على حسب ما كان يفعل في تنفيذ الوصايا، وصرفها عمن جعل إليه تنفيذها، وهذه أمور محدثة، والله أعلم بمذهبه فيها.
والذي أقوله في عقد القبالات على هذه الأحوال: إنه فسخ فاسد وغرر، ولا يجوز؛ فافسخ ما بقي من مددها وأعد القبالة فيها وما حلت مدته فاصرف المتقبلين فيها إلى القيمة فهو الصواب، والحق الذي يجب اتباعه، واحمل الناس على ما كان عليه السلف في إثبات جوائحهم وتنفيذ وصاياهم، فليس يأتي آخر هذه الأمة بخير ما كان عيه أولها – والله يوفقك للصواب ويعصمنا بفضله من الزلل إن شاء الله عز وجل.
وجاوب أبو الوليد الليث بن حريش:
سيدي ووليي ومن سلمه وأبقاه، وقفت على كتابي الاسترعاء فرأيت عقدًا لا
يوجب حكمًا، وعلمكم محيط أن القضاة لم يزالوا يرفعون بالمتقبلين إذا شكوا البوار والكساد على وجه الاستئلاف والنظر للأحباس ليكثر حرص الناس على الدخول فيها، وقد اختبرت ذلك ووقفت عليه أيام نظرك في الأحباس وأحكام القضاء.
والذي ثبت عندك في الكتابين المدرجين تنظر فيه، وتقف على ما يرغبه المتقبلون من الحظ والإحسان إليهم، وذلك موكول إلى اجتهادك، وما يؤدي إليه حسن نظرم مما يعظم الله تعالى عليه أجرك، ويجزل عليه دخرك فقد جعلك الله أهلاً للاجتهاد فيما قلدك والسلام عليكم سيدي ووليي ورحمة الله.
قال بذلك الليث بن حريش.
وجاوب أبو محمد عبد الله بن سعيد الشقاق:
سيدي ووليي ومن أبقاه الله وسلمه وأجمل تخلصه وأبقى بركته: كان من تقدمك من القضاء رحمهم الله بعلمك يحسنون إلى متقبلي الأحباس، ويرفقون بهم بعد وجوب القبلات عليهم استئلافا لهم ونظرًا للأحباس لما كانوا يرجونه من رغبة الناس في قبالتها، ويسقطون عن متقبليها إذا خشوا أمرًا يخافون الخسارة فيها مما ليس بجائحة فيها.
وقد شاهدت الوزير القاضي عبد الرحمن بن محمد – رحمه الله – وقد شكى إليه متقبلوا حمامات الأحباس قلة الموردة عليهم، وتعذر الحرق لتوالي الأمطار، وأسقط عنهم قبالة شهر واحد مما كان التزموه من القبالة بعد أن شاور في ذلك من حضره من أهل العلم، وكذلك ينبغي أن تسلك بهم سبيل من تقدمك من الرفق بهم والإحسان إليهم، وعلى المعهود منك فإن ذلك من النظر للأحباس، وبذلك ترتفع قبالاتها ويتنافس فيها.
ورأيت الشهود عندك في كتاب الاسترعاء الذي أدرجته على كتابك، قد قالوا في شهادتهم: إنما كانت تنعقد القبالات في الجنات لمتقبليها على أن يرفق بهم، ويحسن إليهم، ويوضع عنهم الكثير من قبالاتها، ولم يثبتوا الوجه الذي عرفوا به ذلك، فإن عاد إليك رجلان ممن قبلت منهم ممن ليس من المتقبلين، وقالوا: إن معرفتهم لذلك كانت بسماع من المتقبل منهم، وأنهم حضروا العقد فيها على الشرط المذكور إفصاحًا صحت شهادتهم ووجب فسخ كل قبالة عقدت على هذا الشرط، إذ ذلك غير جائز ما لم تفت بالعمل، أوقات أقله فتعاد شهادتها وتعقد فيها عقود صحيحة.
وما فات منها بالعمل لزمت المتقبلين لها قيمة كراء الأرض، يوم عقد القبالات فيها على ما يقوم أهل البصر العارفون بذلك، ثم يحط عنهم بسبب ما أثبتوه من الكساد والبوار
في القبول على وجه الاستئلاف لهم ما تراه ويؤديه إليه اجتهادك – إن شاء الله عز وجل – وأحدث يا سيدي المتقبلون للأحباس في مدة نظره أشياء لم يتقدم إليها، ولا عمل بها أحد قبله، منها أنه كان يقبل أرض الأحباس على أن للجنة عشرة، وهذا أمر لا يجوز ولا يحل عقده.
ومنها أنه كان يقدم لتنفيذ وصايا المسلمين رجلين قصرها عليها، فمن أحضر غيرهما وبخه وهدده، وربما سجنه، والله أعلم بما كان ينويه في ذلك ويعتقده فهو علام الغيوب، وأحدث غير ذلك مما يكشف مشافهة عند الاجتماع بك، ويقع نظرك في ذلك كله بالواجب، حملنا الله وإياك على الرشاد ووفقنا وإياك لما فيه الخلاص، وجنبنا الهوى، وسلك بنا طريق الاستقامة، فإن ذلك بيده لا شريك له، وتسقط يا سيدي عن متقبل الدار ما تراه على وجه الاستئلاف بسبب ما شهد له من انحطاط الكراء ما تراه على أنه واجب له إن شاء الله عز وجل، والسلام عليكم يا سيدي ووليي ورحمة الله قال بذلك عبد الله بن سعيد.
وجاوب أبو علي الحسن بن سلمون المسيلي:
سيدي ووليي ومن عصمه الله بتوفيقه، قرأت مخاطبتك، ورأيت هذه المسألة، وهي مسألة من الاجتهاد، وما حكم به القضاء من مسائل الاجتهاد والرأي لا يجوز نقضها عند أحد من العلماء، لكنه يا سيدي يجوز ذلك أن نجتهد فيها ونحطم بعد اجتهادك ما تراه صلاحًا مما يصلح الأحباس ويتنافس فيها، وإنما حبست لمرافق المسلمين وأكثر متقبليها محاويج، وسبل الدور هذه السبيل، ووفقك الله وأعظم أجرك وأصلحنا برحمته، والسلام عليك يا سيدي ورحمة الله، قال بذلك الحسن بن سلمون.
قال القاضي:
قد قدمنا أن القاضي ابن بشير رحمه الله سعى عليه الفقهاء حتى عزله المعتمد، وكان محسودًا لتبريزه عليهم وانتقاده لأجوابتهم واعتراضهم فيها حتى ينصرفوا إلى ما يختاره من معانيها، وقد كان بعضهم عنده لا يقبل شهادتهم في الباطن ولا يقضي بها إذا انفردت عن غيرهم، فكسبهم ذلك كله عداوته وأضمروا مطالبته حتى أمكنتهم الفرصة بعزلته.
وولي ابن الصفار وشاورهم في العقدين المقوم بهما عنده على حسب ما ذكره في شوراره، ونصوا في مجاوبتهم إياه، فعرضوا بابن بشر فيها بل صرحوا إلا ابن حريش
والمسيلي، فسالماه تدينًا أو مصانعةً، وقدره من أقدارهم ظاهر والبون بينه وبينهم لائح، خبرًا وخبرًا، والله يؤتي فضله من يشاء.
حسدوا الفتى إذا لم ينالوا سعيه ... فالناس أداء له وخصوم
كم بين العقد الذي شاورا فيه والعقد المقوم به عند القاضي ابن بشر المؤرخ سنة سبع وأربع مائة المقتقدم الذلكي لو قيم بهذا الذي أفتوا عليه وشورا فيه عند القاضي ابن بشر لمزقة وما سمع شهادة فيه فساده وبطلانه عن أن يوجب حكمًا وبمشاورتهم فيه بعلم من منح أدنى شعبة من ميزان المشهود عنده فيه لاحظ له من العلم ولا بصر له بالحكم.
وإطراؤهم له بأنه قدرة في العلم عالم بوجوه الصواب أدل دليل على المصانعة أو المشابهة له في الغفلة وكلاهما خطة خسف، والدين النصيحة، فإن كانوا قد نظروا بعين الحقيقة من بطلان ما شاورهم فيه فما لهم لم ينصحوه ويصرحوا له بأنه لا يسعه النظر في مثل ذلك، ولا من سماع شهادة فيه ليجتنب أمثاله ويتقي أشباهه.
وإن كان قد خفي عليهم منه ما خفي عليه فتلك التي تستك منها المسامع، والوجه الأول أولى بالتأويل عليهم فيه، فقد كانوا مشيخة وقتهم، والمشار إليهم في عصرهم، والتقصير أغلب علينا والتبريز أقل شيء فينا، وفي أجوبتهم من الاختلال والاضطراب في الألفاظ والمعاني ما لو ذهبت إلى تبيينه وكشفه وإظهار الصواب فيه لطال معه الكتاب ووقع الإسهاب، والله يلهمه من شاء من خلقه.
ولما انتهى القاضي أبي المطرف بن بشر رحمه الله تعالى جوابهم بفسخ ما كان انعقد من قبالات الأحباس أيام نظره لالتزام المتقبلين لها، راجين في الحطيطة عنهم من العدد الذي يلتزمونه، جارين على عادة من الوضع عنهم، ولدخولهم في ذلك على أن يكون رفعهم فيما يبذرونه في الأرض للحبة عشر أو دون ذلك وضع في ذلك ردًا من نحو ست ورقات ترجمة فسخ فتى من أفتى بالفسخ.
أخرجه إلينا أبو عبد الله بن عتاب بخط القاضي واضعه وقرأته عليه بحضرة أصحابنا في أسطوان داره، وقد أثبت هنا صدرًا منه وتركت أكثره إذ لم أجد نشاطًا لنقله، ولا فراغًا لكتبه على نصبه وهو: وقفت أكرمك الله على ما ذكرت، وفهمت ما عنه سألت أنك تقبلت أحباس الديوان جنانًا، وفدانًا، وأنك تكلفت أنت ومن جرى من
المتقبلين مجراك إثبات ما عم وشمل في سنة كذا من فساد البقول وضروب الأوراق المجعولة في الأجنة وبوارها، وانحطاط أثمانها، وعدم المشترين لها حتى إنهم طرحوا أكثرها لفسادها، واعتقال الأرض بطول مكثها، وإن زرع الأرض في سنة كذا استأصله البربر حين محاضرتهم لقرطبة جبرها الله.
وحكيت أن من الفقهاء المفتين من لم ير القيام بمثل هذه وأن المتقبلين لما احتجوا بما سلف من عادة القضاء في التخفيف عنهم والرفق بهم، فيما لم يبلغ هذا المبلغ ولا انتهى من الجائحة هذا المنتهى ترغيبًا للناس في قبالات الأحباس، واستئلافًا لهم.
واحتجوا بأن القضاة قد جعلوا باجتهادهم للوسط من الرفع مقدرًا يؤتم به ويحتذى عليه عند نزول الجوائح، وقيام المتقبلين لها، فجعلوا مقدار الوسط في رفع ما قرب من قرطبة كمنية العجب وشبهها لتغالي الناس وعظم ما يتمونونه من تزييلها، والاستفراغ في عمارتها للحبة عشر حبات، ومقدار مائتي وبعد للحبة ست حبات، فقال بعض من أفتى بتلك الفتيا أن ذلك لا يجوز وان القبالة من أجل هذا التمثيل تفسد.
وسالتني مجاوبتك بما عندي في هذا.
فالذي عندي فيه وبالله التوفيق: أما الأجنة فإن القضاء عندنا لم يزالوا على عادة مشهورة من استئلاف المتقبلين والرفق بهم والإحسان إليهم بالوضيعة، والتخفيف عنهم إذا نزل مثل هذا، لا سيما مثل هذه الجائحة التي احتج المتقبلون بها من الكساد وعدم المشترين فإنها جائحة لم يعهد مثلها مع ضعف المتقبلين وذهاب أموالهم، وإن قبالات الأجنة في الأغلب إنما تدور عيهم، وإنهما ليست كالأرضين التي يعاينها أكثر الناس.
فإن زعم زاعم أن الوضيعة لا تكون إلا فيما قل وخف.
واحتج بما رواه ابن القاسم عن مالك في المقارض يسأله السائل فيعطيه الكسرة أو الثمرات قال: لا بأس بذلك، وبما رواه عنه أشهب أنه خفف له الحجامة والحمام، قيل له: ليس هذا من ذلك، هذا شيء ثان ومعنى آخر ليس ما كان على طريق المعروف، كما سأله النظر والاستئلاف.
وروى ابن القاسم عن مالك في الجزء الأول من نكاح المدونة في الرجل يزوج ابنته وهي بكر ثم يحط عن الزوج من الصداق، قال مالك: لا يجوز للأب ذلك إذا لم يطلقها الزوج.
قال ابن القاسم: وأرى أن ينظر في ذلك؛ فإن كان ما وضع الأب على وجه انظر مثل أن يكون معسرًا بالمهر فيخفف عنه وينظره، فذلك جائز على البنت، لأنه لو طلقها
ثم وضع الأب النصف الذي وجب لابنته كان ذلك جائزًا على البنت، فأما أن يضع من غير طلاق، ولا على وجه النظر فلا أرى أن يجوز ذلك.
وفي الثاني من كتاب النكاح المذكور أيضًا من قول مالك ولا يجوز لأحد أن يعفو عن شيء من صداق التي يزوجها أبوها بكرًا إلا الأب وحده، لا وصي ولا غيره، قال ابن القاسم: إلا أن يكون ذلك من على وجه النظر لها، ويكون ذلك خيرًا لها فيجوز ذلك إذا رضيت، مثل أن يعسر بالمهر فيسأل التخفيف ويخاف الولي الفراق ويرى أن مثله رغبة لها، فإذا كان ذلك جاز.
وقال سحنون في غير هذا الكتاب: ولا يجوز لأحد أن يضع من صداقها بعد أن وجب على حال إلا الأب.
وفي كتاب المأذون له في التجارة قال ابن القاسم: لا يجوز في قول مالك للعبد أن يصنع طعامًا فيدعو إليه الناس إلا أن يكون عبدًا مأذونًا له في التجارة، فيصنع ذلك ليجتر إليه المشتري منه، فيكون ما صنع إنما يطلب به المنفعة في شرائه وبيعه، فيكون هذا من التجارة.
وفي كتاب الديات من المدونة قيل لابن القاسم: أرأيت إذا جرح اليتيم عمدًا أيكون للوصي أن يصالح الجارح على مال، ويجوز ذلك على الصغير في قول مالك: ليس للأب ذلك إلا أن يعوضه من ماله، فإذا لم يكن للأب أن يعفو بغير شيء فليس للوصي أن يعفو إلا على مال، على وجه النظر.
قيل: العملد في هذا والخطأ سواء؟ قال: نعم للأب والوصي أن يصالحا في العمد والخطأ ولا يأخذا أقل من أرش الجرح؛ لأنه لو باع لابنه سلعة ثمن ألف دينار بخمسمائة محاباة تعرف لم يجز، فكذلك إذا صالح على أقل من الدية في جراح ابنه إلا أن يكون صالحة على سبيل النظر لولده على أقل من دية الجرح؛ لأن الجارح عديم فرأى أن يأخذ منه أقل من الدية، فأرى أن يجوز هذا ولم أسمعه من مالك.
وفي كتاب الشركة من المدونة سئل ابن القاسم عن شريكين متفاوضين باع أحدهما سلعة بدينار إلى أجل، فلما حل الأجل أخره الشريك الآخر، أو أخره الشريك الذي باع هل يجوز تأخير أحدهما على صاحبه؟ قال: قال مالك في الوكيل.
يريد المفوض إليه – يكون للرجل في بعض البلاد يبيع له متاعه، ويقتضي له الثمن فيباع بعض متاعه إلى أجل، فلما حل الأجل أخره الوكيل بالثمن على وجه النظر لرب المتاع، ليستألفه في الشراء منه،
لا لمعروف صنعه الوكيل بالمشتري.
قال: ذلك جائز لأن في التأخير نظرًا لرب المال، وهو من التجارة، ولو كان لمعروف صنعه الوكيل بالمشتري لم يجز؛ لأنه لا يجوز له أن يصنع المعروف في مال رب المتاع إلا بأمره، وكذلك الشريكان لا يجوز لأحدهما صنيع معروف في مال صاحبه إلا بأمره وما صنعه للتجارة والاستئلاف من تأخير أو وضيعة من رأس المال فذلك جائزة الوكيل فيما وضعه عن المشتري.
فهذا كله يدل على تمام نظر القاضي، وجواز أمره فيما وضع على هذا السبيل، مع أن أمر القاضي أعلى ونظره أتم وأقوى، ومما يكشف لهذا المعترض ضعف ما توهم وبطلان ما اعتقده، وظن أن باب أجنة الرملة وغيرها قد جرت عادتهم أن متى ابتاع منهم مبتاع ورقة من أوراق الخضر فخسر فيها خسرانًا كثيرًا خففوا عنه وأحسنوا إليه استئلافًا له واستجلابًا لمتاجرته واستكثارًا من معاملته، والقاضي فإنما يجري فيما يقبله من الأحباس مجرى المدعي في خاصة نفسه في هذا وشبه إذا نزل به.
ولست لمفت أن يعترض برأيه فيما ليس من شأنه، وما هو مصروف إلى غيره من أهل المعرفة به، ولو سئل كل ذي جنان يعاني عملها بنفسه أو يقبلها من غيره عن وجه انظر وما يجره إلى معنى النفع وتنمية المال لقال: إن الذي رآه هذا المفتي هو من سوء النظر وإضاعة المال.
ثم ذلك هنا اعتراض معترض – إن كان – بأن العادة أن جرت كالشرط، واستدل على بطلان ذلك فاختصرته كراهة التطويل، ثم قال: وأما ما أنكره المفتي من تحديد مقدار الوسط من الرفع وقت القبالة ليحتزي عند نزول الحاجة عليه فإنكار من لم يأخذ نفسه باعتبار المعاني ولا وقف على حقائق أصول المسائل؛ لأن معلومًا عند كل ذي فهم ولب أن كلما وجد السبيل إلى حصر عوارض المسائل، واستقصاء عللها، والوقوف على ما تؤول إليه كان أرفع للجهالة وأنفى لعلل الفساد، وأدعى إلى حصر صفات الجواز.
وما أظن قائل هذا القول حصل ما قاله ولا تدبر ما يؤدي إليه؛ لأن قوله هذا يؤدي إلى أنه ازداد الشيء صحة زاد مرصًا، وهذا لا يقوله أحد، وأنا أجتب على هذه المسألة من الشواهد ما فيه كفاية بالغة إن شاء الله عز وجل.
فأول ذلك: أن من أصول أهل المدينة، ومذهب جماعتهم: أن الأشياء كلها على
الإباحة والجواز إلا ما ورد الخبر بحظره والمنع منه.
ومن أصلهم أيضًا: أن العرف كالشرط.
وأيضًا فإن من أصول مذهبنا: أن كل ما أوجبه الحكم فالإفصاح باشتراطه في أصل العقد جائز، فقد بان بما أصلنا أن كل من اكترى أرضًا أو ابتاع من الثمرات شيئًا على أن يحتسب بجاحة إن كانت له، فإنما اشترط من ذلك ما لو سكت عنه لكان الحكم يوجبه فذكره له كسكوته عنه في موجب الحكم، غير أن ذكره أقطع للتنازع، وأرفع للإشكال.
فلذلك كانت مقادير الجوائح عند من يلي القبالة معلومة لم يجز له فيها عقد إلا باستواء علمه وعلم المتقبل بها، فإن لم يعلم المتقبل من ذلك مثل الذي علم ولي العقد دخل ذلك الفساد، وكان من باب الغش والتدليس، كبائع الشاة اللبون وقد علم حلابها، والصبرة جزافًا وقد علم كيلها، لا يجوز ذلك عند مالك وأصحابه، حتى يعلم المبتاع من ذلك مثل الذي علم البائع.
والأصل في ذلك ما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم): "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر 1 " فهذا يبين لك أن المتكاريين إذا علم أحدهما من باطن أمر لاشيء المكترى ما لم يعلمه الآخر أن ذلك من التدليس الذي ورد الحديث بالنهي عنه في الشاة.
ومن ذلك بيوع المرابحة لا تجوز عند مالك إلا بأن يستوي علم المشتري مع علم البائع في جميع أحوالها، وما جرى عنده من أمرها.
روي عنه ابن القاسم في مرابحة: المدونة فيمن اشترى سلعة فحالت أسواقها، وأراد بيعها مرابحة: أنه لا يبيعها مرابحة إلا أن يبين.
قال ابن القاسم: وإن حالت أسواقها بزيادة فأعجب إلى ألا يبيع حتى يبين؛ لأن الطري عند التجار ليس كالذي تقادم عهده، هم في الطري أرغب وعليه أحرص.
ومن هذا الذي أصله شيء تساهل فيه، ذكرناه وكشفنا عنه لئلا يهتدي المخالف إليه فيلزمنا الوهم به، وهو إجازة مالك إتغلال الحوائط والدور والدواب والرقي ثم يبعها
مرابحة دون تبين، إذا لم يطل ذلك بحوالة أسواق، وإنما أجاز ذلك في هذا الوجه؛ لأن معلومًا عند الناس أن من ملك شيئًا من هذه الأصناف وأغل ذلك عنده غلة أن سبيله في الغلة أن يجوزها وينتفع بها.
وإنما تسميه مقادير الجوائح التي قد اتفق عليها، وجرى عمل القضاة به عندنا بمنزلة متعاوضين تعاوضا في سلعتين فقوما كل سلعة منهما بما تساوى يوم العقد تقويمًا تحريا فيه العدل كيما أن استحقت منهما سلعة، أوردت بعيب وقد فاتت السلعة الثانية كان الرجوع بالقيمة التي قومت بها يوم البيع دون اختلاف ولا تدافع يقع بين المتعاوضين فيها.
والحجة لهذه العلة ما وقع في كتاب الاستحقاق وكتاب العيوب والعرف وكراء الرواحل من المدونة، فيمن باع سلعة بدينار إلى أجل، فلما حل الجل أخذه من الدينار دراهم فساتحقت السلعة، قال مالك: من باع سلعة بمائة دينار فأخذ فيها دراهم ثم وجد بها عيبًا فردها رجع بالدراهم، فإن أخذ بها عرضًا رجع بالمائة الدينار.
قال في سماع ابن القاسم في كتاب جامع البيوع: إلا أن يكون العرض لا يشبه أن يكون ثمنًا قائمًا يكون له قيمته: قال ابن القاسم: يريد إنما أخذه منه على وجه التحاوز، مثل أن يجده معسرًا، أو أخذه منه تخفيفًا فإذا كان لك لم أر له إلا قيمته يوم قبضه.
قال في المدونة: ورأيت مالكًا يجعله إذا أخذ العين من العين لا يشبه عنه إذا أخذ عرضًا، وذكر باقي المسألة.
قال: وإنما اجتلت هذه المسألة وشبهها من أجل أن العدوى في الاستحقاق وما ضارعه إنما يكون بالذي هو أعدل، فلما رأى الدنانير والدراهم مجراهما أنهما عين مجرى واحدًا أعداه بالعين المأخوذة ولم يلتفت العين التي انعقد البيع بها، ولما كانت السلعة شيئًا آخر أعداه بالعين لأن المثل فيها أصحب وأعدل.
ومن هذه الحجة ضارعت هذه المسألة مسألة الكراء، ثم ذلك مسألة النقص يبنيه رجلان في أرض أعارهما إياهما، فباع أحدهما حصته في النقض في الموازية، وفعة المختلطة، ثم مسألة من سماع أشهب في جامع البيوع، ثم أخرى من سماع عيسى في كتاب العتق، وفي كتاب الغصب، ثم قال: والذي هو أبين من هذا وأكتشف في هذا المعنى، وإنما أخرناه لنختم الجواب به نجتلبه بعد هذا إن شاء الله.
وذلك ما وقع في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة فيمن اشترى شاة على
أنها تحلب قسطًا: قال ابن القاسم: ذلك جائز في رأيي، وتجرب الشاة، فإن جلبت قسطًا وإلا ردها، وقد جاء الحديث: رد ما لم يشترط فيها أنها تحلب كذا إذا اشتراها وهي مصراة، وهذه أحرى أن يردها إذا اشترط، وفي هذا الباب: قلت: أرأيت إن اشتريت شاة لبن غير مصراة ولا أخبرني البائع بما تحلب إلى الخيار إذا أحلبتها، كمن اشترى مصراة؟ قال: أما الغنم التي شأنها الحلاب وإنما تشتري لذرها في إبان ذرها فأرى إذا باعها، وقد عرف حلابها ولم يبنه للمشتري فالمشتري بالخيار؛ لأن الغنم إنما تشتري لألبانها لا للحومها ولا شحومها، فإذا عرف حلابها وكتمه كان كمن باع طعامًا جزافًا وقد عرف كيله فكتمه.
قال القاضي:
وهذه المسألة تحشم المفتي المعترض بما قدمنا ذكره؛ لأنه لا فرق عند كل ذي حس بين قوله في الشاة: يجلب منها كذا، وبين قوله في الأرض يصاب فيها في الأغلب من معهود رفعها كذا، وقد كان يجب أن يقتصر عليها، ولا نشغل أنفسنا باجتلاب غيرها، ولكن في هذا ما يستدل به على غفلة المعترض وتضييعه وأنه لم يكن شيء من هذا في ذكره.
ومن ذلك مسألة حسنة وقعت في سماع عيسى من رهون العتبية، فيمن رهن رجلاً رهنًا في حق له إلى أجل، فأقاما الرهن بأربعة دنانير وساق المسألة إلى آخرها ثم ذلك اعتراض معترض إن كان ونصه، ثم قال: ومن هذا الباب ما يجري قضاء القضاء والحكام به من قول مالك ما طرد الليل والنهار فيمن استحق شيئًا من الحيوان، فأراد المستحق منه أن يذهب بالشيء المستحق إلى موضع البينة، فإن الشيء المستحق يقومه أهل المعرفة إن جهل المتحاكمان قيمته، وإن علماها هما واتفقا عليها كان ذلك أسهل على الحاكم في نظره واخلص في حكمه.
ومن ذلك أيضًا شيء لم يزل أهل العلم عندنا يعتقدونه ويفتون به فيمن اكتسب وثيقة يذكر حق على آخر، وشرط التصديق في دعوى القضاء، وقال إن ملتزم التصديق عرف باختلاف أهل العلم في وجوب اليمين وسقوطها، فأخذ بقول من رأى سقوطها أو قضى على نفسه بذلك، أليس قضاؤه على نفسه باختيار ما تخبره من أقوال العلماء في التصديق أصح في القضاء، وأبرأ لنفس الحاكم؟! هذا ما لا يشك فيه.
وبعد هذا كله فإنا لا نأمن على هذا المفتي أن يركب ردعه ويكابر العيان عندما يظهر عجزه، فإن كان ذلك كذلك ولم يزعه وازع، ولا دفعه بالمواجهة مدافع رجعنا معه إلى ما يرجع إليه من لا حجة له ولا برهان معه ولا عاضد من أهل المذهب يعضده.
فنقول: إن ما نتفق نحن وأنت عليه ونجتمع في القول به أن قول مالك رحمه الله تعالى الذي لا نسطيع دفعه أن القاضي إذا قضى بقضاء أداه إليه اجتهاده، ولم يكن في كتاب الله عز وجلا ولا سنة رسول (صلى الله عليه وسلم) ما يخالفه فليس لأحد نقضه، ولا يسوغ لحاكم رده.
هذا آخر القول، ومنتهى الجواب، والله الموفق للصواب، والهادي إلى الرشاد، بمنه وفضله وجزيل طوله، ثم قال: إنه ثابت إلى ذكره نظائر للمسائل التي اجتلبها ونقلها في نحو ورقة تركتها اختصارًا، وفيما ذكرنا كفاية إذ هو أكثر جوابه، وأبين من حجاجه.
وكان شيخنا أبو عبد الله ابن عتاب معجبًا بجواب القاضي هذا مثنيًا عليه وكان شيخه، وأكثر تفقه معه، وسمعته يقول: كنت أراه في النوم وهو مقبل من ناحية حوانيت مفرج بقرطبة، وأنا ناهض إلى جهتها فكنت أسلم عليه وأسأله عن حاله، فقال لي: نفعني الله بالمدة التي كنت فيها معزولا، ونحو هذا.
كانت هذه المدة نحو ثلاثة أعوام رحمنا الله وإياهم.
مسألة في الاحتساب على المؤذن أبي الربيع في أذانه بالأسحار وابتهاله بالدعاء:
كان هذا سليمان الشقاق متصرفًا بين يدي الواعظ أبي العباس أحمد بن أبي الربيع الألبيري الواعظ بجامع قرطبة فقام على سليمان هذا القائم عند الوزير القاضي أبي علي ابن ذكوان وهو في خطة أحكام السوق بالحسية وذكر أنه يقوم في جوف الليل ويصعد على سقف المسجد الذي يقرب داره ويؤذن على السقف ويبتهل بالدعاء، ويتردد في ذلك إلى أن يصبح، وقال القائم: إن في ذلك ضررًا على الجيران، ووقفه القاضي على لك فأقر به إلا أنه قال: إن قيامه لذلك قدر ساعة، فشاور في ذلك، وقال: قد بلغكم هذا الذي خاطبتكم به فعرفوني بما ترونه موفقين.
يا سيدي ووليي ومن أبقاه الله وسلمه، يؤمر هذا المقوم عليه أن يقطع الضرر عن جيرانه، ويجري على ما كان يجري عليه الناس قبله من الأذان المعهود في الليل، وعلى ما كان من أفعال الصالحين والاقتصار عليها، فإن الخلاف شر، وفقنا الله وإياه للعمل الصالح والقول به إن شاء الله عز وجل.
وجوب ابن جريح:
يا سيدي ووليي ومن أيده الله بطاعته أحسن ايفعله الناس اتباع السلف الصالح رحمه الله وكل من فعل فعلاً لا يشبه السلف الصالح فممنوع، ومستحب أن يمنع منه، فقد قال مالك: بلغني أن أبا سلمة رأى رجلا قائمًا عند المنبر يدعو يرفع يديه فأنكر ذلك عليه، وقال: لا تقلصوا تقليص اليهود، فقيل له: ما أراد بالتقليص؟ قال: رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين.
فهذا أبو سلمة ومالك قد أنكرا ذلك عند المنبر بالنهار فيكيف من يفعل وذلك بالليل، لو سمعا ما يفعله سليمان لكان له أشد إنكارًا، لو دعا سليمان ربه في بيته أو سرًا بمسجده لكان أولى به.
وقال مالك: إن تميمًا الداري قال لعمر رضي الله تعالى عنه: دعني أدعو الله وأقص واذكر الناس، فقال عمر: لا، فأعاد عليه، فقال له: أنت تريد أن تقول: أنا تميم الداري فاعرفوني.
هذا عمر ينهاه بالنهار فيكيف بالليل.
وقد قال مالك: القصص بدعة.
وقد سئل ابن وهب عن المؤذن هل هو في سعة أن يؤذن في أين حين شاء من نصف الليل إلى آخر؟ فقال: لا يؤذن المؤذن إلا سحرًا.
قلت له: وما السحر عندك؟ قال: فازجر ممنوعًا، متبعًا بذلك السلف الصالح والأئمة المهتدي رضي الله عنهم أجمعين.
وجاوب المسيلي:
أما بعد، صانك الله بكفايته وتولاك برعايته، وجعلنا من أهل طاعته، فقرأت ما قيم به على سليمان الشقاق، وما أقر به أن يقوم ويدعو ويتردد في ذلك قدر سماعه بزعمه، وسألت عن الواجب في ذلك وهل يباح له ذلك أو يمنع منه؟ وعلمك محيط أن الله سبحانه فرض على نبيه (صلى الله عليه وسلم) قيام الليل، ثم خفضه عنه ونسخه، وقال بعض السلف من المتقدمين: إن قيام الليل فرض على الناس من أطاقه منهم.
وصلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى تورمت قدماه، وقال لمن عاتبه: أفلا أكون عبدًا شكورًا.
وقال الله تعالى ومدح: ﴿والذاكرين الله كثيرا ولاذاكيران﴾ (الأحزاب: ألآية 35) وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾ (الأحزاب: 41)، وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): "ما رأيت أنجى من عذاب من ذلك الله 1 " وقال تعالى ﴿فاذكروني أذكركم﴾ (البقرة: من
الآية 152). فأمر بذكره على كل حال.
وكل ما صنعه سليمان فحسن مأمور به مرغب فيه، حسن من الدعاء وقراءة القرآن، وتذلكير الناس وتخويفهم، قديم من فعل الصالحين والمتبتلين والزهاد في أمصار المسلمين.
وقد كان بالبصرة عروة بن أذينة، يقوم بالليل فيصيح في الطريق ويخوفهم ويحظهم بقول الله سبحانه ﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بيانا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون﴾ (الأعراف: 98).
ثم يقبل على صلاته فيصلي حتى يصبح، وإنما على المرء من النوافل ما قدر عليه، ولا يكلف ما لا يطيقه.
فقد روى عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قيل له: إن الحولاء بنت تويت لا تنام الليل فكره ذلك، وقال: "إن الله لا يمل حتى تملوا أكلفوا من العمل ما لكم به طاقة 1 ".
إلا أنه لا يجوز لسليمان ولا لغيره أن يؤذي أحدًا بفعل ولا بقول، ومن فعل ما ذكرته فغير ملوم، وكان الواجب على من قام عليه في هذا ألا ينكر عليه عند السلطان، وقد دون السلطان كفاية ورفع مثل هذا ألا يصلح.
فإن كان هذا الذي وصف لا يؤذي الناس، وهذا محال، لا ينكر هذا من قيام الليل منكرًا فاكشف عنه كشفًا شافيًا، ولا يجب أن يمنع هذا.
هذه طريقة المجتهدين في القديم والحديث، وإنما يمنع من أدخل على المسلمين في دينهم مضرة أو في دنياهم، والاقتصاد في الأمور حسن أيضًا، وأما الآذان في الليل للنوافل كلها وللصلاة الفائتة والاستسقاء والخسوف وما كان من غيرها من صلاة النوافل كلها فمنع بعض أهل العلم (أ – 161) من الآذان لها، هذا الذي لا يجوز أن يتعدى إلى غيره.
والله يوفق الجميع من الطائفتين بمنه وفضله.
وجاوب ابن عتاب:
يا سيدي ووليي ومن أدام الله توفيقه، ما ذلك هذا القائم بالحسية عن سليمان أنه يقوم في جوف الليل ويؤذن على سقف المسجد ويبتهل في الدعاء ويتردد في ذلك، فليس
في هذا شيء يمنع منه غير الصعود على السقف لما يتوقع من فساده بالصعود إليه، وعلمك محيط بما ذكره الله من الترغيب قال الله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾ (النور: من الآية 36).
والاحتساب فيما ذكره عن سليمان غير سائغ إذ ذلك ذكر الله، وهو مما تنشرح له صدور أهل الإيمان وتطمئن به قلوبهم ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ (الرعد: 28).
ومتى عهد من أذن بالأسحار وابتهل في الدعاء والاستغفار يوقف موقف الإقرار والإنكار، أما سمع المحتسب قول الله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ (الأنعام: من الآية 52).
وقد حكي مالك رحمه الله أن الناس في الزمان الأول كانوا عند خروجهم لأسفارهم يتواعدون لقيام القراء لقيامهم بالأسحار فتسمع أصواتهم من كل منزل، وثبت عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم 1 ". وقال ابن حسيب: ولا بأس أن يؤذن لها بليل طويل، يدل على ذلك هذا الحديث.
قال: وأي ساعة أذن لها من الليل بعد أن يخرج وقت العشاء، وهو شطر الليل فذلك واسع والنداء لها في عسعسة الليل أفضل، وعليه مضى العمل.
وذكر هذا المحتسب أن في ذلك ضررًا عليهم، فيحتمل أن يريد بهذا الضمير جماعة المسلمين، فإن كان أراد هذا فلا يصح قوله؛ إذ لم يمنع أحد من المسلمين من ذلك ولا سمعناه عن أحد منهم أنه قاله، ويحتمل أن يريد من يجاور المسجد من المسلمين وغيرهم.
فإن أراد هذا فعلمك محيط أنه لا يجب له التكلم عنهم إلا بعد توكيلهم إياه، ولو ذهبوا إلى ذلك والله يعصمهم منه، ويوفقهم لما سمع منهم؛ لأن مالكًا قال في الضراب للحديد يكون جار الرجل ملاصقًا، ليس ينهما إلا حائط فيعمل الليل كله والنهار، يضرب الحديد فيتأذى بذلك جاره، ولا يجد راحة من كثرة ضربه.
قال مالك: لا يمنع من ذلك، فمالك رحمه الله رأى ألا يمنع ضراب الحديد وهو يؤذي جاره بذلك، فكيف من يقوم للأذان والدعاء؟ والله أسأله لنا ذلك توفيقًا وتسديدًا، والسلام عليك يا سيدي ووليي ورحمة الله.
في المتحلقين للمسائل يوم الجمعة في الجوامع:
من أحكام ابن زياد:
سألتنا – وفقك الله وأعانك على ما قلدك – عن قوم يحلقون في المسجد الجامع للفتيا ومذاكرة العلم والخوض فيه وذكرت أن رافعًا رفع إليك أن المتحلقين فيه ليسوا ممن يستحق ذلك وأن إقامتهم واجب، إذ المساجد إنما اتخذت للصلاة وتحلقهم فيها مما يضر بالمصلين.
فالذي نراه ونقول به في ذلك – والله الموفق – أن المساجد وإن اتخذت للصلاة، فإن الخوص فيها في العلم وضروبه جائزة من فعل الأئمة.
وقد جاء عن مالك رحمه الله أنه كان يتحلق يوم الجمعة في مسجد النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى يخرج الإمام، فإذا خرج قطع الفتى واستقبل الإمام.
والعلم – أكرمك الله – أفل شيء اجتمع لمذاكرته والتكلم فيه بعد كتاب الله عز وجل، وقد رأيت مساجد الأمصار يتحلق فيها الأئمة ومن دونهم من المتفقهين، ولا ينكر ذلك عليهم، ولا يقام أحد منهم، وترك المتحلقين في الجامع على ما هم عليه واسع إن شاء الله.
قال بذلك عبيد الله بن يحيى وابن لبابة ومحمد بن وليد وسعد بن معاذ.
قال القاضي:
هذا الجواب على الإطلاق في ترك هؤلاء المتحلقين غير صحيح، إنما يباح ذلك إذا كان فيهم من يوثق بفهمه وعلمه ودينه، ويؤمن عليه التكلم فيما لا يحسنه، والفتوى بما لا يعلمه فهو يتكلم معهم فيما يعلم، ويبصر الجاهل ما لا يفهم، فإذا كان هذا أبيح له وللمستمعين التحلق والتعلم في غير أوقات الصلاة خير لا يضرون بالمصلين.
وقد ذلك أبو البختري: أن علي بن أبي طالب – (رضي الله عنه) دخل المسجد، فإذا رجل يخوف فقال: ما هذا؟.
فقالوا: رجل يذكر الناس، فقال: ليس برجل يذكر الناس، ولكنه يقول: أنا فلان ابن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا قال: فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه.
وروي عن ابن عابس ونحوه، وما حكوه في جوابهم عن مالك مصحف خطأ، وكذلك باقي جوابهم وتركنا شرحه كراهة التطويل.
الاحتساب في إنزال الزرع وغيره في أفنية المساجد:
فهمنا – وفق الله القاضي – ما رفع إليك عن مسجد الشفا من إنزال الناس الزرع والحطب والبقول وغيرها، في دكاكين المسجد فتوسخ بذلك المسجد، وينزل أيضًا في القبلة من المسجد في فنائه الأغنام لتجلب ثم يكثر زبولها فيضر غبارها بالمسجد، فالذي يجب في ذلك أن يكشف القاضي ما رفع إليه بمن يثق، فإذا صح عنده ضرر تلك ذلك قطع الضرر عن المسجد ومنع أولئك الذين يحدثونه في أفنية المسجد.
قاله ابن لبابة وأصحابه.
في ميضأة مسجد عجب ودخول الصبيان عليهم في المسجد:
قام عندي – رحمكم الله – رجل من أهل مسجد عجيب، فذكر أن ميضأة المسجد كان بابها خارجًا عن دار المسجد، وأنها كانت قد ردت من داخل الدار، ثم قام أكثر الجيران فقالوا: إنه يدخل الصبيان ومن لا يجب دخوله المسجد إلى الميضأة، فردوا باب الميضأة خارجًا عن المسجد كما كان بابها فيما مضى، واستظهر القائم بالحبسة في ذلك بقوم أتى بهم، وذكر أن بعض الجيران أراد فتح باب الميضأة في داخل المسجد فاكتبوا لي بما عندكم في ذلك مما يجب علينا فعله ولا يحل لنا تركه.
فجاوب ابن لبابة:
فهمنا – وفقك الله – ما أرادت معرفته من خير هذه الميضأة، وإني أكرمك الله كثيرًا ما أمر بالمسجد، ورأيت باب الميضأة في الشاعر في موضع حسن، وبلغني أنها هكذا كانت في ابتداء ابتنائها حتى رأى بعض من كانن في المسجد رد الباب في داخل المسجد فمضى زمانًا كذلك.
فلما ستقبحه وجوه هل المسجد لمن يدخل الميضأة على المسجد، ولا يتحفظ من الصبيان، وينال ضرر ذلك المسجد رد الباب إلى ما كان عليه، فرأيت رده نظرًا للمسجد وحفظًا له، وصوتًا عمن يدخله ولا يتحفظ، وكذلك يجب أن يتحفظ بالمساجد ويقطع عنها كما يدنس قيعانها.
وقد أخبرني العتبي عن سحنون بن سعيد أنه كتب إلى قاضي محمد بن زياد، يشير عليه ألا يلعم معلم في المسجد، فهذا المعلم يكره له التعليم في المسجد لما يخاف من قلة تحفظ الصبيان، فكيف بميضأة يختلف إليها على المسجد من لا يتحفظ من النجاسات فصرف باب الميضأة الذي صرف إلى الشارع في الفضاء من النظر، وأسأل الله التوفيق.
وقال ابن وليد نحوه.
في ركوب القاضي والفقهاء إلى مسجد الأمير هشام للباب الذي غلق من أبوابه واختلاف الشهادة فيه:
ركبنا مع الفقهاء وجماعة من خيار المسلمين والعدول إلى مسجد الأمير هشام، إذ اشتكى قوم من قريش أنه أغلق باب من أبوابه الذي في البلاط الشرقي، وأنه أفيت في إغلاقه على الأمير – أصلحه الله – والحكام بغير أمره ولا رأيهم، وشهد قوم أنهم يعرفون هذا الباب مفتوحًا منذ أكثر من خمسين سنة، فتحه سعيد بن العباس، فعمر إلى هذه الغاية وأنه راحة للمسجد ولا ضرر فيه على أحد.
وشهد آخرون أنه ضرر عليهم، ونظر على الباب قد سد، فأشار رجل من الفقهاء علينا أن سده من حكومة سلطان افتئات على الحكام، وأنه ينبغي لنا أن نعيده كما كان ثم ننظر فيما اختلف الشهادة فيه، وفيما يجب أن يؤخذ منها ويحكم بها إن شاء الله وما كان من شهادة عبيد الله بن يحيى أن قال: إني أعرف المسجد وليس فيه هذا الباب الذي أغلق، ثم أعرفه فتح منذ أكثر من خمسين سنة في أول ولاية الأمير محمد – رحمه الله – إلى هذه الغاية.
قاله ابن لبابة وعبيد الله.
وقال محمد بن غاب مثل ذلك، إلا أنه قال: فتح الباب قضية من القاضي – وفقه الله – فإذا طال زمان عرف هذا المقام، وشهد على ما فعل القاضي، فإن رأى القاضي أن يكتب بذلك كتابًا يشهد عيه أنه فتحه لنظر يستقبله بين الفريقين، وأنه فتحه استرفاعًا للعدا إذا غلق، فرأى عامة لم يتقدمهم فيه قول حكم، وقال فتنة واعتبار، وقاله يحيى بن عبد العزيز وجماعتهم.
فتح باب في مسجد مقبرة البرج:
شهد عن القاضي أحمد بن محمد بن عبد العزيز الأنصاري أن الباب الذي يريد عبد الملك بن حوثرة فتحه في مسجد مقبرة البرج، على السكة العظمى بجوفي دار عثمان ابن سعيد، يضر فتحه بالمسجد ضررًا بينًا، وشهد محمد بن عبيد بمثل ذلك، وشهد بدر بن إسماعيل أنه يعرف موضع الباب في غلق، والبئر في غلق، ويعرف في موضع الباب حانوتًا بشرقي المسجد مفتوحًا إلى القبلة، ويعرف فيه المؤذن يسكنه ويخيط فيه، وفي شهادته أن يعرف سعيد بن العباس فتح الباب في المسجد وغير الحانوت، وأن هذا الحانون كان
للمسجد.
وشهد محمد بن حازم بمثل ذلك، وفي شهادته أن سعيدًا فتح الباب على الغلبة والظلم في علمه، وفي شهادته أن الحانوت المحبس للمسجد، ويعرف فيه بقالان ويؤخذ خرجه للمسجد، وشهد فلان بمثله، وشهد أيوب بن سليمان أن فتح الباب الذي يراد فتحه في هذا المسجد ضرر بالمسجد، وشهد سعيد بن عثمان التجيي بمثل ذلك.
قرأنا – وفق الله القاضي – هذه الشهادات، فرأيناها وقعت تامة في الضرر، وفي شهادة قوم أنهم يعرفون بالموضع حانوتًا محبسًا تجري غلته على المسجد، فإذا كان فيهم من تقبله فهذا يوجب إغلاقه ولو لم يكن ضررًا فكيف والقول منا بإجماع أن الضرر الحادث على المسجد يقطع على كل حال.
وما رأينا أبقاك الله – هذه الأبواب المفتوحة في أجواف المساجد، ومواضع مصلى الناس تتخذ إلا ليكون مطلاً لمن قعد في المسجد وتروها لا على اللزوم لها ليتخذ في جوف المسجد مسكًا، ولو كان بانيه بديًا فتح هذا الباب في داخل المسجد، ثم اتخذه مختلفًا لقلنا هي أغلقه، فكيف وهو محدث؟ والضرر في حقوق الناس يفني ويرد، فكيف في حقوق الله؟ هي أحق ما ذب عنه ونفي الضرر منه، والله نسأله التوفيق.
قأله محمد بن غالب، ومحمد ابن وليد.
وفي هذا المعنى في المسجد قال محمد بن غالب:
وفق الله القاضي لما يجب شهادتي هذه – أبقى الله القاضي – لم يكن لي يد من تجليبها على وجهها، أما الباب فيما عرفته قديمًا ولا حديثًا من أجل أني كنت لا أخطر بالموضع إلا مارًا على الطريق، لا ألوي على الجانب الذي به الباب، قلما وقعت إلى الموضع، ورأيت الباب مفتوحًا في السقف يدخل منه من أقبل للصلاة، والناس في هذا مختلفون في التحفظ، فمتحفظ يرعى ما يجب عليه من احتراس بدينه وآخر غافل، لا يبالي كيف يدخل ولا كيف وصل.
وقد يدخل المسجد من أطانت رجلاه فإن مسحها في داخل المسجد تحت المسقف استهان بالمسجد ولم يعطه بقسطة الواجب له، فظهر لي الضرر الموجب لإغلاقه، وسقط احتجاج المحتج بالقدم فيما ظهر لي من حقوق الله لا يستحق عليه قدم زمان، إذ قد يفعل الناس عن أذى ذلك ورفعه اتكالاً على غيرهم، إذ هو حق على كل أحد أن يؤديه، فيقول
بعضهم عل هذا يرفعه غيري، ومن أجل ذلك لم يستحق مثل هذا من حقوق الله.
ولقد شهدت بالموضع حين ركبت إليه ممتحنًا له بالعيان رجلا وهو يشبه هذه الباب بأبواب الجامع في المسقف وهما ضدان؛ لأن الجامع يمنع الناس رهبتهم له من الدخول من ذلك الباب فيه دون تحفظ شديد، فكيف وتلك الأبواب عليها أقفال لا تفتح إلا في أوقات الصلوات، وعليها مع ذلك من عنايتك واهتبالك رقباء يتحفظون بها خوفًا من أن يدخل منها من لا تحفظ عنه.
وقد كان هذا الباب فيما يقع عليه الظن الغالب كاليقين ممتنعًا في أيام سعيد وولده من بعده أن يدخله أحد في قدميه دنس أو شيء يحتاج إلى مسحه أو غسله، فلما ذهب القوم وخلف من نسلهم قوم تشغلهم حوائجهم وإصلاح بواديهم صار الباب مطلقًا لمن شاء أن يدخل منه، فبان الضرر وصار وكالحادث ووجب غلقه لا محالة إن شاء الله، فهذه شهادتي وإن كنت خلطتها بالفتى من قبل أن الاختصار لا يؤدي الكل على وجهه.
وقال أيوب بن سليمان مثله.
ومن هذا المعنى مسجد أم هشام:
وقد تقدمت مسألته، استخرجت الله عز وجل ورأيت الركوب معك ومع جميع إخواننا، فإذا اجتمعتم وعاينتم نفذت ذلك إن شاء الله.
قال محمد بن عمر بن لبابة: الذي رأيت حسن إن شاء الله ولقد فكرت بعدك في ترك فتح الباب إذا أبطأ نظرك فرأيت أن عليك فيه دركًا، كيف جاز لمن لا نصيب له في المسجد إلا صلاته، والكلام فيه لورثة بانيه فيغلقه بلا رفع إلى سلطان حتى يكون السلطان هو الذي ينظر فيه فيما يظهر له، إذا كان يقوم كل واحد إلى ما كره فيأخذ لنفسه، وإنما التغيير إلى الحكام فهذه جرأة ما سمع بأشنع منها.
قال القاضي: هذا كلام مختل غير مهذب وأشنع منه القتل والغصب، وتعمد إحداث الضرر بفتح الكوى والأبواب وإجراء المياه والأقذار وغير ذلك على الجار، والله الموفق للصواب.
في مرور العجل والنصارى على المقابر:
فهمنا – وفقك الله – ما ذكره القائم بالحسبة من مرور العجل على المقابر بمقبرة متعة، وسلوك العجم بجنائزهم على مقابرنا، وما سأل من النظر في ذلك، فالذي نرى أن
يتقدم إلى العجالين ألا يسلكوا بعجلهم على المقابر، وأن يكون مسلكهم بغريبها في الفناء المتسع الذي لا قبور به، وينهى العجم عن المرور على مقابرنا لوطئهم قبول المسلمين ومشيهم عليها، وقد ينهى المسلمون عن المشي عليها، فكيف بنجاس كفار، ولهم متسع بشرقي المقبرة مع الدور أو في الأزقة الخارجة إلى الخندقة بجوفي المقبرة.
قال بذلك محمد بن لبابة، وقاله أيوب بن سليمان، وليكن هذا المنع في جميع المقابر، وقاله ابن وليد.
الاحتساب على النواتية من مراكب المراسي:
رفع إليك – رضي الله عنك – أن قومًا من النواتية استعدوا المراكب لإجازة الناس على نهر قرطبة في مرسى بالشيء وغيرها من المراسي؛ وأهم أقاموا لأنفسهم في يجملة المراكب حالة لا ؤمن أن يكون سيلا لهلاك الناس، ولا يجد الناس بدًا من إجازة البقرة إلى ضياعهم ومنازلهم، وذلك أنهم جعلوها دولاً، فتوقف المراكب ويفرد مركبًا واحدًا للإجازة، فيحشى حتى يكاد ينكفي إلا أن الله يدفع، وصاروا يركبون غررًا، وكشفتنا عن الذي يجب عيك النظر به في هذا، وأنت بما جعل الله إليك حائط للعامة، وناظرهم في مصالحهم.
وقد قال مالك – رحمه الله – للسلطان أن ينظر للناس فيما يصلحهم في دينهم ودنياهم، وهذا من أوجب ما يجب فيه نظرك فامنع – رضي الله عنك – من ذلك منعًا شديدًا حتى تبع المراكب، وينقطع بذلك ما يخاف على المسلمين من ركوب الغدر.
فقد جاء فيه خير لعمر بن عبد العزيز حين وصف له ركوب الناس بالبحر، فقال دود على عود، وجاء بكلام غير هذا، كأنه نهي عن ذلك وحذر منه، فامنع عن هذا فإنك مأجور فيه، مثاب عليه إن شاء الله.
قال بذلك محمد بن غالب ومحمد بن وليد وعبيد الله ابن يحيى، وقال سعد بن معاذ مثل ذلك، وقال: الحديث لعمر بن الخطاب أيضًا، وقال أحمد بن بقي بمثل قول سعد بن معاذ، وقال بذلك محمد بن عمر بن لبابة وأيوب بن سليمان.
قال القاضي:
الحديث الذي ذكروا إنما هو لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقع في جامع العتبية في موضعين في سماع ابن القاسم، أحدهما: في أول رسم منه وهو رسم مساجد القبائل، قال مالك: سأل عمر بن الخطاب عمرو بن العاص عن البحر، فقال: خلق قوي يركبه خلق ضعيف، دود على عود، إن ضاعوا هلكوا وإن بقوا فرقوا، فقال: عمر لا أحمل فيه
أحدًا أبدًا.
فلما كان بعد عمر حلم فيه فلم يزل يركب حتى كان عمر بن عبد العزيز فاتبع فيه عمر بن الخطاب، وهذا هو الصحيح في الخبر وجعلوه لعمر بن عبد العزيز، وأنه من قوله دود على عود، وقال بعضهم لعمر بن الخطاب والكل مخطئ غير مصيب لان هذا الكلام إنما هو لعمرو بن العاص، وإنما للعمرين النهي عن ركوبه، وقالوا: كأنه نهي عن ذلك، وهما قد نهيا عنه اشد النهي ومنعاه أصلا، وبالله التوفيق.
في منع أهل الذمة إحداث الكنائس:
فهمنا – وفقك الله تعالى – الشهادات الواقعة في أن الشنوغة محدثة، فرأينا شهادات توجب هدمها بعد الإعذار إلى أهلها، وليس في شرائع الإسلام إحداث أهل الذمة من اليهود والنصارى كنائس لا شنوغات في مدائن المسلمين، وبين ظهرانيهم.
قال بذلك عبيد الله بن يحيى ومحمد بن لبابة وابن غالب وابن وليد وسعد بن معاذ ويحيى بن عبد العزيز وأيوب بن سليمان وسعيد بن خمير.
قال القاضي:
ذلك ابن حبيب في ثالث جهاد الواضحة عن ابن الماجشون عن مالك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "لا يرفعن فيكم يهودية ولا نصرانية 1 " قال ابن الماجشون: لا تبنى كنيسة في دار الإسلام ولا في حريمه، ولا في عمله، إلا إن كانوا أهل ذمة منقطعين عن دار الإسلام وحريمه، ليس بينهم مسلمون فلا يمنعون من بنيانها بينهم، ولا من إدخال الخمر إليهم ولا من كسب الخنازير.
وإن كانوا بين أظهر المسلمين منعوا من ذلك كله ومن رم كنائسهم القديمة التي صالحوا عليها إذا رثت، إلا إن شرطوا ذلك في صلحهم فيوفى لهم ويمنعون من الزيادة فيها؛ كانت الزيادة ظاهرة أو باطنة، وإن شرطوا ألا يمنعوا من إحداث الكنائس وصالحهم الإمام على ذلك عن جهل منه، فنهي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك أولى بالاتباع والانقياد.
ويمعنون من ذلك في حريم الإسلام وفي قراهم التي سكنها المسلمون معهم، ولا عهد في معصية الله إلا في رم كنائسهم إن اشترطوا ذلك لا غير، فيوفى لهم به.
قال ابن الماجشون: هذا كله في أهل الصلح من أهل الجزية، وأما أهل العنوة لا يترك لهم عند ضرب الجزية عليهم كنيسة إلا هدمت، ولا يتركون أن يحدثوها وإن كانوا معتزلين عن جماعة المسلمين؛ لأنهم كعبيد المسلمين، وليس لهم عهد يوفي لهم به، وإنما صار لهم عهد حرمت به دماؤهم حين أخذت منهم الجزية.
وفي كتاب الجعل من المدونة قال ابن القاسم: عن مالك: لا تتخذ النصارى الكنائس في بلاد الإسلام إلا أن يكون هلم أمر أعطوه، قال ابن القاسم: لا يمنعوا من ذلك في قراهم التي صولحوا عليها لأنها بلادهم يبيعون إن شاءوا أرضهم ودورهم، إلا أن تكون بلاد عنوة فليس لهم أن يحدثوا فيها شيئًا؛ لأنهم ليس لهم أن يبيعوها ولا يورثوها، وهي فيء للمسلمين وإن أسلموا انتزعت منهم.
وقال غيره: لا يمنعوا من كنائسهم التي في قراهم التي أقروا فيها بعد افتتاحها عنوة، ولا من أن يتخذوا فيها كنائس؛ لأنهم أقروا فيها على ذمتهم، وعلى ما يجوز لهم فعله وليس عليهم فيها خراج إنما الخراج على الأرض.
وفي الكلاب: فهمنا – وفقك الله – ما كشفت عنه من أمر الكلاب المخذة في الحضرة، فإنها ربما أذت وعقرت وأحدثت من جراح الصبيان ما يكون ضررًا، وما شكى إليك من ذلك وكثر به الشكوى ممن ابتلى، فالذي يجب في ذلك – وفقك الله – أن تأمر بقتلها إلا ما كان من كلب صيد أو زرع أو ماشية؛ فإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو زرع أو صيد أحبط من أجره قيراط 1 ".
وجاء عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه أمر بقتل الكلاب، فمر رسوله ببيت امرأة عمياء لها كلب فأراد قتله، فاعترضت امرأة فقالت: إني كما ترى عمياء، فهو يطرد عني السباع ويؤذنني بالإذن، فعاد إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأعلمه أمرها فأمره بقتلها، ولم ير لها عذرًا فيما اعتذرت به.
قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة ومن حضرنا من أهل اعلم، وفي مسائل حبيب عن سحنون في كلاب أهل المواشي في البوادي يتخذونها في دورهم خوف السرق أنه يقتل، وقال في الكلب لصيد التلذذ لا يحل كسبه، ولا يقتل أيضًا.
قال القاضي:
كذا هو في الكتاب الذي نقلته منه وأراده: ويقتل أيضًا وهو النظر، والله أعلم.
ومن هذا المعنى قال ابن لبابة:
إن كان الكلب متخذًا بموضع لا يجوز اتخاذه، فصاحبه ضامن لما نقص الرداء يقوم صحيحًا، ويقوم بالذي أصابه، فما كان من القيمتين ضمنه ويرفوه صاحب الكلب لصاحب الرداء، وإن كان الكلب متخذًا بموضع يجوز اتخاذ فيه فلا شيء عليه.
وفي كلب عض صبيًا:
قال أبو صالح: فهمت – أكرم الله القاضي – مسألة صاحب الكلب، فأما الكلب فيقتل لأنه متخذ في غير موضع اتخاذ الكلاب، وإن أصاب الصبي شيء ضمنه متخذ الكلب؛ حيث لا يجوز له اتخاذه لتعديه في ذلك بما لم يجز له.
قال القاضي: في كتاب الديات من المختلطة: قيل أرأيت الكلب العقور، وما أصاب في الدار وغيرها أيضمنه صاحبه؟ قال: بلغني أن مالكًا قال: إذا تقدم إلى صاحب الكلب العقور ضمن ما عقر، فأنا أرى أنه إذا اتخذه حيث يجوز له اتخاذه ألا ضمان عليه حتى يتقدم إليه، وإن اتخذه بموضع لا يجوز له اتخاذه فيه، مثل أن يجعله في داره وقد عرف أنه عقور.
فيدخل الصبي أو الخادم أو الجار الدار فيعقرهم، وقد علم أنه عقور فأراه ضامنًا.
وقول مالك في الكتاب العقور إذا تقدم إليه حيث يجوز له اتخاذه لا حيث لا يجوز له اتخاذه كالدور.
قال القاضي:
تدبر هذا؛ لم يوجب ابن القاسم عليه ضمان ما أصاب العقور إلا بوجهين، أحدهما: أن يتقدم إليه، والآخر اتخاذه بموضع لا يجوز اتخاذه فيهن وقد علم بعقره، وإن لم يتقدم إليه، وأبو صالح ليس في جوابه تقدم إلى رب الكلب، ولا صفة للكلب بأنه عقور وأن ربه علم بعقره فهو خطأ، ولا ضمان على صاحب كلب اتخذه في داره إذا لم يعلم أنه عقور وجرح العجماء جبار كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وفي سماع ابن الحسن زونان:
سألت ابن وهب عن الدابة الصئول تعدو على مملوك فتقتله بعد أن تقدم جيرانه إليه فيها، فعدت على الصبي المملوك وهي مربوطة أو فلتت من رباطها أو كان سلطان تقدم
إليه فيها حين شكي جيرانه أمرها، وقال: إن أدت بعد هذا ضمنتك، فقال: الدابة الصئول في هذا مثل الكلب العقور لا ضمان على ربها حتى يتقدم إليه السلطان بعد المعرفة بالصئول والعقر فلم يحبسها عن الناس ولا غربها ضمن ما عقرت، وهو قول مالك في الكلب على ما وصفت لك.
فإن كان دون الثلث ففي ماله، وما كان فيه الثلث فصاعدًا حملته العقالة، وهو من الخطأ إن كان المعقور حرًا، وإن كان عبدًا ففي مال رب الدابة والكلب على كل حال.
وقال أشهب: لا ضمان على صاحب الدابة على أي وجه كان تقدم إليه سلطان أو استنهى منه الجيران.
قال القاضي:
انظر قول ابن وهب: إذا تقدم إليه السلطان بعد المعرفة بالصئول والعقر، لم ير ضمانه إلا بعد التقدم والمعرفة بالعقر، وهو مما يؤيد ما نبهنا عليه من غفلة أبي صالح في جوابه.
وفي سماع عيسى عن ابن القاسم في رسم لم يدرك في الثور العقور أو الدابة الصئول أو الكلب العقور أو غيره من العجماء إذا عرف بالعداء على الناس أمر صاحبه بذبحه وتقدم إليه، فإن عقر أحدًا بعد ذلك ضمن في ماله، قال: وإن قتل الثور رجلا بعد التقدم إليه وشهد بذلك واحد حلف ورثته معه يمينًا واحدة واستحقوا الدية في ماله خاصة.
وروي عنه ابن عبدوس أن الثلث فصاعدا في ذلك على العاقلة، وهو كقول ابن وهب فوق هذا شرط في هذه أيضًا المعرفة بالعقر والتقدم، وقال عيسى في تفسير ابن مزين: إذا اتخذ الكلب العقور بموضع لا يجوز له اتخاذه فيه فهو ضامن وإن لم يتقدم إليه إذا كان عقورًا، وكذلك قال ابن القاسم، فشرط كونه عقورًا كما تقدم، وقال يحيى بن إبراهيم: لا يكون التقدم إلا عند السلطان وإلا فبإشهاد العدول إذا لم يكن سلطان.
وقال أصبغ: إذا لم يثبت ما أصاب الكلب العقور أو الثور العقور وشبهه بشاهدين عدلين، وأنكر اليمين في هذا مع الشاهد الواحد، وأما جواب ابن لبابة في مسألة الرداء، فأبين خطأ من جواب أبي صالح، وأردى، ويطول علينا بيان ذلك وبالله التوفيق.
الاحتساب على ابن السليم فيما اقتطعه من المحجة وضمه إلى جنته بمنية المغيرة وأجوبة الفقهاء في ذلك:
فهمنا – وفقك الله – الشهادات الواقعة على سعيد بن محمد بن السليم فيما اقتطعته من محجة المسلمين وضمه إلى جنانه اللاصقة بمحجة قرطبة بمنية المغيرة، فرأينا شهادات تامة منعقدة توجب خراب ذلك، ورد المقتطع من المحجة إليها على حسب ما كانت عليه بعد مضي البينة التي شهدت في ذلك إلى الموضع، وحيازتها بما تقطع في ذلك بالهشادة أنه أخذه من المحجة، وبعد أن تعذر إليه في مدفع إن كان عنده فيمن قبلت شهادته في ذلك، قال بذلك أحمد بن يحيى بن أبي عيسى.
وقال هذا قضاء قضاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فقد روي ابن كنانة عن مالك ابن أنس قال: هدم عمر بن الخطاب على أبي سفيان أساسا مكان تزيده في طريق المسلمين، فسارع أبو سفيان إلى هدمه، وقال: من أين أهدم يا أمير المؤمنين؟، وحسر عن يده، فقال له عمرك من هنا إلى هاهنا يا أبا سفيان، فهدم أبو سفيان بيده، فرفع عمر يديه إلى السماء وقال: الحمد له الذي حتى الذي لم يمتني حتى رأيت أبا سفيان يطوع لنا هذا الطوع.
وحدثني: من أثق به عن عبد الملك بن الحسن، قال: سألت عبد الله بن وهب عن الرجل يتزيد في داره من طريق المسلمين الذراع والذارعين إذا بني وأقام حائطًا وبني بنيانًا، فقام جاره الذي يقابله في الطريق فرافعه إلى السلطان وأحب أن يهدم عليه ما تزيده، وقال: كان لي نفع لمربط دابتي وفنائين وفيما بقي من الطريق ثمانية أذرع أو تسعة، هل له أن يهدم عليه ما زيد؟
فقال ابن وهب: نعم له أن يهدم عليه، قام في ذلك جاره أو من سلك المحجة، وينبغي للإمام أن يتقدم في ذلك لا يترك أحدًا يتزيد من طريق المسلمين.
قال ابن وهب: وقد حدثني عثمان بن الحكم عن عبيد الله بن عمر عن أبي حازم أن حدادًا بنى كيرًا في سوق المسلين، فمر به عمر بن الخطاب ورآه، فقال: لقد استعظم سوق المسلمين فهدمه.
وقال أشهب بن عبد العزيز: أرى أن يهدم ما اقتطع من طريق المسلمين كان ذلك قليلا أو كثيرا مضرًا أو غير مضر، يهدم ويتقدم الإمام إلى الناس، ولا يترك أحدًا يتزيد من
طريق المسلمين قليلا ولا كثيرًا، وقال بمثل ذلك يحيى بن عبيد الله.
قال القاضي:
قال محمد بن حارث يحيى بن عبيد الله بن يحيى بن يحيى يكنى أبا عبد الله، شوور مع أبيه في آخر أيامه، وتوفي سنة ثلاث وثلاثون مائة، وأحمد بن يحيى بن يحيى ابن يحيى يكنى أبا القاسم، سمع من عمه عبيد الله ومن ابن وضاح وكان ربما دخل مدخل من شاورهم الأمير عبد الله بن محمد وشاوره ومحمد بن سلمة القاضي في جملة من يشاور كانت وفاته سنة سبع وتسعين ومائتين وهو ابن سبع وأربع سنة.
وقال غيره: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر 1 " حدثني بذلك إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن سفيان الثوري عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وأن عمر رحمه الله حكم في مثل هذا بالهدم في كير الحداد وما أحدثه في ذلك من سوق المسلمين.
وفيما حكم به رحمة الله عليه، على أبي سفيان بن حرب، وأمره بالهدم فيه وتحويل حجازته من مكان إلى مكان، ففعل عمر رحمه الله، وحكمه أولى أن يقتدي به وأن يكون الأسوة فيه إن شاء الله من غيره.
وقد حدثني محمد بن أصبغ بن الفرج أن أباه أصبغ رجع عن قوله فيمن اقتطع من أفنية المسلمين شيئًا وأدخله في داره أنه إذا كان واسعًا رحراحًا لا يهدم فرجع عن ذلك وقال بهدمه ورده إلى حالته وقال: الأفنية والطرق كالأحباس للمسلمين لا يجوز لأحد أن يحدث فيها حدثًا إلا من ضرورة واضطرار إلى ذلك.
وقال ابن وهب وأشهب: يهدم على كل حال ضيقًا كان أو غير ضيق، قليلا كان أو كثيرًا، أخبرني بذلك يحيى بن عمر عن سحنون عنهما – والذي أقول به وأذهب إليه فعل عمر (رضي الله عنه) وحكمه على أبي سفيان وعلى الحداد، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "من اقتطع
شبرًا من أرض بغير حق طوقه من أرضين 1 " رواه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل عن النبي (صلى الله عليه وسلم).
وقال يحيى بن عبد العزيز
جمعتنا – وفقك الله – وكشفتنا عن الشهادة الواقعة على سعيد بن السليم على ما اجتبته البينة من اقتطاعه من طريق المسلمين وضمه ذلك إلى جنانه فأعلمناك – وفقك الله – أن في المسألة نظرًا واختلافًا بين العلماء وسألناك جمع جميعنا، لكي نجمع من ذلك على ما يختاره الله لنا فقلت: بل يكتب كل رجل منكم إلي بما عنده في ذلك، وأنا أسأل الله توفيقك، وأنا أحكي لك (رضي الله عنه) ما ألفيناه في كتبنا ورويناه عن شيوخنا رحمهم الله.
وهو ما قد سمعته وقرأه عليك أصحابنا من رواية زونان عن ابن وهب وغيره، وما حكوا عن الفاروق – رحمه الله – من وجوب هتك موضع الحداد، وما أشاروا به من هدم الحائط ورد المحجة إلى ما كانت عليه بعد الإعذار إلى سعيد في مدفع إن كان عنده في شهادة من قبلت شهادته، وبعد حيازتهم للزيادة التي اقتطعها من محجة المسلمين وأحكي لك ما في أحد ذينك الكتابين قبل الباب الذي قرئ عليك أو بعده منه ما قرأ من سؤال أصبغ بن الفرج عن أشهب بن عبد العزيز.
قال أصبغ: سألت أشهب عن الرجل يهدم داره، وله الفناء الواسع، فيزيد فيها من الفناء يدخله فيها ثم يعلم بذلك؟ قال: لا يعرض له إن كان الفناء واسعًا رحراحًا لا يضر بالطريق.
وقد كرهه مالك رضي الله عنه، وأنا أكرهه ولا آمر به ولا أقضي عليه بهدمه إذا كان الطريق واسعًا رحراحًا، لا يضر ذلك بشيء منه، ولا يحتاج إليه ولا يقاربه المشي، وقال أصبغ في الذي يبني دارًا له، فيأخذ من طريق المسلمين شيئًا يتزيده فهيا، كان ذلك مضرًا بطريق المسلمين أو غير مضر أترك ذلك جائزًا؟ وهل يجوز شهادة مثل هذا.
قال أصبغ: إذا كان اقتطاعه اقتطاعًا يضر بالطريق والمسلمين أدخله في بنيانه وكان
إدخاله فيما يرى بمعرفة لا بجهالة أو وقف عليه فلم يباله، فلا أرى أن تجوز شهادته ويهدم بنيانه إذا أضر جدًا، وإن كانت الطريق واسعة جدًا كثيرًا، وكان الذي أخذ الشيء اليسير جدًا الذي لا يضر، ولا يكون فسادًا في صغر ما أخذ وسعة الطريق وكثرته فلا أرى أن يهدم بنيانه ولا يعرض له.
وقد سألت أشهب عنها بعينها، ونزلت عندنا فكان هذا رأي فيها، وسألته عنها فقال مثله، فهذا رحمك الله قولان مختلفان، كفيانا الجواب وحملاه عنا، ولك الأخذ بأحدهما واختيار أحبهما إليك وأوقعهما بقلبك، ولو ركبت إلى الموضع للمعاينة والتشفي بالروية لكان صوابًا إن شاء الله، فقد ركب القضاء قبلك لما فيه من صلاح المسلمين، فأصلح الله بك على يديك، ونفع المسلمين نظرك.
قال القاضي: يحيى بن محمد بن عبد العزيز هذا يعرف بابن الحراز، سمع من رجال الأندلس ثم رحل وحد سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وسمع هناك من جماعة مبصر وغيرها كمحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيره، ثم رجع وتوفي سنة سبع وسبعين ومائتين، وكان فاضلاً رحمه الله.
وقال سعد بن معاذ: يهدم كل ما اقتطع من سكك المسلمين، ولو جاز لأهل جانب السكة التوسع فيها لجاز لأصحاب الجانب الآخر أن يأخذوا مثله، فإذا بسكك المسلمين قد ضاقت بهم، وإنما السكك من جهة الأحباس التي حبسها المسلمون لمنافعهم، وفي حديث عمر (رضي الله عنه) إذا أمر بهدم كثير الحداد، وهو أقل ضررًا من اقتطاع كثير من طريق المسلمين ما تكتفي به.
وقد سئل ابن القاسم عن مسرح مواشي أهل قرية نشط إليه بعضهم ليعمره، فكره ذلك ولم يره لهم، ورأى أن يترك المسرح كما هو، فكيف بمحجة المسلمين التي تخرج عليها عساكر المسلمين إلى عدوهم، وهي مجمع رفاق أمصارهم؟ فأرى أن يقدم الشهود الذين شهدوا فيما اقتطع من المحجة فيحوزونه، ثم يهدم ما اجتمعوا عليه من ذلك بعد الإعذار إلى سعيد في البينة.
وإن كان لمثل ما أدخل من المحجة له كراء غرمة المقتطع له، وقد قال الله عز وجل: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ (الزمر: من الآية 18) وينبغي للحكام أن يضربوا الأقاويل بعضها ببعض، فيأخذوا فيها بالأوثق مما قاله أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، أو ممن كان
بعدهم إن لم يجدوا في ذلك متقدمًا لأصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) وليس يترك قول صاحب لقول من بعدهم في هذه الأمة.
وقال أحمد بن بيطير بمثل قول سعد بن معاذ.
قال القاضي: سعد بن معاذ بن عثمان من عمل جيان، سكن قرطبة، ورحل فلقي محمد بن عبد الحكم، وتوفي في جمادي سنة ثمان وثلاث مائة، وأحمد بن بيطير مولى للخلفاء، سمع من ابن وضاح وغيره، وتوفي ضحى يوم الخميس ثاني ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثون ومائة.
وقال محمد بن عمر بن لبابة: الذي قاله يحيى بن عبد العزيز وحكاه من الرواية فهو كما حكي، وهي روايتنا، والذي رأيت علماءنا؛ العتبي وغيره، يفتون به ويأخذون به من هذه الروايات بقول أصبغ بن الفرج، وبه أقول.
قال القاضي:
ابن لبابة هذا أبو عبد الله مولى، ولم تكن له رحلة، وكان من الفقهاء، وقال: أدركت بهذا البلد يعني قرطبة ستة وأربعين مفتيًا منهم ستة عشر رجلاً أكابر جلة، كالعتبي محمد بن أحمد وعبد الله بن خالد وغيرهم، وذكر يومًا ذهاب العلم ومن صار في الشورى يتمثل بهذين البيتين:
ذهب الرجال الذين يقتدي بفعاللهم ذ ... والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضًا ليسكت معور عن معور
وكانت وفاته سنة أربع وعشرة وثلاث مائة.
وقال خالد بن وهب:
الذي أقول به - وفقك الله -: أن من تزيد من طريق السملمين شيئًا، ببنيان أو اغتراص أو غيره، مما يريد اقتطاعه دونهم، فإن السلطان يأمر بهدمه وتغييره إذا ثبت ذلك عنده، وبعد الإعذار إلى من شهد عليه فيما شهد به عليه كان ما تزيد، مضرًا أو غير مضر، كان في الطريق سعة أو لم تكن، لا ينبغي لأحد التزيد من طريق المسلمين وينبغي أن يتقدم في ذلك إلى الناس ويستنهي إليهم: ألا يحدث أحد بنيانًا في طريق المسلمين، وقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لحداد بني كيرًا في طريق المسلمين فقال: لقد استهضمتم سوق
المسلمين ثم أمر بهدمه، قال ابن وهب.
قال اصبغ بن الفرج: وكان ابن وهب أعلم أصحاب مالك بالسنن والأثر الماضي، وهو مذهب ابن القاسم وفتياه في النهي عن الضرر بالطريق وما يغيرها عن حالها مما يرى أنه ضرر، وجر إلى فساد طريق العامة، ولا ضرر – وفقك الله – على المسلمين أكثر من اقتطاع طريقهم وانتقاصها، وقاله سحنون بن سعيد، هذا الذي أقول به، والله أسأله توفيقك.
قال القاضي:
خالد بن وهب أبو الحسن التيمي مولى تيم يعرف بابن الصغير شوور في أيام الأمير محمد بن عبد الله وفي أول أيام عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين الناصر لدين الله وولي أمير المؤمنين أول يوم من ربيع الأول سنة ثلاث مائة وفي ليلته توفي الأمير عبد الله رحمهم الله.
وقال محمد بن غالب:
قرأت الأجوبة التي في هذا الكتاب وفهمت ما رواه أصحابنا في ذلك، والروايات صحيحة معلومة قد رويناها من غير طريق إن شاء الله ورأيت بعض أصحابنا قد ذهب إلى اختيار قول أصبغ أنه لا يهدم على المقتطع من طريق المسلمين ما اقتطع إذا كان الطريق واسعًا رحراحًا، فاختار برأيه ما رآه صوابًا.
ولاذي نراه – والله نسأله التوفيق – اتباع قول المتقدمين ومن هو إلى التوفيق أقرب إن شاء الله.
والعجب من الذي اختار قول أصبغ، كيف فارق قول عمر المعروف منه المأثور عنه وما علمته أرخص في هذا لأحد قط وما أظن به إلا أنه اجتهد والله نسأله التوفيق، ولقد خرجت عن الأندلس وأصبغ بن الفرج عندي أكبر أهل زمانه لما كان شاهدناه من تعظيم شيوخنا له، فلما دخلت مصر وجدت أهل بلده محمد بن عبد الحكم ويونس بن عبد الأعلى وغيرهما لا يعطونه ما أعطاه رجال أهل بلدنا والأئمة عندهم المقتدى بهم ابن وهب وأشهب وابن القاسم، وقول ابن وهب وأشهب يوجب هدمه، وبه آخذ – والله اسأله التوفيق.
ورأيت أصحابنا وفقهم الله قالوا بهدم الحائط اتباعًا لفعل عمر، وقول الشيخين ابن وهب وأشهب وحضروا أن يكون ذلك حتى يزرع ما اقتطع، وأنا أقول باجتهادي إن
الحائط مضروب في غير حقه بإجماع من الشهود الذين شهدوا في ذلك، فهدمه واجب إذ صار جسمه أجمع موضوعًا في غير حق ثم يكون النظر في التذريع من بعد ذلك ليضع سعيد بن السليم حائطه من خلف الحد الذي تحدد له البينة، وهذا إذا كان الإعذار إليه قد انقضى.
قال القاضي:
محمد بن غاب هذا هو ابن الصفار أبو عبد الله روي عن ابن سحنون وغيره، توفي سنة ست وتسعين ومائتين.
وقال أيوب بن سليمان:
الذي أقول به وأعتمد عليه ما لا يجوز غيره قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لا ضرر ولا ضرار.
ومن ضار أضر الله به 1 " فلينظر فإن كان ما حدده الشاهدان من هذه المحجة مضرًا بها وتضيقًا عليها هدم ما ضيقها وأعيد إليها ما أخذ منها وإن كان غر ضرر ترك والذي حكم به عمر على صاحب الكير، إنما حمله عند أصحابنا أنه كان ابتنى في موضع ضرر وهكذا روى أصبغ عن أشهب، وأصبغ أكبر في أشهب ممن روي عنه غير ما روي أصبغ.
وأما ابن عبد الحكم فإن الذي كان بين أبيه وأصبغ معروف مشهور في المباعدة والبغضاء وأما يونس بن عبد الأعلى فصاحب حديث لا يدخل هذا المدخل والذي أخبرونا عن أصبغ بعلمه وفضله أكبر عندنا ممن وقع فيه بما لا يحل له وهذا فتيا أصبغ وروايته، فمن نظر إليها عرف فضله وعلمه إن شاء الله.
قال القاضي: أيوب بن سليمان بن صالح بن هشام المعافري القرطبي كان حافظًا فقيهًا مفتيًا دارت الشورى عليه وعلى صاحبه ابن لبابة في أيامهما، سمع من العتبي وغيره ابتداء بطلب العلم سنة ثمان وأربعين ومائتين وتوفي سنة إحدى وثلاث مائة.
وقال محمد بن وليد:
قرأت ما جاوب به أبو صالح في هذه المسألة، فقد قال عندي بتوفيق الله وتسديده
إياه وبما قال في جميعها اقول: إنه لا يهدم الحائط إذا كان فيما بقي بعده من الطريق ما يحمل المارة عليها، وهو رأي أصبغ وأشهب وكلاهما إمام في زمانه وعصره، وما لقيت أحدًا من أهل العلم إلا شاهدًا لأصبغ بالحفظ والنظر والتحرير، وقد شاهدت عبد الأعلى بن وهب وشاوره بعض حكام بلدنا في رجل أدخل أذرعًا من المحجة الآخذة من مسجد متعة إلى مسجد مسرور.
فأجاب عبد الأعلى: إن كان فيما بقي من المحجة ما يحمل المارة عليها فلا يهدم على الباني؛ لقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "لا ضرر ولا ضرار 1 "إلا أن في شهادة الشهود ضعفًا لتركهم أداء شهاداتهم ن يوم رأوا ذلك إلى حينهم هذا وأسأل الله التوفيق، وقال ابن لبابة: الذي حكاه ابن وليد عن عبد الأعلى من قوله كما حكي وقد ذكره لنا قبل ذلك.
قال القاضي:
محمد بن وليد الأموي أبو عبد الله سمع من العتبي وغيره، ولقي بالقيروان محمد بن سحنون، وبمصر محمد بن عبد الحكم وغيرهم، وكان مداهنًا متهمًا بالكذب ووضع الأحاديث، توفي في ذي القعدة سنة تسع وثلاث مائة وصلى عليه ابن لبابة وخرج الشيوخ – رحمهم الله – في هذه المسألة عن عادتهم في أجوبتهم في غيرها من الموافقة والمسألة، ومتابعة بعضهم بعضًا في الأغلب من أجوبتهم، والأكثر من فتياهم، حتى لا تكاد تجد بينهم خلافًا إلا في يسير من المسائل.
وتكلفي في هذه المسألة كل واحد منهم نقل ما قد ذكره الآخر، ولم يتعدوا في ذلك كله ما في سماع ابن الحسن، وسماع أصبغ في كتاب السلطان من العتبية، وأكثرهم تكلفًا لذلك تعنيه لنفسه فيه حتى صار مشتغلا بما لا يعنيه؛ يحيى بن عبد العزيز، فإنه حكي لقاضي جمعهم عند نفسه وكشفه إياهم عن ذلك حتى كأن القاضي قد سها عن ذلك، فذكره إياه، ثم قال: وأنا أحكي لك ما ألفيناه في كتبنا، وهو ما قد سمعته وقرأه عليك أصحابنا من رواية زونان، وما حكوا عن الفاروق وأتى بذلك عنهم، ثم قال: وأنا أحكي لك ما في أحد ذينك الكتابين قبل الباب الذي قرئ عيك أو بعده منه ما جرى من سؤال