ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكامصفحات 215-225
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب النكاح

صفحات 215-225
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو الأصبغ
الكتاب
ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام
المؤلف
عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي الجياني القرطبي الغرناطي أبو الأَصْبَغ (المتوفى: 486هـ)
المحقق
يحيي مراد
الناشر
دار الحديث، القاهرة - جمهورية مصر العربيةعام النشر: 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فيمن أقر بالصداق وشروطه غير شرط الرحلة: فهمنا- وفقك الله- إقرار يوسف بن عياض بصداق زوجته عيشونة وفيها أنها مصدقة في جميع شروطها بعد أن تحلف في بيتها على ذلك، وقال: أشهدت على نفسي بما فيه إلا أني لم أفهم شرط الرحلة من دارها، والذي نرى أن إقراره بالصدق قد لزمه ولا ينفعه قوله: لم أفهم شرط الرحلة؛ لأنه مدع فيما ذلك، ولعيشونة أخذه بشروطه المذكورة في كتاب صداقها، قاله ابن لبابة، وابن معاذ، وأحمد بن يحيى.
في امرأة طلبت الأخذ بشروطها: نظرنا- وفقك الله- في الصداق الذي شهد فيه عندك الشاهدان فإذا قبلتهما سئلت المرأة عما تطلبه من صداقها، فإن طلبت طلاق نفسها لغيبة زوجها التي هي مصدقة فيها في كتاب صداقها، وجب عليها أن تحلف بمحضر رجلين عدلين في مقطع الحق بالله لقد غاب عنها، ثم تسمى موضع الغيبة ووقتها الموقت لتلك الغيبة، ثم تطلق نفسها بما شاءت من الطلاق.
ثم تشهد لها - وفقك الله- بثبوت صداقها ويمينها وطلاقها نفسها وترجئ الحجة لزوجها- إن كانت عنده حجة- فيما ثبت لها في كتاب صداقها - قاله أيوب، وابن لبابة، وعبيد الله.
في صداق من أنكر الزوج بعض شروطه: قرأت - وفقك الله- الصداق وإقرار المنكح بما فيه.
وقوله: ظننت بالناكح خيرًا فأشهدت له بالقبض وإقرار الناكح بما في الصداق إلا شرط التصديق فوجبت اليمين على الناكح لقد قضي كما ذكر في الكتاب لحداثة عهد عقده، وجب على المنكح إثبات الصداق ليثبت به الشرط، فإن لم يثبت الصداق حلف أبو الجارية أنه ما أنكحه إلا بجميع ما في الكتاب من الشروط وغيرها فإذا حلف قيل للناكح: إما أن ترضى بذلك وإلا فالحلف أنك ما أنكحت على هذا الشرط، فإن حلف انفسخ النكاح، وإن نكل لزمه الشرط، وإن ادعى أبو الجارية أن له بينة بإقرار الناكح أنه لم يقبضه ضربت له الآجال في البينة، فإن أتى بها وإلا حلف على ما ذكرنا في الكتاب.
قاله أيوب بن سليمان وجماعتهم.
وقال ابن لبابة: هذه الفتيا إذا كان قبل الدخول لأنه لا تحالف إلا قبل الفوت،

والبناء هو الفوت.
قال القاضي: إيجابهم اليمين على الناكح: لقد دفع بعد إشهاد المنكح بالقبض لهم بعد هذا، مثله في البيوع في مسألة ابن عبدوس ومسألة البنا، وهو خلاف لما ذكره ابن حبيب عن مالك في مثل ذلك؛ قال عنه: إذ تشاهد المتبايعان بعد دفع الثمن ثم طلب البائع الثمن، وقال: إنما أشهدت لك بقبضه ثقة بك، وأراد إحلافه لم يكن له ذلك.
وهذا نص لا يجوز خلافه رواية ونظرًا؛ أما الرواية فقد ذكرناها، وأما النظر فإن الله تبارك وتعالى لم يأمر بالإشهاد عند التبايع وغيره إلا لرفع هذا وشبهه من التنازع بين المتبايعين، وقد برأ ذمته مما كانت مشغولة من حقه فلا بسبيل له إلى العودة لشغلها به، ولو سومح في هذا وشبهه لارتفعت الحقائق وانحلت العقود، وذلك الضلال البعيد.
وقال أبو عبيد الله بن العطار في وثائقه: إذا انعقد في عقد التبايع أن الثمن كان طيبًا مقلبًا جيدًا، وأتى البائع بدراهم رديئة يزعم أنها من دراهم المبتاع وأنكرها المبتاع، فلا يمين عليه في ذلك لإقرار البائع بقبضها طيبة جيادًا، ولو سقط هذا الفصل من العقد لوجبت على المبتاع اليمين أنه ما يعرفها من دراهمه ولا أعطاه إلا جيادًا في علمه.
هكذا في كتابه وذكر معه نظائر له، وهو الصواب الذي لا يصح خلافه.
والذي حمل الشيوخ على ذلك ما رواه أصبغ عن ابن القاسم فيمن باع سلعة ثم أتى يقتضي الثمن، فقال المشتري: لم أقبض السلعة، وقال البائع: قد قبضتها، قال: إن كان أشهد له بالثمن فقد قبض السلعة وعليه غرم الثمن.
قال أصبغ: ويحلف له البائع إن كان بحرارة البيع والإشهاد، لأن هذا من أفعال الناس، فأما أن يكف حتى إذا حل الأجل قال: لم أكن قبضت السلعة فلا قول له ولا يمين له على البائع.
وليست هذه المسألة كالتي أفتوا باليمين لأن هذه ليس فيها إشهادها بقبض السلعة، ثم قال: لم أقبضها، ولو كان ذلك فيها لكان جوابها جواب مالك في الثمن: إنه ليس عليه بعد الإشهاد يمين، ولما سكتا في مسألة أصبغ عن ذلك السلعة كان محتملاً لبقائهما عند بائعها، وإن كان تشاهدا على ثمنها فأرى اليمين في حرازة البيع والإشهاد.
وأما التي أفتوا فيها فقد أشهد المنكح بقبض النقد من الناكح وأبرأه منه، فلا سبيل له إلى طلبه به ولا إلى تحليفه عليه، كما قال مالك في البيع، والله الموفق للصواب.

وإيجابهم أيضًا باليمين على الأب في شرط التصديق الذي أنكره الزوج، إذا لم يثبت فيه عندي نظر تركت شرحه لطوله، إلا إن كان شر التصديق في هذا لنفسه لا لبينته، وفي هذا أيضًا ما يطول الكتاب بذكره.
مسألة في قيام المرأة بشرط المغيب على زوجها الغائب: أظهر إلى الوزير أبي بكر ابن حريش عن عاتكة بنت علي عقد استرعاء في مغيب زوجها عنها، نسخته من أوله إلى آخره: يشهد من يتسمى في هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون مسعود بن أحمد بعينه واسمه، ويعرفونه قد غاب عن زوجه عاتكة بنت علي منذ عام أو نحوه متقدم لتاريخ هذا الكتاب، بحيث لا يعلمون.
وكان قد أشهدهم على نفسه حين كتاب صداقها معه منذ خمس عشر متقدمة لتاريخ هذا الكتاب: أنه طاع لها ألا يغيب عنها غيبة متصلة يقيم فيها أكثر من ستة أشهر، إلا في أداء فريضة الحج عن نفسه، فإن له في ذلك مغيب ثلاثة أعوام، فإن زاد على هذين الأجلين أو أحدهما فأمرها بيدها.
والقول قولها عند المنقضي من أجليهما أو أحدهما بعد أن تحلف بالله لغاب عنها أكثر مما شرطه لها، ثم تقضي في نفسها ما أحبت، ولها التلوم عليه ما شاءت لا يقطع تلومها شرطها.
ويعرفون أن غيبة مسعود هذا في غير سبيل الحج، ويعرفون عصمة النكاح بينهما باقية إلى تاريخ هذا الكتاب؛ وهو رمضان سنة سبع وخمسين وأربعمائة.
وكتب ابن الأسعد، وفطيس بن محمد، شهادتهما على نصه.
وكتب أبو محمد المعيطي، وعبد الله بن محمد كامل مرسي فقرة 242 الأموي، يعرف مغيب مسعود عن زوجة هـ عاتكة المذكورة ولا يعلم أنه انصرف إليها إلى تاريخ شهادته هذه؛ وذلك في شوال من العام المؤرخ، وشهد عنده الشهيدان بنصفه وعرفا عاتكة ومسعودًا حين شهادتهما هذه.
وشهد المعيطي بما قيده في شهادته، ووصل بها أنه يعرف مغيب مسعود بإشبيلية، وثبت عنده من قولها إنها تريد الأخذ بشرطها، وأعلمها بقبوله الشهود فلم يكن عندها مدفع.
وحلفت في بيتها لعذر منعها من الخروج: إن زوجها مسعودًا لم يؤب إليها منذ غاب عنها ولا كان في سكوتها المدة المذكورة إلا تلومًا عليه لا إسقاطًا لشروطها، وثبتت

عنده يمينها وشاور في ذلك الفقهاء وأدرج إليهم العقد المذكور.
فجاوب أبو عبد الله بن عتاب: سيدي وليي، تصفحت خطابك وما أدرجت طيه، وإذا قد ثبت عندك ما ذكرته على حسب ما وصفته فقد كان القاضي أبو المطرف رحمه يمرض شهادة الشاهد بحيث لا يعلم ويضعفها، لاسيما إذا طالت مدة المغيب.
ولقد شهدت له مجلسًا وقد حضره الفقيه القاضي أبوك -رحمه الله- وجرى في هذه الشهادة بينهما مناظرة؛ إذ كان أبوك يذهب إلى إعمالها وإجازتها، ولكن زاد الفقيه أبو محمد في شهادته عندك أن مغيب الغائب إلى أشبيلية موجب للإعذار إليه إن كان لا يتعذر الإعذار إليه.
فإن تعذر فالعقد مفتقر إلى تصحيحه، إذ فيه تناقض لما قيل في صدره إنه غائب بحيث لا يعلمون، ثم قيل في آخره إنهم يعرفون مغيبه في غير سبيل الحج، وإذا لم يعلم حيث مغيبه فكيف يسوغ لهم أن يقولوا إنه في غير سبيل الحج؟! وهذا لا يجتمع ولا يتفق؛ أنهم عالمون وغير عالمين في حال واحدة.
فإذا صح العقد يرفع هذا وأحكامه نفذت القضاء بالطلاق وأرجأت الحجة للغائب إذا تعذر الإعذار وتقيد ذلك من نرك موفقًا إن شاء الله.
وجاوب أبو عمر بن القطان: قرأت ما خاطبت به، وقد تقدم في بعض أجوبتي إليك في مثل هذا المغيب أن الشهادة فيه ناقصة حتى يكون الشهود قد قطعوا أن عصمة النكاح باقية بين الزوجين إلى تاريخ شهادتهم وبالمغيب أنه في سبيل الحج، والشهادة في هذا بقطع لا تنبغي، وإنما يشهد في هذا على العلم، وقول الشهود إنهم يعرفون إنما يعطى القطع؛ فلا يجوز مثل هذه الشهادة ولا يبنى (أ-53) عليها، ولا يكون بمثلها تسجيل.
وذكرت أن المرأة حلفت أن سكوتها في المدة المذكورة وتلومها لم يكن إسقاطًا منها لشرطها، وهذه زيادة في اليمين لم تكن تنبغي ولم يكن ذلك عليها؛ إذ شهدت البينة أن الزوج أشهدهم أن لها التلوم عليه ما أحبت؛ لا يقطع تلومها شرطها، ولا يجب أن يحكم الحاكم إلا بما لابد منه، فتحفظ من مثل هذا وشبهه، فعلى ما جاوبك به الشيوخ المتقدمون وبه كان يفتون حكام المسلمون، عصمنا الله أجمعين.

وأما شهادة عبد الله بن محمد فلا توجب حكمًا، إذ لم يشهد غيره بمثل شهادته أكثر من الاستثبات في أمر الغائب والتأني فيه.
وأما ما ذكرت من يمين عاتكة في بيتها لعذر ولم تبينه في خطابك فغير مجزئة عنها، فإن ذكرت العذر وقع الجواب عليه، وإلا فاليمين واجبة في مقطع الحق إذا صحت الشهادة، فإن كانت المرأة ممن لا تخرج نهارًا خرجت ليلاً، وحلفت بما يجب به الحلف، وبذلك يتم الحكم ويقع التسجيل، وأسأل الله لنا ولك خلاصًا جميلاً وعونًا على طاعته وتأييدًا إن شاء الله، والسلام.
قال القاضي: الزيادة التي زادتها المرأة في يمينها أنها إنما سكتت متلومة لا إسقاطًا لشرطها، كل ذلك ذكرها أبو عبد اله بن العطار، وأسقطها أبو عمر بن الهندي واحتجاج أبيه عمر بن القطان على أن الصحيح إسقاطها، بأن الشهود قد شهدوا بها غير بين؛ لأنها قد تقول في يمينها: لقد غاب عنها أكثر مما شرطه لها وما انصرف إليها، وقد شهد لها بذلك.
وكذلك تحلف إذا أرادت تطليق نفسها منه بعدم النفقة: أنه ما ترك عندها شيئًا ولا أرسل إليها بشيء وقد شهد لها به الشهود، وكذلك يحلف مستحق الحيوان وشبهه- في مقطع الحق- ما باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه، بعد أن تشهد له بذلك بينة وكذلك من شهد له بحق على ميت أو غائب.
وكذلك نص عليه أبو عبد الله بن أبي زمنين في يمينها في سجل القضاء لها الأخذ بشرطها في المغيب بعد أن أثبتت مغيبه.
قال: وشاور القاضي فلان من وثق به من أهل العلم فيما ثبت لفلانة فأشاروا عليه أن تحلف في مقطع الحق -احتياطًا للغائب- بالله الذي لا إله إلا هو، لقد غاب عنها زوجها فلان- في غير سبيل الحج- الغيبة التي شهد لها بها ما قدم عليه، وأكمل اليمين.
فهذا نص في ذلك ممن هو حجة، مع موافقة ابن العطار له فيما ذهبنا إلى بيانه، والله يعصمنا بهدايته، ولو انتقد أبو عمر على نفسه في جوابه أن الشهادة ناقصة، حتى يقولوا إن المغيب بعيد بحيث لا يعلمون لكان به أولى، لأنه كلام لهم ينقله غيره ولا يصح في النظر معناه؛ كيف يكلف من يقول: إنه غائب بحيث لا يعلمون أن يزيد غاب بعيدة بحيث لا يعلمون.
وكيف يصح الجمع بين اللفظين وهما معنيان متنافيان لأنه إذا قال: بحيث لا يعلم؛

فهو لا يعلم قرب المغيب من بعده، وإذا قال: غيبة بعيدة؛ فقد علم المكان بمقتضى كلامه، فكيف يصح قوله: بحيث لا يعلمون؟ وهذا بين لمن تأمله وقد سمعت من ينكره، وسيأتي في جواب لهم آخر في مسألة غائب.
وكذلك لو حصل قوله: وأسأل الله لنا ولك خلاصًا جميلاً إن شاء الله، لم يقله؛ لأنه كلام كقوله: خلصنا الله وإياك إن شاء الله، وهذا لا يجوز لأنه نفس ما نهى عنه النبي في قوله: "لا يقل أحدكم إذا دعا: اللهم اغفر لي إن شئت.
اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مكره له" 1. وجاوب أبو مروان في ذلك: سيدي ووليي ومن وفقه الله وأرشده وأراه الصواب وأيده، أمثل ما في هذا عندي: إذا لم يفت الشهود بما في الاسترعاء بعده أن تستعيد منهم الشاهدات بالنص، فنكتب عنها شهادتهما على وجه الكتاب وسياق الصواب.
فإن اليقين الحاصل بأن الداخلة إنما دخلت من العاقد، واليمين في بيتها لا تجزئ؛ إذ ليس ذلك في شروطها المضمن عقد الاسترعاء الظاهر إليك، إلا لعذر تقوم عليه بينة، فإن تقيدت الشهادة على وجهها، بلفظ يصلح للمعنى المفهوم من المراد بالاسترعاء المذكور، نفذ الحكم على الغائب، وأرجأت له الحجة.
فإن كونه بأشبيلية لم يقم عليه إلا شاهد واحد ولا ثبت ذلك بواحد، وإن كان على ما هو من علو الحال، حمنا الله وإياك على الصواب، والسلام.
وفي مسائل ابن زرب: سأله ابن دحون عن حكم ثبت عنده مغيب رجل مدة، كان قد شرط لزوجته إن غاب عنها فأمرها بيدها، وأنها طلقت نفسها على سنة المبارأة، وأشهد الحكم على ذلك، وكان الشرط على الطوع، فقال القاضي: يس يلزمه إلا طلقة له فيها الرجعة ما لم تنقض العدة، وليس إشهاد الحكم على ثبوت تطليقها نفسها طلقة مباراة مما يمنعها من ارتجاعها في العدة.
وسئل ابن عتاب عمن جهز ابنته إلى زوجها وهي بكر بجهاز، وأخرج لها شورة، وأقامت مع الزوج أربعة أعوام، ثم قام يزعم أن تلك الشورة إنما أخرجها على

وجه التزين لها والإصلاح عيها؛ أعارها إياها لا على أنها مالها.
فأجاب: إذا مضت المدة التي ذكرت فالأب غير مصدق فيما ادعاه من ذلك إن شاء الله عز وجل.
قال القاضي: وكذلك الرواية عن مالك وابن القاسم وغيرهما في هذا في الواضحة والعتيبة وغيرهما، ولا خلاف أعلمه فيهما، وسئل ابن القطان عنها فجاوب: أن الأب مصدق فيما زاد على قدر النقد من الشورة، وهو خطأ من القول.
من شرط لزوجه ألا يتسري عليها: في سماع يحيى عن ابن القاسم فيمن اشترطت على زوجها أن كل جارية يتسررعليها فهي حرة، وله يوم اشترطت هذا أمهات أولاد فوطئهن بعد الشرط، حنث فيهن وخرجت حرائر؛ لأن مسيسة إياهن بعد اليمين تسرر، وقاله أبو زيد وأصبغ.
وقال سحنون: لا شيء عليه في أمهات أولاد اللائي كن عنده قبل النكاح، وإنما يلزمه الشرط فيما يستقبل.
قال ابن لبابة: وقول سحنون جيد.
وقال أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم: حجة مخالفيه أقوى، واختاره أبو بكر بن زرب في مسائل ولم ير قول سحنون شيئًا، واحتج فقال: التسرر هو الوطئ، فإن وطئ لزمته اليمين.
قيل له: فلو اشترط ألا يتسري عليها فنكح عليها، هل يمنع منذلك؟ قال: قال قيل له: ولم لا يمنع والتسرر وإذا تزوج وطئ؟ فقال: التسرر إنما يقع على وطئ الإماء، وليس هذا من هذا.
وقال أبو عبيد الله ابن أبي زمنين في المغرب: رأيت لبعض العلماء أنه سئل عن الذي يشترط لزوجته ألا يتزوج عليها ولا يتسرى بعد بنائه بها، فإن فعل فالداخلة طالق والسرية حرة، فتزوج قبل البناء وتسري، فقال: له أن يقيم على التي تزوج ولا يلزم فيهما شيء، وليس له أن يقم على وطء التي تسرر.
وفرق بين ذلك أن النكاح فعل واحد، والتسرر فعل بعد فعل، قال أبو عبد الله: وقوله هذا كله جيد وغير خارج عن أصولهم إن شاء الله.
قال القاضي: هذا كله يرد قول سحنون، والصحيح ما قالوه ابن القاسم ومن وافقه، والله أعلم.

فيمن حلف ألا يرحلها من دارها ما يطلب بكراء: سأل ابن دحون القاضي ابن زرب، في ربيع الآخر سنة تسع وسبعين وثلاث مائة، عمن شرط لزوجته في صداقها ألا يرحلها من دارها ما لم يطلب بكرائها، فإن طالب به فله أن يرحلها.
فقال القاضي: ذلك: جائز فقال: وإن طلب بكرائها فيما مضى، قال: ليس يلزمه إن كانت الزوجة مالكة نفسها عالمة بالشرط، فإن كانت مولى عليها أخذ بكراء ما مضى، ولم ينفعه ما عقد في سقوط الكراء عنه.
قال له ابن دحون: فإذا كانت ذات أب فهي في ولايته وأباح له سكنى الدار، لأي شيء لا يضمن الأب الكراء ويحمل محمل الهبة منه له، ولا يكون على الزوج شيء؟ فقال: ليس هبة، والكراء على الزوج، ولا شيء على الأب، ووقف على هذا؛ يريد وليس للأب أن يهب مال وله أو ابنته.
تزوج أمه فأنف بعض أهله من ذلك، أو تزوج المرأة غير شاكلة فأراد أهلها التفريق بينهما، ومن تزوج على أن يقيم لها دارًا.
قال ابن زرب: من تزوج أمة فأنف بعض أهله من ذلك، وقال له: طلقها وأنا أكتب لك كتابًا بمائة دينار في نكاح امرأة إذا بدا لك النكاح فطلقها، وكتب عليه كتابًا وأقام نحو ثلاثة أعوام لا يتزوج، ثم أعتقت وتزوجت ثم طلقت، وأراد الأول ردها، وقد مات الذي ضمن ذلك، فلا شيء له في مال الضامن لطول المدة، فلما طالت رأى أنه تارك النكاح.
وسئل في صفر سنة سبع وسبعين وثلاث مائة عن وليه لقوم؛ نكحها رجل طارئ مكفوف من أهل الشر والفساد، فأنكر ذلك عليها أولياؤها وذهبوا إلى فسخ النكاح، وكان قد بنى بها، فقال: لا سبيل إلى حل النكاح إن كان قد دخل بها، قيل له: فلو لم يدخل فوقف فقال: الذي لا أشك فيه أنه إذا دخل لم يفسخ النكاح.
قال أصبغ في النوادر: إذا زوج الأب البكر من رجل سكير فاسق لا يؤمن عليها، لم يجز، وليرده الإمام وإن رضيت هي به، وفي الوصي نحوه في آخر نوازله.
وقال ابن زرب في نوازله فيمن تزوج امرأة على دار يقيمها في قرية: إن كانت أرض يقيمها فيه جاز النكاح وبنى لها دارًا متوسطة، وإن كان لا أرض له لم ينفذ النكاح.

قيل له: ولم لا يجوز ويشتري أرضًا يبنيها فيها كالخادم يتزوج عليها وليست معه ثم يبتاعها لها فينفذ النكاح؟ فقال: ليست مثلها، والفرق بينهما أن التسليف لا يجوز في الدور ويجوز في الخدم.
مسائل النحلة التي ينعقد عليها النكاح والتنازع فيها: قال أبو عبد الله بن أبي زمنين في كتاب الأحكام له: من تزوج وهو كبير مالك لنفسه، ونحله أبوه نحلة انعقد عليها النكاح، ثم مات الأب قبل أن يقبض الابن نحلته؟ فقال: قال بعض العلماء: إنها نحلة تامة، وإن لم يقبضها الابن.
قال: ومن هذا الأصل ما رواه ابن حبيب عن مطرف فيمن قال لامرأة له نصرانية: أسلمي، وأعطيك داري هذه، لدار له هو فيها ساكن، فأسلمت ثم مات الزوج قبل أن تقبضها المرأة؟ قال: الدار لها، والإشهاد يجزئها من الحيازة؛ لأنها ثمن إسلامها وليس باب العطية.
قال ابن حبيب: وقال أصبغ: ما أراه إلا كالعطية وعليها الحيازة، وإلا فلا شيء لها.
قال ابن حبيب: ويقول مطرف أقول.
وقال أبو عبد الله بن العطار في كتابه: جرى العمل في النحلة التي ينعقد عليها النكاح: إنها جائزة، وإن لم تجز.
قال: وقيل: إنه لا يستغنى عن الحيازة فيها، وليس عليه اعمل وذكر لنا ابن عتاب هذا القول عن فضل بن سلمة.
وأما ابن الهندي فذهب إلى هذا في النسخة الوسطى من وثائقه وهو في النسخة الكبرى عل ىالجواز وإن لم يكن احتياز، على ما ذكره ابن أبي زمنين وابن العطار وهو الذي رأيت العمل به دون اختلاف فيه: أن النحلة في النكاح تنفذ وإن لم تحز، وشاهدت شيوخًا يكتبون: نحلة النكاح إذا كانت دنانير حالة في ذمة الناحل حتى يؤديها.
وقال ابن العطار: إن كان المنحول مالكًا لنفسه؛ فلابد في عقد النحلة أن يقال: وقبل المنحول فلان هذه النحلة.
وبذلك تتم، وإن سقط من العقد بطلت النحلة إن لم تحز في صحة الناحل.
ونزلت عندنا بجهة جيان وكتبناها إلى ابن عتاب، فأفتى أن النحلة نافذة إذا انعقد عليها النكاح، وإن لم يذكر في العقد قبول الناكح لها ولا حيزت.
قال: وقد سمعت شيخنا القاضي أبا المطرف بن بشر مرارًا ينكر قول ابن العطار هذا، ويقول: هو ضعيف؛ أنها إن كانت من شرط صحتها الحيازة؛ لم يعن هذا القول

شيئًا، وإن لم يكن شرط صحتها الحيازة؛ لم يضر سقوطها ذلك القبول وبذلك افتى فيها حسون فقيه مالقة أنه لاكم ضعيف، ذكره بعض الموثقين ولم يسمه.
وأخبرني بعض أصحابنا عن أبي محمد بن دحون عن أبي عمر الإشبيلي أنه كان يقول في الرجل يأتي بوثيقة فيها: أن الدار التي يسكنها مع ابنته فلانة كان قد نحلها إياها عند انعقاد نكاحها مع زوجها: إن ذلك جائز نافذ، ولا يحتاج إلى حيازة في ذلك.
قال: وكان القاضي أبو بكر بن زرب يقول: هذا تحيل لإسقاط الحيازة ولبقائه في الدار، فلا يجوز ذلك ولا ينفذ إلا بحيازة.
قال القاضي: الصواب عندي ما قاله ابن زرب، وإذا اختلفت في وجوب الحيازة فيها ابتداء وكان الخلاف فيها ضعيفًا؛ قوي في هذا الوجه الذي هو فرع فيها.
وقال أبو محمد: قدم ابن زرب إلى الشورى قبل أبي عمر بست سنين، وسئل أبو محمد ونزت: عن امرأة نحلت ابنتها عند عقد نكاحها مع زوجها دارًا واستثنت منها غرفة تسكنها حياتها، فإذا توفيت لحقت الغرفة بالدار.
والغرفة أقل من ثلث الدار؟.
فقال: هذه نحلة فاسدة؛ لأن فيها غررًا ولا يجوز؛ لأن النحل إذا انعقد عليها النكاح تجري مجرى البيوع في الاستحقاق وسقوط الحيازة وغير ذلك، وسواء كان المستثنى قليلاً أو كثيرًا، وترد النحلة إلى صاحبتها، ويفسخ النكاح بها قبل الدخول ويثبت بعده بصداق المثل.
وفي هذا عندي نظر.
فهمنا-وفقك الله- ما قام به موسى بن صدقة علي قاسم بن أصبغ في النحلة التي نحلها قاسم ابنته رحمة إذ زوجها من موسى، وقول قاسم: إنه تسلف لها لمصاحها ستة عشر دينارًا وقت جهازها إلى زوجها موسى، وإقراره بالنحلة، فيجب أن يؤخذ بها؛ لأن الزوج على ذلك بذل.
وينظر إلى جهازه فإن كان فيه مثل نقدها وزيادة، صدق عليها فيما ذكر أنه تسلفها لها وحلف على ذلك وحوسب بما اغتله في هذه النحلة، فإن كان وصل إليه من غلتها مثل السلف برئت منه، وإن بقي له شيء أخذه من مالها.
وإن لم يكن ف يجهازها فضل عن نقدها لم يقبل قوله، إلا أن يكون زمان إخراجها إلى زوجها قد تطاول حتى خلقت ثيابها، ولم يتوصل إلى معرفة ذلك، فيصدق الأب حينئذ

قال بذلك ابن لبابة.
ويؤمر الأب بإيقاف بينة عدل إلى هذه النحلة إذا أبرزها حتى يفهم صدق إخراجها وإظهارها.
وقاله أيوب وابن معاذ وغيرهم.
ومن إدعاء أن ختنه نحلت ابنتها زوجته نحلة فيما بينها وبينه فله إحلافها، ولها رد اليمين عليه.
قاله ابن لبابة وأيوب ومحمد بن وليد.
وقالوا في نحلة أنكرها الناحل: يتوجه الشاهدون للكرم والدار المنحولة ويسير معهم من يحضر حيازتهم، وتعدي المنحولة على ما حيز لها وتؤخذ أمها بغلةالنخلة التي أغتلتها من يوم نحلتها إلا أن يكون لها في ذلك حجة.
فإن عارض أحد فيما حازه الشهود رفع إلى القاضي ونظر فيها بما يجب.
ويأتي بعد هذا في مسائل الصدقات والأحباس مسألة حسنة من مسائل النحل اعتقبتها فكتبتها هناك: إذا نحل ثلث ماله وعليه دين.

فصول الكتاب · 23 فصل · 750 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام · 750 صفحة
مقدمة المؤلفباب في القضاء والأحكامباب في المقالات والشهادة والحيازةباب في مسائل أداء الشهادات، ونقلها، والإشهاد عليها، والشهادة على الخط، ومن سأل أن يدفع له نسخ ما يشهد به عليه، أو سأل القاضي أن يعطيه المشورة التي شاور بهاباب في الاستئمان والخلطة وكشف القضاة عما يستريبونه من الأمور بمن يرسلونه ممن يثقون بهباب اليمين مع الشاهدباب في مسائل المحجوز
باب الوصايا بالأيتام والأموال
باب مسائل العتق وادعاء الحرية في عبد بين ثلاثة؛ أعتق أحدهم نصيبه في وصية، واشتكى بأحد سيديه
باب النكاح
باب في الحضانة والنفقات واختلاف الزوجين في متاع البيتباب الطلاق وأسبابهباب الحلف بالأيمان اللازمة والحنث فيهاباب في البيوعباب العيوبكتاب الأقضية
باب الأقضية والشهادات
باب الإقرار
باب الشفعةباب ما ينقسم وما لا ينقسم والاختلاف فيهباب الصدقات والهبات وشبيههاباب الحبس
باب مسائل الاحتساب
جارٍ التحميل