ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكامصفحات 512-528
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب الإقرار

صفحات 512-528
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو الأصبغ
الكتاب
ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام
المؤلف
عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي الجياني القرطبي الغرناطي أبو الأَصْبَغ (المتوفى: 486هـ)
المحقق
يحيي مراد
الناشر
دار الحديث، القاهرة - جمهورية مصر العربيةعام النشر: 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أكثر من ثلث مالها، هل لزوجها رد فعلها؟ فقال: ذاك له لأنه من المعروف كالكفالة، ولا فرق ينهما.
وقال صاحبه أبو محمد ابن دحون: ليس للزوج رد سلفها، وليس ذلك كالكفالة، لأن الكفالة هي المطلوبة بها، والقرض هي الطابة له.
اتخاذ الحميل على من أقر بمال أو ثبت عليه: من أحكام ابن زياد: كشفنا من حضرنا من أهل العلم عما سأله محمد بن مروان ابن المنذر في اتخاذ حميل على بني سعيد بن عبد الوارث في الستة الآلاف، التي ثبت عندنا أنها كراء أرضهم المستحقة لهم بقرية كرتش طرفه، وقالوا: إن حضر بنو سعيد بكتاب ابتياع من القرشيين، وإلا أقاموا حميلاً بخمسة آلاف دينار وخمسمائة دينار؛ إذ قد أقر القرشيون بقبض خمسة مائة دينار منها أو حبسوا إن لم يقيموا حميلا.
قاله جميعهم.
وقال أبو صالح في فصل آخر: من وجب عليه حميل فلم يقدر عليه، فالحبس حميله، وقح حبس النبي (صلى الله عليه وسلم) رجلا وجب عليه إتمام عتق مملوك بإعتاق حصنه منه، وقال في الحديث: "حتى باع غنيمة له 1 ". وقال محمد بن غاب: الذي نراه أن يتخذ عليه حميلا بالمال توقعا في التنحي والهرب؛ فيذهب حق ذي الحق فإن لم يقوم حميلا حبس له، وأهل المشرق يقولون بالملازمة وأن يبارحه، وهذا القول قد رواه محمد بن سحنون عن أبيه، وقال به، وكذلك يجب مع ثبوت الحق بشاهدين إقامة الحميل؛ فإن لم يكن حميل فالحبس.
وقال محمد بن وليد مثل ذلك.
قال القاضي: وقال ابن العطار في وثائقه في كتاب السجلات: إذا لم يأت المطلوب بحميل ثقة بما ثبت عليه سجن للطالب، إن طلب ذلك، ولا يسجن إذا لم يقم حميلا بالخصومة في أول المطلب، ويقال للطالب: لازمه إن أحببت، وكن معه حيث تصرف.
وفي وثائق ابن الهندي في هذا الوجه أن يسجن إن لم يقم حميلا بوجهه.
وفي شهادات المدونة فيمن ادعى قبل رجل حقًا أو استهلاك متاع أو غصبًا، قال

ابن القاسم: ينظر السلطان فيه، فإن كانت بينهما مخالطة في دين أو تهمة فإما أحلفه، وإما أخذ له كفيلا حتى يأتي ببينة.
وقال غيره في كتاب الكفالة: عليه كفيل بنفسه ليوقع البينة على عينه.
وقال ابن القاسم فيه: لا كفيل له عليه وليطلب بينته، وهو خلاف قوله في الشهادات.
وقال غيره في كتاب الشهادات: إذا طلب منه كفيلا قال له القاضي: هل لك بينة على مخالطة أو ظنة، فإن قال: نعم وقال: هم حضور؛ وكل بالمطلوب حتى يأتي الطالب بالبينة على ما يستحق به اللطخ فيما قرب اليوم وشبهه، فإن أتاه بهم – وغيبة شهوده على الحق بعيدة – استحق به اللطخ فيما قرب اليوم وشبهه، فإن أتاه بهم – وغيبة شهود على الحق بعيدة – استحلفه له ولم يأخذ عليه كفيلا، فإن أتاه بهم – وغيبة شهوده على الحق بعيدة – استحلفه له ولم يأخذ عليه كفيلا، فإن قال شهوده على الحق بعيدة – استحلفه له ولم يأخذ عليه كفيلا، فإن قال شهوده على الحق حضور، أخذ له منه كفيلا بوجهه لا بالمال ما بينه وبين الجمعة؛ فإن كان المطلوب في حيوان أو عروض وقت ذلك في هذه المدة.
قال في كتاب الكفالة: قلت: فإن قال: أعطني وكيلاً بالخصومة حتى أقيم بينتي، قال: لا أرى ذلك عليه إذا لم يرد أن يوكل؛ لأنا نقبل بينة الطالب على المطلوب وإن كان غائبًا.
قلت: فإن قال: أعطني كفيلا بالحق حتى أقيم بنتي، ولا أريد تعنيتًا قال: لا أرى ذلك إلا أن يقيم شاهدًا فيطلب كفيلاً بذلك له، وأنكرها سحنون؛ لأن الحميل المال لا يجب إلا بعد ثبوته.
المطلوب يسأل التأخير لجمع المال: من أحكام ابن زياد: فهمنا – وفقك الله – الكتاب الذي حلف عليه ابن ملون زوجته، وسؤالها أن تأخذ له بما وجب لها، وقول ابن ملون: لست من أهل الناض غير أني أمضي إلى ضيعتي بحيان، وأعالج على بيعها، فيضرب لي القاضي من الأجل ما رآه لجمع هذا المال.
والقاضي – وفقك الله – ليس عليه تأخير، إنما عليه الحكم والإعداء، فإن أبى الحبس حتى يثبت أنه لا مال له غير الضيعة بجيان، ويحلف على ذلك أيضًا، ولكن لو طلب إلى المرأة وأعطاها حميلاً لتؤخره إلى أن يبيع فأابته؛ كان حسنًا، فأما ينظرك فلا، إلا ما تخص به أنت الوكيل على الرفق بالرجل والإحسان، والله نسأله التوفيق والتسديد.
قال القاضي: قوله: ويحلف على ذلك مختف فيه، أخبرني أبو محمد الشارقي عن أبي محمد ابن

دحون أنه كان يقول: لا يمين عليه إذا قال: أبيع من عروضي وأؤدي ديني، وكان يستدل يقول مالك رحمه في آخره سماع أشهب في كتاب الزكاة: وجل الناس ليس لهم؛ فقد قال الشارقي: وكان أبو علي الحداد يحالف في ذلك، ويقول: لابد له من اليمين أنه لا ناض عنده يؤدي منه دينه.
وكان القاضي أبو بكر بن زرب يرى اليمني في هذا على غير التجار، وهو تنويع حسن إن شاء الله.
المحبوس في الدين يسأل أن يعطي حميلاً حتى يبيع وكان قد أعطى الطالب رهنًا.
نأتي أكرمكم الله – الفتيا بخطوكم فنعتقدها، ثم يأتي من أفتيتم عليه بشيء يسألني معاودتكم المشورة استقصاء له وتشفيعًا، فنرى إجابتهم إلى ذلك لئلا يكون لأخذ علينا حجة، وقد ثبت علي ابن حمدين لإبراهيم بن كثير حق، وبيد إبراهيم رهن مقبوض بحقه، ويزعم إبراهيم أن هذا الرهن لا يستتبع له إلا بكلفة ومؤنة مطالبة، وسأل أن يؤخذ له بحقه من ابن حمدين.
فكشفتم عن الواجب في ذلك فأجبتموني أنه يقيم حميلا بالمال، ثم أجل عليه أجلاً أوسع عليه فيه ليبيع الرهن أو ما شاء بيعه من ماله؛ إذ كان من غير أهل الناض، فإن لم يجد حميلا بالمال حبسته حتى يقضي الله عنه ما عليه، فلم يجد حميلاً بالمال فصار محبوسًا منذ شهر، وخرج إلى منذ يومين بملطى يسأل وجهًا من وجهين: إما أن أقبل منه حميلاً بالمال فصار محبوسًا منذ شهر، وخرج إلى منذ يومين بملطي يسأل وجهًا من وجهين: إما أن أقبل منه حميلاً بالوجه، أو أخرجه لملطي في عرض أمواله، فما استباع منها قضى أثمانها عن نفسه، فلما رمت ذلك عند أهل الحبس، زعموا أنهم لا يجدوا ملطيا يثقون به، وابن حمدين يرى أنه ينتقص من حقه إن لم يقض له ما دعا إليه، فإن كان ما طلب حقًا له أنفذت ذلك، وكان الحق أو ما اتبع، في وإن رأيتم صونه في الحبس إلى أني قضى ما عليه الحبس تنفيذًا لقولكم، وقوفًا عند ما تفتون به في ذلك.
الجواب: أما ابن حمدين - رضي الله عنه وأرضاك – فإن كثر في غير ما يجب له، ومن لم يجد حميلا فالحبس حميله، حتى يقضي ما عليه، وليس ينفذ الحق إلا هكذا، وأنت – والله نسأله

حياتك – ممن علمنا أنه لا يلين لأحد في الحق؛ فليكن بالحالة التي هو فيها حتى يقيم حميلاً ثقة.
قال بذلك محمد بن غالب.
وقاله محمد بن وليد، وقال: ليس يلزم المرتهن بيع الرهن على حال إلا أن يشاء، وإنما تؤخذ الرهون وثيقة بالحق من الذي عليه لأداء ما عليه.
وقاله ابن لبابة.
وقال عبيد الله بن يحيى: الذي رأينا أخذ حميل ثقة على ابن حمدين بالمال، أو يحبس حتى يقضي ويؤخر بيع رهنه، وقضاء ما عليه فإن الدوابي من بيع الرهن أمرت ببيع الرهن، وقضاء صاحب الحق حقه.
وقال محمد بن لبابة مثل ذلك: أن تأمر ببيع الرهن؛ لأن في كتاب ارتهان إبراهيم أنهم ألدوا؛ كان لإبراهيم بيع الرهن، فلا لدد أظهر من صار في الحبس ولا يظهر منه نظر.
وقال أيوب بن سليمان: الذي نعلمه من قول مالك وأصحابه: أن الراهن إذا لمي قض ما عليه باع السلطان الرهن وقضى المرتهن، فإن باع المرتهن وأصاب وجه البيع، مضى بيعه، ولا نعلم في شيء من قولهم في هذا الرهن حبسًا ولا حميلاً، وهذه أقاويلهم قائمة.
وقال سعد بن معاذ: مالك يقول: ليس إلى المرتهن ببيع الرهن إلا بأمر السلطان أو الراهن، فإذا أمرت – رضي الله عنك – بالبيع فلم يبيع وألَلدَّ؛ فالحبس واجب عليه أبدًا، حتى يؤدي؛ إذ هو من أهل الأداء؛ لأن عرضه فيه كفاية.
وقد روى ابن القاسم عن مالك: أن المرتهن ليس إليه بيع الرهن دون السلطان، وأنت قد أمرت الراهن بالبيع ولم يفعل، وهو من لدد؛ فالحبس عليه واجب، إلا أن تقوم له بينة بالعجز في البياع، إن كان الرهن بموضع يمتنع من البيع، فيكون ذلك عذرًا، وإن أقام حميلا، فجميع ما عليه أطلق من الحبس.
وقال يحيى بن عبد العزيز بمثل قول محمد ابن غالب ومحمد بن وليد.
قال القاضي: هذه الأجوبة كلها عند التحصيل غير سليمة من الاعتراض، ومنع من بسطه كراهة التطويل، والمنع في اتفاقهم على سحنه، ولا مانع من الحكم ببيع رهنه، وإنصاف المرتهن من ثمنه، وهو جواب أبي صالح.
ولو قالوا: يحضر المرتهن الرهن، ويحضر الراهن، فإن اتفقا على عين الرهن قبل

للراهن: أقض حق المرتهن وافتك رهنك، فإن امتنع وكل به وأخرج الرهن إلى السوق واستقصى في ثمنه وبيع بمحضره، وقضى الراهن دينه، وإن شح ببيع الرهن ووعد بالأداء من غيره أجل في ذلك أجلا ق ريبًا، وأخذ بالحميل إليه، فإن أنصف وإلا بيع الرهن كما ذكرنا، وفي هذا الحميل لابن القاسم وغيره من المتأخرين خلاف.
كتبت إلى شيوخنا بقرطبة سنة ست وخمسين وأربع ومائة في المطلوب بمال ثبت عليه يسأل التأخير ينظر فيه وهو ذو أصول مأمونة فيسأله الطلب حميلاً بمال، هل يلزمه ذلك أم بالوجه على ما يفتي به فقهاء طليطلة ملائه، ويحتجون بما رواه أبو زيد عن ابن القاسم في كفالة العتبية، فيمن عليه دين وله مال غائب يعلم غرماؤه ذلك فقالوا: أعطنا حميلاً حتى يقدم مالك – قال: ليس يلزمه ذلك إلا أن يخافوا أن يهرب أو يغيب.
فكتب إلى الشيخ أبو عبد الله ابن عتاب: يلزمه إقامة حميل بالمال لا بالوجه – كان ذا أصول أو لم يكن – وبه جرى العمل ورواية أبي زيد ضعيفة خارجة عن الأصول، والمسألة التي قبلها كذلك، وكثير من روايته كذلك.
إلى هنا انتهى جوابه.
ثم تكلمت معه عند اجتماعي به فقال: يلزمه الحميل، ولو كان قد رهن الطالب رهنًا وقبضه منه، أو كان على يدي عدل، وهذا كان مذهب الشيوخ – يريد ما تقدم من قولهم الذي قلناه من أحكام ابن زياد.
وأفتى أبو مروان بن مالك: إذا كان المطلوب معروف العين مشهورًا مع ما ذكرت من ظهور ملائه بين الوفر ظاهره، فلا أرى الحميل بالأمر اللازم، وإنما معنى الحميل التوثق للطالب بحمالة من هو أوثق من مطلوبه، وهو لم لم يثق فأعطى جميع حاله كحال المطلوب في سؤالك؛ لم يكن للطالب إياه، فما معنى الحمالة ههنا؟ وإنما كان سحنون يرى على قاتل الخطأ الحميل لتشهد البينة على عينة في رجل غير مشهور – هذا معناه عندنا.
وقولهم في نص الرواية: إن كان الذي يدعي مالا ولا مال للمطلوب ظاهرًا، أعداه القاضي بحميل، كان قد ناشيه الخصومة أولا – يدل على ما ذهبت إليه في جوابي هذا.
وبالله التوفيق.
هاهنا انتهى جواب ابن مالك رحمه الله.
ولسحنون في كتاب ابنه أنه كان يحبسه ما لم يعط حميلا لخصمه إذا وجب عليه

حميل، وكتب إليه في رجل بعث معه بما ليوصله إلى رجل فيتعدى فيه فينفقه، ثم يعترف به عند الحكم ويقول: هذا ريعي أبيعه، فيعرض فلا يجد من يشتريه، فطلب منه الطالب حميلا بوجهه؛ هل ذلك ع ليه؟ وهل يحبس إذا لم يجد حميلاً؟ فكتب: لا حميل على هذا ولا حبس، إذا بدل من نفسه هذا، ولم يتهم، وإنما يحبس المفلس يتهم أن يخفي مالا، قيل له: فإن أعرضه فلم نجد من يشتري، وزعم الطالب أنه يقول للمشترين: لا تشتروا.
وأرأيت إن قال للحكم: بع أنت ربعي وادفع إليه؟ قال سحنون: يدعو الحكم إلى ضيعته وينشدها ويستقصي، ثم يبيع بالخيار، عسى أن يزيد زائد، فإن لم يجد إلا ما أعطى باع وأعطى الطالب حقه.
هذا من قول سحنون، لو احتج به ابن مالك لكان أبين وأظهر فيما ذهب إليه، وهو نحو رواية أبي زيد، وكله خلاف ما ذهب إليه ابن عتاب والشيوخ قبله.
غريم طال سجنه فسأل القاضي أن يطلقه: فهمنا – وفقك الله – من سجن ابن أبي البهلول وما سأل من إطلاقه؛ إذا طال حبسه لامتحانك ملاءة من عدمه، وقلت: إنك امتحنته ببينة عدلة؛ شهدت بعدمه، فالذي يجب إذا صح عندك عدمه أن يطلق من حبسه بعد يمينه بالله: ما له عرض ولا قرض، ولئن رزقه الله تعالى مالاً ليؤدين، ثم يقال لغريمه: إن زعمت أن له مالاً فأثبته تقضي منه دينك؛ في قد وجب إطلاقه، ولا يحل حبسه بعد هذا الامتحان.
قال ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، وسعد بن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز قال القاضي: هذا ألصل في كتاب المديان من المدونة، وفي سماع عيسى، وفي سماع أبي زيد، وفي كتاب ابن حبيب، وغيره.
في غريم غيب وجهه وسأل طالبه من القاضي رسولاً يعينه في طلبه: فهمنا – وفقك الله – ما ذكرته بما نظرت به لابن أيوب على ابن حامد، وسجلت به عليه من ثبوت دين ابن أيوب، وأن إسحاق بن حامد لما أخذه الحكم غيب وجهة وذكر طالبه ابن أيوب الصانع أن ابن حامد تظاهر ببعض المواضع، وسأل ابن أيوب أن يعطي رسولا يعينه على طلب ابن حامد وجليه إليه.
فالذي يجب في ذلك عندنا: أن يعطي ابن أيوب رسولاً يعينه على طلب ابن حامد

وجلية إليك، فإذا قرب إليك طلبته بقضاء دين ابن أيوب معجلا، فإن أبى من غرمه معجلا أمرت بحبسه حتى يؤديه.
وهكذا قال مالك في كتاب القضاء في البيوع من موطأ ابن وهب: سمعت مالكًا يقول في الرجل يكون عليه الدين، وهو موسر للقضاء فلا يقضي – قال مالك: يحبسه الإمام حتى يقضي دينه.
وابن حامد حسن المركب والملبس ظاهر الماء، وأحد الولاة فإنه ادعى أنه عديم وأنه ليس من أهل الناض، وسأل أن يؤجل بحميل بالوجه أو مال، فلا يقبل منه الحميل ويحبس حتى يقضي ما لزمه لابن أيوب من الدين من الحبس، أو يثبت عدمه عندك من الحبس؛ فتأمر عند ذلك بإحلافه في مقطع الحق: بالله لاذي لا إله إلا هو ما له مال غيبه، ولئن رزقه الله مالاً ليؤدين منه دين ابن أيوب، فإذا حلف أطلق، وإن أثبت أنه ليس من أهل اناض وثبت له ملك دار أو ريع؛ أمرت من يبيع من ذلك بقدر دين ابن أيوب.
وفي كتاب أقضية سحنون: سألت سحنونًا عن الرجل يجب عليه الحق بحكم حاكم به عليه، فيقول: أنا فقير، وليس ظاهر فقير، ويأتي بشهود على أنه فقير، لم يزكوا عند الحكم؛ هل ترى أنه يأخذ عليه حميلاً حتى يزكي شهوده؟ أم يحبسه الحكم حتى يزكيهم؟ قال سحنون: بل الحبس في السجن حتى يزكى شهوده.
وبما قال مالك وسحنون رحمهما الله في هذا القول، وبه نشير على القاضي أكرمه الله، في ابن حامد وابن أيوب، ونسأل الله تعالى للقاضي العون ما قلده، والتوفيق فيه.
قاله محمد بن وليد، وعبيد الله بن يحيى، وابن لبابة.
وقال خالد بن وهب: الفتيا المعروفة من مالك وأصحابه: ما قد كتبت به إلى القاضي – وفقه الله – وقال أشهب: وسأل ابن كمنانة مالكًا لان غانم: عن الرجل يتعدى على غريمه في دين له عليه: أيحبس له؟ قال: نعم، اكتب إليه يحبس له بالمعروف، إلا أن يكون معروفًا بأن لا شيء له، فلا يحبس.
قال ابن القاسم عن مالك: وإذا تبين الألداد للقاضي من الغريم حبسه، قال سحنون: نعم ويؤديه بالضرب الوجيع.
قيل لابن القاسم: ما قول مالك في الألداد؟ قال مالك رحمه الله: إذا كان له مال فاتهمه السلطان أن يكون غيبه؛ فإنه يحبس أبدًا حتى يوفي ما عليه من الدين، أو يتبين

للقاضي أنه لا مال له فيطلقه ويحلفه بالله، على ما تقدمت به الفتيا قبلي ولا حمالة له هنا، إنما يقضي عليه السلطان بالحق معجلا، ثم إن شاء صاحب الحق أن يؤخره أخره، فإن تورك عن أدائه إيه إذا أراد أخذه منه؛ حبسه له السلطان حتى يوفي أو يموت في الحبس.
هذا الذي نقول به، والله الموفق للصواب والهادي إليه.
وقاله عبيد الله بن يحيى، ومحمد بن وليد، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن لبابة، وغيرهم.
قال القاضي: في أول كتاب المديان من المدونة قال مالك: لا يحبس الحر ولا العبد في الدين، إلا إن حبسه ليستبرئ أمره، قدر ما يتلوم من اختباره ومعرفة ماله، أو يأخذ عليه حميلاً، وهذا خلاف ما تقدم من جوابهم: سجن ابن حامد حتى يثبت من السجن عدمه.
وسئل سحنون عمن وجب عليه دين فسأل أن يؤخر يومًا أو نحوه، قال: يؤخر ويعطي حميلاً بالمال، فإن لم يحد حميًا بالمال إلى يوم، ولا وجد المال؛ سحن وهذا خلاف قولهم أيضًا: إن أبي من غرمه معجلاً؛ أمرت بسجنه حتى يغرمه.
واحتجاجهم بقول مالك في موطأ ابن وهب غير موضعه؛ لأن ظاهر قول مال فيه أنه هو في مليء؛ لأنه قال عن الغريم: هو موسر للقضاء، فلا يقضي، وليس في مسألة ابن حامد مثل ذلك.
وكذلك قول سحنون الذي ذكروه في الذي يقول: أنا فقير، وظاهره بخلاف قوله ودعواه – لا يطابق مسألتهم؛ إذ ليس فيها ادعاء فقر، وما ذكرناه عن سحنون في إعطاء الحميل بالمال وتأخيره به اليوم أولى بمسألتهم، وبه جرى العمل والفتيا من شيوخنا ومنا.
وقد ذكرنا ذلك عنهم في باب العيوب، وهو قول مالك في تأخير المطلوب بما يطلب به؛ لينظر فيه.
قال في كتاب الشفعة من المختلطة، في الشفيع يريد الأخذ بالشفعة، ولا يحظر النقد: قال مالك: رأيت القضاة عندنا يؤخرونه في النقد اليوم اليومين والثلاثة.
قال ابن القاسم: ورأيت مالكًا استحسنه، وأخذ به ورآه.
وفي تفسير ابن مزين مثله.
وقال ابن الماجشون في الثمانية: يؤجل العشرة أيام ونحوها.
وقال أصبغ: الخمسة عشر والعشرين بالاجتهاد.
وفي سماع ابن القسم عن مالك رحمه الله في المكاتب يقاطع إن

جاء بذلك إلى الآجل، وإلا أخر شهرًا أو نحوه، كما يؤخر الغريم، فإن جاء به، وإلا فلا قطاعة له.
وفي مختصر ابن عبد الحكمي: كل مطلوب بحق قد حق عليه يؤخر قدر ما يرى حين ينزل، يؤخر إلى أربعة أيام أو خمسة، وذلك مختلف في كثرة المال وقلته، وهو على قدر اجتهاد من نزل ذلك به.
وهذه نصوص من قول مالك رحمه الله وأصحابه في تأخير الغريم بما يطلبه به، وهؤلاء أجمعوا في ابن حامد أن يضطر بالحبس إلى الأداء معجلا، وقالوا في جوابهم قبل هذا في مسألة ابن ملون: ليس على القاضي تأخير، إنما عليه الحكم والإعداء، فإن أبى فالحبس، ومالك وأصحابه قد جعلوا إليه التأخير الاجتهاد فيه، وقد جرى في مساع عيسى وسماع يحيى في الحميل بمال إذا حل أجله، لا يؤخر إلا يرضي صاحب الحق، وهو كالغريم، وهو كلام محتمل للتأويل، والذي قدمناه هو البين.
والله أعلم.
من رأى مال ميت يباع ثم قام بذكر حق عليه: نظرنا – أكرمك الله – فيما شهد به لبنات رزق على أبيهن، وفي موت زرق وثبوت عدة ورثته، وما ادعاه عبد الله بن سهل وكيل فاطمة بنت رزق أن أخواتها هؤلاء، قد بعن أنصبائهن من الدار التي توفي رزق عنها، وفي قوله: إن رزقًا لم يترك مالا سوى هذه الدار.
فالذي نقول به – والله الموفق إنه للميت غير الدار وباع هؤلاء البنات القائمات، وقد علمن بذكر الحق فمن به، فقيامهن باطل ساقط، وإن كان للميت غير هذه الدار، وقلن: إنهن لم يعلمن بالكتاب، أو علمن وقلن: إنما بعنا نصيبنا من الدار؛ إذا علمنا أن فيما سواها من ماله وفاء بحقنا؛ حلفن على ذلك، وأخذن ما وجب لهن فيه على ماضي السنة، في إقرار أبيهن لهن.
قال به أيوب بن سليمان، وعبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة، وسعد بن معاذ، وابن وليد، ويحيى بن عبد العزيز.
قال القاضي: لسحنون في نوازله في كتاب التفيس فيمن مات وعليه دين لقوم شتى، فأثبت بعضهم دينه عند السلطان، وباع ماله لهم وقضاهم حقوقهم، فقام آخرون يريدون الدخول معهم فيما اقتضوا.
قال: ذلك لهم يدخلون عليهم فيأخذون منهم قدر حقوقهم، لا يضرهم أن يكونوا

علموا بموت صاحبهم ويبيع ماله لغرمائه، لأنهم يقولون: كنا على حقوقنا وعلمنا أنه لا يبطلها قيام أصحابنا، قيل له: فما الفرق بينه وبين المفلس ببيع السلطان ماله لبعض غرمائه، وبقيتهم حضور ولا يقومون – لم ير لهم الدخول على الذين أثبتوا حقوقهم.
وفي هذه المسألة في المدونة قولتان: فقال: إن المفلس له ذمة تتبع، والميت قد انقطعت ذمته؛ فلذلك رأيت لهم الدخول على أصحابهم.
هذا سحنون قد رأى لباقي الغرماء الدخول مع من بيعت له تركه الميت، ولم يضرهم عند سكوتهم، ولا قال: إنهم يحلفون.
والمسألة تعطي أنه لم يكن للميت مال غير المبيع للغرماء، وكذلك النظر في مسألة رزق، إذا كان للميت دار غير الدار المبيعة ألا يحلف بناته أنهن إنما يغن علمهن أن فيما سوى الدار من ماله وفاء، وألا يسقط قيامهن إذا لم يكن له مال غير الدار؛ لأنهن يقلن بعنا لنحتسب حقوقنا في ثمن ما بعنا، وجوابهم كله خلاف لقول سحنون.
وفي سماع عيسى: إذا اقتسم ورثة الميت ماله، والغريم حاضر ينظر، ثم قام بعد يذكر الحق، فلا شيء له، إلا أن يكون له عذر في تركه القيام من سلطان يثقونه به وشبهه؛ فيكون على حقه وإن طال زمانه لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم 1 " ولست تشبه مسألة بنات رزق هذه؛ لأنهن الوارثات البائعات القائمات بالحق، والله الموفق للصواب.
في مال وجد في الديون على محمد بن يحيى: فهمنا – وفقك الله – توقفك عن اعتقال ما هلك عنه محمد بن يحيى للمال الذي عليه في الديون مكتوبًا، وإنما كان لظهرو ملأ محمد بن يحيى، وإذا لم يشك أن في رقاب أمواله أضعاف ما عليه من الديون، وذكرت أنه انكشف على محمد ديون كثيرة، وأحببت أن تعرف وجه المدخل إلى اقتضاء ما عليه، فالمدخل إلى ذلك أن تأمر ابنه البائع وأمه أن يحضراك ما على محمد في الديوان مكتوبًا، وبعد أن تعرفهم به، وما تنقطع الحجة فيه ويجب غرمه من تركته.
فإن حضراك بذلك خصمته إلى الديون، وصنعت فيه ما صنع في أموال الديوان،

وإن لم يحضراك به ولا دفعا فه بما يكون مدفعًا أمرت أن يعتقل من رباعه ما لا يشك أنه إذا بيع قضى من ثمنه كفاف دين محمد الموجود عليه في الديوان، ويوكل القاضي وكيلاً يدخل المال الذي يعقته في المناداة، فإذا انتهى منتهاه باعه، فإن كان كفاف الدين الذي على محمد فذلك، وإلا بيع من ماله ما يتم به ما عليه من الدين، فهذا ما يجب للقاضي فعله، وقد علمنا أنه لم يكن منه تقصير فيما أفاه على محمد بن يحيى في الديوان، ولا عليه فيما نظر به في ذلك درك؛ لأنه نظر فيه نظر استقصاء واجتهاد.
قاله ابن وليد، وأيوب بن سليمان، وابن لبابة ويحيى بن عبد العزيز.
إقرار ابن مزين بما كان على أخيه في الديوان: نظرك – أكرمك الله – فيما كان من إقرار ابن مزين بالعدة التي ألفيت على أخيه حسن في الديوان فأقر أنها صارت إليه، وأنها تحت يديه يغرمها إذا دعوته بها، وما شهد به عليه من ركوبه لبلغه حسن بسرجها ولجامها، حين أنضاها.
فوجه الفتيا في ذلك أن يوقف جعفر على ركوب هذه البغلة التي لأخيه حسن، بأي معنى ووجه، فإن أنكر ذلك أو أقر بركوبها، ولم يذكر أنه ضمنها، وصار ثمنها عنده للمال الذي ذلك إقراره به أنه عنده، المدون عليه في ديوان القضاة، وجب عليه غرم قيمة البغلة بسرجها ولجامها وغرم المال الموجود على أخيه في الديوان بعد الإعذار إلى ورثة حسن في ذلك، إن كان فيهم من يعذر إليه، وإن لم يكن فيهم من يعذر إليه أخذ به وأرجئت الحجة لبني حسن.
وإن قال: إنما أخذت البغلة وتضمنتها وحبست ثمنها لهذا المال الموجود عليه في الديوان، ولذلك قلت إنه تحت يدي، ولم يوجد لقوله خلاف يثبت؛ حلف في مقطع الحق بالله على ما ادعاه، فإن كانت قيمة البغلة بسرجها ولجامها أكثر من ذلك؛ أخذ لورثة حسن، إن كانوا صغارًا.
قاله ابن لبابه، وابن غالب، وابن وليد.
قال القاضي: هذه المسألة كلها ظاهرة الاختلال بينة النقصان، وأول ما كان يجب من النظر فيها أن يثبت عنده موت حسن، وعدة ورثته، ومن منهم كبير وصغير، وهل على الصغير ناظر بإيصاء أم لا؟ فإن كانوا صغارًا أو منهم ولا وصي عليهم، قدم عليهم ناظرًا، ويشهد على ما في الديوان قبل مورثهم، ويعذر في ذلك وفيما أقر به عمهم من تصبير ذلك المال إليه والتزامه للبغلة وثمنها.

فإن كان عند المعذر إليه من ناظر أو وارث مدفع أو شيء يظهر؛ نظر فيه بما يجب، فلعل عند الورثة براء لموروثهم من ذلك المال، ويرجع إليهم طلب الذي أقر به جعفر أنه تصيير إليه، والبغلة التي ركبها بسرجها ولجامها، وإن لم يكن عنده مدفع ولا بأيديهم براءة من ذلك المال، أخذ به جعفر بالبغلة بسرجها ولجامها، ولا بصدق أنه إنما أراد بإقراره أن ذلك المال صار إليه، وتحت يديه لإعداد البغلة لذلك، بل ذلك المال لازم له في مال وذمته ولتعديه في أخذه من التركة.
والجواب بعد هذا خطأ؛ لأن قوله: صار ذلك المال إلى وتحت يدي: إقرار بين، لا إشكال فيهن فإن ادعى بعد ذلك غيره من قبضه البغلة؛ ليؤدي ثمنها في ذلك لم يصدق، والله الموفق للصواب لا شريك له.
اعتقال مال من مات وعليه في الديوان مال: فهمنا – وفقك الله – ما ذكرته من أنه ثبت عندك في الديوان على مروان بن الحريض مال عظيم، وأنه لما مات مروان لم تأمن تهب ورثته لماله الذي تخلفه من ناقض وطعام وغيره، وأحببت أسعدك الله أن تعرف رأينا في اعتقال ذلك لما ذكرته حتى يأتي نظرك فيه بواجب الحق، إن شاء الله تعالى.
فالذي نقول في ذلك: أن اعتقال ماله صواب ونظر وحوطة.
قاله محمد بن وليد، وابن لبابة، وأيوب، وابن غالب.
ومن هذا المعنى: فهمنا – وفقك الله – ما شاورتنا فيه من جمعك للأموال المودعة عند الأمناء الذين تودعهم إياها وتوديعك إياها عند جماعة من الناس الذي ذهبت إليه من أن ذلك أحزم فيها وأحرز لها؛ فالذي نراه أن توديعها على أمانات الرجال أحرز لها وأحزم نظرًا وتحفظًا.
قاله ابن لبابة، وابن وليد.
مال وجد على ابن وملون في الديوان ولم توجد له براءة منه: فهمنا – وفقك الله – ما ذكرته من وجودك في الديوان على محمد بن رملون من المال المدون عليه ممن كان من القضاة قبلك، ولم تلف له براءة من شيء منه من واحد منهم.
فالذي يجب في ذلك أن يؤخذ من ماله بعد الإعذار إلى ورثته، فإن لم يأتوا ببراءة

من شيء منه يثبت عندك لزمت ماله ذلك؛ لأن من كان عليه في ديوان القضاة مال، لم يسقطه عنه إلا البراءة الثابتة بالبينة العدلة، وكل حبس هو بيده مما هو في ديوان القضاة، وكان صرف إليه النظر فيه؛ فواجب عليك – وفقك الله – ضمه إلى من قدمته على أحباس المسلمين.
قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، وأبوب بن سليمان، وابن وليد.
ومن هذا المعنى مسألة أبان: فهمنا ما ذكره القاضي – أكرمه الله – أنه ألقى في الديوان مكتوبًا على محمد بن أحمد ابن أبان عدة من مال وضعها على يديه النظر ابن سلمة، إذ كان قاضيًا بقرطبة لجامع بن عمير، وثبت عندك موت جامع وعدة ورثته وإقرار ابن أبان بالمال على حسب ما ألفيته في الديون، وأعذرت إليه فلم يكن عنده مدفع إلا ما قال: إن نقود النسا تفسد على الإقامة، فلما خشيت فسادها أنفقتها وصارت مضمونة علي، وسألك أن تؤجله آجلاً ببيع من رباعه فيها ما يؤدي منه ذلك المال، وأحببت معرفة ما عندنا فيه.
فالذي نقوله: إن من ثبت عليه دين فلم يكن من أهل الناض، أنه يؤجل في بيع ريعه الشهر، وأكثر إلى الشهرين، فهذا ما عندنا.
قاله ابن لبابة، وابن وليد.
مال مكتوب في الديوان طلبه ورثة ميت: ألغيت – رحمنا الله وإياكم – في الديوان مكتوبًا عنده باسم فتح مولى سليمان، المعروف بابن بيرة، فقام عندي من ادعى أنهم ورثته، وأثبتوا عندي موته وأنهم ورثته.
وفي شهادة الشهود.
أن المال الذي في الديوان باسم فتح مولى ابن بيرة فتح هذا الميت، الذي شهدوا على معرفة عينة وموته وعدة ورثته ميراثًا؛ فقبلت شهادتهم.
فهمنا – وفقك الله – ما سألت عنه من ميراث فتح، وما ذكرت ثبوته عندك من موته وعدة ورثته، وأن المال الموقف في الديوان هو ماله، فالذي يجب في ذلك أن تبرأ به إلى ورثته بعد أن تثبت أعيانهم وعندك، وتكتب لهم بذلك كتابًا بما يثبت لهم، يكون على نسختين؛ نسخة في الديوان، ونسخة بأيدي الورثة.
قاله بن لبنابة، وأيوب بن سليمان، وعبيد الله، وابن وليد.
من أوقف القاضي عنده مالاً لقضاء دين به إلى قاضي بعده: فهمنا – وفقك الله – الكتاب الذي قام عندك عبد الله بن بسيل، وفيه ذلك بيع دار يوسف بن بسيل بأمر سليمان بن أسود، إذ كان قاضيًا بقرطبة، والأمر بإيقاف ثمنها على

يد ابراهيم بن محبب، لقضاء دين يوسف، وما ذلك عبد العزيز من أن المال صار موقوفًا إلى هذه المدة، وسألك النظر فيه.
فيجب أن يثبت الكتاب الذي قام به، وتعذر فيه إلى من وجب، وهم ورثة يوسف بعد ثبوتهم، وثبوت موت ابراهيم بن محبب، وعدة ورثته، ثم تعذر إليهم، فإن كان عندهم فيه مخرج نظرت فيه بما يظهر لك، وإن لم يأتوا بمخرج، وثبت لإبراهيم مال أخذت هذه العدة منه، ووقتها على ما يجب حتى يثبت فيها، وما تستكمل به النظر، إن شاء الله.
قاله ابن لبابة، ومحمد بن غالب وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد.
رجل لزمته قبالة أحباس فاعتلقت داره، وثبت عدمه، وقام رجل وأثبت ابتياعه للدار: وشاور فيها قاضي الجماعة بقرطبة محمد بن يحيى بن برطال خال ابن أبي عارم، وكانت هذه الدار دار سكنى المطلوب، وذكر صاحب الأحباس أن بيع هذه الدار، التي أثبته القائم لم يكن صحيحًا، إنما كان توليجًا بدليل ظهور المحاباة في ثمنها.
فأفتى محمد بن أحمد بن عبيد الله بن العطار: يا سيدي وولي، ومن أبقاه الله وسلمه وأدام نفعه: يحلف المسجون في المسجد الجامع عند مقطع الحق فيه: أنه لا مال له ظاهرًا ولا باطنًا يعمله ولئن وجد وفاء ليقضين منه ما يلزمه، ثم تطلقه مأجورًا من سجنك، وتكلف صاحب الأحباس إثبات ما ذكره من المحاباة في البيع، فإن أثبت ذلك كان الدين أولى بالمحاباة، إن كان الدين بعد البيع؛ إذ لم تخرج الدار عن يد بائعها، وإن كان الدين قبل البيع ردت المحاباة، قبضت أو لم تقبض، ويحلف المبتاع في الوجهين جميعًا: أن ابتياعه كان صحيحًا، ولم يكن توليجًا، وأنه دفع الثمن المذكور، وبرئ من دعوى التوليج إن شاء الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وقال يونس بن عبد الله بن الصفار مثله.
وقال يحيى بن واقد: إن أثبت صاحب الأحباس المحاباة في بيع الدار، فالبيع مردود بذلك الثمن، والدين أحق بالزائد على الثمن الذي انعقد التبايع به، كان الدين قبل البيع أو بعده، إذا ثبت عندك سكنى المسجون في الدار إلى حين القيام عليه لأن هبة المديان غير جائزة، إذا أحاط الدين بماله، وان لم يفلس، وكذلك هبة الذي لم يجز عنه حتى فلس، وعلى المبتاع اليمين أن الابتياع للدار، ودفعه الثمن كان صحيحًا لا توليج فيه، فإن حلف المبتاع ولم يثبت

صاحب الأحباس ما ذكره، فالشهادة في عدمه تامة، وعلى المسجون الحلف في مقطع الحق: ما له مال ظاهرًا ولا باطنًا، وأنه متى أيسر قضي، فإذا حلف أمرت بإطلاقه مأجورًا إن شاء الله تعالى.
قال القاضي: ولي القضاء محمد بن يحيى بن زكريا التميمي المعروف بابن برطان بعد موت القاضي أبي بكر محمد بن بيقي بن زرب، في شهر رمضان سنة أحدى وثمانين وثلاثمائة، وكان قبل قاضيا بحيان فنقل إلى قضاء الجماعة، ثم ظهر منه اختلال في أحكامه كبر سنة، فعزله ابن أبي عامر عن القضاء، وألحقه بالوزراء في المحرم سنة اثنين وتسعين وثلاث مائة، وتوفي في صدر دولة عبد الملك بن محمد بن أبي عامر في جمادي الآخرة سنة أربع وتسعين، وهو ابن خمس وتسعين سنة.
وتوفي أبو عبد الله بن العطار في إمارة محمد بن عبد الجبار في انبعاث الفتنة البربرية سنة تسع وتسعين، ودفن بمقبرة العباس.
وكان يونس بن عبد الله مشاورًا، وولي القضاء ببطليوس، ثم الصلاة والخطبة بالزهراء، والحكومة بالشرطة وارد، ثم تقلد قضاء الجماعة بقرطبة والخطبة لجماعتها في هذه الفتنة، وكان من عدد أصحاب القاضي ابن زرب وبرائه، قدم للفتوى وتوفي في رجب سنة تسع وعشرين وأربع مائة، وهو ابن تسعين سنة وأشهر، وكانت تحته أخت ابن العطار.
وكان يحيى بن عبد الرحمن ابن واقد اللخمي مقدمًا في أصحاب ابن زرب، وعبت عليه المنصور بن أبي عامر بعد موت ابن زرب، فأسقطه من الشورى، وألزمه داره مدة، ثم صرفه إليها وعاد إلى مرتبته، وقلد الصلاة بجامع الزهراء أيام عبد الملك بن أبي عامر، ثم دعاه وأضح مولى ابن أبي عامر قيم دولة الخليفة إلى ولاية قضاء الجماعة؛ إذ عزل أبو العباس ابن ذكوان قوليها، وكشف وجهه في دفع سليمان بن حكم وحربه أو حرب البربر معه، ثم تغلب معه البربر على قرطبة، فاختفى ابن واقد، وحد الطلب فيه إلى أن ألفى وحمل صاغرًا إلى سليمان بالقصر، وأخرج ميتًا على نعش بعد شهر، وتحاماه الناس أن يتولوا أمره حتى واراه حماد الزاهد ودفن في مقبرة الربض سنة خمس وأربع مائة، وانتقم له من سليمان في أقرب مدة بعده، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

في سجن المفلس وقسمة ماله بين غرمائه: فهمنا – وفقك الله – ما ذكرته من حبس القيم المتقبل لملاحة المرضي الحبة، أو عجزهم عن غرم ما بقي عليه من القبالة، وأنه لم يظهر له مال، ولا يعرف به فيما انكشف لك، وقد حبس أياما فيجب إطلاقه بعد إحلافه في مقطع الحق: مما له عرض ولا قرض، ولئن رزقه الله مالاً ليؤدين.
قاله عبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن لويد، ويحيى بن عبيد الله، وأحمد بن يحيى.
وما أرادته رقية زوجة ابن أبي الحفاظ من قسم المال الموقوف من مال ابن أبي عبدوس على غرمائه، فذلك واجب لمن أثبت حقًا من غرمائه، وحلف.
قاله ابن لبابة، وأيوب، وابن وليد، ومحمد بن أيمن.
الطالب يزعم أنه في مسكن غريمه ما فيه وفاء بحقه: قال القاضي: شاهدت الفتيا والحكم بطليطلة إذا دعا الطالب إلى تفتيش مسكن المطلوب عند ادعاءه العدم بالحق: أن يفتش مسكنه فما ألقي فيه من متاع الرجال بيع عليه وأنصف الطالب منه؛ لا يختلف فقهاؤهم في ذلك، وأنكرته على أكثرهم، فاستبصروا فيه فلم يرجعوا عنه.
وسألت ابن عتاب عنه وأنكره ولم يره.
وكذلك أنكره ابن مالك، وقال: أرأيت إن كان الذي يلقى في بتيه ودائع؟ فقلت له: ذلك محمول عندهم على أنه ملكه حتى يتبين خلافه، فقال: يلزم إذًا توقيفه والاستثناء فيه حتى يعلم هل له طالب، أو يأتي بمدفع فيه.
وأعلمت ابن القطان بذلك فقال لي: ما يبعد، ولم ينكره.
وأنا أراه حسنًا فيمن ظاهره الإلداد والمطل واستسهال الكذب، والله أعلم بالصواب.
مسألة من الرهون تشتمل على معان من الرهون: شاهدت الفقيه في شهر رمضان من سنة ثمان وأربعين وأربع مائة، وقد أتاه رسول بعض الحكام بوثيقة في إثبات ارتهان ثياب، وأنها وضعت على يد أمين قبضها، ولم يسم الأمين الموضوع عنده الرهن، فقال: العقد ناقص إذا لم يسم فيه الأمين ولا يد من تسميته.
فتكلمنا معه في ذلك وقلنا له: ما الفائدة في تسميته؟ فقال: قد يمكن أن ينكر الأمين ما ذلك عنه من قبضة الرهن، ويدعي عند الإعذار إليه فيه غير معنى الرهن من

وديعه أو غيرها، ثم أخبرنا أنها نزلت قبل ذلك، وكان الأمين أحد الشاهدين اللذين ثبت بهما الرهن، وأنه أفتى أن شهادة الأمين في ذلك ضعيفة.
فسألناه عن العلة المضعفة لشهادته فقال: قد يمكن أن يدعي الراهن إذا حضر أنه ليس برهن، وأنه عارية استعارها الأمين منه، وربما لم يوافقه على هذه الثبات التي أحضرها أنها هي العارة وادعى غيرها؛ فيكون الأمين يريد إسقاط هذه الدعوى عن نفسه بشهادته أنه رهن ويصير خصمًا لا شاهدًا.
قال القاضي: وفي شهادات العتبية في نوازل سحنون خلاف ما ذهب إليه من ذلك.
قال سحنون: شهادة العدول الموضوع على يديه جائزة في الدين والرهن، ويحلف معه صاحب الحق على ذلك كله، ويحق له إن كان شهد بذلك قبل بيع الرهن.
ثم قال لنا ابن عتاب: أفتيت بعض الحكام منذ زمان في رهن ثياب، استشارني في بيعها إذ سأله المرتهن ذلك: أنه يأمر ببيعها وأداء حق المرتهن من ثمنها، ولا يلزم في ذلك إلى إثبات مالك الراهن لها.
وذكر أن بعض أصحاب مالك خالف في ذلك وأفتى أنه لا يأمر ببيعها إلا بعد إثبات ملك الراهن لها أن يثبت ملك الراهن لها، وردد الرد عليهم في ذلك وشنعه.
فقلت له: أرأيت إن كان الرهن دارًا أيحتاج إلى ثبوت ملك الراهن لها قبل أمره ببيعها؟ فقال لي: نعم، لابد من ذلك، والأصول مخالفة لغيرها من المتاع والعروض.
[هنا تم الجزء الثالث من أحكام ابن سهل بحمد الله وحسن عونه]


فصول الكتاب · 23 فصل · 750 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول ديوان الأحكام الكبرى أو الإعلام بنوازل الأحكام وقطر من سير الحكام · 750 صفحة
مقدمة المؤلفباب في القضاء والأحكامباب في المقالات والشهادة والحيازةباب في مسائل أداء الشهادات، ونقلها، والإشهاد عليها، والشهادة على الخط، ومن سأل أن يدفع له نسخ ما يشهد به عليه، أو سأل القاضي أن يعطيه المشورة التي شاور بهاباب في الاستئمان والخلطة وكشف القضاة عما يستريبونه من الأمور بمن يرسلونه ممن يثقون بهباب اليمين مع الشاهدباب في مسائل المحجوز
باب الوصايا بالأيتام والأموال
باب مسائل العتق وادعاء الحرية في عبد بين ثلاثة؛ أعتق أحدهم نصيبه في وصية، واشتكى بأحد سيديه
باب النكاح
باب في الحضانة والنفقات واختلاف الزوجين في متاع البيتباب الطلاق وأسبابهباب الحلف بالأيمان اللازمة والحنث فيهاباب في البيوعباب العيوبكتاب الأقضية
باب الأقضية والشهادات
باب الإقرار
باب الشفعةباب ما ينقسم وما لا ينقسم والاختلاف فيهباب الصدقات والهبات وشبيههاباب الحبس
باب مسائل الاحتساب
جارٍ التحميل