حَدِيثٌ آخَرُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو بكر الكلاباذي
- الكتاب
- بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار
- المؤلف
- أبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري الحنفي (المتوفى: 380هـ)
- المحقق
- محمد حسن محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي
- الناشر
- دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1420هـ - 1999م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
قَالَ: ح نَصْرُ بْنُ فَتْحٍ قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: ح ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ غَيْلَانَ، أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ قَيْسٍ التُّجِيبِيَّ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ، قَالَ: سَالِمٌ رَوَى عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ»
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «لَا يَأْكُلْ طَعَامُكَ إِلَّا تَقِيٌّ» ، يُرِيدُ بِهِ الْمُوَاكَلَةَ الَّتِي تُوجِبُ الْأُلْفَةَ، وَتُؤَدِّي إِلَى الْخِلْطَةِ، فَإِنَّ الْمُوَاكَلَةَ أَوْكَدُ أَسْبَابِ الْأُلْفَةِ، وَأَحْكَمُ دَوَاعِي الْخِلْطَةِ، وَأَوْثَقُ عُرَى الْمُدَاخَلَةِ، وَالِاسْتِئْنَاسِ، وَمُخَالَطَةُ مَنْ لَيْسَ بِتَقِيٍّ، وَالِاسْتِئْنَاسُ بِهِ وَالْأُلْفَةُ مَعَهُ تَغُرُّ الْإِنْسَانَ، وَتُخِلُّ بِالدِّينِ، وَتُذْهِبُ الْمُرُوءَةَ، وَتُوقِعُ فِي الشُّبُهَاتِ، وَتُؤَدِّي إِلَى تَنَاوَلِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَكَأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَذَّرَ مُخَالَطَةَ الْأَشْرَارِ، وَنَهَى عَنْ مُصَاحَبَةِ الْفُجَّارِ؛ لِأَنَّ مُخَالَطَةَ الْفَاجِرِ لَا تَخْلُو مِنْ فَسَادٍ يَلْحَقُكَ مِنْهُ، إِلَّا مُتَابَعَةً لَهُ فِيمَا يَأْتِيهِ، فَيَذْهَبُ الدِّينُ.
وَإِمَّا مُسَامَحَةً فِي الْأَعْضَاءِ عَمَّا يُوجِبُهُ حَقُّ اللَّهِ مِنْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وَإِمَّا اسْتِخْفَافًا بِفُجُورِهِ، فَإِنَّ مَنْ رَأَى الشَيْءَ كَثِيرًا، سَهُلَ ذَلِكَ فِي عَيْنِهِ، وَصَغُرَ عِنْدَ نَفْسِهِ، فَإِنْ سَلِمَ الْإِنْسَانُ عَنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَلَا يَكَادُ يَسْلَمُ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ، فَيُخْطِئُهُ فِتْنَةُ الْغَيْرِ بِهِ.
الدَّلِيلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ: «لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا» ، أَيْ: لَا يَكُونُ مَنْ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ عَهْدًا، وَقَوْلًا لَكَ بِصَاحِبٍ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَا مَنْ تَرَكَ آدَابَ الْإِيمَانِ، وَشَرَائِطَهُ صَاحِبًا لَكَ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَإِلَّا عِشْرَةً تُعَاشِرُهُ عَلَى شَرْطِ النَّصِيحَةِ الَّتِي أَوْجَبَتْ عُقْدَةُ الْإِيمَانِ فِي تَحَرُّزٍ مِنْ آفَةٍ تَلْحَقُ الدِّينَ، أَوْ تَقْدَحُ فِيٍ الْمُرُوءَةِ.
وَلَيْسَ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَعْنَى حِرْمَانِ ذَلِكَ - إِطْعَامًا وَمُنَاوَلَةً - مَنْ لَيْسَ بِتَقِيٍّ، فَقَدْ أَطْعَمَ النَّبِيُّ الْمُشْرِكِينَ، وَأَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبِهِمُ الْمِائَتَيْنِ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْأُلُوفَ مِنَ الشِّيَاهِ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ يَصْنَعُ إِلَى الْبَرِّ، وَالْفَاجِرِ، وَيَأْمُرُ بِهِ
حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اصْنَعِ الْمَعْرُوفَ إِلَى مَنْ هُوَ أَهْلُهُ، وَإِلَى مَنْ لَيْسَ هُوَ بِأَهْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، فَكُنْ أَنْتَ مِنْ أَهْلِهِ»
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: «لَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُوَاكَلَةَ الَّتِي تُوجِبُ الْأُلْفَةَ وَالْخُلَّةَ، وَكَيْفَ يَنْهَى عَنْ إِطْعَامِ مِنْ لَيْسَ بِتَقِيٍّ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] فِي الْأَسِيرِ، فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مُشْرِكٌ، فَأَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَنْ أَطْعَمَ الْمُشْرِكِينَ، فَكَيْفَ بِمَنْ أَطْعَمَ مَنْ كَانَ فِي جُمْلَةِ الْمِسْكِينِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِيهِ التَّحَرِّيَ، وَالْقَصْدَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَتَحَرَّيَنَّ بِإِطْعَامِكَ إِلَّا التَّقِيَّ، وَلَا تَقْصِدَنَّ بِهِ إِلَّا الْبَرَّ الَّذِي يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعِبَادَةِ لَهُ، وَالشُّكْرِ لَهُ، فَتَكُونَ مُعَاوِنًا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] ، فَيَقُولُ: لَا تَقْصِدَنَّ بِإِطْعَامِكَ الْفَاجِرَ الَّذِي يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى فُجُورِهِ وَآثَامِهِ، فَتَكُونَ مُعَاوِنًا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَمَنْ تَحَرَّى فِي إِطْعَامِهِ، وَطَلَبَ لَهُ، وَاخْتَارَ، فَلْيَقْصِدْ أَهْلَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَمَنْ بَذَلَ طَعَامَهُ، وَتَسَخَّى فِي إِطْعَامِهِ، فَلْيَدَعِ التَّحَيُّرَ، وَلْيُطْعِمْهُ مَنْ قَصَدَهُ، وَلَا يَحْرِمْهُ مَنْ أَتَاهُ قَالَ الشَّيْخُ: وَسَمِعْتُ بَعْضَ مَشَايِخِنَا، يَقُولُ: كَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ وَاصِلٍ يَبْنِي رِبَاطَهُ يَتَنَاوَبُ مِنْ ثَغْرٍ اسْتِحْبَابًا، وَكَانَ الْعَدُوُّ يُقَاتِلُهُ، وَهُوَ يُقَاتِلُهُمْ نَهَارَهُ أَجْمَعَ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ، وَبَسَطَ سُفْرَتَهُ لِلْإِطْعَامِ لَمْ يَمْنَعْ مَنْ يُقَاتِلُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ يُطْعِمُهُمْ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِنْ سُئِلْتُ عَنْ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: مِنْكَ أَخَذْتُ، وَبِأَمْرِكَ ائْتَمَرْتُ، وَمِنْكَ تَعَلَّمْتُ، فَأَطْعَمْتُ مَنْ أَطْعَمْتَ، وَقَاتَلْتُ مَنْ أَمَرْتَ.
وَقِيلَ لِأَبِي الْقَاسِمِ الْحَكِيمِ: تَخَيَّرْ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِجْرَاءِ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَأَسْقِطْ مَنْ لَا يَصْلُحُ مِنْهُمْ، فَأَجْرَى لِكُلِّ مَنْ فِي الرِّبَاطِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهِ مَنْ لَا يُسَوِّي مِنْ خَيْرٍ , هَذَا عِنْدَ الْبَذْلِ، وَالسَّخَاءِ، وَذَاكَ عِنْدَ التَّحَرِّي، وَالدُّعَاءِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، وَاللَّهُ يَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ