بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذيحَدِيثٌ آخَرُ

حَدِيثٌ آخَرُ

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو بكر الكلاباذي
الكتاب
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار
المؤلف
أبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري الحنفي (المتوفى: 380هـ)
المحقق
محمد حسن محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
الطبعة
الأولى، 1420هـ - 1999م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْهَرِيُّ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: ح سَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ أَبُو عَتَّابٍ قَالَ: ح الْمُخْتَارُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: ح أَبُو حَبَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ تَسْتَحِيهِ الْمَلَائِكَةُ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَارِفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَقَامُهُ مَقَامُ الْحَيَاءِ، وَالْحَيَاءُ نَزْعٌ يَتَوَلَّدُ مِنْ إِجْلَالِ مَنْ يُشَاهِدُهِ، وَتَعْظِيمِ قَدْرِهِ، وَنَقْصٍ يُشَاهِدُهُ مِنْ نَفْسِهِ، فَكَأَنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ غَلَبَ عَلَيْهِ إِجْلَالُ الْحَقِّ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَعْظِيمُهُ، وَازْدِرَاءٌ بِنَفْسِهِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِ النَّقْصِ، وَالتَّقْصِيرِ، وَهُمَا جَلِيلُ خِصَالِ الْعِبَادِ الَّذِينَ هُمْ خُصَصَاهُ، وَمَنْ قَرَّبَهُ الْحَقُّ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى نَفْسِهِ، وَأَدْنَى مَنْزِلَتَهُ مِنْهُ، فَجَلَّ قَدْرُ عُثْمَانَ، وَعَلَتْ رُتْبَتُهُ، فَاسْتَحْيَا مِنْهُ خَاصَّةُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ خَلْقِهِ، وَخَصَائِصُهُ مِنْ عِبَادِهِ، كَمَا أَنَّ مَنَ أَحَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَبَّهُ أَوْلِيَاؤُهُ، وَمَنْ خَافَ اللَّهَ تَعَالَى خَافَهُ كُلُّ شَيْءٍ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ: أَلَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَبَّ فُلَانًا، فَأَحِبُّوهُ "، فَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ، أَحَبَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، أَحَبَّهُ خَاصَّتُهُ، وَأَوْلِيَاؤُهُ، فَكَذَلِكَ قِيلَ: مَنْ خَافَ اللَّهَ تَعَالَى خَافَتْهُ الْمَخَاوِفُ، وَفِي الْحَدِيثِ: " إِنَّ النَّارَ تَقُولُ: جُزْ يَا مُؤْمِنُ، فَقَدْ أَطْفَأَ نُورُكَ لَهَبِي "

فَكَذَلِكَ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ اسْتَحْيَا مِنْهُ خَاصَّةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَخَالِصَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، أَلَا يَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَفَخِذُهُ مَكْشُوفَةٌ، غَطَّاهَا حَيَاءً مِنْ عُثْمَانَ، وَقَالَ: «أَلَا اسْتَحِي مِمَّنْ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» . وَالْحَيَاءُ حَيَاءَانِ: حَيَاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَيَاءٌ مِنَ النَّاسِ، فَالْحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَصَفَهُ فِيمَا

حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: ح يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ح مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ» ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحِي قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ، فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ، فَلْيَتْرُكْ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدِ اسْتَحَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَهَذَا الْحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَنُفَسِّرُهُ فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَمَّا الْحَيَاءُ مِنَ النَّاسِ، فَهُوَ أَنْ يَتَحَصَّنَ عَنْ إِتْيَانِ مَا يُشِينُهُ، وَهُوَ يَجْمَعُ الْأَخْلَاقَ الْحَسَنَةَ، وَيَحْجُزُ عَنْ مَسَاوِيهَا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ "

وَقَالَ: «لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ، وَإِنَّ خُلُقَ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ» ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» ، إِذًا فَالْحَيَاءُ تَرْكُ الْقَبَائِحِ، وَالسَّيِّئَاتِ، وَإِتْيَانُ الْمَحَاسِنَ، وَالْخَيْرَاتِ، وَهَذَا خُلُقُ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ»

جارٍ التحميل