حَدِيثٌ آخَرُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو بكر الكلاباذي
- الكتاب
- بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار
- المؤلف
- أبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري الحنفي (المتوفى: 380هـ)
- المحقق
- محمد حسن محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي
- الناشر
- دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1420هـ - 1999م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ، ح الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، ح سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ أَبُو الْحُسَيْنِ الْجَوْهَرِيُّ، ح حَشْرَجُ بْنُ نُبَاتَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ بَعَثَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيَسْتَعْمِلَهُ عَلَى بَعْضِ الصَّدَقَةِ، فَأَبَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُتِيَ بِالْوَالِي فَيُقْذَفُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ، فَيَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى فَيَنْتَفِضُ انْتِفَاضَةً يَزُولُ كُلُّ عَظْمٍ عَنْ مَكَانِهِ، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى الْعِظَامَ فَتَرْجِعُ إِلَى أَمَاكِنِهَا، ثُمَّ يَسْأَلُهُ فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعًا أَخَذَ بِيَدِهِ وَأَعْطَاهُ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا خَرَقَ بِهِ الْجِسْرَ، فَهَوَى فِي جَهَنَّمَ مِقْدَارَ سَبْعِينَ خَرِيفًا» . فَقَالَ عُمَرُ: سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَكَانَ هُنَاكَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَأَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ، فَقَالَ سَلْمَانُ: إِي وَاللَّهِ يَا عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ، وَمَعَ السَّبْعِينَ خَرِيفًا فِي وَادٍ مِنْ نَارٍ تَلْتَهِبُ الْتِهَابًا.
فَقَالَ بِيَدِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَنْ يَأْخُذُهَا بِمَا فِيهَا؟ فَقَالَ سَلْمَانُ: مَنْ سَلَتَ اللَّهُ أَنْفَهُ، وَأَلْصَقَ خَدَّهُ بِالتُّرَابِ قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «مَنْ سَلَتَ اللَّهُ أَنْفَهُ» أَيْ: قَبَّحَهُ، وَشَوَّهَ خَلْقَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ نُزِعَ أَنْفَهُ مِنْ وَجْهِهِ شُوِّهَ خَلْقُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى السَّلْتِ الْمَسْحُ وَالْإِذْهَابُ.
وَمَعْنَى: «أَلْصَقَ خَدَّهُ الْأَرْضَ» أَيْ: أَذَلَّهُ، وَأَقْمَأَهُ، أَيْ: يَكُونُ آخِرُ أَمْرِهِ ذَلِكَ، وَإِلَى تِلْكَ الْحَالِ يَكُونُ مِنْ قُبْحِهَا، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ أَمْثَالَ الذَّرِّ يَطَأُهُمُ النَّاسُ بِأَقْدَامِهِمْ» . فَكَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ سَلْمَانَ: لَا يَأْخُذُهَا عِنْدَكَ وَأَنْتَ حَيٌّ إِلَّا مَنْ يَرْغَبُ فِيهَا طَلَبًا لِلْعُلُوِّ، وَإِرَادَةَ الرِّفْعَةِ وَالتَّسَلُّطِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، وَمَنْ أَعَادَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَفَسَادًا، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَتْ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَانْتِهَاءُ حَالِهِ فِي الْقِيَامَةِ إِلَى مَا أَوْعَدَ اللَّهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُحْشَرُونَ أَمْثَالَ الذَّرِّ» ، وَيُشَوِّهُ خَلْقَهُمْ وَيُقَبِّحُ صُدُورَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُهَا مَعَ مَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إِلَيْهَا إِلَّا مَنْ كَانَ طَالِبًا لِلْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ، وَالْفَسَادِ فِي الْبِلَادِ، وَالتَّرَفُّعِ عَلَى الْعِبَادِ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَمْ يَرْغَبْ فِيهَا مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَحَدٌ حَتَّى أَتَاهُ عَفْوًا، وَحَتَّى لَمْ يَجِدْ مِنْهُ بُدًّا، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَدْفَعُهَا عَنْ نَفْسِهِ، حَتَّى لَمْ يَجِدْ مِنْهُ بُدًّا، وَخَافَ الْفِتْنَةَ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَخْلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ أَهْلُ الشُّورَى، وَعَلِيٌّ بَايَعُوهُ طَوْعًا، وَهُوَ يَمْتَنِعُ حَتَّى جَاءَتْ عَزْمَةً
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ السَّكَنْدَرِيُّ، ح الْكَرِيمِيُّ، ح هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ح قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ السَّدُوسِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْجَمَلِ يَقُولُ لَمَّا دُفِنَ - يَعْنِي - عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: رَجَعَ النَّاسُ يَسْأَلُونِي الْبَيْعَةَ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي مُشْفِقٌ مِمَّا أَقْدَمُ عَلَيْهِ، حَتَّى جَاءَتْ عَزْمَةً، فَبَايَعْتُ، فَلَمَّا قَالُوا لِي: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَكَأَنَّمَا صَعِدَ قَلْبِي، وَأَمْسَكْتُ بِغَيْرَتِي، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ خُذْ مِنِّي لِعُثْمَانَ حَتَّى يَرْضَى فَهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ لَمْ يَتَقَلَّدُوهَا إِلَّا لِضَرُورَةٍ حِينَ لَا يَجِدُوا بُدًّا مِنْ ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ، وَشَفَقَةً عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، وَحَدْبًا عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، لَا رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا، وَلَا طَلَبًا فِي الْأَرْضِ، وَلَا فَسَادًا بِجَمْعِ الْمَالِ.
فَقَوْلُ سَلْمَانَ: مَنْ سَلَتَ اللَّهُ أَنْفَهُ أَيْ: إِنَّمَا يَأْخُذُهُ اخْتِيَارًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مَنْ سَلَتَ اللَّهُ أَنْفَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُهَا فِي حَيَاةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعُمَرُ مُسْتَقِلٌّ بِهَا، وَأَفْضَلُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ عُمَرُ إِلَّا مَنْ رَغِبَ فِي الدُّنْيَا، وَطَلَبَ الْعُلُوَّ فِيهَا، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ الَّذِينَ يُشَوِّهُ فِي الْآخِرَةِ صُورَتَهُ، وَيَطَأُهُ النَّاسُ ذُلًّا وَهَوَانًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: مَنْ سَلَتَ اللَّهُ أَنْفَهُ أَيْ: يَأْخُذُهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، أَيْ: بَعْدَكَ، مِنْ نِزَاعِ اللَّهِ الْكِبْرَ وَالْعُلُوَّ، وَطَلَبِ الرِّفْعَةِ وَالتَّسَلُّطِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ مِنْهُ، وَإِلْزَامِهِ التَّوَاضُعَ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَالشَّفَقَةَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ مِنْهُ، فَقَدْ يُقَالُ لِمَنْ تَكَبَّرَ وَتَرَفَّعَ
وَاسْتَطَالَ عَلَى النَّاسِ شَمَخَ بِأَنْفِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: «سَلَتَ اللَّهُ أَنْفَهُ» أَيْ: نَزَعَ الْكِبْرَ مِنْهُ، وَنَفَاهُ عَنْهُ، فَيَكُونُ الْأَنْفُ عِبَارَةً عَنِ الْكِبْرِ وَالتَّعَظُّمِ.
وَوَضْعُ الْخَدِّ بِالْأَرْضِ، وَإِلْصَاقُهُ بِهَا عِبَارَةٌ عَنِ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ، وَالتَّذَلُّلِ لِعِبَادِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54] ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَأْخُذُهَا عَنْكَ بَعْدَكَ يَا عُمَرُ مَنْ لَا يُرِيدُ بِهَا عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا، بَلْ يُرِيدُ بِهَا تَوَاضُعًا لِلَّهِ وَشَفَقَةً عَلَى عَبَادِ اللَّهِ ضَرُورَةَ مَخَافَةِ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ، وَتَشْتِيتِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ كَمَا أَخَذَهَا بَعْدَ عُمَرَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مُتَوَاضِعًا مُتَذَلِّلًا غَيْرَ مُتَكَبِّرٍ وَلَا مُتَجَبِّرٍ، إِمَامًا عَادِلًا خَلِيفَةً صَادِقًا تَسْتَحِييهِ الْمَلَائِكَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَبَعْدَهُ الْهَادِي الْمَهْدِيُّ أَخُو رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَأَلْحَقَنَا بِهِمْ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ