بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذيحَدِيثٌ آخَرُ

حَدِيثٌ آخَرُ

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو بكر الكلاباذي
الكتاب
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار
المؤلف
أبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري الحنفي (المتوفى: 380هـ)
المحقق
محمد حسن محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
الطبعة
الأولى، 1420هـ - 1999م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
  • ح عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: ح عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْفَضْلِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدُّ الْبَصَرِ فِيهَا خَطَايَاهُ وَذُنُوبِهِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِيزَانِ فَتُوضَعُ فِي كِفَّةٍ ثُمَّ يَخْرُجُ لَهُ بِقِرْطَاسٍ مِثْلَ هَذَا - وَأَشَارَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ بِأُصْبُعِهِ وَأَمْسَكَ بِإِبْهَامِهِ عَلَى نِصْفِ أُصْبُعِهِ - الدُّعَاءِ فِيهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَيُوضَعُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى فَيَرْجَحُ مُسَبَّحُهُ بِخَطَايَاهُ وَذُنُوبِهِ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ يَكُونُ فِي الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي تُخْرِجُهُ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَهُوَ يَكُونُ قَوْلًا مِمَّنْ سَبَقَ الْإِيمَانُ مِنْهُ، ثُمَّ يَكُونُ مِنْهُ هَذَا الْقَوْلُ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ عَلَى مَعْنَى الذِّكْرِ لِلَّهِ وَالتَّعْظِيمِ لَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ طَاعَةَ مَنْ أَرَادَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَهُوَ قَبْلَ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ؛ لِأَنَّهَا لَوْ وُضِعَتْ عَلَى الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَكَانَ هَذَا فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ مُؤْمِنٌ الْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 8] ، وَمَنْ أَفْلَحَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: 7] ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِوُرُودِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ النَّارَ وَأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْهَا بِإِيمَانِهِمْ، وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا إِلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ

، وَقَالَ: «يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتُحِشُوا» ، وَقَالَ: «فَيَجْعَلُهُمْ فِي نَهَرٍ يُسَمَّى نَهَرَ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ» . وَالْأَخْبَارُ فِي وُرُودِ أَهْلِ الْإِيمَانِ النَّارَ وَخُرُوجِهِمْ مِنْهَا لَا يُنْكِرُهَا إِلَّا جَاحِدٌ، وَلَا يَرُدُّهَا إِلَّا مُعَانِدٌ، فَلِهَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقِرْطَاسُ الَّذِي فِيهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، شَهَادَةُ مُؤْمِنٍ سَبَقَ إِيمَانُهُ قَبْلَ هَذَا الْقَوْلِ فَيَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ زِيَادَةَ ذِكْرٍ عَلَى حُسْنِ نِيَّةٍ، وَيَكُونُ طَاعَةً مَقْبُولَةً قَالَهَا عَلَى خَلْوَةٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ فَيَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَدِيعَةً يَرُدُّهَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَيَعْظُمُ قَدْرُهَا، وَيَجِلُّ مَوْقِعُهَا فَيَرْجَحُ بِخَطَايَاهُ وَإِنْ كَثُرَتْ، وَذُنُوبِهِ وَإِنْ عَظُمَتْ، وَلِلَّهِ الْفَضْلُ عَلَى عِبَادِهِ يَتَفَضَّلُ عَلَى مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْكَلِمَةُ هِيَ آخِرَ كَلَامِهِ فِي الدُّنْيَا

فَقَدْ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ح إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ السِّرْمَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: ح أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ح عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ أَبِي غَرِيبٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ: أَنَّهُمْ قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ هِيَ شَهَادَةَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنٌ يَسْتَوِي حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَازِي الْإِيمَانَ شَيْءٌ مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَلَا يَرْجُحُ بِهِ، فَيَكُونُ هَذَا مَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ سِوَى الْإِيمَانِ سَيِّئَاتِهِ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ بَعْدَ الْوُقُوفِ الطَّوِيلِ وَالْحَبْسِ عَنِ الْجَنَّةِ، وَالْخَوْفِ الَّذِي يَلْحَقُهُ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَمْحِيصًا لِذُنُوبِهِ فَيَخِفُّ ذُنُوبُهُ، وَيُثَقِّلُ مَوَازِينَهُ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، فَإِنْ حُمِلَ هَذَا عَلَى الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ الْإِيمَانُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِيمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَشِيئَةِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] ، فَمَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَ ذُنُوبَهُ رَجَّحَ مِيزَانَ حَسَنَاتِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُعَذِّبَهُ عَذَّبَهُ بِذُنُوبِهِ، وَيُنَجِّيهِ بِإِيمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الْمَشِيئَةِ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 40] ، وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ الَّتِي هِيَ الْمَشِيئَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْكَافِرِينَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] ، فَإِذَا خَرَجَ الْمُشْرِكُونَ وَالْكَافِرُونَ فِي الْمَشِيئَةِ لَمْ تَكُنِ الْمَشِيئَةُ إِلَّا فِي الْمُؤْمِنِينَ

فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ، فَلَا يُعَذِّبُهُ، وَيُطَهِّرُ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ بِمَا شَاءَ، وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ الْإِيمَانُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَرْجَحُ حَسَنَاتُهُ، وَيُوزَنُ إِيمَانُهُ، كَمَا يُوزَنُ سَائِرُ حَسَنَاتِهِ، وَإِيمَانُهُ يَرْجَحُ بِحَسَنَاتِهِ كَمَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَيَدْخُلُ النَّارَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُطَهِّرُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ، فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا مَذْهَبُ قَوْمٍ يَقُولُونَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ يُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَثْقُلُ مِيزَانُهُ، وَيَتَأَوَّلُونَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 8] ، أَيِ النَّاجُونَ مِنَ الْخُلُودِ، وَفِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] ، يَوْمًا مَا.
وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» أَنَّهُ صَائِرٌ إِلَيْهَا لَا مَحَالَةَ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ , لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ

جارٍ التحميل