حَدِيثٌ آخَرُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو بكر الكلاباذي
- الكتاب
- بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار
- المؤلف
- أبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري الحنفي (المتوفى: 380هـ)
- المحقق
- محمد حسن محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي
- الناشر
- دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1420هـ - 1999م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ، ح يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، ح أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً " قَالَ الشَّيْخُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي» أَيْ بِالْكِفَايَةِ إِذَا اسْتَكْفَانِي، وَالْكَلَاءَةِ لَهُ إِذِ اسْتَكْلَأَنِي، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ إِذَا أَنَابَ إِلَيَّ، وَالْإِجَابَةِ لَهُ إِذَا دَعَانِي، وَالْقَبُولِ مِنْهُ إِذَا عَمِلَ لِي، وَالْمَغْفِرَةِ لَهُ إِذَا اسْتَغْفَرَ لِي؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ لَا تَظْهَرُ مِنَ الْعَبْدِ إِلَّا إِذَا أَحْسَنَ بِاللَّهِ ظَنَّهُ، وَقَوِيَ يَقِينُهُ
. وَقَوْلُهُ: «فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِنْ خَلَا بِذِكْرِي أَخْلَيْتُ سَتْرَهُ عَنْ سِوَايَ، وَإِنْ أَخْفَى ذِكْرَهُ لِي إِجْلَالًا لِقَدْرِي، وَتَعْظِيمًا لِحَقِّي وَغَيْرَةً عَلَى الذِّكْرِ لِي أَخْفَيْتُهُ فِي غَيْبِي فَلَا أُطْلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا أَحِبَّائِي غَيْرَةً عَلَيْهِ مِنِّي، وَأُغَيِّبُهُ فِي غَيْبِ غَيْبِي، فَلَا يَكُونُ لِشَيْءٍ إِلَيْهِ طَرِيقٌ فَيَشْغَلَهُ عَنِّي، فَيَكُونُ سِرِّي بَيْنَ خَلْقِي، كَمَا كَنْتُ سِرَّهُ فِي خَلْقِي.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي» فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ هُوَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، كَأَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ هُوَ الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي أَيْ: فِي غَيْبِي قَبْلَ إِيجَادِي لَهُ، وَقَبْلَ ذِكْرِهِ لِي، وَقَبْلَ كُلِّ قَبْلٍ فِي أَزَلِ الْآزَالِ، وَسَابِقِ الْعِلْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
«وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ» افْتِخَارًا بِي وَإِجْلَالًا بَيْنَ خَلْقِي، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ مُبَاهَاةً بِهِ، وَتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ بَيْنَ مَلَائِكَتِي الَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ مِمَّنْ ذَكَرَنِي فِيهِمْ - وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ - مُبَاهَاةً كَقَوْلِهِ ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] الْآيَةَ، فَأَجَابَ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» أَيْ: خَيْرٍ مِنْهُمْ حَالًا؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَحْوَالُهُمْ حَالَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْحَالَةُ الْمُرْضِيَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 20] ، وَقَالَ ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6] ، وَالْمُؤْمِنُونَ يَتَفَاوَتُ أَحْوَالُهُمْ، وَيَخْتَلِفُ أَوْقَاتُهُمْ بَيْنَ طَاعَةٍ وَضِدِّهَا، وَفُتُورٍ وَتَقْصِيرٍ، وَجَدٍّ وَتَوْفِيرٍ، فَأُولَئِكَ الْمَلَأُ الَّذِينَ هُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي أَحْوَالِهِمْ خَيْرٌ مِنَ الْمَلَأِ الَّذِينَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْمَلَائِكَةُ خَيْرًا مِنْهُمْ فِي الْفَضْلِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ» أَيْ بِالْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ شِبْرًا، قَرَّبْتُهُ مِنِّي تَوْفِيقًا وَتَيْسِيرًا ذِرَاعًا، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ بِالْعَزْمِ وَالِاجْتِهَادِ ذِرَاعًا قَرَّبْتُهُ مِنِّي بِالْهِدَايَةِ وَالرِّعَايَةِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي مُعْرِضًا عَمَّا سِوَايَ يَمْشِي آوَيْتُهُ إِلَى كَنَفِي، فَيَفُوتُ مَنْ سِوَايَ آثِرًا فِيهِ، أَوْ طَرِيقًا إِلَيْهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ أَعْرَضَ عَمَّا سِوَى اللَّهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى اللَّهِ مُسْرِعًا خَوْفًا أَنْ يُدْرِكَهُ شَيْءٌ فَيَقْطَعَهُ عَنْ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ، وَإِقْبَالِهِ عَلَى اللَّهِ آوَيْتُهُ إِلَيَّ، وَحُلْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ قَاطِعٍ، وَسَبَقْتُ بِهِ كُلَّ مَانِعٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ مَا رُوِيَ: «مَنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا، وَمَنِ اقْتَرَبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي» فَمَعْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ: إِنَّ الَّذِي اقْتَرَبَ مِنِّي شِبْرًا بِالطَّاعَةِ هُوَ الَّذِي أَقْتَرِبُ مِنْهُ ذِرَاعًا بِالتَّوْفِيقِ، وَالَّذِي اقْتَرَبَ مِنِّي ذِرَاعًا بِالْإِخْلَاصِ هُوَ الَّذِي أقْتَرِبُ مِنْهُ بَاعًا بِالْجَذْبِ، وَمَنْ أَتَانِي مُشَاهِدًا لِي هُوَ الَّذِي هَرْوَلْتُ إِلَيْهِ بِرَفْعِ أَسْتَارِ الْغُيُوبِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى: مَنِ الَّذِي، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ خَبَرًا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» ، مَعْنَاهُ عَلِيٌّ مَوْلَى مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ: مَنِ اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ، أَيِ: اقْتَرَبْتُ إِلَى مَنِ اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَعَانِي هَذِهِ الْعِبَارَاتِ كَأَنَّهُ سُؤَالٌ وَجَوَابٌ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16] ، فَكَأَنَّ الْجَوَابَ مِنَ الَّذِي مِنْهُ السُّؤَالُ