بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذيحَدِيثٌ آخَرُ

حَدِيثٌ آخَرُ

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو بكر الكلاباذي
الكتاب
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار
المؤلف
أبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري الحنفي (المتوفى: 380هـ)
المحقق
محمد حسن محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
الطبعة
الأولى، 1420هـ - 1999م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

قَالَ: ح حَاتِمُ بْنُ عَقِيلٍ قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ» وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: «مِنْ خَيْرِ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الطُّهُورِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: رُوِيَ فِي التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَالِاسْتِقَامَةُ هِيَ الْإِقَامَةُ عَلَى قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِإِيفَاءِ حَقِّهِ، وَرِعَايَةِ حَدِّهِ، وَأَوْلَى حَقِّهِ إِسْقَاطُ تَعْظِيمِ مَا سِوَى

اللَّهُ تَعَالَى عَنْ شِرْكٍ، وَهُوَ أَنْ لَا نَخَافَ غَيْرَهُ، وَلَا نَرْجُوَ سِوَاهُ، وَلَا نُرَاعِيَ إِلَّا حَقَّهُ، وَكُلُّ حَقٍّ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ، وَأَدْنَى حُدُودِهِ إِقَامَةُ مَا أَوْجَبَهُ حَقُّ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ أَدَاءُ أَوَامِرِهِ، وَالِانْتِهَاءُ عَمَّا نَهَى عَنْهُ، وَالرِّضَا بِمَا يَكُونُ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ: «وَلَنْ تُحْصُوا» قِيلَ: لَنْ تُحْصُوا ثَوَابَهَا، وَقِيلَ: لَنْ تُطِيقُوا أَيْ لَا تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَسْتَقِيمُوا، وَمَعْنَاهُ لَا تَسْتَطِيعُونَ بِحَوْلِكُمْ وَقُوَّتِكُمْ، وَلَا بِاجْتِهَادِكُمْ وَاسْتِطَاعَتِكُمْ، بَلْ لَنْ تُطِيقُوهُ، وَأَحْرَى أَنْ لَا تُطِيقُوهُ، وَإِنْ بَذَلْتُمْ مَجْهُودَكُمْ، أَيْ عَجْزُهُمْ فِي أَدَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «وَاسْتَقِيمُوا» عَلَى مَا أَقْرَرْتُمْ فِي الذَّرِّ الْأَوَّلِ حِينَ أَجَبْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِكُمْ عَلَى حِينَ قَالَ لَكُمْ: «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ» أَيِ اسْتَقِيمُوا عَلَى قَوْلِكُمْ «بَلَى» بِمُرَاعَاتِ الْأَنْفَاسِ، وَمُرَاقَبَةِ الْأَهْجَاسِ، وَلَنْ تُحْصُوا عَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ، وَلَا تُطِيقُونَ مُرَاقَبَةَ خَوَاطِرِكُمْ، فَكَيْفَ تَسْتَقِيمُونَ، صَرَفَهُمْ عَنْ أَوْصَافِهِمْ فِي رُؤْيَةِ الِاسْتِقَامَةِ مِنْهُمْ، وَإِقَامَتِهِمْ مَقَامَ الِاضْطِرَابِ لَعَجْزِ الْبَشَرِيَّةِ، وَدَلَّهُمْ عَلَى الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي طَلَبِ الِاسْتِقَامَةِ.
وَقَوْلُهُ: «وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنَ خَيْرِ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ» ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَتَمِّهَا دَلَالَةً عَلَى الِاسْتِقَامَةِ الصَّلَاةَ، وَذَلِكَ أَنَّهَا.
. . . . اللَّه , وَالِانْقِطَاع إِلَيْهِ عَمَّا سِوَاهُ، وَفِيهَا ذَمُّ الْجَوَارِحِ وَجَمِيعِ الشَّرِّ، وَالْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالِانْصِرَافُ عَمَّا سِوَاهُ، وَالِاشْتِغَالُ بِهِ عَمَّنْ دُونَهُ.
وَقَوْلُهُ: «وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الطُّهُورِ إِلَّا الْمُؤْمِنُ» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الطَّهَارَةَ مِنَ الْحَدَثِ، وَهُوَ الْوَضُوءُ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا الْمُؤْمِنُ» ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ثَوْبَانَ

حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا، قَالَ: ح إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: ح يَعْلَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ثَوْبَانَ: «وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوَضُوءِ إِلَّا الْمُؤْمِنُ» ، وَقَالَ: «أَفْضَلُ أَعْمَالِكُمْ» قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «الطُّهُورُ» ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَهُوَ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى طَهَارَةِ سِرِّهِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يُحَافِظُ عَلَى طَهَارَةِ ظَاهِرِهِ مِنَ الْحَدَثِ

. وَقَوْلُهُ: «لَنْ يُحَافِظَ» دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ «لَنْ تُحْصُوا» أَيْ: لَنْ تُطِيقُوا؛ لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى وَزْنِ الْمُجَاهَدَةِ، وَهُوَ أَنْ تُجَاهِدَ مَنْ يُجَاهِدُكَ، أَيْ: تَكُونُ غَالِبًا مَرَّةً، وَمَغْلُوبًا أُخْرَى، وَأَنْتَ تَجْهَدُ وَتَبْذُلُ مَجْهُودَكَ فِي الْجِهَادِ، وَكَذَلِكَ الْمُحَافَظَةُ، وَذَلِكَ أَنَّكَ تَتَحَفَّظُ جَهْدَكَ وَطَاقَتَكَ فِي تَطْهِيرِ سِرِّكَ، ثُمَّ تُغْلَبُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ تَحْفَظُ ثُمَّ تُضَيِّعُ، مَرَّةً حِفْظٌ وَمَرَّةً ضَيْعَةٌ، وَأَنْتَ بَاذِلٌ مَجْهُودَكَ فِي حِفْظِ سِرِّكَ، أَيْ: لَنْ تُطِيقَ الِاسْتِقَامَةَ، وَلَكِنْ تَبْذُلُ مَجْهُودَكَ فِيهِ، فَيَكُونُ مَرَّةً كَذَا وَمَرَّةً كَذَا، كَمَا أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْوُضُوءِ لَيْسَ أَنْ لَا تُحْدِثَ، لَكِنْ كُلَّمَا أَحْدَثْتَ تَطْهُرُ، فَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ فِي الِاسْتِقَامَةِ بَيْنَ عَجْزِ الْبَشَرِيَّةِ وَبَيْنَ اسْتِظْهَارِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَيَكُونُ بَيْنَ رِعَايَةٍ وَإِهْمَالٍ، وَبَيْنَ تَقْصِيرٍ وَإِكْمَالٍ، وَبَيْنَ مُرَاقَبَةٍ وَإِغْفَالٍ، وَهُوَ بَيْنَ جَدٍّ وَفُتُورٍ، كَمَا أَنَّهُ بَيْنَ حَدَثٍ وَطُهُورٍ

جارٍ التحميل