حَدِيثٌ آخَرُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو بكر الكلاباذي
- الكتاب
- بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار
- المؤلف
- أبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري الحنفي (المتوفى: 380هـ)
- المحقق
- محمد حسن محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي
- الناشر
- دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1420هـ - 1999م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
قَالَ: ح أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: ح عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: ح خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ خَيْرَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ سِبَاعٍ، عَنْ أَبِيهَا، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ إِلَى حِسَانِ الْوُجُوهِ، مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ» ، وَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى «حِسَانِ الْوُجُوهِ» أَيِ الَّذِينَ وُجُوهُهُمْ طَلْقَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ بَسْطَةٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ صُدُورِهِمْ، وَحُسْنِ أَخْلَاقِهِمْ، وَتَحَرِّيهِمْ مَسَرَّةَ النَّاسِ، وَمَنِ اتَّسَعَ صَدْرُهُ لَا يَصْعُبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْحَاجَةِ لِأَخِيهِ، وَمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ اسْتَحْيَا مِنَ الرَّدِّ، وَمَنِ اتَّسَعَ صَدْرُهُ يَسْخُو بِمَا فِي يَدَيْهِ، فَإِنَّ الْبُخْلَ مِنْ
ضِيقِ الصَّدْرِ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى مَا يُطْلَبُ مِنْهُ فَيَتَمَسَّكُ بِهِ ضَنًّا بِهِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ لِضِيقِ صَدْرِهِ عَنْ تَحَمُّلِ الْخَصَاصَةِ إِنْ دُفِعَ إِلَيْهَا، وَمَنْ تَحَرَّى مَسَرَّةَ النَّاسِ يَتَسَارَعُ إِلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ؛ لِأَنَّ طَلَاقَةَ وَجْهِهِ وَبَسْطَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ مَسَرَّةَ النَّاسِ، وَيَطْلُبُ مَحَابَّهُمْ، وَقَضَاءُ حَوَائِجِهِمْ مَسَرَّتَهُمْ وَمَحَابَّهُمْ.
الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ: «مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ» ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ إِلَى اللَّهِ وَكُونُوا عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ أَيْ: وُجُوهَ أَحْوَالِهِمْ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: خَالِطُوا الَّذِينَ حَسُنَتْ أَحْوَالُهُمْ فِي مُعَامَلَتِهِمْ لِلَّهِ فِي قَضَاءِ فُرُوضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَنَاهِيهِ، وَقَبُولِ أَحْكَامِهِ، وَحُسْنِ مُعَامَلَتِهِمْ عِبَادَ رَبِّهِمْ فِي تَحَمُّلِ أَذَاهُمْ، وَطَلَبِ مَحَابِّهِمْ، وَكَفِّ الْأَذَى عَنْهُمْ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: كُونُوا عِنْدَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119] ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَطْعِمُوا طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارَ» كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْخُلْطَةَ أَيْ: خَالِطُوا الْأَبْرَارَ مِنَ النَّاسِ، وَكُونُوا مَعَهُمْ.
يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَالِطُوا الْحُكَمَاءَ» ، فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ» أَيِ: اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ مِنَ اللَّهِ وَكُونُوا عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ، أَيْ: كُونُوا مَعَ الصَّالِحِينَ.
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» أَيْ: جَمِيلُ الْأَفْضَالِ بِكُمْ، حَسَنُ النَّظَرِ لَكُمْ، مَرِيدٌ لِصَلَاحِكُمْ، جَمِيلُ الْمُعَامَلَةِ مَعَكُمْ، يَرْضَى بِالْقَلِيلِ، وَيُثِيبُ عَلَيْهِ الْجَزِيلَ، وَيَقْبَلُ الْحَسَنَاتِ الْمَدْخُولَ عَلَيْهَا، وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ الْمَسْكُونِ إِلَيْهَا، يُكَلِّفُكُمُ الْيَسِيرَ وَيُعِينُكُمْ عَلَيْهِ، وَيُعْطِيكُمُ الْجَزِيلَ، وَيَشْكُرُكُمْ عَلَيْهِ، وَلَا يَمُنُّ عَلَيْكُمْ، وَتَعْطُونَ الْقَلِيلَ وَيَشْكُرُكُمْ، فَهُوَ يُحِبُّ الْجَمَالَ مِنْكُمْ أَيِ: التَّجَمُّلَ مِنْكُمْ فِي قِلَّةِ إِظْهَارِ الْحَاجَةِ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ قَامَ لَكُمْ بِهَا، وَمَا زَوَى عَنْكُمْ زَوَاهَا نَظَرًا لَكُمْ
، وَإِرَادَةَ الْخَيْرِ بِكُمْ، فَتَجَمَّلُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَلَا تَشْكُوهُ إِلَى غَيْرِهِ بِإِظْهَارِ حَوَائِجِكُمْ، فَهُوَ جَمِيلُ الْفِعْلِ بَيْنَكُمْ، يُحِبُّ التَّجَمُّلَ مِنْكُمْ , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» أَنَّهُ جَمِيلُ الْفِعْلِ، أَيْ يَخْلُقُهُ كَمَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ قَضَاءُ حَاجَاتِ الْخَلْقِ، فَيُحِبُّ مِنْكُمْ هَذِهِ الصِّفَةَ أَيْ: يُحِبُّ مِنْكُمْ قَضَاءَ حَوَائِجِ إِخْوَانِكُمْ، وَهُوَ الْجَمَالُ، وَبِهِ الْجَمَالُ لَكُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «اطْلُبُوا الْحَوَائِجَ إِلَى حِسَانِ الْوُجُوهِ» أَيِ: اطْلُبُوا حَوَائِجَكُمْ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ وُجُوهِ إِخْوَانِكُمْ، أَيْ: إِذَا كُنْتُمْ عِنْدَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ بِالْحُبِّ لَهُمْ، وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِمْ، شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ لَكُمْ فَقَضَى حَوَائِجَكُمْ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا» وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُمْ قَوْمٌ لَا يَشْقَى جَلِيسُهُمْ»