بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذيحَدِيثٌ آخَرُ

حَدِيثٌ آخَرُ

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو بكر الكلاباذي
الكتاب
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار
المؤلف
أبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري الحنفي (المتوفى: 380هـ)
المحقق
محمد حسن محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
الطبعة
الأولى، 1420هـ - 1999م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَكْرِيُّ قَالَ: ح إِسْحَاقُ الْفَرْوِيُّ قَالَ: ح ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا» قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: وَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّ الْأَعْرَجَ حَدَّثَنِي بِذَلِكَ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا يَوْمَ قُبِضَ أَيْ: لَمْ يَكُنْ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ عَظْمًا، ثُمَّ مَكْسُوًّا لَحْمًا، ثُمَّ طِفْلًا

، ثُمَّ بَالِغًا أَشُدَّهُ، ثُمَّ شَيْخًا، أَيْ لَمْ يُخْلَقْ أَطْوَارًا، بَلْ خُلِقَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي كَانَ بِهَا، وَيُقَالُ: خُلِقَ عَلَى صُورَتِهِ، فَكَانَ فِي الْأَرْضِ حِينَ أُهْبِطَ إِلَيْهَا عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ فِي الْجَنَّةِ عَلَيْهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ صُورَتُهُ الَّتِي أُهْبِطَ فِيهَا إِلَى الْأَرْضِ، وَلَمْ يُنْتَقَصْ طُولُهُ، وَلَا سُلِبَ نُورُهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا» أَيْ: عَلَى هَذَا الطُّوَلِ خُلِقَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ أَطْوَلَ مِنْهُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا أَقَلَّ نُورًا، وَلَا أَدْنَى حَالًا فِيهَا مِنْهُ فِي الْجَنَّةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى صُورَتِهِ: أَيْ صُورَةُ حَالِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَفَاوِتَ الْحَالِ، مُتَغَايِرَ الْوَصْفِ، فَيُوصَفُ مَرَّةً بِالْغِوَايَةِ، وَمَرَّةً بِالْهِدَايَةِ وَبِالْعِصْيَانِ وَالتَّوْبَةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: 122] ، وَوَصَفَهُ بِالْعِلْمِ مَرَّةً، وَبِالْجَهْلِ أُخْرَى فَقَالَ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31] ، وَقَالَ ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72] وَهَذَا إِلَى سَائِرِ أَحْوَالِهِ فِي تَبَايُنِهَا، وَأَوْصَافِهِ فِي تَغَايُرِهَا، ثُمَّ مَا أَكْرَمَهُ بِهِ مِنْ فَضْلِهِ وَاخْتَصَّهُ وَاصْطَفَاهُ وَاسْتَخْلَصَهُ وَاجْتَبَاهُ وَكَانَ خَلِيفَتَهُ فِي أَرْضِهِ، وَقِبْلَةَ مَلَائِكَتِهِ، وَقَسِيمَ أَهْلِ نَارِهِ وَجَنَّتِهِ، عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ وَأَلَهْمَهُ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ، فَكَانَ خَلْقُهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، وَعَلَى صُورَةِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: 118] ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: خَلَقَهُمْ لِيَكُونُوا مُخْتَلِفِينَ.
وَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] . فَلِذَلِكَ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ لِيَكُونَ عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ، وَمَا لَا يُحْصَى مِنَ الْحِكْمَةِ فِيهِ، فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ: خُلِقَ آدَمُ عَلَى صُورَتِهِ، أَيْ: خَلَقَهُ لِيَكُونَ صُورَةُ حَالِهِ هَذِهِ الصُّورَةَ، وَخَلَقَ سَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، خَلَقَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ لِلطَّاعَةِ لَا غَيْرَ، وَالشَّيَاطِينَ لِلْعِصْيَانِ لَا غَيْرَ، وَالْبَهَائِمَ وَسَائِرَ الْحَيَوَانِ لِلتَّسْخِيرِ لَا غَيْرَ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ: «خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ»

أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الْبَجَلِيُّ، قَالَ: ح مَنْصُورُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: ح أَبُو جَعْفَرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: ح إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: ح جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ

، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُقَبِّحُوا الْوُجُوهَ، فَإِنَّ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: أَيْ خَلَقَهُ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي ارْتَضَاهَا الرَّحْمَنُ أَنْ تَكُونَ صُورَةً لِآدَمَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي خَلْقِ اللَّهِ خَلْقٌ عَلَى صُورَتِهِ فِي الْبِنْيَةِ وَالْحَالِ إِذِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصُورَةِ بِنْيَتِهِمْ غَيْرَ أَنَّ الْأَخْبَارَ وَرَدَتْ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ عَلَى صُورَتِهِ وَخِلْقَتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4] , وَقِيلَ أَنَّ قَوْلَهُ: «خُلِقَ آدَمُ عَلَى صُورَتِهِ» كَانَ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: «لَا تَقُولُوا قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ، فَإِنَّ آدَمَ خُلِقَ عَلَى صُورَتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» أَيْ: عَلَى صُورَةِ هَذَا الْمُقَبِّحِ وَجْهُهُ، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ، فَلْيَتَجَنَّبِ الْوَجْهَ» ، ثُمَّ قَالَ: «فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» أَيْ عَلَى صُورَةِ هَذَا الْمَضْرُوبِ وَالْمُقَبَّحِ وَجْهُهُ، وَهَذَا كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُسَمُّونَ أَوْلَادَكُمْ مُحَمَّدًا، ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ»

حَدَّثَنَاهُ مَحْمُودُ بْنُ إِسْحَاقَ أَبُو إِسْحَاقَ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: ح حُرَيْثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: ح مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: ح أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُسَمُّونَ أَوْلَادَكُمْ مُحَمَّدًا، ثُمَّ تَلْعَنُونَهُمْ» إِجْلَالًا لِاسْمِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَكْرِيمًا لِصُورَةِ آدَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

جارٍ التحميل