بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذيحَدِيثٌ آخَرُ

حَدِيثٌ آخَرُ

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو بكر الكلاباذي
الكتاب
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار
المؤلف
أبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري الحنفي (المتوفى: 380هـ)
المحقق
محمد حسن محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
الطبعة
الأولى، 1420هـ - 1999م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْفَتْحِ، قَالَ: ح أَبُو عِيسَى قَالَ: ح قُتَيْبَةَ قَالَ: ح رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي هَانِئٍ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ عَبَّاسٍ الْحَجْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ قَالَ: «كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «سَبْعِينَ مَرَّةً» عِبَارَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْكَثْرَةِ وَلَيْسَ عَلَى التَّحْدِيدِ، فَيَكُونُ مَا وَرَاءَ السَّبْعِينَ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ عَنِ الْخَادِمِ أَبَدًا، وَهَذَا فِيمَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ مِنْ سُوءٍ يَأْتِيهِ إِلَيْكَ، وَجِنَايَةٍ يَجْنِيهَا عَلَيْكَ.
فَأَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي هَتْكِ حُرْمَةٍ فِي الدِّينِ، أَوْ جِنَايَةٍ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ، بَلْ يَجِبُ التَّأْدِيبُ عَلَيْهِ وَالْأَخْذُ بِهِ، كَمَا قَالَتْ

عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْتَصِرًا مِنْ مَظْلِمَةٍ قَطُّ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا انْتُهِكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ كَانَ أَشَدَّهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ بِذِكْرِ السَّبْعِينَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ , كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ لَا عَلَى التَّحْدِيدِ وَالْغَايَةِ، وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80] لَيْسَ هَذَا عَلَى التَّحْدِيدِ وَالْغَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اسْتَغْفَرَ لَهُمْ مَرَّةً لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُمْ، أَعْنِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ نَزَلَتِ الْآيَةُ فِيهِمْ لِأَنَّهُمْ كَافِرُونَ، وَاللَّهُ لَا يَغْفِرُ لِمَنْ كَفَرَ بِهِ

وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عَاتَبَهُ عُمَرُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبُيٍّ: " أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، قِيلَ لِي ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80] لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ " حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح نَصْرُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: ح عَمَّارُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: ح سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ، لَيْسَ قَوْلُهُ: سَبْعِينَ مَرَّةً عَلَى الْغَايَةِ وَالتَّحْدِيدِ، وَلَكِنْ عَلَى الْكَثْرَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: 32] ، هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الطُّوَلِ وَلَيْسَ هُوَ عَلَى الْغَايَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ أَطْوَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْعَذَابِ، وَعَذَابُ اللَّهِ لِلْكَافِرِينَ لَا غَايَةَ لَهُ، وَلَا نِهَايَةَ طُولًا وَأَلَمًا كَمَا أَنَّ ثَوَابَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ لَا غَايَةَ لَهُ وَلَا نِهَايَةَ مُدَّةً وَلَذَّةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17] وَقَوْلِهِ ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 35] .

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ، قَالَ: ح السَّرِيُّ بْنُ عِصَامٍ قَالَ: ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَارَكٍ قَالَ: ح سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفِيِّ

، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ جُمْجُمَةٍ - أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ بَلَغَتِ الْأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ أَصْلَهَا - أَوْ قَالَ - قَعْرَهَا»

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ قَالَ: ح أَحْمَدُ بْنُ رِضْوَانَ قَالَ: ح سُوَيْدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: ح سُفْيَانُ عَنْ نُسَيْرِ بْنِ ذُعْلُوقٍ أَنَّهُ سَمِعَ نَوْفًلًا يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: 32] قَالَ: كُلُّ ذِرَاعٍ سَبْعُونَ بَاعًا، كُلُّ بَاعٍ أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَكَّةَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَقَالَ كَعْبٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّ حَلْقَةً مِنَ السِّلْسِلَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: 32] إِنَّ حَلْقَةً مِنْهَا مِثْلُ حَدِيدِ الدُّنْيَا وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ مِثْلُ ذَلِكَ، مِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ: «أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً»

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ح أَبُو ثَابِتٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً»

حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَحْمَدُ بْنُ سِبَاعٍ قَالَ: ح مُحَمَّدُ بْنُ الضَّوْءِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ عَوْنٍ الْوَاسِطِيَّ، قَالَ: ح أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ

، عَنْ حُذَيْفَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَرَبَ لِسَانِي، فَقَالَ: «فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» فَقَدْ قَالَ: سَبْعِينَ مَرَّةً، وَقَالَ: أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً، وَقَالَ: مِائَةَ مَرَّةٍ، فَيَدُلُّ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالسَّبْعِينَ الْحَدَّ وَالْغَايَةَ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا، وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ كَثِيرًا.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا هَوَى فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» ، وَقَالَ فِيهِ سَلْمَانُ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ عُمَرُ فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ يَا عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ، وَمَعَ السَّبْعِينَ سَبْعِينَ خَرِيفًا.
وَالْأَخْبَارُ فِي ذِكْرِ السَّبْعِينَ كَثِيرَةٌ، وَأَكْثَرُهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْكَثْرَةِ، لَا إِخْبَارٌ عَنْ نِهَايَةٍ، وَوَجْهُ تَخْصِيصِ السَّبْعِينَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْدَادِ عِنْدَ الْعِبَارَةِ عَنِ الْكَثْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ الْعَدَدَ قَلِيلٌ وَكَثِيرٌ، فَالْقَلِيلُ مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ، وَالْكَثْرَةُ الثَّلَاثَةُ فَمَا فَوْقَهَا، وَأَدْنَى الْكَثِيرِ الثَّلَاثَةُ، وَلَيْسَ لِأَقْصَاهُ غَايَةٌ، ثُمَّ الْعَدَدُ أَيْضًا نَوْعَانِ: شَفْعٌ وَوِتْرٌ، وَالشَّفْعُ أَوَّلُ النَّوْعَيْنِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: 3] ، وَأَوَّلُ الْإِشْفَاعِ اثْنَانِ، وَأَوَّلُ الْأَوْتَارِ الثَّلَاثَةُ، وَالْوَاحِدُ لَيْسَ بِعَدَدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا ضَرَبْتَ وَاحِدًا فِي وَاحِدٍ لَمْ يَخْرُجْ هُنَاكَ عَدَدٌ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى فِي كِتَابِ الْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ: الْوَاحِدُ لَيْسَ بِعَدَدٍ وَإِنَّمَا الْعَدَدُ جَمَاعَةٌ مُرَكَّبَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ مَأْخُوذًا مِنَ الْعَوْدِ، كَأَنَّ الْعَدَدَ إِعَادَةُ الْحِسَابِ مَرَّاتٍ، فَيُعَادُ الْوَاحِدُ مَرَّاتٍ فَيَصِيرُ عَدَدًا، فَالشَّفْعُ إِعَادَةُ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ، وَالْوِتْرُ إِعَادَتُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، هَذَا أَوَّلُ الْأَشْفَاعِ، وَأَوَّلُ الْأَوْتَارِ، وَالْوَاحِدُ وِتْرٌ، وَلَيْسَ مِنْ جِهَةَ الْعَدَدِ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ غَيْرُ زَوْجٍ، لِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِوِتْرٍ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ

، لَكِنْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ فَرْدٌ لَا يَزْدَوِجُ بِشَيْءٍ، كَمَا أَنَّهُ وَاحِدٌ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَالسَّبْعَةُ أَوَّلُ جَمْعِ الْكَثِيرِ مِنَ النَّوْعَيْنِ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَوْتَارًا ثَلَاثَةً، وَأَشْفَاعًا ثَلَاثَةً، فَأَوَّلُ أَشْفَاعِهَا الِاثْنَانِ، ثُمَّ الْأَرْبَعَةُ، ثُمَّ السِّتَّةُ، وَأَوَّلُ أَوْتَارِهَا الثَّلَاثَةُ، ثُمَّ الْخَمْسَةُ، ثُمَّ السَّبْعَةُ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَيْسَ بِوِتْرٍ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ - كَمَا قُلْنَا - فَالسَّبْعَةُ جَمْعُ كَثْرَةِ الْعَدَدِ، وَكَثْرَةِ النَّوْعَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا نَوْعَا الْعَدَدِ، ثُمَّ الْعَشَرَةُ كَمَالُ الْحِسَابِ؛ لِأَنَّ الْآحَادَ مُنْفَرِدٌ كُلُّ عَدَدٍ مِنْهَا بِنَفْسِهِ إِلَى الْعَشَرَةِ، كَقَوْلِهِمُ: اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ إِلَى الْعَشَرَةِ، فَإِذَا جَاوَزَ الْعَشَرَةَ فَهِيَ إِضَافَةُ الْآحَادِ إِلَى الْعَشَرَةِ، كَقَوْلِهِمُ: اثْنَا عَشَرَ، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ إِلَى عِشْرِينَ، وَالْعِشْرُونَ تَكْرِيرُ الْعَشَرَةِ مَرَّتَيْنِ، وَثَلَاثُونَ تَكْرِيرُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِلَى مِائَةٍ، وَالْقَوْلُ فِي الْمِائَةِ وَالْعَشَرَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الْآحَادِ وَالْعَشَرَةِ، كَذَلِكَ الْأَلْفُ وَلَيْسَ وَرَاءَهُ اسْمٌ لِلْحِسَابٍ، بَلْ هُوَ إِعَادَةُ الْأَلْفِ مَرَّاتٍ وَتَكْرِيرُهُ.
فَالسَّبْعُونَ يُجْمَعُ مِنَ الْكَثْرَةِ وَالنَّوْعِ وَالْكَثْرَةِ وَكَمَالِ الْحِسَابِ، وَالْكَثْرَةُ مِنْهُ، وَالنَّوْعَيْنِ مِنَ الْكَمَالِ، وَالْكَثْرَةُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ عَشْرُ مَرَّاتٍ سَبْعَةٌ فَهُوَ فِي كَمَالِ الْحِسَابِ الَّذِي هُوَ الْعَشَرَةُ كَالسَّبْعَةِ فِي الْآحَادِ، وَالسَّبْعُونَ أَدْنَى الْكَثِيرِ مِنَ الْعَدَدِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالْأَقْصَى لَا الْغَايَةُ لَهُ، فَعَبَّرَ عَنِ الْكَثِيرِ الَّذِي يُجَاوِزُ الْعَدَدَ بِالسَّبْعِينَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَإِذَا بُولِغَ فِي الْكَثْرَةِ قَالُوا: سَبْعُمِائَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 261] إِلَى قَوْلِهِ ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 261] ، فَأَخْرَجَهُ عَنِ الْغَايَةِ وَالنِّهَايَةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِلْحَاجِّ الْمَاشِي بِكُلِّ خُطْوَةٍ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ» , قِيلَ مَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ؟ قَالَ: «كُلُّ حَسَنَةٍ سَبْعُمِائَةٍ» كَأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي الْكَثْرَةِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالسَّبْعِمِائَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَعْدَادِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ فَإِنَّهَا مَحْدُودَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ، وَذَلِكَ الْعَدَدُ مَحْصُورٌ عَلَى مَا ذُكِرَ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: 7] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142] ، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5] ؛ لِأَنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مُتَنَاهٍ مَعْدُودٌ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذِهِ مَسَافَةُ مَا بَيْنَهُمَا نُزُولًا وَصُعُودًا لِمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ.
وَقَوْلُهُ ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4] ، فَهُوَ مَقْصُودُ طُولِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمٌ مُتَنَاهٍ، آخِرُهُ دُخُولُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلِ النَّارِ النَّارَ، وَالْخُلُودُ فِيهِمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ

جارٍ التحميل