بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذيحَدِيثٌ آخَرُ

حَدِيثٌ آخَرُ

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو بكر الكلاباذي
الكتاب
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار
المؤلف
أبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري الحنفي (المتوفى: 380هـ)
المحقق
محمد حسن محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
الطبعة
الأولى، 1420هـ - 1999م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ح حَاتِمٌ قَالَ: ح يَحْيَى قَالَ: ح يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي خَالِدٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: «لَا تَبَاغَضُوا» إِشَارَةٌ إِلَى الْأَهْوَاءِ الْمُضِلَّةِ، وَالْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَنَهْيٌ عَنِ النِّحَلِ الَّتِي تُخَالِفُ مَا عَلَيْهِ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ، وَتَخْرُجُ عَنِ السُّنَّةِ النَّاطِقَةِ، وَالْكِتَابِ الْمُحْكَمِ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي الدِّينِ هِيَ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِلتَّبَاغُضِ، وَلَيْسَ مَا دُونَهُ مِنْ سَائِرِ الْمُخَالَفَاتِ، وَأَنْوَاعِ الْمُنَازَعَاتِ فِي خُصُومَاتِ الْأَنْفُسِ وَمَظَالِمِ الْأَمْوَالِ، وَمُطَالَبَاتِ الْحُظُوظِ وَالْوِلَايَاتِ بِسَبَبِ التَّبَاغُضِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَحَقِّقِينَ بِإِيمَانِهِمْ لَا تَبْلُغُ مُطَالَبَاتُ حُظُوظِ أَنْفُسِهِمْ، وَخُصُومَاتُ الْأَمْوَالِ وَالْجِنَايَاتِ بَيْنَهُمْ مَبْلَغًا يُوجِبُ التَّبَاغُضَ بَيْنَهُمْ.
أَلَا تَرَى إِلَى مَا كَانَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْمُنَازَعَاتِ فِي الْخِلَافَةِ، وَالْمُخَالَفَاتِ فِي الْوَلَايَةِ لَمْ يَبْلُغْ بِهِمْ مَبْلَغَ الْبَغْضَاءِ بَيْنَهُمْ.
قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا

وَقَالَ أَيْضًا وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101] فَقَالَ: أَنَا مِنْهُمْ، وَأَبُو بَكْرٍ مِنْهُمْ، وَعُمَرُ مِنْهُمْ، وَالزُّبَيْرُ مِنْهُمْ، وَطَلْحَةُ مِنْهُمْ، وَعُثْمَانُ مِنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مِنْهُمْ، أَوْ قَالَ سَعْدٌ مِنْهُمْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَقَامَ وَهُوَ يَقُولُ ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: 102] حَدَّثَنَاهُ أَبُو رَجَاءٍ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: ح نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: ح الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عَمِّ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سِرْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: 101]

وَقَالَ مُعَاوِيَةُ فِي عَلِيٍّ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ النُّعْمَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَزْهَرِ الْأَشَوِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ التَّمْرِيِّ، بَصَرِيٌّ، وَقَالَ: الْأَزْهَرِيُّ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ: ح أَبِي، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: سَلْ عَنْهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ: أُرِيدُ جَوَابَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا , قَالَ: وَيْحَكَ لَقَدْ كَرِهْتَ رَجُلًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقِرُّهُ بِالْعِلْمِ عِزًّا، وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» وَلَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْأَلُهُ فَيَأْخُذُ عَنْهُ، وَكَانَ إِذَا أُشْكِلَ عَلَى عُمَرَ شَيْءٌ فَقَالَ: هَاهُنَا عَلِيٌّ، قُمْ لَا أَقَامَ اللَّهُ رِجْلَيْكَ وَمَحَا اسْمَهُ مِنَ الدِّيوَانِ.
هَذَا إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُنَازَعَتَهُمُ الْخِلَافَةَ وَمُجَاذَبَتَهُمُ الْوَلَايَةَ لَمْ تُؤَدِّ بِهِمْ إِلَى التَّبَاغُضِ.
فَدَلَّ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَبَاغَضُوا» أَيْ لَا تَخْتَلِفُوا فِي النِّحَلِ وَالْآرَاءِ، وَلَا تَبَايَنُوا فِي الْمَذَاهِبِ وَالْأَهْوَاءِ فَتَبَاغَضُوا لَهَا؛ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ فِي الدِّينِ وَالضَّلَالَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ يُوجِبُ الْبُغْضَ عَلَيْهِ وَتَرْكَ الْمُوَالَاةِ فِيهِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 115] الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: 1] . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَنَافَسُوا» أَيْ لَا تَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا، وَلَا تَحْرِصُوا عَلَيْهَا، وَلَا تَضِنُّوا بِهَا؛ لِأَنَّ الْمُنَافَسَةَ إِذَا كَانَتْ فِي الْعِلْمِ بِاللَّهِ، وَالْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَالْفَهْمِ عَنِ اللَّهِ كَانَتْ وَاجِبَةً مَدْعُوًّا إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا تَكُونُ مَرْفُوضَةً مَدْعُوًّا عَنْهَا إِذَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا.
وَقَدْ وَرَدَ الْخَبَرُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا مُكَاثِرًا مُفَاخِرًا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، وَالْمُنَافَسَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا هِيَ الْمُنَافَسَةُ فِي الدُّنْيَا

وَحُطُومِهَا، وَالْمُنَافَسَةُ فِيمَا تُؤَدِّي إِلَى الْحِرْصِ عَلَيْهَا وَالْجَمْعِ لَهَا، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا وَالضَّنِّ بِهَا.
فَقَوْلُهُ: «لَا تَنَافَسُوا» نَهْيٌ عَنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَزَجْرٌ عَنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ.
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَدَابَرُوا» أَيْ لَا تَخَاذَلُوا، وَلَا تَغْتَابُوا، وَلَا يَبْغِي بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ غَائِلَةً، بَلْ تَعَاوَنُوا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] ، وَبِقَوْلِهِ ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12] ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» أَيْ لَا تَتَرَافَعُوا وَلَا تَتَعَالَوْا فَإِنَّكُمْ كُلَّكُمْ عِبَادُ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: «إِخْوَانًا» يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا فِي التَّدَابُرِ؛ لِأَنَّ التَّخَاذُلَ هُوَ إِعْرَاضُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ وَهُوَ التَّدَابُرُ؛ لِأَنَّ كُلُّ وَاحِدٍ إِذَا عَرَضَ عَنْ صَاحِبِهِ كَانَ دُبُرُهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ صِفَةُ الْأُخُوَّةِ بَلْ صِفَةُ الْأُخُوَّةِ التَّقَابُلُ، وَأَنْ يَكُونَ وَجْهُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرَرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47] ، فَوَصَفَ الْإِخْوَانَ بِالتَّقَابُلِ وَهُوَ أَنْ لَا يُعْرِضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، فَهُوَ أَنْ لَا يَأْخُذَهُ وَلَا يَجْعَلَهُ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ، وَلَا يُدْبِرَهُ بِسُوءٍ قَوْلًا فَيَكُونَ غَيْبَتَهُ، أَوْ فِعْلًا فَيَكُونُ بَغْيًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مَعْنَى الْخَبَرِ: لَا تَبَاغَضُوا أَيْ: لَا تَخْتَلِفُوا فِي الْآرَاءِ، وَلَا تَبَايَنُوا فِي الْمَذَاهِبِ وَالْأَهْوَاءِ فَتَبَاغَضُوا بِهَا؛ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ تُوجِبُ الْبُغْضَ وَتَرْكَ الْمُوَالَاةِ

جارٍ التحميل