بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذيحَدِيثٌ آخَرُ

حَدِيثٌ آخَرُ

عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو بكر الكلاباذي
الكتاب
بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار
المؤلف
أبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري الحنفي (المتوفى: 380هـ)
المحقق
محمد حسن محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
الطبعة
الأولى، 1420هـ - 1999م
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ح أَبُو النَّضْرِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الرَّشَادِيُّ، ح عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ح مُسْلِمٌ، ح شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا»

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرِ خَلِيلًا» ، حَدَّثَنَاهُ خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ح إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَعْقِلٍ، ح مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ح أَبُو عَامِرٍ، ح فُلَيْحٌ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، عَنْ بِشْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ»

سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْعُمَانِيُّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ كَهْمَسًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَقِيقٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، يَقُولُ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَنْ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَتْ: ثُمَّ عُمَرُ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَتْ: ثُمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ.
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَخْبَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ خَلِيلٌ غَيْرُ اللَّهِ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةُ، وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا، فَأَحِبَّهُمَا» ، وَكَانَ أُسَامَةُ يُقَالُ لَهُ: حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ، فَوَرَدَتِ الْأَخْبَارُ أَنَّهُ أَحَبَّ أَقْوَامًا، وَلَمْ يَتَّخِذِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا، وَقَدْ تَكَلَّمَ شُيُوخُ الصُّوفِيَّةِ فِي الْخُلَّةِ وَالْمَحَبَّةِ، فَشَرَّفَ بَعْضُهُمُ الْخُلَّةَ , وَشَرَّفَ الْأَكْثَرُونَ الْمَحَبَّةَ، وَقَالُوا: كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَلِيلَ اللَّهِ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبِيبَ اللَّهِ، وَتَكَلَّمُوا فِيهِ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ.
وَقَدْ وَرَدَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ.
وَالْخُلَّةُ بِمَعْنًى، وَالْمَحَبَّةُ بِمَعْنًى آخَرَ، وَالْمَحَبَّةُ: هِيَ الْإِيثَارُ، وَالْمُوَافَقَةُ، وَالْإِقْبَالُ لَهُ، وَالْخُلَّةُ هِيَ عَلَى الْمَحْبُوبِ، وَخَاصَّتُهُ الْوَجْدُ بِالْمَحْبُوبِ، وَالرِّقَّةُ لَهُ بَعْدَ الْمَيْلِ إِلَيْهِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَالْإِيثَارِ لَهُ، وَالْخُلَّةُ هِيَ: الِاخْتِصَاصُ، وَالْمُدَاخَلَةُ، يُقَالُ: خَلَّلَ أَصَابِعَهُ إِذَا أَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ، وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ إِذَا أَدْخَلَ أَصَابِعَهُ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدِ الْقَوَارِيرِيُّ، ح أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ، ح عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، قَالَ: ح زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَهُ، فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ، فَتَسَمَّعَ حَدِيثَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَجَبًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَقَالَ آخَرُ: مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ أَنْ كَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى تَكْلِيمًا.
وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ، وَرُوحُهُ، وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ.
فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: «قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَعِيسَى كَلِمتُهُ وَرُوحُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ، وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكِ حِلَقَ الْجَنَّةِ، وَيُفْتَحُ الْبَابُ لِي، فَيُدْخِلُنِيهَا، وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ، وَالْآخِرِينَ عَلَى اللَّهِ، وَلَا فَخْرَ، إِنِّي لَسْتُ أَفْتَخِرُ بِذِي عَلَيْكُمْ فَخْرَ تَعْظِيمٍ، وَتَرَفُّعٍ، وَتَكَبُّرٍ» وَلَكِنْ كَانَ فَخْرُهُ بِاللَّهِ، وَتَكَلَّمُوا فِيهِ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ.
فَالْخُلَّةُ تَخْتَصَّ بِمَعْنًى، وَالْمَحَبَّةُ تَخْتَصُّ بِمَعْنًى آخَرَ، فَالْمَحَبَّةُ هِيَ الْإِيثَارُ، وَالْمُوَافَقَةُ، وَالْإِقْبَالُ عَلَى الْمَحْبُوبِ، وَخَاصَّتُهُ الْوَجْدُ بِالْمَحْبُوبِ، وَالرِّقَّةُ لَهُ بَعْدَ الْمَيْلِ إِلَيْهِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَالْإِيثَارِ لَهُ، وَالْخُلَّةُ هِيَ الِاخْتِصَاصُ، وَالْمُدَاخَلَةُ، يُقَالُ: خَلَّلَ أَصَابِعَهُ إِذَا أَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ، وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ إِذَا أَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِيهَا، فَكَأَنَّ الْمُتَخَالِلَيْنِ يَتَدَاخَلَانِ بَيْنَهُمَا فِي وُقُوفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا يَسْتُرُ خَلِيلَهُ، وَيَطَّلِعُ عَلَى مَغِيبِ خَلِيلِهِ، وَخَاصَّةِ أَمْرِهِ مِمَّا يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا يُطْلِعُ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، وَهَذَا خَاصِّيَّةُ الْخُلَّةِ، قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الخفيف] قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ... وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلَا فَإِذَا مَا نَطَقْتُ كُنْتَ حَدِيثِي ... وَإِذَا مَا سَكَتُّ كُنْتَ الْغَلِيلَا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا» ، أَيْ: لَوْ كُنْتُ مُطْلِعًا أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى سِرِّي، وَمُوَقِّفًا أَحَدًا بِمَغِيبِ أَمْرِي، وَمَا أَجُنُّهُ فِي ضَمِيرِي، لَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلكِنْ لَا يَطَّلِعُ عَلَى سِرِّي إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، وَلَا أُظْهِرُ مَا أَسْتُرُهُ، وَلَا أَكْشِفُ مَا أُضْمِرُهُ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنِّي خَلِيلُهُ، وَإِنَّمَا يَقِفُ عَلَى سِرِّ الْمَرْءِ خَلِيلُهُ دُونَ غَيْرِهِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِي مَعَ اللَّهِ وَقْتًا لَا يَسْمَعُنِي فِيهِ غَيْرُهُ» ، أَيْ: لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنِي وَبَيْنَ رَبِّي دَخِيلٌ، وَقَدْ أَبَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُطْلِعَ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ عَلَى مَا أَسَرَّهُ إِلَى خَلِيلِهِ وَحَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: 10] ، سَتَرَ عَلَى الْعَالَمِينَ مَا أَسَرَّهُ إِلَيْهِ، وَأَوْرَدَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: 9] ، أَخْرَجَ عَنِ الْأَوْهَامِ، وَتَوَرَّدَ إِلَيْهِ، وَطَوَى عَنِ الْأَفْهَامِ سِرَّهُ إِلَيْهِ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُبَلِّغَ مَا أَنْزَلَ إِلَيْهِ دُونَ مَا تَوَقَّفَ بِسِرِّهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكِ﴾ [المائدة: 67] ، وَلَمْ يَقُلْ: بَلِّغْ مَا تَعَرَّفْنَا بِهِ إِلَيْكَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: 44] قَالَ: لَوْ أَظْهَرَ لِغَيْرِنَا مَا أَسْرَرْنَا إِلَيْهِ: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: 46] ، إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَ الْخَلِيلَيْنِ ثَالِثٌ، أَوْ يَقِفَ عَلَى سِرِّ الْمُحِبَّيْنِ أَحَدٌ، لَا يَرَى لِمَا أَضْمَرَ فِي سِرِّهِ مَعْنًى لِغَيْرِهِ، وَأَخْفَى فِي نَفْسِهِ شَرًّا لِجِنْسِهِ، غَارَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ سِرٌّ سِوَاهُ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: 37] ، أَظْهَرَ لِلنَّاسِ مَا أَخْفَاهُ فِي نَفْسِهِ غَيْرَةً عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ فِي سِرِّهِ غَيْرُهُ، وَسَتَرَ عَنِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ مَا وَرَّاهُ مِنْ عَظِيمِ آيَاتِهِ، وَلَطَائِفِ كَرَامَاتِهِ، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: 18] انْحَسَرَتْ أَوْهَامُ الْخَلَائِقِ فِي الْوُقُوفِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿الْكُبْرَى﴾ [النجم: 18] فَطَوَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَنِ الْخَلْقِ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلِيلِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى سِرِّهِ إِلَّا الْخَلِيلُ الَّذِي هُوَ الْجَلِيلُ، فَقَالَ: لَوْ جَازَ لِي أَنْ أَتَّخِذَ خَلِيلًا فَيَقِفَ عَلَى سِرِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، إِذْ كَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَقْرَبَ الْخَلْقِ سِرًّا مِنْ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَلَا يُرَى إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَفْضُلْكُمْ بِصَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ وَلَكِنْ بِشَيْءٍ وَقَرَ فِي قَلْبِهِ» طَوَى عَنِ النَّاسِ سِرَّ أَبِي بَكْرٍ، كَمَا طَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ سِرَّ نَفْسِهِ، وَبَذْلَ الْمَحَبَّةَ مِنْهُ لِلنَّاسِ، فَقَالَ: «إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا» يَعْنِي الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَأُسَامَةَ.

حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ، ح إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنِي مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، ح أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا» ، أَوْ كَمَا قَالَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُحِبُّ أُحُدًا، فَقَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا، وَنُحِبُّهُ» . فَأَحَبَّ الْأَغْيَارَ، وَلَمْ يَتَّخِذْ خَلِيلًا غَيْرَ الْجَبَّارِ، فَكَانَ حُبُّهُ الْأَغْيَارَ إِيثَارًا لِمَنْ أَحَبَّ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِقْبَالًا عَلَيْهِ، وَمَيْلًا إِلَيْهِ، بِمَعْنَى الرِّقَّةِ وَالرَّحْمَةِ إِلَيْهِ، وَحَبِيبُهُ الَّذِي وَجْدُهُ بِهِ، وَشَوْقُهُ إِلَيْهِ، وَسِرُّهُ مَعَهُ هُوَ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

جارٍ التحميل