كتابُ قَسْم الفيء والغنيمة
الْفَيْءُ: مَالٌ حَصلَ مِنْ كُفَّارٍ بِلَا قِتَالٍ وَإِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ كَجِزْيَةٍ، وَعُشْرِ تِجَارَةٍ، وَمَا جَلَوْا عَنْهُ خَوْفًا، وَمَالِ مُرْتَدٍّ قُتِلَ أَوْ مَاتَ، وَذِمِّيٍّ مَاتَ بِلَا وَارِثٍ
(كتاب قَسْم الفيء والغنيمة)
هذا شطر بيت موزون، والقَسْم - بفتح القاف -: مصدر بمعنى: القسمة، والفيء: مصدر فاء يفيء إذا رجع، ثم استعمل في المال الراجع من الكفار إلينا، من استعمال المصدر في الفاعل، أو في المفعول؛ لأنه مردود، والغنيمة: فعيلة من الغنم، وهو الربح، وقيل: الفائدة الحاصلة بلا بدل.
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآيتان، وفي حديث وفد عبد القيس وقد فسر لهم الإيمان: "وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ" متفق عليه 1.
وقد اختلف في الفيء والغنيمة، فقيل: اسم الفيء يشملها، واسم الغنيمة خاص بما أخذ بقتال، وقيل: يطلق كلٌّ منهما على الآخر عند الإفراد بالذكر، فإذا ذكرا .. افترقا؛ كالفقير والمسكين، والأصحُّ: تباينهما.
(الفيء: مال حصل من كفار بلا قتال وإيجاف خيل وركاب، كجزية، وعُشْر تجارة، وما جَلَوْا عنه خوفًا، ومال مرتد قتل أو مات، وذمي مات بلا وارث) هذا التعريف ليس بجامع، فإن (المال) يخرج: الاختصاصات مع أن لها حكمَ المال، فلو قال: (ما أخذ) .. لكان أحسن، وليس بمانع، لدخول: من دخل دار الحرب متلصصًا وسرق شيئًا، مع أنه غنيمة مخمسة على الصحيح، وكذا ما أهدوه والحرب قائمة.
و(الواو) في قوله: (خيل وركاب) بمعنى (أو)؛ فإن إيجاف أحدهما كاف في انتفاء حكم الفيء، قاله السبكي، وأما (الواو) التي بين القتال والإيجاف: فمحتملة
الجزء: 2 - الصفحة: 657
فَيُخَمَّسُ، وَخُمُسُهُ لِخَمْسَةٍ: أَحَدُهَا: مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ كَالثُّغُورِ وَالْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ، يُقَدَّمُ الأَهَمُّ
لمعنى (أو) (ولمعنى (الواو).
وقول المصنف: (خوفًا) لو حذفه .. لكان أولى؛ ليدخل: المال الذي جلوا عنه لضر أصابهم؛ فإنه فيء وإن لم يكن خوف.
والإيجاف: إسراع السير، والركاب: الإبل خاصة.
(فيخمس) الجميع خمسةَ أسهم متساوية؛ كالغنيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية، فأطلق ههنا وقيّد في الغنيمة، فحمل المطلق على المقيد؛ جمعًا بينهما؛ لاتحاد الحكم واختلاف السبب، فإن الحكم واحد؛ وهو رجوع المال من المشركين للمسلمين، إلا أنه اختلف سببه بالقتال وعدمه؛ كما حملت الرقبة في الظهار على المؤمنة في كفارة القتل.
(وخمسه لخمسة) أي: يؤخذ سهم من السهام الخمسة فيقسم خمسة أجزاء متساوية.
(أحدها: مصالح المسلمبن؛ كالثغور) (وهي مواضع الخوف من أطراف بلاد المسلمين الملاصقة لبلاد المشركين، فتشحن بالعُدّة المقاتلة وعمارة الحصون والقناطر والمساجد.
(والقضاةِ والعلماءِ) لأن بها حفظ المسلمين، فيرزقون منه.
وهذا السهم كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق منه على نفسه وأهله ومصالحه، وما فضل جعله في السلاح عُدّة في سبيل الله وفي سائر المصالح.
والمراد بـ (العلماء): علماء الشرع، وطلبةُ العلم يدخلون فيهم؛ فإنهم إن لم يكفوا .. لم يتمكنوا من الطلب، ونبه بذلك: على ما فيه مصلحة عامة للمسلمين؛ كالأئمة والمؤذنين.
(يقدم الأهم) فالأهم وجوبًا، وأهمها: سد الثغور؛ كما قاله في "التنبيه" 2؛ لأنه حظ المسلمين.
الجزء: 2 - الصفحة: 658
وَالثَّانِي: بَنُو هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ؛ يَشْتَرِكُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَالنِّسَاءُ، وَيُفَضَّلُ الذَّكَرُ كَالإِرْثِ
(والثاني: بنو هاشم و) بنو (المطلب)، ومنهم إمامنا الشافعي، وهم آل النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾، وهم من ذكهم المصنف، دون بني عبد شمس ونوفل، وهما ابنا عبد مناف أيضًا؛ لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب وترك الآخرين، وقال حين سئل عن تركهم: "نَحْنُ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ" رواه البخاري 3.
واعلم: أن هاشمًا والمطلب شقيقان، وذوي قربى النبي صلى الله عليه وسلم حقيقةً: هم بنو هاشم؛ لأنه جده، فأدخل عليه السلام معهم بني المطلب؛ لأنهم لى يفارقوا بني هاشم في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم في جاهلية ولا إسلام، دون أولاد شقيقهما عبد شمس جدِّ عثمان بن عفان، وأخيهما لأبيهما نوفل جدِّ جبير بن مطعم، فلم يدخلا في ذوي القربى وإن شملهما اسمها، لأن السنة بينت أن الاستحقاق بالقرابة والنصرة لا القرابةِ المجردة.
والاعتبارُ: بالانتساب إلى الآباء، أما من انتسب منهم إلى الأمهات .. فلا.
(يشرك الغني والفقير) لإطلاق الآية، وإعطاءِ النبي صلى الله عليه وسلم العباسَ منه وكان من أغنى قريش 4، ) (والنساء) لأن الزبير كان يأخذ منه سهم أمه صفيةَ عمةِ النبي صلى الله عليه وسلم 5، وكان الصديق يدفع لفاطمة رضي الله عنها منه، ولولا ذلك .. لم يدفع لهن، لأن الآية لا تدل إلا على الصرف للذكور، فإن (ذوي): مختص بهم.
(ويفضل الذكر؛ كالإرث) للذكر مثل حظ الأنثيين؛ فإنه عطية من الله تعالى، فأشبه الإرث.
الجزء: 2 - الصفحة: 659
وَالثَّالِثُ: الْيَتَامَى، وَهُوَ: صَغِيرٌ لَا أَبَ لَهُ، وَيُشْتَرَطُ فَقْرُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَالرَّابِعُ وَالْخَامِسُ: الْمَسَاكِينُ وَابْنُ السَّبيلِ. وَيَعُمُّ الأَصْنَافَ الأَرْبَعَةَ الْمُتَأَخِّرَةَ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالْحَاصِلِ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ مَنْ فِيهَا مِنْهُمْ. وَأَمَّا الأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ
(والثالث: اليتامى) 6 للآية، (وهو) أي: اليتيم: (صغير) لم يبلغ الحلم (لا أب له)، سواء كان له جد أم لا على الصحيح.
(ويشترط: فقره على المشهور) لأن لفظ (اليتيم) يشعر بالضعف والحاجة، ولأنه إذا امتنع لاستغنائه بمال أبيه .. فبماله أولى، والثاني: لا يشترط؛ قياسًا على ذوي القربى.
(والرابع والخامس: المساكين، وابن السبيل) للآية، وسيأتي بيانهما في الباب بعده.
وفُهِم من ذكره المساكين: جواز صرفه إلى الفقراء؛ لأنهم أشد حاجة منهم، وإطلاقُه يوهم: عدم اشتراط الفقر في ابن السبيل، وليس كذلك، صرح به الفوراني وغيره.
(ويعم الأصناف الأربعة المتأخرة) غائبَهم عن موضع حصول الفيء وحاضرَهم؛ لظاهر الآية، ويجوز أن يفاوت بين اليتامى وبين المساكين وبين أبناء السبيل؛ لأنهم يستحقون بالحاجة، فتراعى حاجتهم، بخلاف ذوي الفربى؛ فإنهم يستحقون بالقرابة.
(وقيل: يختص بالحاصل في كل ناحيةٍ من فيها منهم) فما حصل من كفار الروم دفع إلى من في الشام، ومن الترك إلى من بخراسان؛ كالزكاة، ولمشقة النقل.
(وأما الأخماس الأربعة) التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته مضمومةً إلى خمس الخمس، فجملة ما كان له صلى الله عليه وسلم أحدٌ وعشرون
الجزء: 2 - الصفحة: 660
فَالأَظْهَرُ: أَنَّهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ - وَهُمُ: الأَجْنَادُ الْمُرْصَدُونَ لِلْجهَادِ - فَيَضَعُ الإِمَامُ دِيوَانًا، وَيَنْصبُ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ عَرِيفًا، وَيَبْحَثُ عَنْ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ وَعِيَالِهِ وَمَا يَكْفِيهِمْ، فَيُعْطِيهِ كِفَايَتَهُمْ. وَيُقَدِّمُ فِي إِثْبَاتِ الاسْمِ وَالإِعْطَاءِ قُرَيْشًا - وَهُمْ وَلَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ -.
سهمًا من خمسة وعشرين سهمًا ( .. فالأظهر: أنها للمرتزقة، وهم: الأجناد المرصدون للجهاد) لأنها كانت للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لحصول النصرة به، فبعده للمرصدين للنصرة، وعملًا بفعل السلف، والثاني: أنها للمصالح؛ كخمس الخمس، وأهمها: المرتزقة، فيبدأ بهم، فما فضل عنهم صرف في باقي المصالح، فهما متفقان على أن الصرف للمرتزقة، وإنما الخلاف في الفاضل عنهم، والثالث: أنها تقسم كما يقسم الخمس.
(فيضع الإمام ديوانًا) تأسيًا بعمر رضي الله عنه 7، والديوان: الدفتر الذي يُثبت فيه أسماءهم، وقيل: الكتّاب الذين يضبطون أسماءهم.
(ويَنْصِبُ لكل قبيلة أو جماعة عريفًا) ليعرض عليه أحوالهم ويجمعهم عند الحاجة، ونصبه: مستحب.
(ويبحث) الإمام وجوبًا (عن حال كلِّ واحد وعياله وما يكفيهم، فيعطيه كفايتهم) من نفقة وكسوة وسائر مؤنهم؛ ليتفرغ للجهاد، ويراعي الزمان والمكان، والرخص والغلاء، وحالة مروءة وضدها، وعادة البلد في المطاعم والملابس.
والمراد بـ (عياله): من تلزمه نفقتهم، ويزاد كلما زادت الحاجة؛ بكبر ولد وزيادة زوجة ولو لتمام أربع، ويسوّي بينهم في إعطاء كل قدر حاجته، لا في القدر المعطى، ولا يقدم بشرف نسب أو دين، أو سبق في الإسلام أو الهجرة، وسائر الخصال المرضية، بل يستوون؛ كالإرث والغنيمة.
(ويقدم في إثبات الاسم والإعطاء قريشًا) ندبًا؛ لحديث: "قَدِّمُوا قُرَيْشًا، وَلَا تَقَدَّمُوهَا" رواه الشافعي وغيره 8، ) (وهم ولد النضر بن كنانة) بن خزيمة بن
الجزء: 2 - الصفحة: 661
وَيُقَدِّمُ مِنْهُمْ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ ثُمَّ عَبْدِ شَمْسٍ ثُمَّ نَوْفَلٍ ثُمَّ عَبْدِ الْعُزَّى ثُمَّ سَائِرَ الْبُطُونِ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ الأَنْصَارَ، ثُمَّ سَائِرَ الْعَرَبِ، تُمَّ الْعَجَمَ. وَلَا يُثْبِتُ فِي الدِّيوَانِ أَعْمَى وَلَا زَمِنًا وَلَا مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ
مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، قال الأستاذ أبو منصور: هذا قول أكثر النسابين، وهو أصح ما قيل، وأقره الشيخان، لكن البيهقي نسب إلى أكثر أهل العلم: أنهم ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة 9.
وسموا قريشًا: لتقرشهم، أي: تجمعهم، على أحد الأقوال فيه.
(ويُقدِّم منهم بني هاشم) لأن الله شرفهم بكون المصطفى منهم، ونسبُهم إلى هاشم بن عبد مناف؛ لأنه كان يَهشِم الثريد لقومه وغيرهم جودًا، واسمه عمرو، قال الشاعر: [من الكامل]
عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ... وَرِجَالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ
(و) بني (المطلب) لأنه صلى الله عليه وسلم قرنهم بهم كما سبق، (ثم) بني (عبد شمس) لأنه أخو هاشم لأبويه، (ثم) بني (نوفل) لأنه أخو هاشم لأبيه، (ثم) بني (عبد العزى) لأنهم أصهار النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن خديجة رضي الله عنها بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، والشافعي رضي الله عنه من بني عبد مناف، (ثم سائر البطون) من قريش (الأقرب فالأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) لفضيلة القرب، (ثم الأنصار) لآثارهم الحميدة في الإسلام، (ثم سائر العرب) بعد الأنصار، (ثم العجم) لأن العرب أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم وأشرف.
وهذا الترتيب: مستحب لا مستحق؛ كما نقلاه عن الأئمة، قال ابن الرفعة: وفيه نظر، وظاهر فعل عمر رضي الله عنه يدل على الاستحقاق 10.
(ولا يثبت في الديوان أعمى ولا زَمِنًا ولا من لا يصلح للغزو) إذ لا كفاءة فيهم.
هذا في المرتزقة، أما عيالهم .. فهم تبع لهم، فيثبتون ولو كانوا بهذه
الجزء: 2 - الصفحة: 662
وَلَوْ مَرِضَ بَعْضُهُمْ أَوْ جُنَّ وَرُجِيَ زَوَالُهُ .. أُعْطِيَ، فَإِنْ لَمْ يُرْجَ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُعْطَى، وَكَذَا زَوْجَتُهُ وَأَوْلَادُهُ إِذَا مَاتَ
الأوصاف، قاله شيخنا قاضي القضاة جلال الدين البُلْقيني.
(ولو مرض بعضهم أو جُنّ ورُجِي زواله) وإن طال، كما قاله ابن الرفعة 11 ( .. أعطي) (ويبقى اسمه في الديوان، لأن الإنسان لا يخلو من عارض، وكيلا يرغب الناس عن الجهاد ويقبلوا على الكسب لهذه العوارض.
(فإن لم يرج .. فالأظهر: أنه يعطى) لما ذكرناه، ولأنه إذا بقي على الذرية .. فعليه أولى، لكن يقطع اسمه من الديوان، والثاني: لا يعطى؛ لخروجه منهم بعجزه.
ومحلُّ الخلاف: في إعطائه في المستقبل، أما الماضي .. فقال في "الكفاية": ينبغي أن يكون، كما لو مات، إذا قلنا بسقوطه في المستقبل 12.
(وكذا زوجته وأولاده إذا مات) أي: الذي تجب عليه نفقتهم في حياته؛ لئلا يعرضوا أو يشتغلوا بالكسب إذا علموا ضياع عيالهم بعدهم، والثاني: المنع؛ لأن تبعيتهم زالت بموت المتبوع.
وإفراده (الزوجة) (وجمعه (الأولاد): يوهم: اعتبار الوحدة في الزوجة، والأصحُّ: خلافه.
ولم يبين المصنف قدر ما يعطوه، قال المنكت: والمراد: ما يليق بهم لا ما كان يأخذه المرتزق 13.
واستنبط السبكي من هذه المسألة: أن الفقيه أو المعيد أو المدرس إذا مات .. تعطى زوجته وأولاده مما كان يأخذ ما يقوم بهم، ترغيبًا في العلم كالترغيب هنا في الجهاد، فإن فضل المال عن كفايتهم .. صرف الباقي لمن يقوم بالوظيفة، قال: وليس فيه تعطيل لشرط الواقف، فإنّ قصدَه تلك الصفةُ، وقد حصلت مدةً من أبيهم،
الجزء: 2 - الصفحة: 663
فَتُعْطَى الزَّوْجَةُ حَتَّى تَنْكِحَ، وَالأَوْلَادُ حَتَّى يَسْتَقِلُّوا. فَإِنْ فَضَّلَتِ الأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ عَنْ حَاجَاتِ الْمُرْتَزِقَةِ .. وُزِّعَ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مُؤْنَتِهِمْ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصرَفَ بَعْضهُ فِي إِصْلَاحِ الثُّغُورِ وَالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ. هَذَا حُكْمُ مَنْقُولِ الْفَيْءِ، فَأَمَّا عَقَارُهُ ... فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ
والصرفُ لهم بعده بطريق التبعية، ومدتهُم مغتفرةٌ في جنب ما مضى؛ كزمن البطالة، قال المنكت: وقد يفرق بينهما: بأن العلمَ محبوب للنفوس لا يصد الناس عنه شيء، فيوكل الناس فيه إلى ميلهم إليه، والجهادَ مكروه للنفوس، فيحتاج الناس في إرصاد أنفسهم له إلى التاليف، وإلا .. فمحبة الزوجة والولد قد تصد عنه 14.
(فتعطى الزوجة حتى تنكح) لاستغنائها بزوجها، فإن كان زوجها الثاني صن المرتزقة .. قرر لها كفايتها تبعًا له، (والأولاد حتى يستقلوا) بالكسب أو القدرة على الجهاد، فلو بلغوا عاجزين لعمى أو زَمانة .. فكمن لم يبلغ.
هذا في الذكور، وأما الإناث .. فيرزقن حتى ينحكن؛ كما نقله الرافعي عن قضية "الوسيط" وأقره 15.
(فإن فضّلت 16 الأخماس الأربعة عن حاجات المرتزقة) (وقلنا بالأظهر: أنها لهم خاصة، ( .. وزع عليهم على قدر مؤنتهم) لأنه حقهم، فإذا كان لواحد نصف ولآخر ثلث .. وزع عليهم كذلك.
(والأصحُّ: أنه يجوز أن يصرف بعضه) أي: الفاضل عن حاجاتهم، والتفريع على الأظهر (في إصلاح الثغور والسلاح والكُراع) (وهو الخيل؛ لأنه معونة لهم، والثاني: المنع، بل يوزع عليهم لاستحقاقهم له؛ كالغنيمة، وصححه في "الكفاية" 17.
(هذا حكم منقول الفيء، فأما عقاره) من بناء وأرض ( .. فالمذهب: أنه
الجزء: 2 - الصفحة: 664
يُجْعَلُ وَقْفًا، وَتُقْسَمُ غَلَّتُهُ كَذَلِكَ.
فَصْلٌ [في الغنيمة وما يتبعها]
الْغَنِيمَةُ: مَالٌ حَصَلَ مِنْ كُفَّارٍ بِقِتَالٍ وَإِيجَافٍ
يجعل وقفًا، وتقسم غلته كذلك) في كلِّ عام؛ لأنه أنفع لهم.
وتعبيره يقتضي أمورًا:
أحدها: أنها لا تصير وقفًا بنفس الحصول، بل لا بدَّ من إنشاء وقف، وهو الأصحُّ، وقيل: تصير وقفًا بنفس الحصول؛ كرق النساء بنفس الأسر، ثانيها: تحتّم الوقف، وهو خلاف المذكور في "الشرح" و"الروضة"، من تخيير الإمام بين وقفه، أو قسمته، أو بيعه وقسمة ثمنه 18، لكن قال البُلْقيني: إن هذا لم يصححه أحد من الأصحاب، والذي عليه الأئمة؛ كما في "النهاية": أنه لا يجوز بيع شيء من ذلك وأن الأراضي تبقى موقوفة.
وقال الأَذْرَعي: قد يقال: لا اختلاف بين "المنهاج" و"الشرح" و"الروضة"، بل مذهبنا: ما في "المنهاج"، فإن رأى الإمام المجتهد غيره .. فلا اعتراض عليه، وللمسألة نظائر، وفيه نظر، وإنما تخيير الإمام وجه آخر حكاه الإمام.
انتهى.
ثالثها: أن المراد: الوقف الشرعي، وهو الأصحُّ، وقيل: المراد: الوقف عن التصرف بالقسمة لا الوقف الشرعي.
هذا حكم الأخماس الأربعة، وأما الخُمُس الباقي .. ففيه اختلاف، وحاصله عند التأمل: أن المذهب: أنه يجعل وقفًا أيضًا، قاله الرافعي 19.
(فصل: الغنيمة: مال حصل من كفار) أصليين حربيين (بقتال وإيجاف) خيل أو ركاب.
وخرج بقوله: (مال): الكلاب التي يجوز اقتناؤها؛ فإنها لا تكون غنيمة، وقد
الجزء: 2 - الصفحة: 665
فَيُقَدَّمُ مِنْهُ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ، وَهُوَ: ثِيَابُ الْقَتِيلِ وَالْخُفُّ وَالرَّانُ،
ذكر المصنف حكمها في (كتاب السير) 20، وهل يلتحق جلد الميتة بالكلب أو بالمال؛ فيه احتمالان لابن الرفعة.
وقوله: (حصل): كان ينبغي أن يقول: حصلناه؛ ليخرج ما حصله أهل الذمة من أهل الحرب بقتال، فالنص: أنه ليس بغنيمة 21.
وقوله: (وإيجاف) (الواو) هنا ينبغي أن تكون بمعنى (أو) لئلا يرد المأخوذ بقتال الرجّالة وفي السفن؛ فإنه غنيمة ولا إيجافَ فيه، وما إذا التقى الصفان فانهزم الكفار قبل شهر السلاح وتركوا مالهم .. فإنه غنيمة - كما قاله الإمام 22 - ولا قتال فيه، وكذا لو صالحونا على مال عند القتال .. فإنه غنيمة؛ كما قاله الروياني في "الحلية" وأقراه 23، وكذا ما أهدوه لنا والحربُ قائمة؛ كما مر.
نعم؛ يرد على طرده: ما تركوه بسبب حصول خيلنا وركابنا في دارهم؛ فإنه ليس غنيمة في أصحِّ الوجهين عند الإمام مع وجود الإيجاف، وعلى عكسه ما أخذ على وجه السرقة؛ فإن الأصحَّ في "الروضة" في (السير): أنه غنيمة مخمسة 24.
(فيقدَّم منه) أي: من أصل المال (السَّلَب للقاتل) المسلم، لحديث: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ: بَيِّنَةٌ .. فَلَهُ سَلَبُهُ" متفق عليه 25.
ويشترط في المقتول: ألا يكون منهيًّا عن قتله، فلو قتل صبيًّا أو امرأة لم يقاتلا .. فلا سلب، فإن قاتلا .. استحقه في الأصحِّ، ولو أعرض مستحق السلب عنه .. لم يسقط حقه منه على الأصحِّ؛ لأنه متعين له.
(وهو) أي: السَّلَب بالتحريك (ثياب القتيل) التي عليه، (والخف والران) وهو كالخف لكن لا قدم له، وهو أطول من الخف يلبس للساق، قاله في "شرح
الجزء: 2 - الصفحة: 666
وَآلَاتُ الْحَرْبِ كَدِرْعٍ وَسِلَاحٍ، وَمَرْكُوبٍ وَسَرْجٍ وَلِجَامٍ، وَكَذَا سِوَارٌ وَمِنْطَقَةٌ وَخَاتَمٌ، وَنَفَقَةٌ مَعَهُ، وَجَنِيبَةٌ تُقَادُ مَعَهُ فِي الأَظْهَرِ، لَا حَقِيبَةٌ مَشْدُودَةٌ عَلَى الْفَرَسِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِرُكُوبِ غَرَرٍ يَكْفِي بِهِ شَرَّ كَافِرٍ فِي حَالِ
المهذب" في (الحج) 26، ) (وآلات الحرب؛ كدرع) (وهو الزَّرَدِيّة، (وسلاح، ومركوب وسَرْج ولِجام)، ومِهْماز وجُلّ ومِقْوَد؛ لثبوت يده على ذلك حسًّا، وسواء في المركوب كان راكبه أم قاتل راجلًا وعِنانُه بيده.
(وكذا سِوار ومِنْطَقَة وخاتم، ونفقة معه، وجَنِيبة تقاد معه في الأظهر) لأن هذه الأشياء متصلة به وتحت يده، والجَنِيبة قد يحتاج إليها، فهي كركوبه الذي أمسكه بِعنانه وهو يقاتل راجلًا، والثاني: لا؛ لأنه ليس مقاتلًا بها، فأشبه ما في خيمته.
ويجري الخلاف أيضًا: في الطوق والهِمْيَان الذي فيه النفقة.
واحترز بقوله: (ونفقة معه): عما إذا كانت في رَحْله، وقوله: (وجنيبة) قد يفهم: أنه لو كان معه جنائب .. لا يستحق إلا واحدة، وهو ما نقله الرافعي عن أبي الفرج الزاز، ثم قال: فعلى هذا: يبقى النظر في أن السلب أيتها هل يعينها الإمام أم يقرع؟ وقال المصنف: تخصيص أبي الفرج بجنيبة فيه نظر، وإذا قيل به .. فينبغي: أن يختار القاتل جنيبة منها؛ لأن كلَّ واحدة جنيبة، هذا هو المختار، بل الصواب، بخلاف ما أبداه.
انتهى 27.
(لا حقيبةٌ مشدوده على الفرس على المذهب) (وما فيها من نقد ومتاع؛ إذ ليست من لباسه ولا حليه ولا حلي فرسه، والطريق الثانية: طرد القولين في الجنيبة 28، واختار السبكي: دخولها في السلب.
والحَقِيبة - بفتح الحاء المهملة وكسر القاف -: وعاء يجمع فيه المتاع يجعل على حقو البعير.
(وإنما يَسْتحِق) السلبَ (بركوب غرر يَكفي به شرَّ كافر) أصلي (في حال
الجزء: 2 - الصفحة: 667
الْحَرْبِ، فَلَوْ رَمَى مِنْ حِصْنٍ أَوْ مِنَ الصَّفِّ أَوْ قَتَلَ نَائِمًا أَوْ أَسِيرًا أَوْ قَتَلَهُ وَقَدِ انْهَزَمَ الْكُفَّارُ .. فَلَا سَلَبَ. وَكِفَايَةُ شَرِّهِ: أَنْ يُزِيلَ امْتِنَاعَهُ؛ بِأَنْ يَفْقَأَ عَيْنَيْهِ أَوْ يَقْطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ،
الحرب)، هذه قيود ثلاثة بيّنها من بعدُ، والضمير في (به): يعود على (ركوب) أو (غرر)، وهما سواء.
(فلو رمى من حصن أو من الصف، أو قتل نائمًا أو أسيرًا، أو قتله وقد انهزم الكفار .. فلا سلب) لأنه في مقابلة ارتكاب الخطر والتغرير بالنفس في القتل ونحوه، وهو منتفٍ ههنا.
والمراد: انهزام الكفار بالكلية، أما لو فروا عن قرب وكان ذلك عن خديعة، أو تحيزوا إلى فئة .. فإن حكم القتال باقٍ وليست هزيمة حقيقية؛ كما أشار إليه الماوردي 29، وهو ظاهر.
وقوله: (من الصف): عبارة "المحرر" (من وراء الصف)، وكذا كتبها المصنف بخطه في "المنهاج"، ثم ضرب على لفظة (وراء)، والصورتان في "الروضة" و"الشرحين" 30، فأتى "المنهاج" بما ليس في "أصله"؛ لكونه يفهم منه ما في "أصله" من طريق الأولى، قال السبكي: وهو حسن لمن لا يلتزم في الاختصار معنى الأصل، وإلا .. لم يحسن.
(وكفاية شره: أن يزيل امتناعه؛ بأن يفقأ عينيه، أو يقطع يديه ورجليه) فإنه صلى الله عليه وسلم أعطى سلب أبي جهل لمثخنه دون قاتله 31، فدل على أن المناط: كفاية الشر.
وعبارة "الروضة": (بأن يعميه)، وهي أحسن من تعبير "المنهاج"، لشمولها مَن بعين واحدة، ومن ضرب رأسه فأذهب ضوء عينيه، وعبارة "المحرر": (أن يقتله، أو يزيل امتناعه) 32، فاقتصر المصنف على الثاني؛ ليفهم الأولى من باب أولى.
الجزء: 2 - الصفحة: 668
وَكَذَا لَوْ أَسَرَهُ أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ فِي الأَظْهَرِ. وَلَا يُخَمَّسُ السَّلَبُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَبَعْدَ السَّلَبِ تُخْرَجُ مُؤْنَةُ الْحِفْظِ وَالنَّقْلِ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ يُخَمَّسُ الْبَاقِي:
(وكذا لو أسره، أو قطع يديه أو رجليه في الأظهر) أما في الأسر .. فلأنه أبلغ من القتل، وأما القطع .. فكما لو فقأ عينيه، والثاني: لا، أما في الأسر .. فلأن شره لم يندفع كله، وأما في الباقي .. فلأنه قد يقاتل راكبًا بعد قطع الرجلين بيديه، وبعد قطع اليدين قد يهرب ويجمع القوم.
ويجري الخلاف: فيما لو قطع يدًا ورجلًا.
وترك بعضهم الخلاف على حالين؛ إن لم يبق فيه قتال .. استحق، وإن بقي .. فلا، وصححه الإمام 33.
وصورة مسألة الأسير: أن يقتله الإمام أو يمن عليه، فيكون سلبه لمن أسره، فلو استرقه أو فاداه بمال .. فهل تكون رقبته أو المال المفادى به لمن أسره؟ قولان، قال الرافعي: ويشبه أن يكون الأظهر هنا: المنع، وأطلق تصحيحه في "الشرح الصغير" 34.
(ولا يخمس السلب على المشهور) لأنه صلى الله عليه وسلم قضى به للقاتل ولم يخمسه، رواه أبو داوود وصححه ابن حبان، وفي "مسلم": "لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ" 35، والثاني: يخمس؛ لإطلاق الآية كغيره من الغنيمة، فيدفع خمسه إلى أهل الخمس، والباقي للقاتل.
(وبعد السلب تخرج مؤنة الحفظ والنقل وغيرهما) من المؤن اللازمة؛ كأجرة حمّال وراعٍ ونحوه، للحاجة إليها، (ثم يخمس الباقي) فيجعل خمسة أقسام متساوية، ويؤخذ خمس رقاع ويكتب على واحدة: لله أو للمصالح، وعلى أربعة: للغانمين، وتدرج في بنادق من طين أو شمع متساوية، ويجففها، ويخرج لكل سهم
الجزء: 2 - الصفحة: 669
فَخُمُسُهُ لِأهْلِ خُمُسِ الْفَيْءِ يُقَسَّمُ كَمَا سَبَقَ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ النَّفَلَ يَكُونُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصالِح إِنْ نَفَلَ مِمَّا سَيُغْنَمُ فِي هَذَا الْقِتَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ الْحَاصِلِ عِنْدَهُ،
رقعة، فما خرج لله.
. جعل بين أهل الخمس على خمسة، ويقسم الباقي على الغانمين؛ كما سيأتي.
ويقسم للغانمين قبل قسمة الخمس على أربابه؛ لأنهم حاضرون ومحصورون، وكلام المصنف: قد يوهم خلافه.
قال الرافعي: ولا يكره قسمتها في دار الحرب، قال المصنف: بل يستحب، بل في "التهذيب" وغيره: يكره التأخير إلى دار الإسلام من غير عذر 36.
(فخمسه لأهل خمس الفيء يقسم كما سبق) في قسم الفيء.
(والأصحُّ: أن النفل) بفتح النون والفاء وإسكانها (يكون من خمس الخمس المرصد للمصالح) لرواية الشافعي عن مالك عن أبي الزناد: أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: (كان الناس يعطون النفل من الخمس)، قال الشافعي: يريد: من خمس النبي صلى الله عليه وسلم 37.
والثاني: من أصل الغنيمة؛ كالسلب، والثالث: من أربعة أخماسها؛ كالمصحح في الرَّضْخ.
(إن نفل مما سيغنم في هذا القتال) أي: هذا الخلاف إذا شرط مما سيغنم في هذا القتال؛ وفاء بالشرط والوعد، ويغتفر الجهل به، فيشترط الربع أو الثلث أو غيرهما.
وقوله: (نفل): قال السبكي: يجوز فيه التشديد إذا عديته إلى اثنين، والتخفيف إذا عديته إلى واحد، وقد كتب المصنف عليه بخطه: (خف) لأن معناه: جعل النفل.
(ويجوز أن ينفل من مال المصالح الحاصل عنده) في بيت المال ومما يتجدد فيه؛
الجزء: 2 - الصفحة: 670
وَالنَّفَلُ: زِيَادَةٌ يَشْرِطُهَا الإِمَامُ أَوِ الأَمِيرُ لِمَنْ يَفْعَلُ مَا فِيهِ نِكَايَةٌ فِي الْكُفَّارِ، وَيَجْتَهِدُ فِي قَدْرِهِ. وَالأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ عَقَارُهَا وَمَنْقُولُهَا لِلْغَانِمِينَ،
لأن ذلك من جملة المصالح، ولا تغتفر الجهالة حينئذٍ، بل لا بدَّ أن يكون معلومًا؛ فإنه جعالة ولا ضرورة إلى احتمال الجهل في الجعل.
وقضية كلامه: التخيير بين خمس الخمس والمصالح، قال الرافعي: والأشبه: أن يجتهد ويراعي المصلحة 38.
(والنفل: زيادة يشرطها الإمام أو الأمير لمن يفعل ما فيه نكاية في الكفار) أي: نكاية زائدة على ما يفعله بقية الجيش، وكذا توقع ظفر ودفع شر؛ كالتقدم على طليعة، أو التهجم على قلعة أو الدلالة عليها، ولحفظ مكمن وتجسيس حال وشبهها، وإنما يفعل ذلك إذا مست الحاجة إليه؛ لكثرة العدو وقلة المسلمين واقتضى الحال بعث السرايا وحفظ المكامن.
وقوله: (يشرطها الإمام أو الأمير) يوهم: أنه لا بدَّ من شرطه له أولًا قبل الإقدام، وهذا أحد قسمي النفل، والقسم الثاني: أن ينفل من ظَهَر منه أثر محمود؛ كمبارزة وحسن إقدام، فيزيده على سهمه ما يليق بالحال، لكن هذا يتعين من سهم المصالح.
(ويجتهد) الإمام (في قدره) بحسب قلة العمل وكثرته وخطره وضده؛ لما روي: أنه صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البداءة الربع، وفي القفول الثلث، صححه الترمذي 39.
و(البداءة): التي تتقدم الجيش، و (القفول): الرجوع، والخطر فيه أعظم.
ويجوز الزيادة على الثلث والنقص عن الربع بحسب الاجتهاد.
(والأخماس الأربعة عقارها ومنقولها للغانمين) لإطلاق الآية والأخبار، وعملًا بفعله صلى الله عليه وسلم في أرض خيبر 40.
الجزء: 2 - الصفحة: 671
وَهُمْ: مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ بنِيَّةِ الْقِتَالِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ. وَلَا شَيْءَ لِمَنْ حَضَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، وَفِيمَا قَبْلَ حِيَازَةِ اَلْمَالِ وَجْهٌ.
(وهم) أي: الغانمون (من حضر الوقعة) ولو في أثنائها قبل الانقضاء ولو عند الإشراف على الفتح (بنية القتال وإن لم يقاتل) لقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: (الغنيمة لمن شهد الوقعة)، رواه الشافعي 41.
وهذا الضابط: يشمل العبد والمرأة والصبي والكافر، فلو قال: (ممن يسهم له) كما فعل في "الروضة".
. لخرجوا 42، قال السبكي: ويحتمل: إبقاء الكلام على عمومه ومن يرضخ لهم من جملة الغانمين، فلا حاجة إلى إخراجهم.
واحترز بقوله: (بنية القتال): عن الغلمان ونحوهم ممن لم ينو القتال ولا قاتل.
وأورد على مفهوم كلام المصنف صور: منها: لو دخل الإمام أو نائبه دار الحرب بجيش فوقعت سرية في ناحية فغنمت.
. شاركها جيش الإمام، وبالعكس؛ لاستظهار كلٍّ منهما بالآخر، ومنها: لو بعمث جاسوسًا فغنم الجيش قبل رجوعه.
. شاركهم في الأصحِّ، ومنها: لو أمر الإمام بعض العسكر ليحرس من هجوم عدو أو أفرد من الجيش كمينًا.
. فإنه يسهم لهم وإن لم يحضروا الوقعة؛ لأنهم في حكمهم.
وعلى منطوقه: المنهزم الغير المتحرف لقتال ولا متحيز إلى فئة ولم يعد؛ فإنه لا يستحق شيئًا مع حضوره، أما إذا أعان قبل انقضاء الوقعة.
. استحق من المحرز بعده فقط، قاله البغوي وأقراه 43.
والمخذّل والمرجف والخائن -وهو من يتجسس للكفار ويراسلهم بالعورات-.
. فلا يستحقون شيئًا، وفي استثناء المخذل والمرجف نظر؛ لتضاد قصده ونية القتال.
(ولا شيء لمن حضر بعد انقضاء القتال) لما تقدم، (وفيما قبل حيازة المال) وبعد انقضاء الوقعة (وجه): أنه يعطى؛ لأنه لحق قبل تمام الاستيلاء، والأصحُّ: المنع؛ لعدم شهود الوقعة، قال في "الكفاية": والخلاف راجع إلى أن القسمة تملك
الجزء: 2 - الصفحة: 672
وَلَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ انْقِضائِهِ وَالْحِيَازَةِ. . فَحَقُّهُ لِوَارثهِ، وَكَذَا بَعْدَ الانْقِضَاءِ وَقَبْلَ الْحِيَازَةِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ مَاتَ فِي الْقِتَالِ. . فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الأَجِيرَ لِسِيَاسَةِ الدَّوَابِّ وَحِفْظِ الأَمْتِعَةِ، وَالتَّاجِرَ وَالْمُحْتَرِفَ يُسْهَمُ لَهُمْ إِذَا قَاتلوا
بانقضاء الحرب، أو به وبالحيازة 44.
(ولو مات بعضهم بعد انقضائه والحيازةِ.
. فحقه لوارثه) كسائر الحقوق، وهذا على قولنا: إنه يملك بالانقضاء أو بالحيازة.
. واضحٌ، فإن قلنا: لا يملك إلا بالقسمة أو باختيار التملك على ما هو الصحيح في (السير) 45. . قال ابن الرفعة: فينبغي أن يقال: ينتقل للورثة حق التملك؛ كالأخذ بالشفعة لا الملك.
انتهى 46، وعبارة المصنف مخلصة؛ لشمولها الأمرين.
(وكذا بعد الانقضاء وقبل الحيازة في الأصحِّ) الخلاف مبني: على أن حق التملك يحصل بانقضاء الحرب، أو به مع الحيازة، فعلى الأول: نعم، وعلى الثاني: لا.
(ولو مات في) أثناء (القتال.
. فالمذهب: أنه لا شيء له) هذا هو المنصوص، ونص في موت الفرس حينئذ: أنه يستحق سهمها 47، فقيل: قولان فيهما بالنقل والتخريج، والأصحُّ: تقرير النصين.
والفرق: أن الفارس متبوع، فإذا مات.
. فات الأصل، والفرسَ تابع، فإذا مات.
. جاز أن يبقى سهمه للمتبوع.
وقيل: إن حصلت حيازة المال بقتال جديد.
. لم يستحق فيهما، أو بذلك القتال السابق.
. استحق فيهما.
(والأظهر: أن الأجيرَ لسياسة الدواب وحفظ الأمتعة، والتاجرَ والمحترفَ.
. يسهم لهم إذا قاتلوا) لشهودهم الوقعة وقتالهم، والثاني: لا؛ لأنهم لم يحضروا للجهاد.
الجزء: 2 - الصفحة: 673
وَلِلرَّاجِلٍ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثةٌ. وَلَا يُعْطَى إِلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لَا لِبَعِيرٍ وَغيْرِهِ.
وقوله: (لسياسة الدواب) أي: شهرًا مثلًا، فيخرج: العمل في الذمة بغير مدة؛ كخياطة؛ فإنه يستحق جزمًا، ويخرج: الأجير للجهاد؛ فإنه إن صححنا الإجارة.
. فلا سهم له ولا رَضْخ، وإن لم نصححها -وهو الصحيح-.
. ففي استحقاق السهم وجهان؛ أصحهما في "الشرح الصغير": المنع.
واعلم: أن ظاهر كلام "الروضة" و"أصلها": أن الأجير لسياسة الدواب يستحق السهم على الأظهر وإن لم يقاتل، بخلاف التاجر؛ فإنه إنما يستحق إذا قاتل 48، وهو مخالف لما اقتضاه كلام "الكتاب" من تساويهم في التفصيل.
(وللراجل سهم، وللفارس ثلاثة) لأنه صلى الله عليه وسلم قسم يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهمًا، متفق عليه 49، وسواء في الفارس إذا كان من أهل فرض القتال قاتل على فرسه أم لا إذا كان مهيئًا للقتال، وسواء أكانت الفرس مملوكة له أم مستأجرة أم مستعارة أم مغصوبة، وقيل: إن سهم الفرس المغصوب لمالكها، وصححه السبكي.
(ولا يعطى إلا لفرس واحد) لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعط الزبير إلا لفرس وقد حضر يوم خيبر بأفراس، رواه الشافعي 50، وقيل: يعطى لفرسين بلا زيادة.
(عربيًّا كان أو غيره) كالبرذون؛ وهو ما أبواه عجميان، و (الهجين) وهو ما أبوه عربي دون أمه، و (المقرف) عكسه؛ لأن الكر والفر يقع منها كلِّها، فلا يضر تفاوتها؛ كالرجال، (لا لبعير وغيره) كالفيل والبغل والحمار؛ لأنها لا تصلح للحرب صلاحيةَ الخيل، ولا يتأتى بها الكر والفر، واستأنسوا له بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾، فخصّها بالذكر.
الجزء: 2 - الصفحة: 674
وَلَا يُعْطَى لِفَرَسٍ أَعْجَفَ وَمَا لَا غَنَاءَ فِيهِ، وَفِي قَوْلٍ: يُعْطَى إِنْ لَمْ يُعْلَمْ نَهْيُ الأَمِيرِ عَنْ إِحْضَارِهِ. وَالْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ وَالْمَرْأَةُ وَالذِّمِّيُّ إِذَا حَضَرُوا. . فَلَهُمُ الرَّضْخُ، وَهُوَ: دُونَ سَهْمٍ يَجْتَهِدُ الإِمَامُ فِي قَدْرِهِ
نعم؛ يرضخ لهذه الدواب ويفاوت بينها، ولا يبلغ سهم فرس.
(ولا يعطى لفرس أعجفَ) أي: مهزولٍ، (وما لا غَنَاء فيه) لعدم فائدته، (وفي قول: يعطى إن لم يعلم نهي الأمير عن إحضاره) كما يسهم للشيخ الهرم الضعيف إذا حضر.
وفرق الأول: بأن الشيخ ينتفع برأيه ودعائه، بخلافه.
ومحلُّ الخلاف: إذا تأتى ركوبه، وإلا.
. لم يعط قطعًا، وأفهم: أنه إذا علم نهي الأمير عن إحضاره.
. لا يسهم له قطعًا، وهو كذلك، قال الأَذْرَعي: وكذا أقول إذا علم نهي الشارع عنه.
والمراد بعدم إعطائه: أنه لا يسهم له، وإلا.
. فيرضخ له.
(والعبد والصبي والمرأة والذمي إذا حضروا.
. فلهم الرّضْخ) لأنه صلى الله عليه وسلم أعطى العبيد، صححه الترمذي 51، وأعطى النساء والصبيان بخيبر، رواه البيهقي مرسلًا 52، وأسهم لقوم من اليهود قاتلوا معه، رواه أبو داوود 53، وهو محمول على الرضْخ.
والرضخ مستحق، وقيل: مستحب.
وسواء أذن السيد والولي والزوج في الحضور أم لا، والرضْخُ لسيد العبد وإن لم يأذن، والخنثى كالمرأة، والمبعض هل يرضخ له أو يلحق بالحر؟ قال ابن الملقن: (فيه نظر، ولم أره منقولًا) 54.
(وهو: دون سهم يجتهد الإمام في قدره) لأنه لم يرد فيه تحديد، فرجع إلى رأيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 675
وَمَحَلُّهُ: الأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: إِنَّمَا يُرْضَخُ لِذِمِّيٍّ حَضَرَ بِلَا أُجْرَةٍ، وَبِإِذْنِ الإِمَامِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
ولا يبلغ برضخ الراجل سهمه، وهل يبلغ برضخ الفارس سهم الراجل؟ وجهان؛ كبلوغ تعزير الحر حدَّ العبد، قاله في "الروضة"، وقضيته: ترجيح إبلاغه، وصححه الماوردي في (السير)؛ كما نقله ابن الرفعة في "الكفاية"، لكن نقل في "أصل الروضة" هنا عن الماوردي: القطع بمنع إبلاغه 55، فاختلف النقل عن الماوردي، فليحرر، ولعل كلام الماوردي اختلف هنا وفي (السير) 56.
(ومحله: الأخماس الأربعة في الأظهر) لأنه سهم من الغنيمة يستحق بحضور الوقعة إلا أنه ناقص، والثاني: أنه من أصل الغنيمة؛ كالمؤنة، والثالث: من خمس الخمس سهم المصالح.
(قلت: إنما يُرضَخ لذمي حضر بلا أجرة، وبإذن الإمام) أو الأمير (على الصحيح، والله أعلم) فإن حضر بأجرة.
. فله الأجرة فقط جزمًا؛ لأنه أخذ عن حضوره بدلًا فلا يقابل ببدل آخر، وإن حضر بلا إذن الإمام أو الأمير.
. فلا رضخ، بل يعزره الإمام إن رآه، وهذا محلُّ قول المصنف: (على الصحيح).
ومقابله: أنه يستحق وإن لم يأذن؛ لأنه من سكان دارنا، وقيل: إن قاتل.
. استحق، وإلا.
. فلا 57.
الجزء: 2 - الصفحة: 676
كتابُ قَسْم الصّدقات الْفَقِيرُ: مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا كَسْبَ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ، وَلَا يَمْنَعُ الْفَقْرَ مَسْكَنُهُ وَثِيَابُهُ،
﴿كتاب قسم الصدقات﴾
سميت بذلك؛ لإشعارها بصدق باذلها، وتطلق على الواجبة والتطوع، والكتاب واف بالنوعين، ذكر النوع الثاني في فصل مفرد، وجمع الصدقة؛ لاختلاف أنواعها من ماشية وحب وتمر ونقد وغيرها.
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية.
(الفقير: من لا مال له ولا كسب يقع موقعًا من كفايته) 58 كلام المصنف هنا مفلت، فإنه لم يذكر ما يربطه، بخلاف "المحرر" فإنه افتتح الباب بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية ثم شرع في تعيين ما اقتضت الآية استحقاقهم 59.
والذي لا يقع موقعًا من الكفاية: أن يحتاج إلى عشرة ويجد منها درهمين أو ثلاثة.
(ولا يمنع الفقر مسكنه) الذي هو ملكه (وثيابه) ولو ما يلبسه للتجمل وإن تعدد إذا احتاج إليه، وكذا العبد المحتاج إلى خدمته، كما نقله في "زيادة الروضة" عن ابن كج وقال: إنه متعين.
ولو لم يكن له ذلك واحتاج إلى شرائها ومعه ثمنها قال السبكي: لم أر فيه نقلًا، وبظهر أنه كوفاء الدين، وقد صرح البغوي في "فتاويه": بأنه لا يعطى من سهم الفقراء حتى يصرف ما عنده في الدين، لكن قال الرافعي: إنه يمكن أن يقال: القدر الذي يؤدى به الدين لا عبرة به في منع الاستحقاق؛ كما لا عبرة به في وجوب نفقة القريب، وكذا في الفطرة على الوجه الذي مر في موضعه.
الجزء: 2 - الصفحة: 677
وَمَالُهُ الْغَائِبُ فِي مَرْحَلَتَيْنِ، وَالْمُؤَجَّلُ، وَكَسْبٌ لَا يَلِيقُ بِهِ. وَلَوِ اشْتَغَلَ بِعِلْمٍ وَالْكَسْبُ يَمْنَعُهُ .. فَفَقِيرٌ،
انتهى 60، وما ذكره فيه نظر، فإن نفقة القريب واجبة مع الدين؛ كما ذكروه في الفلس، وذلك يقتضي الغنى، وإنما يصح الاحتجاج أن لو كانت نفقة القريب لا تجب مع الدين، ولهذا قال في "المطلب": الحق ما قاله البغوي، وأما الفطرة.
. فمنعُ الدين لها وجه، كما قاله الإمام، ونقل الاتفاق عليه 61، والمرجح خلافه، كما مر في (باب زكاة الفطر) وقد نص عليه في "الأم" أيضًا بناء على أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة 62، ولو اعتاد السكنى بالأجرة، أو في مدرسة ولا ضرورة إلى شرائه ملكًا.
. فالظاهر: خروجه عن اسم الفقر به.
(وماله الغائب في مرحلتين) بل له الأخذ حتى يصل إليه، لأنه معسر الآن، قال السبكي: ويحتاج القول بالأخذ مع ماله الغائب إلى دليل.
نعم؛ إن لم يجد من يقرضه.
. جاز الأخذ، وقال الأَذْرَعي: يجوز أن يقال: إذا لم يجد من يقرضه أن يقرضه الإمام من بيت المال؛ كما قيل بمثله في نفقة اللقيط، قال: وأما إعطاؤه باسم الفقير.
. فبعيد جدًّا، لأنه غني شرعًا وعرفًا.
(والمؤجل) لا يمنع الفقر أيضًا، فله الأخذ إلى حلوله، (وكسب لا يليق به) أي: بحاله ومروءته، لأنه يخل بمروءته، فكان كالعدم.
(ولو اشتغل بعلم) شرعي؛ كما قاله في"الروضة" (والكسب يمنعه.
. ففقير) لأن تحصيله فرض كفاية، كذا جزم به الرافعي، وقال المصنف: هذا هو المعروف، وذكر الدارمي: أوجهًا؛ ثالثها: يستحق النجيب المرجو النفع به لا غيره، ثم قالا: وأما من لا يتأتى منه التحصيل.
. فلا يعطى إن قدر على الكسب 63، قال السبكي: وهذا يحتمل حمله على بعض ما قاله الدارمي، أو يكون هذا فيمن لا يشتغل البتة، وذاك مشتغل.
الجزء: 2 - الصفحة: 678
وَلَوِ اشْتَغَلَ بالنَّوَافِلِ. . فَلَا. وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الزَّمَانَةُ وَلَا التَّعَفُّفُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْجَدِيدِ. وَالْمَكْفِيُّ بِنَفَقَةِ قَرِيبٍ أَوْ زَوْجٍ لَيْسَ فَقِيرًا فِي الأَصَحِّ. وَالْمِسْكِينُ: مَنْ قَدَرَ عَلَى مَالٍ أَوْ كَسْبٍ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ
واحترز بقوله: (والكسب يمنعه) عما لو كان لا يمنعه، فلا يعطى إذا كان يليق به، ومثله في "البسيط" بالتكسب بالوراقة؛ يعني: النسخ.
(ولو اشتغل بالنوافل) المطلقة (. . فلا) لأن نفعها قاصر عليه، بخلاف العلم، وادعى في "شرح المهذب" الاتفاق عليه 64، لكن في "فتاوى القفال" أن المستغرق الوقت بالعبادة والصلاة آناء الليل والنهار يحل له أخذ الزكاة وإن كان قويًّا، أما غيره.
. فلا وإن كان صوفيًّا.
(ولا يشترط فيه) أي: في الفقير (الزمانة ولا التعفف عن المسألة على الجديد) فيهما؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أعطى من لم يسأل ومن سأل، ولم يكن زمنًا، وللحاجة، والقديم: الاشتراط؛ لأنه إذا لم يكن زمنًا.
. تمكن من نوع اكتساب، وإذا سأل.
. أعطي، قال الإمام: وإذا اشترطت الزمانة.
. ففي اشتراط العمى: وجهان؛ لأن الزمن البصير قد يتأتى من الحراسة 65.
(والمكفيُّ بنفقة قريب، أو زوج ليس فقيرًا) ولا مسكينًا (في الأصحِّ) لاستغنائه بالنفقة، والثاني: نعم؛ لاحتياجه إلى غيره، والخلاف في القريب إذا أعطاه غير قريبه المنفق من سهم الفقراء والمساكين، ويجوز أن يعطيه من غيرهما قطعًا، وأما لمنفق.
. فليس له إعطاؤه لأجل نفسه من سهم الفقراء والمساكين قطعًا، وله إعطاؤه من غيرهما بشرطه؛ لأنه لا يعطى ابن السبيل إلا ما زاد بسبب السفر 66، وأما الزوجة الحرة.
. فالوجهان جاريان في إعطاء الزوج وغيره؛ لأنه لا يدفع به نفقتها عن نفسه، بخلاف قريبه.
(والمسكين: من قدر على مال أو كسب يقع موقعًا من كفايته) وكفاية من تلزمه
الجزء: 2 - الصفحة: 679
وَلَا يَكْفِيهِ. وَالْعَامِلُ: سَاعٍ، وَكَاتِبٌ، وَقَاسِمٌ، وَحَاشِرٌ يَجْمَعُ ذَوِي الأَمْوَالِ، لَا الْقَاضِي وَالْوَالِي. وَالْمُؤَلَّفَةُ: مَنْ أَسْلَمَ وَنيَّتُهُ ضَعِيفَةٌ، أَوْ لَهُ شَرَفٌ يُتَوَقَّعُ بِإِعْطَائِهِ إِسْلَامُ غَيْرِهِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ.
نفقته (ولا يكفيه) كمن يريد عشرة فيجد ثمانية، أو يقدر على كسبها، أو له عقار يغلها، فيعطى التتمة، ولا يكلف بيعه، والمعتبر في كل ذلك: ما يليق بالحال بلا إسراف ولا تقتير، والمراد: عدم كفايته سنة، كما أفتى به البغوي وابن الصلاح والمصنف في "فتاويه" غير المشهورة 67، فمن معه كفاية سنة.
. لا يعطى شيئًا؛ لأنه ليس مسكينًا حينئذ وإن كنا نعطيه كفاية العمر الغالب لو نقص ما معه عن السنة، وقد علم من كلام المصنف أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين، وعكس أبو حنيفة التفسيرين، ولا يظهر للخلاف فائدة في الزكاة، إنما يظهر في الوصية والنذر؛ كما إذا أوصى أو نذر للفقراء دون المساكين، أو عكسه.
(والعامل: ساعٍ، وكاتب، وقاسم، وحاشر يجمع ذوي الأموال) لصدق الاسم عليه والساعي: هو الذي يرسل إلى البلاد؛ لأخذ الصدقات، والكاتب: هو الذي يكتب ما على أرباب الأموال من مبلغ الصدقة وما أعطوه، أو يكتب لهم براءةً بالأداء، والحاشر: اثنان: أحدهما: ما ذكره، والثاني: من يجمع أهل السهمان.
وقد يوهم كلام المصنف: الحصر فيهم، وليس كذلك، بل منهم الحاسب والعريف: وهو كالنقيب للقبيلة، قال المسعودي: والجندي؛ أي: المشد.
(لا القاضي والوالي) أي: والي الإقليم إذا قاما بذلك.
. لم يجز لهما أخذ سهم العامل فإن عملهما عام؛ كالإمام.
نعم؛ إن لم يتطوعا به.
. رزقهما الإمام من خمس الخمس المرصد للمصالح.
(والمؤلفة: من أسلم ونيته ضعيفة) فيتألف؛ ليقوى إيمانه، (أو له شرف يتوقع بإعطائه إسلامُ غيره) مع حسن نيته في الإسلام.
(والمذهب: أنهم يعطون من الزكاة) لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وفي قول:
الجزء: 2 - الصفحة: 680
وَالرِّقَابُ: الْمُكَاتبُونَ. وَالْغَارِمُ: إِنِ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ. . أُعْطِيَ
لا يعطون؛ لأن الله تعالى قد أعز الإسلام عن التألف بالمال، وفي قول: يعطون من المصالح لا من الزكاة.
وكان ينبغي أن يعبر بالأظهر؛ لأن الخلاف أقوال، كما ذكره في "الروضة" لا طرق 68.
واحترز بقوله: (من أسلم) عن مؤلفة الكفار، وهو من يرجى إسلامه ومن يخشى شره؛ فإنهم لا يعطون من الزكاة قطعًا، ولا من غيرها على الأظهر، لكن حصره المؤلفة في هذين ممنوع، بل هم أربعة، الثالث: من يقاتل من يليه من الكفار، والرابع: من يقاتل مانع الزكاة ويقبضها منهم ويحملها إلى الإمام، قال الإمام: وفي تسمية هذين مؤلفة تجوز؛ فإن قلوبهم مطمئنة إلى الإيمان 69، وليس بذل المال في مقابلة استمالتهم؛ أي: وإنما هما في معنى الغزاة والعاملين، وبهذا يجاب عن إهمال المصنف لهما.
(والرِّقاب: المكاتبون) لاقترانهم مع الغارمين الآخذين؛ لما في ذممهم؛ كما قرن الفقراء مع المساكين؛ لاشتراكهما في الحاجة، وسبيل الله وابن السبيل لأخذهما لمعنى مستقبل وليس المراد شراء عبيد وعتقهم، خلافًا لمالك وأحمد، وإنما يعطى المكاتب بشرطين، أحدهما: كون الكتابة صحيحة، وثانيهما: ألا يكون معه ما يفي بالنجم، وقدرته على الكسب لا تمنع الصرف إليه على الأصحِّ، وليس للسيد صرف زكاته إلى مكاتبه على الصحيح.
(والغارم: إن استدان لنفسه) أي: لغرض نفسه؛ من أكل ولبس، أو لحج أو جهاد ونحو ذلك (في غير معصية.
. أعطي) للآية؛ فإن كان لمعصية؛ كالزنا وشرب الخمر.
. لم يعط قبل التوبة؛ لأنه إعانة على المعصية، ولو استدان في معصية وصرفه في طاعة.
. أعطي، قاله الإمام، ثم قال: ولو استدان لا لمعصية وصرفه في معصية.
. أعطي إذا تحقق قصد الإباحة أولًا، لكنا لا نصدقه عند صرفه للحرام،
الجزء: 2 - الصفحة: 681
قُلْتُ: الأَصحُّ: يُعْطَى إِذَا تَابَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالأَظْهَرُ: اشْتِرَاطُ حَاجَتِهِ دُونَ حُلُولِ الدَّيْنِ. قُلْتُ: الأَصحُّ: اشْتِرَاطُ حُلُولهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
ويحتمل ألا يعطى وإن عرف صدقه، لأن النية إنما تؤثر إذا اقترن بها العمل 70.
(قلت: الأصحُّ: يعطى إذا تاب، والله أعلم) لأن التوبة قطعت حكم ما قبلها، فصار النظر إلى حال وجودها، والثاني: لا يعطى؛ لأنه ربما اتخذ ذلك ذريعة، ثم يعود.
وهذا استدركه المصنف؛ لما يفهمه عموم مفهوم الشرط من قوله: (إن استدان في غير معصية)، فإنه يفهم أن في المعصية لا يعطى مطلقًا، ولهذا نقل في "الروضة" عن "المحرر" الجزم بأنه لا يعطى، ومراده: ما اقتضاه عموم المفهوم، قال في "شرح المهذب": والظاهر: أنه إذا غلب على الظن صدقه في توبته.
. يعطى وإن قصرت المدة؛ كما جزم به الروياني 71.
(والأظهر: اشتراط حاجته) لأنه إنما يأخذ لحاجته؛ كالمكاتب، فلو وجد ما يقضي به الدين لم يعط، والثاني: المنع؛ لعموم الآية.
ومعنى الحاجة كما تقتضيه عبارة الأكثرين: كونه فقيرًا لا يملك شيئًا، قال الرافعي: وربما صرحوا به، والأقرب: قول بعضهم: لا يعتبر الفقر والمسكنة، بل لو ملك كفايته، ولو قضى منه الدين.
. نقصت كفايته فيترك مما معه قدر ما يكفيه؛ فلا يدخل في الاعتبار، ويقضي عنه قدر ما ينقص عن الكفاية.
انتهى، ووافقه في "الروضة" و"شرح المهذب" 72.
(دون حلول الدين) فيعطى قبل محله؛ لأنه مدين في الحال، (قلت: الأصحُّ: اشتراط حلوله، والله أعلم) لعدم حاجته إليه الآن، وصدر كلام المصنف يقتضي: أن الخلاف قولان، و"زيادته" تقتضي أنه وجهان، وهو ما في "الشرحين"، ولم يرجح في "الروضة" شيئًا 73.
الجزء: 2 - الصفحة: 682
أَوْ لإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ. . أُعْطِيَ مَعَ الْغِنَى، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ غَنِيًّا بِنَقْدٍ. . فَلَا. وَسَبيلُ اللهِ: غُزَاةٌ لَا فَيْءَ لَهُمْ، فَيُعْطَوْنَ مَعَ الْغِنَى. وَابْنُ سَبيلٍ: مُنْشِئُ سَفَرٍ أَوْ مُجْتَازٌ، وَشَرْطُهُ: الْحَاجَةُ وَعَدَمُ الْمَعْصيَةِ.
(أو لإصلاح ذات البين) هذا قسيم قوله: (لنفسه)، وصورته: أن يخاف فتنة بين شخصين أو قبيلتين بسبب قتيل لا يعرف قاتله، أو مال أتلف، فيستدين ما يسكن به الفتنة (. . أعطي مع الغنى) بالعقار قطعًا، وبالنقد على الأصحِّ، لأنه لو شرط الفقر.
. لامتنع الناس من هذه المكرمة.
(وقيل: إن كان غنيًّا بنقد.
. فلا) إذ ليس في صرفه إلى الدين ما يهتك المروءة، والأصحُّ: أنه لا فرق؛ لما ذكرناه، والغنى بالعرض كهو بالعقار على المذهب، وقيل: كالنقد، وإنما يعطى إذا بقي الدين، فإن أداه من ماله أو بذل ماله ابتداءً.
. لم يعط، ولا ينحصر الغارم في المستدين، بل الضامن إذا عسر هو والمضمون عنه أعطي، ولو أعسر الضامن وحده وكان ضمن بغير الإذن.
. أعطي؛ وإن كان بالإذن فلا؛ لأنه يرجع.
(وسبيل الله: غزاةٌ لا فيءَ لهم، فيعطون مع الغنى) لعموم الآية، وإنما فسَّر سبيل الله بالغزاة؛ لأن استعماله في الجهاد أغلب عرفًا وشرعًا، بدليل قوله تعالى في غير موضع: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقوله: (لا فيء لهم)؛ أي: لا سهم لهم في ديوان المرتزقة، بل هم متطوعة، يغزون إذا نشطوا؛ لأن من له في الفيء حقٌّ لا يصرف له من الصدقات شيء؛ كما لا يصرف شيء من الفئ إلى المتطوعة.
(وابن سبيل 74: منشئ سفر) من بلد الزكاة (أو مجتاز) به؛ للآية، وهو حقيقة في هذا، مجاز في الأول، وإعطاء الثاني: بالإجماع، والأول: بالقياس عليه؛ لأن مريد السفر محتاج إلى أسبابه.
(وشرطه: ) في الإعطاء لا في التسمية (الحاجة) فإن كان معه ما يحتاج إليه في سفره.
. لم يعط، (وعدم المعصية) لأن القصد إعانته، ولا يعان على المعصية،
الجزء: 2 - الصفحة: 683
وَشَرْطُ آخِذِ الزَّكَاةِ مِنْ هَذِهِ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ: الإِسْلَامُ، وَأَلَّا يَكُونَ هَاشِمِيًّا وَلَا مُطَّلِبِيًّا، وَكَذَا مَوْلَاهُمْ فِي الأَصَحِّ.
فيعطى في سفر الطاعة، وكذا المباح على الأصحِّ، وإذا سافر لمعصية ثم تاب.
. التحق بقية سفره بالمباح قاله الماوردي 75، وألحق الإمام بسفر المعصية السفر لا لقصد صحيح؛ كالهائم 76، ويوافقه قول القفال في "الفتاوى" لا يجوز صرف سهم ابن السبيل إلى الصوفية، لأن سفرهم لا غرض فيه سوى الكدية.
(وشرط آخذ الزكاة من هذه الأصناف الثمانية: الإسلام) فلا تدفع لكافر بالإجماع.
(وألا يكون هاشميًّا) لحديث: "إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لآلِ مُحَمَّدٍ" رواه مسلم 77.
(ولا مطلبيًّا) لحديت: "إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ" رواه البخاري 78.
وسواء منعوا حقهم من خمس الخمس أم لا، وسواء سهم العامل وغيره على الصحيح فيهما.
(وكذا مولاهم في الأصحِّ) لحديث: "مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ" صححه الترمذي 79، والثاني: لا، لأن المنع للشرف في ذوي القربى، وهو مفقود في مواليهم.
وكلامه يوهم: حصر الشروط فيما ذكره، وليس كذلك، فمنها: الحرية فيما عدا المكاتب، فلا يجوز دفعها إلى مبعض ولو في نوبة نفسه، خلافًا لابن القطان، ومنها: أن يكون من بلد مال الزكاة على ما سيأتي، وفي "فتاوى المصنف": أنه
الجزء: 2 - الصفحة: 684
فَصْلٌ [في بيان مستند الإعطاء وقدر المعطى]
مَنْ طَلَبَ زَكَاةً وَعَلِمَ الإِمَامُ اسْتِحْقَاقَهُ أَوْ عَدَمَهُ. . عَمِلَ بِعِلْمِهِ، وَإِلَّا؛ فَإِنِ ادَّعَى فَقْرًا أَوْ مَسْكَنَةً. . لَمْ يُكَلَّفْ بَيِّنَةً، فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ وَادَّعَى تَلَفَهُ. . كُلِّفَ، وَكَذَا إِنِ ادَّعَى عِيَالًا فِي الأَصَحِّ
لا يجوز دفع الزكاة لتارك صلاة إذا بلغ تاركًا واستمر بل يقبضها له وليه 80، لكن أطلق صاحب "الذخائر" الدفع إليه إذا قلنا لا يكفر، وأفتى ابن البَزري بجواز دفعها إلى فاسق، إلا أن يكون المدفوع إليه يعينه على المعصية، فيحرم إعطاؤه، وفي "فوائد ابن الصلاح" عن كتاب العماد عبد الله بن عبد الرحمن المروزي من أصحابنا: أنه لا يجوز قبض الزكاة من أعمى، ولا دفعها له، بل يوكل فيهما على أصل الشافعي رضي الله عنه؛ لأن التمليك شرط فيه، قال ابن الصلاح: وفساد هذا ظاهر، وعملُ الناس على خلاف.
(فصل: من طلب زكاة وعلم الإمام) أو منصوبه لتفرقتها (استحقاقه أو عدمه.
. عمل بعلمه) ولا يخرج على القضاء بالعلم؛ لأن الزكاة مبنية على الرفق والمساهلة، وليس فيها إضرار بالغير، بخلاف القضاء.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم استحقاقه ولا عدمه (فإن ادعى فقرًا أو مسكنة.
. لم يكلف بينة) لعسرها، وكذا لا يحلف إن لم يتهم قطعًا، ولا إن اتهم على الصحيح، وكذا الحكم فيما لو ادعى أنه غير كسوب.
(فإن عرف له مال وادعى تلفه.
. كلف) بينة؛ إذ الأصل: بقاؤه، قال الرافعي: ولم يفرقوا بين أن يدعي تلفه بسبب ظاهر أو خفي؛ كالمودع 81، وفرق في "المطلب" بينهما: بأن الأصل هناك: عدم الضمان، وهنا عدم الاستحقاق.
(وكذا إن ادعى عيالًا في الأصحِّ) لإمكانها، والثاني: لا يكلف؛ كما يصدق في
الجزء: 2 - الصفحة: 685
وَيُعْطَى غَازٍ وَابْنُ سَبيلٍ بِقَوْلهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجَا. . اسْتُرِدَّ، وَيُطَالَبُ عَامِل وَمُكَاتَبٌ وَغَارِمٌ بِبيِّنَةٍ، وَهِيَ: إِخْبَارُ عَدْلَيْنِ، وَتُغْنِي عَنْهَا الاسْتِفَاضَةُ،
فقره، وعلى هذا: فلا بدَّ من اليمين قطعًا، والمراد بالعيال: من تلزمه نفقتهم.
(ويعطى غاز وابن سبيل بقولهما) بلا يمين؛ لأنه لأمر مستقبل، (فإن لم يخرجا.
. استرد) لانتفاء صفة الاستحقاق، ولم يتعرض الجمهور للقدر الذي يحتمل تأخيره، وقدَّره السرخسي بثلاثة أيام، فإن لم يخرج فيها.
. استرد، قال الرافعي: ويشبه أنها تقريب، وأن يعتبر ترصده للخروج، وكون التأخير لانتظار الرفقة وتحصيل الأهبة ونحوهما.
(ويطالب عامل ومكاتب وغارم ببينة) لأنه يدعي أمرًا ظاهرًا تسهل إقامة البينة عليه، قال السبكي: ومطالبة العامل بالبينة محلها: إذا أتى إلى رب المال فطالبه وجهل حاله أما الإمام فإنه يعلم حاله؛ فإنه الذي يبعثه، فلا تتأتى البينة فيه، ويستثنى من الغارم: ما إذا غرم لإصلاح ذات البين لشهرة أمره، قاله ابن الرفعة، تبعًا لجماعة، لكن في "البيان": أنه لا بدَّ من البينة 82.
(وهي: إخبار عدلين) أشار بقوله: (إخبار) إلى أنه لا يعتبر هنا الدعوى وسماع القاضي والإنكار، ثم الشهادة بلفظها، وهو ما حكاه الرافعي عن بعض المتأخرين، واستحسنه في "الشرح الصغير"، لكن قال ابن الرفعة: الذي يقتضيه إطلاق المتقدمين: اعتبار لفظ الشهادة، وقيل: يكفي واحد.
(وتغني عنها الاستفاضة) لحصول العلم أو غلبة الظن بها، واستأنسوا له بحديث: "حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ" رواه مسلم 83.
قال ابن داوود الصَّيْدَلاني: إنما قال ثلاثة؛ لأنها أدنى الاستفاضة، وتابعه الرافعي 84، واستغربه ابن الرفعة، وسيأتي في (الشهادات) أن شرطها: التسامع من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، ومنهم من حمل الحديث على الاستظهار في الشهادة.
الجزء: 2 - الصفحة: 686
وَكَذَا تَصْدِيقُ رَبِّ الدَّيْنِ وَالسَّيِّدِ فِي الأَصَحِّ. وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ: كِفَايَةَ سَنَةٍ. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ: كِفَايَةَ الْعُمْرِ الْغَالِبِ، فَيَشْتَرِي بِهِ عَقَارًا يَسْتَغِلُّهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وقال صاحب "المطلب": الذي دل عليه الخبر إثبات الحاجة والفقر فقط، وأما الدين.
. فلا يثبت بالاستفاضة قطعًا.
(وكذا تصديق رب الدين والسيد في الأصحِّ) لظهور الحق بالإقرار والتصديق، والثاني: لا؛ لاحتمال التواطؤ، وسكت المصنف عن المؤلفة، وقال الجمهور: إن قال: (نيتي في الإسلام ضعيفة).
. قبل؛ أي: بلا يمين، وإن قال: (أنا شريف مطاع في قومي).
. فلا بدَّ من البينة، وأطلق جماعة مطالبته بالبينة.
(ويعطى الفقير والمسكين: كفايه سنة) لأن وجوب الزكاة لا تعود إلا بمضي سنة، (قلت: الأصحُّ المثصوص) في "الأم" (وقول الجمهور: كفاية العمر الغالب) 85 لأن به تحصل الكفاية على الدوام.
ومحلُّ الخلاف: فيمن لا يحسن الكسب بحرفة ولا تجارة، فأما المحترف.
. فيعطى ما يشتري به آلة حرفته، والتاجر يعطى ما يشتري به رأس ماله من النوع الذي يحسن التجارة والتصرف فيه، ويكون قدرهما يفي ربحه بكفايته غالبًا.
(فيشتري به عقارًا يستغله، والله أعلم) أي: إذا قلنا: يدفع إليه كفاية العمر الغالب، فليس المراد: دفع ما يكفيه عمره دفعة؛ لما في ذلك من الإضرار بالأصناف، وقد لا يتسع المال، بل ما ذكره؛ لأن ما يتحصل منه وإن كان شيئًا فشيئًا يكفيه عند حاجته، ولهذا قلنا في القادر على اكتساب ما يكفيه يومًا فيومًا: لا يصرف إليه من سهم الفقراء والمساكين ولو ملك ما يكفيه أقل من سنة أو من العمر الغالب ولا حرفة له، قال السبكي: الذي يظهر من كلام الأصحاب: أنه يعطى التكملة لسنة أو للعمر الغالب، ثم ذكر عن "الشافي" للجرجاني و"فتاوى البغوي" التصريح بذلك، وقد قدمنا عند تفسير المسكين عن "فتاوى البغوي" ما قد يخالفه، فليتأمل،
الجزء: 2 - الصفحة: 687
وَالْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ: قَدْرَ دَيْنِهِ. وَابْنُ السَّبيلِ: مَا يُوصِلُهُ مَقْصدَهُ أَوْ مَوْضِعَ مَالِهِ. وَالْغَازِي: قَدْرَ حَاجَتِهِ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَمُقِيمًا هُنَاكَ وَفَرَسًا وَسِلَاحًا، وَيَصيرُ ذَلِكَ مِلْكًا لَهُ،
وقد راجعت كلام "فتاوى البغوي" فوجدته كالصريح فيما نقلناه عنه هناك، دون ما فهمه السبكي.
(والمكاتب والغارم: قدر دينه) ولا يجوز أن يزاد؛ لأن الدفع لهما للحاجة، حتى لو كان معهما البعض.
. أعطيا التتمة فقط.
وإفراد المصنف الضمير مع العطف بـ (الواو) منتقد، وعبارة "المحرر": (قدر دينهما) 86.
(وابن السبيل: ما يوصله مقصده) إن لم يكن له في طريقه إليه مال، (أو موضع ماله) إن كان له مال في طريقه، فإن كان معه بعض ما يكفيه.
. كمل له كفايته ذهابًا، وكذا رجوعًا إن كان عازمًا على الرجوع، وليس له في المقصد ولا في طريقه ما يغنيه عن الزكاة، وقيل: إنما يعطى للرجوع عند العود لا ابتداءً، وهو أحوط إذا كان يتيسر إعطاؤه هناك.
(والغازي قدر حاجته ذاهبًا وراجعًا ومقيمًا هناك) 87 إلى الفتح وإن طال، بخلاف ابن السبيل؛ فإنه لا يعطى إلا لإقامة ثلاثة أيام، غير يومي الدخول والخروج، والفرق: أن اسم الغزو باق مع الإقامة، بخلاف ابن السبيل، والأصحُّ: أنه يعطى هو وابن السبيل جميع المؤنة، وقيل: ما زاد بسبب السفر.
(وفرسًا) إن كان ممن يقاتل فارسًا، (وسلاحًا) للحاجة إليه (ويصير ذلك ملكًا له) هذا إذا دفع إليه الثمن فاشترى ذلك لنفسه، أو دفع الإمام ذلك إليه تمليكًا إذا رأى ذلك، فإنه لا يتعين عليه دفعهما تمليكًا، بل الإمام -كما قال الرافعي- بالخيار؛ إن شاء دفع الفرس والسلاح إليه تمليكًا، وإن شاء استأجر له مركوبًا، وإن شاء اشترى خيلًا من هذا السهم ووقفها في سبيل الله، فيعيرهم إياها عند الحاجة، فإذا انقضت.
.
الجزء: 2 - الصفحة: 688
وَيُهَيَّأُ لَهُ وَلابْنِ السَّبيلِ مَرْكُوبٌ إِنْ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أَوْ كَانَ ضَعِيفًا لَا يُطِيقُ الْمَشْيَ، وَمَا يَنْقُلُ عَلَيْهِ الزَّادَ وَمَتَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْرًا يَعْتَادُ مِثْلُهُ حَمْلَهُ بِنَفْسِهِ. وَمَنْ فِيهِ صِفَتَا اسْتِحْقَاقٍ يُعْطَى بِإِحْدَاهُمَا فَقَطْ فِي الأَظْهَرِ.
استردت 88، قال: وفيه وجه: أنه لا يجوز أن يشتري لهم الفرس والسلاح قبل وصول المال إليهم، وقصرُ المصنف تبعًا للجمهور الكلام على مؤنة تعبه (قدر حاجته ذاهبًا وراجعًا) قد يفهم أنه لا يعطى نفقة عياله، وعن بعضهم أنه يعطى، قال الرافعي: وليس ببعيد 89، قال الأَذْرَعي: وصرح به الفارقي وابن أبي عصرون، لكن صرح المُصْعَبي في "شرح مختصر الجويني" بالمنع.
(ويهيأ له ولابن السبيل مركوب إن كان السفر طويلًا، أو كان ضعيفًا لا يطيق المشي) وإن كان قصيرًا؛ دفعًا لضرورته، فإن كان قصيرًا وهو قوي.
. فلا.
وقضية كلامه تبعًا لـ "المحرر": أن المركوب: غير الفرس الذي يقاتل عليه، ولم يذكرا في "الشرح" و"الروضة" في الغازي غير الفرس، وذكرا تهيئة المركوب لابن السبيل فقط 90، وما اقتضاه كلام "الكتاب" صرح به المَحاملي في "المجموع"، ووجهه: توفير الفرس إلى وقت الحرب؛ إذ لو ركبها من دارنا إلى دار الحرب ربما كلت وعجزت عن الكر والفر حال المطاردة والقتال، لا سيما إذا بَعُدَ المغزى.
(وما ينقل عليه الزاد ومتاعه) لحاجته إليه (إلا أن يكون قدرًا يعتاد مثلُه حمله بنفسه) لانتفاء الحاجة.
ولم يتعرض المصنف لما يعطى للمؤلفة وللعامل، ويعطى للأول ما يراه الإمام، ويعطى الثاني: أجرة مثله.
(ومن فيه صفتا استحقاق) كالفقر والغرم (يعطى بإحداهما فقط في الأظهر) لأن الله تعالى عطف المستحقين بعضهم على بعض، والعطف يقتضي التغاير، والثاني: بهما؛ لاتصافه بهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 689
فَصْلٌ [في القسمة بين الأصناف وما يتبعها]
يَجِبُ اسْتِيعَابُ الأَصْنَافِ إِنْ قَسَّمَ الإِمَامُ وَهُنَاكَ عَامِلٌ، وَإِلَّا. . فَالْقِسْمَةُ عَلَى سَبْعَةٍ، فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُهُمْ. . فَعَلَى الْمَوْجُودِينَ.
وعلى هذا: يعطى بصفات أيضًا، وفيه احتمال للحناطي، وعلى الأول: إذا أخذ بالفقر أو الغرم فأخذه غريمه بدينه وبقي فقيرًا.
. فلا بدَّ من إعطائه من سهم الفقراء؛ كما نقله في "زيادة الروضة" عن الشيخ نصر وأقره 91، وعلى الأول أيضًا: لو كان العامل فقيرًا هل يعطى بالفقر أيضًا؟ فيه وجهان، بناء على أن ما يأخذه أجرة أم صدقة، إن قلنا: أجرة.
. جاز، وإلا.
. فلا.
(فصل: يجب استيعاب الأصناف) الثمانية (إن قسم الإمام وهناك عامل) ولم يجعل الإمام له شيئًا من بيت المال؛ لأن الله تعالى أضاف الصدقة إليهم بـ (اللام)، وذلك يقتضي التعميم، وزكاة الفطر كغيرها على الصحيح، وقيل: يجوز إلى ثلاثة من الفقراء، واختاره السبكي، وحكى الرافعي عن اختيار صاحب "التنبيه" جواز صرفها إلى واحد، قال في "البحر": وأنا أفتي به.
(وإلا) أي: وإن قسم الإمام ولا عامل هناك (. . فالقسمة على سبعة) لسقوط سهم العامل كما لو فرق المالك بنفسه؛ فإنه يسقط قطعًا.
(فإن فقد بعضهم) من البلد وغيره (. . فعلى الموجودين) إذ المعدوم لا سهم له، قال ابن الصلاح: والموجود الآن أربعة: فقير ومسكين وغارم وابن سبيل، وشمل إطلاق المصنف صورتين: إحداهما: فَقْدُ صنف؛ كالمكاتبين، والثانية: فَقْدُ بعض صنف؛ بأن لا تجد منه إلا واحدًا أو اثنين، والصحيح المنصوص: أنه يصرف إلى الموجودين من المصنف؛ كما قاله في "زيادة الروضة" 92.
الجزء: 2 - الصفحة: 690
وَإِذَا قَسَّمَ الإِمَامُ. . اسْتَوْعَبَ مِنَ الزَّكَوَاتِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَهُ آحَادَ كُلِّ صِنْفٍ. وَكَذَا يَسْتَوْعِبُ الْمَالِكُ إِنِ انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي الْبَلَدِ وَوَفَّى بِهِمُ الْمَالُ، وَإِلَّا. . فَيَجِبُ إِعْطَاءُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ. وَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الأَصْنَافِ، لَا بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ، إِلَّا أَنْ يُقَسِّمَ الإِمَامُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّفْضِيلُ مَعَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ.
(وإذا قسم الإمام) أو عامله إذا فوض إليه الصرف (. . استوعب من الزكوات الحاصلة عنده آحاد كل صنف) وجوبًا، لأنه لا يتعذر عليه الاستيعاب، ولا يلزمه أن يستوعب في زكاة كلِّ شخص جميع الآحاد، بل له أن يعطي زكاة شخص بكمالها لواحد، ويجوز أن يخص واحدًا بنوع وآخر بغيره، لأن الزكوات كلَّها في يده كزكاة واحد.
(وكذا يستوعب المالك) أو وكيله (إن انحصر المستحقون في البلد ووفَّى بهم المال) لتيسره، وهذا ما نقله الرافعي عن المتولي وأقره 93، ثم نقل عنه بعد صفحة ما يخالفه 94، كما سنذكره بعد.
(وإلا) أي: وإن لم ينحصروا، أو انحصروا ولم يوف المال بحاجتهم (. . فيجب إعطاء ثلاثة) فصاعدًا (من كل صنف) لأن الله تعالى أضاف الزكاة إليهم بلفظ الجمع، وأقله ثلاثة.
نعم، يجوز أن يكون العامل واحدًا، فيقتصر عليه، وكذا ابن السبيل على وجه.
(وتجب التسوية بين الأصناف) سواء قسم المالك أو الإمام وإن كانت حاجة بعضهم أشد، لأن الله تعالى جمع بينهم بواو التشريك، فاقتضى أن يكونوا سواء، ويستثنى: العامل، فلا يزاد على أجرة مثله.
(لا بين آحاد المصنف) إن قسم المالك، لأن الحاجات متفاوتة غير منضبطة، فاكتُفي بصدق الاسم.
(إلا أن يقسم الإمام، فيحرم عليه التفضيل مع تساوي الحاجات) لأن عليه التعميم، فكذا التسوية، بخلاف المالك فيهما، كذا نقله الرافعي عن "التتمة" حكمًا
الجزء: 2 - الصفحة: 691
وَالأَظْهَرُ: مَنع نَقْلِ الزَّكَاةِ.
وتعليلًا 95، وهو بإطلاقه مخالف لما سبق عنه قريبًا، وتابعاه عليه من وجوب الاستيعاب على المالك إذا انحصر المستحقون ووفَّى بهم المال، قال في "زيادة الروضة": وهذا التفصيل وإن كان قويًّا فهو خلاف مقتضى إطلاق الجمهور استحباب التسوية 96.
وقضية كلام "شرح المهذب": أن المذهب: ما أطلقه الجمهور 97، وفي "المطلب" عن ابن داوود الصَّيْدَلاني استحباب التسوية أيضًا، وقال السبكي: تأملت إطلاق الجمهور التسوية فوجدت كلام أكثرهم في المالك دون الإمام، فلا مخالفة للمتولي فيما قاله، وهو المختار.
انتهى، وما قاله المتولي قاله أيضًا الماوردي 98 والبَنْدَنيجي وابن الصباغ 99.
(والأظهر: منع نقل الزكاة) عن البلد الذي وجبت عليه فيه منع تحريم؛ لامتداد أطماع مساكين كلِّ بلدة إلى زكاة ما فيها من المال، والنقل يوحشهم، والثاني: الجواز؛ لإطلاق الآية، وقياسًا على الكفارة والنذر والوصية.
وفرق الأول: بأن الأطماع لا تمتد إليها امتدادها إلى الزكاة، وأفتى به ابن الصلاح وابن الفركاح 100 عند وجود مصلحة لأجل قريب ونحوه 101، وكلامه يفهم أن القولين في
الجزء: 2 - الصفحة: 692
وَلَوْ عُدِمَ الأَصْنَافُ فِي الْبَلَدِ. . وَجَبَ النَّقْلُ، أَوْ بَعْضُهُمْ وَجَوَّزْنَا النَّقْلَ. . وَجَبَ، وَإِلَّا. . فيُرَدُّ عَلَى الْبَاقِينَ، وَقِيلَ: يُنْقَلُ.
التحريم، لكن الأصحّ: أنهما في الإجزاء، ولا خلاف في التحريم، وقيل: هما في التحريم ويجزئ قطعًا، وقيل: فيهما.
والأصحُّ: طرد الخلاف في النقل إلى مسافة القصر ودونها؛ كما اقصاه إطلاقه، وقضية إطلاقه أيضًا: أنه لا فرق بين الإمام وغيره، وقال الرافعي: هذا في المالك، أما إذا فرق الإمام.
. فربما اقتضى كلامهم طرد الخلاف فيه، وربما دل على جواز النقل والتفرقة كيف شاء، وهذا أشبه، زاد في "الروضة" قال صاحب "المهذب" والإمام: يجب على الساعي نقل الصدقة إلى الإمام إذا لم يأذن له في تفرقتها، وهذا نقل 102، ورجح في "شرح المهذب" الجواز، فقال: الأصحُّ الذي تقتضيه الأحاديث: جواز النقل للإمام والساعي 103.
ويستثنى من منع النقل صور: إحداها: إذا كان له بكلِّ بلد عشرون شاة.
. فالأصحُّ: جواز إخراج شاة في أحدهما حذرًا من التشقيص، الثانية: أن يحول الحول والمال ببادية؛ فإنه يفرقها على من في أقرب البلاد إليه، الثالثة: إذا فارق المستحقون أو بعضهم بلد المال.
. فله النقل اعتبارًا بالأخذ لا البقعة، نقله الإمام، قال: ومنعه بعضهم عند انتقال بعضهم، فإن في المقيمين مَقنَعًا، وهذا فاسد لا أصل له.
انتهى.
(ولو عدم الأصناف في البلد.
. وجب النقل) إلى أقرب البلاد، فإن نقل إلى أبعد.
. فعلى الخلاف في نقل الزكاة، (أو بعضهم) من البلد ووجد في غيره (وجوزنا النقل.
. وجب) النقل إلى ذلك المصنف بأقرب بلد، وهذا في غير العامل، أما هو.
. فنصيبه يرد على الباقين.
(وإلا) أي: وإن لم يجوز النقل (. . فيرد على الباقين) وجوبًا؛ لأن عدم الشيء في موضعه كالعدم المطلق، فإن نقل.
. ضمن، (وقيل: ينقل) حتمًا إلى أقرب بلد؛ لأن استحقاق الأصناف منصوص عليه، فيقدم على رعاية المكان الثابت
الجزء: 2 - الصفحة: 693
وَشَرْطُ السَّاعِي كَوْنُهُ: حُرًّا، عَدْلًا، فَقِيهًا بِأَبْوَابِ الزَّكَاةِ، فَإِنْ عُيِّنَ لَهُ أَخْذ وَدَفْعٌ. . لَمْ يُشْتَرَطِ الْفِقْهُ. وَلْيُعْلِمْ شَهْرًا لِأخْذِهَا.
بالاجتهاد، فإن تعداه أو رد على الباقين.
. ضمن، وجعل في "الكفاية" محلَّ الخلاف: إذا لم يكف الباقين نصيبهم، وإلا.
. فيجب النقل قطعًا 104، وخص الماوردي الخلاف بغير الغزاة، وجزم فيهم بالنقل إلى موضعهم، لأنهم يكثرون في الثغور ويقلون في غيرها 105.
(وشرط الساعي: كونه حرًا، عدلًا) لأنها ولاية، فكانا من شرطها كغيرها من الولايات، ويشترط: كونه ذكرًا، فلا تكون المرأة عاملة، كما ذكراه في "الشرح" و"الروضة" في الكلام على الفقير 106، وألا يكون من ذوي القربى ومواليهم والمرتزقة في الأصحِّ إذا أخذ من الزكاة، فإن فوض إلى بعض ذوي القربى، ورزقه من المصالح.
. جاز؛ كما قاله الماوردي في "الأحكام السلطانية" 107.
(فقيهًا بأبواب الزكاة) فيما تضمنته ولايته، كما قيده الماوردي؛ ليعلم ما يأخذ وما يترك.
(فإن عُين له أخذٌ ودفع.
. لم يشترط الفقه) لأنها سفارة لا ولاية، وقضيته: اعتبار ما عداه من الشروط، لكن نقلا عن الماوردي أنه لا يشترط أيضًا الإسلام والحرية 108، قال في "الروضة": وفي عدم اشتراط الإسلام نظر 109، وقال في "شرح المهذب" المختار اشتراطه 110، وقضيته: موافقته على عدم اشتراط الحرية.
(وليعلم) الساعي أو الإمام (شهرًا لأخذها) ندبًا، وقيل وجوبًا؛ ليتهيأ أرباب
الجزء: 2 - الصفحة: 694
وَيُسَنُّ وَسْمُ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَالْفَيْءِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَكْثُرُ شَعْرُهُ، وَيُكْرَهُ فِي الْوَجْهِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَحْرِيمُهُ، وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ، وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" لَعْنُ فَاعِلِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الأموال لدفعها، والمستحقون لأخذها، والمُحَرَّم أولى؛ لأنه أول العام، هذا فيما يعتبر فيه العام، فإن لم يكن؛ كالزرع والثمار.
. فيبعث وقت وجوبها؛ وهو في الزرع عند الاشتداد، وفي الثمار عند بدو الصلاح، قاله الجرجاني وغيره.
(ويسن وَسمُ نَعم الصدقة والفيء) للاتباع؛ كما في "الصحيحين" 111.
والمعنى فيه: التمييز؛ ليردها من وجدها، وليعرفها المتصدق، فلا يتملكها بعد؛ لأنه يكره أن يتصدق بشيء ثم يشتريه؛ كما نص عليه 112، أو يملكه بالهبة ممن دفعه إليه؛ كما ذكره في "زوائد الروضة" 113، ولا بأس بتملكه منه بالإرث.
(في موضع لا يكثر شعره) ليظهر، والأولى وَسْمُ الغنم في الأذن، والباقي في الفخذ، ويكون ميسم الغنم ألطف، وفوقه البقر، وفوقه الإبل، (ويكره في الوجه) للنهي عنه.
(قلت: الأصحُّ: تحريمه، وبه جزم البغوي 114، وفي "صحيح مسلم" لعن فاعله 115، والله أعلم) قال في "المهمات": وقد نص عليه أيضًا الشافعي في "الأم" فقال: والخبر عندنا يقتضي التحريم 116، فينبغي رفع الخلاف وحمل الكراهة على التحريم، أو أن قائله لم يبلغه الخبر، قال في "شرح المهذب": وهذا في غير الآدمي، أما الآدمي.
. فوسمه حرام إجماعًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 695
فَصْلٌ [في صدقة التطوع]
صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ سُنَّةٌ، وَتَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَكَافِرٍ، وَدَفْعُهَا سِرًّا وَفِي رَمَضانَ وَلِقَرِيبٍ وَجَارٍ أَفْضَلُ.
(فصل: صدقة التطوع سنة) لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، والأخبار في ذلك كثيرة شهيرة، منها: "كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ" صححه ابن حبان والحاكم 117.
(وتحل لغني) ولو من ذوي القربى على المشهور، ففي "الصحيح": "تُصدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ -وفيه- لَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبرَ فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ الله" 118.
وتعبيره بالحل قد يفهم أنه لا يكره أخذها، وليس كذلك، والحل مقيد بأمرين، أحدهما: ألا يظهر الفاقة، وإلا.
. فيحرم، كما جزم به في "البيان" واستحسنه المصنف 119، الثاني: ألا يظن الدافع فقره، فإن أعطاه ظنًّا لحاجته.
. ففي "الإحياء": إن علم الآخذ ذلك.
. لم تحل له، وكذا إذا دفع لعلمه أو صلاحه أو نسبه.
. لم يحل له إلا أن يكون صادقًا في نسبه، وفي العلم كما اعتقده، وألا يكون من ظُنَّ دينه فاسقًا في الباطن فسقًا لو علم به لما أعطاه 120.
ومحلُّ ما ذكره المصنف: ما إذا أعطاه من غير سؤال، أما السؤال.
. فيحرم على الغني بالمال، وكذا بالكسب على الأصحِّ.
(وكافر) ففي "الصحيح": "فِي كُلِّ كَبدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ" 121، وحديث: "لَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ" 122، المراد به: الأَولى، وهذَا فيمن له عهد أو ذمة، بخلاف الحربي.
(ودفعها سرًّا وفي رمضان ولقريب وجار أفضل) للأخبار الشهيرة الحاثة على
الجزء: 2 - الصفحة: 696
وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْن أَوْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. . يُسْتَحَبُّ أَلَّا يَتَصَدَّقَ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَحْرِيمُ صدَقَتِهِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، أَوْ لِدَيْنٍ لَا يُرْجَى لَهُ وَفَاءٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
ذلك، وصدقة التطوع تخالف الزكاة، فإن إظهارها أفضل بالإجماع؛ كما قاله في "شرح المهذب" 123 وخصه الماوردي بالأموال الظاهرة، قال: وأما الباطنة.
. فإخفاء إخراج زكاتها أولى 124.
ولا فرق في القريب بين من تلزمه نفقته وغيره؛ كما صرح به في "شرح المهذب" 125، بخلاف الصدقة الواجبة، ويبدأ بذي الرحم المحرم الأقرب فالأقرب، وألحق بهم الزوج والزوجة، ثم غير المحرم، ثم المحرم بالرضاع، ثم بالمصاهرة، ثم بالمولى من أعلى وأسفل.
وكان ينبغي أن يقول: ثم جار؛ ليستفاد منه تقديم القريب عليه، حتى لو كان القريب بعيد الدار قدم على الجار الأجنبي على الأصحِّ، وسئل الحناطي هل الأولى وضع الرجل صدقته في رحمه من قبل أمه، أو من قبل أبيه؟ فأجاب أنهما سواء.
(ومن عليه دين، أو له من تلزمه نفقته.
. يستحب ألا يتصدق حتى يؤدِّي ما عليه) تقديمًا للأهم، (قلت: الأصحُّ: تحريم صدقته بما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته، أو لدين لا يرجى له وفاء، والله أعلم) لأنه حق واجب، فلا يحل تركه لسنة.
وكلامه قد يفهم: جواز التصدق بما يحتاج إليه لنفسه، وبه صرح في "الروضة"، لكن صحح في "شرح المهذب" التحريم أيضًا 126، قال الأَذْرَعي: والأجود: ما في "الروضة"؛ لأنه يرى أن للمضطر أن يؤثر على نفسه مضطرًّا آخر، فكيف تحرم عليه الصدقة بما يحتاج إليه بلا ضرورة.
الجزء: 2 - الصفحة: 697
وَفِي اسْتِحْبَابِ الصَّدَقَةِ بِمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصَّبْرُ. . اسْتُحِبَّ، وَإِلَّا. . فَلَا.
قال المحب الطبري: وفي إطلاق التحريم فيما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته نظر؛ فإن كبار الصحابة رضي الله عنهم كانوا يؤثرون في حال الضرورة، ويخرجون من جميع أموالهم، ولا يتركون لعيالهم شيئًا؛ كقصة الصديق رضي الله عنه، وكثير من السلف كذلك، والظاهر: اختلاف الحكم باختلاف الأحوال.
ويستثنى من تحريم الصدقة بما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته: ما إذا كان من وجبت له مطلق التصرف ورضي بذلك وآثر به، فإن الأفضل له: التصدق فيما يظهر؛ كما قاله صاحب "المطلب"، ونقله الزركشي عن تصريح ابن أبي عصرون في كلامه على قصة الصديق رضي الله عنه.
ومحل ما ذكره المصنف: في الدين الحال، أما المؤجل.
. فقال ابن الرفعة: ينبغي أن يلتحق بما إذا احتاج إليه في نفقة عياله في المستقبل، قال الأَذْرَعي: وقد يفرق بشغل ذمته به الآن، بخلاف نفقة العيال في المستقبل، وحيث حرم عليه التصدق.
. هل يملك المتصدق عليه ما دفعه إليه؟ قال ابن الرفعة: يشبه: أن يكون على الوجهين فيما إذا وهب الماء الذي يحتاجه بعد دخول الوقت 127.
(وفي استحباب الصدقة بما فضل عن حاجته) أي: حاجة نفسه وحاجة عياله وقضاء دينه (أوجه: أصحها: إن لم يشق عليه الصبر.
. استحب) لقصة الصديق رضي الله عنه في تصدقه بجميع ماله، وقبله النبي صلى الله عليه وسلم منه، كما صححه الترمذي 128.
(وإلا.
. فلا) يستحب، وقال الغزالي والعمراني: يكره 129، وبهذا جمع بين الأحاديث المختلف ظواهرها، والثاني: لا يستحب بالفاضل مطلقًا؛ لحديث:
الجزء: 2 - الصفحة: 698
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنىً" رواه أبو داود وصححه الحاكم 130، والثالث: يستحب مطلقًا.
وأشار بقوله: (بما فضل) إلى تصوير محل الخلاف بجميعه، أما التصدق ببعض الفاضل.
. فلا خلاف فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 699
بداية المحتاج في شرح المنهاج
تأليف الإمام الفقيه القاضي بدر الدين أبي الفضل محمد بن أبي بكر الأسدي الشافعي ابن قاضي شهبة رحمه الله تعالى (798 هـ - 874 هـ)
عنى به أنور بن أبي بكر الشيخي الداغستاني
بمساهمة اللجنة العلمية بمركز دار المنهاج للدراسات والتحقيق العلمي
[المجلد الثالث]
الجزء: 3
الطَّبْعَةُ الأولى 1432 هـ - 2011 م جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة للناشر
دَارُ المنهَاجِ لِلنّشَرِ والتَّوزيع المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - جدة حَيّ الكندرة - شَارِع أَبِهَا تقاطع شَارِع ابْن زيدون هَاتِف رئيسي: 6326666 - الإدارة: 6300655 المكتبة: 6322471 - فاكس: 6320392 ص. ب: 22943 - جدة: 21416 www.aIminhai.com E - mail: info@aIminhag.com ISBN: 978 - 9953 - 541 - 35 - 8
الجزء: 3 - الصفحة: 2
بدَايَةُ المُحْتَاجِ في شَرْحِ المِنْهَاجِ [3]
الجزء: 3 - الصفحة: 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الجزء: 3 - الصفحة: 4
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدّين
الجزء: 3 - الصفحة: 6
كتابُ النِّكاح
﴿كتاب النكاح﴾
النكاح: يطلق في اللغة: على الوطء؛ لما فيه من معنى الضم، يقال: تناكحت الأشجار: إذا انضم بعضها إلى بعض، وسمي به العقد؛ لأنه سببه.
قاله الأزهري (1).
وله أسماء جمعها أبو القاسم علي بن جعفر اللغوي، فبلغت ألف اسم وأربعين اسمًا.
وهل هو حقيقة في العقد مجاز في الوطء أو بالعكس أو مشترك؛ أوجه: أصحها: الأول، وقال أبو حنيفة بالثاني، وهو أقرب إلى اللغة، والأول: أقرب إلى الشرع.
قال الزمخشري -وهو من الحنفية-: لم يرد النكاح في القرآن إلا بمعنى العقد؛ لأن كونه بمعنى الوطء من
باب
التصريح 132.
ومن آدابه: الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسة، ولا يرد ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ لأن المراد العقد، والوطء مستفاد من الحديث.
وفائدة الخلاف بيننا وبين الحنفية تظهر فيمن زنا بامرأة.
. فإنها تحرم على والده وولده عنده لا عندنا.
والنكاح شرع من عهد آدم صلى الله عليه وسلم، واستمرت مشروعيته بل هو مستمر في الجنة، ولا نظير له فيما يتعبد به من العقود بعد الإيمان، والأحاديث الواردة في الترغيب فيه والحث عليه.
. كثيرة شهيرة.
وهل النكاح ملك أو إباحة؟ وجهان، وفائدة الخلاف تظهر فيما لو حلف لا ملك له وهو متزوج، قاله المتولي، قال في "زيادة الروضة": والمختار: أنه لا حنث إذا لم تكن نيّة؛ لأنه لا يفهم منه الزوجة 133.131
الجزء: 3 - الصفحة: 7
وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِمُحْتَاجٍ إِلَيْهِ يَجِدُ أُهْبَتَهُ، فَإِنْ فَقَدَهَا. . اسْتُحِبَّ تَرْكُهُ، وَيَكْسِرُ شَهْوَتَهُ بِالصَّوْمِ. فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ. . كُرِهَ إِنْ فَقَدَ الأُهْبَةَ،
(وهو مستحب لمحتاج إليه) 134 أي: تائق (يجد أهبته) وهي مُؤَنُه؛ لحديث: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ؛ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ.
. فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ.
. فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" متفق عليه 135.
و(الباءة) بالمد: هي القدرة على المؤن.
ويستثنى: ما إذا كان المسلم في دار الحرب.
. فإنه لا يستحب له النكاح وإن اجتمعت فيه هذه الشروط، نص عليه في "الأم"، وعلَّله بالخوف على ولده من التكفير والاسترقاق.
ويستحب: أن ينوي بالنكاح المقاصد الشرعية.
قال صاحب "الخصال": ولو كان له صبر على النكاح -ولو كان له لم يعجز عنه-.
. ندب له أن يتفرغ للعبادة 136، والمرأة في ذلك كالرجل، لكنها لا تحتاج إلى أهبة 137.
(فإن فقدها.
. استحب تركه) لما في النكاح من التزام ما لا يقدر عليه.
(ويكسر شهوته بالصوم) للحديث المارِّ؛ فإن لم تنكسر به.
. لم يكسرها بكافور ونحوه -بل يتزوج-؛ لأنه نوع من الخصاء.
(فإن لم يحتج) لانتفاء التوقان، أو لعجزه لمرض ونحوه (. . كره إن فقد الأهبة) لما فيه من التزام ما لا يمكنه القيام به من غير حاجة، وعبارة الشافعي: الأحب: تركه 138، ولا يلزم منها الكراهة.
الجزء: 3 - الصفحة: 8
وَإِلَّا. . فَلَا، لكِنِ الْعِبَادَةُ أَفْضَلُ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَتَعَبَّدْ. . فَالنكاحُ أَفْضَلُ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ وَجَدَ الأُهْبَةَ وَبِهِ عِلَّةٌ كَهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ دَائِمٍ أَوْ تَعْنِينٍ. . كُرِهَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَتُسْتَحَبُّ دَيِّنَةٌ بِكْرٌ
(وإلا) أي: وإن وجد الأهبة مع عدم الحاجة (. . فلا) يكره له؛ لقدرته عليه (لكن العبادة أفضل) أي: التخلي لها اهتمامًا بها وعدم حاجته إليه.
(قلت: فإن لم يتعبد.
. فالنكاح أفضل في الأصح) كيلا تفضي به البطالة والفراغ إلى الفواحش، والثاني: تركه أفضل؛ لما فيه من الخطر بالقيام بواجبه وفي الصحيح: "اِتّقوا الله، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ مِنَ النِّسَاءِ" 139.
(فإن وجد الأهبة وبه علة؛ كهرم أو مرض دائم أو تعنين) دائم (. . كره، والله أعلم) لعدم الحاجة مع منع المرأة من التحصين، كذا جزما به، لكن في "الأحياء" استحبابه للعنين والممسوح؛ تشبهًا بالصالحين؛ كما يؤمر الأصلع بإمرار الموسى على رأسه 140.
وجمع السبكي بينهما: بأن كلام المصنف وغيره محله: إذا لم تتق نفسه إليه أصلًا، وكلام "الإحياء"، إذا تاقت، وفيه نظر، وتعليل الغزالي يردّه.
(وتستحب ديِّنة) لحديث: "فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" 141.
(بكر) إن لم يكن عذر 142؛ لحديث: "هَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ" 143.
الجزء: 3 - الصفحة: 9
نَسِيبَةٌ لَيْسَتْ قَرَابَةً قَرِيبَةً.
(نَسيبة) أي: طيبة أصل، وتكره بنت الزنا وابنة الفاسق 144؛ لما رواه ابن ماجه: "تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَلَا تَضَعُوهَا فِي غَيْرِ الأَكْفَاءِ" وصححه الحاكم، لكن قال أبو حاتم الرازي: ليس له أصل 145.
(ليست قرابة قريبة) 146 لحديث: "لَا تنكِحُوا الْقَرَابَةَ الْقَرِيبَةَ؛ فَإِنَّ الْوَلَدَ يُخْلَقُ ضَاوِيًا" 147 أي: نحيفًا، وذلك لضعف الشهوة، لكن قال ابن الصلاح: لا يعرف له أصل معتمد، وقد زوّج النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا بفاطمة رضي الله عنها، وهي قرابة قريبة.
وقد يفهم: أن القرابة البعيدة أولى من الأجنبية، وبه صرح في "زيادة الروضة"، وعبارة "الكفاية": أن تكون غريبة، وهي تقتضي نفي القرابة مطلقًا 148.
وأنشد بعضهم: [من الخفيف]
إِنْ أَرَدْتَ الإِنْجَابَ فَانْكِحْ غَرِيبًا ... وَإِلَى الأَقْرَبِينَ لَا تَتَوَصَّلْ
الجزء: 3 - الصفحة: 10
وَإِذَا قَصَدَ نِكَاحَهَا. . سُنَّ نَظَرُهُ إِلَيْهَا قَبْلَ الْخِطْبَةِ وَإِنْ لَمْ تأْذَنْ، وَلَهُ تَكْرِيرُ نَظَرِهِ،
فأَشَفُّ الثِّمَارِ حُسْنًا وَطِيبًا ... ثَمَرٌ غُصْنُهُ غَرِيبٌ مُوَصَّلْ
ويستحب أيضًا: أن تكون ولودًا، وافرة العقل، حسناء غير شقراء، لا ولد لها من غيره، ولا مطلّق ترغب فيه أو يرغب فيها ويخشى الفتنة بسببه.
وأورد القاضي الماوردي حديثًا: أنه صلى الله عليه وسلم قال لزيد بن حارثة: "لَا تَتَزَوَّجْ خَمْسًا: شَهْبَرَةً وَلَا لَهْبَرَةً وَلَا نَهْبَرَةً وَلَا هَنْدَرَةً وَلَا لَفُوتًا" 149؛ فالأولى: الزرقاء البذية، والثانية: الطويلة المهزولة، والثالثة: العجوز المدبرة، والرابعة: القصيرة الذميمة، والخامسة: ذات الولد من غيرك.
(وإذا قصد نكاحها.
. سُنّ نظره إليها) لأمره صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة به، رواه الترمذي 150، ورأى عليه السلام عائشة في نومه، وفعله في المنام كاليقظة، وبه استدل البخاري وغيره 151.
(قبل الخطبة) وبعد عزمه على النكاح؛ لأنه قبل العزم لا حاجة إليه، وبعد الخطبة قد يفضي الحال إلى الترك، فيشق عليها 152 (وإن لم تأذن) هي، أو وليها إن كانت لاغية الإذن، ويكفي إذن الشارع في ذلك ولئلا تُزيِّن نفسَها فيفوت مقصود النظر.
[(وله تكرير نظره) إذا احتاج إليه؛ ليتبيّن هيئتها فلا يندمَ بعد النكاح؛ إذ لا يحصل الغرض غالبًا بأول نظرة، وسواء خاف الفتنة أم لا، قاله الإمام
الجزء: 3 - الصفحة: 11
وَلَا يَنْظُرُ غَيْرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بَالِغٍ إِلَى عَوْرَةِ حُرَّة كَبِيرَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ،
والروياني 153] 154.
(ولا ينظر غير الوجه والكفين) ظهرًا وبطنًا؛ لأنها مواضع ما يظهر من الزينة المشار إليها في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ والمعنى فيه: أن في الوجه ما يستدل به على الجمال، وفي اليدين ما يستدل به على خصب البدن، هذا إذا كانت المخطوبة حرة؛ لأن ذلك ليس بعورة منها، فإن كانت أمة.
. جاز أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها، كذا نقله في "المطلب" عن مفهوم كلامهم، لكن نقل البيهقي في "المبسوط": أن إطلاق الشافعي في "الإملاء" يقتضي التسوية.
وإن لم يتيسر له النظر.
. بعث امرأة تتأملها وتصفها له، ووصف المرأةِ المرأةَ للرجل حرامٌ إلَّا في هذا الموضع.
(ويحرم نظر فحل بالغ إلى عورة حرة كبيرة أجنبية) لأنه إذا حرم نظر المرأة إلى عورة المرأة كما جاء به الخبر في الصحيح.
. فهو أولى 155.
والعورة: ما عدا الوجه والكفين.
وشمل إطلاقه (الفحل) المخنث وهو: المتشبه بالنساء، والعنين، والشيخ الهِمّ، وهو كذلك، وخرج: الممسوح، وسيذكره.
ولكن يرد عليه: المجبوب وهو: مقطوع الذكر فقط، والخصي وهو: من بقي ذكره دون أنثييه، والخنثى المشكل؛ فإنهم كالفحل على الصحيح.
وخرج بالبالغ: الصبي، وليس على إطلاقه؛ فإن المراهق كالبالغ؛ كما سيأتي، وغيره إن لم يصل إلى حد يحكي ما يراه.
. فحضوره كعدمه، ويجوز التكشف له من كل وجه، وإن وصل.
. فهو كالمحرم.
الجزء: 3 - الصفحة: 12
وَكَذَا وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ، وَكَذَا عِنْدَ الأَمْنِ عَلَى الصَّحِيحِ،
وكان ينبغي أن يزيد: (عاقل مختار) ليخرج المجنون والمكره.
وخرج بالحرة: الأمة، وسيأتي ما فيها، والمبعّضة كالحرة، وبالكبيرة: الصغيرة، وسيأتي.
والمراد بالكبيرة: من وصلت إلى حد تشتهى فيه وإن لم تبلغ.
(وكذا وجهها وكفيها عند خوف فتنة) 156 وهو ما يدعو إلى الجماع ومقدماته بالإجماع.
(وكذا عند الأمن على الصحيح) للاتفاق على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه؛ كما نقله الإمام وأقراه، ولو حل النظر.
. لكُنّ كالمرد 157، والثاني: لا يحرم، وصوبه في "المهمات"؛ لنقل الرافعي له عن الأكثرين لا سيما المتقدمون؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وهو مفسر بالوجه والكفين 158.
وما نقله الإمام من الاتفاق معارض بنقل القاضي عياض المالكي عن العلماء مطلقًا: أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة، وعلى الرجال غض البصر عنهن، وأقرّه المصنف عليه في "شرح مسلم" في (باب نظر الفجأة) 159.
وشمل إطلاق المصنف: العجوز التي لا تشتهى، وهو الأرجح في "الشرح الصغير"؛ لأن لكل ساقطة لاقطة، وقال الروياني: إذا بلغت مبلغًا يؤمن معه الافتتان بالنظر إليها.
. جاز النظر إلى وجهها وكفيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 160،
الجزء: 3 - الصفحة: 13
وَلَا يَنْظُرُ مِنْ مَحْرَمٍ مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ، وَيَحِلُّ مَا سِوَاهُ، وَقِيلَ: مَا يَبْدُو فِي الْمَهْنَةِ فَقَطْ. وَالأَصَحُّ: حِلُّ النَّظَرِ بِلَا شَهْوَةٍ إِلَى الأَمَةِ إِلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ، وَإِلَى صَغِيرَةٍ.
وقاله القاضي الحسين، واختاره الأَذْرَعي، قال: والقياس: جوازه إلى ما وراء ذلك من الساعدين وصفحة العنق والقدمين، والإجماع الفعلي عليه من غير نكير.
وفرض المصنف وغيره الخلاف عند الأمن، وفرضه الإمام فيما إذا لم يظهر خوف فتنة 161، قال السبكي: وهو حسن؛ فالأمن عزيز إلا من عصمه الله.
(ولا ينظر من محرم) 162 بنسب أو رضاع أو مصاهرة (ما بين سرة وركبة) إن بلغت حدًّا تشتهى؛ لأنه عورة.
(ويحل ما سواه) لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية، (وقيل: ما يبدو في المهنه فقط) وهو الوجه والرأس والعنق، واليد إلى المرفق والرجل إلى الركبة، وفي الثدي حال الرضاع وجهان؛ إذ لا ضرورة إلى غيره.
ويعلم من هذا: أن نظره إلى ما يبدو في حال المهنة جائز قطعًا، وإلى ما بين السرة والركبة حرام قطعًا، والخلاف فيما بين ذلك.
و(المهنة) بفتح الميم وكسرها: الخدمة.
(والأصح: حلُّ النظر بلا شهوة إلى الأمة) ولو كانت أم ولد (إلا ما بين سره وركبة) لأن ذلك عورتها في الصلاة، فأشبهت الرجل، ولأن رأسها ليس بعورة إجماعًا؛ كما حكاه بعضهم؛ فلا يكون ما عدا ما بين السرة والركبة عورة؛ كالرجل.
نعم؛ يكره.
والثاني: يحرم ما لا يبدو في المهنة؛ إذ لا حاجة إليه، والثالث: أنها كالحرة، وسيأتي تصحيح المصنف له.
(وإلى صغيرة) لا تشتهى؛ إذ ليست في مظنة الشهوة، والثاني: المنع مطلقًا؛ لأنها من جنس الإناث، وهو واه، لا كما اقتضاه إيراد المصنف من كونه قويًّا، وكيف يتصور أن يقال به وما زال الناس في جميع الأعصار ينظرون إلى الصغائر، والنبي
الجزء: 3 - الصفحة: 14
إِلَّا الْفَرْجَ، وَأَنَّ نَظَرَ الْعَبْدِ إِلَى سَيدَتِهِ وَنَظَرَ مَمْسُوحٍ كَالنَّظَرِ إِلَى مَحْرَمٍ،
صلى الله عليه وسلم يحمل أمامة في الصلاة بين الناس، وهم ينظرون إليها؟ ! 163.
ولم يحك هذا الوجه غير الغزالي فمن بعده، قال ابن الصلاح: وحكاية الخلاف في وجه الصغيرة التي لا تشتهى يكاد أن يكون خرقًا للإجماع، وما علل به هذا الوجه منقوض بذوات المحارم؛ فإنه لا خلاف في جواز النظر إلى وجههن، وهذه أولى بذلك؛ لخروجها عن مظنة الشهوة في حق جميع الناس، وذوات المحارم إنما خرجت عن الشهوة في حق محارمهن 164.
(إلا الفرج) بالاتفاق؛ كما ادعاه الفوراني، وصاحبا "العدة" و"التهذيب" تبعًا للقفال، وجزم به الرافعي في كتبه، لكن في "زيادة الروضة" عن القاضي الحسين: القطع بجواز النظر إلى فرج الصغيرة التي لا تشتهى، والصغير؛ قال: وقطع به في الصغير إبراهيم المروذي، وصححه المتولي؛ لتسامح الناس بذلك قديمًا وحديثًا، وإن إباحة ذلك تبقى إلى بلوغه سن التمييز، ومصيره بحيث يمكنه ستر عورته عن الناس 165.
(وأن نظر العبد) الفحل (إلى سيّدته ونظرَ ممسوح) سواء أكان حرًّا أم عبدًا لغيرها (كالنظر إلى مَحْرم) أما الأولى.
. فلقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، ولقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها، وقد أتاها ومعه عبد وقد وهبه لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها.
. لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها.
. لم يبلغ رأسها، فلما رأى صلى الله عليه وسلم ما تلْقى قال: "إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ" رواه أبو داوود 166.
وهذا ما عزاه الرافعي للأكثرين، وقال في "الروضة": إنه المنصوص، وظاهر الكتاب والسنة وإن كان فيه نظر من حيث المعنى 167.
الجزء: 3 - الصفحة: 15
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: إنه كالأجنبي؛ لأنه لو ثبتت المحرمية.
. لاستمرت؛ كالرضاع، وصححه جمع، وصوّبه في مسودة "شرح المهذب" وبسط ذلك، وبالغ في التشنيع على القائل بكونه كالمحرم.
وعلى الأول: فالجواز مقيد بما إذا كانا عتيقين؛ كما ذكره الواحدي في "بسيطه"، والمهدوي في "تفسيره"، وقيّده البغوي والكواشي: بما إذا كان العبد عفيفًا 168، وهم أئمة شافعيون، قال الأَذْرَعي: فيجب تقييد الجواز به، وبه يندفع ما شنع به في "شرح المهذب".
وشمل إطلاقه: المكاتب، وهو ما جزم به ابن القشيري في "تفسيره"، وحكاه البُلْقيني عن النص، لكن في "زيادة الروضة" عن القاضي الحسين: أنه إن كاتبته.
. فليس بمحرم، وأقرّه، وسبقه إليه ابن الصلاح، فنقله عنه في "مشكله" 169، قال ابن الرفعة: ولم أره في تعليق القاضي، وقال البُلْقيني: لم يطلق القاضي ذلك بل قال: إن كان معه وفاء.
. فلتحتجب منه، وإلا.
. فلا.
وتعبير المصنف بـ (العبد): قد يخرج المبعّض، وبه صرّح الماوردي في (باب الصلاة) فقال: لا يختلف أصحابنا أنه كالأجنبي 170.
وأما الثانية، وهو الممسوح الذي ذهب ذكره وأنثياه وليس بعبد للمرأة.
. فلقوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾، ولانتفاء الشهوة في حقه.
والثاني: أن نظره كالفحل [لأنه يحل نكاحه كالفحل] 171، ورجحه ابن الصلاح، واختاره السبكي 172، واختار في "زيادة الروضة" في تفسير: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ أنه المغفل في عقله الذي لا يشتهي النساء، وهو قول ابن عباس وغيره 173.
الجزء: 3 - الصفحة: 16
وَأَنَّ الْمُرَاهِقَ كَالْبَالِغِ. وَإِلَى رَجُلٍ إِلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ. وَيَحْرُمُ نَظَرُ أَمْرَدَ بِشَهْوَةٍ
(وأن المراهق) وهو من قارب الاحتلام (كالبالغ) لظهوره على العورات، والثاني: له النظر؛ لأن الحل ثبت، فلا يرتفع إلا بسبب ظاهر وهو البلوغ، وعلى هذا: هو كالمحرم.
ومعنى جعله كالبالغ: أنه يلزم المنظور إليها الاحتجاب منه كالمجنون، أو أن يمنعه الولي من النظر كما يمنعه من سائر المحرمات، أما الصبي.
. فلا تكليف عليه، وخصّ الإمام والغزالي بمن لم يظهر منه التشوق، فإن ظهر.
. فهو كالبالغ قطعًا 174.
ويجب على المرأة الاحتجاب من المجنون قطعًا؛ لأنه بالغ ذو شهوة، وقد يكون الخوف منه أكثر.
(وإلى رجل) 175 عند أمن الفتنة وعدم الشهوة بالاتفاق (إلا ما بين سرة وركبة) لأنه عورة، ولا فرق عندنا بين الحمام وغيره، ونقل القاضي الحسين عن علي رضي الله عنه: أن الفخذ في الحمام ليس بعورة 176.
(ويحرم نظر أمردَ بشهوة) بالإجماع، وكذا عند خوف الفتنة وإن لم يكن بشهوة على الأصحِّ، وذكر المصنف هذا توطئة لما بعده، وإلا.
. فالنظر إلى الرجل والمحرم شرطه عدم الشهوة.
وضابط الشهوة -كما قاله في "الإحياء"-: أن كل من تأثر بصورة الأمرد بحيث يظهر من نفسه الفرق بينه وبين الملتحي.
. فهذا لا يحل له النظر 177.
وقال السبكي: المراد من الشهوة: أن يكون النظر لقصد قضاء وطر؛ بمعنى: أن الشخص يحب النظر إلى الوجه الجميل ويلتذ به، قال: فإذا نظر ليلتذ بذلك الجمال.
. فهو النظر بشهوة، وهو حرام، قال: وليس المراد: أن يشتهي زيادة على
الجزء: 3 - الصفحة: 17
قُلْتُ: وَكَذَا بِغَيْرِهَا فِي الأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ،
ذلك من الوقاع ومقدماته؛ فإن ذلك ليس بشرط بل زيادة في الفسق، قال: وكثير من الناس لا يقدمون على فاحشة، ويقتصرون على مجرد النظر والمحبة، ويعتقدون أنهم سالمون من الإثم، وليسوا سالمين.
قال ابن الصلاح: وليس المعنى بخوف الفتنة: غلبة الظنّ بوقوعها، بل يكفي ألّا يكون ذلك نادرًا.
(قلت: وكذا بغيرها في الأصح المنصوص) لأنه مظنة الفتنة، فهو كالمرأة بل أعظم، وقد نفر منهم السلف وسموهم الأنْتَان؛ لأنهم مستقذرون شرعًا.
وذكر عن أبي عبد الله الجلاء، قال: كنت أمشي يومًا مع أستاذي فرأيت حدثًا جميلًا، فقلت لأستاذي: ترى يعذب الله هذه الصورة؟ فقال: ونظرت؟ ! سترى غبَّه، قال: فنسيت القرآن بعد ذلك بعشرين سنة.
وهذا ما نقله في "زيادة الروضة" عن إطلاق صاحب "المهذب" وغيره، قال: ونقله الداركي عن نص الشافعي، وصرح بتصحيحه في مواضع من "شرح المهذب"، ونازع في "المهمات" في العزو للنص، وقال: الصادر من الشافعي على ما بينّه في "الروضة" إنما هو إطلاق يصح حمله على حالة الشهوة.
انتهى 178.
وقال الشيخ أبو حامد: لا أعرف هذا النص للشافعي؛ كما نبه عليه ابن الرفعة، قال: ولم يذكره البيهقي في "معرفته" ولا "سننه" ولا "مبسوطه" أيضًا.
والثاني: لا يحرم، إذ لو حرم [. . لأمروا بالاحتجاب؛ كالنسوة، وأجاب عنه ابن الصلاح: بأنهم إنما لم يؤمروا] 179 بالاحتجاب، لما فيه من المشقة من تركهم الأسباب، ووجب الغض على من يخاف الافتتان بهم؛ رعاية للجانبين 180.
قال السبكي: وهو ظاهر، إنما الصعب إيجاب الغض مطلقًا؛ كما يقوله المصنف.
الجزء: 3 - الصفحة: 18
وَالأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ: أَنَ الأَمَةَ كَالْحُرَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْمَرْأَةُ مَعَ امَرْأَةٍ كَرَجُلٍ وَرَجُلٍ، وَالأَصَحُّ: تَحْرِيمُ نَظَرِ ذِمِّيَّةٍ إِلَى مُسْلِمَةٍ،
ويرده: أحوال الناس ومخالطتهم الصبيان من عصر الصحابة إلى الآن، مع العلم بأنهم لم يؤمروا بغض البصر عنهم في كل حال؛ كالنساء بل عند توقع الفتنة.
وأطلق المصنف (الأمرد)، وقيّده القاضي الحسين والمتولي والفوراني وابن أبي عصرون والمصنف في تبويب "رياض الصالحين" بكونه: حسن الوجه، نقي البدن، يخشى منه الافتتان 181، وهو حسن، ولم يقيدوا به النساء؛ فلكل ساقطة لاقطة.
(والأصح عند المحققين: أن الأمة كالحرة، والله أعلم) لاشتراكهما في الأنوثة وخوف الفتنة؛ ففي الإماء التركيات ونحوهن من خوف الفتنة أشد من كثير من الحرائر.
(والمرأة مع امرأة كرجل ورجل) 182 وقد مرّ.
(والأصح: تحريم نظر ذمية إلى مسلمة) لقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فلو جاز النظر.
. لم يبق لتخصيص نسائهن فائدة، وصحّ عن عمر رضي الله عنه: أنه منع الكتابيات دخول الحمام مع المسلمات 183.
ويستثنى: مملوكة المرأة؛ فلا يحرم نظرها إليها؛ كما قاله المصنف في "فتاويه" 184.
وكلام المصنف قد يوهم: أنها معها كالرجل الأجنبي، وبه صرح الإمام، والذي في "الشرح" و"الروضة": أن الأشبه: أن الذي يحرم نظر الذمية إليه من المسلمة.
. هو ما لا يبدو في حال المهنة، ولها النظر إلى ما يبدو في المهنة 185.
والثاني: يحل كالمسلمة؛ لاتحاد الجنس كالرجال؛ فإنهم لم يفرقوا فيهم بين نظر
الجزء: 3 - الصفحة: 19
وَجَوَازُ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى بَدَنِ أَجْنَبِيٍّ سِوَى مَا بَيْنَ سُرَّتهِ وَرُكْبَتِهِ إِنْ لَمْ تَخَفْ فِتْنَةً. قُلْتُ: الأَصَحُّ: التَّحْرِيمُ كَهُوَ إِلَيْهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
المسلم إلى الذمي، ونظر الذمي إليه.
وظاهر إيراد المصنف: أن التحريم على الذمية، وهو صحيح إذا قلنا: الكفار مخاطبون بالفروع، وإذا كان حرامًا على الذمية.
. حرم على المسلمة التمكين منه.
قال السبكي: ويحتمل إرادة التحريم على المسلمة، وهو ظاهر كتاب عمر إلى أبي عبيدة رضي الله عنهما يأمره أن يمنع المسلمات من أن يدخلن الحمام مع المشركات 186.
ولو عبر المصنف بـ (الكافرة).
. لكان أشمل، بل قال ابن عبد السلام: أن الفاسقة كالكافرة في ذلك، ولعله أراد من تميل إلى النساء، وقد صرح بذلك المتولي، وصاحب "الترغيب" من متأخري المراوزة، وعبارته: ويحرم على المساحقة النظر.
وذكر القاضي الحسين في أحد تعليقيه 187: أنه يكره للمرأة إذا كانت تميل إلى النساء النظرُ إلى وجه النساء وأبدانهن، وأن تضاجعهن بلا حائل؛ كما في الرجال.
(وجواز نظر المرأة إلى بدن أجنبي سوى ما بين سرّته وركبته إن لم تخف فتنة) ولا نظرت بشهوة؛ لنظر عائشة رضي الله عنها إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد 188، وليس كنظر الرجل إليها؛ لأن بدنها عورة في نفسه، ولذلك يجب ستره في الصلاة.
(قلت: الأصح: التحريم كهو إليها، والله أعلم) لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾، وقوله عليه السلام: "أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا، أَلَسْتُمَا تبصِرَانِهِ؟ " صححه الترمذي 189.
الجزء: 3 - الصفحة: 20
وَنَظَرُهَا إِلَى مَحْرَمِهَا كَعَكْسِهِ. وَمَتَى حَرُمَ النَّظَرُ .. حَرُمَ الْمَسُّ،
قال ابن دقيق العيد في (كتاب الطلاق) من "شرح العمدة": وفي دلالة الآية المذكورة نظر؛ لأن (من) للتبعيض، فيحمل على من خاف الفتنة، فلا دلالة حينئذ على وجوب الغض مطلقًا؛ كما اختاره بعض المتأخرين، ولعله عنى به المصنف؛ فإنه استدل بها في "الروضة"، قال: والجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما 190. انتهى.
وأجاب في "شرح مسلم" عن نظر عائشة: بأنه ليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت لعبهم وحرابتهم، ولا يلزم منه تعمد النظر، وإن وقع بلا قصد .. صرفته في الحال، وأجاب عنه غيره: بأن ذلك لعله كان قبل نزول الحجاب، أو كانت عائشة لم تبلغ مبلغ النساء إذ ذاك 191.
(ونظرها إلى محرمها كعكسه) كنظر الرجل إلى محرمه؛ فتنظر منه ما عدا ما بين السرة والركبة على الأصحِّ.
(ومتى حرم النظر .. حرم المس) لأنه أبلغ في إثارة الشهوة؛ بدليل: أنه لو لمس فأنزل .. أفطر، ولو نظر فأنزل .. لم يفطر، فيحرم على الرجل دلْكُ فخِذ الرجل بلا حائل، وكذلك لمحرمه، وقد يحرم النظر على وجه ويجوز اللمس قطعًا، وهو نظر الرجل إلى فرج امرأته وأمته؛ كما سيأتي.
وأفهم: أنه حيث جاز النظر .. جاز المسّ، ويستثنى: مسّ وجه الأجنبية .. فلا يجوز للرجل مسه وإن جوزنا نظره، وكذا لا يجوز مسُّ كل ما يجوز نظره من المحرم؛ فلا يجوز مس بطن أمه وظهرها، وتقبيلها، وغمز ساقيها ورجلها، ولا أن يأمر بنته أو أخته بغمز رجله، وعبارة "الروضة" لا تقتضي: أنه يحرم مس يد الأم؛ فإنه قال: فيحرم مس وجه الأجنبية وإن جوزنا النظر إليه، ومسُّ كل ما جاز النظر إليه من المحارم والإماء، قال في "المهمات": وهو خلاف إجماع الأمة 192.
الجزء: 3 - الصفحة: 21
وَيُبَاحَانِ لِفَصدٍ وَحِجَامَةٍ وَعِلَاجٍ.
وفصل السبكي في ذلك؛ فجوّز ما كان لحاجة أو شفقة، وحرّم ما كان بشهوة قال: وبينهما مراتب متفاوتة، فما قرب إلى الأول .. ظهر جوازه، أو إلى الثاني .. ظهر تحريمه.
وعبارة "المحرر" و"الشرح" و"الروضة": وحيث حرم النظر .. حرم المس 193، قال السبكي: وهو أحسن من عبارة الكتاب؛ لأن (حيث) اسم مكان، والمقصود هنا: أن المكان الذي يحرم نظره يحرم مسه، و (متى) اسم زمان، وهو ليس مقصودًا هنا، قال المنكت: وقد يقال: إن الزمان أيضًا مقصود؛ فإن الأجنبية يحرم نظرها، فإذا عقد عليها .. جاز، فإذا طلقها .. حرم، وكذلك الطفلة على العكس؛ ولذلك استثني زمان المداواة والمعاملة ونحوها 194.
(ويباحان) أي: النظر والمس (لفصد وحجامة وعلاج) للحاجة الملجئة إلى ذلك، قالا: وليكن ذلك بحضور محرم أو زوج 195.
قال البُلْقيني: والمراد: أن يكون هناك من يمنع حصول الخلوة؛ كما هو مذكور في (العدد).
ويشترط: عدم امرأة يمكنها تعاطي ذلك من امرأة وعكسه؛ كما جزم به في "الشرح الصغير"، وصححه في "الروضة" 196.
وألّا يكون ذميًّا مع وجود مسلم؛ كما في "زوائد الروضة" عن القاضي الحسين والمتولي 197.
ولا يكشف إلا قدر الحاجة؛ كما قاله القفال في "فتاويه".
وفي معنى الفصد والحجامة: نظر الخاتن إلى فرج الصبي الذي يختنه، ونظر القابلة إلى فرج التي تولدها، وأصل الحاجة كافٍ في نظر الوجه والكفين، ويعتبر في
الجزء: 3 - الصفحة: 22
قُلْتُ: وَيُبَاحُ النَّظَرُ لِمُعَامَلَةٍ وَشَهَادَةٍ وَتَعْلِيمٍ وَنَحْوِهَا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
غير ذلك تأكدها، وهو مبيح التيمم؛ كما نقلاه عن الإمام 198، وفي الفرج مزيد تأكد وهو: ما يعد التكشف له هتكًا للمروءة؛ كما نقلاه عن الغزالي وأقرّاه 199.
(قلت: ويباح النظر لمعاملة) كبيع وشراء وإجارة؛ لأنه يحتاج إلى معرفتها، فيقتصر على الوجه فقط، (وشهادة) عند التحمل والأداء؛ للحاجة إلى ذلك، حتى يجوز النظر إلى الفرج للشهادة على الولادة والزنا، والثدي للرضاع على الصحيح في الكل.
وإذا نظر إليها وتحمل الشهادة عليها .. كلفت كشف وجهها عند الأداء، فإن امتنعت .. أمرت امرأة تكشفه.
(وتعليم) هذه المسألة من زياداته على "الروضة"، بل على غالب كتب المذهب، قال السبكي: وإنما يظهر فيما يجب تعلمه وتعليمه كـ (الفاتحة) وما يتعين تعلمه من الصنائع المحتاج إليها بشرط ألّا يمكن التعلم من وراء حجاب، أما غير ذلك .. فكلامهم يقتضي المنع فيه، ومنهم المصنف حيث قال في (الصداق): ولو أصدقها تعليم قرآن فطلق قبله .. فالأصحُّ: تعذر تعليمه، وعلله الرافعي: بأنها صارت محرمة ولا يؤمن الوقوع في التهمة والخلوة المحرمة لو جوزنا التعليم.
والوجه الثاني: أنه يعلمها من وراء حجاب، والوجهان متفقان على تحريم النظر 200. انتهى.
(ونحوها) كجارية يريد شراءها؛ فينظر ما عدا ما بين السرة والركبة، (بقدر الحاجة، والله أعلم) لأن ما جاز للضرورة يقدّر بقدرها.
وقضيته: أنه إذا عرفها بالنظر إلى بعض الوجه ... لم يكن له أن يتجاوز إلى غيره، وهو ما قاله الماوردي 201، والذي في "البحر" عن جمهور الفقهاء: أنه يستوعب جملة الوجه؛ لأن جميعه ليس بعورة.
الجزء: 3 - الصفحة: 23
وَلِلزَّوْجِ النَّظَرُ إِلَى كلِّ بَدَنِهَا
قال الماوردي: ولا يزيد على النظرة الواحدة إلا أن يحتاج إلى ثانية للتحقق فيجوز 202، وكلام المصنف يقتضيه.
وكل ما جوزنا للرجل نظره من المرأة للحاجة .. يجوز لها منه أيضًا إذا تحققت حاجتها؛ كما إذا باعت أو اشترت منه أو استأجرت أو أجرته؛ لأنها تحتاج إلى معرفته لتطالبه بالثمن وغير ذلك.
(وللزوج النظر إلى كل بدنها) حتى الفرج ظاهرًا وباطنًا على الأصحِّ؛ لأنه محل استمتاعه، لكن يكره إلى الفرج، وباطنه أشد كراهة، وقيل: يحرم، وصححه الفارقي والجرجاني في "الشافي"؛ لحديث: "إِذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ زَوْجَتهُ أَوْ جَارِيَتَهُ .. فَلَا يَنْظُرْ إِلَى فَرْجِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْعَمَى" رواه البيهقي، وحسن ابن الصلاح إسناده، لكن أكثر المحدثين على تضعيفه، بل ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" 203.
وخص الفارقي الخلاف بغير حالة الجماع، ويجوز عند الجماع قطعًا؛ كما نقله عنه الزركشي والدميري 204، وقال القمولي: إن بعضهم حكاه عن النص، ونقله صاحب "المعين" عن الشيباني -والشيباني غير معروف- وفيه نظر، والحديث المذكور مصرّح بحالة الجماع.
واختلفوا في قوله: "يُورِثُ الْعَمَى"؛ فقيل: في الناظر، وقيل: في الولد، ويتخرج عليهما الممسوح ومن لا يولد له، وقيل: في القلب.
ويستثنى من إطلاقه: حلقة الدبر؛ فلا يجوز النظر إليها قطعًا، لأنها ليست محل استمتاعه، قاله الدارمي، ويخالفه قول الإمام في "النهاية" في باب (إتيان النساء في أدبارهن): والتلذذ بالدبر من غير إيلاج جائز؛ فإن جملة أجزاء المرأة محل استمتاع
الجزء: 3 - الصفحة: 24
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرجل إلا ما حرم الله من الإيلاج، وإطلاق الشيخين وغيرهما جواز التلذذ بما بين الأليتين يخالفه أيضًا 205.
وكذا يستثنى: زوجته المعتدة عن وطء الغير بشبهة؛ فإنه يحرم عليه نظر ما بين السرة والركبة، ويحل ما سواه على الصحيح.
ونظر الزوجة إلى زوجها كنظره إليها على الأصحِّ، وقيل: يجوز نظرها إلى فرجه قطعًا؛ لأن الخبر ورد في الفرج، وهو الشق، قال السبكي: والخلاف الذي في النظر إلى الفرج لا يجري في مسه؛ لانتفاء العلة، هذا هو الظاهر وإن لم يصرحوا به.
وقد سأل أبو يوسف أبا حنيفة عن مس فرج زوجته وعكسه، فقال: لا بأس، وأرجو أن يعظم أجرهما.
ونظر السيد إلى أمته التي يحل له الاستمتاع بها ونظرها إليه كذلك.
واعلم: أن ما لا يجوز النظر إليه متصلًا كالذكر وساعد الحرة، وشعر رأسها وشعر عانة الرجل وما أشبهها .. يحرم النظر إليه بعد الانفصال على الأصحِّ، وقيل: لا، وقال الإمام احتمالًا لنفسه: إن لم يتميز المبان من المرأة بصورته وشكله عما للرجل؛ كالقلامة والشعر والجلدة .. لم يحرم، وإن تميز .. حرم، وضعفه في "زيادة الروضة" إذ لا أثر للتمييز مع العلم بأنه جزء من يحرم نظره، قال: وعلى الأصحِّ: يحرم النظر إلى قلامة رجلها دون قلامة يدها، ويده ورجله.
انتهى 206.
وهذا التفصيل نقلته بنت أبي علي الشبوي للخضري لمّا سئل عن ذلك، ففرح به وقال: لو لم أستفد من اتصالي بأهل العلم إلا هذه المسألة .. لكانت كافية 207.
الجزء: 3 - الصفحة: 25
فصلٌ [في الخطبة]
تَحِلُّ خِطْبَةُ خَلِيَّةٍ عَنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ، لَا تَصْرِيحٌ لِمُعْتَدَّةٍ، وَلَا تَعْرِيضٌ لِرَجْعِيَّةٍ، وَيَحِلُّ تَعْرِيضٌ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ، وَكَذَا الْبَائِنُ فِي الأَظْهَرِ
(فصل: تحل خطبة) بكسر الخاء (خليَّة عن نكاح وعدَّة) وكل مانع من موانع النكاح بالإجماع، وقيل: تستحب؛ لفعله صلى الله عليه وسلم 208، وما جرى عليه الناس.
(لا تصريحٌ لمعتدة) كـ (أريد نكاحك)، سواء كانت رجعية أم بائنًا؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
وحكى ابن عطية فيه الإجماع 209.
والمواعدة سرًّا في الآية: الخطبة على الصحيح، قال الشافعي: ولم يرد بـ (السرّ) ضد الجهر، وإنما أراد الجماع.
ومعنى الآية: النهي عن مواعدة الرجل المعتدة أن يطأها بعد العدة بوجه التزويج، والمعنى فيه: أنها قد تكذب في انقضاء العدة عند تحقق رغبة الخاطب بالصريح، وهذا في غير صاحب العدة، أما صاحبها الذي يحل له نكاحها فيها .. فله التصريح.
واحترزت بقولي: (الذي يحل له نكاحها): عما لو طلق امرأته رجعيًّا أو بائنًا، فوطئ أجنبي بشبهة، وحملت من الثاني .. فإنها تقدم عدة من الحمل منه، وليس لصاحب عدة الشبهة أن يخطب؛ لأنه لا يجوز العقد عليها قطعًا.
(ولا تعريض لرجعية) كـ (رُبّ راغبٍ فيك) ونحوه؛ لأنها زوجة أو في معنى الزوجة، (ويحل تعريض في عدة وفاة) ولو حاملًا؛ للآية السالفة، (وكذا البائن في الأظهر) لعموم الآية، ولانقطاع سلطنة الزوج عليها، والثاني: المنع؛ لأن لصاحب العدة أن ينكحها، فأشبهت الرجعية، وسواء أكانت العدة بالأقراء أم بالأشهُر على
الجزء: 3 - الصفحة: 26
وَتَحْرُمُ خِطْبَةٌ عَلَى خِطْبَةِ مَنْ صُرِّحَ بِإِجَابتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ،
الأصحِّ، وقيل: إن كان بالأقراء .. حرم قطعًا؛ لأنها قد تكذب في انقضاء العدة؛ رغبة في الخاطب.
وينبغي أن يقيد كلامه (بطلاق دون ثلاث أو فسخ) إذ الأصحُّ في بائن بثلاث أو لعان أو رضاع: القطع بالحل، وفي المعتدة عن وطء شبهة طريقان: المذهب: القطع بالجواز، والثاني: طرد الخلاف، قال الرافعي: وربما بني الخلاف في هذه الصور وفاقًا وخلافًا على: أن المقتضي للتحريم في الرجعية ماذا؟ فقيل: إنها بصدد أن تُراجع فقد تكذب في انقضاء العدة دفعًا لها، وقيل: إنها مجفوّة بالطلاق؛ فقد تكذب انتقامًا، والمعنيان مفقودان في المتوفى عنها زوجها، فجاز، وفي البائن وجد الثاني دون الأول، فكان على الخلاف 210.
وحكم جواب المرأة في الصور المذكورة تصريحًا وتعريضًا: حكمُ الخطبة فيما تقدم، ولو خالف الخاطب فصرح أو عرّض حيث لم يبح له، ثم أوقع العقد .. صح، نص عليه 211.
(وتحرم خطبة على خطبة من صُرّح بإجابته إلا بإذنه) ولو ذميًّا في ذمية؛ لحديث: "لَا يَخطُبِ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ" متفق عليه 212.
والترك كالإذن؛ كما جاء في رواية في "البخاري"، و (الأخ) في الحديث خرج مخرج الغالب؛ فلا مفهوم له.
ويشترط: أن يكون الخاطب عالمًا بالنهي، قاله القاضي الحسين في "تعليقه"، ولو خالف وتزوجها .. صح العقد؛ لأن المحرم الخطبة لا العقد.
وأبهم المصنف المعتبر تصريحه بالإجابة، وهو المجبر أو السيد، أو هي إن انتفى الإجبار والرق، أو السلطان في المجنونة.
قال البُلْقيني: وقضية كلام الشيخين: أن قول غير المجبرة: (أجبتك إلى
الجزء: 3 - الصفحة: 27
فَإِنْ لَمْ يُجَبْ وَلَمْ يُرَدَّ .. لَمْ تَحْرُمْ فِي الأَظْهَرِ
خطبتك) .. كافٍ في التصريح، وهو مخالف لنصوص الشافعي رضي الله عنه في "الأم" و"الرسالة" و"البويطي" و"المزني"، وقد اتفقت نصوص الشافعي في أربعة وعشرين موضعًا على أن تحريم الخطبة في غير المجبرة مخصوص بما إذا أذنت في تزويجها من الخاطب المعين 213.
(فإن لم يُجب ولم يرد .. لم تحرم في الأظهر) لأنه ليس فيه إبطال شيء تقرر بينهما، ومنهم من قطع به، والثاني: يحرم؛ لإطلاق الحديث، والقولان في "الشرح" و"الروضة" فيما إذا لم يصرح بالإجابة، ولكن وجد ما يشعر بالرضا؛ كقولها: (لا رغبة عنك)، وهي مسألة التعريض 214، أما إذا لم توجد الإجابة ولا الرد؛ كما هو ظاهر تعبير "الكتاب" .. فقضية كلام الرافعي هنا: ترجيح القطع بالجواز، لكن كلامه في (البيع) يقتضي ترجيح طريقة القولين 215.
قال السبكي: فلك أن تجعل قول المصنف: (لم يجب ولم يرد) على إطلاقه؛ أي: لم يجب صريحًا ولا تعريضًا، بل سكت عنه؛ فإن الصحيح من ذلك كله: عدم تحريم الخطبة، ولك أن تجعله خاصًّا بالصريح؛ أي: لم يجب صريحًا، لكن وجد ما أشعر بالرضا، والجديد فيه أيضًا: عدم التحريم.
قال الرافعي: والسابق إلى الفهم من إطلاق الأكثرين: أن سكوت الولي عن الجواب على الخلاف، وخصص بعضهم الخلاف بسكوتها، وقال: سكوت الولي لا يمنع قطعًا؛ لأنها مجبولة على الحياء، فلولا الرضا عند السكوت .. لبادرت إلى الرد، وعن الداركي: أن الخلاف في سكوت البكر، ولا يمنع سكوت الثيب بحال 216.
وخرج بقول المصنف: (ولم يرد) ما إذا رد .. فإنه لا يحرم قطعًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 28
وَمَنِ اسْتُشِيرَ فِي خَاطِبٍ .. ذَكَرَ مَسَاوِئَهُ بِصِدْقٍ. ويُسْتَحَبُّ تقدِيمُ خُطْبَةٍ قَبْلَ الْخِطْبَةِ
(ومن استشير في خاطب .. ذكر مساوئه بصدق) إذا لم يندفع بدون ذلك؛ بذلًا للنصيحة، فإن اندفع بدون تعينها؛ كقوله: (لا خير لكم فيه) ونحوه .. فإنه لا يحل تعينها قاله في "الأذكار" 217.
وهذا أحد الأسباب المجوزة للغيبة، وهي تباح لستة أسباب جمعها بعضهم في بيت فقال: [من الكامل]
لَقَبٌ وَمُسْتَفْتٍ وَفِسْقٌ ظَاهِرٌ ... وَالظُّلْمُ تَحْذِيرٌ مُزِيلُ الْمُنْكَرِ
ولا يختص ذلك بالخاطب، بل لو استشير في مخطوبة، كان كذلك، وكذا من أراد نصيحة غيره ليحذر عن مشاركة ونحوها.
وقوله: (ذكر مساوئه) محتمل للجواز والإيجاب، وظاهر إيراد "المحرر": الأول؛ فإنه قال: فله ذلك، وصرّحا به في "الروضة" و"أصلها" فقالا: ويجوز ذلك ليحذر 218، لكن صرح صاحب "الترغيب"، والقفال في "فتاويه"، وابن عبد السلام، وابن الصلاح: بالوجوب، وصرّح المصنف في "الأذكار" و"الرياض": بوجوب النصح على المستشار؛ فأوجب في (البيع) على الأجنبي إذا علم بالمبيع عيبًا أن يخبر به المشتري، ولم يتعرض له هنا 219، والظاهر: أنه مثله؛ لأن كتمانه غش، وبيانه من النصح الواجب لأئمة المسلمين وعامتهم إلا إذا علم أن ذلك لا يفيد .. فقد يرخص له في الترك في بعض الأحوال بحسب قدر المفسدة وما يترتب عليها.
(ويستحب) للخاطب أو نائبه (تقديم خُطبة) بضم الخاء (قبل الخِطبة) بكسرها لحديث: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ الله .. فَهُوَ أَبْتَرُ" 220.
الجزء: 3 - الصفحة: 29
وَقَبْلَ الْعَقْدِ. وَلَوْ خَطَبَ الْوَليُّ، فَقَالَ ألزَّوْجُ: (الْحَمْدُ للهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَبِلْتُ) .. صَحَّ النِّكاحُ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: لَا يُسْتَحَبُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ
فيبدأ بالحمد لله والثناء عليه، ويوصي بتقوى الله تعالى، ثم يقول: (جئتكم راغبًا في كريمتكم)، ويخطب الولي كذلك، ثم يقول: (لست بمرغوب عنك)، أو نحو ذلك.
(وقبل العقد) أي: ويستحب خطبة أخرى قبل العقد، وهي آكد من الأولى؛ لحديث ابن مسعود الشهير في ذلك 221، ويحصل الاستحباب، سواء خطب الولي أم الأجنبي 222.
(ولو خطب الولي، فقال الزوج: "الحمد لله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَبِلْتُ" .. صحّ النكاح على الصحيح) لأن المتخلل من مصالح العقد ومقدمات الصيغة؛ فلا يقطع الموالاة؛ كالإقامة بين صلاتي الجمع، والثاني: لا يصح؛ لأنه تخلل بينهما ما ليس من العقد.
(بل يستحب ذلك) لأنه أمر ذو بال، (قلت: الصحيح: لا يستحب، والله أعلم) لأنه لم يرد فيه توقيف، والخروج من الخلاف في الإبطال أولى، وما صححه مخالف لما في "الشرحين" و"الروضة"؛ فإن حاصل ما فيها وجهان: أحدهما: البطلان؛ لأنه غير مشروع، فأشبه الكلام الأجنبي، والثاني، ونقلاه عن الجمهور: استحبابه 223، فالقول بأنه لا يستحب ولا يبطل خارجٌ عنهما، فكيف جاء الخلاف؟ !
وذكر الماوردي: أنه عليه السلام زوّج فاطمة بعليٍّ وخطبا جميعًا 224.
قال ابن الرفعة: وإذا كان كذلك .. فالحجة فيه ظاهرة على الاستحباب؛ لأنها إنما تكون من كلٍّ منهما في مقدمة كلامه.
الجزء: 3 - الصفحة: 30
فَإِنْ طَالَ الذِّكْرُ الْفَاصِلُ .. لَمْ يَصِحَّ.
فصلٌ [في أركان النكاح وغيرها]
إِنَّمَا يَصِحُّ النكِّاحُ بِإِيجَابٍ؛ وَهُوَ: (زَوَّجْتُكَ) أَوْ (أَنْكَحْتُكَ)، وَقَبُولٍ؛ بِأَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ: (تزَوَّجْتُ)، أَوْ (نَكَحْتُ)، أَوْ (قَبِلْتُ نِكَاحَهَا) أَوْ (تَزْوِيجَهَا). وَيَصِحُّ تقدُّمُ لَفْظِ الزَّوْجِ عَلَى الْوَليِّ
(فإن طال الذكر الفاصل) بين الإيجاب والقبول ( .. لم يصح) لأنه يشعر بالإعراض، وضبط القفال الطويلَ المانعَ من صحة العقد: بقدر ما لو كانا ساكتين فيه .. لخرج الجواب عن أن يكون جوابًا.
(فصل: إنما يصح النكاح بإيجاب وهو) أن يقول: الولي أو وكيله ("زوجتك" أو "أنكحتك"، وقبول؛ بأن يقول الزوج: "تزوجت"، أو "نكحت"، أو "قبلت نكاحها"، أو "تزويجها") أو (قبلت هذا النكاح)، كما صرح به في "الوسيط" كغيره من العقود وأولى 225.
و(رضيت نكاحها) كـ (قبلت نكاحها) على ما حكاه ابن هبيرة عن إجماع الأئمة الأربعة، قال السبكي: ويجب التوقف في هذا النقل؛ أما اعتبار أصل الإيجاب والقبول .. فبالاتفاق؛ كسائر العقود، وأما خصوص هذا اللفظ .. فلما سيأتي.
ولا يشترط توافقهما في اللفظ؛ فلو قال الولي: (زوجتك)، فقال الزوج: (قبلت) .. صحّ، وبهذا يتم كون (أو) في كلام المصنف للتخيير مطلقًا.
(ويصح تقدُّم لفظ الزوج على الولي) بأن يقول الزوج: (تزوجتها) أو (نكحتها)، فيقول الولي: (زوجتك) أو (أنكحتك) لحصول المقصود، تقدم أو تأخر، هذا في غير: (قبلت)، أما لفظ (قبلت) .. فلا يجوز تقدمه؛ لأنه يستدعي مقبولًا متقدمًا عليه.
قاله السبكي.
الجزء: 3 - الصفحة: 31
وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ أَوِ الإِنْكَاحِ. وَيَصِحُّ بِالْعَجَمِيَّةِ فِي الأَصَحِّ، لَا بِكِنَايَةٍ قَطْعًا.
(ولا يصح إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح) خاصة، لأن النكاح نوع من العبادات، والأذكار في العبادات تتلقى من الشرع، والقرآن ورد بهذين اللفظين فقط، فوجب الوقوف معهما تعبدًا واحتياطًا، وصحّ: أنه صلى الله عليه وسلم قال في خطبة الوداع: "اِتَّقوا الله فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَتِهِ" 226.
و(كلمته): التزويج والإنكاح؛ فلا ينعقد بلفظ البيِع والتمليك.
وممّا استدل به أصحابنا: قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ جعل النكاح بلفظ الهبة من خصائصه صلى الله عليه وسلم.
وهذا في الناطق، أما الأخرس .. فينعقد نكاحه بإشارته المفهمة.
(ويصح بالعجمية في الأصح) اعتبارًا بالمعنى، فعلى هذا: يشترط: أن يأتي بما يعدّه أهل تلك اللغة صريحًا في لغتهم، والثاني: لا، كقراءة القرآن، والثالث: إن عجز عن العربية .. صح، وإلا .. فلا؛ كالتكبير، وإذا صححناه .. فذاك إذا فهم كل منهما كلام الآخر؛ فإن لم يفهم وأخبره ثقة عن معناه .. ففي الصحة وجهان، رجح البُلْقيني: المنع، وفي اشتراط تواقع اللغتين وجهان في "الكفاية" 227.
والمراد بـ (العجمية): ما عدا العربية من سائر اللغات، كما عبر في "المحرر" 228.
(لا بكناية قطعًا) لأنه لا مطلع للشهود على النية، ولك أن تسأل عن الفرق بين هذا وبين ما إذا قال: (زوجتك بنتي)، ونويا فاطمة ونويا بنته؛ فإنه يصح قطعًا.
وقوله: (قطعًا) من زياداته على "المحرر" 229، وقد حكى في "المطلب" فيه خلافًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 32
وَلَوْ قَالَ: (زَوَّجْتُكَ)، فَقَال: (قَبِلْتُ) .. لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ قَال: (زَوِّجْنِي)، فَقَالَ: (زَوَّجْتُكَ) أوْ قَالَ الْوَليُّ: (تَزَوَّجْهَا)، فَقَالَ: (تزَوَّجْتُ) .. صَحَّ
ولا ينعقد النكاح بالكتابة، وقيل: يصح في الغائب، وهذا بجعل الكتابة صريحًا لا كنايةً.
(ولو قال: "زوّجتك"، فقال: "قبلتُ") ولم يقل: نكاحها أو تزويجها ( .. لم ينعقد على المذهب) لأنه لم يوجد منه التصريح بواحد من لفظَي النكاح والتزويج، والثاني: يصح؛ لأنه ينصرف إلى ما أوجبه الولي، فكان كالمعاد لفظًا، وهو الأصحُّ في نظيره من البيع.
والفرق: أن القبول وإن انصرف إلى ما أوجبه الولي والبائع؛ فكان كالمعاد في الجواب لكنه من قبيل الكنايات، والنكاح لا ينعقد بالكناية، بخلاف البيع، وقيل: بالمنع قطعًا، وقيل: بالصحة قطعًا.
فلو قال: (قبلتها) أو (قبلت التزويج) من غير إضافة إليها، أو إشارة إلى النكاح .. فخلاف مرتب، وأولى بالصحة، قال في "المهمات": ونص في "الأم" على أنه لا يصح في: (قبلتها) 230، ونص في "البويطي": على الانعقاد في: (قبلت النكاح أو التزويج) لوجود التصريح بالنكاح، بخلاف: (قبلتها).
انتهى.
(ولو قال: "زوِّجني"، فقال: "زوَّجتك"، أو قال الولي: "تزوّجها"، فقال: "تزوَّجتُ" .. صح) لوجود الاستدعاء الجازم، وقيل: على الخلاف في البيع، ذكره الرافعي في الأولى نقلًا، وفي الثانية بحثًا، وجزم الماوردي وغيره بالمنع في الثانية، واختاره الأَذْرَعي، ولو قال في الأولى بعده: (قبلت) .. صح قطعًا 231.
وتشترط الموالاة بين الإيجاب والقبول وقد ذكره المصنف في (البيع) 232، وقيل: يكفي القبول في مجلس الإيجاب.
الجزء: 3 - الصفحة: 33
وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ، وَلَوْ بُشِّرَ بِوَلَدٍ فَقَالَ: (إِنْ كَانَ أُنثى .. فَقَدْ زَوَّجْتُكهَا)، أَوْ قَالَ: (إِنْ كَانتْ بِنْتِي طُلِّقَتْ وَاعْتَدَّتْ فَقَدْ زَوَّجْتُكهَا) .. فَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُهُ. وَلَا تَوْقِيتُهُ، وَلَا نِكَاحُ الشِّغَارِ؛
وإذا وجد أحد شقي العقد من أحد العاقدين .. فلا بد من إصراره عليه حتى يوجد الشق الآخر، فلو رجع عنه .. لغا العقد، وكذا لو أوجب ثم جن أو أغمي عليه .. لغا إيجابه وامتنع القبول، وكذا لو أذنت المرأة في تزويجها حيث يعتبر إذنها ثم أغمي عليها قبل العقد .. بطل إذنها.
(ولا يصح تعليقه) كالبيع ونحوه من المعاوضات، بل النكاح أولى بمزيد الاحتياط فيه.
(ولو بُشِّر بولد فقال: "إن كان أنثى فقد زوجتكها"، أو قال: "إن كانت بنتي طُلِّقت واعتدت فقد زوجتكها" .. فالمذهب: بطلانه) وإن كان الواقع ما ذكره؛ لوجود صورة التعليق وفساد الصيغة.
والطريق الثاني: فيه وجهان؛ كمن باع مال أبيه ظانًّا حياته فبان موته.
واستشكل تصوير الإذن من الزوجة المدخول بها، ولا يمكن تصويره في البكر؛ لأجل قوله: (واعتدت).
وأجيب: بتصويره في المجنونة، أو في العاقلة إذا أذنت له إن طلقت واعتدت أن يزوّجها؛ كما أشار إلى صحة هذا الإذن البغوي في "فتاويه"، وكلام "الروضة" يفهمه فيما لو قال الولي للوكيل: (أذنت لك في تزويجها إذا انقضت عدتها)، لكن المرجح في (كتاب الوكالة): خلافه 233.
(ولا توقيته) بمدة مجهولة؛ كقدوم زيد، أو معلومة؛ كشهر؛ للنهي عن نكاح المتعة وهو: المؤقت، سمي به؛ لأن الغرض منه مجرد التمتع دون التوالد وغيره.
(ولا نكاح الشغار) للنهي عنه في "الصحيحين" 234.
الجزء: 3 - الصفحة: 34
وَهُوَ: (زَوَّجْتُكهَا عَلَى أَنْ تزوِّجَنِي بِنْتَكَ وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقُ الأُخْرَى) فَيَقْبَلُ، فَإِنْ لَمْ يَجْعَلِ الْبُضْعَ صَدَاقًا .. فَالأَصَحُّ: الصِّحَّةُ، وَلَوْ سَمَّيَا مَالًا مَعَ جَعْلِ الْبُضْعِ صَدَاقًا .. بَطَلَ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ،
سمي به من قولهم: (شغر البلد عن السلطان): إذا خلا؛ لخلوه عن المهر، أو عن بعض الشرائط.
(وهو: "زوّجتكها على أن تزوِّجني بنتك وبضعُ كلِّ واحدة صداق الأخرى"، فيقبل) كذا فسر في الحديث من رواية ابن عمر؛ فيجوز أن يكون مرفوعًا، وأن يكون من عند ابن عمر، وهو أعلم بتفسير الحديث من غيره.
والمعنى فيه: التشريك في البضع؛ لأن كل واحد منهما جعل بضع مولّيته موردًا للنكاح وصداقًا، فأشبه تزويج واحدة من اثنين.
(فإن لم يجعل البضع صداقًا) بل اقتصر على قوله: (زوَّجتك بنتي على أن تزوِّجني بنتك) ( .. فالأصح: الصحة) لعدم التشريك في البضع، وليس فيه إلا شرط عقد في عقد، وذلك لا يفسد النكاح، والثاني: لا يصح؛ لما فيه من التعليق والتوقيف؛ كأنه يقول: (لا ينعقد لك نكاح ابنتي حتى ينعقد لي نكاح ابنتك)، أو: (زوجتك ابنتي إن زوجتني ابنتك)، وهذا هو المنصوص في "الأم" 235، وقال الأَذْرَعي وغيره: إنه المذهب.
(ولو سمّيا مالًا مع جعل البضع صداقًا .. بطل في الأصح) لبقاء معنى التشريك، والثاني: يصح؛ لأنه ليس على تفسير صورة الشغار؛ لأنه لم يخل عن المهر.
وقوله: (سمّيا) ليس بقيد، بل لو سمى أحدهما .. فالحكم كذلك.
(ولا يصح إلّا بحضرة شاهدين) لحديث: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَمَا كَانَ مِنْ نِكَاحٍ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ .. فَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنْ تشَاجَرُوا .. فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ" رواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال: لا يصح في ذكر الشاهدين غيره 236.
الجزء: 3 - الصفحة: 35
شَرْطُهُمَا: حُرِّيَّةٌ، وَذُكُورَةٌ، وَعَدَالَةٌ، وَسَمْعٌ، وَبَصَرٌ، وَفِي الأَعْمَى وَجْهٌ. وَالأَصَحُّ: انْعِقَادُهُ بِابْنَيِ الزَّوْجَيْنِ وَعَدُوَّيْهِمَا. وَيَنْعَقِدُ بِمَسْتُورَيِ الْعَدَالَةِ عَلَى الصَّحِيحِ،
والمعنى فيه: الاحتياط للأبضاع، وصيانة الأنكحة عن الجحود.
وإنما عبر بالحضور ليفهم عدم الفرق بين حضورهما قصدًا أو اتفاقًا، فلو حضرا وسمعا الإيجاب والقبول .. صح وإن لم يسمعا الصداق، ويستحب: إحضار جمع من أهل الصلاح زيادة على الشاهدين.
(شرطهما: حرية، وذكورة، وعدالة، وسمع، وبصر) لأن المقصود الإثبات، ولا يثبت بدون ذلك، والخنثى كالمرأة.
نعم، لو عقد بخنثيين فبانا ذكرين .. فالأصحُّ من "زوائد الروضة": الصحة 237، بخلاف نظيره من الصلاة؛ فإن عدم جزم النية يؤثر فيهما.
(وفي الأعمى وجه) لأنه أهل للشهادة في الجملة، وفصّل الفارقي بين أن يعرف الزوجين فتنعقد بشهادته، أو لا، فلا، واستحسنه الأَذْرَعي وغيره، وذكر في "المحرر" مع ذلك: الإسلام والتكليف، وكأن المصنف استغنى عن ذكرهما؛ لتضمن العدالة لهما.
(والأصح: انعقاده بابني الزوجين وعدوَّيهما) لأنهما من أهل الشهادة، ويثبت بهما النكاح في الجملة، والثاني: المنع؛ لتعذر إثبات هذا النكاح بهما، وينعقد بحضور ابنيه مع ابنيها، وعدويه مع عدويها جزمًا؛ كما قاله في "الروضة"؛ لإمكان إثبات شقَّيه 238.
(وينعقد بمستوري العدالة) وهو: من عرفت عدالته ظاهرًا بالمخالطة، لا باطنًا بالتزكية (على الصحيح) لأن النكاح يجري فيما بين آحاد الناس والعوام، ولو كلفوا بمعرفة العدالة الباطنة .. لطال الأمر وشق، بخلاف الحكم حيث لا يجوز بشهادة المستورين، لأنه يسهل على الحاكم مراجعة المزكين، ومعرفة العدالة الباطنة،
الجزء: 3 - الصفحة: 36
لَا مَسْتُورِ الإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ. وَلَوْ بَانَ فِسْقُ الشَّاهِدِ عِنْدَ الْعَقْدِ .. فَبَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا يَتبيَّنُ بِبيِّنَةٍ أَوِ اتِّفاقِ الزَّوْجَيْنِ،
والثاني: لا ينعقد بهما، بل لا بدَّ من معرفة العدالة الباطنة، وهي: المستندة إلى التزكية؛ ليمكن الإثبات بشهادتهما.
ومحل الخلاف: إذا كان العاقد غير الحاكم، أما الحاكم فتشترط فيه العدالة الباطنة قطعًا؛ لتيسرها عليه، بخلاف الآحاد، كذا قاله ابن الصلاح 239، وجرى عليه المصنف في "نكت التنبيه".
(لا مستور الإسلام والحرية) 240 بأن يكون في موضع يختلط فيه المسلمون بالكفار، والأحرار بالأرقاء ولا غالب؛ لتيسر معرفة الحال، بخلاف العدالة والفسق.
ولا ينعقد بمجهول البلوغ؛ إذ الأصل الصبي، قاله الجويني 241.
(ولو بان فسق الشاهد عند العقد .. فباطل على المذهب) لفوات الشرط؛ كما لو بانا كافرين، والطريق الثاني: فيه قولان: أحدهما: هذا، والثاني: الاكتفاء بالستر يومئذ.
(وإنما يتبيَّن) الفسق (ببيِّنة أو اتفاق الزوجين) على أنهما كانا فاسقين ولم يعلماه، أو علماه ونسياه عند العقد، أما لو قالا: (علمنا فسقهما عند العقد) .. فباطل قطعًا؛ لأنهما لم يكونا مستورين عند الزوجين، والتعويل عليهما، نقلاه عن الإمام، وأقراه 242.
ومحل تبين البطلان باعترافهما؛ كما قاله في "الكافي": فيما يتعلق بحقهما، أما حق الله تعالى؛ بأن طلقها ثلاثًا ثم توافقا على فساد العقد بهذا السبب أو بغيره .. فلا يجوز أن يوقعا نكاحًا جديدًا إلا بمحلل؛ لمكان التهمة؛ لأنه حق الله تعالى؛ فلا
الجزء: 3 - الصفحة: 37
وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ: (كُنَّا فَاسِقَيْنِ).
وَلَوِ اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ وَأَنْكَرَتْ .. فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَإِلَّا .. فَكُلُّهُ.
وَيُسْتَحَبُّ الإِشْهَادُ عَلَى رضَا الْمَرْأَةِ حَيْثُ يُعْتبَرُ رضَاهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ.
فصلٌ [فيمن يعقد النكاح وما يتبعه]
لا تزوِّجُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا بِإِذْنٍ،
يسقط بقولهما، قال: ولو أرادا إقامة بيّنة على ذلك .. لم يسمع قولهما ولا بينتهما.
(ولا أثر لقول الشاهدين: "كنا فاسقين") لأنه إقرار على غيرهما.
(ولو اعترف به الزوج وأنكرت .. فرّق بينهما) مؤاخذة له بقوله، وهي فرقة فسخ لا تنقص عدد الطلاق على الصحيح في "الروضة"؛ كإقراره بالرضاع 243.
(وعليه نصف المهر) المسمى (إن لم يدخل بها، وإلا .. فكله) لأن حكم اعترافه مقصور عليه؛ جريًا على القاعدة، فلو اعترفت به الزوجة وأنكر .. فالأصحُّ في "الروضة": قبول قوله 244، وصحح الفارقي قبول قولها، قال صاحب "المعين": وربما كان أقيس؛ فإن الخلاف هو الخلاف في اجتماع الأصل والظاهر؛ إذ الأصل عدم العدالة، والظاهر وجودها.
انتهى.
وعلى تصحيح "الروضة": لو مات .. لم ترثه، أو طلقها قبل الدخول .. فلا مهر، أو بعده .. فلها الأقل من المُسمَّى ومهر المثل.
(ويستحب الإشهاد على رضا المرأة حيث يعتبر رضاها) احتياطًا لإدامة النكاح، (ولا يشترط) في صحة النكاح؛ لأنه ليس من نفس العقد، وإنما هو شرط فيه، فإذا وجد من غير إشهاد .. كفى.
(فصل: لا تزوج امرأة نفسها بإذن) من الولي ولا غيره؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ , قال الشافعي: هي أصرح دليل في اعتبار الولي،
الجزء: 3 - الصفحة: 38
وَلَا غَيْرَهَا بِوَكَالَةٍ، وَلَا تقبَلُ نِكَاحًا لِأحَدٍ. وَالْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ،
وإلا .. لما كان للعضل معنى 245.
ومن السنة: الحديث المار في اشتراط الشاهد 246.
قال الترمذي: وهو الذي عليه العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فمن بعدهم 247.
ويستثنى: ما إذا كانت بموضع لا حاكم فيه وليس لها ولي .. فلها تفويض أمرها إلى عدل يزوجها، حكاه يونس بن عبد الأعلى عن النص، وقال في "الروضة": إنه المختار.
قال في "المهمات": ولا يختص ذلك بفقد الحاكم، بل يجوز ذلك مع وجوده سفرًا وحضرًا بناء على الصحيح في جواز التحكيم في النكاح؛ كما هو مذكور في (كتاب القضاء) 248.
قال شيخنا: ومراد "المهمات": ما إذا كان المحكم صالحًا للقضاء، وأما الذي اختاره النووي؛ أنه تكفي العدالة، ولا يشترط أن يكون صالحًا للقضاء .. فشرطه: السفر وفقد القاضي.
(ولا غيرَها بوكالة) ولا بولاية؛ لحديث: "لَا تزوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؛ فَإِنَّ الزَّانِيَةَ الَّتِي تزوِّجُ نَفْسَهَا" رواه ابن ماجه، وأخرجه الدارقطني بإسناد على شرط الصحيح 249.
(ولا تقبل نكاحًا لأحد) بوكالة ولا بولاية، شريفة كانت أو دنيئة؛ إذ لا يصح لها، فلا تتعاطاه للغير، ومحاسن الشريعة تقتضي فطمهن عن ذلك؛ لما قصد منهن من الحياء وعدم ذكر ذلك بالكلية، والخنثى في ذلك كالمرأة؛ كما جزم به ابن مسلم تلميذ الغزالي في كتاب "الخناثى".
(والوطء في نكاح بلا ولي يوجب مهر المثل) لحديث: "أَيّمَا امْرَأَةٍ نَحَكَتْ بِغَيْرِ
الجزء: 3 - الصفحة: 39
لَا الْحَدَّ. وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الْوَليِّ بِالنِّكاحِ إِنِ اسْتَقَلَّ بِالإِنْشَاءِ،
إذْنِ وَلِيِّهَا .. فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ -ثلاثًا- فَإِنْ دَخَلَ بِهَا .. فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ تشَاجَرُوا .. فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ"، حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم، وقال ابن معين: إنه أصح ما في الباب 250.
(لا الحدَّ) لشبهة اختلاف العلماء، وسواء معتقد التحريم وغيره، لكن يعزَّر معتقد التحريم، وقيل: يحدّ ولا مهر، وقيل: يحد معتقد الإباحة، حكاه في "الوسيط" 251.
ومحل الخلاف: ما إذا حضر العقد شاهدان؛ كما قاله القاضي، فإن لم يحضراه ولا حصل فيه إعلان .. فالحد واجب؛ لانتفاء شبهة العلماء، وإن وجد الإعلان خاصة، فإن لم يكن ولي .. وجب، وإلا .. فلا.
ومحله أيضًا: إذا لم يقض به قاض؛ كما قاله الماوردي، فإن قضى قاض شافعي ببطلانه وفرق بينهما ثم اجتمعا .. حُدّا؛ يعني: قطعًا؛ لارتفاع الشبهة بالحكم بالفرقة؛ فلو ترافعا بعد ذلك إلى حاكم حنفي .. لم يكن له أن يحكم بجوازه؛ لنفوذ الحكم بإبطاله، قال: وإن ترافعا إلى حنفي ابتداءً، فحكم بصحته .. فلا حد، فلو ترافعا بعد ذلك إلى الشافعي .. فهل ينقض حكم الحنفي؟ فيه وجهان: صحح الرافعي عدم النقض 252، واختار السبكي النقض.
(ويقبل إقرار الولي بالنكاح إن استقل بالإنشاء) حالة الإقرار، وهو المجبر وإن لم توافقه البالغة على الأصحِّ، لأن من ملك الإنشاء .. ملك الإقرار غالبًا.
وإنما قيدت استقلاله بحالة الإقرار، للاحتراز عما لو كانت ثيبًا وادعى أنه زوجها حين كانت بكرًا .. فلا يقبل قوله وإن كان استقل بالإنشاء، كذا أطلقه الإمام، وقال الرافعي: إنه الظاهر 253.
الجزء: 3 - الصفحة: 40
وإلَّا .. فَلَا. وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ بِالنِّكِّاحِ عَلَى الْجَدِيدِ. وَلِلأَبِ تَزْوِيجُ الْبِكْرِ صَغِيرَةً وَكَبِيرَةً بِغَيْرِ إِذْنِهَا،
(وإلا) أي: وإن لم يستقل به؛ إما لعدم إجباره أو لكون الزوج غير كفء ( .. فلا) يقبل؛ لعجزه عن الإنشاء.
(ويقبل إقرار البالغة العادلة) الحرة ولو سفيهة وفاسقة على الصحيح (بالنكاح على الجديد) وإن كذبها الولي والشاهدان إن عينتهما، لكن صدقها الزوج؛ لأنه حقهما، فثبت بتصادقهما كغيره من العقود، وهذا مستثنى من قاعدة: من لا يملك الإنشاء .. لا يملك الإقرار به.
والقديم: إن كانا غريبين .. قبل، وإلا .. طولبا بالبينة؛ لسهولتها، وعن القديم أيضًا: عدم القبول مطلقًا، وهو قضية كلام "الكتاب"، ومنهم من نفاه عن القديم، وحمله على الحكاية عن الغير.
وكلامه يفهم: الاكتفاء بمطلق الإقرار، وهو ما رجحاه في (الدعاوى) 254، لكن رجحا هنا اشتراط التفصيل، فتقول: (زوَّجني منه ولي بحضور شاهدين عدلين، ورضاي) إن كان شرطًا 255.
(وللأب تزويج البكر صغيرة وكبيرة بغير إذنها) لحديث: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبكْرُ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا" رواه الدارقطني 256.
وفي "مسلم": "الْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا" 257، وهو إجماع في الصغيرة؛ كما حكاه ابن المنذر.
نعم؛ للإجبار شروط: أحدها: أن يزوجها من كفء بمهر مثل، كذا قاله النشائي والزركشي وغيرهما، وقضيته: أنه لو زوج بدونه .. لم يصحّ، لكن ذكر الشيخان في (كتاب الصداق) ما يخالفه فقالا: إنه لو زوج ابنته البكر بلا إذن بدون مهر المثل ..
الجزء: 3 - الصفحة: 41
وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُهَا، وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ ثَيِّبٍ إِلَّا بِإِذْنِهَا، فَإِنْ كَانَتْ
صح النكاح على الأظهر 258.
ثانيها: ألا يكون الزوج معسرًا، كذا حكاه الرافعي قبيل (الصداق) عن "فتاوي القاضي الحسين" 259 وأقرّه، وجزم به القفال في "فتاويه"، لكن صرح ببنائه على اعتبار اليسار في الكفاءة، فبان أنه من تفريعات المرجوح.
ثالثها: ألا يكون بينها وبين الأب عداوة ظاهرة؛ كما حكاه الرافعي عن ابن كَجٍّ وابن المرزبان، قال: وفيه احتمال للحناطي.
انتهى 260.
وبمنع الإجبار أجاب ابن القطان، وجزم الماوردي، والروياني بالإجبار مع العداوة 261؛ لأنه يحتاط لنفسه.
وقال في "المطلب" في الكلام على تزويج اليهودي للنصرانية: إنه المذهب، وكلام "الشرح الصغير" يميل إليه.
رابعها: أن يزوجها بنقد البلد؛ كما جزم به ابن الرفعة، وفي "زوائد الروضة" نقلًا عن "البيان" عن أصحابنا المتأخرين: أنه إذا استأذن الولي البكر في أن يزوجها بدون مهر المثل أو بغير نقد البلد .. لم يكن سكوتها إذنًا في ذلك 262.
(ويستحب استئذانها) أي: الكبيرة؛ كما صرح به في "الروضة" 263؛ للحديث السالف، أما الصغيرة .. فلا إذن لها.
والمستحب في الاستئذان: أن يرسل إليها نسوة ثقات ينظرن ما في نفسها، والأم بذلك أولى؛ لأنها تطلع على ما لا يطلع عليه غيرها، قال في "الأم": وأكره أن يزوجها ممن تكرهه 264.
(وليس له تزويج ثيب إلا بإذنها) للحديث المار 265، (فإن كانت) الثيب
الجزء: 3 - الصفحة: 42
صَغِيرَةً .. لَمْ تُزَوَّجْ حَتَّى تَبْلُغَ، وَالْجَدُّ كَالأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ. وَسَوَاءٌ زَالَتِ الْبَكَارَةُ بِوَطْءٍ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ، وَلَا أَثَرَ لِزَوَالِهَا بِلَا وَطْءٍ كَسَقْطَةٍ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ عَلَى حَاشِيَةِ النَّسَبِ كَأَخٍ وَعَمٍّ لَا يُزَوِّجُ صَغِيرَةً بِحَالٍ. وَتُزوَّجُ الثَّيِّبُ الْبَالِغَةُ بِصَرِيحِ الإِذْنِ،
(صغيرة .. لم تزوج حتى تبلغ) لأن عبارتها ملغاة.
نعم؛ لو كانت مجنونة .. زوّجت في الأصحِّ، وكذا الأمة يزوجها سيّدها.
(والجد) أبو الأب وإن علا (كالأب عند عدمه) لأن له ولادة وعصوبة 266؛ كالأب، قال في "الخصال": ووكيلهما كهما.
(وسواء) في حصول الثيوبة واعتبار إذنها (زالت البكارة بوطء حلال أو حرام) أو بشبهة، فيعتبر إذنها، لأنها ثيب، فشملها الخبر، وعن القديم: أن المصابة بالزنا حكمها حكم الأبكار.
(ولا أثر لزوالها بلا وطء؛ كسقطة) أو بإصبع، أو حدة طمث وطول تعنيس وهو: الكبر (في الأصح) لأنها لم تمارس الرجال وهي على غباوتها وحيائها، والثاني: أنها كالثيب؛ لزوال العذرة.
ولا أثر أيضًا بالوطء في الدبر على الصحيح، ولو خلقت بلا بكارة .. فلها حكم الأبكار.
(ومن على حاشية النسب؛ كأخ وعم لا يزوِّج صغيرة بحال) بكرًا كانت أو ثيبًا، أما في البكر .. فلورود النص في الأب وليسوا في معناه؛ لوفور شفقته، وأما الثيب .. فلأنه إذا امتنع على الأب تزويجها .. فغيره أولى.
(وتُزوَّج الثيب البالغة بصريح الإذن) سواء الأب وغيره، للحديث المار: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا" 267.
وأشار بقوله: (بصريح الإذن) إلى أنه لا يكفي السكوت، ولو أذنت بلفظ التوكيل .. جاز على النص، كما نقله في "زيادة الروضة" عن حكاية صاحب "البيان" 268.
الجزء: 3 - الصفحة: 43
وَيَكْفِي فِي الْبكْرِ سُكُوتُهَا فِي الأَصَحِّ. وَالْمُعْتِقُ وَالسُّلْطَانُ كَالأخ. وَأَحَقُّ الأَوْلِيَاءِ: أبٌ ثمَّ جَدٌّ ثمَّ أَبُوهُ، ثمَّ أَخٌ لِأبَوَيْنِ أَوْ لِأبٍ ثمَّ ابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ، ثمَّ عَمٌّ، ثمَّ سَائِرُ الْعَصَبَةِ كَالإِرْثِ،
(ويكفي في البكر سكوتها في الأصح) لرواية مسلم المارة: "وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا" 269، والثاني: لا بدَّ من النطق؛ كالثيب.
ومحل الخلاف: في غير المجبر، أما المجبر .. فالسكوت كاف في حقه؛ كما هو ظاهر إيراد المصنف، وصرح به الروياني وغيره.
وقوله: (ويكفي سكوتها) أي: في جواب استئذانها؛ ليطابق كلام "المحرر" 270، ويخرج ما لو زوجت بحضرتها وهي ساكتة .. فإنه لا يصح في الأصحِّ.
ومحل الاكتفاء بالسكوت: ما إذا لم يقترن به ما يدل على عدم الرضا؛ فإن اقترن به بكاء مع صياح أو ضرب خدٍّ .. لم يكف.
(والمعتق) وعصبته (والسلطان كالأخ) فيزوجون الثيب البالغة بصريح الإذن، ولا يزوجون الصغيرة؛ لحديث: "الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ" صححه ابن حبان والحاكم 271.
وينبغي أن يكون المراد: إلحاق السلطان بالأخ فيما سبق، وإلا .. لورد عليه: أن السلطان يزوج المجنونة البالغة دون الأخ إلى غير ذلك من المسائل التي يزوج فيها السلطان، كما سيأتي.
(وأحق الأولياء: أب) لأن سائر العصبة يدلون به، (ثم جد) أبو أب (ثم أبوه) وإن علا؛ لاختصاصه عن سائر العصبات بالولادة، مع مشاركتهم في العصوبة، (ثم أخ لأبوين أو لأب) لأنه يدلي بالأب، فكان أقرب، (ثم ابنه وإن سفل) لأنه أقرب من العم، (ثم عم) لأبوين أو لأب، (ثم سائر العصبة؛ كالإرث) لأن المأخذ فيهما واحد.
الجزء: 3 - الصفحة: 44
وَيُقَدَّمُ أَخٌ لِأبَوَيْنِ عَلَى أَخٍ لِأبٍ فِي الأَظْهَرِ. وَلَا يُزَوِّجُ ابْنٌ بِبُنُوَّةٍ، فَإِنْ كَانَ ابْنَ ابْنِ عَمٍّ أَوْ مُعْتِقًا أَوْ قَاضِيًا .. زَوَّجَ بِهِ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ نَسِيبٌ .. زَوَّجَ الْمُعْتِقُ، ثمَّ عَصَبَته كَالإِرْثِ
والمراد بقوله: (كالإرث) بالنسبة إلى سائر العصبات فقط، ولا يعود إلى كل من تقدم؛ لأن الجد في الإرث يشارك الأخ، ويقدم هنا عليه.
(ويقدم أخ لأبوين على أخ لأب في الأظهر) لزيادة القرب والشفقة؛ كما في الميراث، والثاني: أنهما سواء، لأن قرابة الأم لا تفيد ولاية النكاح، فلا يترجح بها؛ كما لو كان لها عمّان أحدهما خال.
وأجاب الأول: بأنه ليس كل ما لا يفيد لا يرجح؛ بدليل أن العم لأبوين يقدم على العم للأب في الإرث، والعم للأم لا يرث.
ولو قال: (ويقدم مدلٍ بأبوين على مدلٍ بأحدهما) .. لكان أشمل.
(ولا يزوج ابن ببنوة) لأنه لا مشاركة بينه وبين الأم في النسب، فلا يعتني بدفع العار عن النسب؛ ولهذا لم تثبت الولاية للأخ من الأم.
(فإن كان ابنَ ابنِ عم أو معتقًا أو قاضيًا .. زوَّج به) أي: بذلك السبب، لأن البنوة ليست مانعة من الولاية، لكن ليست مقتضية للولاية، فإذا وجد معها سبب آخر يقتضي الولاية .. لم يمنعه، وحديث أم سلمة: (قم يا غلام زوِّج أمَّك) 272؛ إن ثبت .. محمول على أنه كان ابن ابن عم لها ولم يكن ولي أقرب منه.
(فإن لم يوجد نسيب .. زوج المعتق ثم عصبته) لما مرّ (كالإرث) في ترتيبهم فيقدم بعد عصبة المعتق معتق المعتق، ثم عصبته وهكذا على ترتيبهم هنا، وترتيب العصبات هناك كالنسب إلا في مسائل: إحداها: الجد في النسب أولى من الأخ، والأظهر هنا: أن أخ المعتق أولى من جده، الثانية: ابن المرأة لا يزوجها، وابن
المعتق يزوج ويقدم على أبيه، لأن التعصيب له، الثالثة: ابن الأخ يقدم على الجد في الولاء؛ بناء على تقديم والده، الرابعة: أخو المعتق الشقيق هنا يزوج قطعًا، وقيل: قولان؛ كأخ النسب، وقيل: يستويان قطعًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 45
وَيُزَوِّجُ عَتِيقَةَ الْمَرْأَةِ مَنْ يُزَوِّجُ الْمُعْتِقَةَ مَا دَامَتْ حَيَّةً، وَلَا يُعْتبَرُ إِذْنُ الْمُعْتِقَةِ فِي الأَصَحِّ، فَإِذَا مَاتَتْ .. زَوَّجَ مَنْ لَهُ الْوَلَاءُ، فَإِنْ فُقِدَ الْمُعْتِقُ وَعَصَبَته .. زَوَّجَ السُّلْطَانُ، وَكَذَا يُزَوِّجُ إِذَا عَضَلَ الْقَرِيبُ وَالْمُعْتِقُ
(ويزوِّج عتيقةَ المرأة من يزوّج المعتِقة ما دامت حيّة) برضا العتيقة؛ تبعًا للولاية عليها، نعم؛ يرد على طرده: ما لو كانت المعتقة كافرة ووليها كافرًا والعتيقة مسلمة .. فإنه لا يزوجها مع تزويجه المعتقة، وعلى عكسه: ما لو كانت العتيقة كافرة والمعتقة مسلمة ووليها كافرًا .. فإنه يزوج العتيقة ولا يزوج المعتقة، وقيل: لا يزوجها إلا السلطان؛ لأن من له الولاية ليس له التزويج، فكيف بمن يدلي به؟
(ولا يعتبر إذن المعتقة في الأصح) لأنه لا ولاية لها ولا إجبار، فلا فائدة له، والثاني: يعتبر؛ لأن العصبة يزوّجون لإدلائهم بها، فلا أقل من مراجعتها.
(فإذا ماتت .. زوَّج من له الولاء) من عصبات المعتقة، ويقدم الابن على الأب على الصحيح، ويزوج المبعضة مالك البعض ومعه وليها القريب، فإن لم يكن .. فمعتق بعضها، وإلّا .. فالسلطان، هذا هو الأصحُّ من أوجه خمسة.
(فإن فقد المعتق وعصبته .. زوّج السلطان) للحديث المارِّ: "السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ" 273.
والمراد به: حاكم الموضع الذي هي فيه، واليًا كان أو قاضيًا، وسواء كانت مستوطنة محل ولايته أم غيره.
(وكذا يزوِّج إذا عضل القريب والمعتِق) بالإجماع؛ كما حكاه ابن المنذر؛ لأنه حق عليهما، فإذا امتنعا من وفائه .. وفاه الحاكم.
وهل يزوج حينئذ بالنيابة، أو الولاية؟ فيه خلاف ذكر ابن الرفعة له أربع فوائد:
إحداها: لو كانت ببلد وأذنت لحاكم بلد آخر في تزويجها والولي فيه -أي: وعضل- فإن قلنا بالولاية .. امتنع؛ كما لو لم يكن لها ولي خاص، أو بالنيابة .. جاز؛ لأن وفاء الحقوق المتوجبة على الممتنع من أدائها لا يختص بحاكم بلد صاحب الحق.
الجزء: 3 - الصفحة: 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثانيها: عند الغيبة؛ إن قلنا بالولاية .. زوّج الأبعد، أو بالنيابة .. زوّج القاضي.
ثالثها: إذا زوجها الحاكم والولي الغائب في وقت واحد بالبينة .. قدم الولي إن قلنا: بالنيابة، وإن قلنا بالولاية .. بطلا؛ كوليّين، أو يقدم الحاكم؛ لقوة ولايته وعمومها؛ كما لو قال: (كنت زوَّجتها في الغيبة) .. فإن نكاح الحاكم يقدم؛ كما صرحوا به.
رابعها: إذا زوّجها القاضي في غيبة العاضل؛ لثبوت العضل لديه؛ حيث قلنا بالنيابة، ثم ثبت بينة أنه كان رجع عن العضل قبل تزويج القاضي؛ فإن قلنا: بالنيابة .. خرج على عزل الوكيل، أو بالولاية .. خرج على عزل القاضي قبل علمه بعزله 274.
وقد جمع بعضهم المواضع التي يزوج فيها الحاكم في أبيات فقال: [من الكامل]
[وَيُزَوِّجُ الْحُكَّامُ فِي صُوَرٍ أَتَتْ ... مَنْظُومَةً تَحْكِي عُقُودَ جَوَاهِرِ] 275
عَدَمُ الْوَليِّ وَفَقْدُهُ ونكَاحُهُ ... وَكَذَاكَ غَيْبَتُهُ مَسَافَةَ قَاصِرِ
وَكَذَاكَ إِغْمَاءٌ وَحَبْسٌ مَانِعٌ ... أَمَةً لِمَحْجُورٍ تَوَارِي الْقَادِرِ
إِحْرَامُهُ وَتَعَزُّزٌ مَعَ عَضْلِهِ ... إِسْلَامُ أُمِّ الْفَرْعِ وَهْيَ لِكَافِرِ
وبقي على الناظم تزويج المجنونة البالغة، وما ذكره من تزويجه عند إغماء الولي إنما يأتي على مرجوح؛ كما سيأتي.
وقضية كلام المصنف: أنه يزوج عند العضل وإن تكرر، وليس كذلك، بل محله: إذا امتنع مرة؛ فإن تكرر ثلاث مرات .. لم يزوج السلطان، بل تنتقل الولاية للأبعد تفريعًا على أن الفاسق لا يلي، كذا في "الروضة" و"أصلها" في آخر الكلام على ولاية الفاسق 276، وفيه بحث 277.
الجزء: 3 - الصفحة: 47
وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْعَضْلُ إِذَا دَعَتْ بَالِغَةٌ عَاقِلَةٌ إِلَى كُفْءٍ وَامْتَنَعَ.
وَلَوْ عَيَّنَتْ كُفْئًا وَأَرَادَ الأَبُ غَيْرَهُ .. فَلَهُ ذَلِكَ فِي الأَصَحِّ.
فصلٌ [في موانع الولاية للنكاح]
لَا وِلَايَةَ لِرَقِيقٍ
(وإنما يحصل العضل إذا دعت بالغة عاقلة إلى كفءٍ وامتنع) لأنه إنما يجب عليه تزويجها من كفء، فإن دعت إلى غير كفء .. فله الامتناع ولا يكون عاضلًا.
نعم؛ لو دعته إلى عنين أو مجبوب .. لزمه إجابتها وإن كان غير كفء، وإذا حصلت الكفاءة .. فليس له الامتناع لنقصان المهر، لأنه محض حقها.
ولا بد من ثبوت العضل عند الحاكم، قال البغوي: بأن تحضر هي والخاطب والولي، ويأمره بالتزويج فيمتنع أو يسكت، قال الرافعي: وكأنه إذا تيسر ذلك، فإن تعذر حضوره بتعزز أو توار .. فيجب أن يجوز الإثبات بالبينة؛ كسائر الحقوق، وفي "تعليق أبي حامد" ما يدل عليه.
انتهى، وقد صرح بذلك البغوي نفسه، وحكاه الرافعي في آخر (الإيلاء) 278.
(ولو عينت) مجبرة (كفئًا وأراد الأب) كفئًا (غيره .. فله ذلك في الأصح) لأنه أكمل نظرًا منها، والثاني: يلزمه إجابتها، إعفافًا لها، وقال في "المطلب": إنه ظاهر نصه في "الأم"، واختاره السبكي.
والمعتبر في غير المجبرة: من عينته قطعًا، كما اقتضاه كلام الشيخين؛ لأن أصل تزويجها يتوقف على إذنها 279.
(فصل: لا ولاية لرقيق) ولو مبعضًا ومكاتبًا؛ لاشتغاله بخدمة سيده عن البحث.
= فسق، وهو وجه، والأصحّ: خلافه، نبه عليه الأَذْرَعي، وهل المراد بالمرات الثلاث الأنكحة أو بالنسبة إلى عرض الحاكم ولو في نكاح واحد؟ ! قال في "المهمات".
فيه نظر.
اهـ هامش (أ).
الجزء: 3 - الصفحة: 48
وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُخْتَلِّ النَّظَرِ بِهَرَمٍ أَوْ خَبَلٍ، وَكَذَا مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَمَتَى كَانَ الأَقْرَبُ بِبَعْضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ .. فَالْوِلَايَةُ لِلأَبْعَدِ
وأفهم نفيه الولاية: جواز كونه وكيلًا، وهو الصحيح في القبول دون الإيجاب؛ كما سبق في الوكالة.
(وصبيّ ومجنون) لأنهما لا يليان أمرهما، فغيرهما أولى.
وشمل إطلاقه: الجنون المتقطّع، وهو الأصحُّ في "أصل الروضة" 280، لكن رجح في "الشرح الصغير" و"التذنيب": أنه لا يزيل الولاية؛ كالإغماء، وحكاه في "المطلب" عن نص "الأم"، فعلى هذا: ينتظر الإفاقة على الصحيح؛ كالإغماء.
(ومختل النظر بهرم أو خبل) أصلي أو عارض أو بأسقام، وآلام شاغلة؛ لعجزه عن اختبار الأكْفَاء.
(وكذا محجور عليه بسفه على المذهب) لأنه لا يلي أمر نفسه فغيره أولى، والطريق الثاني: وجهان، أحدهما: هذا، والثاني: يلي؛ لأنه كامل النظر في أمر النكاح، وإنما الحجر عليه لحفظ ماله.
واقتضى كلامه: بقاء ولاية سفيه لم يحجر عليه، وذكره الرافعي بحثًا 281، وهو وجه، قال السبكي: إنه ظاهر نصه في "الأم".
وصحح صاحب "الذخائر" وابن الرفعة: أنه لا يلي، وهو ظاهر نص "المختصر" 282، واختاره السبكي.
وتوكيل المحجور عليه لسفه في طرفي النكاح كتوكيل الرقيق؛ فيصح في القبول دون الإيجاب.
واحترز بحجر السفه: عن المحجور بالفلس؛ فإن ولايته باقية؛ كما قطع به في "الشرح الصغير".
(ومتى كان الأقرب ببعض هذه الصفات .. فالولاية للأبعد) لخروج الأقرب عن
الجزء: 3 - الصفحة: 49
وَالإِغْمَاءُ إِنْ كَانَ لَا يَدُومُ غَالِبًا .. انْتُظِرَ إِفَاقَته، وَإِنْ كَانَ يَدُومُ أَيَّامًا .. انْتُظِرَ، وَقِيلَ: الْوِلَايَةُ لِلأَبْعَدِ. وَلَا يَقْدَحُ الْعَمَى فِي الأَصَحِّ. وَلَا وِلَايَةَ لِفَاسِقٍ عَلَى الْمَذْهَبِ،
أن يكون وليًّا، فإذا زالت .. عادت؛ كما أفهمه لفظ: (متى).
(والإغماء إن كان لا يدوم غالبًا .. انتظر إفاقته) كالنائم (وإن كان يدوم أيامًا .. انتظر) لأنه قريب الزوال، (وقيل) تنتقل (الولاية للأبعد) كجنون، وقال الإمام: إن كانت مدته بحيث يعتبر فيها إذن الولي الغائب ذهابًا وإيابًا .. انتظرت، وإلا .. زوّج الحاكم 283، قال البُلْقيني: وهو المعتمد، ويرجع في مدة معرفته إلى أهل الخبرة.
وتعبيره بالأيام يقتضي: أنه لو كان يدوم يومًا أو يومين .. انتظر قطعًا، وليس كذلك، وعبارة "الروضة" و"أصلها": فإن كان يدوم يومًا أو يومين فأكثر .. فوجهان، وفي معنى الإغماء: السّكر الحاصل بلا تعد، فينتظر إفاقته على المذهب، وقيل يزوج إذا بقي له تمييز ونظر، أما الطافح .. فكلامه لغوٌ.
(ولا يقدح العمى في الأصح) لحصول المقصود بالبحث والسماع، والثاني: يقدح؛ لأنه نقص يؤثر في الشهادة، فأشبه الصغر.
وفرق الأول: بأن المنع من الشهادة لتعذر التحمل، ألا ترى أنها تقبل فيما تحمل قبل العمى؟ وعلى الثاني: تنتقل الولاية للأبعد.
وخص الفارقي الخلاف بما إذا لم تر المرأة الزوج؛ فإن رأته ورضيت به .. ولي قطعًا؛ لقصة موسى مع شعيب صلى الله عليهما وسلم، ويجري خلاف الأعمى في الأخرس إن كانت له إشارة مفهمة؛ فإن لم تكن مفهمة .. فلا ولاية له.
(ولا ولاية لفاسق على المذهب) لأنه قادح في قبول الشهادة، فيمنع الولاية، كالرق، وفي المسألة طرق جمعها بعضهم ثلاثة عشر طريقًا: أشهرها: أنها على قولين: أصحهما عند الأكثرين: ما ذكره المصنف، ولم يصرح الرافعي في "الشرح" بتصحيحه، وقال في "المحرر": إنه الظاهر من أصل المذهب، وتبعه في "الكتاب"، ونقله في "زيادة الروضة" عن ترجيح "المحرر" 284، وعلى هذا:
الجزء: 3 - الصفحة: 50
وَيَلِي الْكَافِرُ الْكَافِرَةَ
تنتقل الولاية إلى الأبعد، وقيل: يزوج السلطان.
والثاني: يلي، وبه أفتى أكثر المتأخرين لا سيما الخراسانيون؛ كما قاله الشيخان 285 واستدلوا له بكثرة عقود الأنكحة، وكثرة الظلمة والفسقة، ويزوجون بناتهم ولم يعترض أحد عليهم في الأعصار القديمة، قال السبكي: وهذا الاستدلال ليس بقوي؛ لأن ذلك مختلف فيه، فلا ينكر وقد يتعذر الإنكار، وصحح الشيخ عز الدين: أنه يلي، وعلله بأن الوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعي، وفي "زيادة الروضة" عن الغزالي: أنه إن كان بحيث لو سلبناه الولاية .. لانتقلت إلى حاكم يرتكب ما نفسقه به .. وُلِّيَ، وإلا .. فلا، قال المصنف: وهذا الذي قاله حسن، وينبغي العمل به، واختاره ابن الصلاح في "فتاويه" 286، وقواه السبكي تفريعًا على انعزال القاضي بالفسق، قال: وأما إن لم نعزله به .. فهو أولى من الفاسق القريب.
ويستثنى من منع ولاية الفاسق: الإمام الأعظم؛ فالأصحُّ تفريعًا على عدم انعزاله بالفسق -وهو الأصحّ-: أنه يزوج بناته وبنات غيره بالولاية العامة؛ تفخيمًا لشأنه.
(ويلي الكافر) الأصلي (الكافرة) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ولأنه قريب ناظر، وعن الحليمي: أنه لا يلي تزويجها من مسلم؛ كما لا ينعقد بشهادته.
وفرق الأول: بأن الشهادة محض ولاية على الغير، فلا يؤهل لها الكافر، والولي في التزويج كما يرعى حظ المولية يرعى حظ نفسه بتحصينها، ودفع العار عن النسب.
وعلى مقابلة الحليمي: إذا أراد المسلم تزويج ذمية .. زوّجه بها القاضي.
ومحل ما ذكره المصنف: إذا لم يرتكب محظورًا في دينه، وإلا .. فكتزويج الفاسق بنته.
واقتضى كلام المصنف: أن الكافر لا يلي المسلمة، وهو إجماع، وأن المسلم لا يلي الكافرة، وهو كذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 51
وَإِحْرَامُ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ أَوِ الزَّوْجَةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكاحِ، وَلَا تنتَقِلُ الْوِلَايَةُ فِي الأَصَحِّ، فَيُزَوِّجُ السُّلْطَانُ عِنْدَ إِحْرَامِ الْوَليِّ، لَا الأَبْعَدُ
نعم؛ يستثنى: السلطان؛ فإنه يزوج من لا ولي لها بعموم الولاية، وكذا من عضلها وليها؛ كما صرح به في "البيان" في (كتاب الصداق) 287، هذا إذا قلنا: إنه يزوج بالولاية، فإن قلنا بالنيابة .. فلا يستثنى.
واستثنى بعضهم أيضًا: تزويج أمته، وأمة موليته، وأمة ولده الصغير، ولا حاجة إلى استثنائه؛ لأنه تزويج بالملك لا بالولاية.
واقتضى كلامه أيضًا: تزويج اليهودي موليته النصرانية وعكسه.
وقال الرافعي: يمكن أن يلحق بالإرث، ويمكن أن يمنع؛ لأن اختلاف الملل وإن كانت باطلةً منشأُ العداوة وسقوط النظر، وقال في "الكفاية" قطع أصحابنا بأنه لا يؤثر؛ كالإرث، وقال في "المهمات": يحسن المنع في المجبَرة دون غيرها؛ بناءً على أن المجبر يشترط ألّا يكون عدوًّا للمجبرة 288.
(وإحرام أحد العاقدين أو الزوجة) بحج أو عمرة ولو فاسدًا ( .. يمنع صحة النكاح) لحديث: "الْمُحْرِمُ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنكِحُ" رواه مسلم 289.
وشمل إطلاقه: الإمام والقاضي، وفيهما وجه: أنه يصح؛ لقوة الولاية، ويجوز أن يُزفّ إلى زوجته التي عقد عليها قبل إحرامه، وأن تُزفّ المحرمة إلى زوجها الحلال والمحرم.
(ولا تنتقل الولاية في الأصح؛ فيزوج السلطان عند إحرام الولي، لا الأبعد) لأن تأثير الإحرام يمنع الانعقاد مع بقاء الولاية؛ لبقاء الرشد والنظر، والثاني: تنتقل إلى الأبعد؛ كالمجنون، ورجحه في "المطلب".
وقوله: (لا الأبعد): لا حاجة إليه؛ فهو جزم بالأصح المتقدم.
الجزء: 3 - الصفحة: 52
قُلْتُ: وَلَوْ أَحْرَمَ الْوَليُّ أَوِ الزَّوْجُ فَعَقَدَ وَكِيلُهُ الْحَلَالُ .. لَمْ يَصِحَّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ غَابَ الأَقْرَبُ إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ .. زَوَّجَ السُّلْطَانُ، وَدُونَهُمَا .. لَا يُزَوِّجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ فِي الأَصَحِّ. وَلِلْمُجْبِرِ التَّوْكِيلُ فِي التَّزْوِيجِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا،
(قلت: ولو أحرم الولي أو الزوج فعقد وكيله الحلال .. لم يصح، والله أعلم) لأن الموكل لا يملكه، ففرعه أولى.
نعم؛ له التزويج بعد التحلل بالوكالة السابقة، ولا ينعزل على الأصحِّ، ولو أحرم الإمام .. زوّج القضاة على أحد وجهين، حكاهما الماوردي 290، ورجحه البُلْقيني، وكذا نوّاب القاضي إذا أحرم القاضي؛ كما اقتضاه كلام الخفاف في "الخصال"؛ فإنه قال: كل نكاح عقده وكيل المحرم .. فهو باطل إلا الحاكم إذا عقد خلفاؤه النكاح وهو محرم.
انتهى، وقضية كلام المَحاملي في "المجموع": أنه يمتنع عليهم عقده.
(ولو غاب الأقرب إلى مرحلتين) فما فوقها ولم يوكل في تزويج موليته ( .. زوّج السلطان) لا الأبعد على الأصحِّ؛ لأن الغائب ولي، والتزويج حق عليه، فإذا تعذر استيفاؤه منه .. ناب الحاكم عنه، ويزوج بالنيابة لا الولاية على الأصحِّ.
ولو طالت غيبته وآل الأمر إلى غاية يحكم فيها بموته وقسمة ماله بين ورثته .. انتقلت الولاية إلى الأبعد، وتصدق المرأة في غيبة الولي، وخلو المانع، ولا يشترط شهادة خبيرين بالباطن على الأصحِّ في "الروضة" 291.
(ودونهما .. لا يزوج إلا بإذنه في الأصح) المنصوص في "الإملاء"؛ لأن المسافة القصيرة كالإقامة، والثاني: يزوج؛ لئلا تتضرر بفوات الكفء الراغب؛ كالمسافة الطويلة، وحكي عن ظاهر نص "المختصر"، ورجحه جمع من العراقيين، والثالث: إن كان فوق مسافة العدوى .. لم يُراجَع، وإلا .. روجع.
(وللمُجبِر التوكيل في التزويج بغير إذنها) كما يزوجها بغير إذنها، وقيل: لا يجوز إلا بإذنها، فعلى هذا: إن كانت صغيرة .. امتنع التوكيل، وعلى الأول: يندب للوكيل استئذانها، ويكفي السكوت.
الجزء: 3 - الصفحة: 53
وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الزَّوْجِ فِي الأَظْهَرِ، وَيَحْتَاطُ الْوَكِيلُ فَلَا يُزَوِّجُ غَيْرَ كُفْءٍ. وَغَيْرُ الْمُجْبِرِ إِنْ قَالَتْ لَهُ: (وَكِّلْ) .. وَكَّلَ،
(ولا يشترط) في صحة التوكيل (تعيين الزوج في الأظهر) لأنه يملك التعيين في التوكيل، فيملك الإطلاق به، كالبيع وسائر التصرفات، وشفقته تدعوه إلى أنه لا يوكل إلا من يثق بنظره واختياره، والثاني: يشترط ذلك، لاختلاف الأغراض باختلاف الأزواج، وليس للوكيل شفقة تدعوه إلى حسن الاختيار.
ويجري القولان في إذنها للولي أن يزوجها ولم تعين له الزوج، وقيل: لا يشترط هنا قطعًا؛ لشدة اعتناء الولي بدفع العار، بخلاف الوكيل.
وظاهر كلامهم: طرد القولين وإن رضيت المرأة بترك الكفاءة، قال الإمام: والقياس: تخصيصهما بمن لم ترض، فأما من أسقطت الكفاءة .. فلا معنى لاشتراط التعيين فيها، وأقرّاه 292.
(ويحتاط الوكيل) عند الإطلاق وجوبًا (فلا يزوج غير كفء) لأن الإطلاق مقيد بالكفء، فلو زوج بغيره .. لم يصح في الأصحِّ، وكذا لا يصح أن يزوج بكفء، وهناك أكفأ منه، وإذا جوزنا الإذن المطلق، فقالت: (زوجني من شئت) .. فهل له تزويجها من غير كفء؟ قال في "أصل الروضة": فيه وجهان: أصحهما عند الإمام والسرخسي وغيرهما: نعم؛ كما لو قالت: (زوجني من شئت كفئًا كان أو غيره) 293.
ولو قال الولي للوكيل: (زوّجها من شاءت بكم شاءت)، فزوجها برضاها بغير كفء بدون مهر المثل .. صح، ذكره الرافعي في (الصداق) 294.
(وغير المجبر إن قالت له: "وكِّل" .. وكَّل) سواء قالت له: (زوّج ووكل) أم قالت: (وكل) وسكتت عن التزويج، فلو قالت: (وكِّل ولا تزوج) .. نقل الإمام عن الأصحاب بطلان الإذن؛ لأنها منعت الولي، وجعلت التفويض للأجنبي، فأشبه
الجزء: 3 - الصفحة: 54
وَإِنْ نَهَتْهُ .. فَلَا، وَإِنْ قَالَتْ: (زَوِّجْنِي) .. فَلَهُ التَّوْكِيلُ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ وَكَّلَ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النكاحِ .. لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلْيَقُلْ وَكِيلُ الْوَليِّ: (زَوَّجْتُكَ بِنْتَ فُلَانٍ)، وَلْيَقُلِ الْوَليُّ لِوَكِيلِ الزَّوْجِ: (زَوَّجْتُ بِنْتِي فُلَانًا)، فَيَقُولُ
الإذن للأجنبي ابتداءً، وأقرّاه 295.
(وإن نهته) عن التوكيل ( .. فلا) يوكل عملًا بإذنها؛ كما يراعى إذنها في أصل التزويج.
(وإن قالت: "زوِّجني") وأطلقت؛ فلم تأمره بالتوكيل ولا نهته ( .. فله التوكيل في الأصح) لأنه متصرف بالولاية، فأشبه الوصي والقيم يتمكنان من التوكيل بغير إذن، بل أولى منهما؛ لأنهما نائبان، وهو ولايته أصلية بالشرع، وإذنها في التزويج شرط في صحة تصرفه وقد حصل، والثاني: لا؛ لأنه متصرف بالإذن؛ فلا يوكل إلا بإذن؛ كالوكيل.
(ولو وكل قبل استئذانها في النكاح .. لم يصح على الصحيح)؛ لأنه لا يملك ما وكّل فيه حينئذ، والثاني: يصح؛ لأنه يلي تزويجها بشرط الإذن، فله تفويض ما له لغيره، ويبقى موقوفًا على ذلك الشرط، فعلى هذا: يستأذنها الولي، فإذا أذنت له .. صح تزويج وكيله بعد ذلك، وكذا لو استأذنها الوكيل للولي، أما لو استأذنها الوكيل لنفسه .. فلا يجوز؛ لأنه حينئذ يكون وكيلًا عنها والمرأة ليست لها ولاية التوكيل في النكاح، كذا جزما به تبعًا للبغوي 296، وقضية كلام القاضيين الحسين والماوردي، والمتولي: الجواز، وقال ابن الرفعة: إنه الأشبه 297.
(وليقل وكيل الولي) للزوج ("زوجتك بنت فلان") ولا يحتاج أن يصرح بالوكالة إذا كان الزوج يعلم الوكالة، وإلا .. اشترط؛ كما قاله في "التتمة".
(وليقل الولي لوكيل الزوج: "زوّجت بنتي فلانًا") يعني: موكله (فيقول
الجزء: 3 - الصفحة: 55
وَكِيلُهُ: (قَبِلْتُ نِكَاحَهَا لَهُ). وَيَلْزَمُ الْمُجْبِرَ تَزْوِيجُ مَجْنُونَةٍ بَالِغَةٍ وَمَجْنُونٍ ظَهَرَتْ حَاجَتُهُ،
وكيله: "قبلت نكاحها له") وهذا بخلاف البيع؛ فإنه لا يصح بهذه الصيغة؛ لأن البيع يرد على المال، وهو قابل للنقل من شخص إلى شخص، والنكاح يرد على البضع، وهو لا يقبل؛ ولهذا لو قبل النكاح لزيد بوكالة، فأنكرها زيد .. لم يصح العقد، ولو اشترى لزيد، فأنكرها .. صحّ الشراء للوكيل، فإن لم يقل: (له) .. فعلى الخلاف السالف فيما إذا قال الزوج: (قبلت) ولم يقل: (نكاحها).
ولو اقتصر على (قبلت) أو (قبلت له) .. فقد رتبه الإمام والروياني على اقتصار الزوج على ذلك؛ إن قلنا: لا يصح .. فالوكيل أولى، وإن قلنا: يصح .. ففي الوكيل وجهان 298.
والفرق: أن الوكيل ليس مخاطبًا حتى ينعطف قوله: (قبلت) على الخطاب ويكون جوابًا، بخلاف الزوج.
وقول المصنف: (فيقول): قد يوهم أنه لا يجوز تقدم القبول على الإيجاب، والذي جزم به في "الروضة": الجواز، ونقله الرافعي عن البغوي وأقره 299، واستغربه ابن الرفعة؛ لأن القبول فرع الإيجاب، والفرع لا يسبق أصله؛ ولذلك قال الإمام في (البيع): لا يصح الابتداء بالقبول، وما يقوم مقامه يصح الابتداء به؛ كقوله: (اشتريت).
(ويلزم المُجبِر تزويج مجنونة بالغة) ولو ثيبًا؛ لاكتسابها المهر والنفقة، وربما كان جنونها لشدة الشبق، (ومجنون) مطبق (ظهرت حاجته) بظهور أمارة التوقان بحومه حول النساء، وتعلقه بهن.
ولا عبرة بقوله، أو بتوقع الشِّفاء بقول عدلين من الأطباء؛ لظهور المصلحة المترتبة على ذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 56
لَا صَغِيرَةٍ وَصَغِيرٍ. وَيَلْزَمُ الْمُجْبِرَ وَغَيْرَهُ إِنْ تَعَيَّنَ إِجَابَةُ مُلْتَمِسَةِ التَّزْوِيجِ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَإِخْوَةٍ فَسَأَلتْ بَعْضَهُمْ .. لَزِمَهُ الإِجَابَةُ فِي الأَصَحِّ. وَإِذَا اجْتَمَعَ أَوْلِيَاءُ فِي دَرَجَةٍ .. اسْتُحِبَّ أَنْ يُزَوِّجَهَا أَفْقَهُهُمْ وَأَسَنُّهُمْ بِرِضَاهُمْ، فَإِنْ تشَاحُّوا .. أُقْرعَ، ..
ولو قال: (ظهرت حاجتهما) .. لكان أحسن؛ فإنه لا فرق بينهما في ذلك؛ كما قاله السبكي وغيره.
واعتذر عن المصنف: بأن البلوغ مظنة الاحتياج إلى النكاح؛ ولهذا لم يقيد المجنون بالبلوغ؛ لدلالة الحاجة عليه.
(لا صغيرة وصغير) سواء أكانا عاقلين أم مجنونين، لعدم الحاجة في الحال.
نعم؛ لو ظهرت الغبطة .. ففي الوجوب احتمال للإمام مال إليه؛ كما إذا طلب ماله بزيادة .. يجب البيع، وجزم في "البسيط" بعدم الوجوب في الصغير؛ للزومه المؤن.
(ويلزم المجبر وغيره إن تعين) كأخ واحد (إجابه مُلتمِسة التزويج) إذا كانت بالغة ودعت إلى كفء، وفي "السنن": "ثَلَاثٌ لَا تُؤَخِّرْ ... " وذكر منها: الأَيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفْئًا" 300.
(فإن لم يتعين؛ كإخوة فسألت بعضهم .. لزمه الإجابة في الأصح) لئلا يتواكلوا فيتعطل الحق، والثاني: المنع؛ لإمكانه بغيره.
(وإذا اجتمع أولياء في درجة) كإخوة أشقاء أو لأب، وقد أذنت لكل منهم منفردًا أو قالت: (أذنت في فلان؛ فمن شاء فليزوجني منه) ( .. استحب أن يزوجها أفقههم) لأنه أعلم بشروط العقد.
(وأسنهم) لزيادة تجربته واختياره الأكْفَاء (برضاهم) لأنه أجمع للمصلحة، فلو زوّج غير الأفقه والأسن بكفءٍ برضاها .. صحّ، ولا اعتراض للباقين؛ فلو أذنت لأحدهم .. لم يزوج غيره.
(فإن تشاحوا) فقال كل منهم: (أنا أزوج) ( .. أُقرع) دفعًا للنزاع، هذا إذا
الجزء: 3 - الصفحة: 57
فَلَوْ زَوَّجَ غَيْرُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ وَقَدْ أَذِنَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمْ .. صَحَّ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ زَيْدًا وَالآخَرُ عَمْرًا؛ فَإِنْ عُرِفَ السَّابِقُ .. فَهُوَ الصَّحِيحُ،
اتحد الخاطب، فإن تعدد ورغب كل ولي في زوج .. فالتزويج ممن ترضاه المرأة؛ فإن رضيت الكل .. نظر القاضي في الأصلح وأمر بالتزويج منه، نقلاه عن البغوي وأقرّاه 301، وجزم به في "الشرح الصغير"، لكن في "الحاوي"، و"البحر"، و"التتمة" فيما إذا رضيتهم .. زوّج السلطان بإذن جديد، وهم عاضلون لامتناع كل من التزويج ممن رضيه الآخر 302، وعليه حمل قوله صلى الله عليه وسلم: "فالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ" 303 ولا يقرع؛ لئلا يصير قارعًا بين الزوجين، قاله الفوراني وغيره.
(فلو زوّج غيرُ من خرجت قرعته وقد أذنت لكلٍّ منهم .. صح في الأصح) لأن القرعة ليست سالبة، بل قاطعة للنزاع، والثاني: لا يصح؛ لتظهر فائدة القرعة، وإلا .. كانت عبثًا، وعلى الأول: يكره له التزويج في قرعة السلطان دون قرعة غيره، قاله الإمام 304.
وخرج بقيد خروج القرعة: ما لو بدر واحد وزوج مع التنازع قبل القرعة .. فإنه يصح قطعًا بلا كراهة، قاله في: "الذخائر"، وأخذه من "الحاوي" 305.
واحترز بقوله: (وقد أذنت لكلٍّ منهم): عما لو أذنت لأحدهم فزوج الآخر .. فإنه لا يصح قطعًا، وكذا لو أذنت للكل على وجه الاجتماع.
(ولو زوجها أحدُهم زيدًا والآخر عمرًا؛ فإن عرف السابق) ببينة أو تصادق معتبر ( .. فهو الصحيح)، والثاني: باطل؛ لحديث: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ .. فَهِيَ لِلأَوَّلِ مِنْهُمَا" حسّنه الترمذي، وصححه الحاكم على شرط البخاري 306.
الجزء: 3 - الصفحة: 58
وإنْ وَقَعَا مَعًا أَوْ جُهِلَ السَّبْقُ وَالْمَعِيَّةُ .. فَبَاطِلَانِ، وَكَذَا لَوْ عُرِفَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ سَبَقَ مُعَيَّنٌ ثُمَّ اشْتبَهَ .. وَجَبَ التَّوَقُّفُ حَتَّى يَبينَ، فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ زَوْجٍ عِلْمَهَا بِسَبْقِهِ .. سُمِعَتْ دَعْوَاهُمَا بِنَاءً عَلَى الْجَدِيدِ، وَهُوَ قَبُولُ إِقْرَارِهَا بِالنِّكاحِ
وسواء أدخل بها الثاني أم لا، ومحل الصحة: إذا كان كلٌّ من الزوجين كفئًا؛ فإن كان غير كفء .. فلا نكاح، وإن كان أحدهما غير كفء، والآخر كفئًا فنكاح الكفء هو الصحيح وإن تأخر، نص عليه 307، قال السبكي: وهو محمول على ما إذا لم يسقطوا الكفاءة.
(وإن وقعا معًا، أو جهل السبق والمعية .. فباطلان) لأنه في الأولى ليس أحدهما أولى من الآخر، وأما في الثانية .. فلأنهما إن وقعا معًا .. تدافعا، أو مرتبًا .. فلا اطّلاع على السابق منهما، وإذا تعذر إمضاء العقد .. لغا؛ إذ الأصل في الأبضاع: الحرمة حتى يتحقق السبب المبيح.
(وكذا لو عُرف سبق أحدهما ولم يتعين على المذهب) لتعذر الإمضاء؛ كما لو احتمل السبق والمعية، والعلم بتقدم أحدهما لا يغني، إذا لم يعلم المتقدم؛ كما لو سبق موت أحد الوارثين من غير تعيين، والطريق الثاني: قولان: أحدهما: هذا، والثاني: مخرج من نظير المسألة في الجمعتين: أنه يتوقف.
وفرق الأول: بأن الصلاة إذا صحت .. لا يلحقها بطلان، والعقود تفسخ بأسباب وأعذار.
(ولو سبق معين ثم اشتبه .. وجب التوقف حتى يبين) لجواز التذكر، ولأنا تحققنا صحة العقد، فلا يرتفع إلّا بيقين.
قال في "التهذيب": والأحوط: أن يقول الحاكم: (فسخت نكاح من سبق)، أو يأمرهما بالتطليق، أو يطلق أحدهما ثم يزوجها من الآخر 308.
(فإن ادعى كل زوج) عليها (علمها بسبقه .. سُمعت دعواهما بناء على الجديد، وهو قبول إقرارها بالنكاح) كما سبق، فإن لم تقبله .. فلا؛ إذ لا فائدة، فلو ادعيا
الجزء: 3 - الصفحة: 59
فَإِنْ أَنْكَرَتْ .. حُلِّفَتْ، وَإِنْ أَقَرَّتْ لِأحَدِهِمَا .. ثَبَتَ نِكَاحُهُ. وَسَمَاعُ دَعْوَى الآخَرِ وَتَحْلِيفُهَا لَهُ يَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ قَالَ: (هَذَا لِزَيْدٍ بَلْ لِعَمْرٍو)، هَلْ يَغْرَمُ لِعَمْرٍو؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ .. فَنَعَمْ.
على الولي .. سُمعت إن كان مجبرًا على الأصحِّ، وإلا .. فلا؛ لأن إقراره لا يقبل.
ولا تسمع دعوى أحدهما على الآخر، ولا يحلف أحدهما للآخر على الأصحِّ.
وقوله: (كل زوج)، هو بيان للمسألة، ولم يقصد أنه شرط؛ فإنه لو ادعى أحدهما عليها .. سُمعت.
وقوله: (بسبقه) أي: بسبق نكاحه، واحترز به: عما إذا ادعيا أنها تعلم سبق أحد النكاحين في الجملة .. فإنها لا تسمع للجهل.
(فإن أنكرت .. حُلِّفت) على نفي العلم؛ لأن اليمين توجهت عليها بسبب فعل غيرها، وقضيته: الاكتفاء بيمين واحدة، وفي المسألة وجهان: صحح السبكي: أنها تحلف لكل واحد يمينًا، وقضيته أيضًا: انقضاء الخصومة بالحلف، ونقلا عن الإمام والغزالي: أنه يبقى التداعي والتحالف بين الزوجين؛ فمن حلف .. فالنكاح له 309، وأشار ابن الرفعة إلى شذوذ ما قاله الإمام وقال: الذي نص عليه الشافعي في "الأم"، وبه قال العراقيون: أنه لا تحالف بينهما مطلقًا، ويبقى الإشكال.
انتهى، ونقله القاضي حسين عن المراوزة وصرّح ابن الرفعة تفريعًا عليه بأنه يبطل النكاحان بحلفها.
(وإن أقرّت لأحدهما .. ثبت نكاحه.
وسماع دعوى الآخر وتحليفها له ينبني على القولين فيمن قال: "هذا لزيد بل لعمرو"، هل يغرم لعمرو؟ إن قلنا: نعم .. فنعم) رجاء أن تقر فتغرم، وإن قلنا: لا تغرم .. لم تسمع ولم تحلف؛ لأنه لا يستفيد بذلك زوجية ولا غرمًا؛ فلا معنى له، وقيل: تسمع؛ بناءً على أن يمين الرد كالبينة؛ لاحتمال أن تنكل ويحلف هو فيقدم نكاحه؛ لأن البينة تقدم على الإقرار، والصحيح على ذلك القول أيضًا: عدم السماع؛ لأنها كالبينة في حق المتداعيين لا في حق غيرهما؛ فإنها لو سمعت،
الجزء: 3 - الصفحة: 60
وَلَوْ تَوَلَّى طَرَفَيْ عَقْدٍ فِي تَزْوِيجِ بِنْتِ ابْنِهِ بِابْنِ ابْنِهِ الآخَرِ .. صَحَّ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يُزَوِّجُ ابْنُ الْعَمِّ نَفْسَهُ بَلْ يُزَوِّجُهُ ابْنُ عَمٍّ فِي دَرَجَتِهِ، فَإِنْ فُقِدَ .. فَالْقَاضِي. فَلَوْ أَرَادَ الْقَاضِي نِكَاحَ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا .. زَوَّجَهُ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الْوُلَاةِ أَوْ خَلِيفَتُهُ. وَكَمَا لَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ تَوَلِّي الطَّرَفيْنِ .. لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا فِي أَحَدِهِمَا، أَوْ
وحلف .. بطل نكاح المحكوم له أوّلًا، ولا خلاف في عدم بطلانه.
(ولو تولى) الجد (طرفي عقد في تزويج بنت ابنه بابن ابنه الآخر) وهما في حجره وولايته ( .. صح في الأصح) لقوة ولايته؛ كالبيع، والثاني: المنع؛ لأن خطاب المرء لنفسه لا ينتظم، وإنما جوزناه في البيع؛ لكثرة وقوعه، وعلى الأول: يشترط الإتيان بشقّي العقد على الأصحِّ؛ كالبيع، وقيل: يكفي الإيجاب، وللعم تزويج بنت أخيه بابنه البالغ، ولابن العم تزويج بنت عمه من ابنه البالغ على المذهب فيهما؛ لأنه لم يوجد تولي الطرفين، وقيل: لا؛ لأن كلًّا منهما متهم في حق ولده، وربما عرف فيه منقصة فأخفاها، هذا إذا أطلقت الإذن وجوزناه؛ فإن عينته .. جاز قطعًا؛ لانتفاء التهمة، وإن زوجها بابنه الطفل .. لم يصح على المذهب؛ لأنه نكاح لم يحضره أربعة، وليس له قوة الجدودة.
(ولا يزوج ابن العم نفسه) لأن الإنسان لا يكون عاقدًا لنفسه على غيره؛ للتهمة في أمر نفسه، (بل يزوجه ابن عم في درجته) بأن يكونا ابني عم لأبوين أو لأب؛ فلا يزوج ابن العم لأب من ابن العم لأبوين، بخلاف العكس على المذهب.
(فإن فقد .. فالقاضي) للولاية العامة (فلو أراد القاضي نكاح من لا ولي لها .. زوّجه من فوقه من الولاة) وكذا من هو مثله (أو خليفته) لأن حكمه نافذ عليه، وفي وجه: أن القاضي يتولى نكاح نفسه، قال به القاضي أبو يحيى البلخي، وفعله حين كان قاضيًا بدمشق فرئي ولده منها يكدي.
ويجري الخلاف في تزويج القاضي نفسه في الإمام الأعظم، وأولى بالجواز؛ لأنه ليس فوقه من يزوجها منه، والأصحُّ: أن القاضي يزوجها منه بالولاية؛ كما يزوج خليفة القاضي من القاضي.
(وكما لا يجوز لواحد تولي الطرفين .. لا يجوز أن يوكِّل وكيلًا في أحدهما، أو
الجزء: 3 - الصفحة: 61
وَكِيلَيْنِ فِيهِمَا فِي الأَصَحِّ.
فصلٌ [في الكفاءة]
زَوَّجَهَا الْوَليُّ غَيْرَ كُفْءٍ بِرِضَاهَا، أَوْ بَعْضُ الأَوْلِيَاءِ الْمُسْتَوِينَ بِرِضَاهَا وَرِضَا الْبَاقِينَ .. صَحَّ
وكيلين فيهما في الأصح) لأن فعل وكيله كفعله، بخلاف تزويج خليفة القاضي منه، والقاضي من الإمام؛ إذ تصرفهما بالولاية لا بالوكالة، والثاني: يجوز؛ لانعقاده بأربعة، وقيل: يجوز للجد دون غيره؛ لتمام ولايته، وهذا مفرّع على أن الجد لا يتولى.
(فصل: زوَّجها الولي غير كفء برضاها، أو بعض الأولياء المُستوِين) كإخوة وأعمام (برضاها ورضا الباقين .. صح) لأن الكفاءة حقها، وحق الأولياء، فإذا رضوا بإسقاطها .. فلا اعتراض عليهم، واحتج له في "الأم": بأن النبي صلى الله عليه وسلم زوّج بناته من غيره، ولا أحد يكافئه.
قال السبكي: إلا أن يقال: إن ذلك جاز؛ للضرورة لأجل نسلهن، وما حصل من الذرية الطاهرة؛ كما جاز لآدم صلى الله عليه وسلم تزويج بناته من بنيه.
انتهى.
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس وهي قرشية بنكاح أسامة وهو مولى، متفق عليه 310، وفي "الدارقطني": أن أخت عبد الرحمن بن عوف -وهي هالة- كانت تحت بلال وهو مولى 311، وفي "الصحيحين": أن أبا حذيفة زوّج سالمًا مولاه بابنة أخيه الوليد بن عتبة 312.
الجزء: 3 - الصفحة: 62
وَلَوْ زَوَّجَهَا الأَقْرَبُ بِرِضَاهَا .. فَلَيْسَ لِلأَبْعَدِ اعْتِرَاضٌ. وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ بِهِ بِرِضاهَا دُونَ رِضَاهُمْ .. لَمْ يَصِحَّ، وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ وَلَهُمُ الْفَسْخُ. وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي تَزْوِيجِ الأَبِ بِكْرًا صَغِيرَةً أَوْ بَالِغَةً غَيْرَ كُفْءٍ بِغَيْرِ رِضَاهَا .. فَفِي الأَظْهَرِ بَاطِلٌ، وَفِي الآخَرِ يَصِحُّ وَلِلْبَالِغَةِ الْخِيَارُ، وَلِلصَّغِيرَةِ إِذَا بَلَغَتْ. وَلَوْ طَلَبَتْ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا السُّلْطَانُ بِغَيْرِ كُفْءٍ فَفَعَلَ .. لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ
نعم؛ لنا خلاف في أن موالي قريش أكفاء لهم؟ والجمهور على المنع؛ كما نقله في "زيادة الروضة" 313.
(ولو زوّجها الأقرب برضاها .. فليس للأبعد اعتراض) إذ لا حق له في الولاية، وقضية هذا التعليل: أن الأبعد لا يكون وليًّا مع الأقرب، وحينئذ فلا حاجة إلى قوله أوّلًا: (المستوين)، وإنما هو زيادة بيان.
(ولو زوّجها أحدهم) أي: أحد الأولياء المستوين (به) أي: بغير كفء (برضاها دون رضاهم .. لم يصح) لأنهم أصحاب حقوق في الكفاءة فاعتبر إذنهم؛ كإذن المرأة، (وفي قول: يصح ولهم الفسخ) لأن النقصان يقتضي الخيار لا البطلان؛ كما لو اشترى معيبًا، ومنهم من حمل القولين على حالين: البطلان على ما إذا كان العاقد عالمًا بأنه غير كفء، والآخر على الجاهل، واختاره الماوردي 314.
(ويجري القولان في تزويج الأب) أو الجد (بكرًا صغيرة أو بالغة غير كفء بغير رضاها .. ففي الأظهر باطل) لأنه على خلاف الغبطة، وإذا كان ولي المال لا يصح تصرفه بغير الغبطة .. فوليّ البضع أولى.
(وفي الآخر يصح وللبالغة الخيار) في الحال (وللصغيرة إذا بلغت) لأن النقصان يقتضي الخيار لا البطلان؛ كما تقدم، ويجري الخلاف في تزويج غير المجبر إذا أذنت في التزويج مطلقًا وقلنا: لا يشترط تعيين الزوج.
(ولو طلبت من لا وليّ لها أن يزوِّجها السلطان بغير كفء ففعل .. لم يصحّ في الأصح) لأنه كالنائب الناظر لأولياء النسب، فلا يترك ما فيه الحظ، والثاني: يصح؛
الجزء: 3 - الصفحة: 63
وَخِصَالُ الْكَفَاءَةِ: سَلَامَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُثْبتةِ لِلْخِيَارِ. وَحُرِّيَّةٌ، فَالرَّقِيقُ لَيْسَ كُفْئًا لِحُرَّةٍ، وَالْعَميقُ لَيْسَ كُفْئًا لِحُرَّةٍ أَصْلِيَّةٍ
كالولي بالنسب، وصححه جمع من الأصحاب، وقال في "الذخائر": إنه المذهب، لأنه لا عار على المسلمين فيه، واختاره الأَذْرَعي وغيره، وقال البُلْقيني: إنه الصحيح، وما صححه المصنف ليس بالمعتمد، وليس للشافعي نص شاهد له، ولا وجه له، وهو مخالف لمذهب أكثر العلماء.
انتهى.
ونقل عن "فتاوى ابن الرفعة": أن المرأة إن كانت تتضرر من عدم تزويجها من غير كفء؛ بأن قلّ الراغب فيها من الأكفاء .. وجب من غير كفء، وإلا .. فلا، وهو متجه.
(وخصال الكفاءة: سلامة من العيوب المثبتة للخيار)؛ لأن النفس تعاف صحبة من به بعضها، ويختل بها مقصود النكاح.
واستثنى البغوي والخوارزمي: العنة؛ لعدم تحققها، فلا نظر إليها في الكفاءة، قال الشيخان: وإطلاق الجمهور: أنه لا فرق، وبه صرح الشيخ أبو حامد، وصوّب في "المهمات" الاستثناء؛ لما رجحوه من أن الرجل قد يعن عن امرأة دون أخرى أو في نكاح دون آخر مع اتحاد المرأة 315.
وما أطلقه المصنف من اعتبار السلامة من العيوب المذكورة هو على عمومه بالنسبة إلى المرأة، أما بالنسبة إلى الولي .. فيشترط السلامة من الجنون، وكذا من الجذام والبرص في الأصحِّ، بخلاف الجب والعنة.
قاله السبكي.
(وحُرِّية، فالرقيق ليس كفئًا لحرة) أصلية كانت أو عتيقة، لأنها تتعير بفراشه، وتتضرر بسبب النفقة.
(والعتيق ليس كفئًا لحرة أصلية) ولهذا خيرت بريرة لمّا عتقت تحت زوجها وكان عبدًا، كما ستعلمه في الخيار، لنقصانه عنها، ولأنها ربما تتعير به، وكذا من مسَّ الرق أحد آبائه ليس بكفءٍ لمن لم يمسّ الرق أحد آبائها، ولا من مسّ الرق أبًا قريبًا من
الجزء: 3 - الصفحة: 64
ونَسَبٌ، فَالْعَجَمِيُّ لَيْسَ كُفْءَ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا غَيْرُ قُرَشِيٍّ قُرَشِيَّةً، وَلَا غَيْرُ هَاشِمِيٍّ وَمُطَّلِبِيٍّ لَهُمَا. وَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ النَّسَبِ فِي الْعَجَمِ كَالْعَرَبِ
آبائه كفئًا لمن مس الرق أبًا بعيدًا من آبائها.
وأمّا من مس الرق أمًّا له أو جدة .. فقال الرافعي: يشبه أنه كذلك، ووافقه ابن الرفعة، لكن قال في "زيادة الروضة": المفهوم من كلام الأصحاب: أنه لا يؤثر، وصرح به في "البيان" 316.
(ونسبٌ) لأن العرب تفتخر بأنسابها أتم افتخار، والاعتبار في النسب بالأب، (فالعجمي ليس كفء العربية) لأن الله تعالى اصطفى العرب على غيرهم، (ولا غيرُ قرشيٍّ قرشيّةً) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الله اصْطَفَى مِنَ الْعَرَبِ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ" رواه مسلم 317.
(ولا غير هاشمي ومطَّلبي لهما) للحديث المذكور، واقتضى كلامه: أن المطلبي كفء للهاشمية وعكسه، وهو كذلك؛ لقوله عليه السلام: "نَحْنُ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ" رواه البخاري 318.
وأن غير قريش من العرب أكْفَاء، ونقله الرافعي عن جماعة، وقال في "زيادة الروضة": إنه مقتضى كلام الأكثرين، قال: وذكر الشيخ إبراهيم المروذي أن غير كنانة ليسوا أكفاء لكنانة.
انتهى 319، ويؤيده حديث مسلم المذكور.
(والأصح: اعتبار النسب في العجم كالعرب) قياسًا عليهم، فالفُرس أفضل من النبط؛ لقوله عليه السلام: "لَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِالثُّرَيَّا .. لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسٍ" 320، وبنو إسرائيل أفضل من القبط لسلفهم؛ وكثرة الأنبياء فيهم.
والثاني:
الجزء: 3 - الصفحة: 65
وَعِفَّةٌ، فَلَيْسَ فَاسِقٌ كُفْءَ عَفِيفَةٍ
لا؛ لأنهم لا يعتنون بحفظه.
قال الإمام والغزالي: ولا اعتبار بالانتساب إلى عظماء الدنيا والظلمة المستولين على الرقاب وإن كان الناس قد يتفاخرون بهم.
قال الرافعي: وما قالاه لا يساعده كلام النقلة، وقد قال المتولي: للعجم عرف في الكفاءة فيتعين عرفهم.
انتهى، وجرى عليه المصنف 321.
(وعفّة، فليس فاسق كفء عفيفة) لعدم المساواة، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ , وقال: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ الآية، وكذا لا يكون المبتدع كفئًا للسنية، نقلاه عن الروياني، وأقراه 322.
وأفهم كلامه أمورًا: أحدها: أن غير الفاسق كفء لها سواء فيه العدل والمستور، وبه صرح الإمام وابن الصلاح 323، الثاني: أن الفسق والعفاف يراعى في الزوجين لا في آبائهما، وبه صرح الماوردي وجماعة، وجزم به في "الكفاية"، لكن في "الروضة" و"أصلها" تبعًا للبغوي: أن من أسلم بنفسه ليس كفئًا لمن لها أبوان وأكثر في الإسلام في الأصحِّ 324.
قال الأَذْرَعي: وقضية كلام البغوي -أي: ومن تبعه- ألّا يكون من أسلم بنفسه من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين كفئًا لبنات التابعين، وهذا زلل، وكيف لا يكونوا، وهم أفضل الأمة 325؟ ! الثالث: أنه لا فرق في اعتبار وصف الفسق والعفاف بين
الجزء: 3 - الصفحة: 66
وَحِرْفَةٌ، فَصَاحِبُ حِرْفَةٍ دَنِيئَةٍ لَيْسَ كُفْءَ أَرْفَعَ مِنْهُ؛ فَكَنَّاسٌ وَحَجَّامٌ وَحَارِسٌ وَرَاعٍ وَقَيِّمُ الْحَمَّامِ .. لَيْسَ كُفْءَ بِنْتِ خَيَّاطٍ، وَلَا خَيَّاطٌ .. بِنْتَ تَاجِرٍ أَوْ بَزَّازٍ، وَلَا هُمَا .. بِنْتَ عَالِمٍ أَوْ قَاضٍ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْيَسَارَ لَا يُعْتبَرُ،
المسلمين والكفار حتى لا يكون الكافر الفاسق في دينه كفئًا للعفيفة في دينها، وبه صرح ابن الرفعة.
(وحرفة)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ , قيل: معناه: في سبب الرزق، فبعضهم يصل إليه بعزٍّ، وبعضهم يصل إليه بذلٍّ.
(فصاحب حرفة دنيئة ليس كفءَ أرفع منه؛ فكنّاس وحجام وحارس وراع وقيم الحمام .. ليس كفء بنت خياط، ولا خيّاط .. بنت تاجر أو بزاز، ولا هما .. بنت عالم أو قاض) لاقتضاء العرف ذلك، وظاهر أمثلته: اعتبار الحرفة بالآباء، وبه صرّح في "الروضة" تبعًا "لأصلها"، فقال: والحق أن يجعل النظر في حق الآباء دينًا وسيرة وحرفة من حيّز النسب، قال في "المهمات": والمنقول خلافه؛ فقد جزم الهروي في "الإشراف": بأن ذلك لا أثر له، وجعل مثله ولد المعيب؛ كابن الأبرص ونحوه 326.
(والأصح: أن اليسار لا يعتبر) لأن المال غاد ورائح، فلا يفتخر به أهل المروءات والبصائر، والثاني: يعتبر؛ لتضررها بنفقة المعسرين، وهذا ما حكاه صاحب "الإيضاح" عن النص، وقال الأَذْرَعي: إنه المذهب والمنصوص الأرجح دليلًا ونقلًا، وبسط ذلك.
فعلى هذا: قيل: يعتبر اليسار بقدر المهر والنفقة، والأصحُّ في "الروضة" و"أصلها": أنه لا يكفي ذلك، بل الناس أصناف: غني، وفقير، ومتوسط، وكل صنف أكفاء وإن اختلفت المراتب 327.
قال ابن الرفعة: وإذا اعتبرنا اليسار .. فذلك إذا كانت الكفاءة مطلوبة لحق المرأة، أما إذا كانت معتبرة لحق الولي؛ لعضله أو غيبته، ورضيت المرأة .. فهل يعتبر أم لا؟
الجزء: 3 - الصفحة: 67
وَأَنَّ بَعْضَ الْخِصَالِ لَا تُقَابَلُ بِبَعْضٍ. وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَمَةً، وَكَذَا مَعِيبَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ،
يظهر أن يكون فيه احتمالان: أرجحهما: لا.
(وأن بعض الخصال لا تقابل ببعض) فلا تزوج عربية فاسقة من عجمي عفيف، ولا سليمة دنيئة من معيب نسيب، ولا حرة فاسقة من رقيق عفيف، بل تكفي صفة النقص في المنع من الكفاءة.
ومقابل الأصحِّ: تفصيل ذكره الإمام، وهو: أن السلامة من العيوب لا تقابل بسائر فضائل الزوج، وكذا الحرية والنسب، وفي انجبار دناءة نسبه بعفته الظاهرة وجهان: أصحهما: المنع، قال: والتنقي من الحرف الدنيئة يقابله الصلاح وفاقًا، واليسار إن اعتبرناه يقابل بكل خصلة 328.
وفي "الذخائر"، و"شرح التعجيز": أن الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يوازيه شيء، وإنما الانتساب إلى غيره هل يوازيه الصلاح الظاهر المشهور في الخاطب؟ فيه وجهان، وقال الغزالي: إن كان الفائت الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فلا يوازيه الانتساب إلى غيره من العلماء والصلحاء، وهل يوازيه الصلاح الظاهر المشهور في الخاطب؟ الأصح: لا 329، وقيل: ينجبر به، قال السبكي: وهذا الوجه غريب، ومخالف لما حكاه صاحب "الذخائر" من القطع بأن نسب النبي صلى الله عليه وسلم لا يعادله شيء.
وقد نظم بعضهم خصال الكفاءة في بيت مفرد فقال: [من الكامل]
شَرْطُ الْكَفَاءَةِ سِتَّةٌ قَدْ حُرِّرَتْ ... يُنْبيكَ عَنْهَا بَيْتُ شِعْرٍ مُفْرَدُ
نَسَبٌ وَدِينٌ صَنْعَةٌ حُرِّيَّةٌ ... فَقْدُ الْعُيُوبِ وَفِي الْيَسَارِ تَرَدُّدُ
(وليس له تزويج ابنه الصغير أمة) لانتفاء خوف العنت، (وكذا معيبة) بعيب يثبت الخيار (على المذهب) لأنه على خلاف الغبطة، وقيل: لا يصح إنكاحه الرتقاء والقرناء قطعًا، لأنه بذل مال في بضع لا ينتفع به، بخلاف تزويج الصغيرة مجبوبًا،
الجزء: 3 - الصفحة: 68
وَيجُوزُ مَنْ لَا تُكافِئُهُ ببَاقِي الْخِصَالِ فِي الأَصَحِّ.
فصلٌ [في تزويج المحجور عليه]
لَا يُزَوَّجُ مَجْنُونٌ صَغِيرٌ، وَكَذَا كَبِيرٌ إِلَّا لِحَاجَةٍ
ولو زوجه عمياء أو عجوزًا أو مفقودة بعض الأطراف .. ففيه وجهان بلا ترجيح في "الشرح" و"الروضة" 330، وصحح البُلْقيني: أنه لا يجوز، ونقله عن نص "الأم".
(ويجوز من لا تكافئه بباقي الخصال في الأصح) لأن الرجل لا يتعير بافتراشه من لا تكافئه.
نعم؛ له الخيار إذا بلغ؛ كما اقتضاه كلام "الشرح" و"الروضة" هنا، وصرحا به في أول الخيار حيث قالا: ولو زوج الصغير من لا تكافئه وصححناه .. فله الخيار إذا بلغ، والثاني: لا؛ كالبنت 331.
(فصل: لا يزوج مجنون صغير) مطلقًا، إذ لا حاجة في الحال، وبعد البلوغ لا ندري أمره، بخلاف الصغير العاقل، فإن الظاهر: حاجته إليه بعد البلوغ، قال ابن داوود: في "شرح المختصر": إلا أن يحتاج إليه للخدمة، وأقره ابن الرفعة، وقيل: يزوجه الأب والجد؛ كالعاقل.
(وكذا كبير) لما فيه من لزوم المهر والنفقة بلا حاجة، ولم يذكروا هنا الوجه المذكور في المجنون الصغير، قال السبكي: ولعل الفرق: أن الولاية على الصغير المجنون بسببين، فهو أقوى من الولاية على المجنون البالغ.
(إلا لحاجة) هو راجع إلى الكبير خاصة؛ فإن الصغير لا حاجة له بالوطء.
و(الحاجة): ظهور رغبته فيهن بدورانه حولهن وتعلقه بهن، أو توقع شفائه بالنكاح، أو بأن يحتاج إلى من يخدمه ويتعهده، ولا يوجد في محارمه من يقوم
الجزء: 3 - الصفحة: 69
فَوَاحِدَةً. وَلَهُ تَزْوِيجُ صغِيرٍ عَاقِلٍ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ. وَيُزَوِّجُ الْمَجْنُونَةَ أَبٌ أَوْ جَدٌّ إِنْ ظَهَرَتْ مَصْلَحَةٌ، وَلَا تشتَرَطُ الْحَاجَةُ، وَسَوَاءٌ صغِيرَةٌ وَكَبيرَةٌ، ثيِّبٌ وَبِكْرٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبٌ أَوْ جَدٌّ .. لَمْ تُزوَّجْ في صِغَرِهَا،
بذلك، وكانت مؤن النكاح أخف من الشراء، وتوقع شفائه: يكون بشهادة عدلين؛ كما قاله في "المطلب".
وإذا جاز تزويجه .. زوجه الأب، ثم الجد، ثم السلطان دون سائر العصبات؛ كولاية المال.
(فواحدةً) لاندفاع الحاجة بها.
(وله) أي: للأب والجد؛ كما صرح به في "المحرر" 332 (تزويج صغير عاقل أكثر من واحدة) ولو أربعًا إن رآه؛ لأن تزويجه بالمصلحة وقد تقتضي ذلك.
نعم؛ لو كان الصغير ممسوحًا .. ففي تزويجه الخلاف في الصغير المجنون، قاله الجويني.
(ويزوج المجنونة أب أو جد) لأنه لا يرجى لها حال تستأذن فيه، ولهما ولاية الإجبار في الجملة (إن ظهرت مصلحة، ولا تشترط الحاجة) لإفادة المهر والنفقة، بخلاف المجنون.
(وسواء صغيرة وكبيرة، ثيِّب وبكْر) لما قلناه، وقيل: لا يستقل الأب بتزويج الثيب الكبيرة، بل يفتقر إلى إذن السلطان بدلًا من إذنها، وقيل: لا يزوج الثيِّب الصغيرة؛ كما لو كانت عاقلة، ورجحه في "المطلب".
والفرق على الأصحِّ: أن للبلوغ غاية ترتقب فيمكن انتظارها لتأذن، بخلاف الإفاقة، وسواء التي بلغت مجنونة، ومن بلغت عاقلة ثم جنت؛ بناءً على أن من بلغ عاقلًا ثم جن .. فولاية ماله لأبيه، وهو الأصحُّ؛ فإن قلنا: إنها للسلطان .. فكذا التزويج.
(فإن لم يكن أب أو جد .. لم تزوّج في صغرها) إذ لا إجبار لغيرهما، ولا حاجة
الجزء: 3 - الصفحة: 70
فَإِنْ بَلَغَتْ .. زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ فِي الأَصَحِّ لِلْحَاجَةِ، لَا لِمَصْلَحَةٍ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ .. لَا يَسْتَقِلُّ بِنِكَاحٍ،
لها في الحال، (فإن بلغت .. زوّجها السلطان في الأصح) كما يلي مالها.
وظاهر كلامه: أنه لا يحتاج إلى مراجعة الأقارب، والأصحُّ في "التهذيب": الوجوب، وقال الإمام: إنه يستحب، كذا نقلاه في "الشرح" و"الروضة" ولم يرجحا شيئًا 333.
والمذهب: أنه لا يجب؛ كما جزم به الماوردي، وقال في "البحر": إنه ظاهر نص "الأم"، وجزم به الشيخان في الكلام على الخطبة حيث قالا: والمعتبر في المجنونة ردّ السلطان وإجابته، فلو كان إذن الأقارب واجبًا .. لكان ردّهم وإجابتهم معتبرة.
نبه عليه في "المهمات" 334، والثاني: يزوّجها قريبها كالأخ؛ لأن النسيب أشفق، لكن يشترط إذن السلطان نيابة عنها؛ فإن امتنع القريب .. زوّجها السلطان؛ كما لو عضلها، ويجري الوجهان في وجوب المشاورة في تزويج المجنون.
(للحاجة) كظهور علامة الشهوة، أو توقع شفائها بقول أهل الخبرة، (لا لمصلحة) كتوفر المؤن (في الأصح) لأن تزويجها يقع إجبارًا، وغير الأب والجد لا يملك الإجبار، وإنما يصار إليه؛ للحاجة النازلة منزلة الضرورة، والثاني: تزوج للمصلحة؛ كالأب والجد، قال ابن الرفعة: وهو الأصحُّ المنصوص في "الأم"، و"المختصر"، ونقله الأَذْرَعي عن الأصحاب، وقال: إنه الحق، وما رجحاه تبعا فيه الإمام 335.
(ومن حُجر عليه بسفه .. لا يستقل بنكاح) لئلا يفني ماله في مؤن النكاح، فلا بدَّ من مراجعة الولي.
قال السبكي ومن تبعه: واحترز بالحجر: عن السفيه بلا حجر؛ إما أن يكون بلغ
الجزء: 3 - الصفحة: 71
بَلْ يَنْكِحُ بِإِذْنِ الْوَليِّ أَوْ يَقْبَلُهُ لَهُ الْوَليُّ. فَإِنْ أَذِنَ وَعَيَّنَ امْرَأَةً .. لَمْ يَنْكِحْ غَيْرَهَا، وَيَنْكِحُهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ .. فالْمَشْهُورُ: صِحَّةُ النِّكاحِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ مِنَ الْمُسَمَّى
سفيهًا -وهو المهمل- .. فتزويجه كسائر تصرفاته، وفيها خلاف، أو بأن بلغ رشيدًا ثم سفه في الدين أو المال أو فيهما، ولم يعد الحجر عليه، وشرطناه -وهو الأصحُّ- .. فتصرفه قبل الحجر نافذ.
قال ابن الرفعة: وإن كان يجوز أن يكون في نفوذه خلاف .. يؤخذ من الخلاف في أن المشرف على الزوال كالزائل، ومن الخلاف في أن دخول وقت الشيء هل يقوم مقامه؛ كما هو في رمي الجمار في الحج؟ عن ابن سريج وغيره.
انتهى.
وجَعْلُه الأول السفيه المهمل .. فيه نظر، والمعروف: أنه الثاني.
(بل ينكح بإذن الولي) لأنه صحيح العبارة، وإنما منع منه؛ حفظًا لماله وقد زال المانع بالإذن (أو يقبله له الولي) بإذنه؛ لأنه قائم مقامه.
والمراد بـ (الولي): الأب ثم الجد؛ إن بلغ سفيهًا، والقاضي أو منصوبه إن بلغ رشيدًا ثم طرأ السفه؛ كما صححه في "زيادة الروضة" 336.
(فإن أذن وعيّن امرأة .. لم ينكح غيرها) إذ الإذن مقصور عليها (وينكحها بمهر المثل) لأنه المأذون فيه (أو أقل) لأنه حصل لنفسه خيرًا، (فإن زاد .. فالمشهور: صحة النكاح) لأنه لا يفسد بفساد الصداق، والثاني، وهو مخرج: أنه باطل للمخالفة، (بمهر المثل) أي: بقدر مهر المثل (من المُسمَّى) وتسقط الزيادة؛ لأنها تبرع من سفيه، وقال ابن الصباغ: القياس: بطلان المُسمَّى والرجوع إلى مهر المثل؛ لأنها لم ترض إلا بجميعه.
والفرق: أن على التقدير الأول: تستحق الزوجة مهر المثل من المعين، وعلى الثاني: يجب مهر المثل في الذمة.
وما ذكره ابن الصباغ هو ما صححه المصنف وغيره في (الصداق) فيما إذا نكح لطفل بفوق مهر مثل، ولا يظهر فرق بين أن يكون المحجور عليه صغيرًا أو سفيهًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 72
وَلَوْ قَالَ: أنْكِحْ بِأَلْفٍ وَلَمْ يُعَيِّنِ امْرَأَةً .. نَكَحَ بِالأَقَلِّ مِنْ أَلْفٍ وَمَهْرِ مِثْلِهَا. وَإِنْ أَطْلَقَ الإِذْنَ .. فَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَيَنْكِحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ مَنْ تَلِيقُ بِهِ
(ولو قال: "انكح بألف" ولم يعيِّن امرأة .. نكح بالأقل من ألف ومهر مثلها) فإن نكح امرأة بألف؛ فإن كان مهر مثلها ألفًا أو أكثر .. صح النكاح بالمُسمَّى، وإن كان أقل .. صحّ النكاح بمهر المثل وسقطت الزيادة؛ إذ لا تبرع في مال السفيه.
وإن نكح بألفين؛ فإن كان مهر مثلها أكثر من ألفين .. لم يصح النكاح، وإن كان ألفًا أو أقل .. صح بمهر المثل وسقطت الزيادة.
(وإن أطلق الإذن .. فالأصح: صحته، وينكح بمهر المثل) كما لو أذن السيد لعبده في النكاح، فلو تزوج بأكثر من مهر المثل .. صح النكاح وسقطت الزيادة، وإذا تزوج بمهر المثل أو أقل .. صح النكاح بالمُسمَّى، والثاني: لا يصح، بل لا بد من الإذن المقيد؛ لأنا لو اعتبرنا الإذن المطلق .. لم يأمن أن ينكح شريفة يستغرق مهر مثلها ماله، بخلاف العبد؛ فإنه لا ترغب فيه الأشراف، فلذلك صح الإذن مطلقًا.
وقد ذكر المصنف للمسألة ثلاث حالات: ما إذا عين امرأة فقط، أو مهرًا فقط، أو أطلق، وأهمل رابعًا، وهو: ما لو عين المرأة وقدر المهر؛ كقوله: (انكح فلانة بألف)، والحكم فيه: إن كان مهر مثلها دون ألف .. فالإذن باطل، وإن كان ألفًا فنكحها بألف أو أقل .. صح النكاح بالمُسمَّى، وإن زاد .. سقطت الزيادة، وإن كان مهرها أكثر من ألف؛ فإن نكحها بألف .. صح بالمُسمَّى، وإن زاد .. لم يصح، قاله البغوي 337.
(من تليق به) فلو نكح شريفة يستغرق مهر مثلها ماله .. لم يصح عند الإمام والغزالي 338، وقيل: يصح، ولا ترجيح في "الروضة"، و"أصلها"، قال في "المهمات": والاستغراق لا ينافي المصلحة؛ فإنه قد يكون كسوبًا أو المهر مؤجلًا، وفي اتصاله بأهل المرأة رفق 339.
الجزء: 3 - الصفحة: 73
فَإِنْ قَبِلَ لَهُ وَلِيُّهُ .. اشْتُرِطَ إِذْنُهُ فِي الأَصَحِّ، وَيَقْبَلُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَأَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ .. صَحَّ النِّكاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَفِي قَوْلٍ: يَبْطُلُ. وَلَوْ نَكَحَ السَّفِيهُ بِلَا إِذْنٍ .. فَبَاطِلٌ، فَإِنْ وَطِئَ .. لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ،
(فإن قبل له وليُّه .. اشترط إذنه في الأصح) لأنه حر مكلف، فلا بد من إذنه، والثاني: لا يشترط؛ لأنه فوّض إليه رعاية مصلحته، فإذا عرف حاجته .. زوّجه؛ كما يكسوه ويطعمه 340.
(ويقبل بمهر المثل فأقل، فإن زاد .. صحّ النكاح بمهر المثل) وتسقط الزيادة؛ لتبرعه بها، (وفي قول: يبطل) كما لو اشترى له بأكثر من ثمن مهر المثل.
وهذا الخلاف في تزويج موليته بدون مهر المثل، ولو اشتدت حاجة السفيه وخاف الوقوع في الزنا ولم يجد إلا امرأة لا ترضى إلا بأكثر من مهر مثلها .. ففي جواز نكاحه إياها احتمال للإمام 341.
(ولو نكح السفيه) المحجور عليه (بلا إذن .. فباطل) كما لو اشترى بغير إذنه.
قال في "الدقائق": قوله: (بلا إذن) أولى من قول "المحرر": (بغير إذن وليه)؛ لأنه يدخل في عبارة "المنهاج" ما إذا استأذنه فمنعه وأذن له الحاكم .. فإنه يصح قطعًا مع أن الولي لم يخرج بمنعه عن الولاية؛ لأنه صغيره 342. انتهى.
ولو تزوج في هذه الحالة بنفسه من غير مراجعة الحاكم .. لم يصح على الأصحِّ في "الشرح الصغير"، ولو تعذرت مراجعة الحاكم .. قال ابن الرفعة: إن لم ينته إلى خوف العنت .. فالوجهان، وإلا .. فالأصحُّ: الصحة، وهو أولى من المرأة في المفازة لا تجد وليًّا.
(فإن وطِىَء .. لم يلزمه شيء) أي: لا حدّ؛ للشبهة، ولا مهر؛ لأن المرأة سلطته على بضعها؛ كما لو بيع منه شيء فأتلفه.
نعم؛ لو كانت الزوجة سفيهة .. وجب لها مهر المثل؛ كما أفتى به المصنف؛
الجزء: 3 - الصفحة: 74
وَقِيلَ: مَهْرُ مِثْلٍ، وَقِيلَ: أَقَلُّ مُتَمَوَّلٍ. وَمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ .. يَصِحُّ نِكَاحُهُ، وَمُؤَنُ النِّكاحِ فِي كَسْبِهِ، لَا فِيمَا مَعَهُ. وَنِكَاحُ عَبْدٍ بِلَا إِذْنِ سَيِّدِهِ بَاطِلٌ، وَبِإِذْنِهِ صَحِيحٌ، وَلَهُ إِطْلَاقُ الإِذْنِ، وَلَهُ تَقْيِيدُهُ بِامْرَأَةٍ أَوْ قَبِيلَةٍ أَوْ بَلَدٍ، وَلَا يَعْدِلُ عَمَّا أُذِنَ فِيهِ
لأن تسليطها لا أثر له؛ كما لو تبايع سفيهان، قال في "الكفاية": وسواء علمت الزوجة بسفهه أم لم تعلم، لتفريطها بترك البحث 343. انتهى، وفيه نظر، والقياس: ألا يجب شيء إذا كانت عالمة بفساد النكاح وسلمت مطاوعة؛ كسائر الإتلافات البدنية؛ ولهذا لو قال سفيه لآخر: (اقطع يدي) فقطعه .. لم يلزمه شيء.
(وقيل: مهر مثل) لئلا يخلو الوطء عن عُقر أو عقوبة، (وقيل: أقل متمول) لاندفاع الخلو المذكور به.
وقضيته: أنه لا يلزمه شيء في الحال، ولا بعد فك الحجر، وهو المذهب في "زيادة الروضة" 344، وهذا في الظاهر، أما في الباطن فيما بينه وبين الله تعالى .. فقد نص في "الأم" على لزوم مهر المثل بعد فك الحجر عنه، واختاره الأَذْرَعي.
(ومن حجر عليه بفلس .. يصح نكاحه) لصحة عبارته وذمته، (ومؤن النكاح في كسبه، لا فيما معه) لتعلق حق الغرماء بما في يده، فإن لم يكن له كسب .. ففي ذمته إلى فك الحجر، وإذا لم تعلم المرأة بفلسه، ولا كسب له .. قال في "المطلب": يشبه أن يثبت لها الخيار.
(ونكاح عبد بلا إذن سيِّده باطل) لحديث: "أَيُّمَا مَمْلُوكٍ تزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ .. فَهُوَ عَاهِرٌ" حسنه الترمذي، وصححه الحاكم، قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم من الصحابة وغيرهم 345.
(وبإذنه صحيح) لمفهوم الحديث، وسواء أكان السيد رجلًا أم امرأة.
(وله إطلاق الإذن، وله تقييده بامرأة أو قبيلة أو بلد، ولا يعدل عمّا أُذن فيه)
الجزء: 3 - الصفحة: 75
وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ إِجْبَارُ عَبْدِهِ عَلَى النِّكاحِ وَلَا عَكْسُهُ
مراعاة له، فإن عدل .. بطل، وإذا أطلق الإذن .. فله نكاح حرّة أو أمة، في تلك البلد أو غيرها.
نعم؛ للسيد منعه من الخروج إلى بلد آخر، ولو قدر مهرًا فزاد .. فالزيادة يتبع بها إذا عتق، وأبدى الإمام احتمالًا: أن الزيادة لا تلزم أصلًا 346.
(والأظهر: أنه ليس للسيد إجبار عبده على النكاح) سواء كان صغيرًا أم كبيرًا؛ لأنه لا يملك رفع النكاح بالطلاق، فكيف يجبر على ما لا يملك رفعه؟ ! والثاني: له إجباره؛ كالأمة، والجبر: بأن يقبل له أو يكرهه عليه؛ لأنه إكراه بحق، قاله البغوي 347، وفي "التتمة": لا يصح قبوله كرهًا.
وقيل: يجبر الصغير قطعًا، ورجحه في "المهمات" وقال: إن ما رجحه المصنف مخالف لنص الشافعي والأصحاب والقياس الجلي، واقتضى كلام الشيخين في (باب التحليل والرضاع): أنه المذهب 348، وقيل: لا يجبر الصغير قطعًا؛ لأن في تزويج الكبير غرضًا ظاهرًا، وهو صيانة ملكه، بخلاف الصغير، والكبير المجنون كالصغير.
ومحل الخلاف: في غير المكاتب والمبعض، أما هما .. فلا يجبرهما قطعًا.
(ولا عكسه) أي: لا يُجبر السيد على نكاح عبده إذا طلبه منه؛ لأنه يشوش مقاصد الملك وفوائده.
والثاني: يُجبر عليه أو على بيعه؛ لأن المنع من ذلك يوقعه في الفجور، واستحسنه في "الكفاية" 349.
والمدبر والمعلق عتقه كالقن، ومن بعضه حر .. لا يجبر ولا يستقل، وفي وجوب إجابته الخلاف.
والمكاتب: لا يجبر، وفي وجوب إجابته الخلاف كالقن وأولى بالوجوب.
والعبد المشترك هل لسيديه إجباره وعليهما إجابته؟ فيه الخلاف المذكور في
الجزء: 3 - الصفحة: 76
وَلَهُ إِجْبَارُ أَمَتِهِ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ، فَإِنْ طَلَبَتْ .. لَمْ يَلْزَمْهُ تَزْوِيجُهَا، وَقِيلَ: إِنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ .. لَزِمَهُ. وَإِذَا زَوَّجَهَا .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ بِالْمِلْكِ لَا بِالْوِلَايَةِ؛
الطرفين، ولو دعاه أحدهما إلى النكاح، وامتنع الآخر والعبد .. فلا إجبار، ولو طلب أحدهما مع العبد، وامتنع الآخر فعن الشيخ أبي حامد: أنه كالمكاتب، وقال ابن الصباغ: لا تؤثر موافقة الآخر.
(وله إجبار أَمتِه بأيِّ صفة كانت) أي: صغيرة كانت أو كبيرة، بكرًا أو ثيبًا، عاقلة أو مجنونة، مدبرة أو مستولدة، رضيت أم سخطت؛ لأن النكاح يرد على البضع، وهو مملوكه؛ ولأنه ينتفع بمهرها ونفقتها، بخلاف العبد.
نعم؛ المبعضة والمكاتبة لا يجبران على الأصحِّ.
وشمل إطلاقه: تزويجها من غير كفء، ويستثنى: ما لو زوجها من معيب؛ كأجذم وأبرص .. فإنه لا يجوز بغير رضاها وإن جاز أن يبيعها ممن هذا حاله ولو كرهت؛ كما نص عليه في الحكمين جميعًا 350، والفرق: أنه لا يقصد من البيع الاستمتاع غالبًا، بخلاف النكاح.
(فإن طلبت .. لم يلزمه تزويجها) لما فيه من تنقيص القيمة، وتفويت الاستمتاع عليه، (وقيل: إن حرمت عليه) مؤبدًا ( .. لزمه) إذ لا يتوقع منه قضاء شهوة، ولا بد من إعفافها؛ فإن كان التحريم غير مؤبد؛ كأن ملك أختين فوطئ إحداهما، ثم طلبت الأخرى تزويجها .. فإنه لا يلزمه إجابتها قطعًا.
(وإذا زوجها .. فالأصح: أنه بالملك لا بالولاية) لأن التصرف فيما يملك استيفاؤه ونقله إلى الغير يكون بحكم الملك، كاستيفاء المنافع ونقلها بالإجارة، والثاني: بالولاية، لأن عليه النظر لها، بدليل منعه من تزويجها بمعيب.
وكلامه يقتضي: أن الخلاف لا يأتي في تزويج العبد، وكلام الغزالي كالصريح في طرده فيه، وقال الرافعي: لا يأتي فيه إلا إذا قلنا للسيد إجباره، قال السبكي: وهو صحيح، والغزالي لا يخالفه فيه، وقال ابن الرفعة: وليعرف أن السيد إذا قلنا: يزوج
الجزء: 3 - الصفحة: 77
فَيُزَوِّجُ مُسْلِمٌ أَمَتَهُ الْكَافِرَةَ وَفَاسِقٌ وَمُكَاتَبٌ، وَلَا يُزَوِّجُ وَلِيٌّ عَبْدَ صَبِيٍّ، وَيُزَوِّجُ أَمَتَهُ فِي الأَصَحِّ.
بطريق الولاية .. فسبب الولاية الملك، كما أن سبب ولاية الأب القرابة، ويتأكد القول بهذا في العبد؛ فإن مستمتعه غير مملوك للولي والعقد وارد عليه، فيظهر كونه متصرفًا بالولاية، ولا جرم خصّ من قال: إن الصحيح: أنه يتصرف بحكم الملك ذلك بتزويج الأمة 351.
(فيزوج مسلم أمته الكافرة) تفريعًا على الملك؛ فإن قلنا بالولاية .. امتنع.
وعبر في "المحرر" 352: بـ (الكتابية)، فعدل المصنف إلى (الكافرة) فشمل المرتدةَ ولا تزوج بحال، والوثنيةَ والمجوسيةَ، وفيهما وجهان بلا ترجيح في "الروضة" و"أصلها" 353.
[(وفاسق) وإن قلنا: الفسق يسلب الولاية، لأنه يتصرف بالملك؛ كإجارة] 354.
(ومكاتب) كتابة صحيحة؛ لما ذكرناه من كونه تزوج بالملك، وقضيته: أنه يستقل به ولا يحتاج إلى إذن السيد، وليس كذلك؛ لضعف الملك.
(ولا يزوج ولي عبد صبي) وصبية ومجنون وسفيه؛ لما فيه من انقطاع أكسابه وفوائده عنهم، قال في "الدقائق": وهذه العبارة أصوب من قول "المحرر": (لا يجبر)؛ لأنه لا يلزم من عدم إجباره منع تزويجه برضاها، والصحيح: منعه 355.
(ويزوج أمته في الأصح) إذا ظهرت الغبطة؛ كما قيده في "الروضة" و"أصلها"؛ اكتسابًا للمهر والنفقة 356، والثاني: المنع، لأنه ينقص قيمتها، وقد
الجزء: 3 - الصفحة: 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تحبل فتهلك، والثالث: يزوج أمة الصبية دون الصبي؛ لأنه قد يحتاج إليها إذا بلغ، وقال ابن الرفعة: إنه المنصوص.
وإذا قلنا بالجواز .. قال الإمام: يجوز تزويج أمة الثيب الصغيرة وإن لم يجز تزويج السيدة، وليس للأب تزويج أمة بنته البكر البالغة قهرًا وإن كان يقهر سيدتها 357.
الجزء: 3 - الصفحة: 79
بابُ ما يحرُم من النِّكاح تَحْرُمُ الأُمَّهَاتُ، وَكُلُّ مَنْ وَلَدَتْكَ أَوْ وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَكَ فَهِيَ أُمُّكَ. وَالْبَنَاتُ، وَكُلُّ مَنْ وَلَدْتَهَا أَوْ وَلَدْتَ مَنْ وَلَدَهَا فَهِيَ بِنْتُكَ. قُلْتُ: وَالْمَخْلُوقَةُ مِنْ زِنَاهُ تَحِلُّ لَهُ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَدُهَا مِنْ زِنًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالأَخَوَاتُ، وَبَنَاتُ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ، وَالْعَمَّاتُ، وَالْخَالَاتُ، وَكُلُّ مَنْ هِيَ أُخْتُ ذَكَرٍ وَلَدَكَ
﴿باب ما يحرم من النكاح﴾
يطلق التحريم في العقد بمعنى التأثيم وعدم الصحة، وهو المراد هنا، ويطلق بمعنى التأثيم مع الصحة؛ كما في نكاح المخطوبة على خطبة الغير.
(تحرم الأمهات) للنص والإجماع، (وكل من ولدتك أو ولدت من ولدك) وهي الجدة من الجهتين وإن علت ( .. فهي أمك) وفي إطلاق الأم على الجدة وجهان مذكوران في (كتاب الوقف والوصية) أصحهما: أنه مجاز، فعلى هذا: يكون التحريم ثابتًا لها بالإلحاق؛ لمشاركتها الأم في المعنى وهي الولادة، وعلى الأول: فيكون ثابتًا لها بالنص؛ لشمول الاسم.
(والبنات) للآية، (وكل من ولدتَها أو ولدت من ولدها) وهي بنات الأولاد وإن سفلن ( .. فهي بنتك) وهل ذلك بطريق الحقيقة أو المجاز؟ فيه الخلاف المارّ.
(قلت: والمخلوقة من زناه تحل له) لأنها أجنبية عنه، بدليل انتفاء سائر أحكام النسب، وسواء طاوعته على الزنا أو أكرهها، وقيل: تحرم قطعًا، وقيل: تحرم إن تحقق أنها من مائه بأن أخبره نبيّ أنها منه، وعلى الأول: تكره، نص عليه؛ للخروج من الخلاف 358.
(ويحرم على المرأة ولدها من زنًا، والله أعلم) بالإجماع؛ لأنه جزء منها، وقد أجمعوا على أنه يرثها.
(والأخوات) من كل جهة (وبنات الإخوة والأخوات) وإن سفلن.
(والعمات) من كل جهة، (والخالات) للآية (وكل من هي أخت ذكر ولدك
الجزء: 3 - الصفحة: 80
فَعَمَّتُكَ، أَوْ أُخْتُ أُنْثَى وَلَدَتْكَ فَخَالَتُكَ. وَتَحْرُمُ هَؤُلَاءِ السَّبعُ بِالرَّضَاعِ أَيْضًا. وَكُلُّ مَنْ أَرْضَعَتْكَ، أَوْ أَرْضعَتْ مَنْ أَرْضَعَتْكَ، أَوْ مَنْ وَلَدَكَ، أَوْ وَلَدَتْ مُرْضِعَتَكَ، أَوْ ذَا لَبَنِهَا فَأُمُّ رَضَاعٍ، وَقِسِ الْبَاقِي. وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْكَ مَنْ أَرْضَعَتْ أَخَاكَ وَنَافِلَتَكَ،
فعمتك، أو أخت أنثى ولدتك فخالتك) كان ينبغي أن يقول: بواسطة أو بغير واسطة؛ ليشمل عمات الأب والأم، وعمات الأجداد والجدات ولو من جهة الأم؛ كأخت أبي الأم، وخالات الأب والجد والجدة ولو من جهة الأب؛ كأخت أم الأب.
(وتحرم هؤلاء السبع بالرضاع أيضًا) لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ فنص سبحانه على الأم، وقسنا الباقي عليها، وفي "الصحيحين" من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ" 359، وفي رواية لهما: "مِنَ النَّسَبِ" 360.
(وكلّ من أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو من ولدك) بواسطة أو غيرها (أو ولدت مرضعتك، أو ذا لبنها) يعني: الفحل الذي لبن المرضعة منه ( .. فأم رضاع) لما سبق.
(وقس الباقي) أي: باقي الأصناف المتقدمة، فكل امرأة ارتضعت بلبنك أو بلبن فرعك ولو من الرضاع .. فهي بنتك.
ومن ارتضع من أمك أو بلبن أبيك أو ولدته مرضعتك، أو فحلها .. فهو أخوك وأختك، وأخوات الفحل والمرضعة وأخوات من ولدهما من نسب أو رضاع .. عماتك وخالاتك، وبنات أولاد المرضعة والفحل من النسب والرضاع .. بنات أخيك وأختك.
(ولا يحرم عليك من أرضعت أخاك) أو أختك (و) من أرضعت (نافلتك) وهو ولد ولدك.
الجزء: 3 - الصفحة: 81
وَلَا أُمُّ مُرْضِعَةِ وَلَدِكَ وَبِنْتُهَا، وَلَا أُخْتُ أَخِيكَ بِنَسَبٍ وَلَا رَضَاعٍ، وَهِيَ: أُخْتُ أَخِيكَ لِأبِيكَ لِأمِّهِ وَعَكْسُهُ
(ولا أمّ مرضعة ولدك وبنتُها، ولا أخت أخيك بنسب ولا رضاع، وهي: أخت أخيك لأبيك لأمه وعكسه) أي: لا تحرم أخت الأخ من النسب ولا من الرضاع، وصورته في النسب -كما ذكره المصنف-: أن يكون لك أخ من أب وأخت من أم .. فله أن ينكح أختك من الأم.
وفي الرضاع: أن ترضعك امرأة، وترضع صغيرة أجنبية منك .. فلأخيك نكاحها، وهي أختك من الرضاع، وإذا ولدت هذه ولدًا .. كنت أنت عمًّا له وخالًا، هذه الصورة استثنيت من قوله: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" 361 فإن هؤلاء يحرمن في النسب، وفي الرضاع قد لا يحرمن.
وقد نظمها بعضهم فقال: [من الخفيف]
أَرْبَعٌ هُنَّ فِي الرَّضَاع حَلَالٌ ... وَإِذَا مَا نَاسَبْتَهُنَّ حَرَامُ
جَدَّةُ ابْنٍ وَأُخْتُهُ ثُمَّ أمٌّ ... لأَخِيهِ وَحَافِدٌ وَالسَّلَامُ
قال في "زيادة الروضة": قال المحققون: لا حاجة إلى استثنائها؛ لأنها ليست داخلة في الضابط؛ ولهذا لم يستثنها الشافعي والجمهور، ولا استثنيت في الحديث؛ لأن أم الأخ لم تحرم لكونها أم أخ بل لكونها أمًّا أو حليلة أب، وفي الرضاع قد لا يكون كذلك، بأن ترضع أجنبية أخاك وأختك 362.
وكذلك أم نافلتك لم تحرم، لكونها أم نافلتك بل لكونها إما بنتًا، أو موطوءة ولد وطئًا محترمًا، بخلاف الرضاع؛ فإنه قد لا يكون كذلك؛ بأن ترضع أجنبية نافلتك.
وكذلك أم مرضعة الولد إنما حرمت في النسب؛ لكونها إمّا أم أمك أو أم موطوءتك، وفي الرضاع قد لا يكون كذلك؛ كما إذا أرضعت أجنبية ولدك .. فإن أمها جدته وليست بأمك ولا أم موطوءتك.
وكذلك بنت مرضعة الولد إنما حرمت في النسب؛ لكونها بنتًا أو ربيبة، وفي
الجزء: 3 - الصفحة: 82
وَتَحْرُمُ زَوْجَةُ مَنْ وَلَدْتَ أَوْ وَلَدَكَ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَأُمَّهَاتُ زَوْجَتِكَ مِنْهُمَا، وَكَذَا بَنَاتُهَا إِنْ دَخَلْتَ بِهَا.
الرضاع لا تكون كذلك.
(وتحرم زوجة من ولدت) بواسطة أو بغير واسطة؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ , والتقييد بـ (الأصلاب) مخرج للتبني؛ إذ لا يحرم على المرء زوجة من تبنّاه.
(أو ولدك) بواسطة أو غيرها من قبل الأب، والأم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، قال في "الأم": أي: في الجاهلية قبل علمكم بتحريمه؛ فإنه كان أكبر ولد الرجل يخلف على امرأة أبيه 363.
(من نسب أو رضاع) راجع للأمرين معًا، أما النسب .. فللآية، وأما الرضاع .. فللحديث المار 364.
(وأمهات زوجتك منهما) أي: من النسب والرضاع، وسواء دخلت بها أم لا؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾.
(وكذا بناتها) أي: بنات زوجتك (إن دخلت بها) للآية، وذكر الحجور خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، وإنما لم يعتبر الدخول في أصول الزوجة؛ لأن الحاجة تدعو إلى مكالمة الزوج لأم المرأة عقب العقد؛ لترتيب أمر الزوجة، فاحتيج إلى الخلوة بها، بخلاف بنت الزوجة.
واعلم: أن الثلاث الأولى؛ أعني: زوجة الأب والابن وأم الزوجة يحرمن بمجرد العقد الصحيح، أما الفاسد .. فلا يتعلق به حرمة المصاهرة؛ كما لا يتعلق به حل المنكوحة؛ كما صرّح به في "المحرر"، و"الشرحين"، و"الروضة"، وقال في "الدقائق": الصواب: حذف لفظة: (الصحيح) كما حذفها "المنهاج"؛ فإن حرمة المصاهرة تثبت بالنكاح الفاسد، قال في "المهمات" تبعًا للشيخ برهان الدين: وهو غلط، وتقييد "المحرر" هنا صحيح، لكنه قال بعده: (ويحرم بالدخول في
الجزء: 3 - الصفحة: 83
وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً بِمِلْكٍ .. حَرُمَ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا، وَحَرُمَتْ عَلَى آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، وَكَذَا الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ فِي حَقِّهِ - قِيلَ: أَوْ حَقِّهَا -.
النكاح الصحيح بنات الزوجة ... ) إلى آخره، والتقييد هناك غير صحيح، فلا فرق في التحريم بالدخول بين الصحيح والفاسد، فأراد النووي التنبيه على الثاني فانتقل نظره إلى الأول 365. انتهى.
والحاصل: أن من حرم بالوطء .. لا تعتبر فيه صحة العقد؛ كالربيبة، ومن حرم بالعقد وهي الثلاث الأولى .. فلا بد من صحة العقد.
وقول المصنف: و (بناتها) ينبغي أن تحمل البنات على الحقيقة والمجاز؛ ليشمل بنت الزوجة وبناتها، وبنت ابن الزوجة وبناتها؛ فإن بنت الربيبة والربيب وإن سفلت حرام؛ كما صرح به القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، والشيخ في "التنبيه" 366، وصاحب "الذخائر".
(ومن وطئ امرأة بملك .. حرم عليه أمهاتها وبناتها، وحرمت على آبائه وأبنائه) بالإجماع، (وكذا الموطوءة بشبهة) بنكاح أو شراء فاسدين، أو وطئها ظنًّا أنها زوجته أو أمته أو وطئ مشتركة أو أمة فرعه؛ لأنه وطء تصير به المرأة فراشًا يثبت النسب، ويوجب العدة، فيتعلق به حرمة المصاهرة؛ كالنكاح (في حقه) كأن وطئها يظنها زوجته وهي عالمة؛ كما أن ثبوت النسب والعدة يختص بما إذا كانت الشبهة من جانبه.
(قيل: أو حقها) كأن وطئها عالمًا، وهي جاهلة أو نائمة أو مكرهة؛ يعني: فبأيهما قامت الشبهة .. أثّرت، فعلى هذا: هل تؤثر في الطرفين أو في من قامت به؟ وجهان بلا ترجيح، فعلى الثاني: إن اشتبهت عليه .. حرمت عليه أمها وبنتها، ولا تحرم هي على أبيه وابنه، وإن اشتبه عليها .. فبالعكس.
واقتصار المصنف على التحريم قد يفهم أنه لا يثبت به المحرمية، وهو الصحيح،
الجزء: 3 - الصفحة: 84
لَا الْمَزنيُّ بِهَا. وَلَيْسَتْ مُبَاشَرَةٌ بِشَهْوَةٍ كَوَطْءٍ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوِ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ .. نَكَحَ مِنْهُنَّ،
وما رجحه من أنه لا أثر للشبهة في حقها صحيح بالنسبة إلى التحريم لا إلى المهر؛ ولهذا قال في "الوسيط": لكن يرجع في وجوب المهر إلى الاشتباه عليها فقط، وفي "الحاوي الصغير": وفي المهر بشبهتها 367.
(لا المزنيُّ بها) أي: فلا يثبت لها حرمة المصاهرة؛ لأن الله تعالى قرن بين النسب والصهر فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ فلما انتفى عن الزنا حكم النسب .. انتفى عنه حكم المصاهرة.
(وليست مباشرةٌ) كمفاخذة وقبلة ولمس (بشهوةٍ كوطء في الأظهر) لأنه لا يوجب العدة، فكذا لا يوجب الحرمة، وقد قال تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ , فشرط الدخول في التحريم، والثاني: هي كالوطء؛ لأنه استمتاع يوجب الفدية على المحرم فكان كالوطء، وبه قال جمهور العلماء، وقال الرافعي في (أحكام إتيان الدبر): إنه قوي 368.
والتقييد بالشهوة: من زوائده على "المحرر"، قال في "الدقائق" ولا بد منه 369.
أما اللمس بغيرها .. فلا أثر له في التحريم عند المعظم، قال الإمام: ومنهم من أرسل الملامسة ولم يقيد بالشهوة، فيجوز أن يقال: تكفي صورة الملامسة؛ كما في نقض الطهارة 370. انتهى، قال السبكي: وإطلاق النص يقتضيه.
وخرج بالمباشرة: النظر بشهوة؛ فإنه لا يثبت حرمة المصاهرة على المذهب، واستدخال المني المحترم؛ كماء الزوج والأجنبي بشبهة يثبت حرمة المصاهرة أيضًا.
(ولو اختلطت مَحْرم بنسوة قرية كبيرة .. نكح منهن) وإلا .. انحسم عليه باب
الجزء: 3 - الصفحة: 85
لَا بِمَحْصُورَاتٍ. وَلَوْ طَرَأَ مُؤَبِّدُ تَحْرِيمٍ عَلَى نِكَاحٍ .. قَطَعَهُ كَوَطْءِ زَوْجَةِ ابْنِهِ بِشُبْهَةٍ. وَيَحْرُمُ جَمْعُ الْمَرْأَةِ وَأُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا مِنْ رَضَاعٍ أَوْ نَسَبٍ،
النكاح؛ فإنه وإن سافر إلى بلدة أخرى .. لم يؤمن مسافرتها إليها، (لا بمحصورات) أي: فلا ينكح واحدة منهن؛ احتياطًا للأبضاع مع انتفاء المشقة باجتنابهن، بخلاف الأولى، ولا مدخل للتحري في هذا الباب.
قال الإمام: والمحصور: ما سهل على الآحاد حصره، وفي "الإحياء": كل عدد لو اجتمع في صعيد واحد لعسر على الناظر عده بمجرد النظر؛ كالألف والألفين .. فغير محصور، وإن سهل؛ كالعشرة والعشرين .. فمحصور، وبين الطرفين أوساط تلحق بأحدهما بالظن، وما وقع فيه الشك فليستفت فيه القلب 371، قال الأَذْرَعي: وينبغي التحريم عند الشك عملًا بالأصل.
(ولو طرأ مؤبِّد تحريم على نكاح .. قطعه؛ كوطء زوجة ابنه بشبهة) لأنه معنى يوجب تحريمًا مؤبدًا، فإذا طرأ على النكاح .. أبطله؛ كالرضاع.
وقوله: (ابنه) هو بالنون وبالياء أيضًا، وقد ضبطه بهما المصنف بخطه، وقال: معًا.
(ويحرم جمع المرأة وأختها) من الأبوين أو أحدهما، ابتداءً ودوامًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، (أو عمتها) أو عمة أحد أبويها، (أو خالتها) أو خالة أحد أبويها وإن علون؛ للنهي عنه في "الصحيحين" 372، ولما فيه من قطيعة الرحم (من رضاع أو نسب) لما سبق.
وضبط تحريم الجمع بكل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع: لو كانت إحداهما ذكرًا .. حرمت المناكحة بينهما.
واحترز بالقرابة والرضاع: عن المصاهرة؛ فإنه يجوز الجمع بين المرأة وأم زوجها أو زوجة ولدها، وكذا يجوز الجمع بين بنت الرجل وربيبته، وبين المرأة وربيبة زوجها من امرأة أخرى، وبين أخت الرجل من أمه وأخته من أبيه.
الجزء: 3 - الصفحة: 86
فَإِنْ جَمَعَ بِعَقْدٍ .. بَطَلَ، أَوْ مُرَتِّبًا .. فَالثَّانِي. وَمَنْ حَرُمَ جَمْعُهُمَا بِنِكَاحٍ .. حَرُمَ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكٍ، لَا مِلْكُهُمَا، فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً .. حَرُمَتِ الأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الأَولَى بِبَيعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ كِتَابَةٍ لَا حَيْضٍ وَإِحْرَامٍ، وَكَذَا رَهْنٌ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ مَلَكَهَا ثُمَّ نَكَحَ أُخْتَهَا أَوْ عَكَسَ .. حَلَّتِ الْمَنْكُوحَةُ دُونهَا
(فإن جمع بعقد .. بطل) النكاحان؛ إذ ليس تخصيص أحدهما بالبطلان أولى من الآخر، (أو مرتبًا .. فالثاني) لأن الجمع به حصل.
(ومن حرم جمعهما بنكاح .. حرم في الوطء بملك) لأنه إذا حرم العقد .. فلأن يحرم الوطء، وهو المقصود أولى، ولأن ذلك يؤدي إلى التباغض والتقاطع؛ كما يوجد بين الزوجات.
(لا ملكهما) بالإجماع؛ لأن الملك قد يقصد به غير الوطء، ولهذا يجوز له أن يشتري أخته ونحوها ممن لا يجوز له وطؤها.
(فإن وطئ واحدة) ولو مكرهًا أو جاهلًا أو في دبر ( .. حرمت الأخرى حتى يحرم الأولى) كيلا يحصل الجمع المنهي عنه؛ فإن وطئ الثانية قبل تحريم الأولى .. أثم ولا حدّ، والأولى مستمرة على حلها، ولا يحرم الحرام الحلال (ببيع) لإزالة الملك، هذا إذا لزم، أما مع الخيار؛ فإن كان للبائع .. لم يكف؛ لأنه يحل له الوطء، وبيع بعضها وهبته مع قبضه، ووقفه كاف.
(أو نكاح أو كتابة) صحيحة؛ لارتفاع الحل، (لا حيض وإحرام) وعدة شبهة وردة، لأنها أسباب عارضة لم تُزل الملك ولا الاستحقاق.
(وكذا رهن) المقبوض (في الأصح) لأنه يملك الوطء بإذن المرتهن، فدل على بقاء الحل، والثاني: يكفي؛ كالكتابة، ولو ملك أمًّا وبنتها، ووطئ إحداهما .. حرمت الأخرى أبدًا، فلو وطئ الأخرى بعد ذلك جاهلًا بالتحريم .. حرمت الأولى أيضًا أبدًا، وإن كان عالمًا .. ففي وجوب الحدِّ قولان؛ إن قلنا: لا .. حرمت الأولى أيضًا أبدًا، وإلا .. فلا.
(ولو ملكها ثم نكح أختها أو عكس) أي: نكح امرأة ثم ملك أختها ( .. حلت المنكوحة دونها) إذ فراش النكاح أقوى؛ للحوق الولد فيه، وإن لم يقر بالوطء.
الجزء: 3 - الصفحة: 87
وَلِلْعَبْدِ امْرَأَتَانِ، وَلِلْحُرِّ أَرْبَعٌ فَقَطْ، فَإِنْ نَكَحَ خَمْسًا مَعًا .. بَطَلْنَ، أَوْ مُرَتِّبًا .. فَالْخَامِسَةُ. وَتَحِلُّ الأُخْتُ وَالْخَامِسَةُ فِي عِدَّةِ بَائِنٍ لَا رَجْعِيَّةٍ
ولو عبر: بمن يحرم الجمع بينهما؛ ليشمل العمة ونحوها .. كان أحسن.
(وللعبد امرأتان) بإجماع الصحابة، كما نقله الحَكَم بن عُيَينة، ولأن النكاح من باب الفضائل، فلم يلحق العبد بالحر؛ كما لم يلحق الحر فيه منصب النبوة في الزيادة على الأربع، والمبعض كالقن؛ كما صرح به أبو حامد في "الرونق"، والمَحاملي في "اللباب" وغيرهما 373.
(وللحر أربع فقط) لقوله صلى الله عليه وسلم لغيلان: "أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِق سَائِرَهُنَّ" صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما 374.
وإذا منع في الدوام .. ففي الابتداء أولى، هذا في غير من يتوقف نكاحه على الحاجة، أما من يتوقف نكاحه عليها؛ كالسفيه والمجنون والحر الناكح للأمة .. فلا يجوز له غير واحدة، وذكر الشيخ عز الدين: أنه كان في شريعة موسى صلى الله عليه وسلم جواز التزويج من غير حصر؛ تغليبًا لمصلحة الرجال، وفي شريعة عيسى صلى الله عليه وسلم لا يجوز أكثر من واحدة، تغليبًا لمصلحة النساء، وراعت شريعتنا مصلحة النوعين 375.
(فإن نكح خمسًا معًا .. بطلن) وكذلك العبد إذا نكح ثلاثًا، لأنه ليس إبطال نكاح واحدة بأولى من الأخرى، فبطل الجميع.
نعم؛ لو كان فيهن من يحرم الجمع بينهما؛ كأختين .. بطل فيهما وصح في الباقي على الأظهر، وقيل: قطعًا، وقياسه: ما لو كان فيهن من لا تحل له؛ كمجوسية أو وثنية البطلان فيها لا في الباقي، ولو نكح سبعًا فيهن أختان .. بطل الجميع.
(أو مرتبًا .. فالخامسة) لأن الزيادة على العدد الشرعي حصلت بها.
(وتحل الأخت والخامسة في عدة بائن) لأنها أجنبية منه، (لا رجعية) لأنها في
الجزء: 3 - الصفحة: 88
وَإِذَا طَلَّقَ الْحُرُّ ثَلَاثًا، وَالْعَبْدُ طَلْقَتَيْنِ .. لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تنكِحَ، وَتَغِيبَ بِقُبُلِهَا حَشَفَتُهُ أَوْ قَدْرُهَا،
حكم الزوجات، وكذا ليس له أن يطأ أختها بملك اليمين.
قاله القفال في "فتاويه"، ولو وطئ امرأة بشبهة .. فله نكاح أربع في عدتها.
(وإذا طلق الحر ثلاثًا، والعبد طلقتين) ولو قبل وطء ( .. لم تحل له حتى تنكح، وتغيب بقبلها حشفته أو قدرها) من فاقدها، ويطلّقها وتنقضي عدتها؛ كما صرح به في "المحرر" 376، أما في الحر .. فلقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ أي: الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: ويطأها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة: "لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوق عُسَيْلَتَكِ" متفق عليه 377، والمراد بالعسيلة: الجماع.
وأما في العبد .. فلأنه استوفى ما يملكه من الطلاق، فأشبه الحر.
وأما الاكتفاء بالحشفة .. فلأن بها تناط الأحكام، وهذا في الثيب، أما البكر .. فقد نقلا عن البغوي وأقراه: اشتراط الافتضاض بآلته، قال في "الكفاية": وحكاه المَحاملي عن "الأم" 378؛ لأن التقاء الختانين لا يحصل إلا بعد الافتضاض، وقال في "المطلب": هذا النص ليس يجري على إطلاقه، بل هو محمول على أن ذلك في الغالب يحصل بتغييب الحشفة.
وأما الاكتفاء بقدرها من مقطوعها .. فلقيامه مقامها.
قال الإمام: والمعتبر: الحشفة التي كانت لهذا العضو المخصوص.
وخرج بقوله: (حتى تنكح): ما لو كانت أمة فوطئها السيد بالملك .. فلا تحل بذلك، وكذا لو اشتراها المطلق .. لا تحل له بالملك، وفيه وجه.
وبقوله: (بقبلها): وطء الدبر فلا يحلل، وهو من زياداته على "المحرر" 379 من غير تمييز.
الجزء: 3 - الصفحة: 89
بِشَرْطِ الانْتِشَارِ، وَصحَّةِ النِّكاحِ، وَكَوْنهِ مِمَّنْ يُمْكِنُ جِمَاعُهُ، لَا طِفْلًا عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِنَّ
وقضية إطلاقه: أنه لو لف على ذكره خرقة وأولج في القبل .. حلل، وهو الصحيح في "الروضة" 380.
(بشرط الانتشار)، ولو قل واستعان بإصبع؛ فإن لم يكن انتشار أصلًا لتعنين أو شلل أو غيرهما .. لم يحلل على الصحيح؛ لعدم ذوق العسيلة، وليس لنا وطء يتوقف تأثيره على الانتشار سوى هذا، وأما غيره .. فيترتب على مجرد الاستدخال من غير انتشار.
(وصحة النكاح) فلا يحلل النكاح الفاسد؛ كما لا يحصل التحصين به، وكذا لا يحلل وطء الشبهة.
(وكونِه ممّن يمكن جماعه) سواء كان حرًّا أو عبدًا، عاقلًا أو مجنونًا، بالغًا أو مراهقًا، مسلمًا أو كافرًا، إذا كانت كافرة ووطئ في وقت لو ترافعوا إلينا .. لقررناهم على ذلك النكاح، قال في "زيادة الروضة": (ولا يشترط في تحليل الذمية للمسلم وطء ذمي، بل المجوسي والوثني يحللانها له أيضًا، كما يحصنانها، صرح به إبراهيم المروذي) 381.
(لا طفلًا) لعدم الغيرة به (على المذهب فيهن) أي: في شرط الانتشار وما بعده، لما ذكرناه.
ووجه الاكتفاء بالنكاح الفاسد: القياس على المهر والنسب وغيرهما، ووجه الاكتفاء في الباقي: حصول صورة الوطء.
وقوله: (لا طفلًا) قد يفهم: أنه لا يشترط في الزوجة شيء بل وطؤها محلل وإن كانت طفلة لا يمكن جماعها، وبه صرح في "أصل الروضة" فقال: إنه يحللها قطعًا 382، وقال الأَذْرَعي: إن المذهب المنصوص في "الأم": أنه لا يحللها؛ كوطء الطفل.
الجزء: 3 - الصفحة: 90
وَلَوْ نَكَحَ بشَرْطِ إِذَا وَطِئَ طَلَّقَ أَوْ بَانَتْ أَوْ فَلَا نِكَاحَ .. بَطَلَ، وَفِي التَّطْلِيقِ قَوْلٌ.
فصلٌ [في نكاح من فيها رق وتوابعه]
لَا يَنْكِحُ مَنْ يَمْلِكُهَا أَوْ بَعْضَهَا، وَلَوْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ أَوْ بَعْضَهَا .. بَطَلَ نِكَاحُهُ. وَلَا تنكِحُ مَنْ تَمْلِكُهُ أَوْ بَعْضَهُ
(ولو نكح بشرط إذا وطئ طلّق، أو بانت أو فلا نكاح .. بطل) أما في الأولى .. فلأنه شرط لمنع دوام النكاح، فأشبه التأقيت، وأما في الباقي .. فلأنه ضرب من نكاح المتعة، وعليه حمل لعن المحلل والمحلل له.
(وفي التطليق قولٌ) أنه يصح، ويبطل الشرط، ويجب مهر المثل، لأنه شرط فاسد قارن العقد، فلا يبطل به؛ كما لو نكحها بشرط ألّا يتزوج عليها أو لا يسافر بها، فإذا وطئ .. حصل التحليل، وعلى الأوّل: إذا وطئ .. ففي تحليلها القولان في الوطء في النكاح الفاسد، ولو لم يجر شرط ولكن في عزمه أن يطلقها إذا وطئها .. كره وصح العقد، خلافًا لمالك وأحمد.
(فصل: لا ينكح من يملكها) ولو مستولدة ومكاتبة (أو بعضها) لتناقض أحكام الملك والنكاح؛ إذ الملك لا يوجب القسم، ولا يقتضي الطلاق ونحوه، وعند التناقض يثبت الأقوى ويسقط الأضعف، وملك اليمين أقوى؛ لأنه يملك به الرقبة والمنفعة، والنكاح لا يُملك به إلا ضرب من المنفعة.
(ولو ملك زوجته أو بعضها .. بطل نكاحه) وبقي ملك اليمين؛ لقوَّته.
(ولا تنكح من تملكه أو بعضه) 383 لتضاد الأحكام؛ لأنها تطالبه بالسفر إلى الشرق؛ لأنه ملكها، وهو يطالبها بالسفر معه إلى الغرب؛ لأنها زوجته، فلو ملكت زوجها أو
الجزء: 3 - الصفحة: 91
وَلَا الْحُرُّ أَمَةَ غَيْرِهِ إِلَّا بِشُرُوطٍ: أَلَّا تَكُونَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ تَصْلُحُ لِلاسْتِمْتَاعِ، قِيلَ: وَلَا غَيْرُ صَالِحَةٍ
بعضه .. انفسخ النكاح إذا تم البيع؛ فإن فسخ في زمن الخيار .. فالنكاح بحاله إلا إذا قلنا: إن الملك للمشتري .. ففيه خلاف، وظاهر النص على مقتضى كلام الماوردي: عدم الانفساخ، ومقتضى كلام الإمام والغزالي: أن المشهور: خلافه 384.
(ولا الحر أمة غيره إلا بشروط: ألا تكون تحته حرة تصلح للاستمتاع) ولو كتابية على الصحيح؛ لأنه إذا كان تحته حرة تصلح للاستمتاع .. لا يخشى العنت، ولأن وجودها أعظم من استطاعة طولها، واستطاعة الطول وعدم خشية العنت مانعان من نكاح الأمة بالآية الكريمة، وقد روى البيهقي عن الحسن مرسلًا: أنه صلى الله عليه وسلم: نهى أن تنكح الأمة على الحرة، ولهذا المرسل ما يؤكده 385.
والتقييد بـ (المؤمنة) في الآية خرج مخرج الغالب؛ فإن الغالب أن المسلم إنما يرغب في المؤمنات.
وكان ينبغي أن يقول: (منكوحة) بدل (حرة) فإن الحرة والرقيقة في ذلك سواء.
واحترز بـ (الحر): عن العبد، فله نكاح الأمة، لقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ فإنه خطاب للأحرار، كما قاله الشافعي 386، ولأن إرقاق ولده ليس عيبًا عليه.
(قيل: ولا غيرُ صالحة) للاستمتاع بها؛ كعيب يثبت الخيار، أو صغر أو هرم، ونحوها؛ لعموم النهي عن أن تنكح الأمة على الحرة؛ ولأنه يمكنه الجماع فيما دون الفرج، وبه تندفع الشهوة، فيأمن العنت، وكلام "المحرر" يقتضي ترجيحه؛ فإنه قال: (والأحوط: المنع)، وخالفه المصنف، فصحح الجواز من غير تمييز، قال
الجزء: 3 - الصفحة: 92
وَأَنْ يَعْجَزَ عَنْ حُرَّةٍ تَصْلُحُ، قِيلَ: أَوْ لَا تَصْلُحُ، فَلَوْ قَدَرَ عَلَى غَائِبَةٍ .. حَلَّتْ أَمَةٌ إِنْ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي قَصْدِهَا، أَوْ خَافَ زِنًا مُدَّتهُ،
في "المهمات"، وهو عجيب، ولم يصرحا في "الشرحين"، و"الروضة" بترجيح.
انتهى 387.
ونسب ابن يونس في "شرح التعجيز" الجواز لاختيار الجمهور، قال السبكي: ولا شك أن المعنى يعضده؛ لأن وجود من لا تصلح للاستمتاع كعدمها.
(وأن يعجز عن حرّة) إما لفقدها، أو لفقد صداقها، أو لم ترض إلا بزيادة على مهر مثلها على الأصح في "زيادة الروضة" 388، أو لم ترض بنكاحه لقصور نسبه ونحوه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية.
و(الطول): السعة والفضل؛ كما فسره ابن عباس 389.
ولا يمنع ماله الغائب نكاح الأمة؛ كما لا يمنع ابن السبيل الزكاة.
(تصلح، قيل: أو لا تصلح) أحال في "المحرر" الخلاف هنا على الخلاف السابق، وقد علمت ما فيه، لكن الأصحّ في "الروضة" و"الشرح الصغير" هنا: اشتراط صلاحيتها؛ كما أفهمه كلام الكتاب، وأفهمه إيراد "الكبير" أيضًا؛ لأنه لم يحصل منها ما هو المقصود الأصلي 390.
(فلو قدر على غائبة .. حلّت أمةٌ إن لحقه مشقة ظاهرة في قصدها، أو خاف زنًا مدَّته) أي: مدة قصدها، وإلا .. فلا يحل، ويجب عليه السفر لها، هذا إذا كانت الحرة تنتقل معه إلى بلده؛ فإن لم تسمح إلا بأن يقيم ببلدها .. فهي كالعدم فيما يظهر؛ لأن في تكليفه التغريب أعظم مشقة.
وضبط الإمام المشقة: بأن ينسب متحملها في طلب زوجة إلى الإسراف ومجاوزة الحد 391.
الجزء: 3 - الصفحة: 93
وَلَوْ وَجَدَ حُرَّةً بِمُؤَجَّلٍ أَوْ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ .. فَالأَصَحُّ: حِلُّ أَمَةٍ فِي الأَولَى دُونَ الثَّانِيَةِ. وَأَنْ يَخَافَ زِنًا، فَلَوْ أَمْكَنَهُ تَسَرٍّ .. فَلَا خَوْفَ فِي الأَصَحِّ. وَإِسْلَامُهَا،
(ولو وجد حرة بمؤجل) أو من يبيعه بنسيئة ما يفي بصداقها، أو وجد من يستأجره بأجرة معجلة، (أو بدون مهر مثل) وهو يجده (فالأصح: حلُّ أمةٍ في الأولى) لما فيه من شغل الذمة في الحال، وقد لا يظفر بما يتوقعه، والثاني: لا؛ للقدرة على نكاح حرة، وقيّدا في "الشرح" و"الروضة" الخلاف بمن يتوقع القدرة على الوفاء عند المحل، وقضيته: أنه إن لم يتوقعه .. يحل له قطعًا 392، وإطلاق الكتاب يقتضي جريان الخلاف فيه.
(دون الثانية) لقدرته على نكاح حرة، ولا عبرة بالمنة؛ إذ العادة المسامحة في المهور، والثاني: تحل؛ لما فيه من المنة، ولو رضيت بلا مهر .. حلّت أيضًا على الأصحِّ، ولو أُقرض مهر الحرة .. لم يجب القبول على المذهب؛ لاحتمال المطالبة في الحال، ولو وهب له مال أو جارية .. لم يلزمه القبول، وحلّت الأمة.
(وأن يخاف زنًا) لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ , والمراد به: الزنا، وأصل (العنت): المشقة الشديدة، وهذا الشرط يقتضي: أن المجبوب لا تحل له الأمة مطلقًا؛ إذ لا يمكنه زنًا، وهو الجواب في "الإبانة" و"العمد" و"النهاية" و"التتمة" و"البيان"، لكن في "تجربة الروياني": الجواز عند خوف الوقوع في الفعل المأثوم، وقال الشيخ عز الدين: ينبغي جوازه للممسوح مطلقًا وإن لم يخف إثمًا؛ لانتفاء محذور رق الولد؛ لأنه لا يلحقه 393، وفي "فتاوى القاضي الحسين": أنه ليس للعنين نكاح الأمة 394.
(فلو أمكنه تسرٍّ .. فلا خوف في الأصح) لأمنه العنت مع وجودها، فلا ضرورة به إلى إرقاق ولده، والثاني: نعم؛ لأنها دون الحرة، ولهذا لا تستحق القسم.
(وإسلامها) فلا يحل له نكاح الأمة الكتابية، لقوله تعالى: {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ
الجزء: 3 - الصفحة: 94
وَتَحِلُّ لِحُرٍّ وَعَبْدٍ كِتَابِيَّيْنِ أَمَةٌ كِتَابِيّةٌ عَلَى الصَّحِيح، لَا لِعَبْدٍ مُسْلِمٍ فِي الْمَشْهُورِ. وَمَنْ بَعْضُهَا رَقِيقٌ كَرَقِيقَةٍ. وَلوْ نَكَحَ حُرٌّ أَمَةً بِشَرْطِهِ ثُمَّ أَيْسَرَ، أَوْ نَكَحَ حُرَّةً .. لَمْ تنفَسِخِ الأَمَةُ. وَلَوْ جَمَعَ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ أَمَةٌ حُرَّةٌ وَأَمَةً بِعَقْدٍ .. بَطَلَتِ الأَمَةُ، لَا الْحُرَّةُ فِي الأَظْهَرِ
الْمُؤْمِنَاتِ} , ولاجتماع نقصين: الكفر والرق، وكل منهما له مدخل في منع النكاح، ولا يشترط كونها لمسلم في الأصحِّ.
(وتحل لحرٍّ وعبد كتابيين أمةٌ كتابيةٌ على الصحيح) لتكافئهما في الدين، والثاني: المنع؛ كما لا ينكحها الحر المسلم، ومجوسي في أمة مجوسية، ووثني في أمة وثنية .. كذلك.
فإن قيل: أنكحة الكفار صحيحة، فما صورة منع نكاح الحر الكتابي الأمة الكتابية؟
قيل: إذا طلبوا من قاضينا تزويجها منه، قاله في "شرح التعجيز".
(لا لعبد مسلم في المشهور) لأن مدرك المنع فيها كفرها، فاستوى فيه الحرُّ والعبد؛ كالمرتدة والمجوسية، والثاني: له نكاحها؛ لتساويهما في الرق، وإنما تفاوتا في الدين، وهو لا يمنع النكاح؛ بدليل نكاح الحر المسلم الحرة الكتابية.
(ومن بعضها رقيق كرقيقة) فلا ينكحها الحرّ إلا بالشروط السابقة؛ لأن إرقاق بعض الولد محذور أيضًا.
وإطلاقه يفهم: أنه لو قدر على مبعضة صالحة .. حلت فيه، وفيه تردد للإمام هما وجهان في "البحر": أحدهما: لا يجوز 395، إذ إرقاق بعض الولد أهون من إرقاق كله لا سيما إذا قلّ الجزء، ورجحه بعضهم؛ لأن تخفيف الرق مطلوب.
(ولو نكح حرٌّ أمة بشرطه ثم أيسر، أو نكح حرة .. لم تنفسخ الأمة) لقوة الدوام؛ ولهذا الإحرام والعدة والردة تمنع ابتداء النكاح دون دوامه.
(ولو جمع من لا تحل له أمةٌ حرةً وأمةً بعقد .. بطلت الأمة) لأن شرط نكاحها فقد الحرة، (لا الحرة في الأظهر) هما قولا تفريق الصفقة، وقيل: لا يبطل نكاح الحرة قطعًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 95
فصلٌ [في حل نكاح الكافرة وتوابعه]
يَحْرُمُ نِكَاحُ مَنْ لَا كِتَابَ لَهَا كَوَثنَيَّةٍ وَمَجُوسِيَّةٍ. وَتَحِلُّ كِتَابِيَّةٌ، لكِنْ تكرَهُ حَرْبِيَّةٌ،
وأشار بقوله: (بعقد) إلى التصوير بقوله: (زوجتك بنتي وأمتي بكذا)، فيقول: (قبلت نكاحهما)، فلو قال: (زوجتك بنتي بألف وزوجتك أمتي بمئة)، فقبل البنت ثم الأمة، أو قبل البنت فقط .. صح نكاحها قطعًا، ولو قدمت الأمة في تفصيلهما إيجابًا وقبولًا .. صحتا حيث جازت الأمة؛ لقبول الحرة بعد صحة نكاح الأمة، ولو فصل الإيجاب فجمع القبول أو عكسه .. فكتفصيلهما، وقيل: كجمعهما، ولو تزوج أمتين في عقد .. بطل نكاحهما قطعًا؛ كالأختين.
(فصل: يحرم نكاح من لا كتاب لها؛ كوثنية ومجوسية) لقوله تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ , واستثنى أهل الكتاب؛ لأنهم مقرون بالجزية، فبقي ما سواهم على الأصل، ولقوله صلى الله عليه وسلم في المجوس: "سَنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ، وَلَا نَاكِحِي نِسَائِهِمْ" رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في "مصنفيهما" مرسلًا، قال البيهقي: ويؤكده إجماع الجمهور 396.
وظاهر كلام المصنف: أن المجوس لا كتاب لهم، والمرجح في "الروضة" و"أصلها": أنه كان لهم كتاب، لكن بدلوه فأصبحوا وقد أسري به 397، فيحمل كلام المصنف على أنه لا كتاب لهم الآن.
(وتحل كتابية) لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
(لكن تكره حربية) لما في الميل إليها من خوف الفتنة، وقد تسترق وهي حامل منه، فلا تصدق في أنها حامل من مسلم أو لا تقر به، وكذا يكره نكاح المسلمة في دار الحرب، نص عليه في "الأم"؛ خوفًا من استرقاق ولده 398.
الجزء: 3 - الصفحة: 96
وَكَذَا ذِمِّيَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالْكِتَابِيَّةُ: يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ، لَا مُتَمَسِّكَةٌ بِالزَّبُورِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْكِتَابِيَّةُ إِسْرَائِيلِيَّةً .. فَالأَظْهَرُ: حِلُّهَا إِنْ عُلِمَ دُخُولُ قَوْمِهَا فِي ذَلِكَ الدِّينِ قَبْلَ نَسْخِهِ وَتَحْرِيفِهِ، وَقِيلَ: يَكْفِي قَبْلَ نَسْخِهِ
(وكذا ذمية على الصحيح) لئلا تفتنه أو ولده، والثاني: لا يكره؛ لأن الاستفراش إهانة، والكافرة جديرة بذلك، قال الجويني: لكن الأولى: ألا يفعله 399.
(والكتابية: يهودية أو نصرانية) لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
(لا متمسكة بالزبور وغيره) كصحف شيث وإدريس وإبراهيم عليهم السلام وإن قلنا: إنهم يقرون بالجزية؛ كما هو الأصحُّ، واختلف في سبب ذلك، فقيل: لأنها لم تنزل عليهم بنظم تدرس وتتلى، وإنما أوحي إليهم معانيها، وقيل: لأنها حكم ومواعظ، ولم تتضمن أحكامًا وشرائع.
(فإن لم تكن الكتابية إسرائيلية) أي: لم تكن من بني إسرائيل، وهو يعقوب صلى الله عليه وسلم، ومعناه: عبد الله، ( .. فالأظهر: حلها إن علم دخول قومها في ذلك الدين قبل نسخه وتحريفه) اكتفاء بتمسكهم بذلك الدين حين كان حقًّا، ومنهم: من قطع بهذا؛ كما يقرون بالجزية قطعًا، والثاني: المنع؛ لفقد النسب، والخلاف مبني على أن الإسرائيليات ينكحن لفضيلتي الدين والنسب جميعًا، أو لفضيلة الدين وحدها، قال السبكي: والأظهر: الثاني.
(وقيل: يكفي قبل نسخه) وبعد تحريفه؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم تزوجوا منهم ولم يبحثوا، والأصحُّ: المنع؛ لبطلان الفضيلة بالتحريف، والخلاف حيث دخلوا في المحرف، فأما إذا تمسكوا بغير المحرف .. فكما قبل التحريف.
واحترز بقوله: (فإن لم تكن الكتابية إسرائيلية): عما إذا كانت إسرائيلية؛ فإنه يجوز نكاحها مطلقًا؛ لشرف النسب، وهذا فيمن دخل قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم، أما الداخلون بعد بعثته صلى الله عليه وسلم .. فلا تفارق فيه الإسرائيلية
الجزء: 3 - الصفحة: 97
وَالْكِتَابِيَّةُ الْمَنْكُوحَةُ كَمُسْلِمَةٍ فِي نَفَقَةٍ وَقَسْمٍ وَطَلَاقٍ، وَتُجْبَرُ عَلَى غُسْلِ حَيْضٍ وَنفَاسٍ، وَكَذَا جَنَابَةٌ وَتَرْكُ أَكْلِ خِنْزِيرٍ فِي الأَظْهَرِ،
غيرها؛ كما في "الروضة" و"أصلها" أي: فلا تحل مناكحتهم 400.
وقضية كلامه: التحريم إذا شككنا في غير الإسرائيلية هل دخل الآباء قبل التحريف أو بعده وهو كذلك، وكذلك تحرم ذبائحهم لكن يقرون بالجزية.
وقال السبكي: ينبغي الحل فيمن علم أصل دخولهم، وجهل وقته، وإلا .. فما من كتابي اليوم لا يعلم أنه إسرائيلي إلا ويحتمل فيه ذلك، فيؤدي إلى ألا تحل ذبائح أحد منهم اليوم ولا مناكحتهم، بل ولا في زمن الصحابة، كبني قريظة والنضير وقينقاع، قال: وطلب مني بالشام منعهم من الذبائح فأبيت؛ لأن تحريم ما أحل الله صعب، ويدهم على ذبيحتهم دليل شرعي، فالحكم بخلافه مخالف لدلالة اليد الشرعية، وهو في الذبيحة أشد منه في المناكحة؛ لما أشرنا إليه من اليد، قال: ومنعهم قبلي محتسب بفتوى بعضهم، ولا بأس بالمنع إن رآه مصلحة، وأما الفتوى به .. فجهل.
(والكتابية المنكوحة كمسلمة في نفقة وقَسْم وطلاق) وعامة أحكام النكاح؛ لاشتراكهما في الزوجية المقتضية لذلك إلا التوارث والحد بقذفها.
(وتجبر على غسل حيض ونفاس) إذا طهرت؛ لتوقف حل الوطء عليه، فإن لم تفعل .. غسلها الزوج، واستفاد الحل وإن لم تنو للضرورة، وقيل: ينوي عنها، ولا يختص هذا بالكتابية بل المسلمة كذلك، ولا يختص بالزوجة أيضًا، بل الأمة كذلك 401.
(وكذا جنابة وترك أكل خنزير) ونحوهما مما يتوقف كمال الاستمتاع على زواله (في الأظهر) كما يجبرها على إزالة النجاسة، والثاني: لا إجبار؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع.
الجزء: 3 - الصفحة: 98
وَتُجْبَرُ هِيَ وَمُسْلِمَةٌ عَلَى غَسْلِ مَا نَجُسَ مِنْ أَعْضَائِهَا. وَتَحْرُمُ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ وَثنَيٍّ وَكِتَابِيَّةٍ،
وظاهر تخصيصه الخلاف في غسل الجنابة بالذمية: أن له إجبار المسلمة عليه قطعًا، وجرى عليه الرافعي تبعًا للبغوي، وقال في "الروضة": وليس هو على إطلاقه، بل هو فيما إذا طال بحيث حضر وقت صلاة، فأما إذا لم تحضر صلاة .. ففي إجبارها القولان، وأظهرهما: الإجبار 402.
ومحل ما ذكره في الخنزير: إذا كانت تعتقد حله؛ كالنصرانية، فإن كانت ترى تحريمه؛ كاليهودية .. منعها منه قطعًا؛ كالمسلمة، كذا جزم به الماوردي والروياني وغيرهما 403، وصوّبه الأَذْرَعي وقال: إنه قضية كلام الأصحاب، وتعليلهم المنع باعتقادها الإباحة.
(وتجبر هي ومسلمة على غسل ما نجس من أعضائها) قطعًا؛ ليتمكن من الاستمتاع بها، ويجبرها أيضًا على التنظيف بالاستحداد، وقلم الأظفار، وإزالة شعر الإبط، والأوساخ إذا تفاحش شيء من ذلك بحيث ينفّر، فإن كان لا يمنع أصل الاستمتاع لكن يمنع كماله .. فقولان كما في غسل الجنابة.
وله منعها من أكل ما يتأذى برائحته؛ كالثوم والكراث على الأظهر، وقيل: قطعًا، ومن لبس جلود الميتة قبل الدباغ، ولبس ما له رائحة كريهة.
وله منع الكتابية من شرب ما يسكر، وفي القدر الذي لا يسكر قولان، وفي وجه: ليس له منعها من شرب القدر الذي يرونه عبادة في أعيادهم، وله منعها من الزيادة عليه وإن لم يسكر، ويجري القولان في منع المسلمة من القدر الذي لا يسكر من النبيذ إذا كانت تعتقد إباحته، وقيل: يمنعها قطعًا؛ لأن ذلك القدر لا ينضبط، ويختلف باختلاف الأشخاص، وله منعها أيضًا من البِيَع والكنائس؛ كما يمنع المسلمة من الجماعات والمساجد.
(وتحرم متولِّدة من وثني وكتابية) لأن الانتساب إلى الأب، وهو لا تحل مناكحته، وكذا بين مجوسي وكتابية.
الجزء: 3 - الصفحة: 99
وَكَذَا عَكْسُهُ فِي الأَظْهَرِ. وَإِنْ خَالَفَتِ السَّامِرَةُ الْيَهُودَ، وَالصَّابِئُونَ النَّصَارَى فِي أَصلِ دِينِهِمْ .. حَرُمْنَ، وَإِلَّا .. فَلَا
(وكذا عكسه في الأظهر) تغليبًا للتحريم، والثاني: تحل؛ لأن الولد ينتسب إلى أبيه، والأب كتابي.
هذا في صغر المتولد منهما، فأما إذا بلغ وتدين بدين الكتابي منهما .. فقال الشافعي: تحل مناكحته وذبيحته، فمنهم من أثبت هذا قولًا، ومنهم من قال: لا أثر لبلوغه، وحمل النص على ما إذا كان أحد أبويه يهوديًّا والآخر نصرانيًّا، فبلغ واختار دين أحدهما، ولم يرجحا شيئًا هنا، لكن رجح الرافعي في أول كتاب (الصيد) عدم الحل، وحذف المسألة من "الروضة" هناك، فلزم خلو "الروضة" عن هذا الترجيح، وقال في "الكفاية" هنا: المذهب: أنها لا تحل؛ كالمجوسية تدين اليهودية بعد البلوغ 404.
(وإن خالفت السامرة اليهود، والصابئون النصارى في أصل دينهم) ولا يبالون بنص كتابهم ( .. حَرُمن) كالمجوس، (وإلا .. فلا) أي: وإن لم يخالفوهم في ذلك وخالفوهم في الفروع .. فلا يحرمن؛ لأنهم مبتدعة؛ كما في أهل القبلة من الصنفين.
هذا هو المنصوص 405، وأطلق بعضهم حكاية قولين في مناكحتهم، قال الإمام: ولا مجال للخلاف فيمن يكفرهم اليهود والنصارى، ويخرجونهم عنهم لكن يمكن الخلاف فيمن جعلوه كالمبتدع فينا 406.
ولو شككنا هل يخالفونهم في الأصول أو في الفروع .. لم يناكحوا، كذا جزما به 407، وقال البُلْقيني: ظاهر كلام الشافعي في "المختصر": الحل؛ حيث قال:
الجزء: 3 - الصفحة: 100
وَلَوْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ .. لَمْ يُقَرَّ فِي الأَظْهَرِ -فَإِنْ كَانَتِ أمْرَأَةً .. لَمْ تَحِلَّ لِمُسْلِمٍ، فَإنْ كَانَتْ مَنْكُوحَةً .. فَكَرِدَّةِ مُسْلِمَةٍ- وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الإِسْلَامُ، وَفِي قَوْلٍ: أَوْ دِينُهُ الأَوَلُ،
والصابئون والسامرة من اليهود والنصارى إلا أن يعلم أنهم يخالفونهم في أصل ما يحلون من الكتاب ويحرمون فيحرمون كالمجوس 408. انتهى.
واعلم: أن الصابئة -على ما قيل- قسمان: قسم من النصارى؛ لأنهم صبؤوا إلى معتقدهم، وهم المرادون هنا، والثاني: وهو المشهور بهذا الاسم، يعبدون الكواكب، كانوا في زمن إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وهم بعيدون من النصارى جدًّا، وهم الذين أفتى الإصطخري بقتلهم.
(ولو تهود نصراني أو عكسه) أي: تنصّر يهودي ( .. لم يقر في الأظهر) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ولأنه أحدث دينًا باطلًا بعد اعترافه ببطلانه، وهذا ما رجحه المصنف في كتبه 409.
والثاني: يقر؛ لتساويهما في التقرير بالجزية، وكلام الرافعي يفهم ترجيحه، بل صرح بترجيحه في "الشرح الصغير"، وبناهما المتولي وغيره على أن الكفر ملة واحدة أو ملل، ورده الرافعي 410، وقال ابن الرفعة: منع الشافعي في كتاب (الجزية) من "الأم" الانتقال مع تصريحه بأن الكفر ملة واحدة، وهو يضعف البناء.
(فإن كانت امرأة .. لم تحل لمسلم) بناءً على أنها لا تقر؛ كالمسلمة ترتد.
(فإن كانت منكوحة) لمسلم ( .. فكردة مسلمة) فتتخير الفرقة قبل الدخول، ويتوقف على انقضاء العدة بعده.
(ولا يقبل منه إلا الإسلام) للآية المتقدمة، ولأنه أقر ببطلان المنتقل عنه، وكان مقرًّا ببطلان ما انتقل إليه، (وفي قول: أو دينه الأول) لأنه كان مقرًّا عليه، ومعنى
الجزء: 3 - الصفحة: 101
وَلَوْ تَوَثَّنَ .. لَمْ يُقَرَّ، وَفِيمَا يُقْبَلُ الْقَوْلَانِ. وَلَوْ تَهَوَّدَ وَثنِيٌّ أَوْ تنَصَّرَ .. لَمْ يُقَرَّ، وَيَتَعَيَّنُ الإِسْلَامُ كَمُسْلِمٍ ارْتَدَّ. وَلَا تَحِلُّ مُرْتَدَّةٌ لِأحَدٍ، وَلَوِ ارْتَدَّ زَوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ دُخُولٍ .. تنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ، أَوْ بَعْدَهُ .. وُقِفَتْ؛ فَإِنْ جَمَعَهُمَا الإِسْلَامُ فِي الْعِدَّةِ .. دَامَ النِّكاحُ، وَإِلَّا .. فَالْفُرْقَةُ مِنَ الرِّدَّةِ، وَيَحْرُمُ الْوَطْءُ فِي التَّوَقُّفِ وَلَا حَدَّ.
هذا القول: أنا نأمره بالإسلام عينًا، فإن لم يسلم وعاد إلى الأول .. ترك؛ إذ الباطل لا يؤمر به، فإن امتنع مما يُقْبَلُ منه .. بلغ مأمنه على الأشبه عند الشيخين، ونص عليه في "الأم"، وقيل: يقبل في الحال، وصححه جمع، وقواه السبكي وغيره.
(ولو توثن) يهودي أو نصراني ( .. لم يقر) لأن أهله لا يقرون عليه، (وفيما يُقْبَلُ القولان) المذكوران (ولو تهود وثني أو تنصّر .. لم يقر) لأنه كان لا يقر، فلا يستفيد فضيلة لم تكن بدين باطل.
(ويتعين الإسلام كمسلم ارتد) فإن امتنع من الإسلام .. قتل، قال الأَذْرَعي: والوجه: أن يكون حاله كما قبل الانتقال، حتى لو كان له أمان .. لم يتغير حكمه بذلك.
(ولا تحل مرتدة لأحد) لا لمسلم؛ لأنها كافرة لا تقرّ، ولا لكافر؛ لبقاء علقة الإسلام فيها، ولا لمرتد؛ لأن القصد من النكاح الدوام.
وأورد على هذه العلة: من تحتم قتله في المحاربة؛ فإنه يصح نكاحه.
(ولو ارتد زوجان) معًا أو على التعاقب (أو أحدهما قبل دخولٍ) حيث لا عدة باستدخال ماء أو غيره ( .. تنجزت الفرقة) لعدم تأكده.
(أو بعده .. وقفت؛ فإن جمعهما الإسلام في العدة .. دام النكاح، وإلا .. فالفرقة من الردة) لأنه اختلاف دين طرأ بعد المسيس، فلا يوجب الفسخ في الحال؛ كإسلام أحد الزوجين الكافرين، ولو طلقها في مدة التوقف أو ظاهر منها أو آلى .. توقفنا؛ فإن جمعهما الإسلام قبل انقضاء العدة .. تبينَّا صحته، وإلا .. فلا.
(ويحرم الوطء في التوقف) لتزلزل ملك النكاح (ولا حدّ) للشبهة، وهي بقاء
الجزء: 3 - الصفحة: 102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحكام النكاح، ولكن يعزر وتجب العدة، وهما عدتان من شخص، فهو كوطء مطلقته في عدته، واجتماعها في الإسلام هنا كرجعته هناك، فيستمر النكاح إذا جمعهما الإسلام في الحالات التي يحكم فيها بثبوت الرجعة هناك.
الجزء: 3 - الصفحة: 103
بابُ نكاح المشرك أَسْلَمَ كِتَابِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ وَتَحْتَهُ كِتَابِيَّةٌ .. دَامَ نِكَاحُهُ، أَوْ وَثنَيَّةٌ أَوْ مَجُوسِيَّةٌ فَتَخَلَّفَتْ قَبْلَ دُخُولٍ .. تنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ، أَوْ بَعْدَهُ وَأَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ .. دَامَ نِكَاحُهُ، وَإِلَّا .. فَالْفُرْقَةُ مِنْ إِسْلَامِهِ. وَلَوْ أَسْلَمَتْ وَأَصَرَّ .. فَكَعَكْسِهِ. وَلَوْ أَسْلَمَا مَعًا .. دَامَ النِّكاحُ،
﴿باب نكاح المشرك﴾
وهو الكافر على أيِّ ملةٍ كان.
(أسلم كتابي أو غيره) كمجوسي ووثني ولو تبعًا لأحد أبويه (وتحته كتابية) يحل ابتداء نكاحها لمسلم ( .. دام نكاحه) إذ له الآن أن ينكحها، فدوامه أولى.
(أو وثنية أو مجوسية) أو غيرهما ممن لا يحل لمسلم نكاحها من الكافرات (فتخلَّفت قبل دخولٍ) واستدخال ماء ( .. تنجّزت الفرقة) لأن النكاح غير متأكد؛ بدليل أنه يرتفع بالطلقة الواحدة، (أو بعده وأسلمت في العدة .. دام نكاحه) بالإجماع إلا من شذ.
(وإلا) أي: وإن أصرت حتى انقضت العدة ( .. فالفرقة من إسلامه) بالإجماع؛ كما أشار إليه في "الأم" وهي فرقة فسخ لا طلاق 411.
(ولو أسلمت) المرأة (وأصرّ) الزوج على كفره ( .. فكعكسه) أي: يكون كما لو أسلم هو وأصرت هي، ولا فرق هنا بين الكتابي وغيره؛ ولهذا لم يقيده، بخلاف الزوجة.
(ولو أسلما معًا .. دام النكاح) بالإجماع؛ كما نقله ابن عبد البر 412.
ولو نكح كافر لابنه الصغير صغيرة .. فإسلام الأبوين أو أحدهما قبل بلوغهما كإسلام الزوجين أو أحدهما.
ولو نكح لطفله بالغة وأسلم أبو الطفل والمرأة معًا .. قال البغوي: يبطل النكاح؛ لأن إسلام الولد يحصل عقب إسلام الأب، فيقدم إسلامها على إسلام الزوج، قال
الجزء: 3 - الصفحة: 104
وَالْمَعِيَّةُ بِآخِرِ اللَّفْظِ. وَحَيْثُ أَدَمْنَا .. لَا تَضُرُّ مُقَارَنَةُ الْعَقْدِ لِمُفْسِدٍ هُوَ زَائِلٌ عِنْدَ الإِسْلَامِ وَكَانَتْ بِحَيْثُ تَحِلُّ لَهُ الآنَ. وَإِنْ بَقِيَ الْمُفْسِدُ .. فَلَا نِكَاحَ؛ فَيُقَرُّ عَلَى نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ وَشُهُودٍ، وَفِي عِدَّةٍ هِيَ مُنْقَضِيَة عِنْدَ الإِسْلَامِ،
الرافعي: لكن ترتُّب إسلام الولد على إسلام الأب لا يقتضي تقدمًا ولا تأخرًا بالزمان، فلا يظهر تقدم إسلامها على إسلام الزوج، قال السبكي: وهذا مبني على ما صححوه من كون العلة الشرعية مع المعلول، والمختار عندي: تقدمها، فيتجه قول البغوي.
انتهى.
وإن أسلمت عقب إسلام الأب .. بطل النكاح أيضًا؛ لأن إسلام الولد يحصل حكمًا، وإسلامهما يحصل بالقول، والحكمي يسبق القولي، فلا تتحقق المعية 413.
(والمعيّة بآخر اللفظ) لا بأوله؛ إذ به يحصل الإسلام (وحيث أدمنا .. لا تضر مقارنة العقد) الواقع في الكفر (لمفسد هو زائل عند الإسلام وكانت بحيث تحل له الآن) تنزيلًا لحال الإسلام حال ابتداء العقد، هذا إذا لم يعتقدوا فساد المقارن للعقد، فإن اعتقدوا فساده وانقطاعه .. فلا تقرير، بل يرتفع النكاح في "الروضة" و"أصلها" 414.
وإنما حكمنا بالاستمرار مع اقتران المفسد بالعقد على سبيل الرخصة والتخفيف، وقد أقرّ صلى الله عليه وسلم من أسلم من غير بحث وأمر 415.
(وإن بقي المفسد) الذي قارن العقد في الكفر إلى وقت الإسلام كنكاح محرم أو مطلقته ثلاثًا قبل تحليل أو ملاعنة ( .. فلا نكاح) لأنه لا يجوز ابتداؤه في الإسلام (فيُقَرُّ على نكاح بلا ولي وشهود) إذ لا مفسد عند الإسلام، ونكاحها الآن جائز، وكذا إذا أجبر البكر غير الأب والجد، أو أجبرت الثيب، أو راجع في القرء الرابع وهم يعتقدون امتداد الرجعة إليه.
(وفي عدة) ولو بشبهة (هي منقضية عند الإسلام) لأنها إذا كانت منقضية .. جاز
الجزء: 3 - الصفحة: 105
وَمُؤَقَّتٍ إِنِ اعْتَقَدُوهُ مُؤَبَّدًا، وَكَذَا لَوْ قَارَنَ الإِسْلَامَ عِدَّةُ شُبْهَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا نِكَاحُ مَحْرَمٍ. وَلَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ وَهُوَ مُحْرِمٌ .. أُقِرَّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ نَكَحَ حُرَّةً وَأَمَةً وَأَسْلَمُوا .. تَعَيَّنَتِ الْحُرَّةُ،
ابتداء نكاحها، فجاز التقرير، بخلاف ما إذا كانت باقية.
(ومؤقت إن اعتقدوه مؤبدًا) فإن اعتقدوه مؤقتًا .. فلا، صرّح به في "المحرر" 416، سواء أسلما بعد تمام المدة أو قبلها؛ لأن بعد المدة لا نكاح في اعتقادهم، وقبلها يعتقدونه مؤقتًا، ومثله لا يجوز ابتداؤه.
(وكذا لو قارن الإسلامَ عدّةُ شبهة على المذهب) وإن كان لا يجوز ابتداء نكاح المعتدة؛ لأن عدة الشبهة لا تقطع نكاح المسلم، فهنا أولى؛ لأنا نحتمل في أنكحة الكفار ما لا نحتمله في أنكحة المسلمين.
وتعبيره بـ (المذهب): هو ما عبر به في "الروضة"، وهو يقتضى نقل طريقين، والذي في "الرافعي": إنما هو نصٌّ مقابلُه وجه، وعبارته: المشهور: الاستمرار، وقيل: يندفع 417.
(لا نكاح مَحْرم) كبنته وأمه وزوجة أبيه أو ابنه .. فإنه لا يقر عليه؛ لأنه لا يجوز ابتداؤه، فاندفع عند الإسلام، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع 418، وكذا لو نكح مطلقته ثلاثًا قبل التحليل.
(ولو أسلم ثم أحرم ثم أسلمت) في العدة (وهو مُحْرِم .. أُقرّ على المذهب) لأن طروّ، الإحرام لا يؤثر في نكاح المسلم، فههنا أولى، وفي قول: لا يقر؛ إلحاقًا للدوام بالابتداء، والطريق الثاني: القطع بهذا؛ كما لو أسلم وتحته أمة وهو موسر لا يجوز إمساكها.
(ولو نكح حرة وأمة) معًا أو مرتبًا (وأسلموا) أي: الزوج والحرة والأمة ( .. تعيَّنت الحرة) إذا كانت صالحة للاستمتاع، والزوج ممن لا يحل له نكاح الأمة
الجزء: 3 - الصفحة: 106
وَانْدَفَعَتِ الأَمَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَنكَاحُ الْكُفَّار صَحِيحٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: فَاسِدٌ، وَقِيلَ: إِنْ أَسْلَمُوا وَقُرِّرَ .. تبَيَّنَّا صِحَّتَهُ، وَإِلَّا .. فَلَا
(واندفعت الأمة على المذهب) لأنا لا ننظر في نكاح الأختين إلى التقدم والتأخر، فكذلك في نكاح الحرة والأمة، ومنهم: من خرج اندفاع نكاح الأمة على قولين؛ بناء على أن الاختيار والإمساك كابتداء العقد أو كاستدامته، وهو المقابل للمذهب في كلامه.
اعلم: أن ترجيح الاندفاع مخالف لما مرّ من تجويز الإمساك في عدة الشبهة والإحرام الطارئين؛ فإن ذلك على الاستدامة، وهذا على الابتداء، وفرق الرافعي بينهما: بأن نكاح الأمة بدل يعدل إليه عند تعذر الحرة، والأبدال أضيق حكمًا من الأصول، فجرينا على التضييق اللائق به 419.
(ونكاح الكفار صحيح على الصحيح) لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ , ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ , ولأنا لا نبطله بالترافع إلينا، ونقرره بالإسلام، والفاسد لا ينقلب صحيحًا ولا يقرر عليه.
وقوله: (صحيح) منتقد؛ إذ الصحة حكم شرعي ولم يَرِد به، وعبارة "الروضة" محكوم بصحته 420، قال السبكي: ونعمّا هي، والمختار عندي: أنه صحيح إن وقع على وفق الشرع، وإلا .. فمحكوم بصحته رخصة.
(وقيل: فاسد) لعدم مراعاتهم الشروط لكن لا يفرق بينهم لو ترافعوا إلينا؛ رعاية للعهد والذمة، ونقرهم بعد الإسلام رخصة وخشية من التنفير.
(وقيل: إن أسلموا وقُرِّر .. تبينّا صحته، وإلا .. فلا) 421 إذ لا يمكن القول بصحتها؛ لمخالفتها الشرع، ولا بالفساد؛ لأنه يقرّ عليها بعد الإسلام، والصواب في "الروضة": تخصيص الخلاف بالعقود التي يحكم بفساد مثلها في الإسلام لا في كل عقودهم، فلو عقدوا على وفق الشرع .. صح بلا خلاف 422.
الجزء: 3 - الصفحة: 107
فَعَلَى الصَّحِيحِ: لَوْ طَلَّقَ ثَلَاثًا ثُمَّ أَسْلَمَا .. لَمْ تَحِلَّ إِلَّا بِمُحَلِّلٍ. وَمَنْ قُرِّرَتْ .. فَلَهَا الْمُسَمَّى الصَّحِيحُ، وَأَمَّا الْفَاسِدُ كَخَمْرٍ؛ فَإِنْ قَبَضَتْهُ قَبْلَ الإِسْلَامِ .. فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِلَّا .. فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَإِنْ قَبَضَتْ بَعْضَهُ .. فَلَهَا قِسْطُ مَا بَقِيَ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ. وَمَنِ انْدَفَعَتْ بِإِسْلَامٍ بَعْدَ دُخُولٍ .. فَلَهَا الْمُسَمَّى الصَّحِيحُ إِنْ صُحِّحَ نِكَاحُهُمْ، وَإِلَّا .. فَمَهْرُ مِثْلٍ، أَوْ قَبْلَهُ وَصُحِّحَ؛ فَإِنْ كَانَ الانْدِفَاعُ بِإِسْلَامِهَا .. فَلَا شَيْءَ لَهَا،
(فعلى الصحيح) وهو صحة أنكحتهم (لو طلق ثلاثًا ثم أسلما .. لم تحل إلا بمحلل) لظهور أثر الصحة، وإن قلنا بفساد أنكحتهم .. لم يحتج إلى محلل؛ لأن الطلاق في النكاح الفاسد لا يقع.
(ومن قُرِّرت .. فلها المسمى الصحيح) لأنه كما .. ثبتت الصحة للنكاح .. ثبتت للمُسمَّى.
(وأما الفاسد كخمر؛ فإن قبضته قبل الإسلام .. فلا شيء لها) لانفصال الأمر بينهما، ويستثنى من الفاسد: ما لو أصدقها حرًّا مسلمًا استرقوه ثم أسلما بعد قبضه .. فإنه لا يقر بيدها، ولها مهر المثل.
(وإلا) أي: وإن لم تقبضه قبل الإسلام ( .. فمهر مثل) لأنها لم ترض إلا بالمهر، والمطالبة بالخمر في الإسلام ممتنعة، ولا فرق بين أن يكون المُسمَّى خمرًا في الذمة، أو خمرًا معينة.
(وإن قبضت بعضه .. فلها قسط ما بقي من مهر مثل) لا ما بقي من المُسمَّى؛ لتعذره بالإسلام إلحاقًا للجزء بالكل في القبض وعدمه.
(ومن اندفعت بإسلام) منها أو من زوجها (بعد دخول .. فلها المسمى الصحيح إن صُحِّح نكاحهم) لاستقراره بالدخول، (وإلا) أي: وإن لم نصححه أو كان قد سمي فاسدًا ( .. فمهر مثل) عملًا بالقاعدة.
نعم؛ لو نكحها تفويضًا وعندهم لا مهر للمفوضة بحال ثم أسلما .. فلا مهر وإن كان قبل المسيس؛ لأنه سبقه استحقاق وطء بلا مهر.
(أو قبله) أي: قبل الدخول (وصحِّح) أي: نكاحهم (فإن كان الاندفاع بإسلامها .. فلا شيء لها) لأن الفراق جاء من جهتها، وقيل: لها النصف؛ لأنها
الجزء: 3 - الصفحة: 108
أَوْ بِإِسْلَامِهِ .. فَنِصْفُ مُسَمَّى إِنْ كَانَ صَحِيحًا، وَإِلَّا .. فَنِصْفُ مَهْرِ مِثْلٍ. وَلَوْ تَرَافَعَ إِلَيْنَا ذِمِّيٌّ وَمُسْلِمٌ .. وَجَبَ الْحُكْمُ، أَوْ ذِمِّيَّانِ .. وَجَبَ فِي الأَظْهَرِ،
محسنة بإسلامها، والتخلف منه.
وأفهم قوله: (وصحح): أنه إذا قلنا بفساده .. لا مهر لها من طريق الأولى؛ إذ المهر لا يجب في النكاح الفاسد، وهذا أولى من جعله قيدًا في عدم الوجوب؛ لأنه لا شيء لها على كل قول.
(أو بإسلامه .. فنصفُ مسمى إن كان صحيحًا) لأن الفرقة جاءت من قبله، (وإلا) أي: وإن لم يكن صحيحًا؛ كنحو خمر ( .. فنصف مهر مثل) عملًا بالقاعدة في التسمية الفاسدة.
(ولو ترافع إلينا ذمي ومسلم .. وجب الحكم) قطعًا؛ لأن المسلم لا يمكنه التحاكم لحكام الكفار، والمعاهد كالذمي.
(أو ذمّيان .. وجب في الأظهر) لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، والثاني: لا يجب، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ , لكن صحّ عن ابن عباس أن هذه منسوخة بالأولى 423.
ومنهم من حمل الآية الثانية على المعاهدين؛ ولذا قيد المصنف بالذميين؛ ليخرج المعاهدين، فلا يجب على المذهب؛ لعدم التزامهم الأحكام.
ومحل الخلاف: إذا اتفقت ملّتهما؛ فإن اختلفت، كيهودي ونصراني .. وجب قطعًا، وقيل: بالقولين.
ولو ترافع ذمي ومعاهد .. فكالذميين، وقيل: يجب قطعًا.
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما لو ترافعوا إلينا في شرب بالخمر .. فإنهم لا يحدون وإن رضوا بحكمنا؛ لأنهم لا يعتقدون تحريمه، كذا قاله الرافعي في (باب حد الزنا)، وأسقطه من "الروضة" 424.
وحيث يجب الحكم .. فقضية كلام الغزالي: اعتبار رضا الخصمين، وعامة
الجزء: 3 - الصفحة: 109
وَنُقِرُّهُمْ عَلَى مَا نُقِرُّ لَوْ أَسْلَمُوا، وَنُبْطِلُ مَا لَا نُقِرُّ.
فصلٌ [في أحكام زوجات الكافر إذا أسلم على أكثر من مباحة]
أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ .. لَزِمَهُ اخْتِيَارُ أَرْبَعٍ، وَيَنْدَفِعُ مَنْ زَادَ
الأصحاب على اعتبار رضا أحدهما 425. (ونقرهم على ما نقر لو أسلموا، ونبطل ما لا نقر) هذا ضابط سبق كثير من صوره، فنقرهم على نكاح بلا ولي ولا شهود، بخلاف نكاح المحرم ونحوه؛ لأن عقدهم قد مضى في الشرك قبل تحاكمهم إلينا، فأجريناه، بخلاف ما لا يجوز بحال، وقال الماوردي: نقر المجوسي على نكاح المحرم، لاعتقاده إباحته، بخلاف اليهودي، والأصحُّ: خلافه 426.
(فصل: أسلم) حرّ (وتحته أكثر من أربع وأسلمن معه أو في العدة أو كُنَّ كتابيات .. لزمه اختيار أربع، ويندفع من زاد) من حين الإسلام والعدة منه، لا من الاختيار على الأصحِّ، لأن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: "أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِق سَائِرَهُنَّ" صححه ابن حبان والحاكم 427.
ولا فرق بين أن ينكحن معًا أو مرتبًا؛ فإن له أن يختار الأخيرات لترك الاستفصال في الحديث، وترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال .. ينزّل منزلة العموم في المقال؛ كما قاله الشافعي؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لم يستفصل عن ذلك، ولولا الحكم يعم الحالتين .. لما أطلق.
وتعبيره بلزوم اختيار أربع: يوهم إيجاب العدد، لكن المقصود منه لزوم
الجزء: 3 - الصفحة: 110
وَإِنْ أَسْلَمَ مَعَهُ قَبْلَ دُخُولٍ أَوْ فِي الْعِدَّةِ أَرْبَعٌ فَقَطْ .. تَعَيَّنَّ. وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتهُ أُمٌّ وَبِنْتُهَا كِتَابِيَّتَانِ، أَوْ أَسْلَمَتَا، فَإِنْ دَخَلَ بِهِمَا .. حَرُمَتَا أَبَدًا، أَوْ لَا بِوَاحِدَةٍ .. تَعَيَّنَتِ الْبِنْتُ -وَفِي قَوْلٍ: يَتَخَيَّرُ- أَوْ بِالْبِنْتِ .. تَعَيَّنَتْ، أَوْ بِالأُمِّ .. حَرُمَتَا أَبَدًا،
الاختيار؛ لئلا يستديم ما حظره الشرع، لا أنه يلزمه إمساك أربع، وقد سلم في "المحرر" و"الشرح" و"الروضة" من هذا حيث قالوا: اختار أربعًا 428.
(وإن أسلم معه قبل دخول أو في العدة أربع فقط) أي: وكان الباقيات ممن يحرم نكاحهن ( .. تعيَّنَّ) واندفع نكاح من زاد؛ لتأخر إسلامهن عن إسلامه قبل الدخول، وعن العدة بعده، ولو كان دخل بهن فاجتمع إسلامه وإسلام أربع فقط في العدة .. تعيَّنَّ للنكاح، حتى لو أسلم أربع من ثمان، وانقضت عدتهن أو مُتْن في الإسلام، ثم أسلم الزوج وأسلم الباقيات في عدتهن .. تعيّنت الأخيرات.
ولو أسلم أربع، ثم أسلم الزوج قبل انقضاء عدتهن، ثم أسلمن الباقيات قبل انقضاء عدتهن من وقت إسلام الزوج 429 .. اختار أربعًا من الأوليات والأخيرات كيف شاء، فإن مات الأوليات أو بعضهن .. جاز له اختيار الميتات، ويرث منهن.
(ولو أسلم وتحته أمٌّ وبنتها كتابيتان، أو أسلمتا؛ فإن دخل بهما .. حرمتا أبدًا) قطعًا؛ لأن وطء كلٍّ بشبهة يحرّم الأخرى، فبنكاح أولى.
(أو لا بواحدة .. تعيّنت البنت) واندفع نكاح الأم؛ بناء على تصحيح أنكحتهم؛ لأن العقد على البنت يحرم الأم، ولا ينعكس، (وفي قول: يتخير) بناء على فساد أنكحتهم؛ فإنه يصير كأنه لم يعقد على واحدة منهما؛ كما لو أسلم وتحته أختان.
(أو بالبنت .. تعينت) لأنه لم يدخل بالأم، والعقد عليها لا يحرم البنت، ويحرم نكاح الأم على التأبيد.
(أو بالأم .. حرمتا أبدًا) أما البنت .. فللدخول بالأم، وأما الأم .. فللعقد على البنت، وهذا بناء على صحة أنكحتهم، وللأم مهر المثل بالدخول، نقله الرافعي عن البغوي، وجزم به في "الروضة"، قال في "المهمات": وفيه نظر؛ لأن تحريمها
الجزء: 3 - الصفحة: 111
وَفِي قَوْلٍ: تبقَى الأُمُّ. أَوْ وَتَحْتَهُ أَمَةٌ أَسْلَمَتْ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ .. أُقِرَّ إِنْ حَلَّتْ لَهُ الأَمَةُ، وَإنْ تَخَلَّفَتْ قَبْلَ دُخُولٍ .. تنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ. أَوْ إِمَاءٌ وَأسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ .. اخْتَارَ أَمَةً إِنْ حَلَّتْ لَهُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ إِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ، وَإِلَّا .. انْدَفَعْنَ. أَوْ حُرَّةٌ وَإِمَاءٌ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ .. تَعَيَّنَتْ وَانْدَفَعْنَ، وَإِنْ أَصَرَّتْ فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا .. اخْتَارَ أَمَةً، وَلَوْ أَسْلَمَتْ وَعَتَقْنَ ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ .. فَكَحَرَائِرَ؛ فَيَخْتَارُ أَرْبَعًا
مبني على صحة أنكحتهم، وحينئذ فيجب المُسمَّى الصحيح 430.
(وفي قول: تبقى الأم) وتندفع البنت بوطء الأم، وهذا بناء على فساد أنكحتهم.
(أو وتحته أمة أسلمت معه أو في العدة .. أُقرَّ إن حلَّت له الأمة) لأنه يجوز أن يبتدئ نكاحها، فيقر عليها.
(وإن تخلفت قبل دخولٍ .. تنجزت الفرقة) لأن المسلم لا ينكح الأمة الكتابية.
(أو إماء وأسلمن معه أو في العدة .. اختار أمة إن حلّت له عند اجتماع إسلامه وإسلامهن) لأنه يجوز أن يبتدئ نكاحها؛ لوجود شرطه، فجاز اختيارها كالحرة، وينفسخ نكاح البواقي، هذا إذا كان الزوج حرًّا، فإن كان عبدًا .. فله أن يختار أمتين؛ لأن له أن يبتدئ نكاحهما.
(وإلا) أي: وإن لم تحل له الأمة عند اجتماع إسلامه وإسلامهن ( .. اندفعن) لأنه لا يجوز له ابتداء نكاح واحدة منهن؛ فلا يجوز له اختيارها؛ كالمعتدة عن غيره وذوات المحارم.
(أو حرة وإماء وأسلمن معه) أي: الحرة والإماء، (أو في العدة .. تعيّنت واندفعن) لأنه لا يجوز أن يبتدئ نكاح أمة مع وجود حرة، فلا يجوز أن يختارها.
(وإن أصرّت) الحرة على الكفر ولم تكن كتابية (فانقضت عدَّتها .. اختار أمة) إذ ظهر أنها بانت باختلاف الدين، فأشبه ما إذا تمحضت الإماء.
(ولو أسلمت وعتقن، ثم أسلمن في العدة .. فكحرائر؛ فيختار أربعًا) لالتحاقهن بالحرائر الأصليات.
الجزء: 3 - الصفحة: 112
وَالاخْتِيَارُ: (اخْتَرْتُكِ)، أَوْ (قَرَّرْتُ نِكَاحَكِ)، أَوْ (أَمْسَكْتُكِ)، أَوْ (ثَبَّتُّكِ). وَالطَّلَاقُ اخْتِيَارٌ، لَا الظِّهَارُ وَالإِيلَاءُ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ اخْتِيَارٍ وَلَا فَسْخٍ. وَلَوْ حَصَرَ الاخْتِيَارَ فِي خَمْسٍ .. انْدَفَعَ مَنْ زَادَ، وَعَلَيْهِ التَّعْيِينُ وَنَفَقَتُهُنَّ حَتَّى يَخْتَارَ، فَإِنْ تَرَكَ الاخْتِيَارَ .. حُبِسَ،
(والاختيار: "اخترتُك"، أو "قررت نكاحك"، أو "أمسكتُكِ"، أو "ثبَّتُّك") لمجيء لفظ الاختيار والإمساك في الحديث، والباقي في معناه.
وقضية كلام الأئمة: صراحة هذه الألفاظ، قال الرافعي: والأقرب: أن يجعل قوله: (اخترتك)، و (أمسكتك) من غير تعرض للنكاح كناية 431.
ولو اختار الفسخ فيما زاد على الأربع .. تعينت الأربع وإن لم يتلفظ بشيء، وهو وارد على ما يفهمه كلام المصنف من اعتبار التصريح بالاختيار.
(والطلاق اختيار) للنكاح؛ لتوقف الطلاق على ثبوت النكاح، وسواء المعلق والمنجز على الأصحِّ، (لا الظهار والإيلاء في الأصح) إذ معناهما بالأجنبية أليق؛ إذ حاصلهما الامتناع من الوطء، والثاني: نعم؛ لأنهما تصرفان مختصان بالنكاح، فأشبها الطلاق.
(ولا يصح تعليق اختيار ولا فسخ) بدخول الدار ونحوه؛ لأن الاختيار منزل منزلة الابتداء أو الاستدامة، وأيهما كان .. لا يقبل التعليق؛ لأن النكاح والرجعة لا يقبلانه.
(ولو حصر الاختيار في خمس .. اندفع من زاد) وإن لم يكن تعيينًا تامًّا؛ فإن به يخف الإبهام (وعليه التعيين) لحبسه أكثر من العدد الشرعي، ولدفع الضرر عنهن؛ فإن كلًّا لا تعلم أنها منكوحة أو مفارقة، (ونفقتهن حتى يختار) لأنهن محبوسات بحكم النكاح.
(فإن ترك الاختيار .. حبس) لأنه امتنع من واجب لا يقوم غيره مقامه فيه، وظاهره: أنها لا يزاد على الحبس، وليس كذلك، بل إذا أصر ولم يُفِد الحبس .. عزر بما يراه الحاكم من الضرب وغيره، ولا يختار الحاكم، بخلاف الإيلاء حيث
الجزء: 3 - الصفحة: 113
فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ .. اعْتَدَّتْ حَامِلٌ بِهِ، وَذَاتُ أَشْهُرٍ وَغَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَذَاتُ أَقْرَاءٍ بِالأَكْثَرِ مِنَ الأَقْرَاءِ وَأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَيُوقَفُ نَصِيبُ زَوْجَاتٍ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ.
يطلق؛ لأن هذا اختيار شهوة، ولا تجري فيه النيابة، وهذا في المكلف.
فلو أسلم صغير بالتبعية أو بلغ ثم جن .. أخّر الاختيار إلى الكمال، وعليه نفقتهن، ولو مات بعد إسلامهن .. وجب عليه مهورهن، وهذا يلغز به فيقال: صغير مسلم يجب عليه مهور مئة امرأة ونفقتهن بسبب نكاح صحيح سبق عليهن.
(فإن مات قبله) أي: قبل الاختيار ( .. اعتَدَّت حامل به) أي: بوضع الحمل؛ لما سيأتي في بابه.
(وذات أشهر وغيرُ مدخول بها بأربعة أشهر وعشر) إذ تحتمل الزوجية في كل منهن، وهو الأقصى في حقها، (وذات أقراء بالأكثر من الأقراء وأربعة أشهر وعشر) لأن كل واحدة تحتمل أن تكون زوجة .. فعليها عدة الوفاة، أو مفارقة في الحياة .. فعليها أن تعتد بالأقراء، فوجب الاحتياط؛ لتحل للأزواج بيقين.
وابتداء الأشهر من الموت، والأقراء من حين إسلامهما إن أسلما معًا، وإلا .. فمن إسلام السابق منهما على الأصحِّ.
(ويوقف نصيب زوجات حتى يصطلحن) ولا يوزع بينهن؛ لأنا نعلم أن فيهن أربع زوجات، وقد جهلنا عينهن فوجب التوقف، ولا فرق بين أن يصطلحن على التساوي أو التفاضل إلا أن يكون فيهن غير مكلفة؛ فإن وليها لا يصالح عنها على أقل ما تقتضيه القسمة؛ كالثمن إذا كنّ ثمانية، أو السدس إذا كنّ ستة، وقيل: ليس له أن يصالح على أقل من ربع الموقوف، والأصحُّ: الأول.
هذا إذا علم استحقاق الزوجات للإرث، أما إذا أسلم على ثمان كتابيات وأسلم منهن أربع أو كان تحته أربع كتابيات وأربع وثنيات، فأسلم معه الوثنيات ومات قبل الاختيار .. فلا يوقف للزوجات شيء على الأصحِّ المنصوص، بل يقسم كل التركة بين باقي الورثة؛ لأن استحقاق الزوجات الإرث غير معلوم؛ لاحتمال أنهن الكتابيات.
الجزء: 3 - الصفحة: 114
فصلٌ [في مؤنة المسلمة أو المرتدة]
أَسْلَمَا مَعًا .. اسْتَمَرَّتِ النَّفَقَةُ. وَلَوْ أَسْلَمَ وَأَصَرَّتْ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ .. فَلَا، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِيهَا .. لَمْ تَسْتَحِقَّ لِمُدَّةِ التَّخَلُّفِ فِي الْجَدِيدِ. وَلَوْ أَسْلَمَتْ أَوَّلًا فَأَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ أَصَرَّ .. فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِنِ ارْتَدَّتْ .. فَلَا نَفَقَةَ وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَإِنِ ارْتَدَّ .. فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ.
(فصل: أسلما معًا .. استمرت النفقة) لدوام النكاح والتمكين.
(ولو أسلم وأصرّت) وهي غير كتابية (حتى انقضت العدة .. فلا) لأنها ناشزة بالتخلف عن الإسلام.
(وإن أسلمت فيها .. لم تستحق لمدَّة التخلف في الجديد) لإساءتها بالتخلف والامتناع عما هو فرض عليها، فصار كما لو سافر الزوج وأراد استصحابها، فتخلفت، والقديم: أنها تستحق؛ لأنها ما أحدثت شيئًا، والزوج هو الذي بدَّل الدِّين.
(ولو أسلمت أوّلًا فأسلم في العدة أو أصرَّ .. فلها نفقة العدة على الصحيح) المنصوص 432؛ أما في الأولى .. فلأنها أدّت فرضًا مضيقًا عليها فلم يمنع النفقة؛ كصوم رمضان، وأما في الثانية .. فلأنها أحسنت، والزوج قادر على تقرير النكاح بأن يسلم فتنزل منزلة الرجعية، والثاني: لا تستحق فيهما؛ أما في الأولى .. فلأنه استمر على دينه وهي التي أحدثت المانع من الاستمتاع، وأما في الثانية .. فلأنها بائن حائل؛ ولهذا لو طلّقها .. لم يقع الطلاق.
(وإن ارتدت .. فلا نفقة وإن أسلمت في العدة) لنشوزها، (وإن ارتد .. فلها نفقة العدة) لأنها لم تحدث شيئًا، وهو الذي أحدث الردة، ولو ارتدا معًا .. فلا نفقة.
الجزء: 3 - الصفحة: 115
باب الخيار والإعفاف ونكاح العبد
وَجَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالآخَرِ جُنُونًا أَوْ جُذَامًا أَوْ بَرَصًا، أَوْ وَجَدَهَا رَتْقَاءَ أَوْ قَرْنَاءَ، أَوْ وَجَدَتْهُ عِنِّينًا أَوْ مَجْبُوبًا .. ثبَتَ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكاحِ،
(باب الخيار والإعفاف ونكاح العبد)
(وجد أحد الزوجين بالآخر جنونًا) مطبقًا أو متقطعًا (أو جذامًا أو برصًا) مستحكمين والاستحكام في الجذام يكون: بالتقطع، وقال الإمام: يجوز أن يكتفى باسوداد العضو وحكم أهل البصائر باستحكام العلة، وفي البرص: بعدم قبول العلاج، وعلامته: أن يعصر فلا يحمرّ.
(أو وجدها رتقاء) وهي منسدة محل الجماع بلحم، (أو قرناء) وهي المنسدة بعظم، ويقال: إن القَرْن لحم ينبت في الفرج.
(أو وجدته عنينًا) وهو العاجز عن الوطء في القبل، (أو مجبوبًا) وهو مقطوع جميع الذكر ( .. ثبت الخيار في فسخ النكاح) لأن الخيار في البيع يثبت بهذه العيوب إجماعًا؛ لفوات مالية يسيرة، فإثباته لفوات الجماع الذي هو مقصود النكاح .. أولى، وحكى الماوردي: إجماع الصحابة على ثبوته بالجَبّ والعنة 433.
وصحّ عن عمر رضي الله عنه في الثلاثة الأُوَل المشتركة، رواه عنه الشافعي وعوّل عليه؛ لأن مثله لا يكون إلا توقيفًا 434.
فلو بقي من الذكر قدر الحشفة .. فلا خيار في الأظهر، ولو زال العيب قبل الفسخ .. فلا خيار، وكذا إذا علم به بعد الموت على الأصحِّ؛ لانتهاء النكاح بالموت.
وقوله: (وجد) يقتضي أنه لو علم أحدهما بعيب صاحبه قبل العقد .. لا خيار له، وليس على إطلاقه، بل لو علمت بعنّته .. فلها الخيار بعده، ولو زاد العيب الذي به .. فلا خيار في الأصحِّ.
الجزء: 3 - الصفحة: 116
وَقِيلَ: إِنْ وَجَدَ بِهِ مِثْلَ عَيْبِهِ .. فَلَا.
واستثنى في "الكفاية": ما إذا حدث بموضع آخر، ونقله عن " التتمة" 435، قال في "التوشيح": ولا يستثنى؛ لأن ذاك عيب آخر.
واقتصار المصنف على ما ذكره من العيوب يقتضي: أنه لا خيار بغيرها، قال في "الروضة": وهو الصحيح الذي قطع به الجمهور، لكن في كلامه على العنين قال: وفي معناه: المرض المزمن الذي لا يتوقع زواله، ولا يمكن معه الجماع؛ كذا ذكره الشيخ أبو محمد وغيره، وظاهر كلامه: الموافقة عليه، وجزم به في "الكفاية" وقال: إنه أولى بثبوت الخيار من البرص؛ لأن البرص لا يمنعه بالكلية بل ينفر منه، وهذا لا يتصور معه 436. ونقلا في (باب النفقات) عن الماوردي: أنه إذا وجد الزوجة مستأجرة .. يثبت الخيار وأقرّاه 437.
ويثبت الخيار فيما إذا أعسر الزوج كما سيأتي في بابه، وفيما إذا وجد أحدهما الآخر رقيقًا على ما جزم به المصنف كما سيأتي.
والإغماء الدائم الميؤوس من زواله كالجنون، قاله المتولي.
وألحق الشافعي الخبل بالجنون 438.
(وقيل: إن وجد به مثل عيبه .. فلا) لتساويهما في النقص، والأصحُّ: نعم؛ لأن الإنسان يعاف من غيره ما لا يعاف من نفسه.
قال الرافعي: وهذا في غير الجنون، أما إذا كانا مجنونين .. فلا يمكن إثبات الخيار لواحد منهما.
انتهى 439.
والمراد: الجنون المطبق؛ لأن المنقطع جنونه لا يوصف حال الإفاقة بالجنون، ويجري مثل هذا الخلاف فيما لو كان مجبوبًا وهي رتقاء، وقطع بعضهم بالمنع؛ لعدم الطريق إلى الوطء.
الجزء: 3 - الصفحة: 117
وَلَوْ وَجَدَهُ خُنْثَى وَاضِحًا .. فَلَا فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ .. تَخَيَّرَتْ إِلَّا عُنَّةً بَعْدَ دُخُولٍ، أَوْ بِهَا .. تَخَيَّرَ فِي الْجَدِيدِ. وَلَا خِيَارَ لِوَليٍّ بِحَادِثٍ، وَكَذَا
وقوله: (مثل عيبه): يفهم أنه لو كان عيب أحدهما أفحش أو أكثر .. يثبت الخيار قطعًا، وهو كذلك؛ كما بحثه الرافعي 440، ونقله ابن الرفعة عن القاضي الحسين.
(ولو وجده خنثى واضحًا .. فلا في الأظهر) لأنه لا يفوت مقصود النكاح؛ إذ ليس فيه إلا زيادة ثقبة في الرجل، وسِلْعة في المرأة، والثاني: نعم؛ لنفرة الطبع منه.
وفي محل القولين: طرق: أصحها: أن محلهما إذا اختار الذكورة بغير علامة، فتزوج امرأة أو عكسه؛ لأنه قد يخرج بخلافه، فإن اتضح بعلامة .. فلا خيار قطعًا.
واحترز بالواضح: عن المُشكل؛ فإنه لا يصح نكاحه وهو من زياداته على "المحرر" 441.
(ولو حدث به عيب .. تخيّرت) قبل دخول وبعده؛ دفعًا للضرر عنها، ودخل في إطلاقه: ما لو جبّت ذكر زوجها .. فإن الخيار يثبت لها على الأصحِّ، بخلاف المشتري إذا عيّب المبيع؛ لأنها بالجب لا تصير قابضة لحقها؛ كالمستأجر، والمشتري بالعيب قابض لحقه، (إلا عُنّة بعد دخول) لحصول مقصود النكاح لها في المهر وثبوت الحضانة، وقد عرفَتْ قدرتَه ولم يبق إلا التلذذ، وهو شهوة لا يجبر الزوج عليها، وفي الجب قول: أنه كذلك.
والفرق على المذهب: حصول اليأس، بخلاف العنة؛ لأنه يرجى زوالها.
(أو بها .. تخير في الجديد) قبل دخول وبعده؛ كما لو حدث به، والقديم: لا؛ لتمكنه من الخلاص بالطلاق، بخلافها.
وأجاب الأول: بأن الفسخ يدفع عنه التشطير قبل الدخول، بخلاف الطلاق.
(ولا خيار لولي بحادث) إذ لا عار عليه في العرف، بخلاف الابتداء، (وكذا
الجزء: 3 - الصفحة: 118
بِمُقَارِنٍ جَبٍّ وَعُنَّةٍ، وَيَتَخَيَّرُ بِمُقَارِنٍ جُنُونٍ، وَكَذَا جُذَامٌ وَبَرَصٌ فِي الأَصَحِّ. وَالْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ. وَالْفَسْخُ قَبْلَ دُخُولٍ يُسْقِطُ الْمَهْرَ، وَبَعْدَهُ .. الأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ إِنْ فُسِخَ بِمُقَارِنٍ، أَوْ بِحَادِثٍ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ جَهِلَهُ الْوَاطِئُ،
بمقارن جب وعُنة) لاختصاصها بالضرر، ولا عار عليه، وفي تصوير ثبوت مقارنة العُنة للنكاح عسر؛ إذ العُنة لا تثبت إلا بعد العقد؛ فإن صور بما إذا تزوجها وعرف الولي عُنته ثم أبانها وأراد تجديد نكاحها .. ردّ بأنه قد يُعن في نكاح دون نكاح؛ كما هو الأصحُّ.
(ويتخير بمقارن جنون) وإن رضيت؛ لتعيره بذلك، (وكذا جذام وبرص في الأصح) للعار وخوف العدوى للنسل، والثاني: المنع؛ لأن الضرر مختص بها، وهذا التفصيل يجري في ابتداء التزويج، فتجب إجابتها إلى العنين والمجبوب -بالباء- لا إلى المجنون -بالنون- ولا إلى المجذوم والأبرص على الأصحِّ 442.
(والخيار على الفور) لأنه خيار عيب، فكان على الفور؛ كما في البيع، ولا ينافي كونه على الفور ضرب المدة في العنة؛ فإنها حينئذ تتحقق، وإنما تؤمر بالمبادرة إلى الفسخ بعد تحقيق العيب.
والمعنى بكونه على الفور: أن المطالبة والرفع إلى الحاكم يكون على الفور.
(والفسخ قبل دخول يُسقِط المهر) سواء كان بعيبه أو بعيبها؛ إذ مقتضى الفسخ: ترادّ العوضين.
(وبعده) أي: بعد الدخول ( .. الأصح: أنه يجب مهر مثل إن فُسخ بمقارن) لأنه قد استمتع بمعيبة، وهو إنما بذل المُسمَّى على ظن السلامة ولم يحصل، فكأن العقد جرى بلا تسمية، والثاني: يجب المُسمَّى؛ لأن الدخول جرى في عقد صحيح مشتمل على تسمية صحيحة، فأشبه الردة بعد الدخول، والثالث: إن فسخ بعيبهما .. فمهر المثل، وإن فسخت بعيبه .. فالمُسمَّى.
(أو بحادث بين العقد والوطء جَهِله الواطئ) ويجعل اقترانه بالوطء المقرر للمهر كالاقتران بالعقد.
الجزء: 3 - الصفحة: 119
وَالْمُسَمَّى إِنْ حَدَثَ بَعْدَ وَطْءٍ. وَلَوِ انْفَسَخَ بِرِدَّةٍ بَعْدَ وَطْءٍ .. فَالْمُسَمَّى. وَلَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ بَعْدَ الْفَسْخِ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي الْجَدِيدِ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْعُنَّةِ رَفْعٌ إِلَى حَاكِمٍ، وَكَذَا سَائِرُ الْعُيُوبِ فِي الأَصَحِّ. وَتَثبُتُ الْعُنَّةُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبيِّنَةٍ عَلَى إِقْرَارِهِ،
(والمسمَّى إن حدث بعد وطء) لأنه قد استقر به قبل وجود سبب الخيار، فلا يغير، والوجه الثاني: يجب المُسمَّى مطلقًا، لوجوبه قبل سبب الخيار، والثالث: يجب مهر المثل مطلقًا؛ كالمقارن.
(ولو انفسخ بردة بعد وطء .. فالمسمّى) لأن الوطء قرر المسمّى قبل وجودها، (ولا يرجع الزوج بعد الفسخ بالمهر على من غرّه) من الزوجة والولي (في الجديد) لاستيفائه منفعة البضع المتقوم عليه بالعقد، كما لو كان المبيع معيبًا فأتلفه ثم فسخ العقد، والقديم: يرجع؛ كما يرجع بقيمة الولد المغرور بحرية أمه.
ومحلُّ الخلاف: في العيب المقارن، أما الحادث .. فلا رجوع به جزمًا؛ لعدم التغرير.
وقوله: (المهر) يشمل المُسمَّى ومهر المثل، وبه قال البغوي، وصححه في "أصل الروضة" 443.
وقال المتولي: محلُّ الخلاف: إذا كان المغروم هو مهر المثل، أما إذا كان المُسمَّى .. فلا رجوع جزمًا؛ لأنه سلّم له بدل ما ملكه بالعقد، وهي الوطأة الأولى.
(ويشترط في العُنة رفع إلى حاكم) قطعًا (وكذا سائر العيوب في الأصح) لأنه مجتهد فيه، فأشبه الفسخ بالإعسار، والثاني: لا؛ كفسخ المبيع بالعيب، قال البغوي: وعلى الوجهين: لو أخر إلى أن يأتي الحاكم ويفسخ بحضرته .. جاز 444.
(وتثبت العُنة بإقراره) عند الحاكم، كغيرها من الحقوق (أو ببينة على إقراره) ولا يتصور ثبوتها بالبينة؛ لأنه لا مطلع للشهود عليها، ومن هذا يؤخذ أنه لا تسمع دعوى امرأة الصبي والمجنون العنة عليهما؛ لسقوط قولهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 120
وَكَذَا بِيَمِينِهَا بَعْدَ نُكُولهِ فِي الأَصَحِّ. وَإِذَا ثَبَتَتْ. . ضَرَبَ الْقَاضِي لَهُ سَنَةً بِطَلَبِهَا، فَإِذَا تَمَّتْ. . رَفَعَتْهُ إِلَيْهِ؛ فَإِنْ قَالَ: (وَطِئْتُ). . حُلِّفَ، فَإِنْ نَكَلَ. . حُلِّفَتْ،
(وكذا بيمينها بعد نكوله) عن اليمين (في الأصح) لأنها تعرف الحال بالقرائن والممارسة، والثاني: لا ترد اليمين عليها؛ لأنها لا اطلاع لها على عجزه؛ فإنه قد يبغضها أو يستحي منها، وعلى هذا قيل: لا يقضي بنكوله، وقيل: يقضي ويضرب المدة بغير يمينها.
(وإذا ثبتث.
. ضرب القاضي له سنة) بالإجماع، والمعنى فيه: مضي الفصول الأربعة، فإن كان ثم مانع.
. زال فيها، وأول هذه المدة من ضرب القاضي لها، وسواء الحر والعبد، (بطلبها) لأن الحق لها، ويكفي قولها: (أنا طالبة حقي بما يقتضيه الشرع الشريف) وإن جهلت التفصيل، فلو سكتت.
. لم يضرب.
نعم؛ إن حمل القاضي سكوتها على دهش أو جهل.
. فلا بأس بتنبيهها.
(فإذا تمت) السنة ولم يطأها (. . رفعته إليه) ولم يكن لها أن تفسخ النكاح بلا رفع ثان على الصحيح؛ لأن بناء الأمر على الإقرار والإنكار، فيحتاج إلى نظر الحاكم واجتهاده.
(فإن قال: "وطئت") إما بعد المدة أو فيها وهي ثيب (. . حلِّف) لتعذر إقامة البينة على الوطء، والأصل: سلامة الشخص ودوام النكاح، وإن كانت بكرًا.
. فالقول قولها مع يمينها؛ للظاهر.
(فإن نكل.
. حُلِّفت) وفيه الخلاف السابق في قوله: (وكذا بيمينها بعد نكوله في الأصح)، كذا في "الروضة" و"أصلها" 445، وفي مجيئه نظر؛ فإنها تحلف هناك على العُنة التي مستندها فيها القرائن وقد يتخلف، وهنا تحلف على ترك الوطء، وهو محسوس، فكيف يجيء الخلاف؟ ! ذكره السبكي وتعجب من الرافعي كيف وقع منه هذا!
قال شيخنا: ولعل أصل الخلاف في الموضعين أن اليمين المردودة كالإقرار؛ فتحلف، أو كالبينة؛ فلا تحلف؛ لأن كلًّا من العُنة وعدم الوطء لا يمكن إقامة البينة عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 121
فَإِنْ حَلَفَتْ أَوْ أَقَرَّ. . اسْتَقَلَّتْ بِالْفَسْخِ، وَقِيلَ: تَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الْقَاضِي أَوْ فَسْخِهِ. وَلَوِ اعْتَزَلَتْهُ أَوْ مَرِضَتْ أَوْ حُبسَتْ فِي الْمُدَّةِ. . لَمْ تُحْسَبْ، وَلَوْ رَضِيَتْ بَعْدَهَا بِهِ. . بَطَلَ حَقُّهَا، وَكَذَا لَوْ أَجَّلَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
(فإن حلفت أو أقرّ.
. استقلت بالفسخ) كما يستقل بالفسخ من وجد بالمبيع تغيرًا وأنكر البائع كونه عيبًا، وأقام المشتري على ذلك بينة عند القاضي، ولا بدَّ بعد حلفها أو إقراره أن يقول القاضي: (ثبتت عندي العنة)، أو (ثبت حق الفسخ، فاختاري) على الأصحِّ في "أصل الروضة" 446، فليقيد إطلاق الكتاب.
(وقيل: تحتاج إلى إذن القاضي أو فسخه) لأنه محل نظر واجتهاد.
(ولو اعتزلته أو مرضت أو حبست في المدة.
. لم تحسب) لأن أثر المهلة إنما يظهر إذا كان الزوج مخلّىً مع زوجته، فأما إذا لم يكن.
. فلا حكم للمدة.
وقضيته: أن حبسه ومرضه لا يمنع حسبانها وهو ما في "الكبير" عن ابن القطان، وحذفه من "الروضة"، لكن حكيا وجهين في سفره مع كونه باختياره غالبًا، فهذا أولى 447.
وقضية ما في "البسيط" و"النهاية": أن حبسه ومرضه الذي يتعذر معه وطؤها مانع من حسبانها 448، قال الأَذْرَعي: وهو الحق.
(ولو رضيت بعدها به.
. بطل حقها) كما في سائر العيوب، بخلاف الإيلاء والإعسار؛ لأن الضرر يتجدد، والعُنة عيب واحد لا يتوقع إزالتها إذا تحققت.
وقوله: (بعدها) زيادة على "المحرر" 449 وهو حسن، فإنها إذا رضيت به في المدة أو قبل ضربها.
. لم يبطل حقها في الجديد، ولها الفسخ بعد المدة؛ لأنها رضيت بإسقاط حقها قبل ثبوته فلم يسقط، كالعفو عن الشفعة قبل البيع.
(وكذا لو أجّلته) زمنًا آخر بعد المدة (على الصحيح) لأنه على الفور، والثاني:
الجزء: 3 - الصفحة: 122
وَلَوْ نَكَحَ وَشُرِطَ فِيهَا إِسْلَامٌ، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا نَسَبٌ أَوْ حُرِّيَّةٌ، أَوْ غَيْرُهُمَا فَأُخْلِفَ. . فَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ، ثُمَّ إِنْ بَانَ خَيْرًا مِمَّا شُرِطَ. . فَلَا خِيَارَ، وَإِنْ بَانَ دُونَهُ. . فَلَهَا الْخِيَارُ،
لا؛ كما إذا أمهل الدين بعد حلول الأجل لا يلزم الإمهال، وتعجب السبكي من هذا القياس؛ لأن بعد حلول الأجل حق طلب الدين على التراخي، وحق الخيار على الفور، فكيف يقاس أحدهما بالآخر؟ ! .
(ولو نكح وشرط فيها إسلام، أو في أحدهما نسب أو حرية، أو غيرهما، فأُخلف.
. فالأظهر: صحة النكاح) لأن الخلف في الشرط لا يوجب فساد البيع مع تأثيره بالشروط الفاسدة، فالنكاح أولى، والثاني: فساده؛ لأن النكاح يعتمد الأوصاف دون المشاهدة، فيكون اختلاف الصفة كاختلاف العين.
ولا يخفى أن محل القولين فيما إذا شرطت حريته فبان عبدًا: أن يكون السيد أذن له في النكاح، وإلا.
. لم يصح قطعًا؛ لعدم الإذن.
وفيما إذا شرطت حريتها فبانت أمة: إذا نكحت بإذن السيد وكان الزوج ممن يحل له نكاح الأمة، وإلا.
. لم يصح جزمًا.
وفيما إذا شرط فيها الإسلام فأخلف: أن يظهر كونها كتابية؛ فلو بانت وثنية.
. لم يصح جزمًا.
فلو قال: (فالأظهر: صحة النكاح وإن وجدت شرائط الصحة).
. لفهم ذلك منه.
ولو شرطت حريته فخرج مبعضًا.
. فهو كما لو خرج قنًّا فيما يظهر.
وقضية كلامه: أن اشتراط الإسلام فيه لا يتصور، وليس كذلك بل يتصور في الكتابية، ويجري الخلاف في كل وصف شرط ثم تبين خلافه، سواء كان المشروط صفة كمال؛ كالجمال والبكارة والنسب، أو صفة نقص؛ كأضدادها، أو كان مما لا يتعلق به نقص ولا كمال، وإليه أشار بقوله: (أو غيرهما).
(ثم إن بان خيرًا مما شرط) كما إذا شرط أنها كتابية فخرجت مسلمة، أو ثيب فخرجت بكرًا (. . فلا خيار) لزيادة الخير.
(وإن بان دونه) أي: دون المشروط (. . فلها الخيار) للخلف، وقضية إطلاقه:
الجزء: 3 - الصفحة: 123
وَكَذَا لَهُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ ظَنَّهَا مُسْلِمَةً أَوْ حُرَّةً فَبَانَتْ كِتَابِيَّةً أَوْ أَمَةً وَهِيَ تَحِلُّ لَهُ. . فَلَا خِيَارَ فِي الأَظْهَرِ.
ثبوت الخيار لها إذا بان نسبه دون ما شرطته ولو ساواها في نسبها أو زاد عليها، والأظهر في "الروضة" و"الشرح الصغير": المفع، وهو قضية "الشرح الكبير" 450، لكن نقل البُلْقيني والزركشي: أن الشافعي رضي الله عنه رجّح في "الأم" ثبوت الخيار فقال: إنه أشبه القولين، وبه أقول.
انتهى.
وقضية إطلاق المصنف أيضًا: أنها لو شرطت حريته، فبان عبدًا أن لها الخيار ولو كانت أمة، وفي المسألة وجهان في "الروضة" و"أصلها" بلا ترجيح؛ فإن أثبتناه.
. فهو للسيد لا لها، قاله القاضي والإمام والمتولي 451.
(وكذا له في الأصح) للغرور، والثاني: لا؛ لإمكان الطلاق، وحكم النسب من جانبها كهو من جانبه؛ فلا خيار له إلا إذا كان نسبها دون نسبه؛ كما قدمناه.
وقضية كلامه: ثبوت الخيار إذا شرط حريتها فخرجت أمة وإن كان عبدًا، والذي في "أصل الروضة": إن كان الزوج حرًّا.
. فله الخيار، أو عبدًا.
. فلا على المذهب فيهما 452.
(ولو ظنها مسلمة أو حرة) ولم يشرط ذلك (فبانت كتابية أو أمة وهي تحل له.
. فلا خيار في الأظهر) كما لو اشترى عبدًا يظنه كاتبًا فأخلف ظنه، والثاني: له الخيار؛ لأن ظاهر الدار الإسلام والحرية، فإذا خالف ذلك.
. ثبت الخيار؛ كما أنه لمّا كان الظاهر في المبيع السلامة؛ فإذا اطلع على عيب به.
. ثبت الخيار، ومنهم من قطع بثبوت الخيار في الكتابية دون الأمة؛ كما هو المنصوص 453.
وفرق بتقصير ولي الكافرة بإخفاء العلامة التي يتميز بها، وولي الرقيقة لا يتميز عن ولي الحرة، ولأن الكفر منفر.
الجزء: 3 - الصفحة: 124
وَلَوْ أَذِنَتْ فِي تَزْوِيجِهَا بِمَنْ ظَنَّتْهُ كُفْئًا فَبَانَ فِسْقُهُ أَوْ دَنَاءَةُ نَسَبهِ أَوْ حِرْفَتِهِ. . فَلَا خِيَارَ لَهَا. قُلْتُ: وَلَوْ بَانَ مَعِيبًا أَوْ عَبْدًا. . فَلَهَا الْخِيَارُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَتَى فُسِخَ بِخُلْفٍ. . فَحُكْمُ الْمَهْرِ وَالرُّجُوعِ بِهِ عَلَى الْغَارِّ مَا سَبَقَ فِي الْعَيْبِ، وَالْمُؤَثِّرُ تَغْرِيرٌ قَارَنَ الْعَقْدَ
(ولو أذنت في تزويجها بمن ظنته كفئًا.
. فبان فسقه أو دناءة نسبه أو حرفته.
. فلا خيار لها) لأن التقصير منها ومن الولي حيث لم يبحثا، وليس كظن السلامة عن العيب؛ إذ الغالب السلامة، وهنا لا يمكن أن يقال: الغالب الكفاءة، وحكى الإمام الاتفاق عليه، وجرى عليه الغزالي، لكن في "فتاوى البغوي": الجزم بثبوت الخيار إذا بان فسقه، وحكاه عنه الرافعي قبيل (الصداق)، ووافقه المصنف في "الروضة" من "زياداته" هنا فقال: المختار: ثبوت الخيار في الجميع؛ يعني: إذا بان دناءة نسبه أو حرفته أو فسقه أو رقّه، وتعجب من الرافعي حيث خالفه هنا وقال بعدم ثبوت الخيار، وتعجب السبكي من المصنف كيف وافق في "المنهاج" الرافعي مع نقله هذا؟ !
(قلت: ولو بان معيبًا أو عبدًا.
. فلها الخيار، والله أعلم) لاقتضاء الإطلاق السلامة في المعيب، وأما في العبد.
. فلأن نقص الرق يؤثر في حقوق النكاح؛ لما لسيده من منعه منها بالخدمة، ولا يلزمه إلا نفقة المعسرين.
ومسألة المعيب قد علم حكمها من أولي الباب فذكرها تكرار.
(ومتى فسخ بخلف.
. فحكمُ المهر والرّجوع به على الغارِّ ما سبق في العيب) أي: فيسقط قبل الدخول، ويجب بعده مهر المثل على الأصحِّ، ولا يرجع به على من غرّه.
(والمؤثر تغرير قارن العقد) أي: مشروطًا فيه؛ لأن الشروط إنما تؤثر في العقود إذا ذكرت في صلب العقد، وأما التغرير السابق.
. فلا يؤثر في صحة العقد ولا في الخيار على الصحيح، وأما الرجوع بالمهر -إذا قلنا: بالرجوع على القديم-.
. فالتغرير السابق كالمقارن، قاله الغزالي، وارتضياه 454.
والفرق: أن تعلق الضمان بالتغرير أوسع بابًا؛ بدليل رجوعه على قول بمجرد السكوت.
الجزء: 3 - الصفحة: 125
وَلَوْ غُرَّ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ وَصَحَّحْنَاهُ. . فَالْوَلَدُ قَبْلَ الْعِلْمِ حُرٌّ، وَعَلَى الْمَغْرُورِ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهَا وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْغَارِّ، وَالتَّغْرِيرُ بِالْحُرِّيَّةِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ سَيِّدِهَا بَلْ مِنْ وَكِيلِهِ أَوْ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْهَا. . تَعَلَّقَ الْغُرْمُ بِذِمَّتِهَا، وَلَوِ انْفَصَلَ الْوَلَدُ مَيْتًا بِلَا جِنَايَةٍ. . فَلَا شَيْءَ فِيهِ.
(ولو غُرَّ بحرية أمة وصححناه.
. فالولد قبل العلم حرٌّ) ولو كان الزوج عبدًا؛ لاعتقاده أنها حرة، وولد الحرة لا ينعقد إلا حرًّا فاعتبر ظنه؛ كما لو وطئ أمة الغير على ظن أنها زوجته الحرة، أما بعد العلم.
. فهو رقيق.
وقوله: (صححناه) قيد مضر؛ فإن الولد حرّ صححنا النكاح أو أفسدناه؛ للتعليل السابق.
(وعلى المغرور قيمته لسيدها) لأنه فوت الرق بظنه الحرية، وتعتبر قيمته يوم الولادة وهي في ذمة الحر، وكذا العبد على الأصحِّ، (ويرجع بها على الغارِّ) إن غرم؛ لأنه هو الذي أوقعه في الغرامة.
(والتغرير بالحرية لا يتصور من سيدها) لأنه متى قال: (زوجتك هذه الحرة) أو (على أنها حرة).
. عتقت، كذا قالاه 455. قال ابن الرفعة: وفيه نظر إن لم يقصده؛ لأن هذه صيغة وصف، وليست صريحة في الإنشاء.
وما ذكره من عدم تصوره من سيدها ممنوع، بل يتصور في صور: منها: ما لو كانت مرهونة، وهو معسر، ومنها: ما لو كان محجورًا عليه بفلس، وأذن له الراهن والغرماء في التزويج، ومنها: لو كان مكاتبًا وزوجها بإذن سيده، ومنها: ما إذا كان اسمها حرة.
(بل من وكيله أو منها) أو منهما جميعًا، وفي معنى وكيله وليه إذا كان محجورًا عليه، ولا اعتبار بقول من ليس بعاقد ولا معقود عليه.
(فإن كان منها.
. تعلّق الغرم بذمتها) فتطالب به إذا عتقت؛ لأنه لا مال لها في الحال، ولا يتعلق بكسبها ولا برقبتها.
(ولو انفصل الولد ميتًا بلا جناية.
. فلا شيء فيه) لأن قيمته تعتبر عند الوضع، وإذا خرج ميتًا.
. لم تكن له قيمة في ذلك الوقت؛ فلا يقابل بالضمان، وإن انفصل
الجزء: 3 - الصفحة: 126
وَمَنْ عَتَقَتْ تَحْتَ رَقِيقٍ أَو مَنْ فِيهِ رِقٌّ. . تَخَيَّرَتْ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ؛ فَإِنْ قَالَتْ: (جَهِلْتُ الْعِتْقَ). . صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا إِنْ أَمْكَنَ؛ بِأَنْ كَانَ الْمُعْتِقُ غَائِبًا، وَكَذَا إِنْ قَالَتْ: (جَهِلْتُ الْخِيَارَ بِهِ) فِي الأَظْهَرِ،
بجناية؛ فإن كان الجاني أجنبيًّا.
. فتجب على عاقلته غرة للجنين، وهي للمغرور؛ لأنه أبوه ووارثه، ويغرم المغرور عشر قيمة الأمّ للسيد وإن زادت على قيمة الغرة في الأصحِّ؛ لأن الجنين الرقيق يغرم بهذا القدر، وإن كان الجاني المغرورَ أو عبدَه.
. فللسيد أيضًا عشر قيمة الأم، وإن كان سيدَ الأمة.
. فعلى عاقلته الغرة للمغرور، وعليه 456 عشر قيمة الأم.
(ومن عتقت تحت رقيق أو من فيه رقّ.
. تخيَّرت في فسخ النكاح) بالإجماع، ولا تحتاج إلى حاكم؛ لثبوته بالنص والإجماع 457.
ويستثنى: ما لو عتقت في مرض الموت قبل الدخول وكانت لا تخرج من الثلث إلا بضم الصداق إلى المال.
. فلا خيار لها؛ إذ لو فسخت.
. لسقط الصداق، فيرق بعضها بسبب سقوطه، ومتى عاد الرق في بعضها.
. امتنع الخيار، فثبوته يؤدي إلى نفيه، فمنع من أصله، ولو عتق الزوج قبل فسخها.
. سقط خيارها على المذهب؛ لزوال الضرر.
(والأظهر: أنه على الفور) إذا كانت بالغة عاقلة؛ كخيار العيب، والثاني: إلى ثلاثة أيام؛ لأنها مدة قريبة فتتروّى فيها.
(فإن قالت: "جهلت العتق".
. صُدِّقت بيمينها إن أمكن؛ بأن كان المعتق غائبًا) أو كان في محلة أخرى من البلد، إذ الأصل: عدم علمها، وإن كذبها ظاهر الحال؛ كأن كانت معه في بيته.
. فالمصدّق الزوج، وعبارة "المحرر" كـ"الروضة" 458: إن لم يكذبها ظاهر الحال، وهي أحسن، فإن الإمكان موجود في الحالتين.
(وكذا إن قالت: "جهلت الخيار به" في الأظهر) لأنه مما يخفى على غالب الناس، والثاني: لا تصدق، كما في الرد بالعيب، قال الرافعي: والفرق: أن الفسخ بالعيب مشهور يعرفه كل أحد، وهذا خفي لا يعرفه إلا الخواص، وخص
الجزء: 3 - الصفحة: 127
فَإِنْ فَسَخَتْ قَبْلَ وَطْءٍ.
. فَلَا مَهْرَ، وَبَعْدَهُ بعِتْقٍ بَعْدَهُ.
. وَجَبَ الْمُسَمَّى، أَوْ قَبْلَهُ.
. فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَقِيلَ: الْمُسَمَّى، وَلَوْ عَتَقَ بَعْضُهَا أَوْ كُوتِبَتْ أَوْ عَتَقَ عَبْدٌ تَحْتَهُ أَمَةٌ.
. فَلَا خِيَارَ.
فَصْلٌ [في الإعفاف]
يَلْزَمُ الْوَلَدَ إِعْفَافُ الأَبِ
الماوردي الخلاف بمن يحتمل صدقها وكذبها، أما من علم صدقها -كالعجمية-.
. فقولها مقبول قطعًا، ومن علم كذبها بمخالطة الفقهاء.
. فقولها غير مقبول قطعًا 459.
ولو ادعت جهل الفور.
. فكجهل الخيار به، قاله ابن الصباغ في (باب اللعان)؛ كما قاله في "المهمات" 460.
(فإن فسخت قبل وطء.
. فلا مهر) وإن كان حقًّا للسيد؛ لأن الفسخ من جهتها، وليس للسيد منعها من الفسخ؛ لما يلحقها من الضرر مع البقاء.
(وبعده) أي: بعد الوطء (بعتق بعده.
. وجب المسمّى) لاستقراره بالوطء (أو قبله) أي: فسخت بعد الوطء بعتق قبله وكانت جاهلة به (. . فمهر مثل) لأن الفسخ يستند إلى حالة العتق، وصار الوطء كأنه في نكاح فاسد، (وقيل: المسمّى) لاستقراره بالوطء.
(ولو عتق بعضها أو كوتبت، أو عتق عبد تحته أمة.
. فلا خيار) أما في الأوليين.
. فلبقاء النقصان وأحكام الرق، وأما في الثالثة.
. فلأنه لا يتعير بافتراش الناقصة، ويمكن الخلاص بالطلاق، بخلاف العكس، وللزوج وطء العتيقة ما لم تفسخ، وكذا لزوج الصغيرة والمجنونة العتيقتين ما لم يفسخا بعد البلوغ والإفاقة، ذكره في "زوائد الروضة" 461.
(فصل: يلزم الولد) الموسر، ولو أنثى وكافرًا (إعفاف الأب) الحر، ولو كافرًا
الجزء: 3 - الصفحة: 128
وَالأَجْدَادِ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ بِأَنْ يُعْطِيَهُ مَهْرَ حُرَّةٍ، أَوْ يَقُولَ: (انْكِحْ وَأُعْطِيكَ الْمَهْرَ)، أَوْ يَنْكِحَ لَهُ بِإِذْنِهِ وَيُمْهِرَ، أَوْ يُمَلِّكَهُ أَمَةً أَوْ ثَمَنَهَا، ثُمَّ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُمَا. وَلَيْسَ لِلأَبِ تَعْيِينُ النِّكَاحِ دُونَ التَّسَرِّي، وَلَا رَفِيعَةٍ. وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى مَهْرٍ. . فَتَعْيِينُهَا لِلأَبِ. وَيَجِبُ التَّجْدِيدُ إِذَا مَاتَتْ أَوِ انْفَسَخَ بِرِدَّةٍ أَوْ فَسَخَهُ بِعَيْبٍ، وَكَذَا إِنْ طَلَّقَ بِعُذْرٍ فِي الأَصَحِّ.
في الأصحِّ (والأجداد) ولو من جهة الأم (على المشهور) لأن في تركه تعريضًا للزنا المفضي إلى هلاكه، وليس من المصاحبة بالمعروف، ولأنه من وجوه حاجاته المهمة؛ كالنفقة والكسوة، والثاني: لا يلزم، وهو مخرج كما لا يلزم إعفاف الابن، أما إذا كان الأب عبدًا.
. لم يلزم إعفافه.
وفهم من قوله: (إعفاف الأب): أنه لا يلزم إعفاف الأم، وهو كذلك.
(بأن يعطيه مهر حرة) ولو كتابية في الأصحِّ (أو يقول: "انكح وأعطيك المهر"، أو ينكح له بإذنه ويُمهر، أو يُملِّكه أمة) تحل له (أو ثمنها) لأن غرض الإعفاف يحصل بجميع هذه الطرق، ولا بدّ في الحرة والأمة أن يحصل مقصود الإعفاف؛ فلا يكفي تزويجه أو تمليكه عجوزًا أو شوهاء؛ كما ليس له أن يطعمه طعامًا فاسدًا لا ينساغ.
(ثم عليه مؤنتهما) أي: مؤنة الأب ومن أعفه به من زوجة أو أمة؛ لأن ذلك من تتمة الإعفاف.
(وليس للأب تعيين النكاح دون التسري) ولا عكسه (ولا رفيعة) أي: رفيعة المهر بجمال أو شرف أو يسار؛ لأن ذلك قد يجحف بالولد، والغرض يحصل بدونها.
(ولو اتفقا على مهر.
. فتعيينها للأب) لأنه أقرب إلى إعفافه، ولا ضرر فيه على الابن.
(ويجب التجديد إذا ماتت أو انفسخ بردة) أو رضاع (أو فسخه بعيب) فيها؛ لبقاء الحاجة إلى الإعفاف في الصور كلها؛ كما لو دفع إليه نفقة فسرقت منه.
(وكذا إن طلق) أو خالع (بعذر) كشقاق ونشوز (في الأصح) كما في الموت، والثاني: المنع؛ لأنه المفوت، أما إذا طلّق بغير عذر.
. فلا يجب التجديد؛ لتقصيره، وقيل: يجب؛ لأن في تكليفه إمساك زوجة واحدة عسرًا 462، وإذا وجب
الجزء: 3 - الصفحة: 129
وَإِنَّمَا يَجِبُ إِعْفَافُ فَاقِدِ مَهْرٍ مُحْتَاج إِلَى النِّكَاحِ، وَيُصَدَّقُ إِذَا ظَهَرَتْ حَاجَتُهُ بِلَا يَمِينٍ. ويحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْءُ أَمَةِ وَلَدِهِ، وَالْمَذهَبُ: وُجُوبُ مَهْرٍ لَا حَدٍّ، فَإِنْ أَحْبَلَ. . فَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ،
التجديد؛ فإن كان بائنًا.
. ففي الحال، أو رجعيًا.
. فبعد انقضاء العدة، ولو أعتق الأمة بعذر.
. فالوجهان، كذا قالاه 463، وفيه نظر؛ إذ يمكن بيعها والاستبدال بغيرها.
(وإنما يجب إعفاف فاقد مهر) لأن به تتحقق الحاجة (محتاج إلى النكاح) أي: تائق إليه.
(ويُصَدّق، إذا ظهرت حاجته) لأنه لا يعلم إلا من جهته (بلا يمين) لأن تحليفه في هذا المقام لا يليق بحرمته.
(ويحرم عليه وطء أمة ولده) بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، وليست بواحدة منهما.
(والمذهب: وجوب مهرٍ لا حدٍّ) أما درء الحد.
. فلشبهة الإعفاف، وأما وجوب المهر.
. فلأنه وطء شبهة يسقط الحد، فوجب به المهر؛ كوطء أمة الأجنبي بشبهة.
نعم؛ يعزر على الأصحِّ؛ وفاء لحق الله تعالى.
ومحل الخلاف في الحد: إذا لم يخْف عليه التحريم، فإن خفي.
. فلا حدّ قطعًا.
وقضيته: أنه لا حدّ ولو كانت مستولدة الفرع، وهو قضية كلام الشيخ أبي حامد وغيره، وقضية ما في "الشرح الصغير" ترجيحه، لكن في "الروضة" و"أصلها" عن الروياني عن الأصحاب وأقراه: وجوبه قطعًا؛ لتعذر أن يملكها الأب، بخلاف أمته الموطوءة 464.
(فإن أحبل.
. فالولد حرٌّ نسيب) كما لو وطئ جارية أجنبي بشبهة.
وشمل إطلاقه: ما لو كان الأب رقيقًا، وبه أفتى القفال وأقرّاه 465، لكن في
الجزء: 3 - الصفحة: 130
فَإِنْ كَانَتْ مُسْتَوْلَدَةً لِلابْنِ. . لَمْ تَصِرْ مُسْتَوْلَدَةً لِلأَبِ، وَإِلَّا. . فالأَظْهَرُ: أَنَّهَا تَصِيرُ، وَأَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهَا مَعَ مَهْرٍ،
"تعليق القاضي حسين": أن الصحيح من المذهب: المنع.
(فإن كانت مستولدة للابن.
. لم تصر مستولدة للأب) لأن أمية الولد لا تقبل النقل.
(وإلا) أي: وإن لم تكن مستولدة الابن (. . فالأظهر: أنها تصير) مستولدة للأب؛ للشبهة التي اقتضت انتفاء الحدِّ ووجوب المهر، والثاني: أنها لا تصير؛ لأنها ليست ملكه وقت الإحبال، فصار كما لو استولد جارية بالنكاح، والثالث: إن كان الأب موسرًا.
. فنعم، وإلا.
. فلا.
ويستثنى من إطلاقه: ما لو كان رقيقًا أو مكاتبًا أو مبعضًا.
. فلا يثبت الاستيلاد.
(وأن عليه قيمتها مع مهر) كما لو استولد أحد الشريكين الجارية المشتركة.
. يجب عليه نصف القيمة مع نصف المهر.
وقضية كلامه: أن مقابل الأظهر: قول: أنه لا تجب عليه القيمة ولا المهر، ولم يحكياه في "الشرح" و"الروضة"، بل الذي فيهما: أنا إن أثبتنا الاستيلاد.
. فالحكم: ما ذكر، وإن لم نثبته.
. فلا يجوز للابن بيع الأمة ما لم تضع؛ لأنها حامل بحرٍّ، وهل على الأب قيمتها في الحال للحيلولة، ثم يسترد عند الوضع؟ فيه وجهان: أصحهما: المنع؛ لأن يده مستمرة عليها، وينتفع بالاستخدام وغيره.
انتهى 466.
وما أطلقه من وجوب المهر فيما إذا أحبل محمولٌ على ما إذا تأخر الإنزال عن تغييب الحشفة؛ كما هو الغالب، فان حصل الإنزال مع تغييبها.
. فقد اقترن وجوب المهر بالعلوق، فينبغي أن ينزل المهر منزلة قيمة الولد، قاله الإمام، وأقرّاه 467.
ولو كانت بكرًا فافتضها.
. لزمه أرش بكارتها مع ذلك؛ لأنه أتلف عضوًا من بدنها، قاله الماوردي 468.
الجزء: 3 - الصفحة: 131
لَا قِيمَةَ وَلَدٍ فِي الأَصَحِّ. وَنكَاحُهَا، فَلَوْ مَلَكَ زَوْجَةَ وَالِدِهِ الَّذِي لَا تَحِلُّ لَهُ الأُمَةُ. . لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ فِي الأَصَحِّ. وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ أَمَةِ مُكَاتَبِهِ، فَإِنْ مَلَكَ مُكَاتَبٌ زَوْجَةَ سَيِّدِهِ. . انْفَسَخَ النِّكَاحُ فِي الأَصَحِّ.
(لا قيمة ولد في الأصح) لأنه التزم قيمتها، والولد جزء منها فاندرج، والثاني: تجب؛ كوطء الشبهة.
(ونكاحها) أي: ويحرم عليه نكاح أمة ولده؛ لأن له فيها شبهة، فسقط الحد بوطئها، فلم يحل له نكاحها؛ كالأمة المشتركة بينه وبين غيره، وهذا في الأب الحر، أما الرقيق.
. فيجوز له نكاحها، إذ ليس عليه إعفافه ولا نفقته.
ويستثنى: جارية ابنه من الرضاع؛ فإنه يجوز له نكاحها؛ كما قاله في "زيادة الروضة" قال: ويجوز له نكاح جارية أبيه وأمه قطعًا؛ لعدم وجوب الإعفاف 469.
(فلو ملك زوجة والده الذي لا تحل له الأمة) أي: في حال تمليكها الابن وكان نكحها قبل ذلك بشرطه (. . لم ينفسخ النكاح في الأصح) لأن الأصل في النكاح الثابت الدوام، وللدوام من القوة ما ليس للابتداء، والثاني: ينفسخ؛ كما لو ملك زوجته.
وقوله: (الذي لا تحل له) يحترز به عما لو حلّ له نكاح أمة ولده؛ لكون الأصل رقيقًا، أو لكون الولد معسرًا لا يلزمه إعفافه، أو لكون الولد مكاتبًا وأذن له سيده في تزويجها، وجوزنا للأب حينئذ نكاح هذه الأمة؛ فإن طرو ملك الولد لا ينفسخ به النكاح جزمًا؛ إذ لم يطرأ ما ينافي النكاح، وبذا يظهر أن ما قاله في "المهمات": إن هذا التقييد لا فائدة له.
. ليس كذلك 470.
(وليس له نكاح أمة مكاتبه) لقوة الشبهة؛ ولهذا تصير أم ولد بإيلاده.
(فإن ملك مكاتب زوجة سيده.
. انفسخ النكاح في الأصح) لأن تعلق السيد بملك المكاتب أشد من تعلق الأب، والثاني: لا ينفسخ؛ كما سبق في ولده.
الجزء: 3 - الصفحة: 132
فَصْلٌ [في نكاح الرقيق]
السَّيِّدُ بِإِذْنِهِ فِي نِكَاحِ عَبْدِهِ لَا يَضْمَنُ مَهْرًا وَنَفَقَةً فِي الْجَدِيدِ، وَهُمَا فِي كَسْبِهِ بَعْدَ النِّكَاحِ الْمُعْتَادِ وَالنَّادِرِ. فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْتِّجَارَةِ. . فَفِيمَا بِيَدِهِ مِنْ رِبْحٍ، وَكَذَا رَأْسُ مَالٍ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكْتَسِبًا وَلَا مَأْذُونًا لَهُ. . فَفِي ذِمَّتِهِ،
(فصل: السيد بإذنه في نكاح عبده لا يضمن مهرًا ونفقة في الجديد) لأنه لم يلتزمه تصريحًا ولا تعريضًا، ولو أذن بشرط الضمان.
. فلا ضمان أيضًا؛ لأنه لا وجوب عند الإذن، والقديم: يضمن؛ لأن الإذن يقتضي الالتزام، وليس فيه تخصيص بالكسب، ولا فرق بين مال ومال.
(وهما في كسبه) لأن الأمر بشيء أمر بلوازمه، وأقرب شيء إلى العبد كسبه، وظاهره: أنهما لا يتعلقان مع الكسب بذمة العبد وهو وجه، والأصحُّ: التعلق (بعد النكاح) فلا يؤدي مما كسبه قبله؛ لأن الإذن لم تتناوله، وهذا بالنسبة إلى المهر الحال، أما النفقة.
. فتتوقف بعد النكاح على التمكين، وأما المهر المؤجل.
. فلا يتعلق إلا بما يكسبه بعد الحلول.
وقضيته: التسوية بين المهر والنفقة، وليس كذلك، بل يبدأ بالنفقة فينظر في كسبه كل يوم، فيؤدي منه النفقة؛ فإن فضل شيء.
. صرف إلى المهر، وهكذا كل يوم، فإذا تم.
. صرف الفاضل عن النفقة إلى السيد ولا يدخر للنفقة.
(المعتاد) كالحرفة والاصطياد، والاحتطاب، (والنادر) كالهبة والوصية.
(فإن كان مأذونًا له في التجارة.
. ففيما بيده من ربح) لأنه نماء كسبه، سواء الحاصل قبل النكاح وبعده على الأصحِّ، بخلاف الكسب.
(وكذا رأس مال في الأصح) لأنه دين لزمه بعقد مأذون فيه؛ فكان كدين التجارة، والثاني: المنع؛ كسائر أموال السيد، وهذا كله في المهر الذي يتناوله الإذن، أما لو قدّر السيد مهرًا، فزاد العبد.
. فالزيادة لا تتعلق إلا بالذمة، وفيه احتمال للإمام 471.
(وإن لم يكن مكتسبًا ولا مأذونًا له.
. ففي ذمته) إن رضيت بالمقام معه؛ لأنه دين
الجزء: 3 - الصفحة: 133
وَفِي قَوْلٍ: عَلَى السَّيِّدِ. وَلَهُ الْمُسَافَرَةُ بِهِ وَيَفُوتُ الاسْتِمْتَاعُ. وَإِذَا لَمْ يُسَافِرْ. . لَزِمَهُ تَخْلِيَتُهُ لَيْلًا لِلاسْتِمْتَاعِ، وَيَسْتَخْدِمُهُ نَهَارًا إِنْ تَكَفَّلَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ، وَإِلَّا. . فَيُخْلِيهِ لِكَسْبِهِمَا، وَإِنِ اسْتَخْدَمَهُ بِلَا تَكَفُّلٍ. . لَزِمَهُ الأَقَلُّ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلٍ وَكُلِّ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ. وَلَوْ نَكَحَ فَاسِدًا وَوَطِئَ. . فَمَهْرُ مِثْلٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: فِي رَقَبَتِهِ. وَإِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ. . اسْتَخْدَمَهَا نَهَارًا
لزم برضا مستحقه، فتعلق بذمته؛ كبدل القرض، (وفي قول: على السيد) لأن الإذن لمن هذا حاله التزام للمؤن.
(وله المسافرة به ويفوت الاستمتاع) لأنه مالك الرقبة، فقدم حقه، وللعبد استصحاب الزوجة، والكراء في كسبه.
(وإذا لم يسافر.
. لزمه تخليته ليلًا للاستمتاع) لأنه وقت الاستراحة؛ إذ لا يجوز استخدامه في جميع الأوقات.
(ويستخدمه نهارًا إن تكفل المهر والنفقة) قطعًا (وإلا.
. فيُخْلِيه لكسبهما) لأنه أحال حقوق النكاح على الكسب، فوجب التخلية.
(وإن استخدمه بلا تكفل.
. لزمه الأقل من أجرة مثل، وكل المهر والنفقة) لأن أجرته إن زادت.
. كان له أخذ الزيادة، وإن نقصت.
. لم يلزمه إتمام النفقة؛ كفداء الجاني، (وقيل: يلزمه المهر والنفقة) وإن زادت على أجرة المثل؛ لأنه ربما كسب في ذلك ما يفي بالجميع، وعلى الوجهين: المراد بالنفقة: نفقة مدة الاستخدام، وقيل: مدة النكاح ما امتدّت.
(ولو نكح فاسدًا) مثل إن قرن به شرط فاسد يخل بمقصود النكاح؛ كشرط الخيار، وعدم الوطء، أو تزوج بغير إذن السيد، (ووطئ.
. فمهر مثل في ذمته) لحصوله برضا المستحق؛ كما لو اشترى بغير إذن السيد وأتلف، قال الرافعي: والقياس: تعلقه بكسبه إن أذن له السيد في النكاح الفاسد 472، (وفي قول: في رقبته) لأنه إتلاف، فبدله في رقبته؛ كسائر الإتلافات.
(وإذا زوّج أمته.
. استخدمها نهارًا) بنفسه أو يؤجرها؛ لأن ملكه لم يزل عنها،
الجزء: 3 - الصفحة: 134
وَسَلَّمَهَا لِلزَّوْجِ لَيْلًا، وَلَا نَفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ حِينَئِذٍ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَخْلَى فِي دَارِهِ بَيْتًا وَقَالَ لِلزَّوْجِ: (تَخْلُو بِهَا فِيهِ). . لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الأَصَحِّ. وَلِلسَّيِّدِ السَّفَرُ بِهَا وَلِلزَّوْجِ صُحْبَتُهَا.
(وسلّمها للزوج ليلًا) لأنه وقت الاستمتاع عادة.
وقضيته: أنه من الغروب، لكن نص في "البويطي": أنه يسلمها بعد الثلث الأول 473، وقال ابن الصباغ: يسلمها إذا فرغت من الخدمة بحكم العادة، واستحسنه السبكي.
وأفهم قول المصنف: (استخدمها): أن هذا في غير المكاتبة؛ لأن المكاتبة ليس له استخدامها أصلًا، فيسلمها ليلًا ونهارًا؛ كما جزم به الماوردي، وحكى القاضي فيها وجهين.
(ولا نفقة على الزوج حينئذ في الأصح) لعدم التمكين التام، والثاني: يجب شطر النفقة؛ توزيعًا لها على الزمان، والثالث: يجب الكل؛ للتسليم الواجب، ويجري الوجهان الأوّلان فيما إذا سلمت الحرة نفسها ليلًا، واشتغلت عن الزوج نهارًا، قاله الرافعي، وجزم في "زوائد الروضة": بالمنع هنا، لكنه أثبت وجه التقسيط في (النفقات) 474.
وأفهم كلام المصنف: وجوب المهر، وهو الأصحُّ في "زيادة الروضة" لأنه يجب بسبب واحد وقد حصل 475.
(ولو أخلى في داره بيتًا، وقال للزوج: "تخلو بها فيه".
. لم يلزمه في الأصح) لأن الحياء، والمروءة يمنعانه من دخول دار السيد، والثاني: يلزمه؛ لتدوم يده على ملكه، وفيه وصول الزوج إلى غرضه، وعلى الأول: لا نفقة.
(وللسيد السفر بها) تقديمًا لمالك الرقبة على مالك المنفعة، (وللزوج صحبتها) ليستمتع بها في وقته؛ لأن السفر كالحضر، ولا نفقة عليه إذا لم يسافر جزمًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 135
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ قَتَلَهَا أَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ دُخُولٍ. . سَقَطَ مَهْرُهَا، وَأَنَّ الْحُرَّةَ لَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا، أَوْ قَتَلَ الأَمَةَ أَجْنَبِيٌّ أَوْ مَاتَتْ. . فَلَا كَمَا لَوْ هَلَكَتَا بَعْدَ دُخُولٍ. وَلَوْ بَاعَ مُزَوَّجَةً. . فَالْمَهْرُ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ طُلِّقَتْ قَبْلَ دُخُولٍ. . فَنِصْفُهُ لَهُ. وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِهِ. . لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ.
(والمذهب: أن السيد لو قتلها أو قتلت نفسها قبل دخول.
. سقط مهرها، وأن الحرّة لو قتلت نفسها، أو قتل الأمةَ أجنبي أو ماتت.
. فلا؛ كما لو هلكتا بعد دخول) اعلم: أن الشافعي رضي الله عنه نص في قتل السيد الأمة، وقتلها نفسها على السقوط؛ كما ذكره في "الكفاية"، وفي قتل الحرة نفسها على عدمه؛ فمنهم: من خرجهما على قولين.
ووجه المنع فيهما: أنها فرقة حصلت بانتهاء العمر فكانت كالموت، ووجه السقوط: انقطاع النكاح قبل الدخول من قبل مستحق المهر، فكان كالردة.
ومنهم: من قرر النصين وفرق: بأن الحرة في حكم المقبوضة؛ ولهذا يسافر بها، بخلاف الأمة، ولأن الغرض من نكاح الحرة الألفة والمواصلة دون الوطء وقد وجد بالعقد، والغرض من الأمة الوطء؛ ولهذا يشترط خوف العنت، وذلك غير حاصل قبل الدخول، ولأنه استفاد ميراث الحرة فغرم مهرها، بخلاف الأمة، والأصحُّ: طريقة القولين، والأصحُّ من القولين فيهما: ما ذكره المصنف.
وأما إذا قتل الأمة أجنبي أو ماتت.
. فلا يسقط على المذهب؛ لأن الفرقة لم تحصل من جهة الزوجة، ولا من مستحق المهر، وقيل: يسقط فيهما؛ لأنها ليست في قبضته.
(ولو باع مزوجة.
. فالمهر للبائع) وإن لم يدخل بها إلا بعد البيع؛ لوجوبه بالعقد والعقد كان في ملكه، وهذا في النكاح الصحيح، أما الفاسد؛ فإن وطئت بعد البيع.
. فمهر المثل للمشتري، أو قبله.
. فللبائع.
ويستثنى: ما لو فوضها ثم جرى الفرض أو الدخول بعد البيع.
. فالمفروض أو مهر المثل للمشتري على الأصحِّ؛ لوجوبه في ملكه.
(فإن طُلقت قبل دخول.
. فنصفه له) لأنه مستحق بالعقد.
(ولو زوج أمته بعبده.
. لم يجب مهر) لأن السيد لا يثبت له على عبده دين بدليل
الجزء: 3 - الصفحة: 136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
جنايته أو إتلافه، وظاهره: أنه لم يجب شيء أصلًا وهو الأصحُّ، وقيل: وجب ثم سقط.
وفائدة الخلاف: تظهر فيما إذا زوّجه بها وفوض بضعها، ثم وطئها بعدما أعتقه؛ فإن قلنا بعدم الوجوب.
. فلا شيء للسيد على العبد، وإن قلنا: يجب ثم يسقط.
. وجب للسيد عليه مهر المثل؛ لأنه وجب بالوطء، وهو حر، فلا يسقط ما وجب عليه في تلك الحالة للسيد؛ لأنا إنما أسقطناه وهو رقيق؛ لأن السيد لا يثبت له على عبده شيء، وقد انتفى ذلك المعنى.
الجزء: 3 - الصفحة: 137
كتابُ الصَّدَاق يُسَنُّ تَسْمِيَتُهُ فِي الْعَقْدِ، وَيَجُوزُ إِخْلَاؤُهُ مِنْهُ. وَمَا صَحَّ مَبِيعًا. . صَحَّ صَدَاقًا.
﴿كتاب الصداق﴾
هو بفتح الصاد وكسرها، وأصله من الصِّدْقِ؛ لإشعاره بصدق رغبة الزوج في الزوجة، وله ثمانية أسماء مجموعة في بيت واحد: [من الطويل]
صَدَاقٌ وَمَهْرٌ نِحْلَةٌ وَفَرِيَضَةٌ ... حِبَاءٌ وَأَجْرٌ ثُمَّ عُقْرٌ عَلَائِقُ
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، وقوله عليه السلام: "الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ" 476، وهو مجمع عليه.
(يسن تسميته في العقد) للاتباع، ولأنه أقطع للنزاع بل يكره إخلاؤه منه؛ كما قاله الماوردي والمتولي 477.
(ويجوز إخلاؤه منه) بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
(وما صح مبيعًا.
. صح صداقًا) ولا يتقدر بشيء؛ لأنه عوض في العقد، فإن انتهى في القلة إلى حدٍّ لا يتمَّول.
. فسدت التسمية؛ كما اقتضاه كلامه؛ لأن مثل هذا لا يصح مبيعًا.
ويستحب: ألا ينقص عن عشرة دراهم خالصةً؛ لأن أبا حنيفة لا يُجوِّز أقلَّ منها، وألا يزيد على خمس مئة درهم؛ اقتداءً بنساء النبي صلى الله عليه وسلم 478.
ومقتضى كلام المصنف: أنه يستحب التسمية فيما إذا زوج أمته من عبده، وهو الجديد في "الروضة" تبعًا لبعض نسخ الرافعي، وفي بعض النسخ: أن الجديد: عدم الاستحباب، قال في "المهمات": والصواب الذي ذكره أئمة المذهب هو: استحبابه في القديم، وعدمه في الجديد، بل إن شاء.
. سمَّى، وإن شاء.
. لم يسم،
الجزء: 3 - الصفحة: 139
وَإِذَا أَصْدَقَ عَيْنًا فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ. . ضَمِنَهَا ضَمَانَ عَقْدٍ، وَفِي قَوْلٍ: ضَمَانَ يَدٍ، فَعَلَى الأَوَّلِ: لَيْسَ لَهَا بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ. . وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ، وَإِنْ أَتْلَفَتْهُ. . فَقَابِضَةٌ. وَإِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ. . تَخَيَّرَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ،
كذا صرح به ابن الصباغ والمتولي والروياني والعمراني وابن الرفعة.
واستثنى ابن الرفعة من هذا الضابط: جعل رقبة العبد صداقًا لزوجته الحرة، وجعل الأب أُمَّ ابنه صداقًا عن ابنه، وجعل إحدى أبوي الصغيرة صداقًا لها، فإن ذلك لا يثبت صداقًا مع صحة كونه مبيعًا.
وأجيب: بأن هذه تصح صداقًا في الجملة، والقصد بيان ما يصح إصداقه، وإنما امتنع في هذه الصور لمعنىً.
واستثنى بعضهم: الجواهر والقسي؛ فإن الشيخ أبا حامد قال: لا يجوز السلم فيها، كما لا يجوز جعلها صداقًا.
ورُدَّ: بأنه لا يصح بيعها في الذمة، ويصح بيعها وإصداقها إن كانت معينة.
. فالضابط منطبقٌ عليها.
(وإذا أصدق عينًا فتلفت في يده.
. ضمنها ضمان عقد) لأنها مملوكة بعقد معاوضة، فأشبهت المبيع في يد البائع، (وفي قول: ضمانَ يدٍ) كالمستعار والمستام؛ لعدم الانفساخ بالتلف.
والفرق بين الضمانين: أن ضمان العقد ما يضمن بمهر المثل، وضمان اليد يضمن بالبدل؛ المثل إن كان مثليًّا، والقيمة إن كان من ذوات القيم.
(فعلى الأول: ليس لها بيعه قبل قبضه) كالمبيع، وعلى الثاني: يجوز.
(ولو تلف في يده.
. وجب مهر مثلٍ) لأنه بدل البضع، ويتلف على ملك الزوج حتى لو كان عبدًا.
. لزمه تجهيزه، وعلى الثاني: يجب بدله من مثل أو قيمة؛ كما ذكرناه، ويتلف على ملكها.
(وإن أتلفته.
. فقابضة) ويبرأ الزوج؛ لأنها أتلفت حقها، وهذا على كل من القولين.
(وإن أتلفه أجنبي.
. تخيرت على المذهب) كنظيره في البيع.
الجزء: 3 - الصفحة: 140
فَإِنْ فَسَخَتِ الصَّدَاقَ. . أَخَذَتْ مِنَ الزَّوْجِ مَهْرَ مِثْلٍ، وَإِلَّا. . غَرَّمَتِ الْمُتْلِفَ. وَإِنْ أَتْلفَهُ الزَّوْجُ. . فَكَتَلَفِهِ، وَقِيلَ: كَأَجْنَبِيٍّ. وَلَوْ أَصْدَقَ عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ عَبْدٌ قَبْلَ قَبْضِهِ. . انْفَسَخَ فِيهِ لَا فِي الْبَاقِي عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَهَا الْخِيَارُ، فَإِنْ فَسَخَتْ. . فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَإِلَّا. . فَحِصةُ التَّالِفِ مِنْهُ. وَلَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ قَبْضِهِ. . تَخَيَّرَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ،
(فإن فسخت الصداق.
. أخذت من الزوج مهر مثل) إن قلنا ضمان عقد، وعلى مقابله: المثل أو القيمة، والزوج يرجع على المتلف، (وإلا) أي: وإن لم تفسخ (غرَّمت المتلف) المثل أو القيمة، وليس لها مطالبة الزوج إن قلنا بضمان العقد، فإن قلنا بضمان اليد.
. فلها تغريم الزوج أيضًا.
(وإن أتلفه الزوج.
. فكتلفه) بالآفة السماوية، (وقيل: كأجنبي) ورجحه في "الشرح الصغير"، والخلاف مبني على الخلاف في أن إتلاف البائع المبيع قبل القبض كالآفة أو كإتلاف الأجنبي، والأصحُّ: الأول.
(ولو أصدق عبدين فتلف عبدٌ قبل قبضه.
. انفسخ فيه لا في الباقي على المذهب) وهذا هو الخلاف في تفريق الصفقة في الدوام، وقد تقدم (ولها الخيار) لعدم سلامة المعقود عليه، (فإن فسخت.
. فمهرُ مثلٍ) على ضمان العقد، وعلى مقابله: تأخذ قيمة العبدين، (وإلا) أي: وإن لم تفسخ وأجازت (. . فحصة التالف منه) أي: فلها من مهر المثل حصة قيمة التالف، فإن كان الثلث.
. فلها ثلث مهر المثل، وهذا على ضمان العقد، وعلى ضمان اليد لها قيمة التالف.
(ولو تعيب قبل قبضه) كعمى العبد، ونسيان الحرفة (. . تخيرت على المذهب) وعن ابن الوكيل: لا خيار على قول ضمان اليد.
وقضية كلام المصنف: أن ذلك مفرع على ضمان العقد، ولا خلاف في ثبوت الخيار حينئذ، فكيف يقول على المذهب؟ ! ولا يصح أن يقال: إنه فرَّعه على القولين، كما صرح به الإمام والغزالي وغيرهما، وقال الرافعي: إنه الظاهر 479؛ فإنه قال بعده: (فإن فسخت)، وذلك مختص بضمان العقد.
الجزء: 3 - الصفحة: 141
فَإِنْ فَسَخَتْ. . فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَإِلَّا. . فَلَا شَيْءَ. وَالْمَنَافِعُ الْفَائِتَةُ فِي يَدِ الزَّوْجِ لَا يَضْمَنُهَا وَإِنْ طَلَبَتِ التَّسْلِيمَ فَامْتَنَعَ عَلَى ضَمَانِ الْعَقْدِ، وَكَذَا الَّذِي اسْتَوْفَاهَا بِرُكُوبٍ وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا لِتَقْبِضَ الْمَهْرَ الْمُعَيَّنَ وَالْحَالَّ لَا الْمُؤَجَّلَ، فَلَوْ حَلَّ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. . فَلَا حَبْسَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ كُلٌّ: (لَا أُسَلِّمُ حَتَّى تسُلِّمَ). . فَفِي قَوْلٍ: يُجْبَرُ هُوَ، وَفِي قَوْلٍ: لَا إِجْبَارَ، فَمَنْ سَلَّمَ. . أُجْبِرَ صَاحِبُهُ،
(فإن فسخت.
. فمهر مثل) على ضمان العقد، وعلى مقابله: لها بدل الصداق، (وإلا) أي: وإن لم تفسخ بل أجازت (. . فلا شيء) بل تأخذه معيبًا؛ كالبائع إذا رضي بالعيب، وهذا على ضمان العقد، وعلى مقابله: لها أرش النقص.
(والمنافع الفائتة في يد الزوج لا يضمنها وإن طلبت التسليم فامتنع على ضمان العقد) كما لو اتفق ذلك من البائع، وعلى ضمان اليد: عليه أجرة المثل من وقت الامتناع؛ لأنه بمنعه غاصبٌ.
(وكذا الذي استوفاها بركوبٍ ونحوه على المذهب) هو الخلاف في أن إتلاف البائع كتلفه بآفه سماوية، وقد سلفَ في بابه.
(ولها حبس نفسها لتقبض المهر المعيَّن والحالَّ) دفعًا لضرر فوات البضع؛ كما يثبت للبائع حق الحبس (لا المؤجل) لرضاها بالتأخير.
(فلو حلَّ قبل التسليم.
. فلا حبس في الأصح) لأنها قد رضيت أولًا بأن يكون الصداق على ذمته، ووجب عليها التسليم قبل القبض، فلا يرتفع بحلول الحق، والثاني: لها الحبس؛ كما لو كان حالًّا ابتداءً، ورجحه في "الشرح الصغير"، وصوبه في "المهمات" اعتمادًا على نصٍّ نقله عن المزني 480، لكن قال الأَذْرَعي: راجعت كلام المزني فوجدته من فقهه، ولم ينقله عن الشافعي.
(ولو قال كلٌّ: "لا أسلِّم حتى تُسلِّم".
. ففي قول: يجبر هو) لأن استرداد الصداق ممكن دون البضع، (وفي قول: لا إجبار، فمن سلَّم.
. أُجبر صاحبه) لأن كلًّا منهما وجب عليه حق بإزاء حقٍّ له، فلم يجبر على إيفاء ما عليه دون ماله،
الجزء: 3 - الصفحة: 142
وَالأَظْهَرُ يُجْبَرَانِ؛ فَيُؤْمَرُ بوَضْعِهِ عِنْدَ عَدْلٍ، وَتُؤْمَرُ بِالتَّمْكِينِ، فَإِذَا سَلَّمَتْ. . أَعْطَاهَا الْعَدْلُ. وَلَوْ بَادَرَتْ فَمَكَّنَتْ. . طَالَبَتْهُ، فَإِنْ لَمْ يَطَأِ. . امْتَنَعَتْ حَتَّى يُسَلِّمَ، وَإِنْ وَطِئَ. . فَلَا. وَلَوْ بَادَرَ فَسَلَّمَ. . فَلْتُمَكِّنْ، فَإِنِ مَنَعَتْ بِلَا عُذْرٍ اسْتَرَدَّ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ يُجْبَرُ.
(والأظهر: يجبران؛ فيؤمر بوضعه عند عدل، وتؤمر بالتمكين؛ فإذا سلَّمت.
. أعطاها العدل) لما فيه من فصل الخصومة، قال الإمام: فلو سلمت نفسها فلم يأتها.
. فالذي أراه أن على العدل تسليم الصداق إليها، فلو سلَّمه إليها فَهَمَّ بالوطء فامتنعت.
. فالوجه: استرداد الصداق منها 481.
ومحل القول الأول: ما إذا كانت مهيأة للاستمتاع، فإن كانت محبوسة أو ممنوعة بمرض.
. لم تجبر جزمًا، كذا قالاه 482، قال الأَذْرَعي وغيره: ولا يختص بهذا القول، بل هو متعين على كلِّ قولٍ، حتى لو بذلت نفسها وبها مانع من إحرام أو غيره.
. لم تجبر، صرَّح به بعضهم، وهو واضح ولا يجيء هنا القول الرابع في البيع، وهو إجبار الزوجة وإن كان مقتضى كلام الفوراني مجيئه؛ لفوات البضع عليها بالتسليم، بخلاف المبيع.
(ولو بادرت فمكنت.
. طالبته) على كل قول إذا بذلت ما في وسعها.
(فإن لم يطأ.
. امتنعت حتى يسلم) لأن القبض في النكاح بالوطء دون التسليم، وتصير بامتناعه كمن لم تسُلِّم، (وإن وطئ) طائعة (. . فلا) كما لو تبرع البائع بتسليم المبيع، ليس له استرداده ليحبسه، فلو كانت مكرهة.
. فلها الامتناع على الأصحِّ.
(ولو بادر فسلم.
. فلتمكن) لأنه فعل ما عليه.
(فإن منعت بلا عذر.
. استردَّ إن قلنا: إنه يجبَر) 483 على التسليم أولًا؛ لأنه لم يتبرع، أما إذا قلنا: لا يجبر.
. لم يسترد في الأصحِّ؛ لأنه تبرع بالمبادرة؛ كتعجيل الدين المؤجل.
الجزء: 3 - الصفحة: 143
وَلَوِ اسْتَمْهَلَتْ لِتَنَظُّفٍ وَنَحْوِهِ. . أُمْهِلَتْ مَا يَرَاهُ قَاضٍ وَلَا يُجَاوِزُ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، لَا لِيَنْقَطِعَ حَيْضٌ. وَلَا تُسَلَّمُ صَغِيرَةٌ وَلَا مَرِيضَةٌ حَتَّى يَزُولَ مَانِعُ وَطْءٍ. وَيَسْتَقِرُّ الْمَهْرُ بِوَطْءٍ وَإِنْ حَرُمَ كَحَائِضٍ، وَبِمَوْتِ أَحَدِهِمَا
(ولو استمهلت لتنظف ونحوه) كاستحداد وإزالة وسخ (. . أمهلت) وجوبًا على الأصحِّ (ما يراه قاض) من يوم أو يومين (ولا يجاوز ثلاثة أيام) لأنها أكثر القليل وأقل الكثير، ولها في الشرع اعتبار، (لا لينقطع حيض) ونفاس، لأنها محل الاستمتاع في الجملة، وإنما تعذَّر نوع منه.
نعم؛ لو لم تأمن على نفسها.
. فلها الامتناع.
(ولا تسلم صغيرة ولا مريضة حتى يزول مانع وطء) لحصول الضرر، ويكره للولي تسليم هذه الصغيرة، ولا يجوز للزوج وطؤها إلى أن تصير محتملة.
وشمل إطلاقه: ما لو قال: (سلِّموها إليَّ ولا أقربها)، وهو الأصحُّ المنصوص؛ كما قاله الأَذْرَعي وغيره وإن كان ثقة؛ إذ لا يؤمن من هيجان الشهوة، وقال البغوي: يجاب في المريضة دون الطفلة، فإن الأقارب.
. أولى بالحضانة 484.
(ويستقر المهر بوطء وإن حرم كحائض) لقوله تعالى: ﴿وَوَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، ولأن وطء الشبهة يوجب المهر ابتداءً، ففي النكاح أولى أن يقرر.
ودخل في عبارته: الوطء في الدبر، وخرج بها: المباشرة فيما دون الفرج، واستدخال الماء، وإزالة البكارة بغير آلة الجماع، وهو الأصحُّ فيها.
والمراد من الوطء: تغييب الحشفة أو مقدارها من مقطوعها.
(وبموت أحدهما) قبل الدخول حرة كانت أو أمة؛ لأنه لا يبطل النكاح؛ بدليل التوارث، فكأن الموت نهاية له، وانتهاء العقد كاستيفاء المعقود عليه في إيجاب البدل؛ كالإجارة، هذا إذا كان الموت بغير قتل، أما إذا قتلت الأمة نفسها أو قتلها سيدها.
. فقد مرَّ حكمه.
ومحل تقريره بالموت: إذا كان النكاح صحيحًا، دون ما إذا كان فاسدًا، قاله الجيلي.
الجزء: 3 - الصفحة: 144
لَا بِخَلْوَةٍ فِي الْجَدِيدِ.
فَصْلٌ [في بيان أحكام الصداق المسمى الصحيح والفاسد]
نَكَحَهَا بِخَمْرٍ أَوْ حُرٍّ أَوْ مَغْصُوبٍ. . وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: قِيمَتُهُ،
(لا بخلوة في الجديد) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية ولا مسيس، وكما لا تلتحق بالوطء في سائر الأحكام من حدٍّ وغسل ونحوها، والقديم: يتقرر بها وإن لم تدع المرأة الوطء، روي ذلك عن عمر، وعلي، وزيد رضي الله عنهم 485، هذا حيث لا مانع حسي؛ كجب ورتق، ولا عادي؛ كوجود ثالث، وفي اعتبار عدم المانع الشرعي؛ كالحيض والإحرام وجهان، جزم المتولي وغيره بأنه لا يمنع ويستقر، ونقل الغزالي مقابله عن المحققين 486، والقاضي أبو الطيب عن الأصحاب، وقيل: أثر الخلوة على القديم: تصديقها إذا ادعت الوطء؛ كما هو مذهب مالك رضي الله عنه.
(فصل: نكحها بخمر أو حر أو مغصوب.
. وجب مهر مثل، وفي قول: قيمته) الخلاف مبني على أن الصداق في يد الزوج مضمون ضمان عقد أو ضمان يد، والمراد بقيمته: أنه يقدر الحرُّ رقيقًا، والمغصوب مملوكًا، وهل يقدر الخمر خلًّا أو عصيرًا أو تعتبر قيمتها بحالها عند من يرى لها قيمة؟ فيه اضطراب للشيخين، فقد رآها هنا بالعصير، وفي نكاح المشرك بالقيمة عند أهلها، وفي تفريق الصفقة بالخل.
ولو قال: (وفي قول: بدله).
. لكان أولى؛ لأن الخمر إذا قدر عصيرًا.
. يجب مثله، وبدل المغصوب إذا كان مثليًّا يجب مثله، واختلف في محل القولين في الحر، فقيل: مطلقًا، والأصحُّ: هما فيما إذا قال: (أصدقتك هذا العبد) على ظن أنه عبد، أما إذا قال: (أصدقتك هذا الحر).
. فالعبارة فاسدة، ويجب مهر المثل قطعًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 145
أَوْ بِمَمْلُوكٍ وَمَغْصُوبٍ. . بَطَلَ فِيهِ وَصَحَّ فِي الْمَمْلُوكِ فِي الأَظْهَرِ وَتَتَخَيَّرُ؛ فَإِنْ فَسَخَتْ. . فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: قِيمَتُهُمَا، وَإِنْ أَجَازَتْ. . فَلَهَا مَعَ الْمَمْلُوكِ حِصَّةُ الْمَغْصُوب مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ بحَسَبِ قِيمَتِهِمَا، وَفِي قَوْلٍ: تَقْنَعُ بِهِ. وَلَوْ قَالَ: (زَوَّجْتُكَ بنْتِي وَبِعْتُكَ ثَوْبَهَا بِهَذَا العَبْدِ). . صَحَّ النِّكَاحُ، وَكَذَا الْمَهْرُ وَالْبَيع فِي الأَظْهَرِ، وَيُوَزَّعُ الْعَبْدُ عَلَى الثَّوْبِ وَمَهْرِ مِئْلٍ. وَلَوْ نَكَحَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّ لِأبِيهَا أَوْ أَنْ يُعْطِيَهُ أَلْفًا. . فَالْمَذْهَبُ: فَسَادُ الصَّدَاقِ وَوُجُوبُ مَهْرِ مِثْلٍ.
(أو بمملوك ومغصوب.
. بطل فيه وصحَّ في المملوك في الأظهر) هما قولا تفريق الصفقة، وسبق في المبيع شرحهما، (وتتخير) هي؛ لأن المسمَّى بتمامه لم يسلم لها (فإن فسخت.
. فمهر مثل، وفي قول: قيمتهما) هما القولان السابقان.
وكان ينبغي أن يقول: (بدلهما)؛ لما ذكرناه.
(وإن أجازت.
. فلها مع المملوك حصة المغصوب من مهر مثل بحسب قيمتهما) عملًا بالتوزيع، (وفي قول: تقنع به) ولا شيء لها غيره.
(ولو قال: "زوجتك بنتي وبعتك ثوبها بهذا العبد".
. صح النكاح، وكذا المهر والبيع في الأظهر) لتفريق الصفقة في الحكم.
وهذه المسألة مكررة؛ فإن المصنف ذكرها في آخر (باب المناهي).
(ويوزع العبد على الثوب ومهر مثل) فإذا كان مهر المثل ألفًا وقيمة الثوب ألفًا، والعبد يساوي ألفين؛ فنصفه مبيع، ونصفه صداق حتى يرجع إلى نصفه عند الطلاق، وإلى جميعه عند ردتها.
(ولو نكح بألف على أن لأبيها) ألفًا (أو أن يعطيه ألفًا.
. فالمذهب: فساد الصداق ووجوب مهر مثل).
اعلم: أن المزني رحمه الله تعالى نقل في "المختصر" في الأولى: فساد الصداق، وفي الثانية: جوازه 487، وللأصحاب طرق: أصحها: ما ذكره المصنف، ويفسد شرط الإعطاء؛ كما يفسد بشرط الاستحقاق؛ لأن لفظ الإعطاء يقتضي
الجزء: 3 - الصفحة: 146
وَلَوْ شَرَطَ خِيَارًا فِي النِّكِّاحِ. . بَطَلَ النِّكِّاحُ، أَوْ فِي الْمَهْرِ. . فَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ النِّكِّاحِ لَا الْمَهْرِ. وَسَائِرُ الشُّرُوطِ إِنْ وَافَقَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ أَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ. . لَغَا،
الاستحقاق والتمليك أيضًا، ألا ترى أنه لو قال: (بعتك هذا على أن تعطيني عشرة).
. صح البيع.
وعلى هذا: منهم من غلَّط المزني في نقله الصورة الثانية، ومنهم من تأوله فقال: قوله: (جاز) يحتمل أن يريد النكاح دون الصداق.
والطريق الثاني: تقرير النصين، والفرق: أن قوله: (على أن لأبيها) ظاهر في استحقاق الألف لغير الزوجة، بخلاف الثانية؛ لاحتمال أن يعطيه ألفًا من الصداق؛ لأنها وكلته في إيصاله أحد الألفين.
والثالث: طرد قولين فيهما وجه الفساد: ما بيناه، ووجه الصحة: أن الكل في مقابلة البضع وهي المالكة له فتستحقهما، وتلغو الإضافة إلى الأب، وقيل: إن شرط الزوج ذلك.
. فسد، وإن شرطته.
. فلا.
(ولو شرط خيارًا في النكاح.
. بطل النكاح) لأنه عقد معاوضة لا يثبت فيه خيار الشرط، فيفسد بشرطه؛ كالصرف.
(أو في المهر.
. فالأظهر: صحة النكاح) لأن فساد الصداق لا يؤثر في النكاح، والثاني: يبطل؛ لأنه أحد العوضين، والخيار في أحد العوضين يتداعى إلى الآخر؛ فكأنه شرط الخيار في المنكوحة.
(لا المهر) أي: فإن الأصح: أنه يفسد ويجب مهر المثل؛ لأن الصداق لا يتمحض عوضًا بل فيه معنى النحلة؛ فلا يليق به الخيار، والمرأة لم ترض بالمُسمَّى إلا بالخيار، والثاني: يصح؛ لأن الصداق عقد مستقلٌّ بنفسه والمقصود منه: المال، فلا يفسد بشرط الخيار؛ كالبيع.
(وسائر الشروط) أي: باقيها (إن وافق مقتضى العقد) 488 كشرط القسم والنفقة (أو لم يتعلق به غرض) كما إذا زوَّجه على أن يهب لفلان شيئًا (. . لغا) كما في نظيره
الجزء: 3 - الصفحة: 147
وَصَحَّ النِّكَاحُ وَالْمَهْرُ. وَإِنْ خَالَفَ وَلَمْ يُخِلَّ بِمَقْصُودِهِ الأَصْلِيِّ كَشَرْطِ أَلَّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ لَا نَفَقَةَ لَهَا. . صَحَّ النِّكَاحُ وَفَسَدَ الشَّرْطُ وَالْمَهْرُ، وَإِنْ أَخَلَّ كَأَلَّا يَطَأَ أَوْ يُطَلِّقَ. . بَطَلَ النِّكَاحُ. وَلَوْ نَكَحَ نِسْوَةً بِمَهْرٍ. . فالأَظْهَرُ: فَسَادُ الْمُسَمَّى، وَلِكُلٍّ مَهْرُ مِثْلٍ.
من البيع، ومراده بالإلغاء: عدم التأثير فيهما، لا أنه باطل، (وصح النكاح والمهر) لأن ذلك تأكيد من غير منافاة.
(وإن خالف) مقتضاه (ولم يخل بمقصوده الأصلي؛ كشرط ألا يتزوج عليها، أو لا نفقة لها.
. صح النكاح) لأنه لا يمنع المقصود، وهو الاستمتاع، والنكاح لا يفسد بفساد العوض فلأن لا يفسد بفساد الشرط أولى.
(وفسد الشرط) لها وعليها؛ لأنه يخالف موجب العقد (والمهر) لأن الشرط إن كان لها.
. فلم ترض بالمُسمَّى وحده، وإن كان عليهما.
. فلم يرض الزوج ببدل المُسمَّى إلا عند سلامة ما شرطه، وقيل: لا يفسد المهر؛ كالنكاح؛ فعلى الصحيح: يجب مهر المثل، زاد المُسمَّى أو نقص.
(وإن أخل؛ كألا يطأ أو يطلق.
. بطل النكاح) لأنه ينافي مقصود العقد فأبطله، وجزم المصنف بالبطلان تبعًا لـ"المحرر" 489، وقال في "الشرح الصغير": إنه الأشبه، لكن صححا في "الروضة" و"أصلها" و"تصحيح التنبيه" البطلان فيما إذا شرطت ذلك الزوجة، والصحة فيما إذا شرطه الزوج؛ لأنه حقه فله تركه والتمكين عليها 490، قال الأَذْرَعي: وهذا الذي عليه الجمهور، ولا فرق بين اشتراط ترك الوطء مطلقًا أو ليلًا فقط أو نهارًا فقط، أو في السنة إلا مرة، ومسألة ما إذا شرط أن يطلق مكررة في "الكتاب"؛ فقد ذكرها عند الكلام على التحليل.
(ولو نكح نسوة بمهر.
. فالأظهر: فساد المسمَّى، ولكلٍّ مهرُ مثلٍ) 491 لأن كل واحدة تجهل ما يخصها في الحال؛ فلم يصح، والثاني: يصح؛ كما لو اشترى منهن أربعة أعبد صفقة واحدة، وعلى هذا: يوزع المسمَّى على مهر أمثالهن، ولكل
الجزء: 3 - الصفحة: 148
وَلَوْ نَكَحَ لِطِفْلٍ بِفَوْقِ مَهْرِ مِثْلٍ، أَوْ أَنْكَحَ بنْتًا لَا رَشِيدَةً، أَوْ رَشِيدَةً بِكْرًا بِلَا إِذْنٍ بِدُونِهِ. . فَسَدَ الْمُسَمَّى، وَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ بِمَهْرِ مِثْلٍ. وَلَوْ تَوَافَقُوا عَلَى مَهْرٍ سِرًّا وَأَعْلَنُوا زِيَادَةً. . فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ مَا عُقِدَ بِهِ. وَلَوْ قَالَتْ لِوَليِّهَا: (زَوِّجْنِي بِأَلْفٍ) فَنَقَصَ عَنْهُ. . بَطَلَ النِّكَاحُ، فَلَوْ
واحدة منهن ما يقتضيه التوزيع.
(ولو نكح لطفل بفوق مهر مثل، أو أنكح بنتًا لا رشيدة، أو رشيدة بكرًا بلا إذن بدونه) أي: بدون مهر المثل (. . فسد المسمَّى) لأن الولي مأمور بالحظ، ولا حظ والحالة هذه، والسفيه والمجنون كالطفل.
وقضية إطلاقه: فساد المُسمَّى ولو عقده الأب من ماله، وفيه احتمالان للإمام: أحدهما: [الفساد؛ كما اقتضاه كلام "الكتاب" لأنه يدخل في ملك الابن ولا يجوز التبرع به، وهذا ما رجحه المتولي والسرخسي، والثاني: ] 492 وبه قطع الغزالي والبغوي الصحة، وجزم به في "الحاوي الصغير" واختاره الأَذْرَعي وغيره 493؛ لأن في إفساده إضرارًا بالابن وإلزامًا له بإكمال المهر في ماله، ولم يرجحا في "الشرحين" و"الروضة" شيئًا 494.
وقوله: (بنتًا) هو بالباء الموحدة ثم نون ثم مثناة من فوق، كذا ضبطه المصنف بخطه.
(والأظهر: صحة النكاح بمهر مثل) لأنه لا يفسد بفساد الصداق، والثاني: لا يصح؛ لأنه ترك مصلحة المُولي عليه، فصار كترك الكفاءة.
(ولو توافقوا على مهر سرًّا وأعلنوا زيادة.
. فالمذهب: وجوب ما عقد به) لأن الصداق يجب به؛ فوجب ما عقد به، وسواء كان العقد سرًّا بالأقل أو بالأكثر، والطريق الثاني: إثبات قولين؛ لتعارض التصريح وإصطلاحهما.
(ولو قالت لوليها: "زوجني بألف" فنقص عنه.
. بطل النكاح) للمخالفة (فلو
الجزء: 3 - الصفحة: 149
أَطْلَقَتْ فَنَقَصَ عَنْ مَهْرِ مِثْلٍ.
. بَطَلَ، وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ بِمَهْرِ مِثْلٍ.
قُلْتُ: الأَظْهَرُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ فِي الصُّورَتَيْنِ بمَهْرِ الْمِثْلِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ [في التفويض]
قَالَتْ رَشِيدَةٌ: (زَوِّجْنِي بِلَا مَهْرٍ)، فَزَوَّجَ وَنَفَى الْمَهْرَ أَوْ سَكَتَ. . فَهُوَ تَفْوِيضٌ صَحِيحٌ،
أطلقت، فنقص عن مهر مثل.
. بطل) لأن الإذن المطلق محمول على مهر المثل؛ فكأنها قيدت به، (وفي قول: يصح بمهر المثل) إذ ليست المخالفة صريحة، ولو زوجها بلا مهر.
. فالقولان، وديل: يبطل قطعًا، وهذا الخلاف والترجيح ذكره الخراسانيون، وجرى عليه الرافعي، (قلت: الأظهر: صحة النكاح في الصورتين بمهر المثل، والله أعلم) كما في سائر الأسباب المفسدة للصداق، وهذا ما قطع به العراقيون، ونصَّ الشافعي في "الأم" في مواضع على ما يوافقه 495.
(فصل: قالت رشيدة: "زوجني بلا مهر"، فزوَّج ونفى المهر أو سكت) عن ذكر المهر (. . فهو تفويض صحيح) لأن حقيقته إخلاء النكاح عن المهر، وقد وجد، وحكم التفويض الصحيح: أنه لا يجب شيء بالعقد، والفاسد: أنه يجب مهر مثل بالعقد، وسيأتي حكمه.
وظاهره: أنها لو قالت: (زوجني) وسكتت عن المهر.
. فليس بتفويض، وهو ما رجحه في "الشرح الصغير"؛ لأن النكاح يعقد بالمهر غالبًا، فيحمل مطلق الإذن عليه، وقيل: هو تفويض صحيح، ونصَّ عليه في "الأم"، وصوبه في "المهمات" وقال: إنه المفتى به 496، وليس في "الروضة" و"أصلها" ترجيح 497، وقضية إطلاق المصنف نفي المهر: أنها لو قالت: (زوجني بلا مهر في الحال ولا عند الدخول،
الجزء: 3 - الصفحة: 150
وَكَذَا لَوْ قَالَ سَيِّدُ أَمَةٍ: (زَوَّجْتُكَهَا بلَا مَهْرٍ). وَلَا يَصِحُّ تفوِيضُ غَيْرِ رَشِيدَةٍ. وَإِذَا جَرَى تفوِيضٌ صَحِيحٌ. . فَالأَظْهَرُ: أنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، فَإِنْ وَطِئَ. . فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَيُعْتبَرُ بِحَالِ الْعَقْدِ فِي الأَصَحِّ.
ولا غيره) فزوجها.
. يكون تفويضًا صحيحًا، وهو أحد وجهين بلا ترجيح، والثاني: أنه تفويض فاسد.
ولو عبر المصنف بمطلقة التصرف.
. لكان أولى، إذ الأصح: أنها لو سفهت ولم يحجر عليها.
. كانت كرشيدة في التصرف.
(وكذا لو قال سيد أمة: "زوجتكها بلا مهر") لأنه المستحق للمهر، فأشبه الرشيدة، فظاهر كلامه: أنه لو سكت عن ذكر المهر لا يكون تفويضًا، وليس كذلك؛ كما حكاه الرافعي عن الأصحاب، ونص عليه في "الأم"، وفرق ابن الرفعة بين هذا وبين ما إذا سكتت الحرة عن المهر، وقلنا: لا يكون تفويضًا؛ فإن المرأة إذا أطلقت الإذن.
. جاز أن يحمل على أن الولي يذكر المهر، فلذلك لم يجعل تفويضًا، ولا كذلك السيد فإنه لم يكن له تحليفه، فعُدَّ تفويضًا.
(ولا يصح تفويض غير رشيدة) لأن التفويض تبرع.
نعم؛ يستفيد الولي من السفيهة بذلك الإذن في النكاح، ويلغو فيما يرجع إلى المهر.
(وإذا جرى تفويض صحيح.
. فالأظهر: أنه لا يجب شيء بنفس العقد) إذ لو وجب به لتشطر بالطلاق قبل الدخول؛ كالمُسمَّى، وقد دلَّ القرآن على أنها لا تستحق إلا المتعة، والثاني: يجب؛ لأنه لو لم يجب.
. لما استقر بالموت.
(فإن وطئ.
. فمهو مثل) لأن البضع لا يتمحض حقًّا للمرأة بل فيه حق لله تعالى؛ بدليل أنه لا يباح بالإباحات، فيصان عن التصوير بصورة المباحات.
نعم؛ يستثنى: ما لو نكحها في الكفر تفويضًا، ثم أسلما ووطئ.
. فلا مهر إن اعتقدوا أن لا مهر لها بحال.
(ويعتبر) مهر المثل (بحال العقد في الأصح) لأنه الذي اقتضى الوجوب عند الوطء، وهذا ما صححه في "المحرر" و"الشرح الصغير" 498، والثاني:
الجزء: 3 - الصفحة: 151
وَلَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ مُطَالَبَةُ الزَّوْجِ بِأَنْ يَفْرِضَ مَهْرًا، وَحَبْسُ نَفْسِهَا لِيَفْرِضَ، وَكَذَا لِتَسْلِيمِ الْمَفْرُوضِ فِي الأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ رِضَاهَا بِمَا يَفْرِضُهُ الزَّوْجُ لَا عِلْمُهَا بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي الأَظْهَرِ.
بحال الوطء؛ لأنه وقت الوجوب.
قال في "العجالة": وهذا ما صححه في "الروضة" تبعًا للرافعي.
انتهى 499، وهو وهم، بل الأظهر في "الروضة" و"أصلها": وجوب أكثر مهر من العقد إلى الوطء 500، فلو كان يوم الوطء أكثر.
. اعتبر؛ لأنه لما دخل البضع في ضمانه وأقترن به إتلاف.
. وجب الأقصى؛ كالمقبوض بالبيع الفاسد.
(ولها قبل الوطء مطالبة الزوج بأن يفرض مهرًا) لتكون على بصيرة من تسليم نفسها، (وحبس نفسها ليفرض) لما ذكرناه (وكذا لتسليم المفروض في الأصح) كما لها ذلك في المُسمَّى في العقد، والثاني: لا، لأنها سامحت بالمهر فكيف تضايق بتقديمه؟ وحكاه الإمام عن الأصحاب 501، ولا تصحيح في "الشرحين".
نعم؛ صحح في "زيادة الروضة" ما في "الكتاب" 502.
(ويشترط رضاها بما يفرضه الزوج) 503 لأن الحق لها؛ فإن لم ترض به.
. فكأنه لم يفرض، (لا علمها بقدر مهر المثل في الأظهر) هذا الخلاف مبني على أنها ملكت بالعقد أن تملك مهر المثل، أو مهرًا يتقدر بالفرض؛ فإن قلنا: بالأول وهو الجديد.
. فلا بد من العلم به، وإلا.
. فلا، وقضية البناء: ترجيح الاشتراط، وهو المنصوص في "الأم" و"المختصر" و"البويطي" 504، والخلاف فيما قبل الدخول، أما بعده.
. فلا يصح تقديره إلا بعد علمها بقدره قولًا واحدًا؛ لأنه قيمة مستهلك، قاله الماوردي 505.
الجزء: 3 - الصفحة: 152
وَيَجُوزُ فَرْضُ مُؤَجَّلٍ فِي الأَصَحِّ، وَفَوْقَ مَهْرِ مِثْلٍ، وَقِيلَ: لَا إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ. وَلَوِ امْتَنَعَ مِنَ الْفَرْضِ أَوْ تنَازَعَا فِيهِ. . فَرَضَ الْقَاضِي نَقْدَ الْبَلَدِ حَالًّا. قُلْتُ: ويفْرِضُ مَهْرَ مِثْلٍ وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا يَصِحُّ فَرْضُ أَجْنَبِيٍّ مِنْ مَالِهِ فِي الأَصَحِّ.
(ويجوز فرض مؤجل في الأصح) بالتراضي؛ كما يجوز تأجيل المُسمَّى ابتداءً، والثاني: المنع؛ لأنه لا مدخل للأجل في الأصل، وهو مهر المثل فكذا بدله.
(وفوق مهر مثل) سواء أكان من جنسه أم لا؛ للتراضي، (وقيل: لا إن كان من جنسه) لأن مهر المثل هو الأصل، فلا يزاد البدل عليه.
وقضيته: أنه لو كان من غير جنسه.
. جاز قطعًا، وهو كذلك، فلو عيَّن عوضًا تزيد قيمته على مهر المثل.
. فلا خلاف في جوازه؛ لأن القيمة ترتفع وتنخفض فلا تتحقق الزيادة.
(ولو امتنع من الفرض أو تنازعا) أي: الزوجان (فيه) أي: في قدر المفروض (. . فرض القاضي) لأنه نائبه؛ فصلًا للخصومة (نقد البلد حالًّا) وإن رضيت بالتأجيل؛ كقِيَم المُتْلفات؛ لأن منصب القاضي يقتضي ذلك.
(قلت: ويفرض مهر مثل) بلا زيادة ولا نقص؛ لأنه قيمة البضع، ودفعًا للضرر من الجانبين.
نعم؛ تُغتفر الزيادة والنقص اليسير الواقع في الاجتهاد.
(ويشترط علمه به، والله أعلم) أي: يشترط علم القاضي بقدر مهر المثل حتى لا يزيد عليه ولا ينقص؛ لأنه متصرف على غيره بغير إذن.
(ولا يصح فرض أجنبي من ماله في الأصح) لأنه تغيير لما يقتضيه العقد، فلا يليق بغير المتعاقدين إلا بوكالة أو نيابة، والثاني: يصح؛ كما يؤدى الصداق عنه بغير إذنه، وكلام المصنف والغزالي يقتضي جريان الخلاف في إصداق الدين والعين 506، قال صاحب "المطلب": وكلام العراقيين يقتضي: تخصيصه بالعين، وهو أقيس؛ لأن الدين لا يقبل أن يدخله في ملك الزوج حتى يقع عنه، بخلاف العين.
الجزء: 3 - الصفحة: 153
وَالْفَرْضُ الصَّحِيحُ كَمُسَمّى؛ فَيَتَشَطَّرُ بِطَلَاقٍ قَبْلَ وَطْءٍ، وَلَوْ طَلَّقَ قَبْلَ فَرْضٍ وَوَطْءٍ.
. فَلَا شَطْرَ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَهُمَا.
. لَمْ يَجبْ مَهْرُ مِثْل فِي الأَظْهَرِ.
قُلْتُ: الأَظْهَرُ: وُجُوبُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ [في بيان مهر المثل]
مَهْرُ الْمِثْلِ: مَا يُرْغَبُ بِهِ فِي مِثْلِهَا، وَرُكْنُهُ الأَعْظَمُ نَسَبٌ، فَيُرَاعَى أَقْرَبُ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى مَنْ تُنْسَبُ إِلَيْهِ،
(والفرض الصحيح كمسمّى؛ فيتشطر بطلاق قبل وطء) لأنه مفروض بالتراضي، فصار كالمُسمَّى في العقد.
واحترز بـ (الصحيح): عن الفاسد، فإنه يلغى ولا يؤثر في تشطير المهر.
(ولو طلق قبل فرض ووطء.
. فلا شطر) ولها المتعة؛ لما سيأتي أواخر الباب.
(وإن مات أحدهما قبلهما.
. لم يجب مهر مثل في الأظهر) قياسًا على الفرقة بالطلاق، وهذا ما عزاه في "الشرح الصغير" للأكثرين، واقتضاه كلام "الكبير" 507.
(قلت: الأظهر: وجوبه، والله أعلم) لأنه صلى الله عليه وسلم قضى في بِرْوَعَ بنت واشِق -وقد نكحت بغير مهر فمات زوجها- بمهر نسائها والميراث، قال الترمذي: حسن صحيح 508، ولأن الموت قبل الدخول مقرر، بخلاف الطلاق.
(فصل: مهر المثل: ما يُرغب به في مثلها، وركنه الأعظم نسبٌ) لوقوع التفاخر به؛ فكان كالكفاءة في النكاح، (فيراعى أقرب من يُنسب إلى من تنسب إليه) لقضائه صلى الله عليه وسلم بمهر نسائها في الحديث السابق، والمراد: نساء عصباتها؛
الجزء: 3 - الصفحة: 154
وَأَقْرَبُهُنَّ: أُخْتٌ لِأبَوَيْنِ ثُمَّ لِأبٍ، ثُمَّ بَنَاتُ أَخٍ، ثُمَّ عَمَّاتٌ كَذَلِكَ. . . فَإِنْ فُقِدَ نِسَاءُ الْعَصَبَةِ أَوْ لَمْ يَنْكِحْنَ أَوْ جُهِلَ مَهْرُهُنَّ. . فَأَرْحَامٌ كَجَدَّاتٍ وَخَالَاتٍ.
لأن إطلاق هذا اللفظ ينصرف إليهن.
(وأقربهن: أخت لأبوين ثم لأب) لأن المدلي بجهتين مقدمٌ على الجهة، (ثم بنات أخ، ثم عمات كذلك) ثم بنات الأعمام، وتقدم جهة الأخوة على جهة العمومة، فلو وجد بنت بنت أخ وعمه.
. قدمت بنت بنت الأخ؛ كما صرح به الماوردي 509، وإن اقتضى كلام المصنف والرافعي خلافه.
(فإن فقد نساء العصبة) من الأصل، أما لو متن.
. اعتبرت كالحياة (أو لم ينكحن أو جهل مهرهن.
. فأرحام كجدات وخالات) لأنهن أولى بالاعتبار من الأجانب، وتقدم القربى فالقربى من الجهات، وكذا تقدم القربى فالقربى من الجهة الواحدة؛ كالجدات، فإن تعذر الاعتبار بهن.
. اعتبر نساء بلدها؛ فإن عدمن.
. فأقرب البلاد ثم أقرب النساء بها شبهًا؛ لأنه الممكن، وتعتبر العربية بعربية مثلها، والأمة بأمة مثلها، وينظر إلى شرف سيدها وخسته، ومهر العتيقة بمثلها، وقيل: تعتبر المعتقة بنساء الموالي ويعتبر مع ما ذكر البلد، فإذا كان نساء عصباتها ببلدين هي في إحداهما.
. اعتبر بعصبات بلدها، فإن كن كلهن ببلدة أخرى.
. فالاعتبار بهن لا بأجنبيات بلدها، كذا جزما به 510، لكن نصَّ الشافعي رضي الله عنه في "الأم" و"البويطي" والقديم: على أنه لا يعتبر بعصباتها الغائبات عن بلدها، وجرى عليه الماوردي 511 والمَحاملي والجرجاني والدارمي، قال الأَذْرَعي: وهو المذهب، والرافعي متبع فيما ذكره البغوي، وهو شاذ.
وقضية كلام المصنف والرافعي: أن الأم لا تعتبر، وتعتبر أمها 512، وفي "الحاوي" و"البحر": تقدم الأم ثم الأخت للأم ثم الجدات 513، والمراد بالأرحام هنا: قرابات
الجزء: 3 - الصفحة: 155
وَيُعْتبَرُ سِنٌّ وَعَقْلٌ وَيَسَارٌ وَبَكَارَةٌ وَثيُوبَةٌ وَمَا اخْتَلَفَ بِهِ غَرَضٌ، فَإِنِ اخْتَصَّتْ بِفَضْلٍ أَوْ نَقْصٍ. . زِيدَ أَوْ نُقِصَ لَائِقٌ بِالْحَالِ. وَلَوْ سَامَحَتْ وَاحِدَةٌ. . لَمْ تَجِبْ مُوَافَقَتُهَا. وَلَوْ خَفَضْنَ لِلْعَشِيرَةِ فَقَطْ. . اعْتُبِرَ. وَفِي وَطْءِ نِكَاحٍ فَاسِدٍ مَهْرُ مِثْلٍ يَوْمَ الْوَطْءِ، وَإِنْ تَكَرَّرَ. . فَمَهْرٌ
الأم لا ذوو الأرحام المذكورون في الفرائض؛ لأن الجدة أم الأم ليست منهن قطعًا.
(ويعتبر سن وعقل ويسار وبكارة وثيوبة وما اختلف به غرض) كالعلم والفصاحة والجمال، والصراحة وهي: شرف الأبوين، والهجين: الذي أبوه شريف دون أمه؛ لأن المهور تختلف باختلاف هذه الصفات، وإنما لم يعتبر الجمال وكذا المال على الأصحِّ في الكفاءة؛ لأن مدارها على دفع العار، ومدار المهر على الرغبات.
(فإن اختصت بفضل أو نقص.
. زيد) في صورة الفضل (أو نقص) في الثاني (لائق بالحال) والرأي في ذلك منوط بنظر الحاكم.
(ولو سامحت واحدة.
. لم تجب موافقتها) اعتبارًا بالغالب؛ كما لو سامح شخص ببيع سلعته بدون قيمتها لا يجعل ذلك أصلًا يرجع إليه.
نعم؛ يستثنى: ما لو كانت المسامحة لنقص دخل في النسب وفترت الرغبات.
(ولو خفضن للعشيرة فقط.
. اعتبر) في حقهم دون غيرهم جريًا على عادتهن، بل ذكر الماوردي أنهن لو سامحن غير العشيرة دون العشيرة.
. اعتبر، قال: ويكون ذلك في القبيلة الدنيئة، قال: وكذا لو سامحن الشباب دون الشيوخ، أو الشريف دون غيره 514، وذكر الفارقي وابن يونس: أن المهر يعتبر بحال الزوج أيضًا من اليسار والعلم والعفة والنسب؛ فقد تخفف عن العالم والموسر وتثقل على غيره؛ فعلى هذا: إذا وجد من النساء من بصفتها، وزوجُها مثل زوجها في الصفات المذكورة.
. اعتبر بها، وإلا.
. فلا.
(وفي وطء نكاح فاسد مهر مثل) لاستيفائه منفعة البضع؛ كوطء الشبهة (يوم الوطء) أي: حالة الوطء؛ إذ هو وقت الإتلاف.
(وإن تكرر.
. فمهر) لأن فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان، والوطآت في
الجزء: 3 - الصفحة: 156
فِي أَعْلَى الأَحْوَالِ. قُلْتُ: وَلَوْ تَكَرَّرَ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ وَاحِدَةٍ. . فَمَهْرٌ، فَإِنْ تَعَدَّدَ جِنْسُهَا. . تَعَدَّدَ الْمَهْرُ، وَلَوْ كَرَّرَ وَطْءَ مَغْصُوبَةٍ أَوْ مُكْرَهَةٍ عَلَى زِنًا. . تَكَرَّرَ الْمَهْرُ، وَلَوْ تَكَرَّرَ وَطْءُ الأَبِ وَالشَّرِيكِ وَسَيِّدٍ مُكَاتَبَةً. . فَمَهْرٌ، وَقِيلَ: مُهُورٌ،
النكاح الصحيح لا يوجب إلا واحدًا (في أعلى الأحوال) لأنه لو لم يوجد إلا تلك الوطأة.
. وجب ذلك المهر العالي، فإذا لم توجب الوطآت الباقية زيادة لا توجب نقصًا.
وصورة المسألة: أن يطأها سليمة سمينة ثم مقطوعة هزيلة؛ فتجب مهر سليمة سمينة.
(قلت: ولو تكرر وطء بشبهةٍ واحدةٍ.
. فمهرٌ) لشمول الشبهة [ويستثنى من وجوب المهر في وطء الشبهة ثلاث صور: إحداها: الحربية، فلا تستحق مهرًا وإن تكرر وطؤها، ذكره الرافعي في آخر (الردة) 515، الثانية: المرتدة، الثالثة: وطء العبد جارية سيده أو سيدته] 516.
(فإن تعدد جنسها) بأن وطئها بنكاح فاسد، ثم وطئها يظنها أمته (. . تعدد المهر) لأن تعدد الشبهة كالأنكحة، ولو عبر: بتعدد الشبهة دون الجنس.
. لكان أحسن، فإنه لو ظنها زوجته، ثم انكشف الحال، ثم ظنها زوجته ووطئها.
. تعدد المهر مع أن الجنس واحد.
(ولو كرر وطء مغصوبة أو مكرهة على زنًا.
. تكرر المهر) لانتفاء الشبهة الملحقة بالنكاح، والوجوب هنا بالإتلاف وقد تعدد، ولا بد من تقييد المغصوبة بكونها مكرهة، فإن كانت مطاوعة.
. فلا مهر؛ لأنها بغي، وحينئذ فلا وجه لعطف المكرهة عليها.
(ولو تكرر وطء الأب) جارية الابن (والشريك) الجارية المشتركة (وسيد مكاتبة.
. فمهر) لشمول الشبهة، (وقيل: مهور) لتعدد الإتلاف في ملك الغير مع
الجزء: 3 - الصفحة: 157
وَقِيلَ: إِنِ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ.
. مَهْرٌ، وَإِلَّا.
. فَمُهُورٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ [في تشطير المهر وسقوطه]
الْفُرْقَةُ قَبْلَ وَطْءٍ مِنْهَا أَوْ بِسَبَبِهَا. . كَفَسْخِهِ بعَيْبهَا يُسْقِطُ الْمَهْرَ، وَمَا لَا كَطَلَاقٍ وَإِسْلَامِهِ وَرِدَّتِهِ وَلِعَانِهِ وَإِرْضَاعِ أُمِّهِ أَوْ أُمِّهَا. . يُشَطِّرُهُ. ثُمَّ قِيلَ: مَعْنَى التَّشْطِيرِ: أَنَّ لَهُ خِيَارَ الرُّجُوعِ، وَالصَّحِيحُ: عَوْدُهُ بِنَفْسِ الطَّلَاقِ.
العلم بحقيقة الحال، (وقيل: إن اتحد المجلس.
. فمهر، وإلا.
. فمهور، والله أعلم) لانقطاع كل مجلس عن الآخر.
(فصل: الفرقة قبل وطء منها) كفسخها النكاح بعيبه، أو عتقها (أو بسببها.
. كفسخه بعيبها.
. يسقط المهر) لأنها أتلفت المعوض قبل التسليم فسقط العوض؛ كما لو أتلف المبيع قبل التسليم، (وما لا) يكون منها ولا بسببها (كطلاق) ولو باختيارها؛ بأن فوض إليها وعلقه على فعلها ففعلت، وسواء البائن وغيره، وكذا الخلع وإن جعلناه فسخًا.
(وإسلامه، وردته، ولعانه، وإرضاع أمه، أو أمها يُشطِّره) أما في الطلاق.
. فلقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، وأما في الباقي.
. فبالقياس عليه.
(ثم قيل: معنى التشطير: أنَّ له خيار الرجوع) في النصف؛ فإن شاء تملكه وإن شاء تركه كالشفيع؛ لأنه لا يدخل في الملك بغير اختيار سوى الإرث.
(والصحيح: عوده) أي: النصف (بنفس الطلاق) للآية المتقدمة، ولم يصرح المصنف بمن يعود إليه الشطر، وهو الزوج، إن كان هو المصدق، أو كان صغيرًا وأصدق عنه أبوه من مال نفسه، ولو أصدق الأب عن البالغ من مال نفسه ثم طلق.
. عاد الشطر إلى الأب؛ كما لو أصدق عن الزوج أجنبي، ثم طلق الزوج.
. فإنه يعود الشطر إلى الأجنبي على الأصحِّ؛ كذا نقلاه في (الباب الثاني في الصداق الفاسد)، وأقراه 517، لكن قال الأَذْرَعي: إن المذهب الذي أورده أكثر العراقيين وغيرهم، ونصَّ
الجزء: 3 - الصفحة: 158
فَلَوْ زَادَ بَعْدَهُ. . فَلَهُ. وَإِنْ طَلَّقَ وَالْمَهْرُ تَالِفٌ. . فَنِصْفُ بَدَلِهِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ. وَإِنْ تَعَيَّبَ فِي يَدِهَا؛ فَإِنْ قَنِعَ بِهِ. . فَلَا أَرْشَ، وَإِلَّا. . فَنِصْفُ قِيمَتِهِ سَلِيمًا.
عليه في "الأم" نصًّا صريحًا: عوده إلى الزوج.
ولو سلم العبد الصداق من كسبه ثم طلق قبل الدخول.
. عاد النصف إلى السيد؛ فالعبرة بالمالك عند الإصداق لا عند ملك الزوج الصداق على الأصحِّ.
(فلو زاد) الصداق (بعده) أي: بعد الطلاق (. . فله) نصف الزيادة المتصلة والمنفصلة؛ لحدوثها من الملك المشترك، وأشار بـ (الفاء) إلى تفريع هذا على الصحيح، أما على الأول.
. فالزيادة لها إن حدثت قبل اختيار التملك؛ كالحادثة قبل الطلاق.
(وإن طلق والمهر تالف.
. فنصف بدله من مثلٍ) إن كان مثليًّا (أو قيمة) إن كان متقومًا؛ لأنه لو كان باقيًا.
. لأخذ نصفه، فإذا فات.
. رجع بنصف بدله؛ كما في الرد بالعيب.
(وإن تعيب في يدها؛ فإن قنع به) أي: بنصفه (. . فلا أرش) كما لو تعيب المبيع في يد البائع، (وإلا) أي: وإن لم يقنع به (. . فنصف قيمته سليمًا) لأنه لا يلزمه الرضا بالمعيب، فله العدول إلى بدله.
واقتصاره على نصف القيمة محمولٌ على المتقوم، وأما المثلي.
. فقيمة مثل نصفه؛ كما صرَّح به ابن الصباغ وغيره، وجزم فيه في "المطلب"، وهو واضح.
والتعبير بنصف القيمة عبر به الشافعي والجمهور، ووقع في كلام الغزالي قيمة النصف 518، وهو تساهل.
انتهى.
وما ذكره الغزالي تبع فيه إمامه، وذكر أن تعبيرهم بنصف القيمة تساهل، ومرادهم: قيمة النصف، وهو أقل من نصف القيمة؛ أي: لأنا إذا قومنا النصف.
. نظرنا إلى جزء من الجملة، وذلك مما يوجب النقصان، فإن التشقيص عيب، وما ذكره مال إليه المصنف في (كتاب الوصية) فقال: القياص: قيمة النصف وهي
الجزء: 3 - الصفحة: 159
وَإِنْ تَعَيَّبَ قَبْلَ قَبْضِهَا. . فَلَهُ نِصْفُهُ نَاقِصًا بَلَا خِيَارٍ. فَإِنْ عَابَ بِجِنَايَةٍ وَأَخَذَتْ أَرْشَهَا. . فَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ نِصْفَ الأَرْشِ. وَلَهَا زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ، وَخِيَارٌ فِي مُتَّصِلَةٍ، فَإِنْ شَحَّتْ. . فَنِصْفُ قِيمَتِهِ بِلَا زِيَادَةٍ، وَإِنْ سَمَحَتْ. . لَزِمَهُ الْقَبُولُ. وَإِنْ زَادَ وَنَقَصَ كَكِبَرِ عَبْدٍ
أقل 519، ومال إليه أيضًا ابن الرفعة والسبكي والإسنوي والبُلْقيني، ومن تبعهم.
(وإن تعيب قبل قبضها) بآفة سماوية (. . فله نصفه ناقصًا بلا خيار) ولا طلب أرش؛ لأنه حالة نقصه كان من ضمانه لا من ضمانها.
(فإن عاب بجناية وأخذت أرشها.
. فالأصح: أن له نصف الأرش) مع نصف العين؛ لأنه بدل الفائت، والثاني: لا؛ كزيادة منفصلة.
(ولها زيادة منفصلة) كولد وثمرة وأجرة؛ لأنها حدثت في ملكها، والطلاق إنما يقطع ملكها من حين وجوده لا من أصله؛ فهو كرجوع الواهب بعد حدوث هذه الزيادة، إلا إذا كانت الزيادة ولد جارية لا يميز؛ فليس له ذلك؛ للتفريق، بل يرجع بقيمة النصف.
(و) لها (خيار في متصلة) كسمن وحرفة، (فإن شحَّت.
. فنصف قيمته بلا زيادة) لأن الزيادة غير مفروضة، ولا يمكن الرد دونها فجعل المفروض كالهالك، ولا تمنع الزيادة المتصلة الاستقلال بالرجوع إلا في هذا الموضع، وفرقوا بفروق؛ منها: أن الزوج متهم بالطلاق بخلاف غيره.
(وإن سمحت) بالزيادة (. . لزمه القبول) لأنه حقه مع زيادة لا تتميز ولا تفرد بالتصرف، بل هي تابعة؛ فلا تعظم فيها المِنَّة.
(وإن زاد ونقص ككبر عبد) أي: كبرًا غير نقص؛ بأن بلغ حدًّا يمنع من دخوله على الحريم، فالزيادة من حيث إنه يقصد للصنائع والأسفار، والنقص من حيث منعه من الدخول على الحريم، وقد يكون الكبر زيادة محضة، كبلوغ ابن سنة خمس سنين أو نقصًا محضًا؛ كصيرورة الشاب شيخًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 160
وَطُولِ نَخْلَةٍ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ مَعَ مَرَضٍ؛ فَإِنِ اتَّفَقَا بِنِصْفِ الْعَيْنِ، وَإِلَّا. . فَنِصْفُ قِيمَتِهِ. وَزِرَاعَةُ الأَرْضِ نَقْصٌ، وَحَرْثُهَا زِيَادَةٌ. وَحَمْلُ أَمَةٍ وَبَهِيمَة زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ، وَقِيلَ: الْبَهِيمَةُ زِيَادَةٌ. وَإِطْلَاعُ نَخْلٍ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وَإِنْ طَلَّقَ وَعَلَيْهِ ثَمَرٌ مُؤَبَّرٌ. . لَمْ يَلْزَمْهَا قَطْفُهُ، فَإِنْ قُطِفَ. . تعَيَّنَ نِصْفُ النَّخْلِ. وَلَوْ رَضِيَ بِنِصْفِ النَّخْلِ وَتَبْقِيَةِ الثَّمَرِ إِلَى جَذَاذِهِ. . أُجْبِرَتْ فِي الأَصَحِّ، وَيَصِيرُ
(وطول نخلة) بحيث يقل ثمرها؛ لكبرها، فالزيادة بكثرة الحطب، والنقص بقلة الثمر.
(وتعلم صنعة مع مرض 520، فإن اتفقا بنصف العين).
. فذاك؛ لأن الحق لا يعدوهما، (وإلا.
. فنصف قيمته) لأنه الأعدل.
(وزراعة الأرض نقص) محض؛ لأنها تستوفي قوة الأرض غالبًا، (وحرثها زيادة) إذا كانت معدة للزراعة؛ كما صرح به في "المحرر" 521، وإلا.
. فهو نقص محض.
(وحملُ أمة وبهيمه زيادة ونقص) إذ فيه توقع الولد، والضعف حالًا وخوف الموت مآلًا، (وقيل: البهيمة زيادة) محضة؛ لأنها لا تهلك غالبًا، بخلاف الإماء.
وأجاب الأول: بأنه يؤثر في لحم المأكول، ولا ينتفع بغيره مع الحمل ما ينتفع به بلا حمل.
(وإطلاع نخل) بعد الصداق (زيادة متصلة) فيمنع الرجوع القهري؛ لحدوثه في ملكها، (وإن طلق وعليه ثمر مؤبر) حدث طلعه بعد الإصداق (. . لم يلزمها قطفه) لترجع إلى نصف المُسمَّى، بل تستحق إبقاءه إلى الجذاذ؛ لأن حصول الثمر على النخل بحق، فتمكن من إبقائه إلى الجذاذ.
(فإن قطف.
. تعين نصف النخل) إن لم يحدث نقص؛ كانكسار سعف وأغصان، ولا طال زمن القطع لزوال المانع.
(ولو رضي بنصف النخل وتبقية الثمر إلى جذاذه.
. أجبرت في الأصح، ويصير
الجزء: 3 - الصفحة: 161
النَّخْلُ فِي يَدِهِمَا، وَلَوْ رَضِيَتْ بِهِ. . فَلَهُ الامْتِنَاعُ وَالْقِيمَةُ. وَمَتَى ثَبَتَ خِيَارٌ لَهُ أَوْ لَهَا أَوْ لَهُمَا. . لَمْ يَمْلِكْ نِصفَهُ حَتَّى يَخْتَارَ ذُو الاخْتِيَارِ. وَمَتَى رَجَعَ بِقِيمَتِهِ. . اعْتُبِرَ الأَقَلُّ مِنْ يَوْمَيِ الإِصْدَاقِ وَالْقَبْضِ.
النخل في يدهما) كسائر الأملاك الشائعة، والثاني: لا تجبر؛ لأنها لا تأمن أن يدعي الزوج شركة في الثمر؛ لثبوت يده.
(ولو رضيت به) أي: برجوعه في نصف الشجر وترك ثمرها إلى الجذاذ (. . فله الامتناع والقيمة) أي: طلبها لأنه لمَّا طلقها، وهي زائدة.
. تعلق حقه بالقيمة، فلا تنقل إلى العين إلا برضاه.
(ومتى ثبت خيار له) بسبب نقص الصداق (أو لها) بسبب زيادة (أو لهما) لاجتماع المعنيين (. . لم يملك نصفه حتى يختار ذو الاختيار) إن كان لأحدهما، فإن كان الخيار لهما.
. اعتبر توافقهما وإن قلنا: إن الطلاق يشطر الصداق بنفسه، وإلا.
. لبطلت فائدة التخيير والتوافق، واقتضى كلامه: أنه على التراخي، وهو كذلك.
نعم؛ إذا طالب الزوج.
. كلفت اختيار أحدهما على الفور.
(ومتى رجع بقيمته) لهلاك الصداق أو غيره (. . اعتبر الأقل من يومي الإصداق والقبض) لأن قيمة يوم الإصداق إن كانت أقل.
. فالزيادة بعد ذلك حدثت على ملكها لا تعلق للزوج بها، فلا تضمنها له، وإن كانت قيمة يوم القبض أقل.
. فما نقص قبل ذلك فهو من ضمانه، فكيف يرجع عليها بما هو مضمون عليه؟
وقضية كلامه كـ "الروضة"؛ عدم اعتبار الحالة المتوسطة بينهما، فلو كانت قيمته يوم العقد مئة، ثم رجعت قبل القبض إلى خمسين، ثم قبضته وقيمته تسعون يجب تسعون، وبه صرح ابن الملقن في "شرحيه" 522، قال الأَذْرَعي: وهو غلط، والذي ذكره الأئمة اعتبارها.
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما لو تلف في يدها بعد الفراق، وقلنا بالمذهب: إنه مضمون عليها.
. فتعتبر قيمة يوم التلف، لأن الرجوع وقع إلى عين الصداق، ثم تلف تحت يد ضامنه.
الجزء: 3 - الصفحة: 162
وَلَوْ أَصْدَقَ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ وَطَلَّقَ قَبْلَهُ. . فالأَصَحُّ: تَعَذُّرُ تَعْلِيمِهِ، وَيَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ بَعْدَ وَطْءٍ، وَنِصْفُهُ قَبْلَهُ. وَلَوْ طَلَّقَ وَقَدْ زَالَ مِلْكُهَا عَنْهُ. . فَنِصْفُ بَدَلِهِ، فَإِنْ كَانَ زَالَ وَعَادَ. . تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ فِي الأَصَحِّ.
(ولو أصدق تعليم القرآن وطلقَّ قبله.
. فالأصح: تعذر تعليمه) لأنها صارت أجنبية، ولا تؤمن المفسدة لو علَّم، وهذا هو المنصوص في "المختصر"؛ كما ذكره الرافعي 523، والثاني: لا يتعذر؛ لإمكانه من وراء حجاب في غير خلوة؛ كما يسمع منها الحديث، وصححه جمع، واختاره الأَذْرَعي، وقد جزموا بجواز تعلمها من الأجنبي من وراء ستر بحضور محرم، وحكى الإمام عن الأئمة: أن علة التعذر عسر التنصيف 524، ورُدَّ: بما إذا كان الطلاق بعد الدخول؛ فإن المستحق تعليم الكل، وقد صرحوا بتعذر التعليم.
وصورة المسألة: أن يصدقها تعليم ذلك بنفسه، أما لو أصدقها ذلك في ذمته.
. لم يتعذر التعليم، لجواز تحصيل من يعلمها ذلك من محرم أو امرأة.
(ويجب مهر مثل بعد وطء، ونصفه قبله) أي: قبل الوطء، جريًا على القاعدة 525.
(ولو طلق) قبل الدخول (وقد زال ملكها عنه) أي: عن الصداق ببيع أو إعتاق أو هبة مقبوضة (. . فنصف بدله) أي: المثل إن كان مثليًّا، وقيمة النصف إن كان متقومًا؛ كما لو تلف، (فإن كان زال وعاد) ثم طلقها قبل الدخول (. . تعلق بالعين في الأصح) لأنه لا بُدَّ له من بدل؛ فعين ماله أولى، والثاني: لا؛ لأن الملك المستعاد من غير جهة الصداق.
الجزء: 3 - الصفحة: 163
وَلَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ ثُمَّ طَلَّقَ. . فَالأَظْهَرُ: أَنَّ لَهُ نِصْفَ بَدَلِهِ. وَعَلَى هَذَا: لَوْ وَهَبَتْهُ النِّصْفَ. . فَلَهُ نِصْفُ الْبَاقِي وَرُبُعُ بَدَلِ كُلِّهِ، وَفِي قَوْلٍ: الْنِّصْفُ الْبَاقِي، وَفِي قَوْلٍ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ بَدَلِ نِصْفِ كُلِّهِ أَوْ نِصْفِ الْبَاقِي وَرُبُعِ بَدَلِ كُلِّهِ. وَلَوْ كَانَ دَيْنًا فَأَبْرَأَتْهُ. . لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَيْسَ لِوَليٍّ عَفْوٌ عَنْ صدَاقٍ عَلَى الْجَدِيدِ.
(ولو وهبته له ثم طلق) قبل الدخول (. . فالأظهر: أن له نصف بدله) من مثل أو قيمة؛ لعوده إليه بملك جديد، فلم يمتنع الرجوع؛ كما لو وهب المشتري المبيع من البائع ثم أفلس بالثمن؛ فإن البائع يضارب بالثمن مع الغرماء على المذهب، والثاني: لا يرجع عليها بشيء؛ لأنها عجلت له ما يستحقه، فأشبه تعجيل الزكاة قبل الحول، والدين قبل الحلول، ومنع الأول كونه تعجيلًا لحقه، فإنها لو صرحت بالتعجيل.
. لم يصح.
(وعلى هذا) أي: الأظهر (لو وهبته النصف.
. فله نصف الباقي وربع بدل كله) لأن الهبة وردت على مطلق الجملة، فيشيع فيما أخرجته وما أبقته، (وفي قول: النصف الباقي) لأنه استحق النصف بالطلاق، وقد وجده؛ فيتعين الرجوع فيه، وتنحصر هبتها في نصيبها؛ ويُسمَّى الأول: قول الإشاعة، والثاني: قول الحصر، (وفي قول: يتخير بين بدل نصف كله، أو نصف الباقي وربع بدل كله) لأن في الرجوع بنصف الباقي وبدل نصف الآخر تبعيضًا للشطر على الزوج، والتبعيض عيب والعيب بيد الزوجة فخير الزوج.
وقوله: (أو نصف الباقي)، الصواب: إسقاط (الألف) لأن (بين) إنما تكون بين شيئين.
(ولو كان دينًا فأبرأته.
. لم يرجع عليها على المذهب) قطعًا؛ لأنه لم يغرم شيئًا؛ كما لو شهد شاهدان بدين على إنسان، وحكم به الحاكم ثم أبرأ المحكوم له المحكوم عليه عن الدين، ثم رجع الشاهدان عن الشهادة.
. لم يغرما للمحكوم عليه شيئًا، وقيل: على القولين في هبة العين، ورجح قائلها هنا عدم الرجوع، والفرق: أنها لم تأخذ شيئًا، والإبراء إسقاط محض.
(وليس لولي عفو عن صداق على الجديد) كسائر الديون، والقديم: نعم؛ بناءً
الجزء: 3 - الصفحة: 164
فَصْلٌ [في المتعة]
لِمُطَلَّقَةٍ قَبْلَ وَطْءٍ مُتْعَةٌ إِنْ لَمْ يَجِبْ شَطْرُ مَهْرٍ، وَكَذَا الْمَوْطُوءَةُ فِي الأَظْهَرِ،
على أنه الذي بيده عقدة النكاح في الآية، وقال في الجديد: إن الذي بيده عقدة النكاح في الآية الزوج؛ أي: إلا أن تعفو المرأة فيسلم الكل للزوج، أو يعفو الزوج فيسلم الكل لها.
ويشترط على القديم: أن يكون الولي أبًا أو جدًّا؛ لمكان شفقتهما، وأن يكون قبل الدخول؛ جزمًا فيهما، وأن تكون بكرًا صغيرة عاقلة، وأن يكون بعد الطلاق، وأن يكون الصداق دينًا في ذمة الزوج لم يقبض على الصحيح فيهن.
(فصل: لمطلقة قبل وطء متعة إن لم يجب شطر مهر) وهي واجبة على الجديد؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾؛ الآية، وعن القديم: أنها مستحبة لقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾؛ فدل على أنها على سبيل الإحسان والتفضيل، والإحسان ليس بواجب، ولو كانت واجبة.
. لم يختص بها المحسنون دون غيرهم.
وخرج بقوله: مطلقة: المتوفى عنها؛ فلا متعة لها، وأفهم عدم وجوبها لها إذا وجب لها الشطر، وبه صرح في "المحرر" 526.
(وكذا الموطوءة في الأظهر) لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وخصوص قوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾، وفي الآية تقديم وتأخير؛ أي: فتعالين أسرحكن وأمتعكن، وكلهن مدخول بهن؛ فدلَّ على وجوب المتعة للمدخول بها، والثاني: لا متعة لها؛ لأنها إذا لم تستحقها مع الشطر.
. فمع الكل أولى، وحمل الآية على الاستحباب.
وفرق الأول: بأن جميع المهر وجب في مقابلة استيفاء منفعة البضع فخلا الطلاق
الجزء: 3 - الصفحة: 165
وَفُرْقَةٌ لَا بِسَبَبِهَا كَطَلَاقٍ.
وَيُسْتَحَبُّ أَلَّا تنقُصَ عَنْ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا.
وَإِنْ تنَازَعَا.
. قَدَّرَهَا الْقَاضِي بنَظَرِهِ مُعْتَبرًا حَالَهُمَا، وَقِيلَ: حَالَهُ، وَقِيلَ: حَالَهَا، وَقِيلَ: أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ.
فَصْلٌ [في الاختلاف في المهر والتحالف فيما سمي منه]
اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَهْرٍ أَوْ صفَتِهِ. . تَحَالَفَا،
عن الجبر، بخلاف من وجب لها النصف، فإن بضعها سُلِّم لها.
. فكان الشطر جابرًا للإيحاش والابتذال.
(وفرقة لا بسببها كطلاق) في إيجاب المتعة، سواء أكان من الزوج؛ كإسلامه وردته ولعانه، أو من أجنبي؛ كوطء أبيه أو ابنه بشبهة، فإن كانت بسببها؛ كإسلامها، وفسخه بعيبها وعكسه.
. لم تجب؛ لأن المهر يسقط بذلك، ووجوبه آكد من وجوب المتعة، ولو ارتدا معًا.
. فلا متعة على الأصحِّ.
(ويستحب ألا تنقص عن ثلاثين درهمًا) أو ما يساويها، كما ذهب إليه ابن عمر وابن عباس رضي الله عنه 527، وأما الواجب، فإن تراضيا على شيء.
. فذاك.
(وإن تنازعا.
. قدرها القاضي بنظره) بحسب ما يليق بالحال وإن زاد على شطر المهر على الأصحِّ (معتبرًا حالهما) لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾، وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فينظر إلى ما يليق بالزوج من يساره وإعساره، وفيما يليق بالزوجة من نسبها وصفاتها، (وقيل: حاله) كالنفقة (وقيل: حالها) كأنها كالبدل عن المهر، وهو معتبر بها، (وقيل: أقل متمول) كما يجوز جعله صداقًا.
(فصل: اختلفا في قدر مهر) وكان ما يدعيه الزوج أقل (أو) في (صفته) ولا بينة لأحدهما، أو تعارضت بينتهما (. . تحالفا) كالبيع، لأن كلَّ واحدٍ مدعٍ، ومدعىً عليه، وكيفية اليمين، ومن به البداءة على ما مر في (البيع).
الجزء: 3 - الصفحة: 166
وَيَتَحَالَفُ وَارِثَاهُمَا، وَوَارِثُ وَاحِدٍ وَالآخَرُ، ثُمَّ يُفْسَخُ الْمَهْرُ وَيَجِبُ مَهْرُ مِثلٍ. وَلَوِ ادَّعَتْ تسمِيَةً فَأَنْكَرَهَا. . تَحَالَفَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ ادَّعَتْ نِكَاحًا وَمَهْرَ مِثْلٍ فَأَقَرَّ بِالنِّكَاحِ وَأَنْكَرَ الْمَهْرَ أَوْ سَكَتَ.
(ويتحالف وارثاهما، ووارث واحد والآخر) لقيامه مقام مورثه، وقضيته: أنه كتحالف الزوجين وليس كذلك، فإن الزوجين يحلفان على البت في النفي والإثبات، والوارثان يحلفان على البت في الإثبات، وعلى نفي العلم في النفي على الصحيح في "أصل الروضة" 528.
(ثم يفسخ المهر) المسمَّى؛ لمصيره بالتحالف مجهولًا، ولا ينفسخ بنفس التحالف؛ كالبيع، ويفسخه من يفسخ البيع بعد التحالف.
(ويجب مهر مثل) وإن كان أزيد مما ادعته؛ على الصحيح.
(ولو ادعت تسمية فأنكرها) بأن قال: (لم تقع تسمية)، ولم ياع تفويضًا (. . تحالفا في الأصح) لأن حاصله الاختلاف في قدر المهر، والثاني: يصدق الزوج؛ لأن الأصل عدم التسمية، قالا: وإنما يحسن وضع المسألة إذا كان ما تدعيه أكثر من مهر المثل 529، قال ابن الرفعة: ويحسن وضعها وإن كان ما تدعيه قدر مهر المثل، إذا كان من غير نقد البلد 530، وقال البُلْقيني: يحسن أيضًا وضعها إذا كان المُسمَّى معينًا ولو كان أنقص من مهر المثل؛ لتعلق الغرض بالمعين.
ولو ادعى الزوج التسمية وأنكرت، قال الرافعي: فالقياس: مجيء الوجهين 531.
قال المنكت: وينبغي أن يصور ذلك بما إذا ادعى دون مهر المثل على قياس ما تقدم.
انتهى 532، ومثله: ما إذا ادعى قدره أو أكثر من غير نقد البلد أو عينًا معيَّنة، كما تقدم.
(ولو ادعت نكاحًا ومهر مثل فأقر بالنكاح وأنكر المهر أو سكت) عنه، ولم يدع
الجزء: 3 - الصفحة: 167
فَالأَصَحُّ: تَكْلِيفُهُ الْبَيَانَ؛ فَإِنْ ذَكَرَ قَدْرًا وَزَادَتْ. . تَحَالَفَا، وَإِنْ أَصَرَّ مُنْكِرًا. . حُلِّفَتْ وَقُضِيَ لَهَا. وَلَوِ اخْتَلَفَ فِي قَدْرِهِ زَوْجٌ وَوَلِيُّ صَغِيرَةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ. . تَحَالَفَا فِي الأَصَحِّ.
تفويضًا، ولا إخلاء النكاح عن ذكر المهر (. . فالأصح: تكليفه البيان) ولا يسمع إنكاره؛ لاعترافه بما يقتضي مهر المثل.
(فإن ذكر قدرًا وزادت.
. تحالفا) لما مر (وإن أصر منكرًا.
. حلفت وقضي لها) وهذا ما حكاه الروياني عن فتوى جماعة من المحققين بخراسان والعراق، ثم قال: وهو القويم؛ يعني: بالواو من الاستقامة، وظنه ابن الرفعة بالدال فقال: فالجديد إذًا خلافه وليس كذلك، ووقع في بعض نسخ "الروضة" و"أصلها" القديم بالدال 533، وهو تحريف من ناسخ، ومقابل الأصح: أوجه، أحدها: تصديق الزوج؛ لأن الأصل براءة ذمته، وقال صاحب "المعين": إنه الصواب، وقال البُلْقيني: إنه المعتمد، والثاني: تصديقها بيمينها، لأن الظاهر معها، والثالث: أنهما يتحالفان، حكاه في "الوجيز" وصححه 534، قالا: ولا يكاد يتصور، فإن التحالف هو على إثبات دعواه ونفي دعوى خصمه، والذي حصل من الزوج إنكارٌ مطلق 535.
قال المنكت: وهذه المسألة قريبة الشبه من التي قبلها في المعنى وإن اختلفا في الصورة؛ فليحرر الفرق بينهما.
انتهى 536.
وفرق شيخنا بينهما: بأن هناك إنما أنكر التسمية، ومقتضاه: لزوم مهر المثل؛ فإن كان مدعاها زائدًا عليه أو في غير جنسه.
. فقد اختلفا في المهر فتحالفا، وأما هنا.
. فإنه أنكر المهر أصلًا، ولا سبيل إليه مع الاعتراف بالنكاح، فلهذا كان الأصحُّ تكليفه البيان.
(ولو اختلف في قدره زوج وولي صغيرة أو مجنونة.
. تحالفا في الأصح) لأن الولي هو المالك للعقد والمستوفي للصداق، فكان اختلافه مع الزوج كاختلاف البالغة
الجزء: 3 - الصفحة: 168
وَلَوْ قَالَتْ: (نَكَحَنِي يَوْمَ كَذَا بِأَلْفٍ، وَيَوْمَ كَذَا بِأَلْفٍ)، وَثَبَتَ الْعَقْدَانِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبيِّنَةٍ. . لَزِمَهُ أَلْفَانِ،
مع الزوج، فلو بلغت قبل حلف الولي.
. حلفت هي دونه، والثاني: المنع؛ لأنه يثبت حقًّا لغيره بيمينه، والنيابة لا تدخل في اليمين؛ فعلى هذا: توقف اليمين إلى تأهلها، ويتحالفان.
وإنما يحلف الولي إذا ادعى زيادة على مهر المثل، والزوج مهر المثل، أما إذا اعترف الزوج بزيادة على مهر المثل.
. فلا تحالف؛ لئلا يؤدي التحالف إلى الانفساخ الموجب لمهر المثل، فيضيع على المحجور عليها الزائد، وكذا لو ادعى الزوج النكاح بدون مهر المثل؛ فإن مهر المثل يجب بلا تحالف، قاله الرافعي 537.
وخرج بقوله: (صغيرة) البكر البالغة؛ فإنها تحلف على الصحيح.
وكان ينبغي أن يقيد الصغيرة بالبكر؛ فإن الثيب لا يحلف عنها قطعًا؛ لأنه لا يجبرها، وما صحح المصنف والرافعي من التحالف يخالف لما ذكراه في (الدعوى والبينات) من أنه لو ادعى ولي صبي دينًا له فأنكر ونكل.
. لم يحلف الولي 538، وقيل: يحلف، وقيل: إن ادعى مباشرة سببه.
. حلف، وإلا.
. فلا، وجمع الزركشي بينهما: بأن حلفه هناك على استحقاق الصبي، فهو حلف للغير ولم يقبل النيابة، وهنا على أنَّ العقد هكذا فهو حلف لنفسه، والمهر ثابت ضمنًا، وجرى عليه الدميري 539، وفيه نظر؛ فإن الوجه المفصل في (الدعاوى) يرد هذا الجمع.
(ولو قالت: "نكحني يوم كذا بألف ويوم كذا بألف"، وثبت العقدان بإقراره أو ببينة) أو يمينها بعد نكوله (. . لزمه ألفان) ولا يحتاج إلى التعرض لتخلل الفرقة ولا لحصول الوطء، أما عدم التعرض لتخلل الفرقة.
. فلأن العقد الثاني لا يكون إلا بعد ارتفاع الأول، وأما عدم التعرض للوطء.
. فلأن المُسمَّى في كل عقد يجب بالعقد، والأصل: بقاؤه حتى يثبت إسقاطه.
الجزء: 3 - الصفحة: 169
فَإِنْ قَالَ: (لَمْ أَطَأْ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا).
. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَسَقَطَ الشَّطْرُ، وَإِنْ قَالَ: (كَانَ الثَّانِي تَجْدِيدَ لَفْظٍ لَا عَقْدًا).
. لَمْ يُقْبَلْ.
فَصْلٌ [في وليمة العرس]
وَلِيمَةُ الْعُرْسِ سُنَّةٌ، وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ: وَاجِبَةٌ.
(فإن قال: "لم أطأ فيهما أو في أحدهما".
. صدق بيمينه) لأن الأصل: عدم الوطء، (وسقط الشطر) في النكاحين أو أحدهما؛ لأنه فائدة تصديقه.
وصورة المسألة: إذا ادعى عدم الوطء في الثاني.
. أن يدعي الطلاق، وإلا.
. فمجرد دعوى عدم الوطء لا يسقط الشطر في الثاني، وإنما يسقطه في الأول.
(وإن قال: "كان الثاني تجديدَ لفظٍ لا عقدًا".
. لم يقبل) لمخالفته الظاهر، وله تحليفها على نفي ما ادعاه على الأصحِّ؛ لإمكانه.
(فصل: وليمة العرس سنة) لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا 540، وسائر الولائم كذلك، وقد جمع بعضهم أسماء الضيافة في أبيات فقال: [من البسيط]
وَلِلضِّيَافَةِ أَسْمَاءٌ ثَمَانِيَةٌ ... وَلِيمَةُ الْعُرْسِ ثُمَّ الْخُرْسُ لِلْوَلدِ
كَذَا الْعَقِيْقَةُ لِلْمَوْلُوْدِ سَابِعَهُ ... ثُمَّ الْوَكِيرَةُ لِلْبُنْيَانِ إِنْ تَجِدِ
ثُمَّ الْنَّقِيعَةُ عِنْدَ الْعَوْدِ مِنْ سَفَرٍ ... وَفِي الْخِتَانِ هُوَ الإِعْذَارُ فَاجْتَهِدِ
وَضِيمَةٌ لِمُصَابٍ ثُمَّ مَأْدُبَةٌ ... مِنْ غَيْرِ مَا سَبَبٍ جَاءَتْكَ لِلْعَدَدِ
وَالشُّنْدَخِيُّ لإِمْلَاكٍ فَقَدْ كَمُلَتْ ... تِسْعًا وَقُلْ لِلَّذِي يَدْرِيهِ فَاعْتَمِدِ
وقوله: (قل للذي يدريه) يعني: الشندخي، وأهمل الناظم عاشرًا، وهو الحذاق بكسر الحاء المهملة: ما يتخذ عند حذاق الصبي بالقرآن، أو عند ختمه له.
(وفي قول أو وجه: واجبة) عينًا، لقوله عليه السلام لعبد الرحمن بن عوف:
الجزء: 3 - الصفحة: 170
وَالإِجَابَةُ إِلَيْهَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَقِيلَ: كِفَايَةٍ، وَقِيلَ: سُنَّةٌ
"أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" متفق عليه 541، وحمله الأول على الندب؛ لحديث: "لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ" 542، وقيل: فرض كفاية إذا أظهرها الواحد في عشيرته وقبيلته ظهورًا منتشرًا .. سقط فرضها عمن سواه، حكاه الماوردي 543.
ولم يتعرضوا لوقت الوليمة هل هو قبل البناء أو بعده؟ قال السبكي: والمنقول عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنها بعد الدخول، وبسط ذلك، وقال الأَذْرَعي: الأقرب: الرجوع في ذلك إلى العرف.
قال السبكي: وأقل المستحب في الوليمة: شاة؛ للحديث: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" 544، وقول "الروضة" و"أصلها": أقل الوليمة للمتمكن شاة، فإن لم يتمكن .. فما قدر عليه يقتضيه 545، أي: أقل المستحب للمتمكن شاة.
(والإجابة إليها فرض عين) لحديث: "شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلَائِمِ؛ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ .. فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُولَهُ" رواه مسلم 546.
وحكى ابن عبد البر الإجماع عليه 547.
(وقيل: كفاية) لأن المقصود إظهار الحال، والتمييز عن السفاح، وهو حاصل بحضور البعض، (وقيل: سنة) لأنه تمليك مال فلم يجب كغيره، والخبر محمول على تأكد الاستحباب.
ويستثنى: القاضي، فلا تلزمه الإجابة على الصحيح، بل قال الروياني: الأولى في زماننا: ألا يجيب أحدًا؛ لخبث الزمان.
وقضية قوله: (إليها) عدم وجوب الإجابة إلى غيرها من الولائم، وهو
الجزء: 3 - الصفحة: 171
وَإِنَّمَا تَجِبُ أَوْ تُسَنُّ بِشَرْطِ: أَلَّا يَخُصَّ الَأغْنِيَاءَ. وَأَنْ يَدْعُوَهُ فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ، فَإِنْ أَوْلَمَ ثَلاَثَةً .. لَمْ تَجِبْ فِي الثَّانِي، وَتُكْرَهُ فِي الثَّالِثِ. وَأَلَّا يُحْضِرَهُ لِخَوْفٍ أَوْ طَمَعٍ فِي جَاهِهِ. وَأَلَّا يَكُونَ ثَمَّ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ أَوْ لاَ تَلِيقُ بِهِ مُجَالَسَتُهُ وَلَا مُنْكَرٌ، فَإِنْ كَانَ يَزُولُ بِحُضُورِهِ .. فَلْيَحْضُرْ
الصحيح، بل هي مستحبة، وقيل: بطرد الخلاف.
(وإنما تجب) الإجابة (أو تسن بشرط: ألا يخص الأغنياء) للحديث السالف، هذا إذا خصهم لغناهم، أما إذا كانوا من أهل حرفته، كالفقيه يخص الفقهاء وهم أغنياء .. فلا بأس؛ لأن له غرضًا فيه، قاله القاضي وغيره.
(وأن يدعوه في اليوم الأول، فإن أولم ثلاثة .. لم تجب في الثاني) بل تستحب، (وتكره في الثالث) لحديث: " الْوَلِيمَةُ فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ حَقٌّ، وَفِي الثَّانِي مَعْرُوفٌ، وَفِي الثَّالِثِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ" رواه الأربعة 548.
(وألا يحضره لخوف أو طمع في جاهه) بل يكون حضوره لمجرد التقرب، والتودد المطلوب من المسلمين عمومًا.
(وألا يكون ثم من يتأذى به أو لا تليق به مجالسته) كالأراذل؛ لما فيه من الضرر في الأولى، والغضاضة في الثانية، (ولا منكر) كالخمر، والملاهي المحرمة؛ لحديث: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. فَلاَ يَقْعُدَنَّ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ" رواه الترمذي، وقال: حسن غريب، وصححه الحاكم، وقال: إنه على شرط مسلم 549.
وشمل إطلاق المنكر: ما لو كان هناك داعية إلى بدعة ولا يقدر المدعو على رده، وما إذا كان هناك من يضحك بالفحش والكذب، وبه صرح في "الإحياء" 550.
(فإن كان يزول بحضوره .. فليحضر) لأن فيه تحصيل فرضين؛ فرض الإجابة
الجزء: 3 - الصفحة: 172
وَمِنَ الْمُنْكَرِ: فِرَاشُ حَرِيرٍ وَصُورَةُ حَيَوَانٍ عَلَى سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ وِسَادَةٍ أَوْ سِتْرٍ أَوْ ثَوْبٍ مَلْبُوسٍ،
وإزالة المنكر، فإن علم أنه إن حضر .. لم يزل بحضوره .. حرم حضوره على الصحيح؛ لأنه كالرضا بالمنكر والتقرير عليه.
وأهمل المصنف شروطًا أخر لوجوب الإجابة أو استحبابها؛ أحدها: أن يخصه بالدعوة، فإن فتح بابه وقال ليحضر من أراد .. لم تجب، ثانيها: أن يدعوه مسلم، ثالثها: كون طعام الداعي حلالًا، رابعها: ألا يكون الداعي امراة أجنبية، إلا إذا لم تقع خلوة محرمة، خامسها: ألا يكون له عذر مرخص في ترك حضور الجماعة، قاله في "البيان" 551، سادسها: ألا يعتذر إلى الداعي ويرضى بتخلفه، فإن رضي .. زال الوجوب، قال في "الروضة": وارتفعت كراهة التخلف 552، ولو غلب على ظنه أن الداعي لا يتألم بانقطاعه .. ففيه تردد حكاه في "الذخائر"، وظاهر الحديث: يقتضي المنع، سابعها: ألا يكون الداعي فاسقًا أو شريرًا أو طالبًا للمباهاة والفخر، قاله في "الإحياء" 553، ثامنها: ألا يسبق الداعي غيره، فإن دعاه اثنان .. أجاب الأسبق، فإن جاءا معًا .. أجاب الأقرب رحمًا ثم دارًا، تاسعها: إطلاق تصرف الداعي، عاشرها: أن يكون المدعو حرًّا، فإن عاد عبدًا .. لزمه إن أذن سيده.
(ومن المنكر: فراش حرير) لحرمته؛ كما مر به في بابه، والتقييد بالافتراش: يخرج ستر الجدران به مع كونه حرامًا.
وكان ينبغي أن يقول: فرش حرير؛ لأن المحرم الفَرْشُ الذي هو المصدر لا الفراش نفسه، فقد يكون مطويًّا فلا إنكار فيه، ويلتحق بفرش الحرير: افتراش جلود النمور فإنها حرام؛ كما قاله الحليمي وابن المنذر وغيرهما.
(وصورة حيوان على سقف أو جدار أو وسادة أو ستر أو ثوب ملبوس) لحديث النمرقة وغيره من الأحاديث الصحيحة 554، ولأنها شبيهة بالأصنام.
الجزء: 3 - الصفحة: 173
وَيَجُوزُ مَا عَلَى أَرْضٍ وَبِسَاطٍ وَمِخَدَّةٍ، وَمَقْطُوعُ الرَّأْسِ، وَصُوَرُ شَجَرٍ، وَيَحْرُمُ تَصْوِيرُ حَيَوَانٍ. وَلاَ تسقُطُ إِجَابَةٌ بِصَوْمٍ،
(ويجوز ما على أرض وبساط ومخدة ومقطوع الرأس) لأن ما يوطأ ويطرح مهانٌ مبتذلٌ.
وتعبيره أولًا بالوسادة، وثانيًا بالمخدة يقتضي تغايرهما، وليس كذلك بل هما لفظان مترادفان، وجمع بين كلاميه على سبيل العناية: بأن المراد بالجواز في المخدة الصغيرة التي يتكأ عليها، وبالمنع في الوسادة الكبيرة المنصوبة؛ كما عبر به في "الروضة" 555.
(وصور شجر) وكل ما لا روح له؛ لما في "الصحيحين" عن ابن عباس أنه قال لمصور قال له: لا أعرف صنعةً غيرها: (إن لم يكن بد .. فصوِّر الأشجار، وما لا نفس له) 556 ولأنها تشابه النقوش، وهي غير ممنوعة.
(ويحرم تصوير حيوان) لحديث: " أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ" 557، ولا فرق في تحريم التصوير بين تصوريها على الحيطان أو الأرض أو نسج الثياب على الأصحِّ في "زيادة الروضة" 558.
(ولا تسقط إجابة بصوم) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ .. فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا .. فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا .. فَلْيُصَلِّ" رواه مسلم 559.
والمراد بالصلاة: الدعاء؛ كما ورد في رواية: أن النبي دعا له بالبركة 560، وظاهر الحديث: وجوب الاكل للمفطر، وهو ما صححه المصنف في (كتاب الصيام) من "شرح مسلم"، واختاره في "التصحيح" 561، لكن الأصحّ في "الروضة"
الجزء: 3 - الصفحة: 174
فَإِنْ شَقَّ عَلَى الدَّاعِي صَوْمُ نَفْلٍ .. فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ. وَيَأْكُلُ الضَّيْفُ مِمَّا قُدِّمَ لَهُ بِلَا لَفْظٍ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ إِلَّا بِأَكْلٍ،
و"أصلها" و"شرح مسلم" هنا: أنه لا يجب، بل يستحب، ويسقط الوجوب بلقمة 562.
(فإن شق على الداعي صوم نفل .. فالفطر أفضل) لإمكان تدارك الصوم، ويندب: أن ينوي بالفطر إدخال السرور على قلبه، وإذا لم يشق عليه .. فالإتمام أفضل.
وخرج بالنفل: صوم الفرض؛ فيحرم الفطر إن تضيق، وكذا إن لم يتضيق على المذهب.
(ويأكل الضيف مما قدم له بلا لفظ) سواء دعاه أم لا بشرط ألا يكون منتظرًا غيره؛ اكتفاءً بالقرينة، فإن انتظر غيره .. فلا بد من حضوره أو الإذن لفظًا.
(ولا يتصرف فيه إلا بأكل) لأنه المأذون فيه عرفًا، فلا يطعم سائلًا ولا هرةً ولا يبيعه ولا يهبه.
نعم؛ يجوز تلقيم الأضياف بعضهم بعضًا إلا إذا فاوت بينهم في الطعام .. فليس للذين خصوا بنوع أن يطعموا منه غيرهم.
وظاهر كلامه: أنه لا يملكه، بل هو إتلاف بالإذن، وهو ما صححه في (كتاب الأيمان)، وصححه الرافعي في (كتاب الهبة) أيضًا 563، لكن نقلا هنا عن الأكثرين التمليك 564، وهل يملك بالوضع بين يديه أو بالأخذ، أو بالوضع في الفم، أو بالازدراد يتبين حصوله قبله؛ أوجه؛ قالا في "الروضة" و"أصلها": وضعف المتولي ما سوى الوجه الأخير 565، وقال في "الشرح الصغير": رجح الأول؛ يعني: بالوضع بين يديه، واعترضه الأَذْرَعي، وقال: إنه أضعف الأوجه، بل هو
الجزء: 3 - الصفحة: 175
وَلَهُ أَخْذُ مَا يَعْلَمُ رِضَاهُ بِهِ. وَيَحِلُّ نَثْرُ سُكَّرٍ وَغَيْرِهِ فِي الإِمْلَاكِ، وَلَا يُكْرَهُ فِي الأَصَحِّ، وَيَحِلُّ الْتِقَاطُهُ، وَتَرْكُهُ أَوْلَى.
غلط، ووقع في "المهمات" و"شرح ابن الملقن" و"النكت": أنه رجَّح في "الشرح الصغير" الملك بالوضع في الفم 566، وهو سهوٌ، وعبارة "الشرح الصغير": ثم قيل: يملك بالوضع بين يديه، وقيل: بالأخذ، وقيل: بالوضع في الفم، وقيل: بالازدراد يتبين حصول الملك قبله رجح منها الأول.
انتهى.
وحيث قلنا: بأنه يملك؛ فالمراد به: أنه ملك أن ينتفع بنفسه؛ كالعارية لا أنه ملك العين؛ كما توهمه بعضهم.
(وله أخذ ما يعلم رضاه به) لأن مدار الضيافة على طيب النفس؛ فإذا تحقق ولو بالقرينة .. رتب عليه مقتضاه، ويختلف ذلك بقدر المأخوذ وجنسه، وبحال المضيف، وبالدعوة، فإن شك في وقوعه في محل المسامحة .. فالصحيح: التحريم.
(ويحل نثر سُكَّر) وهو رميه مفرقًا (وغيره) كلوز ونحوه، وكذا الدراهم والدنانير؛ كما حكياه عن المسعودي وأقراه 567 (في الإملاك، ولا يكره في الأصح) لأنه نُثرَ ذلك بين يديه صلى الله عليه وسلم فأمسك أصحابه، وقالوا: نهيتنا عن النُّهْبى، فقال: "إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَى الْعَسَاكِرِ، خُذُوا عَلَى اسْمِ اللهِ" فجاذبنا وجاذبناه، رواه البيهقي بإسناد منقطع 568، والثاني: يكره؛ لما في الصحيح من النهي عن النُّهْبَى 569، والحديث السابق لم يثبت، قال الأَذْرَعي: وهذا نص عليه الشافعي، وأطبق عليه جماهير الأصحاب، وقيل: إنه مستحب.
(ويَحِلُّ التقاطه) لأن مالكه إنما طرحه لمن يأخذه (وتركه أولى) لأنه دناءة إلا إذا علم أن الناثر .. لم يؤثر بعضهم على بعض، ولم يقدح الالتقاط في مروءته، قال ابن
الجزء: 3 - الصفحة: 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
داوود: والأولى: أن يقسم النثار على الحاضرين، ويكره أخذه من الهواء بالمُلَاءةِ والأُزُرِ قطعًا، ومن أخذ منه شيئًا .. ملكه بالأخذ على الأصحِّ في "زيادة الروضة" كسائر المباحات، قال: ولو التقط منه صبي .. ملكه، أو عبد .. ملكه سيده، والختان في هذا كالإملاك 570.
الجزء: 3 - الصفحة: 177
كتابُ القسْمِ والنُّشُوز يَخْتَصُّ الْقَسْمُ بِزَوْجَاتٍ. وَمَنْ بَاتَ عِنْدَ بَعْضِ نِسْوَتِهِ .. لَزِمَهُ عِنْدَ مَنْ بَقِيَ. وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْهُنَّ أَوْ عَنِ الْوَاحِدَةِ .. لَمْ يَأْثَمْ. وَيُسْتَحَبُّ أَلَّا يُعَطِّلَهُنَّ. وَتَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ مَرِيضَةٌ وَرَتْقَاءُ وَحَائِضٌ وَنُفَسَاءُ،
﴿كتاب القسم والنشوز﴾
القسم - بفتح القاف -: مصْدرُ قَسمتُ الشيء، وأما بالكسر .. فالنصيب.
والنشوز: الارتفاع عن أداء الحق من النشز، وهو المكان المرتفع من الأرض.
(يختص القسم بزوجات) غير معتدات وجوبًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾؛ أي: في القسم الواجب ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فأشعر بأنه لا يجب في ملك اليمين، فالإماء لا قسم لهن وإن كن مستولدات؛ لأنهن لا حقَّ لهن في الاستمتاع.
وكان ينبغي أن يقول: (ويختص الزوجات بالقسم) لأن (الباء) تدخل على المقصور 571.
(ومن بات عند بعض نسوته .. لزمه عند من بقي) لحديث: "إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا .. جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ أَوْ سَاقِطٌ" صححه ابن حبان والحاكم 572.
(ولو أعرض عنهن أو عن الواحدة .. لم يأثم) لأن المبيت حقه، فجاز تركه؛ كسكنى الدار المستأجرة.
(ويستحب ألا يعطلهن) للإضرار بهن، وقد يؤدي إلى الفجور.
(وتستحق القسم مريضة ورتقاء وحائض ونفساء) وكذا مجنونة لا يخاف منها، ومحرمة ومن آلى منها أو ظاهر، قال الغزالي: وكذا كلُّ من بها عذر شرعيٌّ
الجزء: 3 - الصفحة: 179
لَا نَاشِزَةٌ. فَإِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِمَسْكَنٍ .. دَارَ عَلَيْهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ، وَإِنِ انْفَرَدَ .. فَالأَفْضَلُ الْمُضِيُّ إلَيْهِنَّ، وَلَهُ دُعَاؤُهُنَّ، وَالأَصَحُّ: تَحْرِيمُ ذَهَابِهِ إِلَى بَعْضٍ وَدُعَاءِ بَعْضٍ، إِلَّا لِغَرَضٍ كَقُرْبِ مَسْكَنِ مَنْ مَضى إِلَيْهَا أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهَا. وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ بِمَسْكَنِ وَاحِدَةٍ وَيَدْعُوَهُنَّ إِلَيْهِ،
أو طبعيٌّ 573؛ لأن المقصود الأنس لا الوطء.
ويستثنى من إطلاق الغزالي: المعتدة عن وطء شبهة، فإنه لا قسم لها؛ لحرمة الخلوة بها، قاله المتولي، وأقراه 574.
(لا ناشزة) كما لا نفقة لها؛ إذ لا أنس مع نشوز.
(فإن لم ينفرد بمسكن .. دار عليهن في بيوتهن) توفيةً لحق القسم، (وإن انفرد .. فالأفضل: المضي إليهن) للاتباع، وصيانةً لهُنَّ عن الخروج.
(وله دعاؤهن) إلى مسكنه، وعليهنَّ الإجابة؛ لأن ذلك حقٌّ له، ومن امتنعت .. فهي ناشزة، واستثنى الماوردي: ما إذا كانت ذات قدر وخفر، ولم تعتد البروز .. فلا يلزمها إجابته، وعليه أن يقسم لها في بيتها 575، قال شيخنا: وفي "النهاية" ما يشير إليه، واستغربه الروياني.
(والأصح: تحريم ذهابه إلى بعض ودعاء بعض) لما فيه من الوحشة، والثاني: لا؛ كما له المسافرة ببعض دون بعض.
وفرق الأول: بأن المسافرة تكون بالقرعة، وهي تدفع الوحشة، فإن أقرع هنا .. قال الرافعي: وجب أن يجوز 576.
(إلا لغرض؛ كقرب مسكن من مضى إليها أو خوف عليها) ونحوهما؛ كما لو كان تحته عجوز وشابة .. فحضر بيت الشابة، ودعا العجوز؛ لأن ذلك قرينة تصرف الميل عنه والأذى عنها.
(ويحرم أن يقيم بمسكن واحدة ويدعوهن إليه) لأن إتيان بيت الضرة شاقٌّ على
الجزء: 3 - الصفحة: 180
وَأَنْ يَجْمَعَ ضَرَّتَيْنِ فِي مَسْكَنٍ إِلَّا بِرِضَاهُمَا. وَلَهُ أَنْ يُرَتِّبَ الْقَسْمَ عَلَى لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، وَالأَصْلُ اللَّيْلُ، وَالنَّهَارُ تَبَعٌ، فَإِنْ عَمِلَ لَيْلًا وَسَكَنَ نَهَارًا كَحَارِسٍ .. فَعَكْسُهُ
النفس، ولا يلزمهن الإجابة، فإن أجبن .. فلصاحبة البيت المنع وإن كان المبيت ملك الزوج؛ لأن حق السكنى فيه لها، قاله ابن داوود، فلو رضين كلهن بذلك .. جاز.
(وأن يجمع بين ضرتين في مسكن) ولو ليلة؛ لما بينهما من التباغض (إلا برضاهما) لأن الحقَّ لهما، والمراد بالمسكن: البيت الواحد، فلو كان في الدار حجرة منفردة بالمرافق، وهي لائقة بالحال .. جاز.
وكلامه يقتضي: جواز الجمع بين الحرة والسرية؛ لأن الجوهري فسر الضرة بالزوجة 577، لكن قال الماوردي والروياني: إنهما كالحرتين، قالا: وله الجمع بين إمائه في مسكن واحد 578.
(وله أن يرتب القسم على ليلة ويوم قبلها أو بعدها) لحصول المقصود بكل منهما.
نعم؛ تقديم الليل أولى؛ كما صرح به العراقيون، بل في "المهذب" تعينه 579؛ لأن الذي عليه التواريخ الشرعية أن أول الأشهر الليالي، وكلام المصنف قد يقتضي دخوله إلى صاحبة النوبة من الغروب، ويخرج من طلوع الفجر؛ لأنه الليل الشرعي، قال ابن الرفعة: والوجه: الرجوع فيه إلى العرف الغالب.
(والأصل الليل) لأن الله جعله سكنًا (والنهار تبع) لأنه وقت التردد والانتشار.
(فإن عمل ليلًا وسكن نهارًا كحارس) وأَتُّونِيّ (فعكسه) أي: فيكون النهار في حقه أصلًا، والليل تابع؛ لأن نهاره كليل غيره، هذا في الحاضر، أما المسافر .. فعماده وقت نزوله من ليل أو نهار قلَّ أو كثر، وفي المجنون المتقطع جنونه العبرة بوقت الإفاقة، ويجعل أيام الجنون كالغيبة، نصَّ عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 181
وَلَيْسَ لِلأَوَّلِ دُخُولٌ فِي نَوْبَةٍ عَلَى أُخْرَى لَيْلًا إِلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَرَضِهَا الْمَخُوفِ، وَحِينَئِذٍ: إِنْ طَالَ مُكْثُهُ .. قَضَى، وَإِلَّا .. فَلاَ، وَلَهُ الدُّخُولُ نَهَارًا لِوَضْعِ مَتَاعٍ وَنَحْوِهِ، وَيَنْبَغِي أَلَّا يَطُولَ مُكْثُهُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لاَ يَقْضِي إِذَا دَخَلَ لِحَاجَةٍ،
(وليس للأول) أي: من ليله أصل (دخول في نوبة على أخرى ليلًا) وإن كان لحاجة على المذهب؛ لما فيه من إبطال حق صاحبة النوبة، (إلا لضرورةٍ؛ كمرضها المخوف) وشدة الطلق، والحريق؛ لأنه عذر ظاهر، وقد يخرج ما لو احتمل ذلك، وأراد الدخول ليتبين حال المرض، والأصحُّ: الجواز.
(وحينئذ: إن طال مكثه .. قضى) من نوبتها مثله؛ لأن حق الآدمي لا يسقط بالعذر، (وإلا) أي: وإن لم يطل مكثه ( .. فلا) يقضي لقلته، وهذا إذا لم يجامع؛ فإن جامع .. قضى مثل مدة المكث، إن طال لا إن قصر، ولا يكلف الجماع على الأصحِّ في "الروضة" 580.
(وله الدخول نهارًا لوضع متاع ونحوه) كتسليم نفقةٍ، وتعرُّفِ خبرٍ، لحديث عائشة رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى التي هو يومُها فيبيت عندها) رواه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح الإسناد 581.
(وينبغي ألا يطول مكثه) على قدر الحاجة، وكذلك لا يعتاد الدخول على واحدة في نوبة الأُخْرَيات، ولا في نوبة واحدة الدخول على غيرها، كذا قالاه 582.
وقضيته: جواز ذلك إلا أنه خلاف الأولى، لكن صرح الشيخ أبو حامد بالتحريم، وجرى عليه جمهور العراقيين.
(والصحيح: أنه لا يقضي إذا دخل لحاجة) للحديث المار، ولأن النهار تابعٌ، والثاني: أن النهار كالليل.
وقضيته: أنه يقضي إذا طال، وقضية إطلاق الشيخين: أن الصحيح: أنه لا يقضي
الجزء: 3 - الصفحة: 182
وَأَنَّ لَهُ مَا سِوَى وَطْءٍ مِنِ اسْتِمْتَاعٍ، وَأَنَّهُ يَقْضِي إِنْ دَخَلَ بِلَا سَبَبٍ، وَلَا تَجِبُ تسْوِيَةٌ فِي الإِقَامَةِ نَهَارًا. وَأَقَلُّ نُوَبِ الْقَسْمِ لَيْلَةٌ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَيَجُوزُ ثَلاَثًا، وَلَا زِيَادَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ
وإن طال، وجزم به الماوردي، لكن في "الشامل" و"المهذب" و"البيان": وجوب القضاء، ونقله ابن الرفعة عن نصِّ "الأم" 583.
(وأن له ما سوى وطء من استمتاع) للحديث المار، والمسيس محمولٌ على الجماع، والثاني: المنع؛ لإفضائه إلى الوطء، أما الوطء .. فيحرم، وفيه وجه شاذ، قال الإمام: واللائق بالتحقيق: القطع بإباحة الوطء، وصرف التحريم إلى إيقاع المعصية لا إلى ما وقعت المعصية به 584، وقرنه بعضهم بأن تحريم الوطء ليس لعينه بل لأمر خارج، ومن عماد القسم في حقه النهار، فنهاره كليل غيره في جميع ما تقدم؛ كما دلَّ عليه قوله: (وليس للأول).
(وأنه يقضي إن دخل بلا سبب) أي: يقضي زمن الإقامة؛ لتعديه لا أنه يقضي الاستمتاع كما يوهمه كلامه، والثاني: لا يقضي؛ لأن النهار تابع.
(ولا تجب تسوية في الإقامة نهارًا) لأنه وقت الانتشار والتردد، وقد يكثر في يوم ويقل في آخر، والضبط فيه عَسِرٌ، بخلاف الليل.
(وأقل نوب القسم ليلة) ولا يجوز تبعيضها؛ لما فيه من تنغيصِ العيش وعُسْرِ الضبط، قال في "المطلب": وفي "الأم" ما يقتضي جوازه (وهو أفضل) من الزيادة عليها؛ للاتباع.
(ويجوز ثلاثًا) وليلتين وإن لم يرضين؛ لأنها مدة قريبة (ولا زيادة على المذهب) لئلا يؤدي إلى المهاجرة والإيحاش للباقيات بطول المقام عند الضرة، اللهم؛ إلا أن يرضين بذلك، والطريق الثاني: حكاية قولين أو وجهين، وإذا جوزنا .. فقيل: يجوز إلى سبع فقط؛ لأنها تستحق في القسم لتجديد النكاح، وقيل: إلى أربعة أشهر مدة تربص المولي.
الجزء: 3 - الصفحة: 183
وَالصَّحِيحُ: وُجُوبُ قُرْعَةٍ لِلِابْتِدَاءِ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ. وَلَا يُفَضِّلُ فِي قَدْرِ نَوْبَةٍ، لكِنْ لِحُرَّةٍ مِثْلَا أَمَةٍ،
(والصحيح: وجوب قرعةٍ للابتداء) أي: لابتداء القسم؛ تحرزًا عن الترجيح، فيبدأ بمن خرجت قرعتها، فإذا مضت نوبتها .. أقرع بين الباقيات ثم بين الأخريين، فإذا تمت النوبة .. راعى الترتيب، ولا حاجة إلى إعادة القرعة.
نعم؛ لو ظلم فبدأ بلا قرعة .. أقرع بين الباقيات، فإذا تمت النوبة .. أقرع للابتداء، وعبارة المصنف تشمله؛ لأنه الآن ابتدأ القَسْم.
(وقيل: يتخير) فيبدأ بمن شاء بلا قرعة؛ لأن له الإعراض عنهن، وما لم يبت عند واحدة .. لا يلزمه القسم، وقال في "التتمة": إنه مكروه.
(ولا يفضل في قدر نوبة) أي: لا يجوز أن يفضل امرأة على امرأة في ذلك وإن اختصت بصفات شريفة، حتى يساوي بين المسلمة والكافرة؛ لأن القسم شُرعَ للعدل واجتناب التفضيل المفضي للوحشة، (لكن لحرة مثلا أمة) لحديث فيه مرسل 585، وعضده الماوردي بأنه روي عن علي رضي الله عنه؛ كما رواه الدارقطني 586، ولا يعرف له مخالف فكان إجماعًا 587.
وخالف حق الزفاف؛ إذ الغرض فيه زوال الحشمة، وهما فيه سواء، وسواء المدبرة والمكاتبة والمبعضة وأم الولد؛ كما قاله الماوردي وغيره 588، ويتصور اجتماع الحرة والأمة في نكاح العبد، وفي الحر بأن ينكح أمة بشرطه، ثم ينكح عليها حرة أو تكون تحته حرة لا تصلح للاستمتاع وجوزنا له نكاح الأمة كما سبق.
وهذا إذا استحقت الأمة النفقة بأن سلَّمها السيد ليلًا ونهارًا، أو ليلًا وقلنا: باستحقاقها النفقة، أما إذا قلنا: بعدم استحقاقها، وهو الأصحُّ .. فلا قسم لها.
الجزء: 3 - الصفحة: 184
وَتُخَصُّ بِكْرٌ جَدِيدَةٌ عِنْدَ زَفَافٍ بِسَبْعٍ بِلاَ قَضَاءٍ، وَثَيِّبٌ بِثَلاَثٍ، وَيُسَنُّ تَخْيِيرُهَا بَيْنَ ثَلاَثٍ بِلاَ قَضَاءٍ، وَسَبْعٍ بِقَضَاءٍ
وهذا إذا لم يطرأ العتق، فإن عتقت قبل تمام نوبتها .. التحقت بالحرة، فلو لم تعلم بالعتق حتى مرت عليها أدوار، وهو يَقسِمُ لها قَسْمَ الإماء، قال الماوردي: يستقبل التسوية من حين العلم، ولا يقضي لها ما مضى 589، قال في "المطلب": والقياس: أن يقضي لها، وكلامه يوهم جواز ليلتين لها إذا كان للحرة أربعة، وليس كذلك بل الشرط ليلة لها وليلتان للحرة، ولا تجوز الزيادة على ذلك؛ لئلا يزاد القسم على ثلاث أو ينقص عن ليلة، وهما ممتنعان كما تقدم.
(وتخص) وجوبًا (بكر جديدة) ولو أمة على الأصحِّ (عند زفاف بسبع) ولاءً (بلا قضاء، وثيب) بنكاح أو زنًا أو وطء شبهة لا بمرض ووَثْبَة على الأصح (بثلاث) ولاءً بلا قضاء؛ لحديث: "سَبْعٌ لِلْبِكْرِ، وَثَلاَثٌ لِلثَّيِّبِ" صححه ابن حبان 590.
وهو مؤيد برواية البخاري عن أنس: (من السنة إذا تزوج البكر على الثيب .. أقام عندها سبعًا وقسم، وإذا تزوج الثيب على البكر .. أقام عندها ثلاثًا ثم قسم) 591.
وقول الصحابي: (من السنة) في حكم المرفوع، والمقصود منه: أن ترتفع الحشمة، ويحصل الأنس، وخصت البكر بزيادة؛ لأن حياءها أكثر، والثلاث مدة مغتفرة في الشرع، والسبع؛ لأنها أيام الدنيا، وما زاد عليها يتكرر.
(ويسن تخييرها) أي: الثيب (بين ثلاث بلا قضاء، وسبع بقضاء) لقوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة حين تزوج بها: "إِنْ شِئْتِ .. سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ، وَإِنْ شِئْتِ .. ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ" قالت: ثلِّث 592.
فإن اختارت السبع، وأجابها .. قضى السبع للباقيات، وإن أقام السبع بغير اختيارها .. لم يقض إلا الأربع الزائدة على المذهب.
الجزء: 3 - الصفحة: 185
وَمَنْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ .. نَاشِزَةٌ، وَبِإِذْنِهِ لِغَرَضِهِ .. يَقْضِي لَهَا، وَلِغَرَضِهَا .. لَا فِي الْجَدِيدِ. وَمَنْ سَافَرَ لِنُقْلَةٍ .. حَرُمَ أَنْ يَسْتَصْحِبَ بَعْضهُنَّ. وَفِي سَائِرِ الأَسْفَارِ الطَّوِيلَةِ -وَكَذَا الْقَصِيرَةُ فِي الأَصَحِّ- يَسْتَصْحِبُ بَعْضَهُنَّ بِقُرْعَةٍ،
(ومن سافرت وحدها بغير إذنه .. ناشزة) فلا قسم لها سواء أكان في حاجته أم في حاجتها.
نعم؛ لو كانت أمة وسافر بها السيد بعد أن بات عند الحرة ليلتين .. لم يسقط حقها من القسم، وعلى الزوج قضاء ما فات عند التمكن؛ لأن الفوات حصل بغير اختيارها، قاله المتولي، وأقراه 593.
(وبإذنه لغرضه) كما إذا أرسلها في شغله (يقضي لها) للإذن وغرضه، فهي كمن عنده وفي قبضته، (ولغرضها) كحج وعمرة وتجارة (لا في الجديد) أي: لا يقضي لها؛ لأنها ليست في قبضته، وفائدة الإذن: دفع الإثم، والقديم: نعم؛ لأنها سافرت بإذنه فصار كما لو سافرت بإذنه؛ لحاجته أو معه.
(ومن سافر لنُقلة .. حرم أن يستصحب بعضهن) دون بعض بقرعة ودونها؛ كما لا يجوز حضرًا، فإن فعل .. قضى للمتخلفات، وقيل: لا يقضي مدة السفر إن أقرع، ولو نقل بعضهن بنفسه وبعضهن بوكيله .. قضى لمن مع الوكيل في الأصحِّ إن أقرع، وإلا .. وجب قطعًا.
وكلامه قد يفهم: أنَّ له ترك الكل، وبه صرح المتولي، لكن صرح الغزالي بعدم الجواز، ونقله في "البسيط" عن الأصحاب؛ لما في ذلك من قطع أطماعهن من الوقاع، فأشبه الإيلاء بخلاف ما لو تمنع عن الدخول عليهن، وهو حاضر؛ لأنه لا ينقطع رجاؤهن.
(وفي سائر الأسفار الطويلة -وكذا القصيرة في الأصح- يستصحب بعضهن بقرعه) لأنه صلى الله عليه وسلم (كان إذا أراد سفرًا .. أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها .. خرج بها معه) متفق عليه 594.
الجزء: 3 - الصفحة: 186
وَلَا يَقْضِي مُدَّةَ سَفَرِهِ، فَإِنْ وَصَلَ الْمَقْصِدَ وَصَارَ مُقِيمًا .. قَضَى مُدَّةَ الإِقَامَةِ، لَا الرُّجُوعِ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ وَهَبَتْ حَقَّهَا .. لَمْ يَلْزَمِ الزَّوْجَ الرِّضَا، فَإِنْ رَضِيَ وَوَهَبَتْ لِمُعَيَّنَةٍ .. بَاتَ عِنْدَهَا لَيْلَتَيْهِمَا،
والثاني: يمتنع في القصير؛ لأنه في حكم الإقامة، وليس للمقيم أن يخصص بعضهن بالقرعة، وقضية إطلاقه السفر: أنه لا يشترط كونه مباحًا لكن نقلا عن الغزالي اشتراط كونه مُرَخَّصًا، وتوقفا فيه 595، قال الزركشي: ولا وجه للتوقف، فقد صرح به القفال في "محاسن الشريعة".
(ولا يقضي) للمقيمات (مدة سفره) لأنه لم ينقل، والمعنى فيه: أن المستصحبة وإن فازت بصحبته .. فقد لحقها من تعب السفر ومشقته ما يقابل ذلك، والمقيمة وإن فاتها حظها من الزوج .. فقد ترفهت بالدَّعة والإقامة؛ فتقابل الأمران فاستويا.
(فإن وصل المقصد) بكسر الصاد (وصار مقيمًا .. قضى مدة الإقامة) لخروجه عن حكم السفر، هذا إذا كان يساكنها؛ فإن اعتزلها مدة الإقامة .. لم يقض، جزم به في "الحاوي" 596 (لا الرجوع في الأصح) لأنه خرج بقرعة فصار كمدة الذهاب، والثاني: يقضي؛ لأن السفر قد انقطع بالإقامة، والرجوع في معنى سفر جديد بلا قرعة.
(ومن وهبت حقها .. لم يلزم الزوج الرضا) لأنها لا تملك إسقاط حقه من الاستمتاع.
(فإن رضي ووهبت لمعينة .. بات عندها ليلتيهما) لأن سودة وهبت نوبتها لعائشة رضي الله عنهما، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويومَ سودة، متفق عليه 597.
وقضيته: أنه لا يشترط رضا الموهوب لها، وهو الصحيح، وليس لنا هبةٌ يقبل فيها غير الموهوب له مع تأهله للقبول إلا هذه.
الجزء: 3 - الصفحة: 187
وَقِيلَ: يُوَالِيهِمَا، أَوْ لَهُنَّ .. سَوَّى، أَوْ لَهُ .. فَلَهُ التَّخْصِيصُ، وَقِيلَ: يُسَوِّي.
فصلٌ [في بعض أحكام النشوز وسوابقه ولواحقه]
ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ نُشُوزِهَا .. وَعَظَهَا بِلَا هَجْرٍ. فَإِنْ تَحَقَّقَ نُشُوزٌ وَلَمْ يَتكَرَّرْ .. وَعَظَ وَهَجَرَ فِي الْمَضْجِعِ،
(وقيل: يواليهما) لأنه أسهل عيه، والمقدار لا يختلف، والصحيح: أنه يقسم كلًّا في وقتها كما كان، ولا يواليهما؛ لما فيه من تأخر حق من بين الليلتين؛ ولأن الواهبة قد ترجع بين الليلتين، والموالاة تفوِّت حقَّ الرجوع عليها، قال ابن الرفعة: وهذا إنما يتم إذا كانت ليلة الواهبة متأخرة، فإن كانت متقدمة وأراد تأخرها .. اتجه الجواز قطعًا 598. (أو لهن .. سوى) لأنه ليست واحدة بالتخصيص أولى من غيرها، (أو له .. فله التخصيص) لأنها جعلت الحقَّ له؛ فيضعه حيث شاء، (وقيل: يسوي) فيجعل الواهبة كالمعدومة؛ لأن التخصيص يورث الإيحاش، وقال في "الشرح الصغير": إنه الأشبه.
(فصل: ظهرت أمارات نشوزها) في قول؛ كخشونة جواب بعد لين، أو فعل؛ كتعبيس بعد إقبال وطلاقة (وعظها) بـ (اتقي الله في حقي عليكِ) (بلا هجر) لاحتمال ألَّا يكون نشوزًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾.
(فإن تحقق نشوز ولم يتكرر .. وعظ وهجر في المضجع) بفتح الجيم، والمراد: أن يهجر فراشها فلا يضاجعها فيه، واحترز بالهجران في المضجع: عن الهجران في الكلام؛ فإنه حرامٌ فيما زاد على الثلاث.
هذا إذا كان لغير عذر، فإن كان عذر شرعي؛ بأن كان المهجور مذموم الحال لبدعة أو فسق ونحوهما، أو كان فيه صلاحٌ لدِين الهاجر أو المهجور .. لم يحرم، قاله في "زوائد الروضة" 599.
الجزء: 3 - الصفحة: 188
وَلَا يَضْرِبُ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: يَضْرِبُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ تَكَرَّرَ .. ضَرَبَ. فَلَوْ مَنَعَهَا حَقَّهَا كَقَسْمٍ وَنَفَقَةٍ .. أَلْزَمَهُ الْقَاضِي تَوْفِيَتَهُ، فَإِنْ أَسَاءَ خُلُقَهُ وَآذَاهَا بِلَا سَبَبٍ .. نَهَاهُ، فَإِنْ عَادَ .. عَزَّرَهُ
(ولا يضرب في الأظهر) لأن الجناية لم تتأكد بالتكرر، وهذا ما رجحه جمهور العراقيين وغيرهم، وحكاه الماوردي عن الجديد 600، وقوَّاه السبكي، واختاره الأَذْرَعي، (قلت: الأظهر: يضرب، والله أعلم) كما لو أصرَّت عليه، وصححه المصنف في "تصحيح التنبيه" 601، وقال في "الروضة": إنه المختار؛ لظاهر القرآن 602، قال السبكي: وما قاله في "الروضة" فيه نظر؛ لأن ظاهر القرآن إباحة ذلك في المرتبة الأولى، كما حكاه عن ابن كَجٍّ والحناطي، وهو لم يقل به، فالأكثرون جعلوا الثلاثة المأمور بها مرتبة على أحوالها الثلاث على خلاف الظاهر، فيكون المعنى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ فإن نشزن .. فاهجروهن، فإن أصررن .. فاضربوهن؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، وقد وافق المصنف الجمهور على عدم الضرب في المرتبة الأولى، ولم يقل: بالظاهر؛ فوافق الظاهر في شيء دون شيء.
(فإن تكرر .. ضرب) ضربًا غير مبرح إذا ظنَّ أن الضرب يصلحها، والمبرح: هو الشاق شديد الألم، للآية، وذلك مع الوعظ والهجران، وإذا ضرب .. فلا يبلغ به حدًّا، قال الشيخ عز الدين: وليس لنا موضع يضرب المستحق من منعه حقه غير هذا، والعبد يمتنع من حق سيده.
(فلو منعها حقها؛ كقسم ونفقة .. ألزمه القاضي توفيته) إذا طلبته؛ لعجزها عنه، بخلاف نشوزها، فإن له إجبارها على إيفاء حقه؛ لقدرته.
(فإن أساء خلقه وآذاها بلا سبب .. نهاه، فإن عاد .. عزره) إذا طلبت؛ لتعديه عليها، وظاهر كلامه: أنه لا يحال بينهما، وبه صرح الروياني، وقال الغزالي:
الجزء: 3 - الصفحة: 189
فَإِنْ قَالَ كُلٌّ: إِنَّ صَاحِبَهُ مُتَعَدٍّ .. تَعَرَّفَ الْقَاضِي الْحَالَ بِثِقَةٍ يَخْبُرُهُمَا وَمَنَعَ الظَّالِمَ، فَإِنِ اشْتَدَّ الشِّقَاقُ .. بَعَثَ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، وَهُمَا وَكِيلاَنِ لَهُمَا، وَفِي قَوْلٍ: مُوَلَّيَانِ مِنَ الْحَاكِمِ،
يحال بينهما حتى يعود إلى العدل، وتبعه في "الحاوي الصغير" 603، وزعما تفرُّدَ الغزالي به، واعترضه في "المهمات" بتصريح الإمام به 604.
(فإن قال كل: إن صاحبه متعد .. تعرف القاضي الحال بثقة يَخبُرهما) إن كان في جوارهما خبير بهما، فإن لم يكن .. أسكنهما بجنب ثقة يبحث عن حالهما، ويُنهيها إليه؛ لأنه يعسر إقامة البينة على ذلك.
وتعبيره بالثقة يوهم: عدم اشتراط العدالة، لكن الرافعي قال: كذا أطلقوه، وظاهره: الاكتفاء بقول عدل واحد، ولا يصفو ذلك عن الشبهة.
انتهى 605، وهو صريح في اعتبارهم العدالة دون العدد، وبه صرح في "التهذيب" و"الشافي" 606.
(ومنع الظالم) من ظلمه، وطريقه في الزوج: ما سلف، وفي الزوجة: الزجر والتأديب.
(فإن اشتد الشقاق) أي: الخلاف والعداوة ( .. بعث حكمًا من أهله، وحكمًا من أهلها) للآية، وظاهره: وجوب البعث، وهو ما صححه في "زيادة الروضة" 607، لكن في "البحر" عن الشافعي: الاستحباب، وهو قضية "الشرح الصغير"، وصححه في "المهمات"؛ لنصِّ إمام المذهب عليه 608، ولا يشترط كونهما من أهل الزوجين، لكن أهلهما أولى.
(وهما وكيلان لهما) لأن البضع حق الزوج، والمال حق الزوجة، وهما رشيدان، فلا يولَّى عليهما، (وفي قول: موليان من الحاكم) لأن الله تعالى سمَّاهما
الجزء: 3 - الصفحة: 190
فَعَلَى الأَوَّلِ: يُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا، فَيُوَكِّلُ حَكَمَهُ بِطَلاَقٍ وَقَبُولِ عِوَضِ خُلْعٍ، وَتُوَكِّلُ حَكَمَهَا بِبَذْلِ عِوَضٍ وَقَبُولِ طَلاَقٍ بِهِ.
حكمين، ولا امتناع أن يثبت على الرشيد الولاية عند الامتناع من أداء الحقوق؛ كالمفلس.
(فعلى الأول: يشترط رضاهما، فيوكل حكمه بطلاق وقبول عوض خلع، وتوكل حكمها ببذل عوض وقبول طلاق به) كسائر الوكلاء، وعلى الثاني: لا يشترط رضاهما في ذلك، ويحكمان بما يرياه مصلحة من الجمع والتفريق 609.
ويشترط في المبعوثين: التكليف، وكذا العدالة، والحرية، والإسلام، والاهتداء إلى ما هو المقصود من بعثهما على الأصحِّ في الكل، ويشترط: الذكورة، إن قلنا: حكمان، وإن قلنا: وكيلان .. قال الحناطي: لا يشترط في وكيلها، وفي وكيله: وجهان.
الجزء: 3 - الصفحة: 191
كتابُ الخُلْع هُوَ فُرْقَةٌ بِعِوَضٍ بِلَفْظِ طَلاَقٍ أَوْ خُلْعٍ. شَرْطُهُ: زَوْجٌ يَصِحُّ طَلاَقُهُ، فَلَوْ خَالَعَ عَبْدٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ .. صَحَّ وَوَجَبَ دَفْعُ الْعِوَضِ إِلَى مَوْلاَهُ وَوَلِيِّهِ
﴿كتاب الخلع﴾
هو مأخوذ من الخَلْع، وهو النزع؛ لأن الله تعالى سمَّى كلًّا من الزوجين لباسًا للآخر، فهو بالخلع خالع له، وهو مجمع على جوازه.
(هو فرقة بعوض) يبذل للزوج، كذا فسره ابن عباس 610، واشتهر على ألسنة حملة الشرع (بلفظ طلاق أو خلع) أي: لفظ يقع به الطلاق صريحًا كان أو كناية.
(شرطه: زوج يصح طلاقه) لأن الخلع طلاق، فلا يصح من صبي ومجنون ومكره.
(فلو خالع عبدٌ أو محجورٌ عليه بسفه .. صح) بإذن ودونه، بمهر المثل أو أقل؛ إذ لكل منهما أن يطلق مجّانًا فبعوض .. أولى.
(ووجب دفع العوض إلى مولاه) أي: مولى العبد؛ كأكسابه، ويستثنى: المكاتب؛ فإنه يجب التسليم إليه؛ لاستقلاله، وكذلك المبعض المهايأ إذا قلنا بدخول الكسب النادر في المهايأة، وخالع في نوبة نفسه، وإلا دفعت إليه ما يخصه، (ووليه) أي: ولي السفيه؛ كسائر أمواله.
نعم؛ لو دُفع إلى السفيه بإذن وليه .. ففي الاعتداد بقبضه وجهان؛ أصحهما: الاعتداد.
وما أطلقه المصنف وغيره من وجوب الدفع إلى الولي قيده الدِّزْمَارِي تبعًا للروياني والماوردي بما إذا كان على عوض في الذمة.
[فإن قيده بالدفع إليه؛ كقوله: (إن دفعتِ إليَّ هذا العبدَ فأنتِ طالق) .. جاز للزوجة الدفع إليه] 611 ولا تدفع إلى وليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 193
وَشَرْطُ قَابِلِهِ: إِطْلاَقُ تَصَرُّفِهِ فِي الْمَالِ: فَإِنِ اخْتَلَعَتْ أَمَةٌ بِلاَ إِذْنِ سَيِّدٍ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنِ مَالِهِ .. بَانَتْ، وَلِلزَّوْجِ فِي ذِمَّتِهَا: مَهْرُ مِثْلٍ فِي صُورَةِ الْعَيْنِ، وَفِي قَوْلٍ: قِيمَتُهَا، وَفِي صُورَةِ الدَّيْنِ: الْمُسَمَّى، وَفِي قَوْلٍ: مَهْرُ مِثْلٍ. وَإِنْ أَذِنَ وَعَيَّنَ عَيْنًا لَهُ أَوْ قَدَّرَ دَيْنًا فَامْتَثَلَتْ .. تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ وَبِكَسْبِهَا فِي الدَّيْنِ،
وفرق بوجهين: أحدهما: أنَّ ما في الذمة ملكه قبل الدفع، وهنا لا يملكه إلا به، فلم تضمنه؛ لأنه ما تعلق بذمتها، ولم يملكه إلا بقبضه منها، الثاني: أنها لو دفعت إلى وليه .. لم تطلق، لعدم وجود المعلق عليه.
(وشرط قابله: إطلاق تصرفه في المال) لأن الاختلاع التزام للمال.
(فإن اختلعت أمة بلا إذن سيد بدين أو عين ماله .. بانت) لوقوعه بعوض فاسد؛ كالخلع على خمر، هذا إذا نجز الطلاق؛ فإن قيده بتمليك تلك العين .. لم تطلق، نبه عليه الماوردي، وهو ظاهر.
(وللزوج في ذمتها: مهر مثل في صورة العين) لأنه المَرد حينئذ، (وفي قول: قيمتها) إن كانت متقومة، وإلا .. فمثلها.
(وفي صورة الدين: المسمَّى) كما يصح التزام الرقيق بطريق الضمان، ويتبع به بعد العتق، وهذا ما صححه في "أصل الروضة" 612، (وفي قول: مهر مثل) كما لو تزوج العبد بغير إذن سيده ووطئ .. فإن الواجب: مهر المثل، وهذا ما صححه في "المحرر" و"الشرح الصغير"، وكلام "الكبير" محتمل 613، فالذي فهمه منه السبكي ترجيح وجوب المُسمَّى، والذي فهمه منه الأَذْرَعي ومن تبعه ترجيح وجوب مهر المثل كـ"المحرر" 614، فما رجحه في "الكتاب" مخالفٌ لما في أصله من غير تنبيه.
(وإن أذن) وهو مطلق التصرف (وعين عينًا له أو قدر دينًا فامتثلت .. تعلق بالعين وبكسبها في الدين) وبما في يدها من مال التجارة إن كانت مأذونة [؛ لمهر العبد في
الجزء: 3 - الصفحة: 194
وَإِنْ أَطْلَقَ الإِذْنَ .. اقْتَضَى مَهْرَ مِثْلٍ مِنْ كَسْبِهَا. وَإِنْ خَالَعَ سَفِيهَةً، أَوْ قَالَ: (طَلَّقْتُكِ عَلَى أَلْفٍ) فَقَبِلَتْ .. طَلُقَتْ رَجْعِيًّا، فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ .. لَمْ تَطْلُقْ. وَيَصِحُّ اخْتِلاَعُ الْمَرِيضَةِ مَرَضَ الْمَوْتِ، وَلَا يُحْسَبُ مِنَ الْثُّلُثِ إِلَّا زَائِدٌ عَلَى مَهْرِ مِثْلٍ، وَرَجْعِيَّةٍ فِي الأَظْهَرِ،
النكاح المأذون فيه، وإن لم تكن مكتسبة ولا مأذونة .. ] 615 ففي ذمتها تتبع به بعد عتقها ويسارها.
(وإن أطلق الإذن) فلم يذكر عينًا ولا دينًا ( .. اقتضى مهر مثل من كسبها) كما لو أذن لعبده في النكاح، فإن زادت عند الإطلاق على مهر المثل، أو على المُعيَّن في صورة التعيين .. تعلقت الزيادة بذمتها تتبع بها بعد العتق.
(وإن خالع سفيهة) محجورًا عليها (أو قال: "طلقتك على ألف" فقبلت .. طلقت رجعيًّا) إن كان بعد الدخول؛ لعدم ثبوت المال، فإنها لا تتصرف فيه، وسواء خالعت بعين أو دين، بإذن الولي أو دونه، وليس للولي صرف مالها في ذلك، هذا إذا لم يعلق الطلاق على شيء، أما لو قال لها: (إن أبرأتني من دينك .. فأنت طالق)، فقالت في الحال: (أبرأتك) .. لم يقع الطلاق، صرح به الخوارزمي؛ كما نقله البُلْقيني واعتمده، وهو واضح؛ لعدم وجود الصفة المعلق عليها وهي الإبراء.
(فإن لم تقبل .. لم تطلق) لأن الصيغة تقتضي القبول، فأشبه الطلاق المعلق على صفة، فلا بدَّ من حصولها.
(ويصح اختلاع المريضة مرض الموت) لأن لها صرف مالها في أغراضها وملاذها، بخلاف السفيه، (ولا يحسب من الثلث إلا زائد على مهر مثل) لأن الزائد تبرع؛ كالوصية للمخالع، ولا يكون كالوصية للوارث؛ لخروجه بالخلع عن الإرث إلا أن يكون وارثًا بجهة أخرى غير الزوجية؛ كابن عم مثلًا.
(ورجعية) أي: يصح اختلاع رجعية (في الأظهر) لأنها في حكم الزوجات، والثاني: لا؛ لعدم الحاجة إلى الافتداء؛ لجريانها إلى البينونة.
الجزء: 3 - الصفحة: 195
لَا بَائِنٍ. وَيَصِحُّ عِوَضُهُ قَلِيلًا وَكَثِيرًا دَيْنًا وَعَيْنًا وَمَنْفَعَةً. فَلَوْ خَالَعَ بِمَجْهُولٍ أَوْ خَمْرٍ .. بَانَتْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَفِي قَوْلٍ: بِبَدَلِ الْخَمْرِ. وَلَهُمَا التَّوْكِيلُ، فَلَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: (خَالِعْهَا بِمِئَةٍ) .. لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا،
(لا بائن) بخلع أو غيره؛ إذ لا يملكها بضعَها حتى يزيله 616، وحكى الماوردي فيه: إجماع الصحابة.
(ويصح عوضه قليلًا وكثيرًا، دينًا وعينًا ومنفعة) إذا كان متمولًا معلومًا مقدورًا على تسليمه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، ولأنه عقد على منفعة البضع فجاز بما ذكرناه؛ كالصداق.
(فلو خالع بمجهول) كثوب غير معيَّن ولا موصوف (أو خمر .. بانت بمهر المثل، وفي قول: ببدل الخمر) هما القولان المتقدمان في مسألة الصداق، وقد سبق ما فيهما.
ومحل البينونة: إذا لم يكن فيه تعليق، أو علَّق بإعطاء مجهول يمكن إعطاؤه مع الجهالة، أما إذا قال: (إن أبرأتني من صداقكِ أو من دينكِ .. فأنت طالق)، فأبرأته وهي جاهلة به .. لم تطلق؛ لأن الإبراء لم يصح، فلم يوجد ما علق عليه الطلاق، قاله السبكي، وهو المعتمد، وكلام الماوردي يوافقه، وفي كلام القفال ما يدل عليه؛ خلافًا لما وقع في كلام ابن الصلاح، وجرى عليه في "الأنوار"، فقال: ولو قال: (إن برئت .. فأنت طالق) فأبرأته جاهلة .. لم يقع الطلاق، بخلاف: (إن أبرأتني) 617.
(ولهما التوكيل) لأنه عقد معاوضة؛ كالبيع، (فلو قال لوكيله: "خالعها بمئة") من الدراهم من نقد معلوم ( .. لم ينقص منها)؛ لأنه دون المأذون فيه، وأفهم: جواز الزيادة، وهو كذلك إن كانت من جنسها قطعًا، كمئة وعشرة، وكذا من غيره على الأصحِّ؛ كمئة وثوب، قال في "التنقيح": وكان ينبغي ألا يصح؛ كـ (بعته من زيد بألف) لأنه قد يقصد محاباته.
الجزء: 3 - الصفحة: 196
وَإِنْ أَطْلَقَ .. لَمْ يَنْقُصْ عَنْ مَهْرِ مِثْلٍ، فَإِنْ نَقَصَ فِيهِمَا .. لَمْ تَطْلُقْ، وَفِي قَوْلٍ: يَقَعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ
وفرق البُلْقيني بينهما: بأن الزوجة متعينة؛ أبدًا، بخلاف المشتري، فإذا عينه .. ظهر قصد محاباته، وفرق غيره: بأن الخلع ليس المقصود الأعظم منه المالية بل الفراق وقد حصل، فإذا زاد الوكيل لا يعد مخالفًا، ولم يضر، بخلاف البيع؛ فإن مقصوده المالية، فإذا زاد .. عدّ مخالفًا فلا يصح، ورجح هذا بأن الخلع يقع غالبًا عن شقاق، ومع ذلك يبعد قصد المحاباة.
(وإن أطلق .. لم ينقص عن مهر مثل) وله أن يزيد عليه؛ كما لو أطلق الأذن في البيع، وصورة الإطلاق: أن يقول: (خالعها بمال) ونحو ذلك، أو يقول: (خالعها) وقلنا: مطلق الخلع يقتضي المال، فإن قلنا: لا يقتضيه .. فلا بدَّ من ذكر المال.
(فإن نقص فيهما) أي: في المقدر عنه وفي المطلق عن مهر المثل ( .. لم تطلق) للمخالفة؛ كما لا ينفذ بيعه في مثل هذا، (وفي قول: يقع بمهر المثل) لأن الخلل في العوض لا يمنع الوقوع كخلع الزوج على عوض فاسد، وما رجحه تبع فيه "المحرر" 618، لكن صحح في "أصل الروضة" و"تصحيح التنبيه" في حالة الإطلاق: أنه يقع بمهر المثل 619، ونقله الرافعي عن الأكثرين، وعبارته في "الشرح الكبير": رجَّح البغوي عدم الوقوع، وكأنه أقوى توجيهًا لكن العراقيون والروياني وغيرهم رجَّحوا الوقوع.
انتهى 620، واختاره السبكي، وقال في "المهمات": إن الفتوى عليه؛ استنادًا للأكثرين 621، واتفقوا على ترجيح عدم الوقوع في صورة التقدير، والفرق: أن المخالفة في حالة التقدير صريحة، فلا يكون المأتي به مأذونًا فيه، بخلاف النقصان حالة الإطلاق؛ فإنه لا يخالف صريح قوله، واللفظ مطلق يشمل مهر المثل وغيره، وللطلاق قوة وغلبة؛ فعموم اللفظ يقتضي وقوعه، وأثر
الجزء: 3 - الصفحة: 197
وَلَوْ قَالَتْ لِوَكِيلِهَا: (اخْتَلِعْ بِأَلْفٍ) فَامْتَثَلَ .. نَفَذَ، وَإِنْ زَادَ فَقَالَ: (اخْتَلَعْتُهَا بِأَلْفَيْنِ مِنْ مَالِهَا بِوَكَالَتِهَا) .. بَانَتْ وَيَلْزَمُهَا مَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: الأَكْثَرُ مِنْهُ وَمِمَّا سَمَّتْهُ. وَإِنْ أَضَافَ الْوَكِيلُ الْخُلْعَ إِلَى نَفْسِهِ .. فَخُلْعُ أَجْنَبِيٍّ وَالْمَالُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّ عَلَيْهَا مَا سَمَّتْ وَعَلَيْهِ الزِّيَادَةُ
المخالفة يظهر في العوض.
(ولو قالت لوكيلها: "اختلع بألف" فامتثل .. نفذ) لوقوعه كما أمرته، وكذا بما دونها؛ كما صرح به في "المحرر" 622، وحذفه المصنف؛ لفهمه من باب أولى.
(وإن زاد فقال: "اختلعتها بألفين من مالها بوكالتها" .. بانت، ويلزمها مهر مثل) لأن قضية فساد العوض الرجوع إليه، سواء أكان زائدًا على ما سمت أم ناقصًا، (وفي قول: الأكثر منه) أي: من مهر المثل (ومما سمته) لأن مهر المثل إن كان أكثر .. فهو المرجوع إليه، وإن كان المسمى أكثر .. فقد رضيت به، وحكاية هذا القول هكذا تابع فيه "المحرر" 623، والأصوب فيه على ما جوزاه في "الروضة" و"أصلها": أنه الأكثر مما سمَّته، ومن أقل الأمرين من مهر المثل ومما سمَّاه الوكيل، وبينهما تفاوت.
فلو كان مهر المثل ألفين، وسمَّت ألفًا .. فسمَّى الوكيل ألفًا وخمس مئة .. لزمها على قضية ما في "الكتاب" على القول الثاني: ألفان، وعلى ما في "الروضة" و"أصلها": ألف وخمس مئة.
(وإن أضاف الوكيل الخلع إلى نفسه .. فخلع أجنبي والمالُ عليه) ولا شيء عليها، منه؛ لأن اختلاع الأجنبي لنفسه صحيحٌ، فإضافته إلى نفسه 624 إعراضٌ عن التوكيل، واستبداد بالخلع مع الزوج.
(وإن أطلق) فلم يضفه إليها ولا إلى نفسه، بل اقتصر على قوله: (اختلعت فلانة) ( .. فالأظهر: أن عليها ما سمَّت) لالتزامها إياه (وعليه الزيادة) لأنها لم
الجزء: 3 - الصفحة: 198
وَيَجُوزُ تَوْكِيلُهُ ذِمِّيًّا وَعَبْدًا وَمَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ. وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِي قَبْضِ الْعِوَضِ. وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ تَوْكِيلِهِ امْرَأَةً لِخُلْعِ زَوْجَتِهِ أَوْ طَلاَقِهَا
ترض بأكثر مما سمَّته، فكأنه افتداها بما سمَّته وزيادة من عند نفسه، والثاني: أنَّ عليها أكثر الأمرين من مهر المثل وما سمَّته؛ لأنه عقدٌ لها فأشبه ما إذا أضاف إليها؛ فإن بقي شيء مما سماه الوكيل .. فعلى الوكيل، وإن زاد مهر المثل على ما سماه الوكيل .. لم تجب تلك الزيادة؛ لأن الزوج رضي بما سمَّاه الوكيل، وعبارته توهم: أنه ليس على الوكيل سوى الزيادة، وليس كذلك، والذي في "الشرح" و"الروضة": على الوكيل ما سمَّاه، وفيما عليها منه قولان 625؛ فإيجاب المُسمَّى بكماله على الوكيل لا نزاع فيه؛ أعني: مُسمَّى الوكيل لأنه التزمه بعقده ثم يرجع الوكيل عليها، إن غرم بمسماها فقط؛ بناءً على المشهور في تعلق العهدة بالوكيل.
(ويجوز توكيله) أي: الزوج في الخلع (ذميًّا) وإن كانت الزوجة مسلمة؛ لأنه قد يخالع المسلمة أو يطلقها؛ ألا ترى أنها لو أسلمت وتخلف فخالعها في العدة، أو طلقها ثم أسلم .. حكم بصحة الخلع والطلاق.
(وعبدًا ومحجورًا عليه بسفه)، وإن لم يأذن السيد والولي؛ إذ لا يتعلق بالوكيل هنا عهدة.
(ولا يجوز) أي: لا يصح (توكيل محجور عليه) بسفه (في قبض العوض) لأنه ليس أهلًا له، فإن فعل وقبض .. كان الزوج مضيِّعًا لماله، ويبرأ المخالع بالدفع، كذا حكياه عن "التتمة" وأقراه 626، وكلامه يوهم: امتناع توكيل الزوجة لهؤلاء، وليس كذلك، بل يجوز توكيلها الكافر، وكذلك العبد وإن لم يأذن السيد، لا محجورًا عليه بسفه وإن أذن الولي.
(والأصح: صحة توكيله امرأة لخلع زوجته أو طلاقها) لأنه يجوز أن يفوض طلاق زوجته إليها، فإن كان توكيلًا .. فهو ما نحن فيه، أو تمليكًا؛ فمَنْ صَحَّ أن يملك
الجزء: 3 - الصفحة: 199
وَلَوْ وَكَّلاَ رَجُلًا .. تَوَلَّى طَرَفًا، وَقِيلَ: الطَّرَفَيْنِ.
فصلٌ [في الصيغة وما يتعلق بها]
الْفُرْقَةُ بِلَفْظِ الْخُلْعِ طَلاَقٌ، وَفِي قَوْلٍ: فَسْخٌ لاَ يَنْقُصُ عَدَدًا
شيئًا .. صحَّ توكيله فيه، وهذا ما نقله العمراني عن النص 627، والثاني: لا يصح؛ لأنها لا تستقل به فلا توكيل فيه.
والخلاف في توكيل الرجل للمرأة كما فرضه المصنف، أما توكيل المرأة للمرأة باختلاعها .. فجائز قطعًا، لأنها تملك الاختلاع استقلالًا.
بخلاف الخلع، ويستثنى من إطلاقه: ما إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة ثم وكلَّ امرأة في طلاق بعضهن .. فإنه لا يصح على الأصحِّ؛ لتضمنه الاختيار في النكاح، فكذا اختيار الفراق.
(ولو وكلا رجلًا .. تولى طرفًا) أي: أيهما شاء مع الآخر أو وكيله؛ كالبيع وسائر العقود، (وقيل: الطرفين) لأن الخلع يكفي فيه اللفظ والإعطاء من جانب؛ فعلى هذا: ففي الاكتفاء بأحد شقي العقد خلاف؛ كبيع الأب مال ولده.
(فصل: الفُرقَة بلفظ الخلع طلاقٌ) ينقص العدد كلفظ الطلاق؛ لأن الله تعالى ذكره بين طلاقين في قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية، فدل على أنه ملحق بهما؛ ولأنه لفظ لا يملكه غير الزوج فوجب أن يكون طلاقًا؛ كما لو قال: (أنت طالق على ألف)، ولأنه لو كان فسخًا .. لَمَا جاز على غير الصداق؛ إذ الفسخ يوجب استرجاع البدل؛ كما في (الإقالة) لا يجوز بغير الثمن الأول.
(وفي قول: فسخ لا ينقص عددًا) لأنها فرقة حصلت بمعاوضة، فتكون فسخًا؛ كشراء زوجته، ولأن الطلاق ينفرد به الزوج، والخلع لا يتم إلا بهما، فدلَّ على أنه ليس بطلاق، وهذا القول اختاره كثيرون من أصحابنا، وأفتى به من المتأخرين الشيخ تاج الدين الفزاري وولده، ونصره الشيخ أبو حامد في "الخلاف".
الجزء: 3 - الصفحة: 200
فَعَلَى الأَوَّلِ: لَفْظُ الْفَسْخِ كِنَايَةٌ. وَالْمُفَادَاةُ كَخُلْعٍ فِي الأَصَحِّ. وَلَفْظُ الْخُلْعِ صَرِيحٌ، وَفِي قَوْلٍ: كِنَايَةٌ. فَعَلَى الأَوَّلِ: لَوْ جَرَى بغَيْرِ ذِكْرِ مَالٍ .. وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ فِي الأَصَحِّ. وَيَصِحُّ بِكِنَايَاتِ الطَّلاَقِ مَعَ النِّيَّةِ وَبِالْعَجَمِيَّةِ. وَلَوْ قَالَ: (بِعْتُكِ نَفْسَكِ بِكَذَا)، فَقَالَتِ: (اشْتَرَيْتُ) .. فَكِنَايَةُ خُلْعٍ.
(فعلى الأول: لفظ الفسخ كنايةٌ) يعني: إذا فرعنا على أن الخلع طلاق .. فلفظ الفسخ كناية في الطلاق؛ لأنه لم يستعمل عرفًا فيه.
(والمفاداة كخلع في الأصح) أي: كلفظ الخلع، فيكون على الخلاف الآتي في لفظ الخلع؛ لورود لفظ المفاداة في القرآن قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، والثاني: أنه كناية؛ لأنه لم يتكرر في القرآن، ولم يشتهر على لسان حملة الشريعة اشتهار لفظ الخلع.
(ولفظ الخلع صريح) في الطلاق؛ لأنه تكرر على لسان حملة الشرع، لإرادة الفراق؛ فكان كالمتكرر في القرآن، وعلى هذا: فيصير صرائح الطلاق أربعة، (وفي قول: كناية) فيفتقر إلى النية؛ لأن صرائح الطلاق منحصرة في ألفاظ ليس هذا منها.
ومحل القول بصراحته: إذا ذكر المال، فإن لم يذكر .. فكناية على الأصحِّ في "الروضة" و"تصحيح التنبيه" 628.
(فعلى الأول: ) وهو صراحة الخلع (لو جرى بغير ذكر مال .. وجب مهر مثل في الأصح) لاطراد العرف بجريان الخلع على مال، والثاني: لا؛ لعدم الالتزام.
وقضيته: وقوع الطلاق جزمًا، وهو مخالف لما قدمناه عن "الروضة" و"التصحيح" من كونه كناية على الأصحِّ، فيتعين حمل كلامه هنا على ما إذا وجد مقتضى الوقوع، وهو اقتران النية؛ جمعًا بين كلاميه.
(ويصح بكنايات الطلاق مع النية) إن جعلناه طلاقًا، وكذا فسخًا على الأصحِّ، (وبالعجمية) ولا يأتي خلاف النكاح؛ لانتفاء اللفظ المتعبد به.
(ولو قال: "بعتك نفسك بكذا"، فقالت: "اشتريت"، فكناية خلع)
الجزء: 3 - الصفحة: 201
وَإِذَا بَدَأَ بِصيغَةِ مُعَاوَضَةٍ كـ (طَلَّقْتُكِ)، أَوْ (خَالَعْتُكِ بِكَذَا) وَقُلْنَا: الْخُلْعُ طَلاَقٌ .. فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ فِيهَا شَوْبُ تَعْلِيقٍ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ قَبُولِهَا. وَيُشْتَرَطُ قَبُولُهَا بِلَفْظٍ غَيْرِ مُنْفَصِلٍ. فَلَوِ اخْتَلَفَ إِيجَابٌ وَقَبُولٌ كـ (طَلَّقْتُكِ بِأَلْفٍ) فَقَبِلَتْ بِأَلْفَيْنِ أَوْ عَكْسِهِ، أَوْ (طَلَّقْتُكِ ثَلاَثًا بِأَلْفٍ) فَقَبلَتْ وَاحِدَةً بِثُلُثِ أَلْفٍ .. فَلَغْوٌ. وَلَوْ قَالَ: (طلَّقْتُكِ ثَلاَثًا بِأَلْفٍ) فَقَبلَتْ وَاحِدَةً بِأَلْفٍ .. فَالأَصَحُّ: وُقُوعُ الثَّلاَثِ وَوُجُوبُ أَلْفٍ. وَإِنْ بَدَأَ بِصِيغَةِ تَعْلِيقٍ كَـ (مَتَى أَوْ مَتَى مَا أَعْطَيْتِنِي) .. فَتَعْلِيقٌ
سواء جعلناه فسخًا أو طلاقًا.
(وإذا بدأ بصيغة معاوضة؛ كـ "طلقتك"، أو "خالعتك بكذا"، وقلنا: الخلع طلاق .. فهو معاوضة) لأنه يأخذ مالًا في مقابلة ما يخرج عن ملكه (فيها شوب تعليق) لأن وقوع الطلاق يترتب على قبول المال؛ كما يترتب الطلاق المعلق بالشرط عليه.
واحترز بقوله: (وقلنا: الخلع طلاق)، عمَّا إذا قلنا: فسخ .. فهو معاوضة محضة من الجانبين؛ إذ لا مدخل للتعليق فيها، بل هو كابتداء البيع.
(وله الرجوع قبل قبولها) لأن هذا شأن المعاوضات.
(ويشترط قبولها بلفظ غير منفصل) بكلام أجنبي أو زمن طويل؛ كما في البيع وسائر العقود، وظاهر كلامه: أنه لا يصح القبول بالفعل، لكن صرَّح ابن الصباغ والمتولي والروياني بالاكتفاء فيما إذا قال لها: (أنت طالق على ألف) فأعطته ألفًا، وكلام ابن داوود يقتضي: أنه المنصوص.
(فلو اختلف إيجاب وقبول كـ "طلقتك بألف" .. فقبلت بألفين أو عكسه، أو "طلقتك ثلاثًا بألف"، فقبلت واحدة بثلث ألف .. فلغو) كما في البيع.
(ولو قال: "طلقتك ثلاثًا بألف" فقبلت واحدة بألف .. فالأصح: وقوع الثلاث ووجوب ألف) لأن قبولها إنما يحتاج إليه للمال، وأصل الطلاق وعدده يستقلُّ به الزوج، والثاني: تقع واحدة بألف؛ لأنها لم تقبل سواها، والثالث: لا يقع شيء؛ لاختلاف الإيجاب والقبول.
(وإن بدأ بصيغة تعليق؛ كـ"متى أو متى ما أعطيتني" .. فتعليق) محض من
الجزء: 3 - الصفحة: 202
فَلاَ رُجُوعَ لَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا وَلَا الإِعْطَاءُ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِنْ قَالَ: (إِنْ، أَوْ إِذَا أَعْطَيْتِنِي) .. فَكَذَلِكَ، لكِنْ يُشْتَرَطُ إِعْطَاءٌ عَلَى الْفَوْرِ. وَإِنْ بَدَأَتْ بِطَلَبِ طَلاَقٍ فَأَجَابَ .. فَمُعَاوَضَةٌ
جانبه، ولا نظر فيه إلى شبهة المعاوضة؛ لأنه من صرائح ألفاظ التعليق، فلا يقع الطلاق من غير تحقق الصفة؛ كسائر التعليقات، (فلا رجوع له) قبل الإعطاء؛ كما لا يرجع عن التعليق إذا خلا عن العوض في نحو: (إن دخلت الدار .. فأنت طالق).
(ولا يشترط القبول لفظًا ولا الإعطاء في المجلس) أي: مجلس الواجب، وهو ما يرتبط به القبول بالإيجاب دون مكان العقد؛ كما ذكره في "المحرر" 629، فمتى وجد الإعطاء .. طلقت؛ لدلالة اللفظ على الزمان وعمومه، ولا تصلح قرينة المعاوضة رافعة لمقتضاه.
وهذا بخلاف جانب المرأة؛ فإنها لو قالت: (متى طلقتني .. فلك علي ألف) .. اختص الجواب بمجلس التواجب، وفرَّق الغزالي بينهما: بأن الغالب على جانبه التعليق، وعلى جانبها المعاوضة 630.
(وإن قال: "إن أو إذا أعطيتني" .. فكذلك) أي: فلا رجوع له، ولا يشترط القبول لفظًا، (لكن يشترط إعطاء على الفور) لأن ذكر العوض قرينة يقتضي التعجيل؛ لأن الأعواض تتعجل في المعاوضات، وإنما تركت هذه القرينة في نحو: (متى)؛ لأنها صريحةٌ في جواز التأخير، شاملةٌ لجميع الأوقات، بخلاف (إن)، و (إذا).
ومحل الفور: في الحرة، فالأمة أي وقت أعطت طلقت وإن امتد الزمان؛ لأنها لا تقدر على الإعطاء في المجلس؛ لأنه لا يد لها في الغالب ولا ملك، قاله المتولي وأقراه 631، لكن ابن الرفعة أنكره.
(وإن بدأت بطلب طلاق فأجاب .. فمعاوضة) لأنها تملك البضع بما تبذله من
الجزء: 3 - الصفحة: 203
مَعَ شَوْبِ جَعَالَةٍ فَلَهَا الرُّجُوعُ قَبْلَ جَوَابِهِ. وَيُشْتَرَطُ فَوْرٌ لِجَوَابِهِ. وَلَوْ طَلَبَتْ ثَلاَثًا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَ طَلْقَةً بِثُلُثِهِ .. فَوَاحِدَةٌ بِثُلُثِهِ. وَإِذَا خَالَعَ أَوْ طَلَّقَ بِعِوَضٍ .. فَلاَ رَجْعَةَ، فَإِنْ شَرَطَهَا .. فَرَجْعِيٌّ وَلَا مَالَ، وَفِي قَوْلٍ: بَائِنٌ بِمَهْرِ مِثْلٍ
العوض (مع شوب جعالة) لأنها تبذل المال في مقابلة ما يستقل به الزوج، وهو الطلاق، فإذا أتى به .. وقع الموقع وحصل غرضها؛ كما أن في الجعالة يبذل الجاعل المال في مقابلة ما يستقل العامل به في وقوعه الموقع وتحصيل الغرض.
(فلها الرجوع قبل جوابه) لأن هذا حكم المعاوضات والجعالات جميعًا، (ويشترط فور لجوابه) أي: في مجلس التواجب، فلو طلقها بعد تخلل مدة .. حمل على الابتداء على الصحيح، فيكون رجعيًّا إن لم يستكمل الثلاث، ولا يستحق عوضًا.
(ولو طلبت ثلاثًا بألف) وهو يملك عليها الثلاث (فطلق طلقة بثلثه .. فواحدة بثلثه) كما لو قال: (إن رددت عبيدي الثلاث .. فلك ألفٌ)، فردَّ واحدًا استحق ثلث الألف، وهذا بخلاف ما تقدم فيما إذا طلق ثلاثًا بألف .. فقبلت واحدة بثلثه فإنه لا يقع الطلاق.
والفرق: أن الخلع من جانبها معاوضة مشبهة بالجعالة، ومن جانبه تعليق فيه شائبة المعاوضات، ومن شرط الوقوع بالتعليق حصول الصفة المعلق عليها ومن شرط المعاوضة توافق الإيجاب والقبول، ولم يتحقق واحد من الشرطين.
(وإذا خالع أو طلق بعوض .. فلا رجعة) سواء أكان العوض صحيحًا أم فاسدًا، جعلناه فسخًا أم طلاقًا؛ لأنها بذلت المال لتملك بضعها، فلا يملك الزوج ولاية الرجوع إليه؛ كما أن الزوج إذا بذل المال صداقًا ليملك البضع .. لا يكون للمرأة ولاية الرجوع إلى البضع.
(فإن شرطها) بأن قال: (خالعتك أو طلقتك بكذا على أن لي عليك الرجعة) ( .. فرجعي ولا مال) لأن شرط الرجعة والمال متنافيان فيسقطان، ويبقى مجرد الطلاق، وقضيته: ثبوت الرجعة، (وفي قول: بائن بمهر مثل) لأن الخلع لا يفسد بفساد العوض؛ كالنكاح، ونقلا في "الروضة" و"أصلها"
الجزء: 3 - الصفحة: 204
وَلَوْ قَالَتْ: (طَلِّقْنِي بِكَذَا) وَارْتَدَّتْ فَأَجَابَ؛ إِنْ كَانَ قَبْلَ دُخُولٍ أَوْ بَعْدَهُ وَأَصَرَّتْ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ .. بَانَتْ بِالرِّدَّةِ وَلَا مَالَ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِيهَا .. طَلُقَتْ بِالْمَالِ.
وَلَا يَضُرُّ تَخَلُّلُ كَلاَمٍ يَسِيرٍ بَيْنَ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ.
فصلٌ [في الألفاظ الملزمة للعوض وما يتبعها]
قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ أَوْ وَلِي عَلَيْكِ كَذَا) وَلَمْ يَسْبِقْ طَلَبُهَا بِمَالٍ .. وَقَعَ رَجْعِيًّا قَبِلَتْ أَمْ لَا، وَلَا مَالَ،
القطع بالأول عن الجمهور 632.
وقد يدخل في كلامه: ما لو خالعها بعوض على أنه متى شاء رده وكان له الرجعة، وقد نصَّ الشافعي فيه على البينونة بمهر المثل 633، فقيل: بطرد الخلاف، والمذهب: الجزم بالمنصوص؛ لأنه رضي بسقوط الرجعة هنا، ومتى سقطت .. لا تعود.
(ولو قالت: "طلقني بكذا" وارتدت فأجاب؛ إن كان قبل دخولٍ أو بعده وأصرَّت حتى انقضت العدة .. بانت بالردة ولا مال) لانقطاع النكاح بالردة في الحالتين، (وإن أسلمت فيها) أي: في العدة ( .. طلقت بالمال) لأنا تبيَّنا صحة الخلع، (ولا يضر تخلل كلام يسير بين إيجاب وقبول) سواء أكان الكلام من الرجل أم من المرأة؛ لأن الكلام اليسير لا يُعدُّ قائله به معرضًا عما هو فيه، وقد اضطرب كلام الشيخين في ذلك، وقدمنا بيانه في أوائل (النكاح).
(فصل: قال: "أنت طالق وعليك) ألف (أو ولي عليك كذا"، ولم يسبق طلبها بمال .. وقع رجعيًّا قبلت أم لا ولا مال)، إذ لم يشع في العرف استعمال هذا اللفظ في طلب العوض، وإلزامه؛ لأنه أوقع الطلاق مجانًا، ثم أخبر أن له عليها كذا فلا يلزمها، وحكى الإمام فيه الاتفاق، وشبهه الشافعي بما إذا قال: (أنت طالق
الجزء: 3 - الصفحة: 205
فَإِنْ قَالَ: (أَرَدْتُ مَا يُرَادُ بِـ"طَلَّقْتُكِ بِكَذَا") وَصَدَّقَتْهُ .. فَكَهُوَ فِي الأَصَحِّ، وإِنْ سَبَقَ .. بَانَتْ بِالْمَذْكُورِ. وَإِنْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنَّ لِي عَلَيْكِ كَذَا) .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَـ (طَلَّقْتُكِ بِكَذَا)، فَإِذَا قَبِلَتْ .. بَانَتْ وَوَجَبَ الْمَالُ
وعليك حج) 634، وهذا بخلاف قولها: (طلقني ولك عليَّ ألف) فأجابها، فإنه يقع بائنًا بالألف؛ لأن المتعلق بها من عقد الخلع الالتزام فيحمل لفظها عليه، والزوج ينفرد بالطلاق على الصحيح، فإذا لم يأت بصيغة المعاوضة .. حمل كلامه على ما ينفرد به.
واحترز بقوله: (ولم يسبق طلبها بمال) عمَّا إذا سبق؛ فإن الصيغة تكون مقتضية للالتزام.
(فإن قال: "أردت ما يراد بطلقتك بكذا" وصدقته .. فكهو في الأصح) أي: فهو في حكم قوله: (طلقتك بكذا)، فيقع بائنًا بذلك المسمَّى؛ لأنه يصلح أن يكون كناية في اقتضاء العوض، والثاني: المنع؛ لأن قوله: (ولي عليك كذا) إخبار لا إلزام، فلا يصح توافقهما على خلافه.
واحترز بقوله: (وصدقته) عمَّا إذا لم تُصدِّقه .. فلا يلزمها المال قطعًا، سواء قبلت أم لا.
(وإن سبق) الطلب منها ( .. بانت بالمذكور) إذا كان معيَّنًا؛ لأنه لو اقتصر على قوله: (طلقتك) .. كان كذلك؛ فقوله: (وعليك ألف) إن لم يكن مؤكدًا .. لا يكون مانعًا.
وإن سبق طلبها بمبهم؛ كـ (طلقني ببدل) فقال: (طلقتك) .. بانت بمهر مثل.
(وإن قال: "أنت طالق على أن لي عليك كذا" .. فالمذهب: أنه كـ"طلقتك بكذا"، فإذا قبلت .. بانت ووجب المال) لأن (على) للشرط؛ فجعل كونه عليها شرطًا، فإذا ضمنته .. طلقت هذا هو المنصوص المقطوع به، ومقابله: قول الغزالي: يقع الطلاق رجعيًّا ولا مال؛ لأن الصيغة صيغة شرط، والشرط في الطلاق
الجزء: 3 - الصفحة: 206
وَإِنْ قَالَ: (إِنْ ضَمِنْتِ لِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ)، فَضَمِنَتْ فِي الْفَوْرِ .. بَانَتْ وَلَزِمَهَا اأَلْفُ، وَإِنْ قَالَ: (مَتَى ضَمِنْتِ)؛ فَمَتَى ضَمِنَتْ .. طَلُقَتْ، وَإِنْ ضَمِنَتْ دُونَ أَلْفٍ .. لَمْ تَطْلُقْ، وَلَوْ ضَمِنَتْ أَلْفَيْنِ .. طَلُقَتْ، وَلَوْ قَالَ: (طَلِّقِي نَفْسَكِ إِنْ ضَمِنْتِ لِي أَلْفًا)، فَقَالَتْ: (طَلَّقْتُ وَضَمِنْتُ) أَوْ عَكْسُهُ .. بَانَتْ بِأَلْفٍ، وَإِنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا .. فَلَا. وَإِذَا عَلَّقَ بِإِعْطَاءِ مَالٍ فَوَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ .. طَلُقَتْ،
يلغو إذا لم يكن من قضاياه 635؛ كما لو قال: (أنت طالق على ألا أتزوج بعدك).
(وإن قال: "إن ضمنت لي ألفًا فأنت طالق"، فضمنت في الفور) أي: في مجلس التواجب ( .. بانت ولزمها الألف) لوجود الشرط والعقد المقتضي للإلزام إيجابًا وقبولًا.
(وإن قال: "متى ضمنت"، فمتى ضمنت .. طلقت) ولا يشرط فور؛ لأن هذا اللفظ صريح في التراخي ولا يحتمل سواه؛ بدليل أنه لو قال: (متى أعطيتني الساعة) كان محالًا.
(وإن ضمنت دون ألف .. لم تطلق) لعدم وجود الصفة المعلق عليها.
(ولو ضمنت ألفين .. طلقت) لوجود الصفة مع زيادة، بخلاف قوله: (طلقتك على ألف) فقبلت بألفين؛ لأن تلك صيغة معاوضة، فاعتبر فيها توافق الإيجاب والقبول.
(ولو قال: "طلقي نفسك إن ضمنت لي ألفًا"، فقالت: "طلقت وضمنت" أو عكسه) أي: ضمنت وطلقت ( .. بانت بألف) لأن أحدهما شرط في الآخر يعتبر اتصاله به فهما قبول واحد فاستوى تقديم أحدهما وتأخيره.
(وإن اقتصرت على أحدهما) بأن ضمنت ولم تطلق أو عكسه ( .. فلا) لأنه فوَّض إليها التطليق وجعل له شرطًا، فلا بُدَّ من التطليق والشرط.
والمراد بالضمان في هذه المسائل: الالتزام لا الضمان المحتاج إلى الأصالة.
(وإذا علق بإعطاء مال .. فوضعته) أو أزيد منه (بين يديه .. طلقت) وإن لم يأخذه إذا كان متمكنًا من أخذه؛ لأنه إعطاء عرفًا، ولهذا يقال: (أعطيته
الجزء: 3 - الصفحة: 207
وَالأَصَحُّ: دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ. وَإِنْ قَالَ: (إِنْ أَقْبَضْتِنِي) .. فَقِيلَ: كَالإِعْطَاءِ، وَالأَصَحُّ: كَسَائِرِ التَّعْلِيقِ فَمَا يَمْلِكُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِلإِقْبَاضِ مَجْلِسٌ. قُلْتُ: وَيَقَعُ رَجْعِيًّا، وَيُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ الصِّفَةِ أَخْذٌ بِيَدِهِ مِنْهَا
فلم يأخذ)، ولا يقع بإعطاء وكيلها.
نعم؛ إن حضرت وقالت لوكيلها: (سلِّمه إليه) .. وقع، قاله المتولي وأقراه 636، وأفتى به ابن الصلاح.
(والأصح: دخوله في ملكه) بمجرد الوضع وإن لم يقبضه؛ لأن التعليق يقتضي الوقوع عند الإعطاء، فإذا ملكت المعوض .. اقتضت الضرورة دخول العوض في ملك الزوج؛ لأن ملك العوضين متقارنان، الثاني: لا؛ لأن حصول الملك من غير لفظ تمليك من جهتها بعيد، فيرد المعطى، ويرجع إلى مهر المثل.
(وإن قال: "إن أقبضتني" .. فقيل: كالإعطاء) فيأتي فيه ما سبق لأن ذِكْرهُ مشعرٌ بقصد تحصيله.
(والأصح: كسائر التعليق فما يملكه) 637 لأن الإقباض لا يقتضي التمليك فهو صفة محضة، بخلاف الإعطاء، وخصه المتولي بما إذا لم يسبق منه قرينة تدل على التمليك، فإن سبقت كقولها: (طلقني بألف) .. فقال: (إن أقبضتني ألفًا .. فأنت طالق)، أو قال ابتداءً: (إن أقبضتني ألفًا وجعلتها لي، أو لأصرفها في حوائجي) .. فهو كالإعطاء، قال في "زيادة الروضة": وهو متعين 638، وقال في "الشرح الصغير": لا خلاف فيه.
(ولا يشترطُ للإقباض مجلسٌ) تفريعًا على عدم الملك؛ لأنه صفة محضة؛ كالتعليق بدخول الدار، (قلت: ويقع رجعيًّا) لأن الإقباض لا يقتضي التمليك بخلاف الإعطاء؛ فكأنه لم يطمع في شيء.
(ويشترط لتحقق الصفة أخذ بيده منها) فلا يكفي الوضع بين يديه؛ لأنه لا يسمَّى
الجزء: 3 - الصفحة: 208
وَلَوْ مُكْرَهَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ عَلَّقَ بِإِعْطَاءِ عَبْدٍ وَوَصَفَهُ بِصِفَةِ سَلَمٍ، فَأَعْطَتْهُ لَا بِالصِّفَةِ .. لَمْ تَطْلُقْ، أَوْ بِهَا مَعِيبًا .. فَلَهُ رَدُّهُ وَمَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: قِيمَتُهُ سَلِيمًا. وَلَوْ قَالَ: (عَبْدًا) .. طَلُقَتْ بِعَبْدٍ، إِلَّا مَغْصُوبًا فِي الأَصَحِّ،
قبضًا، وهذا الشرط ذكراه في "الشرح" و"الروضة" في صيغة: (إن قبضت منك) لا في: (إن أقبضتني)، وبينهما فرق 639.
نعم؛ في "الوسيط" و"الوجيز" كما في "الكتاب" 640، لكن صرح الإمام في "النهاية" بأنه إذا قال: (إن أقبضتني) فجاءت به وأوقعته بين يديه: أن هذا إقباض ولا يشترط أن يقبضه بالبراجم 641.
(ولو مكرهة، والله أعلم) لوجود الصفة وهذا أيضًا إنما ذكراه في "الشرح" و"الروضة" في صيغة: (إن قبضت منك)، فَذِكْرهُ في: (إن أقبضتني) سهوٌ؛ كما قاله السبكي؛ لأن الإقباض بالإكراه المُلغى شرعًا لا اعتبارَ به.
(ولو علق بإعطاء عبد ووصفه بصفة سلم، فأعطته لا بالصفة .. لم تطلق) لعدم وجود المعلق عليه.
(أو بها) أي: بالصفة (معيبًا .. فله رده) لأن الإطلاق يقتضي السلامة، (ومهر مثل، وفي قول: قيمته سليمًا) الخلاف مبني على: أن بدل الخلع في يد الزوجة مضمون ضمان عقد أو ضمان يد؟
(ولو قال: "عبدًا") أي: أطلقه ولم يصفه ( .. طلقت بعبد) أيّ عبد كان، كبيرًا كان أو صغيرًا، مدبرًا أو معلقًا عتقه بصفة، سليمًا أو معيبًا؛ لوجود الاسم، ولا يملكه الزوج؛ لأن الملك يثبت معاوضة، والمجهول لا يصلح عوضًا، فيجب الرجوع إلى عوض البضع، وهو مهر المثل، وهذا معنى قوله بعد: (وله مهر المثل).
(إلا مغصوبًا في الأصح) أي: فلا تطلق به؛ لأن الإعطاء يقتضي التمليك، فلا
الجزء: 3 - الصفحة: 209
وَلَهُ مَهْرُ مِثْلٍ، وَلَوْ مَلَكَ طَلْقَةً فَقَطْ فَقَالَتْ: (طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ)، فَطَلَّقَ الطَّلْقَةَ .. فَلَهُ أَلْفٌ، وَقِيلَ: ثُلُثُهُ، وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَتِ الْحَالَ .. فَأَلْفٌ، وَإِلَّا .. فَثُلُثُهُ، وَلَوْ طَلَبَتْ طَلْقَةً بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَ بِمِئَةٍ .. وَقَعَ بِمِئَةٍ، وَقِيلَ: بِأَلْفٍ، وَقِيلَ: لَا يَقَعُ
يصدق بدفع ما لا يمكن تمليكه إذ ذاك، والثاني: تطلق؛ لأنه لا يملك المعطى، فلا فرق بين المغصوب وغيره، وعلى هذا: يرجع بمهر المثل.
ويرد على حصره الاستثناء في المغصوب: المكاتب والمرهون والجاني المتعلق برقبته مال، والمشترك بينها وبين غيرها، والموقوف، والمستأجر من غيره إن منع بيعه؛ فإنها كالمغصوب في ذلك، وعبارة "المحرر" سالمةٌ من ذلك؛ فإنه لم يذكره على وجه الاستثناء 642.
(وله مهر مثل) في غير المغصوب ونحوه؛ لأنه لم يطلق مجانًا.
(ولو ملك طلقة فقط، فقالت: "طلقني ثلاثًا بألف"، فطلق الطلقة .. فله ألف) لأن الواحدة حينئذ كالثلاث في تحصيل البينونة الكبرى، (وقيل: ثلثه) كما يغرم قالع عين الأعور النصف، (وقيل: إن علمت الحال .. فألف، وإلا .. فثلثه) فعلى هذا: لو اختلفا؛ فقال الزوج: (كنت تعلمين ذلك)، وأنكرت .. تحالفا، فإذا حلفا .. لزمها مهر المثل، وفي وجه رابع: أنه يستحقُّ مهر المثل، وخامس: أنه لا يستحقُّ شيئًا؛ لأنه لم يطلِّق كما سألت.
(ولو طلبت طلقة بألف، فطلق بمئة ... وقع بمئة) لأنه قادر على الطلاق بغير عوض؛ فببعض العوض أولى، وقد رضي بالمبذول، فلا يزاد عليه، (وقيل: بألف) لأنها بانت بقوله: (طلقتك)، واستحق الألف، وأُلغيَ قوله: (بمئة)، (وقيل: لا يقع) للمخالفة؛ كما لو خالفت في قبولها.
وأهمل من "المحرر" مسألة، وهي ما لو قالت: (طلقني واحدة بألف)، فقال: (أنت طالق ثلاثًا) .. وقع الثلاث، واستحق الألف، ولو أعاد ذكر الألف فقال: (أنت طالق ثلاثًا بألف) .. فكذلك على الأظهر، وكأن ذلك سقط من نسخة
الجزء: 3 - الصفحة: 210
وَلَوْ قَالَتْ: (طَلِّقْنِي غَدًا بِأَلْفٍ)، فَطَلَّقَ غَدًا أَوْ قَبْلَهُ .. بَانَتْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَقِيلَ: فِي قَوْلٍ: بِالْمُسَمَّى. وَإِنْ قَالَ: (إِذَا دَخَلْتِ الدَّارَ .. فَأَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفٍ)، فَقَبِلَتْ وَدَخَلَتْ .. طَلُقَتْ
المصنف بـ"المحرر" وهو ثابت في النسخ الصحيحة، وحكي عن نسخة المصنف.
(ولو قالت: "طلقني غدًا بألف"، فطلق غدًا أو قبله .. بانت) لأنه إن طلق في الغد .. فقد حصل مقصودها، وإن طلق قبله .. فقد حصله مع زيادة؛ فأشبه ما لو قالت: (طلقني واحدة بألف) فطلق ثلاثًا بألف.
واحترز بقوله: (قبله) عما إذا أجاب بعده .. فيقع رجعيًّا لا بائنًا؛ لأنه خالف وأخرَّ، فكان مبتدئًا، فإن ذكر مالًا اشترط في وقوعه القبول (بمهر المثل) بناءً على فساد الخلع؛ لأنه سلم في الطلاق، والطلاق لا يثبت في الذمة، وإذا فسدت الصيغة .. رجع بمهر المثل (وقيل: في قول: بالمسمَّى) أشار المصنف بهذا إلى حكاية طريقين:
أصحهما: القطع بالأول.
والثاني: حكاية قولين:
أحدهما: مهر المثل.
والثاني: المسمَّى؛ كالقولين فيما إذا خالع على خمر أو مغصوب.
وقضية كلامه كـ"المحرر" و"الشرح الصغير": أنه لا فرق بين أن يعلم بفساد الخلع أم لا، لكن القاضي والبغوي والمتولي خصوه بالجاهل، فإن علم فساده .. وقع رجعيًّا، وضعفه الإمام، وقال: لا حاصل له، واستشهد بالخلع على الخمر وسائر الأعواض الفاسدة؛ فإنه لا فرق في ثبوت المال بين العلم والجهل، ولم يصرحا في "الشرح و"الروضة" بترجيح شيء من ذلك 643.
(وإن قال: "إذا دخلت الدار .. فأنت طالق بألف"، فقبلت ودخلت .. طلقت
الجزء: 3 - الصفحة: 211
عَلَى الصَّحِيحِ بِالْمُسَمَّى، وَفِي وَجْهٍ أَوْ قَوْلٍ: بِمَهْرِ الْمِثْلِ. وَيَصِحُّ اخْتِلَاعُ أَجْنَبِيٍّ وَإِنْ كَرِهَتِ الزَّوْجَةُ، وَهُوَ كَاخْتِلَاعِهَا لَفْظًا وَحُكْمًا
على الصحيح) لوجود المعلق عليه، والثاني: لا تطلق، لأن المعاوضات لا تقبل التعليق، فيمتنع ثبوت المال، وإذا لم يثبت .. لم تطلق؛ لارتباطه به، وعلى الأول: يشترط قبولها على الاتصال على الصحيح، وإليه أشار بقوله: (فقبلت) بفاء التعقيب، (بالمسمَّى) أي: ويجوز الاعتياض عن الطلاق المعلق كما يجوز عن المنجَّز، وهل يلزم تسليمه المُسمَّى حالًا أو عند حصول الصفة؟ وجهان، صحح في "أصل الروضة" الأول 644، والذي يقتضيه كلام "الكتاب": الثاني، (وفي وجه أو قول: بمهر المثل) لأن المعاوضات لا تقبل التعليق؛ فتؤثر في فساد العوض دون الطلاق، لقبوله التعليق، وإذا فسد العوض .. وجب مهر المثل.
(ويصح اختلاع أجنبي وإن كرهت الزوجة) لأن الطلاق مما يستقلُّ به الزوج، والأجنبي مستقلٌّ بالالتزام، وله بذل المال، والتزامه فداء، لأن الله تعالى سمَّى الخلع فداءً فجاز كفداء الأسير، وكما يبذل المال في عتق عبد لسيده، تخليصًا له من الرق، وقد يكون للأجنبي فيه غرض ديني أو دنيوي لغرض مباح.
وهذا إذا أتى بلفظ الطلاق أو بلفظ الخلع وقلنا: إنه طلاق، فإن جعلناه فسخًا .. لم يصح؛ لأن الزوج لا ينفرد بالفسخ بلا سبب.
(وهو كاختلاعها لفظًا) أي: في ألفاظ الالتزام (وحكمًا) في جميع ما تقدم.
نعم، يستثنى من قوله: (وحكمًا) صور: إحداها: لو قال الأجنبي: (طلقها على هذا المغصوب أو على هذا الخمر أو على عبد زيد هذا)، فطلق .. وقع رجعيًّا، بخلاف ما إذا التمست المرأة ذلك، نقلاه عن البغوي وأقراه 645، والفرق: أن
الجزء: 3 - الصفحة: 212
وَلِوَكِيلِهَا أَنْ يَخْتَلِعَ لَهُ. وَلِأجْنَبيٍّ تَوْكِيلُهَا فَتَتَخَيَّرُ هِيَ. وَلَوِ اخْتَلَعَ رَجُلٌ وَصَرَّحَ بِوَكَالَتِهَا كَاذِبًا .. لَمْ تَطْلُقْ. وَأَبُوهَا كَأَجْنَبِيٍّ فَيَخْتَلِعُ بِمَالِهِ، فَإِنِ اخْتَلَعَ بِمَالِهَا وَصَرَّحَ بِوَكَالَةٍ أَوْ وِلاَيَةٍ .. لَمْ تَطْلُقْ، أَوْ بِاسْتِقْلَالٍ .. فَخُلْعٌ بِمَغْصُوبٍ.
البضع وقع للمرأة؛ فلزمها بدله بخلاف الأجنبي، الثانية: تحريمه في الحيض إذا سأله الأجنبي، بخلافها؛ كما ذكره في الطلاق، الثالثة: لو كان له امرأتان فخالعه الأجنبي عنهما بألف من ماله .. صح بالألف قطعًا وإن لم يفصل حصة كل منهما؛ لأن الألف تجب للزوج على الأجنبي وحده، بخلاف الزوجتين إذا اختلعتا؛ فإنه يجب أن يفصل ما تلتزمه كل منهما، قاله الماوردي 646.
(ولوكيلها أن يختلع له) أي: لنفسه بالتصريح أو بالنية، فيكون خلع أجنبي، والمال عليه كوكيل المشتري، (ولأجنبي توكيلها) في اختلاع نفسها على ماله (فتتخير هي) بين أن يخالع عن نفسها أو عنه بوكالته، فإن أطلقت .. قال الأَذْرَعي: فالظاهر: وقوعه عنها.
(ولو اختلع رجل، وصرح بوكالتها كاذبًا .. لم تطلق) لأنه مربوط بالمال، وهو لم يلتزمه في نفسه، وقد بان أن لا التزام منها؛ فأشبه ما إذا خاطبها .. فلم تقبل.
(وأبوها كأجنبي فيختلع بماله) صغيرةً كانت أو كبيرة، (فإن اختلع بمالها وصرح بوكالة) كاذبًا، (أو ولاية .. لم تطلق) لارتباط الطلاق بلزوم المال عليها، وهي لم تلتزمه، (أو باستقلال) كـ (اختلعت لنفسي أو عن نفسي) (فخلع بمغصوب) لأنه غاصب لمالها فيقع الطلاق بائنًا جزمًا إن لم يعلم الزوج، وكذا إن علم على الأصحِّ، ويرجع الزوج عليه بمهر المثل على الأظهر، وببذل المُسمَّى على قول.
الجزء: 3 - الصفحة: 213
فصلٌ [في الاختلاف في الخلع أو في عوضه]
ادَّعَتْ خُلْعًا فَأَنْكَرَ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ قَالَ: (طَلَّقْتُكِ بِكَذَا) فَقَالَتْ: (مَجَّانًا) .. بَانَتْ وَلَا عِوَضَ. وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ عِوَضِهِ أَوْ قَدْرِهِ وَلَا بَيِّنَةَ .. تَحَالَفَا وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَلَوْ خَالَعَ بِأَلْفٍ وَنَوَيَا نَوْعًا .. لَزِمَ، وَقِيلَ: مَهْرُ مِثْلٍ، وَلَوْ قَالَ: (أَرَدْنَا دَنَانِيرَ)، فَقَالَتْ: (بَلْ دَرَاهِمَ أَوْ فُلُوسًا) .. تَحَالَفَا عَلَى الأَوَّلِ،
(فصل: ادعت خلعًا فأنكر) ولا بيِّنة ( .. صدق بيمينه) إذ الأصل بقاء النكاح وعدم الخلع، (وإن قال: "طلقتك بكذا" .. فقالت: "مجانًا" .. بانت ولا عوض) إذا حلفت، أما البينونة .. فلإقراره، وأما عدم العوض .. فلأن الأصل براءة ذمتها.
(وإن اختلفا في جنس عوضه أو قدره) أو نوعه أو صفته أو أجله (ولا بينة .. تحالفا) كالمتبايعين؛ فإن أقام أحدهما بينة .. عمل بها وقضي له، وإن أقاما بينتين .. تساقطتا على الصحيح، (ووجب مهر المثل) لأنه تعذر رد البضع إليه فرجع إلى بدله، وهو مهر المثل؛ كما لو وقع التحالف بعد تلف المبيع، وأما البينونة .. فواقعة.
وأثر التحالف في العوض خاصة، وفي كيفية اليمين ومن يبدأ به على ما تقدم في البيع.
(ولو خالع بألف ونويا نوعًا .. لزم) جعلًا للمنوي كالملفوظ، بخلاف البيع؛ لأنه يحتمل في الخلع ما لا يحتمل في البيع، ولهذا يملك العوض فيه بالإعطاء، بخلاف البيع.
وصورة المسألة: ألا يكون في البلد نقد غالب؛ فإن كان .. حمل عليه.
(وقيل: مهر مثل) أي: وتفسد التسمية؛ للجهل بالعوض كالبيع.
(ولو قال: "أردنا) بالألف التي أطلقناها (دنانير"، فقالت: "بل دراهم أو فلوسًا" .. تحالفا على الأول) وهو قولنا: (لو نويا نوعًا .. لزم)، كما لو اختلفا في
الجزء: 3 - الصفحة: 214
وَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ بِلَا تَحَالُفٍ فِي الثَّانِي.
الملفوظ، فإذا حلفا .. وجب مهر المثل، (ووجب مهر مثل بلا تحالف في الثاني) وهو قولنا: بوجوب مهر المثل فيما إذا نويا نوعًا؛ لأنهما لو اتفقا على الإرادة .. وجب؛ فلا أثر للتنازع.
الجزء: 3 - الصفحة: 215
كتابُ الطَّلاق يُشْتَرَطُ لِنُفُوذِهِ التَّكْلِيفُ إِلَّا السَّكْرَانَ. وَيَقَعُ بِصَرِيحِهِ بِلَا نِيَّةٍ، وَبِكِنَايَةٍ بِنِيَّةٍ. وَصَرِيحُهُ: الطَّلَاقُ، وَكَذَا الْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ عَلَى الْمَشْهُورِ
﴿كتاب الطلاق﴾
هو لغة: حل القيد والإطلاق، ومنه ناقة طالق؛ أي: مرسلة بلا قيد، ترعى حيث شاءت، وشرعًا: حل قيد النكاح فقط.
والآيات الواردة في الطلاق والأخبار المروية فيه غنيةٌ؛ لشهرتها عن الإيراد والتعداد، معتضدة بإجماع الملل أيَّ اعتضاد.
(يشترط لنفوذه التكليف) فلا يقع طلاق صبي ومجنون ومغمى عليه ونائم تنجيزًا, ولا تعليقًا؛ لفساد عبارتهم، ورفع القلم عنهم.
نعم؛ لو تولد جنون من سكر تعدى به .. نفذ طلاقه في جنونه.
(إلا السكران) أي: فيقع طلاقه وإن كان غير مكلف.
وهذا الاستثناء من زياداته على "المحرر"، وقال في "الدقائق": إنه لا بد منه؛ لأنه ليس بمكلف 647، وعزى في "الروضة" كونه غير مكلف إلى قول أصحابنا وغيرهم في كتب الأصول، قال: (ولكن مراد أهل الأصول: أنه غير مخاطب حال السكر، ومرادنا هنا: أنه مكلف بقضاء العبادات بأمر جديد) 648، قال السبكي: ولا حاجة لهذه الزيادة؛ لأن مذهب الشافعي: أن السكران مكلف.
انتهى، وحكاه الأَذْرَعي عن نص "الأم"، وعن جمع من المراوزة والعراقيين، منهم شيخ المراوزة القفال، وشيخ العراقيين أبو حامد.
(ويقع بصريحه بلا نية) عند عدم الإكراه (وبكناية بنية) بالإجماع (وصريحه: الطلاق) وما اشتق منه؛ بالإجماع، (وكذا الفراق والسراح على المشهور) لتكررهما في القرآن بمعنى الطلاق، والثاني: أنهما كنايتان؛ لاستعمالهما فيه وفي غيره
الجزء: 3 - الصفحة: 217
كَـ (طَلَّقْتُكِ) وَ (أَنْتِ طَالِقٌ) وَ (مُطَلَّقَةٌ) وَ (يَا طَالِقُ)، لاَ (أَنْتِ طَلَاقٌ وَالطَّلَاقُ) فِي الأَصَحِّ. وَتَرْجَمَةُ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ صَرِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ
كالحرام، وفي صراحة لفظ الخلع ما مر في بابه؛ كما قاله في "المحرر" 649، ولا وجه لحذف المصنف له.
ويستثنى من صراحة لفظ الفراق: ما لو أسلم على أكثر من أربع نسوة، فقال لإحداهن: (فارقتك) فإن الأصح أنه فسخ.
(كـ"طلقتك" و"أنت طالق" و"مطلقة") أي: بتشديد اللام، (و"يا طالق") وكذا: (أنت مفارقة) أو (مسرحة) بناء على المشهور في صراحة الفراق والسراح، ومحل صراحة (يا طالق): في غير من اسمها ذلك؛ كما ذكره المصنف بعد 650.
(لا "أنت طلاق"، و"الطلاق" في الأصح) بل هما كنايتان؛ لأنهما مصدران، والمصادر لم توضع للأعيان، وتستعمل فيها على سبيل التوسع، والثاني: أنهما صريحان؛ كـ (يا طالق).
(وترجمة الطلاق بالعجمية صريح على المذهب) لشهرة استعمالها عندهم في معناها شهرةَ العربية عند أهلها، وقيل: وجهان، ثانيهما: أنه كناية؛ لأن اللفظ الوارد في القرآن هو العربي، قال الرافعي: ولم يورد أكثرهم سوى الأول؛ فلذلك رجح في "أصل الروضة" القطع به، ثم حكى طريقة الوجهين 651.
واقتصاره على الطلاق قد يفهم: أن ترجمة الفراق والسراح بالعجمية كناية، وهو ما نقله الرافعي عن تصحيح الإمام والروياني، وجزم بتصحيحه في "أصل الروضة"؛ لأن ترجمتهما بعيدة عن الاستعمال 652، وقضية ما في "الشرح الصغير": تصحيحه، لكن مقتضى ما في "المحرر": أنها صريح، فإنه قال: وترجمة الطلاق بسائر اللغات صريحة، ثم ذكر الفراق والسراح وقال: وترجمتهما كترجمته 653، قال: الأَذْرَعي:
الجزء: 3 - الصفحة: 218
وَ (أَطْلَقْتُكِ) وَ (أَنْتِ مُطْلَقَةٌ) كِنَايَةٌ. وَلَوِ اشْتَهَرَ لَفْظٌ لِلطَّلَاقِ كَـ (الْحَلَالُ أَوْ حَلَالُ اللهِ عَلَيَّ حَرَامٌ) .. فَصَرِيحٌ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: أَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَكِنَايَتُهُ: كَـ (أَنْتِ خَلِيَّةٌ)، (بَرِيَّةٌ)، (بَتَّةٌ)، (بَتْلَةٌ)، (بَائِنٌ)، (اعْتَدِّي)، (اسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ)، (اِلْحَقِي
وهو المذهب، لا ما في "الروضة"، ونقل عن جمع: الجزم به، وبسط ذلك.
(و"أطلقتك" و"أنت مطلقة") بإسكان الطاء فيهما (كناية) لعدم اشتهاره، وقيل: صريح 654.
(ولو اشتهر لفظ للطلاق كـ"الحلالُ أو حلالُ الله علي حرام" .. فصريح في الأصح) لغلبة الاستعمال، وحصول التفاهم، ونقله الرافعي عن "التهذيب"، قال: (وعليه ينطبق ما في "فتاوى القفال" و"القاضي الحسين" والمتأخرين).
انتهى 655، وحُكي عن القفال أنه كان يقول إذا استفتي عن هذه المسألة: إذا سمعت غيرك قال لامرأته هذا .. ما كنت تفهم منه؟ فإن فهصت منه الصريح .. فهو صريح لك.
(قلت: الأصح: أنه كناية، والله أعلم) لأنه لم يتكرر في القرآن، ولا على لسان حملة الشريعة، فأشبه سائر الألفاظ، قال في "الروضة": (وقطع به العراقيون والمتقدمون).
انتهى 656، ونقله الأَذْرَعي عن نص "الأم" و"البويطي".
واحترز المصنف بقوله: (اشتهر) عن البلاد التي لم يشتهر فيها هذا اللفظ للطلاق، فإنه كناية في حق أهلها قطعًا.
(وكنايته: كـ"أنت خلية") أي: من الزوج، فعيلة بمعنى: فاعلة ("برية") أي: منه أيضًا ("بتة") أي: مقطوعة الوصلة، مأخوذة من البت، وهو القطع، ("بتلة") أي: متروكة النكاح، ومنه: (نهى عن التبتل) 657، ("بائن") أي: مفارقة، من البين: وهو الفرقة، ("اعتدي"، "استبرئي رحمك"، "الحقي
الجزء: 3 - الصفحة: 219
بِأَهْلِكِ)، (حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ)، لَا (أَنْدَهُ سَرْبَكِ)، (اعْزُبِي)، (اغْرُبِي)، (دَعِينِي)، (وَدِّعِينِي)، وَنَحْوِهَا. وَالإِعْتَاقُ كِنَايَةُ طَلَاقٍ وَعَكْسُهُ، وَلَيْسَ الطَّلَاقُ كِنَايَةَ ظِهَارٍ وَعَكْسُهُ
بأهلك") أي: لأني طلقتك ("حبلك على غاربك") أي: خليت سبيلك كما يخلى البعير في الصحراء بإلقاء زمامه على غاربه، وهو ما تقدم من الظهر، وارتفع عن العنق؛ ليرعى كيف شاء.
(لا "أنده سربك") هو بفتح السين، وإسكان الراء، وأنده معناه: أزجر، والسَّرْبُ: الإبل وما يرعى من المال؛ فكأنه قال: (تركتك لا أهتم بشأنك) ("اعزبي") بـ (عين) مهملة، ثم (زاي) معجمة، معناه: اذهبي عني وتباعدي مني ("اغربي") بـ (غين) معجمة، ثم (راء) مهملة؛ أي: (صيري غريبة أجنبية مني) ("دعيني"، "ودعيني") أي: لأني طلقتك، و (الدال) من الثانية مشددة، و (الواو) من أصل الكلمة، ليست عاطفةً، وهو من الوداع، (ونحوها) مما يحتمل الفراق والسراح، ولم يشع استعماله فيه شرعًا ولا عرفًا كـ (تجردي)، و (تزودي)، و (سافري)، قال في "المحرر": ولا تكاد تنحصر 658.
(والإعتاق) بألفاظه الصريحة والكناية (كناية طلاق وعكسه) أي: ألفاظ الطلاق صريحها وكنايتها كناية في العتق؛ لدلالة كل منهما على إزالة ما يملكه.
نعم؛ يستثنى: ما إذا قال لعبده أو أمته: (أنا منك حر)، أو (أعتقت نفسي)، ونوى العتق، فإنه لا عتق على الأصحِّ، بخلاف الزوجة، لأن الزوجية تشمل الجانبين، بخلاف الرق؛ فإنه يختص بالمملوك، وما لو قال لعبده: (اعْتَدَّ) أو (استبرئ رحمك)، ونوى العتق .. لم يعتق؛ لاستحالته في حقه، فإن قاله لأمته .. فكناية في الأصحِّ؛ كالزوجة.
(وليس الطلاق كنايةَ ظهار وعكسه) أي: وليس الظهار كناية طلاق وإن اشتركا في إفادة التحريم؛ لأن ما كان صريحًا في بابه ووجد نفاذًا في موضوعه .. لا يكون كناية في غيره، قال في "الوسيط": (ولا يمكن تنفيذهما جميعًا؛ لأن اللفظ لم يوضع
الجزء: 3 - الصفحة: 220
وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) أَوْ (حَرَّمْتُكِ) وَنَوَى طَلاَقًا أَوْ ظِهَارًا .. حَصَلَ، أَوْ نَوَاهُمَا .. تَخَيَّرَ وَثَبَتَ مَا اخْتَارَهُ -وَقِيلَ: طَلاَقٌ، وَقِيلَ: ظِهَارٌ- أَوْ تَحْرِيمَ عَيْنِهَا .. لَمْ تَحْرُمْ
لهما وَضْعَ العموم، فصرف إلى ما هو صريح فيه) 659.
(ولو قال: " أنت علي حرام"، أو "حرمتك"، ونوى طلاقًا أو ظهارًا .. حصل) ما نواه؛ لأن التحريم ينشأ عن الطلاق، وعن الظهار بعد العود، فصحت الكناية به عنهما، من باب إطلاق المسبب على السبب.
(أو نواهما .. تخيَّر، وثبت ما اختاره) ولا يثبتان جميعًا؛ لأن الطلاق يزيل النكاح، والظهار يستدعي بقاءه، هذا إذا نواهما دفعة، فإن نواهما مرتبًا .. فعن ابن الحداد إن تقدم الظهار .. صحا جميعا، أو الطلاق البائن .. فلا معنى للظهار بعده، أو الرجعيَّ .. فالظهار موقوف، فإن راجعها .. فهو صحيح، والرجعة عود، وإلا .. فهو لغو، وقال الشيخ أبو علي: هذا التفصيل فاسد عندي؛ لأن اللفظ الواحد إذا لم يجز أن يراد به التصرفان .. فلا يفترق الحال بين أن يريدهما معًا أو متعاقبين، وأيضًا فإنه إذا نواهما على التعاقب .. كانت كل واحدة من النيتين مقارنة لبعض اللفظ، لا لجميعه، وفي ذلك خلاف سيأتي، كذا في "الروضة" و"أصلها" 660، وأطلق في "المحرر" و"الشرح الصغير" كـ "الكتاب" 661، وهو يقتضي: ترجيح مقالة الشيخ أبي علي.
(وقيل: طلاقٌ) لأنه أقوى، من حيث أنه يزيل الملك، (وقيل: ظهارٌ) لأن الأصل: بقاء النكاح.
(أو تحريمَ عينها) أو فرجها أو وطئها ( .. لم تحرم) لما روى النسائي: أن رجلًا سأل ابن عباس فقال: إني جعلت امرأتي علي حرامًا، فقال: كذبت، ليست عليك
الجزء: 3 - الصفحة: 221
وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَكَذَا إِنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ فِي الأَظْهَرِ، وَالثَّانِي: لَغْو. وَإِنْ قَالَهُ لِأمَتِهِ وَنَوَى عِتْقًا .. ثَبَتَ، أَوْ تَحْرِيمَ عَيْنِهَا أَوْ لاَ نِيَّةَ .. فَكَالزَّوْجَةِ ................
بحرام، ثم تلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية 662.
(وعليه كفارة يمين) لأنه لو خاطب أمته بذلك .. لزمته، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ على الأشهر عند أهل التفسير، كما قاله البيهقي في "المعرفة" 663.
وقوله: (كفارة يمين) أي: مثل كفارة اليمين، وليست يمينًا، لأن اليمين لا تنعقد إلا باسم الله أو صفته.
(وكذا إن لم تكن نية في الأظهر) لأن لفظ التحريم صريح في وجوب الكفارة، فلا معنى للنية، (والثاني: لغو) أي: لا شيء عليه فيه، وتكون هذه اللفظة كناية في الكفارة، وإلا .. لم تصر كناية في الطلاق والظهار، وهذا التفصيل في المسألة مستمر فيمن قال: (أنت علي حرام) في البلاد التي لم يشتهر فيها هذا اللفظ في الطلاق، وكذا حيث اشتهر إذا قلنا: إن الاشتهار لا يلحقه بالصرائح، أما إذا قلنا: إنه يلحقه بالصرائح .. قال الشيخان: فمقتضى ما في "التهذيب": أنه يتعين الطلاق، وقال الإمام: لا يمنع ذلك صرف النية إلى التحريم الموجب للكفارة، كما أنَّا وإن جعلناه صريحًا في الكفارة عند الإطلاق يجوز صرفه بالنية إلى الطلاق 664.
ومحل الخلاف: إذا قال: (أنت علي حرام) كما فرضه المصنف، فلو قال: (أنت حرام) ولم يقل: (علي) .. فإنه كناية قطعًا، كما قاله البغوي 665.
(وإن قاله لأمته، ونوى عتقًا .. ثبت) قطعًا، لأنه كناية فيه، ولا مجال للطلاق والظهار فيها، (أو تحريم عينها أو لا نية .. فكالزَّوجة) أي: فلا تحرم وعليه كفارة يمين في الأولى، وكذا في الثانية على الأظهر.
الجزء: 3 - الصفحة: 222
وَلَوْ قَالَ: (هَذَا الثَّوْبُ أَوِ الطعَامُ أَوِ الْعَبْدُ حَرَامٌ عَلَيَّ) .. فَلَغْو. وَشَرْطُ نِيَّةِ الْكِنَايَةِ: اقْتِرَانُهَا بِكُلِّ اللَّفْظِ - وَقِيلَ: يَكْفِي بِأَوَّلهِ - وَإِشَارَةُ نَاطِقٍ بِطَلَاقٍ لَغْو، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ. وَيُعْتَدُّ بِإِشَارَةِ أَخْرَسَ فِي الْعُقُودِ وَالْحُلُولِ، فَإِنْ فَهِمَ طَلَاقَهُ بِهَا كُلُّ أَحَدٍ .. فَصَرِيحَة، وَإِنِ اخْتَصَّ بِفهْمِهِ فَطِنُونَ .. فَكِنَايَةٌ ..
(ولو قال: "هذا الثوب أو الطعام أو العبد حرام علي" .. فلغو) لا تتعلق به كفارة ولا غيرها، لعدم قدرته على تحريم شيء من ذلك على نفسه، بخلاف الزوجة والأمة، فإنه يقدر على تحريمهما بالطلاق والعتق.
(وشرط نية الكناية: اقترانها بكل اللفظ) فلو قارنت أوله، وعزبت قبل تمامه .. لم يقع؛ لأن ما قارنته النية غير مستقل بالإفادة، (وقيل: يكفي بأوله) لأنه حينئذ يعرف قصده من اللفظ، ويلتحق بالصرائح.
وترجيح الأول تبع فيه "المحرر" 666، والأصحُّ في "أصل الروضة" و"الشرح الصغير"، واقتضاه إيراد "الكبير": تصحيح الثاني 667، وقال في "المهمات": إن الفتوى عليه 668.
(وإشارة ناطق بطلاق لغو) وإن أفهم بها كل أحد؛ لأن عدوله إليها مع القدرة يوهم أنه غير قاصد للطلاق، (وقيل: كناية) لحصول الإفهام بها كالكتابة، ورد: بأن استعمال الإشارة من الناطق في التفهيم نادر، بخلاف الكتابة.
(ويعتد بإشارة أخرس في العقود، والحلول) والأقارير، والدعاوي وإن أمكنه الكتابة، للضرورة.
(فإن فهم طلاقه بها كل أحد .. فصريحة) كما إذا قيل له: (كم طلقت امرأتك؟ ) فأشار بأصابعه الثلاث.
(وإن اختص بفهمه فطنون .. فكناية) كما في لفظ الناطق، وهذا ما حكياه عن الإمام وآخرين، ومن الأصحاب من أدار الحكم على إشارته المفهمة، ويوقع الطلاق
الجزء: 3 - الصفحة: 223
وَلَوْ كَتَبَ نَاطِقٌ طَلَاقًا، وَلَمْ يَنْوِهِ .. فَلَغْوٌ، وَإِنْ نَوَاهُ .. فَالأَظْهَرُ: وُقُوعُهُ، فَإِنْ كَتَبَ: (إِذَا بَلَغَكِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ) .. فَإِنَّمَا تَطْلُقُ بِبُلُوغِهِ، وَإِنْ كَتَبَ: (إِذَا قَرَأْتِ كِتَابِي) وَهِيَ قَارِئَةٌ، فَقَرَأَتْهُ .. طَلَقَتْ، وَإِنْ قُرِئَ عَلَيْهَا .. فَلَا فِي الأَصَحِّ،
بها نوى أو لم ينو، منهم البغوي، ولم يصححا في "الشرحين" و"الروضة" واحدة من المقالتين 669.
(ولو كتب ناطق طلاقًا، ولم ينوه .. فلغو) إذ لا لفظ ولا نية، ويحتمل تجربة القلم والمداد.
(وإن نواه) ولم يتلفظ بما كتبه ( .. فالأظهر: وقوعه) لأنها أحد الخطابين، إذ يقال: القلم أحد اللسانين، فجاز أن يقع بها الطلاق، كاللفظ، والثاني: لا؛ لأنه فعلٌ من قادر على القول، فلم يقع به الطلاق، كالإشارة من الناطق.
والخلاف جار في الغَيْبة والحضور على أصح الطرق، فلو قرأ ما كتبه، واقترنت به النية .. طلقت جزمًا.
وقوله: (ناطق) قيد مضر؛ إذ كتابة الأخرس أيضًا كناية على الأصحِّ.
(فإن كتب: "إذا بلغك كتابي فأنت طالق") ونوى الطلاق ( .. فإنما تطلق ببلوغه) مراعاة للشرط، فلو انمحى كله قبل وصوله إليها .. لم تطلق في الأصحِّ؛ كما لو ضاع، وكذا لو لم يمح كله، ولكن بقي ما لا يمكن قراءته، أو انمحى موضع الطلاق على الصحيح، ولو ذهبت سوابقه ولواحقه؛ كالبسملة والحمدلة، وبقيت المقاصد .. وقع على الأصح وكذا لو انمحى وبقي ما يمكن قراءته.
(وإن كتب: "إذا قرأت كتابي" وهي قارئة، فقرأته .. طلقت) لوجود المعلق عليه، وقضية تعبيره: اشتراط التلفظ به، وليس كذلك، بل نقل الإمام الاتفاق على أنها لو طالعته، وفهمت ما فيه .. طلقت وإن لم تتلفظ بشيء 670، وظاهر هذا: اشتراط قراءة جميعه، وقال الأَذْرَعي: ويشبه: الاكتفاء بالمقاصد.
(وإن قرئ عليها .. فلا في الأصح) لعدم قراءتها مع الإمكان، والثاني: يقع؛
الجزء: 3 - الصفحة: 224
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَارِئَةً فَقُرِئَ عَلَيْهَا .. طَلُقَتْ.
فَصْلٌ [في تفويض الطلاق إليها]
لهُ تَفْوِيضُ طَلَاقِهَا إِلَيْهَا. وَهُوَ تَمْلِيكٌ فِي الْجَدِيدِ -فَيُشْتَرَطُ لِوُقُوعِهِ: تَطْلِيقُهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ قَالَ: (طَلِّقِي بِأَلْفٍ) فَطَلَّقَتْ .. بَانَتْ وَلَزِمَهَا الأَلْفُ- وَفِي قَوْلٍ: تَوْكِيلٌ، فَلَا يُشْتَرَطُ فَوْرٌ فِي الأَصَحّ،
إذ المقصود اطلاعها، وهو المصحح في نظيره من عزل القاضي.
وفرق الأول: بأن المقصود من القاضي: إعلامه بالعزل، وسيأتي الفرق هناك.
(وإن لم تكن قارئة فقرئ علبها .. طلقت) لأن القراءة في حق الأمي محمولة على الاطلاع، بخلاف القارئ، وقيل: لا يقع؛ نظرًا للفظ، قال الرافعي تبعًا للإمام: ومن ذهب إليه .. جعل تعليق الطلاق بقراءة الأمية كالتعليق بالأمور الممتنعة؛ مثل صعود السماء وغيره 671، وفيه نظر؛ لإمكان حصوله بالتعلم.
(فصل: له تفويض طلاقها إليها) بالإجماع 672.
(وهو تمليك في الجديد) لأنه يتعلق بغرضها، كغيره من التمليكات.
(فيشترط لوقوعه: تطليقها على الفور) لأن التمليك يقتضي الجواب على الفور، فلو أخرت بقدر ما ينقطع القبول عن الإيجاب، ثم طلقت .. لم يقع، ويشترط لصحة التفويض: التكليف، فإن كانت صغيرة أو مجنونة .. لم يصح.
(وإن قال: "طلقي بألف" فطلَّقت .. بانت ولزمها الألف) ويكون تمليكًا بعوض؛ كالبيع، (وفي قول: توكيل) كما لو فوض طلاقها لأجنبي.
(فلا يشترط فور في الأصح) كما في توكيل الأجنبي، والثاني: يشترط؛ لما فيه
الجزء: 3 - الصفحة: 225
وَفِي اشْتِرَاطِ قَبُولهَا خِلَافُ الْوَكِيلِ. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ: لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَطْلِيقِهَا. وَلَوْ قَالَ: (إِذَا جَاءَ رَمَضانُ فَطَلِّقِي) .. لَغَا عَلَى التَّمْلِيكِ. وَلَوْ قَالَ: (أَبينِي نَفْسَكِ)، فَقَالَتْ: (أَبَنْتُ) وَنَوَيَا .. وَقَعَ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَلَوْ قَالَ: (طَلِّقِي) فَقَالَتْ: (أَبَنْتُ) وَنَوَتْ، أَوْ (أَبينِي) وَنَوَى، فَقَالَتْ: (طَلَّقْتُ) .. وَقَعَ. وَلَوْ قَالَ: (طَلِّقِي) وَنَوَى ثَلَاثًا فَقَالَتْ: (طَلَّقْتُ) وَنَوَتْهُنَّ .. فَثَلَاث، وَإِلَّا .. فَوَاحِدَ فِي الأَصَحِّ
من شائبة التمليك، (وفي اشتراط قبولها خلاف التوكيل) المتقدم في بابه، حتى يجيء الوجه الفارق بين صيغة الأمر، بأن يقول: (طلقي نفسك)، وصيغة العقد؛ كقوله: (وكلتك في طلاق نفسك).
(وعلى القولين: له الرجوع قبل تطليقها) لأن التمليك والتوكيل يجوز الرجوع فيهما قبل القبول.
(ولو قال: "إذا جاء رمضان فطلقي" .. لغا على التمليك) لأنه لا يصح تعليقه؛ كقوله: (ملكتك هذا العبد إذا جاء رأس الشهر)، ويصح على قول التوكيل؛ كما لو وكل أجنبيًّا بتطليقها بعد شهر.
(ولو قال: "أبيني نفسك"، فقالت: "أبنت" ونويا) أي: نوى هو التفويض إليها عند قوله: (أبيني نفسك)، ونوت هي عند (أبنت نفسي) الطلاق ( .. وقع) لأن الكناية مع النية كالصريح، (وإلا .. فلا) أي: وإن لم ينويا، أو لم ينو أحدهما .. فلا يقع الطلاق؛ لأنه إن لم ينو هو .. فلا تفويض، وإن لم تنو هي .. فلا تطليق؛ إذ الطلاق لا يقع بهذا اللفظ وحده.
(ولو قال: "طلقي") نفسك (فقالت: "أبنت" ونوت، أو "أبيني") نفسك (ونوى، فقالت: "طلَّقت" .. وقع) لأنها أُمرت بالطلاق، وقد فعلته في الحالين؛ كما لو قال: (بع) فباع بلفظ التمليك.
(ولو قال: "طلقي" ونوى ثلاثًا فقالت: "طلَّقت" ونوتهن .. فثلاث) لأن اللفظ يحتمل العدد، وقد نوياه، (وإلا) أي: وإن لم تنو هي العدد ( .. فواحدة في الأصح) لأن صريح الطلاق كناية في العَدد؛ كما أن البينونة مثلًا كناية في أصل
الجزء: 3 - الصفحة: 226
وَلَوْ قَالَ: (ثَلَاثًا) فَوَحَّدَتْ أَوْ عَكْسُهُ .. فَوَاحِدَةٌ.
فَصْلٌ [في بعض شروط الصيغة والمطلق]
مَرَّ بِلِسَانِ نَائِمٍ طَلَاقٌ .. لَغَا. وَلَوْ سَبَقَ لِسَانٌ بِطَلَاقٍ بِلَا قَصْدٍ .. لَغَا، وَلَا يُصَدَّقُ ظَاهِرًا إِلَّا بِقَرِينَةٍ
الطلاق، ولو قال: (أبيني نفسك) ونوى، فقالت: (أبنت)، ولم تنو .. لا يقع الطلاق، فكذلك العدد، والثاني: تقع الثلاث، وتغني نيته في العدد عن نيتها، وكأنه فوض إليها أصل الطلاق، ونوى بنفسه العدد، وقد يرد على تعبيره: ما إذا نوت ثنتين .. فإنهما يقعان.
(ولو قال: ) طلقي نفسك ("ثلاثًا" فوحَّدت) أي: قالت: (طلقت نفسي واحدة) (أو عكسه) أي: وَحَّدَ، فثلثت ( .. فواحدة) أما في الأولى .. فلأن ما أوقعته داخل في المفوض إليها، وأما في الثانية .. فلأن المفوض إليها واحدة، والزائد غير مأذون فيه، فيقع ما تملكه؛ كما إذا لم يبق للزوج إلا طلقة، فقال: (أنت طالق ثلاثًا).
(فصل: مرّ بلسان نائم طلاق .. لغا) لحديث: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ -منها- النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ 673.
ولو استيقظ وقال: (أجزت ذلك الطلاق)، أو (أوقعته) .. فهو لغو، وفي معنى النائم: كل من زال عقله بسبب لم يعص به.
(ولو سبق لسان بطلاق بلا قصد .. لغا) قياسًا على لغو اليمين (ولا يُصدَّق ظاهرًا) لتعلق حق الغير به، (إلا بقرينة) كما سيأتي فيمن اسمها طارق أو طالب، فقال: (يا طالق) وزعم أنه التفَّ الحرف بلا قصد، فيقبل في الظاهر؛ لظهور القرينة.
الجزء: 3 - الصفحة: 227
وَلَوْ كَانَ اسْمُهَا طَالِقًا فَقَالَ: (يَا طَالِقُ) وَقَصَدَ النِّدَاءَ .. لَمْ تَطْلُقْ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ كَانَ اسْمُهَا طَارِقًا أَوْ طَالِبًا فَقَالَ: (يَا طَالِقُ)، وَقَالَ: (أَرَدْتُ النِّدَاءَ فَالْتَفتَّ الْحَرْفُ) .. صُدِّقَ. وَلَوْ خَاطَبَهَا بِطَلَاقٍ هَازِلًا أَوْ لَاعِبًا، أَوْ هُوَ يَظُنُّهَا أَجْنَبيَّةً؛ بِأَنْ كَانَتْ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ نَكَحَهَا لَهُ وَلِيُّهُ أَوْ وَكِيلُهُ وَلَم يَعْلَمْ .. وَقَعَ. وَلَوْ لَفَظَ أَعْجَمِيٌّ بِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ .. لَمْ يَقَعْ، وَقِيلَ: إِنْ نوَى مَعْنَاهُ .. وَقَعَ. وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ مُكْرَهٍ،
(ولو كان اسمها طالقًا فقال: "يا طالق"، وقصد النداء) أي: نداءها باسمها ( .. لم تطلق) للقريط، (وكذا إن أطلق) ولم يقصد شيئًا (في الأصح) حملًا على النداء، والثاني: تطلق لصراحة اللفظ، ولم يقصد النداء.
(وإن كان اسمها طارقًا أو طالبًا فقال "يا طالق"، وقال: "أردت النداء فالتفَّ الحرف" .. صدق) ظاهرًا؛ لظهور القرينة.
(ولو خاطبها بطلاق هازلًا أو لاعبًا، أو هو يظنها أجنبية؛ بأن كانت في ظلمة، أو نكحها له وليه أو وكيله ولم يعلم .. وقع) أما في الهزل -وهو قصد اللفظ دون المعنى- .. فلحديث: "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلَاقُ وَالنكاحُ وَالرَّجْعَةُ" حسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم 674، ولأنه قصد اللفظ مختارًا، ولكنه لم يرض بحكمه، وذلك لا ينفعه؛ كما لو قال: (أنت طالق طلاقًا لا يقع عليك)، وأما في الثانية .. فلوجود الخطاب في محله.
(ولو لفظ أعجمي به) أي: بالورق (بالعربية ولم يعرف معناه .. لم يقع) كما لو لُقِّنَ كلمة الكفر وهو لا يعرف معناها، فتكلم بها .. لا نحكم بكفره، قال المتولي: هذا إذا لم يكن مخالطًا لأهل ذلك اللسان، فإن خالطهم .. لم يقبل ظاهرًا، ويدين.
(وقيل: إن نوى معناه) عند أهله ( .. وقع) لأنه قصد لفظ الطلاق لمعناه، والأصحُّ: المنع؛ لأنه إذا لم يعرف معناه .. لا يصح قصده.
(ولا يقع طلاق مكره) بغير حق؛ لحديث: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ
الجزء: 3 - الصفحة: 228
فَإِنْ ظَهَرَ قَرِينَةُ اخْتِيَارٍ؛ بِأَنْ أُكْرِهَ عَلَى ثَلَاثٍ فَوَحَّدَ، أَوْ صَرِيحٍ أَوْ تَعْلِيقٍ فَكَنَى أَوْ نَجَّزَ، أَوْ عَلَى (طَلَّقْتُ) فَسَرَّحَ، أَوْ بِالْعُكُوسِ .. وَقَعَ. وَشَرْطُ الإِكْرَاهِ: قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ عَلَى تَحْقِيقِ مَا هَدَّدَ بِهِ بِوِلَايَةٍ أَوْ تغلُّبٍ، وَعَجْزُ الْمُكْرَهِ عَنْ دَفْعِهِ بِهَرَبٍ وَغَيْرِهِ، وَظَنُّهُ أَنَّهُ إِنِ
ومَا اسْتكرِهُوا عَلَيْهِ" 675.
وحديث: "لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ" رواه أبو داوود، وصححه الحاكم على شرط مسلم 676.
وفسر الشافعي وأبو عبيد والخطابي وغيرهم الإغلاق: بالإكراه، ومنعوا أن يكون المراد: الغضب 677، فإن أكثر الطلاق إنما يقع في حال الغضب، وممن أفتى بعدم وقوع طلاق المكره عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، قال البيهقي: (ولا مخالف لهم من الصحابة) 678.
واستثني من عدم وقوع طلاق المكره: ما إذا نوى الإيقاع، فإنه يقع على الأصحِّ، وفيه نظر، فإن هذا ليس مكرهًا.
نعم؛ يستثنى: ما لو أكرهه على طلاق زوجة نفسه، فإنه يقع على الأصحِّ؛ لأنه إذن وزيادة.
(فإن ظهر قرينة اختيار؛ بأن أكره على ثلاث فوحد، أو صريح أو تعليق فكنى أو نجز، أو على "طلقت" فسرح أو بالعكوس) أي: أكره على واحدة فثلَّث، أو على كناية فصرَّح، أو على التنجيز فعلَّق، أو على أن يقول: (سرحتها)، فقال: (طلقتها) ( .. وقع) لأن مخالفته تشعر باختياره فيما أتى به.
(وشرط) حصول (الإكراه: قدرة المكره) بكسر الراء (على تحقيق ما هدد به بولاية أو تغلب، وعجز المكره) بفتح الراء (عن دفعه بهرب وغيره، وظنه أنه إن
الجزء: 3 - الصفحة: 229
امْتَنَعَ .. حَقَّقَهُ. وَيَحْصلُ بِتَخْوِيفٍ بِضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ إِتْلَافِ مَالٍ وَنَحْوِهَا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ قَتْلٌ، وَقِيلَ: قَتْلٌ أَوْ قَطْع أَوْ ضرْبٌ مَخُوفٌ
امتنع .. حقَّقه) أي: فعل ما خوفه به؛ لأنه لا يتحقق العجز إلا بهذه الأمور الثلاثة.
وتعبيره بالظن يقتضي: أنه لا يشترط تحققه، وهو الأصحُّ.
وكان ينبغي أن يقول: قدرة المكره عاجلًا؛ ليخرج ما لو قال: (لأقتلنك غدًا)، فليس بإكراه، وألا يكون المهدد به مستحقًّا على المكره، فلو قال ولي القصاص للجاني: (طلقها، وإلا .. اقتصصت منك) .. لم يكن إكراهًا، ولا أثر لقوله: (طلق، وإلا .. قتلت نفسي).
نعم؛ لو كان القائل ذلك أصلًا أو فرعًا للمطلق، فينبغي ألا يقع؛ كما لو قال أجنبي: (طلق، وإلا .. قتلت أباك أو ابنك) .. فإنه لا يقع.
(ويحصل) الإكراه (بتخويف بضرب شديد أو حبس أو إتلاف مال ونحوها) كاستخفاف برجل وجيه وصفعه.
وأطلق الحبس، وهو مقيد بالطويل؛ كما نقله في "الشامل" عن النص، وكذا قيده في "الروضة" على الوجه الذي صححه 679، وما صححه من كون إتلاف المال إكراهًا خالفه في "الروضة"، فصحح: أنه ليس بإكراه 680، قال الأَذْرَعي وغيره: والصواب: ما في "الكتاب" فإنه المنصوص.
نعم؛ يختلف باختلاف الناس، فلا يكون تخويف الموسر بأخذ خمسة دراهم إكراهًا.
(وقيل: يشترط قتل) لأن ما دونه يدوم معه النظر والاختيار، (وقيل: قتل أو قطع أو ضرب مخوف) لإفضائهما إلى القتل، وما رجحه تبع فيه "المحرر" فإنه نسبه لاختيار الأكثرين 681، ورجَّح في "زيادة الروضة" ما يؤثر العاقل ارتكابه؛ حذرًا مما هدد به 682، قال: الزركشي: وهو في الحقيقة راجع لما صححه هنا وإن كان كلام
الجزء: 3 - الصفحة: 230
وَلَا تشتَرَطُ التَّوْرِيَةُ؛ بِأَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهَا، وَقِيلَ: إِنْ تَرَكَهَا بِلَا عُذْرٍ .. وَقَعَ. وَمَنْ أَثِمَ بمُزِيلِ عَقْلِهِ مِنْ شَرَابٍ أَوْ دَوَاءٍ .. نَفَذَ طَلَاقُهُ وَتَصَرُّفُهُ لَهُ وَعَلَيْهِ قَوْلًا وَفِعْلًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا، وَقِيلَ: عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ: (رُبُعُكِ أَوْ بَعْضُكِ أَوْ جُزْؤُكِ أَوْ كَبِدُكِ أَوْ شَعْرُكِ أَوْ ظُفْرُكِ طَالِقٌ) .. وَقَعَ،
"الروضة" يفهم تغايرهما.
(ولا تشترط التورية؛ بأن ينوي غيرها) أي: بأن ينوي بقوله: (طلقت فاطمة) غير زوجته، أو يقول عقب اللفظ: (إن شاء الله) سرًّا؛ لأنه مجبر على اللفظ، ولا نية له تشعر باختياره، (وقيل: إن تركها بلا عذر .. وقع) لإشعاره بالاختيار، ولهذا يلزمه التورية إذا أكره على كلمة الكفر.
ونبه بقوله: (بلا عذر) إلى أنه لو تركها لعذر؛ كغباوة، أو دهشة .. فلا يقع قطعًا، كما قاله في "المحرر" 683.
(ومن أثم بمزيل عقله من شراب أو دواء .. نفذ طلاقه وتصرفه له وعليه قولًا وفعلًا على المذهب) لتعديه.
واحترز بقوله: (أثم) عما إذا لم يتعدَّ؛ كما لو أكره على شربها، أو شربَ دواءً يزيل العقل؛ لأجل التداوي، فإنه لا يقع طلاقه، ولا يصح تصرفه.
(وفي قول: لا) لاختلال نظره؛ كالمجنون، (وفيل: عليه) أي: ينفذ فيما عليه؛ كالطلاق، لا فيما له؛ كالنكاح؛ تغليظًا عليه.
ويرجع في حد السكر إلى العرف على الأقرب في "الشرح" و"الروضة" 684، وعن الشافعي رضي الله عنه أنه الذي اختل كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم.
(ولو قال: "ربعك أو بعضك، أو جزؤك، أو كبدك، أو شعرك، أو ظفرك طالق" .. وقع) بالإجماع، فيما عدا الشعر والظفر، وفي الشعر والظفر قول، وبالقياس على العتق، قال بعضهم: وفي القياس نظر؛ لأن العتق محبوب والطلاق مبغوض، ولأن العتق يقبل التجزئة، فصحت إضافته للبعض، بخلاف الطلاق.
الجزء: 3 - الصفحة: 231
وَكَذَا دَمُكِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا فَضْلَةٌ كَرِيقٍ وَعَرَقٍ، وَكَذَا مَنِيٌّ وَلَبَنٌ فِي الأَصحِّ. وَلَو قَالَ لِمَقْطُوعَةِ يَمِينٍ: (يَمِينُكِ طَالِقٌ) .. لَمْ يَقَعْ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ قَالَ: (أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ) وَنَوَى تَطْلِيقَهَا .. طَلُقَتْ، وَإِنْ لَمْ يَنوِ طَلَاقًا .. فَلَا،
وإذا وقع فهل يقال: يقع على المذكور ثم يسري إلى الباقي، أو هو من باب التعبير بالبعض عن الكل؟ وجهان، قال الرافعي: يشبه أن يكون الأصحّ: الأول.
وتظهر فائدة الخلاف فيما لو قال: (إن دخلت الدار .. فيمينك طالق) فقطعت يمينها، ثم دخلت؛ إن قلنا: بالثاني .. طلقت، وإلا .. فلا 685.
(وكذا "دمك" على المذهب) لأن به قوام البدن؛ كالروح، والطريق الثاني: وجهان: أحدهما: كذلك، والثاني: المنع؛ كالفضلات.
(لا فضلة كريق وعرق) لأنها غير متصلة اتصال خلقة، فلا يلحقها حل ولا تحريم، وإنما البدن وعاء لها، والطلاق شرع لقطع الحل الثابت بالعقد، وقيل: يقع؛ كالدم.
(وكذا مني ولبن في الأصح) لأنهما مهيئان للخروج؛ كالفضلات، بخلاف الدم، والثاني: الوقوع؛ كالدم؛ لأنه أصل كل واحد منهما.
(ولو قال: لمقطوعة يمين: "يمينك طالق" .. لم يقع على المذهب) لأنا وإن جعلنا البعض عبارة عن الكل .. فلا بد من وجود المضاف إليه لتنتظم الإضافة، فإذا لم تكن .. لغت؛ كما لو قال لها: (لحيتكِ) أو (ذكركِ طالق)، والطريق الثاني: تخريجه على الخلاف؛ فإن جعلناه من باب التعبير بالبعض عن الكل .. وقع، أو من باب السراية .. فلا.
(ولو قال: "أنا منك طالق" ونوى تطليقها .. طلقت) لأن على الزوج حجرًا من جهتها؛ فإنه لا ينكح أختها ولا أربعًا سواها، وأنه يلزمه صونها ومؤنتها، فإضافته إليه حل لهذا الحجر.
(وإن لم ينو طلاقًا .. فلا) لأن اللفظ خرج عن الصراحة بإضافته إلى غير محله، فشرط فيه: ما يشترط في الكناية من قصد الإيقاع.
الجزء: 3 - الصفحة: 232
وَكَذَا إِنْ لَمْ يَنْوِ إِضَافَتَهُ إِلَيْهَا فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ: (أَنَا مِنْكِ بَائِنٌ) .. اشْتُرِطَ نِيَّةُ الطَّلَاقِ، وَفِي الإِضَافَةِ الْوَجْهَانِ.
وَلَوْ قَالَ: (اسْتبرِئي رَحِمِي مِنْكِ) .. فَلَغْوٌ، وَقِيلَ: إِنْ نَوَى طَلَاقَهَا .. وَقَعَ.
فَصْلٌ [في بيان محل الطلاق والولاية عليه]
خِطَابُ الأَجْنَبِيَّةِ بِطَلَاقٍ، وَتَعْلِيقُهُ بِنِكَاح وَغَيْرِهِ لَغْوٌ
(وكذا إن لم ينو إضافته إليها في الأصح) لأن محل الطلاق: المرأة لا الرجل، واللفظ مضاف إليه، فلا بد من نية صارفة، تجعل الإضافة إليه إضافة إليها، والثاني: يكفي نية الطلاق، وإن لم يضفه، فإن الطلاق يقتضي رفع العقد، وإذا ارتفع العقد .. فلا حاجة للتنصيص على المحل نطقًا، أو نية.
(ولو قال: "أنا منك بائن") ونحوها من الكنايات ( .. اشترط نية الطلاق) كسائر الكنايات، (وفي) نية (الإضافة) إليها (الوجهان) في (أنا منك طالق)، وقد تقدم، ولا حاجة إلى ذكره هذه المسألة بعد ذكر التي قبلها؛ لأنه إذا شرطت النية في (أنا منك طالق) وهي من الصرائح .. اشترطت في (أنا منك بائن) بطريق أولى.
(ولو قال: "استبرئي رحمي منك" .. فلغو) لأن اللفظ غير منتظم في نفسه، والكناية شرطها: أن تحتمل معنيين فصاعدًا، وهي في بعض المعاني أظهر، (وقيل: إن نوى طلاقها .. وقع) ويكون المعنى: (استبرئي الرحم التي كانت لي).
(فصل: خطاب الأجنبية بطلاق، وتعليقه بنكاح) كقوله: (إن تزوجتها فهي طالق) (وغيره) كقوله لأجنبية: (إذا دخلت الدار .. فأنت طالق)، ثم نكحها، ثم دخلت ( .. لغو) أما المنجز .. فبالإجماع، وأما المعلق .. فلقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح 686. وحمل المخالف له على الطلاق المنجز، وتصحيح التعليق يرده ما رواه الدارقطني
الجزء: 3 - الصفحة: 233
وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ تَعْلِيقِ الْعَبْدِ ثَالِثَةً؛ كَقَوْلهِ: (إِنْ عَتَقْتُ أَوْ إِنْ دَخَلْتِ .. فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا)، فَيَقَعْنَ إِذَا عَتَقَ أَوْ دَخَلَتْ بَعْدَ عِتْقِهِ. وَيَلْحَقُ رَجْعِيَّةً لَا مُخْتَلَعَةً. وَلَوْ عَلَّقَهُ بِدُخُولٍ فَبَانَتْ ثُمَّ نَكَحَهَا ثُمَّ دَخَلَتْ .. لَمْ يَقَعْ إِنْ دَخَلَتْ فِي الْبَيْنُونَةِ،
عن زيد بن علي بن الحسين يسنده عن آبائه رضي الله عنهم: أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ إن أمي عرضت علي قرابة لها، فقلت: هي طالق إن تزوجتها، فقال صلى الله عليه وسلم: "هَل كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِلْكٌ؟ " قلت: لا، قال: "لَا بَأْسَ" 687، فإنّ هذا صريح في بطلان التعليق، فيكون الحديث الأول على عمومه.
ونَاظَرَ الكسائي أبا يوسف في هذه المسألة، وتعلق بقولهم: السيل لا يسبق المطر، وتعليق العتق بالملك كتعليق الطلاق بالنكاح بلا فرق.
(والأصح: صحة تعليق العبد ثالثة؛ كقوله: "إن عتقت، أو إن دخلت .. فأنت طالق ثلاثًا" فيقعن إذا عتق أو دخلت بعد عتقه) لأن ملك النكاح مفيد لملك الطلقات الثلاث بشرط الحرية، وقد وُجد، والثاني: لا يصح؛ لأنه لا يملك تنجيزها، فلا يملك تعليقها؛ كالطلاق قبل النكاح، قال الرافعي: ويجري الوجهان في قوله لأمته الحائل: (إذا ولدت .. فولدك حر) 688، فلو كانت حاملًا عند التعليق .. عتق قطعًا.
(ويلحق) الطلاق (رجعيةً) لأنها في حكم الزوجات، قال الشافعي: الرجعية زوجة في خمس آيات في كتاب الله 689، يريد بذلك لحوق الطلاق، وصحة الظهار، واللعان، والإيلاء، والميراث، (لا مختلعة) لقطع الزوجية؛ إذ لو كانت زوجة .. لثبت له الرجعة، وصَحَّ إيلاؤه منها ونحوه.
(ولو علقه بدخول) بصيغة (إن) ونحوها مما لا يقتضي التكرار (فبانت ثم نكحها ثم دخلت .. لم يقع إن دخلت في البينونة) حتى إذا علق الطلاق الثلاث بالدخول .. فبانت، ودخلت في البينونة، ثم دخلت بعد النكاح .. لم يقع؛ لأن اليمين تناولت
الجزء: 3 - الصفحة: 234
وَكَذَا إِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي الأَظْهَرِ، وَفِي ثَالِثٍ: يَقَعُ إِنْ بَانَتْ بدُونِ ثَلَاثٍ. وَلَوْ طَلَّقَ دُونَ ثَلَاثٍ وَرَاجَعَ أَوْ جَدَّدَ وَلَوْ بَعْدَ زَوْجٍ .. عَادَتْ بِبَقِيَّةِ الثَّلَاَثِ، وَإِنْ ثلَثَ .. عَادَتْ بِثَلَاثٍ. وَلِلْعَبْدِ طَلْقَتَانِ فَقَطْ، وَلِلْحُرِّ ثَلَاثٌ
دخولًا واحدًا، وقد وجد في حالة لا تقع فيها، فانحلت.
(وكذا إن لم تدخل في الأظهر) لامتناع أن يريد النكاح الثاني؛ لأنه يكون تعليق طلاق قبل نكاح، فتعين أن يريدَ الأول، والأول قد ارتفع، والثاني: يقع؛ لقيام النكاح في حالتي التعليق والصفة، وتخلل البينونة لا يؤثر؛ لأنه ليس وقت الإيقاع ولا وقت الوقوع.
(وفي ثالث: يقع إن بانت بدون ثلاث) لأن العائد في النكاح الثاني ما بقي من الطلقات من الأول، فتعود بصفتها وهي التعليق بالفعل المعلق عليه، بخلاف ما لو بانت بالثلاث؛ لأنه استوفى ما علق من الطلاق، والعائد طلقات جديدة.
(ولو طلق دون ثلاث وراجع أو جدد ولو بعد زوج) وإصابةٍ ( .. عادت ببقية الثلاث) أما إذا لم يكن زوج .. فبالإجماع، وأما بعد الزوج .. فهو قول أكابر الصحابة، كما قاله ابن المنذر، منهم عمر رضي الله عنه 690، ولم يظهر لهم مخالف؛ ولأنها إصابة ليست بشرط في الإباحة، فلم تؤثر؛ كإصابة السيد أمته المطلقة ثلاثًا.
(وإن ثلث .. عادت بثلاث) لأن دخول الثاني أفاد حل النكاح للأول، ولا يمكن بناؤه على العقد الأول، فثبت نكاح مستفتح بأحكامه.
(وللعبد طلقتان فقط) وإن كانت الزوجة حرة؛ لأن الاعتبار في الطلاق بالزوج؛ لأنه المالك له، وعن عمر رضي الله عنه: (العبد يطلق طلقتين، وتعتد الأمة بقرئين) 691، وروى الدارقطني مرفوعًا: "طَلَاقُ الْعَبْدِ اثنتَانِ" 692، والمدبر والمكاتب والمبعض كالقن.
(وللحر ثلاث) وإن كانت زوجته أمته؛ لما ذكرناه من أن اعتبار الطلاق بالرجال؛
الجزء: 3 - الصفحة: 235
وَيَقَعُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَيَتَوَارَثَانِ فِي عِدَّةِ رَجْعِيٍّ لَا بَائِنٍ، وَفِي الْقَدِيمِ: تَرِثُهُ.
فَصْلٌ [في تعدد الطلاق بنية العدد فيه أو ذكره وما يتعلق بذلك]
قَالَ: (طَلَّقْتُكِ)، أَوْ (أَنْتِ طَالِقٌ) وَنَوَى عَدَدًا .. وَقَعَ، وَكَذَا الْكِنَايَةُ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً) وَنَوَى
ولأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ أين الثالثة؟ فقال: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ رواه أبو داوود، وصححه ابن القطان 693، وعمومها يشمل الأمة.
(ويقع في مرض موته) كما يقع في صحته (ويتوارثان في عدة رجعي) بالإجماع؛ لبقاء أثر الزوجية (لا بائنٍ) لانقطاع الزوجية، وكما لا يرثها لو ماتت قبله بالاتفاق، (وفي القديم: ترثه) لأن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، طلق امرأته الكلبية في مرض موته، فورَّثها عثمان رضي الله عنه، رواه مالك في "الموطأ" 694، قال: ابن داوود والماوردي: فصولحت من ربع الثمن على ثمانين ألف، قيل: دنانير 695، وقيل: دراهم، وهذا القول نص عليه في الجديد أيضًا 696، كما قاله: القاضي أبو الطيب، والمَحاملي، وسليم الرازي، قال في "زيادة الروضة": إنما ترث على القديم إذا كانت وارثة وطلقها بغير رضاها في مرض مخوف، واتصل به الموت، ومات بسببه 697.
(فصل: قال: "طلقتك"، أو "أنت طالق"، ونوى عددًا .. وقع، وكذا الكناية) أي: إذا نوى بها عددًا .. وقع؛ لأن اللفظ يحتمل العدد؛ بدليل جواز تفسيره به، وما احتمله إذا نواه .. وقع؛ كالطلاق بالكناية.
(ولو قال: "أنت طالق واحدة") بالنصب؛ كما ضبطه المصنف بخطه (ونوى
الجزء: 3 - الصفحة: 236
عَددًا .. فَوَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: الْمَنْوِيُّ. قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ وَاحِدَةٌ) وَنَوَى عَدَدًا .. فَالْمَنْوِيُّ، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا) فَمَاتَتْ قَبْلَ تَمَامِ طَالِقٌ .. لَمْ يَقَعْ، أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ ثَلَاثٍ .. فَثَلَاثٌ، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ،
عددًا .. فواحدة) لأن الملفوظ يناقض المنويَّ، واللفظ أقوى، فالعمل به أولى، (وقيل: المنويُّ) ومعنى (أنت واحدة) أنك تتوحدين مني بالعدد الذي أوقعته، وترجيح الأول تبع فيه "المحرر"، ورجح في "أصل الروضة": الثاني، وكلام "الشرح" يشعر به، فإنه نقل الأولَ عن الغزالي وحده، والثاني عن البغوي وغيره 698، وفي وجه ثالث: إن بسط الثلاث على جميع اللفظ .. لم يقع الثلاث، وإن نوى الثلاث بقوله: (أنت طالق) .. وقع الثلاث، ولغا ذكر الواحدة بعده، ولو قال: (أردت طلقة ملفقة من أجزاءِ ثلاثِ طلقات) .. وقع الثلاث على الصحيح، ولو قال: (أنت واحدة) بالنصب، وحذف لفظة (طالق)، قال الزركشي وغيره: الظاهر: أنه كقوله: (أنت طالق واحدة) انتهى، ويؤيده عدم الفرق بين قوله: (أنت طالق واحدة) بالرفع، وبين قوله: (أنت واحدة) بالرفع، وحذف (طالق)، كما سيأتي.
(قلت: ولو قال: "أنت واحدة") بالرفع (ونوى عددًا .. فالمنوي) حملًا للتوحيد على التوحد والتفرد عن الزوج با لعدد المنوي، (وقيل: واحدة، والله أعلم) لأن لفظ الواحدة نص لا يحتمل ما زاد عليها، فإيقاع الزائد إيقاع بالنية دون اللفظ، ويجري الخلاف فيما لو قال: (أنت طالق واحدة) بالرفع، ولو قال: (واحدة) بالخفض أو السكون .. فعن " المطلب": أنه لا يبعد جريان الخلاف فيه.
(ولو أراد أن يقول: "أنت طالق ثلاثًا"، فماتت قبل تمام "طالق .. لم يقع) لخروجها عن محل الطلاق قبل تمامه، (أو بعده قبل "ثلاث" .. فثلاث) لأنه كان قاصدًا للثلاث حين قال: (أنت طالق)، وهذه اللفظة مع قصد الثلاث تقتضي وقوع الثلاث؛ لأن قوله: (ثلاثًا) مبيِّن لقوله: (أنت طالق)، (وقيل: واحدةٌ) ولغى
الجزء: 3 - الصفحة: 237
وَقِيلَ: لَا شَيْءَ
قوله: (ثلاثًا) لوقوعه بعد موتها، (وقيل: لا شيء) إذ الكلام الواحد لا يتبعض، وقد ماتت قبل تمامه.
وتظهر فائدة الخلاف في المدخول بها هل يرثها أم لا؟ فعلى الأول: لا يرثها، وعلى الآخرَين: يرثها، وترجيح الأول تبع فيه "المحرر" فإنه قال: إنه رُجِّحَ، ونقلا تصحيحه في "الروضة" و"أصلها" عن البغوي، ثم قالا: وقال إسماعيل البُوشَنْجي: الذي تقتضيه الفتوى: أنه إن نوى الثلاث بقوله: (أنت طالق)، وقصد تحقيقه باللفظ .. وقع الثلاث، وإلا .. فواحدة، وكذا قال المتولي في تعبيره عن هذا الوجه.
انتهى 699، قال في "التوشيح": ويظهر ترجيح ما قاله البُوشَنْجي، وكأنه تحقيق مناط، وقال الأَذْرَعي: إن كان التصوير كما ذكره البُوشَنْجي .. فلا شك في رجحان ما قاله، لكن الظاهر: أن الذي أراده الأصحاب: أنه قصد أولًا الطلاق بمجموع قوله: (أنت طالق ثلاثًا) فهذا محل الأوجه، وحينئذ يقوي وقوع طلقة؛ لأن الثلاث والحالة هذه إنما تقع بمجموع اللفظ.
وذكر الموت في كلام المصنف مثال، ومثله ما إذا ارتدت، أو أسلمت قبل قوله: (ثلاثا) في غير المدخول بها، وكذا لو أخذ شخص على فمه ومنعه أن يقول: (ثلاثًا).
واحترز بقوله: (ولو أراد أن يقول: "أنت طالق ثلاثًا") عما لو قال: (أنت طالق)، على عزم الاقتصار عليه، فماتت، فقال: (ثلاثًا)، قال: الإمام: لا شك أن الثلاث لا تقع بل تقع واحدة 700، وحاول الرافعي تخريج وجه بعدم وقوع الواحدة أيضًا.
واختلفوا في قوله: (أنت طالق ثلاثًا)، كيف سبيله؟ فقيل: قوله: (ثلاثًا) منصوب بالتفسير والتمييز، قال الإمام: وهذا جهل بالعربية 701، وإنما هو صفة
الجزء: 3 - الصفحة: 238
وَإِنْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ) وَتَخَلَّلَ فَصْلٌ .. فَثَلَاثٌ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ قَصَدَ تَأْكِيدًا .. فَوَاحِدَةٌ، أَوِ اسْتِئْنَافًا .. فَثَلَاثٌ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَظْهَرِ، وَإِنْ قَصَدَ بِالثَّانِيَةِ تَأْكِيدًا وَبِالثَّالِثَةِ اسْتِئْنَافًا أَوْ عَكَسَ .. فَثِنْتَانِ، أَوْ بِالثَّالِثَةِ تَأْكِيدَ الأَولَى .. فَثَلَاثٌ فِي الأَصَحِّ
لمصدر محذوف؛ أي: طالق طلاقًا ثلاثًا؛ كقوله: ضربت زيدًا شديدًا؛ أي: ضربًا شديدًا 702.
(وإن قال: "أنت طالق أنت طالق أنت طالق"، وتخلل فصل .. فثلاث) سواء قصد التأكيد أم لا؛ لأنه خلاف الظاهر، ولأن التأكيد لا يكون مع الفصل، وهذا في الظاهر، أما في الباطن .. فيدين.
والمراد بالفصل: أن يسكت ما فوق سكتة التنفس، وهذا في الطلاق المنجَّز، أما المعلق إذا كرره، وقال: (أردت التأكيد) .. قُبلَ منه وإن طال الفصل على الصحيح في "الروضة" و"أصلها" في آخر باب الإيلاء 703.
(وإلا) أي: وإن لم يتخلل فصل (فإن قصد تأكيدًا) أي: تأكيد الأولى بالأخريين ( .. فواحدة) لأن التأكيد في كلامهم معهود في جميع اللغات، وقد ورد به الشرع، (أو استئنافًا .. فثلاث) لأن اللفظ ظاهر فيه، وتأكد بالنية.
(وكذا إن أطلق في الأظهر) عملًا بظاهر اللفظ؛ لأن حمله على فائدة جديدة أولى منه على التأكيد، والثاني: لا يقع إلا واحدة؛ لأنه يحتمل التأكيد والاستئناف، فلا يقع ما زاد على واحدة بالشك.
(وإن قصد بالثانية تأكيدًا) أي: تأكيد الأولى (وبالثالثة استئنافًا، أو عكس) أي: قصد بالثانية استئنافًا، وبالثالثة تأكيد الثانية ( .. فثنتان) عملًا بقصده، (أو بالثالثة تأكيد الأولى .. فثلاث في الأصح) لتخلل الفاصل بين المؤكد والمؤكد، والثاني: طلقتان، ويغتفر الفصل اليسير.
الجزء: 3 - الصفحة: 239
وَإِنْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ) .. صَحَّ قَصْدُ تَأْكِيدِ الثَّانِي بِالثَّالِثِ، لَا الأَوَّلِ بِالْثَّانِي. وَهَذِهِ الصُّوَرُ فِي مَوْطُوءَةٍ، فَلَوْ قَالَهُنَّ لِغَيْرِهَا .. فَطَلْقَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَوْ قَالَ لِهَذِهِ: (إِنْ دَخَلْتِ .. فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ) فَدَخَلَتْ .. فَثِنْتَانِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ لِمَوْطُوءَةٍ: (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَ أَوْ مَعَهَا طَلْقَةٌ) .. فَثِنْتَانِ، وَكَذَا غَيْرُ مَوْطُوءَةٍ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (طَلْقَةً قَبْلَ طَلْقَةٍ أَوْ بَعْدَهَا طَلْقَةٌ) .. فَثِنْتَانِ فِي مَوْطُوءَةٍ،
(وإن قال: "أنت طالق وطالق وطالق " .. صح قصد تأكيد الثاني بالثالث) لتساويهما في الصيغة، (لا الأول بالثاني) لاختصاص الثاني بـ (واو) العطف، وموجبه التغاير.
(وهذه الصور في موطوءة، فلو قالهن لغيرها .. فطلقة بكل حال) لأنها تبين بالأولى، فلا يقع ما بعدها.
(ولو قال لهذه) أي: لغير المدخول بها ("إن دخلت .. فأنت طالق وطالق" فدخلت .. فثنتان في الأصح) لأنهما معلقان بالدخول، ولا ترتيب بينهما، وإنما يقعان معًا، والثاني: لا يقع إلا واحدة؛ كالمنجز.
وبنى القاضي أبو الطيب والمتولي الوجهين على أن (الواو) للجمع أو للترتيب، وفي وجه ثالث: إن قدم الجزاء فقال: (أنت طالق، وطالق إن دخلت الدار) .. وقعت ثنتان، وإن عكس .. فواحدة، ولو عطف ب (ثم) بدل (الواو) .. لم يقع بالدخول إلا واحدة؛ لأن (ثم) للتراخي، وسواء قدم الشرط أو أخره؛ كما نقلاه عن المتولي وأقراه 704.
(ولو قال: لموطوءة: "أنت طالق طلقة مع أو معها طلقة " .. فثنتان) لقبول المحل، وظاهره أنهما يقعان معًا، وهو الأصحُّ، وقيل: على الترتيب.
(وكذا غير موطوءة في الأصح) هذا الخلاف مرتب على الخلاف السابق في الموطوءة إن قلنا: يقعان معًا .. فكذا ههنا؛ كقوله: (أنت طالق طلقتين)، وإن قلنا: بالترتيب .. لا يقع إلا واحدة؛ لأنها تبين بالأولى.
(ولو قال: "طلقة قبل طلقة أو بعدها طلقة" .. فثنتان في موطوءة) إذ مقتضاه
الجزء: 3 - الصفحة: 240
وَطَلْقَةٌ فِي غَيْرِهَا. وَلَوْ قَالَ: (طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ أَوْ قَبْلَهَا طَلْقَةٌ) .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (طَلْقَةً فِي طَلْقَةٍ) وَأَرَادَ مَعَ .. فَطَلْقَتَانِ، أَوْ الظَّرْفَ أَوِ الْحِسَابَ أَوْ أَطْلَقَ .. فَطَلْقَةٌ، وَلَوْ قَالَ: (نِصْفَ طَلْقَةٍ فِي طَلْقَةٍ) .. فَطَلْقَةٌ بِكُلِّ حَالٍ
إيقاع طلقتين إحداهما في الحال، وتعقبها الأخرى، فيقعان كذلك، (وطلقة في غيرها) لأنها تبين بالأولى، فلم تصادف الثانية نكاحًا.
(ولو قال: "طلقة بعد طلقة، أو قبلها طلقة" .. فكذا في الأصح) أي: فتقع اثنتان في موطوءة، وواحدة في غيرها، أما الواحدة في غيرها: فواضح، وأما الاثنتان في الموطوءة .. فلأن مضمون اللفظين إيقاع طلقة تسبقها طلقة، فتقع عليه طلقتان متعاقبتان، والثاني: لا تقع إلا واحدة؛ لجواز أن يكون المعنى قبلها طلقة مملوكة أو ثابتة.
وفي كيفية وقوع الاثنتين: وجهان: أصحهما: وقوع المضمنة أولًا ثم المنجزة، إذ المعنى يقتضي ذلك، وثانيهما: عكسه، ويلغو قوله قبلها؛ كما لو قال: (أنت طالق أمس) .. يقع.
(ولو قال: "طلقة في طلقة"، وأراد مع .. فطلقتان) لأن لفظة (في) تستعمل بمعنى (مع)، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: مع أمم، (أو الظرفَ أو الحساب أو أطلق .. فطلقة) إذ مقتضى الظرف، والحساب ذلك، وأما عند الإطلاق .. فلأنه الأقل.
(ولو قال: "نصف طلقة في طلقة" .. فطلقة بكل حال) كذا هو في كثير من النسخ، وحكي عن نسخة المصنف، ولا يستقيم ذلك، فإنه يقع عند قصد المعية طلقتان، والذي في "المحرر" و"الروضة"، وبعض نسخ "المنهاج": نصف طلقة في نصف طلقة 705، قال ابن الملقن: وقد خرجت في نسخة المصنف بغير خطه 706.
ووجه وقوع الطلقة في هذه الصورة: فيما إذا قصد الظرف أو الحساب أو أطلق
الجزء: 3 - الصفحة: 241
وَلَوْ قَالَ: (طَلْقَةً فِي طَلْقَتَيْنِ) وَقَصَدَ مَعِيَّةً .. فَثَلَاثٌ، أَوْ ظَرْفًا .. فَوَاحِدَةٌ، أَوْ حِسَابًا وَعَرَفَهُ .. فَثِنْتَانِ، وَإِنْ جَهِلَهُ وَقَصَدَ مَعْنَاهُ .. فَطَلْقَةٌ، وَقِيلَ: ثِنْتَانِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا .. فَطَلْقَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: ثِنْتَانِ إِنْ عَرَفَ حِسَابًا. وَلَوْ قَالَ: (بَعْضَ طَلْقَةٍ) .. فَطَلْقَةٌ، أَوْ (نِصْفَيْ طَلْقَةٍ) .. فَطَلْقَةٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ كُلَّ نِصْفٍ مِنْ طَلْقَةٍ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ قَوْلَهُ: (نصْفَ طَلْقَتَيْنِ) طَلْقَةٌ،
ظاهر، وأما إذا نوى المعية .. فلأنه في معنى نصفي طلقة، ولو قال ذلك .. لم يقع إلا طلقة.
(ولو قال: "طلقة في طلقتين"، وقصد معيةً .. فثلاث) لما سبق في قوله: (طلقة في طلقة)، (أو ظرفًا .. فواحدة) لأن مقتضاه وقوع المظروف دون الظرف؛ كما لو قال: (أنت طالق في الدارين)، (أو حسابًا وعرفه .. فثنتان) لأنه موجبه عند أهل الحساب.
(وإن جهله، وقصد معناه) عند أهل الحساب ( .. فطلقة) لأن ما لا يعلم لا يصح إرادته، (وقيل: ثنتان) لأنه موجبه عند أهل الحساب، وقد قصده، والوجهان كالوجهين فيما لو تلفظ العجمي بكلمة الطلاق، وقال: (أردت به ما يريده العربي)، وهو لا يعرف معناه.
(وإن لم ينو شيئًا .. فطلقة) سواء عرف الحساب أو جهله؛ لأنه يحتمل الحساب والظرف، فلا يزاد على المستيقن، وهو طلقة، وما زاد مشكوك فيه، (وفي قول: ثنتان إن عرف حسابًا) لأن عرفه كذلك، وفي ثالث: يقع ثلاث؛ لتلفظه بها.
(ولو قال: "بعض طلقة") أو نصف طلقة ( .. فطلقة) لأن الطلاق لا يتبعض، فإيقاع بعضه كإيقاع جميعه؛ لقوته، (أو "نصفي طلقة" .. فطلقة) لأن ذلك طلقة (إلا أن يريد كل نصف من طلقة) فيقع ثنتان؛ عملًا بقصده.
(والأصح: أن قوله: "نصف طلقتين" طلقة) لأن ذلك نصفهما، فحمل اللفظ عليه صحيح، فلا نوقع ما زاد من غير يقين، والثاني: طلقتان؛ لأنه أضاف النصف إلى طلقتين، فقضيته: النصف من هذه، والنصف من هذه، فيقع من كل طلقة نصفها، وتكمل.
الجزء: 3 - الصفحة: 242
وَ (ثَلَاثةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ)، أَوْ (نِصفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ) طَلْقَتَانِ. وَلَوْ قَالَ: (نِصفَ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ) .. فَطَلْقَةٌ. وَلَوْ قَالَ لِأرْبَعٍ: (أَوْقَعْتُ عَلَيْكُنَّ أَوْ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا) .. وَقَعَ عَلَى كُلٍّ طَلْقَةٌ،
(و"ثلاثة أنصاف طلقة"، أو "نصف طلقة وتلث طلفة" طلقتان) أما في الأولى .. فلأن ثلاثة أنصاف طلقة طلقة ونصف، فيكمل النصف، ووجه مقابله فيها، وهو وقوع طلقة واحدة: أن الأجزاء المذكورة مضافة إلى طلقة، والواحدة لا تشتمل على تلك الأجزاء فتلغو الزيادة، ويصير كأنه قال: (أنت طالق نصفي طلقة أو ثلاثة أثلاث طلقة)، وفيها وجه ثالث: أنه يقع ثلاث طلقات، ويجعل كل نصف من طلقة، وضابط هذا الخلاف: أنا هل ننظر إلى المضاف أو إلى المضاف إليه.
وأما في الثانية .. فلأنه أضاف كل جزء إلى طلقة وعطف، فاقتضى ذلك التغاير، ووجه مقابله فيها، وهو وقوع طلقة: أن الطلقة وإن كررت فهي محتملة للتأكيد، والأجزاء وإن كانت متغايرة فهي مضافة، والمضاف يتبع المضاف إليه، ولو لم يدخل (الواو) فقال: (أنت طالق نصف طلقة ثلث طلقة) .. لم يقع إلا طلقة.
وفرقوا: بأنه إذا لم يدخل (الواو) .. كان الكل بمنزلة كلمة واحدة، وإذا أدخلها .. فلكل واحدة حكمها؛ فيقع بقوله: (نصف طلقة) طلقة، وبقوله (ثلث طلقة) طلقة، ولهذا لو قال: (أنت طالق طالق) .. لم يقع إلّا واحدة، ولو قال: (أنت طالق وطالق) .. وقع طلقتان.
(ولو قال: "نصف وثلث طلقة " .. فطلقة) لأن مجموع النصف والثلث لا يزيد على طلقة.
(ولو قال لأربع: "أوقعت عليكن أو بينكن طلقة أو طلقتين أو ثلاثًا أو أربعًا" .. وقع على كل طلقة) لأنه إذا وزَّع ذلك عليهن .. أصاب كل واحدة منهن طلقة أو بض طلقة، فتكمل، وفي وجه شاذ، فيما زاد على قوله طلقة: أنه يقسم كل طلقة عليهن.
قال ابن الملقن بعد حكايته لهذا الوجه عن "الذخائر": نعم؛ لو نوى ذلك .. عمل به؛ لأن ظاهر اللفظ يقتضي التشريك 707، وتبعه الأَذْرَعي، وهو عجيب منهما،
الجزء: 3 - الصفحة: 243
فَإِنْ قَصَدَ تَوْزِيعَ كُلِّ طَلْقَةٍ عَلَيْهِنَّ .. وَقَعَ فِي ثِنْتَيْنِ ثِنْتَانِ، وَفِي ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ ثَلَاثٌ، فَإِنْ قَالَ: (أَرَدْتُ بَيْنَكُنَّ بَعْضَهُنَّ) .. لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ قَالَ لِأخْرَى: (أَشْرَكْتُكِ مَعَهَا)، أَوْ (أَنْتِ كَهِيَ)؛ فَإِنْ نَوَى .. طَلَقَتْ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ آخَرُ ذَلِكَ لامْرَأَتِهِ.
فإنه عَيْنُ كلام المصنف الآتي.
نبه عليه شيخنا الوالد أمتع الله بحياته 708.
(فإن قصد توزيع كل طلقة عليهن .. وقع في ثنتين ثنتان، وفي ثلاث وأربع ثلاث) 709 عملًا بقصده، بخلاف ما إذا أطلق؛ لبعده عن الفهم.
(فإن قال: "أردت بينكن بعضهن" .. لم يقبل ظاهرًا في الأصح) لخروجه عن ظاهر اللفظ من اقتضاء الشركة، والتاني: يقبل؛ لأنه قد يطلق ويراد به: الحصر لا التشريك؛ كما يقول من اتهم واحدًا من جمع بالسرقة: السرقة بين هؤلاء؛ يريد الحصر لا التشريك.
ومحل الخلاف: فيما إذا قال: (بينكن) كما مثل به المصنف، فإن قال: (عليكن) .. لم يقبل قطعًا، قاله الإمام والبغوي، لكن نازع الرافعي فيه بطرد الخلاف 710، وكلام المصنف قد يقتضي: أنه لو فضل بعضهن على بعض كما لو أوقع بينهن ثلاثًا ثم قال: (أردت إيقاع طلقتين على هذه، وقسمت الأخرى على الباقيات) أنه لا يقبل، وهو وجه، والأصح المنصوص: القبول؛ كما في "زيادة الروضة" 711.
(ولو طلقها ثم قال لأخرى: "أشركتك معها"، أو "أنت كهي" فإن نوى .. طلقت، وإلا .. فلا) لأن ذلك كناية، (وكذا لو قال آخر ذلك لامرأته) لما قلناه.
الجزء: 3 - الصفحة: 244
فَصْلٌ [في الاستثناء]
يَصحُّ الاسْتِثْنَاءُ بِشَرْطِ اتِّصَالِهِ، وَلَا تَضُرُّ سَكْتَةُ تنَفُّسٍ وَعِيٍّ. قُلْتُ: ويُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ الاسْتِثْنَاءَ قَبْلَ فَرَاغِ الْيَمِينِ فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. ويُشْتَرَطُ عَدَمُ اسْتِغْرَاقِهِ،
(فصل: يصح الاستثناء) لوقوعه في القرآن والسنة وكلام العرب، والاستثناء يطلق على نوعين، أحدهما: الإخراج بـ (إلا) وأخواتها، والثاني: التعليق بمشيئة الله تعالى، وتسمية هذا استثناء مشهور في عرف الشرع.
(بشرط اتصاله) بإجماع أهل اللغة، كذا احتج به الأصوليون، واعتُرض بخلاف ابن عباس، فإن انفصل فهو لغو.
(ولا تضر سكتة تنفس وعي) لأن ذلك لا يشعر بالانفصال، ويعد في العادة متصلًا قال الإمام: والاتصال المشروط هنا أبلغ مما يشترط بين الإيجاب والقبول؛ لأنه يحتمل بين كلام شخصين ما لا يحتمل بين كلام شخص واحد، ولذلك لا ينقطع الإيجاب والقبول بتخلل كلام يسير في الأصحِّ، وينقطع الاستثناء بذلك على الصحيح، كذا نقله عنه الشيخان، وأقراه 712، وقد حكينا في أول (كتاب البيع) اضطرابًا في تخلل الكلام اليسير.
(قلت: ويشترط: أن ينوي الاستثناء قبل فراغ اليمين في الأصح، والله أعلم) سواء وجد في أول اليمين فقط، أو في أثنائها فقط، أو في آخرها فقط، فلو لم يستثن إلا بعد فراغ اليمين لم يصح، وحكى الفارسي فيه الإجماع، لكن فيه وجه عن الأستاذ أبي إسحق: أنه يصح، ورجحه جمع، وقال ابن الرفعة: إن نص الشافعي يقتضيه.
(ويشترط: عدم استغراقه) فالمستغرق باطل بالإجماع؛ كما نقله الإمام والآمدي 713، ويشترط أيضًا: التلفظ بالاستثناء بحيث يسمع نفسه، فلو نواه من غير تلفظ لم يؤثر.
الجزء: 3 - الصفحة: 245
وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً) .. فَوَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ، أَو (ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً إِلَّا وَاحِدَةً) .. فَثَلَاثٌ، وَقِيلَ: ثِنْتَانِ. وَهُوَ نَفْيٌ مِنْ إِثْبَاتٍ وَعَكْسُهُ، فَلَوْ قَالَ: (ثَلَاثًا إِلَّا ثِنْتَيْنِ إِلَّا طَلْقَةً) .. فَثِنْتَانِ، أَوْ (ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا إِلَّا ثِنْتَيْنِ) .. فَثِنْتَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ، وَقِيلَ: طَلْقَةٌ، أَوْ (خَمْسًا إِلَّا ثَلَاثًا) .. فَثِنْتَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ،
(ولو قال: "أنت طالق ثلاثًا إلا ثنتين وواحدة" .. فواحدة) بناء على عدم جمع العدد المعطوف بعضه على بعض في المستثنى والمستثنى منه، بل يفرد كل بحكمه، وهو المنصوص في "الأم" و"البويطي" 714، (وقيل: ثلاث) بناء على الجمع، فيقع الثلاث؛ لكونه مستغرقًا.
(أو "ثنتين وواحدة إلا واحدة" .. فثلاث) بناء على عدم الجمع، فتكون الواحدة مستثناة من واحدة، فيقع الثلاث؛ لكونه مستغرقًا، (وقيل: ثنتان) بناء على الجمع، وكأنه استثنى واحدة من ثلاث.
(وهو نفي من إثبات) بالاتفاق (وعكسه) خلافًا لأبي حنيفة 715.
(فلو قال: "ثلاثًا إلا ثنتين إلّا طلقة" .. فثنتان) لأن المعنى ثلاثًا يقعن إلّا ثنتين لا تقعان إلّا واحدة تقع (أو "ثلاثًا إلّا ثلاثًا إلا ثنتين" .. فثنتان) لأنه لما عقب الاستثناء بالاستثناء .. خرج الأول عن كونه مستغرقًا، وكأنه استثنى ثلاثًا إلا اثنتين من ثلاث، فكأنه قال: ثلاثًا إلا واحدة، (وقيل: ثلاث) لأن الاستثناء الأول مستغرق لاغ، والثاني مترتب على ما هو لغو، فيلغو أيضًا، (وقيل: طلقة) لأن الاستثناء الأول فاسد؛ لاستغراقه، فينصرف الثاني إلى أصل الكلام، ويصير كأنه قال: (أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين).
(أو "خمسًا إلا ثلاثًا" .. فثنتان، وقيل: ثلاث) أشار بهذا إلى أنه إذا زاد على العدد المملوك .. فهل ينصرف الاستثناء إلى الملفوظ به؛ لأنه لفظ، فيتبع فيه موجب اللفظ، أم إلى المملوك؛ لأن الزيادة عليه لغو، فلا عبرة بها، وفيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 246
(أَوْ ثَلَاثًا إِلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ) .. فَثَلَاثٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللهُ)، أَوْ (إِنْ لَمْ يَشَأِ اللهُ) وَقَصَدَ التَّعْلِيقَ .. لَمْ يَقَعْ، وَكَذَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ تَعْلِيقٍ وَعِتْقٍ وَيَمِينٍ
أصحهما: الأول، ومنه يعلم مأخذ الوجهين في مسألة الكتاب.
(أو "ثلاثًا إلا نصف طلقة" .. فثلاث على الصحيح) لأنه إذا استثنى بعض طلقة .. بقي بعضها، ومتى بقي .. كملت، والثاني: يقع ثنتان، ويجعل استثناء النصف كاستثناء الكل، والصحيح: الأول؛ لأن التكميل إنما يكون في طريق الإيقاع؛ تغليبًا للتحريم.
(ولو قال: "أنت طالق إن شاء الله"، أو "إن لم يشأ الله" وقصد التعليق .. لم يقع) أما في الأولى .. فلقوله عليه السلام: "مَنْ حَلَفَ ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ الله .. فَقَدِ اسْتَثْنَى" حسَّنه الترمذي، وقال الحاكم: صحيح الإسناد 716.
وهو عام في الطلاق والأيمان، وفي "معرفة الصحابة" لأبي موسى الأصفهاني من رواية معدي كرب مرفوعًا: "مَنْ أَعْتَقَ أَوْ طَلَّقَ وَاسْتَثْنَى .. فَلَهُ ثنيَاهُ" 717، وقياسًا على التعليق بالشروط والصفات، والمعنى في عدم الوقوع: أن مشيئة الله لا تدرى، فصار الوصف المعلق عليه مجهولًا.
وأما في الثانية .. فلأن عدم المشيئة غير معلوم؛ كما أن المشيئة غير معلومة؛ ولأن الوقوع بخلاف مشيئة الله تعالى محال، فأشبه قوله: (إن صعدت السماء .. فأنت طالق).
واحترز بقوله: (وقصد التعليق) عما إذا قصد التبرك، أو سبقت كلمة المشيئة إلى لسانه؛ لتعوده بها، ونحو ذلك؛ فإنه يقع.
(وكذا يمنع) الاستثناء (انعقاد تعليق) كقوله: (أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله)، (وعتق) كقوله: (أنت حر إن شاء الله)، (ويمين) كقوله: (والله
الجزء: 3 - الصفحة: 247
وَنَذْرٍ وَكُلِّ تَصَرُّفٍ.
وَلَوْ قَالَ: (يَا طَالِقُ إِنْ شَاءَ اللهُ) .. وَقَعَ فِي الأَصحِّ، أَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ) .. فَلَا فِي الأَصَحِّ.
فَصْلٌ [في الشك في الطلاق]
شَكَّ فِي طَلَاقٍ .. فَلَا، ...
لأفعلن إن شاء الله)، (ونذر) كقوله: (لله علي كذا إن شاء الله)، (وكل تصرف) كالبيع، والإقرار، والإجارة.
وما جزم به من منع المشيئة للانعقاد حكى الرافعي في (كتاب الأيمان) فيه وجهين: أحدهما: أنها يمين منعقدة، لكن المشيئة غير معلومة، فلا نحكم بالحنث؛ للشك، والثاني: أنها ليست منعقدة أصلًا 718.
(ولو قال: "يا طالق إن شاء الله " .. وقع في الأصح) ويلغو الاستثناء؛ لأنه إنما يعتاد ويعمل في الأفعال دون الأسماء، فلا يحسن قولك: (يا أسود إن شاء الله)، والثاني: لا يقع؛ لأنه إنشاء في المعنى؛ كقوله: (طلقتك)، أو (أنت طالق).
وحاصل الخلاف: أنَّا هل نراعي الوضع في الاستثناء، أو نراعي المعنى المراد باللفظ، ونقيمه مقام الموضوع؟
(أو قال: "أنت طالق إلا أن يشاء الله" .. فلا في الأصح) 719 معناه: إلا أن يشاء الله عدم تطليقك؛ فلا يقع شيء؛ لأن المشيئة لا اطلاع لنا عليها، والثاني: يقع؛ لأنه أوقعه، وجعل الخلاص بالمشيئة، وهي غير معلومة، فلا يحصل الخلاص، وصار كما لو قال: (أنت طالق إلا أن يشاء زيد)، فمات زيد، ولم يعلم مشيئته .. فإنه يقع الطلاق، وهذا ما عليه الجمهور؛ كما قاله الأَذْرَعي.
(فصل: شك في طلاق) أي: هل تطلق أم لا؟ ( .. فلا) يقع؛ بالإجماع.
الجزء: 3 - الصفحة: 248
أَوْ فِي عَدَدٍ .. فَالأَقَلُّ، وَلَا يَخْفَى الْوَرَعُ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ كَانَ ذَا الطَّائِرُ غُرَابًا .. فَأَنْتِ طَالِقٌ)، وَقَالَ آخَرُ: (إِنْ لَمْ يَكُنْهُ .. فَامْرَأَتِي طَالِقٌ) وَجُهِلَ .. لَمْ يُحْكَمْ بِطَلَاقِ أَحَدٍ، فَإِنْ قَالَهُمَا رَجُلٌ لِزَوْجَتَيْهِ .. طَلُقَتْ إِحْدَاهُمَا وَلَزِمَهُ الْبَحْثُ وَالْبَيَانُ. وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا ثُمَّ جَهِلَهَا .. وُقِفَ حَتَّى يَتَذَكَّرَ، وَلَا يُطَالَبُ بِبَيَانٍ إِنْ صَدَّقَتَاهُ فِي الْجَهْلِ.
(أو في عدد) أي: تحقق وقوع الطلاق، وشك في عدده ( .. فالأقل) لأنه اليقين، والأصل: عدم الزائد، (ولا يخفى الورع) في الصورتين: [وهو الأخذ بالأحوط، 720 فيراجع في الأولى إن كان له الرجعة، وإلا .. فيجدد نكاحها إن كان له فيها رغبة، وإلا .. فلينجز طلاقها؛ لتحل لغيره يقينًا، وفي الثانية: إن شك في أنه طلَّق ثلاثًا أو ثنتين .. لم ينكحها حتى تنكح زوجا غيره، وإن شك هل طلق ثلاثًا أم لم يطلق شيئًا؟ طلقها ثلاثًا لتستبيح نكاح غيره بيقين؛ كذا قاله الرافعي 721، وفيه نظر؛ فإنها تحل لغيره في الصورة الثانية بأي شيء أوقعه ولو طلقة.
نعم؛ فائدة إيقاع الثلاث: أنه لو تزوجها بعد دخول الثاني بها وتطليقه إياها .. ملك عليها الثلاث بيقين.
(ولو قال: "إن كان ذا الطائر غرابًا .. فأنت طالق"، وقال آخر: "إن لم يكنه .. فامرأتي طالق"، وجهل .. لم يحكم بطلاق أحد) لأنه لو انفرد أحدهما بما قال: لم نحكم بوقوع طلاقه؛ لجواز أنه غير غراب، والأصل: بقاء النكاح، فتعليق الآخر لا يغيِّر حكمه.
(فإن قالهما رجل لزوجتيه .. طلقت إحداهما) لأنه لا بدَّ فيه من أحد الوصفين؛ إذ ليس بين النفي والإثبات واسطة، (ولزمه البحث والبيان) والامتناع عنهما إلى أن يتبيَّن الحال؛ لجواز أن يكون عنده علم منه.
(ولو طلق إحداهما بعينها ثم جهلها) بنسيان ونحوه ( .. وقف) عنهما (حتى يتذكر) وجوبًا؛ لأن إحداهما حرمت عليه بالطلاق، والأخرى بالاشتباه.
(ولا يطالب ببيان إن صدقتاه في الجهل) لأن الحق لهما، وإن كذبتاه أو بادرت
الجزء: 3 - الصفحة: 249
وَلَوْ قَالَ لَهَا وَلِأجْنَبيَّةٍ: (إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ)، وَقَالَ: (قَصَدْتُ الأَجْنَبيَّةَ) .. قُبِلَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (زَيْنَبُ طَالِقٌ)، وَقَالَ: (قَصَدْتُ الأَجْنَبيَّةَ) .. فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: (إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ) وَقَصَدَ مُعَيَّنَةً .. طَلُقَتْ، وَإِلَّا .. فَإِحْدَاهُمَا،
واحدة وقالت: (أنا المطلقة) .. لم يقنع منه بقوله: (نسيت)، أو (لا أدري) وإن كان قوله محتملًا، بل يطالب بيمين جازمة أنه لم يطلقها، فإن نكل .. حلفت، وقضي لها.
(ولو قال لها ولأجنبية: "إحداكما طالق"، وقال: "قصدت الأجنبية" .. قبل في الأصح) بيمينه، لأن اللفظ متردد بينهما، يحتمل لهذه، ويحتمل لهذه، فإذا قال: (عينتها) .. صار كما لو قال للأجنبية: (أنت طالق)، والثاني: لا يقبل؛ لأن ظاهر اللفظ ينصرف إلى المملوك شرعًا.
وأفهم قوله: (قصدت الأجنبية) أنه لو لم تكن له إرادة .. تطلق زوجته، ونقلاه عن "فتاوى البغوي" 722، قال في "المطلب": وفيه نظر، لما سبق في تعليل الأصح.
(ولو قال: "زينب طالق") وهو اسم زوجته واسم الأجنبية (وقال: "قصدت الأجنبية" .. فلا) يقبل (على الصحيح) فتطلق ظاهرًا، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى.
والفرق بين هذه والصورة التي قبلها: أن قوله: (إحداكما) يتناولهما تناولًا واحدًا، ولم يوجد منه تصريح باسم زوجته، ولا وصف لها، ولا إشارة بالطلاق، وههنا صرح باسمها، والظاهر: أنه أرادها، فلذلك لم يقبل قوله، والثاني: يقبل؛ كالصورة قبلها؛ لأن التسمية محتملة، والأصل: بقاء النكاح.
(ولو قال لزوجتيه: "إحداكما طالق"، وقصد معينة .. طلقت) لأن اللفظ صالح لكل منهما، فإذا صرفه بالنية إلى واحدة .. انصرف.
(وإلا) أي: وإن لم يقصد معينة، بل أرسل اللفظ ( .. فإحداهما) لعدم النية المميزة.
الجزء: 3 - الصفحة: 250
وَيَلْزَمُهُ الْبَيَانُ فِي الْحَالَةِ الأُولَى، وَالتَّعْيِينُ فِي الثَّانِيَةِ، وَتُعْزَلَانِ عَنْهُ إِلَى الْبَيَانِ أَوِ التَّعْيِينِ، وَعَلَيْهِ الْبدَارُ بِهِمَا، وَنَفَقَتُهُمَا فِي الْحَالِ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِاللَّفْظِ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُعَيِّنْ .. فَعِنْدَ التَّعْيِينِ،
(ويلزمه البيان في الحالة الأولى، والتعيين في الثانية) لتعلم المطلقة؛ فيرتب عليها أحكام الفراق، ومحل هذا: في الطلاق البائن، أما الرجعي .. فلا يلزمه فيه بيان ولا تعيين في الحال على الأصحِّ؛ لأنها زوجة.
(وتعزلان عنه إلى البيان أو التعيين) لاختلاط المحظور بالمباح (وعليه البِدار بهما) أي: بالبيان أو التعيين؛ لرفع حبسه عمن زال ملكه عنها، فلو أخر بلا عذر .. عصى وعزر، (ونفقتهما في الحال) إلى البيان أو التعيين؛ لأنهما محبوستان عليه حبس الزوجات، وإذا بيَّن أو عيَّن .. لا يسترد المصروف إلى المطلقة، قال الإمام: وهو من النوادر؛ فإنها نفقة لبائن 723.
وقوله: (في الحال) قال المنكت: لم أفهم ما أراد به 724، وقال غيره: أشار به إلى أنها لا تؤخر إلى البيان أو التعيين؛ لأن الأصل: بقاء النكاح فيهما، فيعمل بموجبه حتى يتحقق.
(ويقع الطلاق باللفظ) جزمًا إذا قصد معينة، وكذا إن لم يقصد على الأصحِّ؛ لأن لفظ الأيقاع قد وجد منجزًا، فلا بد من الحكم بالوقوع، لكن محله غير معين، فإذا عينه .. عمل لفظ الإيقاع من حينئذ، ألا ترى أنه لا يحتاج وقت التعيين إلى لفظ إيقاع جديد.
(وقيل: إن لم يعين .. فعند التعيين) لأنه لو وقع قبله .. لوقع لا في المحل، والطلاق شيء معين، فلا يقع إلا في محل معين.
وقد يُفْهِمُ كلامه: اعتبار العدة من اللفظ أيضًا، وهو كذلك إذا قصد معينة، أما إذا لم يقصد .. فمن التعيين على الأصحِّ، وهذا في حياة الزوجتين، وسيأتي أنهما إذا ماتتا أو إحداهما .. تبقى المطالبة بالتعيين؛ لبيان الإرث، وحينئذ فإن أوقعنا الطلاق
الجزء: 3 - الصفحة: 251
وَالْوَطْءُ لَيْسَ بَيَانًا وَلَا تَعْيِينًا، وَقِيلَ: تَعْيِينٌ. وَلَوْ قَالَ مُشِيرًا إِلَى وَاحِدَةٍ: (هَذِهِ الْمُطَلَّقَةُ) .. فَبَيَانٌ،
باللفظ .. فذاك، وإن أوقعنا بالتعيين .. فلا سبيل إلى إيقاع طلاق بعد الموت، فلا بدَّ من إسناده، للضرورة، وإلى ما يسند؟ وجهان: أصحهما عند الإمام: إلى وقت اللفظ 725، فيرتفع الخلاف، وأرجحهما عند الغزالي: إلى قبيل الموت.
(والوطء ليس بيانًا) للتي قصدها؛ لأن الطلاق لا يقع بالفعل، فكذا بيانه، ولو بين الطلاق في الموطوءة .. حُدَّ إن كان الطلاق بائنًا، ويلزمه المهر؛ لجهلها كونها المطلقة، وإن بين في غيرها .. قبل، فإن ادعت الموطوءة أنه أرادها .. حلف، فإن نكل وحلفت .. طلقتا، وعليه المهر، ولا حد؛ للشبهة.
(ولا تعيينًا) للموطوءة للنكاح؛ لأن ملك النكاح لا يحصل بالفعل ابتداءً، فلا يتدارك به، ولذلك لا تحصل الرجعة بالوطء، (وقيل: تعيين) لأن هذا تعيين شهوة واختيار، فصح بالوطء؛ لأنه يدل على ذلك؛ كوطء المبيعة في زمن الخيار، يجعل فسخًا من البائع وإجازةً من المشتري.
وفرق الأول: بأن ملك النكاح لا يحصل بالفعل ابتداءً، فلا يتدارك بالفعل، بخلاف ملك اليمين.
وترجيح الأول تبع فيه "المحرر"، وقال في "زيادة الروضة": إنه المختار، واستند إلى قول ابن الصباغ: إنه الظاهر من مذهب الشافعي؛ لأنه نص على منعه منهما، ومن يجعله تعيينًا لا يمنعه منهما، ولا ترجيح في "الشرحين" 726، ونقل الماوردي الثاني عن الأكثرين 727، وحكاه المَحاملي عن سائر الأصحاب سوى ابن أبي هريرة.
وإذا جعلناه تعيينًا .. ففي كون سائر الاستمتاعات تعيينًا وجهان: بناء على الخلاف في تحريم الربيبة بذلك.
(ولو قال مشيرًا إلى واحدة: "هذه المطلقة" .. فبيان) عملًا بقوله، ولو قال:
الجزء: 3 - الصفحة: 252
أَوْ (أَرَدْتُ هَذِهِ وَهَذِهِ)، أَوْ (هَذِهِ بَلْ هَذِهِ) .. حُكِمَ بِطَلَاقِهِمَا. وَلَوْ مَاتَتَا أَوْ إِحْدَاهُمَا قَبْلَ بَيَانٍ أَوْ تَعْيِينٍ .. بَقِيَمتْ مُطَالَبَته لِبَيَانِ الإِرْثِ. وَلَوْ مَاتَ .. فَالأَظْهَرُ: قَبُولُ بَيَانِ وَارِثهِ لَا تَعْيِينِهِ
(هذه الزوجة)، أو (لم أطلق هذه) .. بان الطلاق في الأخرى.
(أو "أردت هذه وهذه"، أو "هذه بل هذه") وكذا هذه مع هذه ( .. حكم بطلاقهما) لأنه أَقَرَّ بطلاق الأولى ثم رجع، وأقر بطلاق الثانية، فلم يقبل رجوعه، وقبل إقراره بطلاق الثانية؛ لأنه أقر بحق غيره عليه.
ولو عطف بـ (الفاء) أو بـ (ثم) .. فقال القاضي وصاحباه البغوي والمتولي: تطلق الأولى فقط؛ لأنهما للترتيب، واعترض الإمام بأنه اعترف بطلاقهما فليكن كهذه وهذه، قال الرافعي: وهذا هو الحق، وقال في "زيادة الروضة": قول القاضي أظهر، ومال في "المطلب" إلى ترجيحه، وقال في "المهمات": إنه المتجه من جهة البحث 728.
وأشار المصنف بقوله: (حكم بطلاقهما) إلى أن هذا في ظاهر الحكم، وتطلق في الباطن المنوية لا غير، وهذا في الطلاق المعين، ويدل عليه قوله: (فبيان)، فأما في الطلاق المبهم .. فالمطلقة هي الأولى، سواء عطف بـ (الواو)، أو (الفاء)، أو (ثم)، أو (بل) لأنه إنشاء اختيار، وليس له اختيار إلا واحدة.
(ولو ماتتا أو إحداهما قبل بيان أو تعيين) والطلاق بائن ( .. بقيت مطالبته لبيان الإرث) لأنه ثبت إرثه في إحداهما بيقين، فيوقف من مال كل منهما نصيب زوج، فإن بين في الميتة .. لم يرثها، أو في الحية .. ورث الميتة، فإن نازعه ورثتها .. حلف لهم، فإن نكل .. حلفوا ولا إرث له.
(ولو مات) الزوج قبل البيان أو التعيين ( .. فالأظهر: قبول بيان وارثه لا تعيينه) لأن البيان: إخبار، وقد يقف على مراد مورثه منه أو من غيره، والتعيين: اختيار شهوة، فلم يخلفه فيه؛ كما لو أسلم على أكثر من أربع نسوة، ومات قبل الاختيار،
الجزء: 3 - الصفحة: 253
وَلَوْ قَالَ: (إِنْ كَانَ غُرَابًا .. فَأمْرَأَتِي طَالِقٌ، وَإِلَّا .. فَعَبْدِي حُرٌّ) وَجُهِلَ .. مُنِعَ مِنْهُمَا إِلَى الْبَيَانِ، فَإِنْ مَاتَ .. لَمْ يُقْبَلْ بَيَانُ الوَارِثِ عَلَى الْمَذْهَبِ، بَلْ يُقْرَعُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ؛ فَإِنْ قَرَعَ .. عَتَقَ،
والثاني: يقوم مقامه فيهما؛ كما في الرد بالعيب وحق الشفعة، والثالث: المنع فيهما؛ لأن حقوق النكاح لا تورث.
(ولو قال: "إن كان غرابًا .. فامرأتي طالق، وإلا .. فعبدي حر"، وجهل .. منع منهما) أي: من استخدامِ العبد والاستمتاعِ بالمرأة (إلى البيان) لأنه عُلِمَ زوال ملكه عن أحدهما، فأشبه طلاق إحدى زوجتيه، وعليه نفقتها إلى البيان، وكذا نفقته على الأصحِّ.
(فإن مات .. لم يقبل بيان الوارث على المذهب) للتهمة في إخباره بالحنث في الطلاق؛ ليرق العبد، ويسقط إرث الزوجة، والطريق الثاني: فيه الخلاف في الطلاق المبهم قال السَّرَخْسي: ومحل الخلاف: ما إذا قال الوارث: حنث في الزوجة، فإن عكس .. قبل قطعًا لإضراره بنفسه، قال الرافعي: وهو حسن، زاد في "الروضة" قد قال به غير السَّرَخْسي، وهو متعين، وردَّه في "المهمات" من حيث النقل والمعنى بما فيه طول 729، وقال البُلْقيني: ليس ما قاله السَّرَخْسي متعينًا فإن القرعة داخلة، وللعبد بها حق في العتق، وللميت حق في رقه، وإذا كان عليه دين .. فيوفى منه، ولا يقبل قول الوارث والحالة ما ذكر، فإن لم يكن هناك ما يمنع من ذلك .. تعين ما قاله السَّرَخْسي، وغيره.
(بل يقرع بين العبد والمرأة) رجاء خروج القرعة على العبد؛ لتأثيرها في العتق وإن لم تؤثر في الطلاق؛ كما يصغى إلى شهادة رجل وامرأتين في السرقة؛ لتأثيرها في الضمان وإن لم تؤثر في القطع.
(فإن قرع) أي: خرجت القرعة للعبد ( .. عتق) من رأس المال إن كان التعليق في الصحة، وإلا .. فمن الثلث؛ إذ هو فائدة القرعة، وترث المرأة، إلا إذا ادعت الحنث فيها، والطلاق بائن.
الجزء: 3 - الصفحة: 254
أَوْ قَرَعَتْ .. لَمْ تَطْلُقْ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَرِقُّ.
فَصْلٌ [في بيان الطلاق السني والبدعي]
الطَّلَاقُ: سُنِّيٌّ وَبِدْعِيٌّ، وَيَحْرُمُ الْبِدْعِيُّ، وَهُوَ ضرْبَانِ: طَلَاقٌ فِي حَيْضِ مَمْسُوسَةٍ
(أو قرعت .. لم تطلق) إذ لا مدخل لها في الطلاق، بدليل ما لو طلق إحدى امرأتيه .. لا تدخل القرعة، بخلاف العتق، فإن النص ورد بها فيه، ولكن الورع أن تترك الميراث.
(والأصح: أنه لا يرق) لأن القرعة لم تؤثر فيما خرجت عليه، ففي غيره أولى، والثاني: يرق؛ لأن القرعة تعمل في العتق والرق، فكما يعتق إذا خرجت عليه .. يرق إذا خرجت على عديله، وقال شارح "التعجيز": إن جمهور النقلة قطعوا به، وقال الروياني: إنه ظاهر المذهب، وعلى هذا: يزول الإشكال، وعلى الأول: يبقى الإبهام بحاله كما كان، وقيل: لا يزال يعيد القرعة حتى يخرج العبد، وضعفه الإمام، وقال: ينبغي لقائله أن يقطع بعتق العبد، ويترك تضييع الزمان في إخراج القرعة 730.
وقوله: (يرق) هو بفتح أوله وكسر ثانيه، كذا ضبطه المصنف بخطه، وصحح عليه.
(فصل: الطلاق: سني وبدعي) لأنه لم يزل العلماء قديمًا وحديثًا يصفونه بهما.
وقضية كلامه: انقسام الطلاق إلى قسمين فقط: سني وبدعي، ولا واسطة بينهما، والمشهور: خلافه، بل طلاق الصغيرة والآيسة والتي قد استبان حملها منه وغير المدخول بها .. لا سنة فيه ولا بدعة.
(ويحرم البدعي) لحصول الضرر به؛ كما سيأتي، (وهو ضربان: طلاق في حيضِ ممسوسة) بالإجماع؛ كما نقله الماوردي وغيره 731؛ لأن ابن عمر طلق امرأته
الجزء: 3 - الصفحة: 255
-وَقِيلَ: إِنْ سَأَلتْهُ .. لَمْ يَحْرُمْ- وَيَجُوزُ خُلْعُهَا فِيهِ لَا أَجْنَبِيٍّ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ آخِرِ حَيْضِكِ) .. فَسُنِّيٌّ فِي الأَصَحِّ، أَوْ (مَعَ آخِرِ طُهْرٍ) لَمْ يَطَأْهَا فِيهِ .. فَبِدْعِيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ
وهي حائض، فسأل عمر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ شَاءَ .. أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ .. طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ الله أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاُء" متفق عليه 732.
والمعنى فيه: أن الطلاق في الحيض يطول عليها العدة، فإن بقية الحيض لا تحسب من العدة، وفي ذلك إضرار بها، والنفاس في معنى الحيض؛ لأن المعنى المحرم شامل له قاله الرافعي هنا، قال في "المهمات": وكلامه في باب الحيض يخالفه 733.
وشمل إطلاق المصنف: ما لو حاضت الحامل فطلقها، وليس كذلك؛ إذ عدتها بالوضع، وما لو طلق المولِّي وقد طولب في زمن الحيض، أو طلق القاضي عليه، أو طلق الحكمان؛ للحاجة إلى دفع الشقاق، وليس كذلك في الجميع.
(وقيل: إن سألته .. لم يحرم) لرضاها بتطويل العدة، والأصحُّ: التحريم؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: للوقت الذي يشرعن في العدة.
(ويجوز خلعها فيه) أي: في الحيض؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، (لا أجنبي في الأصح) لأنها لم ترض بالتطويل، ومقابله: احتمال للإمام 734.
(ولو قال: "أنت طالق مع آخر حيضك" .. فسني في الأصح) لاستعقابه الشروع في العدة، والثاني: بدعي؛ لمصادفته الحيض.
(أو "مع آخر طهر" لم يطأها فيه .. فبدعي على المذهب) لأنه لا يستعقب
الجزء: 3 - الصفحة: 256
وَطَلَاقٌ فِي طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ مَنْ قَدْ تَحْبَلُ وَلَمْ يَظْهَرْ حَمْلٌ، فَلَوْ وَطِئَ حَائِضًا وَطَهُرَتْ فَطَلَّقَهَا .. فَبدْعِيٌّ فِي الأَصَحِّ، وَيَحِلُّ خُلْعُهَا، وَطَلَاقُ مَنْ ظَهَرَ حَمْلُهَا. وَمَنْ طَلَّقَ بِدْعِيًّا .. سُنَّ لَهُ الرَّجْعَةُ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ .. طَلَّقَ بَعْدَ طُهْرٍ
العدة، والثاني: سني؛ لمصادفته الطهر، هذا إذا لم يجعل الانتقال من الطهر إلى الحيض قرءًا وهو الأصحُّ، فإن جعلناه قرءًا .. كان الطلاق واقعًا في الطهر، ومستعقبًا للعدة، فلا معنى للتحريم.
(وطلاق في طهر وطئ فيه من قد تحبل ولم يظهر حمل) هذا هو الضرب الثاني من البدعي؛ لأنه قد يندم لو ظهر الحمل.
واحترز بقوله: (من قد تحبل) عن الصغيرة والآيسة، فإنه لا سنة في طلاقها ولا بدعة؛ كما سبق، وبقوله: (ولم يظهر) عما إذا ظهر، وسيذكره، واستدخالها ماءه كالوطء؛ لاحتمال الحمل منه، وكذا الوطء في الدبر في الأصحِّ.
وحصره البدعي في الضربين ممنوع، فإنه لو قسم لإحدى زوجتيه، ثم طلق الأخرى قبل قسمها .. كان حرامًا، حكاه الرافعي في (القسم) عن المتولي، وقال: وهذا سبب آخر لكون الطلاق بدعيًّا 735.
(فلو وطئ حائضًا، وطهرت، فطلقها .. فبدعي في الأصح) لاحتمال علوقها بذلك، والبقية من الحيض مما دفعته الطبيعة أولًا، وتهيأ للخروج، والثاني: لا يكون بدعيًّا؛ لأن بقية الحيض تشعر بالبراءة.
(ويحل خلعها) كالحائض، (و) يحل (طلاق من ظهر حملها) لزوال الندم، وعدم تطويل العدة.
(ومن طلق بدعيًّا .. سن له الرجعة، ثم إن شاء .. طلق بعد طهر) لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا" 736.
وقضية إطلاق المصنف وغيره: استحباب الرجعة ما بقيت العدة، وقيده الماوردي ببقية تلك الحيضة التي طلقت فيها، فإن طهرت منها .. سقط الاستحباب؛ لأنها
الجزء: 3 - الصفحة: 257
وَلَوْ قَالَ لِحَائِضٍ: (أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبدْعَةِ) .. وَقَعَ فِي الْحَالِ، أَوْ (لِلسُّنَّةِ) .. فَحِينَ تَطْهُرُ، أَوْ لِمَنْ فِي طُهْرٍ لَمْ تُمسَّ فِيَهِ: (أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ) .. وَقَعَ فِي الْحَالِ، وَإِنْ مُسَّتْ .. فَحِينَ تَطْهُرُ بَعْدَ حَيْضٍ،
صارت إلى طهر لا يحرم طلاقها فيه، فلم يؤمر بارتجاعها فيه، قال: وكذا إذا طلقها في طهر جامعها فيه .. استحب رجعتها في بقية الطهر والحيضة التي تليه، فإن تركها حتى طهرت منها .. سقط استحباب الرجعة 737، وجرى عليه الروياني، وابن يونس في "شرح التعجيز"، وصاحب "الحاوي الصغير" 738.
وقضية كلام المصنف: أن له طلاقها في الطهر التالي لتلك الحيضة، وهو وجه، والأصحُّ: لا؛ لأنه إن وطئها بعد ما طهرت .. كان الطلاق في ذلك الطهر بدعيًّا أيضًا، وإن لم يطأها .. أشبه أن يكون القصد من المراجعة مجرد الطلاق: وكما ينهى عن النكاح الذي يقصد به الطلاق، ينهى عن الرجعة التي يقصد بها الطلاق، فليمسكها إلى أن تحيض وتطهر مرة أخرى؛ ليتمكن من الاستمتاع في الطهر الأول، ولطلق في الطهر الثاني، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما ظاهر في ذلك 739.
(ولو قال: لحائض) أو نفساء ("أنت طالق للبدعة" .. وقع في الحال) لاتصاف طلاقها به، (أو "للسنة" .. فحين تطهر) ولا يتوقف على الاغتسال؛ لوجود الصفة قبله.
نعم؛ يرد عليه: ما لو وطئها في آخر الحيض، واستدام إلى انقطاعه .. فإنها لا تطلق؛ لاقتران الطهر بالجماع، وكذا لو لم يستدم، بناء على الأصحِّ أنه بدعي (أو لمن في طهر لم تُمس فيه) ولا في حيض قبله ("أنت طالق للسنة" .. وقع في الحال) لوجود الصفة.
(وإن مُست) أو استدخلت ماءه ( .. فحين تطهر بعد حيض) لشروعها حينئذ في حال السنة.
الجزء: 3 - الصفحة: 258
أَوْ (لِلْبدْعَةِ) .. فَفِي الْحَالِ إِنْ مُسَّتْ فِيهِ، وَإِلَّا .. فَحِينَ تَحِيضُ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً أَوْ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ أَوْ أَجْمَلَهُ) .. فَكَالسُّنَّةِ، أَوْ (طَلْقَةً قَبيحَةً أَوْ أَقْبَحَ الطَّلَاقِ أَوْ أَفْحَشَهُ) .. فَكَالْبدْعَةِ، أَوْ (سُنِّيَّةً بِدْعِيَّةً)، أَوْ (حَسَنَةً قَبيحَةً) .. وَقَعَ فِي الْحَالِ
(أو "للبدعة" .. ففي الحال إن مست فيه) أو في حيض قبله ولم يظهر حملها؛ لوجود الصفة، (وإلا .. فحين تحيض) لدخولها في زمن البدعة.
وقضيته: وقوع الطلاق بظهور أول الدم، وبه صرح المتولي، فإن انقطع لدون يوم وليلة .. بان أنها لم تطلق، هذا كله فيمن لها حالتا سنة وبدعة، فلو قال لصغيرة ممسوسة، أو كبيرة غير ممسوسة .. وقع في الحال على الأصحِّ، ولغا الوصف.
(ولو قال: "أنت طالق طلقة حسنة أو أحسن الطلاق أو أجمله" .. فكالسنة) 740 فلا يقع إن كانت في حال البدعة حتى تنتهي إلى حال السنة؛ لأن الأولى بالمدح ما وافق الشرع، هذا عند الإطلاق، فإن قال: (أردت طلاق البدعة؛ لأنه في حقها حسن؛ لسوء خلقها)، فإن كان في زمن البدعة .. قبل؛ لأنه غلظ على نفسه، أو السنة .. دُيِّنَ، ولا يقبل ظاهرًا.
(أو "طلقة قبيحة أو أقبح الطلاق أو أفحشه" .. فكالبدعة) 741 فلا يقع إن كانت في حال السنة حتى تنتهي إلى حال البدعة؛ لأن الأَولى بالذم ما خالف الشرع، وهذا عند الإطلاق، فإن قال: (أردت قبحه؛ لحسن عشرتها)، أو (أردت أنَّ أقبح أحوالها أن تبين مني) .. وقع في الحال؛ لأنه غلظ على نفسه، وإن قال: (أردت أن طلاق مثل هذه في البدعة أقبح، فقصدت الطلاق في حال السنة)، وكانت في زمن البدعة .. دين، ولم يقبل ظاهرًا.
(أو "سنية بدعية"، أو "حسنة قبيحة" .. وقع في الحال) لأنه وصفه بصفتين متضادتين، فتلغو الصفة، ويبقى أصل الطلاق، هذا عند الإطلاق، فلو فسر بما فيه تغليظ عليه .. اعتبر، فقد قالا: قال: السَّرَخْسي: فإن فسر كل صفة بمعنى، فقال:
الجزء: 3 - الصفحة: 259
وَلَا يَحْرُمُ جَمْعُ الطَّلَقَاتِ، وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا)، أَوْ (ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ) وَفَسَّرَ بِتَفْرِيقِهَا عَلَى أَقْرَاءٍ .. لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا مِمَّنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُدَيَّنُ،
(أردت كونها حسنة من حيث الوقت، وقبيحة من حيث العدد حتى يقع الطلاق الثلاث)، أو بالعكس .. قبل منه وإن تأخر الوقوع؛ لأن ضرر وقوع العدد أكثر من فائدة تأخير الوقوع 742.
(ولا يحرم جمع الطلقات) لأن عُوَيمرًا العَجْلاني لما لا عن امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم .. طلقها ثلاثًا قبل أن يخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنها تبين باللعان، متفق عليه 743.
فلو كان إيقاع الثلاث حرامًا .. لنهاه عن ذلك؛ ليعلمه هو ومن حضره.
(ولو قال: "أنت طالق ثلاثًا"، أو "ثلاثًا للسنة"، وفسر بتفريقها على أقراء .. لم يقبل) لأنه تأخير ما يقتضي اللفظ تنجيزه، (إلا ممن يعتقد تحريم الجمع) أي: جمع الثلاث في قرء واحد، فيقبل ظاهرًا؛ إذ الظاهر من حاله: أنه لا يقصد ارتكاب محظور في معتقده.
وما جزم به من الاستثناء تبع فيه "المحرر"، وإنما نقلاه في "الشرحين" و"الروضة" عن المتولي، ثم قالا: وحكى الحناطي وجهًا في القبول مطلقًا، والمشهور المنصوص: الأول 744؛ يعني: أنه لا يقبل ظاهرًا مطلقًا، فما في "الكتاب" وجه ضعيف.
وقضية كلام المصنف: عود الاستثناء إلى الصورتين، والذي ذكره المتولي وتبعه "المحرر" إنما هو في الثانية فقط 745.
(والأصح: أنه يدين) لأنه لو وصل باللفظ ما يدعيه .. لانتظم، والثاني: المنع؛ لأن اللفظ بمجرده لا يصلح لما يدعيه، ومجرد النية لا تعمل، ومعنى التديين
الجزء: 3 - الصفحة: 260
وَيُدَيَّنُ مَنْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ)، وَقَالَ: (أَرَدْتُ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ أَوْ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ).
وَلَوْ قَالَ: (نِسَائِي طَوَالِقُ)، أَوْ (كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ)، وَقَالَ: (أَرَدْتُ بَعْضَهُنَّ) .. فالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا إِلَّا بِقَرِينَةٍ؛ بِأَنْ خَاصَمَتْهُ وَقَالَتْ: (تَزَوَّجْتَ)، فَقَالَ: (كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ)، وَقَالَ: (أَرَدْتُ غَيْرَ الْمُخَاصِمَةِ).
فَصْلٌ [في تعليق الطلاق بالأزمنة ونحوها]
قَال: (أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ كَذَا)، أَوْ (فِي غُرَّتهِ)، أَوْ (أَوَّلِهِ) .. وَقَعَ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ.
مع نفي القبول ظاهرًا كما قال الشافعي: أن له الطلب، وعليها الهرب.
(ويدين من قال: "أنت طالق"، وقال: "أردت إن دخلت الدار، أو إن شاء زيد") لأنه لو صرح به .. لانتظم، وهذا بخلاف قوله: (أردت إن شاء الله)، فإنه لا يدين، والفرق: أن التعليق بمشيئة الله تعالى يرفع حكم اليمين جملة، فلا بد فيه من اللفظ والتعليق بالدخول، وبمشيئة زيد لا يرفعه، بل يخصصه بحال دون حال.
(ولو قال: "نسائي طوالق"، أو "كل امرأة لي طالق"، وقال: "أردت بعضهن" .. فالصحيح: أنه لا يقبل ظاهرًا) لأن اللفظ عام متناول لجميعهن، فلا يتمكن من صرف مقتضاه بالنية كما لو قال: (أنت طالق)، وقال: (أردت إذا جاء رأس الشهر)، (إلا بقرينة؛ بأن خاصمته، وقالت: "تزوجت" فقال: ) في إنكاره ("كل امرأة لي طالق"، وقال: "أردت غير المخاصمة") للقرينة الدالة على صدقه، والثاني: يقبل في الظاهر مطلقا؛ لأن استعمال العام في الخاص شائع مشهور، والثالث: لا يقبل مطلقًا، ونقلاه عن الأكثرين 746، وحينئذ فما رجحاه مخالف لما التزماه من تصحيح ما عليه الأكثر 747.
(فصل: قال: "أنت طالق في شهر كذا"، أو "في غرته"، أو "أوله" .. وقع بأول جزء منه) لأن الشهر اسم لما بين الهلالين، وقد جعله ظرفًا، فوقع في أول جزء
الجزء: 3 - الصفحة: 261
أَوْ (فِي نَهَارِهِ)، أَوْ (أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ) .. فَبِفَجْرِ أَوَّلِ يَوْمٍ. أَوْ (آخِرِهِ) .. فَبآخِرِ جُزْءٍ مِنَ الشَّهْرِ، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ النِّصْفِ الآخِرِ. وَلَوْ قَالَ لَيْلًا: (إِذَا مَضَى يَوْمٌ) .. فَبغرُوبِ شَمْسِ غَدِهِ، أَوْ نَهَارًا .. فَفِي مِثْلِ وَقْتِهِ مِنْ غَدِهِ، أَوِ (الْيَوْمُ)؛ فَإِنْ قَالَهُ نَهَارًا .. فَبِغُرُوبِ شَمْسِهِ، وَإِلَّا .. لَغَا. وَبِهِ يُقَاسُ شَهْرٌ وَسَنَةٌ
منه؛ كما لو قال: (إن دخلت الدار .. فأنت طالق)، فدخلت جزءًا منها.
(أو "في نهاره"، أو "أول يوم منه" .. فبفجر أول يوم) إذ الفجر أول النهار وأول اليوم؛ كما حكي عن أئمة اللغة.
(أو "آخره" .. فبآخر جزء من الشهر) لأنه آخره الحقيقي، وهو المفهوم من اللفظ، (وقيل: بأول النصف الآخر) وهو أول جزء من ليلة السادس عشر؛ إذ كله آخر الشهر، وقيل: تطلق في اليوم الأخير من الشهر؛ حملًا للآخر على اليوم الآخر.
(ولو قال ليلًا: "إذا مضى يوم" .. فبغروب شمس غده) إذ به يتحقق مضي اليوم، (أو) قاله (نهارًا .. ففي مثل وقته من غده) لأن اليوم حقيقة في جميعه، متواصلًا كان أو متفرقًا، قال الرافعي: وفيه تلفيق اليوم من البعضين المفرقين، وقد سبق في الاعتكاف أنه لو نذر اعتكاف يوم .. لم يجز تفريق ساعاته على الأصحِّ.
انتهى 748.
وفرق في "المهمات" بينهما بما حاصله: أن صورة الاعتكاف: إذا تخلل بينهما زمان لا اعتكاف فيه، بخلاف ما نحن فيه، وإنما نظير مسألتنا من النذر أن يقول: يومًا من هذا الوقت، وحينئذ يجوز فيه التفريق قطعًا 749.
(أو) إذا مضى (اليوم) فأنت طالق (فإن قاله نهارًا .. فبغروب شمسه) لأنه عرفه بـ (لام) العهد، فانصرف إلى اليوم الحاضر، (وإلا) أي: وإن قاله ليلًا ( .. لغا) ولا يقع شيء؛ لأنه لا نهار حتى يحمل على المعهود، ولا يمكن الحمل على الجنس؛ إذ لا يتصور بقاؤهما حتى تنقضي الدنيا، فكانت صفة مستحيلة.
(وبه يقاس شهر وسنة) في التعريف والتنكير، فيقع في قوله: (إذا مضى
الجزء: 3 - الصفحة: 262
أَوْ (أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ) وَقَصَدَ أَنْ يَقَعَ فِي الْحَالِ مُسْتَنِدًا إِلَيْهِ .. وَقَعَ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ: لَغْوٌ، أَوْ قَصَدَ أَنَّهُ طَلَّقَ أَمْسِ وَهِيَ الآنَ مُعْتَدَّةٌ .. صُدِّقَ بِيَمِينهِ، أَوْ قَالَ: (طَلَّقْتُ فِي نِكَاحٍ آخَرَ)؛ فَإِنْ عُرِفَ .. صُدِّقَ بِيَمِينهِ، وَإِلَّا .. فَلَا
الشهر)، أو (السنة) بانقضاء ما بقي منهما؛ حملًا على المعهود، وإن نكَّرَ الشهرَ فإن اتفق قوله في ابتدائه .. طلقت بمضيه تامًّا كان أو ناقصًا، وإلا فإن قاله ليلًا .. طلقت إذا مضى ثلاثون يومًا، ومن ليلة الحادي والثلاثين، بقدر ما كان سبق من ليلة التعليق، وإن قاله نهارًا فيكمل من اليوم الحادي والثلاثين بعد التعليق، ولو قال: (إذا مضى سنة) بالتنكير .. لم يقع حتى يمضي اثنا عشر شهرًا بالأهلة كاملة كانت أو ناقصة، فإن انكسر الشهر الأول .. حسب إحدى عشر شهرًا بالأهلة، وكملت بقية الأول ثلاثين يومًا من الثالث عشر.
(أو "أنت طالق أمس"، وقصد أن يقع في الحال مستندًا إليه) أي: إلى أمس ( .. وقع في الحال) لأنه أوقعه في الحال، وأسنده إلى زمان سابق، فيثبت ما يمكن ثبوته، ويلغو ما لا يمكن، (وقيل: لغو) لأنه إنما أوقع طلاقًا مسندًا، فإذا لم يمكن إسناده .. وجب ألا يقع.
(أو قصد أنه طلق أمس وهي الآن معتدة) عن طلاق رجعي أو بائن ( .. صدق بيمينه) لقرينة الإضافة إلى أمس، وتحسب العدة من الوقت الذي ذكره إن صدقته الزوجة، وإلا .. فمن حين الإقرار، قال في "الكافي": وكذا إذا قالت: (لا علم لي).
(أو قال: "طلقت في نكاح آخر") وبانت مني، ثم جددت نكاحها؛ (فإن عرف) نكاح سابق وطلاق فيه ببينة أو بإقرارها ( .. صدق بيمينه) في إرادة ذلك؛ للقرينة، (وإلا) أي: وإن لم يعرف ( .. فلا) يصدق، ويقع في الحال؛ لبعد دعواه، وما قاله تبع فيه "المحرر" 750، ووقع في "الروضة" تبعًا لبعض نسخ "الشرح": وإن لم يعرف نكاح سابق وطلاق فيه وكان محتملًا .. فينبغي أن يقبل
الجزء: 3 - الصفحة: 263
وَأَدَوَاتُ التَّعْلِيقِ: "مَنْ" كـ (مَنْ دَخَلَتْ)، وَ"إِنْ"، وَ"إِذَا"، وَ"مَتَى"، وَ"مَتَى مَا"، وَ"كُلَّمَا"، وَ"أَيُّ"، كـ "أَيَّ وَقْتٍ دَخَلْتِ"، وَلَا يَقْتَضِينَ فَوْرًا إِنْ عَلَّقَ بِإِثْبَاتٍ فِي غَيْرِ خُلْعٍ إِلَّا (أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ)، وَلَا تَكَرُّرًا إِلَّا "كُلَّمَا". وَلَوْ قَالَ: (إِذَا طَلَّقْتُكِ .. فَأَنْتِ طَالِقٌ) ثُمَّ طَلَّقَ، أَوْ عَلَّقَ بِصِفَةٍ
التفسير به وإن لم يقم بينة، وألا يقع الطلاق وإن كان كاذبًا، ولهذا لو قال ابتداء: (طلقك في الشهر الماضي زوج غيري) .. لا نحكم بوقوع الطلاق عليه وإن كذب 751. انتهى.
وهذا البحث للإمام، وقد حكاه عنه في "الشرح الصغير"، والصواب: ما في "الكتاب" وهو ما حكاه الإمام عن الأصحاب، ثم قال: وفي القلب منه شيء، فذكر هذا البحث 752، قال الأَذْرَعي: وقد وقع في بعض نسخ "الشرح الكبير" على الصواب.
(وأدوات التعليق "من" ك "من دخلت") الدار من نسائي فهي طالق.
(و"إن"، و"إذا"، و"متى"، و"متى ما " ... )، و (مهما) (و"كلما"، و"أي"؛ كـ "أي وقت دخلت") الدار .. فأنت طالق، (ولا يقتضين فورًا إن علق بإثبات) كـ (إن دخلت الدار) لأن قضيته التعليق به متى وجد، ولا دلالة لها على فور ولا تراخ (في غير خلع) أما فيه .. فإنها تفيد الفورية في بعض صيغه؛ ك (إن)، و (إذا) كما تقدم في الخلع، وليس اقتضاء الفور فيه من وضع الصيغة، بل من أن المعاوضة تقتضي ذلك؛ لأن القبول لا بد أن يكون غير متراخ عن الإيجاب.
(إلا "أنت طالق إن شئت") أو إذا شئت، فإنه يعتبر الفور في المشيئة؛ لأنه تمليك على الصحيح، بخلاف متى شئت.
واحترز بقوله: (إن علق بإثبات) عما إذا علق بنفي، وسيذكره (ولا تكررًا) أي: ولا يقتضين تكرارًا، بل إذا وجد مرة .. انحلت اليمين، ولم يؤثر وجودها ثانيًا (إلا "كلما" (فإنها تقتضيه وضعًا واستعمالًا.
(ولو قال: "إذا طلقتك .. فأنت طالق " ثم طلق) بنفسه (أو علق بصفة
الجزء: 3 - الصفحة: 264
فَوُجِدَتْ .. فَطَلْقَتَانِ، أَوْ (كُلَّمَا وَقَعَ طَلَاقِي) فَطَلَّقَ .. فَثَلَاثٌ فِي مَمْسُوسَةٍ وَفِي غَيْرِهَا طَلْقَةٌ. وَلَوْ قَالَ وَتَحْتَهُ أَرْبَعٌ: (إِنْ طَلَّقْتُ وَاحِدَةً .. فَعَبْدٌ حُرٌّ، وَإِنْ ثِنْتَيْنِ .. فَعَبْدَانِ، وَإِنْ ثَلَاثًا .. فَثَلَاثةٌ، وَإِنْ أَرْبَعًا .. فَأَرْبَعَة) فَطَلَّقَ أَرْبعًا مَعًا أَوْ مُرَتِّبًا .. عَتَقَ عَشَرَةٌ، وَلَوْ عَلَّقَ بِـ "كُلَّمَا" .. فَخَمْسَةَ عَشَرَ عَلَى الصَّحِيحِ
فوجدت .. فطلقتان) إن كان يملك عليها أكثر من طلقة، فتقع واحدة بالتنجيز، وأخرى بالتعليق؛ لأن التعليق مع وجود الصفة تطليق في الأصحِّ، وقد وجدا بعد التعليق الأول، هذا في موطوءة طلقت بلا عوض، فلو طلق غير موطوءة .. لم يقع إلا طلقة؛ لأنها تبين بالأولى، أو موطوءة بعوض .. لم يقع المعلق على المذهب، لحصول البينونة بالخلع، ثم إن جعلنا الخلع طلاقًا .. انحلت اليمين، أو فسخًا .. فلا.
(أو "كلما وقع طلاقي" فطلق) هو أو وكيله ( .. فثلاث في ممسوسة) لاقتضاء (كلما) التكرار، فتقع ثانية بوقوع الأولى، وثالثة بوقوع الثانية وهذا في التعليق بالوقوع؛ كما فرضه المصنف، أما لو قال: (كلما طلقتك فأنت طالق)، ثم طلق .. فثنتان فقط، وقيل: ثلاث، (وفي غيرها طلقة) لأنها بانت بالأولى، فلم تبق محلًا للطلاق.
(ولو قال وتحته أربع: ) أي: أربع نسوة ("إن طلقت واحدة) من نسائي ( .. فعبد) من عبيدي (حر، وإن ثنتين .. فعبدان، وإن ثلاثًا .. فثلاثة، وإن أربعًا .. فأربعة"، فطلق أربعًا معًا أو مرتبًا .. عتق عشرة) لأن بطلاق الأولى يعتق عبد، وبالثانية عبدان، وبالثالثة ثلاثة، وبالرابعة أربعة، ومجموع ذلك عشرة.
(ولو علق بـ "كلما") في كل مرة ( .. فخمسة عشر على الصحيح) لأنه إذا طلق واحدة .. حصلت صفة، وهي تطليق واحدة؛ فيعتق عبد، وإذا طلق ثانية .. حصلت صفتان؛ طلاق واحدة مرة أخرى، وهي الثانية، وطلاق اثنتين؛ فيعتق ثلاثة، وإذا طلق ثالثة .. حصلت صفتان؛ طلاق واحدة مرة أخرى، وهي الثالثة، وطلاق ثلاث؛ فيعتق أربعة، وإذا طلق رابعة .. حصلت ثلاث صفات؛ طلاق واحدة، وهي الرابعة، واثنتين، وهما الثالثة والرابعة، وأربع؛ فيعتق سبعة، فالمجموع خمسة عشر.
الجزء: 3 - الصفحة: 265
وَلَوْ عَلَّقَ بِنَفْيِ فِعْلٍ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ عَلَّقَ بِـ "إِنْ" كـ (إِنْ لَمْ تَدْخُلِي) .. وَقَعَ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنَ الدُّخُولِ، أَوْ بغَيْرِهَا .. فَعِنْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ دَخَلْتِ أَوْ أَنْ لَمْ تَدْخُلِي) بِفَتْحِ "أَنْ" .. وَقَعَ فِي
وإن شئت قلت: إنما عتق خمسة عشر؛ لأن فيها أربعة آحاد، واثنتين مرتين، وثلاثة وأربعة، والوجه الثاني: يعتق سبعة عشر؛ لأن في طلاق الثالثة وراء الصفتين المذكورتين صفة أخرى، وهي طلاق اثنتين بعد الأولى؛ فيعتق عبدان آخران، والثالث: عشرون، سبعة عشر؛ لما ذكرناه، وثلاثة؛ لأن في طلاق الرابعة صفة أخرى، وهي طلاق ثلاث بعد الأولى، والرابع: ثلاثة عشر، والخامس: عشرة 753.
(ولو علق بنفي فعل .. فالمذهب: أنه إن علق، بـ "إن"؛ كـ "إن لم تدخلي" .. وقع عند اليأس من الدخول، أو بغيرها) كـ (إذا) وسائر الأدوات ( .. فعند مضي زمن يمكن فيه ذلك الفعل).
اعلم: أن الشافعي رضي الله عنه نص على أن (إن) لا تقتضي الفور، ونص على أن (إذا) تقتضيه 754، فقيل: قولان فيهما بالنقل والتخريج، والمذهب: تقرير النصين.
والفرق: أن (إن) تدل على مجرد الاشتراط، ولا إشعار لها بالزمان، بخلاف (إذا) و (متى (فإن (إذا) ظرف زمان كـ (متى) في الدلالة على الأوقات، ألا ترى أنه لو قال قائل: متى ألقاك؟ حسن أن تقول: إذا شئت؛ كما يحسن: متى شئت، ولا يحسن: إن شئت، فقوله: (إن لم تدخلي الدار) معناه: إن فاتك دخولها، وفواته بموت أحد الزوجين قبل التطليق، فيحكم بوقوع الطلاق قبيل الموت، وقوله: (إذا لم تدخلي) معناه؛ أي: وقت فاتك الدخول، [وهذا عند الإطلاق، فلو أراد بـ (إذا) ما يراد بـ (إن) .. دين، وكذا يقبل ظاهرًا في الأصحِّ] 755.
(ولو قال: "أنت طالق أن دخلت أو أن لم تدخلي" بفتح "أن" .. وقع في
الجزء: 3 - الصفحة: 266
الْحَالِ.
قُلْتُ: إِلَّا فِي غَيْرِ نَحْوِيٍّ .. فَتَعْلِيقٌ فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ [في أنواع التعليق بالحمل والولادة والحيض وغيرها]
عَلَّقَ بِحَمْلٍ، فَإِنْ كَان حَمْل ظَاهِرٌ .. وَقَعَ،
الحال) فعلت أو لم تفعل؛ لأن (أن) المفتوحة للتعليل لا للتعليق؛ لأن التقدير: (لأن دخلت)، وتحذف (اللام) مع (أن) كثيرًا، قال تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، فإذا قال: (أنت طالق إن لم أطلقك) .. وقع الطلاق في الحال، لأنه أوقعه، وعلله بأنه لم يطلقها، وإذا أوقع الطلاق .. وقع، ولا ينظر إلى ما علل به.
(قلت: إلا في غير نحوي .. فتعليق في الأصح، والله أعلم) فلا يقع حتى توجد الصفة؛ لأن الجاهل بها لا يفرق بينهما، فالظاهر: أنه يقصد التعليق، وهذا ما نسبه في "زيادة الروضة" إلى قطع الأكثرين 756، والثاني: أنه يحكم بوقوع الطلاق في الحال؛ لأن هذا مقتضى اللفظ، فلا يغيَّرُ من غير قصد، فإن ادعى قصد التعليق .. صدق بيمينه، قال: الرافعي في "الشرحين": وهذا أشبه، وإلى ترجيحه ذهب ابن الصباغ، وهو المذكور في "التتمة" 757، وما صححه في "الكتاب" وفي "الروضة" هنا خالفه في "الروضة" في الكلام على التعليق بالمشيئة، فرجح تبعًا للرافعي في: (أنت طالق أن شاء الله) بالفتح الوقوعَ في الحال، سواء كان يعرف اللغة أم لا 758، وهذا أحد أفراد المسألة.
(فصل: علق بحمل) بأن قال: (إن كنت حاملًا .. فأنت طالق) (فإن كان حمل ظاهر .. وقع) في الحال؛ لوجود الشرط، وقيل: لا يقع في الحال، بل ينتظر الوضع؛ لأنه وإن قلنا: الحمل يعلم، فلا يتيقن، ورجحه جمع من أهل الطريقين.
الجزء: 3 - الصفحة: 267
وَإِلَّا، فَإِنْ وَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُر مِنَ التَّعْلِيقِ .. بَانَ وُقُوعُهُ، أَوْ لِأكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، أَوْ بَيْنَهُمَا وَوُطِئَتْ وَأَمْكَنَ حُدُوثُهُ بِهِ .. فَلَا، وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: وُقُوعُهُ. وَإِنْ قَالَ: (إِنْ كُنْتِ حَامِلًا بِذَكَرٍ .. فَطَلْقَةٌ، أَوْ أُنثى .. فَطَلْقَتَيْنِ) فَوَلَدَتْهُمَا .. وَقَعَ ثَلَاثٌ، أَوْ (إِنْ كَانَ حَمْلُكِ ذَكَرًا .. فَطَلْقَةً أَوْ أُنْثَى .. فَطَلْقَتَيْنِ) فَوَلَدَتْهُمَا .. لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، ...
(وإلا) أي: وإن لم يكن حمل ظاهر (فإن ولدت لدون ستة أشهر من التعليق .. بان وقوعه) لتحقق الحمل حين التعليق، إذ لا يمكن أن تأتي به كاملًا لأقل من ذلك.
(أو لأكثر من أربع سنين) وإن لم يطأ (أو بينهما) أي: بين دون الستة الأشهر والأكثر من الأربع سنين (ووطئت) بعد التعليق (وأمكن حدوثه به) بأن كان بين الوطء، والوضع ستة أشهر فأكثر ( .. فلا) يقع الطلاق في الصورتين، للعلم بعدم وجوده عند التعليق في الصورة الأولى، لأن الحمل لا يكون أكثر من أربع سنين، ولجواز حدوثه في الصورة الثانية من الوطء مع استصحاب أصل دوام النكاح.
(وإلا) أي: وإن لم يطأها بعد التعليق، أو وطئها، وكان بين الوطء والوضع دون ستة أشهر ( .. فالأصح: وقوعه) لتبين الحمل ظاهرًا، ولهذا حكم بثبوت النسب، والثاني: المنع، لاحتمال الحدوث، مع أن الأصل بقاء النكاح، والطلاق لا يقع بالشك قال البُلْقيني: وهذا الذي أعتقد رجحانه.
وقضية كلام المصنف: أن حكم الستة الأشهر حكم الأكثر منها، وليس كذلك، بل لا بد فيه من زيادة لحظة على الستة، كما قاله الفوراني، وصرح الأصحاب في (العدد)، بأنه لا بد من مراعاة لحظتين: لحظة للوطء، ولحظة للوضع.
(وإن قال: "إن كنت حاملًا بذكر .. فطلقة، أو أنثى .. فطلقتين"، فولدتهما) معًا أو مرتبًا، ولم يزد ما بينهما على ستة أشهر ( .. وقع ثلاث) لتحقق الصفتين، وإن ولدت أحدهما .. وقع المعلق به، وإن ولدت خنثى .. وقع طلقة في الحال؛ لأنها محققة، وتوقف الثانية إلى بيان حاله، وتنقضي العدة في جميع هذه الصور بالولادة، ويكون الوقوع عند اللفظ.
(أو "إن كان حملك ذكرًا .. فطلقة، أو أنثى .. فطلقتين"، فولدتهما .. لم يقع شيء) لأن قوله: (حملك) يقتضي الحصر في أحد النوعين، فإذا ولدتهما .. لم
الجزء: 3 - الصفحة: 268
أَوْ (إِنْ وَلَدْتِ .. فَأَنْتِ طَالِقٌ) فَوَلَدَتِ اثنيْنِ مُرَتَّبًا .. طَلُقَتْ بِالأَوَّلِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالثَّانِي. وَإِنْ قَالَ: (كُلَّمَا وَلَدْتِ) فَوَلَدَتْ ثَلَاثة مِنْ حَمْلٍ .. وَقَعَ بِالأَوَّلَيْنِ طَلْقَتَانِ وَانْقَضَتْ بِالثَّالِثِ، وَلَا يَقَعُ بِهِ ثَالِثَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ
يحصل الشرط، ولو ولدت ذكرين أو أنثيين .. وقع على الأصحِّ في "أصل الروضة" 759؛ لأن المفهوم من ذلك التعليق بالجنس دون الوحدة، والثاني: لا يقع؛ لأن مقتضى التنكير التوحيد.
هذا عند إطلاق اللفظ، فلو قال: (أردت الحصر في الجنس) .. قبل، وحكم بالطلاق قطعًا، ولو ولدت ذكرًا وخنثى أو أنثى وخنثى فعلى هذا الوجه الثاني: لا طلاق، وعلى الأول: إن بان الخنثى المولود مع الذكر ذكرًا .. وقع طلقة، وإن بان أنثى .. لا يقع شيء، وإن بان الخنثى المولود مع الأنثى ذكرًا .. لم يقع شيء، وإن بان أنثى .. وقع طلقتان.
(أو "إن ولدت .. فأنت طالق"، فولدت اثنين مرتبًا .. طلقت بالأول) لوجود الصفة، (وانقضت عدتها بالثاني) ولا يتكرر الطلاق بتكرر الولادة، لعدم اقتضاء اللفظ التكرار، هذا إذا كانا من حمل واحد بأن كان بينهما دون ستة أشهر، وإن كانا من حملين .. فانقضاء العدة بالثاني مبني على لحوقه بالزوج، وهو لاحق به إن ولدته لأقل من أربع سنين، وهل تحسب هذه المدة من الطلاق أو من انقضاء العدة؟ فيه خلاف يأتي في (العدد).
(وإن قال: "كلما ولدت" فولدت ثلاثة من حمل .. وقع بالأولين طلقتان) لاقتضاء (كلما) التكرار، (وانقضت) عدتها (بالثالث) لتبين براءة الرحم.
(ولا يقع به ثالثة على الصحيح) المنصوص في "الأم" 760، وعامة كتب الشافعي رضي الله عنه؛ لأنها في عدة الطلقتين، ووقت انفصال الثالث هو وقت انقضاء العدة، وبراءة الرحم، ولو وقع الطلاق .. لوقع في تلك الحال؛ لما تقرر: أن الطلاق المعلق بالولادة يقع عند الانفصال، ولا يجوز أن يقع الطلاق في حال انقضاء العدة والبينونة،
الجزء: 3 - الصفحة: 269
وَلَوْ قَالَ لأَرْبَعٍ: (كُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ .. فَصَوَاحِبُهَا طَوَالِقُ) فَوَلَدْنَ مَعًا .. طَلُقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، أَوْ مُرَتَّبًا .. طَلُقَتِ الرَّابِعَةُ ثَلَاثًا، وَكَذَا الأُولَى إِنْ بَقِيَتْ عِدَّتُهَا، وَالثَّانِيَةُ طَلْقَةً، وَالثَّالِثَةُ طَلْقَتَيْنِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهُمَا بِوِلَادَتِهِمَا،
ولهذا لو قال: (أنت طالق مع موتي) .. لم يقع إذا مات؛ لأنه وقت انتهاء النكاح، ولو قال لغير المدخول بها: (إذا طلقتك .. فأنت طالق) فطلقها .. لم تقع أخرى؛ لمصادفتها البينونة، والثاني: وحكي عن نصه في "الإملاء": أنه يقع به ثالثة، وتعتد بالأقراء؛ لأن غايته مقارنة الطلاق البينونة، والمقارنة تكفي للوقوع، تغليبًا للطلاق المبني على سرعة النفوذ؛ كما لو قال لغير المدخول بها: (أنت طالق طلقة معها طلقة) .. فإنه يقع طلقتان على الأصحِّ، وقطع الجمهور بالأول، ولم يثبتوا هذا قولًا، وأولوه كما ذكراه في "الشرحين" و"الروضة" 761، وحينئذ كان ينبغي التعبير بالمذهب أو المشهور.
وصورة المسألة، كما أفهمه كلام المصنف: أن تلدهم مرتبين، فلو ولدتهم معًا في مشيمة .. طلقت ثلاثًا، واعتدت بالأقراء.
ولو أتت بولدين متعاقبين في بطن والتعليق بصيغة (كلما)، فهل تنقضي عدتها بالثاني ولا تقع به طلقة أخرى، أم تقع أخرى؟ فيه الخلاف السابق.
(ولو قال لأربع) حوامل: ("كلما ولدت واحدة .. فصواحبها طوالق"، فولدن معًا .. طلقن ثلاثًا ثلاثًا) لأن لكل واحدة ثلاث صواحب، وعدتهن بالأقراء؛ لأن الطلاق وقع بالولادة، والعدة عقب الطلاق، وتصويره بهما تبع فيه "المحرر" و"الروضة"، وهو يوهم اشتراط أداة التكرار 762، قال المنكت: وليس كذلك، فإن التعليق بـ (إن) كذلك، فلو مثل بها .. كان أحسن 763.
(أو مرتبًا .. طلقت الرابعة ثلاثًا، وكذا الأولى إن بقيت عدتها) أما الرابعة .. فلأنه ولد قبلها ثلاث في عدتها، وأما الأولى .. فلأنه ولد بعدها ثلاث في عدتها.
(والثانية طلقة، والثالثة طلقتين، وانقضت عدتهما بولادتهما) أما الثانية .. فلأنه
الجزء: 3 - الصفحة: 270
وَقِيلَ: لَا تَطْلُقُ الأُولَى وَتَطْلُقُ الْبَاقِيَاتُ طَلْقَةً طَلْقَةً، وَإِنْ وَلَدَتْ ثِنْتَانِ مَعًا ثُمَّ ثِنْتَانِ مَعًا .. طَلُقَتِ الأُولَيَانِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا -وَقِيلَ: طَلْقَةً- وَالأُخْرَيَانِ طَلْقَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ. وَتُصَدَّقُ بِيَمِينِهَا فِي حَيْضِهَا إِذَا عَلَّقَهَا بِهِ، لَا فِي وِلَادَتِهَا فِي الأَصَحِّ،
ولدت قبلها واحدة، ثم انقضت عدتها بولادتها، فلم تطلق بولادة من بعدها، وأما الثالثة .. فلأنه ولد قبلها ثنتان، ثم انقضت عدتها بولادتها، فلم تطلق بولادة من بعدها.
(وقيل: لا تطلق الأولى، وتطلق الباقيات طلقة طلقة) لأن الثلاث عند ولادة الأولى صواحبها؛ لأن الجميع زوجاته، فيطلقن طلقة طلقة، فإذا طلقن .. خرجن عن كونهن صواحب الأولى، وكون الأولى صاحبة لهن، فلا تؤثر بعد ذلك ولادتهن في حقها، ولا في حق بعضهن.
قال الرافعي: والقائل بالأول يقول: ما دمن في العدة فهن زوجات وصواحب، ولهذا لو حلف بطلاق زوجاته .. دخلت الرجعية.
انتهى 764.
واعترض: بأن الثانية لما ولدت .. انقضت عدتها بولادتها، فلم تكن الأولى ولا الباقيات صواحب لها؛ لبينونتها، وكذلك الكلام في اللتين بعدها.
(وإن ولدت ثنتان معًا، ثم ثنتان معًا .. طلقت الأوليان ثلاثًا ثلاثًا) طلقة بولادة من ولدت معها، وطلقتان بولادة الأخريين، (وقيل: طلقة) هذا الخلاف مبني على الوجهين المارين؛ فالأول على الأصحِّ، والثاني على مقابله.
(والأخريان طلقتين طلقتين) بولادة الأوليين على الوجهين، وتنقضي عدتهما بولادتهما، وتعتد الأوليان بالأقراء على الوجهين.
(وتصدق بيمينها في حيضها إذا علقها به) 765 أي: علق به طلاقها؛ لأنها مؤتمنة على ذلك، وإنما حلفت للتهمة؛ لأنها تتخلص به من النكاح، فإن صدقها الزوج .. لم تحلف، (لا في ولادتها في الأصح) كسائر الصفات؛ لإمكان إقامة البينة عليها، بخلاف الحيض، والثاني: تصدق بيمينها؛ كالحيض.
الجزء: 3 - الصفحة: 271
وَلَا تُصَدَّقُ فِيهِ فِي تَعْلِيقِ غَيْرِهَا. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ حِضْتُمَا .. فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ) فَزَعَمَتَاهُ وَكَذَّبَهُمَا .. صُدِّقَ بيَمِينِهِ وَلَا يَقَعُ، وَإِنْ كَذَّبَ وَاحِدَةً .. طَلقَتْ فَقَطْ. وَإِنْ قَالَ: (إِنْ أَوْ إِذَا أَوْ مَتَى طَلَّقْتُكَ .. فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا) فَطَلَّقَهَا .. وَقَعَ الْمُنَجَّزُ فَقَطْ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ،
(ولا تصدق فيه في تعليق) طلاق (غيرها) على حيضها 766؛ لأنه لا سبيل إلى تصديقها بغير يمين، ولو حلفناها .. لكان التحليف لغيرها، فإنه لا تعلق للخصومة بها، والحكم للإنسان بيمين غيره محال.
(ولو قال: إن "حضتما .. فأنتما طالقتان" فزعتماه، وكذبهما .. صدق بيمينه ولا يقع) طلاق واحدة منهما؛ لأن طلاق كل واحدة منهما معلق بشرطين، ولم يثبتا بقولهما.
نعم؛ إن أقامت كل واحدة منهما بينة بحيضها .. وقع، صرح به في "الشامل"، وتوقف فيه ابن الرفعة؛ لأن الطلاق لا يثبت بشهادتهن 767.
(وإن كذب واحدة .. طلقت فقط) لثبوت الشرطين في حقها أما ثبوت حيض ضرتها .. فبتصديقه، وأما حيضها .. فبيمينها، ولا تطلق المصدقة؛ إذ لم يثبت حيض صاحبتها في حقها؛ لتكذيبه.
(وإن قال: "إن أو إذا أو متى طلقتك .. فأنت طالق قبله ثلاثًا" فطلقها .. وقع المنجز فقط) لأنه لو وقع المعلق .. لمنع وقوع المنجز، وإذا لم يقع المنجز .. بطل شرط المعلق، فاستحال وقوع المعلق، ولا استحالة في وقوع المنجز؛ فيقع، وقد يتخلف الجزاء عن الشرط بأسباب.
وشبه هذا بما إذا أقر الأخ بابن للميت .. فإنه يثبت نسبه، ولا يرث.
ولأن الجمع بين المعلق والمنجز ممتنع، ووقوع أحدهما غير ممتنع، والمنجز أولى بأن يقع؛ لأنه أقوى من حيث أن المعلق يفتقر إلى المنجز، ولا ينعكس.
(وقيل: ثلاث) المنجزة وثنتان من المعلق إذا كانت مدخولًا بها؛ لأنه إذا وقعت
الجزء: 3 - الصفحة: 272
وَقِيلَ: لَا شَيْءَ
المنجزة .. حصل شرط وقوع الثلاث؛ لأن الطلاق لا يزيد على ثلاث، فيقع من المعلق تمام الثلاث، ويجعل كما لو قال: (إن طلقتك .. فأنت طالق ثلاثًا)، ويطرح قوله قبله، فإن الاستحالة تجيء منه.
(وقيل: لا شيء) لا المنجز ولا المعلق، أما المنجز .. فلأنه لو وقع .. لوقع ثلاث قبله، لوجود الشرط، ولو وقع ثلاث قبله .. لما وقع؛ إذ لا مزيد على الثلاث، فلزم من وقوعه عدم وقوعه، فلم يقع، وأما المعلق .. فإنه إذا لم يقع المنجز .. لم يوجد الشرط.
وهذا ما صححه الأكثرون على ما اقتضاه إيراد "الشرح" و"الروضة"، ونقلاه عن رواية صاحب "الإفصاح" عن النص، ونسبه في "البحر" إلى جمهور الخراسانيين، وصرح في "البيان" بعزوه إلى الأكثرين، وحكاه الإمام عن المعظم، وهو المشهور عن ابن سريح، وبه اشتهرت المسألة 768، وحكي عنه أنه يقع المنجز، قال الإسنوي في "التنقيح": وإذا كان صاحب مذهبنا قد نص على عدم الوقوع وقال به أكثر الأصحاب خصوصًا الشيخ أبو حامد شيخ العراقيين، والقفال شيخ المراوزة .. كان هو الصحيح، وقال في "المهمات": فكيف تسوغ الفتوى بما يخالف نص الشافعي وكلام الأكثرين.
انتهى 769.
ولما اختار الروياني هذا الوجه قال: لا وجه لتعليم هذه المسألة للعوام في هذا الزمان، وعن الشيخ عز الدين: أنه لا يجوز التقليد في عدم الوقوع، وإذا قلنا بانحسام الطلاق .. فطريقه إذا أراد أن يطلق: أن يعكس التعليق فيقول: (كلما تلفظت بطلاقك فلم يقع عليك .. فأنت طالق قبله ثلاثًا، فإذا طلقها .. انحل الدور ووقع الطلاق؛ لأن الطلاق القبلي قد صار والحالة هذه معلقًا على النقيضين، وهو الوقوع وعدمه، وكل ما كان لازمًا للنقيضين .. فهو واقع ضرورة؛ لاستحالة خلو الواقع عن
الجزء: 3 - الصفحة: 273
وَلَوْ قَالَ: (إِنْ ظَاهَرْتُ مِنْكِ أَوْ آلَيْتُ أَوْ لَاعَنْتُ أَوْ فَسَخْتُ بِعَيْبكِ .. فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا) ثُمَّ وُجِدَ الْمُعَلَّقُ بِهِ .. فَفِي صِحَّتِهِ الْخِلَافُ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ وَطِئْتُكَ مُبَاحًا .. فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ) ثُمَّ وَطِئَ .. لَمْ يَقَعْ قَطْعًا. وَلَوْ عَلَّقَهُ بِمَشِيئَتِهَا خِطَابًا .. اشْتُرِطَتْ عَلَى فَورٍ، أَوْ غَيْبَةً أَوْ بِمَشِيئَةِ أَجْنَبِيٍّ .. فَلَا فِي الأَصَحِّ
أحدهما، كذا حكاه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد عن بعضهم وأقره، واعترضه في "المهمات" بمنع صحة التعليق المتأخر؛ لكونه غير قادر على التنجيز الذي هو فرعه 770.
(ولو قال: "إن ظاهرت منك، أو آليت، أو لاعنت، أو فسخت بعيبك .. فأنت طالق قبله ثلاثًا"، ثم وجد المعلق به .. ففي صحته) أي: المعلق به، وهو الظهار وما بعده (الخلاف) في وقوع المنجز، فإن لم نوقعه .. لم يصح شيء من ذلك؛ للدور، وإن أوقعناه لفساد الدور .. صح جميع ذلك، ولم يقع الطلاق الثلاث المعلقة على ذلك؛ لئلا تبين فتلغو هذه الأمور.
(ولو قال: "إن وطئتك مباحًا .. فأنت طالق قبله"، ثم وطئ .. لم يقع قطعًا) إذ لو طلقت .. لخرج الوطء عن أن يكون مباحًا، وسواء ذكر الثلاث أم لا، وإنما لم يأت الخلاف هنا؛ لأن موضعه: إذا انسد بتصحيح الدور باب الطلاق، أو غيره من التصرفات الشرعية، وهنا لم ينسد.
(ولو علقه) أي: الطلاق (بمشيئتها خطابًا) بأن قال: (أنت طالق إن شئت)، أو (إذا شئت) ( .. اشترطت) مشيئتها (على فور) لأنه في معنى تفويض الطلاق إليها، وهو تمليك كما سبق، ولا يشترط الفور في (متى شئت).
(أو غيبة) بأن قال: (زوجتي طالق إن شاءت) سواء حضرته وسمعته أم لا (أو بمشيئة أجنبي .. فلا) يشترط الفور في جوابهما (في الأصح) لبعد الصيغة عن التمليك إذا لم يكن على وجه الخطاب، والثاني: نعم؛ بناء على أن المعنى في اشتراط الفور في مشيئتها: تمليكها البضع، ولو قال: (امرأتي طالق إن شاء زيد) .. لم يشترط الفور قطعًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 274
وَلَوْ قَالَ الْمُعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ: (شِئْتُ) كَارِهًا بِقَلْبِهِ .. وَقَعَ، وَقِيلَ: لَا يَقَعُ بَاطِنًا. وَلَا يَقَعُ بِمَشِيئَةِ صَبيَّةٍ وصَبيٍّ، وَقِيلَ: يَقَعُ بِمُمَيِّزٍ. وَلَا رُجُوعَ لَهُ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاَثًا إِلَّا أنْ يَشَاءَ زَيْدٌ طَلْقَةً) فَشَاءَ طَلْقَةً .. لَمْ تَطْلُقْ، وَقِيلَ: تَقَعُ طَلْقَةً. وَلَوْ عَلَّقَ بِفِعْلِهِ فَفَعَلَ نَاسِيًا لِلتَّعْلِيقِ أَوْ مُكْرَهًا .. لَمْ تَطْلُقْ فِي الأَظْهَرِ،
(ولو قال المعلق بمشيئته: "شئت" كارهًا بقلبه .. وقع) ظاهرًا وباطنًا؛ لأن المعلَّق عليه ذلك، (وقيل: لا يقع باطنًا) كما لو علق بحيضها .. فأخبرت به كاذبة.
وفرق الأول: بأن التعليق في الحقيقة على لفظ المشيئة، وقد وجد، بخلاف الحيض.
(ولا يقع بمشيئة صبية وصبي) لأنه لا اعتبار بمشيئتهما في التصرفات، (وقيل: يقع بمميِّز) لأن مشيئته معتبرة في اختيار أحد أبويه، أما غير المميز .. فلا يقع بمشيئته جزمًا، والحكم في المجنون والمجنونة كذلك.
(ولا رجوع له قبل المشيئة) كسائر التعليقات.
(ولو قال: "أنت طالق ثلاثًا إلا أن يشاء زيد طلقة"، فشاء طلقة .. لم تطلق) وهو استثناء من أصل الطلاق؛ كما لو قال: (أنت طالق إلا أن يدخل أبوك الدار)، فدخل، ولو شاء أكثر من طلقة فقد شاء طلقة وزاد .. فلا يقع أيضًا شيء، فإن لم يشأ شيئًا .. وقع الثلاث، (وقيل: تقع طلقة) ويكون التقدير: (إلا أن يشاء زيد واحدة) فتقع، فيكون الإخراج من وقوع الثلاث لا من أصل الطلاق، وقيل: يقع طلقتان، والتقدير: (إلا أن يشاء عدم وقوع واحدة)، فيقع الباقي.
(ولو علق بفعله) أي: بفعل نفسه (ففعل ناسيًا للتعليق أو مكرهًا .. لم تطلق في الأظهر) لقوله عليه السلام: "وُضِعَ لِي عَنْ أُمَّتِيَ الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" 771 رواه ابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم 772.
الجزء: 3 - الصفحة: 275
أَوْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُبَالِي بِتَعْلِيقِهِ وَعَلِمَ بِهِ .. فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا .. فَيَقَعُ قَطْعًا
ومقتضاه: رفع الحكم، فيعم كل حكم إلا ما قام دليل على استثنائه؛ كقيم المتلفات.
والثاني: تطلق؛ لوجود الصفة الشاملة للمختار، وغيره، وبه أفتى ابن الصلاح 773، وابن عبد السلام، وابن رزين، وقطع القفال بالوقوع هنا، بخلاف الإيمان؛ لأن التعويل فيها على تعظيم الاسم، والحنث هتك حرمته، ولا هتك مع النسيان والإكراه، والطلاق تعليق بصفة وقد وجدت، والجمهور على أنه لا فرق بين الحلف بالله وبين الطلاق.
(أو بفعل غيره) من امرأته أو أجنبي (ممن يبالي بتعليقه) أي: يحرص على إبرار قسمه ولو حياء لمكارم الأخلاق (وعلم به) أي: علم ذلك الغير بتعليقه، ففعله ناسيًا أو مكرهًا ( .. فكذلك) أي: هو على القولين.
والأظهر: المنع، ويشترط مع العلم والمبالاة: أن يكون الزوج قصد منعه أو حثه.
(وإلا) أي: وإن كان لا يبالي بتعليقه؛ كالسلطان والحجيج، إذا علق بقدومهما، أو يبالي بتعليقه ولم يعلم به ( .. فيقع قطعًا) وإن وجد ذلك الفعل مع النسيان والإكراه؛ لأنه لا يتعلق بالتعليق والحالة هذه غرضُ حثٍّ ولا منع، وإنما الطلاق معلق بصورة ذلك الفعل.
نعم؛ القطع بالوقوع فيما إذا كان يبالي ولم يعلم بتعليقه، فيه نظر، وكثيرًا ما يقع عنه السؤال.
وقد استشكله السبكي، وقال: كيف يقع بفعل الجاهل قطعًا، ولا يقع بفعل الناسي على الأظهر، مع أن الجاهل أولى بالمعذرة من الناسي؟
الصواب: حمل كلام "المنهاج" على ما إذا قصد الزوج مجرد التعليق، ولم يقصد إعلامه؛ ليمتنع، وقد أرشد الرافعي إلى ذلك؛ فإن عبارته وعبارة "الروضة": ولو علق بفعل الزوجة أو أجنبي فإن لم يكن للمعلق بفعله شعور
الجزء: 3 - الصفحة: 276
فَصْلٌ [في الإشارة إلى العدد وأنواع من التعليق]
قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ) وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ .. لَمْ يَقَعْ عَدَدٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ، فَإِنْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: (هكَذَا) .. طَلُقَتْ فِي إِصبَعَيْنِ طَلْقَتَيْنِ وَفِي ثَلَاثٍ ثَلَاثًا،
بالتعليق، ولم يقصد الزوج إعلامه .. ففي قوله: (ولم يقصد إعلامه) ما يرشد إلى ذلك.
انتهى.
أما لو قصد منعه، وكان ممن يبالي بتعليقه، ولم يعلم .. فالذي صرح به الجمهور، كما ذكره في "المهمات" أنه على القولين المذكورين 774.
ويمكن أن يقال: قوله: (ممن يبالي بتعليقه، وعلم به) فكذلك، أي: لا يقع عند الإكراه ولا النسيان، ثم قال: (وإلا .. فيقع) أي: وإن لم يحصل علم ولا مبالاة .. وقع، فالوقوع مرتب على انتفاء الأمرين، فدل على أنه إذا وجد أحدهما .. لا يقع؛ لأن الوقوع مرتب على شيئين، ولم يوجد إلا أحدهما، وهو انتفاء العلم دون انتفاء المبالاة، والمرتب على مجموع الشيئين لا يلزم ترتبه على أحدهما، لكن يرد على هذا التقدير: ما إذا لم يبال وعلم .. فإنه يقع قطعًا، ولم يوجد مجموع الشيئين 775.
(فصل: قال: "أنت طالق"، وأشار بإصبعين أو ثلاث .. لم يقع عدد إلا بنية) لأن الطلاق لا يتعدد إلا بلفظ أو نية، ولم يوجد واحد منهما، وأفهم وقوع واحدة؛ لأن الواحد ليس بعدد، وهو كذلك.
(فإن قال: مع ذلك: "هكذا" .. طلقت في إصبعين طلقتين، وفي ثلاث ثلاثًا) لأن الإشارة بالأصابع في العدد بمنزلة النية، هذا إذا أشار إشارة مفهمة للطلقتين أو
الجزء: 3 - الصفحة: 277
فَإنْ قَالَ: (أَرَدْتُ بِالإِشَارَةِ الْمَقْبُوضَتَيْنِ) .. صدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَلَوْ قَالَ عَبْدٌ: (إِذَا مَاتَ سَيِّدِي .. فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ)، وَقَالَ سَيِّدُهُ: (إِذَا مِتُّ .. فَأَنْتَ حُرٌّ) فَعَتُقَ بِهِ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ بَلْ لَهُ الرَّجْعَةُ، وَتَجْدِيدٌ قَبْلَ زَوْجٍ
للثلاث، وإلا .. فقد يعتاد الإنسان الإشارة بأصابعه الثلاث في الكلام، فلا يظهر الحكم بوقوع العدد إلا بقرينة، قاله الإمام، وأقراه 776.
وخرخ بقوله: (مع ذلك)، ما لو قال: (أنت هكذا)، وأشار بأصابعه الثلاث، ولم يقل (طالق)، وفي "فتاوى القفال": إن نوى الثلاث .. وقع، وإلا .. فلا؛ كما لو قال: (أنت ثلاثًا)، ولم ينو بقلبه، وقال غيره: ينبغي ألّا تطلق وإن نوى الطلاق؛ لأن اللفظ لا يشعر بطلاق، وصححه في "زيادة الروضة" 777.
(فإن قال: "أردت بالإشارة المقبوضتين" .. صدق بيمينه) لاحتمال الإشارة بهما.
(ولو قال عبد: "إذا مات سيدي .. فأنت طالق طلقتين"، وقال سيده: "إذا مت .. فأنت حر"، فعتق به) أي: بموت السيد ( .. فالأصح: أنها لا تحرم) الحرمة الكبرى (بل له الرجعة) إن بقيت العدة (وتجديد قبل زوج) إن بانت؛ لأن وقوع الطلقتين وعتق العبد معلقان بالموت، فوقعا معًا.
والعتق كما لا يتقدم الطلاق لم يتأخر، فإذا وقعا معًا .. غلب حكم الحرية؛ كما تصح الوصية لمدبرة وأم ولده وإن كان العتق واستحقاق الوصية يتقارنان، فجعل كما لو تقدم العتق.
والثاني: يحرم، ولا تحل إلا بمحلل؛ لأن العتق لم يتقدم وقوع الطلاق، فصار كما لو طلقها طلقتين ثم عتق.
واحترز بقوله: (فعتق به) عما إذا عتق بعضه؛ بأن لم يخرج من الثلث، فإنها
الجزء: 3 - الصفحة: 278
وَلَوْ نَادَى إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ فَأَجَابَتْهُ الأُخْرَى فَقَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ) وَهُوَ يَظُنُّهَا الْمُنَادَاةَ .. لَمْ تَطْلُقِ الْمُنَادَاةُ وَتَطْلُقُ الْمُجيبَةُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ عَلَّقَ بِأَكْلِ رُمَّانَةٍ وَعَلَّقَ بِنِصْفٍ فَأَكَلَتْ رُمَّانَةً .. فَطَلْقَتَانِ. وَالْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ: مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَثٌّ أَوْ مَنعٌ أَوْ تَحْقِيقُ خَبَرٍ؛
تبين بالطلقتين؛ لأن المبعض كالقن في عدد الطلقات، ولا تختص المسألة بموت السيد، بل يجري الخلاف في كل صورة تعلق عتق العبد ووقوع طلقتين على زوجته بصفة واحدة؛ كما لو قال العبد: (إذا جاء الغد .. فأنت طالق طلقتين)، وقال السيد: (إذا جاء الغد .. فأنت حر).
ولو قال العبد: (إذا عتقت .. فأنت طالق طلقتين)، وقال السيد: (إذا جاء الغد .. فأنت حر)، فإذا جاء الغد .. عتق، وطلقت طلقتين، ولا تحرم عليه قطعًا؛ لأن العتق سبق وقوع الطلاق، نقلاه عن الشيخ أبي علي، وأقراه 778.
ولو علق السيد عتقه بموته، وعلق العبد الطلقتين بآخر جزء من حياة السيد .. انقطعت الرجعة، واشترط المحلل قطعًا؛ لأن الطلاق صادف الرق.
(ولو نادى إحدى زوجتيه فأجابته الأخرى فقال: "أنت طالق"، وهو يظنها المناداة .. لم تطلق المناداة) لأنه لم يخاطبها بطلاق، وإنما ظن أنه يخاطبها ظنًّا مخطئًا، (وتطلق المجيبة في الأصح) لخطابها بالطلاق، والثاني: لا؛ لانتفاء قصدها.
(ولو علق بأكل رمانة، وعلق بنصف) بأن قال: (إن أكلت رمانة .. فأنت طالق)، وقال أيضًا: (إن أكلت نصف رمانة .. فأنت طالق)، (فأكلت رمانة .. فطلقتان) لوجود الصفتين؛ لأنه يصدق أنها أكلت رمانة ونصف رمانة، هذا إذا علق بما لا يقتضي التكرار كـ (إن)، فإن علق بـ (كلما) .. طلقت ثلاثًا؛ لأنها أكلت رمانة، ونصف رمانة مرتين.
(والحلف بالطلاق: ما تعلق به حث أو منع أو تحقيق خبر) لأن الحلف بالطلاق
الجزء: 3 - الصفحة: 279
فَإِذَا قَالَ: (إِنْ حَلَفْتُ بطَلَاقٍ .. فَأَنْتِ طَالِقٌ)، ثُمَّ قَالَ: (إِنْ لَمْ تَخْرُجِي أَوْ إِنْ خَرَجْتِ أَوْ إِنْ لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ كَمَا قُلْتِ .. فَأَنْتِ طَالِقٌ) .. وَقَعَ الْمُعَلَّقُ بِالْحَلِفِ، وَيَقَعُ الآخَرُ إِنْ وُجِدَتْ صِفَتُهُ، وَلَوْ قَالَ: (إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ جَاءَ الْحَاجُّ .. فَأَنْتِ طَالِقٌ) .. لَمْ يَقَعِ الْمُعَلَّقُ بِالْحَلِفِ. وَلَوْ قِيلَ لَهُ اْتِخْبَارًا: (أَطَلَّقْتَهَا؟ ) فَقَالَ: (نَعَمْ) .. فَإِقْرَارٌ بِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ مَاضِيًا وَرَاجَعْتُ .. صُدِّقَ بِيَميِنِهِ
فرع الحلف بالله، والحلف بالله تعالى يشتمل على ذلك.
(فإذا قال: "إن حلفت بطلاق .. فأنت طالق"، ثم قال: "إن لم تخرجي، أو إن خرجت، أو إن لم يكن الأمر كما قلت .. فأنت طالق" .. وقع المعلق بالحلف) في الحال؛ لأنه حلف.
والمثال الأول: للحث.
والثاني: للمنع.
والثالث: لتحقيق الخبر.
(ويقع الآخر إن وجدت صفته) وهي في العدة؛ كما قاله في "المحرر" 779.
(ولو قال: ) بعد قوله: (إن حلفت ... ) إلى آخره ("إذا طلعت الشمس أو جاء الحاج .. فأنت طالق" .. لم يقع المعلق بالحلف) إذ لا حث، ولا منع، ولا تحقيق خبر، بل ذلك تعليق محض على صفة، فإذا وجدت .. وقع الطلاق المعلق عليها.
(ولو قيل له استخبارًا: "أطلقتها؟ ") أي: زوجتك (فقال: "نعم" .. فإقرار به) لأنه صريح إقرار؛ لأن التقدير: (نعم؛ طلقتها)، فإن كان كاذبًا .. فهي زوجته في الباطن.
(فإن قال: "أردت) طلاقًا (ماضيًا، وراجعت" .. صدق بيمينه) لاحتمال ما يدعيه.
واحترز بقوله: و (راجعت) عما إذا قال: (وجددت النكاح)، فإنه مبني على
الجزء: 3 - الصفحة: 280
وَإِنْ قِيلَ ذَلِكَ الْتِمَاسًا لإِنْشَاءٍ فَقَالَ: (نَعَمْ) .. فَصرِيحٌ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ.
فَصْلٌ [في أنواع أخرى من التعليق]
عَلَّقَ بِأَكْلِ رَغِيفٍ أَوْ رُمَّانَةٍ فَبَقِيَ لُبَابَةٌ أَوْ حَبَّةٌ .. لَمْ يَقَعْ. وَلَوْ أَكَلَا تَمْرًا وَخَلَطَا نَوَاهُمَا فَقَالَ: (إِنْ لَمْ تُمَيِّزِي نَوَاكِ
ما سبق فيما إذا قال: (أنت طالق)، وفسره بذلك.
(وإن قيل ذلك التماسًا لإنشاء فقال: "نعم" .. فصريح) في الإيقاع في الحال؛ كما هو صريح في الإقرار، (وقيل: كناية) لأن (نعم) ليست معدودة من صرائح الطلاق.
هذا إذا اقتصر على (نعم) فإن قال: (نعم طلقت)، فهو صريح قطعًا.
(فصل: علق بأكل رغيف أو رمانة فبقي لبابة، أو حبة .. لم يقع) لصدق القول بأنها لم تأكل الكل وإن كان يقال في العرف: (أكلتها)، وما أطلقه نقلاه في "الروضة" و"أصلها" عن القاضي الحسين.
وقال الإمام في مسألة الرغيف: إن بقي منه ما يُسمَّى قطعة تُحَسُّ ويجعل لها موقع .. لم يحنث، وربما ضبط ذلك: بأن يُسمَّى قطعة خبز، وإن دق مدركه .. لم يظهر له أثر في بر ولا حنث.
قال: وهذا مقطوع به عندي في حكم العرف، وكان شيخي يقطع به في "الفتاوى"، قال الشيخان: والوجه: تنزيل إطلاق القاضي على هذا التفصيل، ولهذا عبر في "المحرر" بكِسرة 780، وفيه إشارة للتفصيل، بخلاف تعبير "الكتاب".
(ولو أكلا) أي: الزوجان (تمرًا وخلطا نواهما فقال: "إن لم تميزي نواك ..
الجزء: 3 - الصفحة: 281
فَأَنْتِ طَالِقٌ) فَجَعَلَتْ كُلَّ نَوَاةٍ وَحْدَهَا .. لَمْ يَقَعْ إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ تَعْيِينًا. وَلَوْ كَانَ بِفَمِهَا تَمْرَةٌ فَعَلَّقَ بِبَلْعِهَا ثُمَّ بِرَمْيِهَا ثُمَّ بِإِمْسَاكِهَا فَبَادَرَتْ مَعَ فَرَاغِهِ بِأَكْلِ بَعْضٍ وَرَمْيِ بَعْضٍ .. لَم يَقَعْ. وَلَوِ أتَّهَمَهَا بِسَرِقَةٍ فَقَالَ: (إِنْ لَمْ تَصْدُقِينِي .. فَأَنْتِ طَالِقٌ) فَقَالَتْ: (سَرَقْتُ، مَا سَرَقْتُ) .. لَمْ تَطْلُقْ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ لَمْ تُخْبِرِينِي بِعَدَدِ حَبِّ هَذِهِ الرُّمَّانَةِ قَبْلَ كَسْرِهَا) .. فَالْخَلَاصُ: أَنْ
فأنت طالق" فجعلت كل نواة وحدها .. لم يقع) لأن بذلك يتميز نوى أحدهما (إلا أن يقصد تعيينًا) أي: تعيين نواه من نواها، فلا يتخلص بذلك، لأنه لا يحصل بالتفريق.
وقضية كلامه: أنه يقع حينئذ، وبه صرح ابن الملقن 781 وعبارة "المحرر" و"الشرح" و"الروضة" لا تقتضيه، حيث قالا: فيحصل الخلاص بكذا، إلا إن قصد التعيين .. فلا يتخلص بذلك 782.
قال الأَذْرَعي وغيره: وحينئذ فيحتمل أن يكون من التعليق بالمستحيل عادة؛ لتعذره.
(ولو كان بفمها تمرة فعلق ببلعها ثم برميها ثم بإمساكها فبادرت مع فراغه بأكل بعض ورمي بعض .. لم يقع) لأن أكل البعض ورمي البعض مغاير لهذه الثلاثة، ولا يشترط الإتيان هنا بـ (ثم)، وإنما يشترط تأخير يمين الإمساك، فلو تقدمت أو توسطت .. حنث.
وقوله: (فبادرت بأكل بعض ورمي بعض) لا حاجة إليهما، بل يحتاج إلى المبادرة بأحدهما فقط.
(ولو اتهمها بسرقة فقال: "إن لم تصدقيني .. فأنت طالق"، فقالت: "سرقت، ما سرقت" .. لم تطلق) لصدقها في أحد الإخبارين لا محالة.
(ولو قال: "إن لم تخبريني بعدد حب هذه الرمانة قبل كسرها" .. فالخلاص أن
الجزء: 3 - الصفحة: 282
تَذْكُرَ عَدَدًا يُعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَنْقُصُ عَنْهُ، ثُمَّ تَزِيدُ وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى تبلُغَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ، وَالصُّورَتَانِ فِيمَنْ لَمْ يَقْصِدْ تَعْرِيفًا. وَلَوْ قَالَ لِثَلَاثٍ: (مَنْ لَمْ تُخْبِرْنِي بِعَدَدِ رَكَعَاتِ فَرَائِضِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ .. فهِيَ طَالِقٌ) فَقَالَتْ وَاحِدَةٌ: (سَبع عَشْرَةَ)، وَأُخْرَى: (خَمْسَ عَشْرَةَ) أَي: يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَثَالِثَةٌ: (إِحْدَى عَشْرَةَ)، أَي: لِمُسَافِرٍ .. لَمْ يَقَعْ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ إِلَى حِينٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ بَعْدَ حِينٍ) .. طَلقَتْ بِمُضِيِّ لَحْظَةٍ. وَلَوْ عَلَّقَ بِرُؤْيَةِ زَيْدٍ أَوْ لَمْسِهِ أَوْ قَذْفِهِ .. تنَاوَلَهُ حَيًّا وَمَيْتًا،
تذكر عددًا يُعلم أنها لا تنقص عنه، ثم تزيد واحدًا واحدًا حتى تبلغ ما يعلم أنها لا تزيد عليه) ليدخل ذلك في جملته، فتكون ذاكرة له ومخبرة عنه، فتقول: مئة، مئة وواحد، مئة واثنان، وهكذا إلى أن تنتهي إلى عدد يستيقن أن الحبات لا تنقص عنه.
(والصورتان) أي: صورة السرقة والرمانة (فيمن لم يقصد تعريفًا) فإن قصد تعريفًا .. لم يتخلص بذلك؛ لأن التعريف لا يحصل بذلك.
(ولو قال لثلاث: "من لم تخبرني بعدد ركعات فرائض اليوم والليلة فهي طالق" فقالت واحدة: "سبع عشرة") أي: في أغلب الأحوال (وأخرى: "خمس عشرة" أي: يوم جمعة، وثالثة: "إحدى عشرة" أي: لمسافر .. لم يقع) على واحدة منهن طلاق؛ لصدق الكل.
(ولو قال: "أنت طالق إلى حين، أو زمان، أو بعد حين" .. طلقت بمضي لحظة) لأن الحين والزمان يقع على المدة الطويلة والقصيرة.
(ولو علق برؤية زيد أو لمسه أو قذفه .. تناوله حيًّا وميتًا) لصدق الاسم، وتكفي رؤية شيء من بدنه وإن قل.
وقيل: يعتبر الوجه، ولو رأته، وهو في الماء الصافي، أو من وراء زجاجة شفافه .. طلقت على الصحيح، بخلاف ما لو رأت صورته في الماء، أو في المرآة.
ويشترط في اللمس: عدم الحائل، ولو لمست شعره أو ظفره .. لم تطلق؛ ولأن قذف الميت كقذف الحي، ولهذا يحد بقذفه.
الجزء: 3 - الصفحة: 283
بِخِلَافِ ضَرْبِهِ. ولَوْ خَاطَبَتْهُ بِمَكْرُوهٍ كَـ (يَا سَفِيهُ يَا خَسِيسُ) فَقَالَ: (إِنْ كُنْتُ كَذَلِكَ .. فَأَنْتِ طَالِقٌ)؛ إِنْ أَرَادَ مُكَافَأَتَهَا بِإِسْمَاعِ مَا تَكْرَهُ .. طَلُقَتْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَفَهٌ، أَوِ التَّعْلِيقَ .. اعْتُبِرَتِ الصِّفَةُ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَقْصِدْ فِي الأَصَحِّ. وَالسَّفَهُ: مُنَافٍ إِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ. وَالْخَسِيسُ: قِيلَ: مَنْ بَاعَ دِينَهُ بِدُنْيَاهُ،
(بخلاف ضربه) فإنه لا يتناول إلا الحي؛ لأن القصد بالضرب ما يؤلم أو يضر، وهو يستدعي الحياة، وهل يشترط في الضرب الإيلام؟ صححا في "الروضة" و"أصلها" هنا الاشتراط 783، وصححا في (الأيمان) عدم الاشتراط، وصوبه في "المهمات" 784.
(ولو خاطبته بمكروه كـ "يا سفيه يا خسيس"، فقال: "إن كنت كذلك .. فأنت طالق"، إن أراد مكافأتها بإسماع ما تكره) من الطلاق كما غاظته بالشتم ( .. طلقت) في الحال.
(وإن لم يكن سفه) ولا خسة، ومعناه: (إذا كنتُ كذلك في زعمك .. فأنت طالق) (أو التعليق .. اعتبرت الصفة) كما هو سبيل التعليقات.
(وكذا إن لم يقصد) مكافأة ولا تعليقًا (في الأصح) مراعاة للفظ، فإن مقتضاه التعليق.
والثاني: يحمل على المكافأة؛ اعتبارًا بالعرف.
(والسفه مناف إطلاق التصرف) كذا قاله الرافعي بحثًا 785، قال الأَذْرَعي: ينبغي حمله على: بذيء اللسان المتفحش المواجه بما يستحي غالب الناس من المواجهة به؛ لأنه العرف، لا سيما العامي الذي لا يعرف السفه غيره 786.
(والخسيس: قيل: من باع دينه بدنياه) قاله العبادي قال: وأخس الأخساء من
الجزء: 3 - الصفحة: 284
وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَنْ يَتَعَاطَى غَيْرَ لَائِقٍ بِهِ بُخْلًا.
باع آخرته بدنيا غيره، (ويشبه أن يقال: هو من يتعاطى غير لائق به بخلًا) لأن ذلك قضية العرف، وهذا من تفقه الرافعي.
واحترز بقوله: (بخلًا) عما لو تعاطاه تواضعًا، أو زهدًا، أو طرحًا للكلفة.
الجزء: 3 - الصفحة: 285
كتابُ الرَّجْعَة شَرْطُ الْمُرْتَجِع: أَهْلِيَّةُ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ طَلَّقَ فَجُنَّ .. فَلِلْوَليِّ الرَّجْعَةُ عَلَى الصَّحِيحِ حَيْثُ لَهُ ابتِدَاءُ النِّكَاحِ
﴿كتاب الرجعة﴾
هي بفتح الراء وكسرها، والفتح أفصح، قاله الجوهري، وقال الأزهري: الكسر أكثر 787، وهي في اللغة: المرة من الرجوع، وفي الشرع: الرد إلى النكاح بعد طلاق غير بائن.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في العدة ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ أي: رجعة، قاله الشافعي 788.
وطلق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ثم راجعها، كما رواه أبو داوود 789.
(شرط المرتجع: أهلية النكاح بنفسه) لأنها إنشاء نكاح.
وخرج بالأهلية: المرتد؛ لأن مقصود الرجعة الحل، والردة تنافيه.
واحترز بقوله: (بنفسه) عن الصبي والمجنون، فإنهما أهل للنكاح بوليهما لا بنفسهما، [ودخل فيه السكران والسفيه والعبد، فإنه يصح رجعتهم وإن لم يأذن السيد للعبد والولي للسفيه؛ لأنهما أهل النكاح بأنفسهم] 790 وإن كان شرطه في العبد والسفيه إذن السيد والولي، كذا قاله في "الدقائق" 791.
والاحتراز عن الصبي فيه تجوز، إذ لا يتصور وقوع طلاقه حتى يقال: لا تصح رجعته.
(ولو طلق فجن .. فللولي الرجعة على الصحيح حيث له ابتداء النكاح) بناء على جواز التوكيل في الرجعة، وهو الصحيح.
الجزء: 3 - الصفحة: 287
وَتَحْصُلُ بِـ (رَاجَعْتُكِ) وَ (رَجَعْتُكِ) وَ (ارْتَجَعْتُكِ). وَالأَصَحّ: أَنَّ الرَّدَّ وَالإِمْسَاكَ صَرِيحَانِ، وَأَنَّ التَّزْوِيجَ وَالنِّكَاحَ كِنَايَتَانِ. وَلْيَقُلْ: (رَدَدْتُهَا إِلَيَّ أَوْ إِلَى نِكَاحِي).
(وتحصل بـ "راجعتك"، و"رجعتك"، و"ارتجعتك") وهذه الألفاظ صريحة؛ لشيوعها وورود الأخبار بها، وسواء أضاف إليه أو إلى نكاحه؛ كقوله: (إلي أو إلى نكاحي) أم لا، لكنه مستحب، ولا بد من إضافتها إلى مُظهرٍ؛ كـ (راجعت فلانة)، أو مضمر؛ كـ (راجعتك)، أو مشار إليه؛ كـ (راجعت هذه)، وأما مجرد (راجعت)، و (ارتجعت) .. فلا ينفع.
(والأصح: أن الرد والإمساك صريحان) لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم لركانة: "اُرْدُدْهَا" 792، والثاني: أنهما كنايتان؛ لعدم اشتهارهما اشتهار الرجعة، وصوبه في "المهمات" بالنسبة إلى الإمساك؛ لنقله في "البحر" إياه عن نصه في عامة كتبه 793.
(وأن التزويج والنكاح كنايتان) لعدم استعمالهما في الرجعة، والثاني: صريحان؛ لأنهما صالحان لابتداء العقد والحل فلأن يصلحا للتدارك أولى، والثالث: أنهما لغو؛ لعدم الإشعار بالتدارك، هذا كله إذا قال: (تزوجتك)، أو (نكحتك) وحده، فلو جرى العقد على صورة الإيجاب والقبول .. قال الروياني: الأصحُّ هنا: الصحة؛ لأنه آكد في الإباحة، وأقراه في "الشرح" و"الروضة" 794، وقال المصنف في "فتاويه": إنه الصحيح.
ولو قال: (اخترت رجعتك)، ونوى الرجعة .. حصلت الرجعة على الأصحِّ في "زيادة الروضة" 795.
(وليقل: "رددتها إلي أو إلى نكاحي") حتى يكون صريحًا؛ لأن الرد وحده قد يفهم الرد إلى أهلها بسبب الفراق.
الجزء: 3 - الصفحة: 288
وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الإِشْهَادُ، فَتَصِحُّ بِكِنَايَةٍ. وَلَا تَقْبَلُ تَعْلِيقًا، وَلَا تَحْصُلُ بِفِعْلٍ كَوَطْءٍ. وَتَخْتَصُّ الرَّجْعَةُ بِمَوْطُوءَةٍ
وظاهر كلامه: أن هذا واجب، وهو ما رجحاه تبعًا للغزالي 796، لكن قال ابن الرفعة: المشهور: عدم الاشتراط 797.
ولم يذكر المصنف الإضافة في الإمساك، ومقتضاه: عدم الاشتراط، لكن في "الشرح" و"الروضة": إذا جعلنا الإمساك صريحًا .. فيشبه أن يجيء في اشتراط الإضافة وجهان؛ كالرد، وجزم البغوي بعدم الاشتراط، وأنه مستحب 798.
(والجديد: أنه لا يشترط الإشهاد) لأن الرجعة في حكم استدامة النكاح السابق، ولذلك لا يحتاج إلى الولي ورضا المرأة، وإنما أشهد على النكاح؛ لإثبات الفراش، وهو ثابت هنا، والثاني: يشترط، ونص عليه في "الإملاء"، وهو من الجديد؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وحَمل الأولُ الأمر على الندب.
(فتصح بكناية) بناء على عدم اشتراط الإشهاد؛ لأنه مستقل بها؛ كالطلاق، فإن قلنا: باشتراطه .. لم تصح؛ كالنكاح؛ لعدم اطلاع الشهود على النية، وفيه احتمال للغزالي؛ لأن القرينة قد يفهمها الشهود 799.
(ولا تقبل تعليقًا) كالنكاح وسائر العقود (ولا تحصل بفعل؛ كوطء) ومقدماته؛ لأن الوطء يوجب العدة، فكيف يقطعها؟ !
نعم؛ الأخرس تصح منه بإشارته المفهمة.
(وتختص الرجعة بموطوءة) لأنه لا عدة على غيرها، والله تعالى إنما أثبت الرجعة في العدة بقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في التربص المفهوم من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾.
الجزء: 3 - الصفحة: 289
طُلِّقَتْ بِلَا عِوَضٍ لَمْ يُسْتَوْفَ عَدَدُ طَلَاقِهَا، بَاقِيَةٍ فِي الْعِدَّةِ، مَحَلٍّ لِحِلٍّ، لَا مُرْتَدَّةٍ. وَإِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّةِ أَشْهُرٍ وَأَنْكَرَ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، أَوْ وَضْعَ حَمْلٍ لِمُدَّةِ إِمْكَانٍ، وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيضُ لَا آيِسَةٌ .. فَالأَصَحُّ: تَصْدِيقُهَا بِيَمِينٍ
وشمل إطلاقه: الموطوءة في الدبر، وهو الأصحُّ؛ بناءً على الصحيح أنه يوجب العدة، لكنه يخرج من استدخلت ماء الزوج، والأصحُّ: أنه يوجب العدة، فعلى هذا: تثبت به الرجعة، وبه جزم في "الروضة" في (باب مثبتات الخيار) في الكلام على العنة 800، وتخرج الخلوة، وهو كذلك؛ بناء على المذهب: أنه لا عدة بها.
(طلقت بلا عوض) فالمفسوخ نكاحها لا رجعة فيها؛ لأن الله تعالى أناطها بالطلاق، فاختصت به، والمطلقة بعوض قد ملكت نفسها بما بذلته (لم يُستوف عدد طلاقها) فإن استوفي .. لم تحل إلا بعد نكاح زوج آخر؛ كما تقرر في موضعه (باقيةٍ في العدة) لقوله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، ولو كان حق الرجعة باقيًا .. لما كان يباح لهن النكاح.
وكان ينبغي أن يقول: (في العدة الأولى) حتى يخرج ما إذا خالط الرجعية مخالطة الأزواج بلا وطء؛ فإن العدة لا تنقضي، ولا رجعة له بعد الأقراء والأشهر؛ كما سيأتي في (العدد).
(محلٍّ لحل) أي: قابلة للحل (لا مرتدة) لأن مقصود الرجعة الحل، والردة تنافيه، وشمل إطلاقه: الطلاق المبهم، والأصحُّ: أنه لا رجعة حال الإبهام؛ لأنها لا تقبل التعليق، فلا تقبل الإبهام.
(وإذا ادعت انقضاء عدة أشهر وأنكر .. صدق بيمينه) لأن الخلاف يرجع إلى وقت الطلاق، والقول قوله في أصل الطلاق، فكذا في وقته.
(أو وضع حمل لمدة إمكان، وهي ممن تحيض لا آيسة .. فالأصح: تصديقها بيمين) بالنسبة إلى انقضاء العدة خاصة؛ لأن النساء مؤتمنات على ما في أرحامهن، والثاني: لا، وتطالب بالبينة؛ لأنها مدعية، والغالب: أن القوابل يشهدن الولادة.
واحترز بقوله: (لمدة إمكان) عما إذا لم يمكن؛ كما سيأتي، وبقوله: (وهي
الجزء: 3 - الصفحة: 290
وَإِنِ ادَّعَتْ وِلَادَةَ تَامٍّ .. فَإِمْكَانُهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَلَحْظَتَانِ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ، أَوْ سِقْطٍ مُصَوَّرٍ .. فَمِئَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، أَوْ مُضْغَةٍ بِلَا صُورَةٍ .. فَثَمَانُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ. أَوِ انْقِضَاءَ أَقْرَاءٍ؛ فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً وَطُلِّقَتْ فِي طُهْرٍ .. فَأَقَلُّ الإِمْكَانِ اثْنَانِ وَثَلَاثونَ
ممن تحيض) عن الآيسة والصغيرة، فإنهما لا تحبلان؛ فلا تصدقان في الوضع، وصرح بالآيسة بعد، وصرح في "المحرر" بالصغيرة أيضًا 801، وحذفها المصنف؛ لأنه لا يقع الاختلاف معها؛ إذ لا حكم لقولها.
(وإن ادعت ولادة تام .. فإمكانه سته أشهر ولحظتان من وقت النكاح) وإمكان اجتماع الزوجين بعد النكاح؛ لأن الستة أقل مدة الحمل، واللحظتان: لحظة للوطء، ولحظة للوضع.
(أو سقط مصوَّر .. فمئة وعشرون يومًا ولحظتان) من وقت إمكان اجتماعهما بعد العقد؛ لحديث ابن مسعود: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا 802، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ" متفق عليه 803.
واعتبرت اللحظتان لحظة للوطء، ولحظة للإسقاط، وذكر الرافعي وجمع من العراقيين في (باب العدد) أن الولد يتصور في ثمانين يومًا، وحمل على مبادئ التصوير، والمذكور هنا على تكامل التصوير.
(أو مضغة بلا صورة .. فثمانون يومًا ولحظتان) من إمكان الوطء بعد العقد؛ للحديث المذكور، وإنما يحكم بها إذا شهد القوابل أنها أصل آدمي.
(أو انقضاء أقراء؛ فإن كانت حرة وطلقت في طهر .. فأقل الإمكان اثنان وثلاثون
الجزء: 3 - الصفحة: 291
يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، أَوْ فِي حَيْضٍ .. فَسَبْعَة وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا وَلَحْظَة، أَوْ أَمَةً وَطُلِّقَتْ فِي طُهْرٍ .. فَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ،
يومًا ولحظتان) وذلك بأن تطلق وقد بقي من الطهر لحظة، وهي قرء، ثم تحيض يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا 804، وذلك قرء ثان، ثم تحيض يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، وذلك قرء ثالث، ثم تطعن في الحيضة، وهذه اللحظة ليست من العدة، بل لاستيقان انقضائها، فلا تصح الرجعة فيها، وقيل: هي من نفس العدة، وكلام المصنف يوهمه.
هذا في غير المبتدأة، أما المبتدأة إذا طلقت ثم حاضت وقلنا: بالأصح: أن القرء هو المُحْتَوش بدمين .. فأقل الإمكان في حقها ثمانية وأربعون يومًا ولحظة.
(أو في حيض .. فسبعة وأربعون يومًا ولحظة) وذلك بأن يطلق في آخر جزء من الحيض، كأن علق طلاقها بآخر جزء من حيضها، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تحيض يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تحيض يومًا وليلةً، وتطهر خمسة عشر يومًا، وتطعن في الحيضة، وفي لحظة الطعن ما ذكرناه في المطلقة في الطهر، ولا يحتاج هنا إلى تقدير لحظة في الأول؛ لأن اللحظة هناك تحسب قرءًا، وحكم طلاقها في النفاس: حكم طلاقها في الحيض.
(أو أمة وطلقت في طهر .. فستة عشر يومًا ولحظتان) وذلك بأن يطلق وقد بقي لحظة من الطهر، فتحسب قرءًا، ثم تحيض بعدها يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تطعن في الدم لحظة يتبين بها تمام الطهر.
الجزء: 3 - الصفحة: 292
أَوْ حَيْضٍ .. فَأَحَدٌ وَثَلَاثُونَ وَلَحْظَةٌ. وَتُصَدَّقُ إِنْ لَمْ تُخَالِفْ عَادَةً دَائِرَةً، وَكَذَا إِنْ خَالَفَتْ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ وَطِئَ رَجْعِيَّةً وَاسْتَأْنَفَتِ الأَقْرَاءَ مِنْ وَقْتِ الْوَطْءِ .. رَاجَعَ فِيمَا كَانَ بَقِيَ
هذا في غير المبتدئة، فإن كانت مبتدئة .. فأقله اثنان وثلاثون يومًا ولحظة؛ بناءً على اشتراط الاحتواش.
(أو حيض .. فأحد وثلاثون ولحظة) وذلك بأن يطلق في آخر جزء من الحيض، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، وتحيض يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تشرع في الحيض (وتصدق) بيمينها، حرة كانت أو أمة (إن لم تخالف عادة دائرة) لأنه لا يعرف إلا من جهتها.
(وكذا إن خالفت في الأصح) أي: كان لها عادة دائرة، فادعت مخالفتها إلى دونها مع الإمكان، فإنها تصدق؛ لأن العادة قد تتغير، وهي مؤتمنة، وهذا ما نقلاه عن الأكثرين 805، والثاني: لا تصدق؛ لأنها تتهم بالاستعجال، قال الشيخ أبو محمد: وهو المذهب، وقال الروياني: إنه الاختيار في هذا الزمان، ونقله في "المهمات" عن نص "الأم" 806.
قال الروياني: وإذا قالت: (انقضت عدتي) .. وجب أن نسألها عن حالها: كيف الطهر والحيض؟ ونحلفها عند التهمة؛ لكثرة الفساد، وأقراه، وجزم به الما وردي أيضًا 807.
(ولو وطئ) الزوج (رجعية) بشبهة أو غيرها (واستأنفت الأقراء من وقت الوطء .. راجع فيما كان بقي) من أقراء الطلاق، فإن وقع الوطء بعد قرأين .. ثبتت الرجعة في واحد، وإن كان بعد قرء .. فله الرجعة في قرأين؛ لأن الرجعة تختص بعدة الطلاق.
الجزء: 3 - الصفحة: 293
وَيَحْرُمُ الاسْتِمْتَاعُ بِهَا، فَإِنْ وَطِئَ .. فَلَا حَدَّ، وَلَا يُعَزَّرُ إِلَّا مُعْتَقِدُ تَحْرِيمِهِ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ إِنْ لَمْ يُرَاجِعْ، وَكَذَا إِنْ رَاجَعَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَيَصِحُّ إِيلَاءٌ وَظِهَارٌ وَطَلَاقٌ وَلِعَانٌ وَيَتَوَارَثَانِ
(ويحرم الاستمتاع بها) ولو بلمس ونظر، لأن النكاح يبيح الاستمتاع، فيحرمه الطلاق؛ لأنه ضده.
(فإن وطى .. فلا حد) وإن كان عالمًا بالتحريم؛ لاختلاف العلماء في إباحته، (ولا يعزر إلا معتقد تحريمه) لإقدامه على معصية عنده، فإن كان جاهلًا حله أو معتقده .. لم يعزر.
(ويجب مهر المثل إن لم يراجع) لأنها في تحريم الوطء كالبائن، فكذا في المهر.
(وكذا إن راجع على المذهب) هكذا نص عليه هنا، ونص فيما لو ارتدت فوطئها في العدة، ثم أسلمت فيها .. أن لا مهر لها وكذا لو أسلم أحد المجوسيين أو الوثنيين، ووطئها، ثم أسلم المتخلف في العدة .. فقيل: فيهما قولان: بالنقل والتخريج.
والأصحُّ: تقرير النصين.
والفرق: أن أثر الطلاق لا يرتفع بالرجعة، بل يبقى نقصان العدد، فيكون ما بعد الرجعة وما قبل الطلاق كعقدين، وأثر الردة يرتفع بالإسلام، فيكون الوطء مصادفًا للعقد الأول، ولم يرجح الرافعي في "شرحيه" واحدًا من هذين الطريقين، بل قال: الأظهر هنا: وجوب المهر، وهناك نفيه، وعبارة "الروضة": المذهب: تقرير النصين 808.
(ويصح إيلاء وظهار وطلاق ولعان، ويتوارثان) لأن الرجعية زوجة في هذه الأحكام الخمسة، ولا يثبت حكم الظهار وضرب مدة الإيلاء إلا بعد الرجعة، وخلعها كطلاقها، وتجب نفقتها؛ كما سيأتي في بابه.
الجزء: 3 - الصفحة: 294
وَإِذَا ادَّعَى وَالْعِدَّةُ مُنْقَضيَةٌ رَجْعَةً فِيهَا فَأَنْكَرَتْ؛ فَإِنِ اتّفَقَا عَلَى وَقْتِ الانْقِضَاءِ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: (رَاجَعْتُ يَوْمَ الْخَمِيسِ) فَقَالَتْ: (بَلْ يَوْمَ السَّبْتِ) .. صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا، أَوْ عَلَى وَقْتِ الرَّجْعَةِ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَالَتْ: (انْقَضَتِ الْخَمِيسَ)، وَقَالَ: (السَّبْتَ) .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ تنَازَعَا فِي السَّبْقِ بِلَا اتِّفَاقٍ .. فَالأَصَحُّ: تَرْجِيحُ سَبْقِ الدَّعْوَى؛ فَإِنِ ادَّعَتِ الانْقِضَاءَ ثُمَّ ادَّعَى رَجْعَةً قَبْلَهُ .. صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا، أَوِ ادَّعَاهَا قَبْلَ انْقِضَاءٍ فَقَالَتْ: (بَعْدَهُ) .. صُدِّقَ
(وإذا ادعى والعدة منقضية رجعةً فيها فأنكرت؛ فإن اتفقا على وقت الانقضاء؛ كيوم الجمعة، وقال: "راجعت يوم الخميس" فقالت: "بل يوم السبت" .. صدقت بيمينها) أنها لا تعلم أنه راجع يوم الخميس؛ لأن وقت انقضاء العدة متفق عليه، والأصل عدم الرجعة قبله.
(أو على وقت الرجعة؛ كيوم الجمعة، وقالت: "انقضت الخميس"، وقال: "السبت" .. صدق بيمينه) لأن وقت الرجعة متفق عليه، والأصل عدم انقضاء العدة قبله.
(وإن تنازعا في السبق بلا اتفاق .. فالأصح: ترجيح سبق الدعوى) لاستقرار الحكم بقوله.
(فإن ادعت الانقضاء) بأن قالت أولًا: (انقضت عدتي) (ثم ادعى رجعة قبله) بأن قال: (راجعتك قبل انقضائها) ( .. صدقت بيمينها) لأنها إذا قالت: (انقضت عدتي) .. فلا بد من تصديقها، ولا التفات إلى قوله بعد التصديق.
(أو ادعاها قبل انقضاء) أي: قال: (راجعتك قبل انقضاء عدتك) (فقالت: "بعده") أي: بعد الانقضاء ( .. صدق) لأنه يملك الرجعة، وقد صحت في الظاهر، فلا يقبل قولها في إبطالها، ومقابل الأصحِّ أوجه:
أحدها: هي المصدقة.
والثاني: هو.
والثالث: يقرع، ويقدم قول من خرجت قرعته.
الجزء: 3 - الصفحة: 295
قُلْتُ: فَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا .. صُدِّقَتْ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَتَى ادَّعَاهَا وَالْعِدَّةُ بَاقِيَةٌ .. صُدِّقَ. وَمَتَى أَنْكَرَتْهَا وَصُدِّقَتْ ثُمَّ اعْتَرَفَتْ .. قُبِلَ اعْتِرَافُهَا. وَإِذَا طَلَّقَ دُونَ ثَلَاثٍ وَقَالَ: (وَطِئْتُ فَلِيَ الرَّجْعَةُ) وَأَنْكَرَتْ .. صُدِّقَتْ بِيَمِينٍ، وَهُوَ مُقِرٌّ لَهَا بِالْمَهْرِ، فَإِنْ قَبَضَتْهُ .. فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَإِلَّا .. فَلَا تُطَالِبُهُ إِلَّا بِنِصْفٍ.
واختلف فقهاء اليمن في المراد بسبق الدعوى: فقال ابن عجيل: المراد: سبق الدعوى عند الحاكم، وقال الحضرمي: يظهر من كلامهم أنهم لا يرونه 809، قال الزركشي: والظاهر: أن مرادهم أعم من ذلك.
(قلت: فإن ادعيا معًا) بأن قال: (قد راجعتك)، فقالت مع قوله: (قد انقضت عدتي) ( .. صدقت) بيمينها (والله أعلم) لأن انقضاء العدة لا يعلم إلا من جهتها، والزوج يمكنه الإشهاد على الرجعة، ولم يترجح بسبق حتى يتقدم به.
(ومتى ادعاها) أي: الرجعة (والعدة باقية .. صدق) لقدرته على الإنشاء، فلو ادعاها بعد انقضاء العدة .. فهي المصدقة بالإجماع، (ومتى أنكرتها وصدقت ثم اعترفت .. قبل اعترافها) لأنها جحدت حقًّا ثم اعترفت به.
وهذا بخلاف ما لو أقرت أنها بنت زيد أو أخته ثم رجعت، وكذبت نفسها .. لا يقبل رجوعها.
وفرق الإمام بينهما: بأن ادعاء البنوة والأخوة إقرار بإثبات، فلا يصدر إلا عن ثبت، بخلاف قولها: (ما راجعت)، فإنه نفي قد يصدر بناء على الأصل 810، وفرق غيره: بأن البنوة والأخوة تقتضي تأبد الحرمة، بخلاف مسألتنا.
(وإذا طلق دون ثلاث، وقال: "وطئت فلي الرجعة"، وأنكرت .. صدقت بيمين)؛ لأن الأصل عدم الوطء (وهو مقر لها بالمهر، فإن قبضته .. فلا رجوع له) لأنه مقر أنه لا حق له فيه، وأنها تستحقه جميعه.
(وإلا) أي: وإن لم تكن قبضته ( .. فلا تطالبه إلا بنصف) لأنها مقرة بأنها
الجزء: 3 - الصفحة: 296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا تستحق غيره، فإذا أخذته ثم عادت واعترفت بالوطء .. فهل لها أخذ النصف الآخر أم لابدَّ من إقرار مستأنف من الزوج؟ فيه وجهان بلا ترجيح في "الشرح" و"الروضة" 811.
الجزء: 3 - الصفحة: 297
كتابُ الإِيلاء هُوَ حَلِفُ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ لَيَمْتَنِعَنَّ مِنْ وَطْئِهَا مُطْلَقًا، أَوْ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بالْحَلِفِ بِاللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، بَلْ لَوْ عَلَّقَ بِهِ طَلَاقًا أَوْ عِتْقًا، أَوْ قَالَ: (إِنْ وَطِئْتُكِ .. فلله عَلَيَّ صَلَاةٌ أَوْ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ عِتْقٌ) .. كَانَ مُوليًا
﴿كتاب الإيلاء﴾
هو مصدر آلى يولي إيلاء: إذا حلف، وهو في الشرع: ما ذكره المصنف، وكان طلاقًا في الجاهلية، فغيَّر الشارع حكمه.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ الآية، وآلى صلى الله عليه وسلم من نسائه شهرًا" 812.
(هو حلف زوج يصح طلاقه ليمتنعن من وطئها مطلقًا، أو فوق أربعة أشهر) احترز بالزوج: عن السيد والأجنبي، فإنه يمين، فإذا خالف .. وجبت الكفارة، وليس بإيلاء، قال ابن الرفعة: ولو حذف لفظة زوج .. لكان أولى؛ لأنه يدخل الرجعية، ولفظ الزوج يخرجها إذا قلنا: أن الطلاق الرجعي يقطع الزوجية، وبقوله: (يصح طلاقه) عن الصبي والمجنون، ويدخل فيه السكران -فإنه يصح إيلاؤه على المذهب- والعبد والكافر والمريض، لكن يرد عليه الممسوح ونحوه، وبقوله: (من وطئها) عن امتناعه من الاستمتاع بغير الوطء، فليس بإيلاء، وقوله: (مطلقًا) يعني: أطلق الحلف ولم يقيده بمدة، وفي معناه: ما إذا أكده بقوله: أبدًا، وقوله: (أو فوق أربعة أشهر) يخرج ما دونها؛ لأن المرأة تصبر عن الزوج أربعة أشهر، وبعد ذلك يفنى صبرها أو يشق عليها الصبر.
(والجديد: أنه لا يختص بالحلف بالله تعالى وصفاته، بل لو علق به طلاقًا أو عتقًا، أو قال: "إن وطئتك .. فلله علي صلاة أو صوم أو حج أو عتق" .. كان موليًا) لأن جميع ذلك يُسمَّى يمينًا، فتناولته الآية؛ إذ الإيلاء هو الحلف، وهو يشمل
الجزء: 3 - الصفحة: 299
وَلَوْ حَلَفَ أَجْنَبِيٌّ عَلَيْهِ .. فَيَمِينٌ مَحْضَةٌ، فَإِنْ نَكَحَهَا .. فَلَا إِيلَاءَ. وَلَوْ آلَى مِنْ رَتْقَاءَ، أَوْ قَرْنَاءَ، أَوْ آلَى مَجْبُوبٌ .. لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ قَالَ: (وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)، فَإِذَا مَضَتْ .. فَوَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) وَهكَذَا مِرَارًا .. فَلَيْسَ بِمُولٍ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ)، فَإِذَا مَضَتْ .. فَوَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ سَنَةً .. فَإِيلَاءَانِ لِكُلٍّ حُكْمُهُ.
الحلف بالله وغيره؛ ولأنه لا يمكنه الوطء إلا بضرر يلحقه، فكان موليًا؛ كالحلف بالله، والقديم: الاختصاص؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والمغفرة إنما تكون في الحنث في اليمين بالله، بخلاف الطلاق وغيره.
(ولو حلف أجنبي عليه) أي: على ترك الوطء (فيمين محضة) فتجب الكفارة إن وطئها قبل المدة أو بعدها.
(فإن نكحها .. فلا إيلاء) لاختصاصه بالنكاح؛ كالطلاق (ولو آلى من رتقاء، أو قرناء، أو آلى مجبوب .. لم يصح على المذهب) لأنه لم يتحقق منه قصد الإيذاء والإضرار؛ لامتناع الأمر في نفسه، وقيل: يصح؛ لعموم الآية، والطريق الثاني: القطع بالبطلان، والثالث: القطع بالصحة.
هذا كله إذا كان المانع موجودًا عند الإيلاء، فلو طرأ بعده .. لم يبطل على المذهب؛ لأن العجز عارض، وكان قد قصد الإيذاء.
(ولو قال: "والله لا وطئتك أربعة أشهر، فإذا مضت .. فوالله لا وطئتك أربعة أشهر"، وهكذا مرارًا .. فليس بمول في الأصح) لأنه بعد الأربعة لا يمكن مطالبته بموجب اليمين الأولى؛ لانحلالها، ولا بموجب الثانية؛ لأنه لم تمض مدة المهلة من وقت انعقادها.
نعم؛ يأثم على الراجح في "زيادة الروضة" 813، والثاني: أنه مولٍ؛ لتحقق الضرر.
(ولو قال: "والله لا وطئتك خمسة أشهر، فإذا مضت .. فوالله؛ لا وطئتك سنة" .. فإيلاءان لكل حكمه) فتطالبه بموجب الأولى في الشهر الخامس، فإن فاء ..
الجزء: 3 - الصفحة: 300
وَلَوْ قَيَّدَ بِمُسْتَبْعَدِ الْحُصُولِ فِي ألأَرْبَعَةِ كَنُزُولِ عِيسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .. فَمُولٍ، وَإِنْ ظَنَّ حُصُولَهُ قَبْلَهَا .. فَلَا، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي الأَصَحِّ. وَلَفْظُهُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ. فَمِنْ صَرِيحِهِ: تَغْيِيبُ ذَكَرٍ بِفَرْجٍ، وَوَطْءٌ، وَجِمَاعٌ، وَافْتِضَاضُ بِكْرٍ
انحلت، فإن أخرت حتى مضى الخامس .. انحلت الأولى، وتضرب مدة الثانية، فإذا مضت أربعة أشهر .. طولب بالفيئة أو الطلاق.
(ولو قيد بمستبعد الحصول في الأربعة؛ كنزول عيسى صلى الله عليه وسلم فمولٍ) لأن الظاهر تأخر ذلك عن الأربعة، فتتضرر بقطع الرجاء.
(وإن ظن حصوله قبلها) أي: قبل المدة؛ كمجيء الأمطار في الشتاء ( .. فلا) يكون موليًا، وإنما هو عقد يمين.
وأفهم أن محقق الحصول؛ كذبول البقل وجفاف الثوب أولى بعدم الإيلاء، وبه صرح في "المحرر" 814.
(وكذا لو شك في الأصح) كما لو علق بمرضه أو موت زيد .. فلا يكون موليًا في الحال، فإن مضت الأربعة، ولم يوجد المعلق به .. فوجهان: أصحهما: أنه لا يكون موليًا أيضًا؛ لأنه لم يتحقق قصد المضارة أولًا.
(ولفظه صريح وكناية) كما في غيره من الأبواب (فمن صريحه: تغييب ذكر بفرج، ووطء، وجماع، وافتضاض بكر) لشيوع استعمالها في الوقاع، وقضيته: أنه لا يدين في ذلك؛ لأن ذلك شأن الصرائح، وهو كذلك في الأول؛ لأنه لا يشعر بمعنى آخر، وأما الوطء والجماع .. فيدين فيهما، فلو قال: (أردت بالجماع الاجتماع، وبالوطء الدوس بالقدم) .. دين، وكذا يدين في الافتضاض على الأصحِّ.
هذا إذا لم يقل بذكري، فلو قال: (بذكري) .. لم يدين في الثلاثة.
وكان ينبغي التعبير بتغييب الحشفة؛ لأنه لو حلف على تغييب الذكر، وغيبها فقط .. لم يحنث مع تحصيل المقصود.
الجزء: 3 - الصفحة: 301
وَالْجَدِيدُ: أَنَّ مُلَامَسَةً وَمُبَاضَعَةً وَمُبَاشَرَةً وَإِتْيَانًا وَغِشْيَانًا وَقِرْبَانًا وَنَحْوَهَا كِنَايَاتٌ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ وَطِئْتُكِ .. فَعَبْدِي حُرٌّ) فَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ .. زَالَ الإِيلَاءُ. وَلَوْ قَالَ: (فَعَبْدِي حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي) وَكانَ ظَاهَرَ .. فَمُولٍ، وَإِلَّا .. فَلَا ظِهَارَ وَلَا إِيلَاءَ بَاطِنًا، وَيُحْكَمُ بِهِمَا ظَاهِرًا، وَلَوْ قَالَ: (عَنْ ظِهَارِي إِنْ ظَاهَرْتُ) .. فَلَيْسَ بِمُولٍ حَتَّى يُظَاهِرَ
(والجديد: أن ملامسة ومباضعة ومباشرة وإتيانًا وغشيانًا وقربانًا ونحوها) كالإفضاء والمس والمبالغة (كنايات) لأن لها حقائق غير الوطء، ولم تشتهر فيه اشتهار الألفاظ السابقة، والقديم: أنها صرائح؛ لغلبة استعمالها في الجماع.
(ولو قال: "إن وطئتك .. فعبدي حر" فزال ملكه عنه) ببيع أو هبة ( .. زال الإيلاء) لعدم ترتب شيء على وطئه حينئذ، ونبه في "المحرر": على أن هذا مفرع على الجديد: في عدم اختصاص الإيلاء بالحلف بالله تعالى وصفاته 815، وأغفله المصنف؛ لوضوحه، وظاهر كلامه: أنه لا يعود الإيلاء إذا عاد إلى ملكه، وهو قضية قولهما: فيه قولا عود الحنث 816.
(ولو قال: "فعبدي حر عن ظهاري"، وكان ظاهر) وعاد قبل ذلك (فمولٍ) لأنه وإن لزمته كفارة الظهار فعتق ذلك العبد بعينه وتعجيل العتق زيادة التزمها بالوطء، وهو مشتق، فصار كالتزام أصل العتق، ثم إذا وطى في مدة الإيلاء أو بعدها .. عتق عن الظهار في الأصحِّ.
(وإلا) أي: وإن لم يكن قد ظاهر ( .. فلا ظهار ولا إيلاء باطنًا) أما الأول .. فلأنه كذب في كونه مظاهرًا، وأما الثاني .. فلأنه علق على الوطء عتقًا عن الظهار، والفرض أن لا ظهار فلا عتق؛ إذ لم توجد الصفة المعلق عليها.
(ويحكم بهما ظاهرًا) لإقراره على نفسه بالظهار، فيحكم بكونه موليًا ومظاهرًا، فإذا وطئ .. عاد الوجهان في وقوع العتق عن الظهار.
(ولو قال: "عن ظهاري إن ظاهرت" .. فليس بمول حتى يظاهر) لأنه لا يعتق العبد لو وطئها قبل الظهار، ولا يناله محذور، فإذا ظاهر .. صار موليًا؛ لأن العتق
الجزء: 3 - الصفحة: 302
أَوْ (إِنْ وَطِئْتُكِ .. فَضَرَّتُكِ طَالِقٌ) .. فَمُولٍ، فَإِنْ وَطِئَ .. طَلُقَتِ الضَّرَّةُ وَزَالَ الإِيلَاءُ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأرْبَعٍ: (وَاللهِ لَا أُجَامِعُكُنَّ) .. فَلَيْسَ بِمُولٍ فِي الْحَالِ، فَإِنْ جَامَعَ ثَلَاثًا .. فَمُولٍ مِنَ الرَّابِعَةِ، فَلَوْ مَاتَ بَعْضُهُنَّ قَبْلَ وَطْءٍ .. زَالَ الإِيلَاءُ، وَلَوْ قَالَ: (لَا أُجَامِعُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ) .. فَمُولٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ. وَلَوْ قَالَ: (لَا أُجَامِعُكِ إِلَى سَنَةٍ إِلَّا مَرَّةً) .. فَلَيْسَ بِمُولٍ فِي الْحَالِ فِي الأَظْهَرِ،
حينئذ يحصل لو وطئ، (أو "إن وطئتك .. فضرتك طالق" .. فمول) عن المخاطبة؛ تفريعًا على الجديد: أنه لا يختص بالحلف بالله تعالى؛ لأنه يلحقه ضرر من طلاق الضرة عند الوطء.
(فإن وطئ) في المدة، أو بعدها ( .. طلقت الضرة) لوجود المعلق عليه طلاقها (وزال الإيلاء) لأنه لا يترتب عليه شيء بوطئها بعد ذلك.
(والأظهر أنه لو قال لأربع: "والله لا أجامعكن" .. فليس بمول في الحال) لأن الكفارة لا تجب إلا بوطء الجميع؛ كما لو حلف لا يكلم جماعة، فهو متمكن من وطء ثلاثة بلا شيء يلحقه، والثاني: نعم؛ كقوله: (لا جامعت واحدة منكن).
(فإن جامع ثلاثًا .. فمول من الرابعة) لأنه يحنث بوطئها، وسواء وطى الثلاث في النكاح أو بعد البينونة؛ لأن اليمين يشمل الحلال والحرام، ولو وطئها في الدبر .. فكذلك على الأصحِّ.
(فلو مات بعضهن قبل وطء .. زال الإيلاء) لتحقق امتناع الحنث، ولا نظر إلى تصوير الإيلاج بعد الموت، فإن اسم الوطء يقع مطلقه على ما في الحياة.
واحترز بقوله: (قبل وطء) عما لو ماتت بعد وطئها وقبل وطء الأخريات فلا يزول الإيلاء.
(ولو قال: "لا أجامع كل واحدة منكن" .. فمول من كل واحدة) على حالها؛ كما لو أفردها بالإيلاء، فإذا مضت .. فلكل مطالبته، وظاهر كلامه: أنه لو وطئ واحدة .. لا يرتفع الإيلاء في حق الباقيات، وهو وجه، والأصحُّ: انحلال اليمين، وزوال الإيلاء؛ لأنه حلف ألا يطأ واحدة، وقد وطئ.
(ولو قال: "لا أجامعك إلى سنة إلا مرة"، فليس بمول في الحال في الأظهر)
الجزء: 3 - الصفحة: 303
فَإِنْ وَطِئَ وَبَقِيَ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .. فَمُولٍ.
فَصْلٌ [في أحكام الإيلاء من ضرب مدة وما يتفرع عليها]
يُمْهَلُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنَ الإِيلَاءِ بِلَا قَاضٍ، وَفِي رَجْعِيَّةٍ مِنَ الرَّجْعَةِ. وَلَوِ ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا بَعْدَ دُخُولٍ فِي الْمُدَّةِ .. انْقَطَعَتْ، فَإِذَا أَسْلَمَ .. اسْتُؤْنِفَتْ
لاستثنائه الوطء مرة.
(فإن وطئ وبقي منها أكثر من أربعة أشهر .. فمول) من يومئذ؛ لحصول الحنث ولزوم الكفارة لو وطئ، وإن بقي أربعة أشهر فما دونها .. فليس بمول، بل حالف فقط، والقول الثاني: أنه مولٍ في الحال؛ لأن الوطأة الأولى وإن لم يتعلق بها حنث .. فهي مقربة منه، وذلك ضرر عليه، والمولي: هو من منع نفسه من الوطء؛ لخوف ضرر، وعلى هذا: فيطالب بعد مضي المدة، فإن وطئ .. فلا شيء عليه؛ لأن الوطأة الواحدة مستثناة، وتضرب المدة ثانيًا إن بقي من السنة مدة الإيلاء، ويجري الخلاف إذا استثنى وطآت؛ لحصول التقريب بكل وطأة.
(فصل: يمهل) المولي (أربعة أشهر) لقوله تعالى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (من الإيلاء) لا من وقت المرافعة؛ لأنه مول من وقت الحلف (بلا قاضٍ) لأنها مدة ثابتة بالنص والإجماع، بخلاف مدة العنين؛ لأنها مجتهد فيها، (وفي رجعية من الرجعة) لا من اليمين؛ لأنها شرعت للمهلة في وقت يحل له الوطء، وفي العدة لا يحل له الوطء.
(ولو ارتد أحدهما بعد دخول في المدة .. انقطعت) فلا يحسب زمن الردة منها؛ لأن المرأة تحرم بها، فلا وقع لامتناعه من الحرام، وفي ردته وجه: أنها لا تمنع الاحتساب؛ كمرضه.
واحترز بقوله: (بعد دخول) عما قبله؛ فإن النكاح ينقطع لا محالة.
(فإذا أسلم) المرتد منهما ( .. استؤنفت) المدة بناءً على وجوب الموالاة في المدة؛ لأن طلبها منوط بتوالي الضرر أربعة أشهر ولم يوجد، هذا إذا كانت اليمين
الجزء: 3 - الصفحة: 304
وَمَا مَنَعَ الْوَطْءَ وَلَمْ يُخِلَّ بِنِكَاحٍ؛ إِنْ وُجِدَ فِيهِ .. لَمْ يَمْنِعِ الْمُدَّةَ كَصَوْمٍ وَإِحْرَامٍ وَمَرَضٍ وَجُنُونٍ، أَوْ فِيهَا وَهُوَ: حِسِّيٌّ كَصِغَرٍ وَمَرَضٍ .. مَنعَ، وَإِنْ حَدَثَ فِي الْمُدَّةِ .. قَطَعَهَا، فَإِذَا زَالَ .. اسْتُؤْنِفَتْ، وَقِيلَ: تُبْنَى. أَوْ شَرْعِيٌّ كَحَيْضٍ وَصَوْمِ نَفْلٍ .. فَلَا، وَيَمْنَعُ فَرْضٌ فِي الأَصَحِّ
على الامتناع من الوطء مطلقًا، أو كان قد بقي من مدة اليمين ما يزيد على أربعة أشهر، فإن كان أقل من ذلك .. فلا معنى للاستئناف.
(وما منع الوطء، ولم يخل بنكاح؛ إن وجد فيه) أي: في الزوج ( .. لم يمنع المدة؛ كصوم وإحرام ومرض وجنون) وحبس ونحوه؛ لأنها ممكنة، والمانع منه، ولهذا استحقت النفقة، وهو المقصر بالإيلاء، وقصده المضارَّة، (أو فيها) أي: في الزوجة (وهو: حسي؛ كصغر ومرض) مانعان من إيلاج الحشفة ( .. منع) المدة (وإن حدث في المدة .. قطعها) إذ لم يمتنع الوطء باليمين، بل بتعذره.
(فإذا زال) المانع في المدة ( .. استؤنفت) المدة؛ إذ المطالبة مشروطة بالإضرار أربعة أشهر متوالية، ولم يوجد، (وقيل: تبنى) لأنه لم ينقطع النكاح، فلا يوجب الاستئناف، بخلاف الطلاق والردة.
(أو شرعي؛ كحيض وصوم نفل .. فلا) يمنع المدة ولا يقطعها لو حدث فيها؛ لأن الحيض لا يخلو عنه الشهر غالبًا، فلو منع لامتنع ضرب المدة غالبًا، وأما صوم النفل .. فلأنه متمكن من وطئها وتحليلها منه، بل في عده مانعًا نظر؛ لأنه يباح له الوطء معه، فلا يحسن جعله مانعًا، والنفاس كالحيض على الأصحِّ في "أصل الروضة" و"الشرح الصغير" و"تصحيح التنبيه"، ونقل تصحيحه في "الكبير" عن البغوي فقط 817، وجزم جمع منهم الشيخ في "التنبيه" بأن النفاس يمنع، ورجحه جمع، وظاهر كلام "الكفاية": أنه المشهور 818، وقال البُلْقيني: إنه الأصحُّ، واختاره الأَذْرَعي وغيره.
(ويمنع فرض في الأصح) لعدم تمكنه من الوطء، والثاني: لا؛ لتمكنه ليلًا،
الجزء: 3 - الصفحة: 305
فَإِنْ وَطِئَ فِي الْمُدَّةِ، وَإِلَّا .. فَلَهَا مُطَالَبَتُهُ بِأَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ. وَلَوْ تَرَكَتْ حَقَّهَا .. فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَهُ. وَتَحْصُلُ الْفَيْئَةُ بِتَغْيِيبِ حَشَفَةٍ بِقُبُلٍ. وَلَا مُطَالَبَةَ إِنْ كَانَ بِهَا مَانِعُ وَطْءٍ كَحَيْضٍ وَمَرَضٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَانِعٌ طَبْعِيٌّ كَمَرَضٍ .. طُولِبَ بِأَنْ يَقُولَ: (إِذَا
والاعتكاف كالصوم فرضًا ونفلًا.
(فإن وطئ في المدة) انحلت، وفات الإيلاء (وإلا) أي: وإن لم يطأها ( .. فلها مطالبته بأن يفيء أو يطلق) إن لم يف؛ لظاهر الآية.
وسمي الوطء فيئة: من فاء: إذا رجع؛ لأنه امتنع ثم رجع.
وكلامه يفهم: أنه ليس لها المطالبة بأحدهما، وبه صرح الإمام في (الفيئة)، فقال: ليس لها توجيه الطلب بالفيئة، فإن نفسه قد لا تطاوعه، وقال المتولي: تطالبه بالاستمتاع الذي هو حقها، فإن امتنع .. أمره الحاكم بطلاقها، وقد تناقض كلام الشيخين في هذا 819.
(ولو تركت حقها .. فلها المطالبة بعده) لتجدد الضرر كالرضا بإعساره بالنفقة، بخلاف الرضا بالعنة أو العيب، فإن ضررهما في حكم خصلة واحدة كالرضا بالإعسار بالمهر.
(وتحصل الفيئة بتغييب حشفة) أو قدرها من مقطوعها (بقبل) لأن سائر أحكام الوطء تتعلق بذلك، وسواء الوطء المباح والمحرم.
وقضيته: الاكتفاء بتغييب الحشفة وإن لم تزل البكارة، لكن في "الكفاية" عن النص: أنه لا بد من افتضاض البكر 820، وبه صرح القاضي الحسين وغيره.
واحترز بالقبل: عن التغييب في الدبر؛ فلا تحصل به الفيئة.
(ولا مطالبة إن كان بها مانع وطء؛ كحيض) وصوم وإحرام (ومرض) لا يمكن معه الوطء؛ لأن المطالبة تكون بالمستحق، وهي لا تستحق الوطء حينئذ.
(وإن كان فيه مانع طبعي؛ كمرض) يضر معه الوطء ( .. طولب بأن يقول: "إذا
الجزء: 3 - الصفحة: 306
قَدَرْتُ .. فِئْتُ)، أَوْ شَرْعِيٌّ كَإِحْرَامٍ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُطَالَبُ بِطَلَاقٍ، فَإِنْ عَصَى بِوَطْءٍ .. سَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ. وَإِنْ أَبَى الْفَيْئَةَ وَالطَّلَاقَ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّ الْقَاضِيَ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ طَلْقَةً، وَأَنَّهُ لَا يُمْهَلُ ثَلَاثَةً،
قدرتُ .. فئت") لأن به يندفع الأذى الذي حصل باللسان، قالا: (وزاد الشيخ أبو حامد عليه: ندمت على ما فعلت) 821.
(أو شرعي؛ كإحرام .. فالمذهب: أنه يطالب بطلاق) عينًا، ولا يطالب بالفيئة أو الطلاق؛ إذ كيف يطلب منه ما يحرم عليه، وهذا بناء على أنه إذا أراد وطأها، والحالة هذه .. يحرم عليها التمكين، وهو الأصحُّ.
وقيل: يقنع منه بفيئة اللسان، والطريق الثاني: أن يقال له: (ورطت نفسك بالإيلاء؛ فإن فئت .. عصيت وأفسدت عبادتك، وإن طلقت .. ذهبت زوجتك، وإن لم تطلق .. طلقنا عليك)؛ كمن غصب دجاجة ولؤلؤة، فابتلعتْها، فيقال له: (إن ذبحتها .. غرمتها، وإلا .. غرمت اللؤلؤة).
(فإن عصى بوطء) في القبل ( .. سقطت المطالبة) وانحلت اليمين.
(وإن أبى الفيئة والطلاق .. فالأظهر: أن القاضي يطلق عليه طلقة) نيابة عنه؛ كما يزوج عن العاضل، ويستوفي الحق من المماطل، والثاني: لا يطلق عليه بل يحبسه أو يعزره؛ ليفيء أو يطلق؛ لحديث: "الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ" 822.
(وأنه لا يمهل ثلاثة) إذا لم يكن عذر يمنع؛ لأنه زيادة على ما أمهله الله، والحق إذا حل .. لا يؤجل ثانيًا.
نعم؛ يمهل بقدر ما يتهيأ لذلك الشغل، فإن كان صائمًا .. أمهل حتى يفطر، أو جائعًا .. فحتى يشبع، أو ثقيلًا من الشبع .. فحتى يخف، قالا: والاستعداد في مثل هذه الأحوال بقدر يوم فما دونه 823.
الجزء: 3 - الصفحة: 307
وَأَنَّهُ إِذَا وَطِئَ بَعْدَ مُطَالَبَةٍ .. لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
والثاني: يمهل؛ لأنها مدة قريبة، وقد ينتظر نشاطًا، ولا يمهل زيادة عليها قطعًا.
هذا كله في الفيئة بالفعل، أما الفيئة باللسان .. فلا يمهل قطعًا؛ لقدرته عليها في الحال.
(وأنه إذا وطيء بعد مطالبة .. لزمه كفارة يمين) إن كان حلفه بالله؛ لحنثه، والثاني: لا تلزمه؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولم يذكر تكفيرًا.
وأجاب الأول: بأن المغفرة والرحمة إنما ينصرفان إلى ما يعصى به، والفيئة الموجبة للكفارة مندوب إليها.
الجزء: 3 - الصفحة: 308
كتابُ الظِّهار يَصِحُّ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ وَلَوْ ذِمِّيٌّ وَخَصِيٌّ. وَظِهَارُ سَكْرَانَ كَطَلَاقِهِ. وَصَرِيحُهُ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ: (أَنْتِ عَلَيَّ أَوْ مِنِّي أَوْ مَعِي أَوْ عِنْدِي كَظَهْرِ أُمِّي)، وَكَذَا (أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي) صَرِيحٌ عَلَى
﴿كتاب الظهار﴾
مشتق من الظهر، سمي بذلك، لتشبيه الزوجة بظهر الأم، وكان طلاقًا في الجاهلية، وقيل: في أول الإسلام، ويقال: كانت المرأة بالظهار تحرم على زوجها، ولا تباح لغيره، فنقل الشارع حكمه إلى تحريمها بعد العود، ووجوب الكفارة، وأبقى محله: وهو الزوجية، وهو حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾.
وأصل الباب: أول سورة المجادلة.
وسببها: أن أوس بن الصامت ظاهر من زوجته، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكية منه؛ فأنزلها الله فيها، رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان والحاكم 824.
(يصح من كل زوج مكلف ولو ذمي) وحربي (وخصي) ومجبوب وعنين؛ لعموم الآية.
وخرج بالزوج: السيد، فلا يصح من أمته ولو كانت أم ولد، وبالمكلف: الصبي والمجنون والمغمى عليه، فلا يصح منهم؛ لما مر في الطلاق.
وكان ينبغي أن يزيد: مختارًا، ولو قال: (زوج يصح طلاقه)، كما في الإيلاء .. لكان أخصر وأشمل.
(وظهار سكران كطلاقه) وقد مر ما فيه.
(وصريحه) أي: الظهار (أن يقول لزوجته: "أنت علي أو مني أو معي أو عندي كظهر أمي") لأنه المعهود في الجاهلية، (وكذا "أنت كظهر أمي" صريح على
الجزء: 3 - الصفحة: 309
الصَّحِيحِ. وَقَوْلُهُ: (جِسْمُكِ أَوْ بَدَنُكِ أَوْ نَفْسُكِ كَبَدَنِ أُمِّي أَوْ جِسْمِهَا أَوْ جُمْلَتِهَا) صَرِيحٌ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ قَوْلَهُ: (كَيَدِهَا أَوْ بَطْنِهَا أَوْ صَدْرِهَا) ظِهَارٌ، وَكَذَا (كَعَيْنِهَا) إِنْ قَصَدَ ظِهَارًا، وَإِنْ قَصَدَ كَرَامَةً .. فَلَا، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَصَحِّ. وَقَوْلُهُ: (رَأْسُكِ أَوْ ظَهْرُكِ أَوْ يَدُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) ظِهَارٌ فِي الأَظْهَرِ. وَالتَّشْبيهُ بالْجَدَّةِ ظِهَارٌ. وَالْمَذْهَبُ: طَرْدُهُ فِي كُلِّ مَحْرَمٍ لَمْ يَطْرَأْ تَحْرِيمُهَا، لَا مُرْضِعَةٍ وَزَوْجَةِ ابْنٍ. وَلَوْ شَبَّهَ بِأَجْنَبِيَّةٍ وَمُطَلَّقَةٍ وَأُخْتِ زَوْجَةٍ وَبِأبٍ وَمُلَاعَنَةٍ .. فَلَغْوٌ
الصحيح) ولا يضر ترك الصلة؛ كما أن قوله: (أنت طالق) صريح، وإن لم يقل: (مني)، والثاني: أنه كناية؛ لاحتمال أن يريد أنها على غيره كظهر أمه، بخلاف الطلاق.
(وقوله: "جسمك أو بدنك أو نفسك) أو جملتك علي (كبدن أمي أو جسمها أو جملتها" صريح) لدخول الظهر في ذلك.
(والأظهر: أن قوله: "كيدها أو بطنها أو صدرها") ونحوها مما سوى الظهر (ظهار) لأنه عضو يحرم التلذذ به، فكان كالظهر، والثاني: المنع؛ لأنه ليس على صورة الظهار المعهود في الجاهلية.
(وكذا "كعينها" إن قصد ظهارًا) لأنه نوى ما يحتمله اللفظ، (وإن قصد كرامة .. فلا) لأن هذه الألفاظ تستعمل في الكرامة والإعزاز.
(وكذا إن أطلق في الأصح) حملًا على الكرامة؛ لاحتمالها، والثاني: أنه ظهار؛ لأن اللفظ صريح في التشبيه ببعض أجزاء الأم.
(وقوله: "رأسك أو ظهرك أو يدك) أو فرجك أو شعرك (علي كظهر أمي" ظهار في الأظهر) لما مر في قوله: (كيدها أو بطنها).
(والتشبيه بالجدة) من الجهتين (ظهار) لأنها تُسمَّى أمًّا، ولها ولادة.
(والمذهب: طرده) أي: هذا الحكم (في كل محرم لم يطرأ تحريمها)، كالأخت؛ لمساواتهن الأم في التحريم المؤبد، والثاني: المنع؛ لورود النص في الأم، (لا مرضعة وزوجة ابن) لأنهما كانتا حلالًا له في وقت، فيحتمل إرادته.
(ولو شبه بأجنبية ومطلقة وأخت زوجة وبأب وملاعنة .. فلغو) لأن غير الأب
الجزء: 3 - الصفحة: 310
وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ؛ كَقَوْلِهِ: (إِنْ ظَاهَرْتُ مِنْ زَوْجَتِي الأُخْرَى .. فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) فَظَاهَرَ .. صَارَ مُظَاهِرًا مِنْهُمَا، وَلَوْ قَالَ: (إِنْ ظَاهَرْتُ مِنْ فُلَانَةَ) وَفُلَانَةُ أَجْنَبِيَّةٌ فَخَاطَبَهَا بِظِهَارٍ .. لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا مِنْ زَوْجَتِهِ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ اللَّفْظَ، فَلَوْ نَكَحَهَا وَظَاهَرَ مِنْهَا .. صَارَ، وَلَوْ قَالَ: (مِنْ فُلَانَةَ الأَجْنَبيَّةِ) .. فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا وَإِنْ نَكَحَهَا وَظَاهَرَ مِنْهَا، وَلَوْ قَالَ: (إِنْ ظَاهَرْتُ مِنْهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ) .. فَلَغْوٌ
والملاعنة يحلون له في زمن، فلعله أراده، وأما الأب .. فلأنه ليس محلًّا للاستمتاع، وأما الملاعنة .. فلأن تحريمها وإن كان مؤبدًا فليس تأبده للمحرمية والوصلة.
(ويصح تعليقه؛ كقوله: "إن ظاهرت من زوجتي الأخرى .. فأنت علي كظهر أمي" فظاهر .. صار مظاهرًا منهما) لأنه من حيث تعلق التحريم كالطلاق، ومن حيث تعلق الكفارة كاليمين، وكلاهما يقبل التعليق.
(ولو قال: "إن ظاهرت من فلانة") فأنت علي كظهر أمي (وفلانة أجنبية) أي: والحال أنها أجنبية (فخاطبها بظهار .. لم يصر مظاهرًا من زوجته) لعدم صحة الظهار من الأجنبية.
(إلا أن يريد اللفظ) أي: يريد التعليق على الإتيان بهذا اللفظ؛ فإنه يكون مظاهرًا؛ لوجود الصفة.
(فلو نكحها) أي: الأجنبية (وظاهر منها .. صار) مظاهرًا 825 من زوجته؛ لوجود الصفة.
(ولو قال: "من فلانة الأجنبية" .. فكذلك) يعني: فحكمه ما سبق، وذكر الأجنبية للتعريف لا للشرط، كما لو قال: (لا أدخل دار زيد هذه)، فباعها ثم دخلها .. حنث.
(وقيل: لا يصير مظاهرًا) من زوجته الأولى (وإن نكحها وظاهر منها) لأنه إذا نكحها .. خرجت عن كونها أجنبية، وجعل قائله ذكر الأجنبية شرطًا.
(ولو قال: "إن ظاهرت منها وهي أجنبية") فأنت علي كظهر أمي ( .. فلغو) لأنه كالتعليق بمستحيل.
الجزء: 3 - الصفحة: 311
وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي) وَلَمْ يَنْوِ، أَوْ نَوَى الطَّلَاقَ، أَوِ الظِّهَارَ، أَوْ هُمَا، أَوِ الظِّهَارَ بِـ (أَنْتِ طَالِقٌ) وَالطَلَاقَ بـ (كَظَهْرِ أُمِّي) .. طَلُقَتْ وَلَا ظِهَارَ، أَوِ الطَّلَاقَ بِـ (أَنْتِ طَالِقٌ) وَالظِّهَارَ بِالْبَاقِي .. طَلَقَتْ وَحَصَلَ الظِّهَارُ إِنْ كَانَ طَلَاقَ رَجْعَةٍ.
(ولو قال: "أنت طالق كظهر أمي"، ولم ينو أو نوى الطلاق، أو الظهار، أو هما، أو) نوى (الظهار بـ "أنت طالق"، والطلاق بـ "كظهر أمي .. " طلقت ولا ظهار) في الكل؛ أما في الأولى -وهي ما إذا لم ينو شيئًا- .. فوجه وقوع الطلاق: إتيانه بلفظ الصريح، ووجه عدم صحة الظهار: أن قوله: (كظهر أمي) لا استقلال له، وقد انقطع عن قوله: (أنت) بالفاصل الحاصل بينهما، فخرج عن الصراحة، ولم يقصد به الظهار.
وأما في الثانية -وهي ما إذا نوى الطلاق بمجموع كلامه- .. فلأنه قصد أنها تصير محرمةً بالطلاق كظهر أمه، فيكون الظهار تفسيرًا؛ فتطلق ولا ظهار.
وأما في الثالثة -وهي ما إذا قصد الظهار وحده- .. فوجه وقوع الطلاق وجود اللفظ الصريح، وعدم وقوع الظهار أن لفظ الطلاق صريح في بابه، ووجد نفاذًا في موضعه، فلا يكون كناية في الظهار.
وأما في الرابعة -وهي أن يقصد الطلاق والظهار معًا بمجموع كلامه- .. فلما مر من أنه لم ينو به الظهار وإنما نواه بالمجموع.
وأما في الخامسة -وهي ما إذا نوى الظهار بـ (أنت طالق)، والطلاق بـ (كظهر أمي) - .. فوجه وقوع الطلاق: لفظ الصريح، فلا يكون كناية في الظهار، ووجه عدم وقوع الظهار: خروجه عن الصراحة بالفاصل، ولم يقصد به الظهار.
(أو) نوى (الطلاق بـ "أنت طالق"، و) نوى (الظهار بالباقي .. طلقت) لوجود اللفظ الصريح، (وحصل الظهار إن كان طلاق رجعة) لأن الظهار يصح من الرجعية، وقد أتى به مع النية.
واحترز بـ (طلاق رجعة): عن البائن، فإنه لا ظهار فيها؛ لأنها أجنبية.
الجزء: 3 - الصفحة: 312
فَصْلٌ [في أحكام الظهار من وجوب كفارة وغير ذلك]
عَلَى الْمُظَاهِرِ كَفَّارَةٌ إِذَا عَادَ؛ وَهُوَ: أَنْ يُمْسِكَهَا بَعْدَ ظِهَارِهِ زَمَنَ إِمْكَانِ فُرْقَةٍ، فَلَوِ اتَّصَلَتْ بِهِ فُرْقَةٌ بِمَوْتٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ رَجْعِيٍّ وَلَمْ يُرَاجِعْ أَوْ جُنَّ .. فَلَا عَوْدَ، وَكَذَا لَوْ مَلَكَهَا أَوْ لَاعَنَهَا فِي الأَصَحِّ بِشَرْطِ سَبْقِ الْقَذْفِ ظِهَارَهُ فِي الأَصَحِّ
(فصل: على المظاهر كفارة إذا عاد) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ الآية، (وهو) أي: العود (أن يمسكها بعد ظهاره زمن إمكان فرقة) لأن تشبيهها بالأم يقتضي ألا يمسكها زوجة، فإذا أمسكها زوجة .. فقد عاد فيما قال؛ لأن العود للقول مخالفته، يقال: قال فلان قولًا ثم عاد فيه، وعاد له؛ أي: خالفه ونقضه.
(فلو اتصلت به فرقة بموت) منه أو منها (أو فسخ) بسببه أو بسببها، (أو طلاق بائن أو رجعي ولم يراجع أو جن) الزوج أو أغمي عليه عقب اللفظ ( .. فلا عود) ولا كفارة؛ للفرقة المتصلة، وتعذرها في الجنون والإغماء، فإن أمسكها بعد الإفاقة .. فعائد.
(وكذا لو ملكها) بشراء على الاتصال من غير اشتغال بمساومة وتقرير ثمن (أو لاعنها في الأصح) فيهما، أما في الأولى .. فلأنه لم يمسكها على النكاح، ووجه مقابله: أنه لم يحرمها على نفسه، وإنما أبدل حلًا بحل أقوى منه وهو إمساك.
وإنما صورنا الملك في كلامه بالشراء تبعًا لـ "المحرر" 826؛ للاحتراز عما لو ورثها عقب الظهار .. فإنه لا يكون عائدًا قطعًا؛ لعدم تمكنه من الطلاق، وأما في الثانية .. فوجه الأصحِّ: اشتغاله بما يوجب الفراق، ولا فرق في الكلمات الموجبة بين الطويلة والقصيرة، ووجه مقابله: تخلل زمن اللعان.
(بشرط سبق القذف ظهاره في الأصح) فلو قدم الظهار، ثم قذف، ثم لاعن .. كان عائدًا على الأصحِّ؛ لما فيه من التطويل مع إمكان الفراق، ووجه مقابله: اشتغاله
الجزء: 3 - الصفحة: 313
وَلَوْ رَاجَعَ، أَوِ ارْتَدَّ مُتَّصِلًا ثُمَّ أَسْلَمَ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ عَائِدٌ بالرَّجْعَةِ، لَا الإِسْلَامِ، بَل بَعْدَهُ. وَلَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ بَعْدَ الْعَوْدِ بفُرْقَةٍ. وَيَحْرُمُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَطْءٌ، وَكَذَا لَمْسٌ وَنحْوُهُ بِشَهْوَةٍ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: الْجَوَازُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَصِحُّ الظِّهَارُ الْمُؤَقَّتُ مُؤَقَّتًا، وَفِي قَوْلٍ: مُؤَبَّدًا،
بأسباب الفراق، وعلى الأول: يشترط أيضًا سبق الرفع إلى الحاكم؛ كما قاله البغوي، وجزم به في "الروضة" 827.
(ولو راجع) بعد ظهار من رجعية، أو بعد طلاق رجعي بعد الظهار (أو ارتد متصلًا) بالظهار، وهي مدخول بها (ثم أسلم .. فالمذهب: أنه عائد بالرجعة) وإن لم يمسكها عقب الرجعة بل طلقها (لا الإسلامِ بل بعده) بزمن يسع الفرقة.
والفرق: أن مقصود الرجعة الاستباحة، ومقصود الإسلام الرجوع إلى الدين الحق.
(ولا تسقط الكفارة بعد العود بفرقة) بطلاق أو غيره؛ لاستقرارها بالإمساك؛ كالدين لا يسقط بعد ثبوته.
(ويحرم قبل التكفير وطء) للتقييد في العتق والصوم بقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، وأطلق في الإطعام، فيحمل المطلق على المقيد؛ لاتحاد الواقعة، هذا في الظهار المطلق، أما المؤقت؛ فإن انقضت مدته ولم يطأ .. حل الوطء ولا شيء عليه؛ لارتفاع الظهار، وإن وطئ في المدة .. حرم عليه الوطء بعد ذلك، حتى يكفر أو تنقضي المدة.
(وكذا لمس ونحوه بشهوة في الأظهر) لأنه قد يدعو إلى الوطء ويفضي إليه، (قلت: الأظهر: الجواز، والله أعلم) لبقاء الزوجية، والتماس في الآية محمول على الدخول، وهذا ما عزاه الرافعي في "الشرحين" للأكثرين، وكلام المصنف يشمل الاستمتاع بما بين السرة والركبة، وفيه احتمالان للإمام: أقواهما عنده: أنه على الخلاف في الحيض 828.
(ويصح الظهار المؤقت مؤقتًا) تغليبًا لشبه اليمين، (وفي قول: مؤبدًا) تغليبًا
الجزء: 3 - الصفحة: 314
وَفِي قَوْلٍ: لَغْوٌ. فَعَلَى الأَوَّل: الأَصَحُّ: أَنَّ عَوْدَهُ لَا يَحْصُلُ بِإِمْسَاكٍ، بَلْ بِوَطْءٍ فِي الْمُدَّةِ، وَيَجِبُ النَّزْعُ بمَغِيبِ الْحَشَفَةِ. وَلَوْ قَالَ لِأرْبَعٍ: (أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) .. فَمُظَاهِرٌ مِنْهُنَّ، فَإِنْ أَمسَكَهُنَّ .. فَأَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ، وَفِي الْقَدِيمِ: كَفَّارَةٌ. وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ .. فَعَائِدٌ مِنَ الثَّلَاثِ الأُوَلِ. وَلَوْ كَرَّرَ فِي امْرَأَةٍ مُتَّصِلًا وَقَصَدَ تَأْكِيدًا .. فَظِهَارٌ وَاحِدٌ،
لشبه الطلاق، (وفي قول: لغو) لأنه لم يؤبد التحريم، فأشبه ما إذا شبهها بامرأة لا تحرم على التأبيد.
(فعلى الأول: الأصح: أن عوده لا يحصل بإمساك، بل بوطء في المدة) لأن الحل منتظر بعد المدة، فالإمساك يحتمل أن يكون لانتظار الحل، أو للوطء في المدة، والأصل: براءته من الكفارة، فإذا وطء .. فقد تحقق الإمساك لأجل الوطء، والثاني: أن العود كالعود في الظهار المطلق؛ إلحاقًا لأحد نوعي الظهار بالآخر.
وأفهم قوله: (في المدة) أنه لو وطئ بعدها .. لا شيء عليه، وبه صرح في "المحرر" لارتفاع الظهار 829.
(ويجب النزع بمغيب الحشفة) كما في قوله: (إن وطئتك .. فأنت طالق).
(ولو قال لأربع: "أنتن علي كظهر أمي" .. فمظاهر منهن) لوجود اللفظ الصريح.
(فإن أمسكهن .. فأربع كفارات) لوجود الظهار والعود] في حق كل واحدة منهن] 830، (وفي القديم: كفارة) كتعليق اليمين بجمع، قال الإمام: والأول مبني على تغليب شائبة الطلاق، والثاني: شائبة اليمين 831.
(ولو ظاهر منهن بأربع كلمات متوالية .. فعائد من الثلاث الأول) لعوده في الأولى بظهار الثانية، وفي الثانية بظهار الثالثة، وفي الثالثة بظهار الرابعة، فإن فارق الرابعة عقب ظهارها .. فعليه ثلاث كفارات، وإلا .. فأربع.
(ولو كرر في امرأة متصلًا، وقصد تأكيدًا .. فظهار واحد) كالطلاق، فيلزمه
الجزء: 3 - الصفحة: 315
أَوِ اسْتِئْنَافًا .. فَالأَظْهَرُ: التَّعَدُّدُ، وَأَنَّهُ بِالْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَائِدٌ فِي الأَوَّلِ.
كفارة إن أمسكها عقب المرات، لا إن فارقها على الأصحِّ.
واحترز بقوله: (متصلًا) عما إذا تفاصلت الكلمات، وتخلل بينهما زمان، وقصد التأكيد، فإنه لا يقبل في الأصحِّ؛ تغليبًا للطلاق.
والخلاف فيما إذا لم يكفر عن الأول، فإن كفر .. فالثاني ظهار جديد قطعًا؛ لانقضاء حكم الأول بالتكفير.
(أو استئنافًا .. فالأظهر: التعدد) كالطلاق، والثاني: الاتحاد؛ لتكرر اليمين على شيء مرات، وسكت عما إذا أطلق، والأظهر فيه: الاتحاد، بخلاف نظيره من الطلاق.
والفرق: أن الطلاق محصور، والزوج يملكه، فإذا كرر .. فالظاهر: استيفاء المملوك، بخلاف الظهار.
(وأنه بالمرة الثانية عائد في الأول) لأنه كلام آخر، فاشتغاله به عود، والثاني: لا؛ لأن الظهار من جنس واحد، فما لم يفرغ من الجنس لا يجعل عائدًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 316
كتابُ الكفّارة تشتَرَطُ نِيَّتُهَا لَا تَعْيِينُهَا. وَخِصَالُ كَفَّارَةِ الْظِّهَارِ: عِتْقُ رَقَبَةٍ، مُؤْمِنَةٍ، بِلَا عَيْب يُخِلُّ بِالْعَمَلِ وَالْكَسْبِ
﴿كتاب الكفارة﴾
لفظها مأخوذ من الكفر، وهو الستر؛ لأنها تستر الذنب، وسمي الكافر بذلك: لستره الحقَّ، وكذا الزارع: لستره البذرَ، وافتتحه في "المحرر" بقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وبقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ 832.
(تشترط نيتها) لأنها عمل، والأعمال بالنيات 833، كذا جزموا به، لكن نص الشافعي: على أن إخراج المرتد يسقطها، وأن إعتاق الكافر وإطعامه عن الكفارة مجزئ، وهو يدل على أن اللفظ كافٍ بغير نية، لكن في "الروضة" و"أصلها": أنه يشترط أن ينوي الكافر بالإعتاق والإطعام التمييز دون التقرب 834.
(لا تعيينها) عن ظهار أو قتل، بل يكفي أصلها؛ كما لا يجب تعيين المال المزكى عنه.
نعم؛ لو نوى غير ما عليه ولو خطأً .. لم يجزه.
(وخصال كفارة الظهار: عتق رقبة مؤمنة) ولو بإسلام أحد الأبوين؛ حملًا لمطلق آية الظهار على المقيد في آية القتل؛ كحمل المطلق في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ على المقيد في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
(بلا عيب يخل بالعمل والكسب) إخلالًا بينًا؛ لأن المقصود: تكميل حاله ليتفرغ لوظائف الأحرار، وإنما يحصل ذلك: إذا استقل بكفاية نفسه، وإلا .. فيصير كلًّا على نفسه وعلى غيره.
وقد نظر الشافعي رضي الله عنه في العيوب في كل باب إلى ما يليق به؛ فأعتبر
الجزء: 3 - الصفحة: 317
فَيُجْزِئُ صَغِيرٌ وَأَقْرَعُ وَأَعْرَجُ يُمْكِنُهُ تِبَاعُ مَشْيٍ، وَأَعْوَرُ وَأَصَمُّ، وَأَخْشَمُ، وَفَاقِدُ أَنْفِهِ وَأُذُنَيْهِ وَأَصَابِعِ رِجْلَيْهِ، لَا زَمِنٌ وَفَاقِدُ رِجْلٍ أَوْ خِنْصِرٍ وَبِنْصِرٍ مِنْ يَدٍ أَوْ أَنْمُلَتَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمَا. قُلْتُ: أَوْ أَنْمُلَةِ إِبْهَامٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا هَرِمٌ عَاجِزٌ، وَمَنْ أَكْثَرُ وَقْتِهِ
هنا: ما يضر بالعمل، وفي الأضحية: ما ينقص اللحم، وفي النكاح: ما يخل بمقصود الجماع، وفي المبيع: ما يخل بالمالية.
(فيجزئ صغير) ولو ابنَ يوم؛ لأنه يرجى كبره؛ كالمريض، بخلاف الهرم، (وأقرعُ وأعرج يمكنه تباع مشي، وأعورُ) إذا لم يضعف نظر السليمة؛ لقلة تأثير هذه في العمل.
وقوله: (وأعرج) بالواو: كذا هو في أكثر النسخ، وحكي عن نسخة المصنف: (وأقرع أعرج) بلا واو، وهو يدل على إحدى الصفتين من باب أولى.
(وأصم، وأخشم) هو فاقد الشم، (وفاقد أنفه وأذنيه) لأن فقدها لا يضر بالعمل إضرارًا بينًا (وأصابعِ رجليه) كلِّها؛ لأن منفعة الرِّجل المشي، وهو يمكن بدون الأصابع.
(لا زمن وفاقد رجل) أو يد؛ لإضراره بالعمل إضرارًا بينًا، (أو خِنصر وبِنصر من يد) لذهاب نصف منفعة الكف، وهو ضرر بيّن، بخلاف فقد أحدهما أو فقدهما من يدين، (أو أَنملتين من غيرهما) يعني: من الإبهام أو السبابة أو الوسطى؛ لأن فقدهما يضر.
وكلامه يوهم: أن فقد أنملتين من خنصر وبنصر من يد لا يضر، وإنما يضر فقدهما جملة، وليس كذلك، وعبارة "المحرر": (وفقد أنملتين من إصبع كفقد تلك الإصبع) 835.
(قلت: أو أنملة إبهام، والله أعلم) لتعطل منفعتها إذن، بخلاف الأنملة من باقي الأصابع، ولو قطعت أنامله العليا من أصابعه الأربع .. أجزأ، وفيه تردد للإمام 836.
(ولا هرم عاجز) عن العمل والكسب؛ لإخلاله بالمقصود، (ومن أكثر وقته
الجزء: 3 - الصفحة: 318
مَجْنُونٌ، وَمَرِيضٌ، فَإِنْ بَرِئَ .. بَانَ الإِجْزَاءُ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يُجْزِئُ شِرَاءُ قَرِيبٍ بِنِيَّةِ كَفَّارَةٍ، وَلَا أُمِّ وَلَدٍ وَذِي كِتَابَةٍ صَحِيحَةٍ. وَيُجْزِئُ مُدَبَّرٌ وَمُعَلَّق بِصِفَةٍ،
مجنون) لعدم حصول المقصود منه، فإن كان مطبقًا .. منع قطعًا وإن كان أقل .. أجزأ، وكذا لو تساويا على الأصحِّ.
قال الأَذْرَعي: ومحله: إذا استويا بالنسبة إلى الليل والنهار، أما إذا كان يجن نهارًا ويفيق ليلًا .. فلا يجزئ، وعكسه يجزئ قطعًا.
انتهى.
ولو كانت الإفاقة اكثر لكن لا يقدر على العمل بعدها إلا بعد حين .. قال الماوردي: لم يجز، قال في "الروضة": وهو حسن، ويجزئ المغمى عليه؛ لأن زواله مرجو 837.
(ومريض) لا يرجى برؤه؛ كالسل؛ لإخلاله بالمقصود، (فإن برئ .. بان الإجزاء في الأصح) لخطأ الظن، والثاني: لا؛ لاختلال النية وقتَ العتق.
(ولا يجزئ شراء قريب بنية كفارة) لأن عتقه مستحق بجهة أخرى، فأشبه ما إذا دفع إليه النفقة الواجبة ونوى الكفارة.
ولو قال: (تملك قريب) .. لكان أشمل؛ فإنّ هبته وإرثه وقبول الوصية به كذلك.
(ولا أم ولد) لاستحقاقها العتقَ؛ كما لو باع من فقير صاعًا من طعام ثم سلمه إليه عن الكفارة، (وذي كتابة صحيحة) لاستحقاقه العتقَ بالكتابة، فيمتنع صرفه إلى غيرها.
واحترز بالصحيحة: عن الفاسدة؛ فإنه يجزئ على المذهب في "أصل الروضة" 838.
(ويجزئ مدبر ومعلق بصفة) غير التدبير؛ لأن ملكه عليهما تام؛ بدليل نفوذ جميع تصرفاته، هذا إذا نجزه عن الكفارة أو علقه بما يوجد قبل الصفة الأولى، فإن علقه بالصفة الأولى .. لم يجزئه، وهذا معنى قوله:
الجزء: 3 - الصفحة: 319
فَإِنْ أَرَادَ جَعْلَ الْعِتْقِ الْمُعَلَّقِ كَفَّارَةً .. لَمْ يَجُزْ. وَلَهُ تَعْلِيقُ عِتْقِ الْكَفَّارَةِ بِصِفَةٍ، وَإِعْتَاقُ عَبْدَيْهِ عَنْ كَفَّارَتَيْهِ عَنْ كُلٍّ نِصْفُ ذَا وَنصْفُ ذَا. وَلَوْ أَعْتَقَ مُعْسِرٌ نِصْفيْنِ عَنْ كَفَّارَةٍ .. فَالأَصَحُّ: الإِجْزَاءُ إِنْ كَانَ بَاقِيهِمَا حُرًّا. وَلَوْ أَعْتَقَ بِعِوَضٍ .. لَمْ يُجْزِ عَنْ كَفَّارَةٍ. وَالإِعْتَاقُ بِمَالٍ كَطَلَاقٍ بِهِ، فَلَوْ قَالَ: (أَعْتِقْ أُمَّ وَلَدِكَ عَلَى أَلْفٍ) فَأَعْتَقَ .. نَفَذَ وَلَزِمَهُ
(فإن أراد جعل العتق المعلق كفارة .. لم يجز) مثاله: قال: (إن دخلت الدار .. فأنت حر)، ثم قال: (إن دخلتها .. فأنت حر عن كفارتي) فإنه يعتق بالدخول ولا يجزئه عن الكفارة؛ لأنه مستحق العتق بالتعليق الأول.
(وله تعليق عتق الكفارة بصفة) على الأصحِّ، فلو قال: (إن دخلت الدار .. فأنت حر عن كفارتي) فدخلها .. عتق عن الكفارة؛ لأن المأمور به تحرير رقبة، وهو حاصل بالتعليق السابق عند وجود الصفة.
نعم؛ يشترط كونه حالَ التعليق بصفة الإجزاء، فلو قال لمكاتبه: (إذا عجزت عن النجوم .. فأنت حر عن كفارتي) فعجز .. عتق ولم يجز عن الكفارة، وكذا لو قال لعبده الكافر: (إذا أسلمت)، أو قال: (إن خرج الجنين سليمًا).
(وإعتاق عبديه عن كفارتيه عن كلٍّ نصفُ ذا ونصف ذا) لتخليص الرقبتين عن الرق.
(ولو أعتق معسر نصفين عن كفارة .. فالأصح: الإجزاء إن كان باقيهما حرًّا) لحصول المقصود، وهو إفادة الاستقلال، والثاني: المنع مطلقًا؛ كما لا يجزئ شقصان في الأضحية، والثالث: الإجزاء مطلقًا؛ تنزيلًا للأشقاص منزلة الأشخاص.
(ولو أعتق بعوض .. لم يجز عن كفارة) لعدم تجرد العتق للكفارة، ويعتق عن الملتمس ويلزمه المال.
(والإعتاق بمال كطلاق به) فيكون معاوضةً فيها شوب تعليق من المالك، ومعاوضةً فيها شوب جعالة من المستدعي؛ كما مر في (الخلع)، وقد عقد في "المحرر" لهذا فصلًا، وقال: إنه دخيل في الباب 839.
(فلو قال: "أعتق أم ولدك على ألف" فأعتق) متصلًا ( .. نفذ ولزمه) أي:
الجزء: 3 - الصفحة: 320
الْعِوَضُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَلَى كَذَا) فَأَعْتَقَ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ قَالَ: (أَعْتِقْهُ عَنِّي عَلَى كَذَا) فَفَعَلَ .. عَتَقَ عَنِ الطَّالِبِ وَعَلَيْهِ الْعِوَضُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَمْلِكُهُ عَقِبَ لَفْظِ الإِعْتَاقِ ثُمَّ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَمَنْ مَلَكَ عَبْدًا أَوْ ثَمَنَهُ فَاضِلًا عَنْ كِفَايَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ نَفَقَةً وَكِسْوَةً وَسُكْنَى وَأَثَاثًا لَابُدَّ مِنْهُ .. لَزِمَهُ الْعِتْقُ
الملتمسَ (العوض)، ويكون ذلك افتداء من المستدعي نازلًا منزلة اختلاع الأجني.
هذا إذا لم يقل: (عني)، فإن قال: (أعتق مستولدتك عني على ألف) فقال: (أعتقتها عنك) .. عتقت ولغا قوله: (عنك) لأن المستولدة لا تقبل النقل، ولا يستحق العوض على الصحيح.
(وكذا لو قال: "أعتق عبدك على كذا") ولم يقل: (عني) ولا (عنك) (فأعتق في الأصح) .. فيكون افتداء؛ كأم الولد، والثاني: لا يستحق، بخلاف استدعاء إعتاق المستولد؛ فإن ذلك جوِّز افتداءً؛ ضرورةَ أنه لا يمكن انتقال الملك فيها، وهنا يمكن.
(وإن قال: "أعتقه عني على كذا" ففعل .. عتق عن الطالب، وعليه العوض) المُسمَّى؛ عملًا بالتزامه، فإن قال: (مجانًا) .. فلا شيء عليه ويعتق عن الطالب، وإن لم يشترط عوضًا ولا نفاه .. فوجهان، كقوله: (اقض ديني) ولم يشرط الرجوع، والأصحُّ: الرجوع.
(والأصح: أنه يملكه عقب لفظ الإعتاق) الواقع بعد الاستدعاء؛ لأنه الناقل للملك، (ثم يعتق عليه) أي: على الطالب في زمنين لطيفين متصلين؛ لأن وقوع عتقه عنه يستدعي تقديم الملك، فإذا وجد .. ترتب العتق عليه، وهذا بناءً على أن الشرط يترتب على المشروط، والثاني: يملكه ويعتق معًا بعد تمام اللفظ، بناءً على أن الشرط مع المشروط.
(ومن ملك عبدًا أو ثمنه فاضلًا عن كفاية نفسه وعياله) الذين تلزمه مؤنتهم (نفقةً وكسوة وسكنى وأثاثًا لا بد منه .. لزمه العتق) لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ ... ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الآية، وهذا واجد.
قال الرافعي: ولم يقدروا للنفقة والكسوة مدة، فيجوز اعتبار مدة العمر الغالب،
الجزء: 3 - الصفحة: 321
وَلَا يَجِبُ بَيع ضَيْعَةٍ وَرَأْسِ مَالٍ لَا يَفْضُلُ دَخْلُهُمَا عَنْ كِفَايَتِهِ، وَلَا مَسْكَنٍ وَعَبْدٍ نَفِيسَيْنِ أَلِفَهُمَا فِي الأَصَحِّ، وَلَا شِرَاءٌ بِغَبْنٍ. وَأَظْهَرُ الأَقْوَالِ: اعْتِبَارُ الْيَسَارِ بِوَقْتِ الأَدَاءِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ عِتْقٍ .. صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ بِالْهِلَالِ
ويجوز اعتبار سنة، ويؤيده قول البغوي: يترك له ثوب للشتاء وثوب للصيف، وصوب في "زيادة الروضة": الثاني 840.
(ولا يجب بيع ضَيْعة، ورأس مال لا يفضل دخلهما عن كفايته) بحيث لو باعهما صار مسكينًا؛ لأن الانتقال إلى الفقر والمسكنة أشق من الانتقال من المسكن المألوف.
(ولا مسكنٍ وعبدٍ نفيسين ألفهما في الأصح) لمشقة مفارقة المألوف.
نعم؛ لو كان المسكن المألوف واسعًا يكفيه بعضه ويحصل رقبة بباقيه .. لزمه العتق؛ لأنه لا يفارقه.
والثاني: يلزمه البيع والإعتاق؛ كالثوب النفيس يجد بثمنه ثوبًا يليق به وعبدًا يعتقه، واقتضى كلام "الروضة" ترجيحه؛ فإنه قال من "زوائده": قطع العراقيون أو جمهورهم: بأنه يلزمه الإعتاق في العبد النفيس، ونقله صاحب "الشامل" عن الأصحاب، وصححه المتولي 841.
أما إذا لم يكونا مألوفين .. فيلزمه البيع والإعتاق قطعًا، والأمة كالعبد في ذلك.
(ولا شراءٌ بغبن) وإن قل؛ كالماء للطهارة.
(وأظهر الأقوال: اعتبار اليسار بوقت الأداء)، حتى لو كان معسرًا عند الوجوب وموسرًا عند الأداء .. يلزمه الإعتاق؛ لأنها عبادة لها بدل من غير جنسها، فأشبهت الوضوء والتيمم والقيام والقعود في الصلاة، والثاني: الاعتبار بوقت الوجوب، والثالث: أنه يعتبر الأغلظ من الوجوب إلى الأداء، وقيل: أغلظ الحالين لا ما بينهما.
(فإن عجز عن عتق .. صام شهرين متتابعين) للآية (بالهلال) وإن نقصا؛ لأنها
الجزء: 3 - الصفحة: 322
بِنِيَّةِ كَفَّارَةٍ، وَلَا تشتَرَطُ نِيَّةُ التَّتَابُعِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ بَدَأَ فِي أَثناءِ شَهْرٍ .. حُسِبَ الشَّهْرُ بَعْدَهُ بِالْهِلَالِ وَأَتَمَّ الأَوَّل مِنَ الثَّالِثِ ثَلَاثِينَ. وَيَزُول التَّتابُعُ بِفَوَاتِ يَوْمٍ بلَا عُذْرٍ وَكَذَا بمَرَضٍ فِي الْجَدِيدِ، لَا بِحَيْضٍ وَكَذَا جُنُونٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الصَّوْم بِهَرَمٍ، أَوْ مَرَضٍ .. قَال الأَكْثَرُونَ: لَا يُرْجَى زَوَالُهُ، أَوْ لَحِقَّهُ بِالصَّوْمِ مَشَقَّة شَدِيدَةٌ لا، أوْ خَافَ زِيَادَةَ مَرَضٍ .. كَفَّرَ بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا
الأشهر شرعًا، (بنية كفارةٍ) كلَّ ليلة من الليل؛ لما سبق في (كتاب الصيام).
(ولا تشترط نية التتابع في الأصح) اكتفاءً بالتتابع الفعلي، والثاني: يشترط في كل ليلة؛ للتمييز، والثالث: يجب في الليلة الأولى؛ لحصول التمييز به.
(فإن بدأ في أثناء شهر .. حسب الشهر بعده بالهلال وأتم الأول من الثالث ثلاثين) لتعذر الرجوع فيه إلى الهلال، فاعتبر بالعدة.
(ويزول التتابع بفوات يوم بلا عذر) ولو كان في اليوم الآخِر، كما إذا أفسد صومه، أو نسي النية في بعض الليل، (وكذا بمرض) مسوغ للفطر (في الجديد) لأن المرض لا ينافي الصوم، وقد أفطر باختياره، فأشبه ما لو أجهده الصوم فأفطر، والقديم: لا يقطع التتابع، لأن التتابع لا يزيد على أصل وجوب رمضان، وهو يسقط بالمرض.
(لا بحيض) لأنه ليس باختيارها، ولا يخلو منه شهران غالبًا، والتأخير إلى اليأس خطر.
والنفاس كالحيض على الصحيح، وطروّ الحيض والنفاس إنما يتصور في كفارة قتل لا ظهار؛ إذ لا تجب على النساء.
(وكذا جنون على المذهب) لعدم الاختيار، والإغماء كالجنون، وقيل: كالمرض.
(فإن عجز عن الصوم) -أي: صوم الشهرين أو تتابعهما- (بهرم أو مرض قال الأكثرون: لا يرجى زواله، أو لحقه بالصوم مشقة شديدة، أو خاف زيادة مرض .. كفّر بإطعام ستين مسكينًا) لأنه غير مستطيع، فاندرج في الآية، ومقابل قول الأكثرين: قول الإمام: إنه يعتبر دوام المرض في ظنه مدة شهرين، قال في "زيادة
الجزء: 3 - الصفحة: 323
أَوْ فَقِيرًا -لَا كَافِرًا، وَلَا هَاشِمِيًّا وَلَا مُطلِبِيًّا- سِتِّينَ مُدًّا مِمَّا يَكُونُ فِطْرَةً.
الروضة": والأصحُّ: ما قاله الإمام، وقد وافق عليه آخرون 842، ويعرف دوام المرض شهرين: من العادة الغالبة، أو من قول الأطباء، (أو فقيرًا) لأنه أشد حالًا من المسكين، ويكفي البعض مساكين والبعض فقراء، (لا كافرًا ولا هاشميًّا ولا مطلبيًّا) كالزكاة؛ بجامع التطهير، ولا يجوز صرفها أيضًا إلى من تلزمه نفقته؛ كزوجة وقريب، ولا إلى عبد ومكاتب.
(ستين مدًّا) لكل واحد مد؛ ككفارة وقاع رمضان، وروى البيهقي في حديث سلمة بن صخر: أنه -صلى الله عليه وسلم - أتي بعرق فيه خمسة عشر صاعًا، فقال: "تَصَدَّقْ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا" 843، ولأن الله تعالى عوّض عن كل جوعة شبعة مسكين، وغالبُها مد، (مما يكون فطرة) أي: جنس الطعام المخرج هنا جنس المخرج في الفطرة، فلا يجزئ الدقيق والسويق والخبز، ولا التغدية والتعشية.
الجزء: 3 - الصفحة: 324
كتابُ اللّعان يَسْبقُهُ قَذْفٌ. وَصَرِيحُهُ الزِّنَا، كَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ: (زَنَيْتَ أَوْ زَنَيْتِ)، أَوْ (يَا زَانِي أَو يَا زَانِيَةُ). وَالرَّمْيُ بِإِيلَاجِ حَشَفَةٍ فِي فَرْجٍ مَعَ وَصْفِهِ بِتَحْرِيمٍ أَوْ دُبُرٍ صَرِيحَانِ
﴿كتاب اللعان﴾
هو لغة: المباعدة، ومنه: لعنه الله؛ أي: أبعده الله وطرده، سمي بذلك: لبعد الزوجين من الرحمة، أو لبعد كل منهما عن الآخر فلا يجتمعان أبدًا.
وفي الشرع: كلمات معلومة جعلت حجة للمضطر إلى قذف مَنْ لطخ فراشه والحق العار به، سمي لعانًا؛ لقول الرجل: (عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين)، وإطلاقُه في جانب المرأة: من مجاز التغليب، والمغلب على اللعان حكم اليمين لا الشهادةِ على الأصحِّ.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآيات 844، والأحاديث فيه كثيرة.
(يسبقه قذف) أو نفي الولد؛ لأنه حجة ضرورة لدفع الحد أو نفي الولد، ولا ضرورة قبل ذلك.
(وصريحه) أي: القذفِ (الزنا؛ كقوله لرجل أو امرأة: "زنيتَ أو زنيتِ"، أو "يا زاني أو يا زانية") لتكرر ذلك وشهرته، ولا يضر اللحن بالتذكير والتأنيث.
هذا إذا قاله لمن يمكن وطؤه في معرض التعيير، فلو قال لابنةِ سنةٍ مثلًا (زنيتِ) .. فليس بقذف؛ كما قاله الماوردي 845؛ لأن القذف ما احتمل الصدق أو الكذب، وهذا مقطوع بكذبه.
(والرميُ بإيلاج حشفة في فرج مع وصفه بتحريم) مطلق (أو دبر .. صريحان) لأنه صريح لا يقبل التأويل، وإنما اشترط الوصف بالتحريم في القبل دون الدبر؛ لأن
الجزء: 3 - الصفحة: 325
وَ (زَنَأتَ فِي الْجَبَلِ) كِنَايَةٌ، وَكَذَا (زَنَأتَ) فَقَطْ فِي الأَصَحِّ. وَ (زَنَيْتِ فِي الْجَبَلِ) صَرِيحٌ فِي الأَصَحِّ. وَقَوْلُهُ: (يَا فَاجِرُ)، (يَا فَاسِقُ)، وَلَهَا: (يَا خَبيثَةُ)، وَ (أَنْتِ تُحِبِّينَ الْخَلْوَةَ)، وَلِقُرَشِيٍّ: (يَا نَبَطِيُّ)، وَلِزَوْجَتِهِ: (لَمْ أَجِدْكِ عَذْرَاَءَ) كِنَايَةٌ، فَإِنْ أَنْكَرَ إِرَادَةَ قَذْفٍ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَقَوْلُهُ: (يَا بْنَ الْحَلَالِ)، وَ (أَمَّا أَنَا .. فَلَسْتُ بِزَانٍ)، وَنَحْوُهُ .. تَعْرِيضٌ لَيْسَ بِقَذْفٍ وَإِنْ نَوَاهُ. وَقَوْلُهُ: (زَنَيْتُ بِكِ) إِقْرَار بِزِنًا وَقَذْفٌ
الإيلاج في الدبر لا يكون إلا حرامًا، بخلاف القبل.
(و"زنأت) بالهمزة (في الجبل": كناية) لأن الزَّنْء في الجبل: الصعود فيه، وقيل: إنه صريح في العامي الذي لا يعرف اللغة.
(وكذا "زنأت") بالهمزة (فقط في الأصح) لأن ظاهره الصعود، والثاني: إنه صريح، والثالث: إن أحسن العربية .. فكناية، وإلا .. فصريح.
(و"زنيت في الجبل": صريح في الأصح) للظهور فيه؛ كما لو قال: (في الدار)، والثاني: إنه كناية؛ لأن (الياء) قد تقام مقام الهمزة، والثالث: إنه صريح في عالم باللغة دون غيره.
(وقوله: "يا فاجر" "يا فاسق"، ولها) -أي: للمرأة- (: "يا خبيثة" و"أنت تحبين الخلوة"، ولقرشي: "يا نبطي") وعكسه، (ولزوجته: "لم أجدك عذراء" .. كنايةٌ) لاحتمالها القذفَ وغيره.
والمراد في الثالثة: أنه كناية في قذف أُمّ المخاطب، ولو عبر بالعربي بدل القرشي .. لكان أعم.
(فإن أنكر إرادة قذف .. صدق بيمينه) لأنه أعرف بمراده، ويُعزَّر؛ للأذى.
(وقوله: "يا بن الحلال"، و"أما أنا فلست بزان"، ونحوه .. تعريض ليس بقذف وإن نواه) لأن النية إنما تؤثر إذا احتمل اللفظ المنوي، وههنا ليس في اللفظ إشعار به، وإنما يفهم بقرائن الأحوال، فلا يؤثر فيه؛ كمن حلف لا يشرب له ماء من عطش، ونوى ألا يتقلد له منّةً؛ فإنه إن شربه من غير عطش .. لم يحنث، وقيل: إنه كناية، وقطع به العراقيون.
(وقوله: "زنيت بك": إقرار بزنًا وقذفٌ) للمقول له، أما كونه إقرارًا ..
الجزء: 3 - الصفحة: 326
وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: (يَا زَانِيَةُ)، فَقَالَتْ: (زَنَيْتُ بِكَ) أَوْ (أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي) .. فَقَاذِفٌ وَكَانِيَةٌ، فَلَوْ قَالَتْ: (زَنَيْتُ وَأَنْتَ أَزْنَى مِنِّي) .. فَمُقِرَّة وَقَاذِفَةٌ. وَقَوْلُهُ: (زَنَى فَرْجُكِ) أَوْ (ذَكَرُكَ) قَذْف. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ قَوْلَهُ: (يَدُكَ أَوْ عَيْنُكَ)، وَلِوَلَدِهِ: (لَسْتَ مِنِّي) أَوْ (لَسْتَ ابْنِي) كِنَايَةٌ،
فلقوله: (زنيت)، وأما كونه قذفًا .. فلقوله: (بك).
(ولو قال لزوجته: "يا زانية"، فقالت: "زنيت بك" أو "أنت أزنى مني" .. فقاذف وكانية) أما كونه قاذفًا .. فلصراحة اللفظ، وأما كونها كانيةً .. فلأن قولها الأول: يحتمل نفي الزنا؛ أي: (لم أفعل كما لم تفعل)، وهذا مستعمل عرفًا؛ كقولك لمن قال: (تغديتَ؟ تغديتُ معك)، وقولَها الثانيَ: يحتمل إرادة (ما وطئني غيرك، فإن كنت زانية .. فأنت أزنى مني؛ لأنني ممكِّنة وأنت فاعل)، (فلو قالت: "زنيت وأنت أزنى مني" .. فمقرة) بالزنا (وقاذفة) له؛ للفظ الصريح الذي لا يحتمل غيره.
(وقوله: "زنى فرجك" أو "ذكرك")، أو (قبلك) أو (دبرك) ( .. قذف) لأنه آلة ذلك العمل.
ولو قال لخنثى: (زنى فرجك) أو (ذكرك) .. قال في "البيان": الذي يقتضيه المذهب: أنه كإضافته إلى اليد، حتى يكون كناية على الأصحِّ، فلو جمع بين الفرج والذكر .. كان صريحًا، نقله عنه الرافعي في (باب حد القذف) والمصنف هنا 846.
(والمذهب: أن قوله: "يدُك أو عينُك"، ولولده: "لستَ مني" أو "لستَ ابني" .. كناية).
أما في الأولى .. فلأن المفهوم من زنا هذه الأعضاء اللمس والنظر على ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم -: "الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ" 847، فلا ينصرف إلى الزنا الحقيقي إلا بإرادته، ولهذا لو نسب ذلك إلى نفسه .. لم يكن إقرارًا قطعًا،
الجزء: 3 - الصفحة: 327
وَلِوَلَدِ غَيْرِهِ: (لَسْتَ ابْنَ فُلَانٍ) صَرِيحٌ، إِلَّا لِمَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ. وَيُحَدُّ قَاذِفُ مُحْصَنٍ، ويُعَزَّرُ غَيْرُهُ. وَالْمُحْصَنُ: مُكَلَّفٌ، حُرٌّ، مُسْلِمٌ، عَفِيفٌ عَنْ وَطْءٍ يُحَدُّ بِهِ
وقيل: إنه صريح؛ قياسًا على الفرج؛ لأنه أضاف الزنا إلى عضو من الجملة، وأما في الثانية .. فلأن الأب يحتاج في تأديب الولد إلى مثل هذا الكلام؛ زجرًا له، فيحمل على التأديب.
(ولولد غيره: "لست ابن فلان" .. صريحٌ) في قذف أمه؛ لأنه لا يحتاج إلى تأديب ولد غيره، والطريق الثاني: حكاية قولين في ولده وولد غيره؛ أحدهما: أنه صريح فيهما؛ لأنه السابق إلى الفهم؛ لأنه لا يحتمل غير القذف.
(إلا لمنفي بلعان) أي: إذا قال لمن نفى نسبه في حال انتفائه: (لست ابن فلان) -يعني: الملاعن- .. فليس بصريح في قذف أمه؛ لجواز إرادة لست ابنه شرعًا، أو لست تشبهه خَلْقًا وخُلُقًا، فإن قال: (قصدت القذف) .. رتب عليه موجبه؛ من حد أو تعزير، أو (لم أرد قذفًا) .. حلف وعزر؛ للأذى، ولو قال له ذلك بعد استلحاق النافي له .. كان صريحًا في القذف على المذهب، اللهم؛ إلا أن يدعي احتمالًا ممكنًا؛ كقوله: (لم يكن ابنه حين نفاه)، فإنه يصدق بيمينه؛ كما رجحه في "زيادة الروضة"، ونقله عن الماوردي 848.
(ويحد قاذف محصن) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية، (ويعزر غيره) أي: قاذفُ غير المحصن؛ كالعبد والصبي والزاني؛ للإيذاء.
(والمحصن: مكلف، حر، مسلم، عفيف عن وطء يحد به) بالاتفاق؛ لأن الله تعالى شرط فيه الإحصان، وهو الكمال، وأضداد ما شرطناه نقص.
وفي الخبر: "مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ .. فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ" 849، وإنما جعل الكافر محصنًا في حد الزنا؛ لأن حده إهانة له، والحد بقذفه إكرامٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 328
وَتَبْطُلُ الْعِفَّةُ بِوَطْءِ مَحْرَمٍ مَمْلُوكَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا زَوْجَتِهِ فِي عِدَّةِ شُبْهَةٍ وَأَمَةِ وَلَدِهِ وَمَنْكُوحَتِهِ بِلَا وَليٍّ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ زَنَى مَقْذُوفٌ .. سَقَطَ الْحَدُّ، أَوِ ارْتَدَّ .. فَلَا. وَمَنْ زَنَى مَرَّةً ثُمَّ صَلُحَ .. لَمْ يَعُدْ مُحْصَنًا. وَحَدُّ الْقَذْفِ يُورَثُ وَيَسْقُطُ بِعَفْوٍ،
(وتبطل العفة بوطء محرم مملوكة) له (على المذهب) إذا علم التحريم؛ لدلالته على قلة مبالاته، بل غِشْيان المحارم أشد من مباشرة الأجنبيات.
وأشار بتعبيره بـ (المذهب): إلى أنا إذا أوجبنا الحد بذلك .. بطلت عفته، وإن لم نوجبه -وهو الأصح- .. بطلت أيضًا على الأصحِّ؛ لما قلناه.
(لا زوجته في عدة شبهة) لأن التحريم عارض يزول، (وأمة ولده ومنكوحته بلا ولي في الأصح) لقوة الشبهة فيهما، ومن ثَمّ لحق النسب فيهما، والثاني: أنها تبطل؛ لحرمته.
(ولو زنى مقذوف) قبل أن يحد له ( .. سقط الحد) عن قاذفه، (أو ارتد .. فلا).
والفرق: أن الزنا يكتم ما أمكن، فإذا ظهر .. أشعر بسبق مثله؛ لأن الله تعالى كريم لا يهتك الستر أول مرة على ما قاله عمر -رضي الله عنه- 850، والردةَ عقيدة، والعقائد لا تخفى غالبًا، فإظهارها لا يدل على سبق الإخفاء.
(ومن زنى مرة ثم صلح .. لم يعد محصنًا) أبدًا؛ لأن العرض إذا انثلم .. لم تنسد ثلمته، واستشكله الإمام؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له 851.
(وحد القذف) وتعزيره (يورث) كسائر الحقوق، (ويسقط بعفو) عن جميعه؛ كغيره، فلو عفا عن بعضه .. لم يسقط منه شيء؛ كما ذكره الرافعي في (الشفعة) 852، ويسقط التعزير أيضًا بالعفو؛ كما قاله في "الروضة"، واستشُكل بتصحيحه في (باب التعزير) جوازَ استيفاء الإمام له مع العفو 853.
الجزء: 3 - الصفحة: 329
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَرِثُهُ كُلُّ الْوَرَثَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ عَفَا بَعْضُهُمْ .. فَلِلْبَاقِي كُلُّهُ.
فصلٌ [في قذف الزوج خاصة]
لَهُ قَذْفُ زَوْجَةٍ عَلِمَ زِنَاهَا أَوْ ظَنَّهُ ظَنًّا مُؤَكَّدًا كَشَيَاعٍ زِنَاهَا بِزَيْدٍ مَعَ قَرِينَةٍ؛ بِأَنْ رَآهُمَا فِي خَلْوَةٍ. وَلَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ .. لَزِمَهُ نفْيُهُ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُ إِذَا لَمْ يَطَأْ، أَوْ وَلَدَتْهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ فَوْقَ أَرْبَعِ سِنِينَ،
(والأصح: أنه يرثه كل الورثة) كالقصاص، فيقدم من يقدم في الإرث، والثاني: جميعهم إلا الزوجين؛ لارتفاع النكاح بالموت، والثالث: رجال العصبات فقط؛ لأنه لدفع العار، فاختص بهم؛ كولاية التزويج.
(وأنه لو عفا بعضهم .. فللباقي كله) لأن الحد يثبت لهم ولكل واحد منهم؛ كولاية التزويج وحق الشفعة، والثاني: يسقط جميعه؛ كالقصاص.
وفرق الأول: بأن القصاص له بدل يعدل إليه، فلم يفوت عليهم بالعفو شيئًا، بخلاف الحد.
والثالث: يسقط نصيب العافي ويستوفي الباقي؛ لأنه قابل للتقسيط، بخلاف القصاص.
(فصل: ) في قذف الزوج خاصة (له قذف زوجة علم زناها) بأن رآها تزني، (أو ظنه ظنًّا مؤكدًا؛ كشياع زناها بزيد مع قرينة؛ بأن رآهما في خلوة)، أو أقرت عنده بالزنا ووقع في قلبه صدقها، أو أخبره ثقة بزناها ولو لم يكن من أهل الشهادة؛ لأنه رواية؛ لأن الظن مع القرينة التحق في هذه الحالة بالعلم.
(ولو أتت بولد علم أنه ليس منه) أو ظنه ظنًّا مؤكدًا ( .. لزمه نفيه) لأن تركه يتضمن استلحاقه، وهو حرام.
(وإنما يعلم: إذا لم يطأ) أصلًا، (أو ولدته لدون ستة أشهر) من الوطء 854 (أو فوق أربع سنين) لأن الحمل لا يكون أقلَّ من ستة أشهر ولا أكثرَ من أربع سنين، فلزم
الجزء: 3 - الصفحة: 330
فَلَوْ وَلَدَتْهُ لِمَا بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ بِحَيْضَةٍ .. حَرُمَ النَّفْيُ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِفَوْقِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الاسْتِبْرَاءِ .. حَلَّ النَّفْيُ فِي الأَصَحِّ
أن يكون من حمل آخر قبله أو بعده، ولو استدخلت ماءه .. لم يحل له النفي وإن كان لم يطأ.
(فلو ولدته لما بينهما) أي: بين ستة أشهر وأربع سنين (ولم يستبرئ بحيضة .. حرم النفي)، ولا عبرة بريبة يجدها في نفسه أو شبهةٍ تخيل إليه فسادًا، وقد صح من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنه -صلى الله عليه وسلم - قال: "أَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ .. احْتَجَبَ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخلائِقِ" 855.
(وإن ولدته لفوق ستة أشهر من الاستبراء .. حل النفي في الأصح) لأن الاستبراء أمارة ظاهرة على أنه ليس منه، لكن المستحب ألا ينفيه؛ لأن الحامل قد ترى الدم، وهذا ما رجحه في "المحرر" و"الشرح الصغير" 856، والثاني: إن رأى بعد الاستبراء القرينة المبيحة للقذف .. جاز النفي، بل يلزمه؛ لأن الغالب على الظن والحالة هذه أنه ليس منه، وإن لم ير شيئًا .. لم يجز، وهذا ما صححه في "زيادة الروضة" 857، وليس هو في "الرافعي"، بل اقتضاء إيراد "الشرح الكبير": ما صححه في "الكتاب"، وقال في "المهمات": إن المعتمد: ما صححه في "الروضة" 858.
وقال الزركشي: يجب تقييد ما رجحه في "الكتاب": بما إذا كان هناك تهمة الزنا، وإلا .. فمجرد الاستبراء لا يبيح ذلك قطعًا، ونصّ "الأم" مصرّح به.
انتهى.
وقوله: (من الاستبراء): تبع فيه الرافعي هنا، وصحح في "زيادة الروضة": اعتبارَها من حينِ يزني الزاني بها، ونقله عن جمع؛ لأن مستند اللعان زناه، فذا
الجزء: 3 - الصفحة: 331
وَلَوْ وَطِئَ وَعَزَلَ .. حَرُمَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ عَلِمَ زِنَاهَا وَاحْتَمَلَ كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْهُ وَمِنَ الزِّنَا .. حَرُمَ النَّفْيُ، وَكَذَا الْقَذْفُ وَاللِّعَانُ عَلَى الصَّحِيح.
فصلٌ [في كيفية اللعان وشروطه وثمراته]
اللِّعَانُ: قَوْلُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: (أَشْهَدُ باللهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بهِ هَذِهِ مِنَ الزِّنَا)،
ولدت لدون ستة أشهر من زناه ولأكثر من ستة أشهر من الاستبراء .. فالولد ليس من ذلك الزنا يقينًا، قال: وهذا واضح 859، فكان ينبغي: أن يزيد ذلك في هذا 860؛ ليسلم من التناقض.
(ولو وطئ وعزل .. حرم) النفي (على الصحيح) لأن الماء قد يسبق من غير أن يحس به، ومقابله: احتمال للغزالي أقامه المصنف وجهًا 861.
(ولو علم زناها واحتمل كون الولد منه ومن الزنا .. حرم النفي) لقيام الاحتمال، والولد للفراش.
(وكذا القذف واللعان على الصحيح) لأن نسبتها إلى الزنا وإثباته عليها يعير به الولد، وربما تطلق فيه الألسنة فيتضرر به، والثاني: يجوز انتقامًا منها؛ كما إذا لم يكن ولد، وهذا ما ذكر الإمام أنه القياس، فأثبته الشيخان وجهًا 862.
(فصل: اللعان: قوله أربعَ مرات: "أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به) زوجتي (هذه من الزنا") إذا كانت حاضرة؛ أما اعتبار العدد .. فلقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6]، ولأن يمينه أقيمت مقام أربعة شهود من غيره؛ ليقام عليها الحد، ولذلك سميت شهادات، وهي في الحقيقة أيمان، وأما اعتبار تسمية ما رماها به .. فلأنه المحلوف عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 332
فَإِنْ غَابَتْ .. سَمَّاهَا وَرَفَعَ نَسَبَهَا بِمَا يُمَيزُهَا، وَالْخَامِسَةَ: (أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا). وَإِنْ كَانَ وَلَدٌ يَنْفِيهِ .. ذَكَرَهُ فِي الْكَلِمَاتِ فَقَالَ: (وَإِنَّ الْوَلَدَ الَّذِي وَلَدَتْهُ، أَوْ هَذَا الْوَلَدُ مِنْ زِنًا لَيْسَ مِنِّي)
ومحل قوله: (من الزنا): إذا قذفها بالزنا، فإن لاعن لنفي ولد أو حملٍ بلا قذف .. قال: (إني لمن الصادقين فيما رميت به هذه من إصابة غيري لها على فراشي، وإن هذا الولد منه من تلك الإصابة لا منّي).
(فإن غابت) عن البلد أو مجلس اللعان لمرض أو حيض ونحوهما ( .. سماها ورفع نسبها بما يميزها) عن غيرها، دفعًا للاشتباه.
قال ابن الملقن: (ولا يبعد أن يقوم وصفها بما هي مشهورة به مقام الرفع في نسبها.
انتهى 863.
وفي "تعليق الشيخ أبي حامد": ذكر ما يميزها عن سائر زوجاته إن كان في نكاحه غيرها، قال الرافعي: وهذا يشعر بالاستغناء بقوله: (زوجتي) عن الاسم والنسب إذا لم يكن تحته غيرها 864.
(والخامسةَ: "أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا") للآية، ويعرفها في الغيبة والحضور، كما سلف.
(وإن كان ولد ينفيه .. ذكره في الكلمات) الخمس (فقال) في كل واحدة منها: ("وإن الولد الذي ولدته) إن كان غائبًا، (أو هذا الولد) إن كان حاضرًا (من زنًا ليس مني") لأن كل مرة بمنزلة شاهد، ولو أغفل ذكر الولد في بعض الكلمات .. احتاج إلى إعادة اللعان لنفيه.
وقضية كلامه: أنه لو اقتصر على ذكر (الزنا) ولم يقل: (ليس مني) .. أنه لا يكفي، وبه أجاب كثيرون، كما قاله الرافعي في "الشرح الكبير"، وحكاه في "الكفاية" عن الأكثرين، لكن صحح في "أصل الروضة" و"الشرح الصغير": الاكتفاءَ به، ونقل تصحيحه في "الكبير": عن البغوي فقط، قال الأَذْرَعي:
الجزء: 3 - الصفحة: 333
وَتقولُ هِيَ: (أَشْهَدُ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا)، وَالْخَامِسَةَ: (أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيهِ). وَلَوْ بُدِّلَ لَفْظُ شَهَادَةٍ بحَلِفٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ غَضبٍ بِلَعْنٍ، وَعَكْسِهِ أَوْ ذُكِرَا قَبْلَ تَمَامِ الشَّهَادَاتِ .. لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ
والمذهب: أنه لا يكفي، ولم أر من رجح الاكتفاء به غير البغوي وأتباعه 865.
ولو اقتصر على قوله: (ليس مني) .. لم يكف على الصحيح؛ لاحتمال إرادته عدمَ الشبه في الخَلْق والخُلُق.
(وتقول هي: "أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا") إن كان رماها به، أما لو لاعن لنفي ولد من غير قذف .. لم تقل ذلك، بل ما يقتضيه الحال.
وكان ينبغي أن يقول: (ثم تقول) لأن تأخير لعانها شرط؛ كما سيأتي.
(والخامسةَ: "أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيه") أي: فيما رماني به من الزنا؛ للآية، والقول في تعريفه حاضرًا وغائبًا كما سبق في جانبها.
ولا يحتاج إلى ذكر الولد على الصحيح؛ لأنه لا يتعلق بذكره في لعانها حكم، فلم يحتج إليه، ولو تعرضت له .. لم يضر.
(ولو بدل لفظ شهادة بحلف ونحوه) كقوله: (أقسم بالله) أو (أحلف بالله) .. قال المنكت: عبارة مقلوبة، وصوابه: (حلفٍ بشهادة)، لأن (الباء) تدخل على المتروك 866، (أو غضب بلعن، وعكسه) بأن ذكر الرجل الغضب والمرأة اللعن، وقوله: (وعكسه): من زيادته على "المحرر"؛ كما قاله في "الدقائق"، ولا يفهم العكس من قول "المحرر": (ولا يجوز إبدال الغضب باللعن) لتفاوت المعنى 867، (أو ذكرا) أي: الغضب واللعن (قبل تمام الشهادات .. لم يصح في الأصح)، الخلاف في هذه المسائل مبني: على أن المراعى في اللعان: اللفظ ونظم التنزيل، أو المعنى، وفيه وجهان، فلا يصح على الأول، ويصح على الثاني.
الجزء: 3 - الصفحة: 334
ويُشْتَرَطُ فِيهِ أَمْرُ الْقَاضِي، ويُلَقَنُ كَلِمَاتِهِ، وَأَنْ يَتَأَخَّرَ لِعَانُهَا عَنْ لِعَانِهِ. وَيُلَاعِنُ أَخْرَسٌ بِإِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ. وَيَصِحُّ بِالْعَجَمِيَّةِ، وَفِيمَنْ عَرَفَ الْعَرَبِيّةَ وَجْهٌ
(ويشترط فيه) أي: في اللعان (أمر القاضي) أو نائبه؛ كاليمين في سائر الخصومات؛ لأن المغلب على اللعان حكم اليمين على الأصحِّ، وإن غلب فيه معنى الشهادة .. فهي لا تؤدى إلا عنده.
(ويلقن كلماته)، فيقول له القاضي أو من في معناه في كل مرة: (قل: كذا)، وكذلك للمرأة، فلو ابتدأ الملاعن بها .. لم يعتد بها دون إحلاف القاضي.
وعطفُه التلقينَ على الأمر يقتضي: أنهما متغايران، وليس كذلك، بل الأمر هو التلقين، ولهذا اقتصر في "الروضة" على الأمر 868، ويحتمل أن يراد بالأمر: قوله: (قل)، و (أشهد) ... إلى آخره تلقينٌ.
(وأن يتأخر لعانها عن لعانه) لأن لعانها لإسقاط الحد، وإنما يجب الحد عليها بلعانه، فلا حاجة إلى لعانها قبله.
(ويلاعن أخرس بإشارة مفهمة أو كتابة) كالبيع والنكاح وغيرهما، بل أولى؛ لأن اللعان مما تدعو الضرورة إليه، وهذا بناء على أن المغلب في اللعان: شائبة اليمين؛ إذ لو غلبت الشهادة .. لما صح؛ فإن شهادة الأخرس لا تقبل.
وأفهم: أن من لا تفهم إشارته ولا كتابته لا يصح لعانه، وهو كذلك؛ كغيره من العقود.
(ويصح بالعجمية) وإن عرف العربية؛ لأنه إما يمين أو شهادة، وكلاهما باللغتين سواء.
(وفيمن عرف العربية وجه): أنه لا يصح لعانه بغيرها؛ لأنها التي ورد الشرع بها، وقال في "المطلب": إنه الأشبه، وقال الأَذْرَعي: إنه الذي أورده جمهور العراقيين وغيرهم، وهو ظاهر النص، والرافعي تابع البغوي، في ترجيح الأول 869.
الجزء: 3 - الصفحة: 335
وَيُغَلَّظُ بِزَمَانٍ؛ وَهُوَ بَعْدَ عَصْرِ جُمُعَةٍ، وَمَكَانٍ؛ وَهوَ أَشْرَفُ بَلَدِهِ، فَبمَكَّةَ: بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَالْمَدِينَةِ: عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ: عِنْدَ الصخْرَةِ،
ثم إن جهل القاضي تلك اللغة .. فلا بدّ من مترجم، ويكفي اثنان، وقيل: يشترط من جانب الرجل أربعة.
(ويغلظ بزمان، وهو بعد) صلاة (عصر جمعة) لأن يوم الجمعة أشرف أيام الأسبوع، وإنما كان بعد صلاة العصر، لأن الإثم فيه أشد، فإن ساعة الإجابة فيه؛ كما رواه أبو داوود والنسائي، وصححه الحاكم 870، وهذا إذا لم يكن طلب حاث، فإن كان .. فبعد العصر أيَّ يوم كان.
(ومكانٍ، وهو أشرف بلده) أي: اللعان (فبمكة: بين الركن) الذي فيه الحجر الأسود (والمقام)، وهو المُسمَّى بالحطيم، قال الزركشي: وما صرحوا به من كونه أشرفَ بقاع مكة .. مردود؛ فإنه لا شيء فيها أشرف من البيت، فالوجه: ما قاله القفال: إنه يكون في الحِجْر؛ لأنه من البيت.
(والمدينةِ: عند المنبر) مما يلي القبر الشريف؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم -: "مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ" 871.
وظاهر كلامه: أنه لا يصعد المنبر، وهو وجه، والأصح في "أصل الروضة": أنه يصعد، ونصّ عليه في "الأم" و"المختصر" 872، لقوله -صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا يَمِينًا آثِمَةً .. تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"، صححه ابن حبان والحاكم 873.
(وبيتِ المقدس: عند الصخرة) لأنها أشرف مكان فيه، إذ هي قبلة الأنبياء
الجزء: 3 - الصفحة: 336
وَغَيْرِهَا: عِنْدَ مِنْبَرِ الْجَامِعِ، وَحَائِضٌ: بِبَابِ الْمَسْجِدِ، وَذِمِّيٌّ: فِي بِيعَةٍ وَكَنِيسَةٍ،
صلوات الله عليهم أجمعين، وفي "ابن ماجه": أنها من الجنة 874.
(وغيرِها) -أي: غير هذه الأماكن الثلاث- (عند منبر الجامع) لأنه المعظم منه، قالا: وطرد المتولي في صعوده الخلاف المار 875، وقضيته: ترجيح صعوده، وصححه صاحب "الكافي"، وقيل: لا يختص بالمنبر؛ إذ لا مزية لبعض الجامع على بعض، ويخالف المدينة؛ لخصوصية منبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بما مرّ.
(وحائضٌ) ونحوها: (بباب المسجد) لتحريم مكثها فيه، والباب أقرب إلى الموضع الشريف، قال المتولي: وهذا إذا رأى الإمام تعجيل اللعان، فلو رأى تأخيره إلى انقطاع الدم وغسلها .. جاز، نقله في "الكفاية"، قال: وهو في الجنب أولى 876.
والمراد بالحائض: المسلمة، أما الذمية .. ففي المسجد على الأصحِّ، وكذا الذمي الجنب؛ كذا في "أصل الروضة" هنا، وقال الرافعي: إنه سبق في الصلاة كذلك، والذي سبق هناك: الجزم بمنع الحائض، وتصحيح الجواز في الجنب فقط 877.
(وذميٌّ في بيعة) للنصارى (وكنيسة) لليهود؛ لأن ذلك عندهم كالمساجد عندنا.
ويقول اليهودي: (أشهد بالله الذي أنزل التوراة على موسى)، والنصراني: (أشهد بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى).
قال الماوردي: ولا يحلف اليهودي بموسى -صلى الله عليه وسلم-، كما لا يحلف المسلم بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، بل ذلك محظور 878.
الجزء: 3 - الصفحة: 337
وَكَذَا بَيْتُ نَارِ مَجُوسِيٍّ فِي الأَصَحِّ، لَا بَيْتُ أَصْنَامِ وَثَنِيٍّ، وَجَمْعٍ أَقَلُّهُ أَرْبَعَةٌ. وَالتَّغْلِيظَاتُ سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَيُسَنُّ لِلقَاضِي وَعْظُهُمَا، ويُبَالِغُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، وَأَنْ يَتَلَاعَنَا قَائِمَيْنِ
(وكذا بيت نار مجوسي في الأصح) لأنهم يعظمونه، والمقصود الزجر عن الكذب، والثاني: لا، بل يكون في المسجد أو مجلس الحكم؛ لأنه لم يعظم في شريعة قط، بخلاف البِيَع والكنائس.
(لا بيتُ أصنام وثني)، بل في مجلس الحكم؛ لأن دخوله معصية؛ كما حكاه الماوردي عن الأصحاب 879.
وصورة المسألة: أن يدخل دارنا بهدنة أو أمان.
وسكت عمن لا ينتحل ملة؛ كالدهري والزنديق؛ فلا يغلظ في حقه في الأصحِّ؛ لأنه لا يعظم شيئًا، قالا: ويحسن أن يحلف بالله الذي خلقه ورزقه 880.
(وجمع) من الأعيان والصلحاء؛ لأن فيه ردعًا عن الكذب، (أقلُّه أربعة) لأن اللعان سبب للحد، ولا يثبت الحد إلا بأربعة، فاستحب حضور ذلك العدد، قال ابن الرفعة في "حاشية الكفاية": (ومن هذا يظهر: اعتبار كونهم من أهل الشهادة؛ كما قاله الماوردي (881.
(والتغليظات سنة لا فرض على المذهب) كسائر الأيمان، وقيل: تجب؛ للاتباع، ولأنه لو لم تجب .. لما جاز؛ لما فيه من الاشتهار.
(ويسن للقاضي وعظهما) بالتخويف من عذاب الله تعالى؛ للاتباع، (ويبالغ عند الخامسة) لعله يرجع؛ لأنها موجبة، (وأن يتلاعنا قائمَين)، فيقوم الرجل عند لعانه والمرأةُ جالسة، ثم تقوم عند لعانها ويقعد الرجل؛ لثبوت ذلك في قصة هلال بن أمية 882، ولأن قيامه أبلغ في الردع.
الجزء: 3 - الصفحة: 338
وَشَرْطُهُ: زَوْجٌ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، وَلَوِ ارْتَدَّ بَعْدَ وَطْءٍ فَقَذَفَ وَأَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ .. لَاعَنَ، وَلَوْ لَاعَنَ ثُمَّ أَسْلَمَ فِيهَا .. صَحَّ، أَوْ أَصَرَّ .. صَادَفَ بَيْنُونَةً. وَيَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهِ: فُرْقَةٌ، وَحُرْمَةٌ ومُؤَبَّدَةٌ وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ،
(وشرطه: زوج)، فغير الزوج لا يصح لعانه؛ لأجل القذف، لظاهر الآية، والفرق بين الزوج وغيره: احتياج الزوج للقذف، لإفسادها فراشَه، بخلاف الأجنبي.
والمراد بالزوج: من له علقة النكاح؛ لئلا يرد لعان البائن لنفي الولد 883 ولإسقاط الحد بالقذف في النكاح، والموطوءة بِنكاح فاسد أو شبهة.
(يصح طلاقه) فلا يصح من صبي ومجنون ومكره، بخلاف السكران والذمي والرقيق والمحدود في القذف؛ لأن اللعان يمين، فاشترط فيه ما شرط في الحالف دون الشاهد، والمراد: من يصح طلاقه في الجملة؛ لئلا ترد (المسألة السُرَيجية) إذا فرعنا على إنسداد باب الطلاق؛ فإنه زوج لا يصح طلاقه، ومع ذلك يصح لعانه.
(ولو ارتد بعد وطء فقذف وأسلم في العدة .. لاعن) لدوام النكاح، (ولو لاعن) في الردة (ثم أسلم فيها) أي: في العدة ( .. صح) لتبين وقوعه في صلب النكاح، وكفره لا يمنع صحته؛ كالذمي، (أو أصر) على الردة إلى انقضاء العدة ( .. صادف بينونة) لتبين انقطاع الزوجية بالردة، فإن كان هناك ولد ونفاه باللعان .. نفذ، وإلا .. تبين فساده، ولا يندفع بذلك حد القذف في الأصحِّ.
(ويتعلق بلعانه) أي: الزوجِ ولو كاذبًا (فرقة، وحرمة مؤبدة) لحديث: "الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا"، رواه أبو داوود 884، (وإن أكذب نفسه)، فلا يفيده ذلك عود النكاح ولارفع تأبد الحرمة؛ لأنهما حق له وقد بطلا، فلا يتمكن من عودهما، بخلاف الحد ولحوق النسب، فإنهما يعودان؛ لأنهما حق عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 339
وَسُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ، وَوُجُوبُ حَدِّ زِنَاهَا، وَانْتِفَاءُ نَسَبٍ نَفَاهُ بِلِعَانِهِ. وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى نَفْيِ مُمْكِنٍ مِنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ؛ بِأَنْ وَلَدَتْهُ لِسِتة أَشْهُرٍ مِنَ الْعَقْدِ، أَوْ طَلَّقَ فِي مَجْلِسِهِ، أَوْ نَكَحَ وَهُوَ بِالْمَشْرِقِ وَهِيَ بِالْمَغْرِبِ .. لَمْ يَلْحَقْهُ. وَلَهُ نَفْيُهُ مَيتًا
(وسقوطُ الحد عنه) بسبب قذفها وقذف من زنا بها إن سماه في اللعان؛ للآية، فإن لم يسمه .. لم يسقط عنه حده في الأصحِّ.
وكان ينبغي التعبير: بـ (العقوبة) بدل (الحد) ليشمل حد القذف وتعزيره.
(ووجوبُ حد زناها) إن لم تلتعن؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: 8]، فدل على وجوبه عليها بلعانه، هذا إذا قذفها بزنًا أضافه إلى حال الزوجية وكانت مسلمة، أما لو قذفها بزنًا أضافه إلى ما قبل الزوجية .. فسيأتي.
وإن كانت كتابية .. فالنص: أنها لا تجبر على اللعان، ولا تحد إذا امتنعت حتى ترضى بحكمنا، فإذا رضيت .. حكمنا في حقها بما نحكم به في حق المسلمة 885.
(وانتفاءُ نسب نفاه بلعانه) للسنة الثابتة فيه 886.
وقد يفهم: حصر أحكام لعانه في هذه الخمسة، وليس كذلك، بل يتعلق بلعانه أيضًا: سقوطُ حصانتها في حق الزوج إن لم تلاعن، وتشطّرُ الصداق قبل الدخول، واستباحةُ نكاح أختها وأربع سواها في عدتها؛ كما قاله في "زيادة الروضة" 887.
(وإنما يحتاج إلى نفي ممكن منه، فإن تعذّر؛ بأن ولدته) تامًّا (لستة أشهر من العقد، أو طلق في مجلسه) -أي: مجلس العقد- (أو نكح وهو بالمشرق وهي بالمغرب)، ولم يمض زمن يمكن فيه اجتماع ووطء وحمل أقل مدة الحمل، أو كان الزوج صغيرًا لا يمكن العلوق منه أو ممسوحًا ( .. لم يلحقه) لاستحالة كونه منه.
(وله نفيه ميتًا) لأن نسبه لا ينقطع بالموت، بل يقال: (مات ابن فلان)، و (هذا قبر ولد فلان)، وفائدته: إسقاط مؤنة التجهيز.
الجزء: 3 - الصفحة: 340
وَالنَّفْيُ عَلَى الْفَوْرِ فِي الْجَدِيدِ وَيُعْذَرُ لِعُذْرٍ. وَلَهُ نَفْيُ حَمْلٍ وَانْتِظَارُ وَضْعِهِ. وَمَنْ أَخَّرَ وَقَالَ: (جَهِلْتُ الْوِلَادَةَ) .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إِنْ كَانَ غَائِبًا، وَكَذَا الْحَاضِرُ فِي مُدَّةٍ يُمْكِنُ جَهْلُهُ فِيهَا
ولو استلحق الولد المنفي بعد موته .. لحقه واستحق إرثه، ولو استلحقه ثم نفاه .. لم ينتف عنه جزمًا.
(والنفي على الفور في الجديد) لأنه شُرِع لدفع ضرر تحقق، فكان على الفور؛ كالرد بالعيب وخيار الشفعة، والقديم: المنع؛ لأن أمر النسب خطير، وربما احتاج إلى نظر وتأمل، وعلى هذا؛ قيل: يمتد ثلاثة أيام؛ لأن الشرع اعتبرها في مواضع؛ للتروي، وقيل: على التراخي أبدًا، ولا يسقط إلا بالإسقاط.
ومحل الخلاف: في نفي الولد، أما اللعان .. فله تأخيره.
(ويعذر) في تأخير النفي (لعذر) من مرض وكل عذر مسقط للجمعة؛ لأنه لا يعد مقصرًا، لكن إن أمكنه الإشهاد .. فعليه أن يشهد، وإلا .. بطل حقه.
(وله نفيُ حمل) لقصة هلال بن أمية؛ فإنه لاعن عن الحمل قبل وضعه، متفق عليه 888، (وانتظارُ وضعه) ليلاعن على يقين؛ فان المتوهم حملًا قد يكون ريحًا فينفش.
نعم؛ لو قال: (علمت أن الحمل ولد، وأخرت طمعًا في موته أو موتها فأُكْفَى اللعانَ) .. لحقه في الأصحِّ المنصوص؛ لتفريطه مع علمه.
(ومن أخر وقال: "جهلت الولادة" .. صدق بيمينه إن كان غائبًا) لموافقته الظاهرَ.
نعم؛ إن استفاض واشتهر .. لم يصدق؛ كما حكياه عن "الشامل" وأقراه 889.
(وكذا الحاضر في مدة يمكن جهله فيها) كأن كانا في محلتين وأمكن الخفاء عليه؛ لاحتمال صدقه، فإن لم يمكن؛ بأن كانا في دار واحدة ومضت مدة يبعد
الجزء: 3 - الصفحة: 341
وَلَوْ قِيلَ لَهُ: (مُتِّعْتَ بِوَلَدِكَ) أَوْ (جَعَلَهُ اللهُ لَكَ وَلَدًا صَالِحًا) فَقَالَ: (آمِينَ)، أَوْ (نَعَمْ) .. تَعَذَّرَ نَفْيُهُ، وَإِنْ قَالَ: (جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا) أَوْ (بَارَكَ اللهُ عَلَيْكَ) .. فَلَا.
وَلَهُ اللِّعَانُ مَعَ إِمْكَانِ بيِّنَةٍ بزِنَاهَا، وَلَهَا لِدَفْع حَدِّ الزِّنَا.
فصلٌ [في المقصود الأصلي من اللعان]
لَهُ اللِّعَانُ لِنَفْيِ وَلَدٍ وَإِنْ عَفَتْ عَنِ الْحَدِّ وَزَالَ النِّكِّاحُ، وَلِدَفْعِ حَدِّ الْقَذْفِ وَإِنْ زَالَ النِّكاحُ وَلَا وَلَدَ، وَلِتَعْزِيرِهِ، إِلَّا تَعْزِيرَ تأدِيبٍ لِكَذِبٍ؛ كَقَذْفِ طِفْلَةٍ لَا تُوطَأُ
الخفاء فيها .. لم يقبل؛ لمخالفة الظاهر إذن.
(ولو قيل له: "متعت بولدك" أو "جعله الله لك ولدًا صالحًا"، فقال: "آمين" أو "نعم" .. تعذر نفيه) ولحقه الولد؛ لأن ذلك يتضمن الرضا به.
(وإن قال: "جزاك الله خيرًا"، أو "بارك الله عليك" .. فلا) يتعذر النفي؛ لاحتمال أنه قصد مقابلة الدعاء، فلا يكون مقرًا بالشك.
وصورة المسألة: أن يقول ذلك وهو متوجه إلى الحاكم، أو في حالة يعذر فيها بالتخلف؛ كالليل ونحوه، أو يهنئه من لا يسقط الحق بإخباره.
(وله اللعان مع إمكان بينة بزناها) لأن كلًّا منهما حجة، (ولها لدفع حد الزنا) المتوجه عليها بلعان الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: 8]، ولا يحل لها النكول عن اللعان إذا كانت صادقة في نفس الأمر؛ كي لا يكون عونًا على جلدها أو رجمها وفضيحة أهلها، قاله الشيخ عز الدين، وصوّب 890.
(فصل: له اللعان لنفي ولد وإن عفت عن الحد وزال النكاح) بطلاق أو غيره؛ للحاجة إليه، بل نفي النسب آكد من درء الحد.
(ولدفع حد القذف وإن زال النكاح ولا ولد) لحاجته إليه أيضًا.
(ولتعزيره) الواجب على القاذف؛ كقذف زوجته الذمية أو الأمة؛ لأنه غرض صحيح، (إلا تعزير تأديب لكذب؛ كقذف طفلة لا توطأ) أي: لا يمكن وطؤها؛
الجزء: 3 - الصفحة: 342
وَلَوْ عَفَتْ عَنِ الْحَدِّ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِزِنَاهَا أَوْ صَدَّقَتْهُ وَلَا وَلَدَ يَنْفِيهِ، أَوْ سَكَتَتْ عَنْ طَلَبِ الْحَدِّ أَوْ جُنَّتْ بَعْدَ قَذْفِهِ .. فَلَا لِعَانَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَبَانَهَا أَوْ مَاتت ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنًا مُطْلَقٍ، أَوْ مُضَافٍ إِلَى مَا بَعْدَ النِّكَاحِ .. لَا عَنَ إِنْ كَانَ وَلَدٌ يَلْحَقُهُ، فَإِنْ أَضَافَ إِلَى مَا قَبْلَ النِّكاحِ .. فَلَا لِعَانَ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ،
للعلم بكذبه، بل يعزر؛ تأديبًا على الكذب حتى لا يعود للإيذاء.
(ولو عفت عن الحد) أو التعزير، (أو أقام بينة بزناها، أو صدقته، ولا ولد) ولا حمل (ينفيه 891، أو سكتت عن طلب الحد) ولم تعف، (أو جُنّت بعد قذفه .. فلا لعان في الأصح) في المسائل الخمس.
وجه الأصحِّ في عفوها: أن اللعان حجة ضرورية، إنما يستعمل لغرض مهم؛ وهو دفع النسب أو عقوبة القذف، ولا ضرورة هنا، ووجه مقابله: قطع النكاح ودفع عار الكذب عنه.
ووجه الأصحِّ في إقامة البينة أو تصديقها: ثبوت قوله بحجة أقوى من اللعان، فلا فائدة في اللعان، ووجه مقابله: قصد التحريم المؤبد وغيره.
ووجه الأصحِّ فيما إذا سكتت أو جُنت: عدم ضرورته إليه، وإنما تلاعن عند الضرورة إليه، ووجه مقابله: أن له غرضًا في إسقاط الحد؛ لأنه معرض للطلب في كل وقت.
وكان الأولى: تأخير قوله: (ولا ولد) إلى آخر الصور؛ لئلا يرد عليه: ما لو كان ولدٌ أو حمل في مسألتي السكوت والجنون .. فإن له اللعانَ قطعًا.
وكلامه يوهم: تساوي الكل في عدم اللعان، وليس كذلك، بل هو في الثلاث الأُوَل مطلق وفي الأخيرتين منفي في الحال خاصة، فإذا طولب .. لاعن.
(ولو أبانها) بثلاث أو غيرها (أو ماتت، ثم قذفها بزنًا مطلق أو مضاف إلى ما بعد النكاح .. لاعن إن كان ولد يلحقه) للحاجة إلى النفي؛ كما في صلب النكاح.
(فإن أضاف إلى ما قبل النكاح .. فلا لعان إن لم يكن ولد) ويحد؛ لأنه غير محتاج إليه؛ كقذف الأجنبية.
الجزء: 3 - الصفحة: 343
وَكَذَا إِنْ كَانَ فِي الأَصَحِّ لكِنْ لَهُ إِنْشَاءُ قَذْفٍ وُيلَاعِنُ، وَلَا يَصِحُّ نَفْيُ أَحَدِ تَوْءَمَيْنِ.
(وكذا إن كان) ولد أو حمل (في الأصح) لتقصيره بذكر التاريخ.
وتبع في هذا التصحيح "المحرر"، ونقله في "زيادة الروضة" عنه وقال: إنه أقوى 892.
والثاني: له اللعان، كما لو أطلق، وعزاه في "الشرح الصغير" للأكثرين، ولم يذكر ترجيحًا سواه، واقتضى كلام "الكبير": ترجيحه، وقال في "المهمات": إن الفتوى عليه؛ لكونه قول الأكثرين 893.
(لكن له إنشاء قذف) تفريعًا على أنه لا يلاعن (ويلاعن) لنفي النسب للضرورة، فإن لم يفعل .. حد.
(ولا يصح نفي أحد توءَمين) قطعًا؛ لأن الله تعالى لم يجر العادة بأن يجتمع في الرحم ولدان من ماء رجلين؛ لأن الرحم إذا اشتمل على المني .. انسد فمه فلا يتأتى منه قبول مني آخر، ومجيء الولدين إنما هو من كثرة مادة الزرع، فإن نفى أحدهما واستلحق الآخر، أو سكت عن نفيه مع إمكانه .. لحقاه.
الجزء: 3 - الصفحة: 344