كتاب الزكاة
باب زكاة الحيوان
إِنَّمَا تَجِبُ مِنْهُ في النَّعَمِ -وَهِيَ: الإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ- لَا الْخَيْلُ وَالرَّقِيقُ، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ غَنَمٍ وَظِبَاءٍ
(كتاب الزكاة)
هي لغة: النمو والبركة، يقال: زكا الزرع: إذا نما، ويطلق على المدح؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وعلى التطهير؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: طهرها عن الأدناس، وفي الشرع: اسم لقدر من مال مخصوص، يُصرف لطائفة مخصوصة، على أوصاف مخصوصة، وسمي بذلك؛ لأن المال ينمو ببركة إخراجه، ويُطهِّر مُخرجَه من الإثم، ويَمدحه حين يشهد له بصحة الإيمان.
والأصل في وجوبها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ومن السنة: حديث: "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ" 1، وغير ذلك مما يأتي مُفرَّقا.
(باب زكاة الحيوان) بدأ به؛ اقتداء بكتاب الصديق الذي كتبه لأنس رضي الله عنهما، وقد أخرجه البخاري بطوله مُفرَّقا 2. (إنما تجب منه في النعم، وهي: الإبل والبقر) الأهلية (والغنم) أما وجوبها في هذه الثلاثة .. فمجمع عليه، وأما عدم الوجوب فيما عداها .. فعلى الأصل (لا الخيل والرقيق) إذا لم تكن للتجارة 3؛ لحديث: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ في عَبْدهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" متفق عليه 4، (والمتولد من غنم وظباء) لأنها لا تُسمّى غنمًا، وإنما
الجزء: 1 - الصفحة: 477
وَلَا شَيْءَ في الإِبِلِ حَتَّى تبلُغَ خَمْسًا، فَفِيهَا: شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ: شَاتَانِ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ: ثَلَاثٌ، وَعِشْرِينَ: أَرْبَعٌ، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ: بِنْتُ مَخَاضٍ، وَلسِتٍّ وَثَلَاثِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ، وَلسِتٍّ وَأَرْبَعِينَ: حِقَّةٌ، وَإِحْدَى وَسِتِّينَ: جَذَعَةٌ، وَسِتٍّ وَسَبْعِينَ: بِنْتَا لَبُونٍ، وَإِحْدَى وَتسْعِينَ: حِقَّتَانِ، وَمِئَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ: ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، ثُمَّ في كُلِّ أَرْبَعِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ، وَكُلِّ خَمْسِينَ: حِقَّة. وَبِنْتُ الْمَخَاضِ: لَهَا سَنَةٌ،
وجب الجزاء فيه على المحرم؛ تغليظًا، والزكاةُ مبنية على التخفيف.
(ولا شيء في الإبل حتى تبلغ خمسًا) لحديث: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ 5 مِنَ الإبِلِ صَدَقَة" متفق عليه 6.
(ففيها شاة، وفي عشر شاتان، وخمس عشرة ثلاث، وعشرين أربع، وخمس وعشرين بنت مخاض، وست وثلاثين بنت لبون، وست وأربعين حقة، وإحدى وستين جذعة، وست وسبعين بنتا لبون، وإحدى وتسعين حقتان، ومئة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون، وكل خمسين حقة) لكتاب الصديق رضي الله عنه في ذلك.
وقوله: (ثم في كل أربعين ... ) إلى آخره قد يقتضي أن استقامة الحساب بذلك إنما يكون فيما بعد مئة وإحدى وعشرين، ولشى كذلك، بل يتغير الواجب بزيادة تسع، ثم بزيادة عشر؛ ففي مئة وثلاثين بنتا لبون وحقة، وفي مئة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مئة وخمسين ثلاث حقاق، وهكذا أبدًا، ولو أخرج بنتي لبون عن الحقة في ستة وأربعين، أو أخرج حقتين، أو بنتي لبون بدلًا عن الجذعة في إحدى وستين .. جاز على الصحيح في "زيادة الروضة" 7 لأنهما يجزئان عما زاد.
(وبنت المخاض: لها سنة) ودخلت في الثانية؛ لأن أمها آن لها أن تحمل مرة
الجزء: 1 - الصفحة: 478
واللَّبُونِ: سَنَتَانِ، وَالْحِقَّةُ: ثَلَاثٌ، وَالْجَذَعَةُ: أَرْبَع. وَالشَّاةُ الْوَاجبَةُ: جَذَعَةُ ضَأْنٍ لَهَا سَنَة -وَقِيلَ: سِتةُ أَشْهُرٍ- أَوْ: ثَنِيَّةُ مَعْزٍ لَهَا سَنَتَانِ، وَقِيلَ: سَنَةٌ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَتَعَيَّنُ غَالِبُ غَنَمِ الْبَلَدِ،
أخرى، فتصير ماخضًا؛ أي: حاملًا؛ كما قاله الجوهري 8.
(واللبون: سنتان) وطعنت في الثالثة، سميت بذلك؛ لأن أمها قد آن لها أن تضع ثانيًا، ويصير لها لبن.
(والحقة: ثلاث) وطعنت في الرابعة، سميت بذلك؛ لأنها استحقت أن تُركَب وتَحمل، وأن يَطرُقها الفحلُ، ويقال: للذكر حِقّ؛ لأنه استحق أن يَطرُق.
(والجذعة: أربع) وطعنت في الخامسة، سميت بذلك؛ لأنها تُجذع مُقدَّم أسنانها؛ أي: تسُقطها، وقيل: لتكامل أسنانها.
وهذا آخر أسنان الزكاة، وهو نهاية الحسن من حيث الدَّرُّ والنسلُ.
(والشاة الواجبة) فيما دون خمس وعشرين (جذعة ضأن لها سنة، وقيل: ستة أشهر (وقيل: إن المتولد بين شاتين يُجذع لستة أشهر إلى سبعة، وبين هَرِمين لثمانية.
(أو ثنية معز لها سنتان، وقيل: سنة) ووجه عدم إجزاء ما دون هذين السِّنَّين الإجماع، وغلط من قال: يجزئ هنا ما ينطلق عليه اسمُ شاة؛ كما قاله الدارمي.
(والأصح: أنه مخير بينهما) أي: بين الضأن والمعز.
(ولا يتعين غالب غنم البلد) لحديث: "في كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ" 9، والشاة تطلق على الضأن والمعز.
نعم؛ لا يجوز الانتقال عن غنم البلد إلى غنم بلد آخر إلا إذا كان مساويًا لها في القيمة، أو أعلى منها، فإذا كان بمكة .. فشاة مكية، أو ببغداد .. فبغدادية ضأنية أو ماعزة، والثاني: يتعين غالب غنم البلد؛ كالكفارة، والثالث: يتعين نوع غنم
الجزء: 1 - الصفحة: 479
وَأَنَّهُ يُجْزِئُ الذَّكَرُ، وَكَذَا بَعِيرُ الزَّكَاةِ عَنْ دُونِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ. فَإِنْ عَدِمَ بِنْتَ الْمَخَاضِ .. فَأبْنُ لَبُونٍ،
المُزكِّي، وقيل: يجوز من غير غنم البلد مطلقًا، قال في "شرح المهذب": وهو قوي دليلًا شاذّ نقلًا 10.
(وأنه يجزئ الذكر) أي: الجذع من الضأن، والثنيّ من المعز؛ كالأضحية؛ لصدق اسم الشاة عليه؛ فإن (الهاء) فيه ليست للتأنيث، والثاني: لا؛ كالشاة المخرجة من أربعين من الغنم، وقيل: إن تمحضت إبلُه ذكورًا .. جاز، وإلا .. فلا.
(وكذا بعير الزكاة عن دون خمس وعشرين) وإن نقصت قيمته عن قيمة الشاة؛ لأنه يجزئ عن خمس وعشرين، فعما دونها أولى، والثاني: لا يجزئ عن خمس إن نقصت قيمتُه عن قيمة شاة، ولا عن عشر إن نقصت عن قيمة شاتين وهكذا، نظرًا إلى أن الشاة أصل، والبعيرَ بدل عنها، والثالث: لا يجزئ في العشر إلا حيوانان: شاتان، أو بعيران، أو شاة وبعير، ولا في الخمسة عشر إلا ثلاثة، ولا في العشرين إلا أربعة.
وقوله: (بعير الزكاة) من زياداته على "المحرر" 11 واحترز به: عمّا لا يجزئ فيها، فلو كان ابن سنة إلا يومًا .. لم يُجْزِ، كما قاله في "الدقائق" 12.
قال في "شرح المهذب": ولا بدّ أن يكون أنثى 13؛ أي: فلا يجزئ ابن اللبون هنا وإن أجزأ هناك في حالة (فإن عدم بنت المخاض) بأن لم تكن في إبله حالة الإخراج (فابن لبون) وإن نقصت قيمته عنها؛ للنص فيه 14.
ولا يكلف شراء بنت مخاض وإن قدر عليها، بخلاف الكفارة؛ لأن الزكاة مبنية على التخفيف، بخلافها.
الجزء: 1 - الصفحة: 480
وَالْمَعِيبَةُ كَمَعْدُومَةٍ. وَلَا يُكَلَّفُ كَرِيمَةً لكِنْ تَمْنَعُ ابْنَ لَبُونٍ في الأَصَحِّ. وَيُؤْخَذُ الْحِقُّ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، لَا عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ في الأَصَحِّ
والمغصوبة والمرهونة كالمعدومة؛ كما في "شرح المهذب" عن الدارمي وغيره 15.
ويجزئ الخنثى من أولاد اللبون على الأصحِّ، ولا يجزئ الخنثى من أولاد المخاض قطعًا.
ولو عدم بنت المخاض وعنده ابن لبون وبنت لبون؛ فإن أخرج ابن اللبون .. جاز، وإن أخرج بنت اللبون من غير جبران .. جاز، فإن أراد أخذ الجبران .. لم يجز في الأصحِّ؛ لاستغنائه عنه، ولو فقد ابن اللبون مع بنت المخاض .. اشترى ما شاء منهما، وقيل: يتعين شراء بنت المخاض؛ لأن استواءهما في العلم كاستوائهما في الوجود.
(والمعيبة كمعدومة) لأنها غير مجزئة؛ فيجوز إخراج ابن اللبون مع وجودها.
(ولا يكلف كريمةً) أي: إذا كانت إبلُه مهازيلَ، وعنده بنت مخاض كريمةٌ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ" متفق عليه 16.
(لكن تمنع) الكريمة (ابن لبون في الأصح) لوجود بنت مخاض مجزئة في ماله، والثاني: لا تمنع؛ لأنه لا يلزمه إخراجُها، فهي كالمعدومة.
(ويؤخذ الحق عن بنت مخاض) عند فقدها؛ لأنه أولى من ابن اللبون، (لا عن بنت لبون في الأصح) بخلاف ابن اللبون حيث أجزأ عن بنت المخاض؛ لورود النص ثَمَّ، وليس هذا في معناه؛ لأن زيادة سنّ ابن اللبون علي بنت المخاض زيادةٌ توجب اختصاصه بقوة ورود الماء والشجر والامتناع من صغار السباع.
والتفاوت بين بنت اللبون والحِقّ لا يوجب اختصاص الحِقّ بهذه القوة، بل هي موجودة فيهما جميعًا، والثاني: يؤخذ؛ قياسًا على أخذ ابن اللبون عن بنت المخاض.
الجزء: 1 - الصفحة: 481
وَلَوِ اتّفَقَ فَرْضَانِ كَمِئَتَيْ بَعِيرٍ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ أَرْبَعُ حِقَاقٍ، بَلْ هُنَّ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، فَإِنْ وُجِدَ بِمَالِهِ أَحَدُهُمَا .. أُخِذَ، وَإِلَّا .. فَلَهُ تَحْصِيلُ مَا شَاءَ -وَقِيلَ: يَجِبُ الأَغْبَطُ لِلْفُقَرَاءِ- وإِنْ وَجَدَهُمَا .. فَالصَّحِيحُ: تَعَيُّنُ الأَغْبَطِ،
(ولو اتفق فرضان كمئتي بعير .. فالمذهب: أنه لا يتعين أربع حقاق، بل هنّ، أو خمس بنات لبون) لقوله عليه الصلاة والسلام: "فَإِذَا كَانَتْ مِئَتينِ .. فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ، أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، أَيُّ السِّنَّيْنِ وُجِدَتْ .. أُخِذَتْ" رواه أبو داوود 17.
وفي قول: تتعين الحقاق؛ لأن تغيير الواجب بالسنّ أكثر من تغييره بالعدد، فكان الاعتبار بالسن أولى، ألا ترى أن الشارع ترقى في نُصُبها إلى منتهى الكمال في الأسنان، وهي الجذعة، ثم عدل بعد ذلك إلى زيادة العدد، فأشعر ذلك بزيادة الرغبة فيه، والطريق الثاني: القطع بالأول، وتأويل الثاني على ما إذا لم توجد الحقاق.
(فإن وجد بماله أحدهما أخذ) وإن كان المفقود أغبط، وأمكن تحصيله؛ للحديث السالف، (وإلا) أي: وإن لم يوجد مسألة واحد منهما، أو وجدا مَعيبين (فله تحصيل ما شاء) من النوعين، فإنه إذا حصل أحدهما .. صار واجدًا له دون الآخر، فيجزئه.
(وقيل: يجب الأغبط) أي: تحصيله (للفقراء) 18 لأن استواءهما في العدم كاستوائهما في الوجود، وعند وجودهما يجب إخراج الأغبط؛ كما سيأتي.
(وإن وجدهما) بصفة الإجزاء (فالصحيح: تعين الأغبط) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، وَالثَّاني -خرجه ابن سُرَيج-: أن المالك بالخيار؛ كما يتخير في الجبران بين الشاة والدراهم، وعند فقد الواجب بين الصعود والنزول، لكن يستحب له إخراج الأغبط إلا أن يكون ولي يتيم ونحوه، فيراعي حظَّه.
والمراد بـ (الأغبط): ما كان فيه مصلحة للفقراء؛ إما لزيادة القيمة، أو لغير ذلك؛ كاحتياجهم إلى الحِقاق؛ لحرث أو حمل ونحوهما؛ كاتبه عليه الرافعي في أثناء الفصل 19.
الجزء: 1 - الصفحة: 482
وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ إِنْ دَلَّسَ أَوْ قَصَّرَ السَّاعِي، وَإِلَّا .. فَيُجْزِئُ. وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ قَدْرِ التَّفَاوُتِ، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهُ دَرَاهِمَ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ تَحْصِيلُ شِقْصٍ بِهِ. وَمَنْ لَزِمَهُ: بِنْتُ مَخَاضٍ فَعَدِمَهَا وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ .. دَفَعَهَا وَأَخَذَ شَاتينِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَما. أَوْ بِنْتُ لَبُونٍ فَعَدِمَهَا .. دَفَعَ بنْتَ مَخَاضٍ مَعَ شَاتينِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَما، أَوْ حِقَّةً وَأَخَذَ شَاتينِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا
(ولا يجزئ غيره) أي: غير الأغبط (إن دلس) المالك، بأن أخفى الأغبط (أو قصر الساعي) بأن أخذه مع العلم، أو أخذه بلا اجتهاد ونظرٍ في أن الأغبط ماذا؟
(وإلا .. فيجزئ) عن الزكاة، ويحسب منها؛ للمشقة الحاصلة في الردّ، والثاني: يجزئ مطلقًا؛ لأنه يجزئ عند الانفراد فكذا عند الاجتماع، والثالث: لا يجزئ مطلقًا؛ لأنه ظَهَرَ أن المأخوذ غير المأمور به.
(والأصح: وجوب قدر التفاوت) أي: إذا قلنا: إنه يجزئ .. فيجب التفاوت بينه وبين قيمة الأغبط؛ لأنه لم يدفع الفرض بكماله، فوجب جبر نقصه؛ فإذا كانت قيمة الحقاق أربع مئة، وقيمةُ بنات اللبون أربعَ مئة وخمسين، وأخذ الحقاق .. فالتفاوت خمسون، والثاني: لا يجب، بل يستحب؛ لأن المُخرَج محسوب عن الزكاة، فلا يجب معه شيء آخر؛ كما إذا أدّى اجتهادُ الساعي إلى أخذ القيمة؛ بأن كان حنفيًّا، فإنه لا يجب شيء.
(ويجوز إخراجه دراهم) لما في إخراج الشِّقْص من ضرر المشاركة، والمراد: نقد البلد دراهم كان أو دنانير، (وقيل: يتعين تحصيل شقص به) أي: بالتفاوت، لأن العدول في الزكاة إلى غير جنس الواجب ممتنع عندنا، فعلى هذا: يجب أن يشتري به من جنس الأغبط؛ لأنه الأصل، وقيل: من جنس المُخرَج؛ لئلا يتبعض الواجب، فلو كان التفاوت يسيرًا لا يحصل به شِقْص .. دفع النقد؛ للضرورة.
(ومن لزمه بنت مخاض فعدمها، وعنده بنت لبون .. دفعها وأخذ شاتين أو عشرين درهمًا، أو) لزمه (بنت لبون فعدمها .. دفع بنت مخاض مع شاتين، أو عشرين درهمًا، أو حقة وأخذ شاتين أو عشرين درهمًا) هكذا رواه البخاري عن أنس في كتاب
الجزء: 1 - الصفحة: 483
وَالْخِيَارُ في الشَّاتينِ وَالدَّرَاهِمِ: لِدَافِعِهَا، وَفِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ: لِلْمَالِكِ في الأَصَحِّ إِلَّا أَنْ تكُونَ إِبلُهُ مَعِيبَةً. وَلَهُ صُعُودُ دَرَجَتَيْنِ وَأَخْذُ جُبْرَانَيْنِ،
أبي بكر رضي الله عنهما 20.
ومحل جواز دفع بنت اللبون عن بنت المخاض إذا عدمها وأخذ الجبران: ما إذا لم يكن عنده ابن لبون، فإن كان عنده .. امتنع ذلك على الأصحِّ.
وقوله: (فعدمها) أي: في ماله وإن أمكنه تحصيلها، واحترز بذلك: عما إذا وجدها .. فإن النزول ممتنع، وكذا الصعود إلا ألا يطلب جبرانًا؛ لأنه خَيْر، وصفة هذه الشاة صفةُ الشاة المخرجة فيما دون خمس وعشرين من الإبل في جميع ما سبق، والمراد بالدراهم: النُّقْرَةُ الخالصة.
(والخيار في الشاتين والدراهم لدافعها) سواء كان المالك أو الساعي؛ لحديث أبي بكر في ذلك.
(وفي الصعود والنزول للمالك في الأصح) لأنهما شُرعا تخفيفًا عليه حتى لا يُكلَّف الشراء، فناسب تخييره، والثاني: إن الاختيار إلى الساعي، ونص عليه في "الأم" 21؛ ليأخذ ما هو الأحظّ للفقراء.
ومحل الخلاف: فيما إذا دفع المالك غير الأغبط، فإن دفعه .. لزم الساعي قبولُه قطعًا.
(إلا أن تكون إبله معيبة) فلا يفوض إلى خيرته، بل إلى الساعي، وقضية كلامه: أنه لا خيرة للمالك حينئذ مطلقًا، وليس كذلك، بل له الخيرة في النزول، وفي الصعود إذا لم يأخذ جبرانًا، وإنما الممتنع الصعود مع طلب الجبران؛ لأن الجبران المذكور للتفاوت بين السنين السليمين، ومعلوم أن التفاوت بين المعيبين دون ذلك، فقد تزيد قيمة الجبران المأخوذ على المعيب المدفوع.
(وله صعود درجتين، وأخذ جبرانين) كما لو وجب عليه بنت لبون فصعد إلى
الجزء: 1 - الصفحة: 484
وَنزولُ دَرَجَتَيْنِ مَعَ جُبْرَانَيْنِ بشَرْطِ تَعَذُّرِ دَرَجةٍ في الأَصَحِّ. وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ جُبْرَانٍ مَعَ ثنَيّةٍ بَدَلَ جَذَعة عَلَى أَحْسَنِ الْوَجْهَيْنِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: الْجَوَازُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا تُجْزِئُ شَاةٌ وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَتُجْزِئُ شَاتَانِ وَعِشْرُونَ لِجُبْرَانَيْنِ
الجذعة عند فقد بنت اللبون والحقة.
(ونزول درجتين مع جبرانين) كما إذا أعطى بدل الحقة بنت مخاض؛ لأن ذلك في معنى ما ثبت في الحديث 22 (بشرط تعذر درجة في الأصح) فلا يصعد عن بنت المخاض إلى الحقة، أو ينزل عن الحقة إلى بنت المخاض إلا عند تعذر بنت اللبون؛ لإمكان الاستغناء عن الجبران الزائد، فأشبه ما لو صعد أو نزل مع إمكان أداء الواجب، والثاني: يجوز؛ لأن الموجود الأقرب ليس واجبَه، فوجوده كعدمه.
نعم؛ لو سعد ورضي بجبران واحد .. جاز قطعًا، وحكمُ الصعود والنزول بثلاث درجات كدرجتين على ما مرّ؛ مثل: أن يعطي عن جذعة بنت مخاض، أو عكسه.
(ولا يجوز أخذ جبران مع ثنية) وهي التي لها خمس سنين وطعنت في السادسة (بدل جذعة) عند عدمها (على أحسن الوجهين) لأنها ليست من أسنان الزكاة، فأشبه ما لو أخرج عن بنت المخاض فصيلًا، وهو: ما له دون سنة، فإن أخرج الثنية ولم يطلب جبرانا .. جاز؛ لأنه زاد خيرًا.
(قلت: الأصح عند الجمهور: الجواز، والله أعلم) لأنها أعلى منها بعام، فجاز؛ كالجذعة مع الحقة.
(ولا تجزئ شاة وعشرة دراهم) عن جبران واحد؛ لأن الخبر يقتضي التخيير بين شاتين وعشرين درهمًا، فلا تثبت خيرة ثالثة؛ كما لا تجوز في الكفارة الواحدة أن يطعم خمسة، ويكسوَ خمسة، ولو كان المالك هو الآخذ، ورضي بالتبعيض .. جاز، فإنه حقُّه، وله إسقاطه أصلًا.
(وتجزئ شاتان وعشرون لجبرانين) كما يجوز إطعام عشرة مساكين في كفارة يمين، وكسوة عشرة في أخرى.
الجزء: 1 - الصفحة: 485
وَلَا شَيْءَ في الْبَقَرِ حَتَّى تبلُغَ ثَلَاثِينَ فَفِيهَا: تبِيع ابْنُ سَنَةٍ، ثُمَّ في كُلِّ ثَلَاثِينَ: تبِيع، وَكُلِّ أَرْبَعِينَ: مُسِنَّة لَهَا سَنَتَانِ.
وَلَا الْغَنَمِ حَتَّى تبلُغَ أَرْبَعِينَ فَشَاةٌ جَذَعَةُ ضَأْنٍ أَوْ ثَنِيَّةُ مَعْزٍ، وَفِي مِئَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ: شَاتَانِ، وَمِئَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ: ثَلَاث، وَأَرْبَعِ مِئَةٍ: أَرْبَعٌ، ثُمَّ في كُلِّ مِئَةٍ: شَاةٌ.
فصلٌ [في بيان كيفية الإخراج]
إِنِ اتَّحَدَ نَوْعُ الْمَاشِيَةِ .. أُخِذَ الْفَرْضُ مِنْهُ،
(ولا شيء في البقر حتى تبلغ ثلاثين ففيها تبيع ابن سنة) ودخل في الثانية، سمي بذلك؛ لأنه يتبع أمّه في المَسْرَح، وقيل: لأن قرنه يتبع أذنه؛ أي: يساويها, ولو أخرج تبيعة .. أجزأت؛ لأنه زاد خيرًا.
(ثم في كلّ ثلاثين تبيع، و) في (كلّ أربعين مسنة لها سنتان) ودخلت في الثالثة، سميت بذلك؛ لتكامل أسنانها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام بعث معاذًا إلى اليمن وأمره أن يأخذ من البقر من كلّ ثلاثين تبيعًا، ومن كلّ أربعين مُسنَة، رواه الترمذي وحسنه 23.
ولا جبران في زكاة البقر والغنم؛ لعدم وروده، ولو أخرج عن أربعين تبيعين .. أجزأه على الأصحِّ.
(ولا) شيء في (الغنم حتى تبلغ أربعين فشاة جذعة ضأن، أو ثنية معز، وفي مئة وإحدى وعشرين شاتان، ومئتين وواحدة ثلاث، وأربع مئة أربع، ثم في كل مئة شاةٌ) لحديث أنس في ذلك، رواه البخاري 24.
(فصل: إن اتحد نوع الماشية) بأن كانت إبَلُه كلُّها أَرْحَبِيّة أو مَهْرِيَّة، أو بقره كلُّها عِرابًا أو جواميسَ، أو غنمه كلُّها ضأنًا أو معزًا ( .. أخذ الفرض منه) لأنه المالك المشترك.
الجزء: 1 - الصفحة: 486
فَلَوْ أَخَذَ عَنْ ضَأْنٍ مَعْزًا أَوْ عَكْسُهُ .. جَازَ في الأَصَحِّ بِشَرْطِ رِعَايَةِ الْقِيمَةِ. وَإِنِ اخْتَلَفَ كَضَأْنٍ وَمَعْزٍ .. فَفِي قَوْلٍ: يُؤْخَذُ مِنَ الأَكْثَرِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا .. فَالأَغْبَطُ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُخْرِجُ مَا شَاءَ مُقَسَّطًا عَلَيْهِمَا بِالْقِيمَةِ، فَإِذَا كَانَ ثَلَاثُونَ عَنْزًا وَعَشْرُ نَعَجَاتٍ .. أُخِذَ عَنْزٌ أَوْ نَعْجَة بِقِيمَةِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ عَنْزٍ وَرُبُعِ نَعْجَةٍ. وَلَا تُؤْخَذُ مَرِيضَة، وَلَا مَعِيبَةٌ
(فلو أخذ عن ضأن معزًا، أو عكسه) أي: أخذ جذعة ضأن عن أربعين من المعز، أو ثنيةَ معز عن أربعين من الضأن ( .. جاز في الأصح بشرط رعاية القيمة) لاتفاق الجنس؛ كالمَهْرِيَّة مع الأَرْحَبيَّة، والثاني: المنع، كالبقر عن الغنم.
وتصحيح أخذ الضأن عن المعزَ، وبالعكس كالمستثنى ممّا تقدم أولًا، وعبارة "الروضة" و"أصلها" و"شرح المهذب" تقتضي تصحيح المنع؛ فإنهما جزما به أولًا، فقالا: إن اتحد نوعُ الماشية .. أُخذ الفرضُ منه، ثم حكيا الخلافَ عن "التهذيب" وأنه صحح الجواز 25، وكلام "التنبيه" يُفهم المنعَ أيضًا، وأقره عليه في "التصحيح" 26.
(وإن اختلف) النوع (كضأن ومعز) من الغنم، وكالأَرْحَبيّة والمَهْرِيَّة من الإبل، والجواميس مع العِراب من البقر ( .. ففي قول: يؤخذ من الَأكثر) وإن كان الأحظّ خلافه؛ اعتبارًا بالغلبة، كما نظرنا إلى الغالب في المُركَّب من الحرير وغيره.
(فإن استويا .. فالأغبط) كما في اجتماع الحِقاق وبنات اللبون.
(والأظهر: أنه يخرج ما شاء) من النوعين (مُقسطًا عليهما بالقيمة) رعاية للجانبين، والخيرةُ في إخراج أحد النوعين للمالك؛ كما اقتضاه كلام المصنف، وقيل: للساعي، وقال المتوفي: إنه المذهب.
(فإذا كان ثلاثون عنزًا وعشر نعجات .. أُخذ عنز أو نعجة بقيمة ثلاثة أرباع عنز وربع نعجة) فإذا قيل مثلًا: قيمةُ عنزٍ مجزئةٍ دينار، وقيمة نعجة مجزئة ديناران .. أخرج عنزًا أو نعجة قيمتُها دينار وربع، وعلى القول الأول يخرج المعز.
(ولا تؤخذ مريضة، ولا معيبة) لحديث: "لَا تُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ هَرِمَة، وَلَا ذَاتُ
الجزء: 1 - الصفحة: 487
إِلَّا مِنْ مِثْلِهَا، وَلَا ذَكَر إِلَّا إِذَا وَجَبَ، وَكَذَا لَوْ تَمَحَّضَتْ ذُكُورًا في الأَصَحِّ -وَفِي الصِّغَارِ: صَغِيرَة في الْجَدِيدِ- وَلَا رُبَّى،
عَوَارٍ، وَلَا تيسُ الْغَنَمِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ" رواه البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر 27.
(إلا من مثلها) إذ لو أخذ غيره .. لأجحف برب المال، وإذا كان البعض أردأ من بعض .. أخرج الوسط؛ جمعًا بين الحقين، والمعيب هنا: ما يُردُّ به المبيع على الأصحِّ.
(ولا ذكر) لأن النص ورد بالإناث (إلا إذا وجب) كابن لبون في خمس وعشرين عند فقد بنت المخاض، والتبيع في ثلاثين من البقر، (وكذا لو تمحضت ذكررًا في الأصح) كما يجوز أخذ المريضة والمعيبة من مثلها.
فعلى هذا: يؤخذ في ست وثلاثين ابنُ لبون أكثر قيمة من ابن لبون يؤخذ في خمس وعشرين عند فقد بنت المخاض.
والثاني: لا يؤخذ إلا أنثى؛ لورود النص بالأنثى، لكن لا تؤخذ أنثى تؤخذ من الإناث 28، بل تُقوَّم ماشيتُه بتقدير الأنوثة، وتُقوَّم الأنثى المأخوذةُ منها، وتعرف نسبتها من الجملة، ثم تُقوَّم ماشيتُه المذكور، وتؤخذ منها أنثى قيمُتها ما تقتضيه النسبة.
(وفي الصغار صغيرة في الجديد) كالمريضة في المِراض، والقديم: لا تؤخذ إلا كبيرة، لكن دون الكبيرة المأخوذة من الكبار في القيمة؛ لعموم الأخبار.
ويتصور كون الماشية صغيرةً مع حولان الحول: بأن تموت الأمهات في أثناء الحول، وبأن يملك أربعين من صغار المعز، ويمضىَ عليها حول فتجبَ فيها الزكاة وإن لم تبلغ سنّ الإجزاء؛ لأن واجبها: ما له سنتان.
(ولا) تؤخذ (رُبَّى) وهي الحديثة العهد بالنتاج، سميت رُبَّى؛ لأنها تُربِّي ولدها.
الجزء: 1 - الصفحة: 488
وَأَكُولَةٌ، وَحَامِلٌ، وَخِيارٌ إِلَّا بِرِضا الْمَالِكِ. وَلَوِ اشْتَرَكَ أَهْلُ الزكَاةِ في مَاشِيَة .. زَكَّيَا كَرَجُلٍ، وَكَذَا لَوْ خَلَطَا مُجَاوَرَةً بِشَرْطِ أَلَّا يَتَمَيَّزَ في الْمَشْرَعِ، وَالمَسْرَحِ، وَالمراحِ، وَمَوْضِعِ الْحَلَبِ،
(وأَكُولة) وهي المُسمّنة للأكل.
(وحامل وخيار) لأن هؤلاء من كرائم الأموال، وقد ورد النهي عنها 29 (إلا برضا المالك) في الجميع؛ لتطوعه بالزيادة.
(ولو اشترك أهل الزكاة في ماشية) بإرث، أو شراء، أو غيرهما ( .. زكيا كرجل) لأن خُلطة الجوار تفيد ذلك، كما سيأتي، فخُلطة الأعيان أولى، وتسمى هذه الخُلطة: خُلطة شيوع وخُلطة أعيان؛ لأن كلّ عين مشتركة.
(وكذا لو خلطا مجاورة) بالإجماع؛ كما نقله الشيخ أبو حامد، وتسمى هذه خُلطةَ جوار وخُلطةَ أوصاف.
وقوله: (أهل الزكاة) قَيْدٌ في الخُلطتين، فلو كان أحدُ المالين موقوفًا أو لذمّي أو لبيت المال .. لم تؤثر الخُلطة شيئًا، بل يعتبر نصيب من هو من أهل الزكاة إن بلغ نصابًا زكّاه بزكاة المنفرد، وإلا .. فلا زكاة، (بشرط ألا يتميز في المَشْرَع) وهو: الموضع الذي تشرب منه.
(والمسرح) وهو: موضع رعيها؛ كما فسره في "التحرير" 30، وفسراه في "الشرح" و"الروضة" بالموضع الذي تجتمع فيه، ثم تساق إلى المرعى 31، وكلّ منهما يشترط اتحاده.
(والمراح) بضم الميم، وهو: موضع مبيتها، (وموضع الحلب) بفتح (اللام)، وحكي إسكانها، وهو: المكان الذي تحلب فيه؛ لأنه إذا تميز مال كلّ واحد بشيء مما ذكر .. لم يصيرا كَمَالٍ واحد.
والقصد بالخلطة: أن يصير المالان كمال واحد؛ لتخفّ المؤنة، قال الرافعي في
الجزء: 1 - الصفحة: 489
وَكَذَا الرَّاعِي وَالْفَحْلُ في الأَصَحِّ، لَا نِيَّةُ الْخُلْطَةِ في الأَصَحِّ
"الشرح الصغير": وليس المقصود ألا يكون لها إلا مشرع أو مرعى أو مراح واحد بالذات، بل لا بأس بتعددها, ولكن ينبغي ألا تختص ماشية هذا بمَسرح ومُراح، وماشية ذاك بمسرح ومُراح.
انتهى.
وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: (ألّا يتميز)، لكن كان الأصوب أن يقول: (يتميز أحدهما عن الآخر) أو (يتميز المالان)، وبه عبر في "المحرر" 32، وإلا .. فالمال المختلط متميز عن غيره بالضرورة، وأفهم إيراد المصنف: أنه لا يشترط اتحاد الحالب، ولا المِحلب بكسر الميم، وهو: الإناء الذي يحلب فيه، وهو الأصحُّ.
(وكذا الراعي والفحل في الأصح) لحديث: "وَالْخَلِيطَانِ: مَا اجْتَمَعَا في الْفَحْلِ وَالْحَوْضِ وَالراعِي" رواه الدارقطني بإسناد ضعيف 33.
ومعنى اتحاد الراعي: ألا يختص أحدهما براع، ولا بأس بتعدد الرعاة قطعًا، ومعنى اتحاد الفعل: أن تكون مرسلة بين ماشيتهما.
ومقابل الأصحِّ: أنه لا يشترط اتحاد الراعي والفحل؛ لأن الافتراق فيهما لا يرجع إلى نفس المال.
نعم؛ يشترط على هذا: اتحاد موضع الإنزاء.
ومحل الخلاف في اشتراط اتحاد الفعل: إذا اتحد النوع، فإن اختلف؛ كضأن ومعز .. لم يشترط بلا خلاف؛ للضرورة، قاله في "شرح المهذب" 34، وهذه الشروط المذكورة مختصة بخُلطة الجوار.
(لا نية الخُلطة في الأصح) لأن المقتضي لتأثير الخُلطة وهو خفة المؤنة حاصلٌ؛ نوى أو لم ينو، والثاني: تشترط؛ لأن الخُلطة مُغيِّرة لمقدار الزكاة، فلا بد من قصده؛ دفعًا لضرره في الزيادة وضرر الفقراء في النقصان.
وأهمل شروطًا أخر، وهي: دوام الخلطة سنة إن كان المالك حوليًّا، وكون
الجزء: 1 - الصفحة: 490
وَالأَظْهَرُ: تأثِيرُ خُلْطَةِ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَالنَّقْدِ وَعَرْضِ التِّجَارَةِ بِشَرْطِ أَلَّا يَتَمَيَّزَ: النَّاطُورُ، وَالْجَرِينُ، وَالدُّكَّانُ، وَالْحَارِسُ، وَمَكَانُ الْحِفْظِ .. وَنَحْوُهَا. وَلِوُجُوبِ زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ شَرْطَانِ:
مجموع المالين نصابًا فأكثر، وكون المالين من جنس واحد.
(والأظهر؛ تأثير خلطة الثمر، والزرع، والنقد، وعرض التجارة) لأن المقتضي لتأثير الخلطة في الماشية هو خفة المؤنة، وذلك موجود؛ كما سيأتي، والثاني: أنها لا تؤثر؛ لأن المواشي فيها أوقاص، فالخُلطة فيها تنفع المالك تارة، والمساكين أخرى، ولا وقصَ في المعشّرات، فلو أثبتنا فيها الخلطة .. لتمحضت ضررًا في حق أرباب الأموال، [وذلك فيما إذا خلط دون النصاب بمثله] 35.
(بشرط ألا يتميز الناطور، والجرين والدكان، والحارس، ومكان الحفظ، ونحوها) كالماء الذي تشرب منه، والحرّاث، والمتعهّد، وجذّاذ النخل، والميزان, والوزّان، والكيّال، والحمّال 36، واللقّاط، والنقّاد، والمُنادي، والمطالِب بالأثمان.
قال المنكت: ولم أر من صرح باشتراط شيء من ذلك، وإنما ذكره الرافعي وغيره في معرض التعليل، فقالوا: لأنهما كما يرتفقان بالخلطة في المواشي كذلك يرتفقان بها في غيرها باتحاد الجرين ... إلى آخره، وأسقطه من "الروضة"، فلم يذكره لا شرطًا، ولا تعليلًا 37. انتهى.
والناطور -بالطاء المهملة-: حافظ النخل والشجر، وحكي إعجامُها، والجرين -بجيم مفتوحة-: موضع تجفيف الثمار، وقيل غيرُ ذلك، قاله في "الدقائق" 38.
(ولوجوب زكاة الماشية شرطان) مضافان لما مرّ؛ من كونها نصابًا من النعم، ولما يأتي؛ من كمال الملك، وإسلام المالك وحريته.
الجزء: 1 - الصفحة: 491
مُضِيُّ الْحَوْلِ في مِلْكِهِ، لكِنْ مَا نتُجَ مِنْ نِصَابٍ يُزَكَّى بِحَوْلهِ، وَلَا يُضَمُّ الْمَمْلُوكُ بِشِرَاءٍ وَغَيْرِهِ في الْحَوْلِ،
(مضي الحول في ملكه) لحديث: "لَا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" رواه أبو داوود، ولم يضعفه 39، ويعضده إجماع التابعين والفقهاء عليه؛ كما قاله الماوردي 40 وإن خالف فيه بعض الصحابة.
(لكن ما نتج من نصاب يزكى بحوله) أي: بحول الأصل؛ لأن الحول إنما اعتبر لتكامل النماء الحاصل، والنتاج نماء في نفسه، وفي "الموطأ" عن عمر رضي الله عنه أنه قال لساعيه: (اعتدّ عليهم بالسخلة) 41، فعلى هذا: إذا كان عنده مئة وعشرون من الغنم، فولدت واحدةٌ منها سخلةً قبل الحول بلحظة، والأمهات كلّها باقية .. لزمه شاتان.
واحترز بقوله: (نتُج) عن المستفاد بشراء وغيره؛ كما سيأتي، وبقوله: (من نصاب) عما نتج من دونه؛ كعشرين شاة نَتجت عشرين، فحولُها من حين تمام النصاب.
نعم؛ يشترط: كون النتاج ملكًا لمالك النصاب بالسبب الذي ملك به النصاب، فلو أوصى يحمل لشخص .. لم يضم النتاج لحول الوارث، وكذا لو أوصى الموصى له بالحمل به قبل انفصاله لمالك الأمهات، ثم مات، ثم حصل النتاج .. لم يُزكَّ بحول الأصل، نقله في "الكفاية" عن المتولي وأقرّه 42.
(ولا يضم المملوك بشراء وغيره في الحول) لأن الدليل قام على اشتراط الحول، خرج النتاج لما سبق، فيبقى ما عداه على الأصل.
واحترز بقوله: (في الحول) عن النصاب، فإنه يضمّ إليه فيه على المذهب: لبلوغه بالكثرة احتمال المواساة فإذا ملك ثلاثين من البقر في أول المحرم، ثم ملك
الجزء: 1 - الصفحة: 492
فَلَوِ ادَّعَى النِّتَاجَ بَعْدَ الْحَوْلِ .. صُدِّقَ، فَإِنِ اتُّهِمَ .. حُلِّفَ. وَزَالَ مِلْكُهُ في الْحَوْلِ فَعَادَ أَوْ بَادَلَ بِمِثْلِهِ .. اسْتَأْنَفَ. وَكَوْنُهَا سَائِمَة،
عشرة أخرى في أول رجب .. لزمه في أول المحرم السنة الثانية تبيع، وفي أول رجب منها ربع مسنة، وفي أول المحرم السنة الثالثة ثلاثة أرباع مسنة، وفي أول رجب منها ربع مسنة، وهكذا أبدًا.
(فلو ادعى) المالك (النتاج بعد الحول .. صدق) لأن الأصل عدمُ الحدوث قبل ذلك، والأصل أيضًا: عدم الوجوب.
(فإن اتهم .. حُلِّف) ندبا؛ احتياطًا لحق الفقراء.
(ولو زال ملكه في الحول فعاد، أو بادل بمثله) لا لقصد التجارة ( .. استأنف) لأنه ملك جديد، فلا بدّ له من حول؛ للحديث السالف 43.
(و) الشرط الثاني: (كونها سائمة) أي راعية؛ لثبوت ذلك في الغنم والإبل 44، وألحق البقر بهما قياسًا، ولأن مؤنتها لما توفرت .. احتملت المواساة، بخلاف المعلوفة.
وشمل إطلاقه: ما لو أسامها في كلأ مملوك له، وفيها وجهان في "زوائد الروضة" و"شرح المهذب" عن "البيان" بلا ترجيح 45، ورجح السبكي الوجوبَ إن لم تكن له قيمة، أو كانت يسيرة، وسقوطَها إن كانت له قيمة يُعدُّ مثلها كلفة في مقابلة نمائها.
وفي "فتاوى القفال": إن اشترى كلأ فرعته في مكانها .. فسائمة، فلو جَزَّه وأطعمها إياه في المرعى أو البلد .. فمعلوفة، ولو رعاها ورقًا تناثر .. فسائمة، فلو جمع وقدم لها .. فمعلوفة، واستحسنه في "المهمات" وقال: (ينبغي الأخذ به) 46.
الجزء: 1 - الصفحة: 493
فَإِنْ عُلِفَتْ مُعْظَمَ الْحَوْلِ .. فَلَا زَكَاةَ، وَإِلَّا .. فَالأَصَحّ: إِنْ عُلِفَتْ قَدْرًا تَعِيشُ بِدُونِهِ بِلَا ضَرَرٍ بينٍ .. وَجَبَتْ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَلَوْ سَامَتْ بنَفْسِهَا أَوْ اعْتَلَفَتِ السَّائِمَةُ، أَوْ كَانَتْ عَوَامِلَ في حَرْثٍ وَنَضْحٍ وَنَحْوه .. فَلَا زَكَاةَ في الأصَحِّ.
(فإن عُلفت معظمَ الحول .. فلا زكاة) لأن الغلبة لها تأثير في الأحكام، (وإلا) أي: وإن لم تُعلَف معظمَ الحول ( .. فالأصح: إن عُلفت قدرًا تعيش بدونه بلا ضرر بين .. وجبت) زكاتها؛ لخفة المؤنة.
(وإلا) أي: وإن كانت لا تعيش في تلك المدة بدونه، أو تعيش ولكن بضرر بين ( .. فلا) زكاة؛ لظهور المؤنة، والثاني: تجب مطلقًا، ولا يؤثر إلا ما زاد على النصف، والثالث: لا تجب مطلقًا، بل يبطل السوم بما يتموّل من العلف وإن قلّ؛ لأن رفق السوم لم يتكامل، وقيد صاحب "العدة"، وغيره الخلاف بما إذا لم يقصد قطع السوم، فإن قصده .. انقطع قطعًا، قال الرافعي: ولعله الأقرب 47، قال السبكي: وحكاه الروياني عن النصّ، لكنه استغربه، وزعم أن البَنْدَنِيجي قال: إنه المذهب، وذلك يقتضي إثبات خلاف.
انتهى.
قال الإسنوي: وقد صرح الجرجاني في "الشافي" بأن الخلاف جار مع نية القطع 48.
(ولو سامت بنفسها، أو اعتلفت السائمة، أو كانت عواملَ في حرث ونضح ونحوه .. فلا زكاة في الأصح) الخلاف في المسألة الأولى والثانية مبني على الخلاف في أنه هل يعتبر القصد في السوم والعلف أم لا؟
وقضية التصحيح في المسألتين: اشتراط قصد السوم دون العلف، وأما في الثالثة .. فلقوله صلّى الله عليه وسلّم: "لَيْسَ في الْبقَرِ الْعَوَامِلِ شَيْء"، رواه الدارقطني بإسناد صحيح 49، ولأنها مُعَدّة لاستعمال مباح، فأشبهت ثيابَ البدن.
الجزء: 1 - الصفحة: 494
وَإِذَا وَرَدَتْ مَاءً .. أُخِذَتْ زَكَاتُهَا عِنْدَهُ، وَإِلَّا .. فَعِنْدَ بُيُوتِ أَهْلِهَا. وَيُصَدَّقُ الْمَالِكُ في عَدَدِهَا إِنْ كَانَ ثِقَةً، وَإِلَّا .. فَتُعَدُّ عِنْدَ مَضِيقٍ.
ووجه مقابله: أن السوم بلا عمل موجب، فمع العمل أولى؛ لانضمام رفق العمل إلى رفق السوم.
(وإذا وردت ماء .. أُخذت زكاتُها عنده) لحديث: "تُؤْخَذُ صَدَقَاتُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مِيَاهِهِمْ"، رواه الإِمام أحمد 50، ولأنه أسهل على المالك والساعي، وأقرب إلى الضبط من المرعى.
(وإلا .. فعند بيوت أهلها) لحديث: "لَا جَلَبَ، وَلَا جَنَبَ، وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا في دُورِهِمْ"، رواه أبو داوود بإسناد حسن 51.
(ويُصدّق المالكُ في عددها إن كان ثقة) لأنه أمين، (وإلا) أي: وإن لم يكن ثقة، أو قال: (لا أعرف عددها) ( .. فتعدّ عند مَضِيق) لأنه أسهل لعدّها، وأبعد عن الغلط.
الجزء: 1 - الصفحة: 495
باب زكاة النبات
تَخْتَصُّ بالْقُوتِ، وَهُوَ مِنَ الثِّمَارِ: الرُّطَبُ وَالْعِنَبُ، وَمِنَ الحَبِّ: الْحِنْطَةُ وَالشعِيرُ وَالأرُزُّ وَالْعَدَسُ وَسَائِرُ الْمُقْتَاتِ اخْتِيَارًا. وَفِي الْقَدِيمِ: تَجِبُ في الزَّيْتُونِ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَالْوَرْسِ، وَالْقُرْطِمِ، وَالْعَسَلِ. وَنصَابُهُ: خَمْسَةُ أَوْسُقٍ،
(باب زكاة النبات)
الأصل في الباب: الإجماع وما يأتي من الكتاب والسنة.
(تختص بالقوت) لأنه الصالح من النبات للمواساة.
(وهو من الثمار: الرطب، والعنب) خاصة، فلا زكاة في التين، والخَوْخ وغيرهما.
(ومن الحب: الحنطة، والشعير، والأرز، والعدس، وسائر المقتات اختيارًا) كالحمِّص، والبَاقِلَاء، والذُّرَة، وغيرها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الزكاة في كثير منها، وألحقوا به الباقي؛ لشمول معنى الاقتيات والادخار.
واحترز بقيد الاختيار: عمّا يؤكل في الجَدْب اضطرارًا من حبوب البوادي؛ كحبّ الحَنْظَل، وحبّ الغاسُول وغيرهما، فلا زكاة فيها؛ كما لا زكاة في الوحشيات من الظباء.
وأبدل "التنبيه" وغيره قيد الاختيار بما يستنبته الآدميون 52؛ لأن ما لا يستنبتونه ليس فيه شيء يقتات اختيارا.
(وفي القديم: تجب في الزيتون، والزعفران، والورس، والقِرطِم، والعسل) لآثار عن الصحابة في ذلك، وحكى في "الرونق" قولين في الموز والبَلُّوط، ووقع في "العجالة" اللوز بدل الموز، وهو تحريف 53.
(ونصابه: خمسة أوسق) لحديث: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" متفق عليه 54.
الجزء: 1 - الصفحة: 496
وَهِيَ: أَلْفٌ وَسِتُّ مِئَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ، وَبِالدِّمَشْقِيِّ: ثَلَاثُ مِئَةٍ وَسِتةٌ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَثُلُثَانِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: ثَلَاثُ مِئَةٍ وَاثنانِ وَأَرْبَعُونَ وَسِتَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ؛ لِأنَّ الأَصَحَّ: أَنَّ رِطْلَ بَغْدَادَ: مِئَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَما وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاع دِرْهَمٍ، وَقِيلَ: بِلَا أَسْبَاعٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُعْتبَرُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا إِنْ تَتَمَّرَ أوْ تَزَبَّبَ،
(وهي: ألف وست مئة رطل بغدادية) لأن الوَسْق ستون صاعًا بالإجماع، فالخمسة الأوسق ثلاث مئة صاع، والصاع أربعة أمداد، وذلك ألف ومئتا مدّ، والمدّ رطل وثلث، فيكون الحاصل ما ذكره المصنف، وإنما قدر بالبغدادي؛ لأنه الرطل الشرعي؛ كما قاله المحب الطبري.
والأصحُّ: اعتبار المكيال لا الوزن إذا اختلفا.
(وبالدمشقي: ثلاث مئة وستة وأربعون رطلا وثلثان) لأن الرطل الدمشقي ست مئة درهم، ورطلَ بغداد مئة وثلاثون درهمًا عند الرافعي، فيكون المدّ مئة وثلاثة وسبعين درهمًا وثلث درهم، والصاع ست مئة وثلاثة وتسعون وثلث، فاضرب ست مئة وثلاثة وتسعين وثلثًا في ثلاث مئة، واجعل كلّ ست مئة رطلًا، فيحصل من مجموع ذلك ما ذكره المصنف 55.
(قلت: الأصح) في زنة الأوسق بالرطل الدمشقي (ثلاث مئة واثنان وأربعون وستة أسباع رطل؛ لأن الأصح: أن رطل بغداد: مئة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم) أي: فإذا ضرب ذلك في ألف وست مئة وقسم على الرطل الدمشقي .. بلغ ذلك.
(وقيل: بلا أسباع، وقيل: وثلاثون، والله أعلم) وهذا الأخير هو ما قواه الرافعي.
(ويعتبر) بلوغه خمسةَ أوسق حالةَ كونه (تمرًا، أو زبيبًا إن تتمر أو تزبب) لقوله
الجزء: 1 - الصفحة: 497
وَإِلَّا .. فَرُطَبًا وَعِنَبًا، وَالْحَبُّ مُصَفىً مِنْ تِبْنِهِ، وَمَا ادُّخِرَ في قِشْرِهِ -كَالأَرُزِّ وَالْعَلَسِ- فَعَشَرَةُ أَوْسُقٍ. وَلَا يُكَمَّلُ جِنْسٌ بِجِنْسٍ،
عليه السلام: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ" رواه مسلم 56، فاعتبر الأوسق من التمر.
(وإلا) أي: وإن لم يتتمر الرطب ولم يتزبب العنب ( .. فرطبًا وعنبًا) أي: فيُوسق رطبًا وعنبًا، وتخرج الزكاة أيضًا منه؛ لأن ذلك أكملُ أحواله، وكذا لو كان يجفّ إلا أن جافّه رديء .. فحكمه كذلك.
(والحب مصفّى من تبنه) لأنه الذي يوسق وتجب فيه الزكاة.
(وما ادخر في قشره) الذي لا يؤكل معه (كالأرز، والعلس فعشرة أوسق) لأن خالصهُ يجيء منه خمسة أوسق، قال ابن الرفعة: ولو كان خالص دون العشرة من ذلك خمسةَ أوسق .. كان ذلك نصابًا 57.
والمراد: القشرة العليا من الأَرُزّ، أما السفلى، وهي الحمراء .. ففي "الحاوي" عن ابن أبي هريرة أنه لا تجب الزكاة حتى تبلغ عشرة أوسق؛ كالعلس، قال: وقال سائر أصحابنا: لا تأثير لهذه القشرة، فإذا بلغ خمسةَ أوسق .. تجب الزكاة، قال في "شرح المهذب": وما نقله عن سائر الأصحاب ضعيف 58، قال الأَذْرَعي: بل هو المذهب الظاهر، والشاذّ إنما هو قول ابن أبي هريرة.
وإنما قيدت كلامه بالقشر الذي لا يؤكل معه احترازًا عما يدخر في قشره ويؤكل معه؛ كالذُّرَة، فإن قشره يدخل في الحساب، فإنه طعام وإن كان قد يزال؛ كما تقشر الحنطة.
(ولا يكمل جنس بجنس) كالتمر مع الزبيب، والحنطة مع الشعير؛ لاختصاص كلّ باسم وطبع؛ قياسًا على الماشية.
الجزء: 1 - الصفحة: 498
وَيُضَمُّ النَّوْعُ إِلَى النَّوْعِ، وَيُخْرِجُ مِن كُلٍّ بِقِسْطِهِ، فَإِنْ عَسُرَ .. أُخْرِجَ الْوَسَطُ، وَيُضَمُّ الْعَلَسُ إِلَى الْحِنْطَةِ؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا، وَالسُّلْتُ جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ، وَقِيلَ: شَعِير، وَقِيلَ: حِنْطَةٌ. وَلَا يُضَمّ ثَمَرُ عَامٍ وَزَرْعُهُ إِلَى آخَرَ. ويُضَمُّ ثَمَرُ الْعَامٍ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ وَإِنِ اخْتَلَفَ إِدْرَاكُهُ، وَقِيلَ: إِنْ طَلَعَ الثَّاِني بَعْدَ جَدَادِ الأَوَّلِ .. لمْ يُضَمَّ. وَزَرْعَا الْعَامِ يُضَمَّانِ،
(ويضم النوع إلى النوع) كالحنطة المصرية مع الشامية، والتمر المَعْقِلي مع البَرْني؛ لاشتراكهما في الاسم، (ويخرج من كلّ بقسطه) لأنه الأصل، ولا مشقة في ذلك.
(فإن عسر) لكثرة الأنواع وقلة الحاصل من كلّ نوع ( .. أخرج الوسط) من الأنواع، لا أعلاها ولا أدناها؛ رعاية للجانبين.
(ويضم العلس إلى الحنطة؛ لأنه نوع منها) والعلس قوت صنعاء اليمن.
(والسلت جنس مستقلّ) فلا يضمّ إلى غيره، (وقيل: شعير) فيضمّ إليه؛ لشبهه به في برودة الطبع، (وقيل: حنطة) فيضمّ إليها؛ لشبهه بها لونًا ومَلاسة.
(ولا يضمّ ثمر عام وزرعه إلى آخر) في تكميل النصاب ولو فرض اطّلاع ثمر العام الثاني قبل جَداد الأول بالإجماع.
(ويضم ثمر العام بعضه إلى بعض وإن اختلف إدراكه) لاختلاف الأنواع والبلاد بالإجماع؛ كما نقله ابن الصباغ، والمراد بالعام: أربعة أشهر؛ كما نقله في "الكفاية" عن الأصحاب 59.
(وقيل: إن طلع الثاني بعد جَداد الأول .. لم يضمّ) لحدوثه بعد انصرام الأول، فأشبه ثمرة العام الثاني، وهذا ما جزم به الماوردي، وقال: من قال بالضم .. فقد أخطأ نصّ المذهب، وجهل عادةَ الثمر، وقال الإِمام: إنه لا خلاف فيه، وصححه الرافعي في "الشرح الصغير"، ولم يرجح في "الكبير" شيئًا 60.
(وزرعا العام يُضَمّان) وإن اختلفت زراعتُه في الفصول؛ لما مرّ، ويتصور ذلك
الجزء: 1 - الصفحة: 499
وَالأَظْهَرُ: اعْتِبَارُ وُقُوعِ حَصَادَيْهِمَا في سَنَةٍ وَوَاجِبُ مَا شَرِبَ بِالْمَطَرِ أَوْ عُرُوقِهِ لِقُرْبِهِ مِنَ الْمَاءِ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْع: الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دُولَابٍ أَوْ بِمَاءٍ اشْتَرَاهُ: نِصْفُهُ، وَالْقَنَوَاتُ كَالْمَطَرِ عَلى الصَّحِيحِ. وَمَا سُقِيَ بِهِمَا سَوَاءً: ثَلَاثةُ أَرْبَاعِهِ، فَإِنْ غَلَبَ أَحَدُهُمَا .. فَفِي قَوْلٍ: يُعْتبَرُ هُوَ، وَالأَظْهَرُ: يُقَسَّطُ بِاعْتِبَارِ عَيْشِ الزَّرْعِ وَنَمَائِهِ، وَقِيلَ: بِعَدَدِ السَّقَيَاتِ
في الذُّرَة؛ لأنها تزرع في الربيع والصيف والخريف.
(والأظهر: اعتبار وقوع حصاديهما في سنة) بأن يكون بين حَصيد الأول والثاني أقلّ من اثني عشر شهرًا؛ لأن الحصاد هو المقصود، وعنده يستقر الوجوب، والثاني: اعتبار زرعهما في سنة؛ لأن الزراعة هي الأصل، والحصادَ ثمرتُه.
(وواجب ما شرب بالمطر أو عروقه لقربه من الماء) وهو البعل (من ثمر أو زرع: العشر، وما سُقي بنضح أو دولاب، أو بماء اشتراه: نصفُه) بالإجماع، والمعنى فيه: كثرة المؤنة وخفتها؛ كما في المعلوفة والسائمة.
والنضح: هو السقي من بئر أو نهر بحيوان، كبعير، ويسمى هذا الحيوان: ناضحًا.
(والقنوات كالمطر على الصحيح) لأن مؤنة القناة تتحمل لعمارة القرية، والأنهارَ إنما تحفر لإحياء الأرض، فإذا تهيأت .. وصل الماء إلى الزرع بطبعه مرة بعد أخرى، بخلاف السقي بالنواضح ونحوها، فإن المؤنة للزرع نفسه، والثاني: يجب فيها نصف العشر؛ لمؤنة عمارتها.
(وما سقي بهما) أي: بماء السماء والنضح (سواءً: ثلاثة أرباعه) عملًا بالتقسيط.
(فإن غلب أحدهما .. ففي قول: يعتبر هو) ترجيحًا لجانب الغلبة (والأظهر: يُقسَّط) لأنه القياس، فإن كان ثلثاه بماء السماء، وثلثُه بالنضح .. وجب خمسة أسداس العشر؛ ثلثا العشر للثلثين، وثلث نصف العشر للثلث (باعتبار عيش الزرع) والثمر (ونمائه) لأنه المقصود، (وقيل: بعدد السَّقَيات) المفيدة دون غيرها؛ لأن المؤنة تكثر بكثرة السَّقَيات، فإذا كانت المدّة من يوم الزرع إلى يوم الإدراك ثمانيةَ
الجزء: 1 - الصفحة: 500
وَتَجِبُ بِبُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرِ، وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ. وَيُسَنُّ خَرْصُ الثَّمَرِ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ عَلَى مَالِكِهِ،
أشهر، واحتاج في ستة أشهر زمنَ الشتاء والربيع إلى سَقْيتين، فسُقي بماء السماء، وفي شهرين زمنَ الصيف إلى ثلاث سَقَيات، فسُقي بالنضح؛ فإن اعتبرنا عدد السَّقَيات .. فعلى قول التوزيع: يجب خمسا العشر وثلاثة أخماس نصف العشر، وعلى اعتبار الأغلب: يجب نصف العشر، وإن اعتبرنا المدّة .. فعلى قول التوزيع: يجب ثلاثة أرباع العشر وربع نصف العشر، وعلى اعتبار الأغلب: يجب العشر.
ولو سُقي بهما جميعًا، وجهل المقدار .. وجب ثلاثة أرباع العشر على الصحيح، وقيل: يجب نصف العشر؛ لأن الأصل براءة الذمة ممّا زاد.
(وتجب ببدوّ صلاح الثمر، واشتداد الحبّ) لأنه حينئذ يقتات، وقبله كالخُضْراوات.
نعم؛ لا يجب الإخراج، بل لا يجوز إلا بعد التصفية والجفاف.
وسيأتي في البيع ضابط بدوّ الصلاح، وأن حصوله في البعض كافٍ، والمراد: بدوّ اشتداده، ولا يشترط تناهيه.
(ويسن خرص الثمر إذا بدا صلاحه على مالكه) لأنه عليه السلام أَمر أن يُخرص العنبُ كما يُخرص النخلُ، وتُؤخذ زكاتُه زبيبًا كما تُؤخذ صدقةُ النخل تمرًا، رواه الترمذي، وقال: حسن غريب 61.
واستثنى الماوردي من الخرص: نخيل البصرة، ونقل عن إجماع الصحابة وعلماء الأمصار: أنه لا يجوز خرصها؛ لكثرتها، وللمؤنة في خرصها، وتبعه الروياني 62.
والمراد بالثمر: الرطب والعنب، واحترز به: عن الحبّ، فإنه لا يخرص؛ لعدم إمكان الوقوف على ما فيه؛ لاستتاره، ولأنه لا يؤكل غالبًا وهو رطب، بل بعد جفافه وتصفيته، والثمار تؤكل بُسْرًا ورطبًا وعنبًا، فاحتيج إلى خرصها؛ ليتمكن المالك من التصرف فيها، وينضبط حقّ الفقراء.
الجزء: 1 - الصفحة: 501
وَالْمَشْهُورُ: إِدْخَالُ جَمِيعِهِ فِي الْخَرْصِ، وَأَنَّهُ يَكْفِي خَارِصٌ، وَشَرْطُهُ: الْعَدَالَةُ، وَكَذَا الْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ فِي الأَصَحِّ. فَإِذَا خَرَصَ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّ حَقَّ الْفُقَرَاءِ يَنْقَطِعُ مِنْ عَيْنِ الثَّمَرِ، وَيَصِيرُ فِي ذِمَّةِ الْمَالِكِ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ لِيُخْرِجَهُمَا بَعْدَ جَفَافِهِ، وَيُشْتَرَطُ: التَّصرِيحُ بِتَضْمِينهِ وَقَبُولِ الْمَالِكِ عَلَى الْمَذْهَبِ،
واحترز بقوله: (بدا صلاحه) عمّا قبل ذلك، فإن الخرص لا يأتي فيه؛ إذ لا حقّ للفقراء فيه حينئذ، ولا ينضبط المقدار؛ لكثرة العاهات قبل بدو الصلاح.
وكيفية الخرص: أن يطوف بالنخلة، ويرى جميع عناقيدها، ويقول: عليها من الرطب كذا، ويجيء منه تمرًا كذا، ثم يفعل كذلك بنخلة بعد نخلة إن اختلف النوع؛ فإن اتحد .. جاز أن يخرص الجميع رطبًا ثم تمرًا.
(والمشهور: إدخال جميعه في الخرص) لعموم الأدلة المقتضية لوجوب العشر أو نصفه، والثاني: أنه يُترك لرب الحائط قدرُ ما يأكله هو وأهله - لا يخرص عليه -؛ ليكون ذلك في مقابلة قيامه بحفظ الثمار وتجفيفها.
(وأنه يكفي خارص) واحد؛ كالحاكم؛ لأنه يجتهد، ويعمل، والثاني: يشترط اثنان؛ كالشاهد.
(وشرطه: العدالة) لأن الفاسق لا يقبل قوله على غيره، ويشترط أيضًا: أن يكون عالمًا بالخرص؛ لأن الجاهل بالشيء ليس من أهل الاجتهاد فيه.
(وكذا الحرية والذكورة في الأصح) لأنه ولاية، وليس الرقيق والمرأة من أهلها، والثاني: لا يشترطان؛ كما في الكيّال والوزّان.
(فإذا خرص .. فالأظهر: أن حقَّ الفقراء ينقطع من عين الثمر، ويصير في ذمّة المالك التمر والزبيب؛ ليخرجهما بعد جفافه) لأن الخرص يبيح له التصرفَ في الجميع، وذلك يدلّ على انقطاع حقّهم عنه، والثاني: لا ينتقل حقّهم إلى ذمّته، بل يبقى متعلقًا بالعين كما كان؛ لأنه ظنّ وتخمين، فلا يؤثر في نقل حقّ إلى الذمة، والقول الأول يُعبَّر عنه بأن الخرص تضمين، والثاني: أنه عبرة؛ أي: لاعتبار القدر.
(ويشترط: التصريح بتضمينه، وقبول المالك على المذهب) بناء على الأظهر؛
الجزء: 1 - الصفحة: 502
وَقِيلَ: يَنْقَطِعُ بِنَفْسِ الْخَرْصِ. فَإِذَا ضَمِنَ .. جَازَ تَصَرُّفُهُ فِي جَمِيعِ الْمَخْرُوصِ بَيْعًا وَغَيْرَهُ، وَلَوِ ادَّعَى هَلَاكَ الْمَخْرُوصِ بَسَبَبٍ خَفِيٍّ كَسَرِقَةٍ، أَوْ ظَاهِرٍ عُرِفَ .. صُدِّقَ بيَمِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفِ الظَّاهِرُ .. طُولبَ بِبينَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، ثُمَّ يُصَدَّقُ بِيَمِينهِ فِي الْهَلَاكِ بِهِ
لأن الحقّ ينتقل من العين إلى الذمة، فلا بدّ من رضاهما؛ كالبائع والمشتري، فإن لم يضمنه أو ضمنه فلم يقبله .. بقي حقّ الفقراء كما كان، والمُضمِّن: هو الساعي أو الإمام 63، (وقيل: ينقطع) حقّ الفقراء (بنفس الخرص) لأن التضمين لم يرد في الحديث.
قال في "الكفاية": واختلفوا في كيفية التضمين، فقال ابن سُرَيج: يقول: (أقرضتك نصيب الفقراء من الرطب بما يجيء منه من التمر)، وقال الشيخ أبو حامد: يقول: (خذه بكذا، وكذا تمرًا)، وقال البغوي: يقول: (ضمنتك إياه بكذا) 64، وليس هذا التضمين على حقيقة الضمان؛ لأنه لو تلفت الثمار جميعها بآفة سماوية، أو سرقت من الشجر أو الجَرِين قبل الجفاف بلا تفريط .. فلا شيء عليه قطعًا؛ لفوات الإمكان.
(فإذا ضمن .. جاز تصرفه في جميع المخروص بيعًا وغيره) لأنه ملكه، ولا تعلق لأحد فيه.
(ولو ادعى هلاك المخروص بسبب خفي؛ كسرفة، أو ظاهر) كحريق (عرف) دون عمومه أو عرف عمومه، ولكن اتُّهم في هلاك الثمار به ( .. صدق بيمينه) في دعوى التلف بذلك السبب، فإن عرف الظاهر وعمومه، ولم يتهم .. صدق بلا يمين، واليمين هنا مستحبة على الأصحِّ 65.
(فإن لم يعرف الظاهر .. طولب ببينة) على وقوعه (على الصحيح) لسهولة إقامتها، والثاني: لا؛ لأنه أمين، (ثم يُصدَّق بيمينه في الهلاك به) أي: بذلك
الجزء: 1 - الصفحة: 503
وَلَوِ ادَّعَى حَيْفَ الْخَارِصِ أَوْ غَلَطَهُ بِمَا يَبْعُدُ .. لَمْ يُقْبَلْ، أَوْ بِمُحْتَمِلٍ .. قُبِلَ فِي الأَصَحِّ.
السبب؛ لاحتمال سلامة ماله بخصوصه، فلو اقتصر على دعوى الهلاك من غير تعرّض لسبب .. قال الرافعي: فالمفهوم من كلام أصحابنا: قبوله مع اليمين 66، وبه جزم المصنف في آخر الوديعة 67.
(ولو ادعى حَيْفَ الخارص) أي: إخباره عمدًا بزيادة على ما عنده، قليلًا كان أو كثيرًا، (أو غَلَطَه بما يبعد) أي: لا يقع عادة، كالثلث أو الربع ( .. لم يُقبل) أما الحَيْفُ .. فقياسًا على دعوى الجَوْر على الحاكم، وأما الغلط بما يبعد .. فللعلم ببطلانه عادةً.
(أو بمحتمل) بفتح الميم ( .. قُبل في الأصح) لما نبه عليه من التعليل، والثاني: لا؛ لعدم تحققه.
ومحل الخلاف: إذا كان المدعى به نقصًا يقع بين الكيلين؛ كالوَسْق في المئة، أما إذا ادعى شيئًا محتمَلًا، وهو فوق ذلك؛ كخمسة أوسق في مئة .. فإنه يقبل جزمًا ويحطّ عنه الزائد، كما قاله الرافعي 68، ومحله أيضًا: إذا كان المخروص تالفًا؛ فإن كان موجودًا .. أعيد كيله وعمل به.
الجزء: 1 - الصفحة: 504
باب زكاة النّقد نِصَابُ الْفِضَّةِ: مِئَتَا دِرْهَمٍ، وَالذَّهَبِ: عِشْرُونَ مِثْقَالًا بِوَزْنِ مَكَّةَ، وَزَكَاتُهُمَا: رُبُعُ عُشْرٍ. وَلَا شَيْءَ فِي الْمَغْشُوشِ حَتَّى يَبْلُغَ خَالِصُهُ نِصَابًا. وَلَوِ اخْتَلَطَ إِنَاءٌ مِنْهُمَا وَجُهِلَ أَكْثَرُهُمَا
﴿باب زكاة النقد﴾
(نصاب الفضة: مئتا درهم، والذهب: عشرون مثقالًا) بالإجماع، وهذا المقدار تحديد (بوزن مكة) لقوله عليه السلام: "الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينةِ، وَالْوَزْنُ وَزْنُ مَكَّةَ" رواه أبو داوود والنسائي بإسناد صحيح 69.
والمراد بالدرهم: الدرهم الشرعي، زِنته ستة دوانق، كلُّ عشرة منها سبعةُ مثاقيلَ.
(وزكاتهما: ربع عشر) لحديث: "وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ" رواه البخاري 70، والرقة: الفضة، وقيل: الفضة والذهب.
وروى ابن حبان والحاكم أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: "فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارٌ" 71، ويجب فيما زاد على النصاب وإن قلّ بحسابه؛ كما صرح به في "المحرر" 72، والفرق بينه وبين المواشي: ضرر المشاركة.
(ولا شيء في المغشوش) أي: المخلوط بما هو أدون منه؛ كذهب بفضة، وفضة بنحاس (حتى يبلغ خالصه نصابًا) لحديث: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ" متفق عليه 73.
فإذا بلغت فضة الدراهم المغشوشة مثلًا نصابًا .. أخرج قدر الواجب فضةً خالصة، أو أخرج من المغشوش ما يعلم أنه يشتمل على قدر الواجب.
(ولو اختلط إناء منهما) أي: من الذهب والفضة (وجهل أكثرهما) أي: عينه،
الجزء: 1 - الصفحة: 505
زُكِّيَ الأَكْثَرُ ذَهَبًا وَفِضَّةً، أَوْ مُيِّزَ. وَيُزَكَّى الْمُحَرَّمُ مِنْ حُلِيٍّ وَغَيْرِهِ، لَا الْمُبَاحُ فِي الأَظْهَرِ،
مع علمه قدر الأكثر؛ بأن كان وزنه ألفًا مثلًا، وأحدهما ست مئة، والآخر أربع مئة ( .. زُكّي الأكثر ذهبًا وفضة) فيزكي في مثالنا عن ست مئة ذهبًا وعن ست مئة فضة، وحينئذ تبرأ ذمته بيقين، ولا تكفي تزكيةُ الأكثر ذهبًا، والأقلِّ فضة؛ لأن الذهب لا يجزئ عن الفضة؛ كعكسه.
(أو مُيّز) بالسبك بالنار، ويكفي سبك جزء منه، ليقاس به الباقي عند تساوي الأجزاء، قال الرافعي: قال الأئمة: ويقوم مقام التمييز بالنار الامتحانُ بالماء، وذلك: بأن يَجعل في إناء ماءً ثم يُلقي فيه قدرَ المخلوط من ذهب خالص -وهو ألف في مثالنا- ويعلّم ارتفاع الماء، ثم يخرجه ويضع مثله فضةً، ويُعلّم موضع ارتفاعه، وهذه العلامة تكون فوق الأولى؛ لأن جِرْم الذهب أثقل 74.
فالألف من الفضة أكبر جِرْمًا من الألف من الذهب، فيزيد ارتفاع الماء بسبب ذلك، ثم يخرج ويوضع فيه المخلوط؛ فإن كان ارتفاعُه إلى علامة الذهب أقربَ .. فالأكثر ذهبًا وإلا .. ففضةً.
(ويُزكَّى المحرّم من حلي وغيره) كالأواني بالإجماع (لا المباح في الأظهر) لأنه معدّ لاستعمال مباح، فأشبه العوامل من الإبل والبقر.
نعم؛ المكروه؛ كالضبة الكبيرة للحاجة [وكذا الصغيرة للزينة .. ] 75 يزكّى، والثاني: أن الزكاة تجب في المباح أيضًا؛ لحديث فيه، ادُّعي نسخُه أو تأويله 76.
وعلى الأول: يستثنى: ما لو مات عن حلي مباح، فمضى عليه حولٌ قبل علم وارثه .. فإنه تلزمه به زكاته؛ كما قاله في "البحر "؛ لأنه لم ينو إمساكَه لقصد استعمال مباح، وذكر عن والده احتمالَ وجه فيه؛ إقامةً لنية مورثه مقام نيته 77.
الجزء: 1 - الصفحة: 506
فَمِنَ الْمُحَرَّمِ: الإِنَاءُ، وَالسِّوَارُ وَالْخِلْخَالُ لِلُبْسِ الرَّجُلِ، فَلَوِ اتَّخَذَ سِوَارًا بِلَا قَصْدٍ أَوْ بِقَصْدِ إِجَارَتهِ لِمَنْ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ .. فَلَا زَكَاةَ فِي الأَصَحِّ، وَكَذَا لَوِ انْكَسَرَ الْحُلِيُّ وَقَصَدَ إِصْلَاحَهُ
(فمن المحرم: الإناء) للرجال والنساء؛ لما مر في الطهارة (والسوار، والخلْخال للُبْس الرجل) والخنثى كالرجل سواء من الذهب أو الفضة؛ لأنه ينافي شهامة الرجال.
(فلو اتخذ سوارًا بلا قصد) أصلًا (أو بقصد إجارته لمن له استعماله .. فلا زكاة في الأصح) وجه الأصح في الأولى: أن الصياغة للاستعمال غالبًا، والظاهر: إفضاؤها إليه، ووجه مقابله: أن اسم الزكاة منوط باسم الذهب والفضة.
خرج عنه: ما قصد به الاستعمال لغرض تزيين النساء لأزواجهن، فيبقى ما عداه على الأصل.
ووجه الأصحِّ في الثانية: القياس على اتخاذ العوامل من المواشي، ووجه مقابله: أنه معدّ للنماء فأشبه ما إذا اشترى حليًّا ليتجر فيه.
واحترز بقوله: (بلا قصد) عمّا إذا قصد اتخاذه كنزًا .. فإن الصحيح: وجوب الزكاة فيه.
(وكذا لو انكسر الحلي) كسرًا يتوقف استعمالُه على الإصلاح باللحّام، ولم يحتج إلى صياغة جديدة، (وقصد إصلاحه) أي: فلا زكاة أيضًا في الأصحِّ وإن دام أحوالًا؛ لدوام صورة الحلي، وقصدِ إصلاحه، والثاني: تجب، لتعذر الاستعمال.
واحترز بقوله: (وقصد إصلاحه) عمّا إذا قصد جعلَه تِبْرًا أو دراهم، أو قصد كنزه .. فإن الزكاة تجب فيه جزمًا، وعمّا إذا لم يقصد شيئًا .. فإن أولى الوجهين في "الشرح الصغير"، والأرجح في "أصل الروضة": أنه يجب قطعًا، لكن في "الشرح الكبير" في أول كلامه: تصحيحُ عدم الوجوب، وقال في "المهمات": إنه الصواب، ففي "الحاوي": أنه المنصوص، وفي "البيان": أنه الجديد، وقال البَنْدَنِيجي: إنه مقتضى نصّه في "الأم" 78.
الجزء: 1 - الصفحة: 507
ويَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ حُلِيُّ الذَّهَبِ إِلَّا الأَنْفَ وَالأَنْمُلَةَ وَالسِّنَّ لَا الإِصْبَعَ، وَيَحْرُمُ سِنُّ الْخَاتَمِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَحِلُّ لَهُ مِنَ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ،
(ويحرم على الرجل حلي الذهب) لقوله صلى الله عليه وسلم: "أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لإنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا" صححه الترمذي 79.
(إلا الأنف) لمن جُدع أنفُه وإن أمكن اتخاذه من فضة؛ لأن عَرْفَجَةَ بن أسعد قطع أنفه يوم الكُلَاب، فاتخذ أنفًا من فضة، فأنتن عليه، فأمره عليه السلام أن يتخذه من ذهب، رواه الترمذي، وصححه ابن حبان 80.
والحكمة في الذهب: أنه لا يصدأ، بخلاف الفضة.
(والأنملةَ والسنَّ) قياسًا على الأنف (لا الإصبع) لأنها لا تعمل، فتكون لمجرد الزينة، بخلاف الأنملة، فإنه يمكن تحريكها.
(ويحرم سنّ الخاتم على الصحيح) لعموم أدلة التحريم، ومقابله: احتمال للإمام، قاسه على الضبة الصغيرة في الأواني، وتطريف الثوب بالحرير 81.
(ويحل له من الفضة الخاتم) بالإجماع، بل لبسه سنة؛ لأنه عليه السلام اتخذ 82.
ويستحب: أن يجعل فصّ الخاتم مما يلي كفه، ثبت ذلك في الحديث 83، وصرح به الرافعي في الوديعة 84.
وتوحيده الخاتم وجمعه ما بعده قد يُشعر بامتناع لُبس أكثر من خاتم، وهو ما قال المحب الطبري: إنه المتجه؛ لأن استعمال الفضة حرام إلا ما وردت الرخصة به، ولم ترد إلا في خاتم واحد، قال الإسنوي: والصواب: الجواز، فقد صرح به
الجزء: 1 - الصفحة: 508
وَحِلْيَةُ آلَاتِ الْحَرْبِ - كَالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ وَالْمِنْطَقَةِ - لَا مَا لَا يَلْبَسُهُ كَالسَّرْج وَالْلِّجَامِ فِي الأَصَحِّ. وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَحْلِيَةُ آلَةِ الْحَرْبِ، وَلَهَا لُبْسُ أَنْوَاعِ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَكَذَا مَا نُسِجَ بِهِمَا فِي الأَصَحِّ. وَالأَصَحُّ: تَحْرِيمُ الْمُبَالَغَةِ فِي السَّرَفِ كَخَلْخَالٍ وَزْنُهُ مِئَتَا دِينَارٍ،
الدارمي فقال: يكره للرجل لبس فوق خاتمين فضةً، وذكر الخوارزمي نحوه 85.
ولم يتعرضوا لمقدار وزن الخاتم، وقال الأَذْرَعي: إن الصواب: ضبطه بدون مثقال، واستشهد له بحديث 86.
(وحلية آلات الحرب؛ كالسيف، والرمح، والمِنطقة) والدِّرع، والخُوذة، وأطراف السهام ونحوها؛ لأن في ذلك إرهابًا للكفار.
(لا ما لا يلبسه؛ كالسَّرج، واللجام) ونحوهما مما هو منسوب إلى الفَرَس؛ كالرِّكاب، والقلادة (في الأصح) كالأواني، والثاني: يجوز؛ كالسيف.
(وليس للمرأة تحلية الة الحرب) 87 لأن فيه تشبهًا بالرجال، وفيه وجه للشاشي؛ لأن لها لبسه للحرب، فلها تحليته.
(ولها لُبس أنواع حلي الذهب والفضة) بالإجماع؛ للحديث السالف 88، (وكذا ما نسج بهما في الأصح) لعموم الأدلة، والثاني: لا؛ لزيادة السرف والخيلاء.
(والأصح: تحريم المبالغة في السَّرَف) في كلّ ما أبحناه (كخَلْخَال وزنه مئتا دينار) لأن المباح لهن ما يتزين به، ولا زينة في ذلك، بل تنفر منه النفس؛ لاستبشاعه، والثاني: لا يحرم؛ كما يجوز اتخاذ أساور وخلاخيل لتلبس الواحدَ منها بعد الواحد.
وتقييده (السرف) بـ (المبالغة) تبع فيه "المحرر" 89، ولم يقيده به في
الجزء: 1 - الصفحة: 509
وَكَذَا إِسْرَافُهُ فِي آلَةِ الْحَرْبِ، وَجَوَازُ تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ بِفِضَّةٍ، وَكَذَا لِلْمَرْأَةِ بِذَهَبٍ. وَشَرْطُ زَكَاةِ النَّقْدِ: الْحَوْلُ. وَلَا زَكَاةَ فِي سَائِرِ الْجَوَاهِرِ كَاللُّؤْلُؤِ
"الشرحين"، ولا في "الروضة"، بل اعتبرا مطلق السرف، قال السبكي: وهو الأولى، ويؤيده قول المصنف عقبه: (وكذا إسرافه في آلة الحرب)، فإنه لم يقيده بشيء، ولعل ذكر المبالغة محمول على ما به يتحقق السرف، وعبارة "شرح المهذب": (فيه سرف ظاهر)، وهي تشعر بما حمل عليه لفظ "الكتاب" 90.
(وكذا إسرافه في الة الحرب) أي: فيحرم؛ لما فيه من الخيلاء الزائد.
(وجواز تحلية المصحف بفضة) للرجال والنساء؛ إكرامًا له، والثاني: لا؛ كالأواني.
(وكذا للمرأة بذهب) كالتحلي به، والثاني: يجوز لهما؛ إكرامًا، والثالث: المنع مطلقًا؛ لأن الخبر قد ورد بذمّ ذلك، والرابع: يجوز تحلية نفس المصحف دون غلافه المنفصل عنه، وهو ضعيف، ويحرم تحلية عِلاقته بالذهب قطعًا؛ لأنه ليس حلية للمصحف.
واحترز بـ (المصحف): عن تحلية الكتب، فلا يجوز مطلقًا.
(وشرط زكاة النقد: الحول) كما في المواشي.
(ولا زكاة في سائر الجواهر؛ كاللؤلؤ) لأن الأصل عدم الوجوب، ولم يرد فيه نصّ.
الجزء: 1 - الصفحة: 510
بابُ زكاة المعدن والرِّكاز والتجارة مَنِ اسْتَخْرَجَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّة مِنْ مَعْدِنٍ .. لَزِمَهُ رُبُعُ عُشْرِهِ، وَفِي قَوْلٍ: الْخُمْسُ، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ حَصَلَ بِتَعَبٍ .. فَرُبُعُ عُشْرِهِ، وإِلَّا .. فَخُمْسُهُ. وَيُشْتَرَطُ النِّصَابُ لَا الْحَوْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا
﴿باب زكاة المعدن والركاز والتجارة﴾
الأموال الكامنة في الأرض: إما مخلوقة فيها، وهي: المعدن، بكسر الدال، وإما مدفونة فيها: وهي: الركاز، بكسر الراء؛ لأنه رُكِزَ بالأرض؛ أي؛ غُرز، من قولهم ركزت الرمحَ: إذا غرزته، وقيل: لخفائه في الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿أو تسَمعُ لَهُم رِكْزًا﴾ أي: صوتًا خفيًّا.
والتجارة: تقليب المال وتصريفه؛ لطلب النماء.
(من استخرج ذهبًا أو فضة من معدن) من أرض مباحةٍ أو مملوكة وهو من أهل الزكاة ( .. لزمه ربع عشره) لما في "صحيح الحاكم": (أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من المعادن القَبَلِية الصدقة) 91، ولعموم الأخبار في الذهب والفضة 92.
واحترز بالذهب والفضة: عما سواهما من أجزاء الأرض، فلا شيء فيها على المذهب.
(وفي قول: الخمس) قياسًا على الركاز بجامع الاختفاء في الأرض.
(وفي قول: إن حصل بتعب) كحفر ( .. فربع عشره، وإلا) أي: وإن حصل بلا تعب؛ بأن وجده ببطحاء كشفها السيل ( .. فخمسه) لأنه مستفاد من الأرض، فوجب التفصيل في زكاته بين خفة المؤنة وكثرتها؛ كالمعشرات.
(ويشترط: النصاب لا الحول على المذهب فيهما) أما النصاب: فوجه اشتراطه: عموم الأدلة السابقة في زكاة النقد، ووجه عدم اشتراطه -وهو تفريع على
الجزء: 1 - الصفحة: 511
وَيُضمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ إِنْ تتَابَعَ الْعَمَلُ، وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ النَّيْلِ عَلَى الْجَدِيدِ، وإِذَا قُطِعَ الْعَمَلُ بِعُذْر .. ضُمَّ، وَإِلَّا .. فَلَا يُضمُّ الأَوَّلُ إِلَى الثَّانِي. وَيُضمُّ الثَّانِي إِلَى الأَوَّلِ كَمَا يَضُمُّهُ إِلَى مَا مَلَكَهُ بِغَيْرِ الْمَعْدِنِ فِي إِكْمَالِ النِّصَابِ
وجوب الخمس فيه- أنه مال يخمس، فلم يشترط فيه النصاب؛ كالفيء والغنيمة.
وأما الحول: فوجه عدم اشتراطه: أن الحول إنما اعتبر لأجل تكامل النماء، والمستخرج من المعدن نما في نفسه، فأشبه الثمار والزروع، ووجه اشتراطه: قوله عليه السلام: "لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" 93، والأول يحمله على غير المعدن.
(ويضم بعضه إلى بعض إن تتابع العمل) كما يضم ما يتلاحق من الثمار، ولا يشترط بقاء الأول على ملكه.
(ولا يشترط اتصال النيل على الجديد) لأنه لا يحصل غالبًا إلا متفرقًا، والقديم: أنه إن طال زمن قطع النَّيْل .. فلا ضمّ؛ كما لو قطع العمل، وكحَمْلَي سنتين، فإن قصر زمان الانقطاع .. لم يقدح في الضمّ قطعًا.
ومحلّ الخلاف: إذا لم نعتبر الحول، وإلا .. ضمّ قطعًا؛ قاله في "المعين".
(وإذا قطع العمل بعذر .. ضمّ) وإن طال الزمان؛ لأنه عاكفٌ على العمل متى ارتفع العذر.
(وإلا) أي: وإن قطع بغير عذر ( .. فلا) ضمّ؛ لإعراضه، ومعنى عدم الضم: أنه لا (يضم الأول إلى الثاني) في واجب حقّ المعدن، (ويضم الثاني إلى الأول؛ كلما يضمه إلى ما ملكه بغير المعدن في إكمال النصاب) أي: حتى يخرج حصة الموجود من المعدن الآن وإن كان دون النصاب؛ لأن ما وجده لا حول له، بخلاف ما عنده، والمجموعُ نصاب، فيعطى كلُّ بعضٍ حكمَه 94.
الجزء: 1 - الصفحة: 512
وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ مَصْرَفُ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَشَرْطُهُ النِّصَابُ وَالنَّقْدُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا الْحَوْلُ, وَهُوَ الْمَوْجُودُ الْجَاهِلِيُّ،
(وفي الركاز الخمس) هذا نصّ الحديث المتفق عليه 95.
وخالف المَعدِن من حيث إنه لا مؤنة في تحصيله، أو مؤنته قليلةٌ، فكثر واجبه، ومؤنة المَعدِن تكثر، فقلّ واجبه؛ كالمُعشَّرات.
(يصرف مصرف الزكاة على المشهور) أي: ولا يجب إلا على من تجب عليه الزكاة؛ لأنه حقّ واجب مستفاد من الأرض، فأشبه الواجب في الزرع والثمار، ورجح في "أصل الروضة"، و"شرح المهذب" القطع به 96، والثاني: أنه يصرف لأهل الخمس؛ لأنه مال جاهلي حصل الظَّفَرُ به من غير إيجاف خيل ولا ركاب، فكان كالفيء، فعلى هذا: يجب على المكاتب، ولا يحتاج إلى نية؛ لأنه خرج عن القربة، نصّ عليه 97.
(وشرطه: النصاب والنقد) أي: المضروب وغيره (على المذهب) لأنه مال مستفاد من الأرض، فاختصّ بما تجب فيه الزكاة؛ كالمعدن، فعلى هذا: لو كان عنده ما يكمل به النصاب .. فهو كنظيره من المَعدِن، والثاني: لا يشترطان؛ لعموم قوله عليه السلام: "وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ"، والطريق الثاني: القطع بالأول.
(لا الحول) بالإجماع، وخالف المَعدِن على رأي؛ للمشقة فيه.
(وهو) أي: الركاز (الموجود الجاهلي) أي: دفين الجاهلية، والمراد بالجاهلية: ما قبل الإسلام، سمُّوا بذلك؛ لكثرة جهالاتهم، قال السبكي: والحق: أنه لا يشترط العلم بكونه من دفنهم؛ فإنه لا سبيل إليه، وإنما نكتفي بعلامة تدل عليه من ضرب أو غيره.
= وإذا مضى حول من حين استخراجها .. أوجبنا عليه زكاة ما استخرجه أولًا، وهو الخمسون؛ لأن المجموع نصاب، وهكذا لو كان المال الأول من غير المعدن، بل بالإرث، أو الهبة، أو نحوهما، ثم حصل له من المعدن تمامه.
اهـ هامش (أ).
الجزء: 1 - الصفحة: 513
فَإِنْ وُجِدَ إِسْلَامِيٌّ عُلِمَ مَالِكُهُ .. فَلَهُ، وَإِلَّا .. فَلُقَطَةٌ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ أَيِّ الضَّرْبَيْنِ هُوَ. وَإنَّمَا يَمْلِكُهُ الْوَاجِدُ وَتلزَمُهُ الزَّكَاةُ إِذَا وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ أَوْ مِلْكٍ أَحْيَاهُ. فَإِنْ وُجِدَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ شَارِعٍ .. فَلُقَطَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، أَوْ فِي مِلْكِ شَخْصٍ .. فَلِلشَّخْصِ إِنِ ادَّعَاهُ، وَإِلَّا .. فَلِمَنْ مُلِكَ مِنْهُ، وَهكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْمُحْيِي. وَلَوْ تنَازَعَهُ بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ، أَوْ مُكْرٍ وَمُكْتَرٍ، أَوْ مُعِير وَمُسْتَعِيرٌ
(فإن وُجد إسلامي) بأن كان عليه شيء من القرآن، أو اسم ملك من ملوك الإسلام (علم مالكه .. فله) أي: يجب ردّه عليه؛ لأن مال المسلم لا يملك بالاستيلاء عليه.
(إلا) أي: وإن لم يعلم مالكه ( .. فلُقَطَةٌ) فيفعل فيه ما يفعل باللقطة الموجودة على وجه الأرض.
(وكذا إن لم يُعلم من أي الضربين هو) لفقد علامة؛ كتبر وحلي، وما يُضرب مثلُه في الجاهلية والإسلام؛ تغليبًا لحكم الإسلام.
(وإنما يملكه الواجد) يعني: الموجود الجاهلي (وتلزمه الزكاة إذا وجده في مَوَاتٍ أو مِلك أحياه) أما الملك في هذين .. فلعموم الأدلة، وأما عدمه فيما عداهما .. فلما سيأتي، ولا فرق في الموات بين دار الإسلام ودار العهد، وكذا دار الحرب على الأصح.
(فإن وُجد في مسجد أو شارع .. فلقطة على المذهب) لأن يد المسلمين عليه وقد جهل مالكه، فيكون لقطة، وقيل: إنه ركاز؛ لأنه جاهلي في مكان غير مملوك، فأشبه الموات.
(أو في ملك شخص .. فللشخص إن ادعاه) أي: بلا يمين؛ كالأمتعة في الدار، (وإلا) أي: وإن لم يدعه بل نفاه ( .. فلمن ملك منه، وهكذا حتى ينتهي إلى المُحْي) أي: فيكون له وإن لم يدعه؛ لأنه بالإحياء ملك ما في الأرض منه، وبالبيع لم يزل مِلكه عنه؛ لأنه مدفون منقول، فإن كان المُحْيي أو من تَلَقَّى الملك عنه ميتًا .. فورثته قائمون مقامه، فإن وافق بعض الورثة أنه لمورثه .. سُلِّم نصيب المدعي إليه وسلك بالباقي ما ذكرناه.
(ولو تنازعه بائع ومشتر، أو مكر ومكترٍ، أو معير ومستعير) بأن قال المشتري
الجزء: 1 - الصفحة: 514
صُدِّقَ ذُو الْيَدِ بِيَمِينِهِ.
فصْلٌ [في أحكام زكاة التجارة]
شَرْطُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ الْحَوْل، وَالنِّصَابُ مُعْتبَرًا بِآخِرِ الْحَوْل، وَفِي قَوْل: بِطَرَفَيْهِ، وَفِي قَوْل: بجَمِيعِهِ. فَعَلَى الأَظْهَرِ: لَوْ رُدَّ إِلَى النَّقْدِ فِي خِلَال الْحَوْل، وَهُوَ دُونَ النِّصَابِ، وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْقَطِعُ الْحَوْل، وَيَبْتَدِئُ حَوْلُهَا مِنْ شِرَائِهَا
والمكتري والمستعير: هو لي وأنا دفنته، وقال البائع.
والمكري والمعير مثل ذلك ( .. صدِّق ذو اليد) وهو المشتري والمكترى والمستعير (بيمينه) كغيره من الأمتعة، هذا إذا احتمل صدق صاحب اليد ولو على بُعدٍ، فأما إذا لم يحتمل؛ لكون مثله لا يمكن دفنه في مدة يده .. فلا يصدق صاحب اليد.
هذا الفصل معقود لزكاة التجارة، قال ابن المنذر: (وأجمع عامة أهل العلم على وجوبها 98.
(فصل: شرط زكاة التجارة: الحول، والنصاب) كغيرها من المواشي، والناضّ (معتبرًا بآخر الحول) فقط؛ لأنه وقت الوجوب، (وفي قول: بطرفيه) أما الأول .. فليَجريَ في الحول، وأما الآخر .. فلأنه وقت الوجوب ولا يعتبر ما بينهما؛ لأن تقويم العرض في كلّ لحظة يشقّ، (وفي قول: بجميعه) كالمواشي، فعلى هذا: لو نقصت القيمة عن النصاب في لحظة .. انقطع الحول؛ فإن كمل بعد ذلك .. استأنف الحول من يومئذ.
(فعلى الأظهر) وهو اعتبار آخر الحول (لو رُدَّ إلى النقد في خلال الحول وهو دون النصاب، واشترى به سلعة .. فالأصح: أنه ينقطع الحول، ويبتدئُ حولها من شرائها) لتحقق نقصانها حِسًّا بالتنضيض، والثاني: لا ينقطع؛ كما لو بادل بها سلعة
الجزء: 1 - الصفحة: 515
وَلَوْ تَمَّ الْحَوْلُ وَقِيمَةُ الْعَرْضِ دُونَ النِّصَابِ .. فَألأَصَحُّ: أَنَّهُ يَبْتَدِئُ الْحَوْلُ، وَيَبْطُلُ الأَوَّلُ. وَيَصِيرُ عَرْضُ التِّجَارَةِ لِلْقُنْيَةِ بِنِيَّتِهَا،
ناقصة عن النصاب .. فإن الحول لا ينقطع على الصحيح 99.
وصورة المسألة: إذا ردّ إلى النقد الذي يقوّم به، [فلو باع بالدراهم] 100 والحالُ يقتضي التقويم بالدنانير .. فهو كبيع سلعة بسلعة، والأصحُّ: أنه لا ينقطع، وهذا الحكم يجري أيضًا إذا قلنا بالقول الثاني من باب أولى.
(ولو تمّ الحول وقيمة العرض دون النصاب .. فالأصح: أنه يبتدئ الحول، ويبطل الأول) لأنه مضى ولا زكاة فيه، والثاني: لا ينقطع، بل متى بلغت نصابًا .. لزمته الزكاة، ويبتدئ الحول الثاني من ذلك الوقت.
ومحل الخلاف: ما إذا لم يكن له من جنس ما يكمل به النصاب، أما لو كان له؛ مثل: أن يملك مئةَ درهم، فيشتري بخمسين منها عرضًا للتجارة، وبقيت الخمسون عنده، وبلغت قيمة العرض آخر الحول مئة وخمسين .. فإن ذلك يضمّ إلى ما عنده، ويلزمه زكاة الكلّ قطعًا، بخلاف ما لو اشترى بالمئة وملك الخمسين بعد ذلك؛ لأن الخمسين إنما يضمّ في النصاب لا في الحول، بل إذا تمَّ حول الخمسين .. زكَّى المئتين؛ قاله في "شرح المهذب" 101.
(ويصير عرضُ التجارة للقنية بنيتها) أي: بنية القِنية، بخلاف عرض القِنية، لا يصير للتجارة بالنية على الأصحِّ كما سيأتي، والفرق: أن القِنية هو: الحبس للانتفاع وقد وجد بالنية المذكورة مع الإمساك 102، فرتبنا عليها أثرها، والتجارة هو: التقليب بقصد الأرباح ولم يوجد ذلك.
الجزء: 1 - الصفحة: 516
وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْعَرْضُ لِلتِّجَارَةِ إِذَا اقْتَرَنَتْ نِيَّتُهَا بِكَسْبِهِ بمُعَاوَضَةٍ كَشِرَاءٍ، وَكَذَا الْمَهْرُ وَعِوَضُ الْخُلْعِ فِي الأَصَحِّ، لَا بِالْهِبَةِ وَالاحْتِطَابِ وَاسْتِرْدَادٍ بِعَيْبٍ. وَإِذَا مَلَكَهُ بِنَقْدِ نِصَابٍ .. فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ مِلْكِ النَّقْدِ، أَوْ دُونَهُ أَوْ بِعَرْضِ قُنْيَةٍ. . فَمِنَ الشِّرَاءِ، وَقِيلَ: إِنْ مَلَكَهُ بِنِصَابِ سَائِمَةٍ .. بَنَى عَلَى حَوْلهَا
(وإنما يصير العرض للتجارة إذا اقترنت نيتها بكسبه بمعاوضة؛ كشراء) لانضمام قصد التجارة إلى فعلها؛ كما لو نوى وسار .. يصير مسافرًا، وإذا ثبت حكم التجارة .. لم يحتج في كلّ معاملة إلى نية جديدة.
(وكذا المهر وعوض الخلع في الأصح) لأنهما مُلكا بمعاوضة، ولهذا ثبتت الشفعة فيما ملك بهما، والثاني: لا؛ لأنهما ليسا من عقود المعاوضات المحضة.
(لا بالهبة) المحضة (والاحتطاب) والاصطياد، والإرث؛ لأن التملك مجانًا لا يعدُّ تجارة؛ فإن شرط في الهبة ثوابًا معلومًا .. صارت كالبيع.
(واسترداد بعيب) كأن باع عرضًا للقِنْية، ثم ردّ عليه بعيب فقصد به التجارة .. فإنه لا يصير مال تجارة؛ لأنه ليس بعقد معاوضة.
(وإذا ملكه) أي: مال التجارة (بنقدِ نصابٍ) وهو الذهب والفضة اللذان تجب الزكاة فيهما وإن لم يكونا مضروبين (فحوله من حين ملك النقد) أي: بنى حول التجارة على حول النقد؛ لاشتراكهما في قدر الواجب وفي جنسه، هذا إذا كان الشراء بعين النصاب، فإن اشترى في الذمة ثم نقد ما عنده فيه .. لم يَبْنِ؛ لأن صرفه إلى هذه الجهة لم يتعين؛ كذا جزم به في "الروضة"، وقال في "شرح المهذب": إنه لا خلاف فيه 103.
(أو دونه) أي: أو ملكه بدون نصاب (أو بعرض قِنْية) كالثياب ( .. فمن الشراء) لأن ما ملكه لم يكن مال زكاة، (وقيل: إن ملكه بنصاب سائمة .. بنى على حولها) لأنها مال زكاة جارٍ في الحول؛ كالنقد، والصحيح: المنع؛ لاختلاف الزكاتين قدرًا ومتعلقًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 517
وَيَضُمُّ الرِّبْحَ إِلَى الأَصْلِ فِي الْحَوْلِ إِنْ لَمْ يَنِضَّ، لَا إِنْ نَضَّ فِي الأَظْهَرِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ وَلَدَ الْعَرْضِ وَثَمَرَهُ مَالُ تِجَارَةٍ،
(ويضم الربح إلى الأصل في الحول إن لم يَنِضّ) كالنِّتاج مع الأمهات، فلو اشترى في المُحرَّم عرضًا يساوي مئتين، فساوى قبيل آخر الحول ولو بلحظة ثلاث مئة .. زكّى الجميع عند تمام الحول.
وقوله: (ينضّ) هو بكسر النون؛ أي: يصير ناضًّا، وهو: الدراهم والدنانير.
(لا إن نضَّ في الأظهر) بجنس رأس المال؛ كعرض اشتراه بمئتين، وباعه بعد ستة أشهر بثلاث مئة درهم، وأمسكها إلى تمام الحول، أو اشترى بها عرضًا، وهو يساوي ثلاث مئة في آخر الحول .. فيخرج الزكاة عن مئتين؛ فإذا مضت ستة أشهر أخرى .. أخرج عن المئة؛ لأن الربح متميز، فاعتبر بنفسه، بخلاف ما لم يَنِضّ؛ فإنه كامن فيه، والثاني: يضمّ؛ كما يضمّ النتاج إلى الأمهات.
وفرق الأول: بأن النتاج جزء من الأصل، فألحقناه به، بخلاف الربح؛ فإنه ليس جزءأ، وحصوله إنما هو بحسن التصرف، ولهذا يردّ الغاصب نتاج الحيوان دون الربح، ولو نضَّ بغير جنس رأس المال؛ كعرض بمئتين باعه بعشرين دينارًا .. فهو كإبدال عرض بعرض؛ إذ لا يقوّم به.
وقيل: كالجنس، وجميع ما ذكرناه فيما إذا اشترى العَرْض بنصاب من النقد، أو بعرض قيمته نصاب، فأما إذا اشتراه بمئة درهم مثلًا، وباعه بعد ستة أشهر بمئتي درهم، وبقيت عنده إلى تمام الحول من حين الشراء؛ فإن قلنا بالأصح: إن النصاب لا يشترط إلا في آخر الحول .. بني على القولين في أن الربح من الناضّ هل يضمّ إلى الأصل في الحول؟ إن قلنا: نعم .. فعليه زكاة المئتين، وإن قلنا: لا .. لم يزك مئة الربح إلا بعد ستة أشهر أخرى.
(والأصح: أن ولد العرض وثمره مال تجارة) لأنهما جزءان من الأم، والشجر، والثاني: لا؛ لأنهما لم يحصلا بالتجارة، فإن هذا نماء وهي استنماء.
والوجهان فيما إذا لم تنقص قيمة الأم بالولادة، فإن نقصت؛ بأن كانت قيمة الأم ألفًا فصارت بالولادة ثمان مئة، وقيمة الولد مئتان .. جبر نقص الأم بالولد، وزكّى
الجزء: 1 - الصفحة: 518
وَأَنَّ حَوْلَهُ حَوْلُ الأَصْلِ. وَوَاجِبُهَا رُبُعُ عُشْرِ الْقِيمَةِ، فَإِنْ مُلِكَ بِنَقْدٍ .. قُوِّمَ بِهِ إِنْ مُلِكَ بِنِصَابٍ، وَكَذَا دُونَهُ فِي الأَصَحِّ، أَوْ بِعَرْضٍ .. فَبِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلدِ، فإِنْ غَلَبَ نَقْدَانِ وَبَلَغَ بأَحَدِهِمَا نِصَابًا .. قُوِّمَ بِهِ،
الألف، وفيه احتمال للإمام 104.
(وأن حوله حول الأصل) تبعًا؛ كنتاج السائمة، والثاني: لا، بل يفرد بحول؛ كربح الناضّ.
(وواجبها: ربع عشر القيمة) أما كونه ربع عشر .. فلا خلاف فيه؛ كالنقد، وأما كونه من القيمة .. فهو الجديد؛ لأن القيمة متعلق هذه الزكاة، ولا يجوز الإخراج من عين العرض، والقديم: يخرج من عين العرض؛ لأنه الذي يملكه، والقيمة تقدير؛ فلو كان عرضه مئة قَفيز يساوي مئتين .. فعلى الجديد: واجبه: خمسة دراهم، وعلى القديم: قَفيزان ونصف.
(فإن مُلك بنقد .. قُوِّم به إن مُلك بنصاب) لأن الحول مبني على حوله، والزكاة واجبة فيه؛ فإن بلغ به نصابًا .. زكَّاه، وإلا .. فلا وإن كان يبلغ نصابًا بنقد البلد، وحكى صاحب "التقريب" قولًا: أن التقويم لا يكون إلا بنقد البلد دائمًا.
(وكذا دونه في الأصح) لأنه أصله، والثاني: يقوَّم بغالب نقد البلد؛ كما لو اشترى بعرض.
ومحله: ما إذا لم يملك من جنس النقد الذي اشترى به ما يُتمّ به النصاب، فإن ملكه .. قوِّم بذلك الجنس قطعًا، قاله الرافعي، قال في "الروضة": (ولكن يجري فيه القول الذي حكاه صاحب "التقريب") 105.
(أو بعرض .. فبغالب نقد البلد) لأنه لمَّا تعذر التقويم بالأصل .. رجع إلى نقد البلد؛ جريًا على قاعدة التقويمات؛ كما في الإتلاف ونحوه.
(فإن غلب نقدان، وبلغ بأحدهما نصابًا .. قُوّم به) لبلوغه نصابًا بنقد غالب لا مغلوب.
الجزء: 1 - الصفحة: 519
فَإِنْ بَلَغَ بِهِمَا .. قُوِّمَ بِالأَنْفَعِ لِلْفُقَرَاءِ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ. وَإِنْ مُلِكَ بِنَقْدٍ وَعَرْضٍ .. قُوِّمَ مَا قَابَلَ النَّقْدَ بِهِ، وَالْبَاقِي بِالْغَالِبِ. وَتَجِبُ فِطْرَةُ عَبْدِ التِّجَارَةِ مَعَ زَكَاتِهَا. وَلَوْ كَانَ الْعَرْضُ سَائِمَةً، فَإِنْ كَمُلَ نِصَابُ إِحْدَى الزَّكَاتينِ فَقَطْ .. وَجَبَتْ، أَوْ نِصَابُهُمَا .. فَزَكَاةُ الْعَيْنِ فِي الْجَدِيدِ
(فإن بلغ بهما .. قُوّم بالأنفع للفقراء) كاجتماع الحِقاق وبنات اللبون، (وقيل: يتخير المالك) فيقوّم بأيهما شاء؛ كما يتخير معطي الجُبْران بين الشاتين والدراهم، وصححه في "أصل الروضة"، وكلام "الشرح الكبير" يقتضيه، ولا ترجيح في "الصغير"، قال في "المهمات": والفتوى على ما في "الروضة" 106.
(وإن مُلك بنقد وعرض) بأن اشترى بمئتي درهم وعرض قِنْية ( .. قُوّم ما قابل النقد به، والباقي بالغالب) لأن كلًّا منهما لو انفرد .. لكان حكمه كذلك، فإن كان النقد دون النصاب .. عاد الخلاف المارّ فيما إذا ملكه بنقد دون النصاب.
(وتجب فطرة عبد التجارة مع زكاتها) 107 أي: زكاة التجارة؛ لأنهما يجبان بسببين مختلفين: أحدهما: المال، والآخر: البدن، فلا يتداخلان؛ كالقيمة والكفارة في العبد المقتول.
(ولو كان العرض سائمة؛ فإن كمل نصاب إحدى الزكاتين فقط) كتسعة وثلاثين من الغنم قيمتها مئتان، أو أربعين من الغنم قيمتها دون المئتين ( .. وجبت) زكاة ما يكمل به نصابه؛ لوجود سببها من غير معارض.
(أو نصابُهما .. فزكاة العين في الجديد) لقوتها فإنها مجمع عليها، بخلاف زكاة التجارة فإنها مختلف فيها، ولهذا لا يكفر جاحدها بخلاف الأولى، والقديم: تقدم زكاةُ التجارة؛ لأنها أنفع للمساكين، فإنها تجب في كلّ شيء، وزكاة العين مختصة ببعض الأعيان، ولا خلاف أنه لا يجمع بين الزكاتين، والأصح: طرد الخلاف سواء اتفق وقت الوجوب أو اختلف.
وتعبيره بالسائمة ناقص فإن الثمار والزرع يأتي فيهما ما ذكره في السائمة.
الجزء: 1 - الصفحة: 520
فَعَلَى هَذَا: لَوْ سَبَقَ حَوْلُ التِّجَارَةِ؛ بِأَنِ اشْتَرَى بِمَالِهَا بَعْدَ سِتة أَشْهُرٍ نِصَابَ سَائِمَة .. فَالأَصحُّ: وُجُوبُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ لِتَمَامِ حَوْلهَا، ثُمَّ يَفْتَتِحُ حَوْلًا لِزَكَاةِ الْعَيْنِ أَبَدًا، وَإِذَا قُلْنَا: عَامِلُ الْقِرَاضِ لَا يَمْلِكُ الرِّبح بالظُّهُورِ .. فَعَلَى الْمَالِكِ زَكَاةُ الْجَمِيعِ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ .. حُسِبَتْ مِنَ الرِّبْحِ فِي الأَصحِّ
(فعلى هذا) وهو تقديم زكاة العين (لو سبق حول التجارة؛ بأن اشترى بمالها بعد ستة أشهر نصابَ سائمة) ولم يقصد القِنْية ( .. فالأصح: وجوب زكاة التجارة لتمام حولها) لئلا يحبط بعض حولها، ولأن الموجب قد وُجد ولا معارض له، ولا يتصوَّر سبق حول العين؛ لأنه ينقطع بالمبادلة، قاله الرافعي 108.
ويصوّر سبقُ زكاة العين في الثمار ببدو الصلاح فيها قبل تمام الحول وزرعها ببِذْر التجارة.
(ثم يفتتح حولًا لزكاة العين أبدًا) من منقرض حول التجارة 109، وتستمر زكاة العين أبدًا، وما مضى من السوم في بقية الحول الأول غير معتبر، والثاني: أنَّا نعطل ما سبق من حول التجارة، وإنما نوجب زكاة العين عند تمام حولها؛ لما سبق من كونها أقوى، والثالث: يُبنى حول السائمة على حول التجارة كعكسه، أما إذا غلّبنا زكاة التجارة .. فيزكيها في آخر حولها جزمًا.
(وإذا قلنا: عامل القراض لا يملك الربح بالظهور) وهو الأصح، بل بالقسمة؛ كما سيأتي في بابه ( .. فعلى المالك زكاةُ الجميع) أي: رأسِ المال والربح؛ لأن الجميع مِلكه.
(فإن أخرجها من مال القراض .. حُسبت من الربح في الأصح) المنصوص؛ كالمؤن التي تلزم المال؛ من أجرة الدَّلال، وفطرة عبيد التجارة، وجنايتهم، والثاني: أنها من رأس المال خاصةً؛ لأن الوجوب على من له المال، والتفريع على أنه للمالك لا للعامل، والثالث: زكاة الربح من الربح، وزكاة الأصل من الأصل؛ لأنها وجبت فيهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 521
وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ .. لَزِمَ الْمَالِكَ زَكَاةُ رَأْسِ الْمَال، وَحِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَامِلَ زَكَاةُ حِصَّتِهِ.
(وإن قلنا: يملك بالظهور .. لزم المالكَ زكاةُ رأس المال، وحصتِه من الربح) لأنه مالك لهما (والمذهب: أنه يلزم العامل زكاةُ حصته) من الربح؛ لتمكنه من التوصل إليه متى شاء بالقسمة، فأشبه الدين الحالَّ على مليء، والطريق الثاني: القطع بالمنع؛ لعدم استقرار ملكه؛ لكونه وقايةً لرأس المال عن الخسران، والطريق الثالث: أنه على قولين؛ كالمغصوب؛ لأنه غير متمكن من كمال التصرف.
وإذا أوجبنا الزكاة على العامل .. لم يلزمه إخراجها قبل القسمة على المذهب.
الجزء: 1 - الصفحة: 522
بابُ زكاة الفِطر
تَجِبُ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ فِي الأَظْهَرِ، فَتُخْرَجُ عَمَّنْ مَاتَ بَعْدَ الْغُرُوبِ دُونَ مَنْ وُلِدَ. وَيُسَنُّ أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنْ صَلَاتِهِ،
(باب زكاة الفِطر)
سُمِّيت بذلك؛ لأن وجوبها بدخول الفطر، ويقال: زكاة الفطرة بكسر الفاء والتاء في آخره؛ لأنها تُخرج عن الفطرة، وهي الخِلْقَة.
(تجب بأول ليلة العيد في الأظهر) 110 لأنها مضافة في الحديث إلى الفطر من رمضان، وهو ما في "الصحيحين" عن ابن عمر رضي الله عنهما: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير، على كلّ حرّ أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين) 111.
وبأول الليل: خرج وقتُ الصوم، ودخلَ وقتُ الفطر.
والثاني: أنها تجب بطلوع الفجر يوم العيد؛ لأنها قربة متعلقة بالعيد، فلا تتقدم على وقتها؛ كالأضحية؛ كذا علّله الرافعي 112، واعترضه الإسنوي: بأن وقت العيد من طلوع الشمس لا الفجر 113، والثالث: أنها تجب بمجموع الوقتين؛ لتعلقها بالفطر والعيد جميعًا.
(فتُخرج) تفريعًا على الأظهر (عمن مات بعد الغروب) ممن يُؤدَّى عنه؛ من زوجة، وقريب، وعبد؛ لوجود السبب في حياته، بشرط: أن يكون فيه عند الغروب حياة مستقرة، (دون من وُلد) وتجدد؛ من زوجة، ورقيق بعد الغروب؛ لعدم إدراكه الموجب، وعلى الثاني: ينعكس الحكم، وعلى الثالث: لا وجوب فيهما.
(ويسن ألا تؤخر عن صلاته) بل يندب تقديمها عليها؛ لحديث ابن عمر: (أن
الجزء: 1 - الصفحة: 523
وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِهِ. وَلَا فِطْرَةَ عَلَى كَافِرٍ إِلَّا فِي عَبْدِهِ وَقَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ فِي الأَصَحِّ،
النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصدقة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) متفق عليه 114.
قال السبكي: ولو قيل: بوجوب إخراجها قبل الصلاة .. لم يبعد؛ لظاهر الأمر.
(ويحرم تأخيرها عن يومه) بلا عذر؛ لأنه قد ورد: "أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ" 115، فلو أخّر .. عصى، وقضى؛ لخروج الوقت.
(ولا فطرة على كافر) أصلي في نفسه ولا غيره من الكفار إجماعًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مِنَ الْمُسْلِمِينَ" 116، والمراد: أنه ليس بمطالب بإخراجها.
وأما العقوبة في الآخرة: فعلى الخلاف في تكليفه بالفروع، كما قاله في "شرح المهذب" 117، وقال السبكي: يحتمل أن هذا التكليف الخاص لم يشملهم، لقوله في الحديث: "مِنَ الْمُسْلِمِينَ".
وأما المرتد .. ففي وجوبها عليه وعلى من يَمُونه الأقوال في بقاء مِلكه، قاله في "شرح المهذب" 118.
(إلا في عبده وقريبه المسلم) وكلّ مسلم يلزم الكافر نفقته؛ كمستولدته المسلمة، وزوجته الذمية إذا أسلمت وغربت الشمس وهو متخلف، وأوجبنا نفقة مدة التخلّف؛ كما هو الأصحُّ، ومستولدة والدهِ المسلم، وخادم زوجته (في الأصح) كالنفقة عليهم.
والخلاف مبني على أن من وجبت فطرته على غيره هل وجبت عليه ثمّ تحملها عنه المُخرِج، أو وجبت على المُخرِج ابتداءً؟ وفيه وجهان: أصحهما: أنه بطريق التحمل.
وكان ينبغي أن يقول: (المسلمين) بالتثنية، أو يعطف القريب بـ (أو).
الجزء: 1 - الصفحة: 524
وَلَا رَقِيقٍ -وَفِي الْمُكَاتَبِ وَجْهٌ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ يَلْزَمُهُ قِسْطُهُ- وَلَا مُعْسِرٍ. فَمَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ فِي نَفَقَتِهِ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ شَيْءٌ .. فَمُعْسِرٌ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ لَزِمَهُ فِطْرَتُهُ .. لَزِمَهُ فِطْرَةُ مَنْ لَزِمَهُ نَفَقَتُهُ،
(ولا رقيق) لعدم ملكه، أو ضعفه، (وفي المكاتب وجه) أنها تجب عليه في كسبه عن نفسه، وزوجته، ورقيقه؛ كنفقتهم، وفي وجه: أنها تجب على السيد؛ لأنه مِلكه، والأصح: المنع مطلقًا؛ لضعف ملكه، والخلاف في الكتابة الصحيحة، أما الفاسدة .. فتجب على السيد جزمًا.
(ومن بعضه حرّ .. يلزمه قسطه) 119 أي: يلزمه من الفطرة بقدر ما فيه من الحرية، وباقيها على مالك الباقي؛ لأن الفطرة تتبع النفقة وهي مشتركة.
نعم؛ إن كان بينهما مهايأة .. فتجب على من وقع وقت الوجوب في نوبته في الأصح، وحكم العبد المشترك: حكم المبعض.
(ولا معسرٍ) بالإجماع، ثم حدَّه بقوله: (فمن لم يفضُلْ عن قوته وقوتِ مَنْ في نفقته) من آدمي أو بهيمة (ليلة العيد ويومَه شيءٌ .. فمعسر) لأن القوت لا بدّ منه.
(ويشترط: كونه فاضلًا عن مسكن، وخادم يحتاج إليه) لخدمته (في الأصح) كما في الكفارة بجامع الطهر، ويشترط: كونهما لائقين به، والثاني: لا يشترط كونه فاضلًا عن ذلك؛ لأن الكفارة لها بدل، بخلاف الفطرة، فهي كالدين.
ويشترط أيضًا: كونه فاضلًا عن دَسْت ثوب يليق به، وعن كسوة من تلزمه نفقتهم على الصحيح، وكذا عمَّا عليه من الدين؛ كذا نقل الإمام الاتفاق عليه، وحكاه المصنف في "نكت التنبيه" عن الأصحاب، وجزم به في "الحاوي الصغير"، لكن الأصح في "الشرح الصغير": أنه لا يشترط ذلك، وهو مقتضى كلام "الكبير"، وقال الأَذْرَعي: إنه المذهب المنصوص 120.
(ومن لزمه فطرتُه .. لزمه فطرة من لزمه نفقتُه) بقرابة، أو زوجية، أو ملك إذا
الجزء: 1 - الصفحة: 525
لكِنْ لَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ فِطْرَةُ الْعَبْدِ وَالْقَرِيبِ وَالزَّوْجَةِ الْكُفَّارِ، وَلَا الْعَبْدَ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ، وَلَا الابْنَ فِطْرَةُ زَوْجَةِ أَبيهِ، وَفِي الابْنِ وَجْهٌ. وَلَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ أَوْ كَانَ عَبْدًا .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ فِطْرَتُهَا، وَكَذَا سَيِّدُ الأَمَةِ
كانوا مسلمين ووجد ما يؤدي عنهم؛ لقوله عليه السلام: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ" رواه مسلم 121.
والباقي بالقياس عليه، والجامع: وجوبُ النفقة، والإجماع منعقد على أن الفطرة تجب على الغير بسبب الغير في الجملة.
(لكن لا يلزم المسلمَ فطرةُ العبد والقريب والزوجة الكفار) وإن وجبت نفقتهم؛ لقوله عليه السلام في الحديث المار: "من المسلمين" 122.
(ولا العبدَ فطرةُ زوجته) وإن أوجبنا عليه نفقتها في كسبه ونحوه؛ لأنه ليس أهلًا لزكاة نفسه فكيف يتحمل عن غيره؟ !
واحترز بـ (العبد) عن المبعَّض؛ فإنه يجب عليه المقدار الذي يجب على نفسه.
(ولا الابنَ فطرةُ زوجة أبيه) وإن وجبت عليه نفقتها؛ لأن فقد النفقة يسلطها على الفسخ، فيحتاج الولد إلى تزويجه، بخلاف الفطرة، (وفي الابن وجه) أنها تجب عليه كنفقتها، والفرق: ما ذكرناه.
ويستثنى أيضًا مسائل؛ منها: عبدُ بيت المال تجب نفقته ولا تجب فطرته على الأصح، ومنها: الموقوف على جهة، أو مُعيَّن على الأصح أيضًا.
(ولو أعسر الزوج، أو كان عبدًا .. فالأظهر: أثه يلزم زوجته الحرةَ فطرتُها) إذا أيسرت بها.
(وكذا سيد الأمة) في الأصح؛ بناء على أن الوجوب يلاقي المؤدّى عنه ابتداءً، ثم يتحملها المؤدِّي، فإذا لاقى الزوجة أولًا ولم يكن الزوج أهلًا للتحمل؛ لإعساره .. استقرَّ الأمر على من وجب عليه أولًا، والثاني: لا يجب عليهما؛ بناءً على أنه يلاقي المُخرِج ابتداءً.
الجزء: 1 - الصفحة: 526
قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: لَا تلزَمُ الْحُرَّةَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوِ انْقَطَعَ خَبَرُ الْعَبْدِ .. فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ إِخْرَاجِ فِطْرَتِهِ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ: إِذَا عَادَ، وَفِي قَوْل: لَا شَيْءَ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ مَنْ أَيْسَرَ بِبَعْضِ صَاعٍ .. يَلْزَمُهُ، وَأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ بَعْضَ الصِّيعَانِ .. قَدَّمَ نَفْسَهُ، ثُمَّ زَوْجَتَه، ثُمَّ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ، ثُمَّ الأَبَ، ثُمَّ الأُمَّ، ثُمَّ
(قلت: الأصح المنصوص: لا تلزم الحرة، والله أعلم) لكمال تسليمها، بخلاف الأمة، فإنها وإن سلمت إليه .. فهي في قبضة السيد، ألا ترى أنَّ له استخدامها والمسافرةَ بها، وحينئذ فلا تكون الفطرة متحولة عنه، وإنما الزوج كالضامن لها، فماذا لم يقدر على الأداء .. بقي الوجوب على السيد كما كان.
(ولو انقطع خبرُ العبد .. فالمذهب: وجوب إخراج فطرته في الحال) أي: في يوم العيد أو ليلته؛ لأن الأصل بقاء حياته، (وقيل: إذا عاد) كزكاة المال الغائب، وفرق الأول: بأن التأخير إنما جوز هناك للنماء، وهو غير معتبر في زكاة الفطر، (وفي قول: لا شيء) بالكلية؛ لأن الأصل براءة الذمة.
ومحل الخلاف: ما إذا لم تنته الغيبة إلى مدة يجوز للحاكم أن يحكم فيها بموته وأنَّ مثله يورث؛ فإن انتهى إلى ذلك .. فلا خلاف في عدم الوجوب، قاله الرافعي في (الفرائض) 123.
ولو لم ينقطع خبر العبد؛ فإن كان في طاعة سيده .. وجبت فطرته، وإن كان آبقًا .. فكالمغصوب والضال، والمذهب: الوجوب.
(والأصح: أن من أيسر ببعض صاع .. يلزمه) اعتبارًا بالميسور، والثاني: لا؛ كبعض الرقبة في الكفارة، وفرق الأول: بأن الكفارة لها بدل، بخلاف الفطرة.
(وأنه لو وَجد بعض الصيعان .. قدَّم نفسه) لحديث: "أبْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ" 124، (ثم زوجتَه) إن فضل عن نفسه صاع آخر؛ لأن نفقتها معاوضة لا تسقط بمضي الزمان .. فهي آكد، (ثم ولدَه الصغير) لأنه أعجز ممن بعده، ونفقته ثابتة بالنصّ والإجماع، (ثم الأبَ) لشرفه، (ثم الأمَّ) لقوة حرمتها بالولادة، (ثم)
الجزء: 1 - الصفحة: 527
الْكَبِيرَ. وَهِيَ: صَاعٌ، وَهُوَ: سِتُّ مِئَةِ دِرْهَمٍ وَثَلَاثةٌ وَتِسْمعُونَ وَثُلُثٌ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: سِتُّ مِئَةٍ وَخَمْسَة وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ؛ لِمَا سَبَقَ فِي زَكَاةِ النَّبَاتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَجِنْسُهُ: الْقُوتُ الْمُعَشَّرُ،
الولد (الكبيرَ) حيث تجب نفقته يقدم في الفطرة على الرقيق؛ لأن علاقته لازمة بخلاف الملك.
وهذا الترتيب ذكراه أيضًا هكذا في "الشرح" و"الروضة" 125، لكن صححا في (النفقات): تقديمَ الأم في النفقة على الأب 126، وفرَّق في "شرح المهذب": بأن النفقة لسدِّ الخَلَّة والأم أحوج، والفطرةَ لتطهير المُخرَج عنه وتشريفه، والأب أحقّ به؛ فإنه منسوب إليه ويشرف بشرفه.
انتهى 127.
ونُقِض الفرقُ بتقديم الولد الصغير على الأبوين، وهما أشرف منه؛ فدلّ على اعتبارهم الحاجة في البابين، ومقابل الأصح في كلام المصنف: تسعة أوجه، تُعرف بمراجعة المبسوطات.
(وهي: صاع) لحديث ابن عمر المارّ في أول الباب 128؛ فهو خمسة أرطال وثلث تقريبًا؛ كما نقله في "الروضة"، و"شرح المهذب" عن الدارمي، وخالف في "رؤوس المسائل"، فقال: إنه تحديد 129.
(وهو ست مئة درهم وثلاثة وتسعون وثلث، قلت: الأصح: ست مئة وخمسة وثمانون درهمًا وخمسة أسباع درهم؛ لما سبق في زكاة النبات) من كون الرطل مئة وثمانية وعشرين درهمًا وأربعة أسباع درهم (والله أعلم) وقد سبق في (زكاة النبات) إيضاحه.
(وجنسه: القوت المعشَّر) أي: الذي يجب فيه العشر أو نصفه على ما سبق في
الجزء: 1 - الصفحة: 528
وَكَذَا الأَقِطُ فِي الأَظْهَرِ. وَتَجِبُ مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ، وَقِيلَ: قُوتهِ،
موضعه؛ لأن النصَّ قد ورد في بعض المعشرات؛ كالبرّ والشعير والتمر والزبيب، وقيس الباقي عليه بجامع الاقتيات.
(وكذا الأقِطُ في الأظهر) لثبوته في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدري 130، ولهذا قطع بعضهم به، والثاني: أنه لا يجزئ؛ لأنه لا عشر فيه، فأشبه التين ونحوه، وقيل: يجزئ أهل البادية دون الحاضرة، حكاه في "شرح المهذب" 131، وإذا جوزناه .. فلا يجزئ المملّح الذي أفسد كثرة الملح جوهره؛ لأنه معيب، وإذا كان الملح ظاهرًا فيه ولم يفسده .. اشترط أن يخرج منه قدرًا يكون محض الأَقِط منه صاعًا.
وقد يفهم اقتصاره على (الأقط) أنه لا يجزئ الجبن الذي لم ينزع زبده، واللبن، والمذهب: إجزاؤهما، بخلاف المنزوع زبده.
(وتجب من قوت بلده) كالكفارة، قال في "البسيط" و"الوسيط": والمعتبر: غالب قوت البلد وقت وجوب الفطرة لا في جميع السنة، وقال في "الوجيز": غالب قوت يوم الفطر، قال الرافعي: وهذا التقييد لم أظفر به في كلام غيره، قال في "شرح المهذب": وهو غريب كما قال، والصواب: أن المراد: قوت السنة، كما سنوضحه، ثم بسط ذلك، قال في "المهمات": وحاصله -يعني: ما في "شرح المهذب"-: تصحيح اعتبار الغلبة في وقت من أوقات السنة، قال: وتقييد "الوسيط" ذكره أيضًا في "الذخائر"، وهو القياس.
انتهى 132
(وقيل: قوتِه) لأنها تابعة للمؤنة وواجبة في الفاضل عنها، فكانت منها، وكما تعتبر في الزكاة ماشيته، والمراد بـ (قوته) هو: اللائق به، لا ما يأكله بخلًا أو تنعمًا على الأصح.
الجزء: 1 - الصفحة: 529
وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الأَقْوَاتِ، وَيُجْزِئُ الأَعْلَى عَنِ الأَدْنَى، وَلَا عَكْسَ، وَالاعْتِبَارُ بِالْقِيمَةِ فِي وَجْهٍ، وَبِزِيَادَةِ الاقْتِيَاتِ فِي الأَصَحِّ، فَالْبُرُّ خَيْر مِنَ التَّمْرِ وَالأَرُزِّ، وَالأَصحُّ: أَنَّ الشَّعِيرَ خَيْرٌ مِنَ التَّمْرِ، وَأَنَّ التَّمْرَ خَيْر مِنَ الزَّبِيبِ. وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ قُوتٍ، وَعَنْ قَرِيبهِ أَعْلَى مِنْهُ. وَلَا يُبَعَّضُ الصَّاعُ. وَلَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ أَقْوَات لَا غَالِبَ فِيهَا .. تَخَيَّرَ، وَالأَفضَلُ أَشْرَفُهَا
(وقيل: يتخير بين الأقوات) لظاهر حديث أبي سعيد الخدري: (صاعًا من طعام، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير) 133، وأجاب الأول: بأن (أو) فيه للتنويع.
(ويجزئ الأعلى عن الأدنى) لأنه زاد خيرًا، (ولا عكس) لما فيه من الإضرار بالمستحقين.
(والاعتبار) في الأعلى والأدنى (بالقيمة في وجه) رفقًا بالمساكين (وبزيادة الاقتيات في الأصح) لأنه المقصود، ثم فرع عليه فقال:
(فالبر خير من التمر والأرُزِّ) لأنه أقوت منهما، (والأصح: أن الشعير خير من التمر) لأنه أبلغ في الاقتيات، (وأن التمر خير من الزبيب) لما ذكرناه، والثاني: أن التمر خير من الشعير، وأن الزبيب خير من التمر؛ نظرًا إلى القيمة، وأخذ من كلامه: أن الشعير خير من الزبيب من باب أولى.
(وله أن يخرج عن نفسه من قوت، وعن قريبه أعلى منه) لأنه زاد خيرًا.
(ولا يبعّض الصاع) المخرج عن الشخص الواحد؛ بأن يخرج بعضه من الغالب وبعضه من الأعلى؛ كما لا يجوز في كفارة واحدة أن يطعم خمسة ويكسو خمسة.
(ولو كان في بلد أقوات لا غالب فيها .. تخير) إذ ليس تعيين البعض بأولى من تعيين الآخر.
(والأفضل: أشرفها) لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ولو كانوا في بلد لا قوت لهم فيها .. أخرجوا من قوت أقرب البلاد إليهم؛ فإن استوى بلدان .. تخيروا الأفضل الأعلى.
الجزء: 1 - الصفحة: 530
وَلَوْ كَانَ عَبْدُهُ بِبَلَدٍ آخَرَ .. فَالأَصَحّ: أَنَّ الاعْتِبَارَ بِقُوتِ بَلَدِ الْعَبْدِ. قُلْتُ: الْوَاجِبُ الْحَبّ السَّلِيمُ، فَلَوْ أَخْرَجَ مِنْ مَالِهِ فِطْرَةَ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ الْغَنِيِّ .. جَازَ كَأَجْنَبِيٍّ أَذِنَ، بِخِلَافِ الْكَبِيرِ،
(ولو كان عبده ببلد آخر .. فالأصح: أن الاعتبار بقوت بلد العبد) بناء على أنها وجبت على العبد ثم تحملها السيد، والشيء لا يتحمل إلا كما وجب، والثاني: الاعتبار ببلد السيد؛ بناء على أنها وجبت عليه ابتداء.
(قلت: الواجب: الحبّ) فلا تجزئ القيمة قطعًا، ولا الدقيق والسويق والخبز؛ لأن الحبّ يصلح لما لا تصلح هذه الثلاثة، (السليم) فلا يجزئ المعيب بسُوس ونحوه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ واستثنى القاضي: ما إذا لم يكن له سواه وهو يقتاته، حكاه عنه في "الكفاية" وأقره، ثم قال: وعلى هذا: ينبغي أن يخرج من المُسوِّس قدرًا يتحقق أن حبه يملأ الصاع؛ كما سبق نقله في الأَقِط 134.
(فلو أخرج من ماله فطرةَ ولده الصغير الغني .. جاز) لأنه مستقلّ بتمليكه، فكأنه مَلّكه ذلك ثم أخرجه عنه، والجد كالأب، والمجنون كالصغير، أما الوصي والقيّم .. فلا يجوز لهما ذلك إلا بإذن القاضي؛ كما جزم به في "شرح المهذب" 135؛ لأن اتحاد المُوجِب والقابل يختص بالأب والجد.
وقضية إطلاق المصنف: أنه لا فرق في الأب بين أن يلي المال أم لا، وقضية التعليل: أنه مختص بمن يلي المال؛ فإن لم يكن لعدم الأهلية .. فيكون كالأجنبي.
(كأجنبي أَذن) كما لو قال لغيره: (اقض ديني) فإن لم يأذن له .. لم يجزه قطعًا؛ لأنها عبادةٌ مفتقرة إلى النية.
(بخلاف الكبير) فإنه لا بد من إذنه؛ لعدم استقلاله بتمليكه، وقيده في "شرح المهذب" بالرشيد 136؛ فأفهم أن السفيه كالصغير، وفيه نظر؛ لأنه من أهل قبول الهبات بغير إذن الولي على الصحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 531
وَلَوِ اشْتَرَكَ مُوسِرٌ وَمُعْسِرٌ فِي عَبْدٍ .. لَزِمَ الْمُوسِرَ نِصْفُ صَاعٍ، وَلَوْ أَيْسَرَا وَاخْتَلَفَ وَاجِبُهُمَا .. أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ وَاجِبِهِ فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(ولو اشترك موسر ومعسر في عبد) والمعسر محتاج إلى خدمته بحيث لا يُكلَّف بيعَه؛ كما سبق ( .. لزم الموسر نصف صاع) إذا كانت حصته منه النصف؛ لأنه الواجب عليه.
(ولو أيسرا) أي: السيدان (واختلف واجبهما) لاختلاف قوت بلدهما؛ بأن كان السيدان في بلدين مختلفي القوت ( .. أخرج كلُّ واحد نصفَ صاع من واجبه في الأصح، والله أعلم) لأنهما إذا أخرجا هكذا .. أخرج كلُّ واحد منهما جميعَ واجبه من جنس واحد، والثاني: لا يجزئ التبعيض؛ لأن المخرج عنه واحد، بل يخرجان من أدنى القوتين؛ لما في تكليف أعلاهما من الحرج على الشريك، والثالث: من أعلاهما؛ نظرًا للفقراء، والرابع: من قوت بلد العبد؛ لأنه طُهْر له.
واعلم: أن الأوجه الثلاثة الأُوَلَ مفرعة على أن الفطرة تجب ابتداء على المُخرِج؛ فإن قلنا: بالتحمل، وهو الأصحُّ .. تعين الرابع، كذا صرح به الرافعي بعد أن صحح كما صحح المصنف، لكنه في "الروضة" أهمل هذا التفريع نسيانًا، وجعلها مسألة مستقلة، فحصل ما حصل، ثم أخذ من "الروضة" إلى زيادة "المنهاج" وإلى "التصحيح"، وقد ذكره في "شرح المهذب" على الصواب، وكيف يستقيم ما في "الكتاب" مع قوله أولًا: (فالأصح: أن الاعتبار بقوت بلد العبد)، نبه عليه الإسنوي 137.
الجزء: 1 - الصفحة: 532
باب من تلزمه الزكاة، وما تجب فيه
شَرْطُ وُجُوبِ زَكَاةِ الْمَالِ: الإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَتلزَمُ الْمُرْتَدَّ إِنْ أَبْقَيْنَا مِلْكَهُ، دُونَ الْمُكَاتبَ. وَتَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ،
(باب من تلزمه الزكاة، وما تجب فيه)
أي: شروط من تجب عليه، وشروط المال الذي تجب فيه.
(شرط وجوب زكاة المال) السالفِ ذكرُه، وهو: الحيوان والنبات والنقدان والمعدن والركاز والتجارة (الإسلامُ) فلا تجب على كافر أصلي؛ بمعنى: أنه لا يطالب بها في حال كفره، ولا بعد إسلامه، أما أصل الوجوب المقتضي للعقاب .. فعلى الخلاف في تكليفه بالفروع، (والحرية) فلا زكاة على قِنٍّ ولو مدبرًا، وأم ولد؛ لعدم مِلكه.
(وتلزم المرتدّ إن أبقينا مِلكه) مؤاخذةً له بحكم الإسلام، فإن قلنا بزواله .. فلا تلزمه، أو موقوف .. فموقوف.
وصورة المسألة: إذا مضى عليه حول في الردة أو ارتدّ قبل تمامه بساعة ولم يُقتل، أو لم يسلم إلا بعد انقضاء الحول، فلو قتل في أثنائه .. فلا زكاة، أما إذا وجبت الزكاة، ثم ارتدّ .. أُخذت من ماله بالاتفاق، كما قاله في "شرح المهذب" 138.
(دون المكاتب) لضعف مِلكه، ولم يكن به حاجة إلى هذا؛ لأنه عُلم من اشتراط الحرية.
ويشترط أيضًا: كون المالك معينًا، فلا زكاة في الموقوف على جهة عامة بخلاف المعيَّن، وكونه متيقن الوجود، فلا زكاة في مال الحمل بإرث أو وصية على الأصحِّ.
(وتجب في مال الصبي والمجنون) لحديث: "ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيتامَى لَا تَسْتَهْلِكْهَا الصَّدَقَةُ" رواه الشافعي مرسلًا 139، وقد اعتضد بقول خمسة من الصحابة رضي الله عنهم؛ كما قاله الإمام أحمد، وبالقياس على زكاة المُعشَّرات وزكاة الفطر،
الجزء: 1 - الصفحة: 533
وَكَذَا مَنْ مَلَكَ بِبَعْضِهِ الْحُرِّ نِصَابًا فِي الأَصَحِّ، وَفِي الْمَغْصُوبِ وَالضَّالِّ وَالْمَجْحُودِ فِي الأَظْهَرِ، وَلَا يَجِبُ دَفْعُهَا حَتَّى يَعُودَ،
فإن الخصم -وهو أبو حنيفة- قد وافق عليهما.
وهل يقال: وجبت عليهما في مالهما والولي مخاطب بالأداء؛ كنفقة الأقارب، أو لا يجب عليهما وإنما تجب في مالهما والولي مخاطب بأدائها؟ وجهان في "الكفاية"، والأصحُّ: أنها تجب عليهما، والولي مخاطب بالأداء؛ كنفقة الأقارب 140.
قال القفال في "فتاويه": والاحتياط لقيِّم الصبي إذا كان حنفيًا: أن يحبس زكاته حتى يبلغ فيخبره، ولا يخرجها فيغرمه الحاكم.
(وكذا من ملك ببعضه الحرِّ نصابًا في الأصح) لتمام مِلكه عليه، ولهذا قال الشافعي: يُكَفِّر كالموسر 141، وتلزمه زكاة الفطر بقدر ما فيه من الحرية، والثاني: لا؛ لنقصانه بالرقِّ، كالمكاتب.
(وفي المغصوب والضالّ والمجحود في الأظهر) لملك النصاب وتمام الحول، والثاني: لا؛ لامتناع النماء والتصرف، فأشبه مال المكاتب، لا تجب فيه الزكاة على السيد، وقيل: إن عاد بالنماء؛ كالسائمة .. وجبت، وإلا؛ كالنقد .. فلا.
ومن أمثلة القولين: المسروق، وما إذا وقع في بحر ونحوه، وما دفنه ثم نسي مكانه.
وشرط المغصوب والمجحود: ألَّا يكون له به بينة، فإن كان .. وجب الإخراج قطعًا؛ لأنه مقصِّر، وكذلك إذا علم القاضي به وقلنا: يقضي بعلمه، قاله الرافعي 142.
(ولا يجب دفعها حتى يعود) أي: المغصوب وغيره مما تقدم، لعدم التمكن قبله، فإذا عاد .. زكَّاه للأحوال الماضية، بشرط كون الماشية: سائمة عند المالك
الجزء: 1 - الصفحة: 534
وَالْمُشْتَرَى قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ. وَتَجِبُ فِي الْحَالِ عَنِ الْغَائِبِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا .. فَكَمَغْصُوبٍ. وَالدَّيْنُ إِنْ كَانَ مَاشِيَةً، أَوْ غَيْرَ لَازِمٍ كَمَالِ كِتَابَةٍ .. فَلَا زَكَاةَ،
والغاصب، وألَّا ينقص النصاب بما يجب إخراجه؛ فإن كان نصابًا فقط وليس عنده من جنسه ما يُعوّض قدرَ الواجب .. لم تجب زكاة ما زاد على الحول الأول.
(والمشترى قبل قبضه) أي: تجب فيه الزكاة قطعًا إذا مضى عليه حول من حين دخوله في مِلكه لا من الشراء؛ لتمكنه من قبض المبيع بدفع الثمن 143، (وقيل: فيه القولان) في المغصوب ونحوه؛ لأن التصرف فيه لا يصح.
(وتجب في الحال عن الغائب إن قَدَرَ عليه) لأنه كالمال الذي في صندوقه، ويجب أن يخرج في بلد المال إن منعنا نقل الزكاة، هذا إذا كان المال مستقرًا في بلد، فإن كان سائرًا .. لم تُخرج زكاته حتى يصل إليه، نقلاه عن صاحب "العدة"، وأقراه، وقاله الماوردي أيضًا 144.
(وإلا) أي: وإن لم يقدر عليه؛ لانقطاع الطريق ونحوه ( .. فكمغصوب) فيأتي فيه ما سلف؛ لعدم القدرة في الموضعين.
(والدين إن كان ماشيةً) بأن أقرضه أربعين من الغنم، أو أسلم إليه فيها، ومضى عليه حول قبل قبضه.
(أو غير لازم؛ كمال كتابةٍ .. فلا زكاة) لأن علة الزكاة في الماشية النماءُ ولا نماء فيها في الذمة، بخلاف النقد؛ فإن العلة فيه كونه نقدًا وهو حاصل، ولأن السوم شرط، وما في الذمة لا يتصف بالسوم، وأما دين الكتابة .. فلكونه غير لازم، كما ذكره المصنف 145؛ إذ للعبد إسقاطه متى شاء بتعجيز نفسه.
الجزء: 1 - الصفحة: 535
أَوْ عَرْضًا أَوْ نَقْدًا .. فَكَذَا فِي الْقَدِيمِ، وَفِي الْجَدِيدِ: إِنْ كَانَ حَالًّا وَتَعَذَّرَ أَخْذُهُ لإِعْسَارٍ وَغَيْرِهِ .. فَكَمَغْصُوبٍ، وَإِنْ تَيَسَّرَ .. وَجَبَ تَزْكِيَته فِي الْحَالِّ. أَوْ مُؤَجَّلًا .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَمَغْصُوبٍ، وَقِيلَ: يَجِبُ دَفْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهِ. وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَهَا فِي أَظْهَرِ الأَقْوَالِ،
(أو عرضًا) للتجارة (أو نقدًا .. فكذا في القديم) أي: لا زكاة فيه؛ إذ لا ملك فيه حقيقة، فأشبه دين المكاتب، (وفي الجديد: إن كان حالًّا وتعذر أخذه لإعسار وغيره) كغيبة ومطل وجحود، ولا بينة ( .. فكمغصوب) فيأتي فيه الخلاف السالف، فلو كان مُقَرًّا له في الباطن .. وجبت الزكاة دون الإخراج قطعًا، قاله في "الشامل".
(وإن تيسر) بأن كان على مقرٍّ مليء باذل، أو جاحد وبه بينة، أو يعلمه القاضي وقلنا: يقضي بعلمه ( .. وجبت تزكيته في الحال) لأنه مقدور على قبضه؛ فهو كالمودع.
(أو مؤجلًا .. فالمذهب: أنه كمغصوب) فيجيء فيه ما سلف؛ لأنه لا يتوصل إلى التصرف فيه قبل الحلول، وقيل: تجب الزكاة قطعًا، وقيل: عكسه.
ومثار الخلاف: أن الدين مملوك أم لا؟ وفيه خلاف، وإذا قلنا بالمِلك .. فتصرفه فيه متعذر.
(وقيل: يجب دفعها قبل قبضه) كالغائب الذي يسهل إحضاره، والأصحُّ: الأول؛ لأن المؤجل إذا كان مثلًا مئتين .. فلا سبيل إلى القناعة بما دون الخمسة، ولا إلى التكليف بالخمسة؛ لأن الخمسة نقدًا أكثر منها نسيئة.
قال السبكي: وينبغي أن يكون المراد بقولهم: (قبل قبضه): قبل حلوله؛ فإن محل الخلاف: إذا كان الدين على مليء مُقِرّ، ولا مانع سوى الأجل، وحينئذ فمتى حلَّ .. وجب الإخراج قبض أم لم يقبض.
(ولا يمنع الدينُ وجوبَها في أظهر الأقوال) لإطلاق النصوص الموجبة، والثاني: يمنع؛ لأن الزكاة حقّ يجب في الذمة بوجود مال، فمنع الدينُ وجوبها كالحج.
ومحل الخلاف: ما إذا لم يزد المال على الدين، فإن زاد وكان الزائد نصابا ..
الجزء: 1 - الصفحة: 536
وَالثَّالِثُ: يَمْنَعُ فِي الْمَالِ الْبَاطِنِ، وَهُوَ النَّقْدُ وَالْعَرْضُ. فَعَلَى الأَوَّلِ: لَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِدَيْنٍ، فَحَالَ الْحَوْلُ فِي الْحَجْرِ .. فَكَمَغْصُوبٍ. وَلَوِ اجْتَمَعَ زَكَاةٌ وَدَيْنُ آدَمِيٍّ فِي تَرِكَةٍ .. قُدِّمَتْ، وَفِي قَوْلٍ: الدَّيْنُ، وَفِي قَوْلٍ: يَسْتَوِيَانِ
وجبت زكاتُه قطعًا، ومحله أيضًا: ما إذا لم يكن له من غير المال الزكوي ما يقضي به الدين، فإن كان .. لم يمنع قطعًا.
(والثالث: يمنع في المال الباطن، وهو النقد والعرض) دون الظاهر، وهو المواشي، والزروع والثمار، والمعادن، والفرق: أن الظاهر ينمو بنفسه، أو هو نماء في نفسه، والباطنَ ليس كذلك، وإنما ألحق بالنامي؛ لاستعداده للاسترباح بالتصرف فيه وإخراجه، والدين يمنع من ذلك.
والتعبير بـ (النقد) مخرج غير المضروب؛ فالصواب: التعبير بـ (الذهب والفضة).
(فعلى الأول) وهو أن الدين لا يمنع الوجوب (لو حُجر عليه لدين، فحال الحول في الحجر .. فكمغصوب) لأنه حيل بينه وبين ماله؛ لأن الحَجْر مانع من التصرف.
هذا إذا لم يُفرّق القاضي ماله، ولا عَيّن لكل واحد شيئًا من المال بدينه؛ لأن الحَجْر منعه التصرف فأشبه المغصوب، أما إذا عيَّن لكل واحد شيئًا من مال المفلس بحسب التقسيط، وأذن له في أخذه، فحال الحول قبل أخذه .. فنقل الرافعي هنا عن قطع المعظم بأنه لا زكاة؛ لضعف مِلكه، فلو فَرَّق القاضي ماله بين الغرماء .. فقد زال ملكه، فلا زكاة عليه قطعًا 146.
(ولو اجتمع زكاة ودين آدمي في تركة .. قُدمت) لتعلُّقها بالعين، وفي الخبر: "فَدَيْنُ الله أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ" 147، ولأن مَصرِفها أيضًا إلى الآدميين، فقدمت؛ لاجتماع الأمرين فيها، (وفي قول: الدين) لأن حقوق الآدميين مبنية على المضايقة، (وفي قول: يستويان) فيوزع المال عليهما؛ لأن الحقّ المالي المضاف إلى الله تعالى يعود إلى الآدميين أيضًا، وهم المنتفعون به.
الجزء: 1 - الصفحة: 537
وَالْغَنِيمَةُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ إِنِ اخْتَارَ الْغَانِمُونَ تَمَلُّكَهَا وَمَضَى بَعْدَهُ حَوْلٌ، وَالْجَمِيعُ صِنْفٌ زَكَوِيّ، وَبَلَغَ نَصِيبُ كُلِّ شَخْصٍ نِصَابًا، أَوْ بَلَغَهُ الْمَجْمُوعُ فِي مَوْضِعِ ثبُوتِ الْخُلْطَةِ .. وَجَبَتْ زَكَاتُهَا، وَإِلَّا .. فَلَا. وَلَوْ أَصْدَقَهَا نِصَابَ سَائِمَةٍ مُعَيَّنًا .. لَزِمَهَا زَكَاتُهُ إِذَا تَمَّ حَوْلٌ مِنَ الإِصْدَاقِ. وَلَوْ أَكْرَى دَارًا أَرْبَعَ سِنِينَ بِثَمَانِينَ دِينَارًا وَقَبَضَهَا .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ إِلَّا زَكَاةَ مَا اسْتَقَرَّ، فَيُخْرِجُ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ الأُولَى زَكَاةَ عِشْرِينَ لِسَنَةٍ،
ويجري الخلاف في اجتماع حقّ الله تعالى مطلقًا مع الدين، فيدخل في ذلك الحج، وجزاء الصيد، والكفارة، والنذر " كما صرح به في "شرح المهذب" 148.
نعم؛ يستثنى: اجتماع الجزية والدين، فإن الأصحَّ: استواؤهما، مع أن الجزية حقّ الله تعالى.
(والغنيمة قبل القسمة) وبعد الحيازة (إن اختار الغانمون تملّكها، ومضى بعده حولٌ، والجميع صنفٌ زكويّ، وبلغ نصيب كلّ شخص نصابًا، أو بلغه المجموع في موضع ثبوت الخُلطة .. وجبت زكاتها) كسائر الأموال، (وإلا) أي: وإن لم يختاروا التملك، أو اختاروا ولم يمض حول، أو مضى وهي أصناف، أو صنف غير زكوي، أو لم يبلغ نصيب كل واحد نصابًا، ولم يوجد شرط الخُلطة ( .. فلا) زكاة؛ لعدم المِلك، أو ضعفه عند عدم اختيار التملّك، بدليل أنها تسقط بمجرد الإعراض، ولعدم معرفة كلّ واحد ما يحصل له، وما مقداره عند تعدد الأصناف.
(ولو أصدقها نصاب سائمة مُعيَّنًا) وعلمت بسومها ( .. لزمها زكاته إذا تمّ حولٌ من الإصداق) سواء استقر بالدخول والقبض أم لا؛ لأنها ملكته بالعقد.
وخرج بالمعين: ما في الذمة، لأن ما في الذمة لا يتصف بالسوم؛ كما مرّ.
(ولو أكرى دارًا أربع سنين بثمانين دينارًا، وقبضها .. فالأظهر: أنه لا يلزمه أن يخرج إلا زكاة ما استقرَّ) لضعف المِلك قبل الاستقرار، لتعرضه للسقوط بانهدام الدار.
(فيُخرج عند تمام السنة الأولى زكاةَ عشرين لسنة) وهو نصف دينار؛ لأنها التي استقرَّ عليها مِلكه الآن.
الجزء: 1 - الصفحة: 538
ولِتَمَامِ الثَّانيَةِ زَكَاةَ عِشْرِينَ لِسَنَةٍ، وَعِشْرِينَ لِسِنَتَيْنِ، وَلِتَمَامِ الثَّالِثَةِ زَكَاةَ أَرْبَعِينَ لِسَنَةٍ وَعِشْرِينَ لِثَلَاثِ سِنِينَ، وَلِتَمَامِ الرَّابِعَةِ زَكَاةَ سِتِّينَ لِسَنَةٍ وَعِشْرِينَ لِأرْبَعٍ، وَالثَّانِي: يُخْرِجُ لِتَمَامِ الأُولَى زَكَاةَ الثَّمَانِينَ.
(ولتمام الثانية زكاةَ عشرين لسنة، وعشرين لسنتين) لأنه استقرَّ مِلكه على أربعين دينارًا، وكانت في مِلكه سنتين، ففيها ديناران، فيسقط منها ما أخرجه في السنة الأولى، وهو نصف دينار فيبقى عليه دينار ونصف.
(ولتمام الثالثة زكاةَ أربعين لسنة، وعشرين لثلاث سنين) لأنه استقرَّ مِلكه على ستين ثلاثَ سنين، وفيها أربعة دنانير ونصف، فيسقط منها ما أخرجه في الحولين، وهو ديناران فيبقى عليه ديناران ونصف.
(ولتمام الرابعة زكاةَ ستين لسنة، وعشرين لأربع) لأنه استقرَّ مِلكه على الثمانين، وكان يملكها أربع سنين، وفيها ثمانية دنانير، فيسقط منها ما أخرجه قبل ذلك، وهو أربعة دنانير ونصف، فيخرج الباقي وهو ثلاثة ونصف.
(و) القول (الثاني: يُخرج لتمام الأولى زكاةَ الثمانين) لأنه ملكها مِلكًا تامًّا؛ بدليل أنه لو كانت الأجرة جارية .. حلَّ له وطؤها، واحتمال سقوطها بالانهدام لا يقدح؛ كما في الصداق قبل الدخول.
وفرق الأول بين الأجرة والصداق: بأن الأجرة تجب في مقابلة المنافع، فينفسخ العقد بفواتها، والصداقَ ليس في مقابلتها؛ بدليل استقراره بموتها قبل الدخول.
وقضية حكايته الخلاف في الإخراج: أن الوجوب ثابت قطعًا، وهو المرجَّح، ومنهم من طرده في الوجوب.
وقوله: (وقبضها) ذكره لأجل الخلاف فقط، فإنه إذا لم يقبضها؛ فإن كانت في الذمة .. ففيها الخلاف في الدين، وإن كانت معينة .. فكالمبيع قبل القبض، والصحيح في الحالتين: وجوب الزكاة.
ومحل ما ذكره: إذا كان الإخراج من غيره؛ فإن كان من عينه .. نقص الواجب في السنة الثانية وما بعدها بقدر واجب ما أخرجه، ولا يخفى أن المثال فيما إذا كانت أجرة السنتين متساوية، فإن كانت متفاوتة .. زاد القدر المستقرّ في بعض السنين، ونقص في بعضها.
الجزء: 1 - الصفحة: 539
فَصْلٌ [في أداء الزكاة]
تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْفَوْرِ إِذَا تَمَكَّنَ، وَذَلِكَ بِحُضُورِ الْمَالِ وَالأَصْنَافِ. وَلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ بِنَفْسِهِ زَكَاةَ الْمَالِ الْبَاطِنِ، وَكَذَا الظَّاهِرُ عَلَى الْجَدِيدِ، وَلَهُ التَّوْكِيلُ،
(فصل: تجب الزكاة) أي: أداؤها (على الفور إذا تمكَّن) بعد الحول (وذلك) أي: التمكن (بحضور المال والأصناف) للأمر بإيتاء الزكاة، مع حاجة المستحقين الدالة على الطلب، فيتحقق الوجوب في الحال.
نعم؛ لو أخَّر لانتظار قريب أو جار أو أحوج أو أصلح .. جاز على الأصحِّ، بشرط: عدم شدة ضرر الحاضرين، لكن يضمن إن تلف المال على الأصحِّ.
ويشترط في إمكان الأداء أيضًا: ألَّا يكون مشتغلًا بشيء يهمه من أمر دينه أو دنياه، قاله البغوي، وأقرَّاه 149.
(وله أن يؤدي بنفسه زكاة المال الباطن) وهو النقد، والعرض، والركاز، وزكاة الفطرة بالإجماع؛ كما قاله في "شرح المهذب" 150.
(وكذا الظاهر) وهو المواشي، والزروع، والثمار، والمعادن (على الجديد) قياسًا على الباطن، والقديم: وجوب الدفع إلى الإمام أو نائبه؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية، وظاهره: الوجوب، وإذا لزم الأخذ .. لزم المالك الدفع، وخالف الباطن؛ لأن للناس غرضًا في إخفاء أموالهم، ولا ينبغي تفويت ذلك عليهم، والظاهر لا يطلب إخفاؤه، ولا فرق في جريان الخلاف بين العادل وغيره على الأصح.
ومحل الخلاف: إذا لم يطلب الإمام، فإن طلب .. وجب الدفع إليه بلا خلاف؛ كما في "الروضة"، و"شرح المهذب" 151.
(وله التوكيل) في التفرقة حيث يجوز له التفرقة بنفسه؛ لأنه حقّ مالي فجاز التوكيل في أدائه؛ كحقوق الآدميين.
الجزء: 1 - الصفحة: 540
وَالصَّرْفُ إِلَى الإِمَامِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الصَّرْفَ إِلَى الإِمَامِ أَفْضَلُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَائِرًا. وَتَجِبُ النِّيَّةُ، فَيَنْوِي: (هَذَا فَرْضُ زَكَاةِ مَالِي)، أَوْ (فَرْضُ صَدَقَةِ مَالِي)، وَنَحْوَهُمَا، وَلَا يَكْفِي: (فَرْضُ مَالِي)،
وقضية إطلاقه: جواز توكيل الكافر والصبي، وهو كذلك؛ كما صرح به الرافعي في (الأضحية)، لكن ذكر الروياني في "البحر" أنه يشترط في الكافر والصبي: تعيين المدفوع إليه، وذكر البغوي مثله في الصبي، ولم يتعرض للكافر 152.
(والصرف إلى الإمام) لأنه نائب المستحقين، فجاز الدفع إليه؛ كولي اليتيم.
(والأظهر: أن الصرف إلى الإمام أفضل) لأنه أعرف بالمستحقين، وأقدر على التفرقة، (إلا أن يكون جائرًا) فالأفضل: أن يفرق بنفسه؛ لأن الجائر قد لا يعطيها لمستحقها، والثاني: الأفضل: الصرف إليه مطلقًا، والثالث: الأفضل: تفرقته بنفسه مطلقًا؛ ليخص الأقارب ونحوهم، وينال أجر التفريق.
ومحل الخلاف: في الأموال الباطنة؛ أما الظاهرة .. فدفعها إلى الإمام إذا كان عادلًا أفضلُ قطعًا؛ للخروج من الخلاف، وقيل: على الخلاف، وصحح في "شرح المهذب" استحباب صرف الظاهر إليه وإن كان جائرًا 153.
(وتجب النية) للخبر المشهور 154، والاعتبار فيها بالقلب (فينوي: هذا فرض زكاة مالي، أو فرض صدقة مالي ونحوهما) كزكاة مالي المفروضة، أو الصدقة المفروضة.
وقضية كلامه: اشتراط نية الفرضية مع نية الزكاة، وليس كذلك، بل الصحيح في "الروضة": القطع بعدم الاشتراط؛ لأنها لا تكون إلا فرضًا، وبهذا خالفت الصلاة 155.
(ولا يكفي فرض مالي) لأن ذلك يصدق على الكفارة، والنذر، وغيرهما،
الجزء: 1 - الصفحة: 541
وَكَذَا الصَّدَقَةُ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَالِ، وَلَوْ عَيَّنَ .. لَمْ يَقَعْ عَنْ غَيْرِهِ. وَتلزَمُ الْوَليَّ النّيَّةُ إِذَا أَخْرَجَ زَكَاةَ الصَبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. وَتَكْفِي نِيَّةُ الْمُوَكِّلِ عِنْدَ الصَّرْفِ إِلَى الْوَكِيلِ فِي الأَصَحِّ،
(وكذا الصدقة في الأصح) لصدقها على صدقة التطوع، والثاني: يكفي؛ لأنها قد عُهدت في القرآن لأداء الزكاة؛ كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية.
وقوله: (الصدقة) كذا في "الشرحين" و"الروضة" و"الكفاية" 156، لكن في "شرح المهذب": لو نوى الصدقة فقط .. لم يجزه على المذهب، وبه قطع الجمهور، وحكى الرافعي فيه وجها ضعيفًا، ولو نوى صدقة ماله، أو صدقة المال .. فوجهان: أصحهما: لا يجزيه 157.
والفرق بين المسألتين: أن الصدقة تطلق على غير المال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "فَكُلُّ تَكْبيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَة" 158.
(ولا يجب تعَيين المال) المخرج عنه؛ كالكفارات، فلو كان له خَمس من الإبل، وأربعون شاة، فأخرج شاة ناويًا للزكاة، ولم يعين بقلبه أحد النوعين .. جاز، وعَيَّنه لما شاء.
(ولو عين .. لم يمع عن غيره) ولو بان المعين تالفًا؛ لأنه لم ينو ذلك الغير؛ فإن نوى أنه إن بان ذلك المعيَّن تالفًا فعن غيره .. وقع عن ذلك الغير.
(وتلزم الولي النية إذا أخرج زكاة الصبي والمجنون) لأن النية واجبة، وقد تعذرت من المالك، فقام بها وليه؛ كالإخراج، والسفيه ملحق بهما؛ كما جزم به في "شرح المهذب"، وادعى الاتفاق عليه 159.
(وتكفي نية الموكل عند الصرف إلى الوكيل في الأصح) أي: عن نية الوكيل عند الصرف إلى المستحقين؛ لوجود النية من المخاطب بالزكاة مقارنة لفعله، والثاني: لا؛ كالحج.
الجزء: 1 - الصفحة: 542
وَالأَفْضَلُ أَنْ يَنْوِيَ الْوَكيلُ عِنْدَ التَّفرِيقِ أَيْضًا. وَلَوْ دَفَعَ إِلَى السُّلْطَانِ .. كَفَتِ النّيَّةُ عِنْدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ .. لَمْ يُجْزِ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنْ نَوَى السُّلْطَانُ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ تلزَمُ السُّلْطَانَ النِّيَّةُ إِذَا أَخَذَ زَكَاةَ الْمُمْتَنِعِ، وَأَنَّ نِيَّتَهُ تَكْفِي
وفرق الأول: بأن العبادة في الحج فعلُ النائب فوجبت النية منه، وهي هنا بمال المُوكِّل فكفت نيته، ولو عزل مقدار الزكاة، ونوى عند العزل .. جاز في الأصحِّ، ولو نوى الموكِّل وحده عند تفرقة الوكيل .. جاز قطعًا، وكذا لو لم ينو الموكل، لكن فوَّض النية إلى الوكيل فنوى إذا كان الوكيل أهلًا للنية لا كافرًا وصبيًّا.
(والأفضل: أن ينوي الوكيل عند التفريق أيضًا) للخروج من هذا الخلاف.
(ولو دفع إلى السلطان .. كلفت النية عنده) وإن لم ينو السلطان عند الصرف؛ لأنه نائب المستحقين، فالدفع إليه كالدفع إليهم.
(فإن لم ينو) عند الدفع إليه ( .. لم يُجْزِ على الصحيح وإن نوى السلطان) لأنه نائب المستحقين، ولو دفع المالك إليهم بلا نية .. لم يُجز فكذا نائبهم، والثاني: يجزيه؛ لأن العادة فيما يأخذه الإمام ويفرقه على الأصناف إنما هو الفرض، فأغنت هذه القرينة عن النية، وهذا هو المنصوص عليه في "الأم"، [وظاهر نص "المختصر"] 160، وقطع به كثير من العراقيين 161، وحينئذ فلا يحسن التعبير بـ (الصحيح).
(والأصح: أنه تلزم السلطانَ النيةُ إذا أخذ زكاة الممتنع، وأن نِيَّته) أي: السلطان (تكفي) عن نية الممتنع؛ لأنَّ الممتنع مقهور يقوم غيره مقامه في إعطاء المستحقين، فقام مقامه في وجوب النية، وفي الاكتفاء بها؛ كولي المحجور عليه، والثاني: لا يلزمه، ولا تكفي، لأن التقصير من المالك في تركه ما يعتدّ به، فإن أراد براءة ذمته بما أخذ له .. فينوي.
ومحل الخلاف: في الاكتفاء بنية السلطان في إسقاط الفرض باطنًا، أما الاكتفاء ظاهرًا بمعنى أنه لا يطالب بها ثانيًا .. فلا خلاف فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 543
فصلٌ [في تعجيل الزكاة]
لَا يَصِحُّ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ، وَيَجُوزُ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَلَا تُعَجَّلُ لِعَامَيْنِ فِي الأَصَحِّ
(فصل: لا يصح تعجيل الزكاة على مِلك النصاب) لفقد سبب الوجوب وهو المال الزكوي، فأشبه أداء الثمن قبل البيع، وهذا في الزكاة العينية، أما زكاة التجارة؛ كما إذا اشترى عَرْضًا قيمته مئة، فعجل عن مئتين، وحال الحول، وهو يساويها .. فإنه يجوز في الأصحِّ، لأن النصاب في التجارة معتبر بآخر الحول.
ولو ملك مئة وعشرين شاة، فعجّل عنها شاتين، ثم حدثت سخلة قبل الحول .. فالأكثرون على ما صرح به في "الشرح الصغير"، واقتضاه كلام "الكبير": أنه لا يجزئ عن النصاب الذي كمل الآن، لما ذكرناه، وعموم كلام المصنف يدلّ عليه، وقيل: يجوز، وجزم به في "الحاوي الصغير" 162 لأن النتاج في أثناء الحول بمثابة الموجود في أوله.
(ويجوز قبل الحول) أي: بعد انعقاده وقبل تمامه؛ لأن العباس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تَحِلّ، فرخص له في ذلك، قال الحاكم: صحيح الإسناد 163.
ولأنه حقّ وجب بسببين، وهما: النصاب والحول، فجاز تقديمه على أحدهما، كتقديم كفارة اليمين على الحنث، فإن المخالفين قد وافقوا عليها.
(ولا تُعجَّل لعامين) فصاعدًا (في الأصح) لأن زكاة السنة الثانية لم ينعقد حولها، والتعجيل قبل انعقاد الحول لا يجوز؛ كالتعجيل قبل إكمال النصاب، والثاني: يجوز، لأنه روي أنه عليه السلام تسلف صدقة عامين، وأجاب البيهقي بأنه
الجزء: 1 - الصفحة: 544
وَلَهُ تَعْجِيلُ الْفِطْرَةِ مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ، وَالصَّحِيحُ: مَنْعُهُ قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَلَا الْحَبِّ قَبْلَ اشْتِدَادِهِ،
مرسل، وبأنه محمول على أنه تسلف مرتين 164.
وما صححه نقل الرافعي عن الأكثرين منهم معظم العراقيين، وصاحب "التهذيب"، لكن نقل في "المهمات" تصحيح الجواز عن الأكثرين وعن النص، وبسط ذلك بسطًا شافيًا، ثم قال: ولم أظفر بأحد صحح المنع إلا البغوي بعد الفحص البليغ والتتبع الشديد، قال: وقد حصل في كلام الرافعي هنا اختلاط في حال التصنيف، وانعكاس في النقل، وكان الصواب أن يقول: والأكثرون على تصحيح الجواز، ومنهم معظم العراقيين.
انتهى 165.
وإذا جوزنا .. فشرطه: أن يبقى بعد التعجيل نصاب كامل؛ كما إذا ملك اثنين وأربعين شاة فعجّل شاتين، فإن لم يبق؛ كما إذا ملك أربعين، أو إحدى وأربعين فعجّل منها شاتين .. فالأصحُّ: المنع.
(وله تعجيل الفطرة من أول رمضان) لأن التقديم بيوم أو يومين جائز باتفاق المخالف، فألحق الباقي به قياسًا بجامع إخراجها في جزء منه.
(والصحيح: منعه قبله) لأنه تقديم على السببين، وهما: رمضان والفطر، والثاني: يجوز؛ لأن وجود المخرج نفسه سبب.
وأجاب أبو الطيب بأن ما له ثلاثة أسباب لا يجوز تقديمه على اثنين منها؛ بدليل كفارة الظهار، فإن سببها الزوجية، والظهار والعود، ومع ذلك لا يقدم على الأخيرين.
(وأنه لا يجوز إخراج زكاة الثمر قبل بدوّ صلاحه، ولا الحبّ قبل اشتداده) لأن وجوبها بسبب واحد، وهو إدراك الثمار، فيمتنع التقديم عليه، والثاني: يجوز؛ كزكاة المواشي، والنقود قبل الحول.
الجزء: 1 - الصفحة: 545
وَيَجُوزُ بَعْدَهُمَا. وَشَرْطُ إِجْزَاءِ الْمُعَجَّلِ: بَقَاءُ الْمَالِكِ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ إِلَى آخِرِ الْحَوْلِ، وَكَوْنُ الْقَابِضِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ مُسْتَحِقًّا، وَقِيلَ: إِنْ خَرَجَ عَنِ الاسْتِحْقَاقِ فِي أَثناءِ الْحَوْلِ .. لَمْ يُجْزِئْهُ،
ومحل الخلاف: فيما بعد ظهوره، أما قبله .. فيمتنع قطعًا.
(ويجوز بعدهما) أي: بعد بدوّ الصلاح واشتداد الحبّ؛ لثبوت الوجوب وإن لم يلزم الإخراج، فهو تعجيل على وجوب الإخراج لا على أصل الوجوب؛ فهو أولى بالإجزاء من تعجيل الزكاة قبل الحول، والثاني: لا يجوز؛ للجهل بالقدر.
(وشرط إجزاء المعجَّل: بقاء المالك أهلًا للوجوب إلى آخر الحول) فلو مات، أو تلف ماله، أو باعه .. لم يكن المعجَّل زكاة، ويشترط أيضًا: بقاء المال إلى آخر الحول.
واعلم: أنه قد يبقى المال وأهلية المالك، لكن تتغير صفة الواجب؛ كما لو عجَّل بنت مخاض عن خمس وعشرين، فتوالدت قبل الحول حتى بلغت ستًّا وثلاثين 166 .. فلا يجزئ المعجَّل على الأصحِّ وإن صارت أيضًا بنت لبون في يد القابض، بل يستردها ويعيدها، أو يعطي غيرها.
(وكون القابض في آخر الحول مُستحِقًا) فلو خرج عن الاستحقاق؛ بأن تبين استحقاق الزكاة عند الحول لغيره؛ لحصول المال المؤدَّى عنه ببلد غير بلده عند الحلول؛ كأموال التجار أهل الأسفار، أو بخروجه عن الأهلية بموت، أو ردة .. لم يكن المدفوع مجزئًا؛ لخروجه عن الأهلية عند الوجوب، والقبضُ السابق إنما يقع عن هذا الوقت.
(وقيل: إن خرج عن الاستحقاق في أثناء الحول .. لم يجزئه) كما لو لم يكن عند الأخذ من أهله، ثم صار عند تمام الحول من أهله، والأصحُّ: الإجزاء؛ اكتفاء بالأهلية في طرفي الوجوب والأداء، وهنا حالة الأخذ غير متعد بخلاف تلك، وقد يفهم أنه لا بدّ من العلم بكونه مستحقًا في آخر الحول، فلو غاب عند الحول ولم تُعلم حياتُه، أو احتياجه .. لم يجزئه، لكن في "فتاوى الحَنَّاطي": الظاهر: الإجزاء،
الجزء: 1 - الصفحة: 546
وَلَا يَضُرُّ غِنَاهُ بِالزَّكَاةِ. وَإِذَا لَمْ يَقَعِ الْمُعَجَّلُ زَكَاةً .. اسْتَرَدَّ إِنْ كَانَ شَرَطَ الاسْتِرْدَادَ إِنْ عَرَضَ مَانِعٌ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ قَالَ: (هَذِهِ زَكَاتِي الْمُعَجَّلَةُ فَقَطْ) .. اسْتَرَدَّ،
وهو أقرب الوجهين في "البحر"، ولم يصرح الشيخان بالمسألة.
(ولا يضر غناه بالزكاة) المعجلة إما لكثرتها، أو توالدها ودَرِّها، أو التجارة فيها؛ لأنا إنما أعطيناه الزكاة ليستغني، فلا يصير ما هو المقصود مانعًا من الإجزاء، فإن استغنى بغيرها .. بان فساد القبض؛ لخروجه عن الأهلية عند الوجوب، ولو استغنى بالزكاة وبغيرها .. لم يضرّ أيضًا، ولو استغنى بزكاة أخرى معجلة أو غير معجلة .. قال الفارقي: فكما لو استغنى بغير الزكاة.
(وإذا لم يقع المعجَّل زكاةً .. استردَّ إن كان شَرَطَ الاسترداد إن عرض مانع) لأنه مال دفعه عمّا يستحقه القابض في المستقبل، فإذا عرض ما يمنع الاستحقاق .. استردّ؛ كما إذا عجَّل أجرة الدار، ثم انهدمت في المدة.
وأفهم: أنه ليس له الاسترداد قبل عروض المانع، وهو كذلك؛ لأنه تبرع بالتعجيل، فلم يكن له الرجوعُ فيه؛ كمن عجَّل دينًا مؤجَّلًا.
(والأصح: أنه إن قال: هذه زكاتي المعجَّلة فقط .. استردّ) لأنه عيَّن الجهة، فإذا بطلت .. رجع؛ كما سبق في تعجيل الأجرة، والثاني: لا؛ لأن العادة جارية بأن المدفوع إلى الفقير لا يستردّ؛ فكأنه ملكه بالجهة المعينة إن وجد شرطها، وإلا .. كان صدقة.
وكان ينبغي التعبير بـ (المذهب)، فإن الصحيح في "شرح المهذب" وغيره هو: القطع بالأول 167.
وقوله: (هذه زكاتي) يقتضي: أن محلّ الخلاف فيما إذا دفع المالك بنفسه، أما إذا فرق الإمام .. فيستردّ قطعًا إذا ذكر التعجيل، ولا حاجة إلى شرط الرجوع، وهو كذلك.
والخلاف جار فيما إذا لم يصرح بالتعجيل، ولكن علم به القابض، والأصحُّ: الاسترداد أيضًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 547
وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّعْجِيلِ وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْقَابِضُ .. لَمْ يَسْتَرِدَّ، وَأَنَّهُمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي مُثْبِتِ الاسْتِرْدَادِ .. صُدِّقَ الْقَابِضُ بِيَمِينِهِ. وَمَتَى ثبَتَ وَالْمُعَجَّلُ تَالِفٌ .. وَجَبَ ضَمَانُهُ، وَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ قِيمَةِ يَوْمِ الْقَبْضِ،
(وأنه إن لم يتعرض للتعجيل، ولم يعلمه القابض .. لم يستردّ) لتفريط الدافع، والثاني: يسترد؛ لأنه لم يقع الموقع، والثالث: إن كان المعطي هو الإمام .. رجع، وإن كان هو المالك .. فلا؛ لأن الإمام يعطي مال الغير، فلا يمكن وقوعه تطوعًا، ولا تهمة أيضًا في استرداده، بخلاف المالك، وهذا هو المنصوص، وصححه في "الكفاية"، واقتضى كلام الرافعي: أن الأكثرين عليه 168.
واحترز بقوله: (ولم يعلمه القابض) عما إذا علمه، وقد تقدم.
(وأنهما لو اختلفا في مُثبِت الاسترداد) وهو التصريح بالرجوع عند عروض مانع، أو في ذكر التعجيل على الوجه الأصح ( .. صدق القابض بيمينه) لأن الأصل عدمُ الاشتراط، والغالب: كون الأداء في الوقت، والثاني: وهو الأصحُّ في "شرح المهذب": تصديق الدافع؛ لأنه أعرف بقصده، والمعتمد: ما في "الكتاب"، بل ما وقع في "شرح المهذب" عُدَّ من سبق القلم.
(ومتى ثبت) الاسترداد (والمعجَّل تالف .. وجب ضمانه) لأنه قبضه لغرض نفسه، ويضمنه بالمثل إن كان مثليًّا، وبالقيمة إن كان مُتقوَّمًا، وصحح السبكي: أنه يضمن الحيوان بالمثل الصوري، وعزاه إلى ظاهر النص، وفي "البحر" عن الماوردي: أن محل الخلاف: إذا خرج الدافع عن أهلية الوجوب، فإن خرج القابض .. وجب المثل الصوري قطعًا؛ لأن الاسترداد هاهنا ليدفعه إلى مُستحِقه، قال الأَذْرَعي: والأصحُّ: أنه لا فرق بينهما.
(والأصح: اعتبار قيمة يوم القبض) لأن ما زاد عليها حصل في ملك القابض، فلا يضمنه، والثاني: يوم التلف؛ لأنه وقت انتقال الحقّ إلى القيمة، والثالث: أقصى القيم، والرابع: يوم الرجوع.
الجزء: 1 - الصفحة: 548
وَأَنَّهُ إِنْ وَجَدَهُ نَاقِصًا .. فَلَا أَرْشَ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَرِدُّ زِيَادَةً مُنْفَصِلَة. وَتَأْخِيرُ خِيرُ الزَّكَاةِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ يُوجبُ الضَّمَانَ وَإِنْ تلَفَ الْمَالُ، وَلَوْ تلَفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ .. فَلَا، وَلَوْ تلَفَ بَعْضُهُ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَغْرَمُ قِسْطَ مَا بَقِيَ. وإِنْ أَتْلفَهُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ .. لَمْ تَسْقُطِ الزَّكَاةُ.
(وأنه إن وجده ناقصًا .. فلا أرش) له؛ لأنه حدث في ملكه، فلا يضمنه، والثاني: نعم؛ لأن جملته مضمونة، فكذلك جزؤه.
ومحل الخلاف: في نقص الصفة؛ كالمرض، والهُزال، أما نقص الجزء؛ كتلف شاة من شاتين .. فإنه يرجع ببدل التالف قطعًا؛ كما قاله في "شرح المهذب"، و"الكفاية" 169.
(وأنه لا يستردّ زيادة منفصلة) بناء على أنه ملكه الآخذ ملك قرض، وأن القرض يُملك بالقبض، والثاني: يستردها؛ بناء على الوقف، وإنّا تبَينا عدم الملك.
وتعبيره بـ (الأصح) يقتضي: إثبات الخلاف وقوّته، وعبر في "الروضة" بالمذهب الذي قطع به الجمهور، ونصَّ عليه الشافعي 170، وقيل: وجهان.
واحترز بـ (المنفصلة) عن المتصلة؛ كالثمن، فإنها تتبع الأصل.
(وتأخير الزكاة بعد التمكن) وهو حضور المال والأصناف؛ كما مر (يوجب الضمان وإن تلف المال) أو أتلف؛ لتقصيره بحبس الحقّ عن مُستحِقّه، والمراد بـ (الضمان) هو: إخراج ما كان يخرجه قبل التلف، لا ضمان المتلفات.
(ولو تلف قبل التمكن) بلا تفريط ( .. فلا) لعدم التقصير.
(ولو تلف بعضُه .. فالأظهر: أنه يَغْرَم قسط ما بقي) فإذا كان نصابًا؛ كخمسة أبعرة، فتلف واحد بعد الحول وقبل التمكن .. سقط ما يخصه، ووجب أربعة أخماس شاة؛ بناء على أن التمكن شرط في الضمان، والثاني: لا يلزمه شيء؛ بناء على أن التمكن شرط في الوجوب؛ كما لو نقص النصاب في الحول.
(وإن أتلفه) المالك (بعد الحول وقبل التمكن .. لم تسقط الزكاة) لأنه متعدٍّ بإتلافه.
الجزء: 1 - الصفحة: 549
وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ تَعَلُّقَ الشَّرِكَةِ، وَفِي قَوْلٍ: تَعَلّقَ الرَّهْنِ، وَفِي قَوْلٍ: بِالذِّمَّةِ، فَلَوْ بَاعَهُ قَبْلَ إِخْرَاجِهَا .. فَالأَظْهَرُ: بطْلَانهُ فِي قَدْرِهَا، وَصِحَّته فِي الْبَاقِي.
(وهي تتعلق بالمال تعلُّقَ الشركة) لأنها تجب بصفة المال من الجودة والرداءة، وتؤخذ من عينه قهرًا عند الامتناع كما يقسم المشترك قهرًا عند الامتناع منها.
وإنما جاز الإخراج من غيره على خلاف قاعدة المشتركات رفقًا بالمالك، وتوسيعا عليه؛ لكونها وجبت مجانا على سبيل المواساة.
(وفي قول: تعلق الرهن) أي: يكون الواجب في ذمّة المالك، والنصابُ مرهون به؛ لأنه لو امتنع من الأداء ولم نجد الواجبَ في ماله .. باع الإمام بعضَه وشرى واجبه؛ كما يباع المرهون في الدين.
(وفي قول: بالذمة) ولا تعلق لها بالعين؛ كالفطرة، وقضية إطلاقه: جريان الخلاف وإن كان الواجبُ من غير جنس المال؛ كالشاة الواجبة في الإبل، وهو أصحٌّ الطريقين، والثاني: القطع بتعلقها بالذمة.
(فلو باعه قبل إخراجها .. فالأظهر: بطلانه في قدرها) تفريعًا على قول الشركة؛ لأن بيع مِلك الغير من غير مُسوِّغ باطلٌ، (وصحته في الباقي) بناء على الصحة في تفريق الصفقة.
والخلاف هنا مُفرَّع على الأقوال السَّالفة: فإن قلنا: بقول الشركة .. فالأصحٌّ: ما ذكره المصنف، وإن قلنا: تعلق رهن .. فالأظهر: الصحة مطلقًا؛ لأن هذه العُلْقة ثبتت بغير اختيار المالك، وليست لمعين، فسومح فيها بما لا يسامح به في الرهن، وإن قلنا: إنها في الذمة، والمال خِلْوٌ منها .. صحّ.
وإذا فرعنا على قول الشركة؛ فإن كان قدر الزكاة جزءًا معلومًا؛ كالمعشرات، والنقدين .. كان كمن باع عبدًا له نصفُه، وإن لم يكن كذلك؛ كأن باع أربعين شاة .. فهو كما لو باع عبده وعبدَ غيره، قاله الرافعي 171.
واستشكله السبكي، وقال: ينبغي أن يبنى على أن الواجب مُشاع أو مبهم، فعلى
الجزء: 1 - الصفحة: 550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأول: يكون كما لو باع عبدًا له نصفُه، وعلى الثاني: لا يصحّ البيع في شيء؛ لأن المملوك منها غير معين.
انتهي
وهذا كله في بيع الجميع؛ كما أشار إليه بقوله: (فلو باعه)، فأما إذا باع بعضه؛ فإن لم يبق قدر الزكاة .. فهو كما لو باع الجميع، وإن بقي قدرها إما بنية صرفه إلي الزكاة، وإما بغيرها وفرّعنا علي قول الشركة .. ففي صحّة البيع وجهان: أقيسهما: البطلان، كذا نقلاه عن ابن الصباغ، ثم قالا: إنهما مبنيان علي أن الواجب شائع، أو حيوان مبهم، فإن قلنا بالأول .. بطل، أو بالثاني .. صح 172.
وهذا كله في زكاة الأعيان، أما زكاة التجارة .. فيصح بيع الكلّ بعد وجوب الزكاة على الأصحِّ؛ لأن متعلق هذه الزكاة هو القيمة، وهي لا تفوت بالبيع، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 551
كتابُ الصِّيام يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِإِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، أَوْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ. وَثُبُوتُ رُؤْيَتِهِ بِعَدْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: عَدْلَانِ
﴿كتاب الصيام﴾
هو لغة: الإمساك، ومنه ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: صمتًا، وفي الشرع: إمساك مخصوص من شخص مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص.
(يجب صوم رمضان) بالإجماع (بإكمال شعبان ثلاثين، أو رؤية الهلال) لقوله تعالي: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، والمراد بالشهادة هنا: العلم، والعلم إما بالرؤية، وإما باستكمال شعبان؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ .. فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ" رواه البخاري 173، والمراد: رؤيته في الجملة بشرطه الآتي.
(وثبوت رؤيته بعدل) لأن ابن عمر رآه فأخبر رسول الله صلي الله عليه وسلم بذلك، فصام، وأمر الناس بصيامه، رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان 174، (وفي قول: عدلان) كهلال شوال، وسائر الشهادات.
ومحل ثبوته بواحد: إنما هو بالنسبة للصوم فقط، فلا يقع الطلاق والعتق المعلَّقان به، ولا تحلّ الآجال المعلَّقة به، قاله البغوي، وبحث فيه الرافعي 175.
الجزء: 1 - الصفحة: 553
وَشَرْطُ الْوَاحِدِ: صِفَةُ الْعُدُولِ فِي الأَصَحِّ، لَا عَبْدٍ وَامْرَأَةٍ. وَإِذَا صُمْنَا بِعَدْلٍ وَلَمْ نَرَ الْهِلَالَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ .. أَفْطَرْنَا فِي الأَصَحِّ وَإِنْ كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً. وَإِذَا رُئِيَ بِبَلَدٍ .. لَزِمَ حُكْمُهُ الْبَلَدَ الْقَرِيبَ دُونَ الْبَعِيدِ فِي الأَصَحِّ. وَالْبَعِيدُ: مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَقِيلَ: بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ. قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ
(وشرط الواحد: صفة العدول في الأصحِّ: لا عبد وامرأة) مثار الخلاف: أن هذا من باب الشهادة، وهو الأصحُّ، فلا يكفي قولهما فيه، أو من باب الرواية، فيكفي.
وقوله: (وشرط الواحد: صفة العدول) بعد قوله: (بعدل) فيه رِكَّة؛ فإن العدل من كانت فيه صفة العدول، وما زعمه من أن العبد والمرأةَ ليسا عدلين ممنوعٌ؛ إذ العدل: من لم يرتكب كبيرة، ولا أصرَّ على صغيرة.
نعم؛ ليسا من أهل قبول الشهادة.
(وإذا صمنا بعدل، ولم نر الهلال بعد ثلاثين .. أفطرنا في الأصح وإن كانت السماء مُصحِيةً) لإكمال العدد؛ كما لو صمنا بعدلين، والثاني: لا؛ لأن الفطر يؤدي إلي إثبات شوال بقول واحد، وهو ممتنع.
وأجاب الأول: بأن الشيء قد يثبت ضمنًا ولا يثبت مقصودًا؛ كما في شهادة النساء، لا يثبت بها النسب والميراث مقصودًا، ويثبتان ضمنًا للولادة.
(وإذا رُئي ببلد .. لزم حكمُه البلدَ القريب) قطعًا؛ لأنهما كبلد واحد (دون البعيد في الأصح) قياسًا علي أوقات الصلاة؛ فإنَّ لكلّ بلد حكمَه من الطوالع والغوارب؛ كطلوع الشمس وغروبها، والثاني: تلزم البعيد أيضًا؛ لأن الهلال واحد والخطابَ شاملٌ.
(والبعيد: مسافة القصر) لأن الشرع علّق بها كثيرًا من الأحكام، واعتبار المطالع يُحوج إلي حساب، وتحكيم المنجِّمين، وقواعدُ الشرع تأباه.
(وقيل: باختلاف المطالع، قلت: هذا أصح، والله أعلم) وبه أجاب جمهور العراقيين والصَّيْدَلاني وغيرهم؛ لأن أمر الهلال لا تعلُّق له بمسافة القصر؛ فعلي هذا: لو شكّ في اتفاقهما .. لم يجب الصوم علي الذين لم يروا؛ لأن الأصل عدم الوجوب.
الجزء: 1 - الصفحة: 554
وَإِذَا لَمْ نُوجِبْ عَلَي الْبَلَدِ الآخَرِ، فَسَافَرَ إِلَيْهِ مِنْ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُوَافِقُهُمْ فِي الصَّوْمِ آخِرًا. وَمَنْ سَافَرَ مِنَ الْبَلَدِ الآخَرِ إِلَي بَلَدِ الرُّؤْيَةِ .. عَيَّدَ مَعَهُمْ وَقَضَي يَوْمًا. وَمَنْ أَصْبَحَ مُعَيِّدًا فَسَارَتْ سَفِينَتُهُ إِلَي بَلْدَةٍ بَعِيدَةٍ أَهْلُهَا صِيَامٌ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُمْسِكُ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ.
(وإذا لم نوجب علي البلد الآخر، فسافر إليه من بلد الرؤية 176 .. فالأصح: أنه يوافقهم في الصوم آخرًا) وإن كان قد أتمَّ ثلاثين؛ لأنه بالانتقال إلي بلدهم صار واحدًا منهم، فيلزمهم حكمهم، والثاني: يفطر؛ لأنه التزم حكم البلد الأول، فيستمرّ عليه 177.
(ومن سافر من البلد الآخر إلي بلد الرؤية .. عيَّد معهم) ولو كان صام ثمانيةً وعشرين فقط، بأن كان رمضانُ أيضًا عندهم ناقصًا، فوقع عيدُه معهم في التاسع والعشرين من صومه؛ بناءً علي أنَّ للمنتقِل حكمَ المنتقَل إليه، (وقضي يومًا) إذا كان تعييده معهم في التاسع والعشرين من صومه؛ كما في "الشرحين"، و"المحرر"، و"الروضة" 178؛ لأن الشهر لا يكون ثمانية وعشرين، بخلاف ما إذا عيَّد معهم يوم الثلاثين .. فإنه لا قضاء؛ لأنه يكون تسعةً وعشرين.
(ومن أصبح معيِّدًا، فسارت سفينته إلي بلدة بعيدةٍ أهلُها صِيام .. فالأصح: أنه يمسك بقية اليوم) وجوبًا؛ بناء علي أن لكلّ بلد حكمَ نفسه، وأن للمنتقَل إليه حكمَه لا حكم المنتقل عنه، وهذا ما قاله الشيخ أبو محمد، واستبعده الإمام والغزالي من حيث إنه لم يرد فيه أثر، وتجزئة اليوم الواحد بإمساك بعضه دون بعض بعيدة 179، وهذا الاستبعاد هو المقابِل للأصح في كلام المصنف.
الجزء: 1 - الصفحة: 555
فَصْلٌ [في أركان الصوم]
النِّيَّةُ شَرْطٌ لِلصَّوْمِ، وَيُشْتَرَطُ لِفَرْضِهِ التَّبْيِيتُ.
(فصل: النية شرط للصوم) لما سبق في الوضوء، ومحلها: القلب، والمراد بالشرط هنا: ما لا بدّ منه، لا المعني المصطلح عليه؛ لأن النية هنا ركن داخل في الماهية؛ كما صرح به الرافعي، وعبارة "المحرر": (ولا بدّ من النية في الصوم) 180.
وكلام المصنف قد يوهم أنه لو تسحّر ليقوي علي الصوم .. لم يكن ذلك نية، وبه صرح أبو المكارم في "العدة"، وعن أبي العباس الروياني: أنه لو تسحَّر للصوم، أو شرب لدفع العطش نهارًا، أو امتنع من الأكل والشرب؛ مخافةَ الفجر .. كان ذلك نيةً للصوم، قال الشيخان: وهذا هو الحقّ إن خطر بباله الصوم بالصفات التي يشترط التعرض لها؛ لأنه إذا تسحَّر ليصوم صومَ كذا .. فقد قصده 181.
(ويشترط لفرضه التبييت) لحديث: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ .. فَلَا صِيَامَ لَهُ" صححه الدارقطني والخطابي والبيهقي 182، وفي لفظ: "مَنْ لَمْ يُبَيِّت" رواه الدارقطني، وقال: رجاله كلّهم ثقات 183.
والمراد بقوله: "لَا صِيَامَ": نفي الصحة؛ لأنه الحقيقة، لا نفي الكمال.
ولا بدّ من التبييت لكلّ يوم، وقد يفهم هذا من قوله بعد: (صوم غد)، وكلام المصنف قد يخرج الصبي المميز، فإنه لا فرض عليه، والذي في "شرح المهذب" تبعًا للروياني وغيره أنه كالبالغ في ذلك 184.
الجزء: 1 - الصفحة: 556
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ النِّصْفُ الآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ الأَكْلُ وَالْجِمَاعُ بَعْدَهَا، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّجْدِيدُ إِذَا نَامَ ثُمَّ تَنَبَّهَ. وَيَصِحُّ النَّفْلُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَكَذَا بَعْدَهُ فِي قَوْلٍ،
(والصحيح: أنه لا يشترط النصف الأخير من الليل) لإطلاق التبييت في الحديث، ولما فيه من المشقة، والثاني: يشترط؛ لأن الأصل وجوبُ اقتران النية بأول العبادة؛ وهو طلوع الفجر، فلما سقط ذلك .. أوجبنا النصف الأخير؛ كما في أذان الصبح، وغسل العيد.
(وأنه لا يضرّ الأكل والجماع بعدها) وكذا غيرهما من المنافيات؛ لأن الله تعالي أحلَّ الأكل إلي طلوع الفجر، ولو كان يبطل النية .. لما جاز أن يأكل إليه؛ لأنه يبطل النية، ومقابله غلط بالاتفاق؛ كما قاله في "شرح المهذب" 185.
(وأنه لا يجب التجديد إذا نام ثم تنبَّه) ليلًا؛ لما سبق، بل أولى؛ لعدم منافاة النوم الصوم، والثاني: يجب؛ تقريبًا للنية من العبادة بقدر الوسع، أما إذا استمرّ النوم إلي الفجر .. لم يضرّ قطعًا.
(ويصحّ النفل بنية قبل الزوال) لأنه عليه السلام دخل على عائشة رضي الله عنها يومًا، فقال: "هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاءٍ" قالت: لا، قال: "فَإِنِّي إِذَنْ أَصُومُ"، رواه الدارقطني، وقال: إسناده صحيح 186.
والغداء: اسم لما يؤكل قبل الزوال، والذي يؤكل بعده يسمى: عَشاء.
ويستثنى: صوم الصبي رمضان، فإنه نفل، ولا بدّ فيه من التبييت؛ كما مرّ.
(وكذا بعده في قولٍ) إن لم تتصل آخر نيته بالغروب؛ تسويةً بين أجزاء النهار؛ كما في النية ليلًا، أما إذا اتصلت نيته بالغروب .. فلا يصح قطعًا، قاله البَنْدَنيجي، والصحيح: عدم الصحة؛ لخلوّ معظم العبادة عن النية، بخلاف ما قبل الزوال، وللمعظم تأثير إدراكًا وفواتًا؛ كما في إدراك المسبوق الركعة.
الجزء: 1 - الصفحة: 557
وَالصَّحِيحُ: اشْتِرَاطُ حُصُولِ شَرْطِ الصَّوْمِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ. وَيَجِبُ التَّعْيِينُ فِي الْفَرْضِ،
وإذا نوى في أثناء النهار وجوزناه .. انعطفت النية علي ما مضي، وكان صائمًا من أول النهار علي الصحيح.
(والصحيح: اشتراط حصول شرط الصوم من أول النهار) أي: الخلوّ عن أكل، وجماع، واستقاءة، وحيض، وجنون، وكفر، وإلا .. لم يحصل مقصود الصوم، وهو خلوّ النفس عن الموانع في اليوم بكماله، والثاني: أنه لا يشترط ذلك؛ لأن الصوم إذا كان محسوبًا من وقت النية .. كان بمثابة جزء من الليل.
ومحل الخلاف: إذا قلنا: إنه صائم من وقت النية، أما إذا قلنا بالأصح: أنه صائم من أول النهار .. فلا بدّ من اجتماع شرائط الصوم من أول النهار جزمًا.
(ويجب التعيين في الفرض) بأن ينوي كلَّ ليلة أنه صائم غدًا عن رمضان، أو عن نذر، أو كفارة؛ لأنه عبادةٌ مضافةٌ إلي وقت؛ فوجب التعيين في نيتها؛ كالصلوات الخمس.
وخرج بـ (الفرض): النفل؛ فإنه يصحّ بنية مطلقة؛ كما أطلقه الأصحاب، واستثني ابن أبي الدم: صوم الصبي، فلا بدّ فيه من التعيين؛ كالتبييت.
قال في "شرح المهذب": وينبغي: اشتراط التعيين في الصوم الراتب؛ كعرفة، وعاشوراء، وأيام البيض، وستة من شوال؛ كرواتب الصلاة 187، والحق الإسنوي بذلك ما له سبب؛ كصوم الاستسقاء إذا لم يأمر به الإمامُ؛ كما في نظيره من الصلاة أيضًا.
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما لو تيقن أن عليه صوم يوم وشك في كونه قضاءً، أو نذرًا، أو كفارةً .. ينوي الصوم الواجب، ويجزئه، واغتفر التردّد، حكاه في "شرح المهذب" عن رواية صاحب "البيان" عن الصَّيْمَري، وأقره 188.
الجزء: 1 - الصفحة: 558
وَكَمَالُهُ فِي رَمَضَانَ: أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ غَدٍ عَنْ أَدَاءِ فَرْضِ رَمَضَانِ هَذِهِ السَّنَةِ للهِ تَعَالَي. وَفِي الأَدَاءِ وَالْفَرْضِيَّةِ وَالإِضَافَةِ إِلَي اللهِ تَعَالَي الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الصَّلَاةِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السَّنَةِ. وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ صَوْمَ غَدٍ عَنْ رَمَضَانَ إِنْ كَانَ مِنْهُ، فَكَانَ مِنْهُ
(وكماله) أي: كمال التعيين؛ كما قاله في "المحرر" 189 (في رمضان: أن ينوي صوم غدٍ عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالي) لأنه إذا نوى كذلك .. صحت نيته بالاتفاق، والتعرض للغد قد يكون بخصوصه، وقد يكون بإدخاله في عموم؛ فإنه لو نوى في أول ليلة من رمضان صوم رمضان .. صحت لليوم الأول على الأصحِّ.
واحترز بـ (الأداء): عن القضاء، وبـ (الفرض): عن النفل، وبـ (رمضان): عن النذر والكفارة، وبـ (هذه السنة): عن سنة أخري إلا أن فرض غيرها لا يكون إلا قضاء، وقد خرج بقيد الأداء، وبقيد الغد.
(وفي الأداء والفرضية والإضافة إلي الله تعالي الخلافُ المذكور في الصلاة) كذا ذكره الرافعي في كتبه، والمصنف في "الروضة"، وظاهره: أن يكون الأصحُّ: اشتراط الفرضية، دون الأداء والإضافة 190، لكن صحح في "شرح المهذب": عدم اشتراط الفرضية، وحكاه عن تصحيح الأكثرين 191.
وفرِّق بين البابين: بأن صوم البالغ رمضانَ لا يكون إلا فرضًا، وصلاة الظهر قد تكون نفلًا في حقّ من صلاها ثانيًا، قال في "المهمات": والفتوي علي ما في "شرح المهذب" 192.
(والصحيح: أنه لا يشترط تعيين السنة) لأن تعيين اليوم وهو الغد يغني عنه، والثاني: يشترط؛ ليمتاز عما يأتي به في سنة أخري.
(ولو نوى ليلةَ الثلاثين من شعبان صومَ غدٍ عن رمضان إنْ كان منه، فكان منه ..
الجزء: 1 - الصفحة: 559
لَمْ يَقِعْ عَنْهُ إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ كَوْنَهُ مِنْهُ بِقَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ؛ مِنْ عَبْدٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ صِبْيَانٍ رُشَدَاءَ. وَلَوْ نوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ صَوْمَ غَدٍ إِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ .. أَجْزَأَهُ إِنْ كَانَ مِنْهُ ..
لم يقع عنه) وكذا إن يقل، ولم ينو إن كان منه؛ لأن النية ليست جازمة.
(إلا إذا اعتقد) أي: ظنّ (كونه منه بقول من يثق به؛ من عبد أو امرأة أو صبيان رشداء) لأن غلبة الظنّ هنا كاليقين؛ كما في أوقات الصلاة.
وقضية كلامه؛ كـ "الشرحين" و"الروضة": أن الصبي الواحد لا يجوز اعتماده، بل لا بدّ من جمع منهم، لكن في موضعين من "شرح المهذب" أنه يكفي الاعتماد عليه، قال في "المهمات": والفتوي على المنع؛ ففي "البحر" ما حاصله: أن الجمهور عليه 193.
وليس المراد بالرشد هنا المرادَ به في قوله: (شرط العاقد: الرشد)، بل المراد: ألَّا يُجرَّب عليه الكذب، قال في "المهمات": ولا يبعد [اعتبار] اجتناب النواهي خصوصًا الكبائر، والظاهر: أن الرشد قيد في الصبيان، ويحتمل عوده إلي الباقي 194.
وقد استشكل ما ذكروه هنا من صحة الصوم اعتمادًا علي قول من ذكر، مع تفسيرهم يوم الشك باليوم الذي يتحدث برؤيته فيه مَنْ لا يعتمد قوله؛ من عبيد وصبيان ونساء وفسقة، فإن مقتضاه: تحريم صومه.
وجمع بينهما: بأن الكلام هنا فيما إذا تبين كونه من رمضان، وهناك فيما إذا لم يتبين شيء، فليس الاعتماد علي هؤلاء في الصوم، بل في النية فقط؛ فإذا نوي اعتمادًا علي قولهم، ثم تبَّين ليلًا كونُ غدٍ من رمضان .. لا يحتاج إلي تجديد نية أخرى، ألا تراهم لم يذكروا هذا فيما يثبت به الشهر، وإنما ذكروه فيما يعتمد عليه في النية.
(ولو نوى ليلة الثلاثين من رمضان صومَ غد إن كان من رمضان .. أجزأه إن كان منه) لأن الأصل: بقاؤه.
الجزء: 1 - الصفحة: 560
وَلَوِ اشْتَبَهَ .. صَامَ شَهْرًا بِالاجْتِهَادِ، فَإِنْ وَافَقَ مَا بَعْدَ رَمَضَانَ .. أَجْزَأَهُ، وَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى الأَصَحِّ، فَلَوْ نَقَصَ وَكَانَ رَمَضَانُ تَامًّا .. لَزِمَهُ يَوْمٌ آخَرُ، وَلَوْ غَلِطَ بِالتَّقْدِيمِ وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ .. لَزِمَهُ صَوْمُهُ، وَإِلَّا .. فَالْجَدِيدُ: وُجُوبُ الْقَضَاءِ. وَلَوْ نَوَتِ الْحَائِضُ صَوْمَ غَدٍ قَبْلَ انْقِطَاعِ دَمِهَا، ثُمَّ انْقَطَعَ لَيْلًا .. صَحَّ إِنْ تَمَّ فِي اللَّيْلِ أَكْثَرُ الْحَيْضِ، وَكَذَا قَدْرُ الْعَادَةِ فِي الأَصَحِّ
(ولو اشتبه) رمضان علي أسير، أو محبوس، أو نحوهما ( .. صام شهرًا بالاجتهاد) كما يجتهد للصلاة في القبلة والوقت.
(فإن وافق ما بعد رمضان .. أجزأه) قطعًا، وغايته: أنه أوقع القضاء بنية الأداء (وهو قضاء على الأصح) لوقوعه بعد الوقت، والثاني: أنه أداء؛ لأن العذر قد يَجعل غيرَ الوقت وقتًا؛ ، كما في الجمع بين الصلاتين.
وفائدة الخلاف: ذكرها المصنف بقوله: (فلو نقص) الشهر الذي صامه بالاجتهاد (وكان رمضان تامًّا .. لزمه يوم آخر) بناء على أنه قضاء، وعلى مقابله: لا يلزمه شيء، ولو انعكس الحال؛ فإن قلنا: إنه قضاء .. فله إفطارُ اليوم الأخير إذا عرف الحال، وإن قلنا: أداء .. فلا.
(ولو غَلِط بالتقديم وأدرك رمضان .. لزمه صومه) لتمكنه منه في وقته.
(وإلا) أي: وإن لم يدرك رمضان ( .. فالجديد: وجوب القضاء) لأنه أتى بالعبادة قبل الوقت فلا تجزئه؛ كما في الصلاة، والقديم: المنع؛ كالحجيج إذا وقفوا العاشرَ غلطًا.
وبناهما جماعةٌ على ما إذا وافق ما بعده هل يكون قضاء أو أداء؟ إن قلنا: قضاء .. لم يجزه هنا؛ لأن القضاء لا يسبق الأداء، وإن قلنا: أداء .. أجزأه.
ولو أدرك بعضَ رمضان .. لزمه صوم ما أدرك منه قطعًا، وفي قضاء ما مضى القولان.
(ولو نوت الحائض صومَ غد قبل انقطاع دمها، ثم انقطع ليلًا .. صحّ إن تمَّ في الليل أكثر الحيض) لأنها جازمة بأنَّ غدها كلَّه طهر.
(وكذا قدر العادة في الأصح) لأن الظاهر استمرارُ عادتها؛ فقد بنت نيتها على
الجزء: 1 - الصفحة: 561
فَصْلٌ [في شرط الصوم]
شَرْطُ الصَّوْمِ: الإِمْسَاكُ: عَنِ الْجِمَاع، وَالاسْتِقَاءَةِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ شَيْءٌ إِلَى جَوْفِهِ .. بَطَلَ. وَلَوْ غَلَبَهُ الْقَيْءُ .. فَلَا بَأْسَ، وَكَذَا لَوِ اقْتَلَعَ نُخَامَةً وَلَفَظَهَا فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ نَزَلَتْ مِنْ دِمَاغِهِ وَحَصَلَتْ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ مِنَ الْفَمِ
أصل صحيح، والثاني: لا يصح؛ لأنها قد تختلف، فإن لم يتم أكثر الحيض في الليل، ولم تكن لها عادة أصلًا، أو كان لها عادة مختلفة .. لم يصحّ الصوم؛ لأنها لم تجزم بالنية ولا بنتها على أصل.
(فصل: شرط) صحة (الصوم: الإمساك عن الجماع) بالإجماع، والمراد بالشرط: ما لا بدّ منه، لا الشرط الاصطلاحي؛ كما مرّ في النية.
(والاستقاءة) لحديث: "مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَهُوَ صائِمٌ .. فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ .. فَلْيَقْضِ" صححه ابن حبان، وغيره 195.
(والصحيح: أنه لو تيقن أنه لم يرجع شيء إلى جوفه .. بطل) بناء على أن العلة في البطلان نفسُ الاستقاءة، ووجه مقابله: البناء على أن العلة في البطلان فيه رجوعُ شيء مما خرج وإن قلَّ.
(ولو غلبه القيء .. فلا بأس) للحديث المارّ، (وكذا لو اقتلع نُخامةً) من الباطن (ولفظها في الأصح) لأن الحاجة إليه تتكرر، فرخص فيه، والثاني: يفطر به؛ كالاستقاءة، ورجح في "الروضة"، و"شرح المهذب" القطع بالأول 196.
واحترز بقوله: (ولفظها) عما إذا بقيت في محلّها، فإنه لا يفطر، وعما إذا ابتلعها بعد أن خرجت إلى الظاهر، فإنه يفطر.
(ولو نزلت من دماغه، وحصلت في حدّ الظاهر من الفم) بأن انصبت من الدماغ
الجزء: 1 - الصفحة: 562
فَلْيَقْطَعْهَا مِنْ مَجْرَاهَا وَلْيَمُجَّهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ فَوَصَلَتِ الْجَوْفَ .. أَفْطَرَ فِي الأَصَحِّ. وَعَنْ وُصُولِ الْعَيْنِ إِلَى مَا يُسَمَّي جَوْفًا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مَعَ هَذَا أَنْ تَكُونَ فِيهِ قُوَّةٌ تُحِيلُ الْغِذَاءَ أَوِ الدَّوَاءَ
في الثقبة النافذة من الدماغ إلى أقصى الفم فوق الحلقوم ( .. فليقطعها من مجراها، وليمُجَّها، فإن تركها مع القدرة فوصلت الجوف .. أفطر في الأصح) لتقصيره، والثاني: لا؛ لأنه لم يفعل شيئًا، وإنما أمسك عن الفعل، قال ابن الصلاح: ولعله أقرب 197.
أما إذا لم تحصل النخامة في حدّ الظاهر .. فلا مبالاة بها، وكذا إذا حصلت فيه ولم يقدر على مَجِّها.
وأشار بقوله: (من مجراها) إلى أنه لو ردّها إلي أقصي الفم، أو ارتدت إليه، ثم ابتلعها .. أنه يفطر لا محالة.
والمراد بالباطن: مخرج (الهاء) و (الهمزة)، وبـ (الظاهر): مخرج (الخاء) المعجمة، وأما مخرج المهملة .. فقال الرافعي تبعًا للغزالي: إنه من الباطن، وقال المصنف: إنه من الظاهر 198.
(وعن وصول العين إلى ما يُسمَّي جوفًا) ولو حبة سمسم؛ لأن الصوم هو الإمساكُ عن كلّ ما يصل إلى الجوف، وفاعل هذا ما أمسك.
واحترز بـ (العين): عن الأثر؛ كالريح بالشم، وحرارة الماء وبرودته، وبـ (الجوف): عما لو داوى جراحة على لحم الساق والفخذ، فوصل الدواء إلى داخل المخ أو اللحم، أو غرز فيه حديدة، فإنه لا يفطر؛ لأنه ليس بجوف.
(وقيل: يشترط مع هذا: أن تكون فيه) أي: في الجوف (قوةٌ تحيل الغذاء أو الدواء) لأن ما لا تحيله لا تغتذي به النفسُ ولا ينتفع به البدن؛ فأشبه الواصلَ إلى غير الجوف، والصحيح: عدم الاشتراط؛ قياسًا على الحلق، فإنه يفطر بالوصول إليه، مع كونه لا يحيل.
الجزء: 1 - الصفحة: 563
فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ: بَاطِنُ الدِّمَاغٍ وَالْبَطْنِ وَالأَمْعَاءِ وَالْمَثَانَةِ مُفَطِّرٌ بِالاسْتِعَاطِ أَوِ الأَكْلِ أَوِ الْحُقْنَةِ، أَوِ الْوُصُولِ مِنْ جَائِفةٍ وَمَأْمُومَةٍ وَنَحْوِهِمَا. وَالتَّقْطِيرُ فِي بَاطِنِ الأُذُنِ وَالإِحْلِيلِ مُفَطِّرٌ فِي الأَصَحِّ. وَشَرْطُ الْوَاصِلِ: كَوْنُهُ مِنْ مَنْفَذٍ مَفْتُوح، فَلا يَضُرُّ وُصُولُ الدُّهْنِ بِتَشَرُّبِ الْمَسَامِّ، وَلَا الاكْتِحَالُ وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ بِحَلْقِهِ، وَكَوْنُهُ بِقَصْدٍ، فَلَوْ وَصَلَ جَوْفَهُ ذُبَابٌ، أَوْ بَعُوضَةٌ، أَوْ غُبَارُ الطَّرِيقِ، وَغَرْبَلَةُ الدَّقِيقِ .. لَمْ يُفْطِرْ. وَلَا يُفْطِرُ بِبِلْعِ رِيقِهِ مِنْ مَعْدِنِهِ، فَلَوْ خَرَجَ عَنِ الْفَمِ ثُمَّ رَدَّهُ وَابْتَلَعَهُ، أَوْ بَلَّ خَيْطًا بِرِيقِهِ وَرَدَّهُ إِلَى فمِهِ وَعَلَيْهِ رُطُوبَةٌ
(فعلى الوجهين: باطن الدماغ والبطن والأمعاء) وهي المصارين، (والمثانة) وهي مَجْمَع البولِ (مفطِّرٌ بالاستعاط أو الأكل أو الحُقنة، أو الوصول من جائفةٍ ومأمومةٍ ونحوهما) لأنه جوف محيل، وفي كلامه لفّ ونشر؛ فالاستعاط للدماغ، والأكل للبطن، والحُقنة للأمعاء وللمثانة أيضًا؛ فإن البول يعالج بها؛ كما يعالج بها الغائط، والوصول من الجائفة والمأمومة يعود إلى الجميع.
(والتقطير في باطن الأذن والإحليلِ مفطِّرٌ في الأصح) بناء على الوجه الأول، وهو اعتبار كلّ ما يسمّى جوفًا، والثاني: لا؛ بناء على مقابله؛ لعدم قوة الإحالة.
(وشرط الواصل: كونُهُ من منفذ مفتوح، فلا يضرّ وصول الدهن بتشرب المسامِّ) وهي ثقب البدن، (ولا الاكتحال وإنْ وجدَ طعمَهُ بحلقه) كما لا يضرّ الانغماس بالماء وإن وجد أثره في باطنه، ولا يكره الاكتحال سواء تنخمه أم لا.
والمنفذ بفتح الفاء: كالمدخل والمخرج؛ كذا ضبطه المصنف بخطه 199.
(وكونه بقصد، فلو وصل جوفَه ذباب، أو بعوضة، أو غبار الطريق، وغربلة الدقيق .. لم يفطر) وإن أمكن اجتناب ذلك بإطباق الفم أو غيره؛ لما فيه من المشقة الشديدة، بل لو فتح فاه عمدًا حتي وصل الغبار إلي جوفه .. لم يفطر علي الصحيح.
(ولا يُفطر ببلع ريقه من مَعدِنه) بالإجماع، ومعدن الريق: هو الموضع الذي فيه قراره، ومنه ينبع، وهو الحنك الأسفل تحت اللسان.
(فلو خرج عن الفم ثم ردَّه وابتلعه، أو بلَّ خيطًا بريقه، وردّه إلي فمه وعليه رطوبة
الجزء: 1 - الصفحة: 564
تَنْفَصِلُ، أَوِ ابْتَلَعَ رِيقَهُ مَخْلُوطًا بِغَيْرِهِ أَوْ مُتَنَجِّسًا .. أَفْطَرَ. وَلَوْ جَمَعَ رِيقَهُ فَابْتَلَعَهُ .. لَمْ يُفْطِرْ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ سَبَقَ مَاءُ الْمَضْمَضَةِ أَوِ الاسْتِنْشَاقِ إِلَي جَوْفِهِ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ بَالَغَ .. أَفْطَرَ، وإِلَّا .. فَلَا
تنفصلُ) وابتلعها، (أو ابتلع ريقه مخلوطًا بغيره) كأن فتل خيطًا مصبوغًا، وتغيَّر به ريقه، (أو متنجسًا) وإن لم يكن مختلطًا بشيء؛ كما إذا دَمِيت لثتُه فبصق حتي صفي ريقه، ثم ابتلعه صافيًا ( .. أفطر) أما في الأولى .. فلأنه خرج عن معدنه وصار كالأعيان الخارجة، وأما في الثانية .. فلأنه لا ضرورة إليه، وقد ابتلعه بعد مفارقة المَعدِن، وأما في الثالثة .. فلأنه أجنبي غير الريق 200.
(ولو جمع رِيقه فابتلعه .. لم يفطر في الأصح) كابتلاعه متفرقًا من مَعْدِنه، والثاني: يفطر؛ لتيسر الاحتراز عنه.
واحترز بقوله: (جمعه): عما لو اجتمع بلا قصد؛ فإنه لا يضرُّ قطعًا.
(ولو سبق ماء المضمضة أو الاستنشاق إلى جوفه) المعروف، أو دماغه ( .. فالمذهب: أنه إن بالغ .. أفطر) لأنه منهي عنه؛ كما مرَّ في الوضوء، (وإلا .. فلا) لوصوله بغير اختياره.
واعلم: أن المسألة علي قولين، وفي محلّهما طرق: أصحها: في "المحرر": أنهما فيما إذا لم يبالغ، فإن بالغ .. أفطر قطعًا، والثانية: فيما إذا بالغ، وإلا .. لم يفطر قطعًا، وصححها: في "الشرحين" 201، والثالثة: أنهما جاريان في الحالين؛ فلهذا عبر المصنف بـ (المذهب).
هذا كله في المضمضة والاستنشاق المشروعين، فإن سبقه من رابعةٍ .. فالمختار في "الروضة": الجزم بالإفطار للنهي عنها 202.
وغسل الفم من النجاسة؛ كالمضمضة، قال الرافعي: والمبالغة هنا للحاجة ينبغي
الجزء: 1 - الصفحة: 565
وَلَوْ بَقِيَ طَعَامٌ بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَجَرَى بِهِ رِيقُهُ .. لَمْ يُفْطِرْ إِنْ عَجَزَ عَنْ تَمْيِيزِهِ وَمَجِّهِ، وَلَوْ أُوجِرَ مُكْرَهًا .. لَمْ يُفْطِرْ، فَإِنْ أُكْرِهَ حَتَّي أَكَلَ .. أَفْطَرَ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: لَا يُفْطِرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَكَلَ نَاسِيًا .. لَمْ يُفْطِرْ إِلَّا أَنْ يُكْثِرَ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: لَا يُفْطِرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
أن تكون كالمضمضة بلا مبالغة، وجزم به في "الشرح الصغير"، وقال في "شرح المهذب": هو متعين 203.
(ولو بقي طعامٌ بين أسنانه فجرى به ريقه .. لم يفطر إن عَجَز عن تمييزه ومجِّه) لأنه معذور فيه غير مفرط، فإن لم يعجز .. أفطر؛ لتقصيره.
واحترز بقوله: (فجرى): عمَّا إذا ابتلعه قصدًا؛ فإنه يفطر قطعًا.
(ولو أُوجِر مكرهًا .. لم يفطر) لانتفاء الفعل والقصد منه، والإيجار: صب الماء في حلقه، وحكم سائر المفطرات حكم الإيجار.
(فإن أكره حتى أكل) أو شرب ( .. أفطر في الأظهر) لأنه حصل من فعله لدفع الضرر عن نفسه فأفطر به؛ كما لو أكل لدفع الضرر والجوع.
(قلت: الأظهر: لا يفطر، والله أعلم) لأن حكم اختياره ساقط، بخلاف من أكل خوفًا علي نفسه، فأشبه الناسي، بل هو أولى منه؛ لأنه مخاطب بالأكل؛ لدفع ضرر الإكراه عن نفسه، والناسي ليس مخاطبًا بأمرٍ ولا نهي.
(ولو أكل ناسيًا .. لم يفطر) لحديث: "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ .. فَلْيُتِمَّ صوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ" متفق عليه 204، وفي "صحيح ابن حبان" وغيره: "وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ" 205.
(إلا أن يُكثر في الأصح) لأن النسيان مع الكثرة نادر، ولهذا تبطل الصلاة بالكلام الكثير ناسيًا، قال في "الأنوار": والكثير كثلاث لقم 206، (قلت: الأصح: لا يفطر، والله أعلم) لعموم الحديث المارّ.
الجزء: 1 - الصفحة: 566
وَالْجِمَاعُ كَالأَكْلِ عَلَي الْمَذْهَبِ. وَعَنِ الاسْتِمْنَاءِ، فَيُفْطِرُ بِهِ، وَكَذَا خُرُوجُ الْمَنِيِّ بِلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ وَمُضَاجَعَةٍ، لَا الْفِكْرِ والنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ. وَتُكْرَهُ الْقُبْلَةُ لِمَنْ حَرَّكَتْ شَهْوَتَهُ، وَالأَوْلَى لِغَيْرِهِ تَرْكُهَا. قُلْتُ: هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ
والفرق بينه وبين الصلاة: أن المصلي مُشتغل بأفعال وأقوال تُذكِّره أنه في الصلاة، فيندر وقوع ذلك منه، بخلاف الصائم.
(والجماع كالأكل علي المذهب) في أنه لا يفطر بالنسيان؛ كغيره من المفطرات، والطريق الثاني: أنه على القولين في جماع المحرم ناسيًا.
وفرق الأول: بأن المحرم له هيئةٌ يتذكر بها الإحرام، فإذا نسي .. كان مُقصِّرًا، بخلاف الصائم.
(وعن الاستمناء) أي: شرط الصوم: الإمساك عن الجماع وعن الاستمناء، وهو: استخراج المني بغير الجماع (فيفطر به) لأن الإيلاج من غير إنزال مبطلٌ، فالإنزال بنوع شهوة أولى.
ولو حكَّ ذكره لعارض فأنزل .. فالأصحُّ في "شرح المهذب": أنه لا يفطر 207؛ لأنه متولد من سبب مباح، قال الأَذْرَعي: فلو علم من نفسه أنه إذا حكَّه أنزل .. فالقياس: الفطر، وأما إذا احتلم .. فإنه لا يفطر إجماعًا؛ لأنه مغلوب.
(وكذا خروج المنيِّ بلمس وقُبلة ومضاجعة) لأنه إنزال بمباشرة.
نعم؛ الخنثى لا يفطر بإنزاله من إحدى فرجيه؛ لاحتمال الزيادة، فإن أنزل من فرجيه .. أفطر.
(لا الفكر والنظرِ بشهوة) لأنه إنزال بغير مباشرة؛ فأشبه الاحتلام.
(وتكره القُبلة لمن حرَّكت شهوتَه) بحيث يخاف الإنزال؛ خوفًا منه، فإنه يفطر، (والأولى لغيره: تركُها) حسمًا للباب؛ إذ قد يظنها غيرَ محركة وهي محركة، لكن لا تكره؛ لضعف احتمال أدائها إلى الإنزال.
(قلت: هي كراهة تحريم في الأصح، والله أعلم) لأن فيه تعريضًا لإفساد
الجزء: 1 - الصفحة: 567
وَلَا يُفْطِرُ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ. وَالاحْتِيَاطُ أَلَّا يَأْكُلَ آخِرَ النَّهَارِ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَيَحِلُّ بِالاجْتِهَادِ فِي الأَصَحِّ، وَيَجُوزُ إِذَا ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ. قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ شَكَّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَكَلَ بِاجْتِهَادٍ أَوَّلًا أَوْ آخِرًا وَبَانَ الْغَلَطُ .. بَطَلَ صوْمُهُ، أَوْ بِلَا ظَنٍّ وَلَمْ يَبِنِ.
العبادة، وهذا ما نصَّ عليه في "الأم" 208، والثاني: أنها تنزيه؛ لأن الأصل: عدم الإنزال.
والمباشرةُ باليد والمعانقة لهما حكمُ القبلة.
(ولا يُفطر بالفصد والحجامة) لأنه عليه السلام احتجم وهو صائم مُحرِم، رواه البخاري 209، وأما حديث: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ" 210 .. فمنسوخ؛ كما قاله الشافعي في "الأم" 211.
نعم؛ الأولى: تركهما؛ لأنهما يضعفانه.
(والاحتياط: ألَّا يأكل آخرَ النهار إلا بيقين) لقوله عليه السلام: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" 212.
(ويحل بالاجتهاد) بوِرْدٍ ونحوه (في الأصح) كوقت الصلاة، والثاني: لا؛ لإمكان الصبر إلى اليقين.
ويجب إمساك جزء من الليل؛ ليتحقق غروب الشمس.
(ويجوز إذا ظن بقاءَ الليل) بالاجتهاد؛ لأن الأصل بقاؤه، (قلت: وكذا لو شك، والله أعلم) لأن الأصل: بقاء الليل.
(ولو أكل باجتهاد أولًا أو آخرًا، وبان الغلط .. بطل صومه) لتحققه خلافَ ما في ظنّه، ولا عبرة بالظن البيِّن خطؤه.
(أو بلا ظنّ) بأن هجم، وهو جائز في آخر الليل، حرامٌ في آخر النهار (ولم يَبِنِ
الجزء: 1 - الصفحة: 568
الْحَالُ .. صَحَّ إِنْ وَقَعَ فِي أَوَّلِهِ، وَبَطَلَ فِي آخِرِهِ. وَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَفِي فَمِهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ .. صَحَّ صَوْمُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مُجَامِعًا فَنَزَعَ فِي الْحَالِ، فَإِنْ مَكَثَ .. بَطَلَ.
الحالُ .. صحَّ إن وقع في أوله، وبطل في آخره) عملًا بالأصل فيهما؛ إذ الأصل بقاءُ الليل في الأولى، وبقاءُ النهار في الثانية.
(ولو طلع الفجر) الصادق (وفي فمه طعامٌ فلفظه .. صحّ صومه) لأنه لو وضعه في فيه نهارًا، ولم يَصل إلى حلقه .. لا يفطر، فأولى إذا كان الوضعُ ليلًا.
واحترز بقوله: (لفظه): عمَّا إذا ابتلع منه شيئًا باختياره؛ فإنه يفطر.
ولو سبقه إلى جوفه .. فالأصحُّ من "زوائد الروضة": عدم فطره 213.
(وكذ لو كان مُجامعًا، فنزع في الحال) لأن النزع ترك؛ كما لو حلف لا يلبس ثوبًا وهو لابسه، فنزعه، وسواء أنزل حالة النزع أم لا؛ لتولده من مباح.
وإتيان المصنف بـ (فاء) التعقيب بعد طلوع الفجر يعرفك أن صورة المسألة: أن يعلم بالفجر أول طلوعه، فينزع علي الفور، وخرج بذلك: ما لو مضي زمنٌ بعد الطلوع، ثم علم به؛ فإنه يبطل صومه في هذه الصورة علي المذهب.
فلو مكث في هذه الصورة .. لم تجب عليه الكفارة؛ لأن مكثه مسبوق ببطلان صومه، بخلاف ما إذا طلع الفجر، وعلم به بمجرد الطلوع، ومكث .. فإنه تلزمه الكفارة علي المذهب.
(فإن مكث .. بطل) لوجود المنافي، وظاهر عبارة "الكتاب"، و"الروضة" و"أصليهما": أن الصوم انعقد ثم بطل 214، واختاره السبكي.
لكن الأصحّ في "شرح المهذب": أنه لم ينعقد أصلًا، ونقله الإمام عن معظم الأئمة 215.
الجزء: 1 - الصفحة: 569
فصْلٌ [شرط صحة الصوم من حيث الفاعل والوقت]
شَرْطُ الصَّوْمِ: الإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالنَّقَاءُ عَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ جَمِيعَ النَّهَارِ. وَلَا يَضُرُّ النَّوْمُ الْمُسْتَغْرِقُ عَلَي الصَّحِيحِ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الإِغْمَاءَ لَا يَضُرُّ إِذَا أَفَاقَ لَحْظَةً مِنْ نَهَارِهِ
(فصل: شرط) صحة (الصوم: الإسلام) فلا يصحّ من الكافر بالإجماع، (والعقل) فلا يصحّ من غير مميز؛ لفقدان النية، (والنقاء عن الحيض والنفاس) بالإجماع (جميعَ النهار) وهو قيد في الأربعة، فلو طرأ في أثناء النهار ردة، أو جنون، أو حيض، أو نفاس .. بطل صومه؛ كما لو جُنَّ في خلال صلاته.
وقد يفهم: أنها لو ولدت ولم تر دمًا .. أنه لا يبطل الصوم، لكن الأصحّ في "شرح المهذب"، و"التحقيق": بطلانه 216.
قال في "شرح المهذب": وعدم البطلان قوي؛ فإن المعتمد في الغُسل: كونه منيًّا منعقدًا، وخروجُه بلا مباشرة لا يُبطل الصومَ، ومال إليه ابن الرفعة 217.
(ولا يضر النوم المُستغرِق علي الصحيح) لبقاء أهلية الخطاب، والثاني: يضر؛ كالإغماء.
وفرق الأول: بأن النائم ثابت العقل؛ فإنه إذا نبه .. انتبه، وله حكم المستيقظ؛ فإنه لا تسقط ولايته على ماله، بخلاف المغمي عليه؛ فإن استيقظ لحظة .. صح؛ إجماعًا.
(والأظهر: أن الإغماء لا يضرّ إذا أفاق لحظةً من نهاره) أيَّ لحظة كانت؛ اكتفاء بالنية مع الإفاقة في جزء، والثاني: يضر مطلقًا؛ كالحيض، والثالث: عكسه؛ كالنوم، والرابع: إن أفاق في أوله .. صحَّ، وإلا .. فلا، وصححه الغزالي، ومال إليه ابن الصلاح 218، والخامس: لا يضر إذا أفاق في طرفيه.
وسُكْرُ بعض النهار كإغماء بعضه.
الجزء: 1 - الصفحة: 570
وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ الْعِيدِ، وَكَذَا التَّشْرِيقُ فِي الْجَدِيدِ. وَلَا يَحِلُّ التَّطَوُّعُ يَوْمَ الشَّكِّ بِلَا سَبَبٍ، فَلَوْ صَامَهُ .. لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ، وَلَهُ صَوْمُهُ عَنِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، وَكَذَا لَوْ وَافَقَ عَادَةَ
(ولا يصح صوم العيد) الأضحي والفطر، بالإجماع، (وكذا التشريقُ في الجديد) وهي ثلاثة بعد يوم النحر؛ للنهي عن صيامها، كما رواه أبو داوود 219.
والقديم: أنه يجوز للمتمتع العادمِ للهدي صومُها عن الأيام الثلاثة الواجبة في الحجّ؛ لما رواه البخاري عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم أنهما قالا: (لم يرُخَّص في أيّام التشريق أنْ يُصمْنَ إلّا لمن لم يجد الهَدْي) 220، واختاره في "الروضة"، و"تصحيح التنبيه" 221، وصححه ابن الصلاح.
(ولا يحلّ التطوع يومَ الشك بلا سبب) لقول عمار بن ياسر: (مَن صام يومَ الشَّك .. فقد عصَي أبا القاسم)، صححه الترمذي وابن حبان 222.
وظاهر عبارته: التحريم، وبه صرح في "أصل الروضة"، وعبارة الرافعي: لا يجوز، وعبر الأكثرون بالكراهة، وظاهرها: كراهة التنزيه، وبه صرح الماوردي والجرجاني، وحكي عن ظاهر نصّ "البويطي" 223.
وكلام المصنف قد يوهم أنه لا يحرم الصوم بلا سبب إذا انتصف شعبان، والأصحُّ في "شرح المهذب": التحريم 224.
(فلو صامه .. لم يصح في الأصح) كيوم العيد، والثاني: يصح، لقبوله الصوم في الجملة.
(وله صومه عن القضاء والنذر) والكفارة من غير كراهة؛ مسارعةً إلى براءة ذمته، ولأن له سببًا، فجاز؛ كنظيره من الصلاة في الأوقات المكروهة، (وكذا لو وافق عادةَ
الجزء: 1 - الصفحة: 571
تَطَوُّعِهِ، وَهُوَ: يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ، أَوْ شَهِدَ بِهَا صِبْيَانٌ، أَوْ عَبيدٌ، أَوْ فَسَقَةٌ. وَلَيْسَ إِطْبَاقُ الْغَيْمِ بِشَكٍّ. وَيُسَنُّ تَعْجيلُ الْفِطْرِ عَلَي تَمْرٍ، وَإِلَّا .. فَمَاءٍ،
تطوعه) لقوله عليه السلام: "لَا تقدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ" متفق عليه 225.
(وهو) أي: يوم الشك (يومُ الثلاثين من شعبان إذا تحدث الناسُ برؤيته) ولم يعلم من رآه (أو شهد بها صبيان، أو عبيد، أو فسقة) وظنّ صدقهم؛ كما قاله الرافعي 226، وقد تقدم الجمع بين هذا وبين جواز اعتماد هؤلاء في تبييت النية.
(وليس إطباق الغيم بشك) لأنا تعبدنا فيه بإكمال العدة؛ كما تقدم أول الكتاب 227.
(ويسن تعجيل الفطر) إذا تحقق الغروب؛ لقوله عليه السلام: "لَا تَزَالُ أُمَّتِي بخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ" متفق عليه 228 (على تمر، وإلا .. فماءٍ) لحديث: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا .. فَلْيُفْطِرْ عَلَى التَّمْرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ .. فَعَلَي الْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ" صححه الترمذي، وابن حبان 229.
قال المحب الطبري: ومن هو بمكة يستحب له الفطر علي ماء زمزم، ولو جمع بينه وبين التمر .. فحسن.
ومقتضى تعبير المصنف: أن السنة لا تحصل إلا بثلاث تمرات؛ لأن التمر جمع، وأقله: ثلاث، قال في "المهمات": ونصّ عليه في "حرملة"؛ كما نقله القاضي أبو الطيب، فقال: يستحب: أن يفطر على تمرات، أو حسوات من ماء 230.
الجزء: 1 - الصفحة: 572
وَتأْخِيرُ السُّحُورِ مَا لَمْ يَقَعْ فِي شَكٍّ، وَلْيَصُنْ لِسَانَهُ عَنِ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ،
(وتأخير السحور) ففي "صحيح ابن حبان": أنه من سنن المرسلين 231، ولأن تأخيره أقرب إلى حصول الحكمة في مشروعيته، وهو التقوِّي على العبادة، ولم يصرح المصنف باستحباب السحور، وقد صرح به في "المحرر" 232، واستحبابه مجمعٌ عليه.
وذكر في "شرح المهذب": أنه يحصل بكثير المأكول وقليله، وبالماء 233، ففي "صحيح ابن حبان": "تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجُرْعَةِ مَاءٍ" 234، ويدخل وقته بنصف الليل؛ كما ذكره الرافعي في (الأيمان)، وذكره في "شرح المهذب" هنا 235.
(ما لم يقع في شك) بأن يخشي طلوع الفجر؛ لحديث: "دع مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" 236.
(وليصُنْ لسانه عن الكذب، والغيبة) ونحوهما؛ كالشتم، والنميمة؛ لحديث: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بهِ .. فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" 237.
قال في "الدقائق": قول "المنهاج": (ولْيَصُنْ) هذه لام الأمر؛ أي: يلزمه ذلك 238، قال الأَذْرَعي: ولا شك فيه؛ لأن ذلك واجبٌ على كلّ أحد، ويتأكد في حقّ الصائم، وعدَّا في "الشرح"، و"الروضة" تبعًا لجماعةٍ ذلك من السنن، قال الإسنوي: (وينبغي تأويله علي الحالة التي يجوز تعاطي هذه الأشياء فيها؛ كالكذب للحاجة، والغيبة للتظلم، ونحوه) 239.
نعم؛ قد يجب الكذب لخلاص مظلوم من ظالم، أو لغير ذلك، وكذلك الغيبة؛
الجزء: 1 - الصفحة: 573
وَنَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ عَنِ الْجَنَابَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الْحِجَامَةِ وَالْقُبْلَةِ وَذَوْقِ الطَّعَامِ وَالْعِلْكِ، وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: (اللَّهُمَّ لَكَ صمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ)، وَأَنْ يُكْثِرَ الصَّدَقَةَ وَتلَاوَةَ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ،
كإخباره عن مساويء الخاطب، وعيوب المبيع، وغيرهما؛ فيرد ذلك على المصنف.
(ونفسَه عن الشهوات) من المسموعات، والمبصرات، والمشمومات، والملابس، ونحوه؛ لأنه سرُّ الصوم، ومقصوده الأعظم؛ لتنكسر نفسه عن الهوى، وتقوى على التقوي بكفّ جوارحه عن تعاطي ما يشتهيه.
قال في "الدقائق": (ولا يمتنع هذا العطف؛ لأن النوعين اشتركا في الأمر بهما، لكنَّ الأول أمرُ إيجاب، والثاني استحبابٍ) انتهي 240.
(ويستحب: أن يغتسل عن الجنابة) والحيض، والنفاس (قبل الفجر) ليؤدي العبادة على الطهارة، وليخرج من خلاف أبي هريرة حيث قال: لا يصح صومه 241.
ولو طهرت الحائض ليلًا، ونوت الصومَ، واغتسلت في النهار .. صحَّ صومها.
ويكره للصائم دخولُ الحمام، قاله المَحاملي والجرجاني 242.
(وأن يحترز عن الحجامة) والفصد؛ للاختلاف فيهما كما مر، (والقُبلة) هذه المسألة مكررة، وقد تقدم كراهتها، بل تحريمها، (وذَوْق الطعام) خوف الوصول إلي حلقه، (والعِلك) لأنه يجمع الريق ويعطش، وليخرج من خلاف من فطَّر الصائم به.
(وأن يقول عند فطره: "اللهم؛ لك صمتُ، وعلى رزقك أفطرت") للاتباع، رواه أبو داود مرسلًا، وأسنده الدارقطني مرفوعًا، لكن بسند ضعيف 243.
(وأن يُكثر الصدقةَ، وتلاوةَ القرآن في رمضان) أما الصدقة .. فلأن الحسنات فيه
الجزء: 1 - الصفحة: 574
وَأَنْ يَعْتَكِفَ لَا سِيَّمَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْهُ.
فَصْلٌ [في شروط وجوب صوم رمضان]
شَرْطُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ: الْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَإِطَاقَته. وَيُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ لِسَبْعٍ إِذَا أَطَاقَ
مضاعفة، ولما فيه من تفطير الصائم، وأما التلاوة .. ففي "الصحيحين": (أن جبريلَ عليه السّلام كان يلقي النبي صلي الله عليه وسلم في كلِّ سنة في رمضان حتي ينسلخ، فيعرض عليه النبي صلي الله عليه وسلم القرآن) 244.
(وأن يعتكف) فيه؛ لأنه أقرب إلى صيانة النفس (لا سيَّما في العشر الأواخر منه) رجاءَ مصادفةِ ليلة القدر؛ إذ هي منحصرةٌ فيه عندنا.
وكان الأولى أن يقول: (وأن يكثر الصدقة، والتلاوة، والاعتكاف) لأن الاعتكاف مستحبّ مطلقًا، لكنه يتأكد في رمضان؛ كالصدقة، والتلاوة.
(فصل: شرط وجوب صوم رمضان: العقل، والبلوغ) فلا يجب على صبي، ومجنون؛ لرفع القلم عنهما.
نعم؛ يرد السكران المأثوم؛ لأنه غير عاقل، ومع ذلك يجب عليه، ولا يصح منه، خلافًا للقفال.
(وإطاقته) فلا يلزم العاجز بمرض، أو كِبَرٍ بالإجماع، ولا يشترط لوجوبه الإسلام، فإن المرتد يجب عليه قطعًا، وكذا علي الكافر الأصلي على الصحيح.
(ويؤمر به الصبي لسبع إذا أطاق) وميزَّ، ويُضرَب على تركه لعشر؛ ليتمرن عليه؛ كالصلاة، والصبية كالصبي.
قال المحب الطبري: إنما ضرب على الصلاة؛ للحديث، والصومُ فيه مشقة ومكابدة، بخلاف الصلاة، فلا يصح الإلحاق، فالأولى: أن يؤمر به ليعتاده، ولا يعاقب على تركه.
الجزء: 1 - الصفحة: 575
ويُبَاحُ تَرْكُهُ: لِلْمَرِيضِ إِذَا وَجَدَ بِهِ ضَرَرًا شَدِيدًا، وَللْمُسَافِرِ سَفَرًا طَوِيلًا مُبَاحًا. وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَمَرِضَ .. أَفْطَرَ، وَإِنْ سَافَرَ .. فَلَا. وَلَوْ أَصْبَحَ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ صَائِمَيْنِ ثُمَّ أَرَادَا الْفِطْرَ .. جَازَ، فَلَوْ أَقَامَ وَشُفِيَ .. حَرُمَ الْفِطْرُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِذَا أَفْطَرَ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ .. قَضَيَا، وَكَذَا الْحَائِضُ، ...
(ويباح تركه للمريض إذا وَجد به ضررًا شديدًا) بالنصِّ والإجماع، (وللمسافر سفرًا طويلًا مباحًا) لما مر في (باب صلاة المسافر).
(ولو أصبح صائمًا فمرض .. أفطر) لوجود المعني المحوج إلي الفطر من غير اختياره، ولا يجوز له الفطر حتى ينوي به الخروجَ من الصوم؛ كالمحصر يريد التحلل، قاله صاحب "البيان" والمحب الطبري 245، وقال: إن فائدةَ اقترانها بالفطر: تمييزُ الفطر المباح من غيره.
(وإن سافر .. فلا) يفطر؛ تغليبًا لحكم الحضر؛ لأنه الأصل؛ كالصلاة إذا شرع فيها ثم سافر.
(ولو أصبح المسافر والمريض صائمين، ثم أرادا الفطرَ .. جاز) لأن المقتضي للترخص قائمٌ، وقيل: لا يجوز؛ كما لو نوى الإتمام .. ليس له القصر.
وفرق الأول: بأن تدارك ما شَرَع فيه واجبٌ بالقضاء، بخلاف القصر، وعلي
الأصح: لا كراهة في ذلك على الأصح في "شرح المهذب" 246.
(فلو أقام) المسافر (وشُفي) المريض ( .. حَرُمَ الفطر علي الصحيح) لانتفاء المبيح، والثاني: لا يحرم؛ اعتبارًا بأول اليوم، ولهذا لو أصبح صائمًا ثم سافر .. لم يكن له الفطر، وهذا إذا قلنا: إنه يفطر في المسالة التي قبلها؛ كما جزم به المصنف، أما إذا قلنا: لا يفطر .. فهنا أولي، قاله صاحب "المعين".
(وإذا أفطر المسافر والمريض .. قضيا) لقوله تعالي: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ التقدير: فأفطر فعدة، (وكذا الحائض) بالإجماع،
الجزء: 1 - الصفحة: 576
وَالْمُفْطِرُ بِلَا عُذْرٍ، وَتَارِكُ النِّيَّةِ الْوَاجِبَةِ. وَيَجبُ قَضَاءُ مَا فَاتَ بِالإِغْمَاءِ وَالرِّدَّةِ دُونَ الْكُفْرِ الأَصْلِيِّ وَالصِّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. وَلَوْ بَلَغَ بِالَنَّهَارِ صَائِمًا .. وَجَبَ إِتْمَامُهُ بِلَا قَضَاءٍ. وَلَوْ بَلَغَ فِيهِ مُفْطِرًا أَوْ أَفَاقَ أَوْ أَسْلَمَ .. فَلَا قَضَاءَ فِي الأَصَحِّ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ فِي الأَصَحِّ،
(والمفطر بلا عذر) لأنه إذا وجب على المعذور .. فغيره أولى، (وتارك النية الواجبة) 247 عمدًا أو سهوًا؛ لأنه لم يصم؛ إذ صحته متوقفة عليها.
(ويجب قضاء ما فات بالإغماء) لأنه نوع مرض (والردةِ) لأنه التزم الوجوب بالإسلام، وقدر على الأداء؛ فهو كالمحدث (دون الكفر الأصلي) بالإجماع؛ لما في وجوبه من التنفير عن الإسلام.
(والصبي والمجنون) 248 لرفع القلم عنهما، ولو ارتدّ ثم جنّ، أو سكر ثم جنّ .. فالأصحُّ في "شرح المهذب" في الأولى: قضاء الجميع، وفي الثانية: أيام السكر؛ لأن حكم الردة مستمرٌّ، بخلاف السكر 249.
(ولو بلغ بالنهار صائمًا .. وجب إتمامه بلا قضاء) لأنه صار من أهل الوجوب في أثناء العبادة، فلزمه الإتمام؛ كما لو دخل في صوم تطوع ثم نذر إتمامه، وعلى هذا: لو جامع بعد البلوغ .. لزمته الكفارة، وقيل: يستحب إتمامه، ويجب القضاء.
(ولو بلغ فيه مفطرًا، أو أفاق، أو أسلم .. فلا قضاء في الأصح) لعدم التمكن من زمنٍ يسع الأداءَ؛ كما لو أدرك من أول الوقت ركعة ثم جنّ، والثاني: يجب القضاء؛ لأنهم أدركوا أجزاءً من وقت الفرض، ولا يمكن فعله إلا بيوم فيكمل؛ كما يصوم في الجزاء عن بعض مدٍّ يومًا، وقيل: لا يلزم المجنون قطعًا، ويلزم الكافر قطعًا؛ لتعدِّيه، بخلاف المجنون، قال ابن الصلاح: وهو متجه.
(ولا يلزمهم) يعني: هؤلاء الثلاثة (إمساكُ بقية النهار في الأصح) لأنهم أفطروا
الجزء: 1 - الصفحة: 577
وَيَلْزَمُ مَنْ تَعَدَّي بِالْفِطْرِ أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ، لَا مُسَافِرًا وَمَرِيضًا زَالَ عُذْرُهُمَا بَعْدَ الْفِطْرِ، وَلَوْ زَالَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَا وَلَمْ يَنْوِيَا لَيْلًا .. فَكَذَا فِي الْمَذْهَبِ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ أَكَلَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ
لعذر، فأشبهوا المسافر والمريض، والثاني: يلزمهم؛ لأنهم أدركوا وقت الإمساك، وإن لم يدركوا وقت الصوم.
(ويلزم) الإمساك (من تعدى بالفطر) عقوبة له، ومعارضة لتقصيره (أو نسي النية) من الليل؛ لأن نسيانه يُشعر بترك الاهتمام بأمر العبادة، فهو ضربٌ من التقصير.
(لا مسافرًا ومريضًا زال عذرُهما بعد الفطر) لأن زوال العذر بعد الترخص لا يؤثر؛ كما لو قصر المسافر، ثم أقام والوقت باق.
نعم؛ يستحب؛ لحرمة الوقت.
(ولو زال قبل أن يأكُلا، ولم ينويا ليلًا .. فكذا في المذهب) أي: لا يلزمهما الإمساكُ؛ لأن تارك النية مفطر حقيقة، فكان كما لو أكل، وقيل: فيه وجهان: أحدهما: يلزمه؛ حرمةً لليوم؛ كما لو لم يصلّ المسافر حتى أقام .. يلزمه الإتمام، وأصحُّهما: لا؛ لما سلف.
وقوله: (قبل أن يأكلا) تعبير ناقص، فلو قال: (قبله) أي: قبل الفطر .. لكان أخصر وأعم.
وإذا طهرت الحائض والنفساء في أثناء النهار .. لم يلزمهما الإمساكُ على الصحيح.
(والأظهر: أنه يلزم) الإمساك (من أكل يوم الشك، ثم ثبت كونه من رمضان) لأن صومه واجب عليه إلا أنه كان لا يعرفه، فإذا بان له .. لزمه الإمساك، والثاني: لا؛ لأنه أفطر بعذر؛ فأشبه المسافر إذا قدم بعد الإفطار.
وأجاب الأول: بأن المسافر يباح له الأكلُ مع العلم بأنه من رمضان، بخلاف يوم الشك، أما إذا ثبت كونه منه قبل الأكل، ولم يكن نوى .. فالأكثرون على ما دلّ عليه كلام "الكفاية" على القطع بالوجوب، لكن الذي في "أصل الروضة" عن "التتمة"
الجزء: 1 - الصفحة: 578
وَاِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ مِنْ خَوَاصِّ رَمَضَانَ، بخِلَافِ النَّذْر وَالْقَضَاءِ.
فَصْلٌ [في فدية الصوم الواجب]
مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَاتَ قَبْلَ إِمْكَانِ الْقَضَاءِ .. فَلَا تَدَارُكَ لَهُ وَلَا إِثْمَ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ .. لَمْ يَصُمْ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي الْجَدِيدِ،
من غير اعتراض عليه أن محل القولين: فيما إذا بان أنه منه قبل الأكل، فأما بعده؛ فإن قلنا هناك: لا يجب الإمساك .. فهنا أولى، وإلا .. فوجهان، أصحُّهما: الوجوب 250. (وإمساك بقية اليوم من خواصِّ رمضانَ، بخلاف النذر والقضاء) لانتفاء شرف الوقت؛ كما لا كفارة فيها، كذا جزما به، ونقل في "شرح المهذب" اتفاق الأصحاب عليه، قال الإسنوي: لكن نصَّ في "البويطي" على الإمساك في الجميع 251.
(فصل: من فاته شيء من رمضان، فمات قبل إمكان القضاء) بأن استمرَّ مرضه أو سفره المباح إلى موته ( .. فلا تدارك له) بالفدية، ولا بالقضاء عنه (ولا إثم) لأنه فرضٌ لم يتمكن منه إلي الموت، فسقط حكمه؛ كالحج، هذا إذا كان الفوات بعذر، أما غير المعذور، وهو المُتعدِّي بالفطر .. فإنه يأثم، ويتدارك عنه بالفدية، صرَّح به الرافعي في (باب النذر) في نذر صوم الدهر، وجعله أصلًا، وقاس عليه 252، وأشار إليه هنا بتمثيله بالمريض والمسافر 253. (وإن مات بعد التمكن .. لم يَصُم عنه وليه) أي: لا يصح صومُه عنه (في الجديد) لأن الصوم عبادة بدنية لا تدخلها النيابة في الحياة، فكذلك بعد الموت؛
الجزء: 1 - الصفحة: 579
بَلْ يُخْرَجُ مِنْ تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْم مُدُّ طَعَامٍ، وَكَذَا النَّذْرُ وَالْكَفَّارَةُ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ، وَالْوَليُّ: كُلُّ قَرِيبٍ عَلَى الْمُخْتَارِ،
كالصلاة، ولا فرق في هذا القسم بين فواته بعذر أو بغيره.
(بل يُخرَج من تركته لكلِّ يوم مدُّ طعام) من غالب قوت بلده؛ لحديث فيه رواه الترمذي، لكن قال: إن الأصحَّ: وقفه على ابن عمر، ورواه البيهقي عن فتوى عائشة وابن عباس رضي الله عنهم 254، ونقله الماوردي عن إجماع الصحابة 255.
والقديم: أنه لا يتعين الإطعام، بل يجوز أيضًا للولي أن يصوم عنه، بل يُستحبُّ له ذلك؛ كما قاله في "شرح مسلم" لحديث: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ .. صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" متفق عليه 256.
ونقل البَنْدَنيجي أنَّ الشافعي نصَّ عليه في "الأمالي" أيضًا، فقال: إن صحَّ الحديث .. قلت به، و"الأمالي" من كتبه الجديدة.
واستثنى بعضهم من إطلاق الخلاف: ما إذا مات مرتدًا، فإنه يتعين الإطعام، ولا يجوز الصوم.
(وكذا النذر والكفارة) بأنواعها فيجييء فيهما القولان في رمضان؛ لعموم الأدلة المارة، وقيَّد في "الحاوي الصغير" الكفارة بكفارة القتل 257، واستغرب.
(قلت: القديم هنا أظهر) من جهة الدليل؛ للحديث السابق وغيره من الأحاديث الصحيحة، قال السبكي بعد كلام بسطه: ويتعيَّن أن يكون هو المفتي به.
(والولي: كلّ قريب على المختار) لأن الوليَّ مشتقٌ من الولْي -بإسكان اللام- وهو: القرب، فيحمل عليه ما لم يدلّ دليل على خلافه، واختاره أيضًا ابن الصلاح، وصاحب "الذخائر"، وجزم به القاضي أبو الطيب في "تعليقه".
وقيل: المراد به: الوارث، وبه جزم الماوردي في آخر (كتاب الوصايا)، وقال
الجزء: 1 - الصفحة: 580
وَلَوْ صَامَ أَجْنَبِيٌّ بِاِذْنِ الْوَليِّ .. صَحَّ، لَا مُسْتَقِلًّا فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوِ اعْتِكَافٌ .. لَمْ يُفْعَلْ عَنْهُ وَلَا فِدْيَةَ، وَفِي الاعْتِكَافِ قَوْلٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ الْمُدِّ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ لِلْكِبَرِ. وَأَمَّا الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ فَإِنْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى نَفْسَيْهِمَا .. وَجَبَ الْقَضَاءُ بِلَا فِدْيَةٍ،
الرافعي: إنه الأشبه 258، وقيل: العاصب، وقيل: من له ولاية المال.
(ولو صام أجنبيٌّ) على هذا القول (بإذن الولي .. صحّ) بأجرة ودونها؛ كالحج (لا مستقلًا في الأصح) لأنه لم يرد، والثاني: يصح؛ كما يوفي دينه بغير إذنه.
(ولو مات وعليه صلاة، أو اعتكاف .. لم يُفعل عنه، ولا فديةَ) لعدم ورودها، (وفي الاعتكاف قولٌ) في "البويطي": أنه يعتكف عنه وليه، وفي رواية: يطعم عنه وليه، قال البغوي: ولا يبعد تخريج هذا في الصلاة، فيطعم عن كلّ صلاة مُدًّا 259 (والله أعلم).
وإذا قلنا: بالإطعام في الاعتكاف .. فقال الجويني: يقابل كلّ يوم وليلة بمدّ، واستشكله الإمام: بأن كلَّ لحظة عبادة تامة؛ فإن قيس على الصوم .. فالليل خارج عن الاعتبار 260.
(والأظهر: وجوب المدّ على من أفطر للكبر) لكونه شيخًا هرمًا تلحقه مشقةٌ شديدةٌ، روي ذلك عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم، ولا مخالف لهم، فيجب عن كلّ يوم مدٌّ إذا كان موسرًا، والثاني: المنع؛ لأنه أفطر لأجل نفسه بعذر، فأشبه المسافر والمريض إذا ماتا قبل انقضاء السفر والمرض.
وفرق الأول: بأن الشيخ لا يتوقع زوال عذره، بخلافهما، وفي معنى الكبير: المريض الذي لا يُرجى برؤه.
(وأما الحامل والمرضع؛ فإن أفطرتا خوفًا على نفسيهما) من حصول ضرر بالصوم؛ كالضرر الحاصل للمريض ( .. وجب القضاءُ بلا فدية) كالمريض،
الجزء: 1 - الصفحة: 581
أَوْ عَلَى الْوَلَدِ .. لَزِمَتْهُمَا الْفِدْيَةُ فِي الأَظْهَرِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْمُرْضِعِ مَنْ أَفْطَرَ لإِنْقَاذِ مُشْرِفٍ عَلَي هَلَاكٍ،
وسواء تضرر الولدُ معهما أم لا.
(أو على الولد .. لزمتهما الفدية في الأظهر) مع القضاء 261؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قال ابن عباس: (إنها منسوخة إلا في حقّ الحامل والمرضع عند الخوف، فإنهما يفطران ويفديان عن كلّ يوم طعامَ مسكين) رواه البيهقي 262، والثاني: لا يلزمهما؛ كالمسافر والمريض، لأن فطرهما لعذر، والثالث: يجب على المرضع دون الحامل، لأن فطرها لمعنى فيها؛ كالمريض.
وتعبيره بـ (الولد) أحسن من تعبير "التنبيه" بولديهما 263؛ لأن المتبرعة كالأم وإن لم تتعين، ذكره في "زيادة الروضة"، وكذا صحح فيها: أن المستأجرة لو خافت على الولد المستأجرة لإرضاعه .. أفطرت، ووجبت الفدية، وهل تجب الفدية عليها أم على المستأجِر؟ فيه احتمالان للقاضي؛ كدم التمتع، قال في "شرح المهذب": ولعل الأصحَّ: أنها عليها، بخلاف دم التمتع، فإنه على المستأجِر في الأصحِّ؛ لأن الأول من تتمة إيصال المنفعة الواجبة، بخلاف دم التمتع، فإنه من تمام الحج الواجب عليه 264.
ويستثنى من كلام المصنف: المتحيرة إذا أفطرت للإرضاع، لا فدية عليها على الصحيح للشكّ، ذكره في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب" في (باب الحيض) 265.
(والأصح: أنه يُلحَق بالمرضع) في إيجاب الفدية مع القضاء (مَنْ أفطر لإنقاذ مُشرف على هلاك) بغرق وغيره، من آدمي معصوم، أو حيوان محترم بجامع الإفطار بسبب الغير، فلو أفطر لتخليص ماله .. فلا فدية عليه؛ كما صرح به القفال؛ لأنه لم
الجزء: 1 - الصفحة: 582
لَا الْمُتَعَدِّي بِفِطْرِ رَمَضَانَ بِغَيْرِ جِمَاعٍ. وَمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ مَعَ إِمْكَانِهِ حَتَّي دَخَلَ رَمَضَانٌ آخَرُ .. لَزِمَهُ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ، وَالأَصَحُّ: تَكَرُّرُهُ بِتَكَرُّرِ السِّنِينَ،
يرتفق به إلا شخص واحد، بخلاف الحيوان المحترم؛ فإنه يرتفق به شخصان، والثاني: لا يلتحق بها؛ لأن إيجاب الفدية مع القضاء بعيد عن القياس، والتعويل في حقّ المرضع والحامل على التوقيف، والفطر في هذه الحالة واجب إذا لم يمكن تخليصه إلا به.
(لا المتعدِّي بفطر رمضانَ بغير جماع) فإنه لا يلتحق في وجوب الفدية بالحامل على الأصحِّ؛ لأنه لم يرد فيه توقيف، والأصل: عدمه، وأيضًا حيث وجبت الفديةُ إنما وجبت جابرةً لما وقع من الخلل، وحرمته أعظم من أن تجبرها الفدية، وصحح في "شرح المهذب" القطع به 266، والثاني: تلزمه الفدية؛ لأنها واجبة على الحامل والمرضع مع العذر، فهو أولى منهما، وقرَّب الإمام الخلاف من الخلاف في تعمد ترك الأبعاض، هل يقتضي سجود السهو؟ لكن الصحيح: أنه يسجد 267.
(ومن أخَّر قضاءَ رمضان مع إمكانه حتى دخل رمضان آخر .. لزمه مع القضاء لكلّ يوم مدّ) لأن ستة من الصحابة رضي الله عنهم قالوا بذلك 268، ولا يعرف لهم مخالف؛ كما قاله الماوردي 269.
والمراد بالإمكان: عدم العذر؛ فإذا كان مسافرًا أو مريضًا .. فلا فدية عليه بهذا التأخير؛ لأن تأخير الأداء بهذا العذر جائز، فتأخير القضاء أولى.
(والأصح: تكرره بتكرر السنين) لأن الحقوق المالية لا تتداخل، والثاني: لا تتكرر؛ كالحدود.
ومحل الخلاف: إذا لم يكن أخرج الفدية؛ فإن أخرجها، ثم لم يقض حتى دخل رمضان آخر .. وجبت ثانيًا بلا خلاف، وهكذا حكم العام الثالث فصاعدًا، ذكره
الجزء: 1 - الصفحة: 583
وَأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ مَعَ إِمْكَانِهِ فَمَاتَ .. أُخْرِجَ مِنْ تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّانِ: مُدٌّ لِلْفَوَاتِ وَمُدٌّ لِلتَّأْخِيرِ. وَمَصْرِفُ الْفِدْيَةِ: لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَلَهُ صَرْفُ أَمْدَادٍ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ. وَجِنْسُهَا: جِنْسُ الْفِطْرَةِ.
البغوي والخوارزمي وغيرهما 270، قال الإسنوي: وهو واضح؛ لأن الحدود بعد إقامتها تقتضي التكرار عند الفعل ثانيًا بلا خلاف، مع أنها أخفّ مما نحن فيه؛ بدليل أنه يكفي العدد منها حَدٌّ واحد قطعًا.
(وأنه لو أخر القضاءَ مع إمكانه فمات .. أُخرج من تركته لكلّ يوم مدّان: مُدٌّ للفوات ومُدٌّ للتأخير) لأن كلًّا منهما موجبٌ عند الانفراد، فكذلك عند الاجتماع، والثاني: يكفي مُدٌّ واحد؛ لأن الصوم قد فات، والفوات يقتضي مدًّا واحدًا؛ كالشيخ الهرم.
ومحل الخلاف: إذا قلنا بالجديد، فإن قلنا: بالقديم، وهو صوم الولي وصام .. وجبت فدية واحدة للتأخير.
(ومَصرِف الفدية: للفقراء والمساكين) دون غيرهما من الأصناف الثمانية؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ والفقير أسوأ حالًا منه.
(وله صرف أمداد إلى شخص واحد) بخلاف المدّ الواحد؛ فإنه لا يجوز صرفه إلى شخصين؛ لأن كلَّ مُدٍّ بمثابة كفارة تامة، ويفارق زكاةَ الفطر، فإنه يجوز صرف صاع إلى مئة مسكين مثلًا، وجزاء الصيد فيه احتمالان للقفال في "فتاويه" أحدهما: إلحاقه بالفدية، فلا ينقص كلّ مسكين عن مدّ، والثاني: أنه يجوز النقص؛ لأن الغرامة قد تكون أقلّ منه.
(وجنسُها: جنس الفطرة) على ما سبق بيانه بما فيه من خلاف ووفاق، ويعتبر في المدّ الذي نوجبه هنا وفي الكفارات: أن يكون فاضلًا عن قوته؛ كزكاة الفطر، قاله القفال في "فتاويه".
الجزء: 1 - الصفحة: 584
فَصْلٌ [في موجب كفارة الصوم]
تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِ صَوْمِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ أَثِمَ بِهِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ، ...
(فصل: تجب الكفارة بإفساد صوم يوم من رمضان بجماع 271 أثم به بسبب الصوم) لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله؛ هلكت، قال: "وَمَا أَهْلَكَكَ؟ ". قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فقال: "هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟ " قال: لا، قال: "هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ "، قال: لا، قال: "فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ "، قال: لا، ثم جلس، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق فيه تمر، وهو الزِّنْبيل، قال: "تَصَدَّقْ بِهَذَا" قال: على أفقر منا؟ ! فو الله ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: "أذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" متفق عليه 272.
وفي رواية أبي داوود: (أتي بعَرَق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعًا) 273، قال البيِهقي: وهي أصحّ من رواية من روى فيه (عشرين صاعًا) 274، وهو إجماع إلا من شذَّ.
والقيود المذكورة سيشرحها المصنف، وكان ينبغي أن يقيد الصومَ بصوم نفسه؛
الجزء: 1 - الصفحة: 585
وَلَا كَفَّارَةَ: عَلَى نَاسٍ، وَلَا مُفْسِدِ غَيْرِ رَمَضَانَ، أَوْ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، وَلَا مُسَافِرٍ جَامَعَ بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ، وَكَذَا بِغَيْرِهَا فِي الأَصَحِّ، وَلَا عَلَى مَنْ ظَنَّ اللَّيْلَ فَبَانَ نَهَارًا،
ليخرج ما لو جامع المسافر ونحوه امرأته ففسد صومها؛ فإنه لا كفارة عليه بإفساده على الأظهر، ويرد على عكس الضابط: إذا طلع الفجر وهو مجامع فاستدام .. فإن الأصحَّ في "شرح المهذب": أن الصوم لم ينعقد، فالجماع لم يُفسد صومًا، ومع ذلك تجب الكفارة 275.
(ولا كفارةَ على ناسٍ) لأن صومه لم يفسد بذلك، وهذا محترز قوله: (بإفساد)، بل لا كفارة أيضًا على الصحيح وإن جعلناه مفسدًا، لعدم الإثم.
(ولا مفسدِ غيرِ رمضان) من نذر، أو قضاء، أو كفارة؛ لأن النصَّ وردَ في رمضان، وهو مخصوص بفضائل لا يشاركه غيرُه فيها، فلا يصح قياس غيره عليه، وهذا ما احترز عنه بقوله: (من رمضان).
(أو بغير جماع) كالأكل وغيره؛ لأن النصَّ ورد في الجماع، وغيرُه ليس في معناه، وهذا ما احترز عنه بقيد (الجماع).
(ولا مسافرٍ جامع بنية الترخص) لأنه لم يأثم؛ لوجود القصد مع الإباحة.
(وكذا بغيرها في الأصح) لأن الإفطار مباحٌ له؛ فيصير شبهة في درء الكفارة، والثاني: يلزمه؛ لأن الرخصة لا تحصل بدون قصدها، والمريض في ذلك كالمسافر، وهذا محترز قوله: (أثم به) كذا قيل: وفيه نظر؛ فإنه إذا لم ينو .. يأثم؛ كما صرح به في "التتمة"، ونقله المحب الطبري عن الأصحاب، واقتضاه كلام الرافعي 276؛ فتردُ هذه على الضابط.
نعم؛ يمكن الاحتراز به عن جماع الصبي.
(ولا على من ظنّ الليلَ فبان نهارًا) وذلك بأن ظنّ بقاء الليل، أو دخوله فجامع، ثم بان خلافه؛ لانتفاء الإثم، قال الإمام: ومن أوجب الكفارة على الناسي
الجزء: 1 - الصفحة: 586
وَلَا مَنْ جَامَعَ بَعْدَ الأَكْلِ نَاسِيًا وَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الأَصَحُّ بُطْلَانَ صَوْمِهِ، وَلَا مَنْ زَنَى نَاسِيًا، وَلَا مُسَافِرٍ أَفْطَرَ بِالزِّنَا مُتَرَخِّصًا. وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الزَّوْجِ عَنْهُ،
بالجماع .. يقول مثله هنا؛ لتقصيره في البحث 277.
وفي "الشرح" و"الروضة": ينبغي أن يكون عدم وجوب الكفارة فيما إذا ظنّ دخول الليل مفرعًا على تجويز الإفطار، والحالة هذه، وإلا .. فتجب الكفارة؛ وِفاءً بالضابط المذكور 278.
(ولا من جامع بعد الأكل ناسيًا، وظن أنه أفطر به) لأنه وطيء وهو يعتقد أنه غير صائم.
وقوله: (ناسيًا) متعلق بـ (الأكل).
(وإن كان الأصح: بطلان صومه) بهذا الجماع؛ كما لو جامع على ظنّ بقاء الليل فبان خلافه، والثاني: لا يبطل؛ كما لو سلّم من ركعتين من الظهر ناسيًا، وتكلم عامدًا .. لا تبطل صلاته.
أما إذا علم أنه لا يفطر به، ثم جامع في يومه .. فيفطر، وتجب الكفارة قطعًا.
(ولا مَنْ زنى ناسيًا) للصوم، هذا ذكره الغزالي، فتبعه في "المحرر"، ولا حاجة إليه؛ لأنه داخل في قوله السابق: (ولا كفارة على ناسٍ)، فعدم الكفارة عليه؛ لعدم فطره لا جَرَمَ أن الرافعي في "الشرح" فرَّعه على القول بأن الجماع ناسيًا مُفسدٌ 279، وحينئذ فيكون بيانًا لما احترز عنه بقوله: (بسبب الصوم)؛ لأن الإثم بسبب الزنا خاصة.
(ولا مسافرٍ أفطر بالزنا مُترخِّصًا) لأن الفطر جائزٌ له، وإثمه بسبب الزنا لا بسبب الصوم.
(والكفارة على الزوج عنه) دونها؛ لأنه عليه السلام لم يأمر بها زوجة المجامع
الجزء: 1 - الصفحة: 587
وَفِي قَوْلٍ: عَنْهُ وَعَنْهَا، وَفِي قَوْلٍ: عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ أُخْرَي. وَتلزَمُ مَنِ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَجَامَعَ فِي يَوْمِهِ
أهلَه مع مشاركتها له في السبب 280؛ لأنه جاء في رواية: (هلكت وأهلكت) 281، ولو وجب عليها .. لبينَّه؛ كما في الرجل، (وفي قول: عنه وعنها) أي: يلزمهما كفارة واحدة ويتحملها الزوج؛ لمشاركتها له في السبب؛ كما هو ظاهر الخبر.
ومحل هذا القول: إذا لم يكونا من أهل الصيام، فإن كانا من أهله؛ لكونهما معسرين أو مملوكين .. لزم كلّ واحد صومُ شهرين؛ لأن العبادة البدنية لا تتحمل، وإن كان من أهل العتق والإطعام، وهي من أهل الصيام .. فالأصحُّ: أنه يجزيء عنها إلا أن تكون أمة؛ فإنه لا يجزيء العتق عنها على الصحيح.
ومحله أيضًا: إذا كانت زوجة؛ كما يرشد إليه قوله: (على الزوج)، أما الموطوءة بالشبهة والمزني بها .. فلا يتحمل عنها قطعًا، ولو كان الزوج مجنونًا .. لم يلزمها شيء على القول الأول، ويلزمها على الثاني؛ لأن الزوج ليس أهلًا للتحمل.
(وفي قول: عليها كفارة أخري) قياسًا على الرجل؛ لتساويهما في السبب، ولأنها عقوبة، فاشتركا فيها؛ كحد الزنا، وهذا في غير المتحيرة، أما هي .. فلا كفارة عليها على الأصحِّ في "زيادة الروضة" في (باب الحيض) 282.
ومحل هذا القول والذي قبله: إذا كانت المرأة صائمة، ومكَّنت طائعة عالمة، فإن كانت مفطرة، أو نائمة صائمة .. فلا كفارة عليها قطعًا، ولا يبطل صومها.
ومحلهما أيضًا: إذا وطئت في قبلها، فإن وطئت في الدبر .. فلا كفارة عليها وفاقًا، نقله ابن الرفعة عن القاضيين أبي الطيب وأبي علي البَنْدَنيجي ثم قال: (وكذا حكم إتيان الرجل في الدبر) 283. (وتلزم من انفرد برؤية الهلال وجامع في يومه) لهتكه حرمةَ يومٍ من رمضان عنده بالجماع.
الجزء: 1 - الصفحة: 588
وَمَنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ .. لَزِمَهُ كَفَّارَتَانِ. وَحُدُوثُ السَّفَرِ بَعْدَ الْجِمَاعِ لَا يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ، وَكَذَا الْمَرَضُ عَلَي المَذْهَبِ. وَيَجِبُ مَعَهَا قَضَاءُ يَوْمِ الإِفْسَادِ عَلَي الصَّحِيحِ، وَهِيَ: عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ .. فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ .. فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا،
(ومن جامع في يومين .. لزمه كفارتان) لأن كلَّ يوم عبادة منفردة، فلا تتداخل كفارتاهما؛ كحجتين إذا جامع فيهما، فإن تكررَ الجماعُ في يوم واحد .. فلا تعدد.
(وحدوث السفر بعد الجماع لا يُسقط الكفارة) لأن السفر المنشأ في أثناء النهار لا يبيح الفطر، فعروضه لا يؤثر فيما وجب من الكفارة.
(وكذ المرض على المذهب) لهتكه حرمة صوم اليوم بذلك، والثاني: يسقط؛ لأن حدوث المرض يبيح الفطر؛ فتبيَّن به أن الصوم لم يقع واجبًا، وهذه هي الطريقة الصحيحة، والطريقة الثانية: القطع بالأول؛ كالسفر.
وحدوثُ الجنون، والموت، والحيض، والنفاس يسقطها على الأظهر، وصورة طروء الحيض والنفاس مُفرَّعةٌ على قول الوجوب عليها.
(ويجب معها) أي: مع الكفارة (قضاءُ يومِ الإفساد على الصحيح) لأنه إذا وجب على المعذور؛ فعلي غيره أولى، وروي أبو داوود أنه عليه السلام أمر به الأعرابي 284، والثاني: لا يجب؛ لانجبار الخلل الحاصل بالكفارة، والثالث: إن كفَّر بالصوم .. دخل فيه القضاء، وإلا .. لم يدخل؛ لاختلاف الجنس.
قال الإمام: ولا خلاف في أن المرأة يلزمها القضاءُ إذا لم تلزمها الكفارة، ولا يتحمل الزوج؛ لأن الكفارة إذا كانت صومًا .. لم يتحملها على القول بإيجابها على المرأة، فالقضاء أولى 285.
(وهي) يعني: كفارة الوقاع في رمضان (عتق رقبة، فإن لم يجد .. فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع .. فإطعام ستين مسكينًا) للحديث المارّ 286، وهذه الخصال الثلاث صفتها مذكورة في (كتاب الظهار).
الجزء: 1 - الصفحة: 589
فَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْجَمِيعِ .. اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ فِي الأَظْهَرِ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَى خَصْلَةٍ .. فَعَلَهَا. وَالأَصحُّ: أَنَّ لَهُ الْعُدُولَ عَنِ الصَّوْمِ إِلَى الإِطْعَامِ؛ لِشِدَّةِ الْغُلْمَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ صَرْفُ كَفَّارَتهِ إِلَى عِيَالِهِ
(فلو عجز عن الجميع .. استقرَّت في ذمته في الأظهر) لأنه عليه السلام أمر الأعرابي أن يكفر بما دفعه إليه مع إخباره بعجزه 287، فدلَّ على أنها ثابتة في الذمة مع العجز، والثاني: لا، بل تسقط؛ كزكاة الفطر، ولأنه عليه السلام لم يذكر ذلك للأعرابي مع جهله بالحكم.
وأجيب عنه: بأن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز ولو قدر على البعض.
قال الدارمي في "الاستذكار": إن قلنا: إذا لم يقدر على الكلّ فهو في ذمته .. فههنا أولى، وإن قلنا: يسقط .. فوجهان: أحدهما: يسقط، فلا يخرج شيئًا، والثاني: لا يسقط، فعلى هذا وجهان: أحدهما: يخرج ما معه، ولا شيء عليه، والثاني: يكون في ذمته الباقي.
(فإذا قدر على خصلةٍ .. فعلها) كما لو كان قادرًا عليها حال الوجوب.
(والأصح: أن له العدولَ عن الصوم إلى الإطعام؛ لشدّة الغُلْمة) أي: الحاجة إلى النكاح؛ لأن حرارة الصوم وشدة الغُلْمة قد يفضيان به إلى الوقاع ولو في يوم واحد من الشهرين، فيقتضي استئنافهما، وهو حرج شديد، وفي الحديث: (وهل أُتيت إلا من الصوم) 288، والثاني: لا؛ لأنه قادر على الصوم، فلم يجز العدول عنه؛ كصوم رمضان.
(وأنه لا يجوز للفقير صرفُ كفارته إلى عياله) كالزكوات، وسائر الكفارات، والثاني: يجوز؛ لأنه عليه السلام قال للمجامع: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" 289.
وأجيب عنه بأجوبة؛ منها: أنه ليس في الحديث ما يدلّ على وقوع التمليك، وإنما أراد أن يملكه ليكفر به؛ فلمَّا أخبره بحاله .. تصدق به عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 590
باب صوم التَّطوُّع يُسَنُّ: صَوْمُ الاثنيْنِ، وَالْخَمِيسِ، وَعَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ، وَتَاسُوعَاءَ، ...
﴿باب صوم التطوع﴾
التطوع: ما ليس بفرض من العبادات.
(يسن: صوم الاثنين، والخميس) لأنه عليه السلام كان يتحرى صومَهما، وقال: "إِنَّهُمَا يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ" رواه الترمذي، وقال: حديث حسن 290، والمراد: عرضها على الله تعالى.
(وعرفة) لأنه "يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ" كما رواه مسلم 291.
قال الإمام: والمكفَّر: الصغائر دون الكبائر 292، قال صاحب "الذخائر": وهذا منه تحكّم يحتاج إلى دليل، والحديث عام، وفضل الله واسعٌ لا يُحجر.
قال الماوردي: وللتكفير تأويلان: أحدهما: الغفران، والثاني: العصمة حتى لا يعصي 293.
ويستثنى: الحاج؛ فإن فطره لعرفة مستحبّ؛ تأسيًا، وتقويًا على الدعاء.
نعم؛ لو أخَّر وقوفه إلى الليل لعذر، أو غيره .. استحب له صومه؛ كما قاله المصنف في "نكت التنبيه".
ويستحب أيضًا: صوم ثامن ذي الحجة؛ احتياطًا لعرفة، قاله المتولي وغيره.
(وعاشوراء) لأنه "يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ" كما رواه مسلم 294.
(وتاسوعاء) لقوله عليه السلام: "لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ .. لأَصُومَنَّ الْيَوْمَ التَّاسِعَ"، فمات قبله، رواه مسلم 295، والمعنى فيه: مخالفة اليهود؛ فإنهم يصومون العاشر.
الجزء: 1 - الصفحة: 591
وَأَيَّامِ الْبِيضِ، وَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ، وَتَتَابُعُهَا أَفْضَلُ. وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ الْجُمُعَةِ،
ويستحب أيضًا: صوم الحادي عشر؛ كما نصَّ عليه في "الأم"، و"الإملاء".
(وأيام البيض) أي: أيام الليالي البيض، وهي: الثالث عشر وتالياه؛ للأمر بصومها في "النسائي" 296، وقيل: الثاني عشر بدل الخامس عشر، قال في "الروضة": والاحتياط: صومهما معًا 297.
ويستثنى من ذلك: ذو الحجة؛ فإن صوم ثالث عشره حرام، فهل يسقط في هذا الشهر، أو يعوّض عنه السادس عشر؛ قال شيخنا: فيه احتمال، ولم أر من تعرض لذلك.
(وستةٍ من شوال)، ففي "صحيح مسلم": "مَنْ صَامَ رَمَضانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالَ .. كَانَ كَصيَامِ الدَّهْرِ" 298.
والمعنى فيه: أن الحسنة بعشرة أمثالها، وإنما اختصت السِّتة بشوال؛ لأن المراد: صيام الدهر فرضًا فتفضَّل الشارع علينا ووسَّع، فجعل أن من بادر عقب رمضان فأتى بالستة من شوال .. يكون ثوابُه عليها ثواب الفرض لرمضان، وحينئذ فيحصل ثواب الدهر فرضًا بما ذكره، ونفلًا بالثلاثة المأتي بها في كلّ شهر.
(وتتابُعها أفضل) عقب العيد؛ لما في التأخير من الآفات.
(ويكره إفراد الجمعة) للنهي عنه 299، والمعني في استحباب فطره: التقوي على الوظائف المطلوبة فيه، وإنما زالت الكراهة بصوم يوم معه؛ لأنه يجبر ما حصل من النقص.
ومحل كراهة إفراده: ما إذا لم يوافق عادة له، ذكره في "شرح المهذب"، لكنه مثَّله بأن يَنْذُر صومَ يوم شفاء مريضه، أو قدوم زيد أبدًا، فوافق يوم جمعة 300.
واعترضه الإسنوي: بأن الكلام في صومه نفلًا، وهو في هذا المثال فرض،
الجزء: 1 - الصفحة: 592
وَإِفْرَادُ السَّبْتِ، وَصَوْمُ الدَّهْرِ غَيْرَ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ مَكْرُوهٌ لِمَنْ خَافَ بِهِ ضَرَرًا أَوْ فَوْتَ حَقٍّ، وَمُسْتَحَبٌّ لِغَيْرِهِ
فالصواب: تمثيله بما إذا كان عادته صوم يوم وفطر يوم، فوافق صوم يوم جمعة 301.
(وإفرادُ السبت) للنهي عنه أيضًا 302، قال البيهقي في "فضائل الأوقات": وكأن هذا النهي إن صحَّ إنما هو لإفراده بالصوم؛ تعظيمًا له، فيكون فيه تشبيه باليهود.
انتهى 303.
وقال الحليمي في "منهاجه": كأن المعنى في كراهته: أن الصوم إمساك، وتخصيصه بالإمساك عن الاشتغال من عوائد اليهود 304.
وقضية هذا المعنى: كراهة إفراد الأحد أيضًا؛ لأن النصاري تُعظّمه، وصرَّح به ابن يونس في "النبيه" 305، وصاحب "الشامل الصغير"، قال في "البحر": ولا يكره إفراد يوم عيد من أعياد أهل الملل بالصوم؛ كالنيروز والمهرجان 306.
(وصوم الدهر غيرَ العيد والتشريق مكروهٌ لمن خاف به ضررًا، أو فَوت حقّ) لما في "صحيح مسلم": "لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ" 307.
(ومستحب لغيره) للأدلة الدالة على استحباب الصوم، والحديث المار محمولٌ على الحالة الأولى، وهذا التفصيل ذكره الجمهور، وأطلق البغوي الكراهة، والغزالي الاستحباب، وتبعه "الحاوي الصغير"، وحيث قلنا إن صوم الدهر
الجزء: 1 - الصفحة: 593
وَمَنْ تَلَبَّسَ بِصَوْمِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَلَاتِهِ .. فَلَهُ قَطْعُهُمَا وَلَا قَضَاءَ. وَمَنْ تَلَبَّسَ بِقَضَاءٍ .. حَرُمَ عَلَيْهِ قَطْعُهُ إِنْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ، وَهُوَ صَوْمُ مَنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ فِي الأَصَحِّ؛ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ
مستحبٌ .. فصوم يوم، وفطر يوم أفضل؛ كما قاله في "التتمة"، وصححه في "شرح مسلم" 308.
(ومن تلبَّس بصوم تطوع أو صلاته .. فله قطعهما) أما الصوم .. فلقوله عليه السلام: "الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ .. صَامَ، وَإِنْ شَاءَ .. أَفْطَرَ"، قال الحاكم: صحيح الإسناد 309.
وأما الصلاة .. فبالقياس على الصوم.
نعم؛ قطعهما لغير عذر مكروه، وللعذر غير مكروه، ومن العذر أن يشقّ على الضيف أو المضيف صومُه، فإن الفطر في هذه الحالة مستحبٌّ.
(ولا قضاء) أما في الصوم .. فلما رواه أبو داوود: إن أم هانيء كانت صائمةً صومَ تطوع، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن تفطر بلا قضاء، وبين أن تتم صومَها 310.
وأما في الصلاة .. فبالقياس عليه، وكذا حكمُ سائر التطوعات، خلا العمرة والحج في الأمرين المذكورين.
(ومن تلبس بقضاء) عن واجب ( .. حرم عليه قطعُه إن كان على الفور، وهو صوم من تعدَّى بالفطر) حتى لا يجوز التأخير بعذر السفر؛ كما نقلاه عن البغوي، وأقرَّاه؛ تداركًا لما وقع من الإثم، وجوازُ قطعه ينافي وجوبَه على الفور 311.
(وكذا إن لم يكن على الفور في الأصح؛ بأن لم يكن تعدَّى بالفطر) لأنه قد تلبس بالفرض، ولا عذر له في الخروج، فلزمه إتمامه؛ كما لو شرع في الصلاة في أول
الجزء: 1 - الصفحة: 594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوقت، وهذا ما نصَّ عليه في "الأم" 312، والثاني: لا يحرم؛ لأنه متبرع بالشروع فيه، فأشبه المسافرَ يشرع في الصوم ثم يريد الخروج منه.
ويرد على ضبطه الفور بالتعدي: قضاء يوم الشك؛ فإن قضية ما في "شرح المهذب" عن المتولي وغيره: أن قضاءه على الفور 313، وما لو ضاق وقته؛ بأن لم يبق من شعبان إلا ما يسع القضاء؛ فإنه يجب القضاء على الفور سواء فات بعذر أم لا.
الجزء: 1 - الصفحة: 595
كتابُ الاعتكاف هُوَ مُسْتَحَبٌّ كُلَّ وَقْتٍ، وَفِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ،
﴿كتاب الاعتكاف﴾
هو في اللغة: لزوم الشيء، وحبس النفس عليه، خيرًا كان أو شرًّا، وفي الشرع: إقامة مخصوصة.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالي: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ والسنة مستفيضة به، وهو من الشرائع القديمة.
(هو مستحبٌّ كلَّ وقت) بالإجماع.
(وفي العشر الأواخر من رمضان أفضلُ) لمحافظته عليه الصلاة والسلام عليه إلى وفاته 314، ولأنه أفضل أعشاره (لطلب ليلة القدر) فيحييها بالصلاة، والقراءة، وكثرة الدعاء، فإنها أفضل ليالي السنة، قال الله تعالي: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾ أي: خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وفي الصحيح: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا، وَاحْتِسَابًا .. غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" 315.
ولو شهد العشاءَ والصبح في جماعة .. فقد أخذ بحظِّه منها؛ كذا نقله في "زوائد الروضة" عن نصه في القديم 316.
وظاهر كلام المصنف: انحصارها في العشر الأخير، وهو المنصوص، وعليه الجمهور، وأنها تلزم ليلة معينة لا تنتقل، وقال المزني إنها منتقلة في ليالي العشر جمعًا بين الأحاديث، قال في "الروضة": وهو قوي، وقال في "شرح المهذب": إنه الظاهر المختار، لكن المذهب الأول 317.
الجزء: 1 - الصفحة: 597
وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْحَادِي أَوِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ
(وميلُ الشافعي رحمه الله إلى أنها ليلة الحادي أو الثالث والعشرين) أما الحادي .. فلما في "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم، قال: "اعْتكفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ أَلْتَمِسُ هَذ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتكفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ .. فَلْيَعْتَكِفْ"، فاعتكف الناس، قال: "وَإِنِّي أُرِيْتُهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ، وَإِنِّي أَسْجُدُ فِي صبِيحَتِهَا فِي الطِّينِ وَالْمَاءِ"، فأصبحوا من ليلة إحدي وعشرين، وقد قام إلى الصبح، فمطرت السماء، فوكف المسجدُ، فأبصرتُ الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وأرنبة أنفه فيها الماء والطين 318.
وأما الثالث .. فلما رواه مسلم عن عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِي فِي صَبيحَتِهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ"، قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسولَ الله صلي الله عليه وسلم، فانصرف، وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه 319.
وما ذكره المصنف هو نصُّ "المختصر" 320، والذي قاله الأكثرون: أن ميله إلى أنها ليلة الحادي والعشرين لا غير، وقال الشيخ أبو حامد والبَنْدَنيجي: إنه مذهب الشافعي، وللعلماء فيها نحو من عشرين قولًا، ذكرها القاضي عياض 321، وغيره 322. = وفي كتاب "فضائل الأوقات" [ص 260 - 262] للبيهقي من حديث محمد بن جُحَادة عن أنس رفعه: "مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ؛ حَتَّى يَنْقَضِيَ رَمَضَانُ .. فَقَدْ أَصَابَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِحَط وَافِرٍ"، قال: وروينا عن عقبة بن أبي الحسناء عن أبي هريرة مرفوعًا: "مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ الأَخِيرَةَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ رَمَضَان .. فَقَدْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ الْقَدْر"، وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: (من شهد العشاء ليلة القدر .. فقد أخذ بحظ منها).
اهـ هَامش (أ).
الجزء: 1 - الصفحة: 598
وَإِنَّمَا يَصِحُّ الاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْجَامِعُ أَوْلَى. وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، وَهُوَ الْمُعْتَزَلُ الْمُهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ
(وإنما يصح الاعتكاف في المسجد) ولو على سطحه؛ لأنه عليه السلام وأصحابه حتى نساءه لم يعتكفوا إلا فيه؛ ولقوله تعالي: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
وجه الدلالة: أن ذكر (المساجد) لا جائزٌ أن يكون لأجل أنها شرطٌ في منع مباشرة المعتكف؛ لأن غير المعتكف ممنوع من المباشرة في المساجد، فلا فائدة لذكر الاعتكاف إلا ليكون المسجدُ شرطًا لصحته، وأيضًا المعتكف ممنوع من المباشرة في المساجد، وحالَ خروجه لقضاء الحاجة ونحوها؛ فتعين أن يكون ذكرها لاشتراط صحة الاعتكاف.
قال الحليمي في "منهاجه": وإنما اختص بالمسجد؛ لأن الإقامة فيه عونٌ على ما يراد من العبادة؛ إذ هو مبني لها 323، قال صاحب "الخصال": وليس شيء من العبادات يفتقر إلى المسجد إلا الطواف، والاعتكاف.
(والجامع أولى) لكثرة الجماعة، والاستغناءِ به عن الخروج للجمعة، وخروجًا من خلاف من اشترطه، ويتعين الجامع فيما إذا نذر اعتكافَ مدة متتابعة تتخللها جمعة، وهو من أهلها، ولم يشترط الخروج لها؛ لأن الخروج لها يقطع التتابع على الأصح.
ويستثنى من كون الجامع أولى: ما إذا كان قد عيَّن غيرَ الجامع؛ فالمعيَّن أولى إذا لم يحتج إلى الخروج إلى الجمعة.
(والجديد: أنه لا يصحّ اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وهو المُعتزَل المُهَيَّأ للصلاة) لأنه ليس بمسجد؛ بدليل جواز تغييره، ومكثِ الجنب فيه.
والقديم: الصحة؛ لأنه مكانُ صلاتها؛ كما أن المسجد مكانُ صلاة الرجل، لكن الفرق: أن الصلاة لا تختص بموضع، بخلاف الاعتكاف.
الجزء: 1 - الصفحة: 599
وَلَوْ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي نَذْرِهِ الاعْتِكَافَ .. تَعَيَّنَ، وَكَذَا مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَالأَقْصَى فِي الأَظْهَرِ، وَيَقُومُ الْمَسْجدُ الْحَرَامُ مَقَامَهُمَا وَلَا عَكْسَ، وَيَقُومُ مَسْجدُ الْمَدِينَةِ مَقَامَ الأَقْصَى وَلَا عَكْسَ
(ولو عيَّن المسجدَ الحرام في نذره الاعتكافَ .. تعين) لتعلق النسك به، وزيادة فضله؛ لتضاعف الصلاة فيه.
وفي المراد بـ (المسجد الحرام) خلاف؛ فقيل: إنه الكعبة والمسجد حولها، وجزم به في (باب استقبال القبلة) من "شرح المهذب"، وقيل: إنه الكعبة، وما في الحجر من البيت، وهو اختيار صاحب "البيان" 324، وقيل: جميع بقاع الحرم.
(وكذا مسجد المدينة والأقصى في الأظهر) لأنهما مسجدان تُشدُّ إليهما الرحال، فأشبها المسجدَ الحرام، والثاني: لا؛ لأنهما لا يتعلق بهما نسك، بخلافه، فأشبها بقيةَ المساجد، وأفهم أنه لو عيَّن مسجدًا غير الثلاثة .. لم يتعين، وفيه وجه.
نعم؛ المعيَّن أولى، ولو شرع فيه .. لم يجز له الانتقال إلى غيره، ونقل ابن يونس شارح "التعجيز" عن البغوي أنه الحق بمسجد المدينة جميع مساجد النبي صلى الله عليه وسلم، قال الأَذْرَعي: ولم أره في كتبه، وما أحقَّ مسجدَ قباء بالإلحاق؛ لما في فضله.
(ويقوم المسجد الحرام مقامهما) لأنه أفضل منهما (ولا عكس) لأنهما دونه في الفضل.
(ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى) لأنه أفضل منه، فإنه صحَّ أن الصلاة فيه بألف صلاة، رواه أحمد، وابن ماجه 325.
والصلاة في الأقصى بخمس مئة؛ كما رواه ابن عبد البر في "تمهيده"، وقال البزار: إسناده حسن 326، وروي أيضًا: أن الصلاة فيه بألف 327، (ولا عكس) لما سبق.
الجزء: 1 - الصفحة: 600
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الاعْتِكَافِ لُبْثُ قَدْرٍ يُسَمَّى عُكُوفًا، وَقِيلَ: يَكْفِي الْمُرُورُ بِلَا لُبْثٍ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مُكْثُ نَحْوِ يَوْمٍ. يَبْطُلُ بِالْجِمَاعِ، وَأَظْهَرُ الأَقْوَالِ: أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ بِشَهْوَةٍ - كَلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ - تبطِلُهُ إِنْ أَنْزَلَ، وَإِلَّا .. فَلَا
(والأصح: أنه يشترط في الاعتكاف لُبْث قدرٍ يسمَّى عُكوفًا) لأن مادة لفظة (الاعتكاف) تقتضيه، وقد ذكر الرافعي ضابط ذلك عن الإمام ولم يخالفه، فقال: بأن يزيد على أقلّ ما يكفي في الطمأنينة، ولا يكفي قدرها، ولا يجب السكون، بل يكفي التردد 328.
وقوله: (والأصح) يرجع إلى جملتين: إحداهما: أصل اللبث، والثانية: قدره، ومقابل الأولى: قوله: (وقيل: يكفي المرور بلا لبث)، ومقابل الثانية: قوله: (وقيل: يشترط مكث نحو يوم).
(وقيل: يكفي المرور بلا لُبْث) كالوقوف بعرفة، (وقيل: يشترط مُكث نحوِ يومٍ) لأن ما دون ذلك معتادٌ في الحاجة التي تَعِنُّ في المسجد، فلا يصلح للقُرَب، وليل: لا بدّ من يوم.
(ويبطل بالجماع) إذا كان عامدًا مختارًا، عالمًا بالتحريم؛ لمنافاته، وهذا بالنسبة للمستقبل، أما الماضي .. فكذلك إن كان منذورًا متتابعًا، فيستأنفه، وإن لم يكن متتابعًا .. لم يبطل ما مضى، سواء كان منذورًا أم نفلًا.
(وأظهر الأقوال: أن المباشرة بشهوة - كلمس وقُبلة - تبطله إن أنزل، وإلا .. فلا) لما سبق في (الصوم)، والثاني: يبطل مطلقًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ﴾، والثالث: لا مطلقًا؛ كالحج، وعلى كلّ قول هي حرامٌ؛ للآية.
وإيلاج الرجل في قبل خنثى كالمباشرة بشهوة بغير جماع، وكذا إيلاج الخنثى في قبل خنثى أو دبره، أو في امرأة أو رجل؛ كما ذكره في "شرح المهذب" في (باب الأحداث) 329.
الجزء: 1 - الصفحة: 601
وَلَوْ جَامَعَ نَاسِيًا .. فَكَجِمَاع الصَّائِمِ. وَلَا يَضُرُّ التَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُّنُ وَالْفِطْرُ، بَلْ يَصِحُّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ وَحْدَهُ. وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ هُوَ فِيهِ صَائِمٌ ... لَزِمَهُ. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتكفَ صَائِمًا أَوْ يَصُومَ مُعْتكفًا .. لَزِمَاهُ،
قال شيخنا: وهو مستثنى من إطلاقهم بطلان الاعتكاف بالجماع، ورُدَّ: بأن هذا ليس بجماع.
واحترز بـ (المباشرة): عمَّا إذا نظر أو تفكر فأنزل .. فإنه لا يبطل، وبـ (الشهوة): عمَّا إذا قبَّل بقصد الإكرام ونحوه، أو بلا قصد .. فإنه لا يبطل أيضًا.
(ولو جامع ناسيًا .. فكجماع الصائم) وقد مرَّ، ولو جامع جاهلًا بالتحريم .. فكنظيره من الصوم.
(ولا يضرّ التطيّب والتزيّن) بالاغتسال، وقصّ الشارب ونحوه، ولبسِ الثياب الحسنة؛ لأنه لم يُنقل أنه عليه السلام تركه، ولا أمر بتركه، والأصل: بقاؤه على الإباحة.
(والفطرُ، بل يصحّ اعتكافُ الليل وحده) لأن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله؛ إني نذرتُ في الجاهليةِ أن أعتكفَ ليلةً في المسجدِ الحرام، قال: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" متفق عليه 330، وصحح الحاكم: "لَيْسَ عَلَى الْمُعْتكفِ صِيَامٌ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ"، وقال: إنه على شرط مسلم 331، ولأن الأصل: عدمُ اشتراطه، وفي قول قديم: إن الصوم شرطٌ في صحته، وحكاه القاضي عياض عن جمهور العلماء 332.
(ولو نذر اعتكافَ يومٍ هو فيه صائمٌ .. لزمه) اعتكاف اليوم في حال الصوم قطعًا، لأنه به أفضل؛ فإذا التزمه بالنذر .. لزمه؛ كالتتابع، وليس له إفرادُ أحدهما عن الآخر قطعًا، وسواء أكان الصوم عن رمضان أم غيره؛ لأنه لم يلتزم بهذا النذر صومًا، وإنما نذر الاعتكافَ بصفة، وقد وجدت.
(ولو نذر أن يعتكف صائمًا، أو يصوم معتكفًا .. لزماه) أي: الاعتكاف
الجزء: 1 - الصفحة: 602
وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ جَمْعِهِمَا. وَيُشْتَرَطُ نِيَّةُ الاعْتِكَافِ، وَيَنْوِي فِي النَّذْرِ الْفَرْضِيَّةَ، وَإِذَا أَطْلَقَ .. كَفَتْهُ نِيَّتُهُ وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ، لكِنْ لَوْ خَرَجَ وَعَادَ .. احْتَاجَ إِلَى الاسْتِئْنَافِ. وَلَوْ نَوَى مُدَّةً
والصوم؛ عملًا بالتزامه، فلا يكفيه أن يعتكف في رمضان ونحوه مما وجب صومُه قبل ذلك أو بعده.
(والأصح: وجوب جمعهما) لما سبق، والثاني: لا؛ لأنهما عبادتان مختلفتان، فأشبه ما إذا نذر أن يصلي صائمًا، أو يعتكف مصليًا .. فإنهما يلزمان، ولا يلزم الجمع، وفرق الأول: بأن الصوم والاعتكافَ متقاربان؛ لأن كلَّ واحد منهما كفّ وإمساكٌ، بخلاف الصلاة؛ فإنها أفعالٌ لا مناسبة بينها وبين الاعتكاف، والثالث: يجب الجمع في الأولى دون الثانية؛ لأن الاعتكاف لا يصلح وصفًا للصوم، والصومَ يصلح وصفًا للاعتكاف؛ لأنه مستحبٌّ فيه.
(ويشترط نية الاعتكاف) لأنه عبادة، وكان ينبغي أن يقول: (ولا بدّ من النية) كما عبَّرا به في "الشرحين" و"الروضة" 333؛ فإن النية ركنٌ لا شرط.
(وينوي في النذر الفرضيةَ) ليمتاز عن التطوع، ولو نوى كونه عن نذره .. أجزأه عن ذكر الفرض، قاله في "الذخائر".
(وإذا أطلق) أي: نوى الاعتكافَ، ولم يُعيّن مدة ( .. كفته نيتُه وإن طال مُكثه) لشمول النية المطلقة لذلك، (لكن لو خرج وعاد .. احتاج إلى الاستئناف) أي: استئناف النية في حصول هذه العبادة، سواء أخرج لقضاء الحاجة أم لغيره؛ لأن ما مضى عبادةٌ تامة انتهت بالخروج، وهو يريد اعتكافًا جديدًا، قال في "التتمة": هذا إذا لم يَعْزِم عند الخروج على العود إذا قُضِيتْ حاجتهُ؛ فإن عزم على ذلك .. كانت هذه العزيمةُ قائمةً مقام النية، وصوَّبه في "شرح المهذب"، لكنّ الرافعي استشكله: بأن اقتران النية بأول العبادة شرطٌ، وجرى عليه في "الروضة" 334.
(ولو نوى مدَّة) لاعتكاف تطوع، أو منذور غير متتابع؛ كنذر أيام غير معيَّنة
الجزء: 1 - الصفحة: 603
فَخَرَجَ فِيهَا وَعَادَ: فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ .. لَزِمَهُ الاسْتِئْنَافُ، أَوْ لَهَا .. فَلَا، وَقِيلَ: إِنْ طَالَتْ مُدَّةُ خُرُوجِهِ .. اسْتَأْنَفَ، وَقِيلَ: لَا يَسْتَأنِفُ مُطْلَقًا. وَلَوْ نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً، فَخَرَجَ لِعُذْرٍ لَا يَقْطَعُ التّتابُعَ .. لَمْ يَجِبِ اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ، وَقِيلَ: إِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْحَاجَةِ وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ .. وَجَبَ. وَشَرْطُ الْمُعْتكفِ: الإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالنَّقَاءُ عَنِ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ
(فخرج فيها وعاد؛ فإن خرج لغير قضاء الحاجة .. لزمه الاستئنافُ) لصحة الاعتكاف إن أراده بعد العود؛ لقطعه الأول بالخروج لغير قضاء الحاجة، وأما العود .. فلا يلزمه؛ لأن له قطعَ التطوع متى شاء، ولا قضاء عليه، (أولها .. فلا) لأنه لا بدّ منه؛ فهو كالمستثنى عند النية.
والمراد بـ (الحاجة) هو: البول والغائط.
(وقيل: إن طالت مدةُ خروجه .. استأنف) لتعذر البناء، وإن قصرت .. فلا؛ لإمكان البناء، (وقيل: لا يستأنف مطلقًا) لأن النية شملت جميعَ المدة بالتعيين.
(ولو نذر مدةً متتابعه، فخرج لعذر لا يقطع التتابعَ) كالأكل، وقضاءِ الحاجة، والخروجِ ناسيًا، ونحو ذلك ( .. لم يجب استئنافُ النية) عند العود؛ لشمولها جميعَ المُدَّة، وتجب المبادرة إلى العود عند زوال العذر، فلو أخَّر عالمًا ذاكرًا مختارًا .. انقطع التتابعُ، وتعذَّر البناء.
(وقيل: إن خرج لغير الحاجة، وغُسل الجنابة .. وجب) استئناف النية؛ لخروجه عن العبادة بما عرض من الأعذار مما عنه بدّ، بخلاف الخروج للحاجة ونحوها مما لا بدَّ منه.
واحترز بقوله: (لا يقطع التتابع): عمَّا يقطعه؛ فمانه يجب استئنافُ النية قطعًا.
(وشرط المعتكف: الإسلام) لأن النية لا بدّ منها، ونية الكافر لا تصحّ، (والعقلُ) فلا يصحّ من مجنون، ومُبَرْسَم؛ لأنه ليس من أهل العبادة؛ كالصوم، وكذا لا يصحّ من سكران، ومغمى عليه ونحوهما؛ إذ لا نية لهم.
(والنَّقاءُ عن الحيض) والنفاس (والجنابةِ) لأن المكث في المسجد في هذه الحالة حرامٌ، ولا يجوز للعبد أن يعتكف بغير إذن سيده، ولا المرأة بغير إذن زوجها.
الجزء: 1 - الصفحة: 604
وَلَوِ ارْتَدَّ الْمُعْتكفُ أَوْ سَكِرَ .. بَطَلَ، وَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُ مَا مَضَى مِنِ اعْتِكَافِهِمَا الْمُتَتَابِعِ. وَلَوْ طَرَأَ جُنُونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ .. لَمْ يَبْطُلْ مَا مَضَى إِنْ لَمْ يَخْرُجْ ويُحْسَبُ زَمَنُ الإِغْمَاءِ مِنَ الاعْتِكَافِ دُونَ الْجُنُونِ، أَوْ الْحَيْضُ .. وَجَبَ الْخُرُوجُ،
(ولو ارتدّ المعتكف أو سَكِر .. بَطَل) الاعتكاف في زمن الردة والسكر؛ لعدم أهليتهما والحالةُ هذه، (والمذهب: بطلان ما مضى من اعتكافهما المتتابعِ) حتى يحتاج إلى استئنافه؛ لأن ذلك أشدّ وأقبح من الخروج من المسجد، وقيل: لا يبطل في المسألتين حتى يبنيان، وقيل: يبني المرتد؛ لأنه لا يمنع من المسجد، ولهذا يجوز استتابته فيه، ولا يبني السكران؛ لأنه يمنع منه؛ للآية، وهذا هو المنصوص فيهما، وقيل: يبني السكران دون المرتد؛ لأن السُّكر كالنوم، والردة تنافي العبادة.
والمراد بـ (البطلان): عدم البناء عليه لا حبُوطُه بالكلية.
(ولو طرأ جنون أو إغماءٌ .. لم يبطل ما مضى إن لم يخرج) لأنه معذور بما عرض، كذا علله الرافعي 335.
وقضيته: أنه لو طرأ ذلك بسبب لا يعذر فيه .. انقطع، وبه صرَّح في "الكفاية" نقلًا عن البَنْدَنيجي، وقال: إنه يكون كالسكران 336.
وكان ينبغي ترك التقييد بعدم الخروج؛ لاستواء حكمهما، فإنه إذا خرج - إن لم يمكن حفظه في المسجد - .. لم يبطل أيضًا؛ كما لو حُمل العاقلُ مكرهًا، وإن أمكن بمشقة .. فكالمريض إذا خرج، والصحيح فيه أيضًا: أنه لا ينقطع تتابعه.
(ويُحسب زمنُ الإغماء من الاعتكاف) كما في الصائم إذا أغمي عليه النهار، (دون الجنون) لأن العبادةَ البدنيةَ لا تصحّ منه.
(أو الحيض) أي: ولو كان الطارئ هو الحيضَ، أو النفاس ( .. وجب الخروج) لتحريم المكث عليهما، وفي حكمهما: كلّ ما لا يمكن معه المكثُ في المسجد؛ من النجاسات وغيرها.
الجزء: 1 - الصفحة: 605
وَكَذَا الْجَنَابَةُ إِنْ تَعَذَّرَ الْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ أَمْكَنَ .. جَازَ الْخُرُوجُ، وَلَا يَلْزَمُ، وَلَا يُحْسَبُ زَمَنُ الْحَيْضِ وَلَا الْجَنَابَةِ.
فَصْلٌ [في حكم الاعتكاف المنذور]
إِذَا نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً .. لَزِمَهُ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ التّتابُعُ بِلَا شَرْطٍ،
(وكذا الجنابة) باحتلام ونحوه مما لا يبطل الاعتكاف (إن تعذَّر الغسل في المسجد) للضرورة إليه، (فإن أمكن .. جاز الخروج) ولا يُكلَّف الغسلَ في المسجد؛ فإن الخروج أقرب إلى المروءة، وصيانة للمسجد، (ولا يلزم) الخروج لأجل الغسل، بل له فعلُه في المسجد؛ كما اقتضاه كلام الشيخين، وصحح ابن الرفعة تبعًا للإمام تعيُّن الخروج 337.
قال السبكي: إن فرض في الاغتسال مكثٌ وإن قلَّ .. فيظهر ما قاله الإمام، وإن فرض بغير مكث؛ كما لو كان في المسجد نهرٌ يَخُوضه الجنب، وهو خارجٌ، فترتفع جنابته في مروره .. فيتجه في هذه الصورة ما قاله الشيخان.
(ولا يُحسَب زمنُ الحيض ولا الجنابة) من الاعتكاف إذا اتفق المكث معهما في المسجد لعذر أو غيره؛ لأنه حرام، وإنما يباح للضرورة، وهل يبطل بالحيض ما سبق، أو يجوز البناء عليه؟ فيه تفصيل ذكره آخر الباب.
(فصل: إذا نذر مدّة متتابعة .. لزمه) كما لو شرط التتابعَ في الصوم (والصحيح: أنه لا يجب التتابع بلا شرط) لأن الأسبوع، والعشرة أيام مثلًا صادق على المتتابع منها والمتفرق، فلا يجب أحدهما بخصوصه إلا بدليل، والثاني: يجب، كما لو حلف لا يُكلِّم فلانًا شهرًا؛ فإنه يكون متتابعًا.
وفرَّق الأول: بأن المقصود من اليمين هو الهِجران، ولا يتحقق بدون التتابع.
وقضية كلامه: أنه إذا لم يشترط التتابع .. لا يجب وإن نواه، وهو الأصحُّ عند
الجزء: 1 - الصفحة: 606
وَأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ يَوْمًا .. لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُ سَاعَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ مُدَّةً كَأُسْبُوعٍ وَتَعَرَّضَ لِلتَّتَابُعِ وَفَاتتهُ .. لَزِمَهُ التَّتَابُعُ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ .. لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْقضَاءِ. وَإِذَا ذَكَرَ التَّتَابُعَ وَشَرَطَ الْخُرُوجَ لِعَارِضٍ .. صَحَّ الشَّرْطُ فِي الأَظْهَرِ،
الشيخين تبعًا للبغوي 338؛ كأصل النذر لا يلزم بالنية، وقطع الإمام والغزالي بالوجوب 339؛ لأن مطلق اللفظ يحتمله وهو كتنزيل النية مع الكتابة منزلة الصريح، وهذا ما صححه الروياني، ولم يورد صاحب "الذخائر" سواه، وصوَّبه في "المهمات" 340، واختاره السبكي.
(وأنه لو نذر يومًا .. لم يجز تفريقُ ساعاته) لأن المفهوم من لفظ اليوم إنما هو المتصل، قال الخليل: اليوم: اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس 341، والثاني: يجوز، تنزيلًا للساعات من اليوم منزلةَ الأيام من الشهر، وقيل: إن نوى اليوم متتابعًا .. لم يجزه، وإن أطلق .. أجزأه.
ومحل الخلاف: إذا غاير بين الساعات، أما لو أتى بساعة معينة من يوم ثم أتى بها بعينها من آخر إلى أن استكمل ساعات اليوم .. فإنَّهُ لا يجزئ جزمًا؛ كما قاله القاضي حسين في "تعليقه"، وكلام المصنف يقتضيه، فإنه في هذه الصورة لم يفرق ساعات وإنما كرر ساعة من اليوم.
(وأنه لو عينَّ مدةً؛ كأسبوع) معين، كهذا الأسبوع أو هذه السنة (وتعرض للتتابع، وفاتته .. لزمه التتابعُ في القضاء) لتصريحه به، والثاني: لا؛ لأن التتابع يقع ضرورةً، فلا أثر لتصريحه به.
(وإن لم يتعرضَّ له .. لم يلزمه في القضاء) قطعًا؛ لأن التتابع فيه لم يقع مقصودًا، بل من ضرورة تعين الوقت؛ فأشبه التتابعَ في صوم رمضان.
(وإذا ذكر) الناذر (التتابعَ، وشرط الخروج لعارض .. صحَّ الشرط في الأظهر)
الجزء: 1 - الصفحة: 607
وَالزَّمَانُ الْمَصْرُوفُ إِلَيْهِ لَا يَجِبُ تَدَارُكُهُ إِنْ عَيَّنَ المُدَّةَ كَهَذَا الشَّهْرِ، وَإِلَّا .. فَيَجِبُ. وَيَنْقَطِعُ التّتابُعُ بِالْخُرُوجِ بِلَا عُذْرٍ. وَلَا يَضُرُّ إِخْرَاجُ بَعْضِ الأَعْضَاءِ،
لأن الاعتكاف إنما لزمه بالتزامه، فيجب بحسب الالتزام؛ فإن عينَّ نوعًا أَو فردًا؛ كقوله: أَخرُج لعيادة المرضى، أو لعيادة زيد .. خرج له دون غيره، وإلا .. جاز لكل مهم ديني؛ كالجمعة، والعيادة، أو دنيوي مباح؛ كلقاء الأمير، والقاضي، واقتضاء الغريم، والثاني: لا يصحّ الشرط؛ لأنه مخالف لمقتضاه، فبطل؛ كما لو شرط الخروج للجماع.
وقوله: (لعارض) احترز به: عمَّا لو قال: إلا أن يبدو لي، فإن الشرط باطل على الأصح.
(والزمان المصروف إليه) أي: لذلك العارض (لا يجب تداركُه إن عيَّن المدة؛ كهذا الشهر) لأن المنذور من الشهر إنما هو اعتكاف ما عدا العارض، (وإلا) أي: وإن لم يعيّن مدة؛ كشهر أو عام ( .. فيجب) تداركه؛ لتتم المدة الملتزمة، وتكون فائدة الشرط: تنزيل ذلك العارض منزلةَ قضاء الحاجة في أن التتابع لا ينقطع به.
(وينقطع التتابع بالخروج بلا عذر) وإن قلَّ زمنه؛ لمنافاته اللبث.
(ولا يضرّ إخراجُ بعض الأعضاء) لأنه لا يسمى خارجًا، وفي "الصحيحين" أنه صلى الله عليه وسلم كان يدني رأسه الشريفَ إلى عائشة فترجِّله 342 وهو معتكف في المسجد 343.
وقضية كلامه: أنه لو أخرج إحدى رجليه .. أنه لا يضرّ مطلقًا، وهو ما أطلقه الرافعي 344، وقال البغوي في "فتاويه": إنا نراعي التي اعتمد عليها؛ أي: جعل ثقلَه عليها بحيث لو زالت .. لسقط، قال الإسنوي: وهو الصواب، قال: وسكت عما لو اعتمد عليهما على السواء، وفيه نظر 345.
الجزء: 1 - الصفحة: 608
وَلَا الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَلَا يَجِبُ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ دَارِهِ، وَلَا يَضُرُّ بُعْدُهَا إِلَّا أَنْ يَفْحُشَ فَيَضُرُّ فِي الأَصَحِّ
(ولا الخروجُ لقضاء الحاجة) بالإجماع؛ لأنه ضروري، وإذا خرج لا يُكلَّف الإسراعَ، بل يمشي على سجيته.
وفي معنى قضاء الحاجة: الخروج لغسل الجنابة، وإزالة النجاسة؛ كرُعاف ونحوه، وإذا خرج لقضاء الحاجة .. فله أن يتوضأ بعد قضاء حاجته خارج المسجد تبعًا، مع أنه لا يجوز الخروج له منفردًا إن كان تجديدًا، وكذا عن حدث على الأصحِّ إذا أمكنه في المسجد.
(ولا يجب فعلُها في غير داره) وإن أمكن؛ بأن كان في المسجد سقاية، أو كان بجنب المسجد دار صديق له يمكنه دخولُها؛ لما فيه من المشقة، وسقوط المروءة، ويزداد بيت الصديق بالمنَّة.
(ولا يضرّ بُعدها) مراعاةً لما سبق من المشقة والمنَّة.
نعم؛ لو كان له داران يجوز الذهاب إلى كلّ منهما لو انفردت .. تعينَّت القربى منهما في الأصحِّ.
(إلا أن يَفحُش) البعد (فيضرُّ في الأصح) لأنه قد يحتاج في عوده أيضًا إلى البول، فيمضي يومه في الذهاب والإياب.
نعم؛ لو لم يجد في طريقه موضعًا، أو كان لا يليق بحاله أن يدخل غير داره .. فإنه لا يضرُّ فُحش البعد؛ كما في "الشرح" و"الروضة" 346.
والثاني: لا يضر هذا الفحش؛ لما مرَّ من مشقة الدخول لقضاء الحاجة في غير بيته.
وضابط الفحش - كما قاله البغوي -: أن يذهب أكثر الوقت في التردد إليها 347.
ولا يجوز الخروج لغسل الجمعة والعيد والنوم على الأصحِّ، ذكره الخوارزمي في "الكافي"، ويجوز الخروج للأكل، لا للماء على الأصحِّ فيهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 609
وَلَوْ عَادَ مَرِيضًا فِي طَرِيقِهِ .. لَمْ يَضُرَّ مَا لَمْ يَطُلْ وُقُوفُهُ أَوْ يَعْدِلْ عَنْ طَرِيقِهِ. وَلَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِمَرَضٍ يُحْوِجُ إِلَى الْخُرُوجِ، وَلَا بِحَيْضٍ إِنْ طَالَتْ مُدَّةُ الاعْتِكَافِ، فَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ تَخْلُو عَنْهُ .. انْقَطَعَ فِي الأَظْهَرِ،
(ولو عاد مريضًا في طريقه .. لم يضُرَّ ما لم يَطل وقوفُه) بل اقتصر على السلام والسؤال، (أو يَعدلْ عن طريقه) لقول عائشة رضي الله عنها: (إني كنت لأدخل البيت للحاجة، والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارّة) رواه مسلم 348.
والمرجع في الطول وغيره إلى العرف، ولو وقف في الاستئذان على المريض، قال البغوي: بطل اعتكافه 349.
وحكم زيارة القادم في الطريق: حكمُ عيادة المريض، ولو صلّى في طريقه على جنازة، ولم ينتظرها، ولم يعدل إليها .. جاز.
(ولا ينقطع التتابعُ بمرض يُحوِج إلى الخروج) إذا خرج؛ لأن الحاجة داعية إليه؛ كالخروج لقضاء الحاجة، وفيه قول أنه ينقطع؛ لأن المرض ليس بضروري ولا غالبٍ، بخلاف قضاء الحاجة، وهذا القول ذكره في "المحرر" 350، وأهمله المصنف.
والمحوج إلى الخروج: هو الذي يخاف منه تلويث المسجد؛ كالإسهال، وإدرار البول، أو يشقّ معه المقام فيه؛ كالمحوج إلى الفراش، والخادم، وتردد الطبيب.
وأما الذي لا يحوج إلى الخروج؛ كالصُّداع، والحُمَّى الخفيفة .. فإنه ينقطع تتابعه بخروجه.
(ولا بحيض إن طالت مدة الاعتكاف) بأن كانت لا تخلو عن الحيض غالبًا، بل تبني على ما سبق إذا طهرت؛ لأنه بغير اختيارها، والنفاسُ كالحيض.
(فإن كانت بحيث تَخْلُو عنه .. انقطع في الأظهر) لإمكان الموالاة بشروعها عقب الطهر، والثاني: لا ينقطع؛ لأن جنس الحيض مما يتكرر في الجملة، فلا يؤثر في التتابع؛ كقضاء الحاجة.
الجزء: 1 - الصفحة: 610
وَلَا بِالْخُرُوجِ نَاسِيًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا بِخُرُوجِ الْمُؤَذِّنِ الْرَّاتِبِ إِلَى مَنَارَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنِ الْمَسْجِدِ لِلأَذَانِ فِي الأَصَحِّ
(ولا بالخروج ناسيًا على المذهب) كما لا يبطل الصوم بالأكل ناسيًا، وقيل: ينقطع؛ لأن اللبث مأمور به، والنسيان ليس بعذر في ترك المأمورات، ولأن مشاهدة مكان الاعتكاف مذكرة للاعتكاف؛ فيبعد معها النسيان بخلاف الصائم.
ومحل القطع بعدم الانقطاع: إذا تذكر عن قربٍ؛ فإن طال .. ففيه وجهان؛ كالوجهين في بطلان الصوم بالأكل الكثير ناسيًا، والجاهل والمكره بغير حَقّ كالناسي.
(ولا بخروج المؤذن الراتبِ إلى مَنارة) بفتح الميم (منفصلة عن المسجد للأذان) قريبة منه مبنية له (في الأصح) لأنها مبنية للمسجد معدودة من توابعه، وقد اعتاد الراتب صعودَها، وألف الناس صوته؛ فيعذر فيه، ويجعل زمن الأذان كالمستثنى من اعتكافه، والثاني: ينقطع مطلقًا؛ للاستغناء عنها بسطح المسجد فيؤذن عليه، وقيل: إن كان غيره من المؤذنين له صوت مثل صوته .. انقطع، وإلا .. فلا، حكاه في "الكفاية" 351.
واحترز المصنف بـ (المنارة): عمَّا لو دخل المؤذن المُعتكِف إلى حجرة مُهيَّأة للسكنى بقرب المسجد، وبابُها إلى المسجد .. فإنه يبطل اعتكافه قطعًا؛ كما صرح به الإمام، قال: وإنما قلنا ما قلناه في المنارة؛ لأنها مبنية لإقامة شعار المسجد 352.
وبـ (الراتب): عن غيره، فإنه ينقطع، وفيه وجه هو ظاهر نصّ "المختصر": أنه لا ينقطع 353، وأوله الجمهور على الراتب، أو على ما إذا كانت المنارة في الرَّحَبة.
وبـ (المنفصلة) عن منارة بابها في المسجد أو رَحَبته .. فلا يضرّ صعودها مطلقًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 611
وَيجِبُ قَضَاءُ أَوْقَاتِ الْخُرُوجِ بِالأَعْذَارِ إِلَّا أَوْقَاتَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ.
(ويجب قضاءُ أوقات الخروج بالأعذار) المارة؛ لأنه غير معتكف فيها (إلا أوقاتَ قضاء الحاجة) لأن حكم الاعتكاف منسحب عليها، ولهذا لو جامع في ذلك الزمن من غير مكث بأن كان في هودج أو في وقفة لطيفة؛ بأن أولج ثم نزع .. بطل اعتكافه في الأصحِّ، وأيضًا زمن الخروج لقضاء الحاجة مستثنىً لا بدَّ منه.
وما ذكره من قضاء جميع ما عدا أوقات قضاء الحاجة ذكره الرافعي في كتبه، فتابعه المصنف، قال الإسنوي: ولم أعلم أحدًا قال بذلك بعد الفحص عنه، بل يستثنى أيضًا: خروج المؤذن للأذان، والجنبِ للاغتسال، والمحدثِ للوضوء حيث جوَّزناه ونحو ذلك، بخلاف الحيض، وا لنفاس، والعدة، والمرض، والجهاد، وانهدام المسجد إلى بنائه، وغير ذلك مما يطول زمنه.
انتهى 354.
الجزء: 1 - الصفحة: 612
﴿كتاب الحج﴾
(كتاب الحج)
هو لغة: القصد؛ كما قاله الجوهري 355، وقال الخليل: كثرة القصد إلى من يُعَظَّم 356، وشرعًا: قصد الكعبة للنسك الآتي بيانُه.
والأصل فيه: الكتاب، والسنة، والإجماع.
قال القاضي الحسين: والحج من الشرائع القديمة؛ روي أن آدم عليه السلام لما حجَّ .. قال له جبريل: إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة 357.
وفي "شرح التعجيز" لمؤلفه: أن أول من حجَّ آدمُ عليه السلام 358، وأنه حجَّ أربعين سنة من الهند ماشيًا 359، وقيل: ما من نبي إلَّا حجَّه 360، وقال أبو إسحاق: لم يبعث الله نبيًّا بعد إبراهيم إلا وقد حجَّ البيتَ 361.
وحكى بعضُ مَنْ ألف في المناسك وجهين في أنه هل كان واجبا على الشرائع قبلنا؟ وادَّعى أن الصحيح: أنه لم يجب إلا على هذه الأمة، واستغرب.
الجزء: 1 - الصفحة: 613
هُوَ فَرْضٌ، وَكَذَا الْعُمْرَةُ فِي الأَظْهَرِ
والأحاديث في فضل الحج، وعِظم شأنه، وتمحيصه الذنوبَ .. أكثرُ من أن تُحصر 362.
قال القاضي الحسين هنا: وهو أفضل العبادات؛ لأنه يشتمل على المال والبدن 363.
(هو فرض) أي: مفروض بالإجماع، وفُرِضَ سنة خمس، كما جزم به الرافعي في الكلام على أن الحج على التراخي 364، وقيل: سنة ست، وصححه الشيخان في (كتاب السير) 365، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع، وقيل: قبل الهجرة.
(وكذا العمرة في الأظهر) لما رواه أصحاب "السنن الأربعة" عن أبي رَزين
الجزء: 1 - الصفحة: 614
وَشَرْطُ صِحَّتِهِ: الإِسْلَامُ، فَلِلْوَليِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، وَالْمَجْنُونِ،
العُقَيلي أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظَّعن، قال: "حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ" صححه الترمذي وابن حبان والحاكم 366.
قال الإمام أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجودَ منه، ولا أصحّ.
والثاني: أنها سنة؛ لحديث جابر رضي الله عنه: أنه عليه السلام سئل عن العمرة أواجبة أم لا؟ قال: "لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ فَهُوَ أَفْضَلُ" رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح 367.
قال المصنف: ولا تغترَّ بكلام الترمذي في هذا، فقد اتفق الحفاظ على ضعفه، قال: والمحفوظ كما قاله البيهقي: وقفه على جابر 368.
(وشرطُ صحته) أي: صحة ما ذكر من الحج والعمرة (الإسلام) فلا يصحّ من الكافر، ولا للكافر أصليًّا كان، أو مرتدًا؛ لعدم أهليته للعبادة.
(فللولي) أي: ولي المال (أن يحرم عن الصبي الذي لا يميز) لما رواه مسلم عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي رَكْبًا بالروحاء، فرفعت امرأةٌ إليه صبيًّا، وقالت: يا رسول الله؛ هل لهذا حجّ؟ قال: "نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ"، وفي "سنن أبي داود": (فأخذت بعَضُده، وأخرجته من محِفَّتها) 369، ومعلوم أن من يؤخذ بعَضُده، ويخرج من المِحفَّة يكون صغيرًا جدًّا.
(والمجنون) قياسًا على الصبي.
وأفهم: أنه لا يجوز لغير الولي الإحرام عنه؛ كالأم والأخ ونحوهما، وهو الصحيح، وأجابوا عما يوهمه الحديث المذكورُ من جواز إحرام الأم عنه: باحتمال أنها كانت وصية.
الجزء: 1 - الصفحة: 615
وَإِنَّمَا تَصِحُّ مُبَاشَرَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِ الْمُمَيِّزِ. وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الإِسْلَامِ بِالْمُبَاشَرَةِ إِذَا بَاشَرَهُ الْمُكَلَّفُ الْحُرُّ، فَيُجْزِئُ حَجُّ الْفَقِيرِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ
نعم؛ لو أذن الولي لمن يحرم عنه .. جاز على الأصحِّ في "زيادة الروضة".
ولا يشترط كونُ الولي حلالًا، ولا أن يكون حجّ عن نفسه، ولا حضور الصبي، ومواجهته بالإحرام على الأصحِّ.
قال في "شرح المهذب": وكيفية الإحرام عن الصبي؛ كما قاله الأصحاب: أن ينوي جعله محرمًا" 370، وحيث صار الصبي محرمًا فما أمكن صدوره منه لا يكفي فيه فعلُ الولي، بل لا بدّ من استصحابه معه، فيطوف به، ويسعى، ويأتي بالرَّمَل على الجديد، ويُحضره المواقفَ كلَّها.
والتقييد بـ (غير المميز) يفهم: أنه لا يجوز له الإحرام عن المميز، وهو ما نقل تصحيحَه في "شرح مسلم" عن الأصحاب 371، وقال الأَذْرَعي: إنه الصحيح الذي اقتضى كلام الجمهور، ونص الشافعي الجزم به، لكنّ الأصح في "أصل الروضة": أنه يصحّ إحرامه عنه 372.
وتقييد المصنف بـ (الصبي)، و (المجنون) يُفهم: أنه لا يصحّ الإحرام عن المغمى عليه، وهو كذلك.
(وإنما تصح مباشرتُه من المسلم المُميِّز) كسائر العبادات البدنية، ويشترط: إذن الولي للصبي، فإن لم يأذن له واستقلّ بالإحرام .. لم يصحّ على الأصحِّ؛ لأنه يفتقر إلى المال، وهو محجور عليه فيه.
(وإنما يقع عن حَجَّة الإسلام) وعمرته (بالمباشرة إذا باشره المكلَّفُ الحرُّ، فيجزئ حجُّ الفقير) كما لو تكلَّف المريض حضورَ الجمعة، أو الغني خطرَ الطريق، وحج.
والمراد: المكلف من حيثُ الجملةُ لا المكلف بالحج، (دون الصبي والعبد) بالإجماع.
الجزء: 1 - الصفحة: 616
وَشَرْطُ وُجُوبِهِ: الإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالاسْتِطَاعَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ: - أَحَدُهُمَا: اسْتِطَاعَةُ مُبَاشَرَةٍ، وَلَهَا شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: وُجُودُ الزَّادِ وَأَوْعِيَتِهِ، وَمُؤْنَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِبَلَدِهِ أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ .. لَمْ تشتَرَطْ نَفَقَةُ الإِيَابِ،
نعم؛ لو بلغ، أو عَتَقَ قبل الوقوف بعرفة، أو قبل فراقها في وقت الوقوف .. أجزأهما عن حجة الإسلام؛ لإدراكهما معظمَ العبادة، كمن أدرك الركوع.
نعم؛ لو كان سعى عقب طواف القدوم .. لزمه إعادتُه على الأصحِّ؛ لوقوعه في حال النقصان، وإن كَمَلَا بعد الوقوف وعادا إليه في وقته .. أجزأهما، وإلا .. فلا على الأصحِّ.
ووقوع العتق والبلوغ في أثناء العمرة على هذا التفصيل أيضًا، والطواف فيها كالوقوف في الحجِّ.
(وشرط وجوبه: الإسلامُ، والتكليف، والحرية، والاستطاعة) بالإجماع.
نعم؛ المرتد يجب عليه وإن كان كافرًا؛ لالتزامه إياه بالإسلام، وفائدة الوجوب عليه: أنه لو استطاع في ردته وتمكن، ثم تلف المالُ في الردة، أو بعد الإسلام وقبل التمكن، ثم استفاد مالًا آخر ومات قبل التمكن .. فإنه يُقضى عنه من تركته.
وإذا اجتمعت هذه الشروط .. وجب مرة على التراخي؛ خلافا للأئمة الثلاثة.
(وهي نوعان: أحدهما: استطاعةُ مباشرةٍ، ولها شروط: أحدها: وجود الزَّاد وأوعيتِه) حتى السُّفْرة؛ كما قاله القاضي الحسين، (ومؤنةِ ذهابه وإيابه) لما روي: أنه صلى الله عليه وسلم لمَّا سئل عن (السبيل) المذكور في الآية، قال: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ"، قال في "شرح المهذب": لكنه حديث ضعيف وإن حسَّنه الترمذي وصححه الحاكم 373.
(وقيل: إن لم يكن له ببلده أهلٌ وعشيرة .. لم تشترط نفقةُ الإياب) لأن البلاد كلَّها بالنسبة إليه سواء، والصحيح: الأول؛ لما في الغربة من الوحشة.
الجزء: 1 - الصفحة: 617
فَلَوْ كَانَ يَكْسِبُ مَا يَفِي بِزَادِهِ وَسَفَرُهُ طَوِيلٌ .. لَمْ يُكَلَّفِ الْحَجَّ، وَإِنْ قَصُرَ وَهُوَ يَكْسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ .. كُلِّفَ
والأهل: كلّ من تلزمه نفقتُه؛ كالزوجة، والقريبِ، والعشيرةُ: الأقارب من قبل الأب أو الأم.
ولو قال المصنف: (أهل أو عشيرة) كما في "الروضة" 374 .. لكان أولى؛ لأن وجود أحدهما كافٍ في الجزم باشتراط نفقة الإياب؛ خلافًا لما تقتضيه عبارة "الكتاب"، و"أصله" 375.
ولو قال: (لم تشُترط مؤنةُ الإياب) .. لكان أحسن؛ ليتناول الراحلة ونحوَها.
(فلو كان يكسب ما يفي بزاده) وغيره من المؤن (وسفرُه طويل .. لم يكلَّف الحجّ) لأنه قد ينقطع عن الكسب لعارض، وبتقدير ألَّا ينقطع .. فالجمعُ بين تعب السفر والكسب مشقةٌ عظيمة.
(وإن قصُر) بأن كان على دون مرحلتين من مكة (وهو يكسب في يوم كفاية أيام .. كُلِّف) لانتفاء المشقة.
قال المنكت: (ولم أرَ من ضبطها، ويتبادر إلى الفهم: أن أقلَّها ثلاثة، واستنبط الإسنوي من تعليل الرافعي - عدم اللزوم فيما إذا كان يكسب كلَّ يوم ما يكفي ذلك اليومَ خاصة .. بأنه ينقطع عن كسبه في أيام الحجّ، فيتضرر - أنها ستة، وهي أيام الحجّ من الثامن إلى آخر الثالث عشر) 376.
ولو كان يقدر أن يَكْسِب في الحضر ما يُقدَّر أن يكفيه لذلك وللحج .. فهل يجب عليه الاكتسابُ؟ قال الإسنوي: لم يُصرِّحوا به، غير أنَّا نقول: إن كان على دون مسافة القصر .. وجب؛ لأنهم إذا أوجبوا عليه مع وقوعه في السفر .. ففي الحضر أولى، وإن كان طويلًا .. فيتجه أيضًا الوجوب؛ لانتفاء المحذورات السابقة.
انتهى، وفيه نظر.
الجزء: 1 - الصفحة: 618
الثَّانِي: وُجُودُ الرَّاحِلَةِ لِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، فَإِنْ لَحِقَهُ بِالرَّاحِلَةِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ .. اشْتُرِطَ وُجُودُ مَحْمِلٍ، وَاشْتُرِطَ شَرِيكٌ يَجْلِسُ فِي الشِّقِّ الآخَرِ
(الثاني: وجودُ الراحلة) ببيع أو استئجار (لمن بينه وبين مكة مرحلتان) للحديث المار 377، وسواء قدر على المشي أم لا.
ومراد الفقهاء بـ (الراحلة): كلّ ما يركب من الإبل، ذكرًا كان أو أنثى، قال المحب الطبري: وفي معنى (الراحلة): كلّ حَمُولة اعتيد الحملُ عليها في طريقه؛ من بِرْذَوْن، أو بغل، أو حمار.
(فإن لحقه بالراحلة مشقةٌ شديدة .. اشترط وجودُ محمِل) دفعًا للضرر، وضابط هذه المشقة؛ كما نقله في "الكفاية" عن الجويني: أن يلحقه من المشقة بين المَحِمل والراحلة ما يلحقه بين المشي والركوب 378.
ولو شقّ عليه ركوب المَحمِل .. اعتبر في حقه الكَنِيسة؛ كما نقلاه عن "الشامل"، وأقرّاه 379.
والمَحمِل: هو الخشبة التي يركب فيها، والكنيسة: أعوادٌ مرتفعة في جوانب المَحمِل يكون عليها ستر دافع للحرّ والبرد.
ومحلّ التقييد: في الرجل، أما المرأة .. فيشترط المَحمِل في حقها مطلقًا؛ لأنه أسترُ لها؛ كذا نقلاه في "الشرح"، و"الروضة"، و"شرح المهذب" عن المَحاملي وغيره من العراقيين، وأقرَّاه 380.
(واشتُرط شريك يَجلس في الشقّ الآخر) وإن قدر على المَحمِل بتمامه، وعلّله في "الوسيط" بأن بذل الزيادة خسرانٌ لا مقابل له 381، قال في "المهمات": (ومقتضى هذا التعليل: أن ما يحتاج إليه في سفره؛ من الزاد وغيره يقوم مقام الشريك، وكذا
الجزء: 1 - الصفحة: 619
وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى الْمَشْيِ .. يَلْزَمُهُ الْحَجُّ، فَإِنْ ضَعُفَ .. فَكَالْبَعِيدِ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلَيْنِ عَنْ دَيْنِهِ، وَمُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنِهِ وَعَبْدٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِخِدْمَتِهِ،
الأمتعة المُستأجِرُ على حملها، وكلام كثير من المختصرات يقتضي تعيِّنَ الشريك، وليس توجيهه ببعيد) 382.
(ومن بينه وبينها دون مرحلتين، وهو قوي على المشي .. يلزمه الحجّ، فإن ضعف .. فكالبعيد) للمشقة على الضعيف دون القوي.
وخرج بـ (المشي): الحَبْوُ؛ فإنه لا يلزمه وإن أمكن على الأصحِّ.
(ويشترط: كون الزاد والراحلة) اللائقين (فاضلين عن دينه) حالًّا كان أو مؤجلًا، أما الحالّ .. فلأن وجوبه ناجز، والحجَّ متراخ، ولو رضي صاحب الحقّ بالتأخير .. لم يجب أيضًا؛ لأن المنية قد تخترمه، فتبقى ذمته مرتهنة، وأما المؤجل .. فلأنه قد يحلّ بالموت، أو بانقضاء الأجل، ولا يجد ما يقضي به الدين لو صَرف ما معه إلى الحج.
وشمل إطلاقه دين الله؛ كالنذر، والكفارة، ودين الآدمي، ويؤخذ من اشتراط كونهما فاضلين عن دينه: اشتراطُ كونهما فاضلين عن دَسْت ثوب يليق به؛ إذ ذلك مقدم على الدين.
(ومؤنة من عليه نفقتهم مدّةَ ذهابه وإيابه) لئلا يضيَّعوا.
(والأصح: اشتراط كونه فاضلًا عن مسكنه، وعبدٍ يَحتاج إليه لخدمته) لزمانته، ومنصبه؛ ، كما يبقيان في الكفارة، وعلى هذا: لو كان معه نقا يريد صرفه إليهما .. مُكِّن منه، والثاني: لا يشترط، بل يباعان، ونصَّ عليه في "الأم" 383؛ لأن الاستطاعة مفسرة في الخبر بالزاد والراحلة، وهذا واجد لهما.
والفرق بين الحج والكفارة: أن العتق في الكفارة له بدلٌ معدول إليه، بخلاف الحجّ.
الجزء: 1 - الصفحة: 620
وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ صَرْفُ مَالِ تِجَارَتهِ إِلَيْهِمَا. الثَّالِثُ: أَمْنُ الطَّرِيقِ،
ومحلّ الخلاف: إذا كانت الدار مستغرقة لحاجته، وكانت سكنى مثله، والعبد يليق به، فأما إذا أمكن بيع بعض الدار، ووَفَى ثمنُه بمؤنة الحج، أو كانا نفيسين لا يليقان بمثله، ولو أبدلهما .. لوَفَى التفاوتُ بمؤنة الحج .. فإنه يلزمه ذلك.
وقضية إطلاق المصنف وغيره: أنه لا فرق في اعتبار المسكن، والخادم بين المرأة المكفية بإسكان الزوج وإخدامه، وبين غيرها.
وسببه: أن الزوجيّة قد تنقطع فتحتاج إليهما، وكذلك المسكن للمُتفقِّهة الذين يسكنون بيوتَ المدارس، والصوفيةِ المعتادين الرُّبُطَ والخوانق، وفيه نظر؛ لأنه غير محتاج إليهما الآن، وتتوقع الحاجة في المستقبل، فأشبه رأسَ مال التجارة، ويمكن أن يقال هذا أيضًا في المزوجة.
واقتصاره على هذه الشروط يوهم أن الحاجة إلى النكاح، وحاجةَ الفقيه إلى كتبه لا يمنعان الوجوبَ، وهو في التزويج كذلك على الأصحِّ في "الروضة"، وأما الكتب .. فلا، بل الصواب كما قاله في "شرح المهذب": أنها تبُقَّى له، إلا أن يكون له من كلّ كتاب نسختان 384، وذكر ابن الأستاذ في "شرح الوسيط" أن خَيْلَ الجندي وسلاحَه ككتب الفقيه.
(وأنه يلزمه صرفُ مال تجارته إليهما) أي: للزاد والراحلة؛ كما يلزمه صرفه في دَينه، ويخالف المسكن والخادم، فإنه يحتاج إليهما في الحال، وما نحن فيه يتخذ ذخيرةً للمستقبل، والثاني: لا؛ لئلا يلتحق بالمساكين، ويجري الخلاف في الأملاك التي ينفق من رَيْعها.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يكون له كسبٌ أم لا، قال الإسنوي: وفيه بعد.
(الثالث: أمنُ الطريق) في كلّ مكان بحسب ما يليق به؛ لأن خوفه ينفي استطاعة السبيل، والمراد بالأمن: الأمن العام، فلو كان الخوف في حَقّه وحده .. قضى من
الجزء: 1 - الصفحة: 621
فَلَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ سَبُعًا أَوْ عَدُوًّا أَوْ رَصَدِيًّا وَلَا طَرِيقَ سِوَاهُ .. لَمْ يَجِبِ الْحَجُّ. وَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ رُكُوبِ الْبَحْرِ إِنْ غَلَبَتِ السَّلَامَةُ،
تركته؛ كما نقله البُلْقيني عن النصّ، وجزم في "الكفاية" بأنه إذا كان الخوف في حقّ الواحد، والنفر القليل .. لم يمنع الوجوب 385، ولا بدّ من اشتراط رُفْقة تخرج معه وقت العادة إن احتاج إليها.
(فلو خاف على نفسه، أو ماله) وإن قلَّ (سَبُعًا، أو عدوًّا، أو رَصَديًّا) وهو الذي يَرقُب الناس في الطريق؛ لأخذ شيء منهم، مسلما كان أو كافرًا، (ولا طريق سواه .. لم يجب الحج) لحصول الضرر.
ومحل ما ذكره في الرصدي: إذا كان الحاجّ هو الباذل؛ فإن بذل الإمام، أو نائبه .. وجب الحجّ؛ كذا نقله المحبُّ الطبري في "شرح التنبيه" عن "التجربة النظامية"، وقضيته: أن الأجنبي ليس كذلك، قال في "المهمات": وهو القياس؛ لما فيه من المنَّة 386.
(والأظهر: وجوب ركوب البحر إن غلبت السلامةُ) كما يجب السير في البرّ حينئذ؛ فإن غلب الهلاك .. حرم الركوب قطعًا، وإن استوى الأمران .. لم يجب، ويحرم على الصحيح في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب" 387، والثاني: لا يجب مطلقًا؛ لما فيه من الخوف والخطر، والثالث: يجب مطلقًا؛ لإطلاق الأدلة هذا كلّه إذا لم يكن في البرّ طريق، فإن كان .. لزمه الحج قطعًا.
نعم؛ لو امتنع سلوك البرّ لعارض، كجدبٍ، وعَطشٍ .. فجزم الجُوْريُّ بأنه لا يجب ركوب البحر، بل ينتظر زوالَ العارض، قالا: وليست الأنهار العظيمةُ؛ كجَيْحون في حكم البحر على الصحيح؛ لأن المقام فيها لا يطول، والخطر فيها لا يعظم، كذا أطلقاه 388.
الجزء: 1 - الصفحة: 622
وَأَنَّهُ تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْبَذْرَقَةِ. وَيُشْتَرَطُ: وُجُودُ الْمَاءِ وَالزَّادِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُعْتَادِ حَمْلُهُ مِنْهَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَهُوَ الْقَدْرُ اللَّائِقُ بِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَعَلَفِ الدَّابَّةِ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ
وقال الأَذْرَعي: كان التصوير فيما إذا كان يقطعها عرضًا، أما لو كان السيرُ فيهما طولًا .. فهي في كثير من الأوقات كالبحر وأخطر، ولو كان البحر مغرقًا أو كان قد اغتَلَم وهاج .. حرم ركوبه لكلّ سفر.
(وأنه تلزمه أجرة البَذْرَقة) لأنها أُهْبَة من أُهَب الطريق مأخوذة بحقّ، فكانت كأجرة الدليل إذا لم يعرفوا الطريقَ إلا به.
والبَذْرَقة: بذال معجمة ومهملة: الخُفارة: لفظةٌ عجميَّة معرَّبة، والمراد: أنه إذا وجد من يأخذ أجرة المثل ويُخفره؛ بحيث يأمن معه في غالب الظنّ .. وجب استئجاره على الأصحِّ، والثاني: لا يجب؛ لأنه خُسران لدفع الظلم، فأشبه التسليم إلى الظالم، وما رجحه تبع فيه "المحرر"، وقالا في "الشرح" و"الروضة": إنه أظهر عند الإمام، لكن حكى في "الكفاية" الثاني عن النص، قال: وبه قال سائر العراقيين، والقاضي الحسين، وقال في "المهمات": إن به الفتوى 389.
وقضية كلام الكتاب: أن الخلاف قولان، وليس كذلك، بل هو وجهان؛ كما في "الشرحين"، و"الروضة"، و"شرح المهذب" 390.
(ويشترط: وجود الماء والزاد في المواضع المعتادِ حملُه منها بثمن المثل، وهو القدر اللائق به في ذلك الزمان والمكان) حتى لو كان عام جَدْب، وخلا بعض المنازل عن أهلها، أو انقطعت المياه .. لم يلزمه الحجّ؛ لعظم المؤنة في حمله، وكذا لو وجدهما بأكثر من ثمن المثل؛ لما فيه من الإجحاف.
(وعلفِ الدابة في كلّ مرحلةٍ) لأن المؤنة تعظم في حمله أيضًا، قال في "شرح
الجزء: 1 - الصفحة: 623
وَفِي الْمَرْأَةِ: أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا زَوْجٌ، أَوْ مَحْرَمٌ أَوْ نِسْوَةٌ وثِقَاتٌ،
المهذب": وينبغي اعتبار العادة، كالماء 391، قال الأَذْرَعي وغيره: وهو متعين، وإلا .. لمَا لزم آفاقيًّا الحجُّ أصلًا.
(وفي المرأة: أن يخرج معها زوج، أو محرم) بنسب أو غيره (أو نسوةٌ ثقات) لأن سفرها وحدها حرام وإن كانت في قافلة؛ كما صرحا به الأحاديث الصحيحة؛ لخوف استمالتها وخديعتها، وفي الصحيح: اعتبار الزوج أو المَحرم 392، وأما النسوة الثقات .. فلأنهن إذا كثرن انقطعت الأطماعُ عنهنّ، بخلاف غير الثقات.
وظاهر كلامه: اشتراط ثلاث نسوة غيرها، قال الإسنوي: (وهو بعيد لا معنى له، بل المتجه: الاكتفاء باجتماع أقل الجمع، وهو ثلاث، وأيُّ معنى لاشتراط الأربعة بخصوصها، وأيُّ دليل يدل عليه؟ ! ) 393 وقال الأَذْرَعي: قضية كلام الأكثرين: الاكتفاءُ بالمرأتين؛ لأنهن يصرن ثلاثًا، واعتبار النسوة شرط للوجوب، أما الجواز .. فيجوز لها الخروج لأداء الحجّ مع المرأة الثقة على الصحيح في شرحي "المهذب" و"مسلم" 394، وعبارة "شرح مسلم": (فلو وجدت امرأة واحدة ثقة .. لم يلزمها، لكن يجوز لها الخروج معها، هذا هو الصحيح).
انتهى 395.
وهذا كلّه في حجّ الفرض؛ أما النفل .. فليس لها الخروج له، ولا لغيره من الأسفار مع النساء الخلَّص على الأصحِّ المنصوص.
قال الإسنوي: ولا شكّ أن لها الهجرة من بلاد الكفر وحدها، ولا يشترط في سفر المرأة مع المرأة ملازمتها إياها، بل لو مشت قدام القافلة أو بعدها بعيدةً .. فإنه يكفي؛ كما نقله في "شرح المهذب" عن الشيخ أبي حامد وأقره 396.
وأورد على المصنف عبد المرأة، فإنه يكفي في الوجوب خروجه معها، كما صرح
الجزء: 1 - الصفحة: 624
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَحْرَمٍ لإِحْدَاهُنَّ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهَا أُجْرَةُ الْمَحْرَمِ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بِهَا. الرَّابِعُ: أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ
به المرعشي في "ترتيب الأقسام"، وابن أبي الصيف في "نكته"، مع كونه ليس محرمًا لها بدليل انتقاض الوضوء بمسه، لكنه كالمحرم في النظر إليها، والخلوة بها.
وتقييده النسوة بالثقات قد يقتضي اشتراطَ بلوغهن؛ لأن الصبي ليس بثقة؛ كما صرحوا به في مواضع، وهل ذلك شرط أيضًا في المحرم والزوج أم يجري فيه الخلاف في الاكتفاء بالمميز في مساكنة المعتدة؟ قال الإسنوي: فيه نظر، ويشترط في الخنثى المشكل: وجود محرم من الرجال أو النساء، لا الأجنبيات 397.
(والأصح: أنه لا يشترط وجودُ محرم لإحداهن) لما تقدم من انقطاع الأطماع عنهن عند كثرتهن، والثاني: يشترط؛ لأنه قد ينوبهن أمر فيستعنَّ به، والزوج على هذا كالمحرم؛ كما صرح به في "شرح المهذب" 398.
(وأنه يلزمها أجرةُ المحرم إذا لم يخرج إلا بها) إذا كانت أجرةَ المثل؛ كأجرة البَذْرَقة، وأولى باللزوم؛ لأن الداعي إلى التزام هذه المؤنة معنىً فيها فأشبه مؤنةَ المَحْمِل المحتاج إليه، والثاني: المنع، وأجرة الزوج كالمحرم؛ كما صرَّح به في "الحاوي الصغير" 399، وفي أجرة النسوة نظرٌ للإسنوي 400، فلو امتنع المحرم من الخروج بالأجرة .. لم يُجبَر جزمًا، وكذا الزوج.
نعم؛ لو كان قد أفسد حجّها ووجب عليه الإحجاج بها .. لزمه ذلك بلا أجرة 401، قاله الأذرعي، وكذا لو كان عبدُها محرمًا لها .. فلها إجبارُه قطعًا.
(الرابع: أن يثبت على الراحلة) أو المَحْمِل ونحوه (بلا مشقة شديدة) فإن لم يثبت أصلًا، أو كان يثبت، ولكن بمشقة شديدة؛ لكبر أو مرض .. فقد انتفت استطاعة المباشرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 625
وَعَلَى الأَعْمَى الْحَجُّ إِنْ وَجَدَ قَائِدًا، وَهُوَ كَالْمَحْرَمِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ. وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ كَغَيْرِهِ، لكِنْ لَا يُدْفَعُ الْمَالُ إِلَيْهِ، بَلْ يَخْرُجُ مَعَهُ الْوَلِيُّ أَوْ يَنْصِبُ شَخْصًا لَهُ. - النَّوْعُ الثَّانِي: اسْتِطَاعَةُ تَحْصِيلِهِ بِغيْرِهِ، فَمَنْ مَاتَ وَفِي ذِمَّتِهِ حَجٌّ .. وَجَبَ الإِحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ
(وعلى الأعمى الحجُّ إن وجد قائدًا) مع ما سبق؛ لاستطاعته حينئذ (وهو) أي: القائد (كالمَحرم في حقِّ المرأة) فيأتي فيه ما سبق، ويشترط في مقطوع اليدين والرجلين مع ما سبق: وجودُ مُعِين له.
(والمحجور عليه بسفه كغيره) في وجوب الحجّ؛ لأنه مكلّف (لكن لا يُدفَع المال إليه) لئلا يُبذِّره (بل يَخرُج معه الولي) إن شاء؛ لينفق عليه في الطريق بالمعروف، ويكون قوَّامًا عليه، (أو يَنصِب شخصًا له) ثقةً ينوب عنه ولو بأجرة مثله إن لم يجد متبرعًا كافيًا.
وأهمل من الشروط خامسًا، وهو: أن يبقى من الزمان بعد وجود الشروط السابقة ما يتمكن فيه من السَّيْر لأدائه على العادة، حتى لو احتاج بعد اليسار إلى أن يقطع في كلّ يوم، أو في بعض الأيام أكثرَ من مرحلة .. لم يجب الحجّ؛ كما نقله الرافعي عن الأئمة 402، لكن قال ابن الصلاح: إن ذلك شرط لاستقراره في ذمته؛ ليجب قضاؤه من تركته لو مات، وليس شرطًا لأصل وجوب الحجّ؛ فإنه وجب بمجرد الاستطاعة؛ كما تجب الصلاةُ بأول الوقت، ويستقرّ بالإمكان 403، وردّه عليه في "زيادة الروضة"، وقال: إن الصواب: ما قاله الرافعي 404.
(النوع التاني: استطاعةُ تحصيله بغيره، فمن مات وفي ذمته حجّ) أي: حجة الإسلام أو غيرها، وكذا العمرة ( .. وجب الإحجاج عنه من تركته) لأن امرأة قالت: يا رسول الله؛ إن أمي ماتت ولم تحجّ قطّ أفأحج عنها؟ قال: "حُجِّي عَنْهَا" رواه مسلم 405، وفي
الجزء: 1 - الصفحة: 626
وَالْمَعْضُوبُ الْعَاجِزُ عَنِ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ إِنْ وَجَدَ أُجْرَةَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ .. لَزِمَهُ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا فَاضِلَةً عَنِ الْحَاجَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَنْ حَجَّ بِنَفسِهِ،
"البخاري" مثلُه (في النذر) 406.
وقوله: (من تركته) ليس في "المحرر"، ولا بُدَّ منه؛ فإنه إذا لم يخلف تركة .. لا يجب على الوارث، ولا في بيت المال.
ولا بدّ من التمكن من الأداء بعد الوجوب، فلو أخر بعد الوجوب فمات أو جُنَّ، أو تلف ماله قبل تمام حجّ الناس .. لم يُقضَ من تركته على الأصحِّ.
واستثني من إطلاقه: ما لو لزمه الحجّ، ثم ارتد، ومات مرتدًا .. فإنه لا يقضى من تركته على الصحيح، أو الصواب؛ لأنه لو صحّ .. لوقع عنه، وقد يقال: خرج ذلك بقوله: (من تركته)؛ لأن المرتد [إذا مات على الردّة] .. لا تركة له 407.
(والمعضوبُ العاجز عن الحجّ بنفسه) حالًّا أو مآلًا؛ لزَمَنٍ أو كِبَرٍ أو غيرهما (إن وجد أجرةَ مَنْ يحجّ عنه بأجرة المثل .. لزمه) لأنه مستطيع بغيره؛ لأن الاستطاعة كما تكون بالنفس تكون ببذل الأموال وطاعة الرجال، ولهذا يقال لمن لا يُحسن البناء: فلان يستطيع بناء داره، وإذا صدق أنه مستطيع .. وجب عليه؛ للآية.
وفي "الصحيحين" من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن امرأة من خَثْعَم قالت: يا رسول الله؛ إن فريضةَ الله على عباده في الحجّ أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؛ قال: "نَعَمْ"، وذلك في حجّة الوداع 408.
ويستثنى: المعضوب إذا كان بمكة، أو بينه وبينها دون مسافة القصر .. فإنه لا يجوز له الاستنابةُ؛ لأن المشقة لا تكثر، حكاه في "شرح المهذب" عن المتولي، وأقرَّه 409.
(ويشترط كونها) أي: الأجرة (فاضلةً عن الحاجات المذكورة فيمن حجَّ بنفسه،
الجزء: 1 - الصفحة: 627
لكِنْ لَا تُشْتَرَطُ نَفَقَةُ الْعِيَالِ ذَهَابًا وَإِيَابًا. وَلَوْ بَذَلَ وَلَدُهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ مَالًا لِلأُجْرَةِ .. لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ بَذَلَ الْوَلَدُ الطَّاعَةَ .. وَجَبَ قَبُولُهُ،
لكن لا تشترط نفقةُ العيال ذهابًا وإيابًا) لأنه إذا لم يفارق أهلَه .. يمكنه تحصيلُ نفقتهم، ونفقتُه كنفقتهم، كما حكاه ابن الرفعة عن البَنْدَنيجي 410.
ويشترط: أن تكون فاضلة عن نفقتهم وكسوتهم يوم الاستئجار.
ولو عبّر المصنف بـ (المؤنة) بدل (النفقة) .. لكان أشمل.
(ولو بذل) أي: أعطى (ولدُه، أو أجنبي مالًا للأجرة .. لم يجب قبولُه في الأصح) للمنة، والثاني: يجب، لحصول الاستطاعة، والخلاف في الأجنبي مترتب على الابن وأولى بألا يجب، قاله في "البيان" 411.
والأبُ كالابن أو كالأجنبي؟ فيه احتمالان للإمام، ورجح الرافعي منهما الأولَ 412.
ولو استأجر المطيع إنسانًا للحج عن المطاع المعضوب، وكان المطيع ولدًا .. لزم المطاع الحجّ؛ كما نقله في "شرح المهذب" عن تصحيح المتولي، وأقره 413، وكلام "الكتاب" قد يُفهم خلافَه.
(ولو بذل الولدُ الطاعة) بنفسه ( .. وجب قبوله) وهو إذنه له في الحجّ؛ لحصول الاستطاعة، وسواء أكان الولد ذكرًا أم أنثى، من أولاد الصلب أم غيرهم، وهذا إذا كان الولد راكبًا؛ فإن كان ماشيًا .. لم يجب قبوله على الأصحِّ في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب" 414؛ لأن مشي ولدِه يشقّ عليه.
وحكمُ التعويل على الكسب أو السؤال حكمُ المشي؛ كما ذكره في "الحاوي الصغير" 415، وليس في "الشرحين"، و"الروضة" تصريحٌ بما قاله، وإنما رجّحا
الجزء: 1 - الصفحة: 628
وَكَذَا الأَجْنَبِيُّ فِي الأَصَحِّ.
عدمَ الوجوب فيهما إذا انضمّا إلى المشي 416.
(وكذا الأجنبيُّ في الأصح) لحصول الاستطاعة؛ كالولد، والثاني: لا؛ لكون الولد بَضْعَة منه، فنفسه كنفسه، بخلاف غيره، والأخ في ذلك كالأجنبي، وكذا الأب على الأصحِّ.
وشرط الباذل: أن يكون موثوقًا به، مؤديًا لفرضه، وألا يكون معضوبًا.
وكلامه قد يُفهم عدَم وجوب سؤال الابن إذا تَوسَّم الأبُ فيه الطاعةَ، والأصحُّ المنصوص: اللزوم.
الجزء: 1 - الصفحة: 629
بابُ المواقيت وَقْتُ - إِحْرَامِ الْحَجِّ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَفِي لَيْلَةِ النَّحْرِ وَجْهٌ. فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ .. انْعَقَدَ عُمْرَةً عَلَى الصَّحِيحِ. وَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْت لإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ
﴿باب المواقيت﴾
هي: جمع ميقات، ومعناه لغةً: الحدُّ، والمراد به ههنا: زمان العبادة ومكانُها.
(وقت إحرام الحج: شوال وذو القَعْدة وعشرُ ليال) بالأيام بينها (من ذي الحِجة) كذا فسر به ابن عباس، قولَه تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ كما نقله ابن عطية وغيره 417، والمراد: وقت الإحرام به؛ لأن فعله لا يحتاج إلى شهر.
(وفي ليلة النحر وجهٌ) لأن الليالي تبع للأيام، ويوم النحر لا يصحّ فيه الإحرام، فكذلك ليلته، وفي قول: إنَّ ذا الحِجَّة كلَّه وقتٌ للإحرام، وهو شاذ.
(فلو أحرم به في غير وقته .. انعقد عمرةً) مجزئة عن عمرة الإسلام (على الصحيح) سواء كان عالمًا أو جاهلًا؛ لأن الإحرام شديد التعلق، فإذا لم يَقبل الوقتُ ما أحرم به .. انصرف إلى ما يقبله، وأيضًا فإنه إذا بطل قصد الحجّ .. بقي مطلق الإحرام، والعمرةُ تنعقد بمجرد الإحرام؛ بدليل الإطلاق، فانصرف إليها، والثاني: لا ينعقد عمرةً، بل يتحلل بعمل عمرة، ولا يكون ذلك مجزئًا عن عمرة الإسلام، كما لو فاته الحجّ؛ لأن كلَّ واحد من الزمانين ليس وقتًا للحج.
ومحل ما ذكره: إذا كان حلالًا؛ فإن أحرم بعمرة ثم بحجّ في غير أشهره .. لم ينعقد إحرامه حجًّا؛ لكونه في غير أشهره، ولا عمرةً؛ لأن العمرة لا تدخل على العمرة، ذكره القاضي أبو الطيب، قال السبكي: وهو ظاهر.
(وجميع السنة وقتٌ لإحرام العمرة) لوروده في الأحاديث الصحيحة في أوقات مختلفة 418.
الجزء: 1 - الصفحة: 630
وَالْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ لِلْحَجِّ فِي حَقِّ مَنْ بِمَكَّةَ: نَفْسُ مَكَّةَ، وَقِيلَ: كُلُّ الْحَرَمِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ .. فَمِيقَاتُ الْمُتَوَجِّهِ مِنَ الْمَدِينَةِ: ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَمِنَ ألشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ: الْجُحْفَةُ، وَمِنْ تِهَامَةِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ، وَمِنْ نَجْدِ الْيَمَنِ وَنَجْدِ الْحِجَازِ: قَرْنٌ، وَمِنَ الْمَشْرِقِ: ذَاتُ عِرْقٍ
نعم؛ المحرم بالحج إذا تحلل التحللين، وعكف بمنى للرمي .. فإن عمرته لا تنعقد؛ لاشتغاله بالرمي والمبيت، نصَّ عليه الشافعي 419، واتفق عليه الأصحاب، ومنه يؤخذ امتناع حجتين في عام واحد، وهو إجماع، كما نقله القاضي أبو الطيب.
ويستحب: الإكثار من الاعتمار لا سيِّما في رمضان، فإن عمرة في رمضان .. تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما صححه الحاكمُ على شرط الشيخين 420.
وحكي عن نجم الدين الطبري قاضي مكة أنه حكى ثلاثة أوجه في الطواف والاعتمار أيُّهما أفضلُ؟ ثالثها: إن استغُرِقَ زمانُ الاعتمار بالطواف .. فالطواف أفضل، وإلا .. فالاعتمار.
(والميقات المكاني للحج) وإن قَرنَ (في حقّ مَنْ بمكة) آفاقيًّا أو غيره (: نفسُ مكة) لحديث ابن عباس الآتي، (وقيل: كلُّ الحرم) لأن مكة وسائرَ الحرم في الحرمة سواء، فلو فارق بنيان مكة، ثم أحرم في الحرم، ولم يرجع إلى مكة إلا بعد الوقوف .. كان مسيئًا على الوجه الأول دون الثاني.
(وأما غيره .. فميقات المتوجه من المدينة: ذو الحُليفة، ومن الشام ومصر والمغرب: الجُحْفة، ومن تِهامة اليمن: يلملم، ومن نجد اليمن ونجد الحجاز: قَرْن، ومن المشرق: ذات عِرْق) لما في "الصحيحين" عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل المدينة ذا الحُليفة، ولأهل الشام الجُحْفة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، وقال: "هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتىَ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ .. فَمِنْ حَيْثُ
الجزء: 1 - الصفحة: 631
وَالأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ، وَيَجُوزُ مِنْ آخِرِهِ. وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا لَا يَنْتَهِي إِلَى مِيقَاتٍ: فَإِنْ حَاذَى مِيقَاتًا
أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ" 421.
وروى النسائي أنه عليه السلام وقَّت لأهل الشام ومصر الجُحْفَة، ولأهل العراق ذات عِرْق، وصححه ابن السكن 422.
وأما المغرب .. ففي رواية مرسلة أخرجها الشافعي، وقد وصلها مرة في حديث آخر، لكن مع الشك في رفعه 423.
واختلفوا في أن ذات عِرْق ميقاتٌ بالنصّ، أو باجتهاد عمر رضي الله عنه، ونقلا في "الشرح"، و"الروضة" عن ميل الأكثرين أنه بالنصّ، وقال في "شرح المهذب": إنه الصحيح عند جمهور الأصحاب، لكن في "شرح المسند" للرافعي: أن مذهب الشافعي: أنه باجتهاد عمر رضي الله عنه، وقال المصنف في "شرح مسلم": إنه الصحيح، وهو ما نصّ عليه في "الأم" 424.
ويستثنى من إطلاق المصنف: الأجير، فإن عليه أن يُحرم من ميقات الميت، أو المستأجر الذي يحجّ عنه، وإن مرّ بغير ذلك الميقات .. أحرم من موضع بإزائه إذا كان أبعد من ذلك الميقات من مكة، حكاه في "الكفاية" عن الفوراني، وأقره، وفي "التهذيب"، و"البسيط"، و"الذخائر" نحوُه 425.
(والأفضل: أن يحرم من أول الميقات) ليقطع الباقي محرمًا (ويجوز من آخره) لصدق الاسم عليه، واستثنى السبكي من ذلك: ذا الحليفة، وقال: ينبغي أن يكون الإحرام فيها من عند المسجد الذي أحرم من عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعًا.
(ومن سلك طريقًا) في البرّ أو البحر (لا ينتهي إلى ميقات؛ فإن حاذى ميقاتًا ..
الجزء: 1 - الصفحة: 632
أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتِهِ، أَوْ مِيقَاتينِ .. فالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مُحَاذَاةِ أَبْعَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُحَاذِ .. أَحْرَمَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. وَمَنْ مَسْكَنُهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ .. فَمِيقَاتهُ مَسْكَنُهُ. وَمَنْ بَلَغَ مِيقَاتًا غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا، ثُمَّ أَرَادَهُ .. فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُهُ،
أحرم من مُحاذاته) اتباعًا لعمر رضي الله عنه، فإنه وقَّت ذات عِرْق لأهل الكوفة والبصرة؛ اعتبارًا بقَرْن؛ لأنه يحاذيهما، كما رواه البخاري 426، ولم يخالفه أحد.
فإن اشتبه عليه موضع المحاذاة .. اجتهد.
(أو ميقاتين .. فالأصح: أنه يُحرم من محاذاة أبعدِهما) عن مكة، وهو الأقرب إليه، وليس له الانتظار إلى الوصول إلى محاذاة الأقرب؛ كما ليس للآتي من المدينة أن يجاوز ذا الحليفة ليحرم من الجُحْفة، والثاني: أنه يتخير؛ إن شاء أحرم من الموضع المحاذي لأبعدهما، وإن شاء لأقربهما؛ لأنه لم يمرّ على ميقات منصوص عليه فتركه، وقد أحرم محاذيًا لميقات.
(وإن لم يحاذ .. أحرم على مرحلتين من مكة) لأنه لا شيء من المواقيت أقلُّ مسافة من هذا القدر، قاله الإمام تخريجًا لا نقلًا 427.
والمراد بعدم المحاذاة: في علمه لا في نفس الأمر؛ لأن المواقيت تعمّ جهات مكة، فلا بدّ أن يحاذي أحدها.
(ومن مسكنه بين مكة والميقات .. فميقاته مَسكنُه) قريةً كانت أو حِلَّةً أو منزلًا منفردًا؛ لقوله عليه السلام في الحديث المار بعد ذكر المواقيت: "فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ .. فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ" 428.
(ومن بلغ ميقاتًا غيرَ مريد نُسُكًا، ثم أراده .. فميقاته موضعُه (ولا يُكلَّف العودَ؛ للحديث المار: "هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ" 429، فدلّ على أن وجوب الإحرام من تلك المواقيت خاصّ بمن أراد
الجزء: 1 - الصفحة: 633
وَإِنْ بَلَغَهُ مُرِيدًا .. لَمْ تَجُزْ مُجَاوَزَتُهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، فَإِنْ فَعَلَ .. لَزِمَهُ الْعَوْدُ لِيُحْرِمَ مِنْهُ
النسك، وإذا لم يجب عليه الإحرام منها .. وجب من موضعه؛ لأنه الآن دون الميقات، فدخل في عموم قوله: "فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ .. فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ" 430.
وفُهِمَ من قوله: (فميقاته موضعه) أنه لو جاوز موضعه غير محرم .. يلزمه دم، وهو كذلك.
(وإن بلغه مريدًا .. لم تجز مجاوزتُه بغير إحرام) للحديث السابق، والمراد: مجاوزته إلى جهة الحرم، أما إذا جاوزه يمينًا أو شمالًا، وأحرم من مثل ميقات بلده أو أبعد .. جاز، قاله الماوردي، ومثَّله بالعراقي ينزل ذات عِرْف، ويعرج إلى ذي الحليفة، ولو عكس المدني .. لم يجز، وعليه دم؛ كذا نقله في "المهمات" معترضًا به على إطلاقهم 431.
قال في "التوسط": إذا أخذ عن يمين الميقات أو يساره .. لم يُقَل: جاوزه، وعبارة الماوردي: يعرج 432؛ فانتقاد مثل هذا غفلة.
(فإن فعل .. لزمه العود ليُحرم منه) لأن الإحرام منه كان واجبًا عليه فتركه، وقد أمكنه تداركُه، فيأتي به، وإذا عاد .. فلا دم عليه.
وكلامه يوهم تعين العود إليه، وليس كذلك، بل لو عاد إلى مثل مسافته من ميقات آخر .. جاز، قاله ابن المَرْزُبان والماوردي والإمام وغيرهم، قال الإسنوي: (ويؤيده أن المفسد لمَّا أوجبوا عليه القضاءَ من الميقات الذي أحرم منه في الأداء .. قالوا: إنه يجوز له تركه، والإحرام من مثل مسافته من موضع آخر، حتى ادعى في "زيادة الروضة" عدمَ الخلاف) 433.
ويوهم أيضًا: وجوب تأخير الإحرام إليه، قال الإسنوي: وليس كذلك، بل إذا قلنا: بأن العود بعد الإحرام مُسقط للدم، وهو الصحيح - كما سيأتي - .. فله أن
الجزء: 1 - الصفحة: 634
إِلَّا إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ .. لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِنْ أَحْرَمَ ثُمَّ عَادَ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ عَادَ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ .. سَقَطَ الدَّمُ، وَإِلَّا .. فَلَا
يحرم، ثم يعود إلى الميقات محرمًا؛ لأن المقصود قطعُ المسافة محرمًا 434.
(إلا إذا ضاق الوقت، أو كان الطريق مَخُوفًا) فلا يلزمه العود، لخوف الضرر، ويريق دمًا، وكذلك الحكم لو خاف الانقطاع عن الرُّفقة، أو على ماله لو تركوه، أو كان به مرض شاقّ؛ لما ذكرناه.
(فإن لم يَعُد .. لزمه دم) لقول ابن عباس: (من نسي من نسكه شيئًا أو تركه .. فليهرق دمًا) رواه مالك في "الموطأ" 435.
وشرط وجوب الدم: أن يحرم إما بالعمرة مطلقًا، وإما بالحج في تلك السنة؛ فإن لم يحرم أصلًا .. لم يلزمه شيء؛ لأن الدم إنما يجب لنقصان النسك، ولا يجب بدلًا عن النسك، حكاه في "المهمات" عن الماوردي وغيره 436.
وإن أحرم بالحج بعد انقضاء تلك السنة .. لم يلزمه شيء أيضًا؛ كما حكاه في "شرح المهذب" عن الدارمي، وفي "الكفاية" عن القاضي الحسين والبغوي 437.
والفرق بين الحج والعمرة: أن إحرام هذه السنة لا يصلح لحجّ سنة قابلة، بخلاف العمرة، فإنه لا يتأقت وقت إحرامها.
وقد يستثنى من إطلاقه: ما لو مرّ العبد بالميقات غيرَ محرم مريدًا للنسك، ثم عَتَقَ قبل الوقوف .. فإنه لا دم عليه على الصحيح.
(وإن أحرم ثُمَّ عاد .. فالأصح: أثه إن عاد قبل تلبسه بنُسُك .. سقط الدم) لقطعه المسافةَ من الميقات محرمًا، وأداء المناسك بعده.
(وإلا .. فلا) أي: وإن لم يعد إلا بعد تلبسه بنسك .. لم يسقط، سواء كان ذلك النسك ركنًا؛ كالوقوف، أو سنةً؛ كطواف القدوم؛ لتأدية ذلك النسك بإحرام ناقص.
الجزء: 1 - الصفحة: 635
وَالأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنَ الْمِيقَاتِ. قُلْتُ: الْمِيقَاتُ أَظْهَرُ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
وكان ينبغي التعبير بالمذهب؛ فإن الخلاف طريقان، الذي قطع به الجمهور: التفصيل المذكور.
وقيل: قولان، وقيل: وجهان، وجه عدم السقوط تأكدُ الإساءة؛ لإنشاء الإحرام من غير موضعه، وحيث سقط الدم بالعود لا تكون المجاوزة حرامًا على الأصحِّ في "البيان"، وحكاه عنه في "شرح المهذب"، وأقره 438، وبه جزم الروياني.
وقال المَحاملي في "التجريد": شرطُ انتفاء التحريم: أن تكون المجاوزة بنية العود، قال في "المهمات": ولا بدّ منه.
وظاهر كلام المصنف يقتضي: أن الدم وجب، ثم سقط بالعود، وهو وجهٌ في "الحاوي"، وصحح - أعني: الماوردي - أنه لا يجب إلا بفوات العود 439.
(والأفضل: أن يُحرم من دُوَيْرةِ أهله) لأنه أكثر عملًا، ولأن عمر وعليًّا رضي الله عنهما فسرا إتمام الحج والعمرة في الآية الكريمة بأن يحرم بهما من دُوَيْرة أهله 440.
(وفي قول: من الميقات) تأسيًا به صلى الله عليه وسلم، فإنه أحرم في حجة الوداع منه بالإجماع، وكذا في عمرة الحديبية؛ كما رواه البخاري في (كتاب المغازي) 441، ولأنه أقلّ تغريرًا بالعبادة؛ لما في المحافظة على واجبات الإحرام من المشقة.
(قلت: الميقات أظهر، وهو الموافق للأحاديث الصحيحة، والله أعلم) ونقله في "شرح المهذب" عن تصحيح الأكثرين والمحققين 442، بل أطلق جماعة: الكراهة على تقديم الإحرام على الميقات.
الجزء: 1 - الصفحة: 636
وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ لِمَنْ هُوَ خَارِجَ الْحَرَمِ: مِيقَاتُ الْحَجِّ، وَمَنْ بِالْحَرَمِ: يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَلَوْ بِخَطْوَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَأَتىَ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ .. أَجْزَأَتْهُ فِي الأَظْهَرِ وَعَلَيْهِ دَمٌ، فَلَوْ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ بَعْدَ إِحْرَامِهِ .. سَقَطَ الدَّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ
(وميقات العمرة لمن هو خارجَ الحرم: ميقاتُ الحج) لقوله عليه السلام في الحديث المار: "مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ" 443.
(ومن بالحرم) مكيًّا وغيره (: يلزمه الخروج إلى أدنى الحِلِّ ولو بخُطوة) من أيِّ جهةٍ شاء من جهات الحرم؛ لأنه عليه السلام أرسل عائشة بعد قضاء الحج إلى التنعيم فاعتمرت 444، فلو لم يكن الخروج واجبًا .. لاعتمرت مكانها؛ لضيق الوقت.
وقوله: (ولو بخطوة) قد يوهم أن الخُطوة أقلُّ ما يكفي، وليس كذلك، فلو قال: (ولو بقليل)، أو اكتفى بقوله: (إلى أدنى الحلّ) .. لكان أولى.
(فإن لم يخرج، وأتى بأفعال العمرة .. أجزأته في الأظهر) لانعقاد إحرامه، وإتيانه بعده بالواجبات (وعليه دم) لتركه الإحرام من الميقات، والثاني: لا يجزئه؛ لأن العمرة أحدُ النسكين، فيشترط فيه الجمع بين الحلّ والحرم؛ كما في الحاج؛ فإنه لا بدّ له من عرفة، وهي من الحلّ.
وقال في "الأم" بعد ذكره القولين: إن هذا أشبههما 445، وعلى القولين: فإحرامه منعقد، ونقل الإمام الاتفاق عليه 446؛ وحينئذ فيبقى على إحرامه حتى يخرج إلى الحلّ، ثم يطوف ويسعى ويحلق، وقيل: القولان في انعقاده، وهو مؤولٌ.
(فلو خرج إلى الحِلِّ بعد إحرامه) وقبل الطواف والسعي ( .. سقط الدم على المذهب) ولا يتخرج على الخلاف المارّ في عود مَنْ جاوز الميقات إليه محرمًا؛ لأن المسيء من انتهى إلى ميقات مريدًا للنسك، ثم جاوزه، ولم يوجد هنا، بل هو شبيه بمن أحرم قبل الميقات، وهذا ما أورده الجمهور.
الجزء: 1 - الصفحة: 637
وَأَفْضَلُ بِقَاعِ الْحِلِّ الْجِعْرَانَةُ، ثُمَّ التَّنْعِيمُ، ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةُ.
والطريق الثاني: تخريجه على الخلاف المذكور؛ فعلى المذهب: الواجب خروجُه إلى الحدّ قبل الأعمال إما في ابتداء الإحرام وإما بعده، بل نصَّ المحاملي في "المجموع"، والجرجاني في "التحرير" على أنه يستحب فعلُه قبل الخروج، واستُغرب.
وعلى القول بعدم سقوطِ الدم فالواجبُ: الخروج في ابتداء الإحرام.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين خروجه إلى الحلّ للنسك، أو لشغل، وبه قال القفال والبغوي.
وتعبيره بالسقوط: أرأد به عدمَ الوجوب، وعبارة "المحرر": (لم يلزمه دم)، وعبارة "البيان": (لا شيء عليه) 447.
(وأفضل بقاع الحِلِّ الجِعْرانة) لمن أراد الاعتمار؛ لإحرامه عليه السلام منها، متفق عليه 448، (ثم التنعيم) لأنه عليه السلام أمر عائشة بالاعتمار منه؛ كما مر 449، (ثم الحُدَيبية) لأنه عليه السلام صلَّى بها، وأراد المدخل لعمرته منها بعد أن أحرم بها من ذي الحليفة فصُدَّ؛ كما رواه البخاري في غزوة الحديبية 450.
وليس التفضيل المذكور لبعد المسافة، وإنما قدَّم الأصحابُ ما فعله، ثم ما أمر به، ثم ما همَّ به؛ أي: من سلوك تلك الطريق لا همّه بالإحرام؛ لما مرّ من أنه أحرم بذي الحليفة 451.
ويستحب لمن أحرم من بلده، أو من مكة: أن يَخرج عقب إحرامه، ولا يمكث بعده؛ كما نقله الشيخ أبو حامد عن النصِّ.
الجزء: 1 - الصفحة: 638
بابُ الإحرام يَنْعَقِدُ مُعَيَّنًا؛ بِأَنْ يَنْوِيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً أَوْ كِلَيْهِمَا، وَمُطْلَقًا؛ بِأَلَّا يَزِيدَ عَلَى نَفْسِ الإِحْرَامِ، وَالتَّعْيِينُ أَفْضَلُ، وَفِي قَوْلٍ: الإِطْلَاقُ. فَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ .. صَرَفَهُ بِالنِّيَّةِ إِلَى مَا شَاءَ مِنَ النُّسُكَيْنِ أَوْ إِلَيْهِمَا ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالأَعْمَالِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ .. فَالأَصَحُّ: انْعِقَادُهُ عُمْرَةً، فَلَا يَصْرِفُهُ إِلَى الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ. وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ،
﴿باب الإحرام﴾
الإحرام: هو الدخول في حجّ أو عمرة، أو فيهما، أو فيما يصلح لهما، ولأحدهما، وهو المطلق.
(ينعقد معينًا؛ بأن ينوي حجًّا أو عمرة أو كليهما) بالإجماع (ومطلقًا؛ بألا يزيد على نفس الإحرام) لأنه أحد ما قيل في إحرامه صلى الله عليه وسلم.
(والتعيين أفضل) لأنه أقرب إلى الإخلاص، وليعرف ما يدخل عليه، (وفي قول: الإطلاق) ليتمكن من صرفه إلى ما يخاف فوته.
(فإن أحرم مطلقًا في أشهر الحجّ .. صرفه بالنية) لا باللفظ (إلى ما شاء من النسكين أو إليهما ثمَّ اشتغل بالأعمال) ولا يجزئ العمل قبل الصرف بالنية، ومحل صرفه لما شاء منهما: إذا صلح الوقت لهما، فلو ضاق الوقت، وخاف فوت الحج، أو فات .. صرفه إلى العمرة، قاله الروياني 452.
(وإن أطلق في غير أشهره .. فالأصح: انعقاده عمرة، فلا يصرفه إلى الحجّ في أشهره) لأن الوقت لا يقبل غير العمرة، والثاني: ينعقد مبهمًا، فله صرفه إلى حجّ أو قران في أشهره، فإن صرفه إلى الحجّ قبل أشهره .. كان كمن أحرم بالحج قبل أشهره، فينعقد عمرةً.
(وله أن يحرم كإحرام زيد) لأن أبا موسى أهلّ بإهلال كإهلال رسول الله صلى الله
الجزء: 1 - الصفحة: 639
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ مُحْرِمًا .. انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ مُطْلَقًا - وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ عَدَمَ إِحْرَامِ زَيْدٍ .. لَمْ يَنْعَقِدْ - وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا .. انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ كَإِحْرَامِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ إِحْرَامِهِ بِمَوْتهِ .. جَعَلَ نَفْسَهُ قَارِنًا وَعَمِلَ أَعْمَالَ النُّسُكَيْنِ.
عليه وسلم فلما قدم أخبره، فقال: "أَحْسَنْتَ، طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَحِلَّ"، وكذا فعل علي رضي الله عنه، وكلاهما في "الصحيحين" 453.
نعم؛ لو علق على إحرام زيد في المستقبل، أو على طلوع الشمس، ونحوه .. ففيه وجهان، وميل الرافعي إلى الجواز 454.
(فإن لم يكن زيد محرمًا .. انعقد إحرامه مطلقًا) لأنه قصدُ الإحرام بصفة خاصة، فإذا بطلت الصفة .. بقي أصلُ الإحرام، (وقيل: إن علم عدمَ إحرام زيد .. لم ينعقد) كما لو علَّق، فقال: إن كان محرمًا .. فقد أحرمت، فلم يكن محرمًا، والفرق على الأول: أنه هنا جازم بالإحرام، بخلاف ما إذا علَّق.
(وإن كان زيد محرمًا .. انعقد إحرامُه كإحرامه) من حجّ، أو قران، أو عمرة، أو إطلاق؛ لحديث أبي موسى المارّ، وقد يوهم كلامه: أنه لو أحرم زيد بعمرة بنية التمتع أنه يلزم عمرًا التمتع وليس كذلك، بل تلزمه العمرة فقط.
ويستثنى من إطلاقه: ما إذا كان إحرام زيد فاسدًا .. فإنه ينعقد إحرامه مطلقًا على الأصحِّ في "زيادة الروضة" و"شرح المهذب" 455.
(فإن تعذر معرفةُ إحرامه بموته) أو جنونه، أو غيبته ( .. جعل نفسه قارنًا) بأن ينوي القران (وعمل أعمالَ النسكين) ولا يتحرى على المذهب؛ لأنه لا سبيل إلى الاطلاع على نية الغير.
الجزء: 1 - الصفحة: 640
فَصْلٌ [في ركن الإحرام]
الْمُحْرِمُ يَنْوِي وَيُلَبِّي، فَإِنْ لَبَّى بِلَا نِيَّةٍ .. لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ، وَإِنْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ .. انْعَقَدَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيُسَنُّ: الْغُسْلُ لِلإِحْرَامِ، فَإنْ عَجَزَ .. تَيَمَّمَ،
(فَصْلٌ: المحرم ينوي) لحديث: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" 456، (ويلبي) مقترنًا بنيته؛ لنقل الخلف عن السلف لها، والنية محلّها القلب، وكيفيتها المستحبة: أن يقول بقلبه ولسانه: (نويت الحجّ، وأحرمت به لله عز وجل، لبيك اللهم لبيك ... ) إلى آخر التلبية، ولا تجب هنا نيةُ الفرضية جزمًا؛ لأنه لو نوى النفل .. لوقع عن الفرض، فلا فائدة في الإيجاب، ويستحب: استقبال القبلة عند الإحرام.
(فإن لبَّى بلا نية .. لم ينعقد إحرامُه) لأن الأعمال بالنيات، (وإن نوى ولم يلبِّ .. انعقد على الصحيح) كالطهارة والصوم في عدم اشتراط اللفظ مع النية، والثاني: لا ينعقد؛ لإطباق الأمة عليها عند الإحرام، وكالصلاة لا تنعقد إلا بالنية والتكبير.
(ويسن الغسل للإحرام) تأسيًا به عليه السلام؛ كما رواه الترمذي وحسنه 457.
بل يكره تركه؛ كما نصَّ عليه في "الأم" 458، وسواء في ذلك الحاجّ والمعتمر، والرجل والمرأة، والبالغ والصبي، والحائض والنفساء؛ لأن حكمته: التنظيف.
ويندب أيضًا: أن يتنظف للإحرام بإزالة الشعور، والأظفار، والأوساخ، وغسل الرأس بسِدْر ونحوه، قال الإسنوي: والقياس: تقديم هذه الأمور على الغسل؛ كما في غسل الميت 459.
ويندب أيضًا: أن يُلبِّد الرجل شعره بصبغ ونحوه؛ لئلا يتولد فيه القمل، ويكون ذلك بعد الغسل.
(فإن عَجَز .. تيمم) لأن الغسل يراد للقربة والنظافة، فاذا تعذر أحدهما .. بقي
الجزء: 1 - الصفحة: 641
وَلِدُخُول مَكَّةَ، وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَبِمُزْدَلِفَةَ غَدَاةَ النَّحْرِ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِلرَّمْيِ، وَأَنْ يُطَيِّبَ بَدَنَهُ لِلإِحْرَامِ،
الآخر، ولأنه ينوب عن الغسل الواجب؛ فالمندوب أولى.
ولو ذكر المصنف هذه المسألة عقب جميع الأغسال الآتية .. لكان أولى؛ لشمول الحكم لكلّها.
(ولدخول مكة) حلالًا كان أو محرمًا؛ للاتباع؛ أما في حال الإحرام .. فهو في "البخاري" 460، وأما حال كونه حلالًا .. فذكره الشافعي في "الأم"، وقال: كان ذلك عام الفتح 461.
نعم؛ يستثنى: ما إذا خرج من مكة، فأحرم بالعمرة من مكان قريب؛ كالتنعيم، واغتسل لإحرامه، ثم أراد دخول مكة .. فلا يستحب الغسل، بخلاف ما إذا أحرم من مكان بعيد؛ كالجعرانة والحديبية، قاله الماوردي 462، وذكر الخفاف في "الخصال": أنه يستحب أيضًا: الغسل لدخول الحرم.
(وللوقوف بعرفة، وبمزدلفة) على المشعر الحرام (غداةَ النحر، وفي أيام التشريق للرمي) لأنها مواضع اجتماع، فأشبه غسل الجمعة، ولا يستحب لرمي جمرة العقبة؛ اكتفاءً بما قبله 463.
(وأن يطيب بدنه للإحرام) للاتباع، متفق عليه 464، وسواء في استحبابه الذكر والأنثى، وفي قول: لا يستحب للمرأة؛ كذهابها إلى الجمعة، والفرق على الأول: أن زمان الجمعة ومكانها ضيقان، فلا يمكنها تجنب الرجال، بخلاف الإحرام.
وتستثنى: المُحِدَّة؛ فلا يجوز لها أن تتطيب، وفي تحريم الطيب على المبتوتة وجهان؛ فعلى الجواز: ينبغي ألا يستحب لها.
الجزء: 1 - الصفحة: 642
وَكَذَا ثَوْبُهُ فِي الأَصَحِّ، وَلَا بَأْسَ بِاسْتِدَامَتِهِ بَعْدَ الإِحْرَامِ، وَلَا بِطِيبٍ لَهُ جِرْمٌ، لكِنْ لَوْ نَزَعَ ثَوْبَهُ الْمُطَيَّبَ ثُمَّ لَبِسَهُ .. لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ فِي الأَصَحِّ،
(وكذا ثوبُه في الأصح) كالبدن، والثاني: المنع؛ لأن الثوب ينزع ويلبس، وإذا نزعه ثم أعاده .. كان كما لو استأنف لبسَ ثوب مطيب، فليحترز من ذلك على الوجه المصحح.
وقضية كلامه: أن الخلاف في الاستحباب، والذي في "الشرحين"، و"الروضة" أنه في الجواز، وقال في "شرح المهذب": أنه لا يندب جزمًا، وأغرب المتولي فحكى فيه خلافًا، قال ابن الرفعة: وسبق المتولي القاضي الحسين، وصححه الإمام 465.
وقال المصنف في "مناسكه الكبرى": الأولى: أن يقتصر على تطييب بدنه دون ثيابه، وأن يكون بالمسك، والأفضل: أن يخلطه بماء الورد أو نحوه؛ ليذهب جرْمه، وهذا الخلاف فيمن قصد تطييب الثوب، أما مَنْ طيب بدنه فتعطر ثوبُه .. فلا بأَس به قطعًا" 466.
(ولا بأس باستدامته بعد الإحرام) كما في البدن، وفي "الصحيحين": عن عائشة رضي الله عنها: كأني أنظر إلى وَبِيص الطيب في مَفرِق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو محرم 467، والوبيص: بـ (الصاد) المهملة: البريق.
ويستثنى: ما إذا لزمها الإحدادُ بعد الإحرام.
(ولا بطيب له جِرْم) للحديث المذكور (لكن لو نزع ثوبه المطيبَ ثم لبسه .. لزمه الفدية في الأصح) كما لو أخذ الطيب من بدنه ثم رده إليه، والثاني: لا؛ لأن العادة في الثوب أن يخلع ويلبس، فجعل عفوًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 643
وَأَنْ تَخْضِبَ الْمَرْأَةُ لِلإِحْرَامِ يَدَيْهَا - وَيَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ لإِحْرَامِهِ عَنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ - وَيَلْبَسَ إِزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ
(وأن تَخْضِب المرأة للإحرام يديها) إلى الكوعين بالحِنَّاء، وكذلك وجهها، خليةً كانت أو مزوجة، شابة أو عجوزًا، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن ذلك من السنة 468، والمعنى فيه: ستر لونها، وإنما يستحب التعميم دون التطريف والتنقيش، والتسويد.
واحترز بالمرأة: عن الرجل؛ فإنه يحرم عليه ذلك إلا لضرورة؛ كما قاله في (باب العقيقة) من "الروضة": والخنثى كالرجل؛ كما قاله في "شرح المهذب" هنا 469؛ للاحتياط.
(ويتجردُ الرجل لإحرامه عن مخيط الثياب (وغيرها؛ كالنعال والخفاف، إذ ليس للمحرم لبس المخيط؛ كما سيأتي، وهذا التجرد واجب؛ كما جزم به الرافعي في "الشرح الكبير"، والمصنف في "شرح المهذب" 470، لكن قضية كلام "الشرح الصغير" و"المحرر" و"الروضة": أنه مندوب، وصرح به في "المناسك" 471.
ولفظة: (يتجرد) في كلام "الكتاب": إن قرئت بفتح (الدال) .. وافق أصلَه، وإن قرئت بضمها .. وافق الأولَ، ونقل عن أصل المصنف الضمّ، وفي الوجوب نظر؛ لأنه قبل الإحرام لم يحصل سبب الوجوب، وإنما إذا أحرم .. وجب عليه النزع، فلا يكون عاصيًا في نزعه، ويؤيده: جواز الإيلاج على المذهب لمن علَّق الطلاق بالوطئ، وقد ذكر الرافعي (في الصيد) أنه لا خلاف في أنه لا يجب عليه إزالتُه عن ملكه قبل الإحرام، ووافقه المصنف عليه 472، مع أن المدرك في المسألتين واحد.
(ويلبسَ إزارًا ورداء) للاتباع 473 (أبيضين) ندبًا؛ لما مرّ في الكفن، ويستحب:
الجزء: 1 - الصفحة: 644
وَنَعْلَيْنِ، ويُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ الأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ إِذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَوْ تَوَجَّهَ لِطَرِيقِهِ مَاشِيًا، وَفِي قَوْلٍ: يُحْرِمُ عَقِبَ الصَّلَاةِ
أن يكونا جديدين؛ فإن لم يكونا .. فنظيفين، ويكره المصبوغ، (ونعلين) للأمر به 474، وهما التاسومة.
(ويصليَ ركعتين) للاتباع متفق عليه 475، ويقرأ في الأولى: (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثانية: (الإخلاص).
قالا: ولو كان إحرامه في وقت فريضة .. أغنت عنهما، وفي "الكفاية" عن القاضي: أن السنة الراتبة كذلك 476.
(ثم الأفضل: أن يُحرم إذا انبعثت به راحلته أو توجَّه لطريقه ماشيًا) لأنه عليه السلام كان إذا وضع رجله في الغَرْز، وانبعثت به راحلتُه قائمةً .. أهلَّ من ذي الحليفة، متفق عليه 477.
ومعنى (انبعثت): استوت قائمة، وفي "مسلم" من حديث جابر: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا أهللنا أن نحرم إذا توجهنا 478.
(وفي قول: يحرم عقب الصلاة) جالسًا؛ لحديث ابن عباس: أنه عليه السلام أهل في دُبُر الصلاة، رواه أبو داود، وصححه الحاكم على شرط مسلم 479، وفي قول: إنهما سواء.
ويستثنى: الإمام؛ فإنه يستحب له أن يخطب يوم السابع بمكة، ويستحب: أن يحرم قبل الخطبة، قاله الماوردي 480، مع أن سيره لأداء النسك إنما يكون في اليوم
الجزء: 1 - الصفحة: 645
وَيُسْتَحَبُّ إِكْثَارُ التَّلْبِيَةِ وَرَفْعُ صوْتهِ بِهَا فِي دَوَامِ إِحْرَامِهِ، وَخَاصَّةً عِنْدَ تَغَايُرِ الأَحْوَالِ كَرُكُوبٍ وَنُزُولٍ وَصعُودٍ وَهُبُوطٍ وَاخْتِلَاطِ رُفْقَةٍ، وَلَا تُسْتَحَبُّ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، وَفِي الْقَدِيمِ: تسْتَحَبُّ فِيهِ بِلَا جَهْرٍ،
الذي بعده، قال الأَذْرَعي: لكن إطلاق غيره ينازعه، وقال في "شرح المهذب": ما قاله الماوري غريب، ومحتمل 481.
(ويستحب إكثار التلبية) لأنه عليه السلام لزم تلبيته: (لبيك اللهم لبيك ... ) إلى آخره، رواها مسلم 482، ولأنها شعار الحج.
(ورفع صوته بها) بحيث لا يجهد نفسه، ولا يقطع صوته (في دوام إحرامه) للأمر به، صححه الترمذي وابن حبان 483.
واستثنى الشيخ أبو محمد: التلبيةَ المقترنة بالإحرام، فإنه لا يجهر بها، ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره 484، وقول المصنف: (في دوام إحرامه) قد يشير إليه.
ويستحب للملبي: إدخال إصبعيه في أذنيه عند التلبية، ذكره ابن حبان في "صحيحه" 485، واستدل له بفعل موسى عليه السلام، وهذا كلّه في الرجل، أما المرأة .. فتخفض صوتها بحيث تقتصر على إسماع نفسها، والخنثى كالمرأة.
(وخاصةً عند تغاير الأحوال، كركوب ونزول، وصعود وهبوط، واختلاط رِفْقة) ونحوها؛ كإقبال الليل والنهار، والفراغ من الصلاة؛ اقتداءً بالسلف الصالح في ذلك.
(ولا تستحب في طواف القدوم) لأنه جاء فيه أدعية وأذكار خاصة، فصار كطواف الإفاضة والوداع، (وفي القديم: تستحب فيه بلا جَهْر) لإطلاق الأدلة، والخلاف فيه جارٍ في السعي بعده.
الجزء: 1 - الصفحة: 646
وَلَفْظُهَا: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)، وَإِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ .. قَالَ: (لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ) .. وَإِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ .. صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
واحترز بـ (طواف القدوم): عن طواف الإفاضة والوداع، فلا يستحب فيهما قطعًا.
(ولفظها: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك") للاتباع، متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما 486.
ويستحب: ألا يزيد على هذه الكلمات، وأن يكررها، فإن زاد .. لم يكره، كذا قالاه 487، لكن نصَّ في "الأم" على أنه يستحب مع ما سلف: (لبيك إله الحقّ)، وهذه الزيادة أخرجها النسائي، وصححها ابن حبان 488.
ويستحب: أن يقف وقفةً لطيفة عند قوله: (والملك).
والأفصح: كسر الهمزة من (إن) على الاستئناف، ويجوز فتحها على معنى لأن.
والمشهور: نصب (النعمة)، ويجوز رفعها.
(وإذا رأى ما يعجبه) أو يهمه ( .. قال: "لبيك إن العيش عيش الآخرة") للاتباع، كما رواه الشافعي في "الأم" بسند صحيح 489، والمعنى: أن الحياة المطلوبة الهنية الدائمة هي حياة الدار الآخرة.
ومن لا يحسن التلبيةَ بالعربية يلبي بلسانه.
(وإذا فرغ من تلبيته .. صلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم) لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ معناه: لا أُذكَر إلا تُذكَر معي.
الجزء: 1 - الصفحة: 647
وَسَأَلَ اللهَ تَعَالَى الْجَنَّةَ وَرِضْوَانَهُ، وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنَ النَّارِ.
(وسأل الله تعالى الجنةَ ورضوانه، واستعاذ به من النار) للاتباع؛ كما رواه الدارقطني والبيهقي 490، لكن الجمهور - كما قاله في "شرح المهذب" - ضعفوا الحديث 491.
الجزء: 1 - الصفحة: 648
بابُ دخول مكة الأَفْضَلُ: دُخُولُهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ دَاخِلُهَا مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ بِذِي طَوىً، وَيَدْخُلَهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ،
﴿باب دخول مكة﴾ زادها الله شرفًا
مكة أفضل الأرض عندنا خلافًا لمالك في تفضيل المدينة.
ومحل الخلاف: في غير موضع قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أما هو .. فهو أفضلُ الأرض بالإجماع؛ كما نقله القاضي عياض 492، وبيت خديجة الذي بمكة أفضل موضع منها بعد المسجد الحرام، قاله المحب الطبري 493.
(الأفضل: دخولها قبل الوقوف) للاتباع 494، ومحله: ما لم يخش فوتَ الوقوف.
(وأن يغتسل داخلُها من طريق المدينة بذي طَوىً) للاتباع، متفق عليه 495، والداخل من غير طريق المدينة يغتسل من نحو مسافته.
وطوى: مثلث الطاء، والفتح أجود، وسمي بذلك: لاشتماله على بئر مطوية بالحجارة؛ يعني: مبنية بها، والطّيُّ: البناء.
(ويدخلها من ثنية كَداء) بفتح الكاف والمد، وإذا خرج .. خرج من ثنية كُدىً بالضم والقصر؛ للاتباع 496.
وقضيته: اختصاصُ استحباب الدخول منها بالداخل من طريق المدينة، وهو ما جزم به في "المحرر"، ونقله في "الشرح الكبير" عن الأصحاب، قالوا: وإنما
الجزء: 1 - الصفحة: 649
وَيَقُولَ إِذَا أَبْصَرَ الْبَيْتَ: (اللَّهُمَّ؛ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا، اللَّهُمَّ؛ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ). ثُمَّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ
دخلها عليه السلام منها؛ لكونها في طريقه، لكن صحح المصنف في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب" استحبابَ ذلك لكلّ أحد، ومنع كون الثنية على طريقه 497، قال السبكي: وهو الحق.
(ويقول إذا أبصر البيتَ: "اللهم؛ زِدْ هذا البيتَ تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة 498، وزد من شرَّفه وعظَّمه ممن حجَّه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا) هكذا رواه الشافعي عن ابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن إسناده مرسل ومعضل؛ كما قاله في "شرح المهذب" 499.
(اللهم؛ أنت السلام ومنك السلام، فحيِّنا ربنا بالسلام) رواه البيهقي عن عمر بإسناد ليس بقوي؛ كما قاله في "شرح المهذب" أيضًا) 500.
وقضية تعبيره تبعًا للشافعي والأصحاب: أن هذا الدعاء لا يستحب للأعمى، ولا لمن دخل في ظلمة، لكن عبارة "الحاوي الصغير" تفهم استحبابَه؛ فإنه قال: ودعا للقاء البيت 501، ولا نَقْل في المسألة.
ويستحب: رفع اليدين عند رؤية البيت دون التكبير، وقيل: يستحب أيضًا.
(ثم يدخل المسجدَ من باب بني شيبة) لأنه عليه السلام دخل منه في عمرة القضاء، رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس؛ كما قاله في "شرح المهذب" 502، والمعنى فيه: أنَّ باب الكعبة في جهة ذلك الباب، والبيوت تؤتى من أبوابها، ولأن جهة باب الكعبة أشرفُ الجهات الأربع؛ كما قاله ابن عبد السلام في
الجزء: 1 - الصفحة: 650
وَيَبْدَأُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ. وَيَخْتَصُّ طَوَافُ الْقُدُومِ بِحَاجٍّ دَخَلَ مَكَّةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ،
"القواعد" 503، فكان الدخول من الباب الذي تشُاهَد منه تلك الجهةُ أولى.
(ويبدأ بطواف القدوم) للاتباع، متفق عليه 504، والمعنى فيه: أن الطواف تحية البيت لا المسجد.
ويستثنى: ما لو خاف فوت مكتوبة أو سنة مؤكدة، أو وجد جماعةً قائمة، وكذا لو تذكر فائتةً مكتوبةً .. فإنه يبدأ بذلك، ويقدم على الطواف؛ كما ذكره في "شرح المهذب" عن الأصحاب 505.
والمرأة الجميلة أو الشريفة التي لا تبرز للرجال إذا قدمت نهارًا .. فإنها تؤخره إلى الليل، والخنثى كالأنثى.
ويستثنى أيضًا: ما إذا كان له عذر؛ فيبدأ بإزالته قبل الطواف، حكاه في "الكفاية" عن الماوردي، وفي "الأم": أنه لو دخل وقد مُنع الناس من الطواف .. صلى تحيةَ المسجد 506.
(ويختص طواف القدوم بحاجّ دخل مكة قبل الوقوف) لأن الحاجّ بعد الوقوف، والمعتمرَ قد دخل وقت طوافهما المفروض وخوطبا به؛ فلا يصحّ قبل أدائه أن يتطوعا بطواف؛ قياسًا على أصل الحجّ والعمرة.
وقضيته: أن غير المحرم إذا دخل مكة .. لا يُشرع له طواف قدوم، والذي في "الروضة" و"أصلها": أنه يأتي به كلّ من دخلها، سواء أكان تاجرًا أم حاجًّا أم غيرهما 507.
قال المنكت: وتعبير المصنف مقلوب، وصوابه: (ويختص حاجّ دخل مكة به)، فإن (الباء) تدخل على المقصود 508.
الجزء: 1 - الصفحة: 651
وَمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ لَا لِنُسُكٍ .. اسْتُحِبَّ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ، إِلَّا أَنْ يَتكرَّرَ دُخُولُهُ كَحَطَّابٍ وَصَيَّادٍ.
فصلٌ [فيما يطلب في الطواف من واجبات وسنن]
لِلطَّوَافِ بِأَنْوَاعِهِ وَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ: أَمَّا الْوَاجبُ .. فَيُشْتَرَطُ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ. وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ،
(ومن قصد مكة لا لنسك .. استُحب أن يُحرم بحجّ) إن كان في أشهره، ويمكنه إدراكه (أو عمرة) قياسًا على التحية، ولا يجب؛ لحديث المواقيت المارّ في بابه: " هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتىَ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ" 509، فلو وجب بمجرد الدخول .. لما علق على الإرادة.
(وفي قول: يجب) لإطباق الناس عليه، والسنن يندر الاتفاق على العمل بها، وصححه جمع؛ منهم: المصنف في "نكت التنبيه".
(إلا أن يتكرر دخولُه، كحطّاب وصيّاد) ونحوهما؛ كبريدي، وراع، فلا يجب عليهم جزمًا؛ للمشقة، وقيل: على القولين، وقيل: إن قلنا: لا يجب على الحطّاب والصيّاد .. ففي البريدي وجهان.
ويستثنى من الوجوب أيضًا: العبد وإن أذن له سيدُه، والداخل من الحرم، والخائف من ظالم أو غريم يحبسه وهو معسر.
وحكمُ دخول الحرم كحكم دخول مكة.
(فصل: للطواف بأنواعه) وهي: طواف القدوم، وطواف الركن، وطواف الوداع، والطواف المنذور، والمتطوَّع به (واجباتٌ وسنن؛ أما الواجب 510 .. فيشترط ستر العورة، وطهارة الحدث والنجَس) في الثوب والبدن والمكان؛ لأن
الجزء: 1 - الصفحة: 652
فَلَوْ أَحْدَثَ فِيهِ .. تَوَضَّأَ وَبَنَى، وَفِي قَوْلٍ: يَسْتَأْنِفُ. وَأَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، مُبْتَدِئًا بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ مُحَاذِيًا لَهُ فِي مُرُورِهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ،
الطواف بالبيت صلاة؛ كما نطق به الخبر، وفي "الصحيحين": (ولا يطوف بالبيت عُرْيان) 511.
قال في "شرح المهذب": (ومما عمت به البلوى غلبةُ النجاسة في موضع الطواف من الطير وغيره، واختار جماعة من المتأخرين المحققين المطلعين العفوَ عنها، قال: وينبغي أن يقال: يُعفى عمّا يشقّ الاحتراز عنه من ذلك) 512.
(فلو أحدث فيه .. توضأ وبنى، وفي قول: يَستأنف) وجه هذا: القياس على الصلاة، ووجه الأولى: أن الطواف يحتمل فيه ما لا يحتمل في الصلاة؛ كالفعل الكثير والكلام.
وكان الأحسن أن يقول: (تطهر) بدل (توضأ)؛ ليشمل الحدثين.
(وأن يجعل البيتَ عن يساره، مبتدئًا بالحجر الأسود مُحاذيًا له في مرورهِ بجميع بدنه) للاتباع؛ كما أخرجه مسلم 513.
قال في "شرح المهذب": وصفة المحاذاة: أن يَمرّ بجميع بدنه على جميع الحجر، وذلك بأن يستقبل البيتَ، ويقف على جانب الحجر الذي إلى جهة الركن اليماني، بحيث يصير جميعُ الحجر عن يمينه، ويصير منكبه الأيمنُ عند طرف الحجر الأيمن، ثم ينوي الطوافَ، ثم يمشي وهو مستقبل الحجر مارًّا إلى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر، فإذا جاوزه .. انفتل وجعل يساره إلى البيت ويمينه إلى خارج، ولو فعل هذا من الأول، وترك استقبال الحجر .. جاز، ولكن فاتته الفضيلة 514.
واعلم: أن المحاذاة الواجبةَ تتعلق بالركن الذي فيه الحجر الأسودُ، لا بالحجر نفسه حتى لو نُحّي الحجر -والعياذ بالله- عن مكانه .. وجبت محاذاةُ الركن؛ كما قاله القاضي أبو الطيب.
الجزء: 1 - الصفحة: 653
فَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِ الْحَجَرِ .. لَمْ يُحْسَبْ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ .. ابْتَدَأَ مِنْهُ، وَلَوْ مَشَى عَلَى الشَّاذَرْوَانِ أَوْ مَسَّ الْجِدَارَ فِي مُوَازَاتِهِ، أَوْ دَخَلَ مِنْ إِحْدَى فَتْحَتَيِ الْحِجْرِ وَخَرَجَ مِنَ الأُخْرَى .. لَمْ تَصِحَّ طَوْفَتُهُ،
(فلو بدأ بغير الحجر) كما لو بدأ بالباب مثلًا ( .. لم يُحسب) ما فعله حتى ينتهي إلى الحجر؛ لأن الترتيب قد فات، (فإذا انتهى إليه .. ابتدأ منه) وحسب له الطواف من حينئذ؛ كما لو قدم المتوضئ على غسل الوجه غسل عضو آخر .. فإنه يجعل الوجه ابتداء وضوئه.
(ولو مشى على الشاذَرْوان، أو مسَّ الجدار) أي: جدار البيت (في مُوازاته) أي: في موازاة الشاذَرْوان، (أو دخل من إحدى فتحتي الحِجر، وخرج من الأخرى .. لم تصحّ طَوْفته) لأن الطائف والحالة هذه طائفٌ في البيت لا بالبيت، والله تعالى يقول: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
واحترز بقيد الموازاة: عما لو مسَّ الجدار الذي في جهة الباب.
واعلم: أن للبيت أربعةَ أركان: اثنان يمانيان، أحدهما فيه الحَجَر بفتح (الحاء).
واثنان شاميان، والحِجر - بكسر (الحاء) - عندهما.
وسبب إخراج الشاذَرْوان والحجر عن بناء البيت: أن قريشًا لما أعادت بناءه .. قصرت بهم النفقة عن ذلك فتركوهما كذلك، لكن صحَّ أن ابن الزبير لمَّا بلغه حديث عائشة في إعادتها على ما كانت عليه: "لَوْلَا قُرْبُ عَهْدِهِمْ بِجَاهِلِيَّةٍ" 515 .. قال: أنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس، فهدمها وبناها على قواعد إبراهيم، وأدخل فيها الحِجر، وجعل لها بابين، ثم هدم الحجاج الشقّ الذي من ناحية الحِجر فقط؛ كما قاله الأزرقي وغيره 516، وأعاده على ما كان عليه في زمن قريش، والشقّ الآخر بناء ابن الزبير، قيل: إنه يظهر للرائي عند رفع الأستار، وقال بعضهم: فينبغي الصحة في الطواف على الشاذَرْوان، لا كما قال الأصحاب.
الجزء: 1 - الصفحة: 654
وَفِي مَسْأَلةِ الْمَسِّ وَجْهٌ. وَأَنْ يَطُوفَ سَبْعًا دَاخِلَ الْمَسْجدِ. وَأَمَّا السُّنَنُ: فَأَنْ يَطُوفَ مَاشِيًا. وَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ أَوَّلَ طَوَافِهِ وَيُقَبِّلَهُ، ويَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ،
(وفي مسألة المسِّ وجهٌ) أن طوافه يصحّ؛ لأن معظم بدنه خارجٌ، فيصدق أن يقال: إنه طائف بالبيت، ولأن العبرة بالقدمين لا باليد والرأس، ولهذا نفوا التحريمَ عن الجنب، ووجوب الكفارة على الحالف بفعله.
(وأن يطوف سبعًا داخلَ المسجد) للاتباع 517، فلا يصحّ حوله بالإجماع؛ كما نقله في "شرح المهذب" 518، ولو اتسع المسجد .. اتسع المطاف.
(وأما السنن: فأن يطوف ماشيًا) لا محمولًا على آدمي أو بهيمة أو نحوها؛ لمنافاته الخضوعَ، ولأن البهيمة قد تؤذي الناس، وتُلوِّث المسجدَ.
نعم؛ إن كان له عذر؛ من مرضٍ ونحوه .. فلا بأس، وكذلك إذا كان ممن يحتاج إلى ظهوره ليستفتى.
فإن طاف راكبًا بلا عذر .. جاز بلا كراهة؛ كما في "الشرح"، و"الروضة" عن الأصحاب، لكن في "الكفاية" عن الماوردي وغيره: الجزمُ بالكراهة، ونقله الرافعي في "شرح مسند الشافعي" عن نص "الأم"، وقال في "المهمات" إنه المعروف لأئمة المذهب، منهم: المصنف في "شرح المهذب"، وإن ما نقله الرافعي عن الأصحاب مردود 519، وقال الأَذْرَعي: إن المذهب: الكراهة بلا شك.
(ويستلمَ الحجر) أي: يلمسه بيده (أول طوافه ويُقبِّله) للاتباع، متفق عليه 520، ولا يستحب ذلك للنساء إلا عند خلو المطاف، (ويضعَ جبهته عليه) للاتباع؛ كما رواه البيهقي 521.
الجزء: 1 - الصفحة: 655
فَإِنْ عَجَزَ .. اسْتَلَمَ، فَإِنْ عَجَزَ .. أَشَارَ بِيَدِهِ،
وهذا الحكم إنما هو للركن حتى لو نُحّي الحجر -والعياذ بالله- استلم الركن الذي كان فيه، وقبله، وسجد عليه، حكاه في "شرح المهذب" عن الدارمي، وأقره 522.
وقضية كلام المصنف: اقتصار فعل ذلك على الحجر دون الركن الذي فيه، وهو ظاهر كلام الجمهور؛ كما قاله في "شرح المهذب" 523، وقال القاضي أبو الطيب: يستلم، ويقبل الركن الذي فيه الحجر أيضًا.
(فإن عَجَز) عن التقبيل؛ لمنع الزحمة منه ( .. استلم) الحجر بيده أو بعصًا، ثم قبل ما استلم به؛ لما روى مسلم عن نافع قال: (رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم يقبل يده، ويقول: ما تركته منذ رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله) 524، وتقبيل ما استلم به صرَّح به ابن الصلاح في "مناسكه"، والمصنف في "شرح المهذب"، وهو ظاهر نصّ "الأم" 525.
وقضيته: استحباب ذلك، وإن آذى غيره بالزحام، وقد أطلق الأصحاب أنه لا يأتي به حينئذ، لكن قال الشافعي في "الأم": أحب الاستلام ما لم يؤذ غيره بالزحام إلا في ابتداء الطواف فأستحب له الاستلام وإن كان بالزحام، أو في آخر الطواف، ذكره في "شرح المهذب" 526.
(فإن عَجَز) عن الاستلام ( .. أشار بيده) لما رواه البخاري عن ابن عباس، قال: (طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبيت على بعير، كلّما أتى الركن .. أشار إليه بشيء عنده، وكبر) 527.
ولا يشير إلى القبلة بالفم؛ لأنه لم يُنقَل، وعنه احترز بقوله: (بيده) لكنه يوهم أنه لا يشير بما في يده، مع أنه يشير به؛ كما صرح به في "شرح المهذب"، ثم نبه
الجزء: 1 - الصفحة: 656
وَيُرَاعِي ذَلِكَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ وَلَا يَسْتَلِمُهُمَا. وَيَسْتَلِمَ الْيَمَانِيَّ وَلَا يُقَبِّلَهُ، وَأَنْ يَقُولَ أَوَّلَ طَوَافِهِ: (بِاسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ؛ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمدٍ - صلى الله عليه وسلم -)،
على أنه يقبل ما أشار به 528.
(ويراعي ذلك في كلّ طَوْفة) لحديث ابن عباس المذكور 529.
(ولا يُقبِّل الركنين الشاميين، ولا يستلمُهما) لما في "الصحيحين" عن ابن عمر: (أنه عليه السلام كان لا يستلم إلا الحجر، والركن اليماني) 530.
(ويستلمَ اليماني) للحديث المذكور، وإذا لم يمكنه استلامُه .. فقال ابن أبي الصيف اليمني: لا يشير إليه، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: يشير إليه، قال المحب الطبري: وهو أوجه؛ لأنها بدل عنه؛ لترتبها عليه عند العجز في الحجر الأسود، فكذا هنا، (ولا يُقبلَه) لأنه لم ينقل.
نعم؛ يندب إذا استلم أن يقبل يده.
والسبب في اختلاف الأركان في هذه الأحكام: أن الركن الأسود فيه فضيلتان: كون الحجر فيه، وكونه على قواعد إبراهيم، ولليماني فضيلة واحدة، وهو كونه على قواعد إبراهيم، وأما الشاميان .. فليس لهما شيء من الفضيلتين.
والمراد بعدم تقبيل الأركان الثلاثة: إنما هو نفي كونه سنة؛ فإن قبلهن أو قبل غيرهن من البيت .. لم يكن مكروهًا، ولا خلاف الأولى، بل يكون حسنًا؛ كذا نقله في "الاستقصاء" عن نصِّ الشافعي، فقال: وأي البيت قبَّل .. فحسن، غير أنا نأمر بالاتباع.
(وأن يقول أول طوافه: "باسم الله والله أكبر، اللهم؛ إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -") قال الرافعي: روي ذلك عن عبد الله بن السائب - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه
الجزء: 1 - الصفحة: 657
وَلْيَقُلْ قُبَالَةَ الْبَابِ: (اللَّهُمَّ؛ الْبَيْتُ بَيْتُكَ، وَالْحَرَمُ حَرَمُكَ، وَالأَمْنُ أَمْنُكَ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ)، وَبَيْنَ الْيَمَانِيَّيْنِ: (اللَّهُمَّ؛ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الآخِرَةِ حَسَنةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ، وَمَأْثُورُ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ مَأْثُورِهِ
وسلم، قال في "شرح المهذب": ويستحب هذا الدعاء في كلّ طوفة، لكنه في الأولى آكد 531.
وقوله: (اللهم؛ إيمانًا بك ... ) إلى آخره؛ معناه: أفعله للإيمان، فهو مفعول له، والمراد بالعهد هنا: الميثاق الذي أخذه علينا؛ بامتثال أمره واجتناب نهيه.
(وليقل قُبالة الباب) أي: جهته ("اللهم؛ البيتُ بيتك، والحرمُ حرمك، والأمنُ أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار") هذا الدعاء ذكره الجويني، وقال: يشير بلفظه (هذا) إلى مقام إبراهيم، وقال غيره: يشير إلى نفسه؛ أي: هذا مقام الملتجئ المستعيذ بك من النار، قال الأَذْرَعي: وهذا أحسن.
(وبين اليمانيين: "اللهم؛ آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخره حسنة، وقنا عذاب النار") رواه أبو داوود، والنسائي، وابن حبان عن عبد الله بن السائب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن بلفظ: (ربنا) بدلًا عن (اللهم) 532، وبه عبر الرافعي في كتبه 533، فأبدله المصنف في "الروضة" و"المنهاج" بلفظ: (اللهم) 534، وهو غريب.
(وليدع بما شاء) قياسًا على الصلاة، ومحله: حيث لا إثم، (ومأثورُ الدعاء أفضلُ من القراءة) للتأسي، والمأثور: هو المنقول (وهي أفضل من غير مأثوره) لأن الموضع موضعُ ذكر، والقرآن أفضلُ الذكر؛ كما نقله الشيخ أبو حامد عن النصِّ.
الجزء: 1 - الصفحة: 658
وَأَنْ يَرْمُلَ فِي الأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الأُولَى؛ بِأنْ يُسْرِعَ مَشْيَهُ مُقَارِبًا خُطَاهُ، وَيَمْشِيَ فِي الْبَاقِي، وَيَخْتَصُّ الرَّمَلُ بِطَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ، وَفِي قَوْلٍ: بِطَوَافِ الْقُدُومِ، وَلْيَقُلْ فِيهِ: (اللَّهُمَّ؛ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا
(وأن يَرمُل في الأشواط الثلاثة الأولى) 535 مستوعبًا لها (بأن يُسرع مشيَه مقاربًا خطاه، ويمشيَ في الباقي) على هينته؛ للاتباع؛ كما رواه مسلم 536، ويكره تركه؛ كما نقله صاحب "التقريب" عن النصّ، ولو كان محمولًا أو راكبًا .. رَمَل به الحامل، وحرك هو الدابة على الأصحِّ.
ولو قال: (في الطوفات) بدل (الأشواط) .. لكان أحسن؛ لأن الشافعي والأصحابَ كرهوا تسميته شوطًا؛ لأن الشوط هو الهلاك وإن كان المصنف اختار في "شرح المهذب" عدمَ الكراهة 537، لتعبير ابن عباس به في الصحيح 538.
(ويختص الرَّمَل بطواف يَعقُبه سعي، وفي قول: بطواف القدوم) أصل الخلاف: أن الطواف الذي رَمَلَ فيه - النبي صلى الله عليه وسلم - وجد فيه المعنيان: السعي بعده، وكونه للقدوم، فالقول الأول: ينظر إلى السعي، والثاني: ينظر إلى القدوم؛ لأنه أول العهد بالبيت، فيليق به النشاط والاهتزاز، وعلى القولين: لا يَرمُل في طواف الوداع؛ لانتفاء المعنيين، ويَرمُل من قدم مكة معتمرًا؛ لوجود المعنيين، وأما الحاج: فإن كان مكيًّا .. فيَرمُل على الأول دون الثاني، وإن كان آفاقيًّا .. فيَرمُل إن دخل مكة بعد الوقوف، وإن دخل قبله .. نظر؛ إن أراد السعي بعده .. رَمَل قطعًا، وإن أراد تأخيره .. رَمَل على الثاني دون الأول، بل يؤخره إلى طواف الإفاضة، وإذا طاف للقدوم وسعى بعده، ولم يَرمُل .. لم يقض الرَّمَل في طواف الإفاضة على الأصح.
(وليقل فيه) أي: في رَمَله ("اللهم؛ اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا
الجزء: 1 - الصفحة: 659
مَشْكُورًا). وَأَنْ يَضْطَبِعَ فِي جَمِيعِ كُلِّ طَوَافٍ يَرْمُلُ فِيهِ، وَكَذَا فِي السَّعْيِ عَلَى الصَّحِيحِ -وَهُوَ جَعْلُ وَسَطِ رِدَائِهِ تحْتَ مَنْكِبِهِ الأَيْمَنِ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى الأَيْسَرِ-
مشكورًا") للاتباع؛ كما ذكره الرافعي 539، ولم يذكره البيهقي مع كثرة اطلاعه إلا من كلام الشافعي 540.
قال الإسنوي: وهذا إذا كان حاجًّا؛ أما المعتمر .. فالمناسب: أن يقول: (اللهم؛ اجعلها عمرةً مبرورة، أو نسكًا) ونحوه 541.
والمبرور: هو الذي لا تخالطه معصية، مأخوذ من البرّ، وهو الطاعة، وقيل: هو المتقبل.
وقوله: (وذنبًا مغفورًا) أي: اجعل ذنبي ذنبًا مغفورًا.
والسعي هو: العمل.
والمشكور: المتقبل.
وقيل: الذي يشكر عليه.
وسكت المصنف والرافعي عما يقول في الأربعة الأخيرة، ونصَّ الشافعي والأصحاب على أنه يستحب: أن يقول فيها: (رب؛ اغفر وارحم، وتجاوز عمّا تعلم؛ إنك أنت الأعزّ الأكرم، اللهم ربنا؛ آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار).
(وأن يضطبع في جميع كلّ طوافٍ يَرمُل فيه) للاتباع؛ كما رواه أبو داوود 542.
وقوله: (في جميع) أي: لا يختص بالثلاثة الأشواط الأُوَل؛ كالرمل، بل يسن في جميع السبعة.
(وكذا في السعي على الصحيح) لأنه قطع مسافة مأمور بتكررها سبعًا، فاستحب فيه الاضطباع؛ قياسًا على الطواف، والثاني: لا؛ لعدم وروده، ولا يندب الاضطباع في ركعتي الطواف على الأصحِّ؛ لأنه مكروه في الصلاة.
(وهو) أي: الاضطباع (جعلُ وَسَط ردائه تحت منكبه الأيمن، وطرفيه على الأيسر) ويدع منكبه الأيمن مكشوفًا؛ كدأب أهل الشطارة.
الجزء: 1 - الصفحة: 660
وَلَا تَرْمُلُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَضْطَبِعُ. وَأَنْ يَقْرُبَ مِنَ الْبَيْتِ، فَلَوْ فَاتَ الرَّمَلُ بالْقُرْبِ لِزَحْمَةٍ .. فالرَّمَلُ مَعَ بُعْدٍ أَوْلَى، إِلَّا أَنْ يَخَافَ صَدْمَ النِّسَاءِ .. فَالْقُرْبُ بِلَا رَمَل أوْلَى. وَأَنْ يُوَالِيَ طَوَافَهُ، وَيُصَلِّيَ بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ،
والاضطباع: افتعال؛ مشتق من الضَّبْع -بإسكان الباء- وهو العضد.
و(وَسَط) هنا مفتوح (السين) على الأفصح.
(ولا تَرمُل المرأة ولا تضطبع) لأن بالرَّمَل تتبين أعضاؤها، وبالاضطباع ينكشف ما هو عورة منها، وليست من أهل الجلد، والخنثى فيه كالأنثى.
(وأن يقرب من البيت) قال أبو الحسن الزَّعْفَراني: والأفضل: أن يجعل بينه وبين البيت ثلاثَ خُطُوات؛ ليأمن الطواف على الشاذَرْوان، وقال المحب الطبري: كان الشاذَرْوان مُسطّحًا فاجتهدتُ في تسنيمه وفي تتميمه ذراعًا، فالأولى للطائف: الاحتياط، والإبعاد من البيت بقدر ذلك، وهذا كلّه خاصّ بالرجال، أما المرأة والخنثى .. فيكونان في حاشية المطاف، فإن طافا خاليين .. فكالرجل في استحباب القرب.
(فلو فات الرَّمَل بالقرب لزحمة .. فالرَّمَل مع بُعدٍ أولى) لأن القرب فضيلة تتعلق بموضع العبادة، والرملَ فضيلة تتعلق بنفس العبادة، والفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى بالمحافظة، ألا ترى أن الصلاة بالجماعة في البيت أفضل من الانفراد بها في المسجد.
ومحل ما ذكره: إذا كان لا يرجو فرجة، فإن رجاها .. وقف ليَرمُل فيها؛ كما قيداه في "الروضة" و"أصلها" 543.
(إلا أن يخاف صَدْم النساء) بأن كُنَّ في حاشية المطاف ( .. فالقرب بلا رَمَل أولى) محافظةً على الطهارة.
(وأن يوالي طوافه) خروجًا من الخلاف في وجوبه، (ويصليَ بعده ركعتين خلف المقام) للاتباع، متفق عليه 544.
الجزء: 1 - الصفحة: 661
يَقْرَأُ فِي الأُولَى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ: (الإِخْلَاصَ)، وَيَجْهَرُ لَيْلًا، وَفِي قَوْلٍ: تَجِبُ الْمُوَالَاةُ وَالصَّلَاةُ
قالا: فإن لم يصلّهما خلفه .. ففي الحجر، وإلا .. ففي المسجد، وإلا .. ففي أي موضع شاء من الحرم وغيره، ولو صلّى فريضة .. أجزأت عنهما؛ كتحية المسجد 545.
وكلام المصنف يشعر بأن فعلهما خلف المقام أفضلُ من فعلهما في الكعبة، قال الإسنوي: وفيه نظر يحتاج إلى نقل، وقد جزم المصنف وغيره في (أبواب الصلاة): بأن فعل النافلة في الكعبة أولى من فعلها في المسجد الحرام، وقال الشيخ عز الدين في "القواعد": بأن الصلاة عند البيت إلى وجهه أفضلُ من سائر الجهات.
انتهى 546.
ويمكن أن يقال: البابُ بابُ اتباع، وقد صحّ أنه - صلى الله عليه وسلم - صلاهما خلفه، وقال: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 547.
(يقرأ في الأولى: " ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ "، وفي الثانية: "الإخلاص") للاتباع، كما رواه مسلم 548.
(ويجهرُ ليلًا) دون النهار؛ كالكسوف وغيره؛ كذا قاسه في "شرح المهذب" 549 تبعًا لغيره، وفيه نظر؛ لأن الجهر في الكسوف ونحوه؛ لتأكد الجماعة فيه؛ لمشابهته الفرض، بخلاف مسألتنا، وقد صحح المصنف في "الروضة" وغيرها: أن الأفضل في النوافل المفعولة ليلًا: التوسط بين الجهر والإسرار 550، وقد تقدم أن وقت الصبح وقت جهر، وإن كان من النهار .. فينبغي استثناؤه، وقال المحب الطبري: محل الجهر ليلًا: إذا خلا بنفسه، وإلا .. فالإسرار أولى؛ لئلا يشوش على غيره.
(وفي قول: تجب الموالاة والصلاة) لأنه عليه السلام أتى بهما، وقال: "خُذُوا
الجزء: 1 - الصفحة: 662
وَلَوْ حَمَلَ الْحَلَالُ مُحْرِمًا وَطَافَ بِهِ .. حُسِبَ لِلْمَحْمُولِ،
عنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 551، والأصحُّ: استحبابهما.
أما الموالاة .. فقياسًا على الوضوء، والخلاف هنا هو الخلاف المذكور هناك؛ لأن كلّ واحد منهما عبادة يجوز أن يتخللها ما ليس منها، بخلاف الصلاة.
ومحل الخلاف: في التفريق الكثير بلا عذر، فإن فرَّق يسيرًا أو كثيرًا بعذر .. لم يضرّ؛ كالوضوء، قال الإمام: والكثير: هو ما يغلب على الظنّ بتركه ترك الطواف إما بالإضراب عنه، أو يظنّ أنه أتمه 552.
وأما الصلاة .. فللحديث المشهور: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ" 553، والقولان في وجوب ركعتي الطواف إذا كان الطواف فرضًا، فإن كان سنة .. فسنة قطعًا، وقيل: على القولين، وإذا قلنا بوجوبها .. فليست بركن، ولا شرط للطواف، فيصح بدونها.
وكلام المصنف قد يقتضي أن نيةَ الطواف لا تشترط، وهو الأصحُّ.
نعم؛ يشترط عدم الصارف إلى قصد آخر؛ كطلب غريم على الأصحِّ.
(ولو حمل الحلالُ مُحرمًا، وطاف به .. حُسب للمحمول) حيث يحسب له لو طاف بنفسه؛ كما لو طاف على بهيمة.
وإنما قيدت كلامه بقولي: (حيث يحسب له) ليتناول دخول وقته، واجتماع شرائطه.
قال ابن الرفعة: وهذا إذا لم ينو الحامل شيئًا، أو نواه للمحمول، أما لو نواه لنفسه .. فإما أن يقال: إنه يقع له فقط أو لهما، على الخلاف الآتي فيما إذا قصده المحرم لنفسه أو لهما 554.
قال السبكي: ومحله أيضًا: إذا لم يصرفه المحمول عن نفسه، أما لو صرفه أو لم ينوه، واشترطنا النيةَ .. وقع للحامل إذا نواه، ولو كان الحامل محدثًا .. فكالبهيمة.
الجزء: 1 - الصفحة: 663
وَكَذَا لَوْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ قَدْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ قَصَدَهُ لِلْمَحْمُولِ .. فَلَهُ، وَإِنْ قَصَدَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَهُمَا .. فَلِلْحَامِلِ فَقَطْ.
فصلٌ [فيما يختم به الطواف]
يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَصَلَاتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا
(وكذا لو حمله مُحرم قد طاف عن نفسه) الطواف الذي تضمنه الإحرام، وهو طواف القدوم والركن؛ لأنه لا طواف عليه إذن، فصار كالحلال، ويأتي فيه ما ذكرناه في الحلال.
ويلتحق بالحلال والطائف عن نفسه ما إذا لم يكن دخل وقت طوافه؛ كمحرم بحجّ حمل محرمًا بعمرة قبل انتصاف ليلة النحر .. فيكون الطواف هنا للمحمول؛ لأنه كالحلال.
(وإلا) أي: وإن لم يكن قد طاف عن نفسه وقد دخل وقت طوافه ( .. فالأصح: أنه إن قصده للمحمول .. فله) خاصةً، ويكون الحامل كالدابة، وهذا مبني على ما مرَّ من اشتراط عدم صرف الطواف إلى غرض آخر، والثاني: للحامل خاصة؛ كما إذا أحرم عن غيره وعليه فرضه، وهو مبني على أنه لا يضرّ الصارف، والثالث: يقع لهما جميعًا؛ لأن أحدهما قد دار، والآخر قد دير به.
(وإن قصده لنفسه أو لهما .. فللحامل فقط) لأن الفعل صدر منه، ولم يصرفه عن نفسه، وقيل: يحصل لهما؛ لما ذكرناه من أن أحدهما قد دار، والآخر قد دير به، ولو لم يقصد شيئًا .. فكقصده نفسه أو كليهما.
ولو نوى كلّ واحد الطواف لنفسه .. ففيه ثلاثة أقوال: أصحها: يقع للحامل، والثاني: للمحمول، والثالث: لهما، ذكره في "شرح المهذب" 555.
(فصل: يستلم الحجر) ويقبله (بعد الطواف وصلاته، ثم يخرج من باب الصفا
الجزء: 1 - الصفحة: 664
لِلسَّعْيِ. وَشَرْطُهُ: أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّفَا، وَأَنْ يَسْعَى سَبْعًا، ذَهَابُهُ مِنَ الصَّفَا إِلَى المَرْوَةِ مَرَّةٌ، وَعَوْدُهُ مِنْها إِلَيْهِ أُخْرَى، وَأَنْ يَسْعَى بَعْدَ طَوَافِ رُكْنٍ أَوْ قُدُومٍ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ،
للسعي) للاتباع؛ كما رواه مسلم 556.
(وشرطه: أن يبدأ بالصفا) لأنه - صلى الله عليه وسلم - بدأ به، وقال: "ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ الله بِهِ" رواه النسائي عن جابر على شرط مسلم 557، وهو في "مسلم" لكن بلفظ: "أَبْدَأُ": على الخبر لا الأمر 558، فلو بدأ بالمروة وأكمل سبعًا .. بطلت المرة الأولى، ويكمل بأخرى.
(وأن يسعى سبعًا) للاتباع، متفق عليه 559، (ذهابُه من الصفا إلى المروة مرةٌ، وعودُه منها إليه أخرى) لأنه عليه السلام بدأ بالصفا، وختم بالمروة، ولا بدّ من استيعاب المسافة في كلّ مرة؛ بأن يلصق عقبه بأصل ما يذهب منه، ورؤوس أصابع رجليه بما يذهب إليه، والراكب يلصق حافر دابته، وروي عن أنس -رضي الله عنه- أنه -صلى الله عليه وسلم -قال: "إِنَّ الطَّوَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَعْدِلُ عِتْقَ سَبْعِينَ رَقَبَةً" 560.
ويشترط أيضًا: الترتيب بين السبع، فيبدأ في الثانية بالمروة، وفي الثالثة بالصفا، وهكذا إلى آخره، فلو عدل في عوده من المروة عن موضع السعي، وجعل طريقَه في المسجد أو غيره، وابتدأ المرةَ الثانية من الصفا أيضًا .. لم تُحسب له تلك المرة على الصحيح، قاله في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب" 561.
(وأن يسعى بعد طوافِ ركنٍ أو قدوم، بحيث لا يتخلل بينهما) أي: بين السعي وطواف القدوم (الوقوفُ بعرفة) لأنه الوارد من فعله عليه السلام.
وخرج: طواف الوداع، وطواف النفل؛ أما الوداع .. فلعدم تصور وقوعِ السعي
الجزء: 1 - الصفحة: 665
وَمَنْ سَعَى بَعْدَ قُدُومٍ .. لَمْ يُعِدْهُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْرَ قَامَةٍ، فَإِذَا رَقِيَ قَال: (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ
بعده؛ لأنه إذا بقي السعي .. لم يكن المأتي به طوافَ وداع؛ كذا قاله الشيخان، ورده في "المهمات" بما فيه طول 562، وأما النفل فيما إذا أحرم المكي بالحجّ من مكة، ثم تنفل بالطواف، وأراد السعي بعده .. فصرح في "شرح المهذب" بمنعه 563، لكن جزم الطبري شارح "التنبيه" فيه بالإجزاء، ويوافقه قول ابن الرفعة: اتفقوا على أن مِنْ شرطه: أن يقع بعد طواف ولو نفلًا، إلا طواف الوداع.
(ومن سعى بعد قدوم .. لم يُعده) أي: لا يستحب له إعادتُه بعد طواف الإفاضة؛ لأن السعي ليس قربةً في نفسه؛ كالوقوف، بخلاف الطواف؛ فإنه عبادة يتقرب بها وحدَها، فإن أعاده .. فخلاف الأولى، وقيل: مكروه 564.
ويستثنى: ما لو سعى الصبي بعد القدوم، ثم بلغ بعرفة .. فإنه يعيده وجوبًا، وكذا إذا عَتَقَ العبد.
(ويستحب: أن يرقى على الصفا والمروة قدر قامة) للاتباع؛ كما رواه مسلم 565.
قال في "شرح المهذب": واعلم: أن بعض الدَّرَج مستحدث، فليحذر من تركها؛ فلا يصحّ سعيه 566.
واستحباب الرُّقِي خاصّ بالرجل، أما المرأة .. فلا تَرْقى؛ كذا ذكره في "التنبيه"، وأقره في "التصحيح"، و"الكفاية"، ولم يذكراه في "الشرح"، و"الروضة"، ولا في "شرح المهذب"، قال في "المهمات": ولا شكّ أن الخنثى كالمرأة 567.
(فإذا رقي .. قال) بعد استقبال القبلة؛ كما نصّ عليه ("الله أكبر الله أكبر الله
الجزء: 1 - الصفحة: 666
أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ، اللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا، وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَوْلَانَا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، ثُمَّ يَدْعُو بمَا شَاءَ دِينًا وَدُنْيَا. قُلْتُ: وَيُعِيدُ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ ثَانِيًا وَثَالِثًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَنْ يَمْشِيَ أَوَّلَ الْمَسْعَى وَآخِرَهُ وَيَعْدُوَ فِي الْوَسَطِ، وَمَوْضِعُ النَّوْعَيْنِ مَعْرُوفٌ
أكبر، ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كلّ شيء قدير") كذا رواه مسلم 568، لكن بزيادة فيه ونقص.
وقوله: (بيده الخير) لم يوجد في كتب الحديث، لكن ذكرها الشافعي في "الأم"، و"البويطي" 569.
(ثم يدعو بما شاء دينًا ودنيا، قلت: ويعيد الذكر والدعاءَ ثانيًا وثالثًا، والله أعلم) للاتباع 570، وقيل: لا يعيد الدعاءَ في المرة الثالثة، وبه جزم الرافعي 571، قال الأَذْرَعي: وينبغي أن يكون الدعاء بأمر الدين مندوبًا متأكدًا؛ للتأسي، وبأمر الدنيا مباحًا؛ كما سبق في (الصلاة).
(وأن يمشي أولَ المسعى وآخره) على هِينَته وسجيته (ويعدوَ في الوسط) أي: يسعى سعيًا شديدًا فوق الرَّمَل؛ كما قاله في "شرح المهذب" للاتباع 572.
(وموضعُ النوعين معروف) فالعَدْو يكون قبل وصوله إلى المِيل الأخضر المعلّق بركن المسجد بقدر ستة أذرع إلى أن يتوسط بين الميلين الأخضرين اللذين أحدهما في ركن المسجد، والآخر متصل بدار العباس -رضي الله عنه-، وما عدا ذلك فهو محلّ المشي، وهذا كلّه في الرجل، أما المرأة .. فتمشي في الكلّ، والخنثى كالأنثى.
وسكوت المصنف عن اشتراط الستر والطهارة يقتضي عدمَ وجوبهما في السعي،
الجزء: 1 - الصفحة: 667
فصلٌ [في الوقوف بعرفة]
يُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ أَوْ مَنْصُوبِهِ أَنْ يَخْطُبَ بِمَكَّةَ فِي سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ خُطْبَةً فَرْدَةً، يَأْمُرُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ إِلَى مِنىً، وَيُعَلِّمُهُمْ مَا أَمَامَهُمْ مِنَ الْمَنَاسِكِ،
وهو الأصحُّ، قال في "شرح المهذب": بل ذلك مستحب 573، وظاهره: أن ستر العورة ليس بواجب، وفيه نظر.
(فصل: يستحب للإمام أو منصوبه: أن يَخطُب بمكة في سابع ذي الحجة بعد صلاة الظهر خطبةً فَردة، يأمر فيها بالغُدوّ إلى منىً، ويُعلّمهم ما أمامهم من المناسك) للاتباع؛ كما رواه البيهقي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- بإسناد جيد 574.
وأفهم: أنهم لو توجهوا إلى الموقف قبلَ دخول مكة .. لا يستحب ذلك، وقال المحب الطبري: إنه يستحب لإمامهم أن يفعل كما يفعل بمكة، وهو غريب.
وذِكْر (الظهر) جريٌ على الغالب، فلو كان يوم جمعة .. خطب بعد صلاة الجمعة، ولا تكفي عنها خطبة الجمعة.
وتعبيره (بالغدوّ) يقتضي أن يكون خروجهم إلى منىً بكرةَ النهار قبل الزوال، فإن العرب تقول: الغدوّ لما قبل الزوال، والرواح لما بعده، وهو المرجّح في "الشرح"، و"الروضة" هنا، فقالا: المشهور: استحباب الخروج بعد الصبح بحيث يصلون الظهر بمنى 575، وقالا في الباب قبله في المتمتع الواجد للهدي: يستحب أن يحرم بالحجّ يوم التروية، وهو الثامن، ويتوجه بعد الزوال إلى منىً 576، قال في "المهمات": والفتوى على ما قالاه هنا؛ لتصريحهما بأنه المشهور 577.
الجزء: 1 - الصفحة: 668
وَيَخْرُجَ بِهِمْ مِنْ غَدٍ إِلَى مِنىً وَيَبِيتُوا بِهَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ .. قَصَدُوا عَرَفَاتٍ. قُلْتُ: وَلَا يَدْخُلُونَهَا بَلْ يُقِيمُونَ بِنَمِرَةَ بِقُرْبِ عَرَفَاتٍ حَتَّى تزولَ الشَّمْسُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ يَخْطُبَ الإِمَامُ بَعْدَ الزَّوَالِ خُطْبَتَيْنِ،
نعم؛ يستثنى من خروجهم بعد الصبح: ما إذا كان يوم جمعة؛ فإنهم يخرجون قبل الفجر على المشهور، كذا أطلقوه، قال السبكي: وهو محمول على من تلزمه الجمعة؛ كالمكي، والمقيم إقامة مؤثرة، أما حاجّ لم يقم بها الإقامة المؤثرة .. فله الخروج بعد الفجر.
قالا: ويأمر المتمتعين أن يطوفوا للوداع قبل الخروج 578، ولا معنى لتخصيص المتمتعين؛ فإن المكيَّ كالمتمتع، وقد نقل في "شرح المهذب" بعد ذلك أن الشافعي والأصحاب اتفقوا على أن من أحرم .. استُحب له طوافُ الوداع، قال: وهذا الطواف مستحب، وليس بواجب 579.
ولو توجهوا إلى الموقف قبل دخول مكة .. استُحب لإمامهم أن يفعل كما يفعل بمكة لو دخلها، قاله المحب الطبري.
(ويخرجَ بهم من غد إلى منىً ويبيتوا بها) ندبًا (فإذا طلعت الشمس) على ثبَير، وهو جبل هناك ( .. قصدوا عرفات، قلت: ولا يدخلونها، بل يقيمون بنَمِرَةَ بقرب عرفات حتى تزول الشمس، والله أعلم) للاتباع؛ كما رواه مسلم في حديث جابر 580.
(ثم يخطبَ الإمام بعد الزوال خطبتين) بمسجد إبراهيم؛ للاتباع؛ كما رواه الشافعي من حديث جابر 581.
واقتصر المصنف على هذه الخطبة، والخطبة التي بمكة، ويستحب أيضًا ثالثة في يوم النحر بمنىً، ورابعة في الثاني من أيام التشريق بمنىً أيضًا، والكلّ فرادى بعد الصلاة إلا التي بنَمِرَةَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 669
ثُمَّ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا، وَيَقِفُوا بعَرَفَةَ إِلَى الْغُرُوب، وَيَذْكُرُوا اللهَ تَعَالَى وَيَدْعُوهُ، وَيُكْثِرُوا التَّهْلِيلَ،
(ثم يصليَ بالناس الظهر والعصر جمعًا) للاتباع؛ كما رواه مسلم في حديث جابر 582، ويسرّ بالقراءة؛ لأن الأصل الإسرارُ، ولم يُنقل خلافُه، وهو جمع سفر لا نسك على الأصح، فلا يجوز للمقيم.
(ويقفوا) أي: الإمام والناس (بعرفة إلى الغروب) للاتباع 583، وعطف الوقوف على المستحبات؛ لقصد إدامةِ الوقوفِ إلى الغروب، ووجوبُ أصلِ الوقوف معلومٌ 584.
(ويذكروا الله تعالى، ويدعوه، ويكثروا التهليل) لقوله عليه السلام: "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْم عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" رواه الترمذي، وحسنه مع الغرابة 585.
وفي "كتاب الدعوات" للمستغفري من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعًا: "مَنْ قَرَأَ (قل هو الله أحد) أَلْفَ مَرَّةٍ يَوْمَ عَرَفَةَ .. أُعْطِيَ مَا سَأَلَ" 586.
ويستحب: رفع اليدين في الدعاء، وأن يقف مستقبلَ القبلة، متطهرًا راكبًا عند الصخرات إلا المرأة، فقال الماوردي: تجلس في حاشية الموقف 587.
وليحسن الواقف الظنّ بالله تعالى، فقد نظر الفضيل بن عياض إلى بكاء الناس بعرفة، فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل، فسألوه دانقًا، أكان يردهم؟ فقالوا: لا والله، فقال: والله؛ لَلمغفرة عند الله أهونُ من إجابة رجل بدانق.
الجزء: 1 - الصفحة: 670
فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ .. قَصَدُوا مُزْدَلِفَةَ وَأَخَّرُوا الْمَغْرِبَ لِيُصَلُّوهَا مَعَ الْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ جَمْعًا. وَوَاجِبُ الْوُقُوفِ: حُضُورُهُ بِجُزْءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، وَإِنْ كَانَ مَارًّا فِي طَلَبِ آبِقٍ وَنَحْوِهِ
(فإذا غربت الشمس .. قصدوا مزدلفة، وأخّروا المغربَ ليصلّوها مع العشاء بمزدلفة جمعًا) للاتباع، متفق عليه 588.
ويكون قبل حطّ الرحال إن تيسر؛ كما فعلت الصحابة -رضي الله عنهم-، وأطلق ذلك تبعًا للأكثرين، لكن نصّ الشافعي في "الأم"، و"الإملاء": على أنه لو خاف فوتَ وقت اختيار العشاء .. جمع بالناس في الطريق 589، وتابعه جماعات، قال في "شرح المهذب": ولعل إطلاق الأكثرين محمول عليه؛ ليتفق قولهم مع النصّ، وهذه الطائفة الكثيرة الكبيرة 590.
قال في "المهمات": ولا اعتبار مع نصّ صاحبنا بمخالفة غيره فضلًا عن إطلاقه 591، وهذا الجمع بسبب السفر لا النسك؛ كما تقدم في عرفة.
قال صاحب "الخصال": ويقول عند منصرفه من عرفة: (اللهم؛ إليك أقبلت، ومن عذابك أشفقت، اللهم؛ اقبل نسكي، وأعظم أجري)، وقال الإمام أحمد: إذا أفضت من عرفة .. فهلّل وكبّر ولبِّ، وقل: (اللهم؛ إليك أفضت، وإليك رغبت، ومنك رهبت؛ فاقبل نسكي، وأعظم أجري، وتقبل توبتي، وارحم تضرّعي، واستجب دعائي، وأعطني سؤلي).
(وواجب الوقوف: حضورُه بجزء من أرض عرفات) لقوله عليه السلام: "وَقَفْتُ ههنَا، وَعَرَفَاتٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ" رواه مسلم 592، وأما الدليل على وجوب الوقوف.
فسيأتي.
(وإن كان مارًّا في طلب آبق ونحوه) ولا يشترط المكث، ولا معرفة كونه بعرفة على الصحيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 671
بِشَرْطِ كَوْنِهِ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ لَا مُغْمَىً عَلَيْهِ، وَلَا بَأْسَ بِالنَّوْمِ. وَوَقْتُ الْوُقُوفِ: مِنَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ،
وأشار بقوله: (في طلب آبق ونحوه) إلى أن صرفه إلى جهة أخرى لا يقدح، قال الإمام: ولم يذكروا فيه الخلافَ في صرف الطواف إلى جهة أخرى، ولعل الفرق: أن الطواف قربة مستقلة، بخلاف الوقوف، قال: ولا يمتنع طرد الخلاف فيه إذا صرف قصدًا عن جهة النسك، ولكن الظاهر: أنه لا يجزئ.
انتهى 593.
(بشرط كونه أهلًا للعبادة، لا مغمى عليه) لعدم أهليته لها، ولهذا لا يجزئه الصوم إذا أغمي عليه جميعَ النهار، وقيل: يجزئه؛ اكتفاءً بالحضور، ووقع في "الروضة"، و"شرح المهذب" أن الرافعي صحح هذا، ثم اعترض عليه، وصحح المنع، وتبعه ابن الرفعة 594 والقمولي، وهو سهو، والذي في الرافعي الجزم بعدم الإجزاء، ثم حكى وجهًا بأنه يجزئه 595، وكذا هو في "الشرح الصغير" أيضًا.
والسكران كالمغمى عليه، وقيل: إن تعدى بسكره .. لم يصحّ، وإلا .. فيصحّ، قاله في "شرح المهذب" 596، والمجنون أولى بعدم الإجزاء من المغمى عليه، وصرح به في "المحرر" 597.
ويشترط: الإفاقة أيضًا عند الإحرام، والطواف، والسعي، ولم يتعرضوا لحالة الحلق، قال الشيخان: وقياس كونه نسكًا: اشتراطُ الإفاقة عنده 598.
(ولا بأس بالنوم) المستغرق على الصحيح؛ لحضوره، وكما في (الصوم).
(ووقت الوقوف: من الزوال يوم عرفة) لأنه عليه السلام وقف بعده وقال: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 599، ولنا وجه: أنه يشترط كونه بعد الزوال، وبعد
الجزء: 1 - الصفحة: 672
والصَّحِيحُ: بَقَاؤُهُ إِلَى الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَوْ وَقَفَ نَهَارًا ثُمَّ فَارَقَ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَلَمْ يَعُدْ .. أَرَاقَ دَمًا اسْتِحْبابًا، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ،
مُضيّ إمكان صلاة الظهر.
قال ابن الملقن: وينبغي اعتبار مُضيّ الظهر والعصر جمعًا، وإمكان الخطبتين؛ تأسيًا؛ كما قالوا بمثله في دخول وقت الأضحية.
انتهى 600، وفيه نظر، فقد نقل ابن المنذر وابن عبد البر الإجماع على اعتبار الزوال لا غير؛ كما حكاه الأَذْرَعي.
(والصحيح: بقاؤه إلى الفجر يوم النحر) لقوله عليه السلام حين خرج للصلاة بمزدلفة: "مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذه الصلَاةَ، وَأَتىَ عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا .. فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تفثَهُ" رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان 601.
وقوله عليه السلام: "الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ .. فَقَدْ أَدْرَكَ حَجَّهُ" صححه ابن حبان والحاكم 602.
والثاني: يخرج بالغروب؛ لعمل النبي -صلى الله عليه وسلم- والناس قاطبة على عدم الاقتصار على الليل، والثالث: إن أحرم نهارًا .. جاز الوقوف ليلًا، وإلا .. فلا.
(ولو وقف نهارًا، ثم فارق عرفة قبل الغروب، ولم يَعُد .. أراق دمًا استحبابًا) للحديث السالف: "فَقَدْ تمَّ حَجُّهُ" فلو وجب الدم .. لكان حجه ناقصًا محتاجًا إلى الجبر، (وفي قول: يجب) لأنه ترك نسكًا، وقد صحّ عن ابن عباس: (من ترك نسكًا .. فعليه دم) 603.
الجزء: 1 - الصفحة: 673
وَإِنْ عَادَ فَكَانَ بِهَا عِنْدَ الغُرُوبِ .. فَلَا دَمَ، وَكَذَا إِنْ عَادَ لَيْلًا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ وَقَفُوا الْيَوْمَ الْعَاشِرَ غَلَطًا .. أَجْزَأَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَقِلُّوا عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ فَيَقْضُون فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ وَقَفُوا فِي الثَّامِنِ وَعَلِمُوا قَبْلَ فوْتِ الْوَقْتِ .. وَجَبَ الْوُقُوفُ فِي الْوَقْتِ،
وأصل هذا الخلاف: أنه هل يجب الجمع بين الليل والنهار على من تمكن منه أم لا؟ فيه خلاف، وصحح ابنُ الصلاح الوجوبَ.
(وإن عاد فكان بها عند الغروب .. فلا دم) لأنه جمع بين الليل والنهار (وكذا إن عاد ليلًا في الأصح) لما قلناه، وصحح في "شرح المهذب" القطعَ به 604، والثاني: يجب؛ لأن الوارد هو الجمعُ بين آخر النهار وأول الليل، ولم يؤخر.
(ولو وقفوا اليوم العاشر غلطًا .. أجزأهم) بالإجماع؛ كما قاله في "شرح المهذب" 605؛ لأن في تكليف أهلِ الموقفِ القضاءَ مشقةً عظيمةً، ولأنهم لا يأمنون من وقوع مثله في القضاء.
وصور الرافعي المسألة بما إذا غمّ هلال ذي الحجة، فأكملوا عدة ذي القعدة ثلاثين، ثم قامت بينة إما بعد وقوفهم في العاشر، أو فيه على رؤيته ليلة الثلاثين 606، قال الإسنوي: وفي إطلاق الغلط على هذا التصوير نظرٌ، إنما هو جهل.
نعم؛ التعبير بالغلط يدخل فيه ما إذا وقع ذلك بسبب الحساب، مع أنه لا يجزئه بلا شك، وقد صرح الرافعي بذلك في الكلام على الغلط بالتقديم، فما اقتضاه كلام المصنف ليس الحكم فيه ذلك، وما الحكم فيه ذلك لا يقتضيه كلامه.
(إلا أن يَقِلُّوا على خلاف العادة، فيقضون في الأصح) لعدم المشقة العامة، والثاني: لا قضاء؛ لأنهم لا يأمنون مثلَه في القضاء.
(وإن وقفوا في الثامن، وعلموا قبل فوت الوقت .. وجب الوقوف في الوقت) تداركًا له.
الجزء: 1 - الصفحة: 674
وَإِنْ عَلِمُوا بَعْدَهُ .. وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الأَصَحِّ.
فصلٌ [في المبيت بالمزدلفة والدفع منها]
وَيَبيتُونَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَمَنْ دَفَعَ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ قَبْلَهُ وَعَادَ قَبْلَ الْفَجْرِ .. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،
(وإن علموا بعده .. وجب القضاءُ في الأصح) أي: قضاء هذه الحجة في عام آخر، بخلاف الغلط في التأخير؛ لأن تأخير العبادة عن الوقت أقربُ إلى الاحتساب من تقديمها عليه، وأيضًا الغلط بالتقديم يمكن الاحترازُ عنه؛ فإنه إنما يقع لغلط في الحساب، أو لخلل في الشهود الذين شهدوا بتقديم الهلال، والغلطُ بالتأخير قد يكون بالغيم المانع من الرؤية، ومثل ذلك لا يمكن الاحترازُ عنه، والثاني: لا قضاء؛ كالغلط بالتأخير.
(فصل: ويبينون بمزدلفة) للاتباع؛ كما رواه مسلم 607، وهو واجب وليس بركن على الأصح فيهما، واختار السبكي أنه ركن، والمراد بالمبيت: المكث بها وإن لم ينم، ويحصل ذلك بساعة من النصف الثاني؛ كما نصّ عليه في "الأم"، ورجحه المصنف في كتبه، وفي قول: أنه لا بدّ من معظم الليل، وقال الرافعي: إنه الأظهر في الكلام على مبيت منى 608.
ويستحب: الإكثار في هذه الليلة من التلاوة والذكر والدعاء والصلاة.
(ومن دفع منها بعد نصف الليل أو قبله) بعذر أو غيره (وعاد قبل الفجر .. فلا شيء عليه) أما في الحالة الأولى .. فلأن سودة وأم سلمة أفاضتا في النصف الأخير بإذنه -صلى الله عليه وسلم-، ولم يأمرهما ولا من كان معهما بالدم 609، وأما في
الجزء: 1 - الصفحة: 675
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي .. أَرَاقَ دَمًا، وَفِي وُجُوبِهِ الْقَوْلَانِ. وَيُسَنُّ تقدِيمُ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ إِلَى مِنىً، وَيَبْقَى غَيْرُهُمْ حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ مُغَلِّسِينَ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ إِلَى مِنىً
الثانية .. فكما لو دفع من عرفة قبل الغروب ثم عاد إليها قبل الفجر.
(ومن لم يكن بها في النصف الثاني .. أراق دمًا) سواء أكان بها في النصف الأول أم لا.
(وفي وجوبه القولان) المتقدمان في الفصل قبله فيما إذا فارق عرفة قبل الغروب ولم يعد؛ كذا قاله الرافعي، ومقتضاه: الاستحباب، لكن رجح المصنف فيما عدا "المنهاج" من كتبه الوجوب 610، وقال السبكي: إنه المنصوص والصحيح من جهة المذهب.
ومحل القولين: عند عدم العذر، أما المعذور بما سيأتي في مبيت منىً .. فلا دم عليه.
ومن المعذورين: مَنْ انتهى إلى عرفة ليلة النحر واشتغل بالوقوف عن مزدلفة .. فلا شيء عليه، وإنما يؤمر بالمبيت المتفرغون.
ولو أفاض من عرفة إلى مكة، وطاف للإفاضة بعد نصف الليل، وفات المبيت لذلك .. فعن القفال وصاحب "التقريب": أنه لا يلزمه شيء؛ تنزيلًا لاشتغاله بالطواف منزلةَ اشتغاله بالوقوف، وفيه احتمال للإمام؛ لعدم الضرورة إلى ذلك، قال ابن الملقن: وفي معناهم: المرأة تخاف أن تحيض، وهو متجه 611.
(ويسن تقديم النساء والضعفة بعد نصف الليل إلى منىً) ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس؛ لقول ابن عباس: (أنا ممن قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة المزدلفة في ضعفة أهله) متفق عليه 612.
(ويبقى غيرُهم حتى يصلّوا الصبح مُغَلِّسين، ثم يدفعون إلى منىً) للاتباع 613.
الجزء: 1 - الصفحة: 676
ويأْخُذُونَ مِن مُزْدَلِفة حَصَى الرَّمْيِ،
والتغليس هنا أشد استحبابًا من سائر الأيام، وينبغي الحرص على صلاة الصبح هناك؛ للخروج من الخلاف، فقد قال ابن حزم: فرض على الرجال أن يصلوا الصبح مع الإمام الذي يقيم الحجّ بمزدلفة، قال: ومن لم يفعل ذلك .. فلا حجّ له 614.
(ويأخذون من مزدلفة حصى الرمي) لأن بها جبلًا في أحجاره رَخاوة، وفي "صحيح مسلم": أنه -صلى الله عليه وسلم- لما دخل مُحسِّرًا .. قال: "عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ" 615، وهذا يدلّ على الأخذ من وادي مُحسِّر، وهو أول منىً.
وقضية كلامه: أخذ جميع ما يرمي به في الحجّ، وهو سبعون حصاة، وهو وجه جزم به في "التنبيه"، وأقرّه في "التصحيح"، وجرى عليه في منسكه المسمى بـ "الإيضاح" 616، لكن الأصح: استحباب الأخذ ليوم النحر خاصة، ونقله الرافعي عن الأكثرين، وقال في "شرح المهذب": إنه المشهور، والمنصوص في "الأم"، و"البويطي"، وبه أجاب الجمهور، قال: والأحوط: أن يزيد عليها، فربما سقط بعضها، قال الجمهور: ويأخذ الحصى ليلًا قبل أن يصلي الصبحَ، وقال البغوي: يؤخر أخذَها عن الصلاة، قال في "المهمات": وهو الصواب نقلًا ودليلًا؛ فقد رأيته منصوصًا عليه في "الأم"، و"الإملاء" 617.
ولو أخذ الحصى من غير مزدلفة .. جاز، لكن يكره من المسجد؛ لأنه فرشه، ومن الحُشِّ؛ لغلبة نجاسته، ومن المرمى؛ لما قيل: "إِنَّ مَنْ تُقُبِّلَ حَجُّهُ .. رُفِعَ حَجَرُهُ، وَمَا تَبَقَّى فَهُوَ مَرْدُودٌ" 618. كذا في "الشرح"، و"الروضة"، وزاد في
الجزء: 1 - الصفحة: 677
فَإِذَا بَلَغُوا الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ .. وَقَفُوا وَدَعَوْا إِلَى الإِسْفَارِ، ثُمَّ يَسِيرُونَ فَيَصِلُونَ مِنىً بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيَرْمِي كُلُّ شَخْصٍ حِينَئِذٍ سَبع حَصَيَاتٍ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ،
"شرح المهذب": أنه يكره أخذه من الحلّ أيضًا 619.
وما ذكراه في كراهة أخذ حصى المسجد خالفه في "شرح المهذب" في (باب الغسل) فجزم بتحريم إخراج الحصى من المسجد، وهو الظاهر 620.
(فإذا بلغوا المشعر الحرامَ) وهو جبل صغير آخرَ مزدلفة، اسمه: قزح بضم القاف، وقيل: هو جميع مزدلفة، ( .. وقفوا ودعوا إلى الإسفار) لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، وليكثر من الدعاء والعتق والتقرب إلى الله تعالى، ذكره صاحب "الخصال"، قال: ويقول (هذا جمع، وأسألك أن ترزقني جوامعَ الخير كلّه إنك على كلّ شيء قدير، وأسألك الخير كلّه عاجله وآجله، اللهم، إن هذا المشعر الحرام فأغنني وأوسع علي من رزقك الحلال).
وهذا الوقوف مستحب، ولو وقف في موضع آخر من مزدلفة .. تأدى أصلُ السنة، وكذلك لو مرّ ولم يقف؛ كما حكاه في "شرح المهذب" عن القاضي الحسين 621.
(ثم يسيرون) بسكينة ووقار، وشعارهم التلبية والذكر، فإذا وجدوا فرجة .. أسرعوا، فإذا بلغوا وادي مُحسِّر -وهو مسيل ماء فاصل بين مزدلفة ومنى- .. أسرع الماشي، وحرك الراكبُ دابتَه حتى يقطعوا عرض الوادي؛ للاتباع 622.
وسببه: أن النصارى كانت تقف فيه، فأمرنا بمخالفتهم، ويُسمَّى وادي النار أيضًا، يقال: إن رجلًا صاد فيه صيدًا، فنزلت عليه نار فأحرقته.
(فيَصِلون منىً بعد طلوع الشمس، فيرمي كلّ شخص حينئذ سبع حصيات إلى جمرة العقبة) للاتباع؛ كما رواه مسلم 623، وهو تحية منىً، ولا يبدأ فيها بغيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 678
وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ، وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ،
وقوله: (حينئذ) أي: حين وصوله، ولا يعرج على شيء قبل ذلك، ولا ينزل الراكب حتى يرمي.
والسنة: أن يجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، ويستقبل الجمرة، ثم يرمي؛ كذا صححه المصنف، وجزم الرافعي بأنه يستقبل الجمرةَ أيضًا، ولكن يستدبر الكعبة هذا في رمي يوم النحر، أما في أيام التشريق .. فقد اتفقا على استقبال الكعبة؛ كما في بقية الجمرات 624.
قال ابن الملقن: ويحسن إذا وصل منى أن يقول ما روي عن بعض السلف: (اللهم؛ هذه منى قد أتيتها وأنا عبدك وابن عبدك، أسألك أن تمنّ عليّ بما مننت به على أوليائك، اللهم؛ إني أعوذ بك من الحرمان والمصيبة في ديني يا أرحم الراحمين)، قال: وروي عن ابن مسعود وابن عمر -رضي الله عنهم- أنهما لما رميا جمرة العقبة قالا: (اللهم؛ اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا) 625.
(ويقطع التلبية عند ابتداء الرمي) لأنه عليه السلام لم يزل ملبيًّا حتى رماها، متفق عليه من حديث الفضل بن عباس 626.
والمعنى فيه: أنها شعار الإحرام، وبالرمي أَخَذَ في التحلل والانصراف، هذا إذا جعله أولَ أسباب التحلل؛ كما هو الأفضل، أما إذا قدّم الطواف، أو الحلق عليه .. قطع التلبية من حينئذ؛ لأخذه في أسباب التحلل، والمعتمر يقطع التلبية إذا افتتح الطواف؛ لأنه من أسباب تحللها.
(ويكبر مع كلّ حصاة) للاتباع؛ كما رواه مسلم 627، وكيفيته: أن يقول: (الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد)، كذا نقله الماوردي عن الشافعي 628.
الجزء: 1 - الصفحة: 679
ثُمَّ يَذْبَحُ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ، وَتُقَصِّرُ الْمَرْأَةُ
(ثم يذبح من معه هدي، ثم يَحلق أو يُقصّر) لثبوت هذا الترتيب في "مسلم" من رواية جابر وغيره 629.
(والحلق أفضل) من التقصير بالإجماع؛ اقتداء به -صلى الله عليه وسلم- 630.
ويندب: أن يبدأ بالشق الأيمن، فيستوعبه بالحلق، ثم يحلق الشقّ الأيسر، وأن يستقبل المحلوق القبلة، وأن يكبر عند فراغه، وأن يدفن شعره، قال في "الإملاء": واستحباب الدفن في الشعر الحسن آكدُ؛ لئلا يؤخذ للوصل، وأن يستوعب الحلق، أو التقصير، قال القاضي الحسين: وأن يأخذ من شاربه.
قال في "الخصال": وأن يكون الحلق بعد كمال الرمي، وألّا يشارط عليه، وأن يبلغ بالحلق إلى العظمين من الأصداغ، وأن يأخذ شيئًا من ظفره عند فراغه، وأن يقول عند فراغه: (اللهم؛ آتني بكلّ شعرةٍ حسنةً، وامح عني بها سيئةً، وارفع لي بها درجةً، واغفر لي وللمحلقين وللمقصرين ولجميع المسلمين، وأن يتطيب، ويلبس.
انتهى.
وقضية إطلاق الكتاب: أنه لا فرق في ذلك بين الحاجّ والمعتمر، وهو ظاهر إطلاق الشافعي في "المختصر" وغيره، وإطلاق الأصحاب، لكن في "شرح مسلم": أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة، ويحلق في الحجّ؛ لأنه أكملُ العبادتين 631.
(وتُقصّر المرأة) ولا تؤمر بالحلق إجماعًا، بل يكره لها الحلقُ على الأصحِّ في "شرح المهذب" 632، وقيل: يحرم؛ لأنه مُثلة وتشبّهٌ بالرجال، ويندب لها أن تقصر قدر أنملة من جميع جوانب رأسها، كذا قاله الشافعي، وجرى عليه الأصحاب، وخالف الماوردي فقال: لا تقطع من ذوائبها؛ لأن ذلك يشينها، لكن ترفع الذوائب
الجزء: 1 - الصفحة: 680
وَالْحَلْقُ نُسُكٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَقَلُّهُ: ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ، حَلْقًا أَوْ تَقْصِيرًا أَوْ نَتْفًا أَوْ إِحْرَاقًا أَوْ قَصًّا،
وتأخذ من تحتها، كذا نقله في "شرح المهذب" وأقرّه 633، والخنثى في ذلك كالأنثى.
(والحلق) والتقصير (نُسُك على المشهور) فيثاب عليه؛ لأن الحلق أفضلُ من التقصير؛ كما مرّ، والتفضيل إنما يقع في العبادات دون المباحات، وروى ابن حبان في "صحيحه": أنه -صلى الله عليه وسلم -قال: "لِكُلِّ مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ سَقَطَتْ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" 634، وعلى هذا: هو ركن كما سيأتي، وقيل: واجب، والثاني: أنه استباحة محظور لا ثواب فيه؛ لأنه محرم في الإحرام، فلم يكن نسكًا؛ كلبس المخيط.
(وأقله: ثلاث شعرات) لأنه قام الإجماع على عدم وجوب الاستيعاب؛ كما نقله في "شرح المهذب" 635، فاكتفينا في الوجوب بمُسمّى الجمع، ولو لم يكن هناك إلا شعرة أو ثنتان .. وجب إزالتُهما، ذكره صاحب "البيان" 636.
وقضية إطلاق "الكتاب": أنه لا فرق في الشعرات بين أن يأخذها دفعةً، أو في دفعات، وهو المذهب في "شرح المهذب"، وجزم به في "المناسك"، لكن كلام "الروضة" و"أصلها" يقتضي تصحيح أنه لا يكفي أخذُها متفرقةً؛ فإنه بناه على تكميل الفدية بذلك لو كان محظورًا، والمذهب: عدم التكميل، بل يجب ثلاثة أمداد 637.
(حلقًا، أو تقصيرًا، أو نتفًا، أو إحراقًا، أو قصًّا) أو أخذه بِنُورة؛ لأن المقصود الإزالة، وكلّ من هذه الأشياء طريقٌ إليها.
الجزء: 1 - الصفحة: 681
وَمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ .. اسْتُحِبَّ إِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ. فَإِذَا حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ .. دَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ طَوَافَ الرُّكْنِ وَسَعَى إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مِنىً
نعم؛ لو نذر الحلق .. تعين استيعابُه بالحلق.
ولا بدّ أن يكون المزال من شعر الرأس، وأشار إليه المصنف بقوله: (ومن لا شعر برأسه) إن حلق كذلك، أو كان قد حلقه واعتمر من ساعته ( .. استحب إمرار الموسى عليه) 638 بالإجماع؛ كما قاله ابن المنذر وغيره، وتشبهًا بالحالقين، ولا يجب؛ كالأقطع من فوق المرفق؛ لزوال محلّ الفرض، وخالف المسح حيث يجب مسح الرأس في الوضوء والحالة هذه؛ لأن الوجوب ثَمّ تعلق بالرأس، وهنا بالشعر.
(فإذا حلق، أو قصّر .. دخل مكة، وطاف طوافَ الركن) لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ والتفث هنا هو: الرمي، والنذور هي: الذبائح، والإجماع قائم على أن المراد بهذا الطواف هو: طواف الإفاضة 639.
واستحب بعضهم: أن يشرب بعد ذلك من سقاية العباس؛ تأسيًا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- 640.
(وسعى إن لم يكن سعى) عقب طواف القدوم كما سبق؛ لأنه أحدُ أركانه كما سيأتي.
(ثم يعود إلى منىً) قبل صلاة الظهر بحيث يصلّي الظهر بمنىً؛ للاتباع؛ كما أخرجه مسلم من حديث ابن عمر 641.
الجزء: 1 - الصفحة: 682
وَهَذَا الرَّمْيُ وَالذَّبْحُ وَالْحَلْقُ وَالطَّوَافُ يُسَنُّ تَرْتيبُهَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِنِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الرَّمْيِ إِلَى آخِرِ يَوْمِ النَّحْرِ
(وهذا الرمي، والذبح، والحلق، والطواف يسنّ ترتيبها كما ذكرنا) اقتداء به -صلى الله عليه وسلم-، فإن غيّر هذا الترتيب .. جاز؛ للنص الصحيح الصريح فيه 642.
(ويدخل وقتها) أي: وقت الأعمالِ الأربعةِ المذكورةِ (بنصف ليلة النحر).
أما الرمي: فلحديث عائشة -رضي الله عنها-: (أرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأم سلمة ليلةَ النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت) رواه أبو داوود، وصححه الحاكم على شرط مسلم 643، وحكى الترمذي عن الشافعي: أنه لا يدخل وقته إلا بطلوع الشمس، واستُغرب 644.
وأما الطواف والحلق إذا جعلناه نسكًا: فبالقياس على الرمي؛ لاشتراك الثلاثة في كونها من أسباب التحلّل.
وشرط جواز هذه الأشياء في هذا الوقت: أن يتقدم الوقوف عليها، فإن فعلها بعد انتصاف الليل ثم وقف .. وجب عليه إعادتُها، ثم إن هذا كلَّه فيما عدا الذبح، أما الذبح .. فسيأتي في بابه.
(ويبقى وقتُ الرمي إلى آخر يوم النحر) لأن رجلًا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إني رميت بعد ما أمسيت، قال: "لَا حَرَجَ"، رواه البخاري 645، والمساء عند العرب يُطلق على ما بعد الزوال.
وهل يمتدّ الرمي تلك الليلةَ إلى الفجر؟ فيه وجهان: أصحهما في "الشرح"، و"الروضة": لا؛ لعدم وروده 646، والثاني: نعم؛ تشبيهًا بالوقوف، وصححه المصنف في "المناسك الكبرى" في الكلام على رمي أيام التشريق، ووقع في "الرافعي" في الأغسال المسنونة نقلًا عن الأئمة أنه يمتدّ إلى الزوال، وجزم به في
الجزء: 1 - الصفحة: 683
وَلَا يَخْتَصُّ الذَّبْحُ بِزَمَنٍ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: اخْتِصَاصُهُ بِوَقْتِ الأُضْحِيَةِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ عَلَى الصَّوَابِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْحَلْقُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهَا.
"الشرح الصغير"، قال في "المهمات": (وهو سهو، فإن المنقول: أنه يمتدّ إلى الغروب) 647، وقال ابن الملقن: (ينبغي أن يُحمل على وقت الفضيلة، وبه صرح الماوردي) 648.
(ولا يختص الذبح) أي: ذبح الهدايا (بزمن) لكنها تختص بالحرم، بخلاف الضحايا، فتختص بالعيد وأيام التشريق.
(قلت: الصحيح: اختصاصُه بوقت الأضحية، وسيأتي في آخر "باب محرمات الإحرام" على الصواب، والله أعلم) كذا ذكر المصنف مثلَ هذا الاعتراض على الرافعي في "الروضة"، و"شرح المهذب"، واعترضه الإسنوي بأن الهدي يطلق: على دم الجبرانات والمحظورات، وهذا لا يختص بزمان؛ كالدين، وهو المراد هنا وفي قوله أولًا: (ثم يَذبح من معه هدي).
وعلى ما يساق تقربًا إلى الله تعالى، وهذا هو المختص بوقت الأضحية على الصحيح، وهو المذكور في آخر (باب محرمات الإحرام)، فلم يتوارد الكلامان على محلّ واحد حتى يعدّ ذلك تناقضًا، قال: وقد أوضح الرافعي ذلك في (باب الهدي) من "الشرح الكبير"؛ فذكر أن الهدي يقع على الكلّ، وأن الممنوع فعلُه في غير وقت الأضحية هو ما يسوقه المحرم، لكنه في "المحرر"، و"الشرح الصغير" ذكر كلَّ مسألة في بابها، وحكم عليها بما ذكرته غيرَ أنه عبّر في الموضعين بالهدي، ولم يُفصح عن المراد كما أفصح عنه في "الكبير"، فظنّ النووي أن المسألة واحدة فاستدرك عليه، وكيف يجيء الاستدراكُ مع تصريح الرافعي هناك بما يبين المراد؟ ! 649
(والحلق، والطواف، والسعي لا آخرَ لوقتها) لأن الأصل عدمُ التأقيت.
الجزء: 1 - الصفحة: 684
وَإِذَا قُلْنَا: الْحَلْقُ نُسُكٌ فَفَعَلَ اثنيْنِ مِنَ الرَّمْي وَالْحَلْقِ وَالطَّوَافِ .. حَصَلَ التَّحَلُّلُ الأَوَّلُ، وَحَلَّ بِهِ اللُّبْسُ وَالْحَلْقُ وَالْقَلْمُ، وَكَذَا الصَّيْدُ وَعَقْدُ النِّكَّاحِ فِي الأَظْهَرِ
نعم؛ يكره تأخيرها عن يوم النحر، وتأخيرُها عن أيام التشريق أشدُّ كراهةً، وخروجه من مكة قبل فعلها أشدُّ، قال الرافعي: وقضية قولهم: (لا يتأقت آخر الطواف): أنه لا يصير قضاء، وفي "التتمة": أنه إذا تأخر عن أيام التشريق .. صار قضاءً 650.
وإذا أخر الحلق والطوافَ والسعيَ .. لا يزال محرمًا حتى يأتي بها، كذا نقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب، واقتضاه كلام الرافعي 651.
(وإذا قلنا: الحلقُ نسك) وهو الصحيح (ففعل اثنين من الرمي) أي: رمي جمرة العقبة (والحلق، والطواف .. حصل التحلّل الأول) إذا كان قد سعى بعد طواف القدوم، فإن لم يسع .. فلا بدّ من السعي مع الطواف، وحينئذ فيعدّ الطواف والسعي شيئًا واحدًا من أسباب التحلّل، كذا قاله الرافعي، ولا أثر للنحر في التحلل؛ لأنه سنة 652.
(وحلّ به اللُّبْس) وستر الرأس للرجل، والوجهِ للمرأة، (والحَلْق، والقَلْم) والطيب، بل يستحب التطيب؛ للاتباع؛ كما ثبت في "الصحيحين" من حديث عائشة -رضي الله عنها-: (أنها كانت تطيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لإحرامه قبل أن يحرم، ولحِلّه قبل أن يطوف بالبيت) 653.
وإذا ثبت ذلك في التطيب .. قيس استباحةُ غيره عليه بجامع ما اشتركا فيه من الاستمتاع، فإن قلنا: الحلق استباحة محظور .. سقط اعتبارُه، وحصل التحلّل الأول بواحد من الرمي والطواف.
(وكذا الصيد، وعقد النكاح) والمباشرة فيما دون الفرج؛ كالقبلة والملامسة (في الأظهر) لأنها من المحرمات التي لا توجب تعاطيها إفسادًا، فأشبهت الحلق،
الجزء: 1 - الصفحة: 685
قُلْتُ: الأَظْهَرُ لَا يَحِلُّ عَقْدُ النِّكَاحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا فَعَلَ الثَّالِثَ .. حَصَلَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي، وَحَلَّ بهِ بَاقِي الْمُحَرَّمَاتِ.
فصلٌ [في المبيت بمنى ليالي التشريق]
إِذَا عَادَ إِلَى مِنىً .. بَاتَ بِهَا لَيْلَتَيِ التَّشرِيقِ، وَرَمَى كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْجَمَرَاتِ
وهذا ما صححه في "الشرح الصغير"، والثاني: لا يحلّ؛ أما في المباشرة وعقد النكاح .. فلتعلقهما بالنساء، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ .. فَقَدْ حَلَّ لَكْمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ"، رواه النسائي بإسناد جيد؛ كما قال المصنف 654، وأما في الصيد .. فلقوله تعالى: ﴿تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ والإحرام باق.
(قلت: الأظهر: لا يحلّ عقد النكاح) والمباشرة فيما دون الفرج (والله أعلم) للحديث المار، وهذا ما نسبه في "الشرح الكبير" إلى تصحيح الأكثرين، وقال: إن قولهم أوفق لظاهر النصّ في "المختصر"، ونقله في "الروضة" و"شرح المهذب" عن الأكثرين 655.
(وإذا فعل الثالثَ .. حصل التحلّل الثاني، وحلّ به باقي المحرمات) بالإجماع، ويجب عليه الإتيانُ بما بقي من أعمال الحجّ، وهو الرمي والمبيت، قالوا: مع أنه غير محرم؛ كما يسلم التسليمة الثانية وإن كان قد خرج من الصلاة بالأولى.
وهذا كلّه في الحجّ، أما العمرة .. فليس لها إلا تحلّل واحد؛ لأن الحجّ يطول زمنُه، وتكثر أعماله، فأبيح بعضُ محرماته في وقت، وبعضها في وقت آخر، بخلاف العمرة.
(فصل: إذا عاد إلى منىً .. بات بها ليلتي التشريق، ورمى كلَّ يوم إلى الجمرات
الجزء: 1 - الصفحة: 686
الثَّلَاثِ كُلَّ جَمْرَةٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ.
الثلاث كلَّ جمرة سبعَ حصيات) للاتباع 656، والرمي واجب قطعًا، وكذا المبيت على الأظهر في "زيادة الروضة" 657، والمعتبر في وجوب هذا المبيت: معظمُ الليل على الأظهر، والأكملُ: جميعه، والثاني: أن المعتبر كونُه حاضرًا بها عند طلوع الفجر، وهذا فيمن لا عذر له، أما المعذور؛ كأهل سقاية العباس، ورِعاء الإبل .. فلهم إذا رموا جمرةَ العقبة يوم النحر .. أن ينفروا، ويَدَعوا المبيت بمنىً، قالا: وللصنفين جميعًا أن يَدَعوا رمي يوم، ويَقضوه في اليوم الذي يليه قبل رمي ذلك اليوم، وليس لهم أن يَدَعوا رمي يومين متواليين، فإن أقام الرِّعاء إلى الغروب .. لم يجز لهم أن يخرجوا حتى يبيتوا، بخلاف أهل السقاية فإنهم يجوز لهم الخروجُ وإن أقاموا إلى الغروب؛ لتعهّدها، بخلاف الرعي فإنه لا يكون ليلًا 658.
وفي معنى أهل السقاية: من ضاع مالُه، أو خاف على نفسه، أو كان به مرض يشقّ معه المبيتُ، أو له مريض يحتاج إلى تعهده، أو يطلب آبقًا.
وأيام التشريق هي: الأيام المعدودات، وهي ثلاثةٌ بعد يوم النحر، سميت بذلك؛ لإشراق نهارها بنور الشمس، ولياليها بنور القمر، وقيل: لأن الناس يُشرِّقون اللحمَ فيها في الشمس.
وأما المعلومات .. فهي العشرُ الأولُ من ذي الحجة 659.
الجزء: 1 - الصفحة: 687
فَإِذَا رَمَى الْيَوْمَ الثَّانِيَ فَأَرَادَ النَّفْرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ .. جَازَ وَسَقَطَ مَيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَرَمْيُ يَوْمِهَا، فَإنْ لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى غَرَبَتْ .. وَجَبَ مَبِيتُهَا وَرَمْيُ الْغَدِ.
(فإذا رمى اليوم الثاني فأراد النّفْرَ قبل غروب الشمس .. جاز، وسقط مبيت الليلة الثالتة، ورميُ يومها) ولا دم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لكن التأخير أفضلُ لا سيما للإمام؛ كما قاله في "شرح المهذب" 660 للاتباع إلا لعذر؛ كغلاء ونحوه.
ومحل جواز التعجيل: إذا كان بات الليلتين قبله، وإلا .. لم يجز التعجيلُ إن كان قد ترك مبيتهما بغير عذر، وإنما جوز ذلك للرِّعاء وأهل السقاية؛ للعذر، وجوز لعامة الناس أن ينفروا؛ لأنهم أتوا بمُعْظم المبيت والرمي، ومن لا عذر له .. لم يأت بالمُعْظم، فلم يجز له النفرُ 661، كذا نقله الروياني عن الأصحاب، وحكاه عنه في "شرح المهذب" وأقره 662.
(فإن لم يَنفِر حتى غربت .. وجب مبيتُها، ورميُ الغد) لما في "الموطأ" عن نافع أن ابن عمر -رضي الله عنهما- كان يقول: (من غربت به الشمسُ من أوسط أيام التشريق وهو بمنىً .. فلا يَنفِر حتى يرمي الجمارَ من الغد) 663.
وإذا ارتحل فغربت الشمس قبل أن ينفصل عن منىً .. كان له أن ينفر؛ كيلا يحتاج إلى الحطّ بعد التَّرْحال، وكذا لو غربت وهو في شغل الارتحال، أو نفر قبل = "الأحاديث الطوال" (61)، والأزرقي في "أخبار مكة" (2/ 6)، وحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أخرجه الطبراني في "الكبير" (12/ 306)، و"الأوسط" (4159)، وعبد الرزاق في "مصنفه" (8830) بنحوه، وصلاة سبعين نبيًّا في مكان مسجد الخيف أخرجه الطبراني في "الكبير" (11/ 358)، والضياء في "المختارة" (309) عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، ووجود قبر سبعين نبيًّا في مسجد الخيف أخرجه الطبراني في "الكبير" (12/ 316) عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، وما قيل في مصلّى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - عند الأحجار .. أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (3490)، والأزرقي في "أخبار مكة" (2/ 167) عن خالد بن مضرس رحمه الله تعالى.
الجزء: 1 - الصفحة: 688
وَيَدْخُلُ رَمْيُ التَّشْرِيقِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ، وَيَخْرُجُ بِغُرُوبِهَا، وَقيِلَ: يَبْقَى إِلَى الْفَجْرِ،
الغروب، ثم عاد لحاجة على الأصح في "زيادة الروضة" 664.
فلو تبرع في هذه الحالة بالمبيت .. لم يلزمه الرمي في الغد؛ كما في "زيادة الروضة" عن النصّ 665، وإذا أوجبنا المبيت فتركه .. نظر؛ إن ترك مبيتَ مزدلفةَ وحدها .. أراق دمًا، وإن ترك مبيت الليالي الثلاث .. فكذلك على الأظهر، وإن ترك ليلةً منها .. فالأظهر: وجوب مدّ، وقيل: درهم، وقيل: ثلث دم.
وإن ترك ليلتين .. فعلى هذا القياس، وإن ترك الليالي الأربع .. فالأظهر: وجوب دمين: دمٍ لليلة مزدلفة، ودمٍ لليالي منى، والثاني: دم للكلّ.
والتارك ناسيًا كالعامد في إيجاب الدم، كذا نقله في "شرح المهذب" عن الدارمي وغيره 666.
وينبغي لمن نفر من منىً أن ينزل بالمُحَصَّب، ويصلي به الظهر والعصر، والمغرب والعشاءَ، ويَرقُد رَقدةً، ويذهب إلى البيت لطواف الوداع؛ للاتباع 667.
(ويدخل رميُ) كلّ يوم من أيام (التشريق بزوال الشمس) ذلك اليوم؛ للاتباع 668، ويستحب تعجيله بعد الزوال قبل فعل الظهر؛ كما قاله في "شرح المهذب" 669.
(ويخرج) الرمي (بغروبها) من كلّ يوم؛ لعدم وروده في الليل، (وقيل: يبقى إلى الفجر) كالوقوف بعرفة.
ومحل هذا الوجه: في غير اليوم الثالث، أما الثالث .. فيخرج وقتُ رميه بغروب شمسه قطعًا، وما رجحه يخالف ما صححاه في "الشرح"، و"الروضة" في الكلام على الرمي من بقاء وقت الرمي في جميع الأيام إلى انقضاء أيام التشريق 670، وجمع ابن
الجزء: 1 - الصفحة: 689
وَيُشْتَرَطُ رَمْيُ السَّبع وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَتَرْتِيبُ الْجَمَرَاتِ، وَكَوْنُ الْمَرْمِيِّ حَجَرًا، وَأَنْ يُسَمَّى رَمْيًا، فَلَا يَكْفِي الْوَضْعُ
الرفعة بينهما: بأن يحمل ذلك على وقت الجواز، وهذا على وقت الاختيار، قال: وحينئذ فيكون للرمي ثلاثةُ أوقات: فضيلة، واختيار، وجواز.
انتهى.
وفي حمل كلامه هنا على وقت الاختيار نظرٌ؛ لأنه لم يقل أحد: إن وقت الاختيار يبقى إلى آخر الليلة التي بعد اليوم؛ كما ذكره الأَذْرَعي.
(ويشترط: رميُ السبع واحدةً واحدةً) للاتباع؛ كما رواه مسلم 671.
والمراد: سبع دفعات، فلو رمى حصاتين أو السبع في دفعة واحدة .. حسبت له حصاة واحدة، ولو رمى واحدة بيمينه وأخرى بيساره .. فكرميهما بيد واحدة.
وقضية كلامه: أنه لو رمى بحصاة واحدة سبعَ مرات .. لم يكف، وهو وجه رجحه الإمام والغزالي، وقال ابن الصلاح: إنه الأقوى، لكن الأصح عند الشيخين: الجوازُ، هذا إذا رمى به في ذلك اليوم إلى تلك الجمرة، قال الإمام: فإن تعدد الشخص، أو الجمرة، أو الوقت .. لم يمتنع اتفاقًا 672.
(وترتيب الجمرات) بأن يبدأ بالجمرة التي تلي مسجدَ الخيف، وهي أولاهن من جهة عرفات، ثم يرمي الوسطى، ثم جمرة العقبة؛ للاتباع؛ كما رواه البخاري 673.
فلو بدأ بجمرة العقبة، ثم الوسطى، ثم التي تلي المسجد .. اعتدّ له بالتي تلي المسجدَ.
(وكون المَرميِّ حجرًا) للاتباع 674، فلا يجزئ اللؤلؤ، وما ليس بحجر من طبقات الأرض؛ كالنُّورة، والمطبوعات؛ كالنقدين، ويكفي بحجر الحديد على الأصح، وكذا بالفَيْرُوزج والياقوت والعَقيق والزَّبَرْجد والبلَّور؛ لأنها أحجار.
(وأن يُسمّى رميًا، فلا يكفي الوضع) على الصحيح، ولا الدفع بالرجل،
الجزء: 1 - الصفحة: 690
وَالسُّنَّةُ: أَنْ يَرْمِيَ بقَدْرِ حَصَى الْخَذْفِ. وَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْحَجَرِ فِي الْمَرْمَى، وَلَا كَوْنُ الرَّامِي خَارِجًا عَنِ الْجَمْرَةِ. وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الرَّمْيِ .. اسْتَنَابَ
ولا الرمي عن القوس؛ لأنه خلافُ المأثور، قال الإسنوي: واشتراط الرمي غيرُ محتاج إليه؛ لأنه قد علم من قوله: (يشترط رمي السبع واحدة واحدة)، قال المنكت: (وكأنه ذكره؛ لئلا يتوهم أن ذاك سيق لبيان التعدد لا للكيفية، فنصّ عليه احتياطًا، ويشترط أيضًا: قصدُ المَرْمى؛ فلو رمى في الهواء فوقع في المَرْمى .. لم يكف) 675.
(والسنة: أن يرمي بقدر حصى الخذف) لقوله عليه السلام: "عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ" رواه مسلم 676، ورمى به عليه السلام.
والخذف: الرمي بالحصى من بين الإصبعين، قال الشافعي: وهو أصغر من الأَنْمُلة طولًا وعرضًا، قدر حبة البَاقِلَاء، قال الرافعي: ويرميه على هيئة الخذف، وصحح المصنف في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب" وغيرهما: أنه يرميه على غير هيئة الخذف، قال: وبه قطع الجمهور 677.
(ولا يشترط بقاء الحجر في المَرْمى) فلا يضرّ تدحرجه بعد الوقوع فيه؛ لحصول الرمي.
نعم؛ لو شك في وقوعه فيه .. لم يجز على الجديد.
(ولا كون الرامي خارجًا عن الجمرة) فلو وقف في بعضها ورمى إلى الجانب الآخر .. صحّ؛ لحصول اسم الرمي.
(ومن عجز عن الرمي) لمرض أو حبس ( .. استناب) ولو بأجرة؛ خشيةَ فواته؛ لضيق وقته.
ويشترط: كونُ النائب رمى عن نفسه، وإلا .. فرميه عنه دون المستنيب كأصل الحج، وألّا يرجى زوالُ السبب إلى آخر وقت الرمي.
الجزء: 1 - الصفحة: 691
وَإِذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ .. تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي الأيَّامِ فِي الأَظْهَرِ وَلَا دَمَ، وَإِلَّا .. فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَالْمَذْهَبُ: تَكْمِيلُ الدَّمِ فِي ثَلَاثِ حَصَيَاتٍ
(وإذا ترك رمي يوم) عمدًا أو سهوًا ( .. تداركه في باقي الأيام في الأظهر) لأنه عليه السلام جوّز ذلك للرِّعاء 678، فلو كانت بقيةُ الأيام غيرَ صالحة للرمي .. لم يفترق الحال فيها بين المعذور وغيره؛ كما في الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والثاني: لا؛ كما لا يتداركه بعد أيام التشريق، وإذا قلنا بالتدارك، فتدارك .. فالأظهر أنه أداء، وقول ابن الرفعة: إن الإمام والرافعي صححا خلافه سهوٌ؛ كما نبه عليه السبكي، والمذهب: أن رمي يوم النحر كغيره في كونه يتدارك أداءً على الأظهر.
(ولا دم) مع التدارك، سواء جعلناه أدأء أم قضاء؛ لحصول الانجبار بالمأتي به.
(وإلا) أي: وإن لم يتداركه ( .. فعليه دم) لتركه نسكًا، وقد قال ابن عباس: (من ترك نسكًا .. فعليه دم) 679.
(والمذهب: تكميل الدم في ثلاث حصيات) لوقوع اسم الجمع عليها، ولا تلزمه زيادةٌ عليه لو زاد في الترك على الثلاث، حتى لو ترك رمي يوم النحر وأيام التشريق .. كفاه دمٌ واحد على أصح الأقوال؛ لاتحاد جنس الرمي، فأشبه حلق الرأس.
وفي الحصاة والحصاتين الأقوال الآتية في الشعرة والشعرتين، وأصحها: لزوم مدّ.
والطريق الثاني: أن الجمرات الثلاث كالشعرات الثلاث، فلا يكمل الدم في بعضها، بل إن ترك جمرة أو جمرتين .. ففيها الأقوال الثلاثة في الشعرة والشعرتين.
والطريق الثالث: أن الدم يكمل بجمرة واحدة؛ كما يكمل بجمرة العقبة في يوم النحر، ولم يكمل بأقل منها.
واعلم: أن الطريقة الأولى الصحيحة ليست في "الشرح الكبير"، ولا في "الروضة"؛ لأن الرافعي أسقطها نسيانًا؛ لأنه قال: إن الإمام جمع في المسألة طرقًا
الجزء: 1 - الصفحة: 692
وَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ .. طَافَ لِلْوَدَاعِ، وَلَا يَمْكُثُ بَعْدَهُ،
فذكر ثنتين منها، ولمّا لم يجد المصنفُ في "الروضة" إلا طريقين .. قال: فيه طريقان 680.
(وإذا أراد الخروجَ من مكة) بعد قضاء النسك، وجميع أشغاله ( .. طاف للوداع) طواف كاملًا بركعتيه؛ لثبوته عنه -صلى الله عليه وسلم- قولًا وفعلًا، كما قاله الرافعي 681، وفي "الصحيحين" عن ابن عباس أنه قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه قد خفف عن المرأة الحائض) 682.
وسواء أكان حاجًّا أم لا، وسواء أكان آفاقيًّا يقصد الرجوعَ إلى وطنه أم مكيًّا يسافر لحاجة، ثم يعود على الأصح في "أصل الروضة" 683، وسواء أقصد سفرًا طويلًا أم قصيرًا على الصحيح في "شرح المهذب"، وقيل: يختص بالسفر الطويل، وهو المذكور في "الشرح"، و"الروضة" 684.
نعم؛ يستثنى على ما في "شرح المهذب": المعتمر يخرج للتنعيم، فإنه لا وداع عليه عند الشافعي، ونقله في "البيان" عن "المعتمد" لأبي نصر البَنْدَنيجي 685.
وقوله: (من مكة): يفهم أن الحاجّ إذا أراد الانصرافَ من منىً .. لا يؤمر به، وليس كذلك؛ كما جزم به في "شرح المهذب".
نعم؛ لو كان قد طاف للوداع في يوم النحر عقب طواف الإفاضة .. ففي جواز الانصراف من منىً خلافٌ حكاه في "البيان" عن المتأخرين، قال في "شرح المهذب": والصحيح، وهو مقتضى كلام الأصحاب: أنه لا يسقط عنه أيضًا 686.
(ولا يمكث بعده) لحديث ابن عباس المارّ، فإن مكث لغير حاجة، أو لحاجة
الجزء: 1 - الصفحة: 693
وَهُوَ وَاجِبٌ يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ، وَفِي قَوْلٍ: سُنَّةٌ لَا يُجْبَرُ، فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَخَرَجَ بِلَا وَدَاعٍ فَعَادَ قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصرِ .. سَقَطَ الدَّمُ، أَوْ بَعْدَهَا .. فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ
لا تتعلق بالسفر؛ كالزيارة، والعيادة، وقضاء الدين .. فعليه إعادته، وإن اشتغل بركعتي الطواف، وأسباب الخروج؛ كشراء الزاد، وشدّ الرحل .. لم يضرّ، قال في "زيادة الروضة": وكذا لو أقيمت الصلاة فصلاها معهم 687.
(وهو واجب) للأمر الوارد في حديث ابن عباس المارّ 688 (يُجبر تركُه بدم) وجوبًا كسائر الواجبات، (وفي قول: سنة لا يُجبر) لأنه لو كان واجبًا .. لوجب على الحائض جبره؛ لأن الواجب لا فرق في فدائه بين المعذور وغيره؛ بدليل الرمي إذا تركه ناسيًا، ولا خلاف في المجبر كما في "الشرح"، و"الروضة"، وإنما الخلاف في كونه واجبًا أو مستحبًا، خلافًا لما توهمه عبارة "الكتاب" 689.
(فإن أوجبناه، فخرج بلا وداع فعاد قبل مسافة القصر) من مكة، وقيل: من الحرم، وطاف ( .. سقط الدم) كما لو جاوز الميقات غيرَ محرم ثم عاد إليه، ويجب عليه العودُ عند المُكْنة على المذهب.
(أو بعدها .. فلا على الصحيح) لاستقراره بالسفر الطويل، ووقوع الطواف بعد العود حقًّا للخروج الثاني، كذا علّله الرافعي 690، وهو ماش على ما تقدم عن "الشرح"، و"الروضة" من أن الخروج إلى دون مسافة القصر لا يقتضي وداعًا، وأما على ما تقدم عن "شرح المهذب" .. فينبغي ألا يسقط، والثاني: يسقط، كما لو عاد قبلها، ولا يجب العودُ في هذه الحالة؛ للمشقة.
وقوله: (أو بعدها): يفهم أن بلوغها ليس كذلك، والذي في "شرح المهذب": أن بلوغها كمجاوزتها، وهو قول الشافعي، والأصحاب 691.
الجزء: 1 - الصفحة: 694
وَلِلْحَائِضِ النَّفْرُ بلَا وَدَاعٍ. وَيُسَنُّ شُرْبُ مَاءِ زَمْزَمَ، وَزِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ.
(وللحائض النفر بلا وداع) لحديث ابن عباس المارّ 692.
نعم؛ لو طهرت قبل مفارقة بنيان مكة .. لزمها العودُ لتطوف، ولو طهرت بعد مسافة القصر .. لم يلزمها، وإن طهرت بينهما .. فالنصّ: أنه لا يلزمها العود، والنصّ: أن المقصر بالترك يلزمه العودُ، والمذهب: تقرير النصين.
والفرق: أنه مأذون للحائض في الانصراف، بخلافه، والنفساء كالحائض؛ كما قاله في "شرح المهذب"، وألحق بعضهم بهما المعذور؛ كالخائف من ظالم، أو فوت رفقة، أو معسر ونحو ذلك 693.
(ويسن شرب ماءِ زمزمَ) لـ"أَنَّهَا مُبَارَكَةٌ، طَعَامُ طُعْمٍ" كما رواه مسلم، زاد أبو داوود الطَّيالِسي في "مسنده": "وَشِفَاءُ سُقْمٍ" 694.
ويستحب: أن يشربه لمطلوباته من الدنيا والآخرة؛ لصحة حديث: "مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ" 695، قال ابن الملقن: ويروى: أن مياه الأرض تُرفَع قبل يوم القيامة غيرَ زمزم 696.
(وزيارةُ قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد فراغ الحج) لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ زَارَ قَبْرِي .. وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي" رواه ابن خزيمة في "صحيحه" 697.
الجزء: 1 - الصفحة: 695
فصلٌ [في بيان أركان الحج والعمرة]
أَرْكَانُ الْحَجِّ خَمْسَةٌ: الإِحْرَامُ، وَالْوُقُوفُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْيُ، وَالْحَلْقُ إِذَا جَعَلْنَاهُ نُسُكًا،
وقوله: (بعد فراغ الحج) كذا قاله الشافعي والأصحاب، والمراد: تأكد الزيارة حينئذ؛ لحديث: "مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْني .. فَقَدْ جَفَانِي" 698، وإلا .. فزيارة قبره -صلى الله عليه وسلم- مندوبة مطلقًا بعد الحجّ أو العمرة، أو قبلهما أولًا مع نسك، نبه عليه السبكي.
(فصل: أركان الحج خمسة: الإحرام) بالإجماع؛ كما نقله ابن الرفعة، لكن ابن يونس في "شرح التنبيه" حكى قولًا بأنه شرط.
(والوقوف، والطواف) بالإجماع أيضًا، (والسعي) لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "اِسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ"، أورده الحاكمُ في "مستدركه"، وابن السكن في "سننه الصحاح المأثورة" 699، وفي سنده كلام أجاب عنه ابن عبد البرّ وغيره 700، وقد سعى -صلى الله عليه وسلم- وقال: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 701.
(والحلق) أو التقصير (إذا جعلناه نسكًا) لما مرّ في الباب، فإن جعلناه استباحة محظور .. فلا شكّ في كونه ليس ركنًا، قال الرافعي: وينبغي: أن يعدّ الترتيبُ الواجب هنا ركنًا؛ كما عَدُّوه في الوضوء والصلاة 702. = (8052)، و"إتحاف الزائر" (ص 20 - 29)، و"شفاء السقام" (ص 87) وما بعدها، و"وفاء الوفا" (4/ 436 - 440)، و"الجوهر المنظم" (ص 48) وما بعدها.
الجزء: 1 - الصفحة: 696
وَلَا تُجْبَرُ، وَمَا سِوَى الْوُقُوفِ أَرْكَانٌ فِي الْعُمْرَةِ أَيْضًا. ويُؤَدَّى النُّسُكَانِ عَلَى أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: الإِفْرَادُ؛ بِأَنْ يَحُجَّ، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ كَإِحْرَامِ الْمَكِّيِّ وَيَأْتِيَ بِعَمَلِهَا. الثَّانِي: الْقِرَانُ؛ بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنَ الْمِيقَاتِ، وَيَعْمَلَ عَمَلَ الْحَجِّ فَيَحْصُلَانِ. وَلَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ بِحَجٍّ قَبْلَ الطَوَافِ .. كَانَ قَارِنًا،
(ولا تُجبَر) هذه الخمس بدم، بل يتوقف الحجّ عليها؛ لأن الماهية لا تحصل إلا بجميع أركانها.
(وما سوى الوقوف أركانٌ في العمرة أيضًا) لأنه -صلى الله عليه وسلم- أتى بها، ولم يَرِد ما يقتضي الاعتداد بدونها، فكانت أركانًا، وفي الحلق ما سبق في الحج.
(ويؤدى النسكان على أوجه) ثلاثة تأتي بالإجماع.
ووجه الحصر: أنه إن قدم الحجّ .. فهو الإفراد، أو العمرة .. فهو التمتع، أو أتى بهما معًا .. فهو القران على تفصيل وشروط لبعضها ستأتي.
(أحدها: الإفراد؛ بأن يحجّ، ثم يحرم بالعمرة كإحرام المكي) بأن يخرج إلى أدنى الحلّ على ما سبق فيه، (ويأتيَ بعملها) قال القاضي الحسين والإمام: ويتصور الإفراد أيضًا: بأن يأتي بالحجّ وحده في سنته، أو يعتمر قبل أشهر الحجّ، ثم يحجّ من الميقات 703، وحينئذ يصدق الإفراد على ثلاث صور، خلافًا لما يقتضيه كلام المصنف.
(الثاني: القران؛ بأن يحرم بهما) معًا (من الميقات، ويَعملَ عمل الحجّ) لأن أعماله أكثر (فيحصلان) ويدخل عملُ العمرة في عمل الحجّ، ويكفيه عنهما طوافٌ واحد، وسعي واحد؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ .. أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ، وَسَعْي وَاحِدٌ عَنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا" صححه الترمذي 704.
وقوله: (من الميقات): ليس بقيد؛ لأنه لو أحرم بهما من دون الميقات .. كان قرانًا صحيحًا مجزيًا، وعليه دم، وإنما المراد: أن يُحرم بهما معًا فيتحد ميقاتُهما.
(ولو أحرم بعمرة في أشهر الحجّ، ثم بحجّ قبلَ الطواف .. كان قارنًا)
الجزء: 1 - الصفحة: 697
وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ فِي الْجَدِيدِ. الثَّالِثُ: التَّمَتُّعُ؛ بِأَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ وَيَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يُنْشِئَ حَجًّا مِنْ مَكَّةَ.
بالإجماع؛ كما نقله ابن المنذر 705.
وقضيته: أنه لو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحجّ، ثم أدخل عليها الحجّ في أشهره .. أنه لا يصحّ، ولا يكون قارنًا، وهو وجه؛ لأنه يؤدي إلى صحة الإحرام بالحجّ قبل أشهره؛ لأن القارن في حكم الملابس لإحرام واحد، والأصحُّ في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب": أنه يصحّ؛ لأنه إنما يصير محرمًا بالحجّ وقتَ إدخاله، وهو وقت صالح للحجّ 706، فكان ينبغي تأخير هذا القيد فيقول: ولو أحرم بعمرة ثم بحجّ قبل الطواف في أشهر الحجّ .. كان قارنًا.
واحترز بقوله: (قبل الطواف): عما إذا طاف ثم أحرم بالحجّ فإنه لا يصحّ؛ لأنه أخذ في أسباب التحلل على أصحّ المعاني فيه، وحكم الشروع في الطواف ولو بخطوة .. حكم إكماله.
وكلام المصنف قد يشمل ما لو أفسد العمرةَ، ثم أدخل عليها الحجّ، والأصحُّ: أنه ينعقد إحرامه بالحجّ فاسدًا، وقيل: صحيحًا، ثم يفسد، وعلى الوجهين: يلزمه المضي في النسكين، ويقضيهما، وقيل: ينعقد صحيحًا، ويستمرّ.
(ولا يجوز عكسه) وهو إدخال العمرة على الحجّ (في الجديد) لأنه لا يستفيد به شيئًا آخر، بخلاف إدخال الحجّ عليها؛ فإنه يستفيد به شيئًا آخر؛ كالوقوف، والرمي، والمبيت بمزدلفة ومنى، والقديم: الجواز، وصححه الإمام كعكسه 707، فيجوز ما لم يشرع في أسباب تحلله.
(الثالث: التمتع؛ بأن يحرم بالعمرة من ميقات بلده ويَفرُغ منها، ثم ينشئَ حجًّا من مكة) لما نقله ابن المنذر من إجماع أهل العلم على أن الآفاقي إذا فعل ذلك .. كان متمتعًا 708.
الجزء: 1 - الصفحة: 698
وَأَفْضَلُهَا الإِفْرَادُ، وَبَعْدَهُ التَّمَتُّعُ، ثُمَّ الْقِرَانُ،
وسمّي بذلك لتمتعه بين النسكين بما كان محظورًا عليه، أو لتمتعه بسقوط العود إلى الميقات للحجّ.
وقوله: (من ميقات بلده)، كذا هو في "المحرر"، و"الشرحين"، و"الروضة" هنا 709، والصواب: حذفه؛ فقد ذكرا بعد ذلك عند الكلام على وجوب دم التمتع ما حاصله: أن الإحرام من الميقات ليس شرطًا في كونه متمتعًا قطعًا، ولا في وجوب الدم عند الأكثرين 710.
وقوله: (من مكة): يتعين حذفه أيضًا؛ لأنه يقتضي: أنه إذا أحرم بالحجّ من الميقات .. لا يكون متمتعًا، وليس كذلك، بل المشهور: أنه متمتع غيرَ أنه لا يلزمه الدم.
(وأفضلها: الإفراد) لأن الذين رووه عن حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر 711، ومجمع على عدم كراهيته، بخلاف التمتع والقران، ولعدم وجوب الدم فيه، بخلافهما، والجبر دليل النقصان.
نعم؛ شرط تفضيله: أن يعتمر من سنته، فلو أخرها .. فكلٌّ من القران والتمتع أفضلُ منه؛ لأن تأخيرها عن سنة الحجّ مكروه، كذا قالاه في "الشرح"، و"الروضة" 712، ونسبه في "شرح المهذب" إلى الجمهور 713.
(وبعده التمتع، ثم القران) لأن المتمتع يأتي بعملين كاملين غير أنه لا يُنشئ لهما ميقاتين، وأما القارن .. فإنه يأتي بعمل واحد من ميقات واحد.
الجزء: 1 - الصفحة: 699
وَفِي قَوْلٍ: التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنَ الإِفْرَادِ. وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ بَشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَحَاضِرُوهُ: مَنْ دُونَ مَرْحَلَتينِ مِنْ مَكَّةَ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: مِنَ الْحَرَمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(وفي قول: التمتع أفضل من الإفراد) لأن فيه مبادرةً إلى العمرة، بخلاف الإفراد؛ فإن فيه تأخيرًا لفعلها، فربما مات قبل الفعل، وقد روى الشيخان عن ابن عمر: أنه عليه السلام كان متمتعًا 714، ورواه أيضًا مسلم عن عائشة 715.
وفي قول ثالث: أن القران أفضلُ من الإفراد، واختاره المزني وابن المنذر وأبو إسحاق 716.
(وعلى المتمتع دم) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية، التقدير: تمتع بإحلال من العمرة، وهو مجمع عليه، والواجب: شاة تجزئ في الأضحية، ويقوم مقامها سُبْعُ بَدَنة أو سُبْعُ بقرة، (بشرط: ألا يكون من حاضري المسجد الحرام) لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما ذكر؛ من الهدي والصوم: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وقوله: ﴿لِمَنْ﴾: معناه: على من، والمعنى فيه: أن الحاضر بمكة ميقاتُه للحج نفسُ مكة، فلم يربح ميقاتًا، بخلاف غيره.
(وحاضروه: مَنْ دون مرحلتين) لأن من قرُب من شيء كان حاضرَه، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾، وهي: أيلةُ، وليست في البحر، بل قريبة منه، (من مكة) لأن المسجد الحرامَ المذكور في الآية لم تُرَد حقيقتُه بالاتفاق، بل: الحرمُ عند بعضهم، ومكةُ عند آخرين، فلا بدّ من حمله على المجاز، ومكة أقلّ تجوزًا من حمله على الحرم.
(قلت: الأصح: مِنَ الحرم، والله أعلم) لأن كلّ موضع ذَكَرَ اللهُ فيه المسجدَ .. فالمراد به: الحرم، إلا قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فأريد به: الكعبة؛ كما ذكره الماوردي وغيره 717، وإنما خالف في ذلك طوافَ الوداع؛ لأنه
الجزء: 1 - الصفحة: 700
وَأَنْ تَقَعَ عُمْرَتُهُ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنْ سَنَتِهِ. وَأَلَّا يَعُودَ لإِحْرَامِ الْحَجِّ إِلَى الْمِيقَاتِ. وَوَقْتُ وُجُوبِ الدَّمِ: إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ،
للبيت، فناسب اعتبار مكة، وهنا الآية ناصّة على المسجد الحرام كما سلف، فكان الابتداء منه.
(وأن تقع عمرتُه في أشهر الحجّ) لأن العرب كانوا لا يزاحمون الحجّ في وقت إمكانه بالعمرة، ويرون ذلك من أفجر الفجور، فشرع التمتع رخصةً؛ لأن الغريب قد يقدم قبل عرفة بأيام، ويشقّ عليه استدامة الإحرام لو أحرم من الميقات، ولا سبيل إلى مجاورته بغير إحرام، فجوز له أن يعتمر ويتحلل مع الدم.
فلو أحرم بها، وفرغ منها قبل أشهره .. لم يلزمه دم؛ لانتفاء ما ذكرناه من المزاحمة وإن كان متمتعًا على المشهور؛ كما قاله الرافعي في آخر الشروط 718، وكذا لو أحرم بها قبل أشهره، وأتى بجميع أعمالها في أشهره على الأظهر؛ لأن العمرة لم تقع في أشهر الحجّ، وإنما وقع بعضُها؛ إذ النية من جملتها.
(من سنته) أي: من سنة الحجّ، فلو اعتمر، ثم حجّ في القابلة .. فلا دم عليه، سواء أقام بمكة إلى أن يحجّ أم رجع وعاد؛ لعدم المزاحمة.
(وألا يعود لإحرام الحجّ إلى الميقات) الذي أحرم منه بالعمرة، بل أحرم به من مكة واستمر، فإن عاد إليه وأحرم منه بالحجّ .. لم يلزمه الدم؛ لأن المقتضي لإيجاب الدم -وهو ربح الميقات- قد زال بعوده إليه، وكذا لو عاد إلى مسافة مثله وأحرم منه؛ لأن المقصود قطع تلك المسافة محرمًا، فلو عاد إلى ميقات أقرب منه؛ بأن كان ميقاتُ عمرته الجُحْفةَ فعاد إلى ذات عِرْق مثلًا .. فكالعود إلى ميقات عمرته في الأصحِّ؛ لأنه أحرم من موضع ليس ساكنوه من حاضري المسجد الحرام.
واعلم: أن هذه الشروطَ المذكورةَ معتبرةٌ لوجوب الدم، وهل تعتبر في تسميته تمتعًا؟ وجهان: أحدهما: نعم، فلو فات شرط .. كان مفردًا، وأشهرهما: لا تعتبر، ولهذا قال الأصحاب: يصحّ التمتع والقران من المكي خلافًا لأبي حنيفة.
(ووقت وجوب الدم: إحرامُه بالحجّ) لأنه حينئذ يصير متمتعًا بالعمرة إلى الحجّ.
الجزء: 1 - الصفحة: 701
وَالأَفْضَلُ: ذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فِي مَوْضعِهِ .. صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثَلَاثةً فِي الْحَجِّ تسْتَحَبُّ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ،
وقد يفهم: أنه لا يجوز تقديمُه عليه، وليس كذلك، بل الأصحُّ: جواز ذبحه إذا فرغ من العمرة، وقيل: يجوز إذا أحرم بها.
(والأفضل: ذبحه يومَ النحر) خروجًا من خلاف الأئمة الثلاثة؛ فإنهم قالوا: لا يجوز في غيره.
(فإن عجز عنه في موضعه .. صام عشرة أيام؛ ثلاثةً في الحجّ) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: الهدي .. ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: بعد الإحرام بالحجّ، فلا يجوز تقديمُها على الإحرام، بخلاف الدم؛ لأن الصومَ عبادة بدنية، فلا يجوز تقديمُها على وقتها؛ كالصلاة، والدمَ عبادة مالية، فأشبه الزكاة.
ووقع في "شرح مسلم" للمصنف: أن الأفضل: ألا يصوم حتى يحرم بالحج 719، وهو غريب مخالف لما ذكره في باقي كتبه.
ولا بدّ من تقييد كلامه: بأن يكون ذلك قبل يوم النحر، فلو أخر التحلل عن أيام التشريق ثم صامها .. أثم وصارت قضاءً على الصحيح وإن صدق أنها في الحجّ؛ لندوره، فلا يراد بقوله تعالى: ﴿فِي الْحَجِّ﴾.
وسواء عند عجزه في موضعه قَدَرَ عليه ببلده أو غيرِه أم لا، بخلاف كفارة اليمين؛ لأن الهدي يختص ذبحُه بالحرم والكفارةَ لا تختص، ووجودُه بأكثر من ثمن مثله كعدمه، وكذا لو احتاج إليه أو إلى ثمنه.
(تستحب قبل يوم عرفة) لأن الأفضل للحاجّ: فطر يوم عرفة، فيندب لمن يصوم: أن يحرم بالحجّ قبل السادس، ولا يجوز صومها في يوم النحر، وكذا في أيام التشريق في الجديد؛ كما ذكره المصنف في بابه 720.
ولا يجب عليه تقديم الإحرام بزمن يمكنه صومُ الثلاثة فيه قبلَ يوم العيد على الأصحِّ، وإذا فات صوم الثلاثة في الحجّ .. لزمه قضاؤها ولا دم عليه، قال الإمام:
الجزء: 1 - الصفحة: 702
وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فِي الأَظْهَرِ. وَيُنْدَبُ تَتَابُعُ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا السَّبْعَةُ. وَلَوْ فَاتَهُ الثَّلَاثةُ فِي الْحَجِّ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَرِّقَ فِي قَضَائِهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبْعَةِ. وَعَلَى الْقَارِنِ دَمٌ
وإنما يلزمه صومُ الثلاثة في الحجّ إذا لم يكن مسافرًا، فإن كان .. فلا؛ كصوم رمضان، قال الرافعي: وهذا غير متضح؛ لأن النصّ دالّ على الوجوب عليه، وقال في "شرح المهذب": إنه ضعيف 721.
(وسبعةً إذا رجع) لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، (إلى أهله في الأظهر) لقوله صلى الله عليه وسلم: "فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا .. فَلْيَصُمْ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ" متفق عليه 722، فلو أراد الإقامةَ بمكة .. صامها بها، قاله في "البحر" 723.
والثاني: أن المراد بالرجوع: الفراغُ من الحجّ؛ لأنه بالفراغ منه رجع عما كان مقبلًا عليه، وهو قول الأئمة الثلاثة.
(ويندب تتابع الثلاثة) إن اتسع الوقت، فإن ضاق؛ فمن أحرم اليوم السادسَ من ذي الحجة .. لزمه صوم الثلاثة متتابعًا، (وكذا السبعةُ) مبادرةً إلى أداء الواجب.
(ولو فاته الثلاثة في الحجّ .. فالأظهر 724: أنه يلزمه أن يُفرّق في قضائها بينها وبين السبعة) كما في الأداء، والثاني: لا يلزمه؛ قياسًا على التفريق في قضاء الصلوات.
وفرق الأول: بأن تفريق الصلاة يتعلق بالوقت، وهذا بالفعل، وهو الحجّ والرجوع.
وكلامه يقتضي: الاكتفاءَ بمطلق التفريق ولو بيوم واحد، وهو قول نصّ عليه في "الإملاء"، لكن الأظهر: أنه يجب أن يفرق بقدر ما كان يفرق به في الأداء، وذلك أربعة أيام ومدة سيره إلى بلده.
(وعلى القارن دم) لأنه واجب على المتمتع بنصّ القرآن، وفعل المتمتع أكثرُ من
الجزء: 1 - الصفحة: 703
كَدَمِ التَّمَتُّع. قُلْتُ: بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فعل القارن، فإذا لزمه الدم .. فالقارن أولى (كدم التمتع) في أحكامه السابقة جنسًا، وسنًّا، وبدلًا عند العجز.
(قلت: بشرط: ألا يكون من حاضري المسجدِ الحرام، والله أعلم) قياسًا على المتمتع.
وكان ينبغي أن يقول: (وألا يعود إلى الميقات قبل الوقوف)، فإن الراجح: أن الغريب لو عاد إلى الميقات قبل الوقوف .. لا دم عليه، وقد نصّ عليه في "الإملاء".
الجزء: 1 - الصفحة: 704
بابُ محرَّمات الإحرام أَحَدُهَا: سَتْرُ بَعْضِ رَأْسِ الرَّجُلِ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا إِلَّا لِحَاجَةٍ، وَلُبْسُ الْمَخِيطِ أَوِ الْمَنْسُوجِ أَوِ الْمَعْقُودِ فِي سَائِرِ بَدَنِهِ
﴿باب محرمات الإحرام﴾
(أحدها: ستر بعض رأس الرجل بما يُعدّ ساترًا) ولو لم يكن محيطًا؛ كالخرقة، وكذا الحِنَّاء الثخين على المذهب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي خرّ عن بعيره ميتًا: "لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا" متفق عليه 725.
ولا يجب كشف الوجه، وما وقع في "صحيح مسلم" في هذا الحديث: "وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ" 726 .. قال البيهقي: ذكر الوجه غريب، وهو وهم من بعض الرواة 727، وقال في "الشامل": إنه محمول على ما لا بدّ من كشفه من الوجه.
واحترز بـ (الرجل): عن المرأة والخنثى، وسيأتي حكمهما، وبـ (ما يعدّ ساترًا): عن وضع اليد، والانغماس في الماء، والاستظلال بالمَحمِل وإن مسّ رأسه، وكذا حمل زَنْبيل ونحوه على رأسه.
(إلا لحاجة) كمَداواة أو حرّ أو برد؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، لكن تلزمه الفدية؛ قياسًا على الحلق بسبب الأذى.
(ولبس المخيط أو المنسوج أو المعقود) وما شابهها من مُلَزَّق، ومضفور، ومُلبّد، ومُطرَّف (في سائر بدنه) لحديث: "لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ" متفق عليه 728.
والمعتبر في اللبس: العادة في كلّ ملبوس، فلو ارتدى بالقميص أو اتزر
الجزء: 1 - الصفحة: 705
إِلَّا إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَوَجْهُ الْمَرْأَةِ كَرَأْسِهِ، وَلَهَا لُبْسُ الْمَخِيطِ إِلأَ الْقُفَّازَ فِي الأَظْهَرِ
بالسراويل .. فلا فدية؛ كما لو اتزر بإزار لَفَّقَه من رِقاع، ويجوز أن يَعقِد الإزار، ويشدّ عليه خيطًا، وأن يجعل له مثل الحُجْزة، ويُدخل فيها التِّكَّة، ولا يجوز ذلك في الرداء، ولا خلُّه بخلال ونحوه.
نعم؛ له غرزه في طرف إزاره.
قال بعض العلماء: والحكمة في تحريم لبس المخيط وغيره مما مُنِعَ منه المُحرم: أن يخرج الإنسان عن عادته، فيكون ذلك مذكرًا له ما هو فيه من عبادة ربه، فيشتغل بها.
(إلا إذا لم يجد غيرَه) أي: غير المخيط وما في معناه؛ لفقده من ملكه، وتعذر شرائه وإجارته بأجرة مثله، واستعارته .. فإنه يجوز لبسه من غير فدية.
وقضيته: المنع لحاجة البرد والمداواة، والمنقول: الجواز مع الفدية.
(ووجه المرأة كرأسه) أي: كرأس الرجل في الأحكام المارّة؛ لرواية البخاري: "وَلَا تنتَقِبِ الْمَرْأَةُ" 729.
نعم؛ لها أن تستر من وجهها ما لا يتأتى سترُ الرأس إلا به.
(ولها لُبس المخيط) بالإجماع؛ كما نقله ابن عبد البرّ 730 (إلا القُفَّاز في الأظهر) 731 لرواية البخاري: "وَلَا تلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ" 732، والثاني: يجوز؛ لأن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: كان يأمر بناته بلبسهما في الإحرام، رواه الشافعي في "الأم" 733.
وفي "شرح السنة" للبغوي: أن أكثر أهل العلم على الثاني، وأنه أظهر قولي الشافعي، وأنه لا فدية عليها.
انتهى، وما ذكره من عدم الفدية .. نصَّ عليه في
الجزء: 1 - الصفحة: 706
الثَّانِي: اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ،
"الأم" 734، لكن نصّ في "الإملاء": على أن عليها الفديةَ، وحُمل على الاستحباب.
قال في "الكفاية": ولا فرق بين القفاز الواحد وبين القفازين 735.
والقفاز: شيء يُعمل لليد لِيَقيها من البرد، ويحشى بقطن، ويكون له أزرار على الساعدين.
وقضية إطلاق المصنف: أن الأمة فيما ذكره كالحرة، وهو المذهب في "شرح المهذب" 736.
ولو ستر الخنثى المشكل رأسه أو وجهه .. لم تجب الفدية؛ لاحتمال أنه امرأة في الصورة الأولى، ورجل في الثانية، وإن سترهما جميعًا .. وجبت الفدية.
(الثاني: استعمال الطيب في ثوبه) لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَلَا تلْبَسْ مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَان أَوْ وَرْسٌ" متفق عليه 737.
(أو بدنه) قياسًا على الثوب من باب أولى، ونقل ابن المنذر فيه الإجماع 738، وسواء في ذلك الأَخْشمُ وغيره، وبعض البدن ككله.
والطيب: هو ما ظهر فيه غرض التطيب؛ كالورد والياسَمين واللَّيْنَوْفَر 739 ونحو ذلك، أما ما لا تُقصد رائحتُه .. فلا فدية فيه وإن كانت له ريح طيبة؛ كالقَرَنْفُل وسائر الأبازير والتفاح والسَّفَرْجَل والأُتْرُجّ ونحوها.
ومحل تحريم الطيب: إذا كان عالمًا بالتحريم عامدًا مختارًا.
قال الرافعي: والاستعمال: هو أن يلصق الطيب ببدنه أو ثيابه على الوجه المعتاد في ذلك 740، فلو احتوى على مبخرة، وتبخَّر بدنه أو ثيابه .. لزمته الفديةُ.
الجزء: 1 - الصفحة: 707
وَدَهْنُ شَعْرِ الرَّأْسِ أَوِ اللِّحْيَةِ، وَلَا يُكْرَهُ غَسْلُ بَدَنِهِ وَرَأْسِهِ بِخِطْمِيٍّ. الثَّالِثُ: إِزَالَةُ الشَّعْرِ أَوِ الظُّفُرِ، ..
(ودَهن شعر الرأس أو اللحية) من نفسه أو من محرم آخر من غير ضرورة؛ لما فيه من التزين المنافي لحال المحرم؛ فإن الحاجّ أشعث أغبر؛ كما ورد في الخبر 741، وسواء في الدهن المطيّبُ وغيره؛ كالزيت.
وقوله: (دهن): هو بفتح الدال؛ لأنه مصدر.
واحترز بقوله: (شعر الرأس واللحية): عن الأصلع والأقرع والأمرد؛ فإن الادّهان لا يحرم عليهم؛ لفقد المعنى السابق، لكن تقتضي: عدم تحريم الدهن في محلوق الرأس، وهو الأصح في "الكفاية"، لكن الأصح عند الشيخين: التحريم؛ لأنه يحسن الشعر إذا نبت 742.
واحترز أيضًا بـ (الرأس واللحية): عن دَهْن باقي البدن؛ فإنه يجوز شعرًا كان أو بشرًا؛ لأنه لا يُقصد تحسينُه، ونقل في "شرح المهذب": اتفاق الأصحاب على ذلك 743، لكن جزم الماوردي في "الإقناع": بالتحريم في شعور الجسد، وهو قضيةُ إطلاق ابن كجّ.
وإنما جمع المصنف في هذا النوع بين الطيب والدّهن؛ تبعًا لـ "المحرر" 744، ولم يجعل الادهان نوعًا ثالثًا؛ كما في "الشرح"، و"الروضة" 745؛ لتقاربهما في المعنى وأن كلًّا منهما ترفه ليس فيه إزالة عين.
(ولا يُكره غسل بدنه ورأسه بخِطْمي) ونحوه؛ كالسدر؛ لأن ذلك لإزالة الأوساخ، بخلاف الدّهن؛ فإنه للتنمية.
نعم؛ الأولى: ألا يفعل ذلك، ونقل عن القديم: كراهته، وإذا غسل رأسه .. فينبغي: أن يترفق بالدلك حتى لا يتنتف شعره.
(الثالث: إزالة الشعر أو الظفر) من نفسه أو من محرم آخر، أما الشعر: فلقوله
الجزء: 1 - الصفحة: 708
وَتكمُلُ الْفِدْيَةُ فِي ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَظْفَارٍ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّ فِي الشَّعْرَةِ مُدَّ طَعَامٍ، وَفِي الشَّعْرَتينِ مُدَّيْنِ،
تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ أي: شعر رؤوسكم، وشعر سائر الجسد ملحق به بجامع الترفه، وأما الظفر: فقياسًا على الشعر؛ لما فيه من الترفه.
وكلامه قد يوهم: أنه لا يحرم إزالة الشعرة الواحدة، وليس كذلك.
ويستثنى: ما لو نبت شعرة أو شعرات داخل الجَفْن وتأذى به .. فإن له قلعه ولا فدية على المذهب، [وكذا لو انكسر بعض ظفره وتأذى به .. فإنه يقطع المنكسر ولا فدية] 746.
(وتَكمل الفديةُ في ثلاث شعرات أو ثلاثة أظفار) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية، التقدير: فحلق شعر رأسه .. ففدية، والشعر جمع، وأقله ثلاث، والاستيعاب قام الإجماع على عدم اعتباره، والأظفار مقاسة على الشعر.
وشرط ما ذكره في الشعرات والأظفار: إزالتُها في مكان واحد على التوالي، فإن أزالها في ثلاثة أو في مكان واحد، ولم يوال .. فيجب عليه في كلّ واحدة منها ما يجب عليه لو انفردت، وهو مُدّ على الراجح كما سيأتي.
وحيث كملنا الفدية بالثلاث .. فلا تتعدد الفدية بالزيادة عليها، حتى لو حلق شعرَ رأسه وجسدِه، أو قلم أظفارَ يديه ورجليه .. لم يلزمه إلا فدية واحدة على الصحيح، لكن مع مراعاة ما تقدم من التوالي.
(والأظهر: أن في الشعرة مُدَّ طعام، وفي الشعرتين مدّين) لأن الشرع قد عدل الحيوان بالإطعام في جزاء الصيد وغيره، والشعرةُ الواحدة هي النهاية في القلة، والمدّ أقلّ ما وجب في الكفارات، فقوبلت به، والثاني: في الشعرة ثلث دم، وفي الشعرتين ثلثا دم؛ عملًا بالتقسيط، والثالث: في الشعرة درهم، وفي الشعرتين درهمان، والرابع: دم كامل.
وقطعُ بعض شعره كقطعها على الأصحِّ، والظفر كالشعرة، والظفران كالشعرتين، وبعض الظفر كبعض الشعرة.
الجزء: 1 - الصفحة: 709
وَلِلْمَعْذُورِ أَنْ يَحْلِقَ وَيَفْدِيَ. الرَّابِعُ: الْجِمَاعُ،
ولو أخذ من بعض جوانب الظفر ولم يستوعب رأسه؛ فإن قلنا: يجب في الظفر الواحد درهم أو ثلث دم .. فالواجب فيه: ما يقتضيه الحساب، وإن قلنا: يجب فيه مدّ .. فلا سبيل إلى تبعيضه.
ومحل الخلاف الذي ذكره المصنف: إذا اختار الدم، أما إذا اختار الصيام .. فإنه يصوم يومًا واحدًا قطعًا، أو الطعامَ .. أطعم صاعًا واحدًا قطعًا، كذا قاله العمراني وابن أبي الصيف والمحب الطبري، وقال الإسنوي: إنه متعين لا محيد عنه 747، وبهذا يندفع الإشكال المشهور: أنه إذا حلق ثلاثَ شعرات .. خُيّر بين دم وثلاثة آصع وصيام ثلاثة أيام، فينبغي أنه إذا حلق شعرة: أن يُخيّر بين ما يخصّها من الخصال، فكيف يأتي الخلاف؟
(وللمعذور أن يحلق ويفديَ) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية، وفي "الصحيحين" عن كعب بن عُجْرة قال: فِيَّ أُنزلت هذه الآية، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "اُدْنُهْ"، فدنوت، فقال: "اُدْنُهْ"، فدنوت، فقال: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ"، قال ابن عون: أظنه قال: نعم، قال: فأمر بفدية من صيام أو صدقة أو نسكٍ ما تيسر 748، وفي رواية: "فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ أنْسُكْ نَسِيكَةً" 749، وفي رواية لمسلم: "احْلِقْ، ثُمَّ أذْبَحْ شَاةً نُسُكًا، أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثةَ آصُعِ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ" 750.
ودخل في قوله: (وللمعذور): ما لو مرض، أو كثر في رأسه القملُ، أو تأذى بالحرّ؛ لكثرة الشعر أو الوسخ.
(الرابع: الجماع) بالإجماع، ويحرم على المرأة الحلالِ تمكينُ زوجها المحرم على الأصح؛ لأن فيه إعانةً على معصية، ويحرم أيضًا على الحلال المباشرةُ في حال إحرام المرأة؛ كما سيأتي إيضاحه في الإحصار إن شاء الله تعالى.
الجزء: 1 - الصفحة: 710
وَتَفْسُدُ بِهِ الْعُمْرَةُ، وَكَذَا الْحَجُّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، وَتَجِبُ بِهِ: بَدَنَةٌ،
(وتفسد به العمرة، وكذا الحجّ قبل التحلّل الأول) أما فساد الحجّ؛ فإن كان قبل الوقوف .. فبالإجماع؛ كما قاله القاضي حسين والماوردي 751، وإن كان بعده .. فقد خالف فيه أبو حنيفة، ودليلُنَا عليه: أنه صَادَف إحرامًا صحيحًا لم يحصل فيه التحللُ الأول، فأشبه ما قبل الوقوف، وأما العمرة: فبالقياس عليه.
وقوله: (قبل التحلل الأول): قيد في الحجّ خاصة، واحترز به: عمّا إذا وقع الجماع بعده .. فإن الحجّ لا يفسد به على الأصحِّ، وكما لا يفسد الحجّ لا تفسد العمرة أيضًا إذا كان قارنًا وَلم يأت بشيء من أعمالها؛ لأنها تقع تبعًا له، وقيل: تفسد، وكلام المصنف يوهمه.
(وتجب به بدنة) لقضاء الصحابة رضي الله عنهم بذلك 752.
وقوله: (به): يعني: بالجماع المفسد، وهو احتراز عن مسألتين: إحداهما: إذا جامع في الحجّ بين التحلّلين وقلنا: لا يفسد .. فإنه لا تلزمه بدنة في الأظهر، بل شاة؛ لأنه محظور لم يحصل به إفسادٌ، فأشبه الاستمتاعات، الثانية: إذا تكرر منه الجماع في العمرة أو في الحجّ قبل التحلّل الأول .. فإن الأظهر: أنه يجب بالثاني شاة لا بدنة؛ لأن الإفساد حصل بالجماع الأول.
واعلم: أن البدنة حيث أُطلقت في كتب الحديث والفقه .. المرادُ بها: البعير ذكرًا كان أو أنثى، وشرطها: أن تكون في سنّ الأضحية.
وأما أهل اللغة .. فقال كثيرٌ منهم أو أكثرهم: إنها تطلق على البعير والبقرة، وحكى المصنف في "التهذيب"، و"التحرير" عن الأزهري: أنها تطلق على الشاة أيضًا 753، ووهم في ذلك، وقيل: تطلق على البعير خاصة، وحكاه الماوردي عن الجمهور.
ومحل وجوب البدنة: إذا وجدها، وإلا .. فبقرة، وإلا .. فسَبْعُ شياه، وإلا ..
الجزء: 1 - الصفحة: 711
وَالْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ، وَالْقَضَاءُ وَإِنْ كَانَ نُسُكُهُ تَطَوُّعًا، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ. الْخَامِسُ: اصْطِيَادُ كُلِّ مَأْكُولٍ بَرِّيٍّ
فتقوَّمُ البدنة بالنقد الغالب، ويشتري به طعامًا ويتصدق به على مساكين الحرم؛ فإن عجز .. صام عن كلّ مدّ يومًا.
(والمضي في فاسده) لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فإنه لم يفصل بين الصحيح والفاسد، ولأن جماعة من الصحابة أفتوا بذلك 754، ولا يعرف لهم مخالف.
والمراد بـ: (المضي فيه): أن يأتي بما كان يأتي به قبل الجماع، ويجتنب ما كان يجتنبه قبله، فإن ارتكب محظورًا .. لزمه الفدية في الأصحِّ.
(والقضاء) لفتوى الصحابة به 755، وإنما جعلوا المأتي به قضاء وإن كان وقت النسكين العمرَ والعمرُ باق؛ لأنه لما أحرم بهما .. تضيقا عليه، ففات وقت الإحرام بهما، (وإن كان نسكه تطوعًا) لأنه يلزم بالشروع فيه، فصار فرضًا أيضًا، بخلاف باقي العبادات.
(والأصح: أنه) يعني: القضاء (على الفور) لفتوى الصحابة به حيث قالوا: وحج من قابل 756، والثاني: لا، كالأداء، وأولى.
وجميع ما ذكره هو في جماع العاقل العامد، العالم بالتحريم، فإن وطئ مجنونًا أو ناسيًا أو جاهلًا بالتحريم .. لم يفسد على الجديد، وإن أكره على الوطء .. لم يفسد على الأصحِّ في "شرح المهذب" 757.
ويحرم على المحرم أيضًا الاستمناء، وتلزم به الفدية على الأصحِّ، وتحرم عليه المباشرةُ بشهوة؛ كالقُبلة واللّمس وإن كان لا يفسد بها النسك.
(الخامس: اصطياد كلّ مأكول بَرّي) طيرًا كان أو وحشًا - إذا كان عامدا عالمًا
الجزء: 1 - الصفحة: 712
قُلْتُ: وَكَذَا الْمُتَوَلِّدُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
بالتحريم- بالإجماع، واستغنى بـ (الاصطياد): عن التقييد بـ (الوحشي)؛ فإن الصيد: كل متوحش طبعًا لا يمكن أخذه إلا بحيلة.
واحترز بـ (المأكول): عمّا لا يؤكل، وبـ (البري): عن البحري؛ فإنه لا يحرم للآية، والبحري: هو الذي لا يعيش إلا في البحر، فإن عاش في البحر والبر .. فهو كالبري؛ تغليبًا للحرمة.
قال القفال: والحكمة في الفرق بين البري والبحري: أن البري إنما يُفعل غالبًا للتنزه والتفرج 758، والإحرام ينافي ذلك، بخلاف البحري؛ فإنه يصاد غالبًا للاضطرار والمسكنة، فأحلّ مطلقًا ولو كان البحر في الحرم؛ كما نصّ عليه في "الأم" 759.
وكما يحرم الاصطياد .. تحرم الإعانة عليه بدلالة أو إعارة، وأن يتعرض لبيضه وفرخه ولبنه وريشه.
نعم؛ لو كان البيض مَدِرًا .. لم يحرم كسرُه ولا يضمنه، إلا أن يكون بيضَ نعامة على المنصوص المشهور؛ لأن لقشره قيمةً.
(قلت: وكذا المتولد منه) أي: ممّا يحرم اصطياده (ومن غيره، والله أعلم) تغليبًا للتحريم، وخالف الزكاة، حيث لم تجب في المتولد بين الزكوي وغيره؛ لأنها من باب المواساة.
وكلامه يدلّ بمنطوقه على تحريم ثلاثة أقسام: أحدها: المتولد بين وحشين أحدهما مأكول؛ كالسِّمْع المتولد بين الذئب والضبع، الثاني: المتولد بين وحشي مأكول وأهلي غير مأكول؛ كحمار الوحش وحمار الأهل، الثالث: المتولد بين مأكولين أحدهما وحشي؛ كالمتولد بين الظبي والشاة.
وبمفهومه على إباحة ثلاثة أقسام: أحدها: المتولد بين وحشي غير مأكول وإنسي مأكول؛ كالمتولد بين الذئب والشاة، الثاني: المتولد بين حيوانين لا يؤكلان؛ أحدهما وحشي؛ كالمتولد بين الحمار الأهلي والزَّرافة، الثالث: المتولد بين
الجزء: 1 - الصفحة: 713
وَيَحْرُمُ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ عَلَى الْحَلَالِ. فَإِنْ أَتلفَ صَيْدًا .. ضَمِنَهُ؛ فَفِي النَّعَامَةِ: بَدَنَةٌ، وَفِي بَقَرِ الْوَحْشِ وَحِمَارِهِ: بَقَرَةٌ، وَالْغَزَالِ: عَنْزٌ، وَالأَرْنَبِ: عَنَاقٌ، وَالْيَرْبُوعِ: جَفْرَةٌ،
أهليّين؛ أحدهما غير مأكول؛ كالبغل.
والضابط: أن ما حرم التعرض لأحد أصليه .. حرم التعرض له، وما جاز التعرض لكلّ منهما .. جاز التعرض إليه.
وتحريم الزَّرافة قاله في "شرح المهذب" 760، لكن المذهب أو الصواب: حلّها؛ كما سيأتي في بابه.
(ويحرم ذلك) أي: اصطياد المأكول البري، والمتولد منه (في الحرم على الحلال) بالإجماع؛ كما قاله في "شرح المهذب" 761.
ويروى: أن في زمن الطوفان لم تأكل كبارُ الحيتان صغارَها في الحرم؛ تعظيمًا له 762.
وقوله: (في الحرم) هو حال من الاصطياد، لكن يرد عليه ما لو كان المصطاد في الحِلّ، والصائد في الحرم .. فإنه يحرم؛ فإن أُعرب أنه حال من الصائد .. ورد عليه عكسُه.
(فإن أتلف صيدًا .. ضمنه) بالجزاء الآتي ذكرُه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ الآية.
وجِهات ضمان الصيد ثلاثة: المباشرة، والتسبب، واليد، ولا فرق في المباشر بين المخطئ والمتعمد، والعالم والجاهل، والذاكر والناسي، ولو أتلف مكرهًا .. فالجزاء على المحرم على الأصحِّ في "زيادة الروضة"، ثم يرجع على الآمر 763.
(ففي النعامة: بدنة، وفي بقر الوحش وحماره: بقرة، والغزال: عنز، والأرنب: عَناق، واليَرْبُوع: جَفْرة) لأن جماعة من الصحابة حكموا بذلك كلّه،
الجزء: 1 - الصفحة: 714
وَمَا لَا نَقْلَ فِيهِ .. يَحْكُمُ بِمِثْلِهِ عَدْلَانِ، وَفِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ .. الْقِيمَةُ.
وفي الضبع: كبش؛ لحديث فيه صححه ابنُ حبان، والترمذي، وغيرهما من حديث جابر رضي الله عنه 764.
وقوله: (في الغزال: عنز) وَهَمٌ؛ لأن الغزال ولدُ الظَّبْية إلى حين يقوى ويَطلُع قرناه، ثم هي ظَبْية، والذكر ظَبْي، وواجبه جَدْي إن كان ذكرًا، وعَناق أو جَفْرة إن كان أنثى، وأما العنز: فإنه واجب الظَّبْية، والتيس واجب الظَّبْي.
والعَناق: الأنثى من المعز من حين تُولد إلى أن ترعى، والجَفْرة: الأنثى من ولد المعز تُفطَم وتُفصَل عن أمها، فتأخذ في الرعي وذلك بعد أربعة أشهر، والذكر: جَفْر؛ لأنه جَفَرَ جنباه؛ أي: عظم، قال الشيخان: هذا معناهما في اللغة، لكن يجب أن يكون المراد بالجَفْرة هنا .. ما دون العَناق؛ فإن الأرنب خير من اليَرْبُوع 765.
(وما لا نقل فيه .. يَحكم بمثله) من النعم (عدلان) لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ الآية، والعبرة: بالمماثلة بالخلقة والصورة تقريبًا لا تحقيقًا، فأين النعامة من البدنة؟ قال الرافعي: وليكن العدلان فقيهين كَيِّسَين 766 أي: فطنين.
واحترز المصنف بقوله: (وما لا نقل فيه) عن حيوان فيه نصّ، حكم فيه صحابيان، أو عدلان من التابعين، أو ممن بعدهم من سائر الأعصار بالمماثلة؛ فإنه يتبع ذلك، ولا حاجة إلى تحكيم جديد، وجزم ابن الرفعة بأنه إذا حكم واحدٌ من الصحابة وسكت الباقون .. يكفي أيضًا 767.
(وفيما لا مثل له .. القيمة) لأن الجراد لا مثل له، وقد حكمت فيه الصحابةُ رضي الله عنهم بالقيمة، ويرجع في القيمة إلى عدلين، والعبرة في هذه القيمة: بموضع الإتلاف لا بمكة على المذهب، ويستثنى من إطلاقه وجوبَ القيمة فيما لا مثل
الجزء: 1 - الصفحة: 715
وَيَحْرُمُ قَطْعُ نَبَاتِ الْحَرَمِ الَّذِي لَا يُسْتَنْبَتُ، وَالأَظْهَرُ: تَعَلُّقُ الضَّمَانِ بِهِ وَبِقَطْعِ أَشْجَارِه، فَفِي الشَّجَرَةِ الْكَبِيرَةِ: بَقَرَةٌ، وَالصَّغِيرَةِ: شَاةٌ
له .. الحَمَامُ، وهو: كلّ ما عَبَّ وهَدَرَ؛ كالفواخت، فإنه يجب فيها شاة؛ لقضاء الصحابة بذلك.
(ويحرم قطع نبات الحرم الذي لا يستنبت) بالإجماع، وإذا حرم القطع .. حرم القلع بطريق الأولى، وأطلق النبات؛ ليعمّ الشجر وغيرَه، وأخرج به اليابس؛ فإنه يجوز قطعه؛ لأنه ليس نباتًا في الحرم، بل مغروزًا فيه، وأما قلعه: فإن كان شجرًا .. جاز؛ كما جزم به المصنف في "نكت التنبيه"، وإن كان حشيشًا .. لم يجز؛ لأنه ينبت بنزول الماء عليه.
ونبات الحرم: هو ما نبت فيه، وكذلك لو كان بعضُ أصله فيه؛ كما نقله في "زيادة الروضة" عن "البحر" 768.
ولو قلع شجرة من الحلّ وأنبتها في الحرم .. لم يجب على قالعها شيء، ولو قلعها من الحرم وأنبتها في الحلّ .. وجب الجزاء على قالعها.
(والأظهر: تعلق الضمان به وبقطع أشجاره) لأنه يحرم إتلافُه؛ لحرمة الحرم، فيضمن؛ كالصيد، والثاني: لا؛ لأن الإحرام لا يوجب ضمانَه، فكذلك الحرم.
وقوله: (به) أي: النبات، وهو شامل للشجر؛ كما مرّ، فلا حاجة لقوله تبعًا لـ"المحرر": (وبقطع أشجاره) 769.
(ففي الشجرة الكبيرة: بقرةٌ، والصغيرة: شاةٌ) لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على أن في الدوحة: بقرة، وفي الصغيرة: شاة، والدوحة: هي الشجرة الكبيرة ذات الأغصان، والصغيرة: التي لا أغصان لها.
قال الإمام: وأقرب قول في ضبط الشجرة المضمونة بشاة .. أن تقع قريبةً من سُبع الكبيرة؛ فإن الشاة سُبع البقرة، فإن صغرت جدًّا .. فالواجب القيمة 770.
الجزء: 1 - الصفحة: 716
قُلْتُ: وَالْمُسْتَنْبَتُ كَغَيْرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَحِلُّ الإِذْخِرُ، وَكَذَا الشَّوْكُ كَالْعَوْسَجِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَالأَصَحُّ: حِلُّ أَخْذِ نَبَاتِهِ لِعَلْفِ الْبَهَائِمِ.
ولا يشترط في البقرة أن تجزئ في الأضحية، بل يكفي التَّبِيع، بخلاف الشاة؛ فإنه يشترط إجزاؤها في الأضحية، قاله في "الاستقصاء"، قال الإسنوي: وكأن الفرق أن الشاة لم يوجبها الشرعُ إلا في هذا السنّ، بخلاف البقرة؛ بدليل التبيع في الثلاثين منها.
(قلت: والمستنبت كغيره) أي: كالذي لا يستنبت (على المذهب) لعموم قوله عليه السلام: "لَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ" متفق عليه 771، والطريق الثاني: فيه قولان، وهو المشهور، والأصحُّ في "الروضة" و"شرح المهذب": ما ذكره 772، وكان ينبغي أن يقول: (كغيره من الشجر) لأن غير الشجر؛ كالحنطة، والشعير، والقُطْنية، والخُضْراوات .. يجوز قطعها وقلعها قطعًا؛ كما قاله في "شرح المهذب" 773، وفي معنى الزرع: ما يتغذى به؛ كالبقل، والرِّجْلة، ونحوهما، قاله المحب الطبري.
(ويحلّ الإِذْخِر) لاستثناء الشارع له، وهو بكسر الهمزة، والذال المعجمة: نبات معروف.
(وكذا الشوك؛ كالعَوْسَج وغيره عند الجمهور) لكونه من المؤذيات؛ فإنه ذو شوك، فأشبه ما يؤذي من الصيود، وقيل: يحرم، وصححه المصنف في "شرح مسلم"، واختاره في "تصحيح التنبيه"، و"تحريره" 774؛ لرواية: "وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا " متفق عليها 775، ولأن غالب شجرِ الحرمِ ذو شوك، والفرق بينه وبين الصيود المؤذية: أنها تَقصد الأذى، بخلاف الشجر.
(والأصح: حلّ أخذ نباته لِعَلْف البهائم) كما يجوز تسريحها فيه، والثاني:
الجزء: 1 - الصفحة: 717
وِللدَّوَاءِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
المنع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَلَا يُخْتَلَى خَلَاؤُهُ" 776 متفق عليه 777.
قال الإمام: والقائل بالأول يقول: إنما يحرم الاختلاء، والاحتشاش للبيع وغيره من الأغراض.
انتهى 778، وظاهره: أنه يحرم للبيع قطعًا، لكن في "شرح التلخيص" للقفال: أنه يجوز قطعُ الفروع لسواك أو دواء، ويجوز بيعه حينئذ، وتعقبه في "الروضة" قبيل (باب الربا)، فقال: فيه نظر، وينبغي ألا يجوز؛ كالطعام الذي أبيح له أكلُه لا يجوز له بيعه، وحكمُ شجر النقيع بالنون الذي هو الحمَى .. حكمُ أشجار الحرم، فلا يجوز بيعه 779.
والعلف هنا بسكون اللام؛ كما ضبطه المصنف بخطه، وهو: الإطعام، وبفتح اللام: ما تعتلفه البهائمُ.
(وللدواء، والله أعلم) لأن هذه الحاجة أعمُّ من الحاجة إلى الإِذْخر، والثاني: المنع؛ لأنه ليس في الخبر إلا استثناء الإِذْخر، قال الغزالي في "بسيطه" و"وسيطه": وقطع الحشيش للحاجة التي يُقطع لها الإِذْخر؛ كتسقيف البيوت ونحوه .. كقطعه للدواء 780، وجرى عليه في "الحاوي الصغير"، فجوز القطع للحاجة مطلقًا، ولم يخصّه بالدواء، قال الإسنوي: (وقلّ من تعرض لهذه المسألة) 781.
والحرم له حدود معروفة، نظم بعضُهم مسافتها بالأميال في بيتين فقال: [من الطويل]
وَلِلْحَرَمِ التَّحْدِيدُ مِنْ أَرْضِ طَيْبَةٍ ... ثَلَاثةُ أَمْيَالٍ إِذَا رُمْتَ إِتْقَانَهْ
وَسَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِرَاقٍ وَطَائِفٍ ... وَجُدَّةَ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعِرَّانَةْ
الجزء: 1 - الصفحة: 718
وَصَيْدُ الْمَدِينَةِ حَرَامٌ، وَلَا يُضْمَنُ فِي الْجَدِيدِ
والسين في (سبعة) الأولى مقدمة، بخلاف الثانية، وزاد غيره ثالثًا، فقال:
ومِنْ يَمَنٍ سَبعٌ بِتَقْدِيمِ سِينِهِ ... وَقَدْ كَمُلَتْ فَاشْكُرْ لِرَبِّكَ إِحْسَانَهْ
(وصيد المدينة حرام) وكذا نباتها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابتيْهَا، لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا" رواه مسلم عن جابر 782، وفي قولٍ: إنه مكروه وليس بحرام.
وكان ينبغي التعبير بـ (حرم المدينة) كـ "المحرر" 783؛ فإن التحريم لا يختص بالمدينة، وهو في العرض: ما بين اللابتين، وفي الطول: من عَيْر إلى ثَوْر، وهو جبل صغير وراء أحد.
(ولا يُضمَن في الجديد) لأنه موضع يجوز دخولُه بغير إحرام، فلم يضمن صيده وإن نهي عنه؛ كصيد وَجِّ الطائف، يحرم صيده على الصحيح، ولا يتعلق به ضمان عند الأكثرين، والقديم: أنه يُسلَب الصائدُ والقاطع، واختاره المصنف في "شرح المهذب" و"تصحيح التنبيه" 784؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما أخرجه مسلم في (الشجر)، وأبو داوود في (الصيد) 785.
قال الرافعي: (والأكثرون على أنه يسلب منه ما يسلبه القاتل من قتيل الكفار)، وقيل: ثيابه فقط، وقيل: يترك للمسلوب ما يستر به عورتَه، قال في "زيادة الروضة": وهو الأصوب، وصححه في "شرح المهذب"، لكن صحح في "المناسك" الأولَ 786.
الجزء: 1 - الصفحة: 719
وَيَتَخَيَّرُ فِي الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ بَيْنَ ذَبْحِ مِثْلِهِ وَالصَّدَقَةِ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَوِّمَ الْمِثْلَ دَرَاهِمَ وَيَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا لَهُمْ، أَوْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْماَّ. وَغَيْرُ الْمِثْلِيِّ يَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا أَوْ يَصُومُ
وفي مستحق السَّلَب أوجه، أصحها: أنه للسالب؛ كالقتيل.
(ويتخير في الصيد المثلي بين ذبح مثله والصدقة به على مساكين الحرم، وبين أن يُقوِّم المثلَ دراهم ويشتري بها طعامًا لهم، أو يصومَ عن كلّ مدّ يومًا) لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله: ﴿صِيَامًا﴾، وهذه الكفارة تُسمَّى مُخيَّرة مُعدَّلة؛ لأن الله تعالى، قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾.
ويستثنى من إطلاقه ذبحَ المثل: ما إذا قتل صيدًا مثليًّا حاملًا .. فإنه لا يجوز ذبح المثل على الأصح، بل يُقوّم المثل حاملًا، ويتصدق بقيمته طعامًا.
وعلم من كلامه: أنه لا يجوز إخراجه حيًّا، ولا أكل شيء منه، ولا تقويم الصيد؛ كما قاله مالك 787، ولا إخراج الدراهم؛ كما يقوله أبو حنيفة 788.
وقوله: (دراهم) منصوب بنزع الخافض، وتقديره: بدراهم، والتقويمُ لا يختص بها، بل بالنقد الغالب، وإنما عبر بها؛ لأنها الغالبُ من النقود.
وقوله: (لهم) أي: لأجلهم؛ لأن الشراء يقع لهم، والشراء ليس بمتعين، وإنما المراد: التصدق بما يساوي النقدَ من الطعام، والمراد: الطعام المجزئ في الفطرة؛ كما صرح به الإمام 789.
(وغير المثلي يَتصدّق بقيمته طعامًا، أو يصوم) قياسًا على المثلي، ولا يخرج الدراهم؛ لأنه لا مدخل لها في الكفارات أصلًا، والعبرة في هذه القيمة: بموضع الإتلاف لا بمكة على المذهب؛ كما تقدم؛ قياسًا على كلّ متلف، بخلاف ما له مثل؛ فإن الأصح فيه: اعتبار القيمة بمكة يوم الإخراج؛ لأنها محلُّ الذبح، فإذا عدل عنه إلى القيمة .. اعتبرنا مكانه في ذلك الوقت، وحيث اعتبرنا قيمة مكان الإتلاف ..
الجزء: 1 - الصفحة: 720
وَيَتَخَيَّرُ فِي فِدْيَةِ الْحَلْقِ بَيْنَ ذَبْح شَاةٍ، وَالتَّصَدُّقِ بِثَلَاثَةِ آصُع لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ الدَّمَ فِي ترْكِ الْمَأْمُورِ -كَالإِحْرَامِ مِنَ المِيقَاتِ-
فهل المعتبر في الطعام سعرُه في ذلك المكان أيضًا، أم سعره بمكة؟ فيه احتمالان للإمام، قال الرافعي: (الظاهر منهما: الثاني)، قال الإسنوي: وجزم به الفوراني في "العمد" 790.
(ويتخير في فدية الحلق بين ذبحِ شاةٍ، والتصدق بثلاثة آصع لستة مساكين) لكل مسكين نصف صاع، (وصومِ ثلاثة أيام) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ التقدير: فحَلَق شعر رأسه .. ففدية، ثم إن هذه الآية مجملة بيَّنها حديث كعب بن عُجْرة، وهو ما رواه الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ"، قال: نعم، قال: "فَاحْلِقْ، وَانْسُكْ شَاةً، أَوْ صُمْ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ" 791.
والفرق: ثلاثة آصع، فدلت الآية والحديث على تخيير المعذور بين هذه الأمور، فكذلك غير المعذور؛ لأن كلّ كفارة ثبت فيها التخيير إذا كان سببُها مباحًا .. ثبت فيها التخيير وإن كان سببُها محرمًا؛ ككفارة اليمين، وقتل الصيد، وغيرهما.
والقلم كالحلق في جميع ما ذكر، وكذلك الدم الواجب في الاستمتاعات؛ كالطيب ونحوه على الأصحِّ، وهذا النوع يُسمَّى دمَ تخيير وتقدير.
وإطلاقه الشاةَ محمول على ما تجزئ في الأضحية، قال الرافعي: وكذا حيث وجبت هي أو البدنة إلا في جزاء الصيد 792.
واقتصر المصنف على المساكين؛ اتباعًا للفظ الحديث، ويؤخذ منه الفقيرُ من باب أولى.
(والأصح: أن الدم في ترك المأمور؛ كالإحرام من الميقات) والرمي، والمبيت بمزدلفة ليلة النحر، وبمنى ليالي التشريق، والدفع من عرفة قبل الغروب إذا أوجبناه،
الجزء: 1 - الصفحة: 721
دَمُ تَرْتِيبٍ، فَإِذَا عَجَزَ .. اشْتَرَى بِقِيمَةِ الشَّاةِ طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنْ عَجَزَ .. صَامَ لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وَدَمُ الْفَوَاتِ كَدَمِ التَّمَتعُّ، وَيَذْبَحُهُ فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ فِي الأَصَحِّ
وطواف الوداع، ( .. دمُ ترتيب) إلحاقًا له بدم التمتع؛ لما في التمتع من ترك الإحرام من الميقات، ويُسمَّى أيضًا دمَ تعديل.
(فإن عجز .. اشترى بقيمة الشاة طعامًا، وتصدق به، فإن عجز .. صام لكلّ مدّ يومًا) والوجه الثاني: أنه إذا عجز عن الدم .. صام ثلاثة أيام في الحجّ، وسبعةً بعد الرجوع؛ تكميلًا له بإلحاقه بالتمتع، وحينئذ فيكون مُرتَّبًا مُقدَّرًا، وهذا ما صححه في "الروضة"، و"شرح المهذب" تبعًا لـ "الشرحين"، و"التذنيب"، وقال في "المهمات": إن به الفتوى 793.
واعلم: أن معنى الترتيب: أنه يجب عليه الذبح، ولا يجوز العدول إلى غيره إلا إذا عجز عنه، ومعنى التخيير: أنه يجوز العدول إلى غيره مع القدرة، ومعنى التقدير: أن الشرع قدر البدل المعدول إليه ترتيبًا أو تخييرًا بقدر لا يزيد ولا ينقص، ومعنى التعديل: أنه أمر فيه بالتقويم والعدول إلى غيره بحسب القيمة.
(ودم الفوات كدم التمتع) في الترتيب، والتقدير، وسائرِ أحكامه؛ لأن دم التمتع إنما وجب؛ لترك الإحرام من الميقات، والنسك المتروك في صورة الفوات أعظم، وفيه أثر صحيح في "الموطأ" عن عمر رضي الله عنه 794.
(ويذبحه في حجة القضاء في الأصحّ) لفتوى عمر رضي الله عنه بذلك، والثاني: يجوز ذبحه في سنة الفوات؛ قياسًا على دم الإفساد.
وإذا قلنا بالأول .. ففي وقت وجوبه وجهان: أصحهما: إذا أحرم بالقضاء؛ كما يجب دم التمتع بالإحرام بالحجّ، والثاني: أنه كالقضاء يجب في سنة الفوات وإن وجب تأخيره 795.
الجزء: 1 - الصفحة: 722
وَالدَّمُ الْوَاجِبُ بِفِعْلِ حَرَامٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ، وَيَخْتَصُّ ذَبْحُهُ بِالْحَرَمِ فِي الأَظْهَرِ، وَيَجِبُ صَرْفُ لَحْمِهِ إِلَى مَسَاكِينِهِ
واعلم: أن تفاصيلَ الدماء سبعةُ أنواع، ذكر المصنف منها أربعة: جزاء الصيد، ودم الحلق، ودم ترك المأمور، ودم الفوات، وبقي عليه دم الواجب في الاستمتاعات؛ كالطيب، وقد ذكرناه قريبًا، ودم الجماع، وقد ذكره في الكلام على تحريمه؛ كما مر، ودم الإحصار، وسيأتي.
(والدم الواجب بفعل حرامٍ أو تركِ واجبٍ لا يختصّ بزمان) بل يفعل في يوم النحر وغيره؛ لأن الأصل عدمُ التخصيص، ولم يرد ما يخالفه، كذا أطلق الشيخان وغيرُهما عدمَ الاختصاص.
قال السبكي: وهو في الإجزاء ظاهر، وأما الجواز: فينبغي لمن يقول: إن الكفارات الواجبةَ بمعصية على الفور -أي: ومنهم المصنف- أن يقول بذلك إذا كان سببه عدوانًا، ويجب إخراجه على الفور وإن كان إذا أخره ثم فعله .. أجزأ وعصى.
انتهى.
(ويختص ذبحُه بالحرم في الأظهر) لأن الذبح حقٌّ متعلق بالهدي، فيختص بالحرم؛ كالتصدق، والثاني: يجوز أن يذبح خارج الحرم، وينقله إليه إذا لم يتغير؛ لأن المقصود هو اللحم، فإذا وقعت تفرقتُه على مساكين الحرم .. حصل الغرضُ، والخلاف جار في دم التمتع، والقران أيضًا.
(ويجب صرف لحمه إلى مساكينه) أي: مساكين الحرم وفقرائه، والقاطنون به أولى من الغرباء؛ لأن المقصود من الذبح هو إعظامُ الحرم، وإلا .. فنفس الذبح مجردُ تلويثٍ للحرم، وهو مكروه؛ كما قاله في "الكفاية" 796.
ويؤخذ من كلامه: أنه لا يجوز أكلُ شيء منه، وبه صرح الرافعي في (كتاب الأضحية) 797، والجلد كاللحم.
وقضية كلامه: أنه لا فرق بين أن يفرق المذبوح عليهم، أو يعطيه بجملته لهم،
الجزء: 1 - الصفحة: 723
وَأَفْضَلُ بُقْعَةٍ لِذَبْحِ الْمُعْتَمِرِ الْمَرْوَةُ، وَالْحَاجِّ مِنىً، وَكَذَا حُكْمُ مَا سَاقَا مِنْ هَدْيٍ مَكَانًا، وَوَقْتُهُ وَقْتُ الأُضْحِيَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وبه صرح الرافعي في الكلام على تحريم الصيد 798، وتجب النية عند التفرقة؛ كما قاله الروياني وغيره 799، وأقلّ ما يجزئ: أن يدفع الواجبَ إلى ثلاثة.
(وأفضل بُقعة) من الحرم (لذبح المعتمر: المروةُ، والحاجّ: منىً) لأنهما محلّ تحلّلهما، ومن هذا التعليل يعلم أن المراد بالمعتمر هنا: معتمر ليس بقارن.
(وكذا حكم ما ساقا من هدي مكانًا) لما في "الصحيح": (أنه صلى الله عليه وسلم أهدى في عام حجة الوداع مائة بدنة نحرت بمنىً) 800، وروي: (أنه صلى الله عليه وسلم أهدى في عمرة الجعرانة هديًا نحر عند المروة).
(ووقته: وقت الأضحية على الصحيح) قياسًا على الأضحية، والثاني: لا يختص بوقت؛ كدماء الجبرانات، وقد ذكرنا في أثناء الباب قبله قبيل قوله: (فصل: إذا عاد إلى منى) كلامًا في المسألة تتعين مراجعتُه.
الجزء: 1 - الصفحة: 724
باب الإحصار والفوات
مَنْ أُحْصِرَ .. تَحَلَّلَ، ..
(باب الإحصار والفوات)
الإحصار في الاصطلاح: المنع عن إتمام أركان الحجّ أو العمرة، فلو منع من الرمي، أو المبيت .. لم يجز له التحلّل؛ كما نقله في "شرح المهذب" عن الروياني وغيره؛ لتمكنه من التحلّل بالطواف والحلق، ويقع حجُّه مجزئًا عن حجة الإسلام، ويجبر الرمي والمبيت بالدم 801.
وأما الفوات .. فالمراد به: فوات الحجّ؛ لأن العمرة لا تفوت إلا في حقّ القارن خاصة تبعًا لفوات الحجّ.
(من أُحصر .. تحلل) جوازًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: فإن أحصرتم وأردتم التحلل؛ إذ الإحصار بمجرده لا يوجب الهديَ، والآية نزلت بالحديبية حين صَدّ المشركون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن البيت، وكان معتمرًا، فنحر ثم حلق، ثم رجع وهو حلال 802.
واستثنى الماوردي من جواز التحلّل -كما نقله في "الكفاية" وأقره-: ما إذا تيقن انكشافَ العدو؛ لعلمه بأنه لا يمكنه الإقامة، فإن كان في الحجّ وعلم أنه يمكنه بعد انكشافهم إدراكه، أو كان في العمرة وتيقن انكشافهم إلى ثلاثة أيام .. لم يجز التحلل 803.
ومراد المصنف بالإحصار هنا هو: الحصر بالعدو خاصةً، وأما الحصر بالمرض .. فذكره بعدُ، وقد اعترض عليه: بأن الأشهر في اللغة -كما نقله المصنف-: أنَّه يقال: أحصره المرض إحصارًا فهو محصر، وحصره العدوّ حصرًا فهو محصور 804، فكان
الجزء: 1 - الصفحة: 725
وَقِيلَ: لَا تَتَحَلَّلُ الشِّرْذِمَةُ. وَلَا تَحَلُّلَ بِالْمَرَضِ، فَإِنْ شَرَطَهُ .. تَحَلَّلَ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ
ينبغي أن يقول: (مَنْ حصر)، لكن السبكي ردّ ما نقله المصنف وقال: إن المشهور من كلام أهل اللغة: أن الإحصار: المنعُ من المقصود، سواء منع منه مرض أو عدو أو حبس، والحصر: التضييق، ويؤيده: أن الآية نزلت في منع العدوّ زمنَ الحديبية، وقد عبر فيها بالإحصار.
(وقيل: لا تتحلّل الشِّرْذمة) لأنه لم يعمّ الكلّ، فأشبه المرض وخطأ الطريق، والصحيح: الجواز؛ كما في الحصر العام؛ لأن مشقة كلّ واحد لا يختلف بين أن يتحمل غيره مثلها، أو لا يتحمل.
(ولا تحلُّل بالمرض) بل يصبر حتى يبرأ، فإن كان محرمًا بعمرة .. أتمها، وإن كان بحجّ وفاته .. تحلل بعمرة؛ لأن المرض لا يمنع الإتمام، ولا يزول بالتحلل، قال الماوردي: وهو إجماع الصحابة، ومال الشيخ عز الدين في "قواعده" إلى جواز التحلل به من غير اشتراط؛ لما في البقاء على الإحرام من المشقة والعسر الدائم 805.
(فإن شرطه) مقارنًا لإحرامه ( .. تحلّل به على المشهور) لقوله صلى الله عليه وسلم لضُباعة بنت الزبير حين أرادت الحجّ، وقالت له: والله ما أجدني إلا وجعة "حُجِّي وَاشْتَرِطِي وَقُولي: اللَّهُمَّ؛ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي" 806، والثاني: لا يجوز؛ لأنها عبادة لا يجوز الخروج منها بغير عذر، فلا يجوز بالشرط؛ كالصلاة المفروضة.
وغير المرض من الأعذار: كضلال الطريق، ونفاذ النفقة، والخطأ في العدد ونحو ذلك .. كالمرض، وعن الجويني: أنه لغو 807.
وحيث صححنا الشرط؛ فإن كان شرط التحلل بالهدي .. لزمه، أو بلا هدي .. فلا، وكذا إن أطلق على الأصح، وإنما يحتاج إلى التحلل إذا شرط التحلل، فلو قال: (إذا مرضت .. فأنا حلال) .. صار حلالًا بنفس المرض على الأصح
الجزء: 1 - الصفحة: 726
وَمَنْ تَحَلَّلَ .. ذَبَحَ شَاةً حَيْثُ أُحْصِرَ. قُلْتُ: إِنَّمَا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِالذَّبْحِ وَنيَّةِ التَّحَلُّلِ، وَكَذَا الْحَلْقُ إِنْ جَعَلْنَاهُ نُسُكًا، فَإِنْ فُقِدَ الدَّمُ .. فالأَظْهَرُ: أَنَّ لَهُ بَدَلًا؛
المنصوص، ولو شرط أن يقلب حجَّه عمرةً عند المرض .. فهو أولى بالصحة من شرط التحلل، نصّ عليه.
(ومن تحلّل .. ذبح شاة) للآية السالفة، ويقوم مقامها بدنة أو بقرة، أو سُبع أحدهما.
وقوله: (من تحلل) معناه: ومن أراد التحلل؛ لأن الذبح يكون قبل التحلل؛ كما سيأتي (حيث أُحصر) سواء كان الحصر في الحرم أو الحلّ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام ذبح هو وأصحابه بالحديبية، وهي من الحلّ 808.
وكذلك يذبح هناك ما لزمه من دماء المحظورات قبل الإحصار، وما معه من هدي التطوع، وله ذبحه عن إحصاره، وتفرقة اللحم على مساكين ذلك الموضع.
(قلت: إنما يحصل التحلّل بالذبح) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (ونيةِ التحلّل) لأن الذبح قد يكون للتحلل، وقد يكون لغيره، فلا بدّ من قصد صارف.
(وكذا الحلق إن جعلناه نسكًا) لأنه ركن من أركان الحجّ قَدَرَ على الإتيان به، فلا يسقط عنه، ولا بدّ من مقارنة النية للذبح، وكذا للحلق إذا أوجبناه؛ كما نقله في "الكفاية" عن الأصحاب، وجزم به في "الروضة" في الكلام على تحليل العبد 809.
قال السبكي: ولا بدّ من تقديم الذبح على الحلق؛ كما صرح به الماوردي وغيره؛ للآية 810.
(فإن فُقد الدمُ .. فالأظهر: أن له بدلًا) كغيره من الدماء الواجبة على المحرم، والثاني: لا؛ لعدم النصّ، فيبقى في ذمته، وسواء فقد حسًّا أو شرعًا؛ لفقد الثمن،
الجزء: 1 - الصفحة: 727
وَأَنَّهُ طَعَامٌ بِقِيمَةِ الشَّاةِ، فَإِنْ عَجَزَ .. صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَلَهُ التَّحَلُّلُ فِي الْحَالِ فِي الأَظْهَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ .. فَلَهُ تَحْلِيلُهُ
أو لاحتياجه إليه، أو وجده يباع بأكثر من ثمن مثله في ذلك الموضع والحال.
(وأنه) أي: البدل (طعامٌ) لأنه أقرب إلى الحيوان من الصيام؛ لاشتراكهما في المالية، فكان الرجوع إليه عند الفقد أولى (بقيمة الشاة) مراعاةً للقرب، فتقوّم الشاة دراهمَ، ويخرج بقيمتها طعامًا، وقيل: إنه ثلاثة آصع لستة مساكين؛ كفدية الحلق.
(فإن عجز .. صام عن كلّ مدّ يومًا) قياسًا على الدم الواجب بترك المأمور.
وقوله: (وأنه): معطوف على (الأظهر)، ومقابله: أن بدله الصومُ؛ كدم التمتع؛ لأن التحلل والتمتع شُرعا للتخفيف، وعلى هذا فقيل: إنه صوم التمتع، وقيل: صوم الحلق، وهو ثلاثة أيام، وقيل: صوم التعديل بأن يعرف ما يأتي بقيمته طعامًا، فيصوم عن كلّ مدّ يومًا.
(وله التحلّل في الحال) قبل أن يصوم عند فقد الهدي وبدله بالنية والحلق (في الأظهر، والله أعلم) لأن التحلل إنما شُرع لدفع المشقة، فلو وقفناه على ذلك .. لحقه المشقة؛ لتضرره بالمقام على الإحرام، والثاني: يتوقف على الصوم؛ لأنه قائم مقام الإطعام، ولو قدر على الإطعام .. لتوقف التحلل عليه، فكذلك ما قام مقامه.
(وإذا أحرم العبدُ بغير إذن سيده .. فله تحليله) 811 صيانة لحقه؛ لأنه قد يريد منه ما لا يباح للمحرم؛ كالاصطياد، وإصلاح الطيب، وقربان الأمة، وفي منع السيد من ذلك إضرارٌ به، والتحلل يكون بالنية والحلق.
والمراد بتحليل السيد: أن يأمره به، لا أنه يتعاطى الأسباب بنفسه، فإن امتنع .. ارتفع المانع بالنسبة إلى السيد، حتى يجوز له ما يمنعه الإحرام منه، وفي "البحر" أنه إذا قال: حللتك .. تحلل، واستغرب، فإن ألبسه مخيطًا، أو ضمخه بطيب .. فليس بتحلل، خلافًا لأبي حنيفة 812.
والأمة وأم الولد والمبعض والمكاتب كالعبد فيما ذكره.
الجزء: 1 - الصفحة: 728
وَلِلزَّوْجِ تَحْلِيلُهَا مِنْ حَجِّ تَطَوُّعٍ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَكَذَا مِنَ الْفَرْضِ فِي الأَظْهَرِ. وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْمُحْصَرِ الْمُتَطَوِّعِ،
وأفهم عدم تحليله إذا أحرم بالإذن، وهو كذلك، لكن يستثنى ما لو أذن له في العمرة، فأحرم بالحجّ .. فله تحليله.
(وللزوج تحليلُها من حجّ تطوع لم يأذن فيه) لئلا يتعطل حقُّه من الاستمتاع، فإن أذن .. لم يجز؛ لرضاه بالضرر، والعمرة في ذلك كالحجّ.
والمراد بتحليلها: أمرها به؛ كما مرّ في العبد، لكن التحلل هنا إذا كانت حرة .. يكون بالنية والحلق والذبح، فإن أبت .. فله وطؤها على المذهب في "شرح المهذب" 813.
(وكذا من الفرض في الأظهر) لأن حقّ الزوج على الفور، والحجّ على التراخي، والثاني: لا، قياسًا على المفروض من الصيام والصلاة.
ويستثنى من إطلاقه صور: منها: ما لو قال طبيبان عدلان: إن لم تَحُجّ العام .. عَضَبَتْ، فإن الحجّ يصير فوريًا، وليس له المنع ولا التحليل منه، ومنها: لو خرج مكي يوم عرفة إليها بأهله محرمًا بنية العود إلى مكة، فأرادت الإحرام بالحجّ معه، قال الأَذْرَعي: فيظهر أنه ليس له منعُها منه، ولا سيما حجة الإسلام، وليس له تحليلُها لو أحرمت؛ لأنها تأتي بالأركان في بعض يوم، وهو مشغول عنها بالحجّ، وقد صحح المصنف، وغيره: أنه ليس له منعُها من صوم يوم عرفة وعاشوراء، وهذا أولى.
انتهى.
والعمرة كالحج فيما ذكره، قال الأَذْرَعي: ولا معنى لمنعه إياها من الاعتمار معه أو مع محرم، ولا سيما الفرض، أما التطوع .. ففيه نظر.
(ولا قضاء على المُحصَر المتطوع) إذا تحلل به؛ لأنه لم يؤمر به في الكتاب، ولا السنة، وقد أحصر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية ألفٌ وأربع مئة 814،
الجزء: 1 - الصفحة: 729
فَإِنْ كَانَ فَرْضًا مُسْتَقِرًّا .. بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ .. اعْتُبِرَتِ الاسْتِطَاعَةُ بَعْدُ. وَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ .. تَحَلَّلَ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحَلْقٍ، وَفِيهِمَا قَوْلٌ،
ولم يعتمر معه في العام القابل إلا نفر يسير، أكثر ما قيل: إنهم سبع مئة 815، ولم ينقل أنه أمر من تخلف بالقضاء، وسواء كان الحصر عامًّا أَو خاصًّا.
واستثنى ابن الرفعة من إطلاق عدم القضاء: ما لو أفسد النسك ثم أحصر 816، ولا حاجة إلى استثنائه؛ لأن القضاء هنا للإفساد لا للإحصار.
(فإن كان فرضًا مستقرًا) كحجة الإسلام فيما بعد السنة الأولى من سني الإمكان، وكذا النذر والقضاء ( .. بقي في ذمته) كما كان؛ كما لو شرع في صلاة ولم يتمها.
(أو غيرَ مستقر) بأن لم يتمكن منه إلا في هذا العام ( .. اعتُبرت الاستطاعة بعدُ) أي: بعد زوال الإحصار.
(ومن فاته الوقوف) بعذر أو غيره ( .. تحلّل) وجوبًا؛ كما جزم به في "شرح المهذب"، ونصّ عليه في "الأم" 817؛ لئلا يصير محرمًا بالحجّ في غير أشهره، وعبارة الرافعي تشعر بعدم وجوبه 818، وليس ذلك بمعتمد، (بطواف وسعي) إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، فإن سعى .. لم يعده؛ كما نقله في "شرح المهذب" عن الأصحاب، لكن ابن الرفعة جزم في "الكفاية" بإعادته 819.
(وحلق) لأن عمر رضي الله عنه أمر هَبَّار بن الأسود ومن معه بذلك؛ كما رواه مالك في "الموطأ" بإسناد صحيح 820، واشتهر ذلك، ولم ينكره أحد؛ فكان إجماعًا، ولا يجب عليه المبيتُ بمنىً، ولا الرمي على الأصحِّ.
(وفيهما قول) يعني: في السعي والحلق أنه لا يحتاج إليهما؛ أما السعي .. فلأنه
الجزء: 1 - الصفحة: 730
وَعَلَيْهِ دَمٌ وَالْقَضَاءُ.
ليس من أسباب التحلل، ولهذا يصحّ تقديمُه على الوقوف، ولو كان من أسبابه .. لما جاز تقديمه عليه، وأما الحلق .. فهو مبني على أنه استباحة محظور.
(وعليه دمٌ والقضاء) لأمر عمر رضي الله عنه بهما لهَبَّار ومن معه، ولأن الفوات لا يخلو عن تقصير، بخلاف الإحصار؛ فإنه لا قضاء فيه كما تقدم؛ لعدم التقصير.
وأطلق المصنف تبعًا للأكثرين وجوبَ القضاء، وقيدا في "الروضة" و"أصلها" وجوبَ القضاء بالتطوع، فإن كان فرضًا .. فهو باق في ذمته كما كان 821، لكن إطلاق "الكتاب" يوافق ما ذكروه في الحج الفاسد: أنه لا فرق في وجوب القضاء بين حجّ الفرض وحجّ التطوع، والمقصود في البابين واحد، والقضاء في التطوع واجب كما في الإفساد، وإذا وجب القضاء في التطوع .. ففي الفرض أولى.
وفائدة إيجاب القضاء في الفرض الفور، والإتيان به على الوجه الفائت والاستقرار، وإن لم تتقدم استطاعةٌ، أما إيجاب حجة أخرى .. فلا.
وفي "التنويه" لابن يونس أن ما يأتي به المحصر من الفرض فيما بعدُ يكون أداء لا قضاء، ثم قال: وكذا نقول: في فوات الحجّ، وجرى في "شرح التعجيز": على لفظ القضاء.
الجزء: 1 - الصفحة: 731
بداية المحتاج في شرح المنهاج
تأليف الإمام الفقيه القاضي بدر الدين أبي الفضل محمد بن أبي بكر الأسدي الشافعي ابن قاضي شهبة رحمه الله تعالى (798 هـ - 874 هـ)
عنى به أنور بن أبي بكر الشيخي الداغستاني
بمساهمة اللجنة العلمية بمركز دار المنهاج للدراسات والتحقيق العلمي
[المجلد الثاني]
الجزء: 2
الطَّبْعَةُ الأولى 1432 هـ - 2011 م جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة للناشر
دَارُ المنهَاجِ لِلنّشَرِ والتَّوزيع المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - جدة حَيّ الكندرة - شَارِع أَبِهَا تقاطع شَارِع ابْن زيدون هَاتِف رئيسي: 6326666 - الإدارة: 6300655 المكتبة: 6322471 - فاكس: 6320392 ص. ب: 22943 - جدة: 21416 www.aIminhai.com E - mail: info@aIminhag.com ISBN: 978 - 9953 - 541 - 35 - 8
الجزء: 2 - الصفحة: 2
بدَايَةُ المُحْتَاجِ في شَرْحِ المِنْهَاجِ [2]
الجزء: 2 - الصفحة: 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الجزء: 2 - الصفحة: 4
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدّين
الجزء: 2 - الصفحة: 6
كتابُ البيع شَرْطُهُ: الإِيجَابُ؛ كَبِعْتُكَ وَمَلَّكْتُكَ، وَالْقَبُولُ؛ كَاشْتَرَيْتُ وَتَمَلَّكْتُ وَقَبِلْتُ،
﴿كتاب البيع﴾
البيع لغة: مقابلة شيء بشيء، وشرعًا: مقابلة مال بمال تمليكًا؛ كما قاله في "شرح المهذب" 822.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ مع السنة الشهيرة في الباب.
(شرطه: الإيجاب؛ كبعتك وملَّكتك) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، ولقوله عليه السلام: "إِنَّمَا الْبَيع عَنْ تَرَاضٍ" صححه ابن حبان 823.
والرضا: أمر خفي لا يطلع عليه، فأنيط الحكم بسبب ظاهر يدلّ عليه، وهو الصيغة، فلا تكفي المعاطاة على المذهب، وقيل: يكتفى بها في المحقرات؛ كرطل خبز، وباقة بقل، وقيل: في كلّ ما يعدّه الناس بيعًا، واختاره المصنف 824.
(والقبول؛ كاشتريت وتملَّكت وقبلت) لدلالتها على الرضا، وهذا في غير البيع الضمني؛ أما البيع الضمني؛ كـ (أعتق عبدك عني على كذا) .. فيكفي فيه السؤال والجواب.
وجَعْلُ المصنف الإيجاب والقبول شرطين هو ما اقتضاه كلام "الشرح" و"الروضة"، لكن جزم في "شرح المهذب" تبعًا للغزالي بأن العاقد والمعقود عليه والصيغة أركان للعقد، فعلى هذا: يكون المراد بالشرط: ما لا بدّ منه، فإنهم يطلقونه بهذا الاعتبار على الركن 825.
الجزء: 2 - الصفحة: 7
وَيَجُوزُ تَقَدُّمُ لَفْظِ الْمُشْتَرِي، فَلَوْ قَالَ: (بِعْنِي)، فَقَالَ: (بِعْتكَ) .. انْعَقَدَ فِي الأَظْهَرِ. وَيَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ كـ (جَعَلْتُهُ لَكَ بِكَذَا) فِي الأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ أَلَّا يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَ لَفْظَيْهِمَا،
(ويجوز تقدم لفظ المشتري) على لفظ البائع؛ لحصول المقصود تقدم أو تأخر، وهذا في غير: (قبلت) كما صرح به القفال والإمام، واقتضاه كلام الشيخين؛ إذ لا يصحّ الابتداء بها، ومثلها: (نعم) 826.
(فلو قال: "بعني"، فقال: "بعتك" .. انعقد في الأظهر) وإن لم يقل ثانيًا: (ابتعت) لدلالته على الرضا، والثاني: لا؛ لأنه قد يقول: (بعني) لاستبانة الرغبة، وقول البائع: (اشترِ مني) .. كقول المشتري: (بعني) على الأصحّ في "شرح المهذب" 827.
(وينعقد بالكناية) مع النية (كـ"جعلته لك بكذا" في الأصح) كالخلع والكتابة، والثاني: لا؛ لأن المخاطب لا يدري بم خوطب.
ومحلّ الخلاف: إذا عدمت القرائن، فإن حصلت وأفادت التفاهم .. فيجب القطع بالصحة، قاله الإمام وأقرّاه 828.
ويستثنى: البيع المشروط فيه الإشهاد، فلا ينعقد بها قطعًا؛ لعدم اطلاع الشهود على النية.
نعم؛ إن توفرت القرائن، وأفادت التفاهم .. فالظاهر: انعقاده؛ كذا نقلاه عن "الوسيط" وأقرّاه، لكن في "المطلب": أنه مخالف لكلام الأئمة 829.
وقوله: (في الأصح) متعلق بقوله: (وينعقد)، فلو قدمه كما فعل في "المحرر" .. لكان أولى؛ لئلا يوهم عوده إلى المثال 830.
(ويشترط: ألا يطول الفصل بين لفظيهما) فإن طال بحيث يشعر بإعراضه عن
الجزء: 2 - الصفحة: 8
وَأَنْ يَقْبَلَ عَلَى وَفْقِ الإِيجَابِ، فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ مُكَسَّرَةٍ، فَقَالَ: قَبلْتُ بِأَلْفٍ صَحِيحَةٍ .. لَمْ يَصِحَّ. وَإِشَارَةُ الأَخْرَسِ بِالْعَقْدِ كَالنُّطْقِ
القبول .. ضَرَّ؛ لخروجه عن أن يكون جوابًا عن الأول، ولو تخلل كلام أجنبي .. ضَرَّ وإن قصر، قال في "شرح المهذب": ولو بكلمة 831.
ولو عبر بقوله: (بين الإيجاب والقبول) بدل: (بين لفظيهما) كـ "الروضة"، و"شرح المهذب" .. لكان أولى؛ ليدخل الخطّ والإشارة من الأخرس، والمعاطاةُ إذا جوزناها 832.
(وأن يقبل على وَفْق الإيجاب، فلو قال: "بعتك بألف مُكسَّرة"، فقال: "قبلت بألف صحيحة " .. لم يصحّ) لأنه قَبِل غير ما أوجبه البائع، وكذا لا يصحّ عكسه من طريق أولى، ولو قال: (بعتك هذا العبد بألف، وهذه الجارية بمئة)، فقبل أحدهما وعيّنه .. ففيه احتمالان في "فتاوى القفال".
والمراد بـ (وفق الإيجاب): المعنى لا اللفظ، فلو قال: (بعتك)، فقال: (تملكت) .. صحّ.
ويشترط: أن يقع القبول ممن وقع معه الخطاب، فلو خاطب بالبيع شخصًا فمات، ووارثه في المجلس فقبل .. لم يصحّ على الصحيح.
ويشترط أيضًا: بقاء الأهلية إلى تمام القبول، فلو جنّ أحدهما، أو حجر عليه بسفه قبل وجود الشقّ الآخر .. بطل الإيجاب، قاله في "شرح المهذب" 833.
(وإشارة الأخرس) المفهمة (بالعقد كالنطق) للضرورة، وكذا كتابته على الأصح.
وقوله: (بالعقد) من زياداته على "المحرر"، واحترز بها: عن إشارته في الصلاة، وبالشهادة فليس لها حكم النطق فيهما على الأصحِّ، كذا قاله في "الدقائق" 834، وأهمل
الجزء: 2 - الصفحة: 9
وَشَرْطُ الْعَاقِدِ: الرُّشْدُ. قُلْتُ: وَعَدَمُ الإِكْرَاهِ بِغَيْرِ حَقٍّ،
ثالثة، وهي عدم الحنث بها عند الحلف على الكلام؛ كما صححاه في موضعه سواء حلف الأخرس أو حلف عليه 835.
وهذه الزيادة وإن أخرجت ذلك لكنها تضر من جهة أن إشارته أيضًا في الدعاوى والأقارير والإجازات والفسوخ قائمة مقام نطقه، وقد خرجت بالزيادة المذكورة، وقد أعاد المصنف المسألة في الطلاق، وضمّ الحلّ إلى العقد.
(وشرط العاقد: الرشد) فلا يصحّ من صبي وسفيه؛ لما سيأتي في (باب الحجر).
نعم؛ لو نذر بعد بلوغه رشيدًا، ولم يُعد الحكام الحجرَ عليه فباع .. صحّ وإن كان غير رشيد.
قال في "الدقائق": (وتعبير "المنهاج" بالرشد أصوب من تعبير "المحرر" بقوله: "ويعتبر في العاقدين التكليف"؛ لأنه يرد عليه السكران؛ فإنه يصحّ بيعه على المذهب مع أنه غير مكلف؛ كما تقرر في كتب الأصول، وكذا المحجور عليه بسفه؛ فإنه لا يصحّ بيعه مع كونه مُكلَّفًا، وكذلك المكره بغير حقّ؛ فإنه مُكلَّف لا يصحّ بيعه، ولا يرد واحد منها على "المنهاج") انتهى، وفيه بحث للإسنوي 836.
(قلت: وعدم الإكراه بغير حقّ) لحديث: "إِنَّمَا الْبَيع عَنْ تَرَاضٍ" 837، فإن أكره بحقّ؛ كأن توجه عليه دين، وامتنع من بيع ماله والوفاء، فأكرهه الحاكم حتى باع .. صحّ، ومثله: ما لو أذن أجنبي لعبد في بيع ماله، وأذن له السيد أيضًا فيه فامتنع، فأكرهه السيد حتى باع .. فإنه يصحّ؛ لأنه إكراه بحقّ؛ لأن للسيد غرضًا صحيحًا في ذلك، إما لتقليد مؤنه، أو أخذ أجرة، وكذا لو أسلم عبد لكافر محجور عليه، فأجبر الحاكم وليه على بيعه، فباع .. صحّ.
ويستثنى من الإكراه بغير حقّ: ما لو أكره المالك رجلًا على بيع مال نفسه، فباع ..
الجزء: 2 - الصفحة: 10
وَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ الْمُصْحَفَ وَالْمُسْلِمَ فِي الأَظْهَرِ، إِلَّا أَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ فِي الأَصَحَّ، وَلَا الْحَرْبِيِّ سِلَاحًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلِلْمَبِيعِ شُرُوط: طَهَارَةُ عَيْنهِ، فَلَا يَصِحُّ بَيع الْكَلْبِ وَالْخَمْرِ
فإنه يصحّ على الأصحِّ؛ لأنه أبلغ من الإذن.
(ولا يصحّ شراء الكافر المصحفَ والمسلمَ في الأظهر) لما فيه من العار؛ لامتهانه المصحف، وإذلاله المسلم، والثاني: يصحّ؛ كالإرث، ويؤمر بازالة الملك عنه.
وأخبار الرسول كالمصحف، وكذلك آثار السلف وكتبُ الفقه التي فيها قرآن أو حديث أو آثار كالمصحف، ولا يصحّ شراؤه العبدَ المرتد على الأصحِّ؛ لبقاء عِلْق الإسلام.
(إلا أن يَعتق عليه) كأبيه وابنه (فيصح) الشراء (في الأصح) لانتفاء الإذلال؛ لعدم استقرار الملك، والثاني: لا؛ لما فيه من ثبوت الملك على المسلم.
(ولا الحربيِّ سلاحًا، والله أعلم) لأنه مستعدّ لقتالنا، فتسليمه إليه معصية، وحينئذ فيكون معجوزًا عن تسليمه شرعًا فلا يصحّ.
وخرج بـ (الحربي): الذمي؛ لأنه في قبضتنا، وبـ (السلاح): الحديد؛ إذ لا يتيقن جعلُه سلاحًا.
(وللمبيع شروط) خمسة؛ كما قاله في "الروضة" 838 وسيذكرها المصنف، وذكر السبكي أنها ترجع إلى شرطين فقط، وهما: كونه مملوكًا، منتفعًا به؛ لأن القدرة على التسليم، والعلمَ به، وكونَ الملك لمن له العقد .. شروط في العاقد، وشرط الطهارة مستغنىً عنه بالملك؛ لأن النجس غير مملوك.
(طهارة عينه) لأنه عليه السلام حرم بيع الخمر والميتة مع ما فيهما من المنافع 839؛ فإن الخمر تُطفأ بها النار، والميتة تُطعَم للجوارح ويُستصبَح بشحمها، فدلّ على أن العلة النجاسةُ.
(فلا يصحّ بيع الكلب) ولو معلّمًا (والخمر) ولو محترمة؛ لأنه عليه السلام
الجزء: 2 - الصفحة: 11
وَالْمُتَنَجِّسِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ كَالْخَلِّ وَاللَّبَنِ، وَكَذَا الدُّهْنُ فِي الأَصَحِّ. الثَّانِي: النَّفْعُ، فَلَا يَصِحُّ بَيع الْحَشَرَاتِ، وَكُلِّ سَبُعٍ لَا يَنْفَعُ، وَلَا حَبَّتَيِ الْحِنْطَةِ، وَآلَةِ اللَّهْوِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ الآلَةُ إِنْ عُدَّ رُضَاضُهَا مَالًا
(نهى عن ثمن الكلب)، و (حرم بيع الخمر) متفق عليه 840.
(والمتنجس الذي لا يمكن تطهيره؛ كالخلّ واللبن) بالإجماع فإن أمكن تطهيره؛ كالثوب .. صحّ إلا أن تستره النجاسة.
(وكذا الدهن في الأصحّ) لعدم إمكان تطهيره، وهذا معطوف على (الخلّ واللبن) مما لا يمكن تطهيره لا (على المتنجس).
وقضيته: جواز بيعه إذا قيل بإمكان تطهيره، والأصحُّ: المنع، واستشكله الإسنوي بصحة بيع الثوب المتنجس، وهو عجب منه؛ فقد فرق في "المطلب" بينهما بأن معظم منافع الدهن الأكل، وهو ممتنع مع النجاسة، بخلاف الثوب؛ فإن معظم منافعه موجودة مع النجاسة.
(الثاني: النفع) به ولو مآلًا؛ كالجحش الصغير؛ لأن بذل المال فيما لا منفعة فيه سفةٌ.
(فلا يصحّ بيع الحشرات) كعقارب وخَنافس؛ لعدم النفع، ويستثنى: العلق فإنه يجوز بيعه على الأصح؛ لمنفعة امتصاص الدم، وكذا النحل ودود القزّ وما يحلّ أكله من الحشرات؛ كاليربوع والضبّ.
(وكلِّ سَبُع لا ينفع) كالأسد ونحوه، فإن صلح للأكل؛ كالضبع، أو للاصطياد؛ كالفهد، أو للقتال، كالفيل، أو للتعلم؛ كالقرد .. جاز البيع.
(ولا حَبَّتي الحنطة) لسقوط منفعتهما؛ لقلتهما.
(وآلةِ اللهو) المحرم؛ كالطنبور؛ لسقوط منفعتها شرعًا (وقيل: تصحّ الآلة إن عُدَّ رُضاضها) 841 أي: مكسّرها (مالًا) لأن فيها نفعًا مُتوقَّعًا، فأشبه الجحش
الجزء: 2 - الصفحة: 12
وَيَصِحُّ بَيع الْمَاءِ عَلَى الشَّطِّ، وَالتُّرَابِ بِالصَّحْرَاءِ فِي الأَصَحِّ. الثَّالِثُ: إِمْكَانُ تسلِيمِهِ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الضَّالِّ وَالآبِقِ وَالْمَغْصُوبِ. فَإِنْ بَاعَهُ لِقَادِرٍ عَلَى انْتِزَاعِهِ .. صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ
الصغير، وردّ بأنها على هيئتها آلة المعصية، فلا يقصد منها غيره ما دام التركيب باقيًا، أما ما لا يعدّ رُضاضه مالًا؛ كالمزمار الصغير من القصب .. فلا يصحّ إلا على وجه شاذّ حكاه في "شرح المهذب" 842.
(ويصحّ بيع الماء على الشَّطِّ، والترابِ بالصحراء في الأصحّ) لوجود المنفعة، والكثرة لا تمنع الماليةَ، ووجه مقابله: أن بذل المال فيه مع وِجْدان مثله بلا منة ولا مؤنة .. سفه، والخلاف: إذا لم يكن في المبيع وصفٌ مقصود؛ كبرد الماء وكزَبْلَةِ التراب، فإن كان .. صحّ قطعًا.
ويصحّ بيع نصف دار شائع بنصفها الآخر على الأصحِّ، وفائدته: عدم رجوع الوالد فيما وهبه لولده، وعدم رجوع البائع في عين ماله عند فَلَس المشتري.
(الثالث: إمكان تسليمه) حسًّا أو شرعًا؛ لأن الانتفاع به يتوقف على التسليم، وكان الأولى التعبير بالتسلُّم - بضمّ اللام - ليشمل بيع المغصوب ممن يقدر على انتزاعه وتسلمه؛ فإن التسليم فعل البائع، وهو منتف هنا، ذكره في "المطلب".
(فلا يصحّ بيع الضالِّ والآبق) وإن عرف موضعهما (والمغصوبِ) من غير غاصبه؛ لعدم القدرة على التسليم في الحال، ويصحّ بيع المغصوب من الغاصب قطعًا، (فإن باعه لقادر على انتزاعه) مع عجز المالك عنه ( .. صحّ على الصحيح) إذ المقصود وصوله إليه، وهو متيسر.
نعم؛ لو كانت قدرتُه تحتاج إلى مؤنة .. لم يصحّ؛ كما أشار إليه في "المطلب".
والثاني: لا يصحّ؛ لأن التسليم واجب على البائع، وهو عاجز عنه.
ولو كان البائع وحده قادرًا على الانتزاع .. صحّ قطعًا، قال في "المطلب": إلا إذا كان فيه تعب شديد .. فينبغي أن يكون فيه ما في بيع السمك في البِرْكة، والأصحُّ:
الجزء: 2 - الصفحة: 13
وَلَا يَصحُّ بَيع نِصْفٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الإِنَاءِ وَالسَّيْفِ وَنَحْوِهِمَا، وَيَصحُّ فِي الثوْبِ الَّذِي لَا يَنْقُصُ بِقَطْعِهِ فِي الأَصَحِّ، وَلَا الْمَرْهُونِ بِغَيْرِ إِذْنِ مُرْتَهِنِهِ، وَلَا الْجَانِي الْمُتَعَلِّقِ بِرَقَبَتِهِ مَالٌ فِي الأَظْهَرِ، وَلَا يَضُرُّ تَعَلُّقُهُ بِذِمَّتِهِ،
عدم الصحة، قال: وهذا عندي لا مدفع له، ولو باع الآبق ممن يسهل عليه ردُّه .. ففيه الوجهان في المغصوب.
(ولا يصحّ بيعُ نصفٍ) مثلًا (معين من الإناء والسيف ونحوهما) مما تنقص قيمته بقطعه أو كسره؛ كالنَّصْل والثوب النفيس؛ لمنع الشرع عن إضاعة المال، ولا يتأتى بدونها، وفي الثوب وجه: أنه يصحّ، وكلام الرافعي آخر المسألة يميل إليه 843، واختاره السبكي.
والفرق بين الثوب وغيره من الإناء ونحوه: أن الثوب نُسِج لِيُقطع، بخلاف الإناء ونحوه.
(ويصحّ في الثوب الذي لا يَنقُص بقطعه) كغليظ الكِرْباس (في الأصحّ) لزوال المحذور، والثاني: المنع؛ لأن القطع لا يخلو عن تغيير لعينِ المبيع.
(ولا المرهونِ) بعد قبضه (بغير إذن مرتهنه) لعجزه عن تسليمه شرعًا؛ لما فيه من تفويت حقّ المرتهن، ويلتحق بالمرهون كلُّ عين استحق حبسها؛ كالقصّار ونحوه.
(ولا الجاني المتعلِّقِ برقبته مالٌ في الأظهر) كالمرهون، وأولى؛ لتقدُّم حقّ الجناية على حقّ الرهن، والثاني: يصحّ؛ لأن السيد لم يحجر على نفسه، بخلاف الراهن، والثالث: أنه موقوف إن فدى .. نفذ، وإلّا .. فلا.
والخلاف: إذا باعه لغير حقّ الجناية وكان موسرًا، وكان البيع قبل اختيار الفداء، فإن كان لحقّ الجناية .. صحّ قطعًا، وإن كان لغيرها وهو معسر .. بطل، وقيل: على الخلاف.
وإن كان بعد اختيار الفداء .. فقد أطلق في "التهذيب" أنه يصحّ، وأقرّاه 844.
(ولا يضر تعلقه بذمته) كأن اشترى شيئًا بغير إذن سيده وأتلفه؛ لأن البيع يَرِدُ على
الجزء: 2 - الصفحة: 14
وَكَذَا تَعَلُّقُ الْقِصَاصِ فِي الأَظْهَرِ. الرَّابِعُ: الْمِلْكُ لِمَنْ لَهُ الْعَقْدُ، فَبَيع الْفُضُوليِّ بَاطِلٌ، وَفِي الْقَدِيمِ: مَوْقُوفٌ؛ إِنْ أَجَازَ مَالِكُهُ .. نَفَذَ، وَإِلَّا .. فَلَا ..
الرقبة، ولا تعلق لرب الدين بها، ولا يضرُّ أيضًا تعلقه بكسبه، كما إذا زوّجه فإن مؤنة زوجته في كسبه.
(وكذا تعلق القصاص) برقبته (في الأظهر) لأنه ترُجى سلامتُه بالعفو، ويخاف تلفه بالقصاص، فصحّ بيعه؛ كالمريض، والثاني: لا يصحّ؛ لاحتمال العفو على مال، وتعلق المال بالرقبة مانع.
وكان ينبغي أن يعبر بالمذهب؛ فإن المذهب في "الشرح"، و"الروضة": القطع بالصحة، وطريقة القولين ضعيفة 845.
(الرابع: المِلك لمن له العقد) لحديث: "لَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ" رواه أبو داوود 846، ولا بدّ من تقييد الملك بالتامّ؛ ليخرج بيع المبيع قبل القبض؛ فإنه لا يصحّ كما سيأتي.
وكان الأولى أن يقول: (أن يكون للعاقد عليه ولاية) لئلا يَرِد بيع الفضولي؛ فإن العقد يقع للمالك موقوفًا على إجازته عند من يقول بصحته، والمقصودُ إخراجه.
(فبيع الفضولي باطل) للحديث المارّ (وفي القديم: موقوف إن أجاز مالكه .. نفذ، وإلا .. فلا) لحديث عروة البارقي في ذلك 847، وهذا القول نصّ عليه في الجديد؛ كما قاله الشيخ أبو محمد وغيره، قال في "الروضة": وهو قوي في الدليل، ونصّ عليه في "البويطي" 848، قال الإسنوي: ونصّ عليه في "الأم" أيضًا في (كتاب الغصب) 849 والخلاف جار في كلّ عقد يقبل النيابة؛ كتزويج أمة غيره ونحوه.
الجزء: 2 - الصفحة: 15
وَلَوْ بَاعَ مَالَ مُوَرِّثهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ وَكَانَ مَيْتًا .. صَحَّ فِي الأَظْهَرِ. الْخَامِسُ: الْعِلْمُ بهِ، فَبَيْعُ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ بَاطِلٌ، وَيَصِحُّ بَيع صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ تُعْلَمُ صِيعَانُهَا، وَكَذَا إِنْ جُهِلَتْ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ بَاعَ بِمِلْءِ ذَا الْبَيْتِ حِنْطَةً، أَوْ بِزِنَةِ هَذِهِ الْحَصَاةِ ذَهَبًا، أَوْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَان فَرَسَهُ،
فلو عبر بعقد الفضولي .. لكان أشمل.
(ولو باع مال مُورِّثه) ظاهرًا (ظانًّا حياته وكان ميتًا .. صحّ في الأظهر) لصدوره من مالكه، والثاني: لا؛ لأنه متلاعب.
قالا: ويجري الخلاف فيما لو زوج أمة مُورِّثه، واستشكل 850.
(الخامس: العلم به) عينًا وقدرًا وصفة؛ لصحة النهي عن بيع الغرر 851.
واستثني منه مسائل: منها: إذا اختلط حَمام البُرْجين، وباع أحدهما ما له لصاحبه .. فإنه يصحّ على الأصحِّ، ومنها: لو باع المال الزكوي بعد الوجوب .. فإن الأصحّ: البطلان في قدر الزكاة، والصحة في غيره، وهو مجهول العين، ومنها: شراء الفُقَّاع، وما القصدُ لُبُّه، ومنها: بيع الصاع من الصبرة المجهولة فإنه مبهم؛ كما سيأتي.
(فبيع أحد الثوبين باطل) لما فيه من الغرر.
(ويصحّ بيع صاع من صُبْرة) وهي الكُومة من الطعام (تُعلَم صيعانها) للمتعاقدين؛ لعدم الغرر، وينزل على الإشاعة على الأصحِّ، فلو كانت الصبرة عشرة آصع .. فالمبيع العشرُ، ويستثنى: ما لو قال: (بعتك صاعًا من باطن هذه الصبرة) .. فإنه لا يصحّ؛ كبيع الغائب، قاله الإمام 852.
(وكذا إن جهلت في الأصح) لتساوي أجزائها، فتغتفر جهالةُ العين، والمبيع هنا صاع مبهم؛ لتعذر الإشاعة، والثاني: لا يصحّ؛ كما لو فرقها ثم باع واحدًا منها.
وفرق الأول: بأن الصيعان المفرقة ربما تتفاوت في الكيل، فيختلف الغرض.
(ولو باع بملء ذا البيت حنطةً، أو بِزِنة هذه الحصاة ذهبًا، أو بما باع به فلان فرسه) أي: بمثل ما باع به فلان فرسَه، ولم يعلم أحدهما المقدار قبل العقد،
الجزء: 2 - الصفحة: 16
أَوْ بِأَلْفٍ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ .. لَمْ يَصِحَّ. وَلَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ وَفِي الْبَلَدِ نَقْدٌ غَالِبٌ .. تَعَيَّنَ، أَوْ نَقْدَانِ وَلَمْ يَغْلِبْ أَحَدُهُمَا .. اشْتُرِطَ التَّعْيِينُ. وَيَصِحُّ بَيع الصُّبْرَةِ الْمَجْهُولَةِ الصِّيعَانِ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، وَلَوْ بَاعَهَا بِمِئَةِ دِرْهَمٍ كُلَّ صَاع بدِرْهَمٍ .. صَحَّ إِنْ خَرَجَتْ مِئَةً، وَإِلَّا .. فَلَا عَلَى الصَّحِيح. وَمَتَى كَانَ الْعِوَضُ مُعَيَّنًا. . كَفَتْ مُعَايَنَتُهُ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْغَائِبِ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ،
(أو بألف دراهم ودنانير .. لم يصحّ) للجهل بأصل المقدار في الثلاثة الأول، وبمقدار الذهب من الفضة في الرابعة.
(ولو باع بنقد وفي البلد نقد غالب .. تعيّن) ولو كان دراهم عددية ناقصة الوزن أو زائدة على الأصح؛ لأن الظاهر إرادتهما له، (أو نقدان ولم يغلب أحدهما .. اشتُرط التعيين) باللفظ؛ لعدم أولوية أحدهما.
(ويصحّ بيع الصُّبْرة المجهولة الصيعان كلَّ صاع بدرهم) لأنه لما عرف الجملة بالتخمين، وقابل كلّ فرد منها بشيء معين .. انتفى الغرر والغبن، (ولو باعها بمئة درهم كلَّ صاع بدرهم .. صحّ إن خرجت مئةً) لحصول الغرضين وهما: بيع الجملة بالمئة 853، ومقابلة كلّ واحد بواحد، ولا يضرّ الجهل بمبلغ الثمن؛ لأن تفصيله معلوم، والغرر يرتفع به.
(وإلا) أي: وإن لم يخرج مئة ( .. فلا على الصحيح) لتعذر الجمع بين الأمرين المذكورين، والثاني: يصحّ؛ تغليبًا للإشارة إلى الصبرة.
فإن خرجت ناقصة .. خيّر، فإن أجاز .. فهل يخير بالجميع أم بالقسط؟ فيه وجهان: أصحهما في "شرح المهذب": الثاني 854، أو زائدةً .. فالزيادة للمشتري على الأصحِّ، ولا خيار للبائع على الأصحِّ.
(ومتى كان العِوض معينًا .. كفت معاينتُه) ثمنًا كان أو مثمنًا، ولا تشترط معرفة قدره بالكيل والوزن؛ اعتمادًا على التخمين.
(والأظهر: أنه لا يصحّ بيع الغائب) لأنه غرر وقد نُهي عنه (والثاني: يصحّ،
الجزء: 2 - الصفحة: 17
ويثْبُتُ الْخِيَارُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ. وَتَكْفِي الرُّؤْيَةُ قَبْلَ الْعَقْدِ فِيمَا لَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا إِلَى وَقْتِ الْعَقْدِ،
ويثبت الخيار عند الرؤية) لحديث: "مَنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ .. فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا رَآهُ" لكنه حديث ضعيف؛ كما قاله البيهقي، وقال الدارقطني: إنه باطل 855.
وهذا ما نقله الماوردي عن جمهور الأصحاب 856.
وإذا قلنا به .. فلا بدّ من ذكر جنس المبيع ونوعه على الأصحِّ، فيقول: (بعتك عبدي التركي أو فَرسي العربي)، والأصحُّ: طرد القولين فيما لم يره المتعاقدان أو أحدهما، وقيل: إن لم يره البائع لم يصحّ جزمًا.
والخلاف: فيما لم يره المشتري، ويجري القولان في بيع الغائب في الشراء به، وإجارته، والصلح عليه، وجعله رأس مال سَلَم إذا سلّم في المجلس، قال في "شرح المهذب": ويجريان في وقفه أيضًا، لكن صحح في "زيادة الروضة" تبعًا لابن الصلاح في (كتاب الوقف) صحته، وأنه لا خيار له عند الرؤية، قال في "العجالة": (لكن جزم القفال في "فتاويه" بالمنع، فقال: إذا اشترى عبدًا أو دارًا فعتق العبد، أو وقف الدار .. لم يصحّ؛ لأنه لو صحّ .. لأدى إلى انبرام العقد، ولا ينبرم قبل الرؤية) انتهى 857.
وليس بين كلام القفال وكلام المصنف وابن الصلاح اختلاف كما قال؛ إذ لم يتواردا على محلّ واحد؛ فإن كلام ابن الصلاح والمصنف في وقف ما استقر ملكه عليه ولم يره؛ كما لو ورثه أو اشتراه له وكيله، وكلام القفال فيما لم يستقر ملكه عليه.
(وتكفي الرؤية قبل العقد فيما لا يتغير غالبًا إلى وقت العقد) كالأراضي ونحوها وإن منعنا بيع الغائب؛ لأنه قد عرفه بتلك الرؤية، والغالب بقاؤه على ما شاهده عليه، ولا بدّ أن يكون ذاكرًا لأوصافه حالَ البيع، فإن نسيها .. فهو بيع غائب، كذا جزم به في "الكفاية"، ونقله في "المطلب عن الماوردي وأقره، ونقله في "شرح
الجزء: 2 - الصفحة: 18
دُونَ مَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا. وَتَكْفِي رُؤْيَةُ بَعْضِ الْمَبِيعِ إِنْ دَلَّ عَلَى بَاقِيهِ؛ كَظَاهِرِ الصُّبْرَةِ، وَأُنْمُوذَجِ الْمُتَمَاثِلِ، أَوْ كَانَ صُوَانًا لِلْبَاقِي خِلْقَةً؛ كَقِشْرِ الرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ، وَالْقِشْرَةِ السُّفْلَى لِلْجَوْزِ وَاللَّوْزِ
المهذب" عنه ثم قال: وما قاله غريب لم يتعرض له الجمهور.
انتهى 858، لكن المتأخرون كالنَّشَائي وتاج الدين السبكي والأَذْرَعي قالوا: إنّ ما ذكره الماوردي تقييد لمن أطلق.
(دون ما يتغير غالبًا) كالأطعمة؛ لأن الرؤية السابقة لم تفد معرفته حال العقد، والأصح فيما احتمل التغير وعدمه؛ كالحيوان .. الصحة.
(وتكفي رؤية بعض المبيع إن دلَّ على باقيه؛ كظاهر الصُّبْرة) لأن الغالب استواء ظاهرها وباطنها، فإن خالف الظاهر الباطن .. ثبت الخيار.
وقوله: (إن دل على باقيه) دخل فيه الحنطة والجوز ونحوهما، والمائعات في أوعيتها.
وخرج صبرة البطيخ والسَّفَرجل ونحوهما مما يختلف؛ فإنه لا بدّ من رؤية كلّ واحدة منها.
(وأُنْمُوذج المتماثل) أي: المتساوي الأجزاء؛ كعين القمح بشرط إدخاله في البيع بعد إلقائه في الصبرة، فإن لم يُدخله في البيع .. لم يصحّ؛ لأن المبيع غير مرئي، وإن أدخله في البيع من غير ردّ .. كان كمن باع عينين رأى إحداهما؛ لأن المرئي مميز عن غيره، قاله البغوي في "فتاويه".
قال الإسنوي: (وهو متعين لا شك فيه) 859.
و(أنموذج): معطوف على قوله: (ظاهر) لا على قوله: (بعض) فإنه من أمثلة رؤبة البعض؛ لما تقدم من أنه لا بدّ من إدخاله في البيع.
(أو كان صِوانًا للباقي خِلقةً؛ كقشر الرمان والبيض، والقشرة السفلى للجوز واللوز) لأن بقاءه فيه من صلاحه.
الجزء: 2 - الصفحة: 19
وَتُعْتبَرُ رُؤْيَةُ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ وَصْفَهُ بِصفَةِ السَّلَمِ لَا يَكْفِي. وَيَصِحُّ سَلَمُ الأَعْمَى،
واحترز بالخلفي: عن جلد الكتاب؛ فإن رؤيته لا تكفي، بل لا بدّ من تقليب كلّ ورقة، لكن أورد على طرده: الدرّ في صدفه، والمسك في فأرته .. فإنه لا يصحّ البيع فيهما مع أن الصِّوان خلقي، وعلى عكسه: الخُشْكَنان، والجُبَّة المحشوة قطنًا، والفُقَّاع .. فإنه يصحّ بيعهم مع أن الصِّوان غير خلقي.
واحترز بـ (السفلى)، وهي التي تكسر حال الأكل: عن العليا؛ فإنه لا يصحّ البيع قبل إزالتها.
(وتعتبر رؤية كلِّ شيء على ما يليق به) فلا بدّ في الدار من رؤية البيوت والسقوف والجدران داخلًا وخارجًا، والمستحم، والبالوعة، وكذا السطوح.
وفي البستان من رؤية الأشجار والجدران ومسايل الماء.
وفي العبد من رؤية الوجه والأطراف، وكذا باقي البدن غير العورة على الأصح، ولا تشترط رؤية اللسان، والأسنان على الأصح في "شرح المهذب"، والجارية كالعبد على الأصح 860.
ولا بدّ في الدواب من رؤية مقدمها ومؤخرها وقوائمها، ورفع ما على ظهرها.
ولا بدّ في الثوب من نشره على الأصحِّ.
(والأصح: أن وصفه بصفة السلم لا يكفي) عن الرؤية، وكذا سماع وصفه بطريق التواتر؛ لأن الرؤية تفيد أمورًا تقصر عنها العبارة، وفي الخبر: "لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعِيَانِ" 861. والثاني: يكفي؛ لأن ثمرة الرؤية: المعرفةُ، والوصفُ يفيدها.
(ويصحّ سلم الأعمى) سواء أسلم في شيء، أو أسلم إليه فيه؛ لأن السلم يعتمد الوصف لا الرؤية، فعلى هذا: يشترط أن يكون رأس المال موصوفًا، ثم يعينه في المجلس، فإن كان معينًا في العقد .. كان كمن باع عينًا، وإذا صحّ سلمه .. لم يصحّ قبضه في الأصح، بل يوكل؛ لأنه لا يميز بين حقه وغيره.
الجزء: 2 - الصفحة: 20
وَقِيلَ: إِنْ عَمِيَ قَبْلَ تَمْيِيزِهِ .. فَلَا.
(وقيل: إن عمي قبل تمييزه) أو خلق أعمى ( .. فلا)؛ لأنه لا يعرف الألوان، ولا يميز بينها، وأجاب الأول: بأنه يعرفها بالسماع، ويتخيل فرقًا بينها.
وقد يُفهم أنه لا يصحّ من الأعمى من العقود غيرُ السلم، وليس كذلك؛ بل يصحّ أن يشتري نفسه، وأن يقبل الكتابة على نفسه، وأن يؤجر نفسه، وأن يبيع ما شاهده قبل العمى إذا لم يتغير، وأن يزوج ابنته ونحوها، ويؤجرهما إذا شاهدهما قبل العمى.
ذكرها في "الخصال"، وفي "الروضة" بعضها 862.
الجزء: 2 - الصفحة: 21
بابُ الرِّبا إِذَا بِيعَ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ؛ إِنْ كَانَا جِنْسًا .. اشْتُرِطَ الْحُلُولُ، وَالْمُمَاثَلَةُ، وَالتَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، أَوْ جِنْسَيْنِ؛ كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ .. جَازَ التَّفَاضُلُ، وَاشْتُرِطَ الْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ. وَالطَّعَامُ مَا قُصِدَ لِلطُعْمِ اقْتِيَاتًا أَوْ تفكُّهًا أَوْ تَدَاوِيًا
﴿باب الربا﴾ هو لغة: الزيادة، قال الله تعالى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي: زادت ونمت، وشرعًا: الزيادة في بيع النقد والمطعوم بمثلهما، وهو مجمع على تحريمه، وروى الحاكم عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "الرِّبَا سَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وَإِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ"، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين 863. (إذا بيع الطعام بالطعام؛ إن كانا جنسًا .. اشترط الحلول، والمماثلة، والتقابض قبل التفرق، أو جنسين؛ كحنطة وشعير .. جاز التفاضل، واشترط الحلول، والتقابض) لقوله صلى الله عليه وسلم: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذه الأَجْنَاسُ .. فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ" 864 أي: مقابضة، وإذا اعتبر التقابض .. لزم اعتبار الحلول، إذ لو جاز التأجيل .. لجاز تأخير التسليم إلى مضي المدة، ولا بدّ من القبض الحقيقي، فلا تكفي الحوالة وإن حصل القبض بها في المجلس على الأصح، كما قاله الماوردي 865. (والطعام ما قصد للطُّعم اقتياتًا أو تفكهًا أو تداويًا) لأنه عليه السلام نصّ على البرّ والشعير، والمقصود منهما: القوت، فألحق بهما ما في معناهما، كالأَرُزّ والذُّرَة، وعلى التمر، والمقصود منه: التأدم والتفكه، فألحق به ما في معناه؛ كالزبيب
الجزء: 2 - الصفحة: 22
وَأَدِقَّةُ الأُصُولِ الْمُخْتَلِفَةِ الْجِنْسِ وَخُلُولُهَا وَأَدْهَانُهَا .. أَجْنَاسٌ، وَاللُّحُومُ وَالأَلْبَانُ كَذَلِكَ فِي الأَظْهَرِ. وَالْمُمَاثَلَةُ تُعْتبَرُ فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا،
والفواكه والبَقْلاوات ونحوها، وعلى الملح، والمقصود منه: الإصلاح، فألحق به ما يحتاج إليه من المطعومات؛ كالزَّعْفَران والزَّنْجَبيل ودهن الورد والسَّقَمُونْيا ونحو ذلك.
وخرج بقوله: (قُصِدَ): ما يجوز أكله ولكن لا يقصد؛ كأطراف قضبان العنب، والجلود.
والمراد بـ (الطعم): طعم الآدميين، فإن اختص به الجن؛ كالعظم، أو البهائم؛ كالحشيش .. فليس بربوي، فإن اشترك فيه الآدميون والبهائم .. فالحكم للأغلب، فإن استويا .. فالأصح -كما قا له الصَّيْمَري والماوردي -: أنه ربوي 866.
وأُورد على الضابط: الماءُ العذب فإنه ربوي على الأصح؛ لأنه مطعوم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ وأَورد الإسنوي الحلوى، فإنها طعام؛ كما ذكره المصنف في (الأيمان)، وهو مردود؛ فإن الحلوى مما يُتفكه بها، وليس المراد بالتفكه الثمرَ.
(وأدقة الأصول المختلفةِ الجنس وخلولها وأدهانها .. أجناس) لأنها فروع لأصول مختلفة ربوية فأُجري عليها حكمُ أصولها، فعلى هذا: يباع دقيق الحنطة بدقيق الشعير متفاضلًا، وكذلك خلّ التمر بخلّ العنب، ودهن البَنَفْسَج بدهن الورد.
واحترز بـ (المختلفة): عن المتحدة؛ كأدقة أنواع القمح؛ فإنها جنس قطعًا.
(واللحوم والألبان كذلك في الأظهر) لأنها فروع لأصول مختلفة، فأشبهت الأدقة، والثاني: أنها جنس؛ لاشتراكهما في الاسم الذي لا يقع التمييز بعده إلا بالإضافة، فأشبهت أنواع الثمار؛ كالمَعْقِلي والبَرْنِي.
(والمماثلة تعتبر في المكيل كيلًا) لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا تبَيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ إِلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ يَدًا بِيَدٍ" 867، فنصّ على أنه لا يعتبر التساوي فيه بالوزن،
الجزء: 2 - الصفحة: 23
وَالْمَوْزُونِ وَزْنًا. وَالْمُعْتبَرُ: غَالِبُ عَادَةِ الْحِجَازِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَا جُهِلَ يُرْعَى فِيهِ عَادَةُ بَلَدِ الْبَيع، وَقِيلَ: الْكَيْلُ، وَقِيلَ: الْوَزْنُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ لَهُ أَصْل .. اعْتُبِرَ
(والموزون وزنًا) لقوله عليه السلام: "لَا تبَيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَب، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ" متفق عليه 868.
فلو باع المكيل بالوزن، أو الموزون بالكيل .. لم يصحّ، ولا فرق في الكيل بين أن يكون معتادًا أم لا؛ كالقَصعة.
(والمعتبر غالب عادة الحجاز في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) في كون الشيء مكيلًا أو موزونًا؛ لأن الظاهر: أنه صلى الله عليه وسلم اطلع عليها وأقرها، فلو أحدث الناس خلافَ ذلك .. فلا اعتبار بإحداثهم.
(وما جُهل) هل كان موجودًا في عهده أم لا، أو علم وجوده في عهده، ولم يعلم هل كان موجودًا في الحجاز أم لا، أو علم وجوده فيه، ولم يعلم هل كان يكال أو يوزن، أو علم أنه كان يكال مرة، ويوزن أخرى، ولم يغلب [أحدهما، أو كان أحدهما غالبًا ولكن لم يتعين، أو علم تعينه ثم نسي؟ ] 869 (يُرْعى فيه عادة بلد البيع) لأنّ الشيء إذا لم يكن محدودًا في الشرع .. كان الرجوع فيه إلى عادة الناس؛ كما في القبض والحرز.
(وقيل: الكيل) لأنه أعم؛ فإن أكثر ما ورد فيه النصّ مكيل، (وقيل: الوزن) لأنه أحصر وأقل تفاوتا، (وقيل: يتخير) للتساوي، (وقيل: إن كان له أصل) معلوم المعيار ( .. اعتبر) به؛ مراعاة لأصله.
فعلى هذا: دهن السِّمْسِم مكيل، ودهن اللوز موزون إن جعلنا اللوز موزونًا، وهذا كلّه إذا لم يكن أكبر جرمًا من التمر، فإن كان كالجوز والبيض .. فالاعتبار فيه بالوزن؛ لأنه لم يعهد الكيل بالحجاز فيما هو أكبر من التمر، كذا جزم به في "الشرح
الجزء: 2 - الصفحة: 24
وَالنَّقْدُ بالنَّقْدِ كَطَعَامٍ بطَعَامٍ. وَلَوْ بَاعَ جزَافًا تَخْمِينًا .. لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ خَرَجَا سَوَاءً. وَتُعْتبَرُ الْمُمَاثَلَةُ وَقْتَ الْجَفَافِ - وَقَدْ يُعْتبَرُ الْكَمَالُ أَوَّلًا.
الصغير" هنا، ونقله في "الكبير" هنا عن المتولي وأقره، وجزم به في آخر الباب 870.
(والنقد بالنقد كلطعام بطعام) في اشتراط الأمور الثلاثة السالفة عند اتحاد الجنس، والآخرين عند عدمه بأن يبيع الذهب بالفضة؛ للحديث السالف.
وكان الأولى: التعبير بالذهب والفضة، ليشمل التبر والسبائك والحلي؛ فإن النقد هو المضروب خاصة.
والعلة في تحريم الربا في الذهب والفضة: جنسية الأثمان غالبًا.
ولا يجري الربا في الفلوس وإن راجت على الأصح.
(ولو باع جِزافًا تخمينًا .. لم يصحّ وإن خرجا سواء) لأن التساوي شرط، والجهل به عند العقد مضر، وهذا معنى قولهم: (الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة).
(وتعتبر المماثلة وقت الجفاف) في الثمار والحبوب؛ لأنه عليه السلام سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبسَ؟ "، فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك، صححه الترمذي 871، فأشار بقوله: "أيَنْقُصُ الرُّطَبُ ... " إلى أن المماثلة إنما تعتبر عند الجفاف، وإلا .. فالنقصان أوضح من أن يسأل عنه.
ويشترط مع الجفاف: ألّا ينزع نوى التمر، لأنه إذا نزع .. بطل كماله؛ لتسارع الفساد إليه، بخلاف الخَوْخ والمِشْمِش ونحوهما؛ فإن كماله لا يبطل بنزع النوى؛ فإن الغالب في مجفَّفِهما نزع النوى، كما أن اللحم المقدد لا يبطل كماله بنزع العظم منه، وفي دعوى كون الغالب في مُجفف الخَوْخ والمِشْمِش نزع النوى .. نظر.
(وقد يُعتبر الكمال أولًا) كما في العرايا؛ فإن اعتبار الجفاف في المماثلة لم يوجد آخرًا؛ أي: عند الجفاف، وإنما وجد أولًا؛ أي: في حال الرطوبة.
الجزء: 2 - الصفحة: 25
فَلَا يُبَاعُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ وَلَا بِتَمْرٍ، وَلَا عِنَبٌ بِعِنَبٍ وَلَا بِزَبِيبٍ. وَمَا لَا جَفَافَ لَهُ كَالْقُثَّاءِ وَالْعِنَبِ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ لَا يُبَاعُ أَصْلًا، وَفِي قَوْلٍ: تكفِي مُمَاثَلَتُهُ رَطْبًا. وَلَا تكفِي مُمَاثَلَةُ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ وَالْخُبْزِ، بَلْ تُعْتبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْحُبُوبِ: حَبًّا، وَفِي حُبُوبِ الدُّهْنِ كَالسِّمْسِمِ: حَبًّا أَوْ دُهْنًا، وَفِي الْعِنَبِ: زَبِيبًا أَوْ خَلَّ عِنَبٍ، وَكَذَا الْعَصِيرُ فِي الأَصَحِّ،
(فلا يباع رُطَب برطب) للنهي عنه كما سبق 872، (ولا بتمر) أي: ولا رطب بتمر؛ ليقين التفاوت عند الجفاف، وتستثنى العرايا كما سيأتي (ولا عِنبٌ بعنب ولا بزبيب) لما مرّ.
(وما لا جفاف له؛ كالقثاء والعنب الذي لا يتزبب .. لا يباع) بعضه ببعض (أصلًا) قياسًا على الرطب بالرطب، (وفي قول: تكفي مماثلتُه رطبًا)؛ لأن معظم منافعه في رطوبته، فكان كاللبن فيباع وزنًا.
وأورد الزيتون؛ فإنه يجوز بيعه بمثله، كما نقله الإمام عن صاحب "التقريب" وارتضاه، وجزم به في "الوسيط" مع أنه لا جفاف له، وردّ: بأنه جاف، وتلك الرطوبات التي فيه إنما هي الزيت، ولا مائية فيه، ولو كان فيه مائية .. لجفّ، وفيه نظر 873.
(ولا تكفي مماثلةُ الدقيق والسويق والخبز) ونحو ذلك مما يتخذ من الحبّ كالنَّشَاء؛ للجهل بالمماثلة؛ فان الدقيق ونحوه متفاوت في النعومة، والخبز ونحوه يتفاوت في تأثير النار.
(بل تعتبر المماثلةُ في الحبوب) التي لا دهن فيها (حبًّا) بعد تناهي جفافه، وتنقيته من التبن غير مقلي، ولا مقشور، ولا مبلول وإن جف بعد بلّه، وعلم من كلامه أنه لا يجوز بيع الحب بشيء مما يتخذ منه؛ كالدقيق والنَّشَاء، ولا بما فيه شيء مما يتخذ منه كالحلواء المعمولة بالنَّشَاء، ويجوز بالنُّخالة؛ لأنها ليست ربوية.
(وفي حبوب الدهن؛ كالسمسم: حبًّا أو دهنًا، وفي العنب: زبيبًا، أو خلَّ عنبٍ) لأن كليهما على هيئة الادخار، (وكذا العصير في الأصح)؛ لأنه مُتهيئ لأكثر
الجزء: 2 - الصفحة: 26
وَفِي اللَّبَنِ: لَبَنًا أَوْ سَمْنًا أَوْ مَخِيضًا صَافِيًا، وَلَا يَكْفِي التَّمَاثُلُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ كَالْجُبُنِ وَالأَقِطِ. وَلَا تكفِي مُمَاثَلَةُ مَا أَثَّرَتْ فِيهِ النَّارُ بِالطَّبْخِ أَوِ الْقَلْيِ أَوِ الشَّيِّ. وَلَا يَضُرُّ تَأْثِيرُ تَمْيِيزٍ كَالْعَسَلِ وَالسَّمْنِ. وَإِذَا جَمَعَتِ الصَّفْقَةُ رِبَوِيًّا مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَاخْتَلَفَ الْجنْسُ مِنْهُمَا - كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَم، وَكَمُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ أَوْ دِرْهَمَيْنِ - أَوِ النَّوْعُ؛ كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا .. فَبَاطِلَةٌ
الانتفاعات، فيجوز بيع العصير بمثله، والثاني: لا؛ لأنه ليس على هيئة كمال المنفعة، وكلامه يوهم أن هذا لا يجيء مثله في الرطب، وليس كذلك بل له كمالات: تمر، وخلّ، وعصير، وفي خلّه وجه؛ بناء على أنه لا يتأتى إلا بالماء.
(وفي اللبن: لبنًا أو سمنًا أو مَخيضًا صافيًا) أي: خالصًا عن الماء؛ لأن كلًّا منها مقصود، ومعيار اللبن: الكيل حتى يباع الرائب بالحليب كيلًا وإن تفاوتا في الوزن، وكذا هو معيار الدهن، والخلّ، والعصير.
واعلم: أن اللبن جنس ينقسم إلى: المخيض، والحليب، والرائب، فلا يحسن جعل المخيض قسيمًا للَّبن، بل هو قسم منه.
(ولا يكفي التماثل في سائر أحواله) أي: باقي أحوال اللبن (كالجبن والأَقِط)، والمَصْل والزبد؛ لأنها لا تخلو عن مخالطة شيء، فالجبن تخالطه الإنْفَحة، والأَقِط يخالطه الملح، والمَصْل يخالطه الدقيق، والزبد يخالطه المَخيض.
(ولا تكفي مماثلةُ ما أثرت فيه النار بالطبخ أو القَلْي أو الشَّيِّ) لأن تأثير النار لا غاية له، فيؤدي إلى الجهل بالمماثلة.
(ولا يضرّ تأثير تمييزٍ؛ كالعسل والسمن) والذهب والفضة؛ فإن النار في العسل لتمييز الشمع، وفي السمن لتمييز اللبن، وفي الذهب والفضة لتمييز الغِشِّ، وهي لطيفة لا تؤثر في العقد.
(وإذا جَمَعت الصفقةُ) جنسًا (ربويًّا من الجانبين، واختلف الجنس منهما)، أو من أحدهما (كمد عجوةٍ، ودرهم بمدّ ودرهم، وكمدٍّ ودرهم بمدين أو درهمين، أو) اختلف (النوع؛ كصحاح ومكسرة بهما) أي: بالصحاح، والمكسرة (أو بأحدهما) أي: بالصحاح فقط، أو بالمكسرة فقط ( .. فباطلة)؛ لأن اختلاف
الجزء: 2 - الصفحة: 27
وَيَحْرُمُ بَيع اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ، وَكَذَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ فِي الأَظْهَرِ.
العوض من الجانبين، أو من أحدهما يوجب توزيعَ الثمن عليهما بالقيمة يوم العقد عرفًا وحكما؛ لأنه لو باع سيفًا وشقصًا من عقار بألف .. وزعت الألف عليهما باعتبار القيمة، حتى إذا كانت قيمة الشقص مئة، وقيمة السيف خمسين .. أخذ الشفيع الشقص بثلثي الألف.
والتوزيع يقتضي الجهل بالمماثلة، أو حقيقة المفاضلة؛ لأنه إذا باع مدًّا ودرهمًا بمدين مثلًا .. نظر؛ إن كانت قيمة المدّ الذي مع الدرهم أكثرَ من الدرهم؛ مثل: أن تكون قيمته درهمين .. فيكون المدّ ثلثي ما في هذا الطرف، فيقابله ثلثا المدين من الطرف الآخر، فيصير كأنه قابل مدًّا بمدّ وثلث، وإن كان أقل؛ مثل: أن تكون قيمته نصف درهم .. فيكون المدّ ثلث ما في هذا الطرف، فيقابله ثلث المدين من الطرف الآخر، وهما ثلثا مدّ، وإن كان مساويًا .. فالمماثلة وإن وجدت، لكنها تستند إلى التقويم، والتقويم حَدْس وتخمين قد يكون صوابًا، وقد يكون خطأ.
والمماثلة المعتبرة في الربا هي المماثلة الحقيقية.
(ويحرم بيع اللحم بالحيوان من جنسه) ويبطل؛ لأنه عليه السلام نهى عن بيع اللحم بالحيوان، رواه الشافعي عن مالك مرسلًا 874.
(وكذا بغير جنسه من مأكول وغيره في الأظهر) لعموم الحديث المذكور، والثاني: لا، أما في المأكول .. فبالقياس على بيع اللحم باللحم، وأما في غيره .. فلأن سبب المنع بيعُ مال الربا بأصله المشتمل عليه، ولم يوجد ذلك هنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 28
بابٌ [البيوع المنهي عنها]
نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمِ: عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ، وَهُوَ: ضِرَابُهُ، وَيُقَالُ: مَاؤُهُ، وَيُقَالُ: أُجْرَةُ ضِرَابهِ، فيَحْرُمُ ثَمَنُ مَائِهِ، وَكَذَا أُجْرَتُهُ فِي الأَصَحِّ. وَعَنْ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَهُوَ: نِتَاجُ النِّتَاجِ؛ بِأَنْ يَبِيعَ نِتَاجَ النِّتَاجِ، أَوْ بِثَمَنٍ إِلَى نِتَاجِ النِّتَاجِ.
(باب) في البيوع المنهي عنها
(نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عَسْب الفحل) هذا النهي متفق عليه 875.
(وهو: ضرابه) أي: طروق الفحل للأنثى، (ويقال: ماؤه، ويقال: أجرة ضرابه) قال الرافعي: والأول هو المشهور في كتب الفقه 876.
ولا بدّ في الحديث من تقدير؛ لأن نفس العسب -وهو الضراب- لا يتعلق به النهي؛ لأنه ليس من أفعال المكلفين، والإعارة له محبوبة، فيكون التقدير على الأول: أجرة عسب الفحل، وعلى الثاني: ثمن مائه.
(فيحرم ثمن مائه) لأنه غير متقوم، (وكذا أجرته في الأصح) لأن فعل الضراب غير مقدور عليه للمالك، بل يتعلق باختيار الفحل، والثاني: يجوز؛ كالاستئجار لتلقيح النخل.
(وعن حَبَلِ الحبلة) هذا النهي متفق عليه 877 (وهو: نتاج النتاج؛ بأن يبيع نتاج النتاج، أو بثمن إلى نتاج النتاج) الأول: تفسير أهل اللغة، والثاني: تفسير ابن عمر رضي الله عنهما، واختاره الشافعي؛ لأن الراوي أفهم للمقصود، وعلى التفسيرين: البيع باطل؛ فالأول: لانتفاء الملك، وغيره من شروط المبيع، والثاني: لجهالة الأجل.
الجزء: 2 - الصفحة: 29
وَعَنِ الْمَلَاقِيحِ، وَهِيَ: مَا فِي الْبُطُونِ. وَالْمَضَامِينِ، وَهِيَ: مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ. وَالْمُلَامَسَةِ؛ بِأَنْ يَلْمَسَ ثَوْبًا مَطْوِيًّا ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ لَهُ إِذَا رَآهُ، أَوْ يَقُولَ: (إِذَا لَمَسْتهُ .. فَقَدْ بِعْتكهُ). وَالْمُنَابَذَةِ؛ بِأَنْ يَجْعَلَا النَّبْذَ بَيْعًا
(وعن الملاقيح، وهي: ما في البطون) أي: بطون الإبل خاصة؛ كما قاله الجوهري 878.
(والمضامين، وهي: ما في أصلاب الفحول) هذا النهي رواه مالك مرسلًا، وهو معتضد بالإجماع، وقد أسنده البزار عن أبي هريرة 879، ووجه البطلان فيهما: انتفاء الشروط.
(والملامسة) هذا النهي متفق عليه 880 (بأن يَلمَس ثوبًا مطويًّا، ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه) الذي فسر به الشافعي والجمهور - منهم الرافعي في كتبه، والمصنف في "الروضة" - الملامسةَ: بأن يلمس ثوبًا مطويًّا، فيقول صاحبه: بعتكه بشرط قيام لمسك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته، ووجه البطلان: أنا إن فرعنا على إبطال بيع الغائب .. فظاهر، وإن فرعنا على صحته .. فباطل أيضًا؛ فإنا إذا صححنا شراء ما لم يره فاشتراه على أن لا خيار له عند الرؤية .. فالبيع باطل على الأصح 881.
(أو يقول: "إذا لمسته .. فقد بعتكه") هذا التفسير نقله الرافعي عن الإمام، وعلل بطلانه بما فيه من التعليق 882.
(والمنابذة) هذا النهي متفق عليه 883 (بأن يجعلا النبذ)، وهو الطرح والإلقاء (بيعًا) أي: قائمًا مقام الصيغة، فيجيء فيه الخلاف المذكور في المعاطاة؛ فإن المنابذة مع قرينة البيع هي المعاطاة بعينها.
الجزء: 2 - الصفحة: 30
وَبَيْعِ الْحَصَاةِ؛ بِأَنْ يَقُولَ: (بعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الأَثْوَابِ مَا تقعُ هَذِهِ الْحَصَاةُ عَلَيْهِ)، أَوْ يَجْعَلَا الرَّمْيَ بَيْعًا، أَوْ (بعْتُكَ وَلَكَ الْخِيَارُ إِلَى رَمْيِهَا). وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ؛ بِأَنْ يَقُولَ: (بِعْتُكَ بِأَلْفٍ نَقْدًا أَوْ بِأَلْفَيْنِ إِلَى سَنَةٍ)، أَوْ (بِعْتُكَ ذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تبِيعَنِي دَارَكَ بِكَذَا). وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، كَبَيْعٍ بِشَرْطِ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ،
(وبيع الحصاة) هذا النهي في "صحيح مسلم" 884 (بأن يقول: "بعتك من هذه الأثواب ما تقع هذه الحصاة عليه"، أو يجعلا الرمي بيعًا، أو "بعتك ولك) أو لي (الخيار إلى رميها") وجه البطلان في الأول: جهالة المبيع، وفي الثاني: فقدان الصيغة، وفي الثالث: الجهل بالخيار.
واعلم: أنه لا يحسن عطف الثالث على ما قبله بل على الأول؛ فإنهما معمولان؛ لقوله في الأول: (بأن يقول)، فكان ينبغي تقديمه على الثاني، أو يزيد فيه لفظة (يقول) كما في "المحرر" 885.
(وعن بيعتين في بيعة) هذا النهي رواه الترمذي وصححه 886 (بأن يقول: "بعتك بألف نقدًا، أو بألفين إلى سنة") فخذ بأيهما شئت أنت، أو أنا، وهو باطل؛ للجهالة.
(أو "بعتك ذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا")، وهو باطل؛ لما فيه من الشرط، وسيأتي أن الشرط مبطل إلا ما استثني.
(وعن بيع وشرط؛ كبيع بشرط بيع أو قرض) صورة المسألة: أن يقول: (بعتك عبدي بألف بشرط أن تبيعني دارك بكذا، أو بشرط أن تقرضني عشرة)، وهذا البيع باطل؛ لأنه جعل الألف ورِفْقَ العقد الثاني ثمنًا، واشتراط العقد الثاني فاسد، فبطل بعض الثمن، وليس له قيمة معلومة حتى يفرض التوزيع عليه وعلى الباقي، وهذا النهي أخرجه الحافظ عبد الحق في "الأحكام" من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
الجزء: 2 - الصفحة: 31
وَلَوِ اشْتَرَى زَرْعًا بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُدَهُ الْبَائِعُ، أَوْ ثَوْبًا وَيَخِيطَهُ .. فَالأَصَحُّ: بُطْلَانُهُ، وَتُسْتَثْنَى صُوَر كَالْبَيعْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، أَوِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَيْبِ، أَوْ بِشَرْطِ قَطْعِ الثَمَرِ وَالأَجَلِ وَالرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ الْمُعَيَّنَاتِ
(ولو اشترى زرعًا بشرط أن يحصده البائع، أو ثوبًا ويخيطه .. فالأصح: بطلانه) أي: العقد، وهو البيع والشرط، أما الشرط .. فلمنافاته مقتضى العقد؛ فإن قضية العقد: أن يكونا على المشتري، وأما البيع .. فلأن الشرط إذا فسد .. فسد البيع، والثاني: يبطل الشرط جزمًا، وفي البيع قولا تفريق الصفقة.
(وتستثنى) من النهي عن بيع وشرط (صور، كالبيع بشرط الخيار، أو البراءة من العيب، أو بشرط قطع الثمر) لما يأتي في بابه، (والأجلِ والرهن والكفيل المُعيَّنات)، أما الأجل: فلقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، ولا بدّ من احتمال بقاء المشتري إلى انقضاء الأجل لا كألف سنة، للعلم بأن المشتري لا يبقى هذه المدةَ، فيسقط الأجل بالموت، نقله الرافعي عن الروياني، وأقره بقوله: (ولأنه في احتمال في بقائه إليه)، واعترضه في "الروضة" فقال: (لا يشترط احتمال بقائه، بل ينتقل إلى وارثه لكن التأجيل بألف سنة وغيرها مما يبعد بقاءُ الدنيا إليه .. فاسد) انتهى 887.
وردّ في "المهمات" هذا الاعتراض فقال: (الكلام ليس في مستحق الدين، بل في من هو عليه، ولهذا قال: "فيسقط الأجل بموته"، والأجل يسقط بموت من عليه لا بموت من هو له، قال: وإذا ظهر هذا .. ظهر أيضًا البطلان فيما إذا كان يبعد بقاء الدنيا إليه؛ لأنا نعلم الاستحقاق قبله بموت من عليه) 888.
وأما الرهن والكفيل .. فللحاجة إليهما، لأنه قد لا يرضى بمعاملته بدونهما، ولا بدّ في المرهون أن يكون معينًا بالمشاهدة أو الوصف بصفات السلم؛ كما قالاه هنا 889،
الجزء: 2 - الصفحة: 32
لِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ وَالإِشْهَادِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الشُّهُودِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يَرْهَنْ أَوْ لَمْ يَتكفَّلِ الْمُعَيَّنُ .. فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ. وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ إِعْتَاقِهِ .. فالْمَشْهُورُ: صِحَّةُ الْبَيع وَالشَّرْطِ،
لكن ذكرا عند بيع الغائب: أن رهن الغائب على القولين في بيع الغائب 890.
ويشترط: أن يكون المرهون غيرَ المبيع، فإن كان هو .. لم يصحّ؛ لأنه لم يدخل في ملك المشتري إلا بعد الشرط، ولا بدّ في الكفيل من تعيينه أيضًا بالمشاهدة أو بالاسم أو النسب، ولا تكفي الصفة؛ بأن يقول: (رجل موسر ثقة).
(لثمن في الذمة) فإن كان مُعيَّنًا؛ كقوله: (اشتريت بهذه الدراهم على أن أسلمها في وقت كذا) .. فهو فاسد؛ لأن الأجل شرع رفقًا للتحصيل، والمُعيَّن حاصل.
وكذا لا يصحّ به رهن وكفيل؛ فإن الأعيان لا يرهن بها، ولا تضمن على ما سيأتي في موضعه.
وإطلاقه: اشتراط كون الثمن في الذمة لا يستقيم بالنسبة إلى الضمان، فإن ضمان العين المبيعة وغيرها من الأعيان المضمونة .. صحيح على الصحيح، والثمن المُعيَّن بمثابة المبيع؛ فيصحّ ضمانه.
وتعبيره بـ (الثمن) ناقص؛ فإن المبيع قد يكون في الذمة أيضًا؛ كما لو قال: (اشتريت منك صاعًا في ذمتك بصفة كذا)، وحينئذ فيصحّ اشتراط الأجل والرهن والكفيل.
فلو عبر بقوله: (لعوض في الذمة) .. لاندفع هذا الاعتراض.
(والإشهاد) على الثمن أو المثمن، للحاجة إليه (ولا يشترط تعيين الشهود في الأصح) لأن المقصود من الشهود العدالة؛ لإثبات الحق عند الحاجة، فلا يتفاوت الغرض فيهم، والثاني: يشترط؛ كالرهن والكفيل.
(فإن لم يرهن أو لم يتكفل المُعيَّن .. فللبائع الخيار) وكذا لو لم يشهد؛ كما في "شرح المهذب" لفوات شرطه 891.
(ولو باع عبدًا بشرط إعتاقه .. فالمشهور: صحة البيع والشرط) لقصة بَريرة
الجزء: 2 - الصفحة: 33
وَالأَصَحُّ: أَنَّ لِلْبَائِعِ مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي بِالإِعْتَاقِ، وَأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ مَعَ الْعِتْقِ الْوَلَاءَ لَهُ، أَوْ شَرَطَ تدْبِيرَهُ أَوْ كِتَابَتَهُ أَوْ إِعْتَاقَهُ بَعْدَ شَهْرٍ .. لَمْ يَصحَّ الْبَيْعُ
المتفق عليها، فإن فيها اشتراطَ العتق والولاء ولم ينكر عليه السلام إلا اشتراط الولاء 892، والثاني: لا يصحان، كما لو شرط بيعه أو رهنه، والثالث: يصحّ العقد، ويبطل الشرط، هذا إذا أطلق العتق، أو قال: (بشرط أن تعتقه عن نفسك)، فلو قال: (عني) .. لغا العقد، كما قاله في "شرح المهذب" 893.
ويستثنى: ما لو اشترى من يعتق عليه بشرط إعتاقه .. فإن البيع يبطل، لتعذر الوفاء بالشرط فإنه يعتق قبل إعتاقه، قاله القاضي الحسين وأقرّاه، لكن قال في "شرح المهذب": (إن فيه نظرًا ويحتمل أن يصحّ البيع، ويكون شرط العتق توكيدًا للمعنى) 894.
(والأصح: أن للبائع مطالبة المشتري بالإعتاق) لأنه يثاب على شرطه، وله غرض في تحصيله، والثاني: لا، لأنه لا ولاية له على حقِّ الله تعالى.
وهذا الخلاف مبني على أن العتق المشروط حقّ لله تعالى، كالملتزم بالنذر وهو الأصح، أما إذا قلنا بالوجه الآخر: إنه حقّ للبائع .. فيطالب به جزمًا.
ولو امتنع المشتري من العتق .. أجبره الحاكم على العتق على الأصح، بناء على أن الحقَّ لله تعالى، فإن قلنا: الحقّ للبائع .. لم يجبر، بل يثبت له الخيار بين الفسخ والإمضاء.
(وأنه لو شرط مع العتق الولاء له، أو شرط تدبيرَه أو كتابته أو إعتاقه بعد شهر .. لم يصحّ البيع) أما الولاء: فوجه بطلان البيع بشرطه: أنه شرط يتضمن نقلَ الملك إلى البائع وارتفاع العقد، ووجه الصحة: قوله عليه السلام في حديث بَريرة: "وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ" 895، وأجاب الشافعي بأن (لهم) هنا: بمعنى عليهم؛ كما في قوله
الجزء: 2 - الصفحة: 34
وَلَوْ شَرَطَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَالْقَبْضِ وَالرَّدِّ بِعَيْبٍ، أَوْ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ؛ كَشَرْطِ أَلَّا يَأْكُلَ إِلَّا كَذَا .. صَحَّ، وَلَوْ شَرَطَ وَصْفًا يُقْصَدُ؛ كَكَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِبًا، أَوِ الدَّابَّةِ حَامِلًا أَوْ لَبُونًا .. صَحَّ،
تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ 896، ويدل عليه إنكاره عليه السلام هذا الشرط.
وأما الباقي: فوجه البطلان فيها: أن العتق ليس بناجز، ووجه الصحة: حصول المقصود.
واحترز بقوله: (مع العتق) عمّا إذا شرط الولاء له فقط .. فإن البيع باطل قطعًا؛ كما نقلاه هنا عن المتولي وأقراه؛ لأن الولاء تابع للعتق، وهو لم يشترط الأصلَ 897.
(ولو شرط مقتضى العقد؛ كالقبض والردّ بعيب، أو ما لا غرض فيه؛ كشرط ألا يأكل إلا كذا .. صحّ) أما الأول .. فلأن اشتراطه تأكيد وتنبيه على ما أوجبه الشارع عليه.
وأما الثاني .. فلأن ذكره لا يورث تنازعًا في الغالب 898.
وقوله: (صحّ) يعني العقد، أما الشرط .. فهو في الثانية لاغ، وأما في الأولى .. ففي "الشرح" و"الروضة": أنه لا يضر ولا ينفع 899، وفي "المطلب": أن في كلام بعضهم ما يقتضي أن يكون صحيحًا مؤكدًا، وفي كلام غيره أنه لاغ، قال الإسنوي تبعًا للسبكي: وهو بحث لفظي، قال الزركشي: ويمكن أن يقال: تظهر فائدته في تعذر الشرط، كما لو تعذر القبض لمنع البائع منه، فإن قلنا بصحته .. ثبت الخيار.
(ولو شرط وصفًا يُقصَد؛ ككون العبد كاتبًا، أو الدابةِ حاملًا أو لبونًا .. صحّ)
الجزء: 2 - الصفحة: 35
وَلَهُ الْخِيَارُ إِنْ أَخْلَفَ، وَفِي قَوْلٍ: يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي الدَّابَّةِ. وَلَوْ قَالَ: (بِعْتكهَا وَحَمْلَهَا) .. بَطَلَ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحَمْلِ وَحْدَهُ، وَلَا الْحَامِلِ دُونَهُ، وَلَا الْحَامِلِ بِحُرٍّ
لأنه شرط يتعلق بمصلحة العقد، وهو العلم بصفات المبيع التي تختلف بها الأغراض، (وله الخيار إن أخلف) لفوات شرطه.
واحترز بقوله: (يقصد): عما لا يقصد؛ كالزنا والسرقة وغيرهما من العيوب؛ فإنه لا خيار بفواتها، وكذا لو شرط أنها ثيب فخرجت بكرًا على الأصح.
(وفي قول: يبطل العقد في الدابة) لأنه شرط معها شيئًا مجهولًا، فأشبه ما لو قال: (بعتكها وحَمْلَها)، وهو باطل على ما سيأتي.
وأجاب الأول: بأن المقصود الوصف به لا إدخاله في العقد، والخلاف مبني على أن الحمل يعلم أم لا، وفيه قولان: أصحهما: نعم.
(ولو قال: "بعتكها وحَمْلها" .. بطل في الأصحّ) لأن ما لا يجوز بيعه وحده لا يجوز بيعه مقصودًا مع غيره، والثاني: يجوز، لأنه داخل في العقد عند الإطلاق، فلا يضر التنصيص عليه، كما لو قال: (بعتك هذا الجدار وأساسه).
وفرق الأول: بأن الأساس داخل في مُسمَّى الجدار، فذكرُه ذكر لما دخل في اللفظ، فلا يَضرّ التنصيص عليه، والحمل غير داخل في مُسمَّى البهيمة، فإذا ذكره .. فقد ذكر شيئًا آخر مجهولًا وباعه مع المعلوم.
(ولا يصحّ بيع الحمل وحده) لما مرّ في النهي عن بيع الملاقيح 900، وهذا مكرر، فإنه عين بيع الملاقيح.
(ولا الحاملِ دونه) أي: دون الحمل، لأنه لا يفرد بالعقد، فلا يجوز استثناؤه؛ كأعضاء الحيوان.
(ولا الحاملِ بحُرٍّ) لأن الحمل لا يدخل والحالة هذه في البيع، فكأنه استثناه، وقيل: يصحّ؛ لأن الحمل مستثنى شرعًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 36
وَلَوْ بَاعَ حَامِلًا مُطْلَقًا .. دَخَلَ الْحَمْلُ فِي الْبَيْعِ.
فصلٌ [في المنهيات التي لا يقتضي النهي فسادها]
وَمِنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَا لَا يَبْطُلُ؛ لِرُجُوعِهِ إِلَى مَعْنَىً يَقْتَرِنُ بِهِ؛ كَبَيعْ حَاضِرٍ لِبَادٍ؛ بِأَنْ يَقْدَمَ غَرِيبٌ بِمَتَاع تَعُمُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِيَبيعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ فَيَقُولُ بَلَدِيٌّ: (أَتْرُكْهُ عِنْدِي لِأبِيعَهُ عَلَى التَّدْرِيجِ بِأَغْلى). وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ؛ بِأَنْ يَتَلَقَّى طَائِفَةً يَحْمِلُونَ مَتَاعًا إِلَى بَلَدٍ، فَيَشْتَرِيَهُ قَبْلَ قُدُومِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِالسِّعْرِ،
(ولو باع حاملًا مطلقًا) أي: من غير شرط يدل على الدخول أو عدمه ( .. دخل الحمل في البيع) تبعًا لها، ومحله: إذا كان مملوكًا لمالك الأم، وإلّا .. فيبطل البيع.
(فصل: ومن المنهي عنه ما لا يبطل؛ لرجوعه إلى معنى يقترن به؛ كبيع حاضر لباد؛ بأن يَقدمَ غريب بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه، فيقول بلدي: "اتركه عندي لأبيعه على التدريج) أي: شيئا فشيئا (بأغلى") وهذا النهي متفق عليه 901، والمعنى في التحريم: أن فيه تضييقًا على الناس.
و(البادي): من سكن البادية، وفي معناه: كلّ جالب من تركيٍّ وغيره.
ويشترط في التحريم: أن يكون عالمًا بالنهي، وهو عام في جميع المناهي.
واحترز بـ (ما تعم الحاجة إليه): عما لا يحتاج إليه إلا نادرًا؛ فإنه لا يحرم، وبقوله: (ليبيعه بسعر يومه): عما لو قصد بيعه على التدريج فسأله الحضري تفويض ذلك إليه .. فإنه لا بأس به، وبموله: (على التدريج) عما لو سأله أن يبيع له على الفور؛ فإنه لا يحرم.
(وتلقي الركبان؛ بأن يتلقى طائفةً يحملون متاعًا إلى بلد، فيشتريه قبل قدومهم ومعرفتهم بالسعر) لقوله عليه السلام: "لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّى فَاشْتَرَى مِنْهُ فَإِذَا
الجزء: 2 - الصفحة: 37
وَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا عَرَفُوا الْغَبْنَ. وَالسَّوْمِ عَلَى سَوْمِ غَيْرِهِ،
أتىَ سَيِّدُهُ السُّوقَ .. فَهُوَ بِالْخِيَار" رواه مسلم 902.
وهل النظر هنا لمراعاة الركبان لاحتمال غبنهم، أو لمراعاة أهل البلد خشية أن يحبسه المشتري فيضيق الحال عليهم، أو خشية انقطاع القوافل عنهم؟ فيه وجهان في "الكفاية"، وجزم المصنف في "شرح مسلم" بالأول 903، ونقل الإسنوي تبعًا لـ "الكفاية" عن الجمهور الثاني، لكن نقل الأَذْرَعي في "التوسط" عن الماوردي عن الجمهور الأول، وقال: إنه علة النهي عند الشافعي، وجرى عليه الزركشي، وقد راجعت "الحاوي" للماوردي ورأيت كلامه ظاهرًا فيما نقله الأَذْرَعي، ومحتملًا لما نقله الإسنوي 904، [وكلام المصنف قد يفهم أنه لو خرج لشغل آخر] 905؛ من اصطياد ونحوه فرآهم فاشترى منهم .. لا يحرم، والأصح: خلافه.
(ولهم الخيار إذا عرفوا الغَبْن) للحديث المارّ 906.
(والسومِ على سوم غيره) لما فيه من الإيذاء والعداوة، وصورته: أن يأتي إلى رجل قد أنعم لغيره في بيع سلعته بثمن فيزيده ليبيع منه، أو يأتي إلى المشتري فيعرض عليه مثلها أوأجود منها بأنقص من ذلك الثمن.
الجزء: 2 - الصفحة: 38
وَإِنَّمَا يَحْرُمُ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ. وَالْبَيعْ عَلَى بَيع غَيْرِهِ قَبْلَ لُزُومِهِ؛ بِأَنْ يَأْمُرَ الْمُشْتَرِيَ بِالْفَسْخِ لِيَبِيعَهُ مِثْلَهُ. وَالشِّرَاءِ عَلَى الشَرَاءِ؛ بِأَنْ يَأْمُرَ الْبَائِعَ بالْفَسْخِ لِيَشْتَرِيَهُ. وَالنَّجَشِ؛ بِأَنْ يَزِيدَ فِي الثَّمَنِ لَا لِرَغْبَةٍ بَلْ لِيَخْدَعَ غَيْرَهُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا خِيَارَ. وَبَيع الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ لِعَاصِرِ الْخَمْرِ
(وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن) فلو كان يطاف به مثلًا على من يزيد .. فلا منع من الزيادة، وشرط الاستقرار: أن يكون صريحًا، فإن عرّض بإجابته .. كره الدخول في سومه، ولا يحرم على الأصح.
(والبيعِ على بيع غيره قبل لزومه) وهو زمن الخيار (بأن يأمر المشتري بالفسخ ليبيعه مثله) بأقل من هذا الثمن، وهذا النهي والذي قبله متفق عليه 907، والمعنى فيه: ما ذكرناه من الإيذاء والعداوة.
(والشراءِ على الشراء؛ بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه) لما ذكرناه في البيع على البيع.
(والنجشِ؛ بأن يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيرَه) وهو متفق عليه أيضًا 908.
ولو حذف (ليخدع غيره) .. لكان أولى، لأنه إذا زاد لينفع البائع .. لم يقصد أن يخدع غيره مع أنه من صور النجش، ويصدق عليه أنه زاد لا لرغبة.
(والأصح: أنه لا خيار) للمشتري، لتفريطه حيث لم يتأمل ولم يراجع أهل الخبرة، والثاني: له الخيار، للتدليس، كالتصرية.
ومحل الخلاف: عند مواطأة البائع، وإلا .. فلا خيار جزمًا.
(وبيعِ الرطب والعنب لعاصر الخمر) لما فيه من التسبب إلى ارتكاب الحرام.
وقضية كلامه: تحريم ذلك، لعطفه على أمور كلها محرمة، وفيه تفصيل؛ فإن لم يتحقق .. لم يحرم بل يكره، وإن تحقق - أي: ظَنَّ ظنًّا غالبًا؛ كما قال في "المطلب" - .. حرم على الأصح في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب"، ويجري هذا في كلّ تصرف يفضي إلى معصية، كبيع المماليك المُرْد ممن عُرف
الجزء: 2 - الصفحة: 39
وَيَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الأُمِّ وَالْوَلَدِ حَتَّى يُمَيِّزَ، وَفِي قَوْلٍ: حَتَّى يَبْلُغَ، وَإِذَا فُرِّقَ بِبَيعٍ أَوْ هِبَةٍ .. بَطَلَا فِي الأَظْهَرِ
بالفجور فيهم، كما حكاه في "زيادة الروضة" عن الغزالي 909.
(ويحرم التفريق بين الأم والولد) من الآدميين، لحديث: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا .. فرَّقَ الله بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" 910، سواء رضيت الأم بذلك أم لا؛ رعاية لحقّ الولد.
نعم؛ يجوز التفريق بالعتق والوصية على الأصح، والأب وأم الأم عند عدمها كالأم على الأصح، بخلاف سائر المحارم، كالأخ والعم، فإنه لا يحرم التفريق بينهم على الأصح.
نعم؛ في الأجداد والجدات عند فقد الأب والأم ثلاثة أوجه حكاها الرافعي: ثالثها: جواز التفريق في الأجداد دون الجداا ت 911، والجدّ للأم، قيل: كالأب، وقيل: كالأخ، قال السبكي: والأقرب: الأول.
(حتى يميز) لأنه حينئذ يستغني عن التعهد في والحضانة، سواء حصل التمييز قبل سبع سنين أو بعدها.
وأحسن ما قيل في حدّ التمييز: أن يصير الطفل بحيث يأكل وحده، ويشرب وحده، ويستنجي وحده.
(وفي قول: حتى يبلغ) لنقصان تمييزه قبل البلوغ.
(وإذا فرق ببغ أو هبة) ونحوهما، كمقاسمة ( .. بطلا في الأظهر) لعدم القدرة على التسليم شرعًا، والثاني: لا، لأن النهي لما فيه من الإضرار، لا لخلل في نفس المبيع.
وإذا قلنا بالصحة .. فلا تُقرُّهما على التفريق، بل إن رضي المتبايعان بضمِّ أحدهما
الجزء: 2 - الصفحة: 40
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَرَبُونِ؛ بِأَنْ يَشْتَرِيَ وَيُعْطِيَهُ دَرَاهِمَ لِتَكُونَ مِنَ الثَّمَنِ إِنْ رَضِيَ السِّلْعَةَ، وَإِلَّا .. فهبَةً.
فصلٌ [في تفريق الصفقة]
بَاعَ خَلًّا وَخَمْرًا، أَوْ عَبْدَهُ وَحُرًّا، أَوْ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ، أَوْ مُشْتَرَكًا بِغَيْرِ إِذْنِ الآخَرِ .. صَحَّ فِي مِلْكِهِ فِي الأَظْهَرِ،
إلى الآخر .. استمر العقد، وإلا .. فسخ، كذا نقلاه في "السير" عن ابن كجٍّ والماوردي وأقراه 912.
ومحل الخلاف: بعد سقيه اللِّبأ.
أما قبله .. فلا يصحّ جزمًا.
وزاد الماوردي على سقي اللِّبأ وُجودَ مرضعة أخرى تُتِمُّ رضاعه 913.
(ولا يصحّ بيع العربون، بأن يشتري ويعطيه دراهمَ لتكون من الثمن إن رضي السلعةَ، وإلا .. فهبة) لأن فيه شرطين فاسدين: أحدهما: شرط الهبة، والثاني: شرط الردّ 914 على تقدير ألّا يرضى.
(فصل: باع خلًّا وخمرًا، أو عبده وحرًّا، أو عبده وعبد غيره) 915 أي: أو باع عبده وعبد غيره (أو مشتركًا بغير إذن الآخر) وهو الشريك ( .. صحّ في ملكه في الأظهر) لأنه باع شيئين مختلفي الحكم، فيأخذ كلّ واحد منهما حكم نفسه؛ كما لو باع ثوبًا وشقصًا مشفوعًا .. فإن الشفعة تثبت في المشفوع دون الثوب.
والقول الثاني: البطلان؛ لأن اللفظة الواحدة لا يتأتى تبعيضها، فغلب الحرام على الحلال.
الجزء: 2 - الصفحة: 41
فَيَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي إِنْ جَهِلَ، فَإِنْ أَجَازَ .. فَبِحِصَّتِهِ مِنَ الْمُسَمَّى بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِمَا،
وقيل: العلة فيه: أن المسمَّى يتوزع عليهما باعتبار القيمة، ونحن لا ندري حصة كلّ واحد منهما عند العقد، فيكون الثمن مجهولًا، قال الربيع: وهو آخر قولي الشافعي قال الإسنوي: فهو المذهب 916.
وقوله: (بغير إذن الآخر): يعود إلى المشترك؛ فإنه إذا أذن له الشريك .. يصحّ جزمًا، ولا يصحّ عوده إليه وإلى عبد الغير معًا؛ لأنه إذا أذن له فباعه مع عبده.
فإن لم يفصل الثمن .. لم يصح على الأصح في "شرح المهذب".
ونقله الرافعي في (كتاب الصداق) عن النصّ 917.
وإن فصل الثمن .. صحَّ جزمًا، لكن ليس مما نحن فيه؛ لأن الكلام في الصفقة الواحدة، وتلك صفقات.
(فيتخير المشتري إن جهل) لضرر التبعيض، قال ابن الرفعة: وهو على الفور؛ لأنه خيار نقص، فإن كان عالمًا .. فلا؛ لتقصيره 918.
(فإن أجاز .. فبحصته من المسمى باعتبار قيمتهما) لأنهما أوقعا الثمن في مقابلتهما جميعًا، فلا يلزم المشتري في مقابلة أحدهما إلا قسطه.
فإذا كان المملوك يساوي مئة والآخر يساوي مئتين .. فالمجموع ثلاث مئة، وحصة المملوك منها الثلث، فيؤخذ ثلث المُسمَّى في العقد.
فإذا اشتراهما بمئة وخمسين مثلًا .. أوجبنا خمسين، وإن اشتراهما بست مئة .. أوجبنا مئتين.
وهل تعتبر قيمة الخمر عند من يرى له قيمة، أو يقدر خلًّا، أو عصيرًا؟ فيه اختلاف واضطراب نبه عليه في "المهمات" 919.
وتمثيل المصنف قد يُفهم أنه لو كان الذي لا يصحّ فيه العقد مما لا يقصد؛ كالدم
الجزء: 2 - الصفحة: 42
وَفِي قَوْلٍ: بجَمِيعِهِ، وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ. وَلَوْ بَاعَ عَبْدَيْهِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ .. لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الآخَرِ عَلَى الْمَذْهَبِ، بَلْ يَتَخَيَّرُ، فَإِنْ أَجَازَ .. فَبالْحِصَّةِ قَطْعًا. وَلَوْ جَمَعَ فِي صَفْقَةٍ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ كَإِجَارَةٍ وَبَيْعٍ أَوْ سَلَمٍ .. صَحَّا فِي الأَظْهَرِ، وَيُوَزَّعُ الْمُسَمَّى عَلَى قِيمَتِهِمَا،
والحشرات أن الإجازة بالجميع قطعًا، قال الإسنوي: ولم أجده مصرحًا به، ويتأيد بكلامهم في الخلع والكتابة.
(وفي قول: بجميعه) لأن ذكر غير المملوك لاغ، فيقع الثمن في مقابلة المملوك.
ومحل الخلاف: في غير الربويات، أما الربويات .. فيتخير فيها بالقسط قطعًا؛ لأن الفضل فيها حرام.
(ولا خيار للبائع) لأنه مفرط حيث باع ما لا يملكه، وطمع في ثمنه.
(ولو باع عبديه فتلف أحدهما قبل قبضه .. لم ينفسخ في الآخر على المذهب) لانتفاء علتي البطلان، أما الجمع بين الحلال والحرام .. فواضح.
وأما الجهالة .. فلأن الثمن كلَّه قد ثبت في الابتداء، وسقوط بعضه طارئ .. فلا يؤثر في الانفساخ، كما لو خرج المبيع معيبًا وتعذر الردّ لبعض الأسباب، والثمن غير مقبوض .. فإن بعضه يسقط على سبيل الأرش، ولا يلزم منه فساد الباقي.
والطريق الثاني: أنه يتخرج على القولين فيما لو باع ما يملكه وما لا يملكه؛ تسويةً بين الفساد المقرون بالعقد، والفساد الطارئ قبل القبض، (بل يتخير) لفوات مقصوده.
(فإن أجاز .. فبالحصة قطعًا) لأن الئمن وجب في مقابلتهما في الابتداء، فلا ينصرف إلى أحدهما بالدوام.
(ولو جمع في صفقة مختلفي الحكم؛ كإجارة وبيع أو سلم .. صحّا في الأظهر، ويُوزَّع المسمّى على قيمتهما) قياسًا على ما إذا باع ثوبًا وشقصًا من دار .. فإنه يجوز وإن اختلفا في حكم الشفعة، واحتجنا إلى التقويم بسببها، والثاني: البطلان؛ لأن
الجزء: 2 - الصفحة: 43
أَوْ بَيْعٍ وَنِكَاحٍ .. صَحَّ النِّكَاحُ، وَفِي الْبَيع وَالصَّدَاقِ الْقَوْلَانِ. وَتَتَعَدَّدُ الصَّفْقَةُ بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ كَبعْتُكَ ذَا بِكَذَا، وَذَا بِكَذَا، وَبِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ، وَكَذَا بِتَعَدُّدِ للْمُشْتَرِي فِي الأَظْهَرِ
اختلاف الأحكام يغلب على الظنّ وقوع الانفساخ في أحدهما، وذلك يَجُرُّ جهلًا في العوض.
ومحل الخلاف: أن يكون العقدان لازمين كما مثل به، فلو جمع بين بيع وجعالة .. لم يصحّ قطعًا، كما ذكره الرافعي في (المسابقة) 920.
وأورد على تعبيره: ما إذا باع شقصًا من دار وثوبًا .. فإنه صحيح قطعًا مع اختلافهما في الحكم.
وأجيب: بأنه ليس المراد الاختلاف في مطلق الأحكام، بل اختلاف الأحكام في الفسخ والتنفيذ؛ فإن الإجارة شرطها التأقيت، وهو مبطل للبيع، وقبل انقضاء المدة يعرض الانفساخ، بخلاف البيع، وليس ذلك موجودًا في الثوب والشقص.
ومثال الإجارة والبيع: (أجرتك داري شهرًا، وبعتك عبدي هذا بدينار).
ومثال الإجارة والسلم: (أجرتك داري شهرًا، وبعتك صاع قمح في ذمتي سلمًا بكذا).
(أو بيعٍ ونكاح .. صحّ النكاح) لأنه لا يفسد بفساد الصداق، (وفي البيع والصداق القولان) وقد تقدما بتعليلهما.
وهذه المسألة قد ذكرها المصنف في (كتاب الصداق) بأبسط مما ذكره هنا، وسنتكلم عليها هناك إن شاء الله تعالى.
(وتتعدد الصفقة بتفصيل الثمن؛ كبعتك ذا بكذا وذا بكذا، وبتعدد البائع) كبعناك هذا بكذا.
(وكذا بتعدد المشتري) كبعتكما هذا بكذا (في الأظهر) قياسًا على البائع، والثاني: لا؛ لأن المشتري يبني على الإيجاب السابق.
الجزء: 2 - الصفحة: 44
وَلَوْ وَكَّلَاهُ أَوْ وَكَّلَهُمَا .. فَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ الْوَكِيلِ.
وإذا قلنا: بالتعدد فقبل أحدهما نصفه .. لم يصحّ على الأصح.
ومحل ذلك: في غير العرايا والشفعة.
أما فيهما .. فيتعدد بتعدد المشتري قطعًا، وكذا بتعدد البائع في الأظهر، عكس ما هنا.
(ولو وَكَّلاه أو وَكَّلهما .. فالأصح: اعتبار الوكيل) لأن أحكام العقد؛ من اشتراط الرؤية وثبوت الخيار .. تتعلق به لا بالموكل، والثاني: اعتبار الموكل؛ لأن الملك له.
الجزء: 2 - الصفحة: 45
بابُ الخيار يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي أَنْوَاعِ الْبَيْعِ: كَالصَّرْفِ وَالطعَامِ بِالطَّعَامِ وَالسَّلَمِ وَالتَّوْليَةِ وَالتَّشْرِيكِ وَصُلْحِ الْمُعَاوَضَةِ. وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ أَوْ مَوْقُوفٌ .. فَلَهُمَا الْخِيَارُ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمُشْتَرِي .. تَخَيَّرَ الْبَائِعُ دُونَهُ.
﴿باب الخيار﴾
(يثبت خيار المجلس في أنواع البيع: كالصرف، والطعام بالطعام، والسلم، والتولية، والتشريك، وصلح المعاوضة) لحديث: "البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ: اخْتَرْ" متفق عليه 921.
والمراد بالتفرق هو: التفرق من المكان؛ ففي "البيهقي" من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "حَتَّى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَكَانِهِمَا" 922.
ويستثنى من قوله: (أنواع البيع): بيع العبد من نفسه؛ فإنه لا خيار على الأصح في "الشرح الصغير"، و"شرح المهذب" 923، وكذا القسمة بالتراضي حيث لا ردّ وقلنا: هي بيع، وكذا الحوالة إن جعلناها بيعًا.
واحترز بـ (المعاوضة) عن صلح الحَطيطة؛ فإنه لا خيار فيه؛ لأنه إن ورد على دين .. فإبراء، أو على عين .. فهبة، ولا خيار فيهما، لكن يشمل الصلح على المنفعة، والصلح عن دم العمد، ولا خيار في الأول؛ لأنه إجارة، ولا في الثاني أيضًا؛ كما صرح به القاضي الحسين.
(ولو اشترى من يعتق عليه؛ فإن قلنا: الملك في زمن الخيار للبائع أو موقوف .. فلهما الخيار) لوجود المقتضي بلا مانع (وإن قلنا: للمشتري .. تخيّر البائع) لما سبق، (دونه) لأن مقتضى ملكه له ألا يتمكن من إزالته، وأن يترتب عليه العتق، فلما تعذر الثاني .. بقي الأول.
الجزء: 2 - الصفحة: 46
وَلَا خِيَارَ فِي الإِبْرَاءِ وَالنِّكَاحِ وَالْهِبَةِ بِلَا ثَوَابٍ، وَكَذَا ذَاتُ الثَّوَابِ وَالشُّفْعَةُ وَالإِجَارَةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالصَّدَاقُ فِي الأَصَحِّ. وَيَنْقَطِعُ بِالتَّخَايُرِ، بِأَنْ يَخْتَارَا لُزُومَهُ، فَلَوِ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا .. سَقَطَ حَقُّهُ وَبَقِيَ لِلآخَرِ، وَبِالتَّفَرُّقِ بِبَدَنِهِمَا،
(ولا خيار في الإبراء والنكاح والهبة بلا ثواب) لانتفاء اسم البيع عنها، (وكذا ذات الثواب) بعد قبض الموهوب؛ لأنها لا تسمى بيعًا، والنصّ ورد في المتبايعين، والثاني: يثبت فيها؛ لأن الأصح: أنها بيع؛ اعتبارًا بالمعنى.
(والشفعةُ) لأن المأخوذ منه لا خيار له، وتخصيص خيار المجلس بأحد الجانبين بعيدٌ، والثاني: يثبت فيها للشفيع، لأن الأخذ بها ملحق بالمعاوضات؛ بدليل الردّ بالعيب، وهو ما صححه الرافعي في (باب الشفعة)، لكن استدركه عليه في "الروضة" وصحح عدمه، ولم يصححا هنا في "الشرحين"، و"الروضة" شيئًا 924.
(والإجارةُ) لأنها عقد غرر، إذ هو عقد على معدوم، والخيار غرر، فلا يُضَمُّ غرر إلى غرر، والثاني: يثبت فيها؛ لأنها معاوضة لازمة، فأشبهت البيع.
(والمساقاةُ) كالإجارة حكمًا وتعليلًا.
(والصداقُ) لأن المال تبع في النكاح لا مقصود، ووجه الإثبات: أنه عقد مستقل (في الأصح) في المسائل الخمس كما ذكرناه.
(وينقطع) الخيار (بالتخاير؛ بأن يختارا لزومَه) بأن يقولا: (تخايرنا)، أو (اخترنا إمضاء العقد)، (أو أجزناه)، أو (ألزمناه) وما أشبه ذلك، وكذا: (أبطلنا الخيار)، أو (أفسدناه) على الأصح في "شرح المهذب" 925، (فلو اختار أحدهما) لزومه ( .. سقط حقُّه وبقي للآخر) كخيار الشرط.
(وبالتفرق ببدنهما) للحديث المار 926.
نعم؛ لو حمل أحدهما مكرهًا .. لم يبطل خياره على الأصح، وأما الماكث:
الجزء: 2 - الصفحة: 47
فَلَوْ طَالَ مُكْثُهُمَا أَوْ قَامَا وَتَمَاشَيَا مَنَازِلَ .. دَامَ خِيَارُهُمَا، وَيُعْتبَرُ فِي التَّفَرُّقِ الْعُرْفُ.
وَلَوْ مَاتَ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ جُنَّ .. فَالأَصَحُّ: انْتِقَالُهُ إِلَى الْوَارِثِ وَالْوَليِّ.
وَلَوْ تنَازَعَا فِي التَّفَرُّقِ أَوِ الْفَسْخِ قَبْلَهُ .. صُدِّقَ النَّافِي.
فصلٌ [في خيار الشرط وما يتبعه]
لَهُمَا أَوْ لِأحَدِهِمَا شَرْطُ الْخِيَارِ فِي أَنْوَاعِ الْبَيْعِ إِلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ القَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ كَرِبَوِيٍّ وَسَلَمٍ
فيبطل خياره على الأصح إن لم يمنع من الخروج.
واحترز بـ (البدن): عن الروح، فلو مات أحدهما .. لم يبطل كما سيأتي.
(فلو طال مكثهما، أو قاما وتماشيا منازل .. دام خيارهما) لعدم التفرق (ويعتبر في التفرق العرفُ) فما عدّه الناس تفرقًا .. لزم به، وإلا .. فلا؛ لأن ما ليس له حدٌّ في الشرع ولا في اللغة .. يرجع فيه إلى العرف.
(ولو مات في المجلس أو جُنَّ .. فالأصح: انتقاله إلى الوارث والولي) كخيار الشرط والعيب، والثاني: يسقط؛ لأن الموت أبلغ من مفارقة البدن.
والجنون: في معنى الموت؛ بدليل إسقاط التكليف وحلول ما عليه من الديون؛ كما ذكره في "الروضة" في (باب الفلس) 927، والإغماء: كالجنون.
(ولو تنازعا في التفرق) بأن جاءا معًا، أو قال أحدهما: (تفرقنا)، وأنكر الآخر وأراد الفسخ، (أو) في (الفسخ قبله) بأن اتفقا على التفرق وقال أحدهما: (فسخت قبله)، وأنكر الآخر ( .. صدق النافي) بيمينه، لأن الأصل دوام الاجتماع وعدم الفسخ.
(فصل: لهما أو لأحدهما شرط الخيار في أنواع البيع) 928 بالإجماع، ولا يشرع في غير البيع، كا لفسوخ، والعتاق، والإبراء، والنكاح، والإجارة.
(إلا أن يُشترط القبض في المجلس كرِبوي وسلم) فإنه لا يجوز شرطه فيه، لأنه
الجزء: 2 - الصفحة: 48
وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ لَا تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَتُحْسَبُ مِنَ الْعَقْدِ، وَقِيلَ: مِنَ التَّفَرُّقِ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ .. فَمِلْكُ الْمَبِيعِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي .. فَلَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا .. فَمَوْقُوفٌ،
إذا امتنع الأجل .. امتنع الخيار بطريق الأولى.
وأورد على الحصر: المصراة؛ فلا يجوز اشتراط خيار الثلاث فيها للبائع؛ لأنه يمنع من الحلب، وتركه يضرّ بالبهيمة، وما لو اشترى من يعتق عليه؛ فإنه لا يجوز شرطه للمشتري وحده 929، وكذا الحوالة إذا جعلناها بيعًا؛ فإنه لا خيار فيه.
(وإنما يجوز في مدة معلومة) دفعًا للغرر (لا تزيد على ثلاثة أيام) لاندفاع الحاجة بها غالبًا، فإن زاد عليها .. بطل العقد، ولا يخرج على تفريق الصفقة؛ لوجود الشرط الفاسد، وهو مبطل للعقد.
ويشترط أيضًا: أن تكون المدة متصلة بالعقد، فلو شرط الثلاث من الغد مثلًا أو فرقها .. لم يصحّ.
ويشترط: أن يكون المبيع لا يفسد في المدة، فإن كان مما يتسارع إليه الفسادُ فيها .. بطل البيع على الأصح.
(وتُحسب) المدة (من العقد) لأنه ثبت بالشرط الموجود في العقد، (وقيل: من التفرق) لأن الشارط إنما يقصد بالشرط إثباتَ ما لولا الشرط لم يثبت، والخيار ثابت قبل التفرق بالمجلس، فيكون المقصود ما بعده، وهذا ما نسبه الماوردي إلى الجمهور، وقال الإمام: ميل النصّ إليه أكثر 930.
(والأظهر) في خيار المجلس والشرط (أنه إن كان الخيار للبائع .. فمِلْك المبيع له، وإن كان للمشتري .. فله) لأنه إذا كان الخيار لأحدهما .. كان هو وحده متصرفًا في المبيع، ونفوذ التصرف دليل على الملك، (وإن كان لهما .. فموقوف) لأنهما تساويا فتوقفنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 49
فَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ .. بَانَ أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَإِلَّا .. فَلِلْبَائِعِ. وَيَحْصُلُ الْفَسْخُ وَالإِجَازَةُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا؛ كَفَسَخْتُ ألْبَيع، وَرَفَعْتُهُ، وَاسْتَرْجَعْتُ الْمَبيعَ، وَفِي الإِجَازَةِ: أَجَزْتُهُ، وَأَمْضيْتُهُ. وَوَطْءُ الْبَائِعِ وَإِعْتَاقُهُ فَسْخٌ، وَكَذَا بَيْعُهُ وَإِجَارَتُهُ وَتَزْوِيجُهُ فِي الأَصَحِّ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ هَذِهِ التَصَرُّفَاتِ مِنَ الْمُشْتَرِي إِجَازَةٌ،
(فإن تمّ البيع .. بان أنه للمشتري من حين العقد، وإلا .. فللبائع)، والثاني: أن الملك للمشتري مطلقًا؛ لتمام البيع بالصيغة، والثالث: أنه للبائع مطلقًا؛ استصحابًا لما كان، وتظهر فائدة الخلاف في الأكساب وما في معناها.
(ويحصل الفسخ والإجازة بلفظ يدل عليهما؛ كـ "فسخت البيع"، و"رفعته"، و"استرجعت المبيع"، وفي الإجازة: "أجزته"، و"أمضيته") وكذا: (رددت الثمن) ونحو ذلك.
(ووطءُ البائع وإعتاقه فسخ) حيث كان الخيار له أو لهما؛ لإشعار الأول باختيار الإمساك، وتضمن الثاني الفسخ، وهذا في وطء المتحقق أنوثتها، فلو أولج في قبل مشكل .. فلا يكون فسخًا ولا إجازة، فإن اختار الأنوثةَ بعده .. تعلق بالوطء السابق الحكم، قاله في "شرح المهذب" في (باب الأحداث) 931.
وخرج بـ (الوطء): مقدماته؛ كالقبلة واللمس بشهوة؛ فلا يلتحق به على الأصح في "أصل الروضة" 932.
(وكذا بيعه وإجارته وتزويجه في الأصح) لدلالتها على ظهور الندم، والثاني: لا؛ لأن الأصل بقاء العقد، فيستصحب إلى أن يوجد الفسخ صريحًا.
(والأصح: أن هذه التصرفات) أي: الوطء وما بعده (من المشتري إجازة) لأن وطء البائع اختيارٌ للمبيع، فكذا وطء المشتري، والثاني: لا، لأن الفسخ بالعيب لا يمنعه الوطء، فكذا هنا.
ومحل الخلاف في العتق والوطء إذا لم يأذن فيهما البائع، فإن أذن .. كان إجازة منهما جزمًا، وكذا الإذن في البيع وما بعده.
الجزء: 2 - الصفحة: 50
وَأَنَّ الْعَرْضَ عَلَى الْبَيْعِ وَالتَّوْكِيلَ فِيهِ لَيْسَ فَسْخًا مِنَ الْبَائِعِ، وَلَا إِجَازَةً مِنَ الْمُشْتَرِي.
فصلٌ [في خيار النقيصة]
لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بِظُهُورِ عَيْبٍ قَدِيمٍ؛ كَخِصَاءِ رَقِيقٍ، وَزِنَاهُ، وَسَرِقَتِهِ، وَإِبَاقِهِ، وَبَوْلهِ بِالْفِرَاشِ، وَبَخَرِهِ، وَصُنَانِهِ، وَجِمَاحِ الدَّابَّةِ وَعَضِّهَا، وَكُلِّ مَا يَنْقُصُ الْعَيْنَ أَوِ الْقِيمَةَ
(وأن العَرْض على البيع والتوكيلَ فيه ليس فسخًا من البائع، ولا إجازةً من المشتري) لأنهما لا يقتضيان إزالةَ الملك، والثاني: نعم؛ كالرجوع عن الوصية.
(فصل: للمشتري الخيار بظهور عيب قديم) بالإجماع، والمراد بقدمه: وجوده عند العقد، أو حدوثه قبل القبض (كخصاء رقيق) لأن الفحل يصلح لما لا يصلح له الخصي، والجبُّ كالخصاء.
وأفهم: أن الخصاء ليس بعيب في البهائم، وصرح الجرجاني وغيره بأنه عيب فيها؛ ولذلك أطلق في "الروضة" أن الخصاء عيب، ولم يقيده بالرقيق 933.
(وزناه وسرقته وإباقه) سواء أكان ذكرًا أم أنثى، أقيم عليه الحدّ أم لا، صغيرًا أم كبيرًا؛ لأنه قد يعتاده صغيرًا فيفعله كبيرًا.
(وبوله بالفراش) إن كان كبيرًا، وهو ابن سبع سنين؛ كما في "التهذيب"، وأقرّاه 934، وضبط القاضي أبو الطيب وغيره الكبير: بأن يكون مثله يحترز عنه، والأصح: اعتبار مصير ذلك عادة له.
(وَبَخَره) الناشئ من تغير المعدة دون ما يكون من قَلَح الأسنان؛ فإن ذلك يزول بتنظيف الفم، (وصُنانه) المستحكم دون ما يكون لعارضٍ عرقٍ أو حركة ونحو ذلك.
(وجِماح الدابة) وهو امتناع ركوبها، (وعضها، وكلِّ ما ينقص العين أو القيمةَ
الجزء: 2 - الصفحة: 51
نَقْصًا يَفُوتُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ إِذَا غَلَبَ فِي جِنْسِ الْمَبِيعِ عَدَمُهُ، سَوَاءٌ قَارَنَ الْعَقْدَ أَمْ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَهُ .. فَلَا خِيَارَ إِلَّا أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ، كَقَطْعِهِ بِجِنَايَةٍ سَابِقَةٍ فَيَثْبُتُ الرَّدُّ فِي الأَصَحِّ،
نقصًا يفوت به غرض صحيح إذا غلب في جنس المبيع عدمُه) هذا ضابط يكتفى به عن تفصيل العيوب؛ فإنه لا مطمع في استيفائها، وهو للإمام 935.
والتقييد بفوات غرض صحيح يتعلق بنقص العين خاصة، واحترز به: عن قطع جزء يسير من الفخذ إذا اندمل بلا شَيْن، وعن الختان بعد الاندمال؛ فإنه فضيلة لا عيب.
ودخل في نقصان العين الخصاءُ، وقطع الأَنْمُلة.
وخرج بقوله: (إذا غلب في جنس المبيع عدمه): الثيوبة في الأمة الكبيرة؛ وكذا قلع الأسنان في الكبير؛ فإنه لا يردّ به بلا خلاف، قال في "المطلب": وكذا لا ردّ ببياض الشعر في الكبير، قال في "الاستقصاء": وكذا بقطع الأنف؛ لأنه لا يخفى.
انتهى، وفيه نظر؛ لجواز أن يخفى تأمُّله لدهشةٍ 936.
(سواء قارن العقد أم حدث قبل القبض) لأن المبيع والحالة هذه من ضمان البائع، فكذا جزؤه وصفته.
(ولو حدث بعده) أي: بعد القبض ( .. فلا خيار) لأنه بالقبض صار من ضمانه، فكذا جزؤه وصفته.
(إلا أن يستند إلى سبب متقدم) على القبض أو العقد (كقطعه بجناية سابقة فيثبت الردّ في الأصحّ) إذا كان جاهلًا بالسبب، ويكون من ضمان البائع؛ إحالةً للهلاك على السبب، فإن كان عالمًا به .. فلا ردّ ولا أرش؛ لدخوله في العقد على بصيرة، والثاني: لا يثبت؛ لأنه قد يسلط على التصرف بالقبض، فيدخل المبيع في ضمانه أيضًا، فعلى هذا: يرجعُ بالأرش، وهو: ما بين قيمته مستحقَّ القطع وغيرَ مستحقه.
الجزء: 2 - الصفحة: 52
بخِلَافِ مَوْتهِ بِمَرَضٍ سَابِقٍ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قُتِلَ بِرِدَّةٍ سَابقَةٍ .. ضَمِنَهُ الْبَائِعُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ بَرَاءَتِهِ مِنَ الْعُيُوبِ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَبْرَأُ عَنْ عَيْبٍ بَاطِنٍ بِالْحَيَوَانِ لَمْ يَعْلَمْهُ دُونَ غَيْرِهِ،
وقوله: (بجناية): دخل فيه السرقة، وقطع يد الغير عدوانًا، وفي معنى القطع: زوال البكارة بزواج متقدم، واستيفاء الحدّ بسياط، وكان ينبغي أن يقول: على الأظهر؛ فإن الأول نصُّه في "الأم"، والثاني نصُّه في "الإملاء".
(بخلاف موته بمرض سابق في الأصحّ) لأن المرض يتزايد، فيحصل الموت فيه بتلك الزيادة، بخلاف قتله بالردة السابقة؛ فإنها خصلة واحدة وجدت في يد البائع، وقيل: فيه الخلاف في الصورة الآتية؛ لأن كلًّا منهما موت بسبب سابق، والأصح: القطع بالأول، والفرق: ما ذكرناه.
وكلامه يوهم: أن الخلاف في هذه الصورة في الردّ، وليس كذلك؛ فإنه قد تَعذَّر، وإنما الخلاف في أن المبيع من ضمان البائع حتى ينفسخ أم لا، فعلى الأول: يرجع بالأرش، وهو: ما بين قيمته صحيحًا ومريضًا إن جهل، وإلا .. فلا شيء له، وعلى الثاني: ينفسخ البيع، ويرجع بالثمن كلِّه.
(ولو قُتل بردة سابقة .. ضمنه البائعُ في الأصحّ) هذا الخلاف هو الخلاف المارُّ في قطعه بجناية سابقة، وقد مرَّ توجيهه، لكن الحكم بكونه من ضمان البائع هناك موجب للردِّ بالعيب، وهنا لانفساخ البيع، والرجوع بالثمن إن لم يعلم بالردة؛ فإن علم .. لم يرجع بشيء على المذهب.
ولا يخفى أن الكلام فيما بعد القبض، فإن كان قبله .. انفسخ قطعًا، وقضية كلامه: صحة بيع المرتد، وهو الأصح.
(ولو باع بشرط براءته من العيوب .. فالأظهر: أنه يبرأ عن عيب باطن بالحيوان لم يعلمه دون غيره) لأثر عثمان رضي الله عنه في ذلك 937، ولأن الحيوان يأكل في حالتي
الجزء: 2 - الصفحة: 53
وَلَهُ مَعَ هَذَا الشَّرْطِ الرَّدُّ بِعَيْبٍ حَدَثَ قَبْلَ القَبْضِ، وَلَوْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ عَمَّا يَحْدُثُ .. لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَوْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْبَ .. رَجَعَ بِالأَرْشِ،
صحته وسقمه، وتتبدل أحواله سريعًا، وقلَّ أن ينفك عن عيب خفي، فيحتاج البائع إلى هذا الشرط؛ ليثق فيه بلزوم البيع بخلاف غيره.
والفرق بين المعلوم وغيره: أن كتمان المعلوم تدليس فلا يبرأ منه، والفرق بين الظاهر والباطن: تسهيل الاطلاع عليه ويعلم غالبًا، فأعطيناه حكم المعلوم وإن خفي على ندور.
فقوله: (دون غيره) راجع إلى الثلاثة المذكورة، فلا يبرأ عن عيب ظاهر وإن كان في حيوان، ولا عن عيب باطن بالحيوان علمه، ولا عن العيب في غير الحيوان؛ كالعقار مطلقًا.
والقول الثاني: يبرأ مطلقًا عملًا بالشرط، والثالث: لا يبرأ مطلقًا؛ لأن الردَّ ثابت بالشرع فلا ينتفي بالشرط؛ كسائر مقتضيات العقد.
(وله مع هذا الشرط الردُّ بعيب حدث قبل القبض) عند إطلاق الشرط؛ لانصرافه إلى الموجود عند العقد.
(ولو شرط البراءةَ عمّا يحدث .. لم يصحّ في الأصحّ) لأنه إسقاط للشيء قبل ثبوته، فلم يسقط، كما لو أبرأه عن ثمن ما يبيعه له، والثاني: يصحّ بطريق التبع، فإن أفرد الحادث .. فهو أولى بالبطلان؛ كما في "الروضة"، و"أصلها" 938.
(ولو هلك المبيع عند المشتري) بآفة سماوية أو غيرها (أو أعتقه) أو وقفه أو استولد الأمة (ثم علم العيب .. رجع بالأرش) 939 لتعذر الردِّ؛ إذ لا مردود، ولا يمكن إسقاط حقِّ المشتري، فرجعنا إلى الأرش.
= يحلف: لقد باعه العبد وما به داء يعلمه، فأبى ابن عمر أن يحلف، وارتجع العبد، فباعه عبد الله بعد ذلك بألف وخمس مئة درهم.
اهـ هامش (أ).
الجزء: 2 - الصفحة: 54
وَهُوَ: جُزْءٌ مِنْ ثَمَنِهِ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ نِسْبَةُ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنَ الْقِيمَةِ لَوْ كَانَ سَلِيمًا، وَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ أَقَلِّ قِيَمِهِ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ إِلَى الْقَبْضِ
ويستثنى من الرجوع بالأرش مسألتان: الأولى: ما لو كان التالف رِبَويًّا قد بيع بمثله من جنسه .. فإنه لا يأخذ الأرش بل يفسخ العقد، ويستردُّ الثمن، ويغرم بدل التالف على الأصح عند العراقيين، ورجحه السبكي، وحكى الشيخان في المسألة وجهين بلا ترجيح: أحدهما: هذا، والثاني: يأخذ الأرش؛ لأن المماثلة إنما تشترط في ابتداء العقد، والأرش حقٌّ وجب بعد ذلك 940.
الثانية: لو كان العبد المعتق كافرًا .. قال الإسنوي: فلا يرجع بالأرش؛ لأنه لم ييأس من الردِّ، فإنه قد يلتحق بدار الحرب فيسترق، فيعود إلى ملكه.
(وهو) أي: الأرش (جزء من ثمنه) أي: من ثمن المبيع (نسبتُه إليه) أي: نسبة ذلك الجزء إلى الثمن (نسبةُ ما نَقَص العيبُ) أي: مثل نسبة الذي نقصه العيب (من القيمة لو كان سليمًا) أي: المبيع إلى تمام قيمة السليم؛ كما ذكره في "المحرر" 941؛ مثاله: كانت القيمة مئة دون العيب، وتسعين معه، فالتفاوت العشر، فيكون الرجوع بعشر الثمن، فإن كان الثمن مئتين .. كان الأرش عشرين، وإن كان خمسين .. كان خمسة.
(والأصح: اعتبار أقلِّ قيمه من يوم البيع إلى القبض) لأن القيمة إن كانت يوم البيع أقل .. فالزيادة حدثت في ملك المشتري، وإن كانت يوم القبض أقلَّ .. فما نقص كان من ضمان البائع، والثاني: تعتبر قيمة يوم العقد؛ لأن الثمن قد قابل المبيع يومئذ، والثالث: يوم القبض؛ لأنه وقت دخول المبيع في ضمانه.
وقضية كلامه: اعتبار النقص الحاصل بين العقد والقبض، وقد صرح به في "الدقائق"، وبأنه غَيَّرَ عبارة "المحرر" لأجل ذلك 942.
واعترض: بأن هذا ليس وجهًا محكيًّا في أصوله المبسوطة فضلًا عن اختياره،
الجزء: 2 - الصفحة: 55
وَلَوْ تَلِفَ الثَّمَنُ دُونَ الْمَبِيعٍ .. رَدَّهُ وَأَخَذَ مِثْلَ الثَّمَنِ أَوْ قِيمَته. وَلَوْ عَلِمَ الْعَيْبَ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ إِلَى غَيْرِهِ .. فَلَا أَرْشَ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ عَادَ الْمِلْكُ .. فَلَهُ الرَّدُّ، وَقِيلَ: إِنْ عَادَ بِغَيْرِ الرَّدِّ بِعَيْب .. فَلَا رَدَّ. وَالرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ،
وبأن النقصان الحاصلَ قبل القبض إذا زال قبل القبض .. لا يثبت للمشتري الخيار، فكيف يكون مضمونًا على البائع؟ !
(ولو تلف الثمن دون المبيع) واطلع على عيب بالمبيع ( .. ردَّه) لوجوده خاليًا عن الموانع (وأخذ مثلَ الثمن) إن كان مثليًّا (أو قيمتَه) إن كان متقومًا؛ لأنه لو كان باقيًا .. لاستحقه، فإذا تلف .. ضمنه بذلك قياسًا على غيره، وخروجه عن ملكه بالبيع وغيره كتلفه.
(ولو علم العيبَ بعد زوال ملكه إلى غيره .. فلا أرش في الأصحّ) لأنه لم ييأس من الردِّ، فربما عاد إليه فردَّه، وقيل: لأنه استدرك الظّلامة ورَوَّج كما رُوِّج عليه، وخَرَّجوا على التعليلين زواله بلا عوض؛ فعلى الأصح: لا أرش، وعلى الثاني: يجب، والثاني: يرجع؛ لتعذر الردِّ الان فأشبه الموت.
وكان ينبغي التعبير بالمشهور؛ لأن المُرجَّح منصوص، ومقابله مُخرَّج.
(فإن عاد الملك .. فله الردّ) لإمكانه، (وقيل: إن عاد بغير الردّ بعيب) كأن عاد بإرث أو هبة ونحوهما ( .. فلا ردّ) بناء على التعليل باستدراك الظُّلامة، والأصح: الردُّ؛ بناء على التعليل بعدم اليأس من الردِّ، وهو الأصح.
هذا إذا كان الزوال بعوض، فإن زال بلا عوض ثم عاد .. ردّ قطعًا، كذا قاله الأكثرون، وأجرى الإمام والغزالي الخلاف سواء أكان الزوال والعود أو أحدهما بعوض أم لا؛ كما أطلقه في "الكتاب" 943.
(والردّ على الفور) لأن الأصل في البيع اللزوم، فإذا أمكنه الردُّ وقصر .. لزمه حكمه، وهذا في العقد على الأعيان.
أما الواجب في الذمة ببيع أو سلم إذا قبضه فوجده معيبًا .. فلا يُعتبر الفور إن قلنا: لا يملكه إلا بالرضا؛ إذ الملك موقوف عليه، وكذا إن قلنا: يملكه بالقبض على
الجزء: 2 - الصفحة: 56
فَلْيُبَادِرْ عَلَى الْعَادَةِ. فَلَوْ عَلِمَهُ وَهُوَ يُصَلِّي أَوْ يَأْكُلُ .. فَلَهُ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يَفْرُغَ، أَوْ لَيْلًا .. فَحَتَّى يُصْبِحَ. فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ بِالْبَلَدِ .. رَدَّهُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ عَلَى وَكِيلِهِ،
الأوجه؛ كما قاله الإمام، وأقراه عليه في (باب الكتابة) 944؛ لأنه ليس معقودًا عليه، وإنما يثبت الفور فيما يؤدي ردّه إلى رفع العقد.
ويستثنى من اشتراط الفور مسائل: منها: قريب العهد بالإسلام، ومن نشأ ببادية بعيدةٍ عن العلماء إذا ادعى الجهل بأن له الردّ .. فإنه يقبل منه، ولو قال: لم أعلم أنه يبطل بالتأخير .. قال الرافعي: قبل قوله؛ لأنه يخفى على العوام، وقال في الروضة": إنما يقبل هنا وفي الشفعة ممن يخفى على 945 مثله، ومنها: لو اطلع المشتري على عيب بالشقص قبل أخذ الشفيع فأمسك عن ردِّه انتظارًا؛ فإن كان الشفيع غائبًا .. بطل حقه بالانتظار، وإن كان حاضرًا .. فلا، ومنها: الآبق إنما يردُّ بعد عوده، ولا أرش في الحال في الأصح، ولا يسقط ردُّه بالتأخير ولو صرح بإسقاطه على الأصح، ومنها: ما إذا اشترى مالًا زكويًّا ووجد به عيبًا قديمًا، وقد مضى حول من الشراء .. فليس له الردُّ بذلك حتى يخرج الزكاة، ولا يبطل حقُّ الردِّ بالتأخير؛ لأنه غير متمكن قبله، [ذكره الرافعي في (باب الزكاة)] 946.
(فليبادر على العادة) من غير عَدْو ولا ركض.
(فلو علمه وهو يصلي (ولو نفلًا (أو يأكل) أو يقضي حاجة ( .. فله تأخيره حتى يفرغ) لأنه لا يعدُّ مقصرًا، وكذا لو علم بالعيب وقد دخل وقت هذه الأمور فاشتغل بفعلها.
(أو ليلًا .. فحتى يصبح) لعدم التقصير أيضًا.
(فإن كان البائع بالبلد .. رده عليه بنفسه أو وكيله) إذا لم يحصل بالتوكيل تأخير (أو على وكيله) لأنه قائم مقامه.
الجزء: 2 - الصفحة: 57
وَلَوْ تَرَكَهُ وَرَفَعَ الأَمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ .. فَهُوَ آكَدُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا .. رَفَعَ إِلَى الْحَاكِمِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الإِشْهَادُ عَلَى الْفَسْخِ إِنْ أَمْكَنَهُ حَتَّى يُنْهِيَهُ إِلَى الْبَائِعِ أَوِ الْحَاكِمِ،
(ولو تركه ورفع الأمر إلى الحاكم .. فهو آكد) لأن المالك ربما أحوجه في آخر الأمر إلى المرافعة إليه، فيكون الإتيان به أولًا فاصلًا للأمر جزمًا.
وقضية كلامه تبعًا للرافعي: أنه لا فرق في التخيير المذكور بين أن يكون الاطلاع بحضرة أحدهم أم في غيبة الكلِّ 947.
وقال في "المطلب": قال المعظم: إذا علم بحضرة أحدهم .. فالتأخير لغيره تقصير، وقضيته: أنه لو مرَّ عليه وجاوزه إلى غيره .. كان تقصيرًا، وهو ظاهر، وإذا جاء إلى الحاكم .. لا يدعي، لأن غريمه غائب عن المجلس وهو في البلد 948، وإنما يفسخ بحضرته ثم يطلب غريمه.
(وإن كان غائبًا) عن البلد ( .. رفع إلى الحاكم) ولا يؤخر لقدومه، وظاهر إطلاقه يشمل الغيبة القريبة وغيرها، وتوقف فيه في "المطلب" ثم مال إليه؛ لما فيه من الحرج، وهو ظاهر بالنسبة إلى الفسخ عنده، أما القضاء به وفصل الأمر وبيع ماله .. فلا بدّ فيه من شروط القضاء على الغائب فيما يظهر.
قاله الأَذْرَعي.
(والأصحّ: أنه يلزمه الإشهاد على الفسخ إن أمكنه حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم) لأنه المقدور عليه، والثاني: لا، لأنه إذا كان طالبًا للبائع أو للحاكم .. لا يعدُّ مقصرًا.
والمراد: إشهاد اثنين؛ كما ذكره القاضي والغزالي، قال ابن الرفعة: وهو احتياط، لأن الواحد مع اليمين كاف.
وقضية كلام المصنف تبعًا للرافعي: بقاءُ وجوب الذهاب بعد الإشهاد 949، وقال السبكي: إذا أشهد على نفس الفسخ .. ينبغي أن ينفذ الفسخ، ولا يحتاج بعده إلى أتيان البائع أو الحاكم إلا للتسليم وفصل الخصومة، فإن الفسخ عندنا بالعيب لا يتوقف على الحاكم ولا البائع، وبسط ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 58
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِشْهَادِ .. لَمْ يَلْزَمْهُ التَّلَفُّظُ بِالْفَسْخِ فِي الأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ تَرْكُ الاسْتِعْمَالِ، فَلَوِ اسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ أَوْ تَرَكَ عَلَى الدَّابَّةِ سَرْجَهَا أَوْ إِكَافَهَا .. بَطَلَ حَقُّهُ، وَيُعْذَرُ فِي رُكُوبِ جَمُوع يَعْسُرُ سَوْقُهَا وَقَوْدُهَا. وَإِذَا سَقَطَ رَدُّهُ بِتَقْصيرٍ .. فَلَا أَرْشَ. وَلَوْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ .. سَقَطَ الرَّدُّ قَهْرًا، ثُمَّ إِنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ .. رَدَّهُ المُشتَرِي أَوْ قَنِعَ بِهِ،
(فإن عجز عن الإشهاد .. لم يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصحّ) لأن الكلام الذي يقصد به إعلام الغير ما في النفس .. يبعد إيجابه من غير سامع، والثاني: يلزمه؛ ليبادر بحسب الإمكان.
(ويشترط ترك الاستعمال؛ فلو استخدم العبد أو ترك على الدابة سَرْجَها أو إكافَها) أي: البَرْذَعَة في سيره إلى الردِّ، أو في المدة التي يغتفر التأخير لها ( .. بطل حقه) إن لم يحصل بنزعه ضررٌ للدابة؛ لإشعاره بالرضا.
وقضيته: أنه لو خدمه وهو ساكت .. لم يؤثر؛ لأن الاستعمال طلب العمل، وهو متجه، لكن قضيته أيضًا: أن مجرد الطلب يؤثر سواء وجد العمل أم لا.
قال الإسنوي: وفيه نظر 950.
قال والدي: وفي النظر نظر، لدلالة الطلب على الرضا، سواء عمل أو لم يعمل.
(ويُعذر في ركوب جَموح يعسر سوقها وقودها) للحاجة، فلو لم تكن جموحًا .. لم يعذر؛ كما لو لبس الثوب للردِّ.
(وإذا سقط رده بتقصير .. فلا أرش) لأنه المفوت بتقصيره.
(ولو حدث عنده عيب) بجناية أو آفة ( .. سقط الردّ قهرًا) لما فيه من الإضرار بالبائع؛ لأنه أخذه بعيب، فلا يرده بعيبين.
نعم؛ لو علم العيب القديم بعد زوال الحادث .. ردّه على الصحيح.
ونسيان القرآن والحرفة بمثابة العيب؛ لنقصان القيمة.
(ثم إن رضي به البائع) بلا أرش عن الحادث ( .. ردّه المشتري، أو قنع به) بلا أرش عن القديم، لأن المانع من الردِّ -وهو ضرر البائع- قد زال برضاه، فصار كما لو
الجزء: 2 - الصفحة: 59
وَإِلَّا .. فَلْيَضُمَّ الْمُشْتَرِي أَرْشَ الْحَادِثِ إِلَى الْمَبِيعِ وَيَرُدَّ، أَو يَغْرَمُ الْبَائِعُ أَرْشَ الْقَدِيمِ وَلَا يَرُدُّ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَحَدِهِمَا .. فَذَاكَ، وَإِلَّا .. فَالأَصحُّ: إِجَابَةُ مَنْ طَلَبَ الإِمْسَاكَ. وَيَجِبُ أَنْ يُعْلِمَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى الْفَوْرِ بِالْحَادِثِ لِيَخْتَارَ، فَإِنْ أَخَّرَ إِعْلَامَهُ بِلَا عُذْرٍ .. فَلَا رَدَّ وَلَا أَرْشَ. وَلَوْ حَدَثَ عَيْبٌ لَا يُعْرَفُ الْقَدِيمُ إِلَّا بِهِ كَكَسْرِ بَيْضٍ وَرَانِجٍ،
لم يحدث به عيب، (وإلا) أي: وإن لم يرض به البائع ( .. فليضم المشتري أرشَ الحادث إلى المبيع ويردّ، أو يغرم البائع أرش القديم ولا يرد) لأن كلًّا من المسلكين فيه جمعٌ بين المصلحتين ورعاية الجانبين.
(فإن اتفقا على أحدهما .. فذاك) لأن الحقَّ لهما، (وإلا) أي: وإن تنازعا فدعا أحدهما إلى الردِّ مع أرش الحادث، والآخر إلى الإمساك، وغرامة أرش القديم ( .. فالأصحّ: إجابة من طلب الإمساك) والرجوع بأرش العيب سواء أكان هو البائع أم المشتري؛ لما فيه من تقرير العقد، والثاني: يجاب البائع؛ لأنه إما غارم أو آخذ ما لم يرد العقد عليه، والثالث: يجاب المشتري؛ لأن البائع قد دلس عليه.
واستثني: ما إذا اطلع على عيب بالثوب بعد صبغه وزادت القيمة بالصبغ، واختلفا؛ فأراد المشتري أرش العيب القديم وإبقاء العقد، وقال البائع: (رُدَّ الثوب لأغرم لك قيمة الصبغ) .. فإن المجاب البائع على الأصح؛ لأن المشتري هنا إذا أخذ الثمن ورَدَّ قيمة الصبغ .. لم يغرم شيئًا، وفي غيرها لو ألزمناه الردَّ وأرش الحادث .. غَرَّمناه لا في مقابلة شيء.
وفي استثناء هذه الصورة نظر؛ لأن الصبغ ليس بعيب؛ لأن قيمته قد زادت ولا نقص في عينه.
(ويجب أن يُعلِم المشتري البائعَ على الفور بالحادث ليختار) هل يقبله بلا أرش أم لا؟ ، (فإن أخر إعلامه بلا عذر .. فلا ردّ ولا أرش) كما لو أخر المشتري الردَّ حيث لا حادث.
نعم؛ لو كان الحادث قريب الزوال غالبًا؛ كالرمد والحمّى .. ففي اشتراط الفور قولان بلا ترجيح، وقضية إطلاق المصنف: اشتراطه.
(ولو حدث عيب لا يعرف القديم إلا به؛ ككسر بيض ورانج) وهو الجوز الهندي
الجزء: 2 - الصفحة: 60
وَتَقْوِيرِ بِطِّيخٍ مُدَوِّدٍ .. رَدَّ وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ فِي الأَظْهَرِ.
فَإِنْ أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ الْقَدِيمِ بِأَقَلَّ مِمَّا أَحْدَثَهُ .. فَكَسَائِرِ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ.
فرعٌ [في عدم تفريق الصفقة بالعيب]
اشْتَرَى عَبْدَيْنِ مَعِيبَيْنِ صَفْقَةً .. رَدَّهُمَا، وَلَوْ ظَهَرَ عَيْبُ أَحَدِهِمَا .. رَدَّهُمَا لَا الْمَعِيبَ وَحْدَهُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَ رَجُلَيْنِ مَعِيبًا .. فَلَهُ رَدُّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا،
(وتقوير بطيخ مُدوِّد .. رد ولا أرش عليه في الأظهر) لأن البائع قد سلطه على كسره؛ إذ لا يعلم عيبه إلا به، فهو معذور في تعاطيه، والثاني: يرد ويرد معه الأرش؛ رعايةً للجانبين، والثالث: لا يرد أصلًا؛ كسائر العيوب الحادثة.
والمراد بالبيض: بيض النعام، وبالبطيخ: المدود بعضه حتى تكون لهما قيمة بعد الكسر فيصح إيجاب الأرش، فأما بيض الدجاج ونحوه المذرُ والبطيخ المدود جميعه .. فيبطل العقد فيهما، ويرجع بجميع الثمن على النصِّ؛ لوروده على غير متقوم.
(فإن أمكن معرفةُ القديم بأقل ممّا أحدثه .. فكسائر العيوب الحادثة) لعدم الحاجة إليه، وذلك كتقوير البطيخ الحامض مع إمكان الوقوف على حاله بغرز شيء فيه.
(فرع: اشترى عبدين معيبين صفقة .. ردهما) لوجود المقتضي لردهما، فلو أراد إفراد أحدهما بالردِّ .. ففيه القولان الآتيان في المسألة إثرها.
(ولو ظهر عيب أحدهما .. ردهما لا المعيبَ وحده في الأظهر) لما فيه من تفريق الصفقة على البائع من غير ضرورة، والثاني: له ذلك؛ لاختصاصه بالعيب.
والخلاف جار في كلِّ شيئين لا تتصل منفعةُ أحدهما بالَاخر، أما نحو مصراعي باب وزوجي خف .. فلا يجوز الإفراد قطعًا، هذا كلُّه في الردِّ القهري، فإن رضي البائع بردّ أحدهما .. جاز على الأصح.
(ولو اشترى عبدَ رجلين معيبًا .. فله رَدُّ نصيب أحدهما) لتعدد الصفقة بتعدد البائع.
الجزء: 2 - الصفحة: 61
وَلَوِ اشْتَرَيَاهُ .. فَلأَحَدِهِمَا الرَّدُّ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قِدَمِ الْعَيْبِ .. صُدِّقَ الْبَائِعُ بِيَمِينهِ عَلَى حَسَب جَوَابِهِ. وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ كَالسِّمَنِ تتبعُ الأَصْلَ، وَالْمُنْفَصِلَةُ كَالْوَلَدِ وَالأُجْرَةِ لَا تَمْنَعُ الرَّدَّ،
(ولو اشترياه .. فلأحدهما الردُّ في الأظهر) لأنه ردّ جميع ما ملك، والخلاف مبني على تعدد الصفقة بتعدد المشتري وقد مرّ.
(ولو اختلفا في قدم العيب .. صدق البائع) لأن الأصل لزوم العقد وعدم العيب في يده، والمراد: ما إذا احتمل صدق كلّ منهما، أما إذا قطعنا بما ادعاه أحدهما .. فهو المصدق.
ويستثنى: ما لو ادعى المشتري وجودَ عيبين في يد البائع، فاعترف بأحدهما وادعى حدوث الآخر في يد المشتري .. فإن القول قول المشتري؛ لأن الردَّ ثبت بإقرار البائع بأحدهما، فلا يبطل بالشك، قاله ابن القطان في "المطارحات"، واستحسنه السبكي في "شرح المهذب".
وتصديق البائع إنما هو بالنسبة إلى دفع الردِّ عليه لا في تغريم المشتري الأرش لو قدر عوده إليه، فلو جرى الفسخ بعد تصديقه بتحالف فطالب المشتري بأرش الحادث وزعم أنه أثبت حدوثه بيمينه .. فلا يجاب إليه؛ لأن يمينه وإن صلحت للدفع عنه لا تصلح لشغل ذمة المشتري، بل للمشتري أن يحلف الآن أنه ليس بحادث عنده، كذا جزم به جمع منهم الماوردي والقاضي والإمام والغزالي، ولم يتعرض له الشيخان 951.
(بيمينه) لاحتمال صدق المشتري (على حسب جوابه) فإن قال في جوابه: (ليس له الردُّ علي بهذا)، أو الا يلزمني قبوله) .. حلف على ذلك، وإن قال: (ما بعته إلا سليمًا)، أو (ما أقبضته إلا سليمًا) .. حلف كذلك.
(والزيادة المتصلة؛ كالسمن) وكبر الشجرة، وتعلم العبد حرفةً (تتبع الأصل) لعدم إمكان إفرادها.
(والمنفصلة؛ كالولد والأجرة لا تمنع الرد) عملًا بمقتضى العيب.
الجزء: 2 - الصفحة: 62
وَهِيَ لِلْمُشْتَرِي إِنْ رَدَّ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ بَاعَهَا حَامِلًا فَانْفَصَلَ .. رَدَّهُ مَعَهَا فِي الأَظْهَرِ. وَلَا يَمْنَعُ الرَّدَّ الاسْتِخْدَامُ وَوَطْءُ الثَّيِّبِ. وَافْتِضَاضُ الْبِكْرِ نَقْصٌ حَدَثَ، وَقَبْلَهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
(وهي للمشتري إن رَدَّ بعد القبض) لحديث: "الْخَرَاجُ بِالضمَانِ" رواه أبو داوود، وصححه الترمذي والحاكم 952، ومعناه: أن ما يخرج من المبيع من غلة وفائدة فهي للمشتري في مقابلة أنه لو تلف .. لكان من ضمانه.
(وكذا قبله في الأصحِّ) بناء على أن الفسخ يرفع العقد من حينه، وهو الأصح، والثاني: أنها للبائع؛ بناء على أنه يرفعه من أصله.
(ولو باعها حاملًا فانفصل .. رَدَّه معها في الأظهر) بناء على أن الحمل يعلم ويقابل بقسط من الثمن، والثاني: لا؛ بناء على مقابله، وهذا إذا لم تنقص قيمة الأم بالولادة، فإن نقصت .. امتنع الردُّ.
واحترز بقوله: (فانفصل): عما إذا كانت بعد حاملًا .. فإنه يردها كذلك جزمًا، ولو باع دجاجة فيها بيضة فباضت، ثم وجد بالدجاجة عيبًا .. هل يلزمه ردُّ البيضة مع الدجاجة؟ وجهان؛ بناءً على القولين في الحمل، ذكره الروياني 953.
(ولا يمنع الردَّ الاستخدامُ) بالإجماع، (ووطءُ الثيّب) لأنه إلمام من غير إيلام فلم يمنع الردّ؛ كالاستخدام، هذا في وطء المشتري، ومثله: وطء البائع والأجنبي بشبهة، فإن كانت زانية به .. فإنه عيب حادث.
(وافتضاض البكر) وهو إزالة بكارتها بأي طريق كان ولو بوثبة (نقصٌ حدث) 954 فيمتنع الردّ؛ كسائر العيوب الحادثة، ويستثنى: ما إذا كان بزواج سابق، (وقبله جناية على المبيع قبل القبض) فيفصل فيه بين الأجنبي والبائع والمشتري والآفة السماوية؛ كما سيأتي في بابه.
الجزء: 2 - الصفحة: 63
فصلٌ [في التصرية]
التَّصرِيَةُ حَرَامٌ تُثْبِتُ الْخِيَارَ عَلَى الْفَوْرِ، وَقِيلَ: يَمْتَدُّ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ. فَإِنْ رَدَّ بَعْدَ تَلَفِ اللَّبَنِ .. رَدَّ مَعَهَا صَاعَ تَمْرٍ، وَقِيلَ: يَكْفِي
(فصل: التصرية حرام) لقوله عليه السلام: "لَا تُصَرُّوا الإبِلَ وَالْغَنَمَ؛ فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ .. فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ حَلَبَها: إِنْ رَضِيَهَا .. أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا .. رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ" متفق عليه 955.
والتصرية: ربط أخلاف البهيمة وترك حلبها مدةً؛ ليجتمع اللبن، فيظن المشتري غزارة لبنها فيزيد في الثمن، وذلك غِشٌّ وتدليس.
(تُثبت الخيارَ) للحديث (على الفور) كالردِّ بالعيب، (وقيل: يمتد ثلاثة أيام) لقوله عليه الصلاة والسلام: "مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً .. فَهُوَ بالْخِيَار ثَلَاثةَ أَيَّامٍ" رواه مسلم 956.
وهذا ما نصَّ عليه في "الإملاء"، وصححه كثيرون، واختاره المتأخرون؛ منهم: السبكي.
ولو علم بالتصرية قبل الثلاث .. فخياره على الفور على الأول، وعلى الثاني: يمتد إلى آخر الثلاث، ولو علم بها في آخر الثلاث أو بعدها .. فعلى الثاني: لا خيار؛ لامتناع مجاوزة الثلاث، وعلى الأول: يثبت على الفور قطعًا.
[وهل ابتداء الثلاث من العقد أو التفرق؟ فيه الوجهان في خيار الشرط.
قاله الشيخان، ومقتضاه: أن الأصح: أنها من العقد 957، وقال البُلْقِيني: الصواب: اعتبارها من وقت ظهور التصرية] 958.
(فإن رَدَّ بعد تلف اللبن .. رَدَّ معها صاع تمر) للحديث المارِّ، (وقيل: يكفي
الجزء: 2 - الصفحة: 64
صَاعُ قُوتٍ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ الصَّاعَ لَا يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ، وَأَنَّ خِيَارَهَا لَا يَخْتَصُّ بِالنَّعَمِ بَلْ يَعُمُّ كُلَّ مَأْكُولٍ وَالْجَارِيَةَ وَالأَتَانَ،
صاع قوت) لأنه قد ورد في رواية: (التمر)، وفي رواية: (الطعام)، وفي رواية: (القمح)، فدلَّ على اعتبار القوت مطلقًا؛ كصدقة الفطر.
وقوله: (بعد تلف اللبن): قد يُفهم أن اللبن إذا كان باقيًا .. يجب ردُّه، وليس كذلك، بل إن طلب البائع رده .. لم يجبر المشتري عليه؛ لأن ما حدث منه بعد البيع ملك له.
وإن طلبه المشتري؛ فإن حمض .. لم يُكلَّف البائع قبوله، وكذا إن لم يتغير في الأصح؛ لذهاب طراوته.
فلو عبر بقوله: (بعد الحلب) .. لاستقام؛ فإنه إذا ردّ قبله .. لا شيء عليه، هذا عند عدم تراضيهما، فلو تراضيا على ردِّ اللبن .. جاز ذلك من غير صاع تمر، وكذا لو تراضيا على قوت أو غيره.
واستثنى صاحب "الخصال" من رد الصاع معها: ما إذا اشتراها بأقل من صاع مع اللبن .. فلا يردها مع صاع، ثم قال: وفيه نظر.
انتهى، والمذهب: أنه لا فرق بين أن يكون اشتراها بصاع تمر أو دونه.
(والأصح: أن الصاع لا يختلف بكثرة اللبن) لإطلاق الخبر وقطعًا للنزاع، والثاني: أن الواجب يتقدر بقدر اللبن، لما رواه أبو داوود عن ابن عمر: "فَإِنْ رَدَّهَا .. رَدَّ مَعَهَا مِثْلَ أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا" 959.
(وأن خيارها لا يختص بالنعم) وهي الإبل والبقر والغنم، (بل يعم كلَّ مأكول والجاريةَ والأتانَ) وهي الأنثى من الحمر الأهلية 960، لأن في رواية أبي داوود: "مَنْ بَاعَ مُحَفَّلَةً" 961، والثاني: يختص؛ لأن ما عداها لا يقصد لبنه إلا على ندور.
الجزء: 2 - الصفحة: 65
وَلَا يَرُدُّ مَعَهُمَا شَيْئًا، وَفِي الْجَارِيَةِ وَجْهٌ. وَحَبْسُ مَاءِ الْقَنَاةِ وَالرَّحَى الْمُرْسَلِ عِنْدَ الْبَيْعِ، وَتَحْمِيرُ الْوَجْهِ، وَتَسْوِيدُ الشَّعْرِ وَتَجْعِيدُهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، لَا لَطْخُ ثَوْبِهِ تَخْيِيلًا لِكِتَابَتِهِ فِي الأَصَحِّ.
(ولا يرد معهما) أي: مع الجارية والأتان (شيئًا) لأن لبن الأتان نجس، فلا عوض له، ولبن الآدميات لا يُعتاض عنه غالبًا.
(وفي الجارية وجه) أنه يُردُّ معها صاع تمر؛ لأنه كلبن النعم في صحة أخذ العوض عنه، قال الإمام: ومحل الخلاف: إذا لم يكن للبنها قيمة، أما إذا كان له قيمة .. فلا بدّ من بدله 962.
(وحبس ماء القناة والرحى المرسلِ عند البيع) والإجارة، (وتحمير الوجه، وتسويد الشعو وتجعيده يُثبت الخيار) قياسًا على التصرية بجامع التدليس.
و(الشعر المجعد) هو: الذي فيه التواءٌ وانقباض لا المفلفل؛ كشعر السودان.
(لا لطخ ثوبه تخييلًا لكتابته في الأصح) لأن الاستدلال به على الكتابة ضعيف؛ فإنه ربما لبس ثوبَ غيره أو أصابه ذلك من حمل دواة، فكان المشتري مقصرًا بعدم السؤال عنه، والثاني: نعم؛ للتلبيس والتدليس.
الجزء: 2 - الصفحة: 66
بابٌ [في حكم المبيع قبل قبضه وبعده والتصرف فيه]
الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ. فَإِنْ تَلِفَ .. انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَسَقَطَ الثَّمَنُ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ الْمُشْتَرِي عَنِ الضَّمَانِ .. لَمْ يَبْرَأْ فِي الأَظْهَرِ وَلَمْ يَتَغَيَّرِ الْحُكْمُ
(باب)
(المبيع قبل قبضه من ضمان البائع) لبقاء سلطنته عليه، واستثنى الوجيزي من ذلك ثلاث مسائل: الأولى: إذا اشترى أمة فوطئها أبو المشتري قبل القبض وأحبلها، ثم ماتت .. فإنها تتلف من ضمان المشتري فيما يظهر؛ لأنها بالعُلوق قَدَّرنا انتقالهما إلى ملك الأب، ومن ضرورة ذلك تقدير القبض وإن لم تحصل صورته، ووافقه السبكي على ذلك، الثانية: إذا اشترى السيد من مكاتبه شيئًا، ثم عجَّز المكاتب نفسَه قبل قبض السيد العين المبيعة، الثالثة: إذا اشترى الوارث من مورثه عينًا، ثم مات المورث قبل القبض، وفي استثناء الثانية والثالثة نظر.
(فإن تلف) بآفة ( .. انفسخ البيع وسقط الثمن) لفوات التسليم المستحق بالعقد فبطل؛ كما لو تفرقا في عقد الصرف قبل التقابض، ووقوع الدرة في البحر كالتلف.
واستثني من طرده: ما لو وضع العين المبيعة بين يدي المشتري بعد امتناعه من قبضها .. فإنه يبرأ على الصحيح.
ومن عكسه: ما لو قبضه المشتري وديعة من البائع - وقلنا: بالأصح: إنه لا يبطل به حقّ الحبس - فتلف في يده .. فهو كتلفه في يد البائع، وما لو قبضه المشتري من البائع في زمن الخيار، والخيار للبائع وحده فتلف في يده .. فهو كتلفه في يد البائع فينفسخ ويرجع المشتري بثمنه، وللبائع القيمة، وهي كقيمة المستعار.
(ولو أبرأه المشتري عن الضمان .. لم يبرأ في الأظهر ولم يتغير الحكم) لكونه إبراء عَمَّا لم يجب، والثاني: يبرأ؛ لوجود سبب الوجوب.
الجزء: 2 - الصفحة: 67
وَإِتْلَافُ الْمُشْتَرِي قَبْضٌ إِنْ عَلِمَ، وَإِلَّا .. فَقَوْلَانِ كَأَكْلِ الْمَالِكِ طَعَامَهُ الْمَغْصُوبَ ضَيْفًا. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ إِتْلَافَ الْبَائِعِ كَتَلَفِهِ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ إِتْلَافَ الأَجْنَبيِّ لَا يَفْسَخُ، بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ أَنْ يُجيزَ وَيُغَرِّمَ الأَجْنَبِيَّ، أَوْ يَفْسَخَ وَيُغَرِّمَ الْبَائِعُ الأَجْنَبِيَّ. وَلَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَرَضِيَهُ .. أَخَذَهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ
(وإتلاف المشتري قبضٌ إن عَلم) كما لو أتلف المالك المغصوب في يد الغاصب، ويستثنى منه مسائل: منها: ما إذا قتله المشتري دفعًا لصياله عليه .. فإنه لا يكون قبضًا على الأصح في "زيادة الروضة" 963، ومنها: لو ارتد في يد البائع فقتله المشتري وهو الإمام أو نائبه عن الردة.
قال ابن الرفعة: ولو قتله المشتري قصاصًا .. فيظهر أنه كالآفة.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم ( .. فقولان كأكل المالك طعامَه المغصوبَ ضيفًا) جاهلًا بأنه طعامه، بتقديم الغاصب، والأصح: أنه يبرأ الغاصب تقديمًا للمباشرة، وقضيته: ترجيح كونه من ضمانه.
(والمذهب أن إتلاف البائع كتلفه) بآفة سماوية، فينفسخ البيع؛ لأن المبيع مضمون عليه بالثمن، فإذا أتلفه .. سقط الثمن، والثاني: لا ينفسخ؛ لأنه جان على ملك غيره، فأشبه الأجنبي فيتخير المشتري بين الفسخ والإجازة، والطريق الثاني: القطع بالأول، وبيع البائع مع الإقباض، وعجزه عن الاسترداد .. كجنايته.
(والأظهر: أن إتلاف الأجنبي لا يَفْسخ) لقيام البدل مقام المبيع، (بل يتخير المشتري بين أن يجيز ويُغرِّم الأجنبي، أو يَفسخ ويغرم البائع الأجنبي) 964 لفوات العين المقصودة، والثاني: يكون فسخًا، لتعذر التسليم.
ويستثنى: ما إذا كان الأجنبي حربيًّا أو قتله بحقٍّ، من قصاص وغيره .. فإنه كالآفة، وكذا لو كان المبيع مرتدًّا أو محاربًا أو تاركًا للصلاة وقتله أجنبي.
(ولو تَعيَّب قبل القبض فرضيه .. أخذه بكلِّ الثمن) كما لو كان مقارنًا للعقد، ولا أرش له مع قدرته على الفسخ.
الجزء: 2 - الصفحة: 68
وَلَوْ عَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي .. فَلَا خِيَارَ، أَوِ الأَجْنَبِيُّ .. فَالْخِيَارُ، فَإِنْ أَجَازَ .. غَرِمَ الأَجْنَبِيُّ الأَرْشَ. وَلَوْ عَيَّبَهُ الْبَائِعُ .. فَالْمَذْهَبُ: ثبُوتُ الْخِيَارِ لَا التَّغرِيمُ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ بَيْعَهُ لِلْبَائِعِ كَغَيْرِهِ،
(ولو عيّبه المشتري .. فلا خيار) لحصوله بفعله، بل يمتنع بسببه الردُّ بالعيوب القديمة، وهذا بخلاف المستأجر إذا عَيَّبَ العينَ المستأجرة، والمرأة إذا جَبَّت ذكرَ زوجها .. فإن لهما الخيارَ، وفرّق في "المطلب" بأن تعييب المشتري يُنزَّل منزلة القبض، وجَبّ الذكر وهدم الدار لا يتخيل فيهما ذلك.
(أو الأجنبي .. فالخيار) لكونه مضمونًا على البائع، (فإن أجاز .. غَرِم الأجنبيُّ الأرش) لأنه الجاني.
(ولو عيبه البائع .. فالمذهب: ثبوت الخيار لا التغريم) اعلم: أن ثبوت الخيار لا خلاف فيه؛ لأن فعل البائع إما كالآفة، وإما كفعل الأجنبي، وكلٌّ منهما مثبت للخيار قطعًا، وإنما الخلاف في التغريم، والمذهب: أنه لا يثبت؛ بناء على أنه كالآفة السماوية، والثاني: يثبت؛ بناء على جعله كالأجنبي، فالصواب في التعبير: أن يقول: (ثبت الخيار لا التغريم على المذهب).
(ولا يصحُّ بيع المبيع قبل قبضه) لصحة النهي عنه 965، ثم قيل: المنع مُعلَّل بضعف الملك؛ بدليل الانفساخ بتلفه، فلا يستفيد به ولاية التصرف، وقيل: بتوالي الضمانين على شيء واحد؛ لأنا لو نَفَّذنا البيعَ من المشتري .. لكان مضمونًا على البائع للمشتري، وإذا نفذ منه .. صار مضمونًا عليه للمشتري الثاني، فيكون الشيء الواحد مضمونًا له وعليه في عَقدين.
(والأصح: أن بيعه للبائع كغيره) مراعاة للمعنى الأول، والثاني: يجوز؛ بناء على المعنى الثاني.
ومحل الخلاف: إذا باعه بغير جنس الثمن، أو بزيادة أو نقص أو تفاوت صفة، وإلا .. فهو إقالة بلفظ البيع، قاله في "التتمة"، وأقرّاه 966.
الجزء: 2 - الصفحة: 69
وَأَنَّ الإِجَارَةَ وَالرَّهْنَ وَالْهِبَةَ كَالْبَيع، وَأَنَّ الإِعْتَاقَ بِخِلَافِهِ. وَالثَّمَنُ الْمُعَيَّنُ كَالْمَبِيعِ، فَلَا يَبِيعُهُ الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَلَهُ بَيع مَالِهِ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَمَانَةً كَوَدِيعَةٍ وَمُشْتَرَكٍ وَقِرَاضٍ، وَمَرْهُونٍ بَعْدَ انْفِكَاكِهِ، وَمَوْرُوثٍ، وَبَاقٍ فِي يَدِ وَلِيِّهِ بَعْدَ رُشْدِهِ،
(وأن الإجارة والرهن والهبة كالبيع) بناء على المعنى الأول، والثاني: يصحُّ؛ بناء على الثاني.
(وأن الإعتاق بخلافه) أي: بخلاف البيع، فيصحُّ ولو كان للبائع حقُّ الحبس؛ لقوته، وضعف حقِّ الحبس، والثاني: لا يصحُّ؛ لأنه إزالة ملك؛ كالبيع.
والتزويج والاستيلاد والوقف كالعتق.
ويستثنى: ما لو أعتقه على مال .. فإنه لا يصحُّ، وكذا إن أعتقه عن كفارة غيره؛ لأن الأول بيع، والثاني: هبة.
(والثمنُ المُعيَّن كالمبيع، فلا يبيعه البائع قبل قبضه) لعموم النهي 967، ووجود العلتين.
وقوله: (فلا يبيعه ... ) إلى آخره: زيادة لا حاجة إليها، بل مضرة؛ لأنها توهم جوازَ غير البيع.
(وله بيع ماله في يد غيره أمانة؛ كوديعة، ومشترك، وقراض، ومرهون بعد انفكاكه، وموروث، وباق في يد وليّه بعد رشده) لتمام الملك، والقدرة على التسليم.
ويستثنى: ما إذا استأجر صَبَّاغًا لصبغ ثوب وسلمه إليه .. فليس للمالك بيعه قبل صبغه؛ لأن له حبسَه لعمل ما يستحق به الأجرةَ، وإذا صبغه .. فله بيعه إن وفّى الأجرةَ، وإلا .. فلا، قاله البغوي وتابعاه، قالا: والقِصارة كالصبغ إن قلنا: هي عين، وإن قلنا: أثر .. فله البيع قبل دفع الأجرة 968.
وقوله: (وموروث): استثني منه: ما إذا اشتراه مورثه ومات ولم يقبضه .. فليس للوارث بيعه قبل قبضه، ورد: بأنه ليس في يد بائعه أمانةً.
الجزء: 2 - الصفحة: 70
وَكَذَا عَارِيَةٌ وَمَأْخُوذٌ بِسَوْمٍ. وَلَا يَصِحُّ بَيع الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَلَا الاعْتِيَاضُ عَنْهُ. وَالْجَدِيدُ: جَوَازُ الاسْتِبْدَالِ عَنِ الثَّمَنِ، فَإِنِ اسْتبدَلَ مُوَافِقًا فِي عِلَّةِ الرِّبَا كَدَرَاهِمَ عَنْ دَنَانِيرَ .. اشْتُرِطَ قَبْضُ الْبَدَلِ فِي الْمَجْلِسِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ فِي الْعَقْدِ، وَكَذَا الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ إِنِ اسْتَبْدَلَ مَا لَا يُوَافِقُ فِي الْعِلَّةِ؛ كَثَوْبٍ عَنْ دَرَاهِمَ
(وكذا عارية، ومأخوذ بسوم) لما ذكرناه، وإنما عطف بـ (كذا)؛ لينبه على أنه قسيم الأمانة؛ لأنه مضمون ضمانَ يد.
(ولا يصح بيع المُسلَم ديه، ولا الاعتياض عنه) لعموم النهي عن بيع ما لم يقبض 969.
(والجديد: جواز الاستبدال عن الثمن) الذي في الذمة؛ لحديث ابن عمر أنه قال: (يا رسول الله؛ إني أبيع الإبل بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فقال: "لَا بَأْسَ إِذَا تَفَرَّقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ") صححه ابن حبان وغيره 970، والقديم: المنع؛ لإطلاق النهي عن بيع ما لم يقبض.
والثمن هو: النقد على الأصح، والمثمن: ما يقابله، فإن لم يكن نقدًا أصلًا أو كانا نقدين .. فالثمن: ما التصقت به الباء.
(فإن استبدل موافقًا في علة الربا؛ كدراهم عن دنانير .. اشترط قبض البدل في المجلس) لما مرّ في الربا.
(والأصح: أنه لا يشترط التعيين في العقد) كما لو تصارفا في الذمة ثم عينا وتقابضا، والثاني: يشترط؛ ليخرج عن بيع الدين بالدين.
(وكذا القبض في المجلس إن استبدل ما لا يوافِق في العله؛ كثوب عن دراهم) أي: لا يشترط أيضًا في الأصح؛ كما لو باع ثوبًا بدراهم في الذمة .. لا يشترط قبض الثوب، والثاني: يشترط؛ لأن أحد العوضين دين، فيشترط قبض الآخر؛ كرأس
الجزء: 2 - الصفحة: 71
وَلَوِ اسْتَبْدَلَ عَنِ الْقَرْضِ وَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ .. جَازَ، وَفِي اشْتِرَاطِ قَبْضِهِ فِي الْمَجْلِسِ مَا سَبَقَ. وَبَيْعُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ بَاطِلٌ فِي الأَظْهَرِ؛ بِأَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدَ زَيْدٍ بِمِئَةٍ لَهُ عَلَى عَمْرٍو. وَلَو كَانَ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو دَيْنَانِ عَلَى شَخْصٍ، فَبَاعَ زَيْدٌ عَمْرًا دَيْنَهُ بِدَيْنِهِ .. بَطَلَ قَطْعًا. وَقَبْضُ الْعَقَارِ: تَخْلِيَتُهُ لِلْمُشْتَرِي وَتَمْكِينُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ، بِشَرْطِ فَرَاغِهِ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَائِعِ،
مال السلم، وعلى الأول: فلا بدّ من التعيين قطعًا.
وفي اشتراط التعيين في العقد الوجهان في استبدال الموافق.
(ولو استبدل عن) دين (القرض وقيمةِ المُتلَف) إن كان متقومًا ( .. جاز) لاستقراره، بخلاف دين السلم، وكذا المثل إن كان مثليًّا.
(وفي اشتراط قبضه في المجلس ما سبق) أي: فيفصل بين الموافق في علة الربا والمخالف، وكذا يأتي في تعينيه ما سبق، والأصح: عدم الاشتراط.
(وبيع الدين) بعين (لغير من عليه باطلٌ في الأظهر؛ بأن يشتري عبد زيد بمئة له على عمرو) لأنه لا يقدر على تسليمه، والثاني: يجوز؛ لاستقراره؛ كبيعه ممن هو عليه، وهو الاستبدال كما مر، وهذا ما صححه في "زوائد الروضة" هنا 971.
(ولو كان لزيد وعمرو دينان على شخص، فباع زيد عمرًا دينه بدينه .. بطل قطعًا) للنهي عن بيع الكالئ بالكالئ، وهو الدين بالدين 972.
(وقبض العقار) كالأرض والدار والبناء، وكذا الشجر (تخليتهُ للمشتري) أي: تركه له (وتمكينه من التصرف) فيه (بشرط فراغه من أمتعة البائع) لأن الشرع أطلق القبض وأناط به أحكامًا ولم يبينه، ولا له حدٌّ في اللغة، فيرجع فيه إلى العرف؛ كالحرز في السرقة ونحوه، والعرف قاض بما ذكره، ولا بدّ من تسليم مفتاح الدار إلى المشتري، ولا يشترط دخوله.
وتقييده بأمتعة البائع: يحترز به عن أمتعة المشتري، ويلتحق بأمتعة البائع أمتعة المستعير والمستأجر والموصى له بالمنفعة والغاصب، قاله الأَذْرَعي.
الجزء: 2 - الصفحة: 72
فَإِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْعَاقِدَانِ الْمَبِيعَ .. اعْتُبِرَ مُضِيُّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْمُضِيُّ إِلَيْهِ فِي الأَصَحِّ. وَقَبْضُ الْمَنْقُولِ: تَحْوِيلُهُ، فَإِنْ جَرَى الْبَيْعُ بِمَوْضِعٍ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ .. كَفَى نَقْلُهُ إِلَى حَيِّزٍ، وَإِنْ جَرَى فِي دَارِ الْبَائِعِ .. لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ إِلَّا بِإِذْنِ الْبَائِعِ فَيَكُونُ مُعِيرًا لِلْبُقْعَةِ
(فإن لم يَحضر العاقدان المبيعَ) وقلنا: بالأصح: أنه لا يشترط حضورهما عنده ( .. اعتبر مضي زمن يمكن فيه المضي إليه في الأصحِّ) سواء أكان في يد المشتري أم لا؛ لأنا أسقطنا الحضور للمشقة، ولا مشقة في مضي الزمان، فاعتبر، والثاني: لا يعتبر؛ لأنه لا معنى لاشتراطه مع عدم الحضور.
(وقبض المنقول: تحويله) لحديث ابن عمر: (كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه) 973 ولأن العادة في المنقول ذلك، فإن كان المبيع خفيفًا يتناول باليد؛ كالدراهم .. فلا بدَّ من تناوله باليد.
(فإن جرى البيع بموضع لايختص بالبائع .. كفى نقله إلى حيّز) من ذلك الموضع؛ لوجود التحويل.
وقوله: (جرى البيع) تبع فيه "المحرر" وليس بجيد؛ إذ جريان البيع لا مدخل له فيما نحن فيه بالكلية، بل العبرة بوجود المبيع، ولهذا عبرا في "الروضة"، و"أصلها" بقولهما: (وإن كان المبيع) بالميم 974.
(وإن جرى في دار البائع .. لم يكف ذلك) لأن يد البائع عليها وعلى ما فيها.
نعم؛ يدخل في ضمانه؛ لوجود الاستيلاء.
(إلا بإذن البائع) في القبض والنقل (فيكون معيرًا للبُقعة) التي أذن في النقل إليها؛ كما لو استعار من غيره.
الجزء: 2 - الصفحة: 73
فَرعٌ [في تتمة أحكام الباب]
لِلْمُشْتَرِي قَبْضُ الْمَبِيِعِ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا أَوْ سَلَّمَهُ، وَإِلَّا .. فَلَا يَسْتَقِلُّ بِهِ. وَلَوْ بِيعَ الشَّيْءُ تَقْدِيرًا كَثَوْبٍ وَأرْضٍ ذَرْعًا، وَحِنْطَةٍ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا .. اشْتُرِطَ مَعَ النَّقْلِ ذَرْعُهُ أَوْ كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ، مِثَالُهُ: (بِعْتُكَهَا كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ)، أَوْ (عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ آصُعٍ). وَلَوْ كَانَ لَهُ طَعَامٌ مُقَدَّرٌ عَلَى زَيْدٍ، وَلِعَمْرٍو عَلَيْهِ مِثْلُهُ .. فَلْيَكْتَلْ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يَكِيلُ لِعَمْرٍو. فَلَوْ قَالَ: (اقْبِضْ مِنْ زَيْدٍ مَا لِيَ عَلَيْهِ لِنَفْسِكَ) فَفَعَلَ .. فَالْقَبْضُ فَاسِدٌ
(فرع: للمشتري قبض المبيع إن كان الثمن مُؤجَّلًا) في ابتداء العقد وإن حلَّ قبل التسليم (أو سلَّمه) وإن لم يأذن البائع؛ لانتفاء حقِّ الحبس والحالة هذه.
(وإلا .. فلا يستقلُّ به) بل لا بدَّ من إذن البائع، وعليه الردُّ إن قبضه؛ لأن له حقَّ الحبس لاستيفاء الثمن.
(ولو بيع الشيء تقديرًا؛ كثوب وأرض ذرعًا، وحنطةٍ كيلًا أو وزنًا .. اشترط مع النقل ذَرْعُه) إن بيع ذرعًا (أو كيله) إن بيع كيلًا (أو وزنه) إن بيع وزنًا، وكذا عده في المعدود؛ لورود النصِّ في الكيل، وهو قوله عليه السلام: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا .. فَلَا يَبعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ" متفق عليه 975، فقسنا عليه الباقي.
(مثاله: "بعتكها كلَّ صاع بدرهم"، أو "على أنها عشرة آصع") هذان المثالان للبيع مكايلة، وأمثلة الباقي لا تخفى.
(ولو كان له) أي: لبكر مثلًا (طعام مُقدَّر على زيد، ولعمرو عليه مثلُه .. فليكتل لنفسه، ثم يكيل لعمرو) ليكون قبضه قبل إقباضه.
(فلو قال) بكر: ("اقبض) يا عمرو (من زيد ما ليَ عليه لنفسك"، ففعل .. فالقبض فاسد) بالنسبة إلى عمرو؛ لاتحاد القابض والمُقبِض؛ فإنه يصير قابضًا من نفسه لنفسه، وأما بالنسبة إلى زيد .. فالأصح: صحته، وتَبرأ ذمته.
الجزء: 2 - الصفحة: 74
فَرعٌ [في تتمة الباب أيضًا]
قَالَ الْبَائِعُ: (لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَهُ)، وَقَالَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ مِثْلَهُ .. أُجْبِرَ الْبَائِعُ، وَفِي قَوْلٍ: الْمُشْتَرِي، وَفِي قَوْلٍ: لَا إِجْبَارَ، فَمَنْ سَلَّمَ .. أُجْبِرَ صَاحِبُهُ، وَفِي قَوْلٍ: يُجْبَرَانِ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا .. سَقَطَ الْقَوْلَانِ الأَوَّلَانِ وَأُجْبِرَا فِي الأَظْهَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا سَلَّمَ الْبَائِعُ .. أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي إِنْ حَضَرَ الثَّمَنُ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا .. فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ بِالْفَلَسِ، أَوْ مُوسِرًا وَمَالُهُ بِالْبَلَدِ أَوْ بِمَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ .. حُجِرَ عَلَيْهِ فِي أَمْوَالِهِ حَتَّى يُسَلِّمَ،
(فرع: قال البائع: "لا أُسلِّم المبيع حتى أقبصْ ثمنَه"، وقال المشتري في الثمن مثلَه .. أجبر البائع) لأن البائع يتصرف في الثمن بالحوالة والاعتياض، فليُسلِّم ليتصرف المشتري مثله، (وفي قول: المشتري) لأن حقه متعين في المبيع، وحقّ البائع غير متعين في الثمن، فيؤمر بالتعيين، (وفي قول: لا إجبار، فمن سلّم .. أُجبر صاحبُه) لأنهما سواء، (وفي قول: يُجبَران) لأن التسليم واجب عليهما، فيأمر الحاكم كلًّا منهما بإحضار ما عليه إليه أو إلى عدل، فإذا أحضر .. أسلم الثمن إلى البائع، والمبيع إلى المشتري، ولا يضره بأيهما بدأ.
(قلت: فإن كان الثمن مُعيَّنًا .. سقط القولان الأولان وأجبرا في الأظهر، والله أعلم) لاستواء الجانبين.
وهذا كلُّه إذا كان الثمن حالًّا، فإن كان مُؤجَّلًا .. أجبر البائع قطعًا، فلو كان البائع نائبًا عن غيره بوكالة أو ولاية .. فلا يأتي إلا إجبارُهما، أو إجبار المشتري.
(وإذا سلّم البائع .. أجبر المشتري إن حَضر الثمنُ) في المجلس؛ لأن التسليم واجب عليه، ولا مانع منه، والمراد بـ (الثمن): نوعه؛ لأن الكلام فيما إذا كان في الذمة، (وإلا) أي: وإن لم يكن حاضرًا (فإن كان معسرًا .. فللبائع الفسخ بالفَلَس) لما سيأتي في بابه، وحينئذ: فيشترط فيه حجر القاضي.
(أو موسرًا ومالُه بالبلد، أو بمسافة قريبة) دون مسافة القصر ( .. حُجر عليه في أمواله حتى يُسلِّم) لئلا يتصرف فيها بما يبطل حقَّ البائع، ولا فرق على الصحيح بين
الجزء: 2 - الصفحة: 75
فَإِنْ كَانَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ .. لَمْ يُكَلَّفِ الْبَائِعُ الصَّبْرَ إِلَى إِحْضَارِهِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ، فَإِنْ صَبَرَ .. فَالْحَجْرُ كَمَا ذَكَرْنَا. وَلِلْبَائِعِ حَبْسُ مَبِيعِهِ حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ إِنْ خَافَ فَوْتَهُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الأَقْوَالُ إِذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَهُ وَتنَازَعَا فِي مُجَرَّدِ الابْتِدَاءِ.
أن تكون أمواله وافية بالثمن أم لا، ولهذا سماه الغزالي وغيره بـ (الحجر الغريب) 976.
(فإن كان بمسافة القصر .. لم يُكلَّف البائع الصبر إلى إحضاره) لما فيه من الضرر عليه بتأخير حقه.
(والأصحُّ: أن له الفسخَ) لتعذر تحصيل الثمن؛ كإفلاس المشتري به، والثاني: يباع ويؤدى حقه من ثمنه؛ كسائر الديون.
(فإن صبر .. فالحجر كما ذكرنا) لاحتمال تفويته المال.
(وللبائع حبس مبيعه حتى يقبض ثمنَه إن خاف فوته بلا خلاف، وإنما الأقوال إذا لم يخف فوتَه وتنازعا في مجرَّد الابتداء) لأن الإجبار عند خوف الفوات بالهرب أو تمليك المال أو نحو ذلك .. فيه ضرر ظاهر، وهكذا الحكم في المشتري أيضًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 76
بابُ التّولية والإشراك والمراجعة
اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ قَالَ لِعَالِمٍ بِالثَّمَنِ: (وَلَّيْتُكَ هَذَا الْعَقْدَ)، فَقَبلَ .. لَزِمَهُ مِثْلُ الثَّمَنِ، وَهُوَ بَيْعٌ فِي شَرْطِهِ وَتَرَتُّبِ أَحْكَامِهِ، لكِنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الثَّمَنِ. وَلَوْ حُطَّ عَنِ المُوَلِّي بَعْضُ الثَّمَنِ .. انْحَطَّ عَنِ الْمُوَلَّى. وَالإِشْرَاكُ فِي بَعْضِهِ كَالتَّوْليَةِ فِي كُلِّهِ إِنْ بيَّنَ الْبَعْضَ، فَلَوْ أَطْلَقَ .. صَحَّ وَكَانَ مُنَاصَفَةً، وَقِيلَ: لَا
(باب التولية والإشراك والمرابحة)
التولية: مصدر وَلَّى تولية، والإشراك: مصدر أشركه؛ أي: صيره شريكًا، والمرابحة: من الربح وهو الزيادة.
وذَكَرَ في الباب المُحاطة أيضًا ولم يترجم لها.
(اشترى شيئًا ثم قال لعالم بالثمن: "وليتك هذا العقد") سواء قال: بما اشتريته، أم سكت (فقبل) بأن قال: قبلت أو توليت ( .. لزمه مثلُ الثمن) جنسًا وقدرًا وصفة.
(وهو) أي: هذا العقد (بيع في شرطه) فلا يصحُّ قبل القبض، ويشترط فيه جميع شروط البيع؛ لأن حدَّ البيع صادق عليه، (وترتبِ أحكامه) من تجدد الشفعة، وبقاء الزوائد المنفصلة على ملك المولي، وغير ذلك؛ لأنه ملك جديد (لكن لا يحتاج إلى ذكر الثمن) لأن لفظ التولية مشعر به، [فلو ذكره .. لم يضر] 977.
(ولو حُطّ عن المولِّي بعضُ الثمن .. انحطّ عن المولَّى) وإن كان بعد التولية؛ لأنه وإن كان بيعًا جديدًا، فخاصيته وفائدته هي التنزيل على الثمن الأول.
(والإشراك في بعضه كالتولية في كلِّه) في جميع ما مرّ من الشروط والأحكام (إن بيّن البعضَ) بأن يقول: (أشركتك معي مناصفة، أو بالنصف)، فإن ذكر بعضًا ولم يبينه .. لم يصحَّ؛ للجهل.
(فلو أطلق .. صحَّ وكان مناصفةً) كما لو أقر بشيء لزيد ولعمرو، (وقيل: لا) يصحُّ؛ للجهالة؛ كقوله: (بعتك بألف ذهبًا وفضة).
الجزء: 2 - الصفحة: 77
وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ؛ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ بمِئَةٍ ثُمَّ يَقُولَ: (بِعْتُكَ بِمَا اشْتَرَيْتُ وَرِبْحِ دِرْهَمٍ لَكُلِّ عَشَرَةٍ، أَوْ رِبْحِ "دَهْ يَازْدَهْ"). وَالْمُحَاطَّةِ كَـ (بِعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ وَحَطِّ "دَهْ يَا زْدَهْ")، وَيُحَطُّ مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ. وَإِذَا قَالَ: (بِعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ) .. لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ سِوَى الثَّمَنِ، وَلَوْ قَالَ: (بِمَا قَامَ عَلَيَّ) .. دَخَلَ مَعَ ثَمَنِهِ أُجْرَةُ الْكَيَّالِ وَالدَّلَّالِ وَالْحَارِسِ وَالْقَصَّارِ وَالرَّفَّاءِ وَالصَّبَّاغِ وَقِيمَةُ الصَّبغِ وَسَائِرِ الْمُؤَنِ الْمُرَادَةِ لِلاِسْتِرْبَاحِ
(ويصح بيع المرابحة؛ بأن يشتريه بمئة ثم يقول: "بعتك بما اشتريت) أي: بمثله (وربح درهم لكلِّ عشرة) وكذا ربح درهم في كلِّ عشرة (أو ربح دَهْ يَازْدَهْ") قياسًا على بيع القطيع كلِّ شاة بدرهم، ولأن الثمن معلوم فجاز البيع؛ كما لو قال: (بعتك بمئة وعشرة).
(وده) بالفارسية: عشرة و (يازده): أحد عشر، ومعناه: كلُّ عشرة ربحها درهم، ولا خفاء أن هذا فيما إذا عرفه كلٌّ منهما.
(والمُحاطة: كبعت بما اشتريت وحط "ده يازده") لما سبق من كونه ثمنًا معلومًا.
(ويُحَطُّ من كلِّ أحد عشر واحدٌ) لأن الربح في المرابحة جزء من أحد عشر، فليكن كذلك الحَطُّ أيضًا، (وقيل: من كلِّ عشرة) كما زدنا في المرابحة على كلِّ عشرة واحدًا، فعلى هذا: إذا كان قد اشترى بمئة .. يكون الثمن تسعين، وعلى الأول: تسعين وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءًا من درهم.
(وإذا قال: "بعت بما اشتريت" .. لم يدخل فيه سوى الثمن) الذي لزم به العقد، فلو حُطُّ بعض الثمن في زمن الخيار، أو زيد فيه .. لم يجز إلا بما لزم به العقد؛ لأن الشراء هو العقد، والعقد لم يقع إلا بذلك.
(ولو قال: "بما قام عليّ" .. دخل مع ثمنه أجرةُ الكَيَّال والدلال والحارس والقَصَّار والرَّفَّاء والصَّبَّاغ وقيمة الصبغ وسائرِ المؤن المرادة للاسترباح) كتطيين الدار، وأجرة المكان، وكذا المَكْس الذي يأخذه السلطان، أما المؤن المقصودة للبقاء؛ كنفقة العبد، وعلف الدابة .. فلا تحسب.
الجزء: 2 - الصفحة: 78
وَلَوْ قَصرَ بِنَفْسِهِ أَوْ كَالَ أَوْ حَمَلَ أَوْ تَطَوَّعَ بِهِ شَخْصٌ .. لَمْ تَدْخُلْ أُجْرَتُهُ. وَلْيَعْلَمَا ثَمَنَهُ أَوْ مَا قَامَ بِهِ، فَلَوْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا .. بَطَلَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلْيُصَدَّقِ الْبَائِعُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَالأَجَلِ، وَالشِّرَاءِ بِالْعَرْضِ، وَبَيَانِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ،
ومعنى قوله: (دخل): أنه يضمها إلى الثمن، فيقول: (قام علي بكذا، وقد بعتك بما قام علي وربح كذا)، وليس المراد: أنه بمطلق ذلك تدخل فيه جميع هذه الأشياء مع الجهل بها، وقد قال بعد ذلك: (وَلْيَعْلما ثمنه أو ما قام به).
واستشكل: تصوير أجرة الكَيَّال والدلال؛ فإنهما على البائع، وأجيب: بأن صورة أجرة الكَيَّال على المشتري ما إذا كان الثمن مكيلًا، وأجرة الدلال ما إذا كان الثمن عرضًا فاستأجر من يعرضه للبيع، ثم اشترى السلعة به .. فتضم الأجرة إلى قيمة العرض الذي هو الثمن.
(ولو قَصَّر بنفسه أو كال أو حمل أو تطوع به شخص .. لم تدخل أجرتُه) لأن السلعة لا تُعدُّ قائمة عليه إلا بما بذله، بل طريقه أن يقول: (عملت فيه عملًا يساوي كذا).
(ولْيَعلما ثمنَه أو ما قام به، فلو جهله أحدهما .. بطل على الصحيح) لجهالة الثمن، والثاني: يصحُّ؛ لأن الثمن فيه مبني على الثمن الأول، ومعرفته سهلة، فصار كالشفيع يطلب الشفعة قبل العلم بمبلغ الثمن، والثالث: إن علماه في المجلس .. صحَّ، وإلا .. فلا.
(وليُصدَّق البائع في قدرِ الثمن والأجل) لأن بيع المرابحة مبني على الأمانة؛ لاعتماد المشتري نظر البائع، ورضاه لنفسه ما رضيه البائع مع زيادة أو حطّ، فوجب عليه الصدقُ.
(والشراءِ بالعرض) أي: إن اشترى بعرض ذَكَرَ أنه اشتراه بعرض قيمته كذا، ولا يقتصر على ذكر القيمة؛ لأن البائع بالعرض يشدد فوق ما يشدد البائع بالنقد.
(وبيان العيب الحادث عنده) أي: يبين حدوثه عنده، أما مطلق العيب .. فيجب بيانه، قديمًا كان أو حديثًا، وكذا يجب أيضًا الإخبار بالغبن، والشراء من ابنه الطفل، وكذا إذا اشتراه بدين على البائع وكان مماطلًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 79
فَلَوْ قَالَ: (بِمِئَةٍ)، فَبَانَ بِتِسْعِينَ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَحُطُّ الزِّيَادَةَ وَرِبْحَهَا، وَأَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي. وَلَوْ زَعَمَ أَنَّهُ مِئَةٌ وَعَشَرَةٌ وَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي .. لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَذَّبَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِغَلَطِهِ وَجْهًا مُحْتَمَلًا .. لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ، وَلَهُ تَحْلِيفُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ فِي الأَصَحِّ
(فلو قال: "بمئة") وباعه بربح درهم لكلِّ عشرة مثلًا (فبان بتسعين) بإقراره أو ببينة ( .. فالأظهر: أنه يَحطُّ الزيادةَ وربحَها) لأنه تمليك باعتبار الثمن الأول فتُحطُّ الزيادةُ عنه؛ كما في الشفعة، والثاني: لا يُحطُّ شيء؛ لأنه سمى ثمنًا معلومًا وعقد به.
(وأنه لا خيار للمشتري) لأنه رضي بالأكثر، فأولى أن يرضى بالأقل، والثاني: يثبت؛ لأنه قد يكون له غرض في الشراء بذلك المبلغ لإبرار قسم أو إنفاذ وصية.
قال السبكي: ومحل القولين: ما إذا قال: (بعتك برأس مالي وهو مئة وربحِ كذا)، أما لو قال: (اشتريته بمئة، وبعتكه بمئة وعشرة) .. فلا حط، ولا خيار؛ لتقصير المشتري بتصديقه، قاله القاضي الحسين.
انتهى.
لكن في "الشرح" و"الروضة" في (فصل تحريم النجش): أنه لو قال البائع: (أعطيت بهذه السلعة كذا)، فصدقه واشتراه، فبان خلافه .. قال ابن الصباغ: في ثبوت الخيار الوجهان؛ أي: في مسألة النجش 978.
(ولو زعم أنه مئةٌ وعشرةٌ، وصدقه المشتري .. لم يصحَّ البيع في الأصحِّ) لتعذر إمضائه؛ فإن العقد لا يحتمل الزيادةَ، وأما النقصان .. فهو معهودٌ؛ بدليل الأرش.
(قلت: الأصحُّ: صحته، والله أعلم) كما لو غلط بالزيادة، فعلى هذا الأصح: لا تثبت الزيادة، ويتخير البائع، وقيل: تثبت مع ربحها، ويخير المشتري.
(وإن كذبه ولم يُبين لغلطه وجهًا محتملًا .. لم يقبل قولُه) لأنه رجوع عن إقرار تعلق به حقُّ آدمي (ولا بيِّنته) لأنه مكذب لها بقوله الأول.
(وله تحليف المشتري أنه لا يعرف ذلك في الأصح) لأنه ربما يقر عند عرض
الجزء: 2 - الصفحة: 80
وَإِنْ بَيَّنَ .. فَلَهُ التَّحْلِيفُ، وَالأَصَحُّ: سَمَاعُ بَيِّنَتِهِ.
اليمين عليه، والثاني: لا؛ كما لا تسمع بينته، فعلى الأول: لو نكل .. قال الرافعي تبعًا للبغوي والقاضي: إن قلنا: اليمين المردودة كالإقرار .. ردت، وإن قلنا: كالبينة .. فلا 979.
وقضيته: تصحيح الرد؛ لأن اليمين المردودة كالإقرار على الأصح.
وحذف من "الروضة" هذا البناء الذي يؤخذ منه تصحيح الرد، ثم صححه من زيادته 980.
(وإن بَيَّن) كأن قال: (ورد كتاب وكيلي بأنه اشتراه بكذا) فبان مزورًا ( .. فله التحليف) لأن ذلك يحرك ظن صدقه.
(والأصحُّ: سماع بينته) قياسًا على التحليف، والجامع بينهما العذر، والثاني: لا؛ لتكذيبه لها، قال في "المطلب": وهذا هو المشهور والمنصوص.
الجزء: 2 - الصفحة: 81
بابُ الأصول والثّمار
قَالَ: (بِعْتُكَ هَذِهِ الأَرْضَ أَوِ السَّاحَةَ أَوِ الْبُقْعَةَ)، وَفِيهَا بِنَاءٌ وَشَجَرٌ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ دُونَ الرَّهْنِ. وَأُصُولُ الْبَقْلِ الَّتِي تَبْقَى سَنَتَيْنِ -كَالْقَتِّ وَالْهِنْدَبَاءِ- كَالشَّجَرِ،
(باب) بيع (الأصول والثمار)
المراد بالأصول: الشجر والأرض، والثمار: جمع ثمر، ومفرده الأصلي: ثمرة.
(قال: "بعتك هذه الأرض أو الساحة أو البقعة") أو العَرْصة (وفيها بناء وشجر .. فالمذهب: أنه يدخل في البيع دون الرهن) لأن البيع قوي يزيل الملك فاستتبع، بخلاف الرهن، والطريق الثاني: القطع بعدم الدخول فيهما؛ لخروجهما عن مُسمَّى الأرض، قال الرافعي: (ولاشك أنه أوضح في المعنى) 981، والثالث: قولان فيهما: أحدهما: عدم الدخول؛ لما ذكرناه، والثاني: الدخول فيهما؛ لأنهما للدوام فأشبها أجزاء الأرض.
وكان ينبغي أن يقول: (بعتك أو رهنتك) حتى يستقيم قوله بعد ذلك: (فالمذهب: أنه يدخل في البيع دون الرهن).
ومحل الخلاف: إذا أطلق، فإن قال: (بما فيها) .. دخل قطعًا، ولو قال: (دون ما فيها) .. فلا قطعًا، ولو قال: (بحقوقها) .. دخل على الأصح.
وأطلق الشيخان الشجر، وهو يشمل الرطب واليابس، وقال ابن الرفعة: إن اليابسة لا تدخل؛ لأنها لا تراد للبقاء، واستثنى الأَذْرَعي: ما لو عُرِّش على اليابسة، أو جُعلت دِعامةً لجدار أو غيره .. فإنها تصير كالبناء؛ لقرينة إرادة البقاء 982.
والهبة والوقف والوصية كالبيع، وا لإقرار كالرهن.
(وأصول البَقْل التي تبقى سنتين؛ كالقت) وهو القُرْط، ويُسمَّى الرَّطبة والقَضْبة (والهِنْدَباء كالشجر) لبقائها، فيجري فيها الطرق.
الجزء: 2 - الصفحة: 82
وَلَا يَدْخُلُ مَا يُؤْخَذُ دَفْعَةً كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ الزُّرُوعِ. وَيَصِحُّ بَيْعُ الأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إِنْ جَهِلَهُ، وَلَا يَمْنَعُ الزَّرْعُ دُخُولَ الأَرْضِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانِهِ إِذَا حَصَلَتِ التَّخْلِيَةُ فِي الأَصَحِّ. وَالْبَذْرُ كَالزَّرْعِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لِلْمُشْتَرِي مُدَّةَ بَقَاءِ الزَّرْعِ
(ولا يدخل) في بيع الأرض (ما يؤخذ دَفعةً؛ كالحنطة والشعير وسائر الزروع) كالجزر والفُجْل، سواء أطلق الأرض أو قال: (بحقوقها) لأنه نماء ظاهر لا يراد للبقاء، فلم يدخل في بيع ما يثبت فيه؛ كالطَّلْع المؤبر.
(ويصحُّ بيع الأرض المزروعة على المذهب) كما لو باع دارًا مشحونة بأمتعته، والطريق الثاني: تخريجها على القولين في بيع الدار المستأجرة؛ لعدم استحقاقه منفعةَ هذه المدة، وفرق الجمهور: بأن يد المستأجر حائلة، وبأنه لو كان في معنى تلك الصورة .. لوجب أن يقطع بالفساد؛ لجهالة مدة الزرع؛ كدار المعتدة بالأقراء أو بالحمل.
وما أطلقه من الخلاف تبعًا للرافعي قيّده المتولي بما إذا كان الزرع يوجد دفعة واحدة، أما لو كان يحصد مرة بعد أخرى .. صحَّ قطعًا، كذا نقله السبكي وأقره 983، وقال الإسنوي: إنه واضح؛ فإن الزرع قد انتقل إلى المشتري.
(وللمشتري الخيار إن جهله) بأن يكون الزرع قد حدث بعد الرؤية وقبل البيع؛ لتأخر الانتفاع، فإن تركه البائع له، أو فرغ الأرض في زمن يسير .. سقط خياره.
(ولا يمنع الزرعُ دخول الأرض في يد المشتري وضمانِه إذا حصلت التخلية في الأصحِّ) لوجود التسليم في الرقبة، وهي المبيعة، والثاني: لا؛ لأنه لم يقدر على الانتفاع في الحال.
(والبذر كالزرع) فيما مرّ؛ فإن كان زرعُ هذا البَذْر يؤخذ دفعة كالحنطة .. لم يدخل في البيع، وإلا .. دخل.
(والأصحُّ: أنه لا أجرة للمشتري مدة لقاء الزوع) إن جهل الزرع وأجاز العقد؛
الجزء: 2 - الصفحة: 83
وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا مَعَ بَذْرٍ أَوْ زَرْعٍ لَا يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ .. بَطَلَ فِي الجَمِيعِ، وَقِيلَ: فِي الأَرْضِ قَوْلَانِ. وَيَدْخُلُ فِي بَيع الأَرْضِ الْحِجَارَةُ اَلْمَخْلُوقَةُ فِيهَا، دُون الْمَدْفُونَةِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي إِنْ عَلِمَ، وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ النَّقْلُ، وَكَذَا إِنْ جَهِلَ وَلَمْ يَضُرَّ قَلْعُهَا،
كالثمرة المؤبرة، وكما لو باع دارًا مشحونة بالأمتعة .. لا أجرة لمدة التفريغ، والثاني: له؛ لفوات المنفعة، فلو علم الزرع .. فلا أجرة قطعًا.
وكلام المصنف يقتضي: استحقاق البائع؛ لإبقاء الزرع، ومحله: إذا شرط الإبقاء، أو أطلق، فإن شرط القطع .. ففي وجوب الوفاء به ترددٌ للأصحاب، حكاه الإمام في آخر (كتاب الصلح) 984.
(ولو باع أرضًا مع بَذْر أو زرعٍ لا يُفرد) كلٌّ منهما (بالبيع) بأن كانا مستورين ( .. بطل في الجميع، وقيل: في الأرض قولان) مَدرك الخلاف: ما مرّ في تفريق الصفقة؛ لأن الإجارة فيما يصحُّ هل هي بجميع الثمن أم بالقسط؟
فإن قلنا: بالقسط وهو الأصح .. فتبطل هنا في الجميع؛ لتعذر التقسيط؛ لأن الفرض أن الزرع والبَذْر لا يمكن معرفة قيمتهما؛ لتعذر إفرادهما بالبيع.
وإن قلنا: بالجميع .. ففي الأرض القولان، ثم هذا في بَذْر لا يدخل في بيع الأرض، فإن كان يدخل وهو بَذْر دائم النبات كالنخل والقَتِّ والهِنْدَباء .. فيصحُّ البيع فيه وفي الأرض، ويكون ذكر البَذْر توكيدًا، قاله المتولي.
(ويدخل في بيع الأرض الحجارةُ المخلوقة فيها) لأنها من أجزائها، وكذا المبنية فيها على المذهب في دخول البناء (دون المدفونة) كالكنوز.
(ولا خيار للمشتري إن علم) وإن ضرَّ قلعها؛ كسائر العيوب.
(ويلزم البائعَ النقلُ) وللمشتري إجبارُه عليه تفريغًا لملكه، بخلاف الزرع؛ لأن له أمدًا ينتظر.
(وكذا إن جهل ولم يضرَّ قلعُها) أي: لا خيار للمشتري، وعلى البائع النقل وتسوية الأرض؛ كما سيأتي.
وقول ابن الملقن بعد قول المصنف: (ولم يضرّ قلعها): أي: ولا تركها ..
الجزء: 2 - الصفحة: 84
وَإِنْ ضَرَّ .. فَلَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ أَجَازَ .. لَزِمَ الْبَائِعَ النَّقْلُ وَتَسْوِيَةُ الأَرْضِ، وَفِي وُجُوبِ أُجْرَةِ مِثْلِ مُدَّةِ النَّقْلِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: تَجِبُ إِنْ نَقَلَ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا قَبْلَهُ. وَيَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْبُسْتَانِ: الأَرْضُ وَالشَّجَرُ وَالْحِيطَانُ، وَكَذَا الْبِنَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِي بَيْعِ الْقَرْيَةِ: الأَبْنِيَةُ وَسَاحَاتٌ يُحِيطُ بِهَا السُّورُ، لَا الْمَزَارِعُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي بَيْعِ الدَّارِ: الأَرْضُ، وَكُلُّ بِنَاءٍ حَتَّى
يفهم أنه إذا ضرَّ تركها دون قلعها .. يثبت الخيار، والمنقول في "الشرح و"الروضة": خلافه 985.
(وإن ضرَّ) قلعها بأن نقص الأرض أو أحوج لمدة لمثلها أجرةٌ ( .. فله الخيار) دفعًا للضرر.
(فإن أجاز) أي: أمضى العقد ( .. لزم البائعَ النقلُ) لتفريع ملكه، (وتسوية الأرض) بأن يعيد التراب المزال بالقلع من فوق الحجارة إلى مكانه، قاله في "المطلب".
(وفي وجوب أجرة مثل مدة النقل أوجه، أصحها: تجب إن نقل بعد القبض لا قبله) بناء على الأصح: أن جناية البائع كالآفة، وإن قلنا: إنها كجناية الأجنبي .. فهو كما لو نقل بعد القبض، وقيل: لا تجب مطلقًا؛ لأن إجازة المشتري رضًا منه بتلف المنفعة، وقيل: يجب مطلقًا.
(ويدخل في بيع البستان: الأرض والشجر والحيطان) لدخولها في مُسمّاه، بل لا تُسمّى بستانًا بدون حائط، (وكذا البناء على المذهب) هو إشارة إلى الطرق السالفة في تبعية البناء للأرض.
(وفي بيع القرية: الأبنية وساحاتٌ يُحيط بها السور) لدخولها في الاسم (لا المزارع على الصحيح) لعدم دخولها في مُسمّاه؛ بدليل: أنه لو حلف: (لا يدخل قرية) .. لم يحنث بدخول مزارعها، والثاني: يدخل؛ لاقتضاء العرف ذلك، والثالث: إن قال: (بحقوقها) .. دخلت، وإلا .. فلا.
(وفي بيع الدار: الأرض، وكلُّ بناء) لأن الدار اسم للأرض والبناء (حتى
الجزء: 2 - الصفحة: 85
حَمَّامُهَا، لَا الْمَنْقُولُ كَالدَّلْوِ وَالْبَكَرَةِ وَالسَّرِيرِ، وَتَدْخُلُ الأَبْوَابُ الْمَنْصُوبَةُ وَحِلَقُهَا وَالإِجَّانَاتُ، وَالرَّفُّ وَالسُّلَّمُ الْمُسَمَّرَانِ، وَكَذَا الأَسْفَلُ مِنْ حَجَرَيِ الرَّحَى عَلَى الصَّحِيحِ، وَالأَعْلَى، وَمِفْتَاحُ غَلَقٍ مُثْبَتٍ فِي الأَصَحِّ، وَفِي بَيْعِ الدَّابَّةِ: نَعْلُهَا، وَكَذَا ثِيَابُ الْعَبْدِ فِي بَيْعِهِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: لَا تَدْخُلُ ثِيَابُ الْعَبْدِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
حمامها) لأنه معدود من مرافقها، (لا المنقول كالدَّلو والبَكَرَة والسرير) غير المُسمَّى؛ لخروجها عن الاسم.
(وتدخل الأبواب المنصوبة وحِلَقُها والإجَّانات) المثبتات، وهي ما ينتفع بها في غسل الثياب ونحوها.
(والرَّفُّ والسلم المُسمَّران، وكذا الأسفل من حجري الرحى) المثبت (على الصحيح) لأن الجميع معدودة من أجزاء الدار؛ لاتصالها بها.
ووجه عدم دخول الحجر: أنه منقول، وإنما أثبت لسهولة الارتفاق به؛ كيلا يتزعزع ويتحرك عند الاستعمال، وهذا الوجه جار أيضًا في الإجانة والرف والسلم؛ كما ذكره في "المحرر" 986، وأهمله المصنف في "اختصاره".
واحترز بـ (المنصوبة): عن المقلوعة؛ فإنها لا تدخل؛ لانتفاء المعنى المتقدم.
(والأعلى، ومفتاح غلقٍ مُثبَت في الأصح) لأنهما تابعان لشيء مثبت، والثاني: لا؛ كسائر المنقولات.
(وفي بيع الدابة: نعلها) لاتصاله بها، (وكذا ثياب العبد) التي عليه حال العقد (في بيعه في الأصحِّ) للعرف.
(قلت: الأصحُّ: لا تدخل ثياب العبد، والله أعلم) لأن اللفظ لا دلالة له عليها؛ كما لا يدخل السرج في الدابة، وقيل: يدخل ساتر العورة فقط؛ للضرورة، والأمة كالعبد، فلو عبر بالرقيق .. لكان أولى.
الجزء: 2 - الصفحة: 86
فَرعٌ [في دخول ما يتبع المبيع في البيع]
بَاعَ شَجَرَةً .. دَخَلَ عُرُوقُهَا وَوَرَقُهَا- وَفِي وَرَقِ التُّوتِ وَجْهٌ - وَأَغْصَانُهَا إِلَّا الْيَابِسَ، وَيَصِحُّ بَيْعُهَا بِشَرْطِ الْقَلْعِ أَوِ الْقَطْعِ، وَبِشَرْطِ الإِبْقَاءِ، وَالإِطْلَاقُ يَقْتَضِي الإِبْقَاءَ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَغْرِسُ لكِنْ يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتهُ مَا بَقِيَتِ الشَّجَرَةُ
(فرع: باع شجرة .. دخل عُروقها وورقها) لأنهما من أجزائها، (وفي ورق التوت) الأبيض الربيعي (وجه) لأنه يقصد لتربية دود القز، فكان كثمار سائر الأشجار، وأما الخريفي الأحمر .. فللمشتري قطعًا، ومحله أيضًا: إذا كان ورقَ أنثى؛ كما قاله في "المطلب"، قال: فإن الأصحاب صرحوا في (المساقاة) بأن ورق الذكر لا يصلح لذلك، والأصح: الدخول مطلقًا؛ كما في سائر الأشجار.
(وأغصانُها) لأن ذلك معدود منها (إلا اليابس) فلا يدخل في بيع الشجرة الرطبة؛ لأن العادة فيه القطع؛ كالثمرة.
وظاهره: عود الاستثناء إلى الثلاثة، لكن قال الإسنوي: تعبيره يقتضي: أنه لا فرق في العروق والأوراق بين اليابسة وغيرها، وهو مقتضى إطلاق الرافعي أيضًا، وصرح به في "الكفاية" في العروق خاصة 987.
(ويصح بيعها بشرط القلع أو القطع) رطبة كانت أو يابسة، وتدخل العروق عند شرط القلع دون شرط القطع، بل تبقى للبائع، (وبشرط الإبقاء) إذا كانت رطبة، فإن شرط إبقاء اليابسة .. لم يصحَّ البيع؛ كما لو اشترى ثمرة وشرط عدم القطع عند الجَذاذ.
(والإطلاق يقتضي الإبقاءَ) تحكيمًا للعادة (والأصح: أنه لا يدخل المَغْرِس) بكسر الراء حيث استحق الإبقاء، سواء كان بالاشتراط أم بالإطلاق؛ لأن اسم الشجرة لا يتناوله، والثاني: يدخل؛ لأنه مستحق الانتفاع به لا إلى غاية، فدلَّ على الملك.
(لكن يستحق منفعتَه ما بقيت الشجرةُ) بلا عوض.
الجزء: 2 - الصفحة: 87
وَلَوْ كَانَتْ يَابِسَةً .. لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْقَلعُ. وَثَمَرَةُ النَّخْلِ الْمَبِيعِ إِنْ شُرِطَتْ لِلْبَائِع أَوِ الْمُشْتَرِي .. عُمِلَ بِهِ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ لَمْ يَتَأَبَّرْ مِنْهَا شَيْءٌ .. فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِلَّا .. فَلِلْبَائِعِ. وَمَا يَخْرُجُ ثَمَرُهُ بِلَا نَوْرٍ - كَتِينٍ وَعِنَبٍ - إِنْ بَرَزَ ثَمَرُهُ .. فَلِلْبَائِع، وَإِلَّا .. فَلِلْمُشْتَرِي. وَمَا خَرَجَ فِي نَوْرٍ ثُمَّ سَقَطَ؛ كَمِشْمِشٍ وَتُفَّاحٍ .. فَلِلْمُشْتَرِي إِنْ لَمْ تَنْعَقِدِ الثَّمَرَةُ، وَكَذَا إِنِ انْعَقَدَتْ وَلَمْ يَتَنَاثَرِ النَّوْرُ فِي الأَصَحِّ، وَبَعْدَ التَّنَاثُرِ لِلْبَائِعِ. وَلَوْ بَاعَ نَخَلَاتِ بُسْتَانٍ مُطْلِعَةً وَبَعْضُهَا مُؤَبَّرٌ .. فَلِلْبَائِعِ،
(ولو كانت يابسةً .. لزم المشتري القلعُ) للعادة.
(وثمرةُ النخل المبيعِ إن شُرطت للبائع، أو المشتري .. عُمل به) وفاء بالشرط.
(وإلا) أي: وإن لم يقع شرط (فإن لم يتأبّر منها شيء .. فهي للمشتري، وإلا) أي: وإن تأبر منها شيء ( .. فللبائع) لقوله عليه السلام: "مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ .. فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ" متفق على صحته 988.
والمراد بالتأبير: تشقق الطلع في وقته سواء أكان بنفسه أم بغيره، ولا أثر لما تشقق في غير وقته.
(وما يخرج ثمرُه بلا نَوْرٍ) وهو الزهر على أيِّ لون كان (كتين وعنب، إن برز ثمرُه .. فللبائع، وإِلا .. فللمشتري) لأن البروز هنا كالتشقق في النخل.
(وما خرج في نوْر ثم سقط؛ كمِشْمِش وتفاح .. فللمشتري إن لم تنعقد الثمرة) لأنها كالمعدومة، (وكذا إن انعقدت ولم يتناثر النَّوْرُ في الأصح) لأن استتارها بالنَّوْر بمنزلة استتار ثمرة النخلِ بِكمامه، والثاني أنها للبائع؛ تنزيلًا لاستتارها بالنَّوْر منزلة استتار ثمرة النخل بعد التأبير بالقشر الأبيض.
(وبعد التناثر للبائع) لظهورها.
(ولو باع نخلات بستان مطلعةً وبعضها مؤبر .. فللبائع) ثمرتها، وكذا ما اطلع بعد البيع؛ لأنا لو جعلنا المؤبر خاصة للبائع، وغيره للمشتري .. لاحتجنا إلى التتبّع والفحص، وفيه عسر عظيم 989.
الجزء: 2 - الصفحة: 88
فَإِنْ أَفْرَدَ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ .. فَلِلْمُشْتَرِي فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ كَانَتْ فِي بُسْتَانَيْنِ .. فَالأَصَحُّ: إِفْرَادُ كُلِّ بُسْتَانٍ بحُكْمِهِ. وَإِذَا بَقِيَتِ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ شُرِطَ الْقَطْعُ .. لَزِمَهُ، وَإِلَّا .. فَلَهُ تَرْكُهَا إِلَى الْجَدَادِ. وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا السَّقْيُ إِنِ انْتَفَعَ بِهِ الشَّجَرُ وَالثَّمَرُ، وَلَا مَنْعَ لِلآخَرِ، وَإِنْ ضَرَّهُمَا .. لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِرِضَاهُمَا، وَإِنْ ضَرَّ أَحَدَهُمَا وَتنَازَعَا .. فُسِخَ الْعَقْدُ إِلَّا أَنْ يُسَامحَ الْمُتَضرِّرُ، وَقِيلَ: لِطَالِبِ السَّقْيِ أَنْ يَسْقِيَ
وهذه المسألة قد عُلم حكمُها من قوله قبل ذلك: (وثمرة النخل ... ) إلى آخره، ولكن ذكر هنا تفصيل ذلك الحكم.
(فإن أفرد ما لم يُؤبَّر) من بستان واحد ( .. فللمشتري في الأصح) لانقطاع التبعية بإفراده بالبيع، والثاني: للبائع؛ اكتفاء بدخول وقت التأبير.
(ولو كانت في بستانين) واتحدت الصفقة والمالك ( .. فالأصح: إفراد كلِّ بستان بحكمه) لأن اختلاف البقاع له أثر بيّن في وقت التأبير، والثاني: أن غير المؤبر يتبع المؤبرَ؛ لاتحاد الصفقة، فأشبها نخيلَ البستان الواحد.
(وإذا بقيت الثمرةُ للبائع) بالشرط أو بالتأبير (فإن شُرط القطعُ .. لزمه) وفاءً بالشرط، (وإلا) أي: وإن لم يشرط القطع، بل شرط البقاء، أو أطلق ( .. فله تركها إلى الجَداد) وفاءً بالشرط في الأول، والعادةِ في الثاني.
(ولكلٍّ منهما السقي إن انتفع به الشجر والثمر، ولا منع للآخر) لأن منعه والحالةُ هذه سَفَهٌ.
(وإن ضرَّهما .. لم يجز إلا برضاهما) فمن طلبه منهما .. كان للآخر منعه؛ لأنه يضرُّ صاحبَه بغير نفع يعود إليه، فهو سَفَهٌ وتضييع.
(وإن ضرَّ أحدَهما وتنازعا .. فُسخ العقد) لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر (إلا أن يسامح المتضررُ) لزوال التنازع، قال ابن الملقن: (وفيه نظر؛ لأنها إضاعةُ مال، وهي محرمة) انتهى 990، وفي النظر نظرٌ، بل هي إحسان وبرّ 991.
(وقيل: لطالب السقي أن يَسقي) لدخول الآخر في العقد على ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 89
وَلَوْ كَانَ الثَّمَرُ يَمْتَصُّ رُطُوبَةَ الشَّجَرِ .. لَزِمَ الْبَائِعَ أَنْ يَقْطَعَ أَوْ يَسْقِيَ.
فصَلٌ [في بيان بيع الثمر والزرع وبدو صلاحهما]
يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ مُطْلَقًا، وَبِشَرْطِ قَطعِهِ، وَبِشَرْطِ إِبْقَائِهِ. وَقَبْلَ الصَّلَاحِ إِنْ بِيعَ مُنْفَرِدًا عَنِ الشَّجَرِ .. لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَقْطُوعُ مُنْتَفَعًا بِهِ، لَا كَكُمَّثْرَى، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الشَّجَرُ لِلْمُشْتَرِي .. جَازَ بِلَا شَرْطٍ
(ولو كان الثمر يَمتص رطوبةَ الشجر .. لزم البائعَ أن يقطع أو يسقي) دفعًا لضرر المشتري.
(فصل: يجوز بيع الثمر بعد بدوِّ صلاحه مطلقًا) أي: بغير شرط قطع ولا تبقية، (وبشرط قطعه، وبشرط إبقائه) لأنه صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها) متفق عليه 992، فدلَّ على الجواز بعد بدوِّ الصلاح، ولم يخصه بحالة من الأحوال، فدلَّ على التعميم.
(وقبل الصلاح إن بيع منفردًا عن الشجر .. لا يجوز إلا يشترط القطع) للحديث المارّ؛ فإنه يدلُّ بمنطوقه على المنع مطلقًا.
خرج البيع المشروط فيه القطعُ بالإجماع، فبقي ما عداه على الأصل.
ويستثنى: ما لو كان الثمر على شجرة مقطوعة فباعه .. فإنه لا يشترط القطع؛ لأن الثمر لا يبقى عليها، فينزل ذلك منزلة الشرط.
(وأن يكون المقطوع منتفعًا به، لا ككمّثرى) لا حاجة إلى هذا الشرط؛ فإن كلَّ مبيع شرطه ذلك.
(وقيل: إن كان الشجر للمشتري) والثمرة للبائع؛ كأن وهب الثمرة لإنسان أو باعها له بشرط القطع، ثم اشتراها منه ( .. جاز بلا شرط) لأنهما يجتمعان في ملك شخص واحد، فأشبه ما لو اشتراهما معًا، وصححه في "الروضة" في (باب
الجزء: 2 - الصفحة: 90
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الشَّجَرُ لِلْمُشْتَرِي وَشَرَطْنَا الْقَطْعَ .. لَمْ يَجِبِ الْوَفَاءُ بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ بِيعَ مَعَ الشَّجَرَةِ .. جَازَ بِلَا شَرْطٍ، وَلَا يَجُوزُ بِشَرْطِ قَطْعِهِ. ويَحْرُمُ بَيْعُ الزَّرْعِ الأَخْضَرِ فِي الأَرْضِ إِلَّا بِشَرْطِ قَطْعِهِ، فَإِنْ بِيعَ مَعَهَا أَوْ بَعْدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ
المساقاة)، وأيد بعدم وجوب الوفاء بشرطه 993.
(قلت: فإن كان الشجر للمشتري وشرطنا القطعَ .. لم يجب الوفاءُ به، والله أعلم) إذ لا معنى لتكليفه قطعَ ثماره من أشجاره.
(وإن بيع مع الشجرة .. جاز بلا شرط) 994 لأن الثمرة هنا تبع للأصل، وهو غير متعرض للعاهة، وهذا إذا لم يفصل الثمن، فإن فصله: (كبعتك الشجرة بمئة، والثمرة بعشرة) .. لم يصحَّ؛ لانتفاء التبعية.
ويستثنى: ما إذا باع البطيخ ونحوه مع أصله .. فلا بدَّ من شرط القطع؛ لأن الأصل متعرضٌ للعاهة، بخلاف الشجر والثمر، قاله الإمام والغزالي، وفيه بحث للرافعي، فإن باعه مع الأرض .. استغنى عن شرط القطع، فالأرض، كالشجر 995.
(ولا يجوز بشرط قطعه) لأن فيه حَجْرًا على المشتري في ملكه، والفرق بينه وبين ما إذا باعها من مالك الأصل: أنها هنا تابعة، فاغتفر الغرر؛ كأساس الجدار.
(ويحرم بيع الزرع الأخضر) والبقول؛ كما قاله في "المحرر" 996 (في الأرض إلا بشرط قطعه) أو قلعه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام (نهى عن بيع ثمرة النخل حتى تُزهي، والسنبل حتى يَبْيَضَّ، ويَأمنَ العاهةَ) رواه مسلم 997.
وفيه إشارة إلى العلة المجوزة لبيعه بشرط القطع؛ لأنه أمن العاهة، فإن باعه من غير شرط .. لم يصحَّ البيع.
(فإن بيع) الزرع الأخضر (معها) أي: مع الأرض، (أو بعد اشتداد الحَبِّ)
الجزء: 2 - الصفحة: 91
جَازَ بِلَا شَرْطٍ، وَيُشْتَرَطُ لِبَيْعِهِ وَبَيْعِ الثَّمَرِ بَعْدَ الصَّلَاحِ: ظُهُورُ الْمَقْصُودِ؛ كَتِينٍ وَعِنَبٍ وَشَعِيرٍ. وَمَا لَا يُرَى حَبُّهُ؛ كَالْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ فِي السُّنْبُلِ .. لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ دُونَ سُنْبُلِهِ، وَلَا مَعَهُ فِي الْجَدِيدِ. وَلَا بَأْسَ بِكِمَامٍ لَا يُزَالُ إِلَّا عِنْدَ الأَكْلِ. وَمَا لَهُ كِمَامَانِ؛ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبَاقِلَاءِ .. يُبَاعُ فِي قِشْرِهِ الأَسْفَلِ، وَلَا يَصِحُّ فِي الأَعْلَى، وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ إِنْ كَانَ رَطْبًا
وحده ( .. جاز بلا شرط) أما الأول: فكبيع الثمرة مع الشجرة، وأما الثاني: فكبيع الثمرة بعد بدوِّ الصلاح.
(ويشترط لبيعه) أي: بيع الزرع (وبيع الثمر بعد الصلاح: ظهور المقصود) 998 لئلا يكون بيع غائب (كتين وعنب وشعير) ونحوها مما يظهر ثمره أو حبه؛ لحصول الرؤية.
(وما لا يُرى حبُّه؛ كالحنطة والعدس في السنبل .. لا يصحُّ بيعه دون سُنْبله) لاستتاره (ولا معه في الجديد) لأن المقصود مستتر بما ليس من صلاحه، فأشبه الحنطة في تِبْنها بعد الدِّياس؛ فإنه لا يصحُّ قطعًا، والقديم: الجواز؛ لأن بقاءه فيه من مصلحته.
والأَرُزُّ كالشعير على المذهب، وقيل: كالحنطة.
(ولا بأس بِكِمام لا يُزال إلا عند الأكل) كالرمان والعَلَس؛ لأن بقاءه فيه من مصلحته.
والكِمام بكسر الكاف: أوعية طلع النخل.
(وما له كِمامان؛ كالجوز واللوز والباقلَاءِ .. يباع في قشره الأسفل) لأن بقاءه فيه من مصلحته (ولا يصحُّ في الأعلى) لاستتاره بما ليس من مصلحته، (وفي قول: يصحُّ إن كان رطبًا) لأنه يصون القشرةَ السفلى، ويحفظ رطوبة اللُّبِّ، فكان من مصلحته، وصححه جماعة في الباقلَاء، ونقله الروياني عن تصحيح الأصحاب، والإجماعُ الفعلي عليه، وقد أمر الشافعي الربيع أن يشتري له الباقلَاء الأخضر 999.
الجزء: 2 - الصفحة: 92
وَبُدُوُّ صَلَاحِ الثَّمَرِ: ظُهُورُ مَبَادِئِ النُّضْجِ وَالْحَلَاوَةِ فِيمَا لَا يَتَلَوَّنُ، وَفِي غَيْرِهِ: بِأَنْ يَأْخُذَ فِي الْحُمْرَةِ أَوِ السَّوَادِ. وَيَكْفِي بُدُوُّ صَلَاحِ بَعْضِهِ وَإِنْ قَلَّ، وَلَوْ بَاعَ ثَمَرَ بُسْتَانٍ أَوْ بُسْتَانَيْنِ بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ .. فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي التَّأْبِيرِ
ويستثنى من إطلاقه تصحيحَ المنع: اللوزُ في القشرة العليا قبل انعقاد السفلى؛ فإنه يجوز [كما قاله في "شرح المهذب"] 1000 لأنه مأكول كلُّه؛ كالتفاح 1001.
(وبدو صلاح الثمر: ظهورُ مبادئ النُّضْج والحلاوة فيما لا يَتلون) بأن يَصفرَّ ويلين 1002.
(وفي غيره: بأن يأخذ في الحمرة أو السواد) لما رواه الشيخان عن أنس قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى تُزْهِيَ، قالوا: وما تُزْهِيَ، قال: حتى تحمر)، وفي رواية لمسلم: (قلنا لأنس: ما زَهْوُها؟ قال: تحمر وتصفر) 1003.
وقد نقض الرافعي الحدَّ المذكور بالقثاء الصغار، وورق الفِرْصاد والزرع، ثم قال: والضابط: أن ينتهي إلى الحالة التي يقصد منها غالبًا 1004.
(ويكفي بدو صلاح بعضه وإن قلَّ) ولو حبة واحدة؛ كعنبة؛ لأن الله تعالى امتنّ علينا فجعل الثمار لا تطيب دفعة واحدة؛ إطالة لزمن التفكه، فلو اشترطنا في المبيع طيب جميعه .. لأدى إلى ألا يباع شيء، أو تباع الحبة بعد الحبة، وفي كلٍّ منهما حرج، ولا يغني صلاح جنس عن جنس آخر، وإليه أشار بقوله: (بعضه).
(ولو باع ثمر بستان أو بستانين بدا صلاح بعضه .. فعلى ما سبق في التأبير) فلا يتبع جنس غيره ولا جنسه إذا أفرد بالبيع ما لم يبد صلاحه على الأصح، ولا إذا اختلف البستانان على المذهب، ويتبع إذا اختلف النوع على الأصح.
الجزء: 2 - الصفحة: 93
وَمَنْ بَاعَ مَا بَدَا صَلَاحُهُ .. لَزِمَهُ سَقْيُهُ قَبْلَ التَّخْلِيَةِ وَبَعْدَهَا، وَيَتَصَرَّفُ مُشْتَرِيهِ بَعْدَهَا. وَلَوْ عَرَضَ مُهْلِكٌ بَعْدَهَا؛ كَبَرْدٍ .. فَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي،
(ومن باع ما بدا صلاحُه) زرعًا كان أو ثمرة ولم يشرط القطع ( .. لزمه سقيه قبل التخلية وبعدها) قدر ما تنمو به الثمار، وتسلم عن التلف والفساد؛ لأنه من تتمة التسليم الواجب؛ كالكيل في المكيلات، والوزن في الموزونات، فيكون على البائع حتى لو شرط على المشتري .. بطل؛ لأنه مخالف لمقتضاه.
(ويتصرفُ مشتريه بعدها) أي: بعد التخلية، ولا يشترط القطع والنقل؛ لأنه لما كان متروكًا إلى مدة .. جُعل قبضُه قبل تلك المدة بالتخلية؛ لشبهه فيها بالعقار.
(ولو عرض مهلك) سماوي (بعدها) أي: بعد التخلية (كبرد) أي: بفتح الراء وإسكانها، كما ضبطه المصنف بخطه ( .. فالجديد: أنه مق ضمان المشتري) لأن التخلية كافية في جواز التصرف، فكانت كافيةً في نقل الضمان قياسًا على العقار، وفي "صحيح مسلم": أن رجلًا أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال صلى الله عليه وسلم: "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينه، فقال عليه الصلاة والسلام لغرمائه: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ" 1005.
فلو كانت الجائحة من ضمان البائع .. لأسقط النبي صلى الله عليه وسلم عنه الديون التي لحقته من ثمن الثمار التالفة.
والقديم -وحكي عن النصّ من الجديد-: أنه من ضمان البائع 1006، بشرط كون المشتري غيرَ مالك للشجر، وأن يحصل التلف قبل إمكان الجِذاذ؛ لأنه عليه السلام أمر بوضع الجوائح، كما رواه مسلم 1007، والأول حمله على الندب، أو على ما قبل التخلية؛ جمعًا بين الأدلة.
واحترز بقوله: (بعدها): عما إذا حصل قبلها .. فإنه من ضمان البائع.
الجزء: 2 - الصفحة: 94
فَلَوْ تَعَيَّبَ بِتَرْكِ الْبَائِعِ السَّقْيَ .. فَلَهُ الْخِيَارُ. وَلَوْ بِيعَ قَبْلَ صَلَاحِهِ بِشَرْطِ قَطْعِهِ وَلَمْ يُقْطَعْ حَتَّى هَلَكَ .. فَأَوْلَى بِكَوْنِهِ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي. وَلَوْ بِيعَ ثَمَرٌ يَغْلِبُ تَلَاحُقُهُ وَاخْتِلَاطُ حَادِثِهِ بِالْمَوْجُودِ؛ كَتِينٍ وَقُثَّاءٍ .. لَمْ يَصِحَّ إِلَّا أَنْ يَشْرِطَ الْمُشْتَرِي قَطْعَ ثَمَرِهِ. وَلَوْ حَصَلَ الاخْتِلَاطُ فِيمَا يَنْدُرُ فِيهِ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ سَمَحَ لَهُ الْبَائِعُ بِمَا حَدَثَ .. سَقَطَ خِيَارُهُ فِي الأَصَحِّ
(فلو تعيب بترك البائع السقي .. فله الخيار) أي: للمشتري؛ لأن السقي لما كان لازمًا للبائع .. كان التعيب الحادثُ بتركه كالمتقدم على القبض، حتى لو تلف بذلك .. انفسخ العقد أيضًا.
(ولو بيع قبل صلاحه بشرط قطعه ولم يُقطع حتى هلك .. فأولى بكونه من ضمان المشتري) فيما إذا اقتضى الحال البقاء إلى الجِذاذ فيما تقدم؛ للتقصير هنا.
(ولو بيع ثمرٌ يغلب تلاحقُه واختلاطُ حادثه بالموجود؛ كتين وقِثَّاء .. لم يصحَّ) لأنه غير مقدور على تسليمه (إلا أن يشرط المشتري قطعَ ثمره) فيصحُّ؛ لانتفاء المحذور؛ فإنه حينئذ يجب القطع، ويأمن الاختلاط، فإن اختلط لتأخر القطع .. كان على الخلاف الآتي.
(ولو حصل الاختلاط فيما يندر فيه .. فالأظهر: أنه لا ينفسخ البيع) لبقاء عين المبيع، وتسليمه ممكن بالطريق الآتي، والثاني: ينفسخ؛ لتعذر التسليم المستحق، وهو تسليم المبيع وحده، وهذا ما صححه المصنف في "نكت الوسيط" ونقل عن الأكثرين، ونصَّ عليه في "الأم" و"الإملاء"، واختاره السبكي 1008.
والأول: نقل الرافعي في "الكبير" ترجيحَه عن "الوجيز" خاصة، ولم يصرح برده ولا اختياره، وصرح برجحانه في "المحرر" و"الشرح الصغير"، وكذلك المصنف في "الروضة" 1009.
(بل يتخير المشتري) لأن الاختلاط عيب حدث قبل التسليم.
(فإن سمح له البائع بما حدث .. سقط خياوه في الأصحِّ) لزوال المحذور،
الجزء: 2 - الصفحة: 95
وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا بِصَافِيَةٍ؛ وَهُوَ: الْمُحَاقَلَةُ، وَلَا الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بتَمْرٍ؛ وَهُوَ: الْمُزَابَنَةُ. وَيُرَخَّصُ فِي الْعَرَايَا، وَهُوَ: بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى الَنَّخْلِ بِتَمْرٍ فِي الأَرْضِ، أَوِ الْعِنَبِ فِي الشَّجَرِ بِزَبِيبٍ،
والثاني: لا يسقط؛ لما في قبوله من المنة.
وما ذكره من الترتيب تبع فيه الإمام والغزالي، وهو يقتضي إثبات الخيار للمشتري أولًا حتى يجوز له المبادرة إلى الفسخ، فإن بادر البائع أولًا فسامح .. سقط خياره 1010، قال في "المطلب": وهو مخالف لنص الشافعي والأصحاب؛ فإنهم عكسوا فخيروا البائعَ أولًا، فإن سمح بحقه .. أقر العقد، وإلا .. فسخ، وقال السبكي: إن هذا أشبه، والفاسخ الحاكم.
(ولا يصحُّ بيع الحنطة في سُنبلها بصافيةٍ، وهو: المُحاقلة، ولا الرطبِ على النخل بتمر، وهو: المزابنة) للنهي عنهما، متفق عليه 1011، ووجهه: عدم العلم بالمماثلة، و (المحاقلة): مأخوذة من الحَقْل، وهي: الساحة التي تزرع، سميت محاقلةً؛ لتعلقها بزرع في حَقْل، قاله الرافعي، وقال الماوردي: الحَقْل هو السُّنْبل، وهو في لسان العرب: الموضع الذي يكون فيه الشيء؛ كالمعدن، و (المزابنة): مأخوذة من الزَّبْن، وهو: الدفع، سميت بذلك؛ لأنها مبنية على التخمين، والغبن فيهما مما يكثر، فيريد المغبون دفعه، والغابن إمضاءه فيتدافعان 1012.
(ويُرخَّص في العَرايا، وهو: بيع الرطب على النخل بتمر في الأرض، أو العنبِ في الشجر بزبيب) لأنه صلى الله عليه وسلم (نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في بيع العرية أن تباع بخَرْصها يأكلها أهلها رُطَبًا) متفق عليه 1013.
وأما في العنب: فلأنه زكوي يمكن خرصه، ويدخر يابسه، فكان كالرطب.
والثمر المذكور أولًا في الحديث هو: بالثاء المثلثة، والمراد به: الرطب، فِيمَا
الجزء: 2 - الصفحة: 96
دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَلَوْ زَادَ فِي صَفْقَتَيْنِ .. جَازَ، وَيُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ بِتَسْلِيمِ التَّمْرِ كَيْلًا، وَالتَّخْلِيَةِ فِي النَّخْلِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ،
بخلاف المذكور ثانيًا: فإنه بالمثناة، قاله في "شرح مسلم" 1014.
وموضع الجواز: ما إذا لم تتعلق بالثمرة زكاة بأن خرصت عليه وضُمِّن، أو قلنا: الخرص تضمين، أو لنقصانها عن النصاب، أو كفر صاحبها، وحكم البُسْر: حكم الرطب في الجواز، قاله الماوردي 1015، قال ابن الملقن: (وعلى هذا ينبغي إلحاق الحِصْرم بالعنب) 1016 وغلطه الأَذْرَعي؛ لأن البُسْر مما بدا صلاحه، بخلاف الحِصْرم.
واقتضى كلام المصنف: المنع فيما إذا كانا معًا على الشجر أو على الأرض، ومنع بيع الرطب بالرطب، وهو كذلك.
(فيما دون خمسة أوسق) بتقدير الجفاف وإن كان الرطب الآن أكثر؛ لما في "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق 1017، فلذلك جوز دون الخمسة؛ لأنه متفق عليه، ومنع في الخمسة؛ لأنا شككنا فيها، والأصل: التحريم.
(ولو زاد) على دون خمسة أوسق (في صفقتين) كلٌّ منهما دون خمسة أوسق ( .. جاز) قياسًا على الصفقة الأولى، فلو زاد في صفقة واحدة .. فإن البيع يبطل في الجميع، ولا يُخرَّج على تفريق الصفقة؛ لأنه صار بالزيادة ربا، فبطل في الجميع.
(ويشترط التقابض بتسليم التمر كيلًا، والتخلبةِ في النخل) والمماثلة بتقدير الجفاف؛ لأنه مطعوم بمطعوم.
(والأظهر: أنه لا يجوز في سائر الثمار) كالخَوْخ وغيره مما يدخر يابسه؛ لأنها متفرقة ومستورة بالأوراق، فلا يتأتى الخرص فيها، والثاني: يجوز قياسًا على الرطب، كما جوزنا في العنب بالقياس عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 97
وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْفُقَرَاءِ.
(وأنه لا يختص بالفقراء) لإطلاق الحديث، والثاني: يختص؛ لأنهم سبب الرخصة كما ذكره الشافعي في "الأم"، لكنه لم يسنده 1018. ومثار الخلاف: أن العبرة بعموم اللفظ، أو بخصوص السبب.
الجزء: 2 - الصفحة: 98
بابُ اختلاف المتبايعين إِذَا اتَّفَقَا عَلَى صِحَّةِ الْبَيع، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي كَيْفِيَّتِهِ كَقَدْرِ الثَّمَنِ، أَوْ صِفَتِهِ، أَوِ الأَجَلِ أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ قَدْرِ الْمَبِيعِ وَلَا بَيِّنَةَ .. تَحَالَفَا،
﴿باب اختلاف المتبايعين﴾
(إذا اتفقا على صحة البيع، ثم اختلفا في كيفيته؛ كقدر الثمن) وما يدعيه البائع أكثر، (أو صفته) كقوله: (بصحاح)، فيقول المشتري: (بل بمكسرة)، أو جنسه كقوله: (بذهب)، فيقول المشتري: (بل بفضة)، (أو الأجل) أي: فيدعي البائع الحلول، والمشتري الأجل، (أو قدره) أي: قدر الأجل كقوله: (إلى شهر)، فيقول المشتري: (بل إلى شهرين)، (أو قدر المبيع) كقوله: (بعتك هذا بمئة)، فيقول: (بل اشتريته مع هذا بمئة) (ولا بينة .. تحالفا) لحديث: "إِذَا اخْتَلَفَ الْبيِّعَانِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ .. فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ، أَوْ يَتَتَارَكَا" رواه أبو داوود، والحاكم وقال: إنه صحيح 1019.
ومعنى التتارك: أن يترك كلٌّ منهما ما يدعيه، وذلك بالفسخ، وفي "مسلم": "لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ .. لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" 1020.
ولا شك أن كلًّا منهما مدع ومدعىً عليه، وتخصيص البيع بالذكر جري على الغالب، فإن التحالف جار في عقود المعاوضات؛ كالسلم والكتابة وغيرهما.
واحترز بقوله: (ولا بينة): عما إذا كانت بينة؛ فإنه يُقضي بها، فإن أقاما بينتين .. فإن عرف أسبقهما تاريخًا .. حكم بها، وإلا .. تساقطتا، وتحالفا.
وأورد على الضابط: اختلافهما في عين المبيع والثمن معًا؛ مثل: (بعتك هذا العبد بمئة درهم)، فيقول: (بل هذه الجاريةَ بعشرة دنانير)، فلا تحالف جزمًا؛ إذا لم يتواردا على شيء مع اتفاقهما على بيع صحيح واختلفا في كيفيته.
الجزء: 2 - الصفحة: 99
فَيَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ قَوْلِ صَاحِبهِ وَإِثْبَاتِ قَوْلهِ، وَيُبْدَأُ بِالْبَائِعِ -وَفِي قَوْلٍ: بالْمُشْتَرِي، وَفِي قَوْلٍ: يَتَسَاوَيَانِ- فَيتَخَيَّرُ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَكْفِي كُلَّ وَاحِدٍ يَمِينٌ تَجْمَعُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَيُقَدَّمُ النَّفْيُ فَيَقُولُ: (مَا بِعْتُ بِكَذَا وَلَقَدْ بِعْتُ بِكَذَا). وَإِذَا تَحَالَفَا .. فالصَّحِيحُ: أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ،
ولو اختلفا في عين المبيع فقط .. تحالفا إن كان الثمن مُعيَّنًا، وإن كان في الذمة .. فوجهان في "الروضة" هنا بلا ترجيح، ورجح في الشرح الصغير التحالف 1021.
(فيحلف كلٌّ على نفي قول صاحبه وإثباتِ قوله) لما مرّ من كون كلٍّ منهما مدعيًا ومدعىً عليه، فينفي ما ينكره، ويثبت ما يدعيه.
(ويُبدأ بالبائع) ندبًا على الأصح؛ لقوة جانبه؛ لأن ملكه الثمن تمّ بالعقد، ويعود المبيع إليه بالتحالف.
(وفي قول: بالمشتري) لأنه يطالب بزيادة ثمن، والأصل: براءة ذمته عنها.
(وفي قول: يتساويان) لأن كلًّا منهما مدع ومدعىً عليه، فلا ترجيح (فيتخير الحاكم) أي: تفريعًا على هذا؛ كما لو تداعيا عينًا في يديهما .. فإن الحاكم يبدأ بيمين من شاء منهما، (وقيل: يُقرع) كما يقرع بينهما في الدعوى إذا جاءا معًا إلى مجلسه.
(والصحيح: أنه يكفي كلَّ واحد يمين تجمع نفيًا وإثباتًا) لأنه أقرب إلى فصل الخصومة، والثاني: يفرد النفي بيمين، والإثبات بأخرى، لأنه مدع ومدعىً عليه.
(ويُقدَّم النفي) استحبابًا؛ لأن الأصل في الأيمان يمين المدعى عليه (فيقول) البائع: ("ما بعت بكذا ولقد بعت بكذا") ويقول المشتري: (ما اشتريت بكذا، ولقد اشتريت بكذا).
(وإذا تحالفا .. فالصحيح: أن العقد لا ينفسخ) بنفس التحالف، لما رواه النسائي من حديث ابن مسعود: (أنه صلى الله عليه وسلم أمر البائع أن يحلف، ثم يختار المبتاع؛ إن شاء .. أخذ، وإن شاء .. ترك) وصححه الحاكم 1022.
الجزء: 2 - الصفحة: 100
بَلْ إِنْ تَرَاضَيَا، وإِلَّا .. فَيَفْسَخَانِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوِ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفْسَخُهُ الْحَاكِمُ، ثُمَّ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ الْمَبِيعِ، فَإِنْ كَانَ وَقَفَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ مَاتَ .. لَزِمَهُ قِيمَتُهُ، وَهِيَ قِيمَةُ يَوْمِ التَّلَفِ فَي أَظْهَرِ الأَقْوَالِ،
ولأن البينة أقوى من اليمين، ولو أقام كلٌّ منهما بينة .. لم ينفسخ، فبالتحالف أولى.
والاستدلال بالحديث المذكور: استدل به الإسنوي وغيره، وفيه نظر؛ لأن الخيار في الحديث إنما هو بعد حلف البائع فقط، لا بعد حلفهما، والثاني: ينفسخ؛ كما ينفسخ النكاح بتحالف الملاعنين.
(بل إن تراضيا) بأحد الثمنين أُقرّ العقد عليه (وإلا .. فيَفسخانه أو أحدهما) لأنه فسخ لاستدراك الظُّلامة، فأشبه الردَّ بالعيب (أو الحاكم) لقطع النزاع، (وقيل: إنما يفسخه الحاكم) ونقله في "المهمات" عن تصحيح الأكثرين، واختاره السبكي؛ لأنه مجتهد فيه فأشبه العُنَّة كذا قاله الرافعي هنا 1023، لكن الأصح في (كتاب النكاح): جواز انفراد المرأة بالفسخ بعد ثبوتها بين يدي الحاكم 1024. والأشبه في "المطلب": أن الفسخ ليس على الفور.
(ثم) بعد الفسخ (على المشتري ردُّ المبيع) إن كان قد قبضه وهو باق بحاله بزيادته المتصلة، وتسلم له المنفصلة؛ كالولد والثمر، وهكذا حكم الثمن إن كان قد قبضه البائع؛ ليصل كلُّ مالك إلى ملكه.
(فإن كان وقفه أو أعتقه أو باعه أو مات .. لزمه قيمتُه) وإن جاوزت الثمن المدعى به على الصحيح؛ لقيامها مقامه، هذا إذا كان مُتقوَّمًا، فإن كان مثليًّا .. قال في "المطلب": فالمشهور: وجوب المثل، وبه جزم في "الكفاية"، وحكى صاحب "المعين" فيه الاتفاق، وقال الماوردي: يرد القيمة، وزيفه السبكي 1025.
(وهي قيمة يوم التلف في أظهر الأقوال) لأن مورد الفسخ هو العين، والقيمة بدل
الجزء: 2 - الصفحة: 101
وَإِنْ تَعَيَّبَ .. رَدَّهُ مَعَ أَرْشِهِ، وَاخْتِلَافُ وَرَثَتِهِمَا كَهُمَا. وَلَوْ قَالَ: بِعْتكهُ بِكَذَا، فَقَالَ: بَلْ وَهَبْتَنِيهِ .. فَلَا تَحَالُفَ، بَلْ يَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى الآخَرِ. فَإِذَا حَلَفَا .. رَدَّهُ مُدَّعِي الْهِبَةِ بِزَوَائِدِهِ. وَلَوِ ادَّعَى صِحَّةَ الْبَيْعِ وَالآخَرُ فَسَادَهُ .. فَالأَصَحُّ: تَصْدِيقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ بِيَمِينِهِ
عنها، فإذا فات الأصل .. تعين النظر في القيمة إلى ذلك الوقت، والثاني: قيمة يوم القبض؛ لأنه وقت دخول المبيع في ضمانه، وما يعرض بعد ذلك من زيادة أو نقصان .. فهو في ملكه، والثالث: أقلُّ قيمة من العقد إلى القبض، والرابع: أقصي قيمة من يوم القبض إلى التلف؛ لأن يده يدُ ضمان، فيعتبر أعلى القيم، وهو مبني على ارتفاع العقد من أصله.
(وإن تعيب .. ردَّه مع أرشه) وهو قدر ما نقص من القيمة؛ إذ الكلُّ مضمون بها، فبعضه ببعضها.
(واختلاف ورثتهما كهُما) لأنها يمين في المال، فقام الوارث مقام المورث؛ كاليمين في دعوى المال.
(ولو قال: "بعتكه بكذا"، فقال: "بل وهبتنيه" .. فلا تحالُف) لأنهما لم يتفقا على عقد واحد، (بل يحلف كلٌّ على نفي دعوى الآخر) كسائر الدعاوي.
(فإذا حلفا .. ردَّه مدعي الهبة بزوائده) المتصلة والمنفصلة؛ لأنه لا ملك له.
(ولو ادعى صحةَ البيع، والآخرُ فساده .. فالأصحُّ: تصديق مدعِي الصحة بيمينه) إذ الظاهر في العقود الجارية بين المسلمين هو الصحة، والثاني: يصدق مدعي الفساد؛ إذ الأصل عدم العقد الصحيح.
وهذا الخلاف يجري في سائر عقود المعاوضات؛ كالإجارة والنكاح ونحوهما.
فلو قال: (ولو ادعى صحة العقد) .. لكان أولى، وما رجحه نصَّ عليه في "البويطي"، ونسبه في "الروضة" للأكثرين وظاهر النص 1026.
وفرق ابن الصلاح بين أن يُسند الفسادَ مدعيه إلى أمر زائد مفسد فلا يصدق؛ لأن الأصل عدمه، وبين أن يسنده إلى اختلال ركن أو شرط فيصدق؛ للأصل قال: وهذا
الجزء: 2 - الصفحة: 102
وَلَوِ اشْتَرَي عَبْدًا فَجَاءَ بِعَبْدٍ مَعِيبٍ لِيَرُدَّهُ، فَقَالَ الْبَائِعُ: (لَيْسَ هَذَا الْمَبِيعَ) .. صُدِّقَ الْبَائِعُ، وَفِي مِثْلِهِ فِي السَّلَمِ يُصَدَّقُ الْمُسْلِمُ فِي الأَصَحِّ
هو الذي استقر عليه الرأي، واعتمدتُ عليه في الفتوى، وقد سبقه إلى ذلك البَنْدَنيجي والمَحاملي والجرجاني.
ويستثنى من تصحيح قول مدعي الصحة مسائل: منها: ما لو باع ذراعًا من أرض فادعى البائع أنه أراد ذراعًا مُعيَّنًا حتى لا يصحّ العقد، وادعى المشتري الإشاعة ليصحّ .. فأرجح الاحتمالين في "زيادة الروضة": تصديق البائع حتى يفسد البيع؛ لأنه أعلم بإرادته 1027، ومنها: إذا اختلفا أن الصلح وقع على الإنكار أو الاعتراف .. فإن الصواب في "زيادة الروضة": تصديق مدعي وقوعه على الإنكار؛ لأنه الغالب 1028، ومنها: إذا قال السيد: (كاتبتك وأنا مجنون أو محجور علي)، وقال المكاتب: (كنت في حال الكمال)، وعُرف للسيد حالةُ جنون أو حجر .. فالقول قول السيد؛ كما جزم به المصنف في (الكتابة)، قال الأَذْرَعي: ولا اختصاص لهذا بهذه الصورة، بل الحكم كذلك في البيع وغيره من العقود.
(ولو اشترى عبدًا فجاء بعبد معيب ليرده، فقال البائع: "ليس هذا المبيعَ" .. صدق البائع) لأن الأصل السلامةُ وبقاء العقد.
(وفي مثله في السلم يصدق المُسلِم في الأصحِّ) لأن اشتغال ذمة المسلم إليه بالمسلم فيه معلوم، والبراءة غير معلومة؛ لأنه لم يعترف بقبض ما ورد العقد عليه، وفي البيع اتفقا على قبض ما اشتراه، وتنازعا في سبب الفسخ، والأصل: عدمه، والثاني: يصدق المسلم إليه؛ كالبيع 1029.
الجزء: 2 - الصفحة: 103
بابٌ [معاملة الرّقيق)
الْعَبْدُ إِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ .. لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فِي الأَصَحِّ، وَيَسْتَرِدُّهُ الْبَائِعُ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ أَوْ سَيِّدِهِ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ .. تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِذِمَّتِهِ، أَوْ فِي يَدِ السَّيِّدِ .. فَلِلْبَائِعِ تَضْمِينُهُ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَاقْتِرَاضُهُ كَشِرَائِهِ. وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ .. تَصَرَّفَ بِحَسَبِ الإِذْنِ،
(باب) معاملة الرقيق
(العبد إن لم يؤذن له في التجارة .. لا يصحُّ شراؤه بغير إذن سيده في الأصحِّ) إذ لا يمكن ثبوت الملك له؛ لأنه ليس أهلًا للملك، ولا لسيده بعوض في ذمته؛ لأنه لم يرض به، ولا في ذمة العبد؛ لما فيه من حصول أحد العوضين لغير من يلزمه، والثاني: يصحُّ إن كان الشراء في الذمة؛ لأنه متعلق بالذمة، ولا حجر للسيد على ذمته، فلو اشترى بعين .. فباطل جزمًا.
(ويسترده البائع) إذا قلنا بعدم الصحة (سواء كان في يد العبد أو سيده) لبقائه على ملكه.
(فإن تلف في يده) أي: في يد العبد ( .. تعلق الضمان بذمته) فيطالبه به إذا عتق، سواء رآه السيد مع العبد فتركه أم لا؛ لأنه وجب برضا من له الحقُّ، ولم يأذن فيه السيد.
(أو في يد السيّد .. فللبائع تضمينه) أي: تضمين السيد؛ لوضعه يدَه على ملكه، (وله) أي: للبائع (مطالبة العبد بعد العتق) لتعلقه بذمته لا قبل العتق؛ لأنه معسر.
(واقتراضُه كشرائه) في جميع ما سبق؛ لأنه عقد معاوضة مالية، فكان كالشراء، وسائرُ عقود المعاوضات كذلك خلا النكاح؛ فإنه لا يصحُّ جزمًا.
(وإن أذن له في التجارة .. تصرف) بالإجماع؛ لأن المنع لحقِّ السيد وقد ارتفع، وشرط الماوردي: أن يصحّ تصرفه لنفسه لو كان حرًّا 1030 (بحسب الإذن) لأنه تصرف
الجزء: 2 - الصفحة: 104
فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ .. لَمْ يَتَجَاوَزْهُ، وَلَيْسَ لَهُ النِّكَاحُ، وَلَا يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ، وَلَا يَأْذَنُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ، وَلَا يُعَامِلُ سَيِّدَهُ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِإِبَاقِهِ، وَلَا يَصِيرُ مَأْذُونًا لَهُ بِسُكُوتِ سَيِّدِهِ عَلَى تَصَرُّفِهِ، وَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِدُيُونِ الْمُعَامَلَةِ. وَمَنْ عَرَفَ رِقَّ عَبْدٍ .. لَمْ يُعَامِلْهُ حتَّى يَعْلَمَ الإِذْنَ بِسَمَاعِ سَيِّدِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ
مستفاد من الإذن، فاقتصر على المأذون فيه؛ كالوكيل وعامل القراض.
(فإن أذن له في نوع) كالثياب، أو وقت؛ كسنة ( .. لم يتجاوزه) لأنه قد يعرف منه النجاح فيه دون غيره.
(وليس له النكاح) كما ليس للمأذون له في النكاح أن يتجر؛ لأن اسم كلٍّ منهما غير متناول للآخر.
(ولا يُؤجِّر نفسَه) وإن كان له أن يؤجر أموالَ التجارة في الأصح؛ لأنه لا يملك التصرف في رقبته، فكذا في منفعته.
(ولا يأذن لعبده) الذي اشتراه (في التجارة) لأن السيد لم يأذن فيه، فإن أذن فيه .. جاز، وهل للمأذون أن يوكل العبد في تصرف خاصٍّ؛ كبيع ثوب بغير إذن السيد؟ وجهان في "الشرح"، و"الروضة" بلا ترجيح 1031.
(ولا يتصدق) إذ ليس من أهل التبرع.
(ولا يعامل سيدَه) فلا يبيع منه ولا يشتري؛ لأن تصرفه لسيده، بخلاف المكاتب.
(ولا ينعزل بإباقه) لأن الإباق معصية فلا يوجب الحجرَ؛ كما لو عصى السيدَ من وجه آخر .. فله التجارة في البلد الذي أبق إليه إلا إذا خصَّ السيدُ الإذن ببلد معين.
(ولا يصير مأذونًا له بسكوت سيده على تصرفه) كما لو رآه ينكح فسكت .. لا يكون إذنًا له في النكاح.
(ويُقبل إقراره بديون المعاملة) ولو لأبيه وابنه؛ لقدرته على الإنشاء.
وهذه المسألة قد أعادها المصنف في (باب الإقرار)، وستأتي.
ومن عرف رقَّ عبد .. لم يعامله حتى يَعلم الإذن بسماع) من (سيده أو بينة أو
الجزء: 2 - الصفحة: 105
شُيُوعٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِي الشُّيُوعِ وَجْهٌ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُ الْعَبْدِ. فَإِنْ بَاعَ مَأْذُونٌ لَهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَخَرَجَتِ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّةً .. رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِبَدَلِهِ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ السَّيِّدِ أَيْضًا، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ وَفَاءٌ .. فَلَا. وَلَوِ اشْترَى سِلْعَةً .. فَفِي مُطَالَبَةِ السَّيِّدِ بِثَمَنِهَا هَذَا الْخِلَافُ،
شيوع بين الناس) لأن الأصل عدمُ الإذن، والمراد بالعلم: غلبة الظن.
وكان ينبغي أن يقول: (رق شخص) لأن العبد معلومُ الرقِّ.
(وفي الشيوع وجه) لأن الحجر محقق، والزوال مشكوك فيه، وأجاب الأول: بأن السماع من السيد أو الثبوتَ بالبينة في حقِّ كلِّ من أراد المعاملةَ .. فيه عسر.
(ولا يكفي قول العبد) أنه مأذون له؛ للتُّهَمة، أما لو قال المأذون له: (حجر عليّ سيدي) .. لم يجز معاملته وإن أنكر السيد الحجر في الأصح؛ لأنه العاقد، والعقد باطل بزعمه، ولو عزل العبد نفسه .. لم ينعزل؛ لأن التصرف حقٌّ للسيد، فلم يقدر على إبطاله، قاله المتولي.
(فإن باع مأذون له وقبض الثمنَ، فتلف في يده، فخرجت السِّلعة مستحقةً .. رجع المشتري ببدله على العبد) لأنه المباشر للعقد، فتتعلق به العهدة، وقيل: لا رجوع عليه؛ لأن يده يدُ سيده، وعبارته مستعارة بينهما.
والضمير في (بدله) عائد على الثمن، وهو كذلك في "المحرر"، و"الروضة"، و"أصلها" 1032، ويقع في بعض النسخ (ببدلها) يعني: ببدل العين، وحكي عن نسخة المصنف، وهو سهو.
(وله مطالبة السيد أيضًا) لأن العقد له، فكأنه البائعُ والقابض، (وقيل: لا) لأن السيد بالإذن قد أعطاه استقلالًا، وكأنه قصر طمع الذي يعامله على يده وذمته، (وقيل: إن كان في يد العبد وفاءٌ .. فلا) لحصول الغرض بما في يده.
(ولو اشترى سلعة .. ففي مطالبة السيد بثمنها هذا الخلافُ) للمعاني المذكورة.
الجزء: 2 - الصفحة: 106
وَلَا يَتَعَلَّقُ دَيْنُ التِّجَارَةِ بِرَقَبَتِهِ، وَلَا ذِمَّةِ سَيِّدِهِ، بَلْ يُؤَدَّى مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ، وَكَذَا مِنْ كَسْبِهِ بِالاصْطِيَادِ وَنَحْوِهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ فِي الأَظْهَرِ.
(ولا يتعلق دين التجارة برقبته) للزومه برضا المستحق؛ كالاستقراض بلا إذن، (ولا ذمةِ سيده) لأن الإذن لا يقتضي الالتزام إلا فيما في يد العبد؛ كنفقة النكاح، وهذا مخالف لقوله قبل: أنه يطالب السيد ببدل الثمن التالف في يد العبد، وبثمن السلعة التي اشتراها أيضًا، وقد وقع الموضعان كذلك في "المحرر"، و"الشرح"، و"الروضة" 1033.
وموجب هذا التناقض: الجمع بين طريقين متباينين لم يقل أحد بمجموعهما؛ فالإمام وأتباعه يرون ترجيح مطالبة السيد مطلقا 1034، وأشار في "المطلب " إلى تضعيفها، والأكثرون لا يعلقونه بذمة السيد، بل يقولون: يقضي مما في يد العبد، فإن بقي شيء .. أتبع به إذا عتق، فالكلام الثاني هو الموافق للمنقول، ونقل عن النصِّ أيضًا، [وهو المعتمد] 1035.
(بل يُؤدَّى من مال التجارة) لاقتضاء الإذن والعرف ذلك، (وكذا من كسبه بالاصطياد ونحوه في الأصح) كمؤن النكاح، والثاني: لا؛ كسائر أموال السيد.
(ولا يملك العبد بتمليك سيده في الأظهر) كما لا يملك بالإرث، ولأنه مملوك فأشبه البهيمة، والثاني: يملك؛ لإضافة الملك إليه في قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَاعَ عَبْدًا .. فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ" 1036.
وعلى هذا: فهو ملك ضعيف يرجع السيد فيه متى شاء، ولا تجب فيه الزكاة.
واحترز بالسيد: عن الأجنبي؛ فإنه لا يملك بتمليكه بلا خلاف؛ كما قاله الرافعي في (الوقف)، وفي (الظهار) في تكفير العبد بالصوم 1037، لكن الماوردي والقاضي أجريا الخلافَ فيه أيضًا؛ كما قاله في "المطلب".
الجزء: 2 - الصفحة: 107
كتابُ السَّلَم هُوَ بَيْعُ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، يُشْتَرَطُ لَهُ مَعَ شُرُوطِ الْبَيْعِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ. فَلَوْ أَطْلَقَ ثُمَّ عَيَّنَ وسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ .. جَازَ،
﴿كتاب السلم﴾
سمي سلمًا؛ لتسليم رأس المال في المجلس، ويُسمَّى سلفًا؛ لتقديمه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية، قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في السلم 1038، وفي الصحيح: "مَنْ أَسْلَفَ .. فَلْيُسْلِفْ فِي كَيلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" 1039، وهو مجمع عليه.
(هو بيع موصوف في الذمة) بلفظ السلم ببدل يُعطى عاجلًا، وإنما قيدتُ كلامه بلفظ السلم؛ لئلا يرد ما إذا عقده بلفظ البيع، فإنه بيع على الأصح كما سيأتي.
وخرج بالوصف: القرض؛ فإنه لم يذكر صفاته.
(يشترط له مع شروط البيع أمور) لما مرَّ من أنه بيع، قال الزركشي: والمراد: شروط البيع في الذمة لا مطلقًا، وإلا .. لاقتضى اشتراط رؤية المسلم فيه، والصيغة، وعلى هذا فلا ترد صحةُ سلم الأعمى دون شرائه.
(أحدها: تسليم رأس المال في المجلس) لأن تأخيره في معنى بيع الدين بالدين، وقد نهى عنه 1040.
(فلو أطلق) كأن قال: (أسلمت إليك دينارًا في ذمتي في كذا) (ثم عين) الدينار (وسلم في المجلس .. جاز) لأن المجلس حريم العقد؛ فله حكمه.
الجزء: 2 - الصفحة: 109
وَلَوْ أَحَالَ بِهِ وَقَبَضَهُ الْمُحْتَالُ فِي الْمَجْلِسِ .. فَلَا، وَلَوْ قَبَضَهُ وَأَوْدَعَهُ الْمُسْلِمَ .. جَازَ. وَيَجُوزُ كَوْنُهُ مَنْفَعَةً، وَيُقْبَضُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ. وَإِذَا فُسِخَ السَّلَمُ وَرَأْسُ الْمَالِ بَاقٍ .. اسْتَرَدَّهُ بِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: لِلْمُسْلَمِ إِلَيْهِ رَدُّ بَدَلِهِ إِنْ عُيِّنَ فِي الْمَجْلِسِ دُونَ الْعَقْدِ. وَرُؤْيَةُ رَأْسِ الْمَالِ تَكْفِي عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ فِي الأَظْهَرِ
(ولو أحال به) أي: برأس المال (وقبضه المحتال في المجلس .. فلا) لأنها ليست بقبض حقيقي، والمحال عليه يؤدي عن نفسه لا عن المسلم.
وصورة المسألة: أن يحيل المُسلِم المُسلَم إليه، أما لو أحال المُسلَم إليه برأس المال على المُسلِم، وأمره بالدفع إليه، وحصل القبض في المجلس .. جاز، ويكون المحتال وكيلًا عن المُسلَم إليه في القبض.
(ولو قبضه) يعني: رأس المال (وأودعه المُسلِم) قبل التفرق ( .. جاز) قياسًا على سائر أمواله.
(ويجوز كونه) أي: رأس المال (منفعة) كما يجوز جعلها ثمنًا وغيره.
(ويُقبَض بقبض العين) لأنه لمَّا تعذر القبض الحقيقي .. اكتفينا بهذا؛ لأنه الممكن.
(وإذا فُسخ السلم ورأس المال باق) ولم يتعلق به حقّ ثالث ( .. استرده بعينه) وليس له إبداله، سواء أكان مُعيَّنًا أم في الذمة ثم عيّن في المجلس، أما الأول .. فلأن الثمن المُعيَّن كالمبيع، وأما الثاني .. فلأن المُعيَّن في المجلس بمثابة المُعيَّن في العقد.
(وقيل: للمسلم إليه ردُّ بدله إن عيِّن في المجلس دون العقد) لأن العقد لم يتناوله.
واحترز بقوله: (باق) عما إذا تلف؛ فإنه يرد مثله في المثلي، وقيمته في المتقوم.
(ورؤية رأس المال تكفي عن معرفة قدره في الأظهر) كثمن المبيع، والثاني: لا تكفي، بل يجب ذكر قدره وصفته؛ لأنه ربما ينقطع، ويكون رأس المال تالفًا، فلا يدري بِمَ يرجع، ونصّ في "الأم" على أن هذا أحب القولين إليه 1041.
الجزء: 2 - الصفحة: 110
الثَّانِي: كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ دَيْنًا، فَلَوْ قَالَ: (أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذَا الْثوْبَ فِي هَذَا الْعَبْدِ) .. فَلَيْسَ بِسَلَمٍ، وَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعًا فِي الأَظْهَرِ، وَلَوْ قَالَ: (اشْتَرَيْتُ مِنْكَ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ)، فَقَالَ: (بِعْتُكَ) .. انْعَقَدَ بَيْعًا، وَقِيلَ: سَلَمًا
ومحل الخلاف: ما إذا تفرقا قبل العلم بالقدر والصفة؛ فإن علماه قبله .. صحَّ قطعًا.
(الثاني: كون المُسلَم فيه دينًا) لأن لفظ السلم موضوع له، ومراده بالشرط: ما لا بدَّ منه؛ ليشمل الركن؛ فإن الدَّينِيَّةَ داخلة في حقيقة السلم.
(فلو قال: "أسلمتُ إليك هذا الثوب في هذا العبد" .. فليس بسلم) جزمًا؛ لانتفاء الدَّينِيَّة.
(ولا ينعقد بيعًا في الأظهر) لاختلال اللفظ، والثاني: ينعقد بيعًا؛ نظرًا إلى المعنى.
(ولو قال: "اشتريت منك ثوبًا صفته كذا بهذه الدراهم") أو بمئة درهم في ذمتي (فقال: "بعتك" .. انعقد بيعًا) نظرًا إلى اللفظ، وهذا ما رجحه في "أصل الروضة"، وقال في "المحرر": إنه أقرب 1042، ولم يصرح هنا في "الشرحين" بترجيح، (وقيل: سلمًا) نظرًا إلى المعنى، واللفظ لا يعارضه؛ لأن كلَّ سلم بيع؛ فإطلاق البيع على السلم إطلاقٌ له على ما يتناوله، وهذا ما رجحه العراقيون وغيرهم، وهو المنصوص، واختاره السبكي.
وإذا جعلناه سلمًا .. وجب تعيين الدراهم، وقبضها في المجلس، وإلا .. لم يجب، كذا قالاه 1043، وقال السبكي: إذا جعلناه بيعًا لا يجب التسليم، ويجب التعيين، وإلا أدى إلى بيع الدين بالدين، وهو باطل بالإجماع، وممن نبه عليه المَحاملي والفارقي وإسماعيل الحَضْرَمي.
ومحل انعقاده بيعًا: إذا لم يذكر بعده لفظ السلم، فإن قال: (بعتك كذا سلمًا، أو اشتريت منك سلمًا) .. كان سلمًا؛ كما جزم به الرافعي في تفريق الصفقة في
الجزء: 2 - الصفحة: 111
الثَّالِثُ: الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ بِمَوْضِعٍ لَا يَصْلُحُ لِلتَّسْلِيمِ، أَوْ يَصْلُحُ وَلِحَمْلِهِ مُؤْنةٌ .. اشْتُرِطَ بَيَانُ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَيَصِحُّ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا، فَإِنْ أَطْلَقَ .. انْعَقَدَ حَالًّا، وَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ
الأحكام؛ فإنه صوَّرَ الجمع بين الإجارة والسلم بقوله: (أجرتك داري سنة، وبعتك كذا سلمًا بكذا) 1044.
(الثالث: المذهب: أنه إذا أسلم بموضع لا يصلح للتسليم، أو يصلح ولحمله مؤنة .. اشتُرط بيان محلِّ التسليم) وهو مكانه، (وإلا .. فلا) لأنه إذا كان الموضع صالحًا ولا مؤنة .. اقتضى العرف التسليمَ فيه، وإذا لم يكن كذلك .. تفاوتت الأغراض باختلاف الأمكنة فاشترط التعيين.
وهذا في السلم المؤجل، أما الحالُّ .. فلا يشترط فيه التعيين؛ كالبيع.
ويتعين موضع العقد للتسليم، لكن إن عينا غيره .. جاز بخلاف البيع؛ لأن السلم يقبل التأجيل فقَبِل شرطًا يتضمن تأخير التسليم، والأعيان لا تحتمله.
والمراد بموضع العقد: المحلّة، وفي المسألة سبعة طرق 1045؛ فلذا عبر بالمذهب.
(ويصحُّ) السلم (حالًّا) إذا كان المسم فيه موجودًا (ومؤجلًا) أما المؤجل .. فبالإجماع، وإذا جاز مؤجلًا .. فهو في الحالٍّ أجوز؛ لأنه أبعد عن الغرر.
وفائدة العدول عن البيع إلى السلم الحالّ: جوازُ العقد مع غيبة المبيع؛ فإنه قد لا يكون حاضرًا مرئيًّا، فلا يصحُّ بيعه، وإن أخره لإحضاره .. فات المشتري، والأمنُ من الانفساخ؛ إذ هو متعلق بالذمة.
(فإن أطلق) ولم يشترط تأجيلًا ولا حلولًا ( .. انعقد حالًّا) كالثمن في البيع، (وقيل: لا ينعقد) لأن العرف في السلم التأجيلُ؛ فحمل عليه، وحينئذ فيكون كما لو ذكر أجلًا مجهولًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 112
وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالأَجَلِ.
فَإِنْ عَيَّنَ شُهُورَ الْعَرَبِ أَوِ الْفُرْسِ أَوِ الرُّومِ .. جَازَ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. حُمِلَ عَلَى الْهِلَالِيِّ، فَإِنِ انْكَسَرَ شَهْرٌ .. حُسِبَ الْبَاقِي بالأَهِلَّةِ وَتُمِّمَ ألأَوَّلُ ثَلَاثِينَ.
وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ تأْجِيلِهِ بالْعِيدِ وَجُمَادَى، وَيُحْمَلُ عَلَى الأَوَّلِ.
فصَلٌ [في بقية الشروط السبعة]
يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ: مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ عِنْدَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ كَانَ يُوجَدُ بِبَلَدٍ آخَرَ .. صَحَّ إِنِ اعْتِيدَ نَقْلُهُ لِلْبَيعِ، وَإِلَّا .. فَلَا،
(ويشترط العلم بالأجل) فلا يجوز بما يختلف؛ كالحصاد، وقدوم الحاجِّ، والميسرة؛ للآية والحديث السالفَيْن 1046.
(فإن عين شهورَ العرب أو الفرس أو الروم .. جاز) لأنها معلومة مضبوطة.
(وإن أطلق) الشهر ( .. حُمل على الهلالي) لا الشمسي؛ لأنه عرف الشرع، وكذا السنة؛ كما صرح به في "المحرر" 1047.
(فإن انكسر شهر .. حُسب الباقي بالأهلة وتُمِّم الأول ثلاثين) لتعذر اعتبار الهلال فيه، وقيل: إذا انكسر الأول .. انكسر الجميع.
(والأصحُّ: صحة تأجيله بالعيد وجمادى، ويحمل على الأول) لتحقق الاسم به، والثاني: يفسد؛ لتردده بينهما، ولو قال: (بعد رمضان إلى العيد) .. حمل على عيد الأضحى؛ لأنه الذي يلي العقد، قاله ابن الرفعة 1048.
(فصل: يشترط كون المسلم فيه: مقدورًا على تسليمه عند وجوب التسليم) لأن المعجوز عن تسليمه يمتنع بيعه، فيمتنع السَّلم فيه.
(فإن كان يوجد ببلد آخر .. صحَّ إن اعتمد نقله للبيع، وإلا .. فلا) سواء أكان لا ينقل منها أصلًا أم ينقل ولكن على ندور، أم ينقل لا للبيع بل للهدية ونحوها.
الجزء: 2 - الصفحة: 113
وَلَوْ أَسْلَمَ فِيمَا يَعُمُّ فَانْقَطَعَ فِي مَحِلِّهِ .. لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الأَظْهَرِ، فَيَتَخَيَّرُ الْمُسْلِمُ بَيْنَ فَسْخِهِ، وَالصَّبْرِ حَتَّى يُوجَدَ، وَلَوْ عَلِمَ قَبْلَ الْمَحِلِّ انْقِطَاعَهُ عِنْدَهُ .. فَلَا خِيَارَ قَبْلَهُ فِي الأَصَحِّ. وَكَوْنُهُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا أَوْ عَدًّا أَوْ ذَرْعًا، وَيَصِحُّ فِي الْمَكِيلِ وَزْنًا وعَكْسُهُ،
وهذا الضابط نقله الرافعي في "الشرح" عن الإمام، وجزم به في "المحرر" 1049، لكن ذكر في "الشرح" آخر الفصل في الكلام على الانقطاع كلامًا آخر حاصلُه: مخالفة الإمام رجحانَ اعتبار مسافة القصر، وقد أوضحه في "المهمات" 1050.
(ولو أسلم فيما يعُمُّ فانقطع في محلِّه) بكسر الحاء ( .. لم ينفسخ في الأظهر) لتعلقه بالذمة؛ كإفلاس المشتري بالثمن.
والمراد بالانقطاع: ألا يوجد، أو يوجد ولا يباع، أو يوجد ببلد آخر ولو نقل .. لفسد، فلو كان يباع بثمن غال .. وجب تحصيله، وإن أمكن نقله من بلد آخر من غير فساد .. وجب إن قرب، وقد مرَّ بما يضبط القرب.
(فيتخير المسلم بين فسخه، والصبر حتى يوجد) فإن أجاز ثم بدا له .. مُكِّن من الفسخ؛ كزوجة المُولي؛ بناءً على أن خياره على التراخي، وهو الصحيح، والقول الثاني: ينفسخ؛ كما لو تلف المبيع قبل القبض.
(ولو علم قبل المَحِلِّ انقطاعه عنده .. فلا خيار قبله في الأصحِّ) لأنه لم يدخل وقت وجوب التسليم، والثاني: نعم؛ لتحقق العجز في الحال.
(وكونه معلوم القدر كيلًا أو وزنًا أو عدًّا أو ذرعًا) أما الأولان .. فللحديث المارِّ أول الباب 1051، وأما الأخيران .. فبالقياس.
(ويصحُّ في المكيل وزنًا، وعكسه) 1052 إذ المقصود معرفةُ المقدار، بخلاف
الجزء: 2 - الصفحة: 114
وَلَوْ أَسْلَمَ فِي مِئَةِ صَاعِ حِنْطَةٍ عَلَى أَنَّ وَزْنَهَا كَذَا .. لَمْ يَصِحَّ. وَيُشْتَرَطُ الْوَزْنُ فِي الْبِطِّيخِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْقُثَّاءِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالرُّمَّانِ. وَيَصِحُّ فِي الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ بِالْوَزْنِ فِي نَوْعٍ يَقِلُّ اخْتِلَافُهُ، وَكَذَا كَيْلًا فِي الأَصَحِّ
الربويات، فإن الغالب فيها التعبد، كذا أطلقوه 1053، وحمله الإمام على ما يُعدُّ الكيلُ في مثله ضابطًا 1054.
فلو أسلم في فُتات المسك والعَنْبَر، ونحوهما كيلًا .. لم يصحَّ؛ لكثرة مالية يسيرِهِ، حكاه الشيخان عنه، وأقراه 1055، وجزم به المصنف في "التصحيح" 1056، لكن الرافعي جزم بعد ذلك بالجواز في اللآلئ الصغار إذا عمَّ وجودها كيلًا 1057 فيحتمل مخالفته؛ لما مرَّ، وهو ما فهمه في "الروضة" 1058، ويحتمل أن يفرق بينهما: بأن الكيل يَحصُر اللآلئ الصغار؛ لرزانتها في الكيل، بخلاف المسك ونحوه، وأيضًا فإن ذلك الكلام فيما له خَطَرٌ، واللآلئ الصغار المرادة للتداوي قد لا يكون لها خَطَرٌ.
(ولو أسلم في مئة صاعِ حنطةٍ على أن وزنها كذا .. لم يصحَّ) لأنه يورث عزَّة الوجود.
(ويشترط الوزن في البطيخ والباذنجان والقِثَّاء، والسَّفَرجل والرُّمّان) والرانج، والبيض، ولا يكفي الكيل؛ لتجافيه في المكيال، ولا العدد؛ لكثرة التفاوت.
(ويصحّ في الجوز واللوز بالوزن) لا بالعدد (في نوع يقلُّ اختلافه) فإن اختلفت قشوره بالغلظ والرقة .. امتنع السلم فيه؛ لاختلاف الغرض.
(وكذا كيلًا في الأصحِّ) كالحبوب، والثاني: لا؛ لتجافيها في المكيال.
والخلاف قولان؛ فالأول: منصوص "المختصر" 1059، والثاني: منصوص "البويطي".
الجزء: 2 - الصفحة: 115
وَيُجْمَعُ فِي اللَّبنِ بَيْنَ الْعَدِّ وَالْوَزْنِ. وَلَوْ عَيَّنَ كَيْلًا .. فَسَدَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا، وَإِلَّا .. فَلَا فِي الأَصحِّ. وَلَوْ أَسْلَمَ فِي ثَمَرِ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ .. لَمْ يَصِحَّ، أَوْ عَظِيمَةٍ .. صحَّ فِي الأَصَحِّ. وَمَعْرِفَةُ الأَوْصَافِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الْغَرَضُ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا،
(ويجمع في اللَّبِن بين العدِّ والوزن) فيقول: (كذا لبنة، وزن كل واحدة كذا) لأنها تُضرب عن اختيار فلا تؤدي إلى عزَّة الوجود، ثم الأمر في وزنها على التقريب، وفي "زيادة الروضة" لم يعتبر العراقيون أو معظمهم الوزن، ونصَّ في "الأم" على أنه مستحب، لكن يشترط أن يذكر طوله وعَرْضه وثخانته، وأنه من طين معروف 1060.
(ولو عيَّن كيلًا .. فسد إن لم يكن معتادًا) ولم يعرف مقداره، كالكوز والقَصْعة بالإجماع؛ لأنه مجهول، ولأن فيه غررًا؛ لأنه قد يتلف قبل المحِلِّ، وينبني على المعنيين ما لو قال: (بعتك ملء هذا الكوز من هذه الصبرة)، والأصح: الصحة؛ اعتمادًا على المعنى الثاني، وهو انتفاء الغرر.
(وإلا .. فلا في الأصحِّ) أي: وإن كان معتادًا .. لم يفسد، بل يلغو تعيينه؛ كسائر الشروط التي لا غرض فيها، والثاني: يفسد؛ لتعرضه للتلف.
والمراد بالتعيين: تعيين الفرد من نوع المكيال، أما تعيين نوع المكيال بالغلبة أو بالتنصيص عليه .. فلا بدَّ من اشتراطه.
(ولو أسلم في) مقدار من (ثمر قرية صغيرة .. لم يصحَّ) بالإجماع؛ خشيةً من انقطاعه لجائحة ونحوها، وذلك غرر.
(أو عظيمةٍ .. صحَّ في الأصحِّ) لعدم انقطاعه غالبًا، والثاني: أنه كتعيين المكيال؛ لعدم الفائدة.
ومحل الخلاف: إذا لم يُفدْ تنويعًا، فإن أفاده كمَعْقِلي البصرة .. جاز قطعًا؛ لأنه مع مَعْقِلي بغداد صنفٌ واحد، لكن يختلفان في الأوصاف؛ فله غرض في ذلك.
(و) يشترط (معرفة الأوصاف التي يختلف بها الغرضُ اختلافًا ظاهرًا) لتقريبه من المعاينة، ولأن القيمة تختلف بسببها.
الجزء: 2 - الصفحة: 116
وَذِكْرُهَا فِي الْعَقْدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إِلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ، فَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ مَقْصُودُهُ كَالْمُخْتَلِطِ الْمَقْصُودِ الأَرْكَانِ؛ كَهَرِيسَةٍ وَمَعْجُونٍ وَغَالِيَةٍ وَخُفٍّ وَتُرْيَاقٍ مَخْلُوطٍ، وَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ فِي الْمُخْتَلِطِ الْمُنْضَبِطِ كَعَتَّابِيٍّ وَخَزٍّ، وَجُبْنٍ وَأَقِطٍ وَشَهْدٍ، وَخَلِّ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ،
واحترز بقوله: (ظاهرًا) عمَّا يتسامح الناس بإهمال ذكره.
(وذكرها في العقد) ليتميز المعقود عليه، فلا يكفي ذكرها بعده وإن كان في مجلس العقد، ويكون ذكرها (على وجه لا يؤدي إلى عِزَّة الوجود) لأن السلم غررٌ، فلا يجوز إلا فيما يوثق بتسليمه.
(فلا يصحُّ فيما لا ينضبط مقصوده؛ كالمختلط المقصود الأركان؛ كهَرِيسة ومعجون وغالية وخفّ وتِرْياق) طاهر (مخلوط) لأن الغالية مركبة من مسك وعنبر وعود وكافور، كما قاله الرافعي 1061، والخف مركب من ظهارة وبطانة.
واحترز بالترياق المختلط: عما إذا كان نباتًا أو حجرًا؛ فإنه يجوز السلم فيه، وقد يفهم الجواز في خف متخذ من شيء واحد، وليس كذلك؛ بناءً على منع السلم في الجلود، وهو الأصح.
(والأصحُّ: صحته في المختلط المنضبط؛ كعتَّابيٍّ، وخَزٍّ) لتيسُّر ضبط كلِّ جزء من الأجزاء، والثاني: المنع؛ كالمعجون، والعتابي: من قطن وحرير، والخزّ: من إِبْرَيْسمٍ ووبر، أو صوف.
(وجبن وأَقِط وشهد، وخلِّ تمر أو زبيب) إذ الملح والإِنْفَحةُ في الجُبْن، والأقِط، والماء في خلِّ التمر والزبيب من مصالحه، والثاني: لا؛ كاللبن المخلوط بالماء.
وأما الشهد .. فوجه الصحة: قياسه على التمر، ووجه المنع: أن الشمع فيه يقلُّ ويكثر، وهذا ما نصَّ عليه في "الأم" 1062، واختاره السبكي.
الجزء: 2 - الصفحة: 117
لَا الْخُبْزِ فِي الأَصَحِّ عِنْدَ الأَكْثَرِينَ. وَلَا يَصِحُّ فِيمَا نَدَرَ وُجُودُهُ؛ كَلَحْمِ الصَّيْدِ بِمَوْضِعِ الْعِزَّةِ، وَلَا فِيمَا لَوِ اسْتُقْصِيَ وَصفُهُ .. عَزَّ وُجُودُهُ؛ كَاللُّؤْلُؤِ الْكِبَارِ وَالْيَوَاقِيتِ، وَجَارِيَةٍ وَأُخْتِهَا أَوْ وَلَدِهَا.
(لا الخبز في الأصحِّ عند الأكثرين) لاختلاف الغرض بقدر الملح، وتأثير النار فيه تأثيرًا غير منضبط، وهو مانع من الصحة، كما سيأتي، والثاني: يصحُّ؛ لأن ناره مضبوطة، والملح غير مقصود.
(ولا يصحُّ فيما ندر وجوده؛ كلحم الصيد بموضع العِزَّةِ) لأنه عقد غرر، فلا يحتمل إلا فيما يوثق بتسليمه.
(ولا فيما لو استُقصيَ وصفه) الذي يجب ذكرُه في السلم (عزَّ وجوده؛ كاللؤلؤ الكبار، واليواقيت) إذ لا بدّ فيها من ذكر الحجم والشكل والوزن واللون والصفاء، واجتماعها نادر، ويجوز في صغار اللآلئ العامة الوجود؛ كيلًا ووزنًا، وضبط جماعة الصغارَ: بما يطلب للتداوي لا للزينة، وضبطه الجويني: بسدس دينار 1063، قالا: والوجه أن اعتبار السدس للتقريب 1064.
(وجاريةٍ وأختها أو ولدها) وشاةٍ وسخلتها؛ لندرة اجتماعهما بالصفات، واستشكله الرافعي بما لو شرط كون العبد كاتبًا، أو الجارية ماشطة .. فإنه يندر اجتماع ذلك مع الصفات المشروطة، ومع ذلك يصحُّ 1065.
وفرق في "المهمات" بينهما بما ملخصه: أن الكتابة والمشط يسهل تحصيله بالاكتساب، بخلاف البنوَّة والأخوَّة؛ فإنه وصف غير مكتسب فيعزّ وجوده مع باقي الأوصاف.
انتهى 1066.
وقيَّد الإمام المنع بمن تكثر صفاتها بخلاف الزنجية، وبحث فيه الرافعي 1067.
الجزء: 2 - الصفحة: 118
فَرعٌ [في محل السلم وشروطه]
يَصِحُّ فِي الْحَيَوَانِ، فَيُشْتَرَطُ: فِي الرَّقِيقِ: ذِكْرُ نَوْعِهِ كَتُرْكِيٍّ، وَلَوْنِهِ كَأَبْيَضَ -وَيَصِفُ بَيَاضَهُ بِسُمْرَةٍ أَوْ شُقْرَةٍ- وَذُكُورَتِهِ وَأُنُوثَتِهِ، وَسِنِّهِ، وَقَدِّهِ طُولًا وَقِصَرًا، وَكُلُّهُ عَلَى التَّقْرِيبِ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْكَحَلِ وَالسِّمَنِ وَنَحْوِهِمَا فِي الأَصَحِّ
(فرع: يصحُّ) السلم (في الحيوان) لأنه يثبت في الذمة؛ بدليل إبل الدية، وصحَّ أنه عليه أفضل الصلاة والسلام اقترض بَكْرًا 1068، وحديث النهي عن السلف في الحيوان لم يثبت؛ كما قاله ابن السمعاني في "الاصطلام"، وإن صححه الحاكم 1069.
(فيشترط في الرقيق: ذكر نوعه؛ كتركي) لاختلاف الغرض، فإن اختلف صِنفُ النوع .. وجب ذكره على الأظهر.
(ولونه؛ كأبيض، ويصف بياضه بسمرة أو شقرة) ويصف السواد بالصفاء أو الكدرة، وهذا إن اختلف لون النوع، فإن لم يختلف؛ كالزنجي .. لم يجب التعرض له.
(وذكورته وأنوثته، وسنِّه، وقدِّه طولًا وقصرًا) وكذا ثيوبته، وبكارته على الأصح؛ لاختلاف الغرض بكلِّ ذلك.
(وكلُّه على التقريب) فلو شرط تحديدًا .. بطل؛ لندوره، ولم يذكر الرافعي في "الشرحين"، و"المحرر" التقريب إلا بالنسبة إلى السنِّ خاصة، وجرى عليه في "الروضة"، قال المنكت: وما في "الكتاب" حسن إن ساعد عليه نقل 1070.
(ولا يشترط ذكر الكَحَل والسِّمن ونحوهما) كالدعج، وهو: شدة سواد العين مع سعتها، والكَحَل: أن يعلو جفونَ العين سوادٌ كالكُحْل من غير اكتحال (في الأصحِّ) لتسامح الناس بإهماله، والثاني: يشترط؛ لأنه مقصود لا يؤدي إلى عزَّة الوجود.
الجزء: 2 - الصفحة: 119
وَفِي اْلإِبِلِ وَاْلْخَيْلِ وَاْلْبغَالِ وَالْحَمِيرِ: الذُّكُورَةُ وَالأُنُوثة، وَالسِّنُّ وَاللَّوْنُ وَالنَّوْعُ. وَفِي الطَّيْرِ: المنَّوْعُ وَالصِّغَرُ وَكِبَرُ الْجُثَّةِ. وَفِي اللَّحْمِ: لَحْمُ بَقَرٍ، أَوْ ضَأْنٍ، أَوْ مَعْزٍ، ذَكَرٍ خَصِيٍّ رَضِيعٍ مَعْلُوفٍ أَوْ ضِدَّهَا، مِنْ فَخِذٍ أَوْ كَتِفٍ أَوْ جَنْبِ، وَيُقْبَلُ عَظْمُهُ عَلَى الْعَادَةِ. وَفِي الثِّيَابِ: الْجِنْسُ،
(وفي الإبل والخيل والبغال والحمير: الذكورة والأنوثة، والسنُّ واللون والنوع) لاختلاف الغرض بذلك، ولو اختلف صنف النوع .. فعلى ما سبق في الرقيق.
(وفي الطير: النوع، والصِّغَرُ، وكبر الجثة) واللون؛ كما ذكره الغزالي في "الوسيط" 1071، والمصنف في "التنقيح"، ومسودة "شرح المهذب"، وأهمله الرافعي، والمصنف في باقي كتبه، وأما السنُّ .. فلا يكاد يعرف؛ فإن عرف .. وُصِف به؛ كما في "الشرح" و"الروضة" 1072.
(وفي اللحم: لحم بقر، أو ضأن، أو معز، ذكرٍ خصيٍّ رضيع معلوف، أو ضدها) أي: ضدِّ ما ذكر، فضد الذكر: الأنثى، والخصي: الفحل، والرضيع: الفطيم، أو الجذع، أو الثني، وضد المعلوفة: الراعية؛ لاختلاف الغرض بذلك، فلحم الراعية أطيب، والمعلوفة أدسم، ولو كان في بلد لا يختلف الراعي فيها والمعلوف .. لم يلزم ذكره، قاله الماوردي، وأشار إليه الرافعي 1073، ولا بدَّ في البقر من بيان نوعه؛ كجواميس أو عِرَاب.
(من فخذ أو كتف أو جنب) أو غيرها؛ لاختلاف الغرض، فكلما قرب من المرعى والماء .. فهو أطيب، فلحم الرقبة أطيب؛ لقربه، ولحم الفخذ أدون؛ لبعده.
(ويقبل عظمه على العادة) عند الإطلاق؛ لأنه كالنوى من التمر، فإن شرط نزعه .. جاز، ولم يجب قبوله.
(وفي الثياب: الجنس) كقطن أو كتان، والنوع؛ ككتان ربيعي أو صيفي،
الجزء: 2 - الصفحة: 120
وَالطُّولُ وَالْعَرْضُ، وَالْغِلَظُ وَالدِّقَّةُ، وَالصَّفَاقَةُ وَالرِّقَّةِ، وَالنُّعُومَةِ وَالْخُشُونةِ، وَمُطْلَقُهُ يُحْمَلُ عَلَى الْخَامِ. وَيَجُوزُ فِي الْمَقْصُورِ، وَمَا صُبِغَ غَزْلُهُ قَبْلَ النَّسْجِ؛ كَالْبُرُودِ، وَالأَقْيَسُ: صِحَّته فِي الْمَصْبُوغِ بَعْدَهُ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: مَنْعُهُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَفِي التَّمْرِ: لَوْنُهُ وَنَوْعُهُ وَبَلَدُهُ، وَصِغَرُ الْحَبَّاتِ وَكِبَرُهَا، وَعِتْقُهُ وَحَدَاثتهُ. وَالْحِنْطَةُ وَسَائِرُ الْحُبُوبِ كَالتَّمْرِ
وكذلك البلد الذي ينسج فيه إن اختلف به الغرض.
(والطول والعرض، والغلظ والدقة، والصَّفاقة والرقة، والنعومة والخشونة) لاختلاف الغرض في ذلك.
والغلظ والدقة بالدال يرجعان إلى كيفية الغزل، والصفاقة والرقة بالراء يرجعان إلى كيفية النسج، فإن الصفاقة: انضمام بعض الخيوط إلى بعض، والرقة: ضدها.
والواو في (الغلظ والدقة والصفاقة والرقة) بمعنى أو؛ يعني: إما هذا أو هذا.
(ومطلقه يحمل على الخام) لأن القصر صفة زائدة.
(ويجوز في المقصور، و) في (ما صبغ غزله قبل النسج؛ كالبرود) إذا بيَّن الصبغَ ولونه، وكونه في الشتاء أو الصيف؛ كما قاله الماوردي 1074.
(والأقيس: صحته في المصبوغ بعده) أي: النسج؛ كما في الغزل المصبوغ.
(قلت: الأصحُّ: منعه، وبه قطع الجمهور، والله أعلم) لأن الصبغ عين برأسه، وهو مجهول، ويمنع أيضًا من معرفة صفات الثوب؛ لسدِّه الفُرَجَ، بخلاف ما قبل النسج، وهذا ما نصَّ عليه في "البويطي"، وقال الرافعي في "شرحيه": إنه المشهور، لكن قال: إن الأقيس: الجواز 1075.
(وفي التمر: لونه) كأبيض وأحمر (ونوعه) كمَعْقِليٍّ، أو بَرْني (وبلده) كبغدادي أو بصري (وصغر الحبَّات وكبرها) فإن الصغير أقوى من الكبير وأشدّ (وعتقه وحداثته) وتوسطه بينهما؛ لاختلاف الغرض به.
(والحنطةُ وسائر الحبوب كالتمر) في الشروط السابقة.
الجزء: 2 - الصفحة: 121
وَفِي الْعَسَلِ: جَبَلِيٌّ أَوْ بَلَدِيٌّ، صَيْفِيٌّ أَوْ خَرِيفِيٌّ، أَبْيَضُ أَوْ أَصْفَرُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْعِتْقُ وَالْحَدَاثَةُ. وَلَا يَصِحُّ فِي الْمَطْبُوخِ وَالْمَشْوِيِّ، وَلَا يَضُرُّ تأْثِيرُ الشَّمْسِ. وَالأَظْهَرُ: مَنْعُهُ فِي رُؤُوسِ الْحَيَوَانِ. وَلَا يَصِحُّ فِي مُخْتَلِفٍ؛ كَبُرْمَةٍ مَعْمُولَةٍ وَجِلْدٍ وَكُوزٍ وطَسٍّ وَقُمْقُمٍ وَمَنَارَةٍ وَطِنْجِيرٍ وَنَحْوِهَا
(وفي العسل: جبلي أو بلدي) لأن الجبلي أطيب (صيفي أو خريفي) لأن الخريفي أجود (أبيض أو أصفر) لتفاوت الغرض بذلك، ونقل السبكي عن الماوردي أنه لا بدَّ أن يبين مرعاه وقوته ورقته 1076.
(ولا يشترط العتق والحداثة) لأن العسل لا يتغير أبدًا بل كلُّ شيء يُحفظ به، قال الرافعي: لكن نصَّ في "الأم" على اشتراطه، وجرى عليه الماوردي 1077.
(ولا يصحُّ في المطبوخ والمشوي) لتأثير النار فيهما تأثيرًا لا ينضبط.
نعم؛ يستثنى من (المشوي): الجصُّ والزجاج، والأواني من الفَخَّار والآجرِّ؛ فإن المذهب فيها: الجواز، وكذلك الفحم؛ كما قاله الأَذْرَعي، وقال السبكي: لم أجد فيه نقلًا، ولا بأس بالإفتاء بالجواز، وبسط ذلك.
واستثنى المصنف في "تصحيح التنبيه": ما ناره لطيفة؛ كالسكر والفانيد والدِّبْس واللبأ 1078، وفيه بحث.
(ولا يضر تأثير الشمس) في تصفية العسل وغيره؛ لعدم اختلافه.
(والأظهر: منعه في رؤوس الحيوان) لأن معظمها العظم، وهو غير مقصود، والثاني: الجواز؛ كاللحم.
ومحل الخلاف: ما إذا كانت مُنقَّاةً من الشعر موزونةً نِيَّةً، وإلا .. فلا يجوز قطعًا.
(ولا يصحُّ في مختلفٍ؛ كبُرْمة) وهو القدر (معمولة، وجلد وكُوز وطسٍّ وقُمْقُم ومنارة وطِنْجير) وهو الدَّسْتُ (ونحوها) كالأباريق والحِباب؛ لندرة اجتماع الوزن
الجزء: 2 - الصفحة: 122
وَيَصِحُّ فِي الأَسْطَالِ الْمُرَبَّعَةِ وَفِيمَا صُبَّ مِنْهَا فِي قَالَبٍ.
وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فِي الأَصَحِّ، وَيُحْمَلُ مُطْلَقُهُ عَلَى الْجَيِّدِ.
وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْعَاقِدَيْنِ المصِّفَاتِ، وَكَذَا غَيْرُهُمَا فِي الأَصَحِّ.
فصلٌ [في بيان أخذ غير المسلم فيه عنه ووقت أدائه ومكانه]
لَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتبدَلَ عَنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ غَيْرُ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ،
فيها مع الصفات المشروطة، ولتعذر ضبطها؛ إما لاختلاف الأجزاء في الدقة والغلظ كالجلد، أو لمخالفة أعلاها أو وسطها لأسفلها؛ كالأمثلة المذكورة.
وما أطلقه من المنع في الجلد، قال الأَذْرَعي: إنه المشهور، لكن في "الرافعي": يجوز السلم في القِطَع منه وزنًا، وأسقط المسألة من "الروضة" 1079.
(ويصحّ في الأسطال المربعة) لعدم اختلافها، بخلاف الضيقة الرؤوس، (وفيما صُبَّ منها) أي: من هذه الأشياء المذكورة (في قالب) لانضباطه.
(ولا يشترط ذكر الجودة والرداءة) في كلِّ ما يسلم فيه (في الأصحِّ، ويحمل مطلقه على الجيد) للعرف، والثاني: يشترط؛ لاختلاف الغرض بهما، وهو اختيار العراقيين، قال في "زيادة الروضة": (ونصَّ عليه في مواضع من "الأم" نصًّا صريحًا) 1080.
(ويشترط معرفة العاقدين الصفات) فلو جهلاها أو أحدهما .. لم يصحَّ؛ كالبيع.
(وكذا غيرهما في الأصحِّ) ليرجع إليه عند تنازعهما، وهو المنصوص، والثاني: لا يشترط، والنصّ محمول على الاحتياط، وعلى الأول: يكفي معرفة عدلين على الأصح، وقيل: تعتبر الاستفاضة.
(فصل: لا يصح أن يستبدل عن المُسلم فيه غيرُ جنسه ونوعه) لأنه بيع للمبيع قبل
الجزء: 2 - الصفحة: 123
وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي نَوْعِهِ وَلَا يَجِبُ، وَيَجُوزُ أَرْدَأُ مِنَ الْمَشْرُوطِ وَلَا يَجِبُ، وَيَجُوزُ أَجْوَدُ وَيَجِبُ قَبُولُهُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَحْضَرَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَامْتَنَعَ الْمُسْلِمُ مِنْ قَبُولهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ؛ بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ وَقْتَ غَارَةٍ .. لَمْ يُجْبَرْ، وَإِلَّا .. فَإِنْ كَانَ لِلْمُؤَدِّي غَرَضٌ صَحِيحٌ كَفَكِّ رَهْنٍ .. أُجْبِرَ،
قبضه، وهو ممتنع، (وقيل: يجوز في نوعه ولا يجب) يعني: إذا أحضر المُسلَم فيه بصفته .. وجب قبوله، أو بنوع غيره؛ كالمَعْقِلي عن البَرْني، أو الزبيب الأبيض عن الأسود .. لم يجب قبوله؛ لاختلاف الغرض، وقيل: يجب، وعلى الأول؛ قيل: يجوز؛ لأن الجنس يجمعهما، فكان كما لو اتحد النوع واختلفت الصفة، والأصح: المنع؛ لِشَبَه الاعتياض.
(ويجوز أردأ من المشروط) لأنه جنس حقِّه، والفائت صفة، ويجوز المسامحة بالصفة، كما يجوز دفع الأجود، (ولا يجب) لأنه دون حقِّه (ويجوز أجود) قطعًا.
(ويجب قبوله في الأصحِّ) لأن بَذْله له يشعر بأنه لا يجد سبيلًا إلى براءة ذمته بغير ذلك، وذلك يُهوِّن أمر المنة، فامتناعه عنه عبث فيجبر على قبوله، والثاني: لا يجب؛ للمنة.
(ولو أحضره قبل مَحِلِّه) بكسر الحاء (فامتنع المسلم من قبوله لغرض صحيح؛ بأن كان حيوانًا، أو وقت غارة .. لم يجبر) لمؤنة العلف في الحيوان، وخوف النهب في الإغارة، ولا بدَّ في الحيوان من كون المدة الباقية من الأجل يحتاج فيها ذلك الحيوان إلى مؤنة لها وَقْع؛ فلو قصرت المدة .. لم يكن له الامتناع، وقد قيد في "المحرر" بذلك 1081.
وقوله: (غارة) الأفصح: إغارة؛ كما استعمله المصنف في (الهدنة) 1082.
(وإلا) أي: وإن لم يكن له غرض صحيح في الامتناع، (فإن كان للمؤدي غرضٌ صحيح؛ كفكِّ رهن) أو براءة ضامن ( .. أجبر) لأن امتناعه تعنتٌ.
الجزء: 2 - الصفحة: 124
وَكَذَا لِمُجَرَّدِ غَرَضِ الْبَرَاءَةِ فِي الأَظْهَرِ.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُسْلِمُ الْمُسْلَمَ إِلَيْهِ بَعْدَ الْمَحِلِّ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَسْلِيمِ .. لَمْ يَلْزَمْهُ الأَدَاءُ إِنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ، وَلَا يُطَالِبُهُ بقِيمَتِهِ لِلْحَيلُولَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولهِ هُنَاكَ .. لَمْ يُجْبَرْ إِنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ، أَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ مَخُوفًا، وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: إِجْبَارُهُ.
فصلٌ [في القرض]
الإِقْرَاضُ مَنْدُوبٌ،
(وكذا لمجرد غرض البراءة في الأظهر) لما ذكرناه من التعنت، والثاني: لا يجبر؛ للمنة.
(ولو وجد المُسلِمُ المُسلَمَ إليه بعد المحلِّ) بكسر الحاء (في غير محلِّ التسليم) بفتح الحاء، وهو مكانَه ( .. لم يلزمه الأداء إن كان لنقله مؤنة) لعدم التزامه لها، بخلاف ما لا مؤنة لنقله؛ كالنقد.
(ولا يطالبه بقيمته للحيلولة على الصحيح) لامتناع الاعتياض عن المسلم فيه، والثاني: نعم؛ لأن الأخذ للحيلولة ليس بعوض حقيقي؛ لأنهما لو اجتمعا في مكان التسليم .. تعين ردُّ القيمة، وأخذ المسلم فيه، وعلى الأول: يجوز للمسلم الفسخ واسترداد رأس ماله؛ كما لو انقطع المسلم فيه.
(وإن امتنع من قبوله هناك) أي: في غير محل التسليم ( .. لم يجبر إن كان لنقله مؤثة، أو كان الموضع مخوفًا) لما فيه من الضرر، فإن رضي بأخذه .. لم يجب لى مؤنة النقل، (وإلا .. فالأصحُّ: إجباره) الخلاف مبني على القولين في التعجيل قبل المَحِلِّ، وقد مرَّ تعليلهما.
(فصل: الإقراض مندوب) إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، ولحديث: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا .. نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ" رواه مسلم 1083.
الجزء: 2 - الصفحة: 125
وَصِيغَته: (أَقْرَضْتكَ)، أَوْ (أَسْلَفْتكَ)، أَوْ (خُذْهُ بِمِثْلِهِ)، أَوْ (مَلَّكْتُكَهُ عَلَى أَنْ تَرُدَّ بَدَلَهُ). وَيُشْتَرَطُ: قَبُولُهُ فِي الأَصَحِّ، وَفِي الْمُقْرِضِ: أَهْلِيَّةُ التَبرُّعِ. وَيَجُوزُ إِقْرَاضُ مَا يُسْلَمُ فِيهِ
(وصيغته: "أقرضتك"، أو "أسلفتك"، أو "خذه بمثله"، أو "ملَّكْتُكَهُ على أن تردَّ بدله") لأن كلًّا منها يدلُّ على المقصود، فإن اقتصر على قوله: (ملَّكتُكه) .. كان هبةً.
(ويشترط: قبوله في الأصحِّ) كسائر التمليكات، والثاني: لا؛ لأن القرض إباحةُ إتلاف على سبيل الضمان، وليس سبيله سبيلَ المعاوضات؛ بدليل الرجوع فيه ما دام باقيًا، وعدم اشتراط قبضه إذا كان رِبَويًّا.
(و) يشترط (في المقرِض: أهلية التبرع) لأنه تبرع أو مشوب به، ولهذا امتنع تأجيله؛ لأن المتبرع ينبغي تخييره، فلا يجوز إقراض مال المحجور عليه من غير ضرورة على الأصح.
نعم؛ يُستثنى القاضي؛ فإنه يجوز له إقراض مال المحجور عليه من غير ضرورة على الأصح في "الشرح"، و"الروضة" في (باب الحجر) لكثرة أشغاله 1084.
ويجوز له أيضًا: إقراض مال المفلس إذا رضي الغرماء بتأخير القسمة إلى أن يجتمع المال كلُّه، نصَّ عليه.
وأورد: المحجور عليه بسفه، فإن وصيته وتدبيره .. تبرع نافذ منه على المذهب، وكذا تبرعه بمنفعة بدنه الخفيفة، ولا يصحُّ إقراضه.
فلو قال: (التبرع بالمال حالا) .. لخرج ذلك.
(ويجوز إقراض ما يسلم فيه) لأنه يصحُّ ثبوته في الذمة سواء العين والمنفعة؛ كما صرح به في "التتمة".
وما وقع في "زوائد الروضة" نقلًا عن "فتاوى القاضي" من أنه لا يجوز إقراض المنافع؛ لأنه لا يجوز السلم فيها وأقره .. معترضٌ، كما بيَّنه في "المهمات" 1085.
الجزء: 2 - الصفحة: 126
إِلَّا الْجَارِيَةَ الَّتِي تَحِلُّ لِلْمُقْتَرِضِ فِي الأَظْهَرِ، وَمَا لَا يُسْلَمُ فِيهِ لَا يَجُوزُ إِقْرَاضُهُ فِي الأَصَحِّ
(إلا الجاريةَ التي تحلُّ للمقترض في الأظهر) لأنه قد يطؤها ويردها، فتصير في معنى إعارة الجواري للوطء، وهو ممتنع، كما نقله مالك عن إجماع أهل المدينة 1086، والثاني: يجوز؛ كالعبد.
واحترز بقوله: (تحل) عن المَحْرم، فإنه يجوز إقراضها، ويجوز للمرأة اقتراضها مطلقًا، والخنثى كالمرأة في استقراضه الجاريةَ، قاله في "شرح مسلم" 1087، قال السبكي: وفيه نظر.
وما لا يسلم فيه لا يجوز إقراضه في الأصحِّ) الخلاف مبني على أن الواجب في المتقومات المثلُ الصوري أو القيمة؛ إن قلنا بالأول .. لم يجز؛ لتعذر ضبطه حتى يرد مثله، وإن قلنا بالثاني .. جاز.
ويستثنى: الخبز؛ فإن المختار في "الشرح الصغير": الجواز؛ للحاجة وإطباق الناس عليه، وكلام "زيادة الروضة" يقتضي ترجيحه 1088، فيرد مثله وزنًا؛ كما نقلاه عن "البيان"، وأقراه 1089.
وفي "الكافي" يجوز إقراضه وزنًا وعددًا، قيل: ولعله أراد الجمع بين العدد والوزن؛ محافظة على المثل الصوري.
ويستثنى أيضًا: جزء الدار فلا يصحُّ السلم فيه قطعًا، ويصحُّ إقراضه؛ كما نقلاه في (الشفعة) عن "التتمة" وأقراه، لكن جزم الماوردي بمنع قرض العقار، وحمل على قرض جميعه 1090، وقول المتولي: على الجزء فقط، ففيه نظر.
وقوله: (وما لا يسلم فيه)؛ أي: في نوعه، وإلا .. وردت الأعيان؛ فإنه لا يُسلَم فيها، ومع ذلك يجوز إقراضها.
الجزء: 2 - الصفحة: 127
وَيَرُدُّ الْمِثْلَ فِي الْمِثْلِيِّ، وَفِي الْمُتَقَوِّمِ الْمِثْلَ صورَةً، وَقِيلَ: الْقِيمَةَ. وَلَوْ ظَفِرَ بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الإِقْرَاضِ وَلِلنَّقْلِ مُؤْنةٌ .. طَالَبَهُ بِقِيمَةِ بَلَدِ الإِقْرَاضِ. وَلَا يَجُوزُ بِشَرْطِ رَدِّ صَحِيحٍ عَنْ مُكَسَّرٍ أَوْ زِيَادَةٍ، فَلَوْ رَدَّ هكَذَا بلَا شَرْطٍ .. فَحَسَنٌ، وَلَوْ شَرَطَ مُكَسَّرًا عَنْ صَحِيحٍ أَوْ أَنْ يُقْرِضَهُ غَيْرَهُ .. لَغَا الشَّرْطُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ
(ويرد المثلَ في المثلي) لأنه أقرب إلى حقِّه، (وفي المتقوم المثلَ صورة) لأنه صلى الله عليه وسلم اقترض بَكْرًا وردَّ رَباعيًّا، وقال: "إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً" رواه مسلم 1091، ولأنه لو وجبت القيمة .. لافتُقر إلى العلم بها، (وقيل: القيمة) كما لو أتلف مُتقوّمًا، والمعتبر: قيمة يوم القبض إن قلنا: يملك بالقبض، فإن قلنا: بالتصرف .. فيعتبر الأكثر من يوم القبض إلى التصرف.
(ولو ظفر به في غير محلِّ الإقراض وللنقل مؤنة .. طالبه بقيمة بلد الإقراض) يوم المطالبة لا بالمثل؛ لما فيه من الكلفة.
(ولا يجوز بشرط ردِّ صحيح عن مكسَّر أو زيادةٍ) على القدر المقبوض، ويفسد به العقد؛ لحديث: "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً .. فَهُوَ رِبًا"، لكنه ضعيف، وقد روى البيهقي معناه عن جمع من الصحابة 1092.
(فلو ردَّ هكذا بلا شرط .. فحسن) للحديث السالف.
نعم؛ لو كان للمستقرض عادةٌ بردِّ زيادةٍ .. ففي كراهيته وجهان في "زيادة الروضة" 1093.
(ولو شرط مكسَّرًا عن صحيح أو أن يُقرضه غيرَه .. لغا الشرط) لأنه وعدُ تبرعٍ.
(والأصحُّ: أنه لا يفسد) به (العقد) لأن المنهي عنه جرُّ المقرض النفعَ إلى نفسه، وهنا النفع للمستقرض؛ لأنه زاد في المسامحة، ووعد وعدًا حسنًا، والثاني: يفسد؛ لمنافاته مقتضى العقد، وهو المصحح في نظيره من الرهن.
الجزء: 2 - الصفحة: 128
وَلَوْ شَرَطَ أَجَلًا .. فَهُوَ كَشَرْطِ مُكَسَّرٍ عَنْ صحِيحٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقْرِضِ غَرَضٌ، وإِنْ كَانَ كَزَمَنِ نَهْبٍ .. فَكَشَرْطِ صَحِيحٍ عَنْ مُكَسَّرٍ فِي الأصَحِّ. وَلَهُ شَرْطُ رَهْنٍ وَكَفِيلٍ. وُيمْلَكُ الْقَرْضُ بِالْقَبْضِ، وَفِي قَوْلٍ: بِالتَّصَرُّفِ. وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي عَيْنهِ مَا دَامَ بَاقِيًا بِحَالِهِ فِي الأَصَحِّ.
والفرق على الأصح: أن وضع القرض على جرِّ المنفعة إلى المستقرض؛ فلا يفسد القرض باشتراطه.
(ولو شرط أجلًا .. فهو كشرط مكسَّر عن صحيح إن لم يكن للمقرض غرض) لأنه رفقٌ فيصحُّ العقد، ولا يلزم الأجل؛ لأنه عقد يمتنع فيه التفاضلُ، فامتنع فيه الأجل؛ كالصرف.
(وإن كان) له غرضٌ (كزمن نهب) والمستقرضُ مليءٌ؛ كما قيداه في "الشرح"، و"الروضة" 1094 ( .. فكشرط صحيح عن مكسر في الأصحِّ) لما فيه من جرِّ المنفعة، والثاني: أنه كالتأجيل لغير غرض، فيلغو الشرط ويصحُّ العقد.
(وله شرط رهن وكفيل) وإشهاد، أو إقراره به عند الحاكم؛ لأنه توثقةٌ للعقد ولا زيادة فيه.
(ويُملك القرض بالقبض) كالهبة، ولأنه لو لم يملك به .. لامتنع عليه التصرف فيه، (وفي قول: بالتصرف) لأنه ليس تبرعًا محضًا؛ إذ يجب فيه البدل، ولا معاوضة محضة؛ إذ له الرجوع فيه ما دام باقيًا، كما سيأتي، فوجب أن يملك بعد استقرار بدله للمقرض، وإذا قلنا بهذا .. فمعناه: أنه إذا تصرف .. تبين صول الملك قبله.
والمراد بـ (التصرف): تصرف يزيل الملك على الأصح.
(وله الرجوع في عينه ما دام باقيًا) في ملك المقترض (بحاله في الأصحِّ) لأن له تغريمَ بدله عند فواته، فالمطالبة بعينه أولى، والثاني: لا، بل للمقترض أن يؤدي حقَّه من موضع آخر، صيانةً لملكه؛ كسائر الديون.
الجزء: 2 - الصفحة: 129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومحل الخلاف: إذا قلنا: يملك بالقبض، فإن قلنا: بالتصرف .. رجع فيه جزمًا.
واحترز بقوله: (بحاله): عما إذا تعلق به حقٌّ لازم؛ كما لو رهنه أو كاتبه أو جنى، فتعلق الأرش برقبته .. فإنه لا رجوع، ولو زاد زيادة منفصلة .. أخذه بدونها، أو متصلة؛ كالسمن .. أخذه معها، وإن نقص .. قال الماوردي: فإن شاء .. أخذه مع الأرش، وإن شاء .. أخذ مثله سليمًا 1095.
الجزء: 2 - الصفحة: 130
كتابُ الرَّهْن لَا يَصِحُّ إِلَّا بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ. فَإِنْ شُرِطَ فِيهِ مُقْتَضَاهُ كَتَقَدُّمِ الْمُرْتَهَنِ بِهِ، أَوْ مَصْلَحَةٌ لِلْعَقْدِ كَالإِشْهَادِ، أَوْ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ .. صَحَّ الْعَقْدُ. وَإِنْ شُرِطَ مَا يَضُرُّ الْمُرْتَهِنَ .. بَطَلَ الرَّهْنُ. وَإِنْ نَفَعَ الْمُرْتَهِنَ وَضَرَّ الرَّاهِنَ؛ كَشَرْطِ مَنْفَعَتِهِ لِلْمُرْتَهِنِ .. بَطَلَ الشَّرْطُ، وَكَذَا الرَّهْنُ فِي الأَظْهَرِ
﴿كتاب الرهن﴾
هو لغةً: الثبوت، وشرعًا: جعل عين مال وثيقةً بدينٍ يُستوفى منها 1096.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ورهن صلى الله عليه وسلم درعًا له عند يهودي على شعير لأهله، متفق عليه 1097.
(لا يصحُّ إلا بإيجاب وقبول) لأنه عقدٌ ماليٌّ فافتقر إليهما؛ كالبيع.
(فإن شرط فيه مقتضاه؛ كتقدم المرتهن به، أو مصلحة للعقد؛ كالإشهاد، أو ما لا غرض فيه .. صحَّ العقد) كالبيع.
(وإن شرط ما يضرُّ المرتهن) كشرط عدم بيعه عند المحلِّ ( .. بطل الرهن) لمنافاته المقصود.
(وإن نفع المرتهن وضرَّ الراهن؛ كشرط منفعته للمرتهن .. بطل الشرط) لحديث: "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فَهُوَ بَاطِلٌ" 1098.
(وكذا الرهن في الأظهر) لمخالفته مقتضى العقد؛ كالشرط الذي يضرُّ بالمرتهن، والثاني: لا يبطل، بل يلغو الشرط ويصحُّ العقد؛ لأنه تبرع فلم يؤثر ذلك فيه كالقرض.
ومحل البطلان: إذا أطلق المنفعة، فلو قيدها وكان الرهن مشروطًا في بيع؛ كقوله: (وتكون منفعة لي سنةً) .. فهذا جمع بين بيع وإجارة في صفقة، والأظهر: الصحة.
الجزء: 2 - الصفحة: 131
وَلَوْ شَرَطَ أَنْ تَحْدُثَ زَوَائِدُهُ مَرْهُونَةً .. فَالأَظْهَرُ: فَسَادُ الشَّرْطِ، وَأَنَّهُ مَتَى فَسَدَ .. فَسَدَ الْعَقْدُ. وَشَرْطُ الْعَاقِدِ: كَوْنُهُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ، فَلَا يَرْهَنُ الْوَليُّ مَالَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَلَا يَرْتَهِنُ لَهُمَا إِلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ
(ولو شرط أن تَحدُث زوائدُه مرهونةً .. فالأظهر: فساد الشرط) 1099 لأنها معدومة ومجهولة، والثاني: لا؛ لأن الرهن عند الإطلاق إنما لا يتعدى للزوائد؛ لضعفه، فإذا قوي بالشرط .. سرى وتبع.
واحترز بـ (الزوائد) كالثمرة، والنِّتاج عن الأكساب؛ فإن اشتراطها باطل على القولين؛ لأنها ليست من أجزاء الأصل، قال الماوردي: ولو شرط أن تكون المنافع مرهونةً .. بطل قطعًا 1100.
(وأنه متى فسد) الشرط ( .. فسد العقد) القولان هنا هما القولان في فساد الرهن بفساد الشرط النافع للمرتهن، وقد مرَّ توجيههما.
(وشرط العاقد) راهنًا كان أو مرتهنًا (كونه مطلق التصرف) كالبيع (فلا يرهن الولي مالَ الصبي والمجنون، ولا يرتهن لهما) أما الرهن .. فلأنه يمنع من التصرف، وأما الارتهان .. فلأن الولي في حال الاختيار لا يبيع إلا بحالٍّ مقبوض قبل التسليم؛ فلا ارتهان.
ولو قال: (ولا يرهن الولي مال محجوره) .. لكان أحسن؛ ليعم السفيه، أو يقول: (الولي)، ويُطلق.
(إلا لضرورة) تحوج إلى إقراضه ماله أو بيعه مؤجلًا، كخوف نهب، أو كان دينه مؤجلًا بسبب إرث أو غيره؛ فيجوز له الارتهان، أو إلى الاقتراض؛ كحاجة النفقة وغيرها، ويحتاج إلى الرهن.
(أو غبطةٍ ظاهرة) في الرهن؛ كأن يشتري ما يساوي مئتين بمئة نسيئة، ويرهن به ما يساوي مئة من ماله؛ لأن المرهون إن سلم .. فلا كلام، وإن تلف .. كان في المشترى ما يجبره.
الجزء: 2 - الصفحة: 132
وشَرْطُ الرَّهْنِ: كَوْنُهُ عَيْنًا فِي الأَصَحِّ، وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ وَالأُمِّ دُونَ وَلَدِهَا وَعَكْسُهُ، وَعِنْدَ الْحَاجَةِ يُبَاعَانِ، وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ تُقَوَّمُ الأُمُّ وَحْدَهَا ثُمَّ مَعَ الْوَلَدِ فالزَّائِدُ قِيمَتُهُ
(وشرط الرهن) أي: المرهون (كونه عينًا في الأصحِّ) فلا يصحُّ رهن الدين؛ لتعذر تسليمه، والثاني: يصحُّ إذا كان على مقرٍّ؛ تنزيلًا لما في الذمة منزلةَ العين.
ومحل المنع: في الابتداء؛ أما لو جنى على المرهون جانٍ .. فإنا نحكم على الأرش وهو في ذمته بأنه مرهون على الأرجح في "زيادة الروضة" 1101؛ لامتناع الإبراء منه، ولا يصحُّ رهن المنفعة جزمًا؛ لأنها تتلف شيئًا فشيئًا.
(ويصحُّ رهن المُشاع) ولا يحتاج إلى إذن الشريك، وقبضه بقبض الجميع؛ كالبيع، (والأمِّ دون ولدها، وعكسه) حيث يمتنع التفريق بينهما؛ لبقاء الملك فيهما، فلا تفريق 1102، (وعند الحاجة يباعان) حذرًا من التفريق (ويُوزَّع الثمن) عليهما؛ كما سيأتي.
(والأصحُّ: أنه تُقوَّم الأم وحدها) إذا كانت هي المرهونة؛ لأنها الرهن، فتقوَّم موصوفةً بكونها ذات ولد حاضنة له، فإذا قيل: قيمتها مئة مثلًا .. حُفظت، (ثم) تُقوَّم (مع الولد) فإذا قيل: قيمتهما مئة وخمسون مثلًا (فالزائد) عن المئة وهو الخمسون (قيمتُه) فيوزع الثمن على هذه النسبة، فيكون للمرتهن ثلثا الثمن يقضي منه الدين، وللراهن الثلث لا تعلق للمرتهن به، والوجه الثاني: أن الأم تُقوَّم وحدها كما سبق؛ فإذا قيل: قيمتها مثلًا مئة .. قومنا الولد وحده؛ فإذا قيل: عشرون .. علمنا أن النسبة بينهما بالأسداس، فيقسط الثمن عليهما على هذه النسبة؛ سدس للولد يختص به الراهن، والباقي يتعلق به حقُّ المرتهن.
وفي هذا التقويم تقل قيمة الولد؛ لأنه يكون ضائعًا، أما لو رهن الولد دونها ..
الجزء: 2 - الصفحة: 133
وَرَهْنُ الْجَانِي وَالْمُرْتَدِّ كَبَيْعِهِمَا. وَرَهْنُ الْمُدَبَّرِ، وَمُعَلَّقِ الْعِتْقِ بِصِفَةٍ يُمْكِنُ سَبْقُهَا حُلُولَ الدَّيْنِ .. بَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ
فإن التقويم ينعكس، فيُقوَّم الولد وحده على الأصح محضونًا مكفولًا، ثم مع أمه؛ فالزائد قيمة الأم.
وحكمُ الولد مع الأب وغيره ممن يمتنع التفريق بينهما كحكمه مع الأم.
(ورهن الجاني والمرتد كبيعهما) وقد تقدم حكم بيع الجاني في (كتاب البيع)، والمرتد في الكلام على الردِّ بالعيب، وإذا صححناه .. فلا يكون ملتزمًا للفداء عند الأكثرين، بخلاف البيع؛ لأن الجناية لا تنافي الرهن، ومحلها باق بخلاف البيع.
(ورهن المدبر، ومعلَّقِ العتق بصفة يمكن سبقُها حلولَ الدين .. باطل على المذهب) في رهن المدبر ثلاث طرق: البطلان قطعًا، ورجحها في زوائد "الروضة" وقال الرافعي: إنها أقرب إلى النصِّ 1103؛ لأن السيد قد يموت فجأة، فيبطل مقصود الرهن، الصحة قطعًا، قال في "الروضة": وهو قوي في الدليل 1104، قولان؛ بناءً على أنه وصية فيصحُّ، أو تعليق عتق بصفة فلا.
وأما المُعلَّق عتقه بصفة لا يتيقَّن تقدمها على الحلول ولا تأخرها .. ففيه طريقان؛ أصحهما: قولان، أظهرهما: بطلانه؛ للغرر، والثاني: يصحُّ؛ لأن الأصل استمرارُ الرقِّ.
والثانية: القطع بالبطلان؛ فإن تيقن حلوله قبل وجود الصفة بزمن يسع البيع .. صحَّ قطعًا، وإن انعكس الأمر .. فالمشهور: القطع بالمنع؛ لفوات مقصود الرهن، وقيل: على القولين في رهن ما يسرع إليه الفساد.
والفرق على الأول: أن العاقل لا غرض له في إفساد ماله بخلاف العتق، والخلاف في رهن معلق العتق في رهنه بمؤجل، فإن رهنه بحالٍّ .. صحَّ مطلقًا.
ولو شرط في العقد بيع المعلق بصفة قبل وجودها .. قال ابن الرفعة: يصحُّ، وقيد
الجزء: 2 - الصفحة: 134
وَلَوْ رَهَنَ مَا يَسْرُعُ فَسَادُهُ: فَإِنْ أَمْكَنَ تَجْفِيفُهُ كَرُطَبٍ .. فُعِلَ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ حَالٍّ، أَوْ مُؤَجَّلٍ يَحِلُّ قَبْلَ فَسَادِهِ، أَوْ شَرَطَ بَيْعَهُ وَجَعْلَ الثَّمَنِ رَهْنًا .. صَحَّ، وَيُبَاعُ عِنْدَ خَوْفِ فَسَادِهِ وَيَكُونُ ثَمَنُهُ رَهْنًا، وَإِنْ شَرَطَ مَنع بَيْعِهِ .. لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. فَسَدَ فِي الأَظْهَرِ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ يَفْسُدُ قَبْلَ الأَجَلِ .. صَحَّ فِي الأَظْهَرِ
به كلامَ "التنبيه" 1105 قال الأَذْرَعي: وهو؛ يعني: ابنَ الرفعة متابع لابن أبي عصرون في ذلك، وكلام الأصحاب ساكت عنه، وكأنه أخذه من رهن ما يتسارع إليه الفساد، وهو محتمل للتردد.
انتهى.
(ولو رهن ما يَسرُع فساده) بمؤجل يحلّ بعد الفساد أو معه أو قبله بزمن لا يسع البيع، (فإن أمكن تجفيفه؛ كرطب) يجيء منه تمر ( .. فعل) حفظًا للرهن، والمُجفِّف له هو المالك، ومؤنته عليه؛ كما قاله صاحب "المطلب"، أما إذا كان يحلّ قبل فساده بزمن يسع البيع .. فإنه يُباع على حاله.
(وإلا) أي: وإن لم يمكن تجفيفه؛ كالثمرة التي لا تجفف والبقول (فإن رهنه بدين حالٍّ، أو مؤجل يحلُّ قبل فساده) بزمن يسع بيعه فيه على العادة، (أو شَرَط بيعه) عند إشرافه على الفساد (وجعل الثمن رهنًا .. صحَّ) لانتفاء المحذور، (ويباع عند خوف فساده، ويكون ثمنُه رهنًا) من غير إنشاء عقد.
(وإن شرط منع بيعه .. لم يصحَّ) لمنافاته مقصودَ الرهن.
(وإن أطلق) فلم يشترط واحدًا منهما ( .. فسد في الأظهر) لتعذر الوفاء منه؛ لأن البيع قبل المحِلِّ لم يأذن فيه، وليس من مقتضى الرهن، والثاني: يصحُّ، ويباع عند الإشراف على الفساد؛ كما لو شرط بيعه؛ لأن الظاهر: أنه لا يقصط إتلاف ماله، وصححه في "الشرح الصغير".
(وإن لم يعلم هل يفسد قبل الأجل .. صحَّ في الأظهر) لأن الأصل دوامُ المالية، والثاني: يفسد؛ لجهلنا إمكانَ البيع عند المحِلِّ، وهو نظير ما صححه في المعلَّق عتقُه بصفة لا يعلم تتقدم أو تتأخر، وقد تقدم الفرق.
الجزء: 2 - الصفحة: 135
وَإِنْ رَهَنَ مَا لَا يَسْرُعُ فَسَادُهُ فَطَرَأَ مَا عَرَّضَهُ لِلْفَسَادِ؛ كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ .. لَمْ يَنْفَسِخِ الرَّهْنُ بِحَالٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيرَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ، وَهُوَ فِي قَوْلٍ: عَارِيَّةٌ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ فِي رَقَبَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ جِنْسِ الدَّيْنِ وَقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ، وَكَذَا الْمَرْهُونُ عِنْدَهُ فِي الأَصَحِّ. فَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ .. فَلَا ضَمَانَ
(وإن رهن ما لا يَسرُع فساده فطرأ ما عرَّضه للفساد؛ كحنطة ابتلَّت .. لم ينفسخ الرهن بحال) وإن منع الصحة في الابتداء على قول؛ لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، وسواء طرأ قبل القبض أو بعده على الأصح، فيباع عند تعذر التجفيف، ويجعل ثمنه رهنًا مكانه 1106.
(ويجوز أن يستعير شيئًا ليرهنه) بالإجماع؛ كما نقله ابن المنذر 1107؛ لأن الرهن استيثاق، وهو يحصل بما لا يملكه؛ بدليل الإشهاد والكفالة.
(وهو في قول: عاريةٌ) لأنه قبض مال الغير بإذنه لينتفع به نوعَ انتفاع؛ كالخدمة.
(والأظهر: أنه ضمان دين في رقبة ذلك الشيء) لأن العارية ينتفع المستعير بها مع بقاء عينها، والانتفاع هنا ببيعها في الدين؛ فلم تكن عارية.
ثم إننا رأينا الرهن قد لزم بالقبض مع براءة ذمة المالك؛ فلا مَحمِل له غيرُ الضمان في رقبة ما أعطاه؛ كما لو أذن لعبده في ضمان دين غيره .. فإنه يصحُّ، وتكون ذمة المالك فارغةً، فكما ملك أن يُلزم دينَ الغير في ذمة مملوكه .. وجب أن يَملك إلزام ذلك في رقبته لأن كُلَّ واحد منهما محل حقِّه وتصرفه.
(فيشترط ذكر جنس الدين وقدرِه وصفته) لاختلاف الأغراض بذلك؛ كما في الضمان، (وكذا المرهون عنده في الأصحِّ) لما ذكرناه، والثاني: لا يجب؛ لضعف الغرض فيه.
(فلو تلف في يد المرتهن .. فلا ضمان) على المرتهن؛ لأنه أمسكه رهنًا لا عارية، ولا على الراهن؛ لأن التفريع على قول الضمان، والضامن إنما يرجع بعد
الجزء: 2 - الصفحة: 136
وَلَا رُجُوعَ لِلْمَالِكِ بَعْدَ قَبْضِ الْمُرْتَهَنِ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ أَوْ كَانَ حَالًّا .. رُوجِعَ الْمَالِكُ لِلْبَيعْ، وَيُبَاعُ إِنْ لَمْ يُقْضَ الدَّيْنُ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَالِكُ بمَا بيعَ بهِ.
فصَلٌ [في شروط المرهون به ولزوم الرهن]
شَرْطُ الْمَرْهُونِ بِهِ كَوْنُهُ دَيْنًا ثَابِتًا
الأداء، والحقّ هنا باق في الذمة.
وكلامه قد يفهم: وجوبَ الضمان على الراهن إذا تلف في يده وقلنا بأنه ضمان، وهو المذهب في "زيادة الروضة" 1108.
(ولا رجوع للمالك بعد قبض المرتهن) على القولين، وإلا .. لم يكن لهذا الرهن معنىً؛ إذ لا وثوق به، وأفهم جوازَ الرجوع قبل قبضه، وهو كذلك، وإن قلنا: إنه ضمان .. فإنه لم يلزم.
(فإذا حلَّ الدين أو كان حالًّا .. روجع المالك للبيع) لأن المالك لو رهن عن دين نفسه .. لوجبت مراجعته؛ فهنا أولى.
(ويباع إن لم يُقض الدين) معسرًا كان الراهن أو موسرًا؛ كما يطالب الضامن في الذمة مع يسار الأصيل وإعساره، (ثم يرجع المالك بما بيع به) لانتفاع الراهن به في دينه، وسواء أبِيعَ بالقيمة أم بأكثر أم بأقل بمقدار يتُغابَنُ به.
(فصل: شرط المرهون به: كونه دينًا) فلا يصحُّ الرهن بالعين؛ لأنه يستحيل استيفاء تلك العين من المرهون، ومن هنا يؤخذ: بطلان ما جرت به العادةُ من أخذ الرهن على عارية الكتب الموقوفة، وبه صرح الماوردي، لكن أفتى القفال فيما إذا وقف كتابًا أو غيره، وشرط ألّا يعار إلا برهن .. بلزوم هذا الشرط، ولا يُعارُ إلا برهن.
(ثابتًا) فلا يصحُّ بما لم يثبت، سواء وجد سبب وجوبه؛ كنفقة زوجته في الغد أم
الجزء: 2 - الصفحة: 137
لَازِمًا، فَلَا يَصحُّ بِالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْمُسْتَعَارَةِ فِي الأَصَحِّ، وَلَا بِمَا سَيُقْرِضُهُ. وَلَوْ قَالَ: (أَقْرَضْتك هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وَارْتَهَنْتُ بِهَا عَبْدَكَ)، فَقَالَ: (اقْتَرَضْتُ وَرَهَنْتُ)، أَوْ قَالَ: (بِعْتكَ بِكَذَا وَارْتَهَنْتُ الثَّوْبَ)، فَقَالَ: (اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ) .. صَحَّ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ بِنُجُومِ الْكِتَابَةِ، وَلَا بِجُعْلِ الْجِعَالَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ بَعْدَ الشُّرُوعِ
لا؛ كرهنه على ما سيقرضه غدًا، لأن الرهن وثيقة، فلا يتقدم على الحقِّ، كالشهادة.
(لازمًا) فلا يصحُّ بما لم يلزم، ولا يؤول إلى اللزوم؛ كمال الكتابة؛ لأنه لا فائدة في الوثيقة مع تمكن المديون من إسقاط الدين.
(فلا يصحُّ بالعين المغصوبة والمستعارة في الأصحِّ) لما تقدم، والثاني: يصحُّ؛ كضمانهما على الأصحِّ.
ولو عبر بـ (العين المضمونة) .. لكان أخصر وأشمل؛ لتناوله المُستامَ والمأخوذَ ببيع فاسد، والمبيعَ والصداق قبل القبض، (ولا بما سيقرضه) لعدم الثبوت.
(ولو قال: "أقرضتك هذه الدراهم وارتهنت بها عبدك"، فقال: "اقترضت ورهنت"، أو قال: "بعتك بكذا وارتهنت الثوب" 1109، فقال: "اشتريت ورهنت" .. صحَّ في الأصحِّ) للحاجة إليه؛ فإنه لو لم يعقد الرهن بل شرطه .. لكان المشروط عليه ربما لا يفي به؛ فجُوِّزَ عقده مع العقد المقتضي للدين، والثاني: لا يصحُّ، قال الرافعي: وهو القياس؛ لأن أحد شقي العقد قد تقدم على ثبوت الدين 1110، وهذا الترتيب الذي ذكره المصنف شرط.
(ولا يصحُّ بنجوم الكتابة، ولا بجُعل الجعالة قبل الفراغ) لعدم اللزوم؛ إذ للمكاتب والمجعول له الفسخ؛ فإن فرغ العامل من عمله .. صحَّ؛ كما أفهمه كلامُه للزومه، (وقيل: يجوز بعد الشروع) لانتهاء الأمر فيه إلى اللزوم؛ فأشبه الثمن في مدة الخيار.
الجزء: 2 - الصفحة: 138
وَيَجُوزُ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَبِالدَّيْنِ رَهْنًا بَعْدَ رَهْنٍ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَهُ الْمَرْهُونَ عِنْدَهُ بِدَيْنٍ آخَرَ فِي الْجَدِيدِ
وصورة المسألة: أن يقول: (مَنْ ردَّ عبدي .. فله دينار) فقال رجل: (ائتني برهن وأنا أرده).
(ويجوز بالثمن في مدة الخيار) لأنه يؤول إلى اللزوم، (وبالدين رهنًا بعد رهن) 1111 أي: ويجوز إنشاء رهن بعد رهن بالدين الواحد؛ لأنه زيادة في الوثيقة.
(ولا يجوز أن يرهنه المرهونَ عنده بدين آخر في الجديد) وإن وفى بالدينين؛ كما لا يجوز رهنه عند غير المرتهن، والقديم: الجواز، ونصَّ عليه في الجديد أيضًا؛ كما تجوز الزيادة على الرهن بدين واحد.
وفرق الأول: بأن الدين يشغل الرهن ولا ينعكس؛ فالزيادة في الرهن شغل فارغ، فيصحُّ، والزيادة في الدين شغل مشغول، فلا يصحُّ.
وقيد ابن الملقن قولَ المصنف: (بدين آخر) بما إذا كان من جنس الأول، ثم قال: (أما لو كان الأول دراهم، والثاني دنانير .. فوجهان: أقيسُهما في "الاستقصاء": الجواز) انتهى 1112، ووهم في ذلك، والذي في "الاستقصاء": إذا قلنا بالجواز فاختلف الجنس .. فوجهان.
وأما على الجديد .. فلا فرق في المنع بين كون الدين الثاني من جنس الأول أو لا، وبه صرح الدَّارِمي وغيرُه، نبَّه على ذلك الأَذْرَعي، وقال: إنَّ جعل هذه الصورة مستثناةً على الجديد، ويقيّدَ بها إطلاقُ "الكتاب" هفوةٌ فاحشةٌ.
نعم؛ يستثنى على الجديد: ما لو جنى المرهون ففداه المرتهن بإذن الراهن؛ ليكون مرهونًا بالدين والفداء .. فالمذهب: القطع بالجواز؛ لأنه من مصالح الرهن؛ لتضمنه استيفاءه.
وكذا لو أنفق المرتهن على المرهون بإذن الحاكم؛ لعجز المالك عن النفقة أو
الجزء: 2 - الصفحة: 139
وَلَا يَلْزَمُ إِلَّا بِقَبْضِهِ مِمَّنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ. وَتَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ لكِنْ لَا يَسْتَنِيبُ رَاهِنًا، وَلَا عَبْدَهُ، وَفِي الْمَأْذُونِ لَهُ وَجْهٌ، وَيَسْتَنِيبُ مُكَاتَبَهُ. وَلَوْ رَهَنَ وَدِيعَةً عِنْدَ مُودَعٍ أَوْ مَغْصُوبًا عِنْدَ غَاصِبٍ .. لَمْ يَلْزَمْ مَا لَمْ يَمْضِ زَمَنُ إِمْكَانِ قَبْضِهِ،
لغيبته، وأراد أن يكون مرهونًا بهما؛ كما حكاه في "زيادة الروضة" عن أبي الطيب، وأقره 1113.
(ولا يلزم) من جهة الراهن (إلا بقبضه) فلو امتنع الراهن منه، أو فسخ قبله .. جاز؛ لأنه عقد إرفاق يحتاج إلى القبول، فلا يلزم إلا بالقبض؛ كالقرض، والمراد بالقبض: القبض المعهود في البيع (ممن يصحُّ عقده) أي: يشترط في كلٍّ من القابض والمُقبض: أن يكون ممن يصحُّ عقده على الرهن، فلا يصحُّ من محجور عليه قبضٌ ولا إقباضٌ، بل يتعاطاهما الولي حيث يجوز له تعاطي العقد.
(وتجري فيه النيابة) من الطرفين؛ كما تجري في العقد (لكن لا يستنيب) المرتهن (راهنًا) في القبض لنفسه؛ لئلا يؤدي إلى اتحاد القابض والمُقبض.
فلو كان الراهن وكيلًا في الرهن فقط، فوكله المرتهن في القبض من المالك .. فالمتجه: الصحة؛ لانتفاء المحذور، وكلام المصنف يقتضي البطلان، قال الإسنوي: ولا وجه له، ومثله: لو رهن الولي ثم انفك الحجر، فوكل المرتهن الولي في القبض.
(ولا عبده) أي: عبد الراهن؛ لأن يده كيد سيده، (وفي المأذون له وجه) لانفراده باليد والتصرف؛ كالمكاتب، والأصح: المنع؛ لمنافاته.
(ويستنيب مكاتبَه) لأنه معه كالأجنبي.
(ولو رهن وديعةً عند مودَع، أو مغصوبًا عند غاصب .. لم يلزم ما لم يمض زمن إمكان قبضه) لأنه لو لم يكن في يده .. لكان اللزوم متوقفًا على هذا الزمان، وعلى القبض، لكن سقط القبض؛ إقامةً لدوام اليد مقامَ ابتدائها، فبقي اعتبار الزمان.
وأفهم أنه لا يشترط ذهابه إليه، وهو الأصح عند الشيخين، وفي "المهمات" تبعًا
الجزء: 2 - الصفحة: 140
وَالأَظْهَرُ: اشْتِرَاطُ إِذْنِهِ فِي قَبْضِهِ، وَلَا يُبْرِئُهُ ارتهَانُهُ عَنِ الْغَصْبِ، وَيُبْرِئُهُ الإِيدَاعُ فِي الأَصَحِّ. وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ عَنِ الرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِتَصَرُّفٍ يُزِيلُ الْمِلْكَ كَهِبَةٍ مَقْبُوضةٍ وَبِرَهْنٍ مَقْبُوضٍ وَكِتَابَةٍ وَكَذَا تَدْبِيرُهُ فِي الأَظْهَرِ، وَبِإِحْبَالِهَا، لَا الْوَطْءِ وَالْتَّزْوِيجِ
للسبكي: أن الأكثرين على الاشتراط 1114.
(والأظهر: اشتراط إذنه في قبضه) لأن اليد كانت عن غير جهة الرهن، ولم يقع تعرض للقبض عنه، والثاني: لا يشترط؛ لأن العقد مع صاحب اليد يتضمن الإذنَ في القبض.
(ولا يبرئه ارتهانُه عن الغصب) وإن لزم؛ لأن الرهن لا ينافي الضمانَ؛ بدليل ما لو رهنه شيئًا فتعدى فيه .. فإنه لا يبطل الرهن، وللمرتهن أن يردَّه على مالكه، ثم يأخذه لغرض البراءة.
(ويبرئه الإيداع في الأصحِّ) لأن مقصود الإيداع الائتمانُ؛ فتضمنت البراءة، والثاني: لا يبرئه؛ كالرهن.
(ويحصل الرجوع عن الرهن قبل القبض بتصرف يُزيل الملك؛ كهبة مقبوضة) لزوال محلِّ الرهن، (وبرهن مقبوض، وكتابةٍ) لتعلق حقِّ الغير.
وتقييده تبعًا للرافعي الرهنَ والهبةَ بالقبض يقتضي: أنهما قبل القبض ليسا رجوعًا، والمنصوص: أنه يكون رجوعًا، وقال في "البيان" وغيره: إنه المشهور، وقد رجح الشيخان في (الوصية) أن الرهن بدون القبض رجوعٌ 1115.
قال الأَذْرَعي: فالصواب على المذهب: حذف لفظة (القبض) في الهبة والرهن جميعًا؛ لأنها زيادة موهمة.
(وكذا تدبيره في الأظهر) لمنافاة مقصود التدبير مقصودَ الرهن، وإشعاره بالرجوع، والثاني: لا؛ لأن الرجوع عن التدبير ممكن.
(وبإحبالها) لمنافاته مقصود الرهن، (لا الوطء) لأنه ليس سببًا لزوال الملك، (والتزويج) إذ لا منافاة؛ لأن رهن المزوّج، والمزوَّجَة جائز ابتداءً.
الجزء: 2 - الصفحة: 141
وَلَوْ مَاتَ الْعَاقِدُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ جُنَّ أَوْ تَخَمَّرَ الْعَصِيرُ أَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ .. لَمْ يَبْطُلِ الرَّهْنُ فِي الأَصَحِّ. وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ الْمُقْبِضِ تَصَرُّفٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ -لكِنْ فِي إِعْتَاقِهِ أَقْوَالٌ، أَظْهَرُهَا: يَنْفُذُ مِنَ الْمُوسِرِ وَيَغْرَمُ قِيمَتة يَوْمَ عِتْقِهِ
(ولو مات العاقد) راهنًا كان أو مرتهنًا (قبل القبض، أو جُنَّ، أو تخمر العصير، أو أَبَقَ العبد .. لم يبطل الرهن في الأصحِّ) أما في الموت .. فلأنه عقد مصيرُه إلى اللزوم؛ فلا يتأثر بالموت قبل لزومه؛ كالبيع في زمن الخيار، فعلى هذا: يتخير وارث الراهن في الإقباض، ووجه مقابله: أنه جائز؛ كالوكالة، والجنونُ مُرتَّب على الموت، فإن قلنا: لا يبطل دمَّ .. فهنا أولى، وإلا .. فوجهان.
وأما في التخمر والإباق .. فبالقياس على ما لو كان بعد القبض؛ لاغتفار ما يقع في الدوام، ووجه مقابله: اختلاله في حالة ضعف الرهن، وعدم لزومه.
والمراد هنا بعدم البطلان بالتخمر، كما نبه عليه الرافعي: هو أن الرهن لا يضمحل أثره بالكلية، قال: وأما البطلان بمعنى: ارتفاع الحكم في مدة التخمر، وعوده بالتخلل .. فإنه ثابت له لو كان بعد القبض على الأصح، فقبله بطريق الأولى 1116.
(وليس للراهن المقبض تصرف يزيل الملك) كالبيع ونحوه؛ لأنه لو صحَّ .. لفاتت الوثيقة (لكن في إعتاقه أقوال: أظهرها: ينفذ من الموسر) دون المعسر؛ لأنه عتق يبطل به حقُّ الغير، ففرق فيه بين الموسر والمعسر؛ كعتق الشريك، والثاني: ينفذ مطلقًا؛ كعتق العبد المستأجر، والأمة المزوجة، والئالث: لا ينفذ مطلقًا؛ لأنه حجر على نفسه 1117.
واحترز بقوله: (في إعتاقه) عن الحكم بعتقه لا بإعتاق الراهن له، بل بالسراية؛ كما إذا رهن نصفَ عبده ثم أعتق باقيه .. فإنه يسري إن نفذنا إعتاقه، وكذا إن لم ننفِّذه في الأصحِّ، لكن بشرط اليسار على الأصحِّ.
(ويغرم) الموسر (قيمتَه) جبرًا لحقِّ المرتهن، وتعتبر (يوم عتقه) لأنه يوم
الجزء: 2 - الصفحة: 142
رَهْنًا، وَإِنْ لَمْ نُنْفِذْهُ فَانفَكَّ .. لَمْ يَنْفُذْ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ فَوُجِدَتْ وَهُوَ رَهْنٌ .. فَكَالإِعْتَاقِ، أَوْ بَعْدَهُ .. نَفَذَ عَلَى الصَّحِيحِ- وَلَا رَهْنُهُ لِغَيْرِهِ، وَلَا التَّزْوِيجُ، وَلَا الإِجَارَةُ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ يَحِلُّ قَبْلَهَا، وَلَا الْوَطْءُ، فَإِنْ وَطِئَ .. فَالْوَلَدُ حُرٌّ. وَفِي نُفُوذِ الاسْتِيلَادِ أَقْوَالُ الإِعْتَاقِ،
الإتلاف 1118، وتصير (رهنًا) بمجرد إعطائها، وإن لم يحصل إنشاء عقد؛ لقيامها مقام الرهن.
(وإن لم ننفذه) لكونه معسرًا، أو على القول بأنه لا ينفذ مطلقًا (فانفك) الرهن بأداء أو غيره ( .. لم ينفذ في الأصحِّ) لأنه عتق، وهو لا يملك إعتاقه؛ فأشبه ما لو أعتق المحجور عليه بالسفه، ثم زال الحجر، والثاني: ينفذ؛ لزوال المانع.
(ولو علقه) أي: علق الراهن العتق (بصفة) بعد رهنه؛ كقدوم زيد (فوجدت وهو رهن .. فكالإعتاق) لأن التعليق مع الصفة كالتنجيز.
(أو بعده .. نفذ على الصحيح) لأنه لا يبطل حقّ المرتهن، والثاني: لا ينفذ؛ لأن التعليق صدر في حالة لا يملك فيها التنجيز فبطل.
والفرق على الأول: أن مجرد التعليق لا يضرُّ المرتهن، بخلاف التنجيز.
(ولا رهنُه لغيره) لمزاحمته حقَّ الأول؛ فيفوت مقصود الرهن، (ولا التزويج) لتنقيصه القيمة.
(ولا الإجارة إن كان الدين حالًّا أو يحلُّ قبلها) لأنها تنقص القيمة والرغبات عند الحاجة إلى البيع؛ فإن حلَّ بعدها أو مع انقضائها .. صحت إذا كان المستأجر ثقة؛ لانتفاء المحذور حالة البيع.
(ولا الوطء) لما فيه من التنقيص في البكر، وخوف الإحبال في الثيب، وحسمًا للباب في ثيب لا تَحْبَل، (فإن وطئ .. فالولد حرّ) لأنها علقت به في ملكه.
(وفي نفوذ الاستيلاد أقوالُ الإعتاق) لما مرَّ، والاستيلاد أولى بالنفوذ؛ لأنه فعل، والفعل أقوى من القول، بدليل: نفوذ إحبال المجنون والسفيه دون إعتاقهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 143
فَإِنْ لَمْ نُنْفِذْهُ فَانْفَكَّ .. نَفَذَ فِي الأَصَحِّ. فَلَوْ مَاتت بِالْوِلَادَةِ .. غَرِمَ قِيمَتَهَا رَهْنًا فِي الأَصَحِّ. وَلَهُ كُلُّ انْتِفَاعٍ لَا يَنْقُصُهُ كَالرُّكُوبِ وَالسُّكْنَى، لَا الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ، فَإِنْ فَعَلَ .. لَمْ يُقْلَعْ قَبْلَ الأَجَلِ، وَبَعْدَهُ يُقْلَعُ إِنْ لَمْ تَفِ الأَرْضُ بِالدَّيْنِ وَزَادَتْ بِهِ، ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَ الانْتِفَاعُ بِغَيْرِ اسْتِرْدَادٍ .. لَمْ يَسْتَرِدَّ، وَإِلَّا
(فإن لم نُنفذه فانفك) الرهن من غير بيع ( .. نفذ في الأصحِّ) بخلاف العتق؛ لما مرَّ من قوة الفعل.
(فلو ماتت بالولادة) ولم ينفذ الاستيلاد ( .. غرم قيمتَها رهنًا في الأصحِّ) لأنه تسبب إلى إهلاكها بالإحبال، والثاني: لا غُرْمَ؛ لبعد إضافة الهلاك إلى الوطء، ويجوز كونه من علل وعوارض.
وقوله: (رهنًا)؛ أي: ويصير رهنًا من غير إنشاء.
(وله) أي: للراهن (كلُّ انتفاع لا ينقصه؛ كالركوب والسكنى) لقوله صلى الله عليه وسلم: "الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ" رواه الدارقطني والحاكم، وقال: إنه على شرط الشيخين 1119.
والفصيح (ينقصه) بتخفيف القاف؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾.
(لا البناء والغراس) لنقصان قيمة الأرض بهما.
(فإن فعل .. لم يُقلَع قبل الأجل) رجاء أن يُقضَى الدين من موضع آخر، أو تفي قيمة الأرض بالدين؛ فلا يجوز الإضرار المُحقَّق بقلعه لضررٍ متوهمٍ.
(وبعده) أي: بعد حلول الأجل (يُقلع إن لم تفِ الأرضُ بالدَّين وزادت به) أي: بالقلع؛ لتعلق حقِّ المرتهن بأرضٍ فارغةٍ.
(ثم إن أمكن الانثفاع بغير استرداد) بأن يرهن عبدًا له صَنعةٌ يمكن أن يعملها عند المرتهن ( .. لم يستردَّ) من المرتهن لأجل عملها عنده؛ لأن اليد للمرتهن.
ويؤخذ منه: أن ما لا منفعة فيه تستوفى؛ كالحبوب .. لا يُستردُّ بطريق الأولى.
(وإلا) أي: وإن لم يمكن الانتفاع بغير استرداد؛ كأن رهن دارًا أو عبدًا لا يحسن
الجزء: 2 - الصفحة: 144
فَيَسْتَرِدُّ، وَيُشْهِدُ إِنِ اتَّهَمَهُ، وَلَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ مَا مَنَعْنَاهُ.
وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ، فَإِنْ تَصَرَّفَ جَاهِلًا بِرُجُوعِهِ .. فَكَتَصَرُّفِ وَكِيلٍ جَهِلَ عَزْلَهُ.
وَلَوْ أَذِنَ فِي بَيْعِهِ لِيُعَجِّلَ الْمُؤَجَّلَ مِنْ ثَمَنِهِ .. لَمْ يَصحَّ الْبَيع، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ رَهْنَ الثَّمَنِ فِي الأَظْهَرِ.
فصلٌ [فيما يترتب على لزوم الرهن]
إِذَا لَزِمَ الرَّهْنُ .. فَالْيَدُ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَلَا تزالُ إِلَّا لِلانْتِفَاعِ كَمَا سَبَقَ
إلا الخدمة ( .. فيسترد) للحاجة إلى ذلك.
نعم؛ لا يأخذ الجارية إلا إذا أمن غشيانه لها؛ بأن كان مَحْرمًا، أو ثقةً وله أهل.
(ويُشهد) عليه الراهن شاهدين أنه أخذه للانتفاع (إن اتهمه) المرتهن؛ فإن وثق به .. لم يكلف الإشهاد.
(وله بإذن المرتهن ما منعناه) من التصرفات والانتفاعات من غير بدل؛ لأن المنع لحقه، وقد زال بإذنه.
(وله الرجوع قبل تصرف الراهن) لأن حقَّه باق؛ كما للمالك أن يرجع قبل تصرف الوكيل.
(فإن تصرَّف جاهلًا برجوعه .. فكتصرُّف وكيلٍ جهل عزله) أي: عزل موكله له، والأصح: عدم النفوذ؛ كما سيأتي في بابه.
(ولو أذن في بيعه ليُعجّل المؤجل من ثمنه) أي: وشرط ذلك ( .. لم يصحَّ البيع) لأنه قد شرط في الإذن شرطًا فاسدًا، وهو التعجيل فأبطله.
(وكذا لو شرط رهن الثمن) مكانه (في الأظهر) لأن الثمن مجهولٌ عند الإذن؛ فأشبه ما إذا أذن بشرط أن يرهن به مالًا آخر مجهولًا، وإذا بطل الشرط .. بطل الإذن؛ فإنه وقف الإذن على حصول الوثيقة في البدل، وإذا بطل الإذن .. بطل البيع، والقول الثاني: أنه يصحُّ، وعلى الراهن الوفاء بالشرط؛ لأن الرهن قد ينتقل من العين إلى البدل شرعًا؛ كما لو أُتلف المرهونُ .. فجاز أن ينتقل إليه شرطًا.
(فصل: إذا لزم الرهن .. فاليد فيه للمرتهن، ولا تزال إلا للانتفاع كما سبق) لأن
الجزء: 2 - الصفحة: 145
وَلَوْ شَرَطَا وَضعَهُ عِنْدَ عَدْلٍ .. جَازَ، أَوْ عِنْدَ اثنيْنِ وَنَصَّا عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى حِفْظِهِ أَوِ الانْفِرَادِ بِهِ .. فَذَاكَ، وَإِنْ أَطْلَقَا .. فَلَيْسَ لِأحَدِهِمَا الانْفِرَادُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ مَاتَ الْعَدْلُ أَوْ فُسِّقَ .. جَعَلَاهُ حَيْثُ يَتَّفِقَانِ، وَإِنْ تَشَاحَّا .. وَضعَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ
قَوامَ التوثق إنما يحصل بجعله في يده.
ويستثنى منه: ما لو رهن عبدًا مسلمًا، أو مصحفًا من كافر، أو سلاحًا من حربي .. فإنه يوضع عند عدل، وكذا لو كان الرهن جارية مشتهاة عند رجل غير مَحْرَم، ولم يكن ثقة، ولا عنده زوجة ولا أمة، ولا نسوة ثقات .. فإنها توضع عند محرم لها، أو امرأة ثقة، أو عدل بالصفة المذكورة.
(ولو شرطا وضعه عند عدل .. جاز) لأن كلًّا منهما قد لا يثق بصاحبه، ويثقان بثالث.
وعبارة "المحرر"، و"الشرحين"، و"الروضة" في يد ثالث 1120، وهي أولى؛ فإن الفاسق في ذلك كالعدل.
وكلام المصنف قد يُفهم: أنه لا يجوز شرط وضعه بعد اللزوم عند الراهن، وكلام الغزالي كالصريح فيه؛ فإنه قال: لأن يده لا تصلح للنيابة عن غيره؛ إذ هو مستقل بالملك 1121.
ومقتضى كلام "المطلب": أنه يصحُّ؛ فإنه حمل كلامَ الغزالي على ابتداء القبض، وقال السبكي: الذي يظهر: أنه يصحُّ؛ لأن عندنا يجوز أن يعيد الرهن إلى الراهن لينتفع به.
(أو عند اثنين، ونصَّا على اجتماعهما على حفظه، أو الانفراد به .. فذاك) أي: فيتبع الشرط.
(وإن أطلقا .. فليس لأحدهما الانفراد في الأصحِّ) لعدم الرضا بيد واحد؛ كما لو أوصى إلى اثنين، والثاني: له الانفراد؛ لما في اجتماعهما على الحفظ من المشقة.
(ولو مات العدل أو فُسِّق .. جعلاه حيث يتفقان، وإن تشاحَّا .. وضعه الحاكم عند
الجزء: 2 - الصفحة: 146
عَدْلٍ. وَيَسْتَحِقُّ بَيْعَ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، ويُقَدَّمُ الْمُرْتَهِنُ بِثَمَنِهِ، وَيَبِيعُهُ الرَّاهِنُ أَوْ وَكِيلُهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ .. قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: (تَأْذَنُ أَوْ تبرِئُ). وَلَوْ طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَهُ فَأَبَى الرَّاهِنُ .. أَلْزَمَهُ الْقَاضِي قَضاءَ الدَّيْنِ أَوْ بَيْعَهُ، فَإِنْ أَصَرَّ .. بَاعَهُ الْحَاكِمُ. وَلَوْ بَاعَهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ بَاعَ بِحَضْرَتِهِ .. صَحَّ، وَإِلَا .. فَلَا ..
عدل) لأنه العدل، وكذا لو حدث بينه وبين أحدهما عداوة، وكذا لو اتفقا على فاسق فزاد فسقه، ولو كان في يد المرتهن فتغير حاله .. فكتغير حال العدل، وهذا إذا تشاحَّا بعد أن طرأ على نائبهما شيء مما سبق.
وكان الأحسن أن يقول: (فإن تشاحَّا) ليشير إلى التفريع، أما لو تشاحَّا ابتداءً؛ فإن كان قبل الإقباض .. فلا يجبر الراهن بحال، وإن كان بعده وقد وضع في يد عدل، أو في يد المرتهن .. فلا ينزع بغير رضاه بلا سبب يُجوِّز ذلك.
(ويستحقُّ بيعَ المرهون عند الحاجة) لوفاء الدين إن لم يوف من غير الرهن، وكذا يستحق بيعه في جنايته، وعند الإشراف على التلف قبل الحلول.
(ويُقدَّم المرتهِن بثمنه) لأنه فائدة الرهن، بل قال الإمام: بأنه لا يجب عليه الوفاء من غير الرهن 1122، واستشكله ابن عبد السلام في "مختصر النهاية"؛ لما فيه من تأخير الحقِّ الواجب.
(ويبيعه الراهن أو وكيله) لأنه المالك (بإذن المرتهن) أو وكيله؛ لأنه صاحب حقٍّ، (فإن لم يأذن) وأراد الراهن بيعه ( .. قال له) أي: للمرتهن (الحاكم: "تأذن، أو تبرئ") دفعًا لضرر الراهن.
(ولو طلب المرتهن بيعه فأبى الراهن .. ألزمه القاضي قضاءَ الدين أو بيعه، فإن أصرَّ .. باعه الحاكم) دفعًا لضرر المرتهن.
(ولو باعه المرتهن بإذن الراهن .. فالأصحُّ: أنه إن باع بحضرته .. صحَّ، وإلا .. فلا) لأن بيعه لغرض نفسه فيتهم في الغيبة بالاستعجال، وترك النظر دون الحضور، والثاني: يصحُّ مطلقًا؛ كما لو أذن له في بيع غيره، والثالث: لا يصحُّ مطلقًا؛ لأنه
الجزء: 2 - الصفحة: 147
وَلَوْ شَرَطَا أَنْ يَبِيعَهُ الْعَدْلُ .. جَازَ، وَلَا تُشتَرَطُ مُرَاجَعَةُ الرَّاهِنِ فِي الأَصحِّ. فَإِذَا بَاعَ .. فَالثَّمَنُ عِنْدَهُ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ. وَلَوْ تَلِفَ ثَمَنُهُ فِي يَدِ الْعَدْلِ ثُمَّ اسْتُحِقَّ الْمَرْهُونُ، فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي .. رَجَعَ عَلَى الْعَدْلِ، وإِنْ شَاءَ .. عَلَى الرَّاهِنِ، وَالْقَرَارُ عَلَيْهِ
توكيل فيما يتعلق بحقه؛ إذ المرتهن مستحق للبيع.
ومحلُّ الصحة: ما إذا قال: (بعه لي)، وكذا إن أطلق في الأصحِّ، فلو قال: (بعه لنفسك) .. لم يصحَّ في الأظهر؛ إذ لا يتصور أن يبيع الإنسان مال غيره لنفسه.
(ولو شرطا أن يبيعه العدل .. جاز) 1123 وصحَّ الشرط فلو عزله الراهن .. انعزل، ولو عزله المرتهن .. لم ينعزل في الأصح؛ لأنه وكيل الراهن.
(ولا تشترط مراجعة الراهن في الأصحِّ) لأن الأصل بقاءُ الإذن الأول، والثاني: يشترط؛ لأنه قد يكون له غرض في بقاء العين، وقضاء الحقِّ من غيرها.
واحترز بـ (الراهن): عن المرتهن، وقد نقل الرافعي عن العراقيين القطعَ باشتراط إذنه، ونقل عن الإمام القطعَ بعدم اشتراطه، ثم قال: فتأمل في بعد أحد الطريقين عن الأخرى، وجمع في "المهمات" بينهما بما فيه طول 1124.
(فإذا باع .. فالثمن عنده من ضمان الراهن؛ حتى يقبضه المرتهن) لأنه ملكه، فهو كالرهن، هذا إذا باعه في موضعه، فإن باعه ببلد آخر وقبض ثمنه .. ضمنه؛ لتعديه بإخراجه.
(ولو تلف ثمنه في يد العدل، ثم استحق المرهون، فإن شاء المشتري .. رجع على العدل) لوضع يده عليه، (وإن شاء .. على الراهن) لإلجائه المشتري شرعًا إلى التسليم للعدل بحكم توكيله، (والقرار عليه) أي: على الراهن.
ومحل الرجوع على العدل: إذا لم يكن مأذونًا له من جهة الحاكم؛ فإن كان لموت الراهن أو غيبته .. فلا يكون طريقًا في الضمان على الأصح المنصوص؛ لأنه نائب الحاكم.
الجزء: 2 - الصفحة: 148
وَلَا يَبِيعُ الْعَدْلُ إِلَّا بِثَمَنِ مِثْلِهِ حَالًّا مِنْ نَقْدِ بَلَدِهِ، فَإِنْ زَادَ رَاغِبٌ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ .. فَلْيَفْسَخْ وَلْيَبِعْهُ. وَمُؤْنَةُ الْمَرْهُونِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمَرْهُونِ؛ كَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ
(ولا يبيع العدل إلا بثمن مثله حالًّا من نقد بلده) كالوكيل، قال الإسنوي: والمتجه: إلحاق الراهن والمرتهن في ذلك بالعدل.
فلو عبر المصنف بقوله: (ولا يباع) .. لكان أعم.
(فإن زاد راغب قبلَ انقضاء الخيار .. فليفسخ وليبعْه) ولا ينفسخ بمجرد الزيادة، فإن لم يفعل .. انفسخ في الأصل؛ لأن المجلس كحال العقد، ولو لم يفسخ بل باع من الراغب .. صحَّ على الأصحِّ.
وشمل قوله: (قبل انقضاء الخيار) خيار المجلس، والشرط.
واحترز به: عما لو زاد بعد الخيار .. فإن البيع لازم، ولا أثر للزيادة.
(ومؤنة المرهون على الراهن) المالك بالإجماع إلا ما روي عن الحسن البصري أنها على المرتهن، كذا قال ابن الملقن؛ أنه الحسن البصري 1125، وجرى عليه الأَذْرَعي، لكن نقله السبكي عن الحسن بن صالح، فليحرر.
(ويجبر عليها لحق المرتهن على الصحيح) حفظًا للوثيقة، والثاني: لا يجبر عند الامتناع بل يبيع القاضي جزءًا من المرهون بحسب الحاجة إلا أن تستغرق المؤنة الرهن قبل الأجل فيباع، ويجعل ثمنه رهنًا، حكاه الرافعي في "الشرح الكبير" عن الإمام، وأقره 1126، وجزم به في "الصغير"، قال في "أصل الروضة"؛ وهذا ضعيف، وكذا أصلُه المفرع عليه 1127.
(ولا يُمنع الراهن من مصلحة المرهون؛ كفصد وحجامة) عند الحاجة إليهما؛ حفظًا لماله، لكن لا يجبر عليها، بخلاف النفقة، كذا قالوه.
واستدرك صاحب "المطلب" فقال في (كتاب النفقات): هذا محمول على أنها
الجزء: 2 - الصفحة: 149
وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ. وَحُكْمُ فَاسِدِ الْعُقُودِ حُكْمُ صَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ. وَلَوْ شَرَطَ كَوْنَ الْمَرْهُونِ مَبيعًا لَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ .. فَسَدَا. وَهُوَ قَبْلَ الْمَحِلِّ أَمَانَةٌ، وَيُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ فِي دَعْوَى التَّلَفَ بِيَمِينِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ عِنْدَ الأَكْثَرِينَ
لا تجب من خالص ماله، بل في غير المرهون ببيع جزء منه لأجلها.
(وهو أمانة في يد المرتهن) لحديث: "الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ - أي: من ضمان راهنه - لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" رواه الشافعي، والمحفوظ إرساله 1128.
(ولا يسقط بتلفه شيء من دينه) لأنه وثيقة بدين ليس بعوض فيه، فلا يسقط الدين بتلفه؛ كالضامن يموت.
وقولنا: (ليس بعوض فيه) احتراز من تلف المبيع في يد البائع.
(وحكم فاسد العقود حكمُ صحيحها في الضمان) فما اقتضى صحيحه الضمان بعد التسليم؛ كالبيع وسائر العقود .. اقتضاه فاسده أيضًا؛ لأنه أولى بذلك، وما لا؛ كالرهن ونحوه .. فلا؛ لأن إثبات اليد عليه بإذن المالك، ولم يلتزم بالعقد ضمانًا.
واستثني من طرد هذه القاعدة وعكسها مسائلُ ذكرتها في "إرشاد المحتاج"، وهو شرح أبسط من هذا.
(ولو شرط كونَ المرهون مبيعًا له عند الحلول .. فسدا) أي: الرهن والبيع: الرهن لتأقيته؛ لأنهما شرطا ارتفاعه بالحلول، والبيع لتعليقه.
(وهو) أي: المرهون في هذه الصورة (قبل المحِلِّ أمانة) لأنه رهن فاسد، وبعده مضمون؛ لأنه أخذ ببيع فاسد، وهو عقد ضمان.
(ويصدَّق المرتهن في دعوى التلف بيمينه) لأنه أمين؛ كما مرَّ، والمراد: تصديقه بالتفصيل الآتي في (الوديعة).
والمقصود من هذه المسألة: هو عدم الضمان، ولم يصرح به المصنف، وإلا .. فالغاصب ونحوه مصدق أيضًا في التلف.
(ولا يصدَّق في الردِّ عند الأكثرين) لأنه قبضه لغرض نفسه؛ فأشبه المستعير،
الجزء: 2 - الصفحة: 150
وَلَوْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَةَ بِلَا شُبْهَةٍ .. فَزَانٍ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: جَهِلْتُ تَحْرِيمَهُ إِلَّا أَنْ يَقْرُبَ إِسْلَامُهُ، أَوْ يَنْشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ. وَإِنْ وَطِئَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ .. قُبِلَ دَعْوَاهُ جَهْلَ التَّحْرِيمِ فِي الأَصَحِّ وَلَا حَدَّ، وَيَجِبُ الْمَهْرُ إِنْ أَكْرَهَهَا، وَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلرَّاهِنِ. وَلَوْ أُتْلِفَ الْمَرْهُونُ وَقَبَضَ بَدَلَهُ .. صَارَ رَهْنًا،
وقيل: يصدق؛ لأنه أمين؛ كالمودع.
(ولو وطئ المرتهن المرهونةَ بلا شبهة .. فزانٍ) تترتب عليه أحكام الزنا كلُّها، ولا يكون الرهن شبهة، كما لو استأجرها وعليه مهر المكرهة لا المطاوعة في الأصح.
واحترز بقوله: (بلا شبهة) عما لو ظنها زوجتَه أو أمته.
(ولا يقبل قولُه: "جهلت تحريمه" إلا أن يقرب إسلامه، أو ينشأ ببادية بعيدة عن العلماء) لأنه قد يخفى عليه، بخلاف غيرهما.
(وإن وطئ بإذن الراهن .. قُبل دعواه جهلَ التحريم في الأصحِّ) لأن التحريم بعد الإذن؛ لمَّا خفي على عطاء مع أنه من علماء التابعين لا يبعد خفاؤه على العوام، والثاني: لا يقبل؛ لبعد ما يدعيه إلا أن يقرب إسلامه، كما مرَّ.
(ولا حدَّ) للشبهة (ويجب المهر إن أكرهها) لأن وجوب المهر حيث لا يجب الحدُّ حقُّ الشرع؛ فلا يؤثر فيه الإذن؛ كالمفوضة، وقيل: لا يجب؛ لإذن المستحق، وحكاه في "المحرر" 1129، وحذفه المصنف.
واحترز بالمكرهة: عن المطاوعة؛ فإنه لا مهر لها؛ لانضمام إذن المستحق إلى طواعيتها، إلا أن تكون صغيرة؛ فإنه لا عبرة بمطاوعتها؛ كما قاله الجرجاني وغيره.
(والولد حرٌّ نسيب) لأن الشبهة كما تدرأ الحدَّ تثُبتُ النسب والحرية (وعليه قيمته للراهن) لأن الإذن في الوطء رضا بإتلاف المنفعة لا بالإحبال.
(ولو أتلف المرهونُ وقبض بدلَه .. صار رهنًا) لقيامه مقامه، ويجعل في يد من كان الأصلُ في يده، ولا يحتاج إلى إنشاء رهن، كما اقتضاه كلام الشيخين هنا،
الجزء: 2 - الصفحة: 151
وَالْخَصْمُ فِي الْبَدَلِ الرَّاهِنُ، فَإِنْ لَمْ يُخَاصِمْ .. لَمْ يُخَاصِمِ الْمُرْتَهِنُ فِي الأَصَحِّ. فَلَوْ وَجَبَ قِصَاصٌ .. اقْتَصَّ الرَّاهِنُ وَفَاتَ الرَّهْنُ، فَإِنْ وَجَبَ الْمَالُ بعَفْوِهِ أَوْ بِجِنَايَةِ خَطَإٍ .. لَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ عَنْهُ وَلَا إِبْرَاءُ الْمُرْتَهِنِ الْجَانِيَ. وَلَا يَسْرِي الَرَّهْنُ إِلَى زِيَادَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ؛ كَثَمَرٍ وَوَلَدٍ،
وقضية كلامه: أنه لا يكون رهنًا قبل قبضه، والأصح في "زوائد الروضة": خلافُه 1130.
(والخصم في البدل الراهنُ) لأنه المالك (فإن لم يخاصِم .. لم يخاصِم المرتهنُ في الأصحِّ) لأنه غير مالك، والثاني: يخاصم؛ لتعلق حقِّه بما في ذمته، ونسبه الإمام إلى المحققين 1131.
ومحل الخلاف: إذا تمكن الراهن من المخاصمة، أما لو باع المالك العينَ المرهونة .. فللمرتهن المخاصمة جزمًا، كذا أفتى به البُلْقِيني، وهو ظاهر.
(فلو وجب قصاص) في النفس ( .. اقتصَّ الراهن) المالك؛ لعموم الأدلة؛ كقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (وفات الرهن) لفوات العين وبدلها، أما إذا كانت الجناية على طرف واقتصّ .. بقي الرهن بحاله.
(فإن وجب المال بعفوه، أو بجناية خطأ .. لم يصحَّ عفوه) أي: عفو الراهن (عنه) لتعلق حقِّ المرتهن به.
وكان الأحسن حذف قوله: (بعفوه، أو بجناية خطأ) ليشمل ما لو وجب المالُ ابتداءً بجناية عمد لا قصاص فيها؛ كالهاشمة، أو لكون الجاني حرًّا، أو أصلًا، أو غير ذلك مما يمنع القصاص .. فإن الحكم كذلك أيضًا.
(ولا إبراء المرتهن الجانيَ) لأنه غيرُ مالك، فإن فعل .. لم يبطل حقُّه من الوثيقة في الأصح.
(ولا يسري الرهن إلى زيادته المنفصلة؛ كثمر وولد) وصوف ولبن؛ لأنه لا يزيل
الجزء: 2 - الصفحة: 152
فَلَوْ رَهَنَ حَامِلًا وَحَلَّ الأَجَلُ وَهِيَ حَامِلٌ .. بِيعَتْ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ .. بِيعَ مَعَهَا فِي الأَظْهَر، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ دُونَ الرَّهْنِ .. فَالْوَلَدُ لَيْسَ بِرَهْنٍ فِي الأَظْهَرِ.
فصلٌ [في جناية المرهون]
جَنَى الْمَرْهُونُ .. قُدِّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ،
الملك عن الرقبة فلم يسر إليها؛ كالإجارة، أما المتصلة؛ كالسمن والتعليم .. فإنها تتبع الأصل.
(فلو رهن حاملًا وحلَّ الأجلُ وهي حامل .. بيعتْ) لأنا إن قلنا: إن الحمل يُعلم .. فكأنه رهنهما، وإلا .. فقد رهنها موصوفةً بالحمل.
(وإن ولدته .. بيع معها في الأظهر) بناءً على أن الحمل يُعلم، والثاني: لا؛ بناءً على أنه لا يُعلم.
(وإن كانت حاملًا عند البيع دون الرهن .. فالولد ليس برهن في الأظهر) بناءً على أنه يُعلم، والثاني: نعم؛ بناءً على مقابله فيتبع؛ كالسمن.
وقضية كلامه: أن الولد على هذا يكون مرهونًا، وليس كذلك؛ لأنه مُفرَّعٌ على أن الحمل لا يُعلم، فكيف يرهن؛ ! وإنما المراد: أنه يُباع معها تبعًا.
وعلى الأول: قال الرافعي: يتعذر بيعها حتى تضع؛ لأن استثناء الحمل لا يمكن، ولا سبيل إلى بيعها بحملها، ويوزع الثمن؛ لأن الحمل لا تُعرف قيمتُه 1132.
(فصل: جنى المرهون .. قُدِّم المجني عليه) لأنه لا حقَّ له في غير الرقبة، فلو قدِّم المرتهن عليه بها .. لضاع حقُّه، وأما المرتهن .. فإن حقَّه في الذمة أيضًا، فلا يفوت بفوات العين.
هذا إذا لم يأمره السيد بالجناية، فإن أمره بها وكان لا يميز، أو أعجميًّا يعتقد وجوبَ طاعته .. فالجاني هو السيد حتى يجب عليه القصاص أو المال، ولا يتعلق
الجزء: 2 - الصفحة: 153
فَإِنِ اقْتَصَّ أَوْ بِيعَ لَهُ .. بَطَلَ الرَّهْنُ، وَإِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَاقْتَصَّ .. بَطَلَ، وَإِنْ عُفِيَ عَلَى مَالٍ .. لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الصَّحِيحِ فَيَبْقَى رَهْنًا. وَإِنْ قَتَلَ مَرْهُونًا لِسَيِّدِهِ عِنْدَ آخَرَ فَاقْتَصَّ .. بَطَلَ الرَّهْنَانِ. وَإِنْ وَجَبَ مَالٌ .. تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ مُرْتَهِنِ الْقَتِيلِ فَيُبَاعُ وَثَمَنُهُ رَهْنٌ، وَقِيلَ: يَصِيرُ رَهْنًا،
برقبة العبد شيء على الأصح.
(فإن اقتص) في النفس (أو بيع له) أي: لحقه ( .. بطل الرهن) لفوات محلِّه، حتى لو عاد إلى ملك الراهن .. لم يكن رهنًا.
(وإن جنى على سيده فاقتصَّ .. بطل) في المقتص منه نفسًا كان أو طرفًا؛ كما صرح به في "المحرر" 1133.
والتاء في (اقتص) مفتوحة، والضمير يعود إلى المستحق، فشمل السيد والوارث والسلطان فيمن لا وارث له.
(وإن عُفي على مال .. لم يثبت على الصحيح، فيبقى رهنًا) لازمًا لا يباع في الجناية؛ لأن السيد لا يثبت له على عبده مالٌ، والثاني: يثبت، ويتوصل به إلى فكِّ الرهن.
وقوله: (عفي) هو بضم العين، كما نقل عن خطِّ المصنف؛ ليشمل عفو السيد والوارث.
(وإن قتل) المرهون (مرهونًا لسيده عند) مرتهن (آخر فاقتصَّ) السيد ( .. بطل الرهنان) لفوات محلِّهما.
(وإن وجب مال) بعفوه، أو بجناية خطأ، أو غير ذلك ( .. تعلق به حقُّ مرتهن القتيل) لأن السيد لو أتلف المرهون .. غرم قيمتَه لحق المرتهن، فإذا أتلفه عبده .. كان تعلق الغرم به أولى، وإنما وجب المال وإن كان للسيد على عبده؛ لأجل تعلق حقِّ الغير.
(فيباع وثمنه رهن) لأن حقَّ مرتهن القتيل في مالية العبد القاتل لا في عينه، ولأنه قد يرغب راغب بزيادة فيتوثق مرتهن القاتل بها، (وقيل: يصير رهنًا) أي: ينقل
الجزء: 2 - الصفحة: 154
فَإِنْ كَانَا مَرْهُونَيْنِ عِنْدَ شَخْصٍ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ .. نَقَصَتِ الْوَثيقَةُ، أَوْ بِدَيْنَيْنِ وَفِي نَقْلِ الْوَثيقَةِ غَرَضٌ .. نُقِلَتْ. وَلَوْ تَلِفَ الْمَرْهُونُ بِآفَةٍ .. بَطَلَ. وَيَنْفَكُّ بِفَسْخِ الْمُرْتَهِنِ وَبِالْبَرَاءَةِ مِنَ الدَّيْنِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُ .. لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ مِنَ الرَّهْنِ
العبد القاتل إلى يد مرتهن القتيل، ولا يباع، لأنه لا فائدة في البيع، قال الرافعي: (والوجهان إنما يظهران إذا طلب الراهن النقل، وطلب مرتهن القتيل البيع، أما إذا طلب الراهن البيعَ، ومرتهن القتيل النقلَ .. فالمجاب الراهن؛ لأنه لا حقَّ للآخر في عينه) 1134.
(فإن كانا مرهونين عند شخص) أو عند اثنين (بدين واحد .. نقصت الوثيقة) كما لو مات أحدهما، (أو بدينين وفي نقل الوثيقة غرض) للمرتهن ( .. نُقلت) وإلا .. فلا، فإذا كان الدينان مختلفين حلولًا وتأجيلًا .. فله التوثقُ لدين القتيل بالقاتل؛ لأنه إن كان الحالُّ دينَ القتيل .. ففائدته: الاستيفاء من ثمنه في الحال، وإن كان دين القاتل .. ففائدته: تحصيل التوثقة بالمؤجل، والمطالبة بالحالِّ في الحال، وكذا لو اختلفا في قدر الأجل.
وإن لم يختلفا في ذلك، واختلفا في القدر؛ كعشرة وعشرين، والقتيل مرهون بأكثرهما .. نقل، وإلا .. فلا، ولو اتفقا في القدر .. نقل من القاتل قدر قيمة القتيل إلى دين القتيل، وبقي الباقي رهنًا كما كان إن كانت قيمة القاتل أكثر، وإلا .. فلا؛ إذ لا فائدة.
(ولو تلف المرهون بآفة .. بطل) الرهن؛ لفواته (وينفك بفسخ المرتهن) لأن الحقَّ له، وهو جائز من جهته، أما بفسخ الراهن .. فلا؛ للزُوُمه من جهته (وبالبراءة من الدين) بأيِّ وجهٍ كان.
(فإن بقي شيء منه .. لم ينفكَّ شيء من الرهن) بالإجماع؛ كما نقله ابن المنذر 1135.
الجزء: 2 - الصفحة: 155
وَلَوْ رَهَنَ نِصْفَ عَبْدٍ بِدَيْنٍ وَنصْفَهُ بِآخَرَ فَبَرِئَ مِنْ أَحَدِهِمَا .. انْفَكَّ قِسْطُهُ، وَلَوْ رَهَنَاهُ فَبَرِئَ أَحَدُهُمَا .. انْفَكَّ نَصِيبُهُ.
فصلٌ [في الاختلاف في الرهن وما يتعلق به]
اخْتَلَفَا فِي الرَّهْنِ أَوْ قَدْرِهِ .. صُدِّقَ الرَّاهِنُ بِيَمِينِهِ إِنْ كَانَ رَهْنَ تَبَرُّعٍ، وَإِنْ شُرِطَ فِي بَيعٍ .. تَحَالَفَا. وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُمَا رَهَنَاهُ عَبْدَهُمَا بِمِئَةٍ وَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا .. فَنَصِيبُ الْمُصَدِّقِ رَهْنٌ بِخَمْسِينَ، وَالْقَوْلُ فِي نَصِيبِ الثانِي قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَتُقبَلُ شَهَادَةُ الْمُصدِّقِ عَلَيْهِ. وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِهِ؛ فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ، أَوْ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَقَالَ الرَّاهِنُ:
(ولو رهن نصفَ عبدٍ بدين، ونصفَه بآخر فبرئ من أحدهما .. انفكَّ قسطه) لتعدد الصفقة بتعدد العقد، (ولو رهناه فبرئ أحدُهما .. انفك نصيبه) لتعددها بتعدد العاقد 1136.
(فصل: اختلفا في) أصل (الرهن أو قدره .. صُدِّق الراهن بيمينه إن كان رهنَ تبرع) ليس مشروطًا في بيع؛ لأن الأصل عدمُ الرهن.
ولو عبر بـ (المالك) بدل (الراهن) .. لكان أولى؛ لأن منكر الرهن ليس براهن.
(وإن شرط في بيع) أي: اختلفا في اشتراط الرهن في البيع أو في قدره ( .. تحالفا) كما لو اختلفا في سائر كيفيات البيع.
(وإن ادعى أنهما رهناه عبدهما بمئة) 1137 وأقبضاه (وصَدَّقه أحدُهما .. فنصيب المصدِّق رهن بخمسين، والقول في نصيب الثاني قولُه بيمينه) لما مرَّ.
(وتُقبل شهادة المصدق عليه) أي: على النافي؛ لخلوها عن جلبِ نفعٍ له، ودفع ضرر عنه، وحينئذ فيحلف معه، أو يقيم شاهدًا آخر.
(ولو اختلفا في قبضه؛ فإن كان في يد الراهن، أو في يد المرتهن وقال الراهن:
الجزء: 2 - الصفحة: 156
(غَصَبْتَهُ) .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (أَقْبَضْته عَنْ جِهَةٍ أُخْرَى) فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِهِ ثُمَّ قَالَ: (لَمْ يَكُنْ إِقْرَارِي عَنْ حَقِيقَةٍ) .. فَلَهُ تَحْلِيفُهُ، وَقِيلَ: لَا يُحَلِّفُهُ إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ لإِقْرَارِهِ تَأْوِيلًا؛ كَقَوْلهِ: (أَشْهَدْتُ عَلَى رَسْمِ الْقَبَالَةِ). وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: (جَنَى الْمَرْهُونُ)، وَأَنْكَرَ الآخَرُ .. صُدِّقَ الْمُنْكِرُ بِيَمِينهِ. وَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ: (جَنَى قَبْلَ الْقَبْضِ) .. فَالأَظْهَرُ: تَصْدِيقُ الْمُرْتَهِنِ بِيَمِينِهِ فِي إِنْكَارِهِ،
"غَصَبته" .. صدق بيمينه) لأن الأصل: عدمُ اللزوم، وعدم الإذن في القبض.
(وكذا لو قال: "أقبضته عن جهة أخرى") كإعارة ونحوها (في الأصح) لأن الأصل عدمُ اللزوم، والثاني: يصدق المرتهن؛ لاتفاقهما على قبض مأذون فيه، والراهن يريد صرفَه إلى جهة أخرى، وهو خلاف الظاهر؛ لتقدم العقد المحوج إلى القبض.
(ولو أقر بقبضه، ثمَّ قال: "لم يكن إقراري عن حقيقة" .. فله تحليفه) لأن الوثائق يشهد فيها غالبًا قبل تحقيق ما فيها، (وقيل: لا يحلِّفه إلا أن يذكر لإقراره تأويلًا؛ كقوله: "أشهدت على رسم القَبالة") أي: على الكتابة الواقعة في الوثيقة، لكي أعطي بعد ذلك، وكقوله: (اعتمدت كتاب وكيلي فبان مزورًا) لأنه إذا لم يذكر تأويلًا .. يكون مكذبًا لدعواه بإقراره السابق.
وقضية كلامه: أنه لا فرق بين أن يكون الإقرار في مجلس الحكم بعد الدعوى أم لا، قال الأَذْرَعي: وهو قضية إطلاق النصِّ والعراقيين، لكن في "الشرح"، و"الروضة" عن القفال - من غير اعتراض -: أنه ليس له تحليفه حينئذ وإن ذكر تأويلًا؛ لأنه لا يكاد يقرُّ عند القاضي إلا عن تحقيق 1138.
(ولو قال أحدهما: "جنى المرهون") بعد القبض (وأنكر الآخر .. صدق المنكِر بيمينه) إذ الأصل عدمُها.
(ولو قال الراهن: "جنى قبل القبض" .. فالأظهر: تصديق المرتهن بيمينه في إنكاره) لأن الراهن قد يواطئ مدعي الجناية؛ لغرض إبطال الرهن.
الجزء: 2 - الصفحة: 157
وَالأَصحُّ: أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ .. غَرِمَ الرَّاهِنُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَغْرَمُ الأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ نَكَلَ الْمُرْتَهِنُ .. رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، لَا عَلَى الرَّاهِنِ. فَإِذَا حَلَفَ .. بِيعَ فِي الْجِنَايَةِ. وَلَوْ أَذِنَ فِي بَيع الْمَرْهُونِ فَبِيعَ وَرَجَعَ عَنِ الإِذْنِ وَقَالَ: (رَجَعْتُ قَبْلَ الْبَيع)، وَقَالَ الرَّاهِنُ: (بَعْدَهُ) .. فَالأَصحُّ: تَصْدِيقُ الْمُرْتَهِنِ
والثاني: يصدق الراهن؛ لأنه أقرَّ في ملكه بما يضرُّه.
ومحل الخلاف: إذا عيَّن الراهن المجني عليه، وصدقه، وادعاه، فإن لم يعينه، أو عينَّه ولم يصدقه، أو لم يدعه .. فالرهن باقٍ بحاله.
(والأصح: أنه إذا حلف .. غرم الراهن للمجني عليه) كما لو قتله؛ لأنه حالَ بينه وبين حقِّه، والثاني: لا يغرم؛ لأنه أقرَّ في رقبة العبد بما لا يقبل إقراره به؛ فكأنه لم يُقرّ.
(وأنه يغرم الأقلَّ من قيمة العبد وأرشِ الجناية) كما في جناية أم الولد؛ لامتناع البيع، وقيل: على القولين في فداء العبد الجاني:
أظهرهما: بالأقلِّ من قيمته، وأرش الجناية.
وثانيهما: بأرش الجناية بالغًا ما بلغ.
(وأنه لو نكل المرتهن .. رُدَّت اليمين على المجنيِّ عليه لا على الراهن) لأن الحقَّ له، والراهن لا يدعي لنفسه شيئًا.
والثاني: على الراهن؛ لأنه مالك العبد، والخصومة بينه وبين المرتهن، (فإذا حلف .. بيع في الجناية) لثبوتها باليمين المردودة.
(ولو أذن) المرتهن (في بيع المرهون فبيع، ورجع عن الإذن وقال: "رجعت قبل البيع"، وقال الراهن: "بعده" .. فالأصحُّ: تصديق المرتهن) لأن الأصل عدمُ رجوعه في الوقت الذي يدعيه.
والأصل: عدم بيع الراهن في الوقت الذي يدعيه، فيتعارضان، ويبقى أن الأصل: استمرار الرهن.
والثاني: يصدق الراهن؛ لتَقَوِّي جانبه بالإذن.
الجزء: 2 - الصفحة: 158
وَمَنْ عَلَيْهِ أَلْفَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ فَأَدَّى أَلْفًا وَقَالَ: (أَدَّيْته عَنْ أَلْفِ الرَّهْنِ) صُدِّقَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا .. جَعَلَهُ عَمَّا شَاءَ، وَقِيلَ: يُقَسَّطُ.
فصلٌ [في تعلق الدين بالتركة]
مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ .. تَعَلَّقَ بتَرِكَتِهِ تَعَلُّقَهُ بِالْمَرْهُونِ، وَفِي قَوْلٍ: كَتَعَلُّقِ الأَرْشِ بِالْجَانِي. فَعَلَى الأَظْهَرِ: يَسْتَوِي الدَّيْنُ الْمُسْتَغْرِقُ وَغَيْرُهُ فِي الأَصَحِّ
ومحل الخلاف: إذا صدق الراهن على الرجوع؛ فإن أنكر أصلَ الرجوع .. فالقول قولُه بيمينه؛ لأن الأصل عدمُه.
(ومن عليه ألفان بأحدهما رهنٌ فأدى ألفًا وقال: "أديته عن ألف الرهن" .. صدق) بيمينه؛ لأنه أعرف بقصده وكيفية أدائه.
(وإن لم ينو شيئًا .. جعله عمَّا شاء) لأن التعيين إليه ولم يوجد.
(وقيل: يُقسَّط) لعدم أولويَّة أحدِهما على الآخر.
وهل التقسيط على قدر الدينين أو عليهما بالسوية؟
تردد فيه الصَّيْدَلاني، وجزم الإمام بالأول، وصاحب "البيان" و"الانتصار" بالثاني 1139.
(فصل: من مات وعليه دين .. تعلَّق بتركته) مراعاةً للميت (تعلُّقه بالمرهون) لأنه أحوط للميت؛ إذ يمتنع على هذا التقدير تصرفُ الوارث فيه جزمًا، بخلاف إلحاقه بالجناية؛ فإنه يأتي فيه الخلاف المذكور في البيع.
(وفي قول: كتعلق الأرش بالجاني) لأن كلَّ واحد منهما ثبت شرعًا بغير رضا المالك، وقيل: كحجر المفلس، واختاره في "المطلب".
(فعلى الأظهر: يستوي الدَّين المستغرق وغيره في الأصحِّ) نظرًا للميت، وتوفيةً بقاعدة الرهن.
الجزء: 2 - الصفحة: 159
وَلَوْ تَصَرَّفَ الْوَارِثُ وَلَا دَيْنَ ظَاهِرٌ، فَظَهَرَ دَيْنٌ بِرَدِّ مَبِيعٍ بِعَيْبٍ .. فَالأَصحُّ: أَنَّهُ لَا يَتبَيَّنُ فَسَادُ تَصَرُّفِهِ، لكِنْ إِنْ لَمْ يُقْضَ الدَّيْنُ .. فُسِخَ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ لِلْوَارِثِ إِمْسَاكَ عَيْنِ التَّرِكَةِ وَقَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ لَا يَمْنَعُ الإِرْثَ،
والثاني: إن كان الدين أقلَّ .. تعلق بقدره من التركة، فينفذ تصرف الوارث إلى ألَّا يبقى إلا قدر الدين؛ لأن الحجر في مالٍ كثير بشيء حقير بعيدٌ.
(ولو تصرف الوارث ولا دين ظاهرٌ، فظهر دين بردِّ مبيع بعيب .. فالأصحُّ: أنه لا يتبيَّن فسادُ تصرفه) لأنه تصرَّفَ تصرفًا سائغًا له في الظاهر.
والثاني: يتبين فساده؛ إلحاقًا لما تجدد من الدين بالمقارن؛ لتقدم سببه.
وكان الأولى أن يقول: (ثم طرأ دين) لأن ما يجب بالردِّ لم يكن خفيًّا ثم ظهر، بل لم يكن ثم كان، لكن سببه متقدمٌ.
(لكن إن لم يقض الدين .. فُسخ) ليصل المستحقُّ إلى حقِّه.
وقوله: (يُقض) هو بضم الياء؛ ليعُمَّ قضاء الوارث والأجنبي، قاله في "الدقائق" 1140.
ولو عبر بالسقوط .. لعمَّ الإبراءَ أيضًا.
(ولا خلاف أن للوارث إمساكَ عين التركة وقضاءَ الدين من ماله) لأنه خليفة المورث، والمورث كان له ذلك.
نعم؛ لو أوصى ببيع عين في وفاء دينه .. عمل بها.
(والصحيح: أن تعلق الدين بالتركة لا يمنع الإرث) لأنه لو كان باقيًا على ملك الميت .. لوجب أن يرثه من أسلم أو أعتق من أقاربه قبل قضاء الدين، وألا يرثه من مات قبل القضاء من الورثة.
والثاني: يمنع؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ أي: من بعد إعطاء وصية وإيفاء دين إن كان.
الجزء: 2 - الصفحة: 160
فَلَا يَتَعَلَّقُ بِزَوَائِدِ التَّرِكَةِ كَالْكَسْبِ وَالنِّتَاجِ
وأجيب عن الآية: بأن المعنى المقادير لا المقدر.
(فلا يتعلق بزوائد التركة، كالكسب والنِّتاج) لأن زوائد المرهون لا تكون مرهونة؛ أما إذا قلنا: إن الدين يمنع انتقالَها .. تعلق بزوائدها؛ لبقائها على ملك الميت، وصححاه في (النكاح) في الكلام على إجبار العبد 1141.
الجزء: 2 - الصفحة: 161