كتاب التفليس
مَنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ حَالَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَالِهِ يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِسُؤَالِ الْغُرَمَاءِ. وَلَا حَجْرَ بالْمُؤَجَّلِ. وَإِذَا حُجِرَ بحَالٍّ .. لَمْ يَحِلَّ الْمُؤَجَّلُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ كَانَتِ الدُّيُونُ بِقَدْرِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ كَسُوبًا يُنْفِقُ مِنْ كَسْبِهِ .. فَلَا حَجْرَ،
(كتاب التفليس)
هو في الشرع: حجر الحاكم على المديون بالشروط الآتية، والمفلس: هو المحجور عليه، وفي اللغة: من صار ماله فلوسًا، ثم كني به عن قلة المال أو عدمه.
والأصل فيه: حجره صلى الله عليه وسلم على معاذ، رواه الدارقطني، وصححه الحاكم 1.
(من عليه ديون حالَّة زائدة على ماله يُحجر عليه) حتمًا (بسؤال الغرماء) أو من يقوم مقامهم؛ كأولياء المحجور عليهم؛ لأن في الحجر مصلحةً للغرماء؛ فإنه قد يخص بعضهم بالوفاء.
وهذه القيود التي ذكرها سيأتي الكلام عليها، ولا يخفى أن لفظ الديون لا مفهوم له، والدين الواحد كاف.
(ولا حجر بالمؤجل) لأنه لا مطالبة به في الحال.
(وإذا حجر بحالٍّ .. لم يحلَّ المؤجل في الأظهر) لأن ذمته باقية، بخلاف الموت، والثاني: يحلُّ؛ كالموت، وإذا قلنا بالثاني، فلو فك الحجر عنه، وقد بقي بعض الأجل .. عاد الحق مؤجلًا، قاله القفال في "فتاويه".
(ولو كانت الديون بقدر المال، فإن كان كسوبًا ينفق من كسبه .. فلا حجر) لعدم الحاجة إليه، بل يأمره الحاكم بقضاء الدين، فإن امتنع .. باع ماله، أو أكرهه عليه.
نعم؛ لو التمس الغرماء الحجر عليه .. حجر في الأصحِّ وإن زاد على دينه؛ كيلا يتلف ماله، كذا ذكره الرافعي في الكلام على الحبس 2.
الجزء: 2 - الصفحة: 163
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَسُوبًا وَكَانَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالِهِ .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ. وَلَا يُحْجَرُ بِغَيْرِ طَلَبِ، وَلَوْ طَلَبَ بَعْضهُم وَدَيْنُهُ قَدْرٌ يُحْجَرُ بِهِ .. حُجِرَ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَيُحْجَرُ بِطَلَبِ الْمُفلِسِ فِي الأَصَحِّ، وَإِذا حُجِرَ .. تَعَلَّقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ، وَأُشْهِدَ عَلَى حَجْرِهِ لِيُحْذَرَ. وَلَوْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ أَوْ أَعْتَقَ .. فَفِي قَوْلٍ: يُوقَفُ تَصَرُّفُهُ، فَإِنْ فَضَلَ ذَلِكَ عَنِ
(وإن لم يكن كسوبًا وكانت نفقته من ماله .. فكذا في الأصحِّ) لتمكنهم من المطالبة في الحال، والثاني: يحجر عليه؛ لئلا يذهب ماله في النفقة.
(ولا يحجر بغير طلب) لأنه لمصلحة الغرماء، وهم ناظرون لأنفسهم.
نعم؛ لو كان الدين لمحجور عليه .. فإنه يحجر وإن لم يسأل وليه؛ لأنه ناظر في مصلحته.
وأفهم كلام المصنف: أنه لا يحجر لدين الغائب، وهو كذلك؛ لأنه ليس له استيفاء مال الغائب من الذمم، وإنما له حفظ أعيان أموالهم.
(ولو طلب بعضهم) أي: بعض الغرماء (ودينه قدر يحجر به) بأن زاد على ماله ( .. حجر) لوجود شرط الحجر، ثم لا يختص أثره بالطالب، بل يعم الكلَّ.
(وإلا .. فلا) لأن دينه يمكن وفاؤه بكماله، فلا ضرورة به إلى طلب الحجر، وقيل: يحجر، وقواه في "زيادة الروضة" لئلا يضيع حقُّه بتكاسل غيره 3.
(ويحجر بطلب المفلس في الأصحِّ) لأن له غرضًا ظاهرًا فيه، والثاني: لا؛ لأن الحجر ينافي الحرية والرشد، وإنما قلنا به عند طلب الغرماء؛ للضرورة.
(وإذا حجر .. تعلق حقُّ الغرماء بماله) عينًا ودينًا ومنفعة؛ كالرهن، وخرج بحقِّ الغرماء حقُّ الله تعالى؛ كالزكاة والكفارة والنذر، فلا يتعلق بماله؛ كما صرح به الرافعي في الباب الثاني من (كتاب الأيمان) 4.
(وأُشهد على حجره ليُحذَر) فلا يعامل، والإشهاد مستحب، وقيل: شرط لصحة الحجر.
(ولو باع أو وهب أو أعتق .. ففي قول: يُوقف تصرفُه، فإن فَضَل ذلك عن
الجزء: 2 - الصفحة: 164
الدَّيْنِ .. نَفَذَ، وَإِلَّا .. لَغَا، وَالأَظْهَرُ: بطْلَانُهُ. وَلَوْ بَاعَ مَالَهُ لِغُرَمَائِهِ بدَيْنِهِمْ .. بَطَلَ فِي الأَصَحِّ. فَلَوْ بَاعَ سَلَمًا أَوِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ .. فَالصَّحِيحُ: صِحَّتُهُ، وَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ. وَيَصِحُّ نِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ وَخُلْعُهُ وَاقْتِصَاصُهُ وَإِسْقَاطُهُ. وَلَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ وَجَبَ قَبْلَ الْحَجْرِ .. فَالأَظْهَرُ: قَبُولُهُ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ،
الدين) لارتفاع القيمة، أو لإبراء بعض الغرماء ( .. نفذ، وإلا .. لغا) إلحاقًا له بالمريض، (والأظهر: بطلانه) لتعلق حقهم به؛ كالمرهون.
(ولو باع ماله) جميعه، أو بعضه (لغرمائه بدَيْنهم) أو لغريمه الواجد بدينه ( .. بطل في الأصحِّ) لاحتمال أن يكون له غريم آخر، فلا يصحُّ، والثاني: يصحُّ؛ لأن الحجر لهم، والأصل: عدم غيرهم.
ومحل الخلاف: إذا لم يأذن فيه القاضي، فإن أذن فيه .. صحَّ.
واحترز بقوله: (بدينهم) عما إذا باع لا بدينهم، بل ببعضه، أو بعين .. فإنه كالبيع من أجنبي؛ لأنه لا يتضمن ارتفاع الحجر عنه، بخلاف ما إذا باعه بكلِّ الدين، ولو باع الأجنبي بإذن الغرماء .. لم يصحَّ في الأصحِّ 5.
(فلو باع سلمًا، أو اشترى في الذمة .. فالصحيح: صحته، ويثبت في ذمته) إذ لا ضرر على الغرماء فيه، والثاني: لا يصحُّ؛ كالسفيه.
(ويصحُّ نكاحه وطلاقه وخلعه واقتصاصه وإسقاطه) ولو مجانًا على الأصح؛ لأنه لا تعلق لهذه الأشياء بالمال، ويصحُّ استلحاقه النسب، ونفيه باللعان.
وصورة مسألة الخلع: أن المفلس هو الزوج.
أما الزوجة والأجنبي .. فلا ينفذ منهما في العين، وفي الدين الخلافُ في السلم.
(ولو أقر بعين أو دين وجب قبل الحجر .. فالأظهر: قبوله في حقِّ الغرماء) لأن ضرره في حقِّه أكثرُ منه في حقِّ الغرماء، فلا يتهم فيه، والثاني: لا يقبل في حقهم؛ لئلا يضرهم بالمزاحمة، ولأنه ربما واطأ المقر له، وبناهما الماوردي على أن هذا الحجر حجر مرض أو سفه، وفيه قولان 6.
الجزء: 2 - الصفحة: 165
وَإِنْ أَسْنَدَ وُجُوبَهُ إِلَى مَا بَعْدَ الْحَجْرِ بِمُعَامَلَةٍ أَوْ مُطْلَقًا .. لَمْ يُقْبَلْ فِي حَقِّهِمْ، وَإِنْ قَالَ: عَنْ جِنَايَةٍ .. قُبِلَ فِي الأَصَحِّ. وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ بِالْعَيْبِ مَا كَانَ اشْتَرَاهُ إِنْ كَانَتِ الْغِبْطَةُ فِي الرَّدِّ. وَالأَصَحُّ: تَعَدِّي الْحَجْرِ إِلَى مَا حَدَثَ بَعْدَهُ بِالاصْطِيَادِ وَالْوَصِيَّةِ وَالشِّرَاءِ إِنْ صَحَّحْنَاه
واحترز بقوله: (في حقِّ الغرماء) عن حقِّ نفسه؛ فإنه يقبل ويطالب.
(وإن أسند وجوبَه إلى ما بعد الحجر بمعاملة أو مطلقًا) أي: إسنادًا معللًا بمعاملة، أو إسنادًا مطلقًا ( .. لم يقبل في حقِّهم) أما في الأولى .. فلتقصير من عاملة وأما في الثانية .. فلأن قياس المذهب: تنزيل الإقرار على أقل المراتب، وهو دين المعاملة، وهذه الثانية: ليست في "الشرح"، و"الروضة" بالصريح، لكنها تؤخذ من كلامهما، وفيهما بدلها الإطلاق بمعنى آخر، وهو أنه أقرَّ ولم يُسنده إلى ما قبل الحجر، ولا إلى ما بعده، قال الرافعي: فقياس المذهب: تنزيله على الأقلِّ، وهو جعله كإسناده إلى ما بعد الحجر 7، قال في "الروضة": وهو ظاهر إن تعذر مراجعة المقر، وإلا .. فينبغي أن يراجع؛ لأنه يقبل إقراره 8.
(وإن قال: عن جناية .. قبل في الأصحِّ) لعدم تفريط من أقر له، والثاني: أنه كما لو قال عن معاملة.
(وله أن يردَّ بالعيب ما كان اشتراه) قبل الحجر (إن كانت الغبطة في الردِّ) لأن الفسخ ليس تصرفًا مبتدأ، وإنما هو من أحكام البيع السابق، والحجر لا ينعطف على ما مضى.
وأفهم قوله: (وله أن يرد) أنه لا يجبر عليه، وصرح به القاضي الحسين؛ لأنه ليس تفويتًا لحاصل، وإنما هو امتناع من الاكتساب.
(والأصحُّ: تعدي الحجر إلى ما حدث بعده بالاصطياد والوصية والشراء إن صححناه) لأن مقصود الحجر وصولُ الحقِّ إلى المستحقين، وهذا المعنى يقتضي شمول الحجر للمال الحادث أيضًا، والثاني: لا يتعدى؛ كما أن حجر الراهن على
الجزء: 2 - الصفحة: 166
وَأَنَّهُ لَيْسَ لِبَائِعِهِ أَنْ يَفْسَخَ وَيَتَعَلَّقَ بِعَيْنِ مَتَاعِهِ إِنْ عَلِمَ الْحَالَ، وَإِنْ جَهِلَ .. فَلَهُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ التَّعَلُّقُ بِهَا .. لَا يُزَاحِمُ الْغُرَمَاءَ بالثَّمَنِ.
فصلٌ [فيما يفعل في مال المحجور عليه بالفلس من بيع وقسمة وغيرهما]
يُبَادِرُ الْقَاضِي بَعْدَ الْحَجْرِ بِبَيع مَالِهِ وَقَسْمِهِ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ،
نفسه في العين المرهونة لا يتعدى إلى غيرها.
(وأنه ليس لبائعه أن يفسخ ويتعلقَ بعين متاعه إن علم الحالَ، وإن جهل .. فله ذلك) لأن الإفلاس كالعيب فيفرق فيه بين العلم والجهل، والثاني: له ذلك مطلقًا؛ لتعذر الوصول إلى الثمن، والثالث: ليس له ذلك مطلقا؛ لتقصيره بترك البحث مع سهولة الاطلاع؛ فإن الحاكم يشهر أمر المفلس.
(وأنه إذا لم يكن التعلق بها 9 .. لا يزاحم الغرماءَ بالثمن) 10 لأنه دين حادث بعد الحجر برضا مستحقه، والديون التي هذا شأنها لا يزاحم مستحقها الغرماء الأولين؛ كدين الصداق والضمان، وعلى هذا: فإن فضل شيء عن دينهم .. أخذه، وإلا .. انتظر وِجْدان شيء آخر، والثاني: يزاحمهم؛ لأن الغرماء ملكوا المبيع في مقابلة مزاحمته، بخلاف الصداق ونحوه.
(فصل: يبادر القاضي بعد الحجر ببيع ماله وقسمه بين الغرماء) على نسبة ديونهم؛ لأن المفلس يتضرر بطول الحجر، والغريم بتأخر الحقِّ، لكن لا يفرط في الاستعجال بحيث يقلُّ الثمن، بل يتبع العرف في ذلك، وهذه المبادرة مستحبة.
الجزء: 2 - الصفحة: 167
وَيُقَدِّمُ مَا يُخَافُ فَسَادُهُ، ثُمَّ الْحَيَوَانَ، ثُمَّ الْمَنْقُولَ، ثُمَّ الْعَقَارَ. وَلْيَبِعْ بِحَضْرَةِ الْمُفْلِسِ وَغُرَمَائِهِ كُلَّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ، بِثَمَنِ مِثْلِهِ، حَالًّا، مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ
(ويقدم ما يخاف فساده) كالفواكه والبقول؛ صيانة له، (ثم الحيوان) لأنه متعرض للتلف، وله مؤنة، (ثم المنقول) لأنه يخشى ضياعه، (ثم العقار) لأنه لا يخشى هلاكه، ويؤمن سرقته، ويقدم الملبوس على النحاس ونحوه، والبناء على الأراضي، قاله الماوردي 11.
ومحل هذا الترتيب: إذا لم يكن في ماله ما تعلق الحقُّ بعينه؛ كالمرهون، والجاني، ومال القراض، فإن كان .. قدم بيعه بعد ما يخاف فساده، فإن فضل منه شيء .. قسم، أو بقي شيء منه للمرتهن، أو للمجني عليه، أو للمقارض .. ضارب به.
(وليبع بحضرة المفلس وغرمائه) ندبًا؛ لأنه أنفى للتهمة، ولأن الغرماء قد يزيدون في السلعة، والمفلس يُبيِّن ما في ماله من العيب فلا يُردُّ، والصفاتِ المطلوبة فتكون الرغبةُ فيه أكثر، قال الماوردي: والأولى: أن يتولى المفلس أو وكيله البيعَ بإذن الحاكم؛ ليقع الإشهاد عليه، وتطيب نفسُ المشتري 12.
(كلَّ شيء في سوقه) ندبًا؛ لأن طالبه فيه أكثر، هذا إذا لم يكن في نقله مؤنة كثيرة، فإن كان ورأى الحاكم أن المصلحة استدعاءُ أهل السوق إليه .. فعل، حكاه في "الكفاية" عن الماوردي، وأقره 13، ولو باع في غير سوقه بثمن مثله .. جاز.
(بثمن مثله، حالًّا، من نقد البلد) وجوبًا؛ كما صرح به في "المحرر" 14؛ لأن التصرف لغيره فوجب فيه رعايةُ المصلحة، والمصلحةُ ما ذكر.
نعم؛ ذكر الشيخان في (كتاب الوكالة): أنه لو رأى الحاكم المصلحةَ في البيع
الجزء: 2 - الصفحة: 168
ثُمَّ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ جنْسِ النَّقْدِ وَلَمْ يَرْضَ الْغَرِيمُ إِلَّا بِجِنْسِ حَقِّهِ .. اشْتُرِيَ، وَإِنْ رَضِيَ .. جَازَ صَرْفُ النَّقْدِ إِلَيْهِ إِلَّا فِي السَّلَمِ. وَلَا يُسَلِّمُ مَبيعًا قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ. وَمَا قَبَضَ .. قَسَمَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ لِقِلَّتِهِ فَيُؤَخِّرَ لِيَجْتَمِعَ. وَلَا يُكَلَّفُونَ بَيِّنَةً بِأَنْ لَا غَرِيمَ غَيْرُهُمْ، فَلَوْ قَسَمَ فَظَهَرَ غَرِيمٌ .. شَارَكَ بالْحِصَّةِ، وَقِيلَ: تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ. وَلَوْ خَرَجَ شَيْءٌ بَاعَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ مُسْتَحَقًّا وَالثَّمَنُ تَالِفٌ .. فَكَدَيْنٍ ظَهَرَ،
بمثل حقوق الغرماء .. جاز 15، وقال المتولي: إذا رضي المفلس والغرماءُ بالبيع مؤجلًا، أو بغير نقد البلد .. جاز، قال السبكي: وفيه نظر؛ لاحتمال غريم آخر 16.
(ثم إن كان الدين غير جنس النقد، ولم يرض الغريم إلا بجنس حقِّه .. اشتُري) لأنه واجبه.
(وإن رضي .. جاز صرفُ النقد إليه إلا في السلم) لأنه اعتياض، وهو ممتنع فيه؛ كما مرّ في بابه، وفي معناه: المنفعة في إجارة الذمة على الأصح.
(ولا يسلم مبيعًا قبل قبض ثمنه) لأنه ينصرف لغيره فيحتاط، فإن سلم .. ضمن قيمة المبيع.
(وما قبض .. قسمه بين الغرماء) ندبًا؛ لتبرأ الذمة ويصل الحقُّ إلى مستحقه، (إلا أن يعسر؛ لقلته فيؤخر ليجتمع) ندبًا، ويودعه أمينًا إن لم يجد موسرًا أمينًا يقرضه، ولا يتركه القاضي بيده؛ للتُّهَمة، نصّ عليه.
(ولا يكلفون بينةً بأن لا غريم غيرُهم) لأن الحجر يشتهر، فلو كان له غريم .. لظهر.
(فلو قسم فظهر غريم .. شارك بالحصة) لحصول المقصود بذلك، (وقيل: تُنقض القسمة) لأنها وقعت على غير الوجه السائغ شرعًا.
(ولو خرج شيء باعه قبل الحجر مستحقًا والثمنُ تالف .. فكدين ظهر) وحكمُه: ما تقدم، وسواء تلف قبل الحجر أو بعده؛ لثبوته قبل الحجر.
الجزء: 2 - الصفحة: 169
وَإِنِ اسْتُحِقَّ شَيْءٌ لا بَاعَهُ الْحَاكِمُ. . قُدِّمَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَفِي قَوْلٍ: يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ. وَيُنْفِقُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ حَتَّى يُقَسِّمَ مَالَهُ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ بِكَسْبٍ. وَيُبَاعُ مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ فِي الأَصَحِّ وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى خَادِمٍ لِزَمَانَتِهِ وَمَنْصِبِهِ. وَيُتْرَكُ لَهُ دَسْتُ ثَوْبٍ يَلِيقُ بِهِ،
واحترز بقوله: (قبل الحجر) عما إذا وقع فيه.
. فإنه لا أثر له؛ لأنه دين حادث لم يتقدم له سبب، وبقوله: (والثمن تالف) عما إذا كان باقيًا.
. فإنه يرده.
وقوله: (فكدين) لا معنى للكاف، بل هو دين ظهر حقيقة.
(وإن استُحق شيء باعه الحاكم.
. قُدم المشتري بالثمن) لئلا يرغب الناس عن شراء مال المفلس، فكان التقديم من مصالح الحجر؛ كأجرة الكَيَّال ونحوها من المُؤَن، (وفي قول: يُحاصُّ الغرماء) كسائر الديون؛ لأنه دين في ذمة المفلس، ولا يطالب الحاكم وكذا أمينه على الأصح في "زيادة الروضة" 17.
(وينفق على من عليه نفقته حتى يقسم ماله) لأنه موسر ما لم يزل ملكُه.
وكان ينبغي أن يقول: (ويَمُون) ليشمل النفقة، والكسوة، والإسكان، والإخدام، وتكفين من مات منهم قبل القسمة.
نعم؛ لا تلزمه مؤنة الزوجة المتجددة بعد الحجر، بخلاف الولد؛ كما قالاه في (النكاح)، وفرق بينهما بعدم الاختيار في الولد، بخلاف الزوجة، ويُنفق على الزوجة نفقةَ المعسرين على المرجح في "زيادة الروضة" تبعًا للإمام 18.
(إلا أن يستغني بكسب) لائق به؛ فإنه لا ينفق عليه من ماله، بل من الكسب، فإن فضل شيء منه.
. ردَّ إلى المال، وإن نقص.
. كمل منه.
(ويباع مسكنه وخادمه في الأصحِّ وإن احتاج إلى خادم لزمانته ومنصبه) لأن تحصيلهما بالكراء أسهل، فإن تعذر.
. فعلى المسلمين، والثاني: يبقيان للمحتاج إذا كانا لائقين به، وهو مُخرَّج من نصِّه في الكفارات.
والفرق على الأول: أن حقوق الآدميين أضيق، ولا بدل لها أيضًا.
(ويُترك له دَستُ ثوب يليق به) قال الإمام أي: يليق به في إفلاسه، قال
الجزء: 2 - الصفحة: 170
وَهُوَ: قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَعِمَامَةٌ وَمُكَعَّبٌ، وَيُزَادُ فِي الشِّتَاءِ جُبَّةً. وَيُتْرَكُ قُوتُ يَوْمِ الْقِسْمَةِ لِمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ.
الشيخان: لكن المفهوم من كلام الأصحاب أنهم لا يوافقونه 19.
(وهو) في حقّ الرجل (قميص، وسراويل، وعمامة، ومُكعَّب) وهو المَدَاس.
(ويزاد في الشتاء جبةً) لاحتياجه إلى ذلك، ومثله لا يؤجر غالبًا، ويترك له أيضًا المنديل والخف والطيلسان إن كان تركهما يزري به، والدُّرَّاعة، وهي: ما يلبسها فوق القميص إن كانت تليق به، ويسامح باللبد والحصير القليل القيمة.
قال العبادي في "الزيادات": ويترك للعالم كتب العلم؛ لأنه يحتاج الناس إلى علمه، وأقره عليه في "شرح المهذب" في (قسم الصدقات) 20.
قال الأَذْرَعي: وذكره غير العبادي، وقال الإسنوي: لم أر ما يخالفه، وفي "الشرح"، و"الروضة" في (قسم الصدقات) عن الغزالي ما يوافقه، فإنه شبهها بثياب بدنه، فيترك له منها ما يحتاج إليه 21.
أما المرأة: فتزاد على القميص والسراويل والمُكعَّب والجبة.
. المقنعة والإزار وغيرهما مما يليق بحالها.
وقول المصنف: (ويترك له) أي: يخلى إن كان في ماله، ويشترى إن لم يكن.
(ويترك قوتُ يوم القسمة لمن عليه نفقته) لأنه موسر في أوله، وفي "الوجيز": أنه يبقى له سكنى ذلك اليوم أيضًا، قال الرافعي: وهو قياس الباب، وإن لم يتعرض له غيره، وجزم به الرافعي في (العتق) في الكلام على السراية 22.
وجميع ما تقدم فيما إذا كان بعضُ ماله خاليًا عن تعلق حقٍّ لمعين، فإن تعلق بجميع ماله حقٌّ لمعين؛ كالمرهون.
. فلا ينفق عليه ولا على عياله منه.
الجزء: 2 - الصفحة: 171
وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَكْتَسِبَ أَوْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِبَقِيَّةِ الدَّيْنِ، وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ إِجَارَةِ أُمِّ وَلَدِهِ وَالأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَيْهِ. وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ مُعْسِرٌ أَوْ قَسَمَ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَأَنْكَرُوهُ؛ فَإِنْ لَزِمَهُ الدَّيْنُ فِي مُعَامَلَةِ مَالٍ كَشِرَاءٍ أَوْ قَرْضٍ. . فَعَلَيْهِ الْبيِّنَةُ، وَإِلَّا. . فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي الأَصَحِّ.
(وليس عليه بعد القسمة أن يكتسب، أو يؤجر نفسه لبقية الدين) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
نعم؛ إن وجب الدين بسبب هو عاص به؛ كالإتلاف عمدًا.
. وجب عليه الاكتساب؛ كما نقله ابن الصلاح في "فوائد رحلته" عن أبي عبد الله الفَزَاري؛ لأن التوبة منه واجبة، وأداؤه من جملة شروطها؛ لكونه حق آدمي.
وما جزموا به هنا من عدم الاكتساب يخالف ما صححوه من وجوب الاكتساب في نفقة القريب، مع أن الدين أقوى من نفقة القريب؛ فإنها تسقط بمضي الزمان.
وقد يفرق بينهما: بأن نفقة القريب فيها إحياء بعضه، فلزمه الاكتساب لها؛ كما يلزمه الاكتساب لإحياء نفسه، بخلاف الدين.
(والأصحُّ: وجوب إجارة أم ولده والأرض الموقوفة عليه) لأن منافعها كالأعيان، فيصرف بدلهما إلى الدين، والثاني: لا؛ لأنهما لا يعدان أموالًا حاضرة، ولهذا لا تجب إجارةُ نفسه.
ولو قال: (والموقوف عليه).
. لكان أخصر وأشمل.
ويُؤجَّرُ الموقوفُ مدةً لا يظهر تفاوت بسبب تعجيل الأجرة إلى حدٍّ لا يتغابن به الناس في غرض قضاء الدين، والتخلص من المطالبة، فإن انقضت.
. أُجِّر مرة بعد أخرى إلى فناء الدين.
(وإذا ادعى أنه معسر، أو قسم ماله بين غرمائه، وزعم أنه لا يملك غيره وأنكروه؛ فإن لزمه الدين في معاملة مال؛ كشراء أو قرض.
. فعليه البينة) لأن الأصل بقاءُ ما وقعت عليه المعاملة، (وإلا) أي: وإن لزمه لا في معاملة مال؛ كالصداق، والضمان، والإتلاف (. . فيصدق بيمينه في الأصحِّ) لأنه خُلِق ولا مال له، والأصلُ بقاء ذلك، والثاني: لا بدّ من البينة؛ لأنه خلافُ الظاهر من أحوال الحرِّ.
ومحلُّ ما ذكره المصنف من التفصيل: إذا لم يَسبق إقرارُه بالمَلاءة، فلو أقر بها ثم
الجزء: 2 - الصفحة: 172
وَتُقْبَلُ بَيِّنَةُ الإِعْسَارِ فِي الْحَالِ، وَشَرْطُ شَاهِدِهِ: خِبْرَةُ بَاطِنِهِ، وَلْيَقُلْ: هُوَ مُعْسِرٌ، وَلَا يُمَحِّضُ النَّفْيَ كَقَوْلهِ: (لَا يَمْلِكُ شَيْئًا). وَإِذَا ثبًتَ إِعْسَارُهُ. . لَمْ يَجُزْ حَبْسُهُ وَلَا مُلَازَمَتُهُ، بَلْ يُمْهَلُ حَتَّى يُوسِرَ. وَالْغَرِيبُ الْعَاجِزُ عَنْ بَيِّنَةِ الإِعْسَارِ. . يُوَكِّلُ الْقَاضِي بِهِ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ حَالِهِ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِعْسَارُهُ. . شَهِدَ بِهِ.
ادعى الإعسار.
. ففي "فتاوي القفال": أنه لا يُقبل قوله، إلا أن يقيم بينةً على ذهاب ماله الذي أقر أنه مليء به.
(وتقبل بينة الإعسار) وإن تعلقت بالنفي، لمكان الحاجة؛ كالبينة على أن لا وارث سوى هؤلاء (في الحال) كغيرها.
(وشرط شاهده: خبرة باطنه) بطول جوار، وكثرة مخالطة؛ لأن الأموال تخفى.
(وليقل: "هو معسر"، ولا يُمحِّضُ النفي؛ كقوله: "لا يملك شيئًا") بل يجمع بين نفي وإثبات، فيقول: (هو معسر لا يملك إلا قوت يومه، وثياب بدنه)، كما في "الروضة"، و"أصلها" 23.
وإذا شهدوا على المفلس بالغنى.
. فلا بدَّ من بيان سببه؛ لأن الإعدام لمَّا لم يثبت إلا من أهل الخبرة.
. كذلك الغنى، قاله القفال في "فتاويه".
(وإذا ثبت إعساره.
. لم يجز حبسه ولا ملازمته، بل يمهل حتى يوسر) للآية المارة.
وأفهم: أن المَديون يُحبس إلى ثبوت إعساره، ويستثنى: الآباء والأجداد؛ فإنهم لا يُحبسون بديون أبناءهم على الأصح.
وإذا جاز حبس المَديون.
. فللغريم ملازمتُه، لأنها أخفُّ، إلا أن يقول المديون للقاضي: إنه تشُقُّ عليه الطهارة والصلاة بسبب ملازمته فاحبسني فإنه يجاب 24.
(والغريب العاجز عن بينة الإعسار.
. يوكل القاضي به من يبحث عن حاله، فإذا غلب على ظنه إعسارهُ.
. شهد به) لئلا يتخلد الحبس عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 173
فَصْلٌ [في رجوع المعامل للمفلس عليه بما عامله به ولم يقبض عوضه]
مَنْ بَاعَ وَلَمْ يَقْبِضِ الثَّمَنَ حَتَّى حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْفَلَسِ. . فَلَهُ فَسْخُ الْبَيع وَاسْتِرْدَادُ الْمَبِيعِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ خِيَارَهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْفَسْخُ بِوَطْءٍ وَإِعْتَاقٍ وَبَيعٍ. وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبَيْعِ، وَلَهُ شُرُوطٌ؛ مِنْهَا: كَوْنُ الثَّمَنِ حَالًّا
(فصل: من باع ولم يقبض الثمن حتى حجر على المشتري بالفلس.
. فله فسخُ البيع واسترداد المبيع) لحديث: "مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ، أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ.
. فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" متفق عليه 25.
وكون الثمن غيرَ مقبوض يحتاج إلى إضماره في الحديث، وفي حكم الحجر بالفلس الموتُ مفلسًا، ولو أفلس ولم يحجر عليه أو حجر عليه لسفه.
. لم يثبت الرجوع، ويحصل بـ (فسخت البيع)، و (نقضته)، ونحوهما.
(والأصحُّ: أن خياره على الفور) كخيار العيب بجامع دفع الضرر، والثاني: لا؛ كخيار الرجوع في الهبة.
(وأنه لا يحصل الفسخ بوطء وإعتاق وبيع) كالواهب، والثاني: يحصل؛ كالبائع في زمن الخيار.
وفرق الأول: بأن ملك المشتري ثمَّ ليس بمستقر، فجاز الفسخ بالفعل، بخلاف مسألتنا، قال في "المعين": ومحل الخلاف: إذا نوى بالوطء الفسخَ، قال: وهذا على قولنا: لا يفتقر هذا الفسخ إلى حاكم، وإلا.
. فلا يحصل به قطعًا.
(وله الرجوع في سائر المعاوضات؛ كالبيع) لعموم الحديث السابق.
وقوله: (كالبيع) أي: في كون المعاوضة محضة، فيدخل في ذلك السلم، والقرض، والإجارة، ويخرج الخلع، والمصالحة عن دم العمد؛ فإنهما ليسا كالبيع في كونه معاوضةً محضةً.
(وله شروط؛ منها: كون الثمن حالًّا)؛ لأن المؤجل لا يطالب به، فتباع السلعة وتصرف إلى ديون الغرماء.
الجزء: 2 - الصفحة: 174
وَأَنْ يَتَعَذَّرَ حُصُولُهُ بِالإِفْلَاسِ، فَلَوِ امْتَنَعِ مِنْ دَفْعِ الثَّمَنِ مَعَ يَسَارِهِ أَوْ هَرَبَ. . فَلَا فَسْخَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ الْغُرَمَاءُ: (لَا تفْسَخْ وَنُقَدِّمُكَ بِالثَّمَنِ). . فَلَهُ الْفَسْخُ. وَكَوْنُ الْمَبِيعِ بَاقِيًا فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي،
وشمل كلامه ما لو اشترى بمؤجل، وحلَّ قبل الحجر، وهو الأصح، وما لو حلَّ بعد الحجر، وهو الأصح في "الشرح الصغير"، وقال في "زيادة الروضة": إنه الأصح في "الوجيز"، وسكت عليه، ولا ترجيح في "الكبير" 26.
(وأن يتعذر حصولُه بالإفلاس، فلو امتنع من دفع الثمن مع يساره أو هرب.
. فلا فسخ في الأصحِّ) لأن التوصل إلى أخذه بالسلطان ممكن، فإن فرض عجز على ندور.
. فلا عبرة به، والثاني: يثبت؛ لتعذر الوصول إليه حالًا، وتوقعه مآلًا، فأشبه المفلسَ.
واحترز بـ (الإفلاس): عما إذا تعذر حصوله بانقطاع جنس الثمن.
. فإنا إن جوزنا الاعتياض عن الثمن.
. فلا فسخ؛ لعدم تعذر استيفاء عوض عنه، وإن منعنا.
. فعلى الخلاف في انقطاع المسلم فيه.
(ولو قال الغرماء: "لا تفسخ، ونقدمك بالثمن".
. فله الفسخ) لما فيه من المنة، وقد يظهر غريم آخر، وقيل: لا، وجزم به في "الروضة" في آخر الباب في الكلام على القصارة، وهو وهم، وقد ذكره الرافعي على الصواب 27.
(وكون المبيع باقيًا في ملك المشتري) لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المارِّ: "مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ.
. ." 28.
وقد يفهم: أنه لو زال ثم عاد.
. لا رجوع، وهو الأصحُّ في "زيادة الروضة" كما هو المصحح في هبة الولد، لكن الأصحَّ في "الشرح الصغير": الرجوع، وكلام "الكبير" يشعر برجحانه 29.
الجزء: 2 - الصفحة: 175
فَلَوْ فَاتَ أَوْ كَاتَبَ الْعَبْدَ. . فَلَا رُجُوعَ، وَلَا يَمْنَعُ التَّزْوِيجُ. وَلَوْ تَعَيَّبَ بِآفَةٍ. . أَخَذَهُ نَاقِصًا، أَوْ ضَارَبَ بِالثَّمَنِ. أَوْ بِجِنَايَةِ أَجْنَبِيٍّ أَوِ الْبَائِعِ. . فَلَهُ أَخْذُهُ، وَيُضارِبُ مِنْ ثَمَنِهِ بنِسْبَةِ نَقْصِ الْقِيمَةِ. وَجِنَايَةُ الْمُشْتَرِي كَاَفَةٍ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ تلَفَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ ثُمَّ أَفْلَسَ. . أَخَذَ الْبَاقِيَ وَضَارَبَ بِحِصَّةِ التَّالِفِ،
(فلو فات) حسًّا؛ كالموت، أو حكمًا؛ كالعتق (أو كاتب العبدَ) كتابة صحيحة (. . فلا رجوع) لخروجه عن ملكه في الفوات، وفي الكتابة هو كالخارج عن ملكه، وليس له فسخ هذه التصرفات، بخلاف الشفيع؛ لسبق حقِّ الشفيع على التصرفات، بخلاف البائع.
(ولا يمنع التزويج) لأنه لا يمنع البيع، وبقي للرجوع شرطان آخران: الأول: ألا يتعلق بالمبيع حقٌّ ثالث؛ كالجناية والرهن، فإن زال التعلق.
. رجع، الثاني: ألا يقوم بالبائع مانع من التملك؛ كما لو أحرم والمبيع صيدًا.
. فإنه لا رجوع في الأصح، لكن قال المَحاملي: إنه يجوز للكافر الرجوع فيما إذا كان المبيع عبدًا مسلمًا، وأقره عليه في "الروضة"، و"شرح المهذب"، قال الإسنوي: وفى الفرق بعد 30.
(ولو تعيب بآفة.
. أخذه ناقصًا، أو ضارب بالثمن) كما لو تعيب المبيع في يد البائع.
(أو بجناية أجنبي أو البائع.
. فله أخذه، ويضارب من ثمنه بنسبة نقص القيمة) لأن المشتري أخذ بدلًا للنقصان، وكان ذلك مستحقًا للبائع لو بقي، فلا يحسن تضييعه عليه؛ مثاله: قيمته سليمًا مئة، ومعيبًا تسعون، فيرجع بعشر الثمن.
(وجناية المشتري كآفة في الأصحِّ) في جنايته طريقان: أصحهما: أنها كجناية البائع على المبيع قبل القبض؛ لأن أخذ المبيع من يد كلٍّ منهما مستحقٌّ، وعلى هذا: فهل هو كآفة، أو كجناية أجنبي؟ فيه وجهان، أشار إليهما في "الكتاب"، والطريق الثاني: القطع بأنه كجناية الأجنبي.
(ولو تلف أحدُ العبدين ثم أفلس) وحجر عليه (. . أخذ الباقيَ، وضارب بحصة التالف) لأنه ثبت له الرجوعُ في كلٍّ منهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 176
وَلَوْ كَانَ قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ. . رَجَعَ فِي الْجَدِيدِ، فَإِنْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمَا وَقَبَضَ نِصْفَ الثَّمَنِ. . أَخَذَ الْبَاقِي بِبَاقِي الثَّمَنِ، وَفِي قَوْلٍ: يَأْخُذُ نِصْفَهُ بِنِصْفِ بَاقِي الثَّمَنِ وَيُضَارِبُ بِنِصْفِهِ. وَلَوْ زَادَ الْمَبِيعُ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً؛ كَسِمَنٍ وَصَنْعَةٍ. . فَازَ الْبَائِعُ بِهَا، وَالْمُنْفَصِلَةُ -كَالثَّمَرَةِ وَالْوَلَدِ- لِلْمُشْتَري، وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ فِي الأَصْلِ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا وَبَذَلَ الْبَائِعُ قِيمَته. . أَخَذَ مَعَ أُمِّهِ،
(ولو كان قبض بعض الثمن.
. رجع في الجديد) 31 لأن الإفلاس سببٌ يعود به كلُّ المبيع إليه، فجاز أن يعود به بعضه؛ كالفرقة في النكاح قبل الدخول يعود بها جميعُ الصداق إلى الزوج تارةً، وبعضه أخرى، والقديم: لا يرجع، بل يضارب بباقي الثمن؛ لحديث مرسل فيه 32.
(فإن تساوت قيمتُهما وقبض نصفَ الثمن.
. أخذ الباقي بباقي الثمن) ويكون ما قبضه في مقابلة التالف؛ كما لو رهن عبدين بمئة وأخذ خمسين وتلف أحد العبدين.
. كان الباقي مرهونًا بما بقي من الدين.
(وفي قول) مُخرَّج (يأخذ نصفه بنصف باقي الثمن، ويضارب بنصفه) أي: بنصف الباقي، وهو الربع؛ لأن الثمن يتوزع على المبيع، وحينئذ فيتوزع كلُّ واحد من المقبوض والباقي على العبدين.
(ولو زاد المبيع زيادةً متصلة؛ كسِمن وصَنعة.
. فاز البائع بها) جريًا على القاعدة في تنزيل الفسخ منزلةَ العقد إلا في الصداق، فإن الزوج إذا طلَّق قبل الدخول.
. لا يرجع في النصف الزائد إلا برضاها؛ لما سيأتي في بابه.
(والمنفصلةُ -كالثمرة والولد- للمشتري، ويرجع البائع في الأصل) لأن الشارع إنما أثبت له الرجوعَ في المبيع، فيقتصر عليه.
(فإن كان الولد صغيرًا وبذل البائع قيمتَه.
. أخذه مع أمه) لأن التفريق ممتنع، ومال المفلس مبيع كلُّه، فأجبنا البائع لما سأله، لاشتماله على المطلوب، وخلوه عن المحذور.
الجزء: 2 - الصفحة: 177
وَإِلَّا. . فَيُبَاعَانِ وَتُصْرَفُ إِلَيْهِ حِصَّةُ الأُمِّ، وَقِيلَ: لَا رُجُوعَ. وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ الرُّجُوعِ دُونَ الْبَيعْ أَوْ عَكْسَهُ. . فَالأَصَحُّ: تَعَدِّي الرُّجُوعِ إِلَى الْوَلَدِ. وَاسْتِتَارُ الثَّمَرِ بِكِمَامِهِ وَظُهُورُهُ بِالتّأبِيرِ قَرِيبٌ مِنَ اسْتِتَارِ الْجَنِينِ وَانْفِصَالِهِ، وَأَوْلَى بِتَعَدِّي الرُّجُوعِ.
(وإلا) أي: وإن لم يبذل قيمته (. . فيُباعان) لوجود المحذور، وهو التفريق، (وتصرف إليه حصةُ الأم) وما قابل الولد إلى الغرماء، (وقيل: لا رجوع) إذا لم يبذل القيمة، بل يضارب؛ لما فيه من التفريق من حين الرجوع إلى البيع 33.
(ولو كانت حاملًا عند الرجوع دون البيع، أو عكسه.
. فالأصحُّ: تعدي الرجوع إلى الولد) وجه الأصحِّ في الصورة الأولى: أن الحمل لمَّا تبع في البيع.
. تبع في الرجوع، ووجه مقابله: أن البائع إنما يرجع إلى ما كان عند البيع، والحملُ ليس كذلك، وهذا هو الأصحُّ في نظائر المسألة من الردِّ بالعيب، والرهن، ورجوع الوالد في الهبة، قال الإسنوي، والأَذْرَعي هنا: والصواب: التسوية، وفي "المهمات" في (الرد بالعيب): وينبغي أن تكون الفتوى على انتقال الحمل مع الأم؛ لنقل الرافعي إياه في (التفليس) عن الأكثرين 34.
وأما الصورة الثانية: فالخلاف فيها مُفرَّع على أن الحمل يعلم فكأنه باعه عينين، أو لا يعلم فلا يرجع فيه، ولمَّا كان الأصحُّ العلمَ.
. كان الأصحُّ الرجوعَ، ولو كانت حاملًا عندهما.
. رجع فيها حاملًا مطلقًا، ولو حدث بينهما وانفصل.
. فقد مرَّ أنه للمشتري، وبهذا يكمل للمسألة أربعة أحوال.
(واستتار الثمر بكِمامه، وظهورُه بالتأبير قريبٌ من استتار الجنين وانفصاله) فتجيء الأحوال الأربعة المارة، والحكم فيها ما تقدم.
(وأولى بتعدي الرجوع) تبع في هذه العبارة "المحرر" 35، وهي منتقدة؛ فإنها إذا كانت غيرَ مؤبرة عند البيع مؤبرةً عند الرجوع.
. فهي أولى بتعدي الرجوع، أما إذا كانت غير مؤبرة عند الرجوع، ولم تكن موجودة عند البيع.
. فأولى بعدم تعدي
الجزء: 2 - الصفحة: 178
وَلَوْ غَرَسَ الأَرْضَ أَوْ بَنَى؛ فَإِنِ اتّفَقَ الْغُرَمَاءُ وَالْمُفْلِسُ عَلَى تَفْرِيغِهَا. . فَعَلُوا وَأَخَذَهَا، وَإِنِ امْتَنَعُوا. . لَمْ يُجْبَرُوا، بَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَيَتَمَلَّكَ الْغِرَاسَ وَالْبنَاءَ بِقِيمَتِهِ، وَلَهُ أَنْ يَقْلَعَ وَيَضْمَنَ أَرْشَ نَقْصِهِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا، وَيَبْقَى الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ لِلْمُفْلِسِ. وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ حِنْطَةً فَخَلَطَهَا بِمِثْلِهَا أَوْ دُونِهَا. . فَلَهُ أَخْذُ قَدْرِ الْمَبِيعِ مِنَ الْمَخْلُوطِ،
الرجوع، وعبارة الغزالي في ذلك: وأولى بالاستقلال 36، قال الرافعي: (يشير إلى طريقة القطع في الثمار؛ تارة في الإثبات، وأخرى في النفي كما بيناه 37.
(ولو غرس الأرض أو بنى؛ فإن اتفق الغرماءُ والمفلس على تفريغها.
. فعلوا) لأن الحقَّ لا يعدوهم (وأخذها) يعني: البائع إذا اختار الرجوع في الأرض؛ لأنها عينُ ماله، ولم يتعلق به حقٌّ لغيره، ويجب تسوية الحفر، وغرامة أرش النقص من مال المفلس مقدمًا به.
(وإن امتنعوا.
. لم يجبروا) على القلع، لأنه حين بنى وغرس لم يكن متعديًا، بل وضعه بحقٍّ، فيحترم.
(بل له أن يرجع ويتملكَ الغراس والبناءَ بقيمته، وله أن يقلع ويضمن أرشَ نقصه) 38 لأن مال المفلس مبيع كلُّه، والضرر يندفع بكلِّ واحد من الأمرين، فأجبنا البائع لما طلبه منهما، بخلاف الزرع؛ فإنه يبقى إلى إدراكه؛ لأن له أمدًا ينتظر.
(والأظهر: أنه ليس له أن يرجع فيها، ويبقى الغراسُ والبناء للمفلس) لما فيه من الضرر؛ فإن الغراس بلا أرض، والبناء بلا مقر ولا ممر.
. ناقص القيمة، فلا يزال ضرر البائع بضرر المفلس، والثاني: له ذلك؛ كما لو صبغ الثوب.
. يرجع فيه دون الصبغ، ويكون شريكًا.
والفرق على الأول: أن الصبغ كالصفة التابعة للثوب.
(ولو كان المبيع حنطة فخلطها بمثلها أو دونها.
. فله أخذُ قدر المبيع من المخلوط) بعد الفسخ؛ لأنه في المثل لَمَّا تماثلا وجَوَّز الشارعُ القسمة.
. كان المأخوذ
الجزء: 2 - الصفحة: 179
أَوْ بِأَجْوَدَ. . فَلَا رُجُوعَ فِي الْمَخْلُوطِ فِي الأَظْهَرِ، وَلَوْ طَحَنَهَا أَوْ قَصَرَ الثَّوْبَ، فَإِنْ لَمْ تَزِدِ الْقِيمَةُ. . رَجَعَ وَلَا شَيْءَ لِلْمُفْلِسِ، وَإِنْ زَادَتْ. . فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُبَاعُ وَلِلْمُفْلِسِ مِنْ ثَمَنِهِ بِنِسْبَةِ مَا زَادَ. وَلَوْ صَبَغَهُ بِصَبْغِهِ؛ فَإِنْ زَادَتِ الْقِيمَةُ قَدْرَ قِيمَةِ الصِّبْغِ. . رَجَعَ، وَالْمُفْلِسُ شَرِيكٌ بِالْصِّبْغِ، أَوْ أَقَلَّ. . فَالنَّقْصُ عَلَى الصِّبْغِ،
بمثابة الأول حكمًا، وفي المخلوط بالأدون مسامحة بعيب أحدثه الخلط في المبيع.
(أو بأجود.
. فلا رجوع في المخلوط في الأظهر) بل يضارب بالثمن؛ لتعذر القسمة؛ إذ لا سبيل إلى إعطائه قدر حقِّه من المخلوط؛ لما فيه من إضرار المفلس، ولا إلى إعطائه ما يساوي حقَّه منه؛ لأنه ربا، والثاني: يرجع كالخلط بالمثل.
(ولو طحنها أو قصر الثوبَ، فإن لم تزد القيمةُ.
. رجع، ولا شيء للمفلس) لأنه مبيع موجود من غير زيادة، وإن نقصت.
. فليس للبائع غيره.
(وإن زادت.
. فالأظهر: أنه يباع، وللمفلس من ثمنه بنسبة ما زاد) لأنها زيادة حصلت بفعل محترم متقوم، فوجب ألا يضيع عليه، بخلاف الغاصب.
مثاله: قيمة الثوب خمسة، فبلغ بالقصارة ستة.
. فللمفلس سدس الثمن، ولو أراد البائع أخذ الثوب ودفع حصة الزيادة.
. مكن على الأصح في "زيادة الروضة" 39.
والقول الثاني: إن البائع يفوز بالزيادة؛ لأنها أثر؛ كسمن الدابة بالعلف، وكبر الشجرة بالسقي والتعهد.
(ولو صبغه) المفلس (بصَبْغه؛ فإن زادت القيمة) بسبب الصبغ (قدر قيمة الصِّبغ.
. رجع، والمفلس شريك بالصبغ) لأن المبيع هو الثوب خاصة.
مثاله: قيمة الثوب أربعة، والصبغ درهمان، فصار بعد الرجوع يساوي ستة.
. فيكون المفلس شريكًا بدرهمين، وفي كيفية الشركة وجهان بلا ترجيح: أحدهما: كلُّ الثوب للبائع، وكلُّ الصبغ للمفلس؛ كما لو غرس الأرض، والثاني: أنهما يشتركان فيهما جميعًا؛ لتعذر التمييز؛ كما في خلط الزيت.
(أو أقل) وسعر الثوب بحاله (. . فالنقص على الصِّبغ) لأن أجزاءه تتفرق
الجزء: 2 - الصفحة: 180
أَوْ أَكْثَرَ. . فَالأَصَحُّ: أَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمُفْلِسِ. وَلَوِ اشْتَرَى مِنْهُ الصِّبْغَ وَالثَّوْبَ. . رَجَعَ فِيهِمَا إِلَّا أَلَّا تَزِيدَ قِيمَتُهُمَا عَلَى قِيمَةِ الثَّوْب فَيَكُونُ فَاقِدًا لِلصِّبْغِ. وَلَوِ اشْتَرَاهُمَا مِنِ اثنيْنِ؛ فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ مَصْبُوغًا عَلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ. . فَصَاحِبُ الصِّبْغِ فَاقِدٌ، وَإِنْ زَادَتْ بِقَدْرِ قِيمَةِ الصِّبْغِ. . اشْتَرَكَا، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى قِيمَتِهِمَا. . فَالأَصَحُّ: أَنَّ الْمُفْلِسَ شَرِيكٌ لَهُمَا بِالزِّيَادَةِ.
وتنقص، والثوب قائم بحاله، فإذا صار الثوب في المثال المتقدم بعد الصبغ يساوي خمسة.
. فيكون المفلس شريكًا بخمس الثوب، ولو لم يزد الثوب شيئًا أو نقص.
. فلا شيء للمفلس، ولم يذكره المصنف.
(أو أكثر.
. فالأصحُّ: أن الزيادة) كلَّها (للمفلس) بناء على أن الصبغة كالقصارة يسلك بها مسلك الأعيان، ومقابله مبنيٌّ على أنها أثر، وعلى هذا الأصح: أن الزيادة توزع عليهما، فيكون للبائع في مثالنا المارِّ ثلثا الثمن، وللمفلس ثلثُه.
(ولو اشترى منه الصِّبغ والثوبَ.
. رجع فيهما) لأنهما عينُ ماله (إلا ألا تزيد قيمتُهما على قيمة الثوب فيكون فاقدًا للصِّبغ) لاستهلاكه فيضارب بثمنه 40.
(ولو اشتراهما) أي: الصبغ والثوب (من اثنين، فإن لم تزد قيمتُه مصبوغًا على قيمة الثوب.
. فصاحب الصِّبغ فاقد) له فيضارب بثمنه.
(وإن زادت بقدر قيمة الصِّبغ.
. اشتركا) وفي كيفية الشركة ما مرَّ، (وإن زادت على قيمتهما.
. فالأصحُّ: أن المفلس شريك لهما بالزيادة) بناء على أنها عين، ومقابله: بناء على أنها أثر.
الجزء: 2 - الصفحة: 181
بابُ الحَجْر مِنْهُ: حَجْرُ الْمُفْلِسِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَالرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَالْمَرِيضِ لِلْوَرَثَةِ، وَالْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَالْمُرْتَدِّ لِلْمُسْلِمِينَ. وَلَهَا أَبْوَابٌ. وَمَقْصُودُ الْبَابِ: حَجْرُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُبَذِّرِ،
﴿باب الحجر﴾
هو في اللغة: المنع، وفي الشرع: المنع من التصرف في المال.
(منه حجر المفلس لحقِّ الغرماء) كما سبق بيانه، (والراهنِ للمرتهن) في العين المرهونة.
(والمريضِ للورثة) في ثلثي التركة إن لم يكن عليه دين، وفي جميعها إن كان عليه دين مستغرق، كذا في "العجالة" 41، وتبعه الأَذْرَعي والزركشي، لكن ذكرا في (الوصايا) عند ذكر ما يعتبر من الثلث: أن المريض لو وفى دينَ بعض الغرماء.
. فلا يزاحمه غيره إن وفى المال لجميع الديون، وكذا إن لم يف على المشهور.
(والعبدِ لسيده، والمرتدِّ للمسلمين، ولها أبواب) تقدم بعضها، وبعضها يأتي.
وقوله: (منه: كذا) فيه إشارة إلى عدم الحصر، وهو كذلك؛ فإنه نحو ثلاثين نوعًا.
(ومقصود الباب: حجر الصبي، والمجنون، والمبذِّر).
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ الآية، وقد فسر الشافعي (السفيه) بالمبذر، و (الضعيف) بالصبي وبالكبير المختل، و (الذي لا يستطيع) بالمغلوب على عقله.
قال المتولي: ومن له أدنى تمييز، ولم يكمل عقله.
. فهو كالصبي المميز، كذا نقله الشيخان، وأقراه 42.
الجزء: 2 - الصفحة: 182
فَبالْجُنُونِ تنسَلِبُ الْوِلَايَاتُ وَاعْتِبَارُ الأَقْوَالِ، وَيَرْتَفِعُ بِالإِفَاقَةِ. وَحَجْرُ الصَّبِيِّ يَرْتَفِعُ بِبُلُوغِهِ رَشِيدًا. وَالْبُلوغُ: بِاسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ. وَوَقْتُ إِمْكَانِهِ: اسْتِكْمَالُ تِسْعِ سِنِينَ،
واعترض: بأنه إن زال عقله.
. فمجنون، وإلا.
. فهو مكلف، وتصرفاته صحيحة، فإن بذر.
. فسفيه.
(فبالجنون تنسلب الولاياتُ) الثابتة بالشرع؛ كولاية النكاح، أو بالتفويض كالإيصاء والقضاء، لأنه إذا لم يل أمرَ نفسه.
. فغيره أولى.
(واعتبارُ الأقوال) له وعليه، لعدم قصده، وأما أفعاله: فمنها: ما هو معتبر؛ كإحباله، وإتلافه مال الغير.
نعم؛ لو أحرم ثم جنَّ فقتل صيدًا.
. فالأظهر في "الروضة" في بابه: عدم وجوب الجزاء 43، ومنها: ما هو غير معتبر؛ كالصدقة.
(ويرتفع) حجر المجنون (بالإفاقة) بمجردها من غير فك.
(وحجر الصبي يرتفع ببلوغه رشيدًا)؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية.
(والبلوغ: باستكمال خمس عشرة سنة) قمرية، كما صرح به في "المحرر" 44 تحديدًا، لحديث ابن عمر: (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني ولم يرني قد بلغت، وعرضت عليه من قابل يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ورآني بلغت) رواه ابن حبان كذلك، وأصله في "الصحيحين" 45.
(أو خروج المني) لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾، وقوله عليه السلام: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ" 46.
(ووقت إمكانه: استكمال تسع سنين) في الذكور والإناث؛ للاستقراء.
الجزء: 2 - الصفحة: 183
وَنَبَاتُ الْعَانَةِ يَقْتَضي الْحُكْمَ بِبُلُوغِ وَلَدِ الْكَافِرِ، لَا الْمُسْلِمِ فِي الأَصَحِّ، وَتَزِيدُ الْمَرْأَةُ حَيْضًا وَحَبَلًا.
(ونبات العانة) الخشن (يقتضي الحكمَ ببلوغ ولد الكافر) لحديث عطية القرظي قال: (كنت في بني قريظة فكانوا ينظرون؛ من أَنبت الشعر.
. قتل، ومن لم يُنبت.
. لم يقتل، فكنت فيمن لم يُنبت فجعلوني في السبي)، قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين 47.
وخرج بـ (العانة): شعر الإبط والشارب واللحية فلا يدل، وهو الأصحُّ في "الشرح الصغير" في الإبط، ويؤخذ منه الترجيح في الشارب واللحية من باب أولى؛ فإن البغوي ألحق الإبط بالعانة دون اللحية والشارب 48، ولا ترجيح في "الروضة" و"أصلها" 49.
وأشار بقوله: (يقتضي الحكم) إلى أنه أمارة على البلوغ لا أنه بلوغ حقيقة، وهو الأظهر في "أصل الروضة" 50.
ووقت إمكان نبات العانة: وقت الاحتلام، ذكره الرافعي، وأسقطه من "الروضة" 51.
(لا المسلمِ في الأصحِّ) لأنه ربما استعجل الإنبات بالمعالجة؛ تشوقًا للولايات، ودفعًا للحجر، بخلاف الكافر؛ لأنه يفضي به إلى القتل، أو الحرية، والثاني: نعم؛ لأن المسلم قد يشكل علينا أمره فيحتاج إلى الأخذ به.
(وتزيد المرأة حيضًا) بالإجماع (وحَبَلًا) لأنه مسبوق بالإنزال؛ لأن الولد يخلق من الماءين، فإذا وضعت المرأة.
. حكمنا بحصول البلوغ قبل الوضع بستة أشهر ولحظة.
الجزء: 2 - الصفحة: 184
وَالرُّشْدُ: صَلَاحُ الدِّينِ وَالْمَالِ، فَلَا يَفْعَلُ مُحَرَّمًا يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ، وَلَا يُبَذِّرُ بِأَنْ يُضَيِّعَ الْمَالَ بِاحْتِمَالِ غبْنٍ فَاحِش فِي الْمُعَامَلَةِ أَوْ رَمْيِهِ فِي بَحْرٍ أَوْ إِنْفَاقِهِ فِي مُحَرَّمٍ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ صَرْفَهُ فِي الصَّدَقَةِ وَوُجُوهِ الْخَيْرِ وَالْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِحَالِهِ لَيْسَ بِتَبْذِيرٍ. وَيُخْتبَرُ رُشْدُ الصَّبِيِّ.
وأشار بقوله: (وتزيد) إلى أن ما تقدم عام في الذكور والإناث.
(والرشد: صلاح الدِّين والمال) كذا فسر به ابن عباس وغيره قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ 52 (فلا يفعل مُحرَّمًا يُبطل العدالة) هذا تفسير صلاح الدين، والمبطل للعدالة: هو فعل الكبيرة، أو الإصرار على الصغيرة.
واحترز بالمحرم: عما يمنع قبول الشهادة؛ لإخلاله بالمروءة؛ كالأكل في السوق.
(ولا يُبذِّر بأن يضيع المال باحتمال غَبْنٍ فاحش في المعاملة) لأن ذلك يدل على قلة العقل، هذا إذا لم يُرد المحاباةَ، فإن أراد المحاباةَ والإحسان.
. فلا، فإن كان الغبن يسيرًا.
. لم يقدح، وستعرف الفاحشَ وغيره في (الوكالة).
(أو رميِه في بحر) لدلالته على قلة عقله ودينه، (أو إنفاقه في مُحرَّم) ولو في صغيرة؛ لما فيه من قلة الدين.
ولو قال: (أو ضياعه) بدل (إنفاقه).
. لكان أولى؛ إذ يقال فيما أخرج في الطاعة: أنفق، وفي المكروه والمعصية: ضيع، وغرم، وخسر.
(والأصحُّ: أن صرفه في الصدقة، ووجوه الخير، والمطاعم، والملابس التي لا تليق بحاله.
. ليس بتبذير) أما في الأولى.
. فلأن له فيه غرضًا، وهو الثواب، ووجه مقابله: أنه يوقع في الاحتياج، وأما في الثانية.
. فلأن المال يتخذ لينتفع به ويلتذ، ووجه مقابله: أن أهل العرف يَنفُون الرشد عنه.
وذكره وجوه الخير بعد الصدقة من ذكر العام بعد الخاص.
(ويُختبر رشدُ الصبي) في الدين والمال؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ أي:
الجزء: 2 - الصفحة: 185
وَيَخْتَلِفُ بالْمَرَاتِبِ؛ فَيُخْتبَرُ وَلَدُ التَّاجِرِ: بِالْبَيع وَالشِّرَاءِ وَالْمُمَاكَسَةِ فِيهِمَا. وَوَلَدُ الزَّرَّاعِ: بِالَزِّرَاعَةِ وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْقُوَّامِ بِهَا. وَالْمُحْتَرِفُ: بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحِرْفَتِهِ. وَالْمَرْأَةُ: بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَزْلِ وَالْقُطْنِ، وَصَوْنِ الأَطْعِمَةِ عَنِ الْهِرَّةِ وَنَحْوِهَا
اختبروهم، قال في "الكفاية": ويظهر الاختبار في الدين بمشاهدة حاله في العبادات، وتجنب المحظورات وتوقي الشبهات، ومخالطة أهل الخير، فإن ظهر قيامُه بالواجبات، واجتنابُه للمنهيات.
. فرشيد، وإلا.
. فلا 53.
(ويختلف) اختبار المال (بالمراتب، فيختبر ولد التاجر: بالبيع والشراء والمماكسة فيهما) أي: النقصان عما طلبه البائع، والزيادة على ما يبذله المشتري، وعبارته كـ "الشرحين"، و"الروضة" تقتضي صحَة البيع والشراء منه 54، والأصح: خلافه كما سيأتي.
(وولد الزَّرَّاع: بالزراعة والنفقةِ على القُوَّام بها) 55 أي: إعطائهم الأجرة.
(والمحترف: بما يتعلق بحرفته) أي: صنعته.
واختبار ولد الأمير ونحوه: أن يعطى شيئًا من ماله لينفقه في مدة شهر في خبز ولحم وماء ونحوه، كذا قاله في "الكفاية"، ثم نقل عن الماوردي: أنه يدفع إليه نفقة يوم، ثم نفقة أسبوع، ثم نفقة شهر 56.
(والمرأة: بما يتعلق بالغزل والقطن) في بيتها إن كانت مُخدَّرة، وإن كانت بَرْزَة.
. ففي بيع الغزل، وشراء القطن.
(وصونِ الأطعمة عن الهرة ونحوها) لأن بذلك يتبين الضبط، وحفظ المال، وعدم الانخداع، وذلك قوام الرشد.
وقوله: (ونحوها) أي: إما نحو الهرة؛ كالفأرة، والدجاجة، أو نحو هذه الأمور من مصالح البيت.
الجزء: 2 - الصفحة: 186
ويُشْتَرَطُ تَكَرُّرُ الاخْتِبَارِ مَرَّتينِ أَوْ أَكْثَرَ. وَوَقْتُهُ: قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَقِيلَ: بَعْدَهُ. فَعَلَى الأَوَّلِ: الأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ، بَلْ يُمْتَحَنُ فِي الْمُمَاكَسَةِ، فَإِذَا أَرَادَ الْعَقْدَ. . عَقَدَ الْوَليُّ. فَلَوْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ. . دَامَ الْحَجْرُ. وَإِنْ بَلَغَ رَشِيدًا. . أنْفَكَّ بِنَفْسِ الْبُلُوغِ وَأُعْطِيَ مَالَهُ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فَكُّ الْقَاضِي، فَلَوْ بَذَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ. . حُجِرَ عَلَيْهِ،
ويختبر الخنثى بما يختبر به الذكر والأنثى جميعًا؛ ليحصل العلمُ بالرشد؛ لأنه إذا اختبر بما يختبر به أحد النوعين.
. جاز أن يكون من الآخر، قاله ابن المسلم.
(ويشترط تكرر الاختبار مرتين أو أكثر) لأنه قد يصيب في المرة الواحدة اتفاقًا، فلا بدَّ من زيادة تُفيد غلبةَ الظنِّ برشده، وقيل: لا بدَّ من تكرره ثلاثًا.
(ووقته) يعني: الاختبار (قبل البلوغ) لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَ﴾ واليتم إنما يقع على غير البالغ، ولأنه لو كان بعده.
. لأدى إلى الحجر على البالغ الرشيد إلى أن يختبر، وهو باطل، (وقيل: بعده) لأن تصرف الصبي غيرُ نافذ.
(فعلى الأول: الأصحُّ: أنه لا يصحُّ عقده، بل يُمتحن في المماكسة، فإذا أراد العقد.
. عقد الوليُّ) لما ذكرناه من بطلان تصرفه، والثاني: يصحُّ؛ للحاجة.
(فلو بلغ غيرَ رشيد) لاختلال صلاح الدين أو المال (. . دام الحجر) لمفهوم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ والإيناس: العلم، وحينئذ، فيتصرف من كان يتصرف قبل البلوغ.
وقوله: (دام الحجر) أي: جنسُه، وإلا.
. فحجر الصبي ينقطع بالبلوغ ويَخلُفه غيرُه.
(وإن بلغ رشيدًا.
. انفك بنفس البلوغ، وأُعطي مالَه) لأنه حجر ثبت بغير حاكم، فلم يتوقف زوالُه على إزالة الحاكم، كحجر الجنون.
(وقيل: يشترط فكُّ القاضي) لأن الرشد يحتاج إلى نظر واجتهاد، فأشبه حجرَ السفه الطارئ، وقائله لا يُعيِّن القاضيَ، بل هو أو الأب أو الجد، وفي الوصي والقيم وجهان، والخلاف جار أيضًا فيما إذا بلغ غيرَ رشيد ثم رشد.
(فلو بذَّر بعد ذلك.
. حجر عليه) أي: أعيد الحجر عليه؛ لقوله تعالى: {وَلَا
الجزء: 2 - الصفحة: 187
وَقِيلَ: يَعُودُ الْحَجْرُ بِلَا إِعَادَةٍ، وَلَوْ فَسَقَ. . لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ طَرَأَ. . فَوَليُّهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ. وَلَوْ طَرَأَ جُنُونٌ. . فَوَليُّهُ وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ، وَقِيلَ: الْقَاضِي. وَلَا يَصحُّ مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ بَيع وَلَا شِرَاءٌ وَلَا إِعْتَاقٌ وَهِبَةٌ
تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} والمراد: أموالهم؛ لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ والذي يعيده هو القاضي فقط على الأصحِّ، (وقيل: يعود الحجر بلا إعادة) كالجنون.
(ولو فسق.
. لم يُحجر عليه في الأصحِّ) لأن الأولِين لم يَحجروا على الفسقة، بخلاف الاستدامة؛ فإن الحجر كان ثابتًا، والثاني: نعم؛ كما لو عاد التبذير.
وفرق الأول: بأن بالتبذير يتحقق تضييع المال، بخلاف الفسق؛ فإنه ربما لا ينفق المال إلا فيما يسوغ وإن كان فاسقًا.
(ومن حُجر عليه لسفه طرأ.
. فوليه القاضي) لأن ولاية الأب ونحوه قد زالت، فينظر مَنْ له النظر العام، (وقيل: وليه في الصغر) كمن بلغ سفيهًا.
ومحل الخلاف: ما إذا قلنا: يعود الحجر بنفسه، وإلا.
. لم ينظر إلا القاضي قطعًا.
(ولو طرأ جنون.
. فوليه وليه في الصغر، وقيل: القاضي) تعليلهما ما سلف قبله، والفرق على الأصحِّ: أن السفه وزوالَه يُجتهد فيه، فاحتاج إلى نظر الحاكم، بخلاف الجنون.
(ولا يصحُّ من المحجور عليه لسفه بيع ولا شراءٌ) لمكان الحجر، (ولا إعتاق) ولو بكتابة؛ لما قلناه، هذا في حال الحياة، أما بعد الموت؛ كالتدبير، والوصية.
. فالمذهب: الصحة.
(وهبة) أي: أن يهب شيئًا، أما قبوله للهبة.
. ففيه وجهان، قضية كلام الرافعي: تصحيح البطلان، لكن الأصحَّ في "زيادة الروضة": الصحة 57.
الجزء: 2 - الصفحة: 188
وَنِكَاحٌ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ، فَلَوِ اشْتَرَى أَوِ اقْتَرَضَ وَقَبَضَ وَتَلِفَ الْمَأْخُوذُ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ. . فَلَا ضَمَانَ فِي الْحَالِ، وَلَا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ، سَوَاءٌ عَلِمَ حَالَهُ مَنْ عَامَلَهُ أَوْ جَهِلَ. وَيَصِحُّ بِإِذْنِ الْوَليِّ نِكَاحُهُ، لَا التَّصَرُّفُ الْمَالِيُّ فِي الأَصَحِّ
(ونكاح) يقبله لنفسه، أما لغيره.
. فالأصحُّ: جواز توكيله في القبول دون الإيجاب، (بغير إذن وليه) لأن النكاح مظنة إتلاف المال (فلو اشترى أو اقترض، وقبض، وتلف المأخوذ في يده أو أتلفه.
. فلا ضمان في الحال، ولا بعد فكِّ الحجر، سواء علم حالَه مَنْ عامله أو جهل) لأن البائع سلطه على إتلافه بإقباضه إياه، وكان من حقه أن يبحث عنه قبل معاملته.
هذا إذا أقبضه البائع الرشيد، فإن قبضه السفيه بغير إذن البائع، أو أقبضه البائع، وهو محجور عليه.
. فإنه يضمنه بالقبض مطلقًا، كما نقله في "زيادة الروضة" عن الأصحاب 58.
(ويصحُّ بإذن الولي نكاحُه) هذه المسألة قد أعادها المصنف في (باب النكاح) بشروطها، وسيأتي الكلام عليها هناك إن شاء الله تعالى.
(لا التصرف المالي في الأصحِّ) كما لو أذن للصبي، وهذا ما نقله في "زيادة الروضة" عن الأكثرين، والثاني: يصحُّ؛ كالنكاح، وقال الإمام: إنه المذهب، والأول غير معدود منه، وصححه في "الكفاية" 59، ولا تصريح في "الشرحين" بترجيح.
والفرق على الأول: أن المقصود بالحجر عليه حفظُ المال دون النكاح.
ومحل الوجهين: إذا عين له الولي قدرَ الثمن، وإلا.
. بطل جزمًا، وألحق في "المطلب" تعيين البيع بتقدير الثمن، ويتقدر بثمن المثل.
وقضية كلام المصنف: طرد الخلاف في الهبة والعتق والكتابة، ولا خلاف في بطلانها مع الإذن.
وأجيب: بأنه إذا وكل فيها.
. يجري الخلاف، وذاك كاف في تصحيح كلامه؛
الجزء: 2 - الصفحة: 189
وَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِدَيْنٍ قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ -وَكَذَا بِإِتْلَافِ الْمَالِ فِي الأَظْهَرِ- وَيَصِحُّ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ، وَطَلَاقُهُ وَخُلْعُهُ وَظِهَارُهُ وَنَفْيُهُ النَّسَبَ بِلِعَانٍ.
لأنه لم يفرض الكلام في مال السفيه.
ورُدَّ: بأنه شرط في جريان الخلاف وجودَ الإذن من الولي، والخلاف في مال غيره لا يتوقف عليه.
ويستثنى من إطلاق منع تصرفه في المال صور: منها: ما لو وجب عليه قصاص.
. فصالح بغير إذن وليه على الدية، أو أكثر.
. صحَّ، وليس للولي منعه، ومنها: ما لو وجب له قصاص.
. فإن له العفو على مال، وكذا مجانًا على المذهب؛ كما ذكره في "الكتاب" قبيل (كتاب الديات) 60، ومنها: ما لو ثبت له دين فقبضه بإذن وليه.
. فإن الأرجح عند الحناطي: الاعتداد به، كذا حكياه في أوائل الباب الثاني: من أبواب (الخلع)، وأقرّاه 61.
(ولا يصحُّ إقراره بدين) أي: بدين معاملةٍ أُسند وجوبُه إلى ما (قبل الحجر أو) إلى ما (بعده) كالصبي، (وكذا بإتلاف المال في الأظهر) كدين المعاملة، والثاني: أنه يقبل؛ لأنه إذا باشر الإتلاف.
. يضمن، فإذا أقربه.
. يقبل.
وأفهم تعبيره بعدم الصحة: أنه لا يطالب به بعد فكِّ الحجر، ومحله: في الظاهر، أما فيما بينه وبين الله تعالى.
. فيجب عليه بعد فكِّ الحجر أداؤه إذا كان صادقًا قطعًا؛ كما قاله في "المطلب" في أوائل (الإقرار).
(ويصحُّ بالحدِّ والقصاص) لأنه لا تعلق لهما بالمال، ولبعد التُّهَمة، ولو عفا مستحق القصاص على مال.
. ثبت على الصحيح.
(و) يصحُّ (طلاقُه، وخلعه، وظهاره) وإيلاؤه، (ونفيُه النسب بلعان) لأن هذه الأمور ما عدا الخلع لا تعلق لها بالمال، والحجر إنما كان لأجله، وأما الخلع.
. فلأنه إذا صحَّ طلاقه مجانًا.
. فبعوض أولى، إلا أنه لا يسلم إليه المال،
الجزء: 2 - الصفحة: 190
وَحُكْمُهُ فِي الْعِبَادَةِ كَالرَّشِيدِ، لكِنْ لَا يُفَرِّقُ الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ، وَإِذَا أَحْرَمَ بِحَجِّ فَرْضٍ. . أَعْطَى الْوَليُّ كِفَايَته لِثِقَةٍ يُنفِقُ عَلَيْهِ فِي طَرِيقِهِ. وَإِنْ أَحْرَمَ بتَطَوُّعٍ وَزَادَتْ مُؤْنَةُ سَفَرِهِ عَلَى نَفَقَتِهِ الْمَعْهُودَةِ. . فَلِلْوَليِّ مَنْعُهُ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَمُحْصَبر فَيَتَحَلَّلُ. قُلْتُ: وَيَتَحَلَّلُ بِالصَّوْمِ إِنْ قُلْنَا: لِدَمِ الإِحْصَارِ بَدَلٌ، لِأنَّهُ مَمْنُوعٌ
وهو خاصٌّ بالرجل، وقد صرح به المصنف في بابه 62.
(وحكمُه في العبادة كالرشيد) لاجتماع الشرائط فيه.
نعم؛ تستثنى العبادة المالية غير الواجبة؛ كصدقة التطوع، فليس هو فيها كالرشيد.
(لكن لا يُفرِّق الزكاةَ بنفسه) لأنه تصرف مالي.
وقوله: (بنفسه) قد يقتضي: أنه إذا أذن له الولي.
. جاز، وهو ظاهر، لأنه قد صرح القاضي والبغوي في "فتاويه" والروياني، وغيرهم في (كتاب الزكاة) بجواز توكيل الأجنبي له فيها، فإذا جاز ذلك في مال الأجنبي.
. ففي مال نفسه أولى.
(وإذا أحرم بحجِّ فرض) أو بعمرته، أو أخرهما إلى الميقات (. . أعطى الوليُّ كفايته لثقةٍ يُنفق عليه في طريقه) ولو بأجرة؛ خوفًا من تفريطه فيه.
ويَرِد على مفهومه: ما لو أحرم بتطوع، ثم حجر عليه قبل إتمامه.
. فإن حكمه كحكم الفرض، كما ذكره الرافعي في أوائل (الحج) 63.
وقوله: (لثقة) صوابه: حذف اللام؛ لأن (أعطى) يتعدى لاثنين بنفسه.
(وإن أحرم بتطوع وزادت مؤنةُ سفره على نفقته المعهودة.
. فللولي منعه) صيانة لماله.
(والمذهب: أنه كمحصر فيتحلل) لأنه ممنوع، وقيل: وجهان، أحدهما: هذا، والثاني: لا يتحلل إلا بلقاء البيت؛ كمن فقد الزاد والراحلة؛ لاشتراكهما في امتناع الذهاب للعجز.
(قلت: ويتحلل بالصوم إن قلنا: لدم الإحصار بدلٌ) كما هو الأصح (لأنه ممنوع
الجزء: 2 - الصفحة: 191
مِنَ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ كَسْبٌ قَدْرَ زِيَادَةِ الْمُؤْنَةِ.
. لَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ [فيمن يلي الصبي مع بيان كيفية تصرفه في ماله]
وَلِيُّ الصَّبِيِّ: أَبُوهُ، ثُمَّ جَدُّهُ، ثُمَّ وَصِيُّهُمَا، ثُمَّ الْقَاضِي. وَلَا تَلِي الأُمُّ فِي الأَصَحِّ.
من المال) فإن قلنا: لا بدل له بل يبقى في ذمة المحصر.
. قال في "المطلب": فيظهر أن يبقى في ذمة السفيه أيضًا.
(ولو كان له في طريقه كسب قَدْرَ زيادة المؤنة.
. لم يجز منعه، والله أعلم) لأن الإتمام بدون التعرض للمال ممكن، قال في "المطلب": وفيه نظر إذا كان عمله مقصودًا بالأجرة بحيث لا يجوز له التبرع به، قال الأَذْرَعي: وفي النظر نظر؛ لأنه وإن كان كذلك.
. لا يعدُّ مالًا حاصلًا، ولايلزمه تحصيله مع غناه، بخلاف المال الموجود في يد الولي، قال الشيخ شرف الدين الغزي: وما ذكراه عجيب؛ فإن المسألة مفروضة فيما إذا كان الكسب في طرِيقه فقط؛ كما هو ظاهر عبارتهم.
(فصل: ولي الصبي: أبوه) بالإجماع، ولو عبر بالصغير.
. لكان أولى، (ثم جده) أبو أبيه، وإن علا؛ كولاية النكاح، ويشترط فيهما: ظهور العدالة، وفي ثبوتها وجهان، قال في "زيادة الروضة": (وينبغي الاكتفاء بالعدالة الظاهرة).
انتهى 64، وفي "المذاكرة"، و"المعين": أنه لا بدَّ من ثبوتها عند الحاكم، (ثم وصيهما) أي: وصي من تأخر موته منهما؛ لأنه يقوم مقامه، (ثم القاضي) لأنه ولي من لا ولي له.
(ولا تلي الأمُّ في الأصحِّ) كولاية النكاح، والثاني: أنها تلي بعد الأب والجد، وتقدم على وصيهما؛ لكمال شفقتها.
وحكم المجنون ومن بلغ سفيهًا: حكمُ الصبي في ترتيب الأولياء.
الجزء: 2 - الصفحة: 192
وَيَتَصَرَّفُ الْوَليُّ بِالْمَصْلَحَةِ، وَيَبْنِي دُورَهُ بِالطِّينِ وَالآجُرِّ لَا اللَّبِنِ وَالْجِصِّ،
(ويتصرف الولي بالمصلحة) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
وقضية كلامه كباقي كتبهما: أن التصرف الذي لا خير فيه ولا شرَّ ممنوعٌ منه، وبه صرح الجويني، والماوردي 65.
(ويبني دُورَه بالطين والآجرِّ) لأن الآجرَّ -وهو الطُّوبُ المشوي- يبقى، والطين قليل المؤنة، وينتفع به بعد النقض.
(لا اللَّبنِ والجِصِّ) وهو الجبس؛ لأن اللَّبِن قليل البقاء، وينكسر عند النقض، والجصّ كثير المؤنة، ولا تبقى منفعتُه عند النقض، بل يلصق بالطوب فيفسده.
وقوله: (والجصّ) كذا عبرا به في "المحرر" و"الشرح الصغير" و"الروضة".
وفي "الكبير": (أو الجصّ) بـ (أو) لا بـ (الواو) 66.
وهو أحسن، فإنه يدلُّ على الامتناع في اللبن، سواء أكان مع الطين أم الجصِّ، وعلى الامتناع في الجصِّ سواء أكان مع اللبن أم الآجرِّ، وهو كذلك، والتعبير بالواو لا يفيد إلا منع الاجتماع.
ولو اقتصر على قوله: (بالطين والآجر).
. لفهم المنع فيما عداهما.
واشترط ابن الصباغ في بناء العقار ألا يجد الولي عقارًا يُباع، وأن يساوي بعد بنائه قدرَ ما انصرف عليه، وجرى عليه في "البيان" 67، وهو في غاية الندور، فهو في التحقيق منع للبناء.
وقال بعض فقهاء اليمن: إنما يبنيه إذا لم يكن الشراء أحظَّ، قال ابن الملقن: (وهو فقه ظاهر) 68.
الجزء: 2 - الصفحة: 193
وَلَا يَبِيعُ عَقَارَهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَلَهُ بَيْعُ مَالِهِ بِعَرْضٍ وَنَسِيئَةً لِلْمَصْلَحَةِ، وَإِذَا بَاعَ نَسِيئَةً. . أَشْهَدَ وَارْتَهَنَ بِهِ،
(ولا يبيع عقاره إلا لحاجة أو غِبطة ظاهرة) لأن العقار أنفع وأسلم مما عداه، فمن الحاجة: أن يخاف عليه الخراب، أو يحتاج إلى عمارته، أو إلى النفقة ولم يجد من يقرضه، أو لم ير المصلحةَ في الاقتراض.
قال في "البحر": ومنها: ما لو كان اليتيم في بلد وعقاره في أخرى، ويحتاج إلى مؤنة في توجيه من يجمع الغلة.
. فيبيعه ويشتري في بلد اليتيم، أو يبني فيه مثله 69.
والغبطة: أن يكون ثقيل الخراج، أو يرغب فيه راغبٌ بزيادة على مثله، وهو يجد مثلَه ببعضه.
وسئل القفال عن ضيعة خراب لليتيم تستأصل مالَه في خرأجها، فقال: يجوز لوليه بيعها بثمن تافه ولو بدرهم، لأنه المصلحة.
قال البَنْدَنيجي: وحكم الأواني المعدة للقنية حكم العقار.
وقال الشيخ نجم الدين البالسي في "شرح التنبيه": ينبغي أن يجوز بيع مال التجارة من غير تقييد بشيء من ذلك، بل لو رأى البيع بأقلَّ من رأس المال ليشتري بالثمن ما هو مظنة الربح.
. جاز.
وتقييده الغبطة بكونها ظاهرة من زيادات "المنهاج" على بقية كتبهما.
قال الإمام: وضابط تلك الزيادة ألا يستهين بها العقلاء بالنسبة إلى شرف العقار 70.
(وله بيع ماله بعرض ونسيئةً للمصلحة) بأن يكون في العرض ربح، وفي الثاني زيادة، أو خوف عليه من نهب أو إغارة.
(وإذا باع نسيئةً.
. أشهد) على البيع (وارتهن به) أي: بالثمن رهنًا وافيًا به؛ احتياطًا للمحجور عليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 194
وَيَأْخُذُ لَهُ بِالشُّفْعَةِ أَوْ يَتْرُكُ بحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَيُزَكِّي مَالَهُ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ. فَإِنِ ادَّعَى بَعْدَ بُلُوغِهِ عَلَى الأَبِ وَالْجَدِّ بَيْعًا بِلَا مَصْلَحَةٍ. . صُدِّقَا بِالْيَمِينِ. وَإِنِ ادَّعَاهُ عَلَى الْوَصِيِّ وَالأَمِينِ. . صُدِّقَ هُوَ بِيَمِينِهِ.
ويستثنى من الاحتياج إلى الرهن بيع الأب والجد مالَ ولده من نفسه نسيئةً؛ فإنه لا يحتاج إلى الرهن؛ لأنه أمين في حقِّ ولده، كذا قالاه تبعًا للبغوي 71.
وللمسألة شروط آخر، ذكرها في "زيادة الروضة" في (كتاب الرهن) وهي: أن يكون المشتري ثقة موسرًا، والأجل قصيرًا بالنسبة إلى عرف الناس.
وقيل: لا يزيد على سنة، فإن فُقد شرطٌ من هذه.
. بطل البيع 72.
قال في "الكفاية": (وفي اعتبار اليسار مع أخذ رهن يساوي الدين نظر) 73.
(ويأخذ له بالشفعة، أو يترك بحسب المصلحة) لأنه مأمور بفعلها.
فلو استوى الأمران.
. فهل يحرم الأخذ، أو يجب، أو يتخير؟ فيه ثلاثة أوجه في "البحر".
قال الإسنوي: والأول: هو مقتضى كلام الرافعي في آخر الشفعة، والآية تشهد له 74.
ولو قال المحجور عليه: (كان الأحظ في الأخذ)، ونازعه الولي.
. فعلى ما سيأتي في بيع العقار؛ كما نقله في "زيادة الروضة" عن "المهذب" وغيره 75.
(ويزكي مالَه، ويُنفق عليه بالمعروف) لأنه قائم مقامه.
(فإن ادعى بعد بلوغه على الأب والجدِّ بيعًا بلا مصلحة.
. صُدِّقا باليمين، وإن ادعاه على الوصي والأمين.
. صُدِّق هو بيمينه) لأن الأب والجد لا يُتَّهمان؛ لوفور
الجزء: 2 - الصفحة: 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شفقتهما، بخلاف غيرهما، ودعواه على المشتري كهي على الولي.
ولو ادعى على القاضي.
. فالقول قوله إن كان في زمن حكمه، قاله السبكي في "شرح المنهاج".
وتوقف فيما إذا كان معزولًا، ثم اختار بعد ذلك قبول قوله؛ لأنه حين تصرفه كان نائب الشرع، حكاه عنه ولدُه في "التوشيح".
الجزء: 2 - الصفحة: 196
بابُ الصُّلْح هُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: صُلْحٌ عَلَى إِقْرَارٍ، فَإِنْ جَرَى عَلَى عَيْنٍ غَيْرِ الْمُدَّعَاةِ. . فَهُوَ بَيع بِلَفْظِ الصُّلْحِ تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ؛ كَالشُّفْعَةِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَمَنعْ تَصَرُّفِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَاشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ إِنِ اتَّفَقَا فِي عِلَّةِ الرِّبَا. أَوْ عَلَى مَنْفَعَةٍ. . فَإِجَارَةٌ تَثْبُتُ أَحْكَامُهَا.
﴿باب الصلح﴾
هو لغة: قطع المنازعة، وشرعًا: العقد الذي تنقطع به خصومة المتخاصمين.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا صلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا" رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان 76.
والصلح الذي يُحلُّ الحرام: أن يصلح على خمر ونحوه، أو من دراهم على أكثر منها، والذي يُحرِّم الحلال: أن يصالح زوجته على ألا يطلقها، ونحو ذلك.
(هو قسمان: أحدهما: يجري بين المتداعيين، وهو نوعان: أحدهما: صلح على إقرار، فإن جرى على عينٍ غيرِ المُدَّعاة.
. فهو بيع بلفظ الصلح تثبت فيه أحكامه؛ كالشفعة، والرد بالعيب، ومنع تصرفه قبل قبضه، واشتراط التقابض إن اتفقا في علة الربا) وغير ذلك من أحكامه؛ لأن حدَّ البيع صادق عليه.
وقوله: (على عين) يفهم أنه لو صالح عن عين بدين موصوف.
. لا يكون بيعًا، وهو كذلك، بل يكون سلمًا؛ كما نقله الإسنوي عن ابن جرير، واعترض به على ما اقتضاه كلام "الروضة" من كونه بيعًا 77.
(أو على منفعة) أي: صالح من العين المدعاة على منفعة دار أو خدمة عبد مدة معلومة (. . فإجارة تثبت أحكامُها) لأن حدَّ الاجارة صادق على ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 197
أَوْ عَلَى بَعْضِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ. . فَهِبَةٌ لِبَعْضهَا لِصاحِبِ الْيَدِ فَتَثْبُتُ أَحْكَامُهَا. وَلَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْبَيع، وَالأَصَحُّ: صحَّتُهُ بِلَفْظِ الصُّلْحِ. وَلَوْ قَالَ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ خُصُومَةٍ: (صَالِحْنِي عَنْ دَارِكَ بِكَذَا). . فَالأَصَحُّ: بُطْلَانُهُ. وَلَوْ صَالَحَ مِنْ دَيْنٍ عَلَى عَيْنٍ. . صَحَّ.
(أو على بعض العين المُدَّعاة.
. فهبة لبعضها لِصَاحب اليد فتثبت أحكامُها) المقررة في بابها من اشتراط القبول وغيره؛ لصدق الحدِّ، وهذا يُسمَّى صلح الحطيطة.
واحترز بـ (المدعاة) عما إذا صالح على بعض عين أخرى.
. فإنه بيع إن ادعى عينًا أو دينًا، وإجارة إن ادعى منفعة.
وقوله: (فهبة) أي: إذا عقد بلفظ الهبة أو التمليك وشبههما، فإن عقد بلفظ البيع أو الصلح.
. فسيأتي.
(ولا يصحُّ بلفظ البيع) لأن العين كلَّها ملك المقر له، فإذا باعها ببعضها.
. فقد باع ملكه بملكه، أو باع الشيء ببعضه، وهو مُحال.
(والأصحُّ: صحتة بلفظ الصلح)؛ لأن الخاصية التي يفتقر لها لفظ الصلح هي سبق الخصومة، وقد حصلت ويكون هبة؛ تنزيلًا لهذا اللفظ في كلِّ موضع على ما يليق به؛ كلفظ التمليك، والتاني: لا يصحُّ؛ لأن الصلح يتضمن المعاوضة، ومُحالٌ أن يقابل الإنسان ملكه ببعضه.
(ولو قال من غير سبق خصومة: "صالحني عن دارك بكذا"، فالأصحُّ: بطلانه) لأن لفظ الصلح يستدعي سبقَ الخصومة، والثاني: يصحُّ؛ نظرًا إلى المعنى، قالا: وكأن الخلاف عند عدم النية، فأما إذا استعملاه ونويا البيع.
. فإنه يكون كناية بلا شك 78، ورده في "المطلب"، وقطع بعدم التخريج؛ لكون اللفظ منافيًا للمعنى، فأشبه ما إذا قال: (وهبتك بعشرة)، ونويا البيع.
. فإنه لا يصحُّ إذا نظرنا إلى اللفظ.
(ولو صالح من دين) يجوز الاعتياض عنه (على عين.
. صحَّ) كما يجوز بيع الدين بالعين.
الجزء: 2 - الصفحة: 198
فَإِنْ تَوَافَقَا فِي عِلَّةِ الرِّبَا. . اشْتُرِطَ قَبْضُ الْعِوَضِ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِلَّا، فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ عَيْنًا. . لَمْ يُشْتَرَطْ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ فِي الأَصَحِّ، أَوْ دَيْنًا. . اشْتُرِطَ تَعْيِينُهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَفِي قَبْضِهِ الْوَجْهَانِ. وَإِنْ صَالَحَ مِنْ دَيْنٍ عَلَى بَعْضهِ. . فَهُوَ إِبْرَاءٌ عَنْ بَاقِيهِ. وَيَصِحُّ بِلَفْظِ الإِبْرَاءِ وَالْحَطِّ وَنَحْوِهِمَا، وَبِلَفْظِ الصُّلْحِ فِي الأَصَحِّ.
وقوله: (على عين) كذا هو في نسخة المصنف تبعًا لـ "المحرر" 79، وصوابه كما في "الشرح" و"الروضة": (على غيره) بالغين المعجمة، وبالهاء في آخره؛ فإنه قسمه بعد هذا إلى عين ودين 80.
(فإن توافقا) أي: الدين المصالح عنه، والعوض المصالح عليه (في علة الربا) كذهب عن فضة (. . اشتُرط قبض العوض في المجلس) فمتى تفرقا قبل قبضه.
. بطل الصلح.
(وإلا) أي: وإن لم يتفقا في علة الربا؛ كالذهب بالحنطة (فإن كان العوض عينًا.
. لم يُشترط قبضُه في المجلس في الأصحِّ، أو دينًا) كصالحتك عن دراهمي عليك بكذا حنطة (. . اشتُرط تعيينه في المجلس، وفي قبضه الوجهان) لما مرَّ في الكلام على الاستبدال عن الثمن.
(وإن صالح من دين على بعضه.
. فهو إبراء عن باقيه) لأنه معناه، وقد علم من كلامه أن الصلح ينقسم إلى معاوضة وحطيطة؛ كالعين.
(ويصحُّ بلفظ الإبراء والحطِّ ونحوهما) كالإسقاط، والوضع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن مالك لما طلب ماله من ابن أبي حَدْرَد: "ضَعِ الشَّطْرَ" متفق عليه من حديثه 81.
(وبلفظ الصلح في الأصحِّ) بأن يقول: (صالحتك عن الألف التي لي عليك على خمس مئة)، وتوجيه الخلاف مرَّ في صلح الحطيطة عن العين، ولا يصحُّ هذا المصنف بلفظ البيع كنظيره من العين.
الجزء: 2 - الصفحة: 199
وَلَوْ صَالَحَ مِنْ حَالٍّ عَلَى مُؤَجَّلٍ مِثْلِهِ أَوْ عَكَسَ. . لَغَا، فَإِنْ عَجَّلَ الْمُؤَجَّلَ. . صَحَّ الأَدَاءُ. وَلَوْ صَالَحَ مِنْ عَشَرَةٍ حَالَّةٍ عَلَى خَمْسَةٍ مُؤَجَّلَةٍ. . بَرِئَ مِنْ خَمْسَةٍ وَبَقِيَتْ خَمْسَةٌ حَالَّةٌ، وَلَوْ عَكَسَ. . لَغَا. النَّوْعُ الثَّانِي: الصُّلْحُ عَلَى الإِنْكَارِ، فَيَبْطُلُ إِنْ جَرَى عَلَى نَفْسِ الْمُدَّعَى،
(ولو صالح من حالٍّ على مؤجلٍ مثله) أي: جنسًا وقدرًا وصفة (أو عكس) أي: صالح من مؤجل على حالٍّ مثله (. . لغا) لأن الأول وعد من رب المال بإلحاق الأجل، والثاني وعد من المديون بإسقاطه، فلا أثر له.
(فإن عجَّل المؤجل.
. صحَّ الأداء) لصدور الإيفاء والاستيفاء من أهلهما، هذا إذا لم يظنَّ صحةَ الصلح، ووجوب التعجيل، فإن ظنه.
. ففيه اضطراب في الترجيح، نبه عليه في "المهمات" في أوائل الباب الثالث من أبواب (البيع) 82.
(ولو صالح من عشرةٍ حالّة على خمسة مؤجلة.
. برئ من خمسة، وبقيت خمسة حالّة) لأنه سامح بحطِّ البعض وبتأجيل الباقي، والحطُّ صحيح، بخلاف التأجيل.
(ولو عكس) أي: صالح من عشرة مؤجلة على خمسة حالّة (. . لغا) لأن صفة الحلول لا يصحُّ إلحاقها والخمسة الأخرى إنما تركها في مقابلة ذلك، فإذا لم يحصل الحلول.
. لا يصحُّ الترك.
(النوع الثاني: الصلح على الإنكار، فيبطل إن جرى على نفس المدَّعى).
اعلم: أن صورة الصلح على الإنكار: أن يدعي عليه دارًا مثلًا فينكر، ثم يتصالحا على ثوب، أو دين مع بقاء الإنكار، ووجه بطلانه: أنه إن كان المدعي كاذبًا.
. فقد استحلَّ من المدعى عليه مالَه، وهو حرام، وإن كان صادقًا.
. فقد حرم عليه مالَه، فدخل في قوله عليه الصلاة والسلام: "إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا" 83.
وسكوت المدعى عليه كإنكاره، كما حكاه في "المطلب" عن سُليم وغيره.
وقوله: (نفس المدَّعى) لا يستقيم فإن (على) و (الباء) يدخلان على المأخوذ، و (من) و (عن) على المتروك، والمصالح عليه هنا المأخوذ لا المتروك،
الجزء: 2 - الصفحة: 200
وكَذَا إِنْ جَرَى عَلَى بَعْضِهِ فِي الأَصَحِّ. وَقَوْلُهُ: (صَالِحْنِي عَنِ الدَّارِ الَّتِي تَدَّعِيهَا) لَيْسَ إِقْرَارًا فِي الأَصَحِّ. الْقِسْمُ الثَّانِي: يَجْرِي بَيْنَ الْمُدَّعِي وَأَجْنَبِيٍّ: فَإِنْ قَالَ: (وَكَّلَنِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الصُّلْحِ وَهُوَ مُقِرٌّ لَكَ). . صَحَّ،
وصوابه: على غير المدَّعى بالغين المعجمة، وكذا هو في "المحرر" و"الشرح" و"الروضة" 84.
وكأن (الراء) تصحفت على المصنف بـ (النون) فعبر عنه بالنفس 85.
(وكذا إن جرى على بعضه في الأصحِّ) قياسًا على غيره، والثاني: يصحُّ؛ لاتفاقهما على أن البعض مستحق للمدعي، ولكنهما مختلفان في جهة الاستحقاق؛ لأن المدعي يزعم استحقاق الكلِّ، وأنه وهب البعض للمدعى عليه، والمدعى عليه يزعم العكس، واختلافهما في الجهة لا يمنع الأخذ.
(وقوله: "صالحني عن الدار التي تدعيها" ليس إقرارًا في الأصحِّ) لأنه قد يريد قطع الخصومة لا غير، والثاني: نعم؛ كما لو قال: (ملكنيها).
فعلى الأول: يكون الصلح بعد هذا الالتماس صلحَ إنكار، ولو قال: (بعْينها).
. فإقرار في الأصحِّ.
(القسم الثاني: يجري بين المدعي وأجنبي: فإن قال: "وكَّلَني المدَّعى عليه في الصلح، وهو مقر لك".
. صحَّ) لأن قول الإنسان في دعوى الوكالة مقبول في جميع المعاملات؛ كما قاله الرافعي 86، ثم إن كان صادقًا في الوكالة.
. صار المدَّعى ملكًا للمدعى عليه، وإلا.
. فهو شِراء فضولي، وقد سبق حكمه في البيع.
وقوله: (وهو مقر) يشمل ما إذا وقع الإقرار في الظاهر، وما إذا أقر عند الأجنبي الذي وكَّله فقط، ولم يظهره؛ خوفًا من أخذ المالك له، وقد صرح بالقسمين في "المحرر" 87.
الجزء: 2 - الصفحة: 201
وَلَوْ صَالَحَ لِنَفْسِهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. . صَحَّ وَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ.
وأورد على إطلاقه اعتبارَ الإقرار: ما لو قال الأجنبي: (وكلني في المصالحة لقطع الخصومة، وأنا أعلم أنه لك).
. فإنه يصحُّ الصلح في الأصحِّ عند الماوردي، وجزم به في "التنبيه"، وأقره في "التصحيح" 88، وما لو قال: (هو منكر ولكنه مبطل في إنكاره، فصالحني له على عبدي هذا لتنقطع الخصومة)، وكان المدعى دينًا.
. فإن المذهب: صحة الصلح، بخلاف ما إذا كان المدعى عينًا.
والفرق: أنه لا يمكن تمليك الغير عينَ مال بغير إذنه، ويمكن قضاء دينه بغير إذنه.
وأورد على اعتبار التوكيل: ما لو قال: (هو منكر ولكنه مبطل في الإنكار، فصالحني عن الألف الذي لك عليه على عبدي هذا).
. فإنه يصحُّ وإن كان بغير إذنه؛ كما ذكره في "زيادة الروضة"، لأن قضاء دين غيره بغير إذنه جائزٌ 89.
(ولو صالح لنفسه والحالةُ هذه) أي: والحالة: أن الأجنبي قائل بأنه مقر لك (. . صحَّ، وكأنه اشتراه) لأن الصلح وقع بعد دعوى وجواب لها، وقال الجويني: يأتي فيه الخلافُ فيما إذا قال من غير سبق خصومة: (صالحني) لأن الأجنبي لم يخاصم 90.
وصورة المسألة: أن يكون المدعى به عينًا، فإن كان دينًا.
. ففيه الخلاف في بيع الدين لغير من عليه.
وقوله: (وكأنه اشتراه) كذا في "المحرر"، وفي "الشرحين"، و"الروضة": (كما لو اشتراه) 91، ولا معنى للتشبيه؛ فإنه شراء حقيقة 92.
الجزء: 2 - الصفحة: 202
وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا وَقَالَ الأَجْنَبِيُّ: (هُوَ مُبْطِلٌ فِي إِنْكَارِهِ).
. فَهُوَ شِرَاءُ مَغْصُوبٍ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَ قُدْرَتهِ عَلَى انْتِزَاعِهِ وَعَدَمِهَا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: (هُوَ مُبْطِلٌ).
. لَغَا الصُّلْحُ.
فَصْلٌ [في التزاحم على الحقوق المشتركة]
الطَّرِيقُ النَّافِذُ لَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا يَضُرُّ الْمَارَّةَ، وَلَا يُشْرَعُ فِيهِ جَنَاح وَلَا سَابَاطٌ يَضُرُّهُمْ، بَلْ يُشْتَرَطُ ارْتِفَاعُهُ بِحَيْثُ يَمُرُّ تَحْتة مُنْتَصِبًا.
(وإن كان منكرًا وقال الأجنبي: "هو مبطل في إنكاره".
. فهو شعراء مغصوب، فيُفرَّق بين قدرته على انتزاعه وعدمها) أي: عدم القدرة؛ لما سبق في البيع، وصورة المسألة في العين كما مرَّ.
(وإن لم يقل: "هو مبطل".
. لغا الصلح) لأنه اشترى منه ما لم يثبت ملكه له.
(فصل: الطريق النافذ لا يُتصرف فيه بما يضرُّ المارة) لأن الحق فيه ليس للمتصرف خاصة بل للمسلمين كافة.
(ولا يُشرع فيه جناحٌ، ولا ساباطٌ يضرُّهم) لما تقدم، قال في "زيادة الروضة": فإن فعله.
. هدم 93، والجناح: هو الخارج من الخشب، والساباط: سقيفة بين حائطين تحتها طريق.
(بل يشترط ارتفاعُه بحيت يمر تحته) الماشي (منتنصبًا) واعتبر الماوردي مع هذا أن يكون على رأسه الحمولة العالية 94، وقال في "المطلب": إنه الأشبه.
ويشترط أيضًا: ألا يؤثر في إظلام الموضع على الأصح.
ومحل الجواز: للمسلم، أما الكافر: فليس له الإشراع إلى شوارع المسلمين على الصحيح في زوائد "الروضة"؛ لأنه كإعلاء البناء على المسلم وأبلغ 95.
الجزء: 2 - الصفحة: 203
وَإِنْ كَانَ مَمَرَّ الْفُرْسَانِ وَالْقَوَافِلِ. . فَلْيَرْفَعْهُ بِحَيْثُ يَمُرُّ تَحْتَهُ الْمَحْمِلُ عَلَى الْبَعِيرِ مَعَ أَخْشَابِ الْمِظَلَّةِ. وَيَحْرُمُ الصُّلْحُ عَلَى إِشْرَاعِ الْجَنَاحِ، وَأَنْ يَبْنِيَ فِي الطَّرِيقِ دَكَّةً، أَوْ يَغْرِسَ شَجَرَةً، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَضُّرَّ. . جَازَ. وَغَيْرُ النَّافِذِ يَحْرُمُ الإِشْرَاعُ إِلَيْهِ لِغَيْرِ أَهْلِهِ، وَكَذَا لِبَعْضِ أَهْلِهِ فِي الأَصَحِّ إِلَّا بِرِضَا الْبَاقِينَ، وَأَهْلُهُ: مَنْ نَفَذَ بَابُ دَارهِ إِلَيْهِ، لَا مَنْ لَاصقَهُ جِدَارُهُ، وَهَلِ الاسْتِحْقَاقُ فِي كُلِّهَا لِكُلِّهِمْ، أَمْ تَخْتَصُّ شِرْكَةُ كُلِّ وَاحِدٍ بِمَا بَيْنَ رَأْسِ الدَّرْبِ وَبَابِ دَارِهِ؟ وَجْهَانِ، أَصحُّهُمَا: الثَّانِي
(وإن كان ممرَّ الفرسان والقوافل.
. فليرفعه بحيث يمرُّ تحته المَحمِل على البعير مع أخشاب المظلَّة) لأنه قد يتفق ذلك وإن كان نادرًا.
(ويحرم الصلح على إشراع الجناح) لأن الهواء تابعٌ لا يُفرَد بالعقد؛ كالحمل مع الأم.
(وأن يبني في الطريق دَكَّة، أو يَغرِس شجرة) لمنع الطروق في ذلك المحلِّ، (وقيل: إن لم يضرَّ.
. جاز) كإشراع الجناح، والدكة بفتح الدال: المسطبة.
(وغير النافذ يحرم الإشراع) أي: إشراع الجناح (إليه لغير أهله) جبرًا وإن لم يضرهم؛ لأنه ملكهم فأشبه الإشراع إلى الدور.
(وكذا لبعض أهله في الأصحِّ) كسائر الأملاك المشتركة، والثاني: يجوز إذا لم يضرَّ؛ لأن كلَّ واحد منهم يجوز له الانتفاع بقراره، فيجوز بهوائه؛ كالشارع.
(إلا برضا الباقين) فيجوز ضرَّ أم لا؛ لأنه ملكهم، هذا إذا رضوا مجانًا، ولا يجوز بأجرة؛ لما مرَّ في الشارع، ويشترط مع إذن أهله: إذن المستأجر إن تضرر؛ كما نقله في "الكفاية" عن أبي الفضل التميمي 96.
(وأهلُه) أي: أهل غير النافذ (مَنْ نفذ باب داره إليه، لا من لاصقه جدارُه) من غير باب؛ لأنه العرف.
(وهل الاستحقاق في كلِّها لكلِّهم، أم تختص شِرْكة كلِّ واحد بما بين رأس الدَّرْب وباب داره؟ وجهان، أصحهما: الثاني) لأن هذا القدر محلُّ تردده ومروره، وما عداه حكمُه فيه حكمُ غير أهل السكة.
الجزء: 2 - الصفحة: 204
وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ فَتْحُ بَابٍ إِلَيْهِ للاسْتِطْرَاقِ، وَلَهُ فَتْحُهُ إِذَا سَمَّرَهُ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ لَهُ فِيهِ بَابٌ فَفَتَحَ آخَرَ أَبْعَدَ مِنْ رَأْسِ الدَّرْبِ. . فَلِشُرَكَائِهِ مَنْعُهُ،
ووجه الأول: أنهم ربما احتاجوا إلى التردد، والارتفاق بجميعه لطرح الأثقال عند الإدخال والإخراج.
وكان ينبغي أن يقول: (في كله) كما في غيره مما قدمه؛ فإنه عائد على غير النافذ وهو مذكر، وقد أتى في "المحرر" بجميع الضمائر مؤنثة؛ لكونه عبر أولًا بالسكة 97.
ولما عبر المصنف بغير النافذ.
. عدل عن تأنيث الضمائر إلى تذكيرها، إلا أنه لم يذكر هذه اللفظة، فتابع "المحرر" عليها.
وقوله: (لكلهم) كان الأولى أن يقول: (لكل منهم) فإنه لا نزاع في استحقاق كلِّها لكلِّهم؛ يعني: مجموعهم؛ فإن الكلَّ يطلق على الكلِّ المجموعي والكلِّ التفصيلي.
(وليس لغيرهم فتح باب إليه للاستطراق) لتضررهم، فإن أذنوا.
. جاز ولهم الرجوع ولو بعد الفتح.
(وله فتحه إذا سَمَّره في الأصحِّ) لأن له رفعَ الجدار فبعضه أولى، والثاني: لا؛ لأنه يستدل به فيما بعد على استحقاق المرور، وقال في "زيادة الروضة": إنه الأفقه، ولم يصرح الرافعي في "الشرحين" بترجيح 98.
(ومن له فيه باب ففتح آخر أبعدَ من رأس الدرب) من بابه الأصلي (. . فلشركائه منعُه) أي: لكلٍّ منهم ذلك؛ لتضررهم، وسواء سدَّ الأول أم أبقاه.
وكلامه يوهم: أن للجميع المنعَ؛ لأنهم شركاؤه، وليس كذلك، بل المنع لمن بابه أبعدُ من الباب الأول الذي للفاتح، ولا يثبت لمن بابه أقربُ على الأصح؛ بناء على كيفية الشركة.
الجزء: 2 - الصفحة: 205
وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يَسُدَّ الْبَابَ الْقَدِيمَ. . فَكَذَلِكَ، وَإِنْ سَدَّهُ. . فَلَا مَنع. وَمَنْ لَهُ دَارَانِ تُفْتَحَانِ إِلَى دَرْبَيْنِ مَسْدُودَيْنِ، أَوْ مَسْدُودٍ وَشَارِعٍ، فَفَتَحَ بَابًا بَيْنَهُمَا. . لَمْ يُمْنَعْ فِي الأَصحِّ. وَحَيْثُ مُنِعَ فَتْحَ الْبَابِ فَصَالَحَهُ أَهْلُ الدَّرْبِ بِمَالٍ. . صحَّ. وَيَجُوزُ فَتْحُ الْكَوَّاتِ.
(وإن كان أقرب إلى رأسه، ولم يسدَّ الباب القديم.
. فكذلك) لأن انضمام الثاني إلى الأول يورث زحمةَ الناس، وكثرة وقوف الدواب، فيتضررون به، (وإن سدَّه.
. فلا منع) لأنه ترك بعض حقه.
(ومن له داران تُفتحان إلى دربين مسدودين، أو مسدودٍ وشارع، ففتح بابًا بينهما.
. لم يُمنع في الأصحِّ) لأنه يستحق المرور في السكة، ورفع الحائل بين الدارين تصرف مصادف للملك فلم يُمنع منه، والثاني: يمنع، ونقله في "زيادة الروضة" عن الجمهور 99؛ لإحداث ما لم يكن، وسواء في جريان الخلاف سدّ باب أحدهما أم لا.
نعم؛ محله: إذا قصد بالفتح الاستطراق، فإن قصد به اتساعَ ملكه أو نحوه.
. فلا منع قطعًا.
وقوله: (مسدودين، أو مسدود وشارع) كان الأولى أن يقول: (مملوكين، أو مملوك وشارع)؛ لأنه لا يلزم من السدِّ الملك؛ بدليل ما لو كان في أقصاه مسجد أو نحوه.
(وحيث مُنع فتح الباب فصالحه أهل الدرب بمال.
. صحَّ) لأنه انتفاع بالأرض، بخلاف إشراع الجناح؛ لأنه هناك بذل مال في مقابلة الهواء المجرد.
ومحل الجواز: إذا صالحوا على الاستطراق، أما مجرد الفتح بلا استطراق.
. فلا يصحُّ الصلح عنه بمال قطعًا.
(ويجوز فتح الكَوَّات) لأنه تصرف في ملكه، وقيد صاحب "الشافي" ذلك بما إذا كانت عالية لا يقع النظر فيها على دار جاره؛ لكن صرح الشيخ أبو حامد بخلافه، وهو قضية إطلاق الشيخين.
الجزء: 2 - الصفحة: 206
وَالْجِدَارُ بَيْنَ الْمَالِكَيْنِ قَدْ يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدُهُمَا، وَقَدْ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ: فَالْمُخْتَصُّ: لَيْسَ لِلآخَرِ وَضْعُ الجُذُوعِ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ، وَلَا يُجْبَرُ الْمَالِكُ،
والكوات: بفتح الكاف، وقيل: بضمها، وتشديد الواو جمع كوة، وهي فتح في الحائط لأجل الضوء غالبًا.
(والجدار بين المالكين قد يختصُّ به أحدهما، وقد يشتركان فيه، فالمختصُّ ليس للآخر وضعُ الجذوع عليه) بغير إذن (في الجديد، ولا يُجبَر المالك) على الجديد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَحِلُّ لامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ" رواه الحاكم من حديث ابن عباس بإسناد على شرط الصحيح 100.
وقياسًا على سائر أمواله، ونقله البغوي في "شرح السنة" عن أكثر أهل العلم 101.
والقديم -ونصّ عليه في "البويطي" أيضًا-: أنه يجوز له وضعها من غير إذنه، وليس له منعه؛ لحديث أبي هريرة: "لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَهُ فِي جدَارِهِ"، ثم يقول أبو هريرة: (ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم) أي: لأضعن هذه السنة بين أظهركم، متفق عليه 102.
وقال البيهقي: (لم نجد في السنن ما يعارض هذا الحديث، ولا تصحُّ معارضتُه بالعمومات، ولا عذر لأحد في مخالفته، وقد نصَّ الشافعي في القديم والجديد على القول به) 103.
وأجاب الأصحاب عن الحديث: بأن الضمير في (جداره) لصاحب الخشب؛ أي: لا يمنعه الجار أن يضع خشبه على جدار نفسه وإن تضرر به من جهة منع الضوء والهواء، ورؤية الأماكن المستطرفة والمُنِيرة على خلاف ما يقوله مالك من المنع في كثير من هذه الحالات، قال الإسنوي: ويتأيد بأنه القياس الفقهي، والقاعدة النحوية؛ فإنه أقرب من الأول، فوجب عود الضمير إليه 104.
الجزء: 2 - الصفحة: 207
فَلَوْ رَضِيَ بِلَا عِوَضٍ. . فَهُوَ إِعَارَةٌ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْبنَاءِ عَلَيْهِ، وَكَذَا بَعْدَهُ فِي الأَصحِّ، وَفَائِدَةُ الرُّجُوع: تَخْيِيرُهُ بَيْنَ أَنْ يُبْقِيَهُ بِأُجْرَةٍ أَوْ يَقْلَعَ وَيَغْرَمَ أَرْشَ نَقْصِهِ، وَقِيلَ: فَائِدَتُهُ: طَلَبُ الأُجْرَةِ فَقَطْ. وَلَوْ رَضِيَ بِوَضْعِ الْجُذُوعِ وَالْبنَاءِ عَلَيْهَا بِعِوَضٍ، فَإِنْ أَجَّرَ رَأْسَ الْجِدَارِ لِلْبنَاءِ. . فَهُوَ إِجَارَةٌ، وَإِنْ قَالَ: (بِعْثُهُ لِلْبِنَاءِ عَلَيْهِ)، أَوْ (بِعْتُ حَقَّ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ). . فَالأَصحُّ: أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ فِيهِ شَوْبُ بَيعٍ وَإِجَارَةٍ،
وللقديم شروط: ألا يحتاج مالكه إلى وضع جذوعه عليه، وألا يزيد في ارتفاع الجدار، ولا يبني عليه أزَجًا، ولا يضع عليه ما يضره، وأن تكون الأرض له، نصّ عليه، وألا يملك شيئًا من جُدران البقعة التي يسقفها، أو لا يملك إلا جدارًا واحدًا، فإن ملك جدارين.
. فليسقف عليهما، ولا فرق على القديم بين أن يحتاج إلى فتح شيء في الحائط ليدخل فيه الجذوع أم لا، صرح به الماوردي، وابن الصباغ، وغيرهما.
(فلو رضي) على الجديد (بلا عوض.
. فهو إعارة) لصدق حدِّها عليه (له الرجوعُ قبل البناء عليه، وكذا بعده في الأصحِّ) كسائر العواري، والثاني: لا؛ كما لو أعار للدفن.
(وفائدة الرجوع: تخييره بين أن يُبقيه بأجرة أو تقلع ويَغرم أرش نقصه) أي: ما بين قيمته قائمًا ومقلوعًا؛ كما لو أعار أرضًا للبناء، (وقيل: فائدته: طلب الأجرة فقط) لأن ضرر القلع يصل إلى ما هو خالص ملك المستعير، فإن الجذوع إذا ارتفعت أطرافُها من جدار.
. لا تبقى على الجدار الآخر.
(ولو رضي بوضح الجذوع والبناء عليها بعوض، فإن أَجَّر رأس الجدار للبناء.
. فهو إجارة) كسائر الأعيان التي تستأجر للمنافع، لكن لا يشترط فيها بيانُ المدة في الأصح؛ لأنه عقد يَرِدُ على منفعة، وتدعو الحاجة إلى دوامه، فلم يشترط فيه التأقيت، كالنكاح 105.
(وإن قال: "بعته للبناء عليه"، أو "بعت حقَّ البناء عليه".
. فالأصحُّ: أن هذا العقد فيه شَوْب بيع) لكونه مؤبدًا (وإجارةٍ) لكونه على منفعة، إذ لا يملك المشتري
الجزء: 2 - الصفحة: 208
فَإِذَا بَنَى. . فَلَيْسَ لِمَالِكِ الْجِدَارِ نَقْضُهُ بِحَالٍ. وَلَوِ انْهَدَمَ الْجِدَارُ فَأَعَادَهُ مَالِكُهُ. . فَلِلْمُشْتَرِي إِعَادَةُ الْبنَاءِ. وَسَوَاءٌ كَانَ الإِذْنُ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ يُشْتَرَطُ بَيَانُ قَدْرِ الْمَوْضِعِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ طُولًا وَعَرْضًا، وَسَمْكِ الْجُدْرَانِ، وَكَيْفِيَّتِهَا، وَكَيْفِيَّةِ السَّقْفِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا
فيها عينًا، والثاني: أنه إجارة، واغتفر فيها التأبيد للحاجة، والثالث: أنه بيع يملك به المشتري رأسَ الجدار، حتى لو انهدم الجدار ثم أعيد.
. عاد حقُّه.
واحترز بقوله: (للبناء عليه) عما إذا باعه وشرط ألا يبني عليه.
. فإنه جائز قطعًا، وينتفع به بما عدا البناء من المكث عليه وغيره، وكذا إذا باعه ولم يتعرض للبناء بالكلية على الأصح، ذكره الماوردي.
(فإذا بنى) بعد قوله: (بعته للبناء)، أو (بعت حقَّ البناء عليه) (. . فليس لمالك الجدار نقضُه بحال) أي: نقض بناء المشتري، لا مجانًا ولا مع إعطاء الأرش؛ لأنه استحق دوام البناء بعقد لازم، وسكت الشيخان عن تمكين البائع من هدم حائط نفسه، ومن منع المشتري أن يبني إذا لم يكن قد بنى، قال الإسنوي: ولا شك أنه لا يُمكَّن منهما.
(ولو انهدم الجدار فأعاده مالكه.
. فللمشتري إعادة البناء) بتلك الآلات وبمثلها؛ لأنه حقٌّ ثبت له.
(وسواء كان الإذن) في وضع البناء (بعوض أو بغيره يشترط بيان قدر الموضع المبني عليه، طولًا وعرضًا، وسمكِ الجُدران، وكيفيتِها) أهي مجوفة أو منضدة، من حجر أو غيره.
(وكيفيةِ السقف المحمول عليها) هل هو من خشب أو أزج، وهو العقد؛ لأن الغرض يختلف بذلك، ولا يشترط ذكر الوزن في الأصح، ولو حضرت الآلات.
. كفى عن وصفها.
والسمك بفتح السين: الارتفاع إذا أخذت من أسفل فصاعدًا، فإن عكست.
. سمي عُمقًا بضم العين المهملة.
والطول: عبارة عن امتداده من زاوية البيت إلى زاوية أخرى مثلًا، والعَرْض: هو البعد الثالث.
الجزء: 2 - الصفحة: 209
وَلَوْ أَذِنَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى أَرْضهِ. . كَفَى بَيَانُ قَدْرِ مَحَلِّ الْبِنَاءِ. وَأَمَّا الْجِدَارُ الْمُشْتَرَكُ: فَلَيْسَ لأحَدِهِمَا وَضْعُ جُذُوعِهِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ فِي الْجَدِيدِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتِدَ فِيهِ وَتِدًا أَوْ يَفْتَحَ كُوَّةً بِلَا إِذْنٍ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَيْهِ وَيَسْنِدَ مَتَاعًا لَا يَضُرُّ، وَلَهُ ذَلِكَ فِي جِدَارِ الأَجْنَبِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُ شَرِيكِهِ عَلَى الْعِمَارَةِ فِي الْجَدِيدِ. فَإِنْ أَرَادَ إِعَادَةَ مُنْهَدِمٍ بِآلَةٍ لِنَفْسِهِ. . لَمْ يُمْنَعْ، وَيَكُونُ الْمُعَادُ مِلْكَهُ؛ يَضَحُ عَلَيْهِ مَا شَاءَ وَيَنْقُضُهُ إِذَا شَاءَ.
(ولو أذن في البناء على أرضه.
. كفى بيان قدر محلِّ البناء) لأن الأرض تحمل كلَّ شيء، فلا يختلف الغرض إلا بقدر محلِّ البناء، قال السبكي: وينبغي اشتراط بيان قدر ما يحفر من الأساس؛ لأن الغرض يختلف به.
(وأما الجدار المشترك.
. فليس لأحدهما وضعُ جذوعه عليه بغير إذن في الجديد) هذان القولان هما السابقان في جدار الأجنبي، وقد سبق توجيههما.
(وليس له أن يَتِدَ فيه وَتدًا، أو يَفتح كُوَّة بلا إذن) ولا أن يَتْرَب الكتابَ بترابه؛ كغيره من المشتركات.
(وله أن يستند إليه، ويَسند متاعًا لا يضرُّ، وله ذلك في جدار الأجنبي) لأنه لا ضرر فيه.
وقوله: (لا يضر) ليس في "المحرر" 106، ولا بدَّ منه.
(وليس له إجبارُ شريكه على العمارة في الجديد) كما لا يجبر على زراعة الأرض المشتركة، والقديم -ونصّ عليه في "البويطي"-: الإجبار؛ صيانةً للأملاك المشتركة عن التعطيل، وصححه جماعة، وأفتى به ابن الصلاح، واختار الغزالي في "الفتاوى": أن القاضي يلاحظ أحوالَ المتخاصمين، فإن ظهر له أن الامتناع لغرض صحيح، أو شكّ في أمره.
. لم يجبره، وإن علم أنه عناد.
. أجبره 107.
(فإن أراد) الشريك (إعادةَ منهدمٍ بآلة لنفسه.
. لم يُمنع) ليصل إلى حقِّه.
(ويكون المعاد ملكَه؛ يضع عليه ما شاء، ويَنُقضه إذا شاء) لأنه لا حقَّ لغيره فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 210
وَلَوْ قَالَ الآخَرُ: (لَا تنقُضْهُ وَأَغْرَمُ لَكَ حِصَّتِي). . لَمْ تلزَمْهُ إِجَابَتُهُ. وَإِنْ أَرَادَ إِعَادَتَهُ بِنُقْضِهِ الْمُشْتَرَكِ. . فَلِلآخَرِ مَنْعُهُ. وَلَوْ تَعَاوَنَا عَلَى إِعَادَتِهِ بِنُقْضِهِ. . عَادَ مُشْتَرَكًا كَمَا كَانَ. وَلَوِ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا وَشَرَطَ لَهُ الآخَرُ زِيَادَةً. . جَازَ وَكَانَتْ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ فِي نَصِيبِ الآخَرِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى إِجْرَاءِ الْمَاءِ وَإِلْقَاءِ الثَّلْجِ فِي مِلْكِهِ عَلَى مَالٍ. وَلَوْ تنَازَعَا جِدَارًا بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا؛ فَإِنِ اتَّصَلَ بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا بِحَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّهُمَا بَنَيَا
(ولو قال الآخر: "لا تَنقُضه وأَغرم لك حصتي".
. لم تلزمه إجابتُه) على الجديد؛ كما لا يلزمه ابتداءُ العمارة.
(وإن أراد إعادته بنقْضِه المشترك.
. فللآخر منعه) كسائر الأعيان المشتركة، وقيل: ليس له المنع، وادعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه، وجزم به في "التنبيه" 108، وقال في "المطلب": إنه الأشبه.
(ولو تعاونا على إعادته بنُقْضه.
. عاد مشتركًا كما كان) لتساويهما في العمل والجدار، فلو شرط لأحدهما زيادة.
. لم يصحَّ على الصحيح.
(ولو انفرد أحدهما) بإعادته بالنقض المشترك (وشرط له الآخرُ زيادة.
. جاز، وكانت في مقابلة عمله في نصيب الآخر) هذا إذا جعل له الزيادة في الحال، فإن شرطها بعد البناء.
. لم يصحَّ؛ لأن الأعيان لا تؤجل، قاله الإمام وتبعاه 109.
(ويجوز أن يصالح على إجراء الماء، وإلقاء الثلج في ملكه على مال) كحقِّ البناء، وقد أطلق الماء، والمراد به: الحاصل على سطحه من المطر إذا لم يكن له مصرفٌ إلى الطريق إلا بمروره على سطح جاره، أو المجلوب من نهر ونحوه إلى أرضه.
فأما غسالة الثياب والأواني.
. فلا يجوز الصلح على إجرائها على مال؛ كما في "الشرح"، و"الروضة" لأنه مجهول، والحاجة لا تدعو إلى تجويزه 110.
(ولو تنازعا جدارًا بين ملكيهما؛ فإن اتصل ببناء أحدهما لحيث يُعلم أنهما بنيا
الجزء: 2 - الصفحة: 211
مَعًا. . فَلَهُ الْيَدُ، وَإِلَّا. . فَلَهُمَا. فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً. . قُضِيَ لَهُ، وَإِلَّا. . حَلَفَا، فَإِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا. . جُعِلَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا. . قُضِيَ لَهُ،
معًا) كما لو كان عليه أزج لا يتصور إحداثُه بعد تمام الجدار؛ بأن أُميل من مبتدأ ارتفاعه عن الأرض (. . فله اليد) لأن اتصاله أمارة ظاهرة على يده، فيحلف ويحكم له به، إلا أن تقوم بينة بخلافه.
(وإلا.
. فلهما) أي: وإن لم يحصل الاتصالُ المذكور؛ بأن كان منفصلًا عنهما، أو متصلًا بهما مطلقًا، أو بأحدهما اتصالًا يمكن إحداثُه.
. فاليد لهما؛ لعدم المرجح.
وأفهم: أنه لا يحصل الترجيح بغير ذلك.
قال الشافعي: (ولا أنظر إلى من إليه الدواخل والخوارج، وأنصاف اللَّبن ولا معاقد القُمُط) 111.
(فإن أقام أحدهما بينة.
. قُضي له) لأن البينة مقدمة على اليد.
(وإلا) أي: وإن لم يُقم أحدُهما بينة، أو أقامها كلٌّ منهما (. . حلفا) أي: حلف كلٌّ لصاحبه على النصف الذي يسلم له على الأصح؛ لأن كلَّ واحد منهما مدعى عليه، ويده على النصف فالقول قوله فيه؛ كالعين الكاملة، وقيل: يحلف على الجميع؛ لأنه يدعيه.
(فإن حلفا أو نكلا.
. جُعل بينهما) لظاهر اليد (وإن حلف أحدهما) ونكل الآخر (. . قضي له) بالكلِّ إذا حلف يمينَ الردِّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 212
وَلَوْ كَانَ لِأحَدِهِمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ. . لَمْ يُرَجَّحْ. وَالسَّقْفُ بَيْنَ عُلْوِهِ وَسُفْلِ غَيْرِهِ كَجِدَارٍ بَيْنَ مِلْكَيْنِ، فَيُنْظَرُ: أَيُمْكِنُ إِحْدَاثُهُ بَعْدَ الْعُلْوِ. . فَيَكُونَ فِي يَدِهِمَا، أَوْ لَا. . فَلِصَاحِبِ السُّفْلِ؟
(ولو كان لأحدهما عليه جذوع.
. لم يُرجَّح) لأن وضعها قد يكون بإعارة أو إجارة أو بيع، أو بقضاء قاض يرى الإجبارَ على الوضع، فلا يُترَك المُحقَّق بالمحتمل.
(والسقف بين عُلْوه وسفل غيره كجدار بين مِلكين، فينظر: أيمكن إحداثُه بعد العلو) بأن يكون السقف عاليًا، فينقب وسط الحائط، ويوضع رأس الجذوع في النقب، ويوضع عليها ألواح أو غيرها، فيصير البيت الواحد بيتين (. . فيكونَ في يدهما) لاشتراكهما في الانتفاع به، فإنه أرض لصاحب العلو، وساتر لصاحب السفل.
(أو لا) يمكن إحداثه؛ كالأزج الذي لا يمكن عقده على وسط الجدار بعد امتداده في العلو (. . فلصاحب السفل) لاتصاله ببنائه.
الجزء: 2 - الصفحة: 213
بابُ الحَوالة يُشْتَرَطُ لَهَا: رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ، لَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَا تَصحُّ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَصحُّ بِرِضَاهُ.
﴿باب الحوالة﴾
هي بفتح الحاء، وحكي كسرُها، وهي في اللغة: الانتقال؛ من قولهم: (حال عن العهد) إذا انتقل عنه، وفي الاصطلاح: تطلق على شيئين: أحدهما: انتقال الدين من ذمة إلى ذمة، الثاني: العقد الذي يحصل به الانتقالُ، وهذا هو غالب استعمال الفقهاء، وهي مجمع عليها.
والأصح: أنها بيع، فكأن المحيل باع المحتال مالَه في ذمة المحال عليه بما للمحتال في ذمته، وقيل: هي استيفاء، وصححه السبكي، وفسر الشيخان الاستيفاء: بأن المحتال كأنه استوفى ما على المحيل، وأقرضه المحال عليه 112.
وإذا قلنا: إنها بيع.
. فالأصح: أنها بيع دين بدين جوز للحاجة، وقيل: بيع عين بعين، وقيل: بيع عين بدين.
(يشترط لها رضا المحيل) لأن الحقَّ في ذمته مرسل، فلا يتعين قضاؤه في محلٍّ معين؛ كما لو طلب منه الوفاء من كيس بعينه.
(والمحتال) لأن حقَّه في ذمة المحيل، فلا ينتقل إلى غيره إلا برضاه، لأن الذمم تتفاوت، وطريق الوقوف على تراضيهما إنما هو الإيجاب والقبول على ما مرَّ في البيع، ويعتبر في المحيل والمحتال أهلية التصرف كسائر المعاملات.
(لا المحال عليه في الأصحِّ) لأن الحقَّ للمحيل، فله أن يستوفي بنفسه وبغيره؛ كما له أن يوكل، ولأن المحال عليه محلُّ التصرف فأشبه العبد المبيع، والثاني: يشترط؛ لأنه أحدُ أركان الحوالة؛ كالمحيل والمحتال.
(ولا تصحُّ على من لا دين عليه) بناء على أنها بيع؛ لأنه ليس على المحال عليه شيء يجعله عوضًا عن حقِّ المحتال، (وقيل: تصحُّ برضاه) بناء على أنها استيفاء؛
الجزء: 2 - الصفحة: 214
وَتَصِحُّ بِالدَّيْنِ اللَّازِمِ، وَعَلَيْهِ الْمِثْلِيُّ، وَكَذَا الْمُتَقَوِّمُ فِي الأَصَحِّ، وَبِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَعَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ.
فكأن المحتال أخذ حقَّه ممن عليه، وأقرضه من المحال عليه.
(وتصحُّ بالدين اللازم، وعليه) سواء اتفق الدينان في سبب الوجوب أو اختلفا؛ كأن كان أحدهما ثمنًا، والآخر قرضًا؛ لما سلف من الأدلة.
قال في "الروضة": وكان ينبغي وصف الدين بالاستقرار؛ ليخرج دين السلم فإنه لازم، ولا تصحُّ الحوالة به، ولا عليه في الأصحِّ 113.
قال الإسنوي: لكن الأجرة قبل مضي المدة غيرُ مستقرة، وكذلك الصداق قبل الدخول، والموت، والثمن قبل قبض المبيع، ومع ذلك تصحُّ الحوالة بها وعليها، فضرر هذه الزيادة أكثر من نفعها، قال: فالأحسن: التعبير باللزوم، ويزاد لإخراج السلم: يصحُّ الاستبدال عنه؛ كما عبر به في "الكفاية" 114.
(المثلي) كالنقدين والحبوب، (وكذا المتقوم) بكسر الواو (في الأصحِّ) كالثياب والعبيد؛ لثبوتهما في الذمة بعقد السلم، والثاني: لا تصحُّ في المتقوم؛ لأن المقصود من الحوالة إيصال الحقِّ إلى مستحقه من غير تفاوت، ولا يتحقق فيما لا مثل له.
(وبالثمن في مدة الخيار) أي: بأن يُحيل المشتري البائعَ على إنسان، (وعليه) أي: بأن يُحيل البائع إنسانًا على المشتري (في الأصحِّ) لأنه صائر إلى اللزوم، والجواز عارض فيه، والثاني: لا تصحُّ به، ولا عليه؛ لعدم اللزوم.
ويستثنى من الثمن: الربويات ورأس مال السلم، فلا تصحُّ الحوالة به، ولا عليه على الصحيح.
واحترز بقوله: (في مدة الخيار) عما إذا أحال به بعد انقضائه، وقبل قبض المبيع.
. فإنها جائزة قطعًا؛ كما هو المشهور.
الجزء: 2 - الصفحة: 215
والأَصَحُّ: صِحَّةُ حَوَالَةِ الْمُكَاتَبِ سَيِّدَهُ بَالنُّجُومِ، دُونَ حَوَالَةِ السَّيِّدِ عَلَيْهِ. وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِمَا يُحَالُ بِهِ وَعَلَيْهِ قَدْرًا وَصِفَةً، وَفِي قَوْلٍ: تَصِحُّ بِإِبلِ الدِّيَةِ وَعَلَيْهَا.
(والأصحُّ: صحة حوالة المكاتب سيدَه بالنجوم، دون حوالة السيد عليه) لاستقرار ما أحال به المكاتب دون عكسه، إذ له إسقاطها متى شاء، فلا يمكن إلزامُه الدفعَ للمحتال، والثاني: المنع فيهما، أما عليه.
. فلما مرَّ، وأما منه.
. فبناء على أنها بيع، والاعتياض عن نجوم الكتابة غير صحيح، والثالث: الصحة فيهما، أما منه.
. فلما مرَّ، وأما عليه.
. فبناء على أنها استيفاء.
وإطلاق الشيخين يقتضي: أنه لا فرق بين النجوم الحالة والمؤجلة، وفي "الكفاية" عن المَحاملي والجرجاني: تخصيص الجواز بما بعد الحلول دون ما قبله 115.
واحترز المصنف بالنجوم: عما إذا كان للسيد عليه دين معاملة، وأحال عليه.
. فإن الأصحَّ في "أصل الروضة": الصحة، ولا نظر إلى سقوطه بالتعجيز 116.
(ويشترط العلم) من كلٍّ منهما (بما يحال به وعليه قدرًا وصفة) أي: الصفة المعتبرة في السلم؛ كما قاله في "الكفاية" 117؛ لأن المجهول لا يصحُّ بيعه ولا استيفاؤه، وسكت عن الجنس، لأنه يستغنى عنه بالصفة.
(وفي قول: تصحُّ بإبل الدية وعليها) الخلاف مبني على جواز الاعتياض عنها، والأصحُّ: المنع؛ للجهل بصفاتها، وصور المصنف في "نكت التنبيه" المسألة: بأن يجني رجل على رجل مُوضحةً، ثم يجني المجني عليه على آخر مُوضحةً، فيجب عليه خمس من الإبل، فيحيل المجني عليه أولًا، وهو الجاني ثانيًا المجنيَّ عليه ثانيًا على الجاني أولًا بالخمس من الإبل.
الجزء: 2 - الصفحة: 216
وَيُشْتَرَطُ تَسَاوِيهِمَا جِنْسًا وَقَدْرًا، وَكَذَا حُلُولًا وَأَجَلًا وَصِحَّةً وَكَسْرًا فِي الأَصَحِّ. وَيَبْرَأُ بالْحَوَالَةِ الْمُحِيلُ عَنْ دَيْنِ الْمُحْتَالِ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ عَنْ دَيْنِ الْمُحِيلِ، وَيَتَحَوَّلُ حَقُّ الْمُحْتَالِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ بِفَلَسٍ أَوْ جَحْدٍ وَحَلِفٍ وَنَحْوِهِمَا. . لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُحِيلِ،
(ويشترط تساويهما جنسًا وقدرًا) فلا تصحُّ بالدراهم على الدنانير وعكسه، ولا بخمسة على عشرة وعكسه، لأنها معاوضة إرفاق ومسامحة للحاجة، فاشترط فيها التجانس والتساوي؛ كالقرض، ولو جوزت.
. لصار المطلوب منها الفضل، فتخرج عن موضوعها.
(وكذا حلولًا وأجلًا وصحة وكسرًا في الأصحِّ) إلحاقًا لتفاوت الوصف بتفاوت القدر، والثاني: إن كان النفع فيه للمحتال.
. جاز، وإلا.
. فلا.
فيحيل بالمؤجل والمكسر على الحالّ والصحيح، وبأبعد الأجلين على الأقرب، بخلاف العكس في الجميع، وكأنه تبرع بالزيادة، وانقلب في "الروضة" بعض هذه الأمثلة، فقال: بالصحيح على المكسر، وبالجيد على الرديء 118، والصواب: ما ذكرناه.
(ويبرأ بالحوالة المحيل عن دين المحتال، والمحال عليه عن دين المحيل، ويتحول حقُّ المحتال إلى ذمة المحال عليه) بالإجماع؛ كما قاله الماوردي 119؛ لأن هذا كلَّه فائدة الحوالة.
وقوله: (ويتحول) قد يفهم أن الدين لا ينتقل بصفته من رهن أو كفيل، بل مجردًا عنهما، ويبرأ الكفيل، وينفك الرهن، لأن الرهن والكفيل ليسا من حقِّ المحتال، وهو كذلك، فقد صرح الرافعي في (باب الضمان) في أول الباب الثاني في حكم الضمان الصحيح ببراءة الضامن 120، وصرح المتولي بانفكاك الرهن؛ كما نقله عنه السبكي وأقره، وأفتى البارزي با لانتقال فيهما، واعتُرض.
(فإن تعذر بفَلَس أو جَحْد وحَلِف ونحوهما.
. لم يرجع على المحيل) كما لو
الجزء: 2 - الصفحة: 217
فَلَوْ كَانَ مُفْلِسًا عِنْدَ الْحَوَالَةِ وَجَهِلَهُ الْمُحْتَالُ. . فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَقِيلَ: لَهُ الرُّجُوعُ إِنْ شَرَطَا يَسَارَهُ. وَلَوْ أَحَالَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، فَرُدَّ الْمَبِيعُ بِعَيْبٍ. . بَطَلَتْ فِي الأَظْهَرِ، أَوِ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ فَوُجِدَ الرَّدُّ. . لَمْ تبطُلْ عَلَى الْمَذْهَبِ.
اعتاض عن دينه شيئًا وقبضه فتلف في يده، فلو شرط الرجوع عليه بذلك.
. فثلاثة أوجه بلا ترجيح في "الرافعي".
ثالثها: تصحُّ الحوالة دون الشرط 121.
وقوله: (ونحوهما) هو من زيادات "الكتاب" على كتب الرافعي، وعلى "الروضة" أيضًا، وأشار به إلى التعذر بامتناعه وشوكته، أو بموته موسرًا بعد موت البينة.
(فلو كان مفلسًا عند الحوالة وجهله المحتال.
. فلا رجوع له) لأنه مقصر بترك الفحص.
(وقيل: له الرجوع إن شرطا يساره) كما لو شرط كون العبد كاتبًا فأخلف.
ورُدَّ: بأنه لو ثبت الرجوع عند الشرط.
. لثبت عند عدمه؛ لأنه نقص.
(ولو أحال المشتري) البائع (بالثمن، فرُدَّ المبيع بعيب) أو بإقالة، أو تحالف (. . بطلت في الأظهر) لأنه إحالة بالثمن.
فإذا انفسخ العقد.
. خرج المحال به عن أن يكون ثمنًا، وسقط حقُّ العاقد، فبطلت.
والثاني: لا تبطل؛ كما لو استبدل عن الثمن ثوبًا، ثم ردَّ المبيع بعيب.
. فإنه يرجع بمثل الثمن، ولا يبطل الاستبدال على الأصح.
والخلاف جار سواء ردَّ بعد قبض المبيع أم قبله، وسواء كان الردُّ بعد قبض المحتال مالَ الحوالة، أم قبله على الأصح.
(أو) أحال (البائع بالثمن) رجلًا على المشتري (فوجد الردُ.
. لم تبطل على المذهب) لتعلق الحقِّ بثالث، وهو الذي انتقل إليه الثمن فلم يبطل حقُّه بفسخ
الجزء: 2 - الصفحة: 218
وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا وَأَحَالَ بِثَمَنِهِ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْمُتبَايِعَانِ وَالْمُحْتَالُ عَلَى حُرِّيَّتِهِ، أَوْ ثَبَتَتْ بِبيِّنَةٍ. . بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ،
المتعاقدين؛ كما لو تصرف البائع في الثمن ثم ردَّ المشتري ما اشتراه بعيب.
. فإن تصرفه لا يبطل.
والطريق الثاني: طرد القولين في المسألة قبلها.
وعلى الأول: إن كان قبض المحتال من المشتري.
. رجع المشتري على البائع، وإلا فهل يرجع عليه أم لا يرجع إلا بعد القبض؟ فيه وجهان.
وقضية كلامهما: ترجيح عدم الرجوع، والأصحُّ في "الكفاية": مقابله 122.
(ولو باع عبدًا وأحال بتمنه، ثم اتفق المتبايعان والمحتال على حريته، أو ثبتت ببينة.
. بطلت الحوالة) لأنه بأن أن لا ثمن حتى يحال به، وكذا كلّ ما يمنع صحة البيع؛ ككونه مستحقًا.
والمراد بالبطلان هنا: عدم الصحة؛ لأن الحوالة لم تتقدمها صحة، بخلاف البطلان في الردِّ بالعيب ونحوه؛ فإنه بطريق الانفساخ، وهذه البينة قد تشَهد حسبةً، وقد يقيمها العبد، ولا يتصور أن يقيمها واحد من المتبايعين؛ لأنهما كذّباها بالدخول في البيع، كذا جزما به في "الشرح الصغير"، و"الروضة" هنا، ونقله في "الكبير" عن البغوي والروياني" وأقره 123.
وهو صريح في أن الإقدام على البيع مانعٌ من سماع الدعوى والبينة، وقد ذكرا في (كتاب الدعاوى) ما يخالفه 124.
الجزء: 2 - الصفحة: 219
وَإِنْ كَذَّبَهُمَا الْمُحْتَالُ وَلَا بَيِّنَةَ .. حَلَّفَاهُ عَلَى نَفْي الْعِلْمِ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَالَ مِنَ الْمُشْتَرِي. وَلَوْ قَالَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ: (وَكَّلْتُكَ لِتَقْبضَ لِي)، وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: (أَحَلْتَنِي)، أَوْ قَالَ: (أَرَدْتُ بِقَوْلِي: "أَحَلْتُكَ" الْوَكَالَةَ)، وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: (بَلْ أَرَدْتَ الْحَوَالَةَ) .. صُدِّقَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَجْهٌ.
(وإن كذبهما المحتال ولا بينة .. حلَّفاه على نفي العلم) بحريته؛ لأن هذه قاعدةُ الحلف على النفي الذي لا يتعلق به.
(ثم يأخذ المالَ من المشتري) لبقاء الحوالة.
وهل يرجع المشتري على البائع؟ فيه وجهان.
وقضية كلام الشيخين: ترجيح الرجوع، وقال في "المطلب": إنه الحقُّ.
(ولو قال المستحَق عليه: "وكلتك لتقبض لي"، وقال المستحِق: "أحلتني"، أو قال: "أردت بقولي: أحلتك الوكالةَ"، وقال المستحِق: "بل أردتَ الحوالة" .. صدق المستحَق عليه بيمينه).
صورة المسألة الأولى: ألا يتفقا على لفظ، بل قال المستحق عليه: (صدر مني لفظ الوكالة)، فقال المستحق: (إنما صدر منك لفظ الحوالة).
أو يتفقا على لفظ محتمل، ويختلفا في المراد منه؛ كقوله: (اقبض)، وإنما صدقنا المستحق عليه؛ لأن الأصل: استمرارُ حقِّه على من عليه، وأيضًا فهو في التصوير الثاني: أعرف بنيته.
وصورة الثانية: أن يتفقا على لفظ الحوالة، ويختلفا في المراد تفريعًا على المشهور في صحة الوكالة بلفظ الحوالة.
ووجه تصديق المستحق عليه: ما مرَّ من العمل بالأصل، ومن كونه أعرف بقصده.
قال في "المطلب": وعلى التعليلين يتخرج ما إذا لم تكن له نية، ولم أر فيه نقلًا.
(وفي الصورة الثانية وجه) أن المصدق المستحق؛ لأن ظاهر اللفظ يوافقه.
الجزء: 2 - الصفحة: 220
وَإِنْ قَالَ: (أَحَلْتُكَ)، فَقَالَ: (وَكَّلْتَنِي) .. صُدِّقَ الثَّانِي بِيَمِينِهِ.
ومحل الخلاف: ما إذا قال: (أحلتك بمئة على زيد)، ونحو ذلك.
فلو قال: (أحلتك بالمئة التي لك بالمئة التي لي على زيد) .. فالقول قول المستحق قطعًا، قاله الشيخان؛ لأنه لا يحتمل غير الحوالة 125.
(وإن قال: "أحلتك"، فقال: "وكلتني" .. صدق الثاني بيمينه) لأن الأصل بقاءُ حقِّ المستحق في ذمته، ويظهر هذا عند إفلاس المحال عليه 126.
الجزء: 2 - الصفحة: 221
بابُ الضَّمان شَرْطُ الضَّامِنِ: الرُّشْدُ، وَضَمَانُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ كَشِرَائِهِ. وَضَمَانُ عَبْدٍ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ بَاطِلٌ في الأَصحِّ،
﴿باب الضمان﴾
هو عبارة عن الالتزام إما لما ثبت في ذمة الغير من المال، وإما لإحضار من عليه حقٌّ لآدمي، ويطلق أيضًا: على العقد الذي يحصل به الالتزام.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الزَّعِيُم غَارِمٌ" صححه ابن حبان 127، وانعقد الإجماع عليه في الجملة.
(شرط الضامن: الرشد) لأنه تصرف في المال؛ فلا يصحُّ ضمان صبي ومجنون وسفيه؛ لعدم رشدهم.
ويرد على طرده: المكره والمكاتب بغير إذن سيده .. فلا يصحُّ ضمانهما مع كونهما رشيدين؛ لأن الرشد صلاح الدين والمال، فكان ينبغي أن يزيد الاختيار وأهلية التبرع.
ويرد على عكسه: السكران المتعدي بسكره، ومن سفه بعد رشده ولم يحجر عليه .. فإنه يصحُّ ضمانهما، وليسا برشيدين.
(وضمان محجور عليه بفَلَس كشرائه) بثمن في الذمة، والأصح: صحته، كما سبق، ويطالب به إذا انفك الحجر وأيسر.
(وضمان عبد بغير إذن سيّده باطلٌ في الأصحِّ) ولو كان مأذونًا؛ كنكاحه، والتاني: يصحُّ، ويتبع به إذا عتق وأيسر؛ إذ لا ضرر على سيده؛ كما لو أقر بإتلاف مال وكذّبه السيد.
وقوله: (عبد): قد يخرج المبعض إذا كان بينه وبين السيد مهايأة؛ فإن ضمانه
الجزء: 2 - الصفحة: 222
وَيَصحُّ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ عَيَّنَ لِلأَدَاءِ كَسْبَهُ أَوْ غَيْرَهُ .. قُضِيَ مِنْهُ، وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ .. تَعَلَّقَ بِمَا فِي يَدِهِ وَمَا يَكْسِبُهُ بَعْدَ الإِذْنِ، وَإِلَّا .. فَبِمَا يَكْسِبُهُ. وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ مَعْرِفَةِ الْمَضْمُونِ لَهُ،
صحيح قطعًا إذا وقع في نوبته.
(ويصحُّ بإذنه) كالنكاح، وهل يشترط معرفة السيد لقدر الدين؟ قال الإسنوي: المتجه: أنا إن علقناه بشيء مما للسيد .. اشترط، وإن علقناه بالذمة .. فلا.
(فإن عين للأداء كسبَه أو غيره .. قُضي منه) لتصريحه بذلك.
(وإلا) أي: وإن اقتصر على الإذن في الضمان ولم يعين له طريقًا ( .. فالأصحُّ: أنه إن كان مأذونًا له في التجارة .. تعلّق بما في يده) ربحًا ورأس مال، (وما يكسبه بعد الإذن) كما في نكاحه، والثاني: لا يتعلق برأس المال، بل بالربح الحاصل والمستقبل، والثالث: بالمستقبل خاصة، والرابع: يتعلق بذمته فقط؛ لأنه إنما أذن له في الالتزام دون الأداء.
وحيث قلنا: يؤدي ما في يده .. فمحله: ما إذا لم يكن على المأذون دين، فإن كان .. فالأصحُّ في "زيادة الروضة": أنه لا يؤدي إلا ما يفضل عن حقوقهم؛ رعايةً للجانبين 128، هذا إذا لم يحجر عليه، فإن حجر عليه بطلب الغرماء .. لم يتعلق الضمان بما في يده قطعًا.
(وإلا) أي: وإن كان غيرَ مأذون له في التجارة ( .. فبما يكسبه) بعد الإذن؛ كالمهر، وقيل: يتعلق بذمته، وقيل: برقبته، وفي قول قديم: يتعلق بذمة السيد؛ كما قيل به أيضًا في النكاح.
(والأصحُّ: اشتراط معرفة المضمون له) لتفاوت الناس في الاستيفاء، والغرض يختلف به، فأشبه معرفة قدر الدين، قال في "المطلب": والمراد: معرفته بالعين لا النسب؛ كما دل عليه كلام الماوردي.
انتهى، وصرح به ابن كَجٍّ، وصاحب "المعين"، وعبارته: المراد: معرفة العين لا معرفة المعاملة، والثاني:
الجزء: 2 - الصفحة: 223
وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ وَرِضَاهُ. وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْمَضْمُونِ عَنْهُ قَطْعًا، وَلَا مَعْرِفَتُهُ فِي الأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَضْمُونِ: كَوْنُهُ ثَابِتًا وَصَحَّحَ الْقَدِيمُ ضَمَانَ مَا سَيَجِبُ. وَالْمَذْهَبُ: صِحَّةُ ضَمَانِ الدَّرَكِ.
لا يشترط؛ لظاهر الآية، وحديثِ أبي قتادة المشهور في "صحيح البخاري" 129، فإنه ضمن لمن لا يعرف، أو لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يسأله هل يعرفه أم لا؟ فكان على عمومه.
(وأنه لا يشترط قبوله ورضاه) لعدم التعرض لذلك في حديث أبي قتادة المذكور، والثاني: يشترط القبول في الحال؛ كالرهن، والثالث: يشترط رضاه دون قبوله لفظًا.
وكان الأحسن أن يقول: (ولا رضاه) كما في "المحرر" 130؛ فإن المقصود نفي كلٍّ منهما، ومع حذفها لا يستفيد إلا نفي الهيئة الاجتماعية، وحينئذ: فيصدق الكلام بالوجه الثالث.
(ولا يشترط رضا المضمون عنه قطعًا) لضمان أبى قتادة دين الميت، ودعوى القطع تبعا فيها الإمامَ 131، وفيه وجه في "تعليق" القاضي الحسين، وبه قال الجُوري، ذكره في "المطلب".
(ولا معرفته في الأصحِّ) إذ ليس ثم معاملة، ولهذا لا يشترط رضاه، والثاني: نعم؛ ليعرف حاله، وأنه هل يستحق اصطناع المعروف إليه أم لا.
(ويشترط في المضمون: كونه ثابتًا) حال العقد؛ فلا يصحُّ ضمان ما لم يجب وإن جرى سبب وجوبه؛ كنفقة الزوجة في الغد؛ لأن الضمان وثيقة بالحقِّ، فلا يسبقه؛ كالشهادة.
(وصحح القديم ضمانَ ما سيجب) وإن لم يجر سبب وجوبه، كضمان ما يبيعه لفلان أو يقرضه؛ لأن الحاجة قد تمس إليه.
(والمذهب: صحة ضمان الدّرَك) لأن الحاجة تدعو إلى معاملة الغريب، ويخاف
الجزء: 2 - الصفحة: 224
بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ، وَهُوَ: أَنْ يَضْمَنَ لِلْمُشْتَرِي الثَّمَنَ إِنْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا أَوْ نَاقِصًا لِنَقْصِ الصَّنْجَةِ.
أن يخرج ما يبيعه مستحقًّا ولا يظفر به، فاحتيج إلى التوثق، وقيل: لا يصحُّ؛ لأنه ضمان ما لم يجب، وضمان مجهول؛ فإنه قد يخرج البعض مستحقًّا، والطريق الثاني: القطع بالأول.
و(الدرك): بفتح الراء وسكونها هو: التبعة؛ أي: المطالبة والمؤاخذة، ويُسمَّى أيضًا: (ضمان العهدة).
(بعد قبض الثمن) لأنه إنما يضمن ما دخل في ضمان البائع، ولا يدخل الثمن في ضمانه إلا بقبضه، وقيل: يصحُّ قبله.
وادعى الإمام والغزالي: أنه المذهب، وصححه ابن أبي عصرون، وعزاه في "الذخائر" للأكثرين 132.
(وهو) أي: ضمان الدرك (أن يضمن للمشتري الثمنَ إن خرج المبيع مستحَقًّا أو معيبًا) وردَّه المشتري، (أو ناقصًا لنقص الصَّنجة) قال الرافعي: صورة هذه المسألة: أن يبيع شيئًا بشرط أن وزنه كذا، فإذا خرج دونه .. بطل البيع على قول، ويثبت للمشتري الخيار في قول آخر.
انتهى 133، وألجأه إلى ذلك كون المسألة في ضمان الثمن عند نقص المبيع.
واعترض عليه: بأنه لا يطابق قوله: (نقص لنقص الصنجة)، وإنما: نقص عنها.
وصور ابن الملقن ذلك في كلام المصنف؛ بأن جاء المشتري بصنجة وزن بها، فاتهمه البائع فيها، فيضمن ضامنٌ نقصَها إن نقصت 134، وهذا لا يطابق قول المصنف: (أن يضمن للمشتري الثمن) لأنه في هذا التصوير إنما يكون ضامنًا لما نقص من الثمن للبائع.
الجزء: 2 - الصفحة: 225
وَكَوْنُهُ لَازِمًا، لَا كَنُجُومِ كِتَابَةٍ، وَيَصِحُّ ضَمَانُ الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فِي الأَصَحِّ، وَضَمَانُ الْجُعْلِ كَالرَّهْنِ بِهِ.
وأورد على المصنف: ضمان الدرك للبائع .. فإنه يصحُّ، وهو: أن يضمن له المبيع إن خرج الثمن المعين مستحقًّا أو معيبًا أو ناقصًا لنقص الصنجة، وشرطه: أن يكون المبيع مقبوضًا.
(وكونه لازمًا، لا كنجوم كتابة) 135 لأن المكاتب قادر على إسقاطها بالفسخ، فلم يحصل المقصود من الضمان وهو التوثق.
والمراد باللازم: ما وضعه على اللزوم وإن كان الآن جائزًا؛ كما سيأتي في ضمان الثمن في مدة الخيار، وسواء كان مستقرًا، كعوض الخلع أو غير مستقر؛ كثمن المبيع قبل قبضه.
(ويصحُّ ضمان الثمن في مدة الخيار في الأصحِّ) لأنه آيل إلى اللزوم بنفسه، فألحق به، والثاني: لا؛ لعدم لزومه في الحال.
ومحل الخلاف: إذا كان الخيار للمشتري، أو لهما، أما إذا كان للبائع وحده .. فيصحُّ قطعًا؛ لأن الدين لازم في حقِّ من عليه، كذا نقلاه عن المتولي وأقراه، وجزم به في "الشرح الصغير"، واستشكله في "المهمات" تبعًا للسبكي بأنه إذا كان الخيار للبائع .. فالملك في المبيع له بلا خلاف، أو على الصحيح .. فلا ثمن حينئذ على المشتري فضلًا عن كونه لازمًا، فكيف يصحُّ ضمانه بلا خلاف مع حكاية الخلاف في عكسه.
انتهى 136.
وأشار الإمام إلى أن تصحيح الضمان مفرع على أن الخيار لا يمنع نقل الملك في الثمن إلى البائع، وإلا .. فهو ضمان ما لم يجب، كذا نقلاه عنه وأقراه 137، ولعل ما قاله المتولي مفرع على ذلك.
(وضمان الجُعل كالرهن به) لأن كلًّا منهما للتوثق، وقد مرّ أنه يصحُّ الرهن به بعد الفراغ لا قبله.
الجزء: 2 - الصفحة: 226
وَكَوْنُهُ مَعْلُومًا فِي الْجَدِيدِ، وَالإِبْرَاءُ مِنَ الْمَجْهُولِ بَاطِلٌ فِي الْجَدِيدِ إِلَّا مِنْ إِبلِ الدِّيَةِ، وَيَصِحُّ ضَمَانُهَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (ضَمِنْتُ مِمَّا لَكَ عَلَى زَيْدٍ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ) .. فَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَأَنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لِعَشَرَةٍ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: لِتِسْعَةٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
والفرق بين الجعل والثمن في مدة الخيار: أنه لا يصير إلى اللزوم إلا بالعمل، بخلاف الثمن.
(وكونه معلومًا) جنسًا وقدرًا وصفةً (في الجديد) لأنه إثباتُ مال في الذمة لآدمي بعقد، فلم يصحَّ مع الجهالة؛ كالثمن، والقديم: صحته؛ لأن معرفته متيسرة.
ومحل الخلاف: في مجهول تُمكن الإحاطةُ به؛ مثل: أنا ضامن لثمن ما بعت من زيد؛ كما مثّل به في "المحرر" 138، فإن قال: لشيء منه .. بطل جزمًا.
وبقي للضمان شرط رابع ذكره الغزالي، وهو: كونه قابلًا لأن يتبرع الإنسان به على غيره، فيخرج القصاص، وحدّ القذف، والأخذ بالشفعة.
(والإبراء من المجهول) جنسًا أو صفة أو قدرًا (باطل في الجديد) لأن البراءة متوقفة على الرضا، ولا يعقل مع الجهالة، والقديم: أنه صحيح؛ لأنه إسقاط محض؛ كالإعتاق.
(إلا من إبل الدية) فإنه يصحُّ الإبراء منها على القولين وإن كانت مجهولةَ الصفة؛ لأنا أثبتناها في ذمة الجاني مع اعتقاد هذه الجهالة 139، فكذا هنا.
(ويصحُّ ضمانها في الأصحِّ) كالإبراء، والثاني: لا؛ لجهالة وصفها، والإبراء مطلوب فوسعنا فيه، بخلاف الضمان.
(ولو قال: "ضمنت ممّا لك على زيد من درهم إلى عشرة" .. فالأصحُّ: صحته) لانتفاء الغرر بذكر الغاية، والثاني: المنع؛ لجهالة المقدار؛ لتردده بين الغايتين.
(وأنه يكون ضامنًا لعشرة) إن كانت عليه، أو كان عليه أكثر منها، إدخالًا للغايتين في الالتزام، (قلت: الأصحُّ: لتسعة، والله أعلم) إدخالًا للطرف الأول؛ لأنه مبتدأ
الجزء: 2 - الصفحة: 227
فصلٌ [في كفالة البدن]
الْمَذْهَبُ: صِحَّةُ كَفَالَةِ الْبَدَنِ، فَإِنْ كَفَلَ بَدَنَ مَنْ عَلَيْهِ مَالٌ .. لَمْ يُشْتَرَطِ الْعِلْمُ بِقَدْرِهِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِمَّا يَصِحُّ ضَمَانُهُ. وَالْمَذْهَبُ: صِحَّتُهَا بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ لآدَمِيٍّ؛ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ، وَمَنْعُهَا فِي حُدُودِ الله تَعَالَى.
الالتزام، وقيل: يكون ضامنًا لثمانية؛ إخراجًا للطرفين؛ لأنها اليقين.
ولم يصحح الرافعي في "الشرحين" هنا ولا في نظيره من (الإقرار) شيئًا، بل نقل تصحيح العشرة هنا وهناك عن البغوي، ورجحه هنا في "المحرر" 140، ونقل هناك تصحيحَ التسعة عن العراقيين والغزالي، وصححه في "المحرر" هناك 141.
(فصل: المذهب: صحة كفالة البدن) لإطباق الناس عليها ومسيس الحاجة إليها، وفي قول: لا تصحُّ؛ لأن الحرَّ لا يدخل تحت اليد، ولا يقدر على تسليمه، والطريق الثاني: القطع بالأول.
(فإن كفل بدن من عليه مال .. لم يُشترط العلم بقدره) لأن الكفالة بالبدن لا بالمال.
(ويُشترط كونه) أي: المال المطالب به (ممّا يصحُّ ضمانه) فلا يصحُّ ببدن المكاتب للنجوم التي عليه؛ كضمانها.
(والمذهب: صحتها ببدن من عليه عقوبة لآدمي؛ كقصاص وحدِّ قذف) لأنه حقٌّ لازم، فأشبه المال، وفي قول: لا؛ لأن العقوبات مبنية على الدرء، وقيل: تصحُّ قطعًا، وقيل: لا قطعًا.
والخلاف مبني على أنه إذا مات .. هل يغرم الكفيل ما عليه من الدين؟ إن قلنا: نعم .. لم يصحَّ، وإلا .. صحت.
(ومنعها في حدود الله تعالى) كحدِّ الخمر والزنا والسرقة؛ لأن مبناها على
الجزء: 2 - الصفحة: 228
وَتَصِحُّ بِبَدَنِ صَبيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمَحْبُوسٍ وَغَائِبٍ وَمَيِّتٍ لِيُحْضِرَهُ فَيُشْهَدَ عَلَى صُورَتِهِ. ثُمَّ إِنْ عَيَّنَ مَكَانَ التَّسْلِيمِ .. تَعَيَّنَ، وَإِلَّا .. فَمَكَانُهَا. وَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِتَسْلِيمِهِ فِي مَكَانِ التَّسْلِيمِ بِلَا حَائِلٍ؛ كَمُتَغَلِّبٍ، وَبِأَنْ يَحْضُرَ الْمَكْفُولُ وَيَقُولَ: (سَلَّمْتُ نَفْسِي عَنْ جِهَةِ الْكَفِيلِ)، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ حُضورِهِ. فَإِنْ غَابَ .. لَمْ يَلْزَمِ الْكَفِيلَ إِحْضَارُهُ إِنْ جَهِلَ مَكَانَهُ،
الإسقاط، وقيل: قولان: ثانيهما: الصحة؛ كحدود الآدميين.
(وتصحُّ ببدن صبي ومجنون) لأنه قد يستحق إحضارهما إلى مجلس الحكم لإقامة الشهادة على صورتهما في الإتلافات وغيرها، ثم إن تكفل بإذن وليهما .. فله مطالبة الولي بإحضارهما عند الحاجة، وإلا .. فكالكفالة ببدن البالغ العاقل بغير إذنه.
(ومحبوس وغائب) بإذنه كما سيأتي وإن تعذر تحصيل الغرض في الحال؛ كما يصحُّ أن يضمن المعسر المال.
(وميت ليُحضِره فيُشهدَ على صورته) لأنه قد يحتاج إلى إحضاره للشهادة على عينه إذا تحملوها كذلك، ولم يعرفوا نسبه، قال الإسنوي: ومحلُّ هذا قبل الدفن، وإلا .. لم تصحَّ الكفالة وإن لم يتغير؛ كما دلَّ عليه كلامهم فيها إذا مات بعد الكفالة 142.
(ثم إن عَيَّن مكان التسليم .. تعين، وإلا) أي: وإن أطلق ( .. فمكانها) أي: مكان الكفالة؛ لأن العرف قاض بذلك.
(ويبرأ الكفيل بتسليمه في مكان التسليم بلا حائل؛ كمتغلب) لقيامه بما وجب عليه، فلو كان هناك متغلب يمنعه عنه .. لم يلزمه قبوله؛ لعدم حصول المقصود.
(وبأن يحضر المكفول ويقول: "سلّمت نفسي عن جهة الكفيل") كما يبرأ الضامن بأداء الأصيل الدين.
(ولا يكفي مجرد حضوره) بلا قوله: (سلمت نفسي عن الكفالة)؛ لأنه لم يسلمه إليه ولا إلى أحد من جهته.
(فإن غاب .. لم يلزم الكفيلَ إحضاره إن جهل مكانه) لعدم إمكانه، فأشبه المعسر
الجزء: 2 - الصفحة: 229
وَإِلَّا .. فَيَلْزَمُهُ، وَيُمْهَلُ مُدَّةَ ذَهَابٍ وَإِيَابٍ، فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يُحْضِرْهُ .. حُبسَ، وَقِيلَ: إِنْ غَابَ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ. . لَمْ يَلْزَمْهُ إِحْضَارُهُ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَاَ مَاتَ وَدُفِنَ .. لَا يُطَالَبُ الْكَفِيلُ بِالْمَالِ،
بالدين، (وإلا .. فيلزمه) إذا كان الإحضار ممكنًا بأمن الطريق، ولا ثم من يمنعه منه؛ كما لو كان مال المديون غائبًا .. فإنه يلزمه إحضاره، ولو احتاج الكفيل إلى غرامة .. كانت في ماله.
(ويمهل مدة ذهاب وإياب) لأنه الممكن، قال الإسنوي: وينبغي أن يعتبر مع ذلك مدة إقامة المسافرين، وهي: ثلاثة أيام غير يوم الدخول والخروج 143؛ للاستراحة وتجهيز المكفول، ولم أره مسطورًا.
(فإن مضت) المدة المذكورة (ولم يحضره .. حُبس) إن لم يؤد الدين؛ لتقصيره، قال في "المطلب": ويدام حبسه إلى أن يتعذر إحضاره بموت، أو جهل مكان، أو إقامته عند من يمنعه، (وقيل: إن غاب إلى مسافة القصر .. لم يلزمه إحضاره) كالولي وشاهد الأصل؛ فإن غيبتهما إلى هذه المسافة كالغيبة المنقطعة، والراجح: اللزوم؛ كغيبة مال المديون في هذه المسافة .. فإنه يؤمر بإحضاره، ولا فرق في جميع ما ذكرناه بين أن تطرأ الغيبة أو يكون غائبًا وقت الكفالة.
(والأصحُّ: أنه إذا مات ودفن .. لا يطالب الكفيلُ بالمال) لأنه لم يلتزمه، والثانى: نعم؛ لأنه وثيقة؛ كالرهن.
وعلى هذا: هل يطالب بالدين أم بالأقلِّ من الدين ودية المكفول؟ فيه وجهان بناء على أن السيد يفدي العبد الجاني بالأرش أم بالأقلِّ، قال في "زيادة الروضة": المختار: أنه يطالب بالدين؛ فإن الدية غيرُ مستحقة، بخلاف قيمة العبد 144.
وظاهر إطلاق المصنف: أنه لا فرق في جريان الخلاف بين أن يُخلِّف المكفول وفاءً أم لا، قال السبكي: وظاهر كلامهم: اختصاصه بما إذا لم يُخلِّف ذلك.
واحترز بـ (المال): عن العقوبة؛ فإنه لا يطالب بها جزمًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 230
وَأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ فِي الْكَفَالَةِ أَنَّهُ يَغْرَمُ الْمَالَ إِنْ فَاتَ التَّسْلِيمُ .. بَطَلَتْ، وَأَنَّهَا لَا تَصِحُّ بِغَيْرِ رِضَا الْمَكْفُولِ.
فصلٌ [في صيغتي الضمان والكفالة]
يُشْتَرَطُ فِي الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ لَفْظٌ يُشْعِرُ بِالالْتِزَامِ؛ كـ (ضَمِنْتُ دَيْنَكَ عَلَيْهِ)، أَوْ (تَحَمَّلْتُهُ)، أَوْ (تَقَلَّدْتُهُ)، أَوْ (تَكَفَّلْتُ بِبَدَنِهِ)، أَوْ (أَنَا بِالْمَالِ، أَوْ بِإِحْضَارِ الشَّخْصِ ضَامِنٌ)، أَوْ (كَفِيلٌ)، أَوْ
(وأنه لو شرط في الكفالة أنه يغرم المال إن فات التسليم) كقوله: (كفلت بدنه بشرط الغرم) ونحوه ( .. بطلت) لأنه شَرَط ما ينافيها، وهذا بناء على أنه لا يغرم عند الإطلاق، والثاني: يصحُّ؛ بناء على مقابله، فإن قال: (كفلت بدنه؛ فإن مات فعليَّ المال) .. صحت الكفالة، وبطل الالتزام.
قاله الماوردي 145.
(وأنها لا تصحُّ بغير رضا المكفول) بناء على أنه لا يغرم المال عند العجز؛ لأنه لا فائدة لها؛ لأنه لا يلزمه الحضور معه، والفرض: أنه لا يلزمه المال، والثاني: تصحُّ؛ بناء على أنه يغرم فيلزمه المال؛ لأنه عاجز.
ومحل الخلاف: ما إذا تكفل بعد ثبوت المال، أما قبله .. فلا تصحُّ بدون إذنه قطعًا، حكاه في "الكفاية" عن القاضي الحسين، وجرى عليه البغوي 146.
(فصل: يشترط في الضمان والكفالة) للبدن (لفظ يشعر بالالتزام) كغيره من العقود.
وقوله: (لفظ): يخرج الخط، وإشارة الأخرس المفهمة، مع أن الضمان ينعقد بهما.
(كـ "ضمنت) لك (دينك عليه"، أو "تحمّلته"، أو "تقلّدته"، أو "تكفّلت ببدنه"، أو "أنا بالمال، أو بإحضار الشخص ضامن"، أو "كفيل"، أو
الجزء: 2 - الصفحة: 231
(زَعِيمٌ)، أَوْ (حَمِيلٌ). وَلَوْ قَالَ: (أُؤَدِّي الْمَالَ أَوْ أُحْضِرُ الشَّخْصَ) .. فَهُوَ وَعْدٌ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُمَا بِشَرْطٍ، وَلَا تَوْقِيتُ الْكَفَالَةِ، وَلَوْ نَجَّزَهَا وَشَرَطَ تَأْخِيرَ الإِحْضَارِ شَهْرًا .. جَازَ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِّ مُؤَجَّلًا أَجَلًا مَعْلُومًا،
"زعيم"، أو "حميل") لثبوت بعضها بالنصِّ، والباقي بالقياس مع اشتهارها، ومن ألفاظه: (التزمت)، (وأنا به قبيل)، وكذا (عليّ ما على فلان) كما ذكره الرافعي في (الإقرار) 147.
ولو قال: (خلِّ عن فلان والدين الذي عليه عندي) .. فليس بصريح، وكذا دين فلان إلي على الأقوى في "زيادة الروضة" 148.
(ولو قال: "أؤدي المال، أو أحضر الشخص" .. فهو وعد) وليس التزامًا؛ لأن الصيغة لا تشعر بالالتزام.
نعم؛ إن احتفت به قرينة تصرفه إلى الإنشاء .. قال في "المطلب": فينبغي أن يصحَّ، ولكني لم أره.
(والأصحُّ: أنه لا يجوز تعليقهما) يعني: الضمان والكفالة (بشرط) كالبيع، والثاني: يجوز؛ لأن القبول لا يشترط فيهما، فجاز تعليقهما؛ كالطلاق والعتاق.
(ولا توقيت الكفالة) كضمان المال، وصورته: أنا كفيل به إلى شهر، وبعده أنا بريء، والثاني: يجوز؛ لأنه قد يكون له غرض في تسليمه في هذه المدة، بخلاف المال؛ فإن المقصود منه الأداء.
(ولو نجزها وشرط تأخير الإحضار شهرًا) كقوله: (ضمنت إحضاره بعد شهر) ( .. جاز) لأنه التزام لعمل في الذمة، فجاز مؤجلًا؛ كالعمل في الإجارة.
واحترز بذكر الشهر: عما إذا ذكر زمنًا مجهولًا؛ فإن الأصحَّ: البطلان.
(وأنه يصحُّ ضمان الحالِّ مؤجلًا أجلًا معلومًا) لأن الضمان تبرع وتدعو الحاجة إليه، فصححناه على حسب ما التزمه، والثاني: لا يصحُّ؛ للاختلاف.
الجزء: 2 - الصفحة: 232
وَأَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْمُؤَجَّلِ حَالًّا، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّعْجِيلُ. وَلِلْمُسْتَحِقِّ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ وَالأَصِيلِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَصِيلِ. وَلَوْ أَبْرَأَ الأَصِيلَ .. بَرِئَ الضَّامِنُ، وَلَا عَكْسَ.
وقوله: (الحالّ) أحسن من قول "المحرر": (ضمان المال الحال) 149؛ لشموله من تكفّل كفالة مؤجلة ببدن من تكفل بغيره كفالة حالة.
(وأنه يصحُّ ضمان المؤجل حالًّا)؛ لأنه تبرع بالتزام التعجيل فصحَّ؛ كأصل الضمان، والثاني: لا؛ للمخالفة.
(وأنه لا يلزمه التعجيل) كما لو التزم الأصيل التعجيل، والثاني: يلزمه؛ كأصل الضمان.
فعلى الأول: هل يثبت الأجل في حقه مقصودًا أو تبعًا؟ وجهان تظهر فائدتهما فيما
لو مات الأصيل؛ فإن جعلناه في حقِّه تابعًا .. حلَّ عليه، وإلا .. فلا، كما لو مات المضمون على الصحيح.
(وللمستحق مطالبة الضامن) لحديث: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" 150، (والأصيل) لأن الضمان معناه: ضمّ ذمة إلى ذمة، والغرض به: التوثق.
(والأصحُّ: أنه لا يصحُّ) الضمان (بشرط براءة الأصيل) لمنافاته مقتضاه، والثاني: يصحُّ الضمان والشرط؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ضمان أبي قتادة: "هُمَا عَلَيْكَ، وَفِي مَالِكَ، وَالْمَيِّتُ مِنْهُمَا بَرِيءٌ"، فقال: نعم، صحح الحاكم إسناده 151.
وقيل: يصحُّ الضمان دون الشرط.
(ولو أبرأ الأصيلَ .. برئ الضامن) لسقوط الحقِّ (ولا عكس) لأنه إسقاط وثيقة، فلا يسقط بها الدين؛ كفك الرهن.
وفي معنى الإبراء: أداء الدين، والاعتياض عنه، والحوالة به وعليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 233
وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا .. حَلَّ عَلَيْهِ دُونَ الآخَرِ. وَإِذَا طَالَبَ الْمُسْتَحِقُّ الضَّامِنَ .. فَلَهُ مُطَالَبَةُ الأَصِيلِ بِتَخْلِيصِهِ بِالأَدَاءِ إِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُطَالِبُهُ قَبْلَ أَنْ يُطَالَبَ. وَلِلضَّامِنِ الرُّجُوعُ عَلَى الأَصِيلِ إِنْ وُجِدَ إِذْنُهُ فِي الضَّمَانِ وَالأَدَاءِ، وَإِنِ انْتَفَى فِيهِمَا .. فَلَا،
قال في "العجالة": (فلو عبر بقوله: "برئ" .. كان أشمل).
انتهى 152، وفيه نظر؛ فإنه تقييد قوله: (ولا عكس)، فإنه لو برئ الكفيل بالأداء .. برئ الأصيل، فالتعبير بالإبراء في الثانية .. متعين.
(ولو مات أحدهما .. حلّ عليه) لوجود سبب الحلول (دون الآخر) لأنه حي يرتفق بالأجل.
(وإذا طالب المستحِقُّ الضامن .. فله مطالبة الأصيل بتخليصه بالأداء إن ضمن بإذنه) كما أنه يغرمه إذا غرم، ومعنى التخليص: أنه يؤدي دين المضمون له؛ ليبرأ الضامن.
(والأصحُّ: أنه لا يطالبه قبل أن يطالَب) لأنه لم يغرم شيئًا، ولا طولب بشيء، والثاني: نعم؛ كما لو استعار عينًا للرهن ورهنها .. فإن للمالك مطالبتَه بفكها.
وفرق الأول: بأن الرهن محبوس بالدين، وفيه ضرر ظاهر، والضامن ليس محبوسًا به.
ومحل الخلاف: إذا كان الدين حالًّا، فأما إذا كان مؤجلًا .. فليس له مطالبته قطعًا، نبه عليه صاحب "المعين"، وهو ظاهر.
(وللضامن الرجوع على الأصيل إن وُجِد إذنُه في الضمان والأداء) لأنه صرف ماله إلى منفعة الغير بإذنه، فأشبه ما لو قال: (اعلف دابتي) فعلفها، هذا إذا أدى من ماله، أما لو أخذ من سهم الغارمين وأدى به الدين .. لم يرجع، خلافًا للمتولي؛ كما ذكراه في (قسم الصدقات) 153.
(وإن انتفى فيهما) أي: في الضمان والأداء ( .. فلا) لأنه متبرع.
الجزء: 2 - الصفحة: 234
وَإِنْ أَذِنَ فِي الضَّمَانِ فَقَطْ .. رَجَعَ فِي الأَصَحِّ، وَلَا عَكْسَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَدَّى مُكَسَّرًا عَنْ صِحَاحٍ أَوْ صَالِحَ عَنْ مِئَةٍ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ خَمْسُونَ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَّا بِمَا غَرِمَ. وَمَنْ أَدَّى دَيْنَ غَيْرِهِ بِلَا ضَمَانٍ وَلَا إِذْنٍ .. فَلَا رُجُوعَ،
(وإن أذن في الضمان فقط) بأن سكت عن الأداء ( .. رجع في الأصحِّ) لأن الضمان يوجب الأداءَ، فكان الإذن فيه إذنًا لما يترتب عليه، والثاني: لا؛ لانتفاء الإذن في الأداء.
وعلى الأول: يستثنى ما إذا كان الضمان بالإذن قد ثبت بالبينة وهو مُنكِر؛ كما لو ادعى على زيد وغائب ألفًا، وإن كلًّا منهما ضمن ما على الآخر، فأنكر زيد، فأقام المدعي بذلك بينة وأخذ من زيد .. فالأصح: أن زيدًا لا يرجع على الغائب بالنصف إذا كان مكذبًا للبينة؛ لأنه مظلوم بزعمه؛ فلا يطالب غير ظالمه.
(ولا عكس في الأصحِّ) أي: وهو ما إذا ضمن بغير الإذن، وأدى بالإذن؛ لأن وجوب الأداء سببُه الضمان، ولم يأذن فيه، والثاني: يرجع؛ لأنه أسقط الدين عن الأصيل بإذنه.
ولو أذن في الأداء بشرط الرجوع .. ففيه احتمالان للإمام، صحح في "زيادة الروضة" منهما الرجوع 154.
(ولو أدى مكسَّرًا عن صحاح، أو صالح عن مئةٍ بثوب قيمتُه خمسون .. فالأصحُّ: أنه لا يرجع إلا بما غرم) لأنه الذي بذله، والثاني: يرجع بالصحاح والمئة؛ لحصول براءة الذمة به، والنقصان جرى من ربِّ المال مسامحة.
نعم؛ لو باعه الثوب بمئة وتقاضا .. رجع بالمئة بلا خلاف.
ولو باعه الثوب بما ضمنه له عن فلان .. فالمختار في "زيادة الروضة": أنه يصحُّ البيع، ويرجع بما ضمنه لا بالأقل 155.
(ومن أدى دين غيره بلا ضمان ولا إذن .. فلا رجوع)؛ لتبرعه، وبرئ المدين.
الجزء: 2 - الصفحة: 235
وَإِنْ أَذِنَ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ .. رَجَعَ، وَكَذَا إِنْ أَذِنَ مُطْلَقًا فِي الأَصَحِّ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ مُصَالَحَتَهُ عَلَى غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ. ثُمَّ إِنَّمَا يَرْجِعُ الضَّامِنُ وَالْمُؤَدِّي إِذَا أَشْهَدَ بِالأَدَاءِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، وَكَذَا رَجُلٌ لِيَحْلِفَ مَعَهُ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يُشهِدْ .. فَلَا رُجُوعَ إِنْ أَدَّى فِي غَيْبَةِ الأَصِيلِ وَكَذَّبَهُ، وَكَذَا إِنْ صَدَّقَهُ فِي الأَصَحِّ،
(وإن أذن بشرط الرجوع .. رجع) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" 156.
(وكذا إن أذن مطلقًا في الأصحِّ) للعرف، والثاني: لا يرجع؛ لأنه لم يوجد منه سوى الإذن في الأداء، وليس من ضرورة الأداء الرجوع، وعلى الأصحِّ: الفرق بين هذا وبين ما لو قال.: (اغسل ثوبي) ونحو ذلك من غير اشتراط شيء - فإن الأصحَّ: أنه لا يستحق أجرة -: أن المسامحة في المنافع أكثر منها في الأعيان.
(والأصحُّ: أن مصالحته على غير جنس الدين لا تمنع الرجوع) لأن الإذن إنما يقصد البراءة، وقد حصلت، والثاني: يمنع؛ لأنه إنما أذن في الأداء دون المصالحة.
(ثم إنما يرجع الضامن والمؤدي إذا أشهد بالأداء رجلين 157، أو رجلًا وامرأتين)؛ لثبوت الحق بذلك.
(وكذا رجلٌ ليحلف معه في الأصحِّ) لأنه كاف في إثبات الأداء، والثاني: لا؛ لأنهما قد يترافعان إلى قاض لا يرى القضاء بشاهد ويمين، فكان ذلك ضربًا من التقصير.
(فإن لم يُشهد) وأنكر رب المال ( .. فلا رجوع إن أدى في غيبة الأصيل وكذَّبه) الأصيل؛ لأن الأصل عدمُ الأداء، وهو مقصر بترك الإشهاد.
(وكذا إن صدقه في الأصحِّ) لأنه لم يؤدِّ ما ينتفع به الأصيلُ؛ لأن المطالبة باقية،
الجزء: 2 - الصفحة: 236
وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمَضْمُونُ لَهُ أَوْ أَدَّى بِحَضْرَةِ الأَصِيلِ .. رَجَعَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
والثاني 158: يرجع؛ لاعترافه أنه أبرأ ذمته بإذنه.
(وإن صدقه المضمون له) 159، وكذبه المضمون عنه (أو أدى بحضرة الأصيل .. رجع على المذهب) أما في الأولى .. فلسقوط الطلب بإقرار المستحق، وإقرارُه أقوى من البينة، ووجه مقابله: أن قول ربِّ المال لا يكون حجةً على الأصيل، ويحتمل أن يكون أبرأه، وأما في الثانية .. فلأنه في الغيبة مستبد بالأمر، فعليه الاحتياط والتوثق، وإذا كان الأصيل حاضرًا .. فهو أولى بالاحتياط، والتقصيرُ بترك الإشهاد منسوبٌ إليه، ووجه مقابله: القياس على ما إذا أداه في غيبته.
الجزء: 2 - الصفحة: 237
كتابُ الشّركة هِيَ أَنْوَاعٌ: شَرِكَةُ الأَبْدَانِ؛ كَشَرِكَةِ الْحَمَّالِينَ وَسَائِرِ الْمُحْتَرِفَةِ؛ لِيَكُونَ بَيْنَهُمَا كَسْبُهُمَا مُتَسَاوِيًا أَوْ مُتَفَاوِتًا مَعَ اتِّفَاقِ الصَّنْعَةِ أَوِ اخْتِلَافِهَا. وَشَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ؛ لِيَكُونَ بَيْنَهُمَا كَسْبُهُمَا وَعَلَيْهِمَا مَا يَعْرِضُ مِنْ غُرْمٍ. وَشَرِكَةُ الْوُجُوهِ؛ بِأَنْ يَشْتَرِكَ الْوَجِيهَانِ لِيَبْتَاعَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمُؤَجَّلٍ لَهُمَا، فَإِذَا بَاعَا .. كَانَ الْفَاضِلُ عَنِ الأَثْمَانِ بَيْنَهُمَا. وَهَذِهِ الأَنْوَاعُ بَاطِلَةٌ.
﴿كتاب الشركة﴾
هي بكسر الشين وإسكان الراء، وقيل: بفتح الشين وكسر الراء.
وهي في اللغة: الاختلاط، وفي الشرع: ثبوت الحقِّ في الشيء الواحد لشخصين فصاعدًا على جهة الشيوع.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يَقُولُ الله تَعَالَى: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ .. خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا" رواه أبو داوود والحاكم، وقال: صحيح الإسناد 160.
(هي أنواع) أربعة (شركة الأبدان؛ كشركة الحمالين وسائر المحترفة؛ ليكون بينهما كسبهما متساويًا أو متفاوتًا مع اتفاق الصنعة أو اختلافها)، كنجار وخياط.
(وشركة المفاوضة؛ ليكون بينهما كسبهما) سواء كان بالبدن، أو المال من غير خلط مال، (وعليهما ما يعرض من غرم) بغصب، أو إتلاف، أو بيع فاسد.
(وشركة الوجوه؛ بأن يشترك الوجيهان؛ ليبتاع كلٌّ منهما بمؤجل لهما، فإذا باعا .. كان الفاضل عن الأثمان بينهما، وهذه الأنواع باطلة) أما الأول: فلأن كلَّ واحد منهما متميزٌ ببدنه ومنافعه، فيختصُّ بفوائده؛ كما لو اشتركا في ماشيتهما وهي متميزة؛ ليكون الدَّرُّ والنَّسْل بينهما، وأما الثاني: فلاشتمالها على أنواع من الغرر،
الجزء: 2 - الصفحة: 239
وَشَرِكَةُ الْعِنَانِ صَحِيحَةٌ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا: لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى الإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ، فَلَوِ اقْتَصَرَا عَلَى: (اشْتَرَكْنَا) .. لَمْ يَكْفِ فِي الأَصَحِّ، وَفِيهِمَا: أَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ
ولهذا قال الشافعي - رضي الله عنه -: لا أعرف في الدنيا شيئًا باطلًا إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة، ولا أعلم القمار إلا هذا، أو أقلّ منه 161، وأما الثالث: فلأنها شركة من غير مال، وما اشتراه كلُّ واحد منهما .. فهو ملكه، له ربحه وعليه غرمه.
وسميت شركةُ المفاوضة بذلك من قولهم: (تفاوضا في الحديث) إذا شرعا فيه جميعًا.
(وشركة العنان) بكسر العين (صحيحة) بالإجماع، مأخوذة من عنان الدابة، أو من عَنَّ الشيء: إذا ظهر؛ لأن جوازها ظاهر.
(ويشترط فيها) من الناطق (لفظ يدلُّ على الإذن في التصرف) من واحد للآخر في نصيب نفسه؛ لأن المال المشترك لا يجوز لأحد الشريكين التصرف فيه إلا بإذن صاحبه، ولا يعرف الإذن إلا بصيغة تدلُّ عليه، وإشارة الأخرس المفهمة كاللفظ من الناطق على المذهب.
(فلو اقتصرا على: "اشتركنا" .. لم يكف في الأصحِّ) لاحتمال كونه إخبارًا عن حصول الشركة في المال، ولا يلزم من حصول الشركة جوازُ التصرف، بدليل الموروث، والثاني: يكفي؛ لفهم المقصود عرفًا.
(وفيهما) أي: ويشترط في الشريكين (أهلية التوكيل والتوكل) على ما سيأتي؛ لأن كلَّ واحد منهما وكيلٌ عن صاحبه في شيء وموكِّلُه في شيءآخر، هذا إذا أذن كلُّ واحد منهما للآخر في التصرف، فإن كان المتصرف أحدهما فقط .. اشترط فيه أهليةُ التوكل، وفي الآذن .. أهلية التوكيل، حتى يصحَّ أن يكون الثاني أعمى دون الأول، قاله في "المطلب".
وقضية إطلاق المصنف: أنه يجوز للولي عقد الشركة على مال محجوره، قال في "المطلب": وهو قضية كلامهم، وقد يقال: بمنعها؛ لاستلزامها خلطَ ماله قبل العقد بلا مصلحة، بل قد يؤثر نقصًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 240
وَتَصِحُّ فِي كُلِّ مِثْلِيٍّ دُونَ الْمُتَقَوِّمِ، وَقِيلَ: تَخْتَصُّ بِالنَّقْدِ الْمَضْرُوبِ. وَيُشْتَرَطُ خَلْطُ الْمَالَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزَانِ، وَلَا يَكْفِي الْخَلْطُ مَعَ اخْتِلَافِ جِنْسٍ، أَوْ صِفَةٍ كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ، هَذَا إِذَا أَخْرَجَا مَالَيْنِ وَعَقَدَا، فَإِنْ مَلَكَا مُشْتَرَكًا بإِرْثٍ وَشِرَاءٍ وَغَيْرِهِمَا وَأَذِنَ كُلٌّ لِلآخَرِ فِي التِّجَارَةِ فِيهِ .. تَمَّتِ الشَّرِكَةُ. وَالْحِيلَةُ فِي الشَّرِكَةِ فِي الْعُرُوضِ: أَنْ يَبِيعَ كُلُّ وَاحِدٍ بَعْضَ عَرْضِهِ بِبَعْضِ عَرْضِ الآخَرِ وَيَأْذَنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ
(وتصحُّ في كلِّ مثلي) أما النقدان .. فبالإجماع، وأما غير النقدين؛ كالقمح ونحوه .. فعلى الأظهر؛ لأنه إذا اختلط بجنسه .. ارتفع التمييز، فأشبه النقدين.
(دون المتقوم) بكسر الواو؛ لأنه لا يمكن الخلط في المتقومات، وحينئذ قد يتلف مال أحدهما أو ينقص، فلا يمكن قسمة الآخر بينهما.
وقضية كلامه تبعًا لـ "أصله": أنه لا تصحّ الشركة على النقد المغشوش؛ لأنه من المتقومات 162، والأصح في "زيادة الروضة": صحتها إذا استمر رواجُها في البلد 163.
(وقيل: تختصُّ بالنقد المضروب) كالقراض (ويشترط خلط المالين) قبل العقد (بحيث لا يتميزان) لما ذكرناه في امتناع المتقوم.
(ولا يكفي الخلط مع اختلاف جنس) كدراهم ودنانير، (أو صفة؛ كصحاح ومكسرة) لإمكان التمييز (هذا إذا أخرجا مالين وعقدا؛ فإن ملكا مشتركًا بإرث وشراء وغيرِهما وأذن كلٌّ للآخر في التجارة فيه .. تمت الشركة)؛ لأن المعنى المقصود بالخلط حاصلٌ.
(والحيلة في الشركة في العروض: أن يبيع كلُّ واحد بعض عَرضه ببعض عرض الآخر ويأذن له في التصرف) بعد التقابض وغيره مما شرط في البيع، وحينئذ فيملكانه بالسوية إن بيع نصفٌ بنصف، فإن بيع ثلث بثلثين، أو ربع بثلاثة أرباع؛ لأجل تفاوتهما في القيمة .. ملكاه على هذه النسبة، وسواء تجانس العرضان أو اختلفا.
وكان ينبغي أن يقول: (والحيلة في المتقومات) لأن الشركة في المثليات جائزةٌ
الجزء: 2 - الصفحة: 241
وَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي قَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِقَدْرِهِمَا عِنْدَ الْعَقْدِ. وَيَتَسَلَّطُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى التَّصَرُّفِ بِلَا ضَرَرٍ؛ فَلَا يَبِيعُ نَسِيئَةً وَلَا بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَلَا بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَلَا يُسَافِرُ بِهِ وَلَا يُبْضِعُهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ. وَلِكُلٍّ فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ، وَيَنْعَزِلَانِ عَنِ التَّصَرُّفِ بِفَسْخِهِمَا، فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: (عَزَلْتُكَ)، أَوْ (لَا تَتَصَرَّفْ فِي نَصِيبِي) .. لَمْ يَنْعَزِل الْعَازِلُ.
بالخلط مع أنها من العروض؛ إذ العرض ما عدا النقد.
وقوله: (كلُّ واحد) الأولى حذف لفظة (كلّ) فإنه لو باع أحدهما بعضَ عرضه ببعض عرض الآخر .. حصل الغرض.
(ولا يشترط تساوي قدرِ المالين) بل تثبت الشركة مع التفاوت على نسبة المالين؛ لأنه لا محذور فيه؛ إذ الربح والخسران على قدر المالين؛ كما سيأتي.
(والأصحُّ: أنه لا يشترط العلم بقدرهما) أي: المالين من جهة النسبة؛ بأن يعرفا أن المال بينهما مثالثة أو مناصفة (عند العقد) إذا أمكن معرفته من بعد، بمراجعة حساب أو وكيل، كذا قيده الرافعي 164؛ لأن الحقَّ لا يعدوهما، وقد تراضيا، والثاني: يشترط، وإلا .. يؤدي إلى جهل كلٍّ منهما بما أَذن فيه، وبما أُذن له فيه.
(ويتسلط كلٌّ منهما على التصرف بلا ضرر؛ فلا يبيع نسيئة، ولا بغير نقد البلد، ولا بغبن فاحش) ولا يشتري، (ولا يسافر به، ولا يُبضعه) بأن يعطيه لمن يتصرف فيه متبرعًا والربح للمالك (بغير إذن) لأن الشركة في الحقيقة توكيل وتوكُّل، وسيأتي في الوكالة أنه ليس للوكيل ذلك.
وقوله: (بغير إذن) قيد في الكلِّ، فإن أذن في شيء منها .. جاز.
(ولكلٍّ فسخه)؛ أي: فسخ عقد الشركة (متى شاء) كالوكالة.
(وينعزلان عن التصرف بفسخهما) أي: بفسخ كلٍّ منهما؛ لزوال العقد.
(فإن قال أحدهما: "عزلتك" أو "لا تتصرف في نصيبي" .. لم ينعزل العازل) بل المخاطب فقط؛ لأن المتكلم لم يمنعه أحد، بخلاف المخاطب.
الجزء: 2 - الصفحة: 242
وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَبِجُنُونِهِ وَبِإِغْمَائِهِ. وَالرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ، تَسَاوَيَا فِي الْعَمَلِ أَوْ تَفَاوَتَا، فَإِنْ شَرَطَا خِلَافَهُ .. فَسَدَ الْعَقْدُ، فَيَرْجِعُ كُلٌّ عَلَى الآخَرِ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ فِي مَالِهِ، وَتَنْفُذُ التَّصَرُّفَاتُ، وَالرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ. وَيَدُ الشَّرِيكِ يَدُ أَمَانَةٍ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَالْخُسْرَانِ وَالتَّلَفِ، فَإِنِ ادَّعَاهُ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ .. طُولِبَ بِبيِّنَةٍ بالسَّبَبِ، ثُمَّ يُصَدَّقُ فِي التَّلَفِ بِهِ، وَلَوْ قَالَ مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ: (هُوَ لِي)، وَقَالَ الآخَرُ: (مُشْتَرَكٌ)، أَوْ بِالْعَكْسِ .. صُدِّقَ صَاحِبُ الْيَدِ،
(وتنفسخ بموت أحدهما، وبجنونه، وبإغمائه) كالوكالة، قال في "الكفاية": وكذا بطروء حجر السفه 165.
(والربح والخسران على قدر المالين، تساويا في العمل أو تفاوتا) سواء شرطاه أم لا؛ عملًا بقضية الشركة.
(فإن شرطا خلافه .. فسد العقد) لأنه مخالف لموضوع الشركة، (فيرجع كلٌّ على الآخر بأجرة عمله في ماله) أي: مال الآخر؛ كما في القراض إذا فسد.
نعم؛ لو تساويا في المال وتفاوتا في العمل، وشُرط الأقلُّ للأكثر عملًا .. لم يرجع بالزائد على الأصح؛ لأنه عمل متبرعًا.
(وتنفذ التصرفات) لوجود الإذن (والربح على قدر المالين) لأنه مستفاد منهما.
(ويد الشريك يد أمانة، فيقبل قوله في الردِّ والخسران والتلف) كالمودع والوكيل، (فإن ادعاه)، يعني: التلف (بسبب ظاهر .. طولب ببينةٍ بالسبب، ثم يُصدَّق في التلف به) هذه المسألة قد ذكرها المصنف في آخر (الوديعة) مستوفاة، والمذكور هنا يحتاج إلى تفصيل فيراجع من هناك.
(ولو قال من في يده المال: "هو لي"، وقال الآخر: "مشترك"، أو بالعكس .. صدق صاحب اليد)؛ لأنها تدلُّ على الملك، وقد ادعى صاحبها جميعَ المال في المسألة الأولى، ونصفَه في الثانية.
الجزء: 2 - الصفحة: 243
وَلَوْ قَال: (اقْتَسَمْنَا وَصارَ لِي) .. صُدِّقَ الْمُنْكِرُ، وَلَوِ اشْتَرَى وَقَالَ: (اشْتَرَيْتُهُ لِلشَّرِكَةِ أَوْ لِنَفْسِي)، وَكَذَّبَهُ الآخَرُ .. صُدِّقَ الْمُشْتَرِي.
(ولو قال: "اقتسمنا وصار لي" .. صدق المنكِر)؛ لأن الأصل عدمُ القسمة.
(ولو اشترى وقال: "اشتريته للشركة أو لنفسي"، وكذبه الآخر .. صدق المشتري)؛ لأنه أعرف بقصده، وسواء ادعى أنه صرح بالشراء للشركة أو نواه، والغالب وقوع ذلك في الأولى حالةَ ظهور الخسران، وفي الثانية حالةَ ظهور الربح.
الجزء: 2 - الصفحة: 244
كتابُ الوكالة شَرْطُ الْمُوَكِّلِ: صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ مَا وَكَّلَ فِيهِ بِمِلْكٍ أَوْ وِلَايَةٍ، فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا الْمَرْأَةِ وَالْمُحْرِمِ فِي النِّكِاحِ،
﴿كتاب الوكالة﴾
هي بفتح الواو وكسرها.
وهي في اللغة: التفويض، وفي الاصطلاح: تفويض ما له فعله مما يقبل النيابة إلى غيره ليفعله في حال حياته.
والأصل فيها: الإجماع، والسنة الصحيحة الشهيرة؛ كقصة عروة البارقي وغيره، وفي القرآن ما يدلُّ عليها، وهو قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية، بل قال القاضي الحسين وغيره: إنه مندوب إليها.
(شرط الموكِّل: صحة مباشرته ما وكل فيه بملك أو ولاية، فلا يصحُّ توكيل صبي ولا مجنون) لأن الوكيل فرع ونائب عن الموكل، فإذا لم يقدر الأصلُ على تعاطي الشيء .. فنائبه أولى ألا يقدر، والمغمى عليه كالمجنون، وكذا النائم.
واحترز بالملك والولاية: عن الوكيل فإنه لا يوكل عند الإطلاق؛ كما سيأتي؛ لأنه ليس بمالك ولا ولي، وعن العبد المأذون؛ لأنه إنما يتصرف بالإذن فقط، وهذا الضابط ذكره الغزالي 166، وأورد عليه الرافعي الوكيل؛ فإنه قد يوكل عنه لا عن الموكل؛ كما سيأتي، وحينئذ فلا يصحُّ اشتراط كون الموكِّل مالكًا للتصرف بملك أو ولاية 167.
وقوله: (ما وكل) هو بفتح الواو.
(ولا المرأة والمحرم في النكاح) أما المرأة .. فلأنها لا تزوج نفسها، والمراد: أنها لا توكل أجنبيًّا في تزويجها، فأما لو أذنت للولي بصيغة الوكالة .. فإنه يصحُّ؛ كما نقله في "البيان" عن النصِّ 168.
الجزء: 2 - الصفحة: 245
وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْوَلِيِّ فِي حَقِّ الطِّفْلِ، وَيُسْتَثْنَى تَوْكِيلُ الأَعْمَى فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .. فَيَصِحُّ
وأما المحرم .. فللنهي عنه في "صحيح مسلم" 169، وهذا محمول على ما إذا وكَّله ليعقد عنه في حال الإحرام، فإن وكَّله ليعقد له بعد التحلل، أو أطلق .. صحَّ، وكذا لو وكَّل حلالٌ محرمًا ليوكِّل حلالًا بالتزويج على الأصح؛ لأنه سفير محض.
(ويصحُّ توكيل الولي في حقِّ الطفل) في النكاح وغيره؛ لولايته عليه.
وتعبيره بالطفل تبع فيه "المحرر" 170، والصواب: حذفه؛ كما هو في "الشرح" و"الروضة"؛ ليدخل المجنون والسفيه.
(ويستثنى) مما ذكرناه (توكيل الأعمى في البيع والشراء) وكذا سائر العقود المتوقفة على الرؤية؛ كالإجارة والأخذ بالشفعة (فيصحُّ) وإن لم يَقدر على مباشرته؛ للضرورة.
ويستثنى من هذا الضابط: مسائل كثيرة؛ بعضُها من طرده، وبعضها من عكسه؛ فمما يستثنى من طرده: الولي غير المجبر، إذا أذنت له في النكاح ونهته عن التوكيل، فلا يوكل قطعًا، ومنها: إذا جوزنا لصاحب الدين أن يكسر الباب ويأخذ ما يجده، فإنه لا يجوز له التوكيل فيه، كما صرح به جماعة، ومنها: التوكيل في الإقرار ممتنع على الصحيح، ومنها: إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة له أن يختار أربعًا، ولا يوكل في ذلك، إلا إذا عين الموكل المختارات للنكاح، فيجوز في الأصح.
ومما يستثنى من العكس: توكيل المشتري البائع، أو المسلم المسلم إليه في أن يوكل من يقبض عنه، فإنه يصحُّ مع استحالة مباشرته القبضَ من نفسه، ومنها: إذا قال: (إن طلقتك .. فأنت طالق قبله ثلاثًا) وقلنا: لا يقع الطلاق، فوكل .. فإنه يصحُّ، كما قاله الرافعي، ومنها: التوكيل في استيفاء قصاص الطرف وحدِّ القذف، فإنه جائز مع امتناع الموكل من مباشرته، ومنها: مسألة توكيل الحلال محرمًا، ليوكل حلالًا في التزويج؛ كما مرَّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 246
وَشَرْطُ الْوَكِيلِ: صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ، لَا صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ وَالْمُحْرِمُ فِي النِّكَاحِ، لَكِنِ الصَّحِيحُ: اعْتِمَادُ قَوْلِ صَبِيٍّ فِي الإِذْنِ فِي دُخُولِ دَارٍ وَإِيصَالِ هَدِيَّةٍ، وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ تَوْكِيلِ عَبْدٍ فِي قَبُولِ نِكَاحٍ،
(وشرط الوكيل: صحة مباشرته التصرفَ لنفسه) كما في الموكل.
ويستثنى توكيل الولي فاسقًا في بيع مال محجوره، فإنه لا يجوز.
(لا صبيٍّ ومجنون) لسلب عبارتهما، والمغمى عليه كالمجنون، وكذا النائم.
ومحلُّ عدم صحة توكيل الصبي: فيما لا يصحُّ منه مباشرته، فيجوز توكيله في حجِّ التطوع والذبح ولو في أضحية، وفي تفرقة الزكاة؛ كما مرَّ في بابه.
(وكذا المرأة والمُحرم في النكاح) لسلب عبارتهما فيه إيجابًا وقبولًا.
و(المحرم) بضم الميم، أما مفتوحها .. فيجوز أن يكون وكيلًا في القبول وإن كان لا يصحُّ تعاطيه لنفسه، وألحق بعضهم الخنثى بالمرأة؛ للشك في أهليته.
(لكن الصحيح: اعتماد قول صبي في الإذن في دخول دار وإيصال هدية) لتسامح السلف في مثل ذلك، وهو توكيل من جهة الآذن والمهدي، والثاني: لا؛ كغيره من التصرفات.
ومحل الخلاف: إذا كان مأمونًا، وإلا .. فلا يعتمد قطعًا، وما إذا لم تكن قرينة؛ فإن احتفت به قرينة أفادت العلم .. اعتُمد قطعًا، والكافر والفاسق كالصبي في ذلك.
(والأصحُّ: صحة توكيل عبد في قبول نكاح) إذ لا ضرر على السيد فيه، والثاني: لا؛ إذ لا يستقل فيه بنفسه.
ومحل الخلاف: إذا لم يأذن فيه، فإن أذن .. صحَّ قطعًا؛ كذا ذكره في "الروضة" في النكاح، وقال هنا بعد أن حكى الخلاف مع الإذن: (المختار: الجواز مطلقًا) 171.
وهذه المسألة مستثناة من عكس القاعدة، وهو أن من لا تصحُّ مباشرتُه لنفسه .. لا تصحُّ وكالته.
الجزء: 2 - الصفحة: 247
وَمَنْعُهُ فِي الإِيجَابِ. وَشَرْطُ الْمُوَكَّلِ فِيهِ: أَنْ يَمْلِكَهُ الْمُوَكِّلُ، فَلَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْع عَبْدٍ سَيَمْلِكُهُ، وَطَلاقِ مَنْ سَيَنْكِحُهَا .. بَطَلَ فِي الأَصَحِّ. وَأَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِلنِّيَابَةِ، فَلَا يَصِحُّ فِي عِبَادَةٍ إِلَّا الْحَجَّ، وَتَفْرِقَةَ زَكَاةٍ، وَذَبْحَ أُضْحِيَةٍ، وَلَا فِي شَهَادَةٍ، وَإِيلَاءٍ، وَلِعَانٍ، وَسَائِرِ الأَيْمَانِ،
(ومنعه في الإيجاب) لأنه إذا لم يزوج بنت نفسه .. فبنت غيره أولى، والثاني: يصحُّ؛ لصحة عبارته في الجملة، والمبعض أولى بالصحة منه فيما يصحُّ توكيلُه فيه.
(وشرط الموكل فيه: أن يملكه الموكِّل، فلو وكله ببيع عبد سيملكه، وطلاق من سينكحها .. بطل في الأصحِّ) لأنه لا يتمكن من مباشرته بنفسه عند التوكيل، فكيف يستنيب فيه غيره؟ والثاني: يصحُّ؛ لأن الملك حاصلٌ عند المقصود من التوكيل وهو التصرف.
ويستثنى من إطلاق المصنف: عامل القراض؛ فإن إذن المالك في بيع ما سيملكه من العروض نافذ؛ إذ لا تتم مصالح العقد إلا به، ولو قال: (وكلتك في بيع كذا، وأن تشتري بثمنه كذا) .. فأشهر القولين: صحة التوكيل بالشراء؛ كما ذكره صاحب "المطلب".
(وأن يكون قابلًا للنيابة) لأن التوكيل تفويض وإنابة، فما لا يقبلها؛ كاستيفاء حقِّ القسم من الزوجات ونحوه مما سيأتي .. لا يقبل التوكيل (فلا يصحُّ في عبادة) لأن المقصود منها ابتلاءُ الشخص وامتحانه بإتعابه نفسه، وذلك لا يحصل بالتوكيل، (إلا الحج، وتفرقةَ زكاة، وذبحَ أضحية) للأدلة المذكورة في أبوابها.
ويندرج في التوكيل بالحج ركعتا الطواف، والعمرةُ كالحج.
والكفارة، والنذر، وصدقة التطوع كالزكاة.
والعقيقة، والهدايا، وشاة الوليمة كالأضحية.
والعاجز يأمر من يوضئه، أو ييممه، والتوكيل في إزالة النجاسة جائز، وعنه احترز بقوله: (عبادة)؛ لأنه من باب التروك، ولذلك لا تشترط فيها النية على الأصحِّ.
(ولا في شهادة، وإيلاء، ولعان، وسائر الأيمان) أي: باقيها؛ إلحاقًا لها بالعبادات.
الجزء: 2 - الصفحة: 248
وَلَا فِي ظِهَارٍ فِي الأَصَحِّ، وَيَصِحُّ فِي طَرَفَيْ بَيْعٍ، وَهِبَةٍ، وَسَلَمٍ، وَرَهْنٍ، وَنِكَاحٍ، وَطَلَاقٍ، وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ، وَقَبْضِ الدُّيُونِ وَإِقْبَاضِهَا، وَالدَّعْوَى وَالْجَوَابِ، وَكَذَا فِي تَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ كَالإِحْيَاءِ وَالاصْطِيَادِ وَالاحْتِطَابِ فِي الأَظْهَرِ، لَا فِي إِقْرَارٍ فِي الأَصَحِّ،
والنذر، وتعليق الطلاق، والعتق في معنى الأيمان، قاله الرافعي 172، ولا ترد صحة الشهادة على الشهادة؛ إذ ليست بتوكيل.
(ولا في ظهار في الأصحِّ) الوجهان مبنيان على أن المغلب فيه معنى اليمين أو الطلاق، والأرجح: تغليب شائبة الطلاق، وقضيته: ترجيح الصحة، لكن لمنعه معنى آخر، وهو أنه منكر من القول وزور، فلا تشرع فيه الإعانة بالتوكيل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وإذا صححناه قال في "المطلب": الأشبه: أن يقول: (موكلي يقول: أنت عليه كظهر أمه).
(ويصحُّ في طرفي بيع، وهبة، وسلم، ورهن، ونكاح) أما النكاح .. فبالنصِّ، وأما الباقي .. فبالقياس، (وطلاق) منجز؛ لأنه إذا جاز في العقد .. ففي حَلِّهِ أولى، أما المعلق .. فيمتنع على الأصح، (وسائرِ العقود) كالصلح والحوالة والضمان، ونحو ذلك، (والفسوخ) المتراخية، أما التي على الفور .. فلا؛ للتقصير.
(وقبض الديون وإقباضها، والدعوى والجواب) لعموم الحاجة.
ويستثنى من جواز التوكيل في القبض: قبض العوض في الصرف في غيبة الموكل؛ لأنه بغيبته فسد العقد، وفي استثنائه نظر؛ لأنه بعد فساد العقد لا دين.
(وكذا في تملك المباحات؛ كالإحياء، والاصطياد، والاحتطاب في الأظهر)؛ لأنها أحد أسباب الملك، فأشبه الشراء، فيحصل الملك للموكل إذا قصده الوكيل له، والثاني: المنع؛ قياسًا على الاغتنام.
(لا في إقرار) بأن يقول: (وكلتك لتقر عني لفلان بكذا) (في الأصحِّ) لأنه إخبار عن حقٍّ، فلم يقبل التوكيل؛ كالشهادة، والثاني: يصحُّ؛ لأنه قول يلزم به
الجزء: 2 - الصفحة: 249
وَيَصِحُّ فِي اسْتِيفَاءِ عُقُوبَةِ آدَمِيٍّ؛ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ. وَلْيَكُنِ الْمُوَكَّلُ فِيهِ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَوْ قَالَ: (وَكَّلْتُكَ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ)، أَوْ (فِي كُلِّ أُمُورِي)، أَوْ (فَوَّضْتُ إِلَيْكَ كُلَّ شَيْءٍ) .. لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ قَالَ: (فِي بَيْعِ أَمْوَالِي وَعِتْقِ أَرِقَّائِي) .. صَحَّ،
الحقُّ، فأشبه الشراء، فعلى هذا: لم يكن بنفس التوكيل مقرًّا على ما صححه في "زيادة الروضة"، إلا أن يقول: (أقر عني لزيد بألف له علي) فيكون مقرًا جزمًا، وعلى الأول: يكون مقرًّا؛ كما نقله في "زيادة الروضة" عن الأكثرين، وجزم في "الحاوي الصغير" بخلافه 173.
وصورة لفظ الوكيل: (أقررت عنه بكذا)، كما اقتضاه كلام البَنْدَنيجي، واختار السبكي أن يقول: (موكلي مقر لك بكذا).
(ويصحُّ في استيفاء عقوبة آدمي؛ كقصاص، وحدِّ قذف) كسائر الحقوق، بل يتعين ذلك في حدِّ القذف، وكذا في قطع الطرف في الأصح؛ كما ذكره المصنف في موضعه، ويجوز أيضًا التوكيل في استيفاء حدود الله تعالى من الإمام والسيد.
نعم؛ يمتنع التوكيل في إثباتها؛ لأنها مبنية على الدرء، إلا في القاذف، فإنه يجوز له أن يوكل في إثبات زنا المقذوف؛ لسقوط حدِّ القذف عنه بذلك.
(وقيل: لا يجوز إلا بحضرة الموكل) لاحتمال العفو في الغيبة، قال صاحب "المعين" تبعًا لابن الصباغ: ومحل الخلاف: في تمكين الحاكم الوكيل من الاستيفاء، أما استيفاء الوكيل .. فصحيح قطعًا.
(وليكن الموكَّل فيه معلومًا من بعض الوجوه) لئلا يعظم الغرر.
(ولا يشترط علمه من كلِّ وجه) لأنها جوزت للحاجة، فسومح فيها.
(فلو قال: "وكلتك في كلِّ قليل وكثير"، أو "في كلِّ أموري"، أو "فوضت إليك كلَّ شيء" .. لم يصحَّ) لأنه غرر عظيم، فإنه يدخل فيه أمور لو عرض تفصيلها على الموكل؛ كطلاق زوجاته، والصدقة بجميع ماله .. لاستنكره.
(وإن قال: "في بيع أموالي، وعتق أرقائي" .. صحَّ) لأن الغرر فيه قليل.
الجزء: 2 - الصفحة: 250
وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءَ عَبْدٍ .. وَجَبَ بَيَانُ نَوْعِهِ، أَوْ دَارٍ .. وَجَبَ بَيَانُ الْمَحِلَّةِ وَالسِّكَّةِ، لَا قَدْرِ الثَّمَنِ فِي الأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ مِنَ الْمُوَكِّلِ لَفْظٌ يَقْتَضِي رِضَاهُ؛ كـ (وَكَّلْتُكَ فِي كَذَا)، أَوْ (فَوَّضْتُهُ إِلَيْكَ)، أَوْ (أَنْتَ وَكِيلِي فِيهِ)،
(وإن وكله في شراء عبد .. وجب بيان نوعه) كتركي، أو هندي ونحوهما؛ لاختلاف الأغراض فيها، ولا يشترط استقصاء الأوصاف التي في السلم، ولا ما يقرب منها اتفاقًا، قاله الإمام والغزالي، وجرى عليه الشيخان 174، لكن اعتبر القاضي ذكر الصفات التي يختلف الثمن باختلافها، ولو اختلفت أصناف نوع اختلافًا ظاهرًا .. اشترط التعرض للصنف، قاله الجويني، وأقراه 175.
(أو دار .. وجب بيان المحلة) وهي الحارة (والسكة) بكسر السين: وهي الزقاق؛ لاختلاف الغرض بذلك اختلافًا ظاهرًا، ويتعرض في الحانوت للسوق.
(لا قدرِ الثمن في الأصحِّ) في هذه المسألة والتي قبلها؛ لأن غرضه قد يتعلق بواحد ما، نفيسًا كان أو خسيسًا، والثاني: لا بدّ من تقديره؛ كمئة، أو بيان غايته؛ كمئة إلى ألف؛ لظهور التفاوت.
هذا كلُّه إذا قصد بالشراء القنية، فإن قصد التجارة .. لم يشترط بيان شيء من ذلك، بل يجوز أن يقول: (وكلتك في أن تشتري بهذا الدينار ما شئت من العروض، أو ما رأيت المصلحة في شرائه) قياسًا على القراض؛ كما نقله في "الكفاية" عن الماوردي والمتولي، وأقره، وجزم به القفال، وهو مقتضى كلام الرافعي 176.
(ويشترط من الموكِّل لفظ يقتضي رضاه؛ كـ "وكلتك في كذا"، أو "فوضته إليك"، أو "أنت وكيلي فيه") ونحوها كـ (أنبتك فيه)، كما يشترط الإيجاب في سائر العقود.
الجزء: 2 - الصفحة: 251
فَلَوْ قَالَ: (بِعْ)، أَوْ (أَعْتِقْ) .. حَصَلَ الإِذْنُ. وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي صِيَغِ الْعُقُودِ؛ كـ (وَكَّلْتُكَ)، دُونَ صِيَغِ الأَمْرِ؛ كـ (بع) وَ (أَعْتِقْ). وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِشَرْطٍ فِي الأَصَحِّ،
وقوله: (لفظ) يوهم أنه لا تكفي الكتابة وإشارة الأخرس وكتابته، وليس كذلك، بل هو كالبيع وأولى.
وقوله: (كوكلتك) قد يفهم أن تعيين الوكيل شرطٌ فلا يصحُّ: (وكلت كلَّ من أراد بيع داري هذه) في بيعها، وبه صرح الإمام، والغزالي، وكذا الرافعي في (كتاب الحج) في الكلام على الجعالة فيه 177، ونقله المصنف في "فتاويه" عن الأصحاب 178.
(فلو قال: "بع" أو "أعتق" .. حصل الإذن) لأنه أبلغ مما سبق.
(ولا يشترط القبول لفظًا) لأن التوكيل إباحة ورفع حَجْرٍ، فأشبه إباحةَ الطعام، وعلى هذا لو وكله والوكيل لا يعلم .. ثبتت وكالتُه في الأصح، فلو تصرف قبل علمه .. فكبيع مال مورثه ظانًّا حياتَه.
(وقيل: يشترط) لأنه تمليك للتصرف فليقبل؛ كسائر التمليكات، (وقيل: يشترط في صيغ العقود؛ كـ "وكلتك"، دون صيغ الأمر، كـ "بع" و"أعتق") إلحاقًا لصيغة العقد بالعقود، وللأمر بالإباحة.
واحترز بقوله: (لفظًا) عن القبول معنى، فإنه لا بدَّ منه في دوام الوكالة قطعًا، حتى لو رد .. بطلت، قال المنكت: وهو ينافي عدم اشتراط العلم، فإن الرضا يستلزم العلم، فالمشروط إذًا في دوام الوكالة: عدمُ الردِّ لا الرضا، فإنه لو أكرهه على التصرف .. صحَّ في الأصحِّ 179.
(ولا يصحُّ تعليقها بشرط) من صفة، أو وقت (في الأصحِّ) كسائر العقود، والثاني: يصحُّ؛ كالوصية.
الجزء: 2 - الصفحة: 252
فَإِنْ نَجَّزَهَا وَشَرَطَ لِلتَّصَرُّفِ شَرْطًا .. جَازَ، وَلَوْ قَال: (وَكَّلْتُكَ وَمَتَى عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي) .. صَحَّتْ فِي الْحَالِ فِي الأَصَحِّ، وَفِي عَوْدِهِ وَكِيلًا بَعْدَ الْعَزْلِ الْوَجْهَانِ فِي تَعْلِيقِهَا، وَيَجْرِيانِ فِي تَعْلِيقِ الْعَزْلِ.
وفرق الأول: بأن الوصية تقبل الجهالة، فتقبل التعليق، أما تأقيتها؛ كوكلتك إلى شهر .. فجائز.
(فإن نجزها وشرط للتصرف شرطًا .. جاز) بالاتفاق؛ لأنه إنما علق التصرف فقط.
(ولو قال: "وكلتك ومتى عزلتك فأنت وكيلي" .. صحت في الحال في الأصحِّ)؛ لوجود الإذن، والثاني: لا تصحُّ؛ لأنه أبَّدها، وهو إلزام للعقد الجائز.
ومحلُّ الخلاف: ما إذا قال ذلك متصلًا بالتوكيل بصيغة الشرط، وبكلَّما، وعمَّ نفسه وغيره؛ كذا قاله في "المطلب"، واقتضاه تعليل الرافعي بإلزام العقد الجائز 180، وكلام المصنف ظاهر في جريان الخلاف مطلقًا.
(وفي عوده وكيلًا بعد العزل الوجهان في تعليقها) لأنه علق الوكالةَ ثانيًا على العزل، والأصحُّ: عدم العود؛ لأن الأصحَّ: فساد التعليق، والثاني: يعود، بناء على صحته.
(ويجريان في تعليق العزل) بطلوع الشمس ونحوه.
وقضية كلامه: تصحيح عدم الانعزال، والذي في "الروضة" و"أصلها: أنهما يجريان بالترتيب، والعزل أولى؛ لأنه لا يشترط فيه قبولٌ قطعًا 181، واشتراطه في الوكالة مختلف فيه، قال الإسنوي: وتصحيح عدم العزل بعيد، وكيف ننفذ التصرفات والمالك مانع منها 182.
الجزء: 2 - الصفحة: 253
فصَلٌ [في أحكام الوكالة بعد صحتها]
الْوَكِيلُ بِالْبَيْع مُطْلَقًا لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَلَا بِنَسِيئَةٍ، وَلَا بِغَبْنٍ فَاحِشٍ - وَهُوَ: مَا لَا يُحْتَمَلُ غَالِبًا - فَلَوْ بَاعَ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الأَنْوَاعِ وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ .. ضَمِنَ، فَإِنْ وَكَّلَهُ لِيَبِيعَ مُؤَجَّلًا وَقَدَّرَ الأَجَلَ .. فَذَاكَ،
(فصل: الوكيل بالبيع مطلقًا ليس له البيع بغير نقد البلد) لدلالة القرينة العرفية عليه، فلو كان في البلد نقدان .. باع بالأغلب، فإن استويا .. فبالأنفع، فإن استويا .. تخير.
(ولا بنسيئة) وإن كان قدر ثمن المثل؛ لأن الإطلاق في البيع يقتضي الحلول، فكذلك في التوكيل في البيع.
(ولا بغَبْن فاحش، وهو: ما لا يحتمل غالبًا) كالوصي، أما اليسير؛ كدرهم في عشرة .. فيغتفر، بخلاف درهمين، كذا قالاه 183، وقال ابن أبي الدم: العشرة إن سومح بها في المئة .. فلا يتسامح بالمئة في الألف، فالصواب: الرجوع للعادة، وذكر الروياني: أن اليسير يختلف باختلاف أجناس الأموال، فربع العشر كثير في النقد والطعام، ونصفه ليس كثيرًا في الجواهر والرقيق ونحوهما 184.
واحترز بقوله: (مطلقًا) عما إذا نصّ على البيع بشيء من ذلك .. فإنه يجوز.
وقوله: (ليس له) صريح في المنع، فلو فعل .. فالمذهب: بطلان تصرفه، وفي قول: إنه موقوف على إجازة الموكل.
(فلو باع على أحد هذه الأنواع وسلَّم المبيع .. ضمن) لتعديه، ولو باع بثمن المثل، ثم وجد راغب بزيادة في زمن الخيار .. انفسخ العقد في الأصح إن لم يفسخه.
(فإن وكله ليبيع مؤجلًا وقدَّر الأجلَ .. فذاك) أي: فيجوز أن يبيعه إلى ذلك الأجل من غير زيادة عليه، ولا ينقص أيضًا إن نقص من الثمن شيئًا، أو كان خوفٌ،
الجزء: 2 - الصفحة: 254
وَإِنْ أَطْلَقَ .. صَحَّ فِي الأَصَحِّ، وَحُمِلَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ فِي مِثْلِهِ. وَلَا يَبِيعُ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَبِيعُ لِأبِيهِ وَابْنِهِ الْبَالِغِ،
أو للحفظ مؤنة ونحوهما من الأغراض، وإلا .. جاز في الأصحِّ إن لم يعين المشتري، فإن عينه .. قال الإسنوي: فيظهر المنع؛ لظهور قصد المحاباة؛ كزيادة الثمن 185.
(وإن أطلق .. صحَّ في الأصحَّ، وحُمل على المتعارف في مثله) حملًا للمطلق على المعهود؛ كما تقدم في النقود، فإن لم يكن .. راعى الأنفع للموكل، والثاني: لا يصحُّ؛ لاختلاف الغرض بتفاوت الآجال طولًا وقصرًا.
وقيل: يصحُّ، وله التأجيل إلى ما شاء؛ لإطلاق اللفظ، وقيل: لا يزيد على سنة؛ كتقدير الديون المؤجلة بها شرعًا؛ كالجزية.
(ولا يبيع لنفسه وولده الصغير) لتضاد الغرضين؛ لأنه حريص بطبعه على الاسترخاص لهما، وغرض الموكل الاجتهاد في الزيادة.
نعم؛ لو أذن له في البيع من نفسه، وقَدَّر الثمن، ونهاه عن الزيادة .. فينبغي الجواز؛ كما قاله ابن الرفعة، والشراء في ذلك كالبيع.
(والأصحُّ: أنه يبيع لأبيه وابنه البالغ)، وكذا سائر أصوله وفروعه؛ لأنه باع بالثمن الذي لو باع به من أجنبي .. صحَّ، والثاني: لا؛ لأنه متهم بالمَيْل إليهم.
وتعبيره بـ (البالغ) يَرِد عليه المجنون والسفيه فإنهما كالصغير، ولهذا عبرا في "الشرح" و"الروضة" بقولهما، والوجهان في الأصول والفرع المستقلين 186.
ثم محلُّ الخلاف: إذا لم يأذن له في البيع منهم، فإن أذن .. جاز قطعًا.
ومحلُّه أيضًا: إذا لم يعين الثمن، فإن عينه .. جاز قطعًا؛ كما نقله في "المهمات" عن "فتاوى القفال"، وأقره، لكن حكى ابن الملقن عن القاضي الحسين فيه وجهين مرتبين وأولى بالصحة؛ لانتفاء التهمة 187.
الجزء: 2 - الصفحة: 255
وَأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ لَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ وَتَسْلِيمُ الْمَبِيعِ، وَلَا يُسَلِّمُهُ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ، فَإِنْ خَالَفَ .. ضَمِنَ. وَإِذَا وَكَّلَهُ فِي شِرَاءٍ .. لَا يَشْتَرِي مَعِيبًا، فَإِنِ اشْتَرَاهُ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ يُسَاوِي مَعَ الْعَيْبِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ .. وَقَعَ عَنِ الْمُوَكِّلِ إِنْ جَهِلَ الْعَيْبَ، وَإِنْ عَلِمَهُ .. فَلَا فِي الأَصَحِّ،
(وأن الوكيل بالبيع له قبض الثمن وتسليمُ المبيع) إذا كان مسلمًا إليه؛ لأنه من توابع البيع ومقتضياته، والثاني: لا؛ لعدم الإذن فيهما، وقد يرضاه للبيع دون القبض.
ومحل الخلاف: إذا لم يكن القبض شرطًا، فإن كان؛ كالصرف ونحوه .. فله القبض والإقباض قطعًا.
ومحله أيضًا؛ كما قاله صاحب "المعين": إذا عين له الموكل المشتري، أو لم يعينه ولكن الموكل حاضرٌ، وإلا .. فيقبض الثمن قطعًا؛ لئلا يضيع.
ولو باع بثمن مؤجل فحلَّ .. لم يملك قبض الثمن قطعًا، وكذا لو نهاه عن قبض الثمن.
(ولا يسلمه حتى يقبض الثمنَ) الحالَّ؛ لما في التسليم قبله من الخطر، (فإن خالف .. ضمن) لتعديه.
(وإذا وكَّله في شراء .. لا يشتري معيبًا) أي: لا ينبغي له ذلك، لأن الإطلاق يقتضي السلامةَ، (فإن اشتراه في الذمة وهو يساوي مع العيب ما اشتراه به .. وقع عن الموكِّل إن جهل العيبَ) لأنه يمكن استدراكه بالردِّ، فلا ضرورة فيه، ولا ينسب الوكيل إلى مخالفة؛ لجهله.
وقوله: (في الذمة) يوهم أنه إذا اشترى بعين مال الموكل .. لا يقع له وليس كذلك، بل يقع له أيضًا إذا قلنا: يقع له بالشراء في الذمة، لكن ليس للوكيل الردُّ في الأصحِّ؛ لأنه لا يمكن انقلاب العقد له، فلا يتضرر، بخلاف الشراء في الذمة، ففائدة التقييد بالذمة: إخراج المذكور آخرًا، وهو ردُّ الوكيل، فلو قيد الأخير فقط، فقال: (للموكل الردُّ، وكذا للوكيل إن اشترى في الذمة) .. لكان أحسن.
(وإن علمه .. فلا في الأصحِّ) سواء ساوى ما اشتراه به أم زاد؛ لأن الإطلاق
الجزء: 2 - الصفحة: 256
وَإِنْ لَمْ يُسَاوِهِ .. لَمْ يَقَعْ عَنْهُ إِنْ عَلِمَهُ، وَإِنْ جَهِلَهُ .. وَقَعَ فِي الأَصَحِّ، وَإِذَا وقَعَ لِلْمُوَكِّلِ .. فَلِكُلٍّ مِنَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ الرَّدُّ. وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ أَنْ يُوَكِّلَ بلَا إِذْنٍ إِنْ تَأَتَّى مِنْهُ مَا وُكِّلَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ لِكَوْنِهِ لَا يُحْسِنُهُ أَوْ لَا يَلِيقُ بِهِ .. فَلَهُ التَّوْكِيلُ، وَلَوْ كَثُرَ وَعَجَزَ عَنِ الإِتْيَانِ بِكُلِّهِ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُوَكِّلُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمُمْكِنِ.
يقتضي سليمًا، والثاني: يقع له؛ لأن الصيغة مطلقة، ولا نقص في المالية، والثالث: إن كان يشتريه للتجارة .. وقع له، أو للقنية .. فلا، واستحسنه الإمام.
(وإن لم يساوه) أي: لم يساو ما اشتراه به ( .. لم يقع عنه) أي: الموكل (إن عَلِمه) للمخالفة المورِّطة في الغرامة.
(وإن جهله .. وقع في الأصحِّ) كما لو اشتراه لنفسه جاهلًا، والثاني: لا؛ لأن الغبن يمنع الوقوعَ عنه مع السلامة، فعند العيب أولى.
(وإذا وقع للموكِّل .. فلكلٍّ من الوكيل والموكِّل الردُّ) أما الموكل .. فلأنه المالك، والضرر به لاحق، وأما الوكيل .. فلأنا لو لم نجوز له ذلك .. لكان المالك ربما لا يرضى به، وحينئذ فيتعذر الردُّ؛ لكونه على الفور، ويقع العقد للوكيل فيتضرر، ولو رضي به الوكيل .. لم يتمكن بعد ذلك من الردِّ، لكن للموكل الردُّ إن ثبتت الوكالة، أو صدّق البائع عليها، وإلا .. فالأصحُّ في "زيادة الروضة": أنه يردُّه على الوكيل 188.
(وليس لوكيل أن يوكل بلا إذن إن تأتى منه ما وُكِّل فيه) لأن الموكل لم يرض بتصرف غيره.
نعم؛ قال الجُوري: لو وكله في قبض دين فقبضه، وأرسله مع بعض عياله إلى الموكل .. لم يضمن، أو مع غيره .. ضمن.
(وإن لم يتأت لكونه لا يحسنه، أو لا يليق به) مع كونه يحسنه ( .. فله التوكيل) لأن التفويض لمن هذا حالُه لا يُقصد منه غيرُ الاستنابة.
(ولو كثر وعجز عن الإتيان بكلِّه .. فالمذهب: أنه يوكِّل فيما زاد على الممكن) دون غيره؛ لأن الضرورة دعت إليه دون غيره، وقيل: لا يوكل في شيء؛ لعدم
الجزء: 2 - الصفحة: 257
وَلَوْ أَذِنَ فِي التَّوْكِيلِ وَقَالَ: (وَكِّلْ عَنْ نَفْسِكَ)، فَفَعَلَ .. فَالثَّانِي وَكِيلُ الْوَكِيلِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ وَانْعِزَالِهِ، وَإِنْ قَالَ: (عَنِّي) .. فَالثَّانِي وَكِيلُ الْمُوَكِّلِ، وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: وَفِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ لَا يَعْزِلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِانْعِزَالِهِ، وَحَيْثُ جَوَّزْنَا لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلَ .. يُشْتَرَطُ أَنْ يُوَكِّلَ أَمِينًا
الإذن، وقيل: يوكل في الجميع؛ لأنه مَلك التوكيل في البعض فيوكل في الكلِّ؛ كما لو أذن صريحًا، وحيث وكل في هذه الأقسام فإنما يوكل عن موكله، فلو وكل عن نفسه .. فالأصحُّ في "زيادة الروضة": المنع 189.
(ولو أذن في التوكيل وقال: "وكِّل عن نفسك"، ففعل .. فالثاني وكيل الوكيل) لتصريح الموكل في إذنه بذلك، وقيل: إنه وكيل الموكل.
وعلى الأول: للموكل عزله في الأصحِّ؛ لأنه فرع فرعه.
(والأصحُّ: أنه ينعزل بعزله) أي: بعزل الأول له (وانعزالِه) بموته وجنونه؛ لأنه نائبه، وهذا بناء على أن الثاني وكيل الوكيل، ومقابله: وجه مبني على أنه وكيل الموكل.
(وإن قال: ) وكِّل ("عني" .. فالثاني وكيل الموكِّل) لأن الموكل أذن بهذا الشرط، (وكذا لو أطلق) بأن قال: (وكِّل)، ولم يقل: (عني)، ولا (عنك) (في الأصحِّ) لأن توكيله الثاني تصرفٌ تعاطاه بإذن الموكل، فوجب أن يقع عنه، والثاني: أنه وكيل الوكيل؛ لأن المقصود من الإذن تسهيلُ الأمر عليه.
وهذا هو الأصحُّ في نظيره في القضاء، إذا قال له الإمام: (استخلف)، وأطلق.
وفُرِّق: بأن الوكيل ناظر في حقِّ الموكل، فحمل الإطلاق على إرادته، وفي القضاء الغرض: معاونته، وهو راجع للمستنيب.
(قلت: وفي هاتين الصورتين لا يَعزل أحدُهما الآخر، ولا ينعزل بانعزاله) لأنه ليس وكيلًا عنه.
(وحيث جوزنا للوكيل التوكيلَ .. يشترط أن يوكل أمينًا) رعايةً لمصلحة الموكل، فلو وكل خائنًا .. لم يصحَّ؛ لأنه خلاف المصلحة.
الجزء: 2 - الصفحة: 258
إِلَّا أَنْ يُعَيِّنَ الْمُوَكِّلُ غَيْرَهُ، وَلَوْ وَكَّلَ أَمِينًا فَفَسَقَ .. لَمْ يَمْلِكِ الْوَكِيلُ عَزْلَهُ فِي الأَصَحِّ، والله أَعْلَمُ.
فصَلٌ [فيما يجب على الوكيل في الوكالة المقيدة]
قَالَ: (بِعْ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ)، أَوْ (فِي
وظاهر إطلاقه: أنه لا يجوز توكيل الخائن وإن كان الموكل عيَّن الثمن والمبيع منه؛ لأنها استنابة عن الغير، وهو أحد احتمالي صاحب "المطلب".
(إلا أن يعين الموكِّل غيرَه) أي: غير الأمين، فيتبع تعيينه لإذنه فيه.
(ولو وكل أمينًا ففسق .. لم يملك الوكيل عزلَه في الأصحِّ، والله أعلم) لأنه أذن له في التوكيل دون العزل، وهذا أقيس الوجهين في "زيادة الروضة" 190، ولا ترجيح في "الشرحين"، ولم يصور المسألة 191.
وقد صورها في "الوسيط" بما إذا قال: (وكِّل عني) 192، وفي معناه: الإطلاق، وحينئذ فمنع العزل واضح؛ لأنه ليس وكيلًا له.
واستشكل في "الكفاية" مقابلَه ولم يعلِّله 193، وعلَّله في "المطلب" بأنه من توابع ما وكَّل فيه، فأشبه الردَّ بالعيب عند التصريح بالسفارة، وعلَّله غيرُه بأن الإذن اقتضى توكيلَ أمين، فإذا فسق .. لم يجز استعماله، فملك عزلَه.
قال السبكي: والذي أقوله: أنا حيث جعلناه وكيلَ الوكيل .. فله عزله بكلِّ حال، وحيث جعلناه وكيلَ الموكل .. فالقول بأن للوكيل عزلَه لا وجه له، بل ينبغي أن يكون الوجهان في انعزاله بالفسق، ويُصحَّح الانعزال؛ كالقاضي، وعدلِ الرهن.
(فصل: قال: "بع لشخص معين") أي: قال له: (بع لزيد) مثلًا (أو "في
الجزء: 2 - الصفحة: 259
زَمَنٍ أَوْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ) .. تَعَيَّنَ، وَفِي الْمَكَانِ وَجْهٌ إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ. وَإِنْ قَالَ: (بِعْ بِمِئَةٍ) .. لَمْ يَبِعْ بِأَقَلَّ، وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ إِلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِالنَّهْيِ.
زمن أو مكان معين" .. تعين) تبعًا لتخصيصه، ومحلُّ تعيين المكان: إذا لم يقدر الثمن، فإن قدره فباع في غيره .. صحَّ؛ كما نقله المصنف عن ابن الصباغ والمتولي وغيرهما 194.
(وفي المكان وجه إذا لم يتعلق به غرض) أنه لا يتعين؛ لاتفاق الغرض فيها، وهذا هو المنصوص؛ كما نقله في "المطلب"، واختاره السبكي.
فإن تعلق به غرض؛ بأن كان الراغبون فيه أكثر والنقد أجود .. فإنه لا يجوز البيع في غيره جزمًا إذا لم يقدر الثمن، وإن نهاه عن البيع في غيره .. امتنع مطلقًا.
(وإن قال: "بع بمئة" .. لم يبع بأقلَّ) ولو بقيراط؛ لأنه مخالف للإذن، (وله أن يزيد) لأن ذلك زيادةُ خير.
وقوله: (وله) يشعر بجواز البيع بالمئة وهناك راغب بزيادة، والأشبه في "الشرح الصغير"، والأصح في "زيادة الروضة": المنع، ولا ترجيح في "الكبير" 195.
(إلا أن يصرح بالنهي) لأن النطق أبطل حكم العرف.
ويَرِد على حصره الاستثناء: ما لو قال: (بعه لزيد بمئة)، فإنه ليس له الزيادة قطعًا؛ لأنه ربما قصد محاباته، قال الغزالي: إلا إذا علم خلافه بالقرينة 196.
ولو قال: (اشتر عبد فلان بمئة) فاشتراه بأقلَّ منها .. صحَّ، وفرق الماوردي: بأنه في البيع ممنوع من قبض ما زاد على المئة، وفي الشراء مأمور بدفع مئة، ودفع الوكيل بعضَ المأمور جائز، كذا نقله في "زيادة الروضة" وأقره 197.
ونقضه في "الكفاية" بما إذا كان وكيلًا في البيع دون القبض فإنه لا يجوز البيع بالزيادة، مع أنه لا قبض له، ثم قال: والذي يظهر في الفرق: أن البيع لما كان ممكنًا
الجزء: 2 - الصفحة: 260
وَلَوْ قَالَ: (اشْتَرِ بِهَذَا الدِّينَارِ شَاةً) وَوَصَفَهَا، فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ بِالصِّفَةِ، فَإِنْ لَمْ تُسَاوِ وَاحِدَةٌ دِينَارًا .. لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ، وَإِنْ سَاوَتْهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ .. فَالأَظْهَرُ: الصِّحَّةُ وَحُصُولُ الْمِلْكِ فِيهِمَا لِلْمُوَكِّلِ.
من المعين ومن غيره .. كان التنصيص عليه دالًّا على مراعاته، ولما لم يمكن شراء العبد المعين من غير المذكور .. ضعف أن يكون التنصيص دالًّا على مراعاته، فإنه كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون لأجل التعريف 198.
(ولو قال: "اشتر بهذا الدينار شاة"، ووصفها، فاشترى به شاتين بالصفة، فإن لم تساو واحدةٌ دينارًا .. لم يصحَّ الشراء للموكِّل) 199 وإن زادت قيمتهما على الدينار لفوات ما وكل فيه.
واحترز بقوله: (ووصفها) عما إذا لم يصفها، فإن التوكيل لا يصحُّ.
(وإن ساوته كلُّ واحدة .. فالأظهر: الصحة وحصول الملك فيهما للموكِّل) لأن عُروة البارقي فعل هذا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا له 200، ولأن مقصود الموكِّل قد حصل بزيادة، فأشبه ما إذا أمره بأن يبيع بخمسة، فباع بعشرة، والثاني: لا تقع الشاتان معًا للموكل؛ لأنه لم يأذن إلا في واحدة، بل ينظر إن اشترى في الذمة .. فللموكل واحدة بنصف دينار، والأخرى للوكيل، وللموكل أن ينتزع الثانية منه، ويقرر العقد فيهما له على الأصحِّ؛ لأنه عقد العقد له، وإن اشتراهما بعين الدينار؛ فإن قلنا: بوقف العقود .. فإن شاء .. أخذهما، وإن شاء .. أخذ واحدة بنصفه وردَّ الأخرى على البائع، وإن قلنا بعدم الوقف .. بطل في واحدة، وفي الأخرى قولا تفريقِ الصفقةِ، لكن صحح المتولي هنا البطلان 201.
وقوله: (وإن ساوته كلُّ واحدة) هو طريقة، والأصحُّ في "زيادة الروضة": أن الشرط: أن تكون إحداهما فقط مساوية للدينار 202.
الجزء: 2 - الصفحة: 261
وَلَوْ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ بِمُعَيَّنٍ فَاشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ .. لَمْ يَقَعْ لِلْمُوَكِّلِ، وَكَذَا عَكْسُهُ فِي الأَصَحِّ. وَمَتَى خَالَفَ الْمُوَكِّلَ فِي بَيْعِ مَالِهِ أَوِ الشِّرَاءِ بِعَيْنِهِ .. فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ. وَلَوِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يُسَمِّ الْمُوَكِّلَ .. وَقَعَ لِلْوَكِيلِ، وَإِنْ سَمَّاهُ فَقَالَ الْبَائِعُ: (بِعْتُكَ)، فَقَالَ: (اشْتَرَيْتُ لِفُلَانٍ) .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ: (بِعْتُ مُوَكِّلَكَ زَيْدًا)، فَقَالَ: (اشْتَرَيْتُ لَهُ) .. فَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُهُ.
(ولو أمره بالشراء بمعين فاشترى في الذمة .. لم يقع للموكِّل) لمخالفته؛ لأنه أمره بعقد ينفسخ بتلف المدفوع، حتى لا يطالب الموكل بغيره، وقد خالفه، ويقع العقد للوكيل، وإن صرح بالسفارة على الأصحِّ.
(وكذا عكسه في الأصحِّ) للمخالفة، فإنه أمره بعقد لا ينفسخ بتلف المدفوع، فأتى بخلافه، وقد يكون غرض الموكل تحصيلَ المبيع على كلِّ حال، وعلى هذا لا يقع لواحد منهما، والثاني: يقع للموكل؛ لأنه زاد خيرًا حيث لم يلزم ذمتَه شيئًا.
(ومتى خالف الموكِّل في بيع ماله) أي: باع ماله على غير الوجه المأذون فيه (أو الشراءِ بعينه) أي: اشترى له بعين ماله على وجه لم يأذن فيه (فتصرفه باطل) لأن المالك لم يرض بخروج ملكه على ذلك الوجه.
(ولو اشترى في الذمة) مع المخالفة (ولم يسمِّ الموكِّل .. وقع للوكيل) دون الموكل وإن نواه؛ لأن الخطاب وقع معه، وإنما ينصرف بالنية إلى الموكل إذا كان موافقًا لإذنه، فإذا خالف .. لغت نيته، وصار كأجنبي يشتري لغيره في ذمته.
(وإن سماه فقال البائع: "بعتك"، فقال: "اشتريت لفلان" .. فكذا في الأصحِّ) لأن تسمية الموكل في الشراء ليست شرطًا، فإذا سماه ولم يمكن صرفُ العقد إليه .. صار كأنه لم يسمه، والثاني: لا يصحُّ العقد بالكلية؛ لأنه صرح بإضافته إلى الموكل، وقد امتنع إيقاعه له، فألغي.
وأصل الوجهين: الخلاف في أن الخصوص إذا بطل هل يبطل العموم؟
(ولو قال: "بعت موكِّلك زيدًا"، فقال: "اشتريت له" .. فالمذهب: بطلانه) وإن وقع التصرف على وفق الإذن؛ لأن الأحكام المتعلقة بمجلس العقد إنما يمكن الاعتبار فيها بالمتعاقدين، فاعتبرنا جريان المخاطبة بينهما، والمخاطبةُ هنا
الجزء: 2 - الصفحة: 262
وَيَدُ الْوَكِيلِ يَدُ أَمَانَةٍ وَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ، فَإِنْ تَعَدَّى .. ضَمِنَ وَلَا يَنْعَزِلُ فِي الأَصَحِّ. وَأَحْكَامُ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ، فَيُعْتَبَرُ فِي الرُّؤْيَةِ، وَلُزُومِ الْعَقْدِ بِمُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ وَالتَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ، حَيْثُ يُشْتَرَطُ الْوَكِيلُ دُونَ الْمُوَكِّلِ.
مفقودة، بخلاف النكاح فإنه لا يصحُّ إلا على هذه الصورة، وهو ترك الخطاب؛ لأنه سفير محض.
وتعبيره بـ (المذهب) تبع فيه "المحرر"، وكذا عبر في "الروضة"، وعبارة الرافعي في "الشرحين": أنه ظاهر المذهب 203، وهي لا تشعر بحكاية خلاف ألبتة، ولم يذكر في "الروضة" ما يقابل المذهب.
نعم؛ حكى في "الكفاية" وجهين في ذلك عن الجويني، فكان ينبغي التعبير بالأصحِّ 204.
(ويد الوكيل يد أمانة وإن كان بجُعل) لأن الوكالة عقد إرفاق ومعونة، والضمان مناف لذلك ومنفر عنه.
(فإن تعدى .. ضمن) كغيره من الأمناء.
(ولا ينعزل في الأصحِّ) لأن حقيقة الوكالة الإذنُ في التصرف، والأمانة حكم يترتب عليه، فلا يلزم من ارتفاع هذا الحكم بطلانُ أصل العقد؛ كما لا يرتفع مقصود الرهن، وهو التوثق ببطلان حكمه وهو الأمانة، والثاني: ينعزل؛ لأنها أمانة فترتفع بالتعدي؛ كالوديعة، وهذا إذا تعدى بالفعل، فإن تعدى بالقول؛ كما لو باع بغبن فاحش ولم يسلم .. لا ينعزل جزمًا؛ لأنه لم يتعد فيما وكل فيه، ذكره في "الكفاية" عن "البحر" 205.
(وأحكام العقد تتعلق بالوكيل دون الموكِّل، فيُعتبر في الرؤية، ولزومِ العقد بمفارقة المجلس، والتقابضِ في المجلس، حيث يشترط الوكيل دون الموكِّل) لأن الوكيل هو العاقد حقيقة.
الجزء: 2 - الصفحة: 263
فَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ .. طَالَبَهُ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ إِنْ كَانَ دَفَعَهُ إِلَيْهِ الْمُوَكِّلُ، وَإِلَّا .. فَلَا إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ .. طَالَبَهُ إِنْ أَنْكَرَ وَكَالَتَهُ، أَوْ قَالَ: (لَا أَعْلَمُهَا)، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِهَا .. طَالَبَهُ أَيْضًا فِي الأَصَحِّ كَمَا يُطَالِبُ الْمُوَكِّلَ، وَيَكُونُ الْوَكِيلُ كَضَامِنٍ وَالْمُوَكِّلُ كَأَصِيلٍ. وَإِذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْع الثَّمَنَ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ وَخَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا .. رَجَعَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي وَإِنِ اعْتَرَفَ بِوَكَالَتِهِ فِي الأَصَحِّ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ
(فإذا اشترى الوكيل .. طالبه البائع بالثمن إن كان دَفَعه إليه الموكِّل) 206 لاقتضاء العرف ذلك، (وإلا) أي: وإن لم يكن دفعه إليه ( .. فلا إن كان الثمن مُعيَّنًا) لأنه ليس في يده، وحقّ البائع مقصور عليه.
(وإن كان في الذمة .. طالبه إن أنكر وكالته، أو قال: "لا أعلمها") لأن الظاهر: أنه يشتري لنفسه، والعقد وقع معه.
(وإن اعترف بها .. طالبه أيضًا في الأصحِّ؛ كما يطالب الموكِّل، ويكون الوكيل كضامن، والموكِّل كأصيل) لأن العقد وإن وقع للموكِّل لكن الوكيل فرعُه ونائبه، فلذلك جوزنا مطالبتهما، فعلى هذا يرجع الوكيل إذا غرم، والثاني: لا يطالب الوكيل؛ لأنه سفير محض؛ كالوكيل في النكاح لا يطالب بالمهر، والثالث: أنه يطالب الوكيل فقط؛ لأن الالتزام وجد منه، ورجحه الرافعي في مسألة خلع الأجنبي 207.
(وإذا قبض الوكيل بالبيع الثمنَ وتلف في يده وخرج المبيع مستحقًّا .. رجع عليه المشتري وإن اعترف بوكالته في الأصحِّ) لأنه الذي تولّى القبض، وحصل التلف في يده، والثاني: يرجع به على الموكِّل؛ لأن الوكيل سفيره، ويده كيده، ونسبه القاضي حسين إلى عامة الأصحاب، والثالث: يرجع على من شاء منهما؛ للمعنيين.
(ثم يرجع الوكيل على الموكِّل) لأنه غره.
الجزء: 2 - الصفحة: 264
قُلْتُ: وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً فِي الأَصَحِّ، وَالله أَعْلَمُ.
فصَلٌ [في بيان جواز الوكالة وما تنفسخ به]
الْوَكَالَةُ جَائِزَةٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَإِذَا عَزَلَهُ الْمُوَكِّلُ فِي حُضُورِهِ، أَوْ قَالَ: (رَفَعْتُ الْوَكَالَةَ)، أَوْ (أَبْطَلْتُهَا)، أَوْ (أَخْرَجْتُكَ مِنْهَا) .. انْعَزَلَ. فَإِنْ عَزَلَهُ وَهُوَ غَائِبٌ .. انْعَزَلَ فِي الْحَالِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا حَتَّى يَبْلُغَهُ الْخَبَرُ.
(قلت: وللمشتري الرجوع على الموكِّل ابتداء في الأصحِّ، والله أعلم) لأن الوكيل مأمورٌ من جهته، والثاني: لا؛ لتلفه تحت يد الوكيل.
وجزم المصنف في نظيره من الرهن بتخيير المشتري بين رجوعه على العدل وبين رجوعه على الراهن، والقرارُ عليه.
(فصل: الوكالة جائزة من الجانبين) لضرر الإلزام؛ فإنه قد يبدو للموكِّل ترك ما وكل فيه، أو توكيلُ آخرَ، والوكيل قد لا يتفرغ.
هذا إذا لم يُذكر جُعل، فإن ذكر جُعل معلوم، ووجدت شروط الإجارة؛ فإن عُقد بلفظ الإجارة .. فهو لازم، أو بلفظ الوكالة .. قال الرافعي: فيمكن تخريجه على أن العبرة بصيغ العقود أم بمعانيها، والأصح في "البحر": أنه يكون جائزًا؛ لأن الإجارة لا تنعفد بلفظ الوكالة 208، وجزم به الجويني في "مختصره".
(فإذا عزله الموكِّل في حضوره) أي: أتى بلفظ العزل خاصة، (أو قال) في حضوره: ("رفعت الوكالة"، أو "أبطلتُها"، أو "أخرجتك منها" .. انعزل) لدلالة كلٍّ من الألفاظ المذكورة عليه.
(فإن عزله وهو غائب .. انعزل في الحال) لأنه رفعُ عقد لا يُحتاج فيه إلى الرضا، فلا يحتاج إلى العلم؛ كالطلاق، (وفي قول: لا حتى يَبلغه الخبر) ممن تُقبل روايتُه؛ لئلا يرتفع الوثوق عن تصرفه، وقياسًا على القاضي.
الجزء: 2 - الصفحة: 265
وَلَوْ قَالَ: (عَزَلْتُ نَفْسِي)، أَوْ (رَدَدْتُ الْوَكَالَةَ) .. انْعَزَلَ. وَيَنْعَزِلُ بِخُرُوجِ أَحَدِهِمَا عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ بِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ، وَكَذَا إِغْمَاءٌ فِي الأَصَحِّ، وَبِخُرُوجِ مَحَلِّ التَّصَرُّفِ عَنْ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ.
وفرق الرافعي: بأن عمل القاضي تتعلق به المصالح الكلية 209، قال الإسنوي: ومقتضاه: أن الحاكم في واقعة خاصة حكمُه حكم الوكيل.
(ولو قال: "عزلت نفسي"، أو "رددت الوكالة" .. انعزل) للدلالة عليه، وسواء كان الموكِّل حاضرًا أو غائبًا؛ لأنه قطعٌ للعقد، فلا يفتقر إلى حضور من لا يُعتبر رضاه؛ كالطلاق، وقيل: إن كانت صيغةُ الموكِّل أمرًا؛ كـ (بع)، و (أعتق) .. لم ينعزل بذلك؛ لأن ذلك إذن وإباحة، فأشبه ما إذا أباح الطعام لغيره .. فإنه لا يرتدُّ بردِّ المباح له.
(وينعزل بخروج أحدهما عن أهلية التصرف بموت أو جنون) لأنه لو قارن .. منع الانعقاد، فإذا طرأ .. قطعه، والصواب كما قاله في "المطلب": أن الموت ليس بعزل، بل انتهت الوكالة به؛ كما قلنا في النكاح.
(وكذا إغماء في الأصحِّ) كالجنون، والثاني: لا؛ لأنه لم يلتحق بمن يولَّى عليه، واختاره السبكي تبعًا للإمام وغيره، وقال القاضي الحسين: إنه ظاهر المذهب.
ويستثنى على الأول: الوكيل في رمي الجمار، فإنه لا ينعزل بإغماء الموكِّل على الأصحِّ؛ كما ذكراه في الحجِّ 210، ومن الواضح أنه لا ينعزل بالنوم وإن خرج به عن أهلية التصرف.
(وبخروج محلِّ التصرف عن ملك الموكِّل) كبيعه أو إعتاقه ما وكله في بيعه؛ لاستحالة بقاء الولاية والحالة هذه.
وينعزل أيضًا بتزويج من وكله في بيعها، وكذا بإيجارها وإن جوزنا بيع المستأجر؛
الجزء: 2 - الصفحة: 266
وَإِنْكَارُ الْوَكِيلِ الْوَكَالَةَ لِنِسْيَانٍ أَوْ لِغَرَضٍ فِي الإِخْفَاءِ لَيْسَ بِعَزْلٍ، فَإِنْ تَعَمَّدَ وَلَا غَرَضَ .. انْعَزَلَ. وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِهَا، أَوْ صِفَتِهَا؛ بِأَنْ قَالَ: (وَكَّلْتَنِي فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً، أَوِ الشِّرَاءِ بِعِشْرِينَ)، فَقَالَ: (بَلْ نَقْدًا أَوْ بِعَشَرَةٍ) .. صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ بِيَمِينِهِ. وَلَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً بعِشْرِينَ وَزَعَمَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ أَمَرَهُ، فَقَالَ: (بَلْ بِعَشَرَةٍ) وَحَلَفَ؛ فَإِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَسَمَّاهُ فِي الْعَقْدِ أَوْ قَالَ بَعْدَهُ: (اشْتَرَيْتُهُ لِفُلَانٍ وَالْمَالُ لَهُ) وَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ .. فَالْبَيعُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَذَّبَهُ .. حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ
لأن مريد البيع لا يؤجر غالبًا؛ كذا نقلاه عن "التتمة" وأقراه 211.
(وإنكار الوكيل الوكالةَ لنسيان أو لغرض في الإخفاء ليس بعزل، فإن تعمد ولا غرض .. انعزل) لأنه معذور في القسم الأول دون الثاني، وقيل: ينعزل مطلقًا، وقيل: لا مطلقًا، ولو أنكر وقد ادعي عليه بحقٍّ على موكِّله، فقامت البينة بقبوله .. فإنه لا ينعزل، ولا تندفع عنه الخصومة، إلا أن يعزل نفسه، ذكره الجُوري.
(وإذا اختلفا في أصلها) بأن قال: (وكلتني في كذا)، فقال: (ما وكلتك)، (أو صفتها؛ بأن قال: "وكلتني في البيع نسيئة، أو الشراء بعشرين"، فقال: "بل نقدًا أو بعشرة" .. صدق الموكِّل بيمينه) أما في الأولى .. فلأن الأصل عدمُ التوكيل، وأما في الثانية .. فلأن من قُبل قولُه في شيء .. كان القول قولَه في صفته.
(ولو اشترى جاريةً بعشرين، وزعم أن الموكِّل أمره، فقال) الموكِّل: ("بل بعشرة ") أي: أذنت في عشرة، (وحلف؛ فإن اشترى بعين مال الموكِّل وسماه في العقد، أو قال بعده) أي: العقد ("اشتريته لفلان والمال له"، وصدقه البائع) على ذلك، أو قامت به بينة ( .. فالبيع باطل) لأنه قد ثبت بتسميته في الأولى، وتصديق البائع في الثانية أن المال والشراء لغير العاقد، وثبت بيمين من له المال أنه لم يأذن في الشراء الذي باشره الوكيل فيلغو؛ لأن الشراء بعين مال الغير بغير إذنه باطلٌ، وإذا بطل .. فالجارية للبائع، وعليه ردُّ ما أخذ.
(وإن كذبه) البائع في الصورة الثانية بأن قال: (إنما اشتريت لنفسك، والمال لك)، ولا بينة ( .. حلف على نفي العلم بالوكالة) إن ادعى الوكيل علمَه بها،
الجزء: 2 - الصفحة: 267
وَوَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ، وَكَذَا إِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يُسَمِّ الْمُوَكِّلَ، وَكَذَا إِنْ سَمَّاهُ وَكَذَّبَهُ الْبَائِعُ فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ صَدَّقَهُ .. بَطَلَ الشِّرَاءُ. وَحَيْثُ حُكِمَ بِالشِّرَاءِ لِلْوَكِيلِ .. يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَرْفُقَ بِالْمُوَكِّلِ لِيَقُولَ لِلْوَكِيلِ: (إِنْ كُنْتُ أَمَرْتُكَ بعِشْرِينَ .. فَقَدْ بعْتُكَهَا بِهَا)، وَيَقُولُ هُوَ: (اشْتَرَيْتُ، لِتَحِلَّ لَهُ). وَلَوْ قَالَ: (أَتَيْتُ بِالتَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ)، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ .. صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ، وَفِي قَوْلٍ: الْوَكِيلُ. وَقَوْلُ الْوَكِيلِ فِي تَلَفِ الْمَالِ مَقْبُولٌ بِيَمِينِهِ،
(ووقع الشراء للوكيل) في الظاهر، وحينئذ فيسلم الثمن المعين إلى البائع، ويغرم بدله للموكِّل.
(وكذا إن اشترى في الذمة، ولم يسمِّ الموكِّل) ولكن نواه .. فإن الشراء يقع للوكيل ظاهرًا، (وكذا إن سماه، وكذبه البائع في الأصحِّ) أي: كذبه في الوكالة؛ بأن قال: (سميته ولم تكن وكيله)، والوجهان هنا: هما الوجهان المتقدمان في قول المصنف، (فإن سماه)، فقال البائع: (بعتك)، فقال: (اشتريت لفلان)، فكذا في الأصح، وقد مرَّ تعليلهما.
(وإن صدقه .. بطل الشراء) لاتفاقهما على وقوع العقد للموكِّل، وثبوت كونه بغير إذنه بيمينه.
(وحيث حكم بالشراء للوكيل .. يستحب للقاضي أن يرفُق بالموكِّل) أي: يتلطف به (ليقول للوكيل: "إن كنت أمرتك بعشرين .. فقد بعتكها بها"، ويقول هو: "اشتريت" لتحل له) باطنًا، ولا يضرُّ التعليق المذكور في صحة البيع؛ للضرورة إليه.
(ولو قال) الوكيل: ("أتيتُ بالتصرف المأذون فيه"، وأنكر الموكِّل .. صدق الموكِّل) لأن الأصل عدمُ التصرف وبقاء الملك، (وفي قول: الوكيل) لأن الموكِّل قد ائتمنه، فعليه تصديقه، ولأنه مالك لإنشاء التصرف، فيملك الإقرار به؛ كالولي المجبر إذا أقر بنكاح موليته.
ومحلُّ الخلاف: إذا وقع النزاع قبل العزل، فإن وقع بعده .. فالمصدق الموكِّل قطعًا؛ لأن الوكيل غيرُ مالك لإنشاء التصرف حينئذ.
(وقول الوكيل في تلف المال مقبول بيمينه) من غير ضمان؛ لأنه أمين؛
الجزء: 2 - الصفحة: 268
وَكَذَا فِي الرَّدِّ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بِجُعْلٍ .. فَلَا. وَلَوِ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى رَسُولِ الْمُوَكِّلِ وَأَنْكَرَ الرَّسُولُ .. صُدِّقَ الرَّسُولُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ تَصْدِيقُ الْوَكِيلِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ: (قَبَضْتُ الثَّمَنَ وَتَلِفَ)، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ .. صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ إِنْ كَانَ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَإِلَّا .. فَالْوَكِيلُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
كالمودع وغيره من الأمناء.
ومحلُّ القبول: إذا أطلق التلف، فإن أسنده إلى سبب .. فلا بدَّ فيه من التفصيل المذكور في الوديعة؛ كما أشار إليه الرافعي في (كتاب الرهن) 212.
(وكذا في الردِّ) على موكِّله؛ لأنه إن كان بغير جُعل .. فقد أخذ العين لمحض غرض المالك فأشبه المودع، وإن كان بجُعل .. فلأنه إنما أخذ العين لنفع المالك، وانتفاعُه هو إنما هو بالعمل في العين لا بالعين نفسها.
وقضية إطلاق الشيخين: أنه لا فرق بين ما قبل العزل أو بعده، لكن قال في "المطلب": إن محلَّه: في حال قيام الوكالة، فإن كان بعد العزل .. لم يقبل.
(وقيل: إن كان بجُعل .. فلا) لأنه أخذه لغرض نفسه في الأجرة، فأشبه المرتهن.
(ولو ادعى الردَّ على رسول الموكِّل، وأنكر الرسول .. صدق الرسول) لأنه لم يأتمنه فلا يُقبل قولُه عليه.
(ولا يلزم الموكلَ تصديقُ الوكيل على الصحيح) لأنه يدعي الردَّ على من لم يأتمنه، فليُقم البينة عليه، والثاني: يلزمه التصديق، وبه أفتى ابن الصلاح؛ لأنه معترف بالرسالة، ويدُ رسوله كيده، فكأنه يدعي الردَّ عليه، قال ابن الصلاح: وإذا ادعى أنه أشهد وضاعت الحجة .. فلا ضمان 213.
(ولو قال: "قبضت الثمن وتَلِف"، وأنكر الموكِّل .. صدق الموكِّل إن كان قبل تسليم المبيع) لأن الأصل بقاءُ حقِّه، (وإلا) أي: وإن كان بعد تسليم المبيع ( .. فالوكيل على المذهب) لأن الموكِّل يدعي تقصيره وخيانته بالتسليم بلا قبض،
الجزء: 2 - الصفحة: 269
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِقَضَاءِ دَيْنٍ، فَقَالَ: (قَضَيْتُهُ) (وَأَنْكَرَ الْمُسْتَحِقُّ .. صُدِّقَ الْمُسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ، والأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ إِلَّا بِبيِّنَةٍ. وَقَيِّمُ الْيَتِيمِ إِذَا ادَّعَى دَفْعَ الْمَالِ إِلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ .. يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ
والأصل عدمه، وقيل: القول قولُ الموكِّل؛ لأن الأصل بقاءُ حقِّه.
(ولو وكله بقضاء دين، فقال: "قضيته"، وأنكر المستحق .. صدق المستحق بيمينه) لأن الأصل عدمُ القضاء.
(والأظهر: أنه لا يصدَّق الوكيل على الموكِّل إلا ببينة) لأنه أمره بالدفع إلى من لم يأتمنه، فكان من حقِّه الإشهادُ عليه.
وعلى هذا يأتي ما في رجوع الضامن من الاكتفاء بالمستور وبالواحد.
والثاني: يصدق عليه؛ لأنه ائتمنه، فأشبه ما لو ادعى الردَّ عليه .. فعلى الأظهر: إذا ترك الإشهاد على الدفع، فإن دفع بحضرة الموكل .. فلا رجوع للموكل عليه في الأصح.
وإن دفع في غيبته .. رجع، سواء صدقه الموكِّل بالدفع أم لا على الصحيح؛ لتقصيره.
فلو قال: (دفعت بحضرتك) .. صدق الموكِّل بيمينه، جزم به الرافعي 214؛ لأن الأصل عدمُ الحضور عند الدفع.
(وقَيِّم اليتيم إذا ادعى دفعَ المال إليه بعد البلوغ (والرشد (يحتاج إلى بينة على الصحيح" لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾.
فدلَّ على أنهم لو جحدوا .. لا بدَّ من البينة؛ ولأنه لم يأتمنه حتى يكلف تصديقه، ويخالف الإنفاقَ فإنه يعسر إقامة البينة عليه.
والثاني: يقبل قوله بيمينه؛ لأنه أمين فأشبه المودع، وتحمل الآية على الإرشاد.
قال ابن الملقن: (ومراده بالقيم: من يقوم بأمره أبًا كان أو جدًّا، أو وصيًّا، أو حاكمًا) انتهى 215.
الجزء: 2 - الصفحة: 270
وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ وَلَا مُودعٍ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ: (لا أَرُدُّ الْمَالَ إِلَّا بِإِشْهَادٍ) فِي الأَصَحِّ، وَلِلْغَاصِبِ وَمَنْ لا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ ذَلِكَ
وهو مردود فإن المصنف قال: (وقيم اليتيم) والأب لا يتم معه، والجد في معناه لا سيما إذا قلنا: بأنه يُطلق عليه اسمُ الأب حقيقةً، والوصي قد ذكره المصنف في آخر (الوصية)، وجزم فيه بأنه لا يصدق 216.
والظاهر: أن مراده بالقيم: منصوب القاضي فقط، وهو اصطلاح الإمام والرافعي وغيرهما، ولم يتعرض الشيخان للأب والجد، والمشهور فيهما؛ كما قاله في "المطلب": عدم القبول أيضًا.
لكن جزم السبكي بقبول قولهما، وبه صرح الماوردي 217.
(وليس لوكيل ولا مودَع أن يقول بعد طلب المالك: "لا أردُّ المال إلا بإشهاد" في الأصحِّ) لأن قوله في الردِّ مقبولٌ، فلا حاجة إليه.
والثاني: له ذلك؛ كيلا يحتاج إلى اليمين، فإن الأمناء يحترزون عنها ما أمكنهم.
والثالث: إن اقتضى الإشهاد تأخيرًا وتعويقًا للتسليم .. فليس له، وإلّا .. فله.
والرابع: إن كان قبضها بإشهاد .. فله، وإلّا .. فلا.
(وللغاصب ومن لا يُقبل قوله في الردِّ ذلك) أي: التأخير إلى الإشهاد؛ لما أشار إليه المصنف من عدم قبول قوله.
هذا إذا كان عليه بينة بالأخذ؛ لأنه يحتاج إلى بينة الأداء، فإن لم يكن عليه بينة .. فوجهان، أصحهما عند البغوي: أنه كما لو كان عليه بينة 218، وهو ما أورده أكثر المراوزة والماوردي 219.
والثاني: وبه قال العراقيون: أنه ليس له ذلك؛ لأنه يمكنه أن يقول: "ليس عندي شيء) ويحلف.
الجزء: 2 - الصفحة: 271
وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: (وَكَّلَنِي الْمُسْتَحِقُّ بِقَبْضِ مَا لَهُ عِنْدَكَ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ (وَصَدَّقَهُ .. فَلَهُ دَفْعُهُ إِلَيْهِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بِبيَّنَةٍ عَلَى وَكَالَتِهِ، وَلَوْ قَالَ: (أَحَالَنِي عَلَيْكَ) وَصَدَّقَهُ .. وَجَبَ الدَّفْعُ فِي الأَصَحِّ.
واقتضى إيراد الرافعي ترجيحه 220، ورجح الإسنوي الأول، فإنه ربما رفعه إلى قاض يرى الاستفصال؛ كالمالكي فيسأله هل غصبت أم لا؟
واستشكل في "المطلب" جوازَ التأخير للغاصب؛ لأن التوبة واجبة على الفور، وهي متوقفة على الردِّ.
وتعبير المصنف بـ (الردِّ) لا يشمل الدين، وحكمُه حكم من لا يقبل قوله في الردِّ، فلو عبر بالدفع .. لشمله.
(ولو قال رجل: "وكلني المستحق بقبض ما له عندك من دين أو عين"، وصدقه) الذي عنده ( .. فله دفعه إليه) لأنه محق بزعمه.
(والمذهب) المنصوص (أنه لا يلزمه) الدفع (إلا ببينة على وكالته) لاحتمال إنكار الموكِّل الوكالة.
وقيل: يلزمه؛ كما إذا ادعى أنه وارثه وصدقه .. فإن المنصوص: أنه يلزمه، والصحيح: تقرير النصين.
والفرق: أن في اعترافه بالإرث صار الحقُّ للوارث، وحصل اليأس من التكذيب، بخلاف الوكالة.
واحترز بقوله: (وصدقه) عما إذا لم يصدقه، فإنه لا يكلف الدفع إليه قطعًا.
(ولو قال: "أحالني عليك" (وقبلت الحوالة) وصدقه .. وجب الدفع في الأصحِّ) لاعترافه بانتقال الحقِّ إليه، فأشبه الوارث.
والثاني: لا؛ لاحتمال إنكار صاحب الحقِّ الحوالةَ.
واحترز بقوله: (وصدقه) عما إذا كذبه ولم تكن بينة؛ فله تحليفه إن الزمناه الدفعَ إذا صدقه.
الجزء: 2 - الصفحة: 272
قُلْتُ: وَإِنْ قَالَ: (أَنَا وَارِثُهُ) وَصَدَّقَهُ .. وَجَبَ الدَّفْعُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وإلا .. فينبني على أن النكول وردَّ اليمين كإقامة البينة من المدعي، أو كالإقرار من المدعى عليه.
إن قلنا بالأول .. فله تحليفه؛ طمعًا في أن ينكل، فيحلف المحتال.
وإن قلنا بالثاني .. فلا.
(قلت: وإن قال: "أنا وارثه") الحائز (وصدقه .. وجب الدفع على المذهب، واللَّه أعلم) لاعترافه بانتقال الحقِّ إليه، ويأسه عن الإنكار، وفيه قول مُخرَّج من دعوى الوكالة، كما مرَّ قريبًا، وقد سبق الفرق.
الجزء: 2 - الصفحة: 273
كتابُ الإقرار يَصِحُّ مِنْ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ، وَإِقْرَارُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَاغٍ، فَإِنِ ادَّعَى الْبُلُوغَ بِالاحْتِلَامِ مَعَ الإِمْكَانِ .. صُدِّقَ
﴿كتاب الإقرار﴾
هو في اللغة: الإثبات، وفي الشرع: إخبار عن حقٍّ سابق على المخبر.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾، وقوله عليه الصلاة والسلام: "اغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ .. فَارْجُمْهَا" 221، والإجماع قائم على المؤاخذة به.
(يصح من مطلق التصرف) بالاتفاق.
نعم؛ يشترط فيه: الاختيار، وإلا يكذّبه حسّ ولا شرع كما سيأتي.
(وإقرار الصبي والمجنون لاغ) كتصرفهما، وسواء المراهق وغيره، أذن الولي أو لم يأذن.
ويستثنى: إقرار المميّز بالتدبير والوصية إذا صححنا ذلك منه.
وقضيته: أن يلتحق بهما إقراره بالإسلام إذا صححناه منه؛ كما قاله ابن الرفعة 222.
وفي معنى المجنون: من أغمي عليه، ومن لم يعص بسكره، ومن زال عقله بسبب لا يعذر فيه؛ كالسكران، والأظهر: قبول إقراره.
(فإن ادعى البلوغ بالاحتلام مع الإمكان) بأن يكون في سنٍّ يحتمل البلوغ ( .. صُدّق) لأن ذلك لا يعرف إلا من جهته.
والمراد: الإنزال في يقظة أو منام، ودعوى الجارية الحيضَ كدعوى الاحتلام.
الجزء: 2 - الصفحة: 275
وَلَا يُحَلَّفُ، وَإِنِ ادَّعَاهُ بِالسِّنِّ ... طُولبَ بِبَيِّنَةٍ. وَالسَّفِيهُ وَالْمُفْلِسُ سَبَقَ حُكْمُ إِقْرَارِهِمَا. وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الرَّقِيقِ بِمُوجِبِ عُقُوبَةٍ، وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنِ جِنَايَةٍ لَا تُوجِبُ عُقُوبَةً فَكَذَّبَهُ السَّيِّدُ .. تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنِ مُعَامَلَةٍ .. لَمْ يُقْبَلْ عَلَى السَّيِّدِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ،
(ولا يُحلّف) لأنه إن كان صادقًا .. فلا حاجة إلى اليمين، وإن كان كاذبًا .. فلا فائدة في يمينه؛ لأن يمين الصبي غيرُ منعقدة.
وما جزم به: من أنه لا يحلف .. كذا في "الروضة" و "أصلها" هنا، وفي (الدعاوى) في (باب اليمين) 223، لكن صححا في (باب النكول): أن ولد المرتزق إذا ادّعى البلوغ بالاحتلام وطلب إثبات اسمه في الديوان .. أنه يحتاج إلى اليمين إن اتهم.
ومثلُه: إذا حضر المراهق الوقعةَ فادعى الاحتلام وطلب السهم .. فيعطى إن حلف، وإلا .. فوجهان؛ أصحُّهما: لا يعطى 224.
(وإن ادعاه بالسن .. طولب ببينة) لإمكان إقامتها.
(والسفيه والمفلس سبق حكم إقرارهما) في بابهما.
(ويُقبَل إقرارُ الرقيق بموجِب) أي: بكسر الجيم (عقوبة) كالزنا، والقصاص والسرقة بالنسبة إلى القطع لا في المال في الأظهر؛ لبعد التهمة.
(ولو أقرّ بدينِ جناية لا توجب عقوبة) كجناية الخطأ والغصب والإتلاف (فكذبه السيد .. لعلّق بذمته دون رقبته) للتهمة، فيتبع به إذا عتق.
واحترز بقوله: (فكذبه): عما إذا صدّقه السيد ولم يكن مرهونًا ولا جانيًا .. فإنه يتعلق برقبته ويباع، إلا أن يفديه بأقلِّ الأمرين من قيمته وقدر الدين، وإذا بيع فبقي شيء من الدين .. فالأظهر: أنه لا يُتبَع به إذا عَتَق.
(وإن أقرّ بدين معاملة .. لم يُقبل على السيد إن لم يكن مأذونًا له في التجارة)، بل يتعلق بذمته يُتبَع به إذا عَتَق، سواء صدَّقه السيد أم لا؛ لتقصير من عامله، بخلاف الجناية.
الجزء: 2 - الصفحة: 276
ويُقْبَلُ إِنْ كَانَ، وَيُؤَدِّي مِنْ كَسْبهِ وَمَا فِي يَدِهِ. وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ لِأجْنَبِيٍّ، وَكَذَا لِوَارِثٍ عَلَى الْمَذهَبِ. وَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ بِدَيْنٍ، وَفِي مَرَضِهِ لآخَرَ .. لَمْ يُقَدَّمِ الأَوَّلُ.
(ويُقبل إن كان) مأذونًا له؛ لقدرته على الإنشاء، ومحلُّه: إذا لم يحجر عليه السيد، فإن حجر .. فلا في الأصحِّ، لعجزه عن الإنشاء حينئذ، ومحلُّه أيضًا: إذا كان متعلقًا بالتجارة، فإن كان مما لا يتعلق بها؛ كالقرض .. فلا يقبل الإقرار به على السيد.
(ويؤدي من كسبه وما في يده) 225 لما مرَّ في (باب العبد المأذون).
(ويصحّ إقرار المريض مرضَ الموت لأجنبي) بالمال، عينًا كان أو دينًا بالإجماع؛ كما ذكره الغزالي 226.
قال القفال: ولو أراد الورثة تحليف المقَر له على الاستحقاق .. لم يكن لهم ذلك.
(وكذا لوارث على المذهب) كالأجنبي؛ لأنه انتهى إلى حالة يَصدُق فيها الكاذب ويتوب الفاجر، فالظاهر: أنه لا يُقِرُّ إلا عن تحقيق، ولا يَقصِد حرمانًا، وفي قول: لا يصحُّ؛ لأنه متهم بحرمان بعض الورثة، والطريق الثاني: القطع بالقبول.
واختار الروياني مذهب مالك: وهو أن الحاكم يجتهد فيه؛ فإن كان متهمًا .. لم يقبل إقراره، وإلا .. فيقبل؛ لفساد الزمان 227، وقوَّاه أبو علي الفارقي.
ولو ادّعى باقي الورثة على المُقَرِّ له: أنه لا حقيقة لذلك، فاحلف أنه أقر لك بحق لازم كان يلزمه الإقرارُ به .. فعليه أن يحلف، فإن نكل .. حلف باقي الورثة وقاسموه، قاله السنجي في "شرح التلخيص".
والاعتبار في كونه وارثًا: بحال الموت لا بحال الإقرار على الأصحِّ.
(ولو أقر في صحته بدين، وفي مرضه لآخر .. لم يُقدَّم الأول)، بل يقسم بينهما؛ كما لو ثبتا بالبينة.
الجزء: 2 - الصفحة: 277
وَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ وَأَقَرَّ وَارِثُهُ بَعْدَ مَوْتهِ لآخَرَ .. لَمْ يُقَدَّمِ الأَوَّلُ فِي الأَصحِّ. وَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُ مُكْرَهٍ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُقَرِّ لَهُ أَهْلِيَّةُ اسْتِحْقَاقِ الْمُقَرِّ بِهِ، فَلَوْ قَالَ: (لِهَذِهِ الدَّابَّةِ عَلَيَّ) كَذَا .. فَلَغْوٌ، فَلَوْ قَالَ: (بِسَبَبِهَا لِمَالِكِهَا) .. وَجَبَ، وَلَوْ قَالَ: (لِحَمْلِ هِنْدٍ كَذَا بِإِرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ) .. لَزِمَهُ
(ولو أقر في صحته أو مرضه) بدين (وأقر وارثُه بعد موته لآخر .. لم يقدم الأول في الأصحِّ) لأن الوارث خليفةُ المورث، فإقراره كإقراره، والثاني: يقدم؛ لأنه بالموت تعلق بالتركة، فلا يتمكن الوارث من صرفها عنه.
(ولا يصحُّ إقرار مُكرَه) بما أُكرِه عليه؛ كسائر تصرفاته.
وإقرار المرتد في بدنه لازم، وكذا في ماله قبل الحجر عليه، وبعده إن قلنا: حجرُه كحجر المرض، فإن قلنا: كحجر السفه .. ففي صحة إقراره وجهان.
(ويشترط في المُقَر له: أهلية استحقاق المُقَر به) لأن الإقرار بدونه كذب، فلو أقرّ بدين للغير عَقِب ثبوته بحيت لا يحتمل جريان ناقل .. لم يصحَّ.
ولو أعتق عبده ثم أقر هو أو غيره له بمال في الحال .. لم يصحَّ؛ للعلم بأنه لا يملك قبل العتق.
(فلو قال: "لهذه الدابة عليّ كذا" .. فلغو) لأنها لا تملك شيئًا ولا تستحقّه.
(فلو قال: "بسببها) 228 عليّ (لمالكها") كذا ( .. وجب) لأنه إقرار للمالك لا لها، وهي السبب؛ إما بجناية عليها، وإما باستيفاء منافعها بإجارة أو غصب.
وقول المقِر: (لمالكها): محمول على مالكها الآن، لأنه الظاهر وإن احتمل أنه يريد مالكًا آخر قبله.
فلو اقتصر على قوله: (بسببها (ولم يقل: (لمالكها) .. لم يلزم أن يكون المال لمالكها في الحال، ولكن يسال ويحكم بموجب بيانه؛ كما قاله الرافعي 229.
(ولو قال: "لحَمْل هند) عليّ أو عندي (كذا بإرث أو وصية" .. لزمه)
الجزء: 2 - الصفحة: 278
وَإِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى جِهَةٍ لَا تُمْكِنُ فِي حَقِّهِ .. فَلَغْو، وَإِنْ أَطْلَقَ .. صَحَّ فِي الأَظْهَرِ. وَإِذَا كَذَّبَ الْمُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ .. تُرِكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فِي الأَصَحِّ،
لإمكانه، والخصم في ذلك ولي الحمل، كما نصَّ عليه في "الأم" 230.
(وإن أسنده إلى جهة لا تمكن في حقِّه) كقوله: (له عليّ الفٌ ثمن عين باعها مني) ( .. فلغو) للقطع بكذبه فيما قاله.
وما جزم به تبع فيه "المحرر" 231، وصحح الرافعي في "الشرحين": القطع بالصحة، لأنه عقّبه بما هو غير معقول ولا منتظم، فأشبه ما إذا قال: (لفلان عليّ ألف لا يلزمني)، قال في "زيادة الروضة": الأصح: البطلان، كما في "المحرر" 232.
قال السبكي: وما رجحه الرافعي في "الشرح" أقوى، لكن إطلاق "الأم" يشهد لما في "المحرر" و"المنهاج" انتهى.
وقال في "الأنوار": إسناد الفساد إلى "المحرر" وَهَمٌ، بل معنى كلامه: أن الإسنادَ نفسه لغو والإقرارَ نفسه صحيح.
انتهى 233، وذكر الأَذْرَعي نحوه ثم قال: وأما القطع بإلغاء الإقرار .. فلم أره لأحد ممن يقول بصحة الإقرار المطلق.
(وإن أطلق) الإقرار فلم يسنده إلى شيء ( .. صحَّ في الأظهر) حملًا للكلام على الجهة الممكنة في حقه، لأن كلام المكلف يحمل على الصحة في الأقارير ما أمكن، وهو ممكن هنا؛ لجواز ملكه بطريق صحيح من وصية أو إرث، والثاني: لا يصحُّ؛ لأن المال في الغالب إنما يجب بمعاملة أو جناية، ولا مَسَاغَ للمعاملة مع الحمل ولا للجناية عليه، فيُحمَلُ إطلاقه على الوعد.
(وإذا كذّب المقَر له المقِر .. تُرِك المال في يده في الأصحِّ) لأنا لا نعرف مالكه، فذو اليد أولى الناس بحفظه، ولأن يده تشعر بالملك ظاهرًا، والإقرار الطارئ عَارَضَه إنكارُ المقَر له، فسقط.
الجزء: 2 - الصفحة: 279
فَإِنْ رَجَعَ الْمُقِرُّ فِي حَالِ تكذِيبِهِ وَقَالَ: (غَلَطٌ) .. قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الأَصَحِّ.
وقضية التعليل الأول: أن تكون يدُه يدَ استحفاظ، وهو قضية كلام الإمام والغزالي وغيرهما 234، وقال في "المطلب": إنه الأشبه.
وقضية التعليل الثاني: أن تكون يدَ ملك، وهو قضية كلام "المهذب"، وصرح به المتولي، وجزم به الشيخان عند رجوع المقَر له عن التكذيب 235.
ومقابل الأصحِّ: وجهان: أحدهما: ينزعه الحاكم ويتولى حفظه إلى أن يظهر مالكه؛ كالمال الضائع، فإن رأى استحفاظ صاحب اليد .. جاز؛ كغيره، والثاني: يُجبَر المقَر له على القبول والقبض، واستبعده الرافعي 236.
والخلاف جارٍ في العين والدين؛ كما صرّحا به بعد هذه بقليل قبيل الركن الثاني 237، وقولُ ابن الرفعة في "المطلب": إن محلَّ الخلاف: في العين، وأجراه ابن يونس في الدين أيضًا، ولم أره لغيره .. مستغربٌ.
(فإن رجع المقِر في حال تكذيبه وقال: "غلطٌ") أو (تعمدُ الكذب) 238 ( .. قبل قوله في الأصحِّ) هذه المسألة مبنية على الخلاف السابق؛ فإن قلنا: بالأصحِّ -وهو أنه يترك المال في يد المقِر - .. فقد أبطلنا حكم الإقرار، وحينئذ يقبل رجوعه في مسألتنا، وإن قلنا: يحفظه القاضي .. فلا يُقبل رجوعه؛ لأنا لم نبطل حكمَ إقراره.
وقوله: (في حال تكذيبه) يعني: تكذيب المقَر له، وهو يوهم: أنه لو رجع المقَر له وصدّقه على الإقرار .. أنه لا يكون كذلك، وليس كذلك؛ فإن الأصحَّ: أن رجوع المقَر له غير مقبول، ولا يُصرفَ إليه إلا بإقرار جديد.
الجزء: 2 - الصفحة: 280
فَصْلٌ [في الصيغة]
قَوْلُهُ: (لِزَيْدٍ كَذَا) .. صِيغَةُ إِقْرَارٍ، وَقَوْلُهُ: (عَلَيَّ) وَ (فِي ذِمَّتِي) .. لِلدَّيْنِ، وَ (مَعِي) وَ (عِنْدِي) .. لِلْعَيْنِ. وَلَوْ قَال: (لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ)، فَقَال: (زِنْ)، أَوْ (خُذْ)، أَوْ (زِنْهُ)، أَوْ (خُذْهُ)، أَوِ (اخْتِمْ عَلَيْهِ)، أَوِ (اجْعَلْهُ فِي كِيسِكَ) .. فَلَيْسَ بِإِقْرَار، وَلَوْ قَال: (بَلَى)، أَوْ (نَعَمْ)، أَوْ (صَدَقْتَ)، أَوْ (أَبْرَأْتَنِي مِنْهُ)، أَوْ (قَضَيْتُهُ)، أَوْ (أَنَا مُقِرٌّ بِهِ) .. فَهُوَ إِقْرَارٌ،
(فصل: قوله: "لزيد كذا" .. صيغة الإقرار) لأن اللام تدل على الملك، قال السبكي: هذا إذا وُصِل به شيء من الألفاظ الآتية؛ أي: (عليّ)، و (عندي)، ونحوهما، وإلا .. فهو خبر لا يقتضي ثبوتَ حقٍّ على المُخبِر، ولا عنده.
(وقوله: "عليّ" و"في ذمتي" .. للدين) الملتزم في الذمة؛ لأنه المتبادر منه عرفًا.
ولو عبّر بـ (أو) بدلَ (الواو) .. لكان أحسن، وكذا قوله: (معي وعندي) لئلا يوهم أن المراد: الهيئة الاجتماعية.
(و"معي" و"عندي" .. للعين) لأنهما ظرفان، فيحمل عند الإطلاق على أدنى المراتب، وهي الوديعة، فإذا ادعى تلفها بعد الإقرار، أو ردَّها .. قبل قولُه بيمينه، بخلاف الدين.
(ولو قال: "لي عليك ألف"، فقال: "زِنْ"، أو "خذ"، أو "زنه"، أو "خذه"، أو "اختم عليه"، أو "اجعله في كيسك" .. فليس بإقرار) لأنه ليس بالتزام، وإنما يُذكَر للاستهزاء.
(ولو قال: "بلى"، أو "نعم"، أو "صدقتَ"، أو "أبرأتني منه"، أو "قضيتُه"، أو "أنا مقرّ به" .. فهو إقرار)، أما الثلاثة الأوائل .. فلأنها ألفاظ موضوعة للتصديق والموافقة، وفي معناها: (أَجَلْ) و (جَيْرِ).
وأما دعوى الإبراء والقضاء .. فلأنه قد اعترف بالشغل وادعى الإسقاط، والأصلُ عدمه.
الجزء: 2 - الصفحة: 281
وَلَوْ قَالَ: (أَنَا مُقِرٌّ)، أَوْ (أَنَا أُقِرُّ بِهِ) .. فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ. وَلَوْ قَالَ: (أَلَيْسَ لِي عَلَيْكَ كَذَا؟ ) فَقَالَ: (بَلَى)، أَوْ (نَعَمْ) .. فَإِقْرَار، وَفِي (نَعَمْ) وَجْهٌ. وَلَوْ قَالَ: (اقْضِ الأَلْفَ الَّذِي لِي عَلَيْكَ)، فَقَالَ: (نَعَمْ)، أَوْ (أَقْضِي غَدًا)، أَوْ (أَمْهِلْنِي يَوْمًا)، أَوْ (حَتَّى أَقْعُدَ)، أَوْ (أَفْتَحَ الْكِيسَ)، أَوْ (أَجِدَ) .. فَإِقْرَارٌ فِي الأَصحِّ.
وأما قوله: (أنا مقرّ به) .. فلأن المفهوم منه: الاعتراف.
قال الرافعي: وكلامهم يدل: على أن الحكم بكونه إقرارًا .. محله: ما إذا خاطبه فقال: (أنا مقر به لك)، وإلا .. فيحتمل الإقرار به لغيره 239.
(ولو قال: "أنا مقر") ولم يقل: (به)، (أو "أنا أقر به" .. فليس بإقرار) أما الأول: فلجواز أن يريد الإقرار بالوحدانية، أو ببطلان دعواه، وأما الثاني: فلاحتمال الوعد بالإقرار في ثاني الحال.
(ولو قال: "أليس لي عليك كذا؟ " فقال: "بلى"، أو "نعم" .. فإقرار، وفي "نعم": وجه).
اعلم: أن أهل اللغة قالوا: إن (بلى) تكذيبٌ للنفي الذي دخل عليه الاستفهام، و (نعم) تصديقٌ له؛ فإذا قيل بعد (ألم يقم زيد؟ ): نعم .. فمعناه: لم يقم، وإن قيل: (بلى) .. فمعناه: أنه قام؛ لأن نفيَ النفيِ إثبات.
إذا تقرر هذا .. فالجزم في مسألتنا بأن بلى إقرار .. قد اجتمع عليه العرف واللغة، ومنشأ الخلاف في (نعم): تعارُض العرف واللغة، فوجه الأصحِّ: أن الإقرار يُحمَل على مفهوم أهل العرف لا على دقائق العربية، ووجه مقابله: أن ذلك مقتضاه في اللغة، ورجحه ابن الرفعة 240.
(ولو قال: "اقضِ الألف الذي لي عليك"، فقال: "نعم"، أو "أقضي غدًا"، أو "أمهلني يومًا"، أو "حتى أقعد"، أو "أفتح الكيس"، أو "أجد" .. فإقرارٌ في الأصحِّ) لأنه المفهوم من هذه الألفاظ عرفًا، والثاني: لا، لأنه ليس بصريح في الالتزام.
الجزء: 2 - الصفحة: 282
فَصْلٌ [في شروط المُقَرِّ به]
يُشْتَرَطُ فِي الْمُقَرِّ بِهِ أَلَّا يَكُونَ مِلْكًا لِلْمُقِرِّ، فَلَوْ قَالَ: (دَارِي)، أَوْ (ثَوْبِي)، أَوْ (دَيْنِي الَّذِي لِي عَلَى زَيْدٍ لِعَمْرٍو) .. فَهُوَ لَغْوٌ، وَلَوْ قَالَ: (هَذَا لِفُلَانٍ وَكَانَ مِلْكِي إِلَى أَنْ أَقْرَرْتُ) .. فَأَوَّلُ كَلَامِهِ إِقْرَارٌ وَآخِرُهُ لَغْوٌ. وَلْيَكُنِ الْمُقَرُّ بِهِ فِي يَدِ الْمُقِرِّ لِيُسَلَّمَ بِالإِقْرَارِ لِلْمُقَرِّ لَهُ. فَلَوْ أَقَرَّ وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ ثُمَّ صَارَ .. عُمِلَ بِمُقْتَضَى الإِقْرَارِ، ...
(فصل: يُشثرَط في المقَر به: ألا يكون ملكًا للمقِر) لأن الإقرار ليس إزالة عن الملك، وإنما هو: إخبار عن كونه مملوكًا للمقَر له، فلا بدَّ من تقدّم المُخبَر عنه على الخبر.
(فلو قال: "داري"، أو "ثوبي"، أو "دَيني الذي لي على زيد لعمرو" .. فهو لغو) 241 لأن الإضافة إليه تقتضي الملك حقيقة، فينافي إقراره به لغيره، فحمل على الوعد بالهبة.
(ولو قال: "هذا لفلان، وكان ملكي إلى أن أقررتُ" .. فأول كلامه إقرار وآخره لغو) فيُطرَح آخره ويؤاخذ بأوله؛ لأنه مشتمِل على جملتين مستقلتين، ولو عكس فقال: (هذا ملكي هذا لفلان) .. صحَّ الإقرار أيضًا؛ كما صرح به الإمام 242.
(وليكن المقَر به) من الأعيان (في يد المقِر) حسًّا أو حكمًا (ليُسلَّم بالإقرار للمقَر له) لأنه إذا لم يكن كذلك .. كان كلامه إما دعوى عن الغير بغير إذنه، أو شهادةً بغير لفظها، فلم ينظر إليه.
(فلو أقر ولم يكن في يده ثم صار .. عُمل بمقتضى الإقرار) لأن الشرط قد وجد فواخذناه 243.
ويشترط في اليد: الاستقلال، فإن كانت يده نائبةً عن غيره؛ بأن أقر بمال تحت
الجزء: 2 - الصفحة: 283
فَلَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ .. حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ قَالَ: (هُوَ حُرُّ الأَصْلِ) .. فَشِرَاؤُهُ افْتِدَاءٌ، وَإِنْ قَال: (أَعْتَقَهُ) .. فافْتِدَاءٌ مِنْ جِهَتِهِ وَبَيعٌ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَيَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارَانِ لِلْبَائِعِ فَقَطْ. وَيَصِحُّ الإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ،
يده ليتيم أو جهةِ وقف وهو ناظره .. لم يصحَّ إقراره، قاله ابن الصلاح في "فتاويه" 244.
(فلو أقر بحرية عبد في يد غيره ثم اشتراه .. حكم بحريته) وترتفع يده عنه؛ لوجود شرط العمل بالإقرار، ويصحُّ الشراء والحالة هذه؛ تنزيلًا للعقد على قول من صدقه الشارع -وهو البائع- وإن اعتقد المشتري حريته؛ استنقاذًا له من رقٍّ ظالم؛ لما ذكرناه من وجود الشرط.
ولو قال: (بحرية شخص) بدل" (عبد) .. لكان أولى، لئلا تتناقض الحرية.
(ثم إن كان قال: "هو حر الأصل" .. فشراؤه افتداء) من جهة المشتري؛ كما صرح به في "المحرر" 245، لأن اعترافه بحريته مانعٌ من جعله بيعًا من جهته، أما من جهة البائع .. ففيه الخلاف الآتي؛ كما صرح به في "المطلب".
(وإن قال: "أَعْتَقَه") البائع ويسترقه ظلمًا ( .. فافتداء من جهته) لتعذر شراء الحرِّ بزعمه، (وبيع من جهة البائع على المذهب) بناء على اعتقاده، وقيل: إنه بيع من جهتهما؛ تغليبًا لجانب البائع، وقيل: فداء من جهتهما؛ تغليبًا لجانب المشتري.
(فيثبت فيه الخياران للبائع فقط) بناء على المذهب المفصّل، ولو خرج العبد معيبًا .. فلا ردّ للمشتري، وفي الأرش وجهان مبنيان على أنه بيع أو فداء.
(ويصحُّ الإقرار بالمجهول) للحاجة، ولأن الإقرار إخبار عن حقٍّ سابق، والشيء يُخبَر عنه مفصلًا تارة ومجملًا أخرى، إما للجهل به، وإما لثبوته مجهولًا بوصية ونحوها، قال السبكي: والمبهم، كأحد العبدين في معنى المجهول.
الجزء: 2 - الصفحة: 284
فَإِذَا قَالَ: (لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ) .. قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِكُلِّ مَا يُتَمَوَّلُ وَإِنْ قَلَّ، وَلَوْ فَسَّرَهُ بِمَا لَا يُتَمَوَّلُ لكِنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ، كَحَبَّةِ حِنْطَةٍ، أَوْ بِمَا يَحِلُّ اقْتِنَاؤُهُ، كَكَلْبٍ مُعَقَمٍ وَسِرْجِينٍ .. قُبِلَ فِي الأَصَحِّ، وَلَا يُقْبَلُ بِمَا لَا يُقْتَنَى، كَخِنْزِيرٍ وَكَلْبٍ لَا نَفْعَ فِيهِ، وَلَا بِعِيَادَةٍ وَرَدِّ سَلَامٍ
(فإذا قال: "له عليّ شيء" .. قبل تفسيره بكلِّ ما يُتموَّل وإن قلّ) كفلس؛ لصدق الاسم.
(ولو فسَّره بما لا يُتموَّل لكنه من جنسه؛ كحبة حنطة، أو بما يحلُّ اقتناؤه؛ ككلب معلَّم وسِرجين .. قبل في الأصحِّ) لأنه شيء يحرم أخذُه ويجب على آخذه ردُّه، والثاني: لا يقبل فيهما.
أما الأول: فلأنه لا قيمة له، فلا يصحُّ التزامه بكلمة (عليّ)، وأما الثاني: فلأنه ليس بمال، وظاهر الإقرار للمال.
ولو قال: (له في ذمتي شيء) .. لم يقبل التفسير بحبة حنطة وكلب معلم قطعا؛ لأن ذلك لا يثبت في الذمة.
ولو قال المصنف بدل (معلّم): (يقتنى) .. كان أحسنَ؛ ليدخل كلب الماشية ونحوه، وهو لم يعدّه، و (كلب لا نفع فيه): يفهم المراد.
(ولا يُقبل بما لا يقتنى؛ كخنزير وكلب لا نفع فيه) لصيد أو لحفظ؛ لأن قوله: (عليّ): يقتضي ثبوت حقٍّ على المقِر للمقَر له، ومالا يقتنى ليس فيه حقّ ولا اختصاص ولا يلزم ردُّه.
نعم؛ لو قال: (له عندي شيء)، أو (غصبت منه شيئًا) .. صحَّ تفسيره بما لا يقتنى؛ كذا قالاه 246، واستشُكل؛ فإن الغصب: هو الاستيلاء على مال الغير أو حقِّ الغير، فيكف يُقبل تفسيره بما ليس بمال ولا حقٍّ؟ !
(ولا بعيادة وردّ سلام) إذ لا مطالبة بهما، والإقرار في العادة إنما يكون بما يطلب.
الجزء: 2 - الصفحة: 285
وَلَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ أَوْ بِمَالٍ عَظِيمٍ أَوْ كَبِيرٍ أَوْ كَثِيرٍ .. قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلَّ مِنْهُ، وَكَذَا بِالْمُسْتَوْلَدَةِ فِي الأَصَحِّ، لَا بِكَلْبٍ وَجِلْدِ مَيْته. وَقَوْلُهُ: (لَهُ كَذَا) .. كَقَوْلهِ: (شَيْءٌ)، وَقَوْلُهُ: (شَيْءٌ شَيْءٌ) أَوْ (كَذَا كَذَا) .. كَمَا لَوْ لَمْ يُكَرِّرْ، وَلَوْ قَالَ: (شَيْءٌ وَشَيْءٌ) أَوْ (كَذَا وَكَذَا) .. وَجَبَ شَيْئَانِ. وَلَوْ قَالَ: (كَذَا دِرْهَمًا) أَوْ رَفَعَ الدِّرْهَمَ أَوْ جَرَّهُ .. لَزِمَهُ دِرْهَمٌ
نعم؛ يصحُّ تفسير الحقِّ بهما؛ كما نقله الرافعي عن البغوي، وبحث فيه 247.
(ولو أقر بمال، أو بمال عظيم أو كبير أو كثير) أو خطير، أو أكثر من مال زيد ( .. قبل تفسيره بأقلّ منه) 248 لصدق الاسم، والأصلُ: براءة الذمة مما سواه.
ويحتمل أن يريد بوصفه بالعظمة ونحوها: بالنسبة إلى الفقراء، وباعتبار عقاب غاصبه، وثواب باذله للمضطر، ونحوه.
(وكذا بالمستولَدة في الأصحِّ) لأنه ينتفع بها وتؤجر، وإن كانت لا تباع، والثاني: لا؛ لخروجها عن اسم المال المطلق.
(لا بكلب وجلدِ ميتة) وسرجين وخمر ولو محترمةً؛ لانتفاء اسم المال عنها.
(وقوله: "له كذا" كقوله: "شيء")، فيقبل تفسيره بما سبق في قوله: (شيء) لأنها أيضًا مبهمة.
(وقوله: "شيء شيء"، أو "كذا كذا" كما لو لم يكرر)، والتكرار للتأكيد لا للتجديد، هذا عند الإطلاق، فلو أراد بالثاني الاستئناف .. كان بمنزلة قوله: (كذا وكذا)، قاله المتولي.
(ولو قال: "شيء وشيء"، أو "كذا وكذا" .. وجب شيئان) لاقتضاء العطف المغايرةَ، وله تفسير الشيئين بمتفقين؛ كدرهمين، ومختلفين؛ كدرهم وفلس.
(ولو قال: "كذا درهمًا"، أو رفع الدرهم أو جرّه .. لزمه درهم) لأن (كذا) مبهم وقد فسره بدرهم.
والنصب فيه جائز على التمييز، والرفع على أنه عطف بيان أو بدلٌ، وأما في حالة
الجزء: 2 - الصفحة: 286
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: (كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا) بِالنَّصْبِ .. وَجَبَ دِرْهَمَانِ، وَأَنَّهُ لَوْ رَفَعَ أَوْ جَرَّ .. فَدِرْهَمٌ،
الجر .. فهو وإن كان لحنًا عند البصريين .. لكنه لا أثر له؛ كما لو لحن في لفظة أخرى من ألفاظ الإقرار، ولو سكن ميم درهم .. فكما لو جره، قاله الرافعي 249.
ووجهه: أنه أدون من المرفوع والمنصوب؛ لاختلافهم في أنه يلزمه درهم أو دونه، فحملناه عليه؛ لاحتمال إرادته.
(والمذهب: أنه لو قال: "كذا وكذا) أو ثم كذا "درهمًا" بالنصب .. وجب درهمان) لأنه أقرّ بشيئين مبهمين وعقّبهما بالدرهم، وذلك ظاهر في أنه تفسير لكلٍّ منهما، وفي قولٍ: يلزمه درهم واحد؛ لجواز أن يريد تفسير اللفظين معًا بالدرهم؛ بأن يكون المراد من كل واحد: نصفَ درهم، واختاره السبكي، وفي قول ثالث: يلزمه درهم وشيء، أما الدرهم .. فلتفسيره الثاني، وأما الشيء .. فللأول الباقي على إبهامه.
والطريق الثاني: القطع بالأول.
(و) المذهب: (أنه لو رفع أو جَرَّ .. فدرهم) أما مع الرفع .. فلأنه حينئذ يكون خبرًا عن المبهمين، فيكون تقديره: هما درهم، والطريق الثاني: قولان: ثانيهما: درهمان؛ لأنه يسبق إلى الفهم أنه تفسير لهما وإن أخطأ في الإعراب.
وأما مع الجر .. فلأنه لما كان ممتنعًا عند الجمهور من النحاة، وكان لا يظهر له معنى في اللغة، وفي العرف يُفهَم منه التفسير .. حملناه عليه، بخلاف النصب؛ فإنه تمييز صحيح، فيعود إليهما كما سبق.
ولم ينقل الرافعي فيه خلافًا، بل جزم بدرهم، ثم قال: ويمكن أن يخرج فيه ما سبق: أنه يلزمه شيء وبعض درهم، أو لا يلزمه إلا بعض درهم.
انتهى 250.
وقد جزم أبو الطيب: بوجوب بعض درهم؛ كما حاوله الرافعي، وقيل: يجب درهمان، صرح به الماوردي 251.
الجزء: 2 - الصفحة: 287
وَلَوْ حَذَفَ الْوَاوَ .. فَدِرْهَمٌ فِي الأَحْوَالِ. وَلَوْ قَالَ: (أَلْفٌ وَدِرْهَم) .. قُبِلَ تَفْسِيرُ الأَلْفِ بِغَيْرِ الدَّرَاهِمِ. وَلَوْ قَالَ: (خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا) .. فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ عَلَى الصحِيحِ. وَلَوْ قَالَ: (الدَّرَاهِمُ الَّتِي أَقْرَرْتُ بِهَا نَاقِصَةُ الْوَزْنِ)؛ فَإِن كَانَتْ دَرَاهِمُ الْبَلَدِ تَامَّةَ الْوَزْنِ .. فَالصَّحِيحُ: قَبُولُهُ إِنْ ذَكَرَهُ مُتَّصِلًا، وَمَنْعُهُ إِنْ فَصَلَهُ عَنِ الإِقْرَارِ،
(ولو حذف الواو .. فدرهم في الأحوال) المذكورة رفعًا ونصبًا وجرًا؛ لاحتمال التأكيد.
ولم يتعرضا للسكون في هذا القسم، ولا في الذي قبله، قال الإسنوي: وقياس ما سبق عن الرافعي في الإفراد من جعله كالمخفوض؛ لأنه أدون: أن يكون كذلك في التركيب والعطف أيضًا، قال: ويتحصل من ذلك اثنتا عشرة مسألة 252؛ لأن (كذا): إما أن يؤتى بها مفردة، أو مركبة، أو معطوفة، و (الدرهمَ): إما أن يُرفَع، أو يُنصَب، أو يُجَر، أو يُسكَّن، ثلاثة في أربعة يحصل اثنا عشر، والواجب في جميعها: درهم، إلا إذا عطفت ونصبت تمييزها .. فدرهمان.
(ولو قال: "ألف ودرهم" .. قبل تفسير الألف بغير الدراهم) لأنه مبهم، والعطف إنما يفيد زيادة على العدد ولا يفيد تفسيرًا.
(ولو قال: "خمسة وعشرون درهمًا" .. فالجميع دراهم على الصحيح) لأنه لم يعطف الدرهم، بل جعله تمييزًا، فيكون تفسيرًا للكل، والثاني: أن (الخمسة) مجملة، و (العشرون) مفسّرة بالدراهم؛ لمكان العطف، فالتحقت بـ (ألف ودرهم).
(ولو قال: "الدراهم التي أقررت بها ناقصةُ الوزن" فإن كانت دراهم البلد تامة الوزن .. فالصحيح: قبوله إن ذكره متصلًا) لأنه في المعنى بمثابة الاستثناء، والثاني: لا يقبل؛ لأن اللفظ صريح في التامة وضعًا وعرفًا.
(ومنعُه إن فصله عن الإقرار)، ويلزمه التامة، إلا أن يصدقه المقَر له؛ لأن اللفظ وعرف البلد ينفيان ما يقوله، والثاني: يقبل؛ لأن اللفظ يحتمله، والأصل: براءة الذمة.
الجزء: 2 - الصفحة: 288
وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً .. قُبِلَ إِنْ وَصَلَهُ، وَكَذَا إِنْ فَصَلَهُ فِي النَّصِّ. وَالتَّفْسِيرُ بِالْمَغْشُوشَةِ كَهُوَ بِالنَّاقِصَةِ. وَلَوْ قَالَ: (عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ) .. لَزِمَهُ تِسْعَةٌ عَلَى الأَصَحِّ. وَإِنْ قَالَ: (دِرْهَمٌ فِي عَشَرَةٍ)؛ فَإِنْ أَرَادَ الْمَعِيَّةَ .. لَزِمَهُ أَحَدَ عَشَرَ، أَوِ الْحِسَابَ .. فَعَشَرَةٌ، وَإِلَّا .. فَدِرْهَمٌ.
فإذا ادعى النقصان .. فما الذي يلزمه؟ قال في "الكفاية" نقلًا: ويظهر أن يقال: مرجعه التفسير، فإن تعذر بيانه نزل على أقل الدراهم.
انتهى 253، قال الأَذْرَعي: والرجوعُ إليه صرح به الصيمري في "شرح الكفاية".
(وإن كانت ناقصة .. قُبل إن وصله) لأن اللفظ، والعرف يصدِّقانه فيه.
(وكذا إن فصله في النصِّ) حملَّا لَكلامه على عرف البلد؛ كما في المعاملات، وقيل: لا تقبل؛ حملًا لإقراره على وزن الإسلام.
(والتفسير بالمغشوشة كهو بالناقصة) لأن الدرهم عند الإطلاق يُحمل على الفضة، فما فيه من الغش ينقصه، فيعود الخلاف والتفصيل السابق.
(ولو قال: "عليّ من درهم إلى عشرة" .. لزمه تسعة في الأصحِّ)، هذه المسألة قد تقدم الكلام عليها في (الضمان)، فإن الحكم فيه، وفي الإقرار، والإبراء، والوصية، والطلاق، واليمين، والنذر .. واحد.
(وإن قال: "درهم في عشرة" فإن أراد المعيةَ .. لزمه أحدَ عشرَ) لأن (في) تستعمل بمعنى (مع)، قال الله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾.
(أو الحسابَ .. فعشرة) لأنه موجَبُهُ عندهم، هذا إذا كان يعرف الحساب، فإن كان لا يعرفه .. ففي "الكفاية" يشبه لزوم درهم فقط وإن قال: (أردت ما يريده الحساب) 254، وهو قياس ما سيأتي تصحيحه في الطلاق.
(وإلا) أي: وإن لم يرد المعيةَ ولا الحسابَ ( .. فدرهم) سواء أراد الظرفية أم أطلق؛ لأنه المتيقن.
الجزء: 2 - الصفحة: 289
فَصْلٌ [في بيان أنواع من الإقرار وفي بيان الاستثناء]
قَالَ: (لَهُ عِنْدِي سَيْفٌ فِي غِمْدٍ)، أَوْ (ثَوْبٌ فِي صُنْدُوقٍ) .. لَا يَلْزَمُهُ الظَّرْفُ، أَوْ (غِمْدٌ فِيهِ سَيْفٌ)، أَوْ (صُنْدُوقٌ فِيهِ ثَوْبٌ) .. لَزِمَهُ الظَّرْفُ وَحْدَهُ، أَوْ (عَبْدٌ عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ) .. لَمْ تلزَمْهُ الْعِمَامَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ (دَابَّةٌ بِسَرْجِهَا)، أَوْ (ثَوْبٌ مُطَرَّزٌ) .. لَزِمَهُ الْجَمِيعُ. وَلَوْ قَالَ: (فِي مِيرَاثِ أَبِي أَلْفٌ) .. فَهُوَ إِقْرَارٌ عَلَى أَبِيهِ بِدَيْنٍ، وَلَوْ قَالَ: (فِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي) .. فَهُوَ وَعْدُ هِبَةٍ
(فصل: قال: "له عندي سيف في غِمد"، أو "ثوب في صندوق" .. لا يلزمه الظرف) لأنه لم يقر به، والإقرار يعتمد اليقين، والظرف غير المظروف، والقاعدة: أن الإقرار بالمظروف ليس إقرارًا بالظرف، وكذا عكسه، ودليله: ما قلناه.
(أو "غمد فيه سيف"، أو "صندوق فيه ثوب" .. لزمه الظرف وحده) دون المظروف؛ لما قلناه، و (الغِمد) بكسر الغين المعجمة: غلاف السيف.
(أو "عبد على رأسه عمامة" .. لم تلزمه العمامة على الصحيح) لأنه لم يقر بها، والثاني: تلزمه؛ لأن العبد له يد على ملبوسه، وما في يد العبد .. فهو في يد سيده.
(أو "دابة بسَرجها"، أو "ثوب مطرز" .. لزمه الجميع) لأن معنى بسرجها: مع سرجها، والطراز جزء من الثوب.
ولو قال: (دابة مسروجة) .. لا يكون مقرًا بالسرج، ولو قال: (ثوب عليه طراز) .. قال في "المطلب": يظهر: أنه كالمطرز؛ كذا نقله الإسنوي، وقال في "العجالة": لو قال: (عليه طراز) .. فيظهر عدم اللزوم 255.
(ولو قال: "في ميراث أبي ألف" .. فهو إقرار على أبيه بدين، ولو قال: "في ميراثي من أبي" .. فهو وعدُ هبة) أي: وعده بأن يهبه ألفًا، وهذا الحكمُ في المسألتين قد نصّ عليه في "الأم" و"المختصر" 256.
والفرق: أنه في الثانية أضاف الميراث إلى نفسه، وما يكون له لا يكون لغيره
الجزء: 2 - الصفحة: 290
وَلَوْ قَالَ: (لَهُ عَلَيَ دِرْهَمٌ دِرْهَمٌ) .. لَزِمَهُ دِرْهَمٌ، فَإِنْ قَالَ: (وَدِرْهَمٌ) .. لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ,
بالإقرار، فكان كما لو قال: (داري لفلان)، ثم بعد إضافة الميراث إلى نفسه جعل له منه جزءًا، ولا يكون إلا هبة، واستشكله القاضي الحسين: بأن الدين لا يمنع الإرث، قال في "العجالة": ولعله بناء على العرف 257.
وفي الأولى: لم يضف وأثبت حقَّ المقَر له في التركة.
واستشكل في "المطلب": حمل الصورة الأولى على الإقرار بالدين على الأب، وقال: لِمَ لا يصحّ تفسيره أيضًا بالوصية وبالرهن عن دين الغير ونحو ذلك؛ كما لو قال: (له في هذا العبد ألف).
قال السبكي: وأجاب عنه ابن الرفعة بما ليس فيه مقنع، وأجاب هو عنه: بأن الوصية تختص بالثلث، وقوله: (في ميراث أبي) يعم جميع المال، وأجاب عن احتمال أن يكون رهنًا من الأب على دين غيرٍ أن الشافعي لعله إنما قال ذلك لأن لفظ المقِر يقتضي كلَّ الميراث، وكل الميراث يشمل ما يمكن أن يدخل في ملك الميت، وذلك لا يمكن أن يكون رهنًا بدين الغير.
وذكر ابن الرفعة أيضًا: أن صورة المسألة فيما إذا كان الميراث دراهم، فإن لم يكن .. فإنه يلتحق بما إذا قال: (له في هذا العبد ألف)، فيسأل ويبين هذا المجمل، قال: وهذا وإن لم أره منقولًا .. فلا شك فيه عندي.
قال الإسنوي: وفي كلام الرافعي ما يشير إليه، قال: وهذا كله: إذا كان المقِر حائزًا، فإن لم يكن حائزًا وكذّبه الباقون .. فلا يغرم إلا بالحصة على الأظهر؛ كما في نظائره، ومحله أيضًا: ما إذا لم يذكر كلمة الالتزام، فإن ذكرها؛ بأن قال: (عليّ ألف في ميراثي من أبي) .. فهو إقرار بكلِّ حال.
(ولو قال: "له عليّ درهم درهم" .. لزمه درهم) لاحتمال إرادة التأكيد وإن كرره ألف مرة، وسواء كرره في مجلس أو مجالس عند الحاكم أو غيره.
(فإن قال: ) له عليّ درهم ("ودرهم" .. لزمه درهمان) لأن العطف يقتضي
الجزء: 2 - الصفحة: 291
وَلَوْ قَالَ: (دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ) .. لَزِمَهُ بِالأَوَّلَيْنِ دِرْهَمَانِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ؛ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ تَأْكِيدَ الثَّانِي .. لَمْ يَجِبْ بِهِ شَيْءٌ، وَإِنْ نَوَى الاسْتِئْنَافَ .. لَزِمَهُ ثَالِثٌ، وَكَذَا إِنْ نَوَى تَأْكِيدَ الأَوَّلِ أَوْ أَطْلَقَ فِي الأَصَحِّ
المغايرة، و (ثم) كـ (الواو)، وأما (الفاء): فإن أراد العطف .. فكذلك، وإلا .. فالنصُّ هنا درهم، وفي نظيره من الطلاق يقع طلقتان، فقيل: قولان فيهما، والمذهب: تقرير النصين، والفرق: أن الإقرارَ إخبار، والطلاقَ إنشاء، والإنشاء أقوى، ولهذا لو تلفظ بالطلاق في يومين .. وقع طلقتان، ولو أقرّ بالدرهم في يومين .. لزمه درهم واحد.
(ولو قال: "درهم ودرهم ودرهم" .. لزمه بالأولَين درهمان) لاقتضاء العطف المغايرة كما مر.
(وأما الثالث: فإن أراد به تأكيد الثاني .. لم يجب به شيء) كالطلاق، (وإن نوى الاستئناف .. لزمه ثالث) عملًا بإرادته ونيته.
(وكذا إن نوى تأكيد الأول) بالثالث .. فإنه يلزمه ثلاثة على الأصحِّ؛ لأن التأكيد هنا ممتنع؛ للفصل والعطف أيضًا، ولهذا اتفقوا على لزوم درهمين في قوله: (درهم ودرهم).
ومقابله: أنه يلزمه درهمان؛ لأن الثاني في قوله: (درهم ودرهم): معطوف على الأول، فامتنع تأكيده به، وهنا الثالث معطوف على الثاني على رأي، فأمكن أن يؤكد الأول به.
(أو أطلق في الأصحِّ) لأن تأكيد الثاني بالثالث وإن كان جائزًا .. لكنه إذا دار اللفظ بين التأسيس والتأكيد .. كان الأصل حملَه على التأسيس، والثاني: يلزمه درهمان؛ لأن كون الأصل هو التأسيسَ وإعمالَ اللفظ .. عارضه كونُ الأصل براءةَ الذمة، فتعارضا، وحينئذ فلم يبق للثالث مقتضى، فاقتصرنا على الدرهمين، وكان ينبغي التعبير في حالة الإطلاق: بـ (المذهب) كما في "الروضة" 258 فإن الأكثرين قطعوا به، وقيل: قولان؛ كنظيره من الطلاق.
الجزء: 2 - الصفحة: 292
وَمَتَى أَقَرَّ بِمُبْهَمٍ؛ كَـ (شَيْءٍ) وَ (ثَوْبٍ) وَطُولبَ بِالْبَيَانِ فَامْتَنَعَ .. فالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُحْبَس، وَلَوْ بَيَّنَ وَكَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ .. فَلْيُبيِّنْ وَلْيَدَّعِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ فِي نَفْيِهِ. وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ ثُمَّ أَقَرَّ لَهُ بأَلْفٍ فِي يَوْمٍ آخَرَ .. لَزِمَهُ أَلْفٌ فَقَطْ، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْقَدْرُ .. دَخَلَ الأَقَلُّ فِي الأَكْثَرِ، فَلَوْ وَصَفَهُمَا بِصفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، أَوْ أَسْنَدَهُمَا إِلَى جِهَتَيْنِ،
وفرق الأولون: بأن التأكيد في الطلاق أكثر منه في الإقرار؛ لأنه يقصد به التخويف والتهديد، بخلاف الإقرار، وعلى هذا: لو كرره مئة مرة أو أكثر .. لزمه بعدده.
(ومتى أقر بمبهم؛ كـ "شيء" و"ثوب" وطولب بالبيان فامتنع .. فالصحيح: أنه يُحبَس) لأن البيان واجب عليه، فإذا امتنع منه .. حبس؛ كالممتنع من أداء الدين، والثاني: لا يحبس؛ لأنه قد لا يعلمه، هذا إذا لم يمكن معرفة المقَر به دون مراجعته، فإن أمكن .. لم يحبس قطعًا، وذلك بأن يحيله على مُعرِّف؛ كقوله: (بزنة هذه الصنجة)، أو (بالعدد المكتوب في كتاب كذا)، أو (بقدر ما باع به فلان فرسه)، ونحوه، فيرجع إلى ما أحال عليه أو يمكن استخراجه بالحساب، وقد ذكر الرافعي في "شرحه" من ذلك جملة 259.
(ولو بيّن) إقرارَه المبهمَ (وكذَّبه المقَر له .. فليبيّن) المقَر له مقدارًا (وليدَّع) به، (والقول قول المقِر في نفيه) أي: في نفي ما ادعاه المقَر له.
(ولو أقر له بألف، ثم أقر له بألف في يوم آخر .. لزمه ألف فقط) لأن الإقرار إخبار، وتعدد الخبر لا يقتضي تعدد المخبر عنه، وسواء وقع الإقرار في مجلس أو في مجلسين، وسواء كتب بكلٍّ منهما وثيقة وأشهد عليه فيهما أم لا.
(ولو اختلف القدر) بأن أقر في يوم بألف وفي آخر بخمس مئة ( .. دخل الأقلُّ في الأكثر) إذ يحتمل: أنه ذكر بعض ما أقر به أولًا.
(فلو وصفهما بصفتين مختلفتين) بأن قال مرة: (مئة صحاح)، وأخرى: (مكسرة)، (أو أسندهما إلى جهتين) بأن قال: (له علي ألف من ثمن مبيع)، وقال مرة: (ألف بدل قرض).
الجزء: 2 - الصفحة: 293
أَوْ قَالَ: (قَبَضْتُ يَوْمَ السَّبْتِ عَشَرَةً) ثُمَّ قَالَ: (قَبَضْتُ يَوْمَ الأَحَدِ عَشَرَةً) .. لَزِمَا. وَلَوْ قَالَ: (لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ أَلْفٌ قَضَيْتُهُ) .. لَزِمَهُ الأَلْفُ فِي الأَظْهَرِ، وَلَوْ قَالَ: (مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ لَمْ أَقْبضْهُ إِذَا سَلَّمَهُ سَلَّمْتُ) .. قُبِلَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَجُعِلَ ثَمَنًا
(أو قال: "قبضتُ يوم السبت عشرة" ثم قال: "قبضت يوم الأحد عشرة" .. لزما) لأن اتحادهما غير ممكن.
(ولو قال: "له علي ألف من ثمن خمر أو كلب"، أو "ألفٌ قضيته" .. لزمه الألف في الأظهر) لأنه وصل الإقرار بما يرفعه، فأشبه قوله: (علي ألف لا تلزمني)، والثاني: لا يلزمه؛ لأن الكلَّ كلام واحد، فيعتبر جملةً ولا يتبعض، فعلى هذا: للمقَر له تحليفُه: أنه كان من ثمن خمر.
قال الإمام: وكنت أود لو فصل فاصل بين أن يكون المقِر جاهلًا بأن ثمن الخمر لا يلزم، وبين أن يكون عالمًا فيعذرَ الجاهل دون العالم، لكن لم يصر إليه أحد من الأصحاب 260.
ومحلُّ الخلاف: إذا وصل ذلك بالإقرار؛ كما فرضه المصنف، فإن فصله عنه .. لزمه قطعًا، وإن قدمه؛ كقوله: (له علي من ثمن خمر ألف) .. لم يلزمه قطعًا؛ كما في "الروضة" و"أصلها" 261، لكن في (التيمم) من "شرح المهذب" عن المعتمد للشاشي: أنه لا فرق في جريان القولين بين التقديم والتأخير، وأقره 262، قال الأَذْرَعي: ولم أره لغيره، والظاهر: أنه من تفقهه.
(ولو قال: "من ثمن عبد لم أقبضه إذا سلمه سلمتُ" (وأنكر المقَر له البيع وطلب الألف ( .. قُبل على المذهب وجُعل ثمنًا) لأن المذكور آخرًا لا يرفع الأول، بخلاف ثمن الخمر، والطريق الثاني: طرد القولين في المسألة قبلها؛ لأنه يرفعه على تقدير عدمِ إعطاء العبد.
الجزء: 2 - الصفحة: 294
وَلَوْ قَالَ: (أَلْفٌ إِنْ شَاءَ اللهُ) .. لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ قَالَ: (أَلْفٌ لَا تَلْزَمُ) لَزِمَهُ. وَلَوْ قَالَ: (لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ)، ثُمَّ جَاءَ بأَلْفٍ وَقَالَ: (أَرَدْتُ هَذَا وَهُوَ وَدِيعَةٌ)، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: (لِي عَلَيْهِ أَلْفٌ آخَرُ) .. صُدِّقَ الْمُقِرُّ فِي الأَظْهَرِ بِيَمِينِهِ، ..
(ولو قال: "ألف إن شاء الله" .. لم يلزمه شيء على المذهب) لأنه لم يجزم بالإقرار بل علّقه بالمشيئة، وهي مغيبة عنا، والطريق الثاني: أنه على القولين السابقين؛ لأن آخره يرفع أوله.
وقيد المصنف نظير المسألة من (الطلاق): بما إذا قصد التعليق 263، قال الإسنوي: وينبغي اشتراطه هنا.
(ولو قال: "ألف لا تلزم" .. لزمه) لأنه غير منتظم، فلا يبطل به الإقرار.
(ولو قال: "له عليّ ألف"، ثم جاء بألف وقال: "أردت هذا وهو وديعة"، فقال المقَر له: "لي عليه ألف آخر") غير الألف الوديعة ( .. صدق المقِر في الأظهر بيمينه) لأن الوديعة يجب عليه حفظها والتخليةُ بينها وبين مالكها، فلعله أراد بكلمة (عليّ) الإخبارَ عن هذا الواجب.
ويحتمل أيضًا: أنه تعدى فيها حتى صارت مضمونة عليه، فلذلك قال: (علي)، وأيضًا: فقد يستعمل (علي) بمعنى (عندي)، وفسر بذلك قوله تعالى (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ}.
والثاني: يصدق المقَر له؛ لأن كلمة (علي) ظاهرة في الثبوت في الذمة، والوديعة لا تثبت في الذمة.
وقوله: (ثم جاء بألف) أي: متراخيًا يُفهم ذلك من ثم، أما إذا وصل ذلك بالإقرار فقال: (علي ألف وديعة) .. فإنه يقبل، وقيل: قولان؛ (كألف قضيته).
وكيفية اليمين: أن يحلف بالله تعالى أنه لا يلزمه تسليم ألف أخرى وأنه ما أراد بإقراره إلا هذه.
الجزء: 2 - الصفحة: 295
فَإِنْ كَانَ قَالَ: (فِي ذِمَّتِي) أَوْ (دَيْنًا) .. صُدِّقَ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ. قُلْتُ: فَإِذَا قَبِلْنَا التَّفْسِيرَ بِالْوَدِيعَةِ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهَا أَمَانَةٌ، فَتُقْبَلُ دَعْوَاهُ التَّلَفَ بَعْدَ الإِقْرَارِ، وَدَعْوَى الرَّدِّ، وَإِنْ قَالَ: (لَهُ عِنْدِي أَوْ مَعِي أَلْفٌ) .. صُدِّقَ فِي دَعْوَى الْوَدِيعَةِ وَالرَّدِّ وَالتَّلَفِ قَطْعًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَقَرَّ بِبَيع أَوْ هِبَةٍ وَإِقْبَاضٍ ثُمَّ قَالَ: (كَانَ فَاسِدًا وَأَقْرَرْتُ لِظَنِّ الصِّحَّةِ) .. لَمْ يُقْبَلْ،
(فإن كان قال: "في ذمتي" أو "دينًا") ثم جاء بألف وفَسّر بما مرّ ( .. صدق المقَر له على المذهب) لأن العين لا تكون في الذمة ولا دينًا، والوديعة لا تكون في ذمته بالتعدي، بل بالتلف ولا تلف، والطريق الثاني: حكاية وجهين: ثانيهما: القول قول المقِر؛ لجواز أن يريد: (ألف في ذمتي إن تلفت الوديعة؛ لأني تعديت فيها).
ولو جمع بينهما فقال: (له علي ألف درهم دينًا في ذمتي) .. فخلاف مرتب، وأولى بألا يقبل.
(قلت: فإذا قبلنا التفسير بالوديعة .. فالأصحُّ: أنها أمانة، فتقبل دعواه التلفَ بعد الإقرار، ودعوى الردِّ)؛ لأن هذا شأنُ الوديعة، والثاني: أنها تكون مضمونة، حتى لا تقبلُ دعوى التلف والردِّ؛ لأن هذه الكلمة ظاهرةٌ في صيرورة العين مضمونةً بسبب التعدي.
واحترز بقوله: (بعد الإقرار) عما إذا ادعى التلف أو الردَّ قبل الإقرار وقال: (إنما أقررت بها ظانًّا بقاءها) .. فإنه لا يقبل؛ لأن التالف والمردود لا يكون عليه بمعنى من المعاني، وهذا ما صرّح به المَحاملي وابن الصباغ وغيرهما، واقتضاه كلام غيرهم.
(وإن قال: "له عندي أو معي ألف" .. صدق في دعوى الوديعة والردِّ والتلف قطعًا، والله أعلم) لأنه لا إشعار لهذا اللفظ بالدَّينية ولا بالضمان.
(ولو أقر ببيع أو هبة وإقباض ثم قال: "كان فاسدًا وأقررت لظن الصحة" .. لم يقبل) 264 لأن الاسم يُحمل عند الإطلاق على الصحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 296
وَلَهُ تَحْلِيفُ الْمُقَرِّ لَهُ، فَإِنْ نَكَلَ .. حَلَفَ الْمُقِرُّ وَبَرِئَ. وَلَوْ قَالَ: (هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ بَلْ لِعَمْرٍو)، أَوْ (غَصَبْتُهَا مِنْ زَيْدٍ بَلْ مِنْ عَمْرٍو) .. سُلِّمَتْ لِزَيْدٍ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الْمُقِرَّ يَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِعَمْرٍ و. وَيَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ إِنِ اتَّصَلَ
وجزم المصنف هنا بعدم القبول، ويحتمل أن يأتي فيه الخلاف فيما إذا ادعى أحدهما صحةَ البيع والآخر فسادَه، ويحتمل ألا يجري، ويفرق: بأن قبوله هنا يؤدي إلى خلاف الظاهر مرتين، وهو الإقرار والبيع السابق عليه.
(وله تحليف المقَر له) لإمكان ما يدعيه، وجهات الفساد قد تخفى عليه.
(فإن نكل .. حلف المقِر وبرئ) لأن اليمين المردودة كالإقرار أو كالبينة، وكلاهما يحصل هذا الغرض.
وقوله: (وبرئ) غير مستقيم؛ فإن النزاع في عين لا في دين، ولهذا عبر في "المحرر" بقوله: (وحكم ببطلانه) 265.
واحترز بقوله: (أو هبة وإقباض) عما إذا أقر بالهبة فقط .. فإنه لا يكون مقرًا بالإقباض على المذهب.
(ولو قال: "هذه الدار لزيد بل لعمرو"، أو "غصبتُها من زيد بل من عمرو" .. سُلِّمت لزيد) لأن الإقرار بحقوق الآدميين لا يصحُّ الرجوع عنه.
(والأظهر: أن المقِر يغرم قيمتها لعمرو) لأنه أحال بينه وبين ملكه بإقراره الأول، والحيلولة سبب الضمان؛ بدليل ما إذا غصب عبدًا فأَبَقَ من يده .. فإنه يضمنه، والثاني: لا يغرم، لأن الإقرار له قد صادف ملك الغير، فلا يلزمه شيء؛ كما لو أقر بالدار التي في يد زيد لعمرو.
والخلاف جارٍ سواء سلّمها بنفسه أو بالحاكم، والى بين الإقرار لهما أم فصل، و (ثُمَّ) كـ (بَلْ) فيما ذكرناه.
(ويصحُّ الاستثناء) لكثرة وروده في القرآن والسنة، وهو: إخراج ما لولاه .. لدخل في الأول (إن اتصل) بإجماع أهل اللغة، فإن انفصل .. فهو لغو، ولا يضر
الجزء: 2 - الصفحة: 297
وَلَمْ يَسْتَغْرِقْ، فَلَوْ قَالَ: (لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً إِلَّا ثَمَانِيَةً) .. وَجَبَ تِسْعَةٌ، وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْجنْسِ؛ كَـ (أَلْفٍ إِلَّا ثَوْبًا)، وَيُبيِّنُ بثَوْبٍ قِيمَتُهُ دُونَ أَلْفٍ، وَمِنَ الْمُعَيَّنِ؛ كَـ (هَذِهِ الَدَّارُ لَهُ إِلَّا هَذَا الْبَيْتَ)، أَوْ (هَذِهِ الدَّرَاهِمُ لَهُ إِلَّا ذَا الدِّرْهَمَ)،
السكوت اليسير؛ كسكتة التنفس، والعِي؛ كما ذكره المصنف في (الطلاق)، ونصّ عليه في "الأم" 266.
وشرط "الحاوي الصغير": أن يقصد الاستثناء من أول الإقرار، [وتبع في ذلك الرافعي؛ فإنه صححه في (الطلاق)] 267.
وصحح المصنف في (الطلاق): أنه يشرَط أن يقصده قبل فراغ اليمين، فيحتمل صحة اعتباره هنا، ويحتمل عدم اعتباره، لأن الإقرار إخبار، فيبعد فيه اعتبار النية، بخلاف الإنشاء.
(ولم يستغرق)، فإن استغرق؛ كَـ (عليّ عشرة إلا عشرة) .. فباطل، وهو إجماع أيضًا إلا من شذّ.
(فلو قال: "له عليّ عشرة إلا تسعةً إلا ثمانية" .. وجب تسعة) لأن الاستثناء من الإثبات نفي وعكسه، كما سيأتي في (الطلاق).
(ويصحُّ من غير الجنس؛ كَـ "ألف إلا ثوبًا") لوروده لغة وشرعًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾.
(ويبيّن بثوب قيمته دون ألف) لئلا يؤدي إلى الاستثناء المستغرق، فإن فسره بما يستغرق .. فالتفسير لغو، وكذا الاستثناء على الأصح، فتلزمه الألف؛ لأنه بيّن ما أراد بالاستثناء، فكأنه تلفّظ به وهو مستغرق.
(و) يصحُّ الاستثناء (من المعيّن؛ كَـ "هذه الدار له إلا هذا البيتَ"، أو "هذه الدراهم إلا ذا الدرهمَ")، أو (هذا الثوب له إلا كمَّه) لأنه كلام صحيح ليس بمحال.
الجزء: 2 - الصفحة: 298
وَفِي الْمُعَيَّنِ وَجْهٌ شَاذٌّ.
قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ: (هَؤُلَاءِ الْعَبيدُ لَهُ إِلَّا وَاحِدًا) .. قُبِلَ وَرُجِعَ فِي الْبَيَانِ إِلَيْهِ، فَإِنْ مَاتُوا إِلَّا وَاحِدًا وَزَعَمَ أَنَّهُ الْمُسْتَثْنَى.
صُدِّقَ بِيَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ [في الإقرار بالنسب]
أَقَرَّ بِنَسَبٍ؛ إِنْ أَلْحَقَهُ بِنَفْسِهِ .. اشْتُرِطَ لِصِحَّتِهِ أَلَّا يُكَذِّبَهُ الْحِسُّ وَلَا الشَّرْعُ؛ بِأَنْ يَكُونَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ،
(وفي المعيّن وجه شاذٌّ) أنه لا يصحُّ الاستثناء منه؛ لأن الاستثناء المعتاد إنما يكون من المطلق لا من المعيّن.
(قلت: ولو قال: "هؤلاء العبيد له إلا واحدًا" .. قبل) لأن الاستثناء يصحُّ وإن كان مجهولًا؛ كما لو قال: (عشرة إلا شيئًا) إذ لا فرق بين العين والدين.
(ورجع في البيان إليه) لأنه أعرف بما أراد، ويلزمه البيان؛ لتعلق حقِّ الغير به؛ كالعتق.
(فإن ماتوا إلا واحدًا وزعم أنه المستثنى .. صُدِّق بيمينه على الصحيح، والله أعلم) لاحتمال ما ادعاه، والثاني: لا؛ للتهمة، فإن مات قبل البيان .. قام وارثه مقامه.
(فصل: أقر بنسب) أي: من يصحُّ إقراره بالنسب، وهو البالغ العاقل الذكر ولو عبدًا وكافرًا وسفيها (إن ألحقه بنفسه) بأن قال: (هذا ابني) ( .. اشترط لصحته: ألا يكذبه الحسّ) بأن يكون المقِرُّ أصغرَ، أو مساويًا، أو أكبرَ بزمن لا يمكن أن يولد ذلك الشخصُ له فيه، وسيأتي ضبطه في (باب اللعان)، أو يكون ممسوحًا في زمن إمكان العلوق به.
(ولا الشرعُ) أي: وألا يكذبه الشرع أيضًا (بأن يكون معروفَ النسب من غيره)، أو ولد على فراش نكاح صحيح؛ لأن النسب الثابت من شخص لا ينتقل إلى غيره سواء صدّقه المستلحَق أم لا.
الجزء: 2 - الصفحة: 299
وَأَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُسْتَلْحَقُ إِنْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّصْدِيقِ، فَإِنْ كَانَ بَالِغًا فَكَذَّبَهُ .. لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِبيِّنَةٍ
(وأن يصدقه المستلحَق) بفتح الحاء (إن كان أهلًا للتصديق)، وهو البالغ العاقل؛ لأن له حقًّا في نسبه، وهو أعرف به من غيره.
واشتراط التصديق ذكراه في "الشرح" و"الروضة" هنا 268، لكن ذكرا في (فصل التسامع في الشهادات): أن سكوت البالغ العاقل في النسب كالإقرار، وجزم به في "الحاوي الصغير" 269، والمعتمد: المذكور هنا؛ فإنه الذي اشتملت عليه كتب الطريقين؛ كما ذكره الأَذْرَعي.
وأهمل شروطًا أخر؛ منها:
ألا يكون منفيًا بلعان الغير، فإن كان .. لم يصح استلحاقه؛ كما ذكره في "الشرح الصغير"، وعزاه في "الكبير" إلى القفال 270، وأُهمِل في "الروضة"؛ لسقوطه من بعض نسخ "الشرح"، ونقلا في آخر (اللعان) عن "التتمة" من غير مخالفة: أن المنفي باللعان إذا ولد على فراش صحيح فاستلحقه غيره .. لم يصحَّ؛ لبقاء حقِّ الاستلحاق، وإن كان يُلحقهُ نسبه لوطء شبهة أو نكاح فاسد فاستلحقه غيره .. لحقه؛ لأنه لو نازعه فيه قبل النفي .. سمعت دعواه 271، قال الأَذْرَعي: وهذا التفصيل أحسن من إطلاق القفال: ويجوز تنزيله عليه.
انتهى.
وألا ينازعَه فيه منازع، فلو استلحقه اثنان .. فسيأتي قريبًا.
وألا يكون عبد الغير، أو معتقه إن كان صغيرًا؛ محافظة على حقّ الولاء للسيد، فإن كان بالغًا وصدّقه .. لحقه على الأصحِّ؛ كذا قالاه في (كتاب اللقيط) 272.
واستلحاق المرأة والعبد والكافر يأتي في (اللقيط).
(فإن كان بالغًا) عاقلًا (فكذبه) أو سكت ( .. لم يثبت إلا ببينة) كسائر الحقوق.
الجزء: 2 - الصفحة: 300
وَإِنِ اسْتَلْحَقَ صَغِيرًا .. ثَبَتَ، فَلَوْ بَلَغَ وَكَذَّبَهُ .. لَمْ يَبْطُلْ فِي الأَصَحِّ. وَيَصِحُّ أَنْ يَسْتَلْحِقَ مَيْتًا صَغِيرًا، وَكَذَا كَبيرًا فِي الأَصَحِّ، فَيَرِثُهُ. وَلَوِ اسْتَلْحَقَ اثْنَانِ بَالِغًا .. ثَبَتَ لِمَنْ صَدَّقَهُ. وَحُكْمُ الصَّغِيرِ يَأْتِي فِي (اللَّقِيطِ) إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى
(وإن استلحَق صغيرًا .. ثبت) نسبه عند وجدان شروطه، فيرثه الصغير، ويرث هو منه.
(فلو بلغ وكذبه .. لم يبطل في الأصحِّ) لأنه ثبت بطريق شرعي، فلم يتأثر بعد ثبوته بالإنكار؛ قياسًا على ما لو ثبت بالبينة، والثاني: يبطل؛ للتكذيب 273.
والخلاف جارٍ فيما لو استلحق مجنونًا فأفاق وأنكر.
(ويصحُّ أن يستلحِق ميتًا صغيرًا) ولو بعد أن قتله، ولا يبالي بتهمة سقوط القصاص ولا بتهمة الميراث؛ لأن النسب يُحتاط فيه.
(وكذا كبيرًا في الأصحِّ) كالصغير؛ لأن الميت ليس أهلًا للتصديق، والثاني: لا يصحُّ، لأن تأخير الاستلحاق إلى الموت يُشعر بإنكاره لو وقع في حياته.
(فيرثه) 274 أي: يرث الميتَ المستلحَقَ، صغيرًا كان أو كبيرًا؛ لأن الإرث فرع النسب وقد ثبت نسبه.
ومسألة الإرث ليست في "المحرر" ولا في "الروضة".
(ولو استلحَق اثنان بالغًا .. ثبت لمن صدقه) لاجتماع الشرائط فيه دون الآخر، فإن لم يصدق واحدًا منهما .. عرض على القائف، كذا قال في "أصل الروضة" في الكلام على القائف، وجرى عليه الإسنوي وغيره 275، وفيه نظر، إذ استلحاق التابع يشترط فيه: تصديقه، ولم يوجد.
(وحكم الصغير) إذا استلحقه اثنان (يأتي في "اللقيط" إن شاء الله تعالى).
الجزء: 2 - الصفحة: 301
وَلَوْ قَالَ لِوَلَدِ أَمَتِهِ: (هَذَا وَلَدِي) .. ثَبَتَ نَسَبُهُ، وَلَا يَثْبُتُ الاسْتِيلَادُ فِي الأَظْهَرِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (وَلَدِي وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِي)؛ فَإِنْ قَالَ: (عَلِقَتْ بِهِ فِي مِلْكِي) .. ثَبَتَ، فَإِنْ كَانَتْ فِرَاشًا لَهُ .. لَحِقَهُ بِالْفِرَاشِ مِنْ غَيْرِ اسْتِلْحَاقٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً .. فَالْوَلَدُ لِلزَّوْجِ وَاسْتِلْحَاقُ السَّيِّدِ بَاطِلٌ. وَأَمَّا إِذَا أَلْحَقَ النَّسَبَ بِغَيْرِهِ؛ كَـ (هَذَا أَخِي) أَوْ (عَمِّي) .. فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنَ
(ولو قال لولد أمته) التي ليست مزوَّجة ولا مستفرشةً بمن يمكن كونه منه ("هذا ولدي" .. ثبت نسبه) بالشروط السابقة.
(ولا يثبت الاستيلاد في الأظهر) لأن الأصل الرقُّ، ويحتمل أن الاستيلاد كان في نكاح أو وطء شبهة قبل الملك، والثاني: يثبت عملًا بالظاهر.
(وكذا لو قال: "ولدي ولدَتْه في ملكي") لاحتمال أن يكون أَحبلها قبل الملك بنكاح أو شبهة، ثم ملكها حاملًا فولدت في ملكه، فيجري فيه القولان.
(فإن قال: "عَلِقَتْ به في ملكي" .. ثبت) الاستيلاد 276؛ لانقطاع الاحتمال، فتكون أم ولد لا محالة؛ كذا قالاه 277، ومنعه الإسنوي؛ لجواز أن يكون قد رهنها، ثم حبلت منه وولدت وهو معسر، فبيعت في الدين ثم اشتراها؛ فإن في ثبوت الاستيلاد - والحالة هذه - قولين، فلم ينتف الاحتمال 278.
وأجيب عنه: بأن المراد نفيُ الاحتمال المذكور قبل ذلك لا كلِّ احتمال، وفيه نظر.
(فإن كانت) الأمة (فراشًا له) فإن أقر بوطئها ( .. لَحِقه) عند الإمكان (بالفراش من غير استلحاق) لإطلاق الحديث الصحيح: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ" 279.
(وإن كانت مزوَّجة .. فالولد للزوج) عند إمكان كونه منه؛ لأن الفراش له، (واستلحاقُ السيد باطل) للحوقه بالزوج شرعًا.
(وأما إذا أَلحق النسبَ بغيره؛ كَـ "هذا أخي" أو "عمي" .. فيثبت نسبه من
الجزء: 2 - الصفحة: 302
الْمُلْحَقِ بِهِ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ، وَبِشَرْطِ كَوْنِ الْمُلْحَقِ بِهِ مَيْتًا، وَلَا يُشْتَرَطُ أَلَّا يَكُونَ نَفَاهُ فِي الأَصَحِّ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُقِرِّ وَارِثًا حَائِزًا. وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْمُسْتَلْحَقَ لَا يَرِثُ،
الملحَق به) إذا كان رجلًا؛ لأن الورثة يخلفون مُورِّثهم في حقوقه، والنسبُ من جملتها.
والمراد بـ (غيره): من يتعدى النسب منه إلى نفسه لا الأجانبُ، ويدل عليه: تمثيله بالأخ والعم.
وإنما قيدت الملحَق به بكونه رجلًا؛ لأن استلحاق المرأة لا يقبل على الأصحِّ، فبالأولى استلحاق وارثها، قاله في "المطلب" ونقله عن ابن اللبّان، قال "المهمات": وهو واضح 280.
(بالشروط السابقة، وبشرط: كون الملحَق به ميتًا) فما دام حيًّا ليس لغيره الإلحاق به ولو كان مجنونًا؛ لاستحالة ثبوت نسب الشخص مع وجوده بقول غيره.
(ولا يشترط ألا يكون نفاه في الأصحِّ)، بل يجوز استلحاق من نفاه الملحَقُ به قبل موته بلعان أو غيره؛ قياسًا على ما لو استلحقه النافي، والثاني: يشترط؛ لأنه نسب سبق الحكم ببطلانه، ففي إلحاقه بعد الموت إلحاقُ عارٍ على الميت.
(ويشترط: كون المقر وارثًا حائزًا)، فلا يثبت بإقرار الأجنبي والقريبِ الذي لا يرث لقيام مانع به من رق أو غيره؛ لأنه ليس خليفة للمورِّث، ولا بإقرار الوارث غير الحائز؛ لأن القائم مقامَ المورِّث هو مجموعُ الورثة لا المستلحقُ وحده، فلو مات عن ابنين وبنات .. فلا بدَّ من اتفاقهم جميعًا، وكذا تعتبر موافقة الزوج والزوجة والمعتق على الأصحِّ؛ لأنهم من الورثة.
(والأصحُّ: أن المستلحقَ لا يرث) كذا هو في نسخة المصنف؛ كما حكاه السبكي.
وقضيته: أنه مع كون المقِر حائزًا لا يرث المستلحَقُ، وهو خلاف المنقول والمعقول، والظاهر: أنه سقط هنا شيء، وصوابه أن يقول: (وإن لم يكن حائزًا ..
الجزء: 2 - الصفحة: 303
وَلَا يُشَارِكُ الْمُقِرَّ فِي حِصَّتِهِ، وَأَنَّ الْبَالِغَ مِنَ الْوَرَثَةِ لَا يَنْفَرِدُ بِالإِقْرَارِ، وَأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْوَارِثينِ وَأَنْكَرَ الآخَرُ وَمَاتَ وَلَمْ يَرِثْهُ إِلَّا الْمُقِرُّ .. ثَبَتَ النَّسَبُ، وَأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ ابْنٌ حَائِز بِأُخُوَّةِ مَجْهُولٍ فَأَنْكَرَ الْمَجْهُولُ نَسَبَ الْمُقِرِّ .. لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ
فالأصحُّ ... ) إلى آخره؛ كما يوجد في بعض نسخ الكتاب، وقد يوجد في بعضها أيضًا: (فلو أقر أحد الابنين دون الآخر .. فالأصحُّ ... ) إلى آخره، وهذه الثانية: موافقة لما في "المحرر" 281، وكلٌّ منهما صواب، فإن الخلاف: إنما هو في إقرار غير الحائز؛ كأحد الابنين البالغين ولم يصدقه الآخر، فإنه لا يثبت النسب قطعًا.
(ولا يشارك المقِر في حصته) تفريعًا على أنه لا يرث لعدم ثبوت نسبه، فان قلنا: بأنه يرث .. شاركه، ولا يرث من نصيب المنكر، وفي هذه قرينة ظاهرة على أن المراد: إقرار بعض الورثة، إذ لو كان المقِر حائزًا .. لم تكن له حصة، بل جميع الإرث له.
(وأن البالغ من الورثة لا ينفرد بالإقرار) لأنه ليس حائزًا للميراث، فلا ينفرد، لما مرَّ، والثاني: ينفرد ويثبت؛ احتياطًا للنسب، والمجنون كالصبي.
فلو عبّر المصنف بـ (الكامل) .. لكان أشملَ.
(وأنه لو أقر أحد الوارثَين) بثالث (وأنكر الآخر ومات ولم يرثه إلا المقِر .. ثبت النسب) لأن جميع الميراث قد صار له، والثاني: لا يثبت؛ لأن إقرار الفرع مسبوق بإنكار الأصل.
واحترز المصنف بقوله: (وأنكر الآخر) عمّا لو سكت؛ فإنه يثبت لا محالة.
(وأنه لو أقر ابن حائز بأخوةِ مجهول فأنكر المجهول نسب المقِر) بأن قال: (لست ابن أبي) ( .. لم يؤثر فيه) لأنه لو بطل نسبه .. لبطل نسب المجهول؛ فإنه لم يثبت بقول المقِر إلا لكونه وارثًا حائزًا، ولو بطل نسب المجهول .. لثبت نسب المقرِ، وذلك دور، والثاني: يؤثر ويحتاج المقِر إلى بينة على نسبه؛ لأنه معترف بنسب المجهول، والمجهول قد أنكر نسبه، قال القفال: وهو غلط.
الجزء: 2 - الصفحة: 304
وَيَثْبُتُ أَيْضًا نَسَبُ الْمَجْهُولِ، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَارِثُ الظَّاهِرُ يَحْجُبُهُ الْمُسْتَلْحَقُ؛ كَأَخٍ أَقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ .. ثَبَتَ النَّسَبُ وَلَا إِرْثَ.
(ويثبت أيضًا نسب المجهول) لأن الوارث الحائز قد استلحقه، والثاني: لا؛ لأنه أخرج المقِرَّ عن أهلية الإقرار بتكذيبه.
(وأنه إذا كان الوارث الظاهرُ يحجبه المستلحَق؛ كأخ أقر بابن للميت .. ثبت النسب ولا إرثَ) أما ثبوت النسب .. فلأن الوارث الحائز في الظاهر قد استلحقه، وأما عدم الإرث .. فلأنه لو ورث .. لحجب الأخ، ولو حجبه .. لخرج عن أهلية الإقرار، وإذا لم يصحَّ الإقرار .. لم يثبت النسب ولا الإرث، فيؤدي توريثه إلى عدم توريثه، وقيل: لا يثبتان، وقيل: يثبتان.
الجزء: 2 - الصفحة: 305