بداية المحتاج في شرح المنهاجكتاب المسابقة والمناضلة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

هُمَا سُنَّةٌ، وَيَحِلُّ أَخْذُ عِوَضٍ عَلَيْهِمَا،

(كتاب المسابقة والمناضلة) المسابقة: مصدر سابقه مسابقةً، والمناضلة: المراماة، قال الأزهري: النضال في الرمي، والرهان في الخيل، والسباق يكون في الخيل والرمي 1، فعلى هذا: الترجمة بالمسابقة كافٍ لشمول الأمرين، ولهذا اقتصر عليه في "التنبيه" 2. وأصل الباب: قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي: نتنضل؛ كما قاله الزجاج وغيره، وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ وفسرها الشارع بالرمي؛ كما رواه مسلم 3، وسابق صلى الله عليه وسلم بين الخيل؛ كما رواه مسلم 4. قال المزني: ولم يُسبق الشافعي إلى تصنيف هذا الكتاب.
(هما سنة) للرجال لقصد التأهب للجهاد؛ لما ذكرناه، بل ويكره لمن علم الرمي تركُه كراهة شديدة.
(ويحل أخذ عوض عليهما) لحديث: "لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ، أَوْ نَصْلٍ" رواه الترمذي وحسنه 5. قال الخطابي: والرواية الصحيحة بفتح الباء 6، وهو اسم للمال الذي يوضع بين السباق.
والمراد بالخف: الإبل، وبالحافر: الخيل، وبالنصل: نصل السيف،

الجزء: 4 - الصفحة: 375

وَتَصِحُّ الْمُنَاضَلَةُ عَلَى سِهَامٍ، وَكَذَا مَزَارِيقُ وَرِمَاحٌ وَرَمْي بِأَحْجَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ، وَكُلُّ نَافِعٍ فِي الْحَرْبِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا عَلَى كُرَةِ صَوْلَجَانٍ، وَبُنْدُقٍ وَسِبَاحَةٍ وَشِطْرَنج وَخَاتِمٍ، وَوُقُوفٍ عَلَى رِجْلٍ، وَمَعْرِفَةِ مَا بِيَدِهِ،

والسكين، والرمح، والمزاريق، ولأن في ذلك ترغيبًا فيهما.
(وتصح المناضلة على سهام) عربية وهي النبل، وعجمية، وهي النشاب؛ لعموم قوله عليه السلام في الحديث السابق: "أَوْ نَصْلٍ"، وتصح أيضًا على جميع أنواع القسي، حتى يجوز على الرمي بالمسلات والإبر، (وكذا مزاريق، ورماح، ورمي بأحجار) بيد أو مقلاع، (ومنجنيق، وكل نافع في الحرب على المذهب) منشأ الخلاف في الجميع هل هي في معنى السهم المنصوص عليه، أم لا؛ والأصح: نعم؛ لأنها أسلحة يرمى بها، وتنبغي بها الإصابة.
وعطف المصنف الرماح على المزاريق من باب عطف العام على الخاص؛ لأن المزاريق الأرماح القصار؛ كما عكس ذلك في قوله: (بأحجار ومنجنيق).
ومحل ما ذكره في الرمي بالأحجار: إذا كان إلى غير الرامي، أما المراماة؛ بأن يرمي كل واحد إلى صاحبه، ويسمى: الشلاق في عرف العوام .. فهو حرام قطعًا.
وقوله: (وكل نافع في الحرب) يدخل فيه التردد بالسيوف والرماح، والأصح: جواز المسابقة عليها؛ لأنها من أعظم عدد القتال، واستعمالها يحتاج إلى تعلم وتحذق.
(لا على كرة صولجان، وبندق، وسباحة، وشطرنج، وخاتم، ووقوف على رجل، ومعرفة ما بيده) من زوج أو فرد، وكذا سائر أنواع اللعب؛ لأنها لا تنفع في الحرب، وهذا إذا عقد على عوض، وإلا .. فمباح.
وقوله: (وبندق) شامل للرمي به إلى حفرة ونحوها، وبه صرح الدارمي، وللرمي به عن قوسه، وظاهر كلام "الشرح" و"الروضة": أن الحكم كذلك، وزعم ابن الرفعة، أنه لا خلاف فيه، قال الأَذْرَعي: لكن المجزوم به في "الحاوي": الجواز، ورجحه البُلْقيني؛ لأن فيه نكاية كنكاية المسلة.

الجزء: 4 - الصفحة: 376

وَتَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ عَلَى خَيْلٍ، وَكَذَا فِيلٌ وَبَغْلٌ وَحِمَارٌ فِي الأَظْهَرِ، لَا طَيْرٌ وَصِرَاعٌ فِي الأَصَحِّ، ...

(وتصح المسابقة على خيل) وإبل؛ للحديث المار 7. (وكذا فيل وبغل وحمار في الأظهر) لعموم قوله عليه السلام: "خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ" 8، قال الإمام: ويؤيده العدول عن ذكر الفرس والبعير إلى الخف والحافر، ولا فائدة فيه غير قصد التعميم 9، والثاني: المنع؛ لأنها لا تصلح للكر والفر، ولا يقاتل عليها غالبًا.
(لا طير وصراع في الأصح) لأنها ليست من آلات القتال، والثاني: يجوز، أما في الطير .. فللحاجة إليها في الحرب؛ لأنها تحمل الأخبار، وأما في الصراع .. فلأن فيه إدمانًا وقوة.
وقد صارع عليه السلام ركانة على شياه، كما رواه أبو داوود في "مراسيله" 10. وأجاب الأول عنه: بأنه أراه شدته ليسلم، ولهذا لما أسلم .. رد عليه غنمه، والخلاف فيما إذا كان عوض، فإن لم يكن .. جاز قطعًا.
وقيل: يحرم الصراع مطلقًا؛ لأنه يهيج العداوة، حكاه البغوي 11. ولا تجوز المسابقة على الأقدام بعوض على الأصح، ويجوز بلا عوض؛ لأنه عليه السلام تسابق هو وعائشة رضي الله عنها 12.

الجزء: 4 - الصفحة: 377

وَالأَظْهَرُ: أَنَّ عَقْدَهُمَا لَازِمٌ لَا جَائِزٌ، فَلَيْسَ لِأحَدِهِمَا فَسْخُهُ، وَلَا تَرْكُ الْعَمَلِ قَبْلَ شُرُوعٍ وَبَعْدَهُ، وَلَا زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ فِيهِ، وَلَا فِي مَالٍ. وَشَرْطُ الْمُسَابَقَةِ: عِلْمُ الْمَوْقِفِ وَالْغَايَةِ، وَتَسَاوِيهِمَا فِيهِمَا،

(والأظهر: أن عقدهما) أي: المسابقة والمناضلة (لازم لا جائز) كا لإجارة، والثاني: جائز كالجعالة، قال الأَذْرَعي: والقولان إذا كانت بعوض، وإلا .. فجائزة قطعًا.
انتهى، ومحلهما في العوض في حق من التزم المال، فأما من لم يلتزم شيئًا وقد يغنم .. فجائز في حقه قطعًا.
(فليس لأحدهما فسخه) لأن هذا شأن العقد اللازم.
نعم؛ لو بان بالعوض المعين عيب .. ثبت حق الفسخ؛ كما في الأجرة.
(ولا ترك العمل قبل شروع وبعده) سواء كان مفضولًا أم فاضلًا، وأمكن أن يدركه صاحبه ويسبقه، فإن لم يمكنه ذلك .. كان له الترك؛ لأنه حق نفسه.
(ولا زيادة ونقص فيه) أي: في العمل، (ولا في مال) أي: في المال الملتزم بالعقد؛ كالإجارة إلا أن يفسخا العقد، ويستأنفا عقدًا، هذا كله تفريع على قول اللزوم، وعلى قول الجواز: يجوز جميع ذلك.
(وشرط المسابقة: علم الموقف) الذي يبتدئان بالجري منه، (والغاية) التي يجريان إليها؛ لأنه عليه السلام سابق بين الخيل المضمرة من الحَفْياء إلى ثنية الوداع، وبين غيرها من الثنية إلى مسجد بني زُرَيق، متفق عليه 13. فإن لم يعيناهما، وشرط المال لمن سبق حيث سبق .. لم يجز؛ كما صرح به في "المحرر" 14. (وتساويهما فيهما) أي: تساوي المتسابقين في الموقف والغاية، فلو شرط تقدم موقف أحدهما أو تقدم غايته .. لم يجز؛ لأن المقصود معرفة فروسية الفارس، وجودة جري الدابة، ولا يعرف ذلك مع تفاوت المسافة؛ لاحتمال أن يكون السبق لقرب المسافة لا لحذق الفارس، ولا لفراهة الفرس.

الجزء: 4 - الصفحة: 378

وَتَعْيِينُ الْفَرَسَيْنِ وَيَتَعَيَّنَانِ، وَإِمْكَانُ سَبْقِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْعِلْمُ بِالْمَالِ الْمَشْرُوطِ

(وتعيين الفرسين) لأن المقصود امتحان الفرس؛ ليعرف سيره، والتعيين يكون بالإشارة إليهما، ويكتفى بوصفهما في الذمة على الأصح في "أصل الروضة" 15، وقال الرافعي في "التذنيب": إنه الأوجه، كما يقوم الوصف في السلم مقام الإحضار، وقيل: لا يكفي الوصف، وهو ظاهر كلام "الكتاب" تبعًا لـ "أصله"؛ لأن المعول في المسابقة على أعيانها.
(ويتعينان) فلا يجوز إبدالهما؛ لاختلاف الغرض، فإن وقع هلاك .. انفسخ العقد.
نعم؛ لو وقع العقد على موصوف في الذمة، ثم أحضر فرس .. قال الرافعي: (فما ينبغي أن ينفسخ العقد بهلاكه) 16. (وإمكان سبق كل واحد) من الفرسين، فإن كان أحدهما ضعيفًا يُقطع بتخلفه، أو فارهًا يُقطع بتقدمه .. لم يجز، والمراد بالإمكان: الغالب، فإن أمكن نادرًا .. لم يصح في الأصح.
(والعلم بالمال المشروط) بالمشاهدة إن كان معينًا، وبالوصف إن كان في الذمة؛ كالإجارة، والجعالة، فلو عقدا على مجهول .. فسد، واستحق أجرة المثل على الأصح.
وبقي من الشروط كون المسافة يمكن الفرسين قطعها بدون انقطاع وتعب، فإن كانت فوق ذلك .. فالعقد باطل، وأن يتسابقا على الدابتين، فلو شرطا إرسالهما ليجريا بأنفسهما .. لم يصح؛ لأنها تنفر ولا تقصد الغاية، بخلاف الطيور إذا جوزنا المسابقة عليها؛ لأن لها هداية إلى الغاية، وأن يجتنبا الشروط المفسدة، ذكرها في "أصل الروضة" 17.

الجزء: 4 - الصفحة: 379

ويجُوزُ شَرْطُ الْمَالِ مِنْ غَيْرِهِمَا؛ بِأَنْ يَقُولَ الإِمَامُ أَوْ أَحَدُ الرعِيّة: (مَنْ سَبَقَ مِنْكُمَا .. فَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَوْ عَلَيَّ كَذَا). وَمِنْ أَحَدِهِمَا؛ فَيَقُولُ: (إِنْ سَبَقْتَنِي .. فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا، وَإِنْ سَبقْتك .. فَلَا شَيْءَ عَلَيْكَ)، فَإِنْ شُرِطَ أَنَّ مَنْ سَبَقَ مِنْهُمَا فَلَهُ عَلَى الآخَرِ كَذَا .. لَمْ يَصِحَّ إلَّا بِمُحَلِّلٍ فَرَسُهُ كُفْءٌ لِفَرَسَيْهِمَا، فَإِنْ سَبَقَهُمَا .. أَخَذَ الْمَالَيْنِ، وَإِنْ سَبَقَاهُ وَجَاءَا مَعًا .. فَلَا شَيْءَ

(ويجوز شرط المال من غيرهما؛ بأن يقول الإمام أو أحد الرعية: "من سبق منكما .. فله في بيت المال أو علي كذا") لما فيه من التحريض على تعليم الفروسية، وإعداد أسباب القتال، ولأنه بذل مال في طاعة.
(و) يجوز شرطه (من أحدهما) أي: ويجوز شرط المال من أحدهما (فيقول: "إن سبقتني .. فلك علي كذا، أو سبقتك .. فلا شيء عليك") 18 لأن المقصود من العقد يحصل مع خلوه من القمار؛ لأن عدم إخراج أحدهما بمنزلة المحلل.
(فإن شرط أن من سبق منهما فله على الآخر كذا .. لم يصح إلا بمحلل فرسه كفء لفرسيهما) أي: يمكن سبقه لكل واحد منهما، فإن كان يقطع بتخلفه .. فلا فائدة في إدخاله؛ لقوله عليه السلام: "مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ -يَعْني- وَهُوَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ .. فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أُمِنَ أَنْ يَسْبِقَ .. فَهُوَ قِمَارٌ" رواه أبو داوود وابن ماجه، وصححه الحاكم 19. فإذا كان قمارًا عند الأمن من سبق فرس المحلل .. فعند عدم المحلل أولى، ولأن معنى القمار موجود فيه، فإن كلًّا منهما يرجو الغنم ويخشى الغرم، ولا يشترط أن يكون بين كل اثنين محلل؛ كما يقتضيه كلامه، بل يكفي محلل واحد بين المتسابقين ولو بلغوا مئة.
وقوله: (فرسه) مثال؛ فإن البعير وما يسابق عليه كذلك، والكفء مثلث الكاف: المساوي والنظير.
(فإن سبقهما .. أخذ المالين) لسبقه لهما، (وإن سبقاه وجاءا معًا .. فلا شيء

الجزء: 4 - الصفحة: 380

لِأَحَدٍ، وإِنْ جَاءَ مَعَ أَحَدِهِمَا .. فَمَالُ هَذا لِنَفْسِهِ، وَمَالُ الْمُتأَخِّرِ لِلْمُحَلِّلِ وَلِلَّذِي مَعَهُ، وَقِيلَ: لِلْمُحَلِّلِ فَقَطْ. وَإِنْ جَاءَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ الْمُحَلِّلُ ثمَّ الآخَرُ .. فَمَالُ الآخَرِ لِلأَوَّلِ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ تَسَابَقَ ثَلَاثة فَصَاعِدًا وَشُرِطَ لِلثَّانِي مِثْلُ الأَوَّلِ .. فَسَدَ، وَدُونَهُ يَجُوزُ فِي الأَصَحِّ

لأحد) لعدم سبقه لهما، ولعدم سبق أحدهما الآخر.
(وإن جاء مع أحدهما .. فمال هذا) أي: الذي جاء مع المحلل (لنفسه) لأنه لم يسبقه أحد، (ومال المتأخر للمحلل وللذي معه) لأنهما سبقاه، (وقيل: للمحلل فقط) الخلاف مبني على أصل، وهو: أن المحلل هل يحلل لنفسه فقط أو لنفسه ولغيره؟ والصحيح: الثاني.
(وإن جاء أحدهما ثم المحلل ثم الآخر .. فمال الآخر للأول في الأصح) لأن المحلل مسبوق، والثاني: أنه له وللمحلل؛ لأنهما سبقا الآخر.
وقيل: إنه للمحلل خاصة، ولا خلاف أن الأول يحرز ما أخرجه.
(وإن تسابق ثلاثة فصاعدًا، وشرط للثاني مثل الأول .. فسد) لأن كل واحد منهما لا يجتهد في السبق؛ لوثوقه بالمال سبق أو لم يسبق، وما جزم به تبع فيه "المحرر" 20، لكن صححا في "الروضة" و"الشرحين" الصحة؛ بأن كلًّا منهما يجتهد ويسعى أن يكون سابقًا، أو مصليًا 21. نعم؛ لو شرط للثاني أكثر من الأول .. فسد.
(ودونه يجوز في الأصح) لأنه يسعى ويجتهد، ليفوز بالأكثر، والثاني: المنع؛ لأنه يكسل إذا علم أنه يفوز بشيء.
واعلم: أن للخيل التي تجتمع للسباق عشرة أسماء، نظمها العلامة برهان الدين الباعوني أمتع الله بحياته، فقال: [من الخفيف] سَابِقٌ بَعْدَهُ مُصَلٍّ مُسَلٍّ ... ثمَّ تَالٍ فَعَاطِفٌ مُرْتَاحُ سَابِعٌ فَالمُؤَمَّلُ الحَظِيّ يَلِيهِ ... فَلَطِيمٌ لِعَدْوِهِ يَرْتَاحُ

الجزء: 4 - الصفحة: 381

وسَبْقُ إِبلٍ بِكَتِفٍ، وَخَيْلٍ بِعُنُقٍ، وَقِيلَ: بِالْقَوَائِمِ فِيهِمَا. وَيُشْتَرَطُ لِلْمُنَاضَلَةِ بَيَانُ أَنَّ الرَّمْيَ مُبَادَرَةٌ -وَهِيَ: أَنْ يَبْدُرَ أَحَدُهُمَا بِإِصَابَةِ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ- أَوْ مُحَاطَّةٌ -وَهِيَ: أَنْ تُقَابَلَ إِصَابَاتُهُمَا وَيُطْرَحَ الْمُشْتَرَكُ، فَمَنْ زَادَ بِعَدَدِ كَذَا .. فَنَاضِلٌ-.

وسُكَيْتٌ وَفِسْكِلٌ قَدْ تَلَاهُ ... عَشْرَةٌ عَدْوَهَا حَكَتْهُ الرِّيَاحُ 22 (وسبق إبل بكتف، وخيل بعنق) لأن الإبل ترفع أعناقها في العدو، والخيل تمدها؛ فلا يمكن اعتبار السبق به، وهذا إذا استوى الفرسان في خلقة العنق طولًا وقصرًا، فإن اختلفا وسبق الأطول عنقًا بقدر الزيادة أو دونها .. لم يكن سابقًا.
وقوله: (بكتف)، عبارة "الروضة" و"أصلها": (بكتد) بفتح التاء 23، وهي عبارة الشافعي والجمهور 24، وهو: مجتمع الكتفين بين أصل العنق والظهر، وذكر الماوردي فيه تأويلين: أحدهما: هذا، والثاني: أنه الكتف 25، وعلى هذا يتمشى ما في "المحرر" و"المنهاج".
(وقيل: بالقوائم فيهما) أي: في الإبل والخيل؛ لأن العدو بها، وهو الأقيس عند الإمام 26. (ويشترط للمناضلة: بيان أن الرمي مبادرة، وهي: أن يبدر أحدهما) أي: يسبق (بإصابة العدد المشروط) كما إذا شرط أن من سبق إلى خمسة من عشرين فله كذا، ورمى كل واحد عشرين، وأصاب أحدهما خمسة، والآخر دونها .. فالأول ناضل.
(أو محاطة) بتشديد الطاء (وهي: أن تقابل إصاباتهما ويطرح المشترك، فمن زاد بعدد كذا .. فناضل) كخلوص خمسة من عشرين، فإذا رميا عشرين، وأصاب كل واحد خمسة .. لم ينضل أحدهما الآخر، وإن أصاب أحدهما خمسة، والآخر عشرة .. فالثاني: ناضل.

الجزء: 4 - الصفحة: 382

وَبَيَانُ عَدَدِ نُوَبِ الرَّمْيِ، وَالإِصَابَةِ، وَمَسَافَةِ الرَّمْيِ،

وما جزم به من اشتراط التعرض لكون الرمي مبادرة، أو محاطة .. تبع فيه "المحرر" 27، وهو وجه، والأصح في "أصل الروضة" و"الشرح الصغير": أنه لا يشترط التعرض لهما في العقد، وإذا أطلقا .. حمل العقد على المبادرة؛ فإنها الغالب من المناضلة، ونقله في "الكبير" عن "تصحيح البغوي"، وأقره 28. (وبيان عدد نوب الرمي) في المحاطة والمبادرة جميعًا؛ ليكون للعمل ضبط، وهي في المناضلة كالميدان في المسابقة، فيجوز أن يشرطا رمي سهم سهم، أو أكثر من ذلك، ويجوز أن يشرطا تقدم واحد بجميع سهامه؛ فإن أطلقا .. حمل على رمي سهم سهم، كذا قالاه 29، وظاهره: أن بيان عدد نوب الرمي مستحب، وبه صرح الماوردي 30؛ فإذًا كلام "الكتاب" مستدَرك.
(و) بيان عدد (الإصابة) كخمسة من عشرين؛ لأن الاستحقاق بالإصابة، وبها يتبين حذق الرامي، وجودة رميه، ويشترط أن يكون ذلك ممكنًا؛ فإن ندر كعشرة من عشرة .. لم يصح، وكذا تسعة من عشرة على أصح القولين في "التنبيه" 31، فإن كان ممتنعًا كمئة متوالية .. لم يصح، أو مستيقنًا كإصابة الحاذق واحدًا من مئة .. ففي صحة العقد وجهان، وجه المنع: أن هذا العقد ينبغي أن يكون فيه خطر؛ ليتأنق الرامي بالإصابة، ووجه الصحة: ليتعلم الرمي بمشاهدة رميه، قال في "الشرح الصغير": والأصح عند جماعة منهم صاحب "الكتاب": الصحة، وصحح ابن الرفعة في "الكفاية" المنع 32، وتبعه البُلْقيني.
(ومسافة الرمي) لاختلاف الغرض بها، وقيل: لا يشترط، وينزل على العادة الغالبة للرماة هناك إن كانت، وهذا هو الأظهر في "الروضة" و"أصلها"، فإن لم

الجزء: 4 - الصفحة: 383

وَقَدْرِ الْغَرَضِ طُولًا وَعَرْضًا، إلَّا أَنْ تُعْقَدَ بِمَوْضِعٍ فِيهِ غَرَضٌ مَعْلُومٌ .. فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ، وَلْيُبيِّنَا صِفَةَ الرَّمْيِ مِنْ قَرْعٍ - وَهُوَ: إِصَابَةُ الشَّنِّ بِلَا خَدْشٍ - أَوْ خَزْقٍ - وَهُوَ: أَنْ يَثْقُبَهُ وَلَا يَثْبُتَ فِيهِ- أَوْ خَسْقٍ - وَهُوَ: أَنْ يَثْبُتَ- أَوْ مَرْقٍ؛ وَهُوَ: أَنْ يَنْفُذَ. فَإِنْ أَطْلَقَا .. اقْتَضَى الْقَرْعَ،

تكن عادة .. وجب قطعًا، قالا: وعلى هذا يحمل ما أطلقه الأكثرون من اشتراط الإعلام بالمسافة.
انتهى 33، وعليه يحمل إطلاق "الكتاب" أيضًا.
وقد يفهم كلام المصنف: أنهما إذا رميا إلى غير غرض، ويكون السبق لأبعدهما رميًا .. لم يصح، والصحيح: الصحة.
(وقدر الغرض) بفتح الغين المعجمة والراء، وهو: العلامة التي يرمى إليها؛ من خشب، أو قرطاس، أو دائرة، (طولًا وعرضًا) وسمكًا وارتفاعًا من الأرض؛ لاختلاف الغرض بذلك، (إلا أن تعقد بموضع فيه غرض معلوم .. فيحمل المطلق عليه) كما مر في المسافة.
(وليبينا صفة الرمي من قرع وهو: إصابة الشن) بفتح الشين، وهو الغرض (بلا خدش، أو خزق) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الزاي المعجمة، (وهو: أن يثقبه ولا يثبت فيه، أو خسق، وهو: أن يثبت، أو مرق، وهو: أن ينفذ) ويخرج من الجانب الآخر، وإنما يتصور ذلك في الشن المعلق، وأهمل الخرم بالراء المهملة، وهو: أن يصيب طرف الغرض، فيخرمه، ووجه ذلك: اختلاف الغرض بهذه الصفات.
وكان ينبغي أن يقول: (وليبينا صفة الإصابة)، كما قاله في "الروضة" و"أصلها"، و"المحرر" 34؛ فإن ما ذكره صفة لها لا للرمي، والعجب أنه عبر في "التنبيه" كما في "الكتاب" فاعترض المصنف عليه في "التحرير" بما ذكرناه 35. (فإن أطلقا) العقد ( .. اقتضى القرع) لأنه المتعارف.

الجزء: 4 - الصفحة: 384

وَيَجُوزُ عِوَضُ الْمُنَاضَلَةِ مِنْ حَيْثُ يَجُوزُ عِوَضُ الْمُسَابَقَةِ وَبِشَرْطِهِ. وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ قَوْسٍ وَسَهْم، فَإِنْ عُيِّنَ .. لَغَا، وَجَازَ إِبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ، فَإِنْ شُرِطَ مَنع إِبْدَالِهِ .. فَسَدَ الْعَقْدُ. وَالأظْهَرُ: اشْتِرَاطُ بَيَانِ الْبَادِئِ بِالرَّمْيِ. وَلَوْ حَضَرَ جَمْع لِلْمُنَاضَلَةِ فَانْتَصَبَ زَعِيمَانِ يَخْتَارَانِ أَصْحَابًا .. جَازَ،

(ويجوز عوض المناضلة من حيث يجوز عوض المسابقة وبشرطه) فيجوز من غيرهما ومن أحدهما، وكذا منهما بمحلل، كما في المسابقة، (ولا يشترط تعيين قوس وسهم) بعينهما؛ لأن الاعتماد على الرامي، بخلاف الفرس في المسابقة.
(فإن عين) قوسًا أو سهمًا بعينه ( .. لغا) تعيينه (وجاز إبداله بمثله) من ذلك النوع، سواء حدث فيه خلل يمنع من استعماله أو لم يحدث، بخلاف الفرس لا يبدل بغيره.
واحترز بقوله: (بمثله) عن الانتقال من نوع إلى نوع؛ كالقسي الفارسية والعربية؛ فإنه لا يجوز إلا بالتراضي؛ لأنه ربما كان به أَدرَبَ.
(فإن شرط منع إبداله .. فسد العقد) لأنه شرط فاسد يخالف مقتضى العقد فأفسده.
(والأظهر: اشتراط بيان البادئ بالرمي) لاختلاف الغرض به؛ فإن تركاه .. لم يصح العقد، والثاني: لا يشترط، ويقرع، وهو المنصوص في "الأم" 36، واعتمده البُلْقيني، وقيل: يصح العقد، ويترك الإطلاق على عادة الرماة.
ويشترط أيضًا: تعيين الرامي بالشخص؛ كما يشترط تعيين المركوب في المسابقة.
(ولو حضر جمع للمناضلة، فانتصب زعيمان يختاران أصحابًا .. جاز) ويكون كل حزب في الإصابة والخطأ كشخص واحد.
ونبه بقوله: (زعيمان) على أنه لا بد لكل حزب من زعيم، قال القاضي الحسين: ويشترط كونهما أحذق الجماعة، وأن تقسم السهام عليهم بلا كسر، فإن تحازبوا ثلاثة ثلاثة .. اشترط أن يكون للسهام ثلث صحيح كالثلاثين، وإن تحازبوا

الجزء: 4 - الصفحة: 385

وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ تَعْيِينهِمَا بِقُرْعَةٍ، فَإنِ اخْتَارَ غَرِيبًا ظَنَّهُ رَامِيًا فَبَانَ خِلَافُهُ .. بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَسَقَطَ مِنَ الْحِزْبِ الآخَرِ وَاحِدٌ، وَفِي بُطْلَانِ الْبَاقِي قَوْلا تفرِيقِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ صَحَّحْنَا .. فَلَهُمْ جَمِيعًا الْخِيَارُ، فَإِنْ أَجَازُوا وَتنَازَعُوا فِيمَنْ يَسْقُطُ بَدَلُهُ .. فُسِخَ الْعَقْدُ. وَإِذَا نَضَلَ حِزْبٌ .. قُسِمَ الْمَالُ بِحَسَبِ الإِصَابَةِ، وَقِيلَ: بِالسَّوِيَّةِ،

أربعة أربعة .. فربع صحيح كالأربعين، وأن يعينا الأصحاب قبل العقد، ويختارا واحدًا بواحد، وهكذا حتى يتم العدد، ولا يجوز أن يختار واحد جميع حزبه أولًا؛ لئلا يأخذ الحذاق.
ويشترط: تساوي عدد الحزبين خلافًا للإمام، فإنه اكتفى بعدد الرمي، فيرمي واحد سهمين في مقابلة اثنين 37. (ولا يجوز شرط تعيينهما) أي: الأصحاب (بقرعة) لأنها قد تجمع الحذاق في جانب، وضدهم في الآخر، فيفوت مقصود المناضلة.
(فإن اختار) أحد الزعيمين (غريبًا ظنه راميًا، فبان خلافه) أي: أنه لا يحسن الرمي أصلًا ( .. بطل العقد فيه، وسقط من الحزب الآخر واحد) بإزائه؛ كما إذا بطل البيع في بعض المبيع .. يسقط قسطه من الثمن.
(وفي بطلان الباقي قولا تفريق الصفقة) فيصح في الأظهر، ويثبت الخيار، وقيل: يبطل قطعًا؛ لأنه ليس بعضهم بأن يجعل في مقابلته بأولى من بعض، ولا مدخل للقرعة فيه، فلو بان ضعيف الرمي، أو قليل الإصابة .. فلا فسخ، ولو بان فوق ما ظنوه .. فلا فسخ للحزب الآخر، وفيه بحث للرافعي 38. (فإن صححنا .. فلهم جميعًا الخيار) بين الفسخ والإجازة للتبعيض، (فإن أجازوا وتنازعوا فيمن يسقط بدله .. فسخ العقد) لتعذر إمضائه.
(وإذا نضل حزب .. قسم المال بحسب الإصابة) لأن الاستحقاق بها، فمن لا إصابة له .. لا شيء له، ومن أصاب .. أخذ بحسب إصابته، (وقيل: بالسوية) لأنهم كالشخص الواحد؛ كما أن المنضولين يغرمون بالسوية، وهذا هو الصحيح في

الجزء: 4 - الصفحة: 386

وَيُشْتَرَطُ فِي الإِصَابَةِ الْمَشْرُوطَةِ أَنْ تَحْصُلَ بِالنَّضْلِ، فَلَوْ تَلِفَ وَتَرٌ أَوْ قَوْسٌ، أَوْ عَرَضَ شَيْءٌ انْصَدَمَ بِهِ السَّهْمُ وَأَصَابَ .. حُسِبَ لَهُ، وإلَّا .. لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ، وَلَوْ نَقَلَتْ رِيحٌ الْغَرَضَ فَأَصَابَ مَوْضِعَهُ .. حُسِبَ لَهُ، وإلَّا .. فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ،

"أصل الروضة"، والأشبه في "الشرحين"، لكن في "المحرر": أن الأشبه: الأول، وتبعه المصنف، قال في "المهمات": ولعل ما وقع في "المحرر" سبق قلم 39. [وهذا محله: في حالة الإطلاق؛ فإن شرطوا أن يقسموا على الإصابة .. فالشرط تبع، وللإمام فيه احتمال] 40. (ويشترط في الإصابة المشروطة: أن تحصل بالنضل) لأنه المتعارف 41. (فلو تلف وتر أو قوس) قبل خروج السهم، لا بتقصيره وسوء رميه (أو عرض شيء) كشخص أو بهيمة (انصدم به السهم وأصاب .. حسب له) لأن الإصابة مع النكبة العارضة تدل على جودة رميه وقوته.
(وإلا) أي: وإن لم يصب ( .. لم يحسب عليه) إحالة له على السبب العارض؛ فإن تلف الوتر أو القوس لسوء رميه وتقصيره .. حسب عليه.
(ولو نقلت ريح الغرض فأصاب موضعه .. حسب له) إن كان الشرط القرع؛ لأنه لو كان موضعه .. لأصابه، فإن كان الشرط هو الخزق، فثبت السهم، والموضع في صلابة الغرض .. حسب له.
(وإلا) أي: وإن لم يصب موضعه ( .. فلا يحسب عليه) وهذا مخالف لما في "الشرح"، و"الروضة"؛ فإن فيهما: ولو أصاب الغرض في الموضع المنتقل إليه .. حسب عليه لا له.
انتهى 42، فإصابة الغرض في الموضع المنتقل إليه هي من

الجزء: 4 - الصفحة: 387

وَلَوْ شُرِطَ خَسْقٌ فَثَقَبَ وَثبتَ ثُمَّ سَقَطَ، أَوْ لَقِيَ صَلَابَةً فَسَقَطَ .. حُسِبَ لَهُ.

صور ألا يصيب موضع الغرض، ويؤخذ منه الحساب عليه بطريق الأولى إذا لم يصبه، قال في "المهمات": والمسألة مذكورة في أكثر نسخ "المحرر" على الصواب -أي: فإنه قال: وإلا .. فلا؛ أي: لم يحسب له- وفي بعضها كـ "المنهاج" فلعلها الواقعة له 43. (ولو شرط خسق فثقب وثبت ثم سقط، أو لقي صلابة فسقط .. حسب له) أما في الأولى .. فكما لو نزعه غيره، وأما في الثانية .. فلظهور العذر، وهو الصلابة المانعة من الخسق.


الجزء: 4 - الصفحة: 388

كتابُ الأيمان لَا تنعَقِدُ إلَّا بِذَاتِ اللهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ لَهُ؛ كَقَوْلهِ: (وَاللهِ)، (وَرَبِّ الْعَالَمِينَ)، (وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ)، (وَمَنْ نَفْسِي بِيَدِهِ)، وَكُلِّ اسْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى،

﴿كتاب الأيمان﴾ هي بالفتح: جمع يمين، مأخوذة من اليمين الذي هو العضو؛ لأنهم كانوا إذا حلفوا .. وضع أحدهم يمينه في يمين صاحبه، وهي في الشرع -كما قاله الإمام-: تحقيق الشيء وتقريره باسم الله تعالى أو صفته، نفيًا كان أو إثباتًا 44. والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، وقوله عليه السلام: "وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا" 45 إلى غير ذلك من الأحاديث الشهيرة، وأجمعت الأمة على انعقاد اليمين وتعلق الكفارة بالحنث فيها.
(لا تنعقد إلا بذات الله تعالى، أو صفة له؛ كقوله: "والله"، "وربِّ العالمين"، "والحيِّ الذي لا يموت"، "ومن نفسي بيده"، وكل اسم مختص به سبحانه وتعالى) كالإله، وملك يوم الدين؛ لأن الأيمان معقودة بمن عظمت حرمته، ولزمت طاعته.
وإطلاق هذا مختص بالله تعالى؛ فلا ينعقد بالمخلوقات، كـ: (وحقِّ النبي)، و (جبريل)، و (الملائكة)، و (الكعبة) لما في "الصحيحين": "إِنَّ الله يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا .. فَلْيَحْلِفْ بِالله أَوْ لِيَصْمُتْ" 46. قال الشافعي: وأخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية 47.

الجزء: 4 - الصفحة: 389

وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: (لَمْ أُرِدْ بِهِ الْيَمِينَ). وَمَا انْصَرَفَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِنْدَ الإِطْلَاقِ كـ (الرَّحِيمِ)، وَ (الْخَالِقِ)، وَ (الرَّازِقِ)، وَ (الرَّبِّ) .. تنعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ غَيْرَهُ، وَمَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ وَالْعَالِمِ وَالْحَيِّ .. لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا بِنِيةٍ. وَالصِّفَةُ؛ كـ (وَعَظَمَةِ اللهِ)، (وَعِزَّتِهِ)، (وَكِبْرِيَائِهِ)، (وَكَلَامِهِ)،

وما صرح به المصنف من أن (الله) اسم للذات هو الصحيح؛ ولهذا تجري الصفات عليه فيقول: اللهُ الرحمنُ الرحيمُ.
وقيل: هو اسم للذات مع جملة الصفات، فإذا قلت: (الله) .. فقد ذكرت جملة صفات الله تعالى.
و(العالم) بفتح اللام: كلُّ المخلوقات.
(ولا يقبل قوله: "لم أرد به اليمين") لأنها صريحة في اليمين.
(وما انصرف إليه سبحانه وتعالى عند الإطلاق) وينصرف إلى غيره بالتقييد (كـ"الرحيم"، و"الخالق"، و"الرازق"، و"الربّ" .. تنعقد به اليمين) وإن أطلق؛ لأن الإطلاق ينصرف إليه سبحانه وتعالى (إلا أن يريد غيره) فيقبل، ولا يكون يمينًا؛ لأنه قد يستعمل في حقّ غيره؛ كرحيم القلب، وخالق الكذب، ورازق الجيش، وربّ الدار، قال تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾، وقال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾.
(وما استعمل فيه وفي غيره سواء؛ كالشيء والموجود والعالم والحي .. ليس بيمين) لأنه ليس باسم معظم (إلا بنيَّةٍ) لأنها لما استعملت فيه وفي غيره سواء .. أشبهت كنايات الطلاق.
وما جزم به من كونه يمينًا عند النية هو الأصح في "زوائد الروضة"، لكن الأظهر في "الشرحين": أنه ليس بيمين 48؛ لفقد التصريح بالاسم المعظم؛ فإن ما ينطلق على الله وعلى غيره انطلاقًا واحدًا ليس له حرمة.
ومنع المصنف قولهم: ليس له حرمة.
(والصفة؛ كـ: "وعظمة الله"، "وعزته"، "وكبريائه"، "وكلامه"،

الجزء: 4 - الصفحة: 390

(وَعِلْمِهِ)، (وَقُدْرَته)، (وَمَشِيئَتِهِ) .. يَمِينٌ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومَ، وَبِالْقُدْرَةِ الْمَقْدُورَ. وَلَوْ قَالَ: (وَحَقِّ اللهِ) .. فَيَمِينٌ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْعِبَادَاتِ. وَحُرُوفُ الْقَسَمِ: (بَاءٌ) وَ (وَاوٌ) وَ (تَاءٌ)، كـ (بِاللهِ) وَ (وَاللهِ) وَ (تاللهِ)، وَتَخْتَصُّ التَّاءُ بِاللهِ.

"وعلمه"، "وقدرته"، "ومشيئته" .. يمين) لأنها صفات لم يزل سبحانه موصوفًا بها، فأشبهت الأسماء المختصة به، فتنعقد يمينه بها ولو أطلق.
(إلا أن ينوي بالعلم المعلوم، وبالقدرة المقدور) فلا تكون يمينًا، ويكون كأنه قال: (ومعلوم الله)، (ومقدور الله).
وقضية كلامه: تخصيص الاستثناء بصفتي العلم والقدرة دون ما قبلهما من الصفات، وهو وجه جزم به كثيرون، لكن الأصح في "الشرحين" و"الروضة": عدم الفرق؛ لأنه قد يقال: (عاينت عظمة الله وكبرياءه)، ويشار إلى أفعاله سبحانه وتعالى 49. (ولو قال: "وحقِّ الله") لأفعلن كذا ( .. فيمين) إن نوى اليمين، وكذا إن أطلق في الأصح؛ لغلبة استعماله في اليمين (إلا أن يريد العبادات) فلا تكون يمينًا قطعًا؛ لأن العبادات حق الله تعالى علينا، وليس صفة لله تعالى.
(وحروف القسم: "باء"، و"واو"، و"تاء"؛ كـ: "بالله"، و"والله"، و"تالله") والأصل في القسم عند أهل اللسان: هي (الباء)، ثم أبدلوا منها (الواو) لقربها منها في المخرج وفي المعنى، ثم أبدلوا من (الواو) (التاء) لقرب مخرجها منها.
(وتختص "التاء" بالله) لأنها لمّا كانت بدلًا من بدل .. ضاق تصرفها عن البدل والمبدل منه؛ فلم تدخل على شيء ممّا يدخلان عليه سوى اسم الله تعالى، فيقول: (تالله)، ولا يقول: (تربك) ولا غيره.
وكان صواب العبارة: (ويختص الله بـ "التاء")؛ لأن (الباء) مع فعل

الجزء: 4 - الصفحة: 391

وَلَوْ قَالَ: (الله) وَرَفَعَ أَوْ نَصَبَ أَوْ جَرَّ .. فَلَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا بِنِيَّةٍ. وَلَوْ قَالَ: (أَقْسَمْتُ) أَوْ (أُقْسِمُ) أَوْ (حَلَفْتُ) أَوْ (أَحْلِفُ بِاللهِ لأَفْعَلَنَّ) .. فَيَمِينٌ إِنْ نَوَاهَا أَوْ أَطْلَقَ، وَإِنْ قَالَ: قَصَدْتُ خَبَرًا مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا .. صُدِّقَ بَاطِنًا، وَكَذَا ظَاهِرًا عَلَى الْمَذْهَبِ

الاختصاص إنما تدخل على المقصور، وذلك في (التاء) لا في (الله)؛ لأنه يدخل عليه (الباء) و (الواو).
(ولو قال: "الله" ورفعَ، أو نصبَ، أو جَرَّ .. فليس بيمين إلا بنيَّةٍ) لأنه لا يعرفه إلا الخواصُّ من الناس.
(ولو قال: "أقسمت"، أو "أقسم"، أو "حلفت"، أو "أحلف بالله لأفعلن" .. فيمين إن نواها أو أطلق) لكثرته في الاستعمال، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ , ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.
(وإن قال: "قصدت) بما ذكرت (خبرًا ماضيًا، أو مستقبلًا" .. صُدِّق باطنًا) جزمًا؛ فلا تلزمه الكفارة فيما بينه وبين الله تعالى؛ لاحتمال ما يدّعيه.
(وكذا ظاهرًا على المذهب) لأن (أقسمت) تصلح للماضي حقيقة، و (أقسم) تصلح للمستقبل حقيقة، فقبل تفسيره به، كذا نصّ عليه 50، ونص في (الإيلاء): أنه إذا قال: (أقسمت بالله لا وطئتك)، ثم قال: (أردت يمينًا ماضيًا) .. أنه لا يقبل 51، وللأصحاب ثلاث طرق: أظهرها: حكاية قولين فيهما، أظهرهما: القبول؛ لما ذكرناه، والثاني: المنع؛ لظهوره في الإنشاء، والطريق الثاني: القطع بالمنع، وحمل ما ذكره هنا على القبول باطنًا، والثالث: تقرير النصين.
والفرق: أن حق الله تعالى مبني على المسامحة، بخلاف حق الآدمي.
ومحل الخلاف: ما إذا لم يُعلم له يمين ماضية، فإن عُلم .. قبل قوله في إرادتها بـ (أقسمت) قطعًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 392

وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: (أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِاللهِ) أَوْ (أَسْأَلُكَ بِاللهِ لَتفعَلَنَّ) وَأَرَادَ يَمِينَ نَفْسِهِ .. فَيَمِينٌ، وإلَّا .. فَلَا. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ فَعَلْتُ كَذَا .. فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلَامِ) .. فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى لَفْظِهَا بِلَا قَصْدٍ .. لَمْ تنعَقِدْ

(ولو قال لغيره: "أقسم عليك بالله"، أو "أسألك بالله لتفعلن" وأراد يمين نفسه .. فيمين) لصلاحية اللفظ، ويقدّر في قوله: (أسألك) أنه قال: أسألك ثم ابتدأ الحلف.
(وإلا .. فلا) فشمل ثلاث صور: قصد يمين المخاطب، أو لا يقصد يمينا أصلًا بل الشفاعة، أو يطلق، وفي الثلاثة لا تنعقد؛ لأنه لم يحلف لا هو ولا المخاطب.
(ولو قال: "إن فعلت كذا .. فأنا يهودي أو بريء من الإسلام" .. فليس بيمين) لانتفاء الاسم والصفة، والحلف بذلك معصية، والتلفظ به حرام؛ كما صرح به الماوردي والدارمي، والمصنف في "الأذكار" 52. ثم إن قصد بذلك تبعيد نفسه عن الفعل .. لم يكفر، أو الرضا به إذا فعله .. كفر في الحال، وإذا لم نكفره .. استحب له أن يستغفر الله ويقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) قاله في "زيادة الروضة" 53 نقلًا عن الأصحاب، وقال صاحب "الاستقصاء": يجب ذلك.
(ومن سبق لسانه إلى لفظها) أي: لفظ اليمين (بلا قصد) كقوله في حال غضبه، أو لجاج، أو عجلة، أو صلة كلام: (لا والله)، و (بلى والله) ( .. لم تنعقد) بل هو لغو اليمين؛ كما قالت عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، ورواه أبو داوود مرفوعًا، وصححه ابن حبان 54. ولو كان يحلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره .. فهو من لغو اليمين.
والمراد من تصويرهم اللغو بـ (لا والله)، و (بلى والله): على البدل لا الجمع، أما لو قال: (لا والله وبلى والله) في وقت واحد .. قال الماوردي: كانت الأولى

الجزء: 4 - الصفحة: 393

وَتَصِحُّ عَلَى مَاضٍ وَمُسْتَقْبَلٍ، وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ إلَّا فِي طَاعَةٍ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ حَرَامٍ .. عَصَى وَلَزِمَهُ الْحِنْثُ وَكَفَّارَةٌ، أَوْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ، أَوْ فِعْلِ

لغوًا، والثانية منعقدة؛ لأنها استدراك فصارت مقصودة 55، فلو حلف وقال: (لم أقصد اليمين) .. صدق بيمينه في الحلف بالله تعالى إن لم تدل قرينة على قصد اليمين، ولا يصدق ظاهرًا في الطلاق والعتق؛ لتعلق حق الآدمي.
(وتصح) اليمين (على ماض) بالإجماع (ومستقبل) لقوله عليه السلام: "وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا" 56. ويستثنى: ممتنع الحنث لذاته؛ كقوله: (لا أصعد السماء)، أو (لا أقتل ميتًا)، فالأصح: عدم الانعقاد؛ لامتناع الحنث، بخلاف ممتنع البر؛ كقوله: (لأصعدن السماء)، فإن يمينه تنعقد وتجب الكفارة في الحال؛ لإخلاله بتعظيم الاسم وهتك الحرمة، بخلاف ممتنع الحنث.
(وهي مكروهة) في الجملة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، ولأنه ربما عجز عن الوفاء بما حلف عليه، قال الشافعي رضي الله عنه: ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا قط 57 (إلا في طاعة) كالجهاد؛ لحديث: "وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا" 58. ويستثنى أيضًا: الأيمان الواقعة في الدعاوي إذا كان صادقًا .. فإنها لا تكره، وكذا إذا دعت إليها حاجة؛ كتوكيد وتعظيم أمر؛ كما في "الصحيحين": "فَوَالله لَا يَمَلُّ الله حَتَّى تَمَلُّوا" 59، وضابطه: الحاجة إلى اليمين.
(فإن حلف على ترك واجب أو فعل حرام .. عصى) باليمين (ولزمه الحنث وكفارةٌ) لأن الإقامة على هذه الحالة معصية، (أو تركِ مندوب) كالنوافل (أو فعل

الجزء: 4 - الصفحة: 394

مَكْرُوهٍ .. سُنَّ حِنْثُهُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، أَوْ تَرْكِ مُبَاحٍ أَوْ فِعْلِهِ .. فَالأَفْضَلُ: تَرْكُهُ، وَقِيلَ: الْحِنْثُ. وَلَهُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةٍ بِغَيْرِ صَوْمٍ عَلَى حِنْثٍ جَائِزٍ، قِيلَ: وَحَرَامٍ. قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ

مكروه) كالتفاتٍ في الصلاة ( .. سن حنثه وعليه كفارة) لقوله عليه السلام لعبد الرحمن بن سمرة: "وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا .. فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ" متفق عليه 60. واليمين على فعل المكروه مكروهة.
(أو تركِ مباح أو فعلِه) كدخول دار، وأكل طعام ( .. فالأفضل: تركه) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، (وقيل: الحنث) أفضل؛ لأن في المقام تغييرًا لموجب الشرع، ولينتفع المساكين بالكفارة.
(وله) أي: للحالف بعد اليمين (تقديم كفارة بغير صوم على حنث جائز) لحديث: "فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ ثُمَّ أْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" رواه أبو داوود والنسائي بإسناد صحيح 61، وهو في "الصحيحين" بالواو؛ كما مر 62، ولأنه حق مالي وجب بسببين، فجاز تعجيله بعد وجود أحدهما؛ كالزكاة قبل الحول.
نعم؛ الأولى ألّا يكفر حتى يحنث خروجًا من خلاف أبي حنيفة.
أما الصوم: فيمتنع تقديمه على الحنث على الصحيح؛ لأنه عبادة بدنية، فلم يجز تقديمها على وقت وجوبها بغير حاجة؛ كصوم رمضان، ولا خلاف في امتناع تقديمها على اليمين.
(قيل: وحرامٍ، قلت: هذا أصح، والله أعلم) أي: إذا كان الحنث بارتكاب حرام؛ كما لو حلف لا يزني .. فهل له التكفير بالمال قبله؟ وجهان: صحح في "المحرر": المنع؛ لأنه يتطرق به لارتكاب محظور، والتعجيل رخصة؛ فلا تليق بالعاصي، وصحح المصنف هنا، وفي "الروضة": الجواز، وصححه الرافعي في

الجزء: 4 - الصفحة: 395

وَكَفَّارَةِ ظِهَارٍ عَلَى الْعَوْدِ، وَقَتْلٍ عَلَى الْمَوْتِ، وَمَنْذُورِ مَالِيٍّ.

فصلٌ [في صفة الكفارة]

يَتَخَيَّرُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَيْنَ عِتْقٍ كَالظِّهَارِ، وَإِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ؛ كُلُّ مِسْكِينٍ مُدُّ حَبٍّ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ،

"الشرح الصغير"، ونقل في "الكبير": ترجيحه عن كثيرين؛ لأن الحظر في الفعل ليس من حيث اليمين؛ لأن المحلوف عليه حرام قبل اليمين وبعدها، فالتكفير لا تتعلق به استباحة 63. (و) يجوز تقديم (كفارة ظهار على العود) إذا كفر بالمال؛ لوجود أحد السببين، وهو الظهار، ويتصور التكفير بين الظهار والعود بأن يظاهر من رجعية ثم يكفر ثم يراجعها.
(و) كذا يجوز تقديم كفارة (قتلٍ على الموت) بعد حصول الجرح، وكذا تقديم جزاء الصيد قبل الموت وبعد الجرح؛ لأنه بعد وجود السبب، ولا يجوز تقديمها على الجرح قطعًا.
(ومنذور مالي) كما إذا قال: (إن شفى الله مريضي .. فلله علي أن أعتق، أو أتصدق بكذا)، فيجوز تقديمه على الشفاء؛ كالزكاة يجوز تقديمها على الحول، وفي "فتاوى القفال" ما ينازع فيه، كذا قالاه هنا 64، لكن صحح في "أصل الروضة" و"شرح المهذب" في (تعجيل الزكاة): أنه لو قال: (إن شفى الله مريضي .. فلله علي عتق رقبة) فأعتق قبل الشفاء .. أنه لا تجزئه 65. واحترز بالمالي: عن البدني؛ كالصوم فلا يجوز تقديمه على الحنث قطعًا.


(فصل: يتخير في كفارة اليمين بين عتق؛ كالظهار) أي: كعتق مجزئ في الظهار، (وإطعام عشرة مساكين؛ كل مسكين مد حب من غالب قوت البلد،

الجزء: 4 - الصفحة: 396

وَكِسْوَتهِمْ بِمَا يُسَمَّى كِسْوَةً كَقَمِيصٍ أَوْ عِمَامَةٍ أَوْ إِزَارٍ، لَا خُفٍّ وَقُفَّازَيْنِ وَمِنْطَقَة، وَلَا تشتَرَطُ صَلَاحِيته لِلْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ، فَيَجُوزُ سَرَاوِيلُ صَغِيرٍ لِكَبِير لَا يَصْلُحُ لَهُ، وَقُطْن وَكَتَّانٌ وَحَرِيرٌ لامْرَأَةٍ وَرَجُلٍ

وكسوتهم بما يسمى كسوة؛ كقميص أو عمامة أو إزار) أو طيلسان، أو رداء، أو منديل يحمله في اليد؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية، واعتبر المد؛ لأنه سداد الرغيب وكفاية المقتصد ونهاية الزهيد، وإنما اعتبر في الكسوة ما يطلق عليه الاسم؛ لأن الله تعالى أطلق الكسوة؛ فإما أن يكون المراد هذا، أو ما تدعو الحاجة إليه، والثاني ممتنع؛ لأنها تدعو إلى ما يدفئ من البرد في الشتاء، ويكنّ من الحر في الصيف، وهو لا يجب بالاتفاق، فتعين الأول.
وقضية قوله: (حَبٍّ): أنه لا يجزئ الثمر والأقط وغيرهما ممّا ليس بحبٍّ، لكن ذكرا في (كفارة الظهار): أن جنسها جنس طعام الفطرة 66، وصرح به هنا ابن خيران في "اللطيف".
وخرج بقوله: (عشرة مساكين): ما إذا أطعم خمسة، وكسا خمسة .. فإنه لا يجوز؛ كما لا يجوز إعتاق نصف رقبة، وإطعام خمسة.
ويستثنى من إطلاق التخيير: العبد، وقد ذكره بعد، والمحجور بسفه أو فلس؛ فلا يكفِّر بالمال بل بالصوم؛ كالمعسر.
(لا خفٍّ وقفازين ومنطقة) وتكة؛ إذ لا يسمى ذلك كسوة.
(ولا تشترط صلاحيته للمدفوع إليه، فيجوز سراويل صغير لكبير لا يصلح له، وقطن وكتان وحرير) وصوف ونحوه (لامرأة ورجل) لوقوع اسم الكسوة على ذلك، وقيل: لا تجزئ سراويل الصغير للكبير.
وقضية كلام "البسيط" و"الذخائر": أن الجمهور عليه، وأن القاضي وحده قال بالإجزاء، وصحح البُلْقيني: المنع؛ لأن الله تعالى أضاف الكسوة إلى من يكتسي؛ فلا بد أن تعد كسوة له، قال: وفاعل ذلك إذا قال: (كسوت فلانًا) .. عُدّ من الحمقى، وقد صحح الشيخان منع التُّبَّان، وهو سراويل قصير لا يبلغ الركبة؛ لعدم

الجزء: 4 - الصفحة: 397

وَلَبيسٌ لَمْ تَذْهَبْ قُوَّتُهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الثَّلَاثَةِ .. لَزِمَهُ صوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَا يَجِبُ تَتَابُعُهَا فِيَ الأَظْهَرِ. وَإِنْ غَابَ مَالُهُ .. انْتَظَرَهُ وَلَمْ يَصُمْ. وَلَا يُكَفرُ عَبْدٌ بِمَالٍ إلَّا إِذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً وَقُلْنَا: يَمْلِكُ،

اسم الكسوة 67، ولا شك أنه يستر سوءته، بخلاف سراويل الصغير.
(ولبيس) أي: ملبوس (لم تذهب قوته) بالاستعمال؛ كالطعام العتيق، فإن ذهبت أو تخرق .. لم يجز قطعًا؛ كالطعام المسوّس.
(فإن عجز عن) كل واحد من (الثلاثة) المذكورة ( .. لزمه صوم ثلاثه أيام) للآية (ولا يجب تتابعها في الأظهر) لإطلاق الآية، والثاني: تجب، لقراءة ابن مسعود وأبي بن كعب: ﴿متتابعات﴾ 68 والقراءة الشاذة كخبر الواحد في وجوب العمل.
وأجاب الأول: بأن ابن مسعود وأبيًّا لم يصرّحا بإسناد التتابع إلى القرآن، فيحتمل أنها تفسير منهما، أو مذهب واه، وعموم القراءة المشهورة أولى.
(وإن غاب ماله .. انتظره ولم يصم) لأنه واجد، وإنما أبيح الصوم لمن لم يجد، بخلاف المتمتع إذا أعسر بالدم بمكة .. فإنه يجزئه الصوم؛ لأن القدرة اعتبرت بمكة، فلا ينظر إلى غيره، والقدرة في الكفارة اعتبرت مطلقًا.
(ولا يكفر عبد بمال) لعدم ملكه (إلا إذا ملكه سيده طعامًا أو كسوة) ليكفر بها أو ملكه مطلقًا (وقلنا: يملك) ثم أذن له في التكفير، فإن لم يأذن له .. لم يكفر به، وإذا ملكه وأذن له في التكفير به .. وجب عليه، وليس له العدول عنه إلى الصوم؛ قاله الرافعي في (الظهار)، وكلام "التنبيه" يقتضي عدم الوجوب، نبه عليه ابن الرفعة، وعكس ذلك في "العجالة" وهو وهم 69. وخرج بقول المصنف: (طعامًا وكسوة): ما لو ملكه عبدًا ليعتقه عن الكفارة

الجزء: 4 - الصفحة: 398

بَلْ يُكَفِّرُ بِصَوْمٍ، فَإِنْ ضَرَّهُ وَكَانَ حَلَفَ وَحَنِثَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ .. صَامَ بِلَا إِذْنٍ، أَوْ وُجِدَا بِلَا إِذْنٍ .. لَمْ يَصُمْ إلَّا بِإِذْنٍ، وَإِنْ أَذِنَ فِي أَحَدِهِمَا .. فَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ الْحَلِفِ،

ففعل .. فإنه لا يقع عنها على المذهب؛ لأنه يستعقب الولاء ولا يمكن إثباته للعبد.
(بل يكفر بصوم) لامتناع غيره منه 70 (فإن ضره) الصوم؛ لشدة حرٍّ، أو طول نهار، أو ضعفه ويضعف عن العمل بسببه (وكان حلف وحنث بإذن سيده .. صام بلا إذن) وليس له منعه وإن كانت الكفارة على التراخي؛ لصدور السبب الموجب عن إذن السيد.
(أو وجدا) أي: الحلف والحنث (بلا إذن .. لم يصم إلا بإذن) قطعًا؛ لأنه لم يأذن في السبب والفرض أن الصوم يضره فكان له منعه وإخراجه منه كالحج، فإن لم يضره ولا يعطله عن خدمة سيده .. فليس له منعه على الأصح.
(وإن أذن في أحدهما .. فالأصح: اعتبار الحلف) فإن كان الحلف بإذنه، والحنث بغير إذنه .. صام بغير إذنه؛ لأن إذنه في الحلف إذنٌ فيما يترتب عليه؛ كالتكسب لنكاح مأذون فيه، والثاني: لا؛ لأن اليمين مانعة من الحنث، فليس إذنه فيها إذنًا في التزام الكفارة.
وإن كان الحلف بغير إذنه والحنث بإذنه .. فلا يصوم إلا بإذنه؛ لأنه لم يأذن في السبب الأول، وهو الحلف، وإنما العبد ورّط نفسه فيه، والثاني: له الصوم بلا إذنه؛ لأن الحنث يستعقب الكفارة، فالإذن فيه يكون إذنًا في التكفير، وما رجحه تبع فيه "المحرر"، وأحالا في "الشرح" و"الروضة" المسألة على (كتاب الكفارة)، وذكرا هناك: أنه إن حلف بإذنه وحنث بغير إذنه .. لم يستقل بالصوم على الأصح، وفي عكسه .. يستقل على المذهب 71. قيل: ولعل ما في "المحرر" سبق قلم من (الحنث) إلى (الحلف)، ورد: بأن ما في "الكتاب" صححه البغوي 72، وفي "المحرر" يتبع البغوي كثيرًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 399

وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَلَهُ مَالٌ .. يُكَفِّرُ بطَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ لَا عِتْقٍ.

فصلٌ [في الحلف على السكنى والمساكنة وغيرهما]

حَلَفَ لَا يَسْكُنُهَا أَوْ لَا يُقِيمُ فِيهَا .. فَلْيَخْرُجْ فِي الْحَالِ،

ومن نظائر المسألة: الضمان والأداء بالإذن وعكسه، والإذن في أحدهما، وقد مر ما فيه في بابه.
وتعبيره بالعبد: مخرج للأمة؛ فللسيد منعها من الصوم؛ للاستمتاع الناجز، والصوم على التراخي.
(ومن بعضه حرٌّ وله مال .. يكفر بطعام أو كسوة) ولا يجزئه الصيام؛ لأنه واجد لما يُقدم على الصوم؛ فلا يصوم، كما لو وجد الماء .. فلا يباح له التيمم (لا عتق) لأنه ليس أهلًا للولاء؛ كالقن.


(فصل: حلف لا يسكنها أو لا يقيم فيها) وهو فيها عند الحلف ( .. فليخرج في الحال) ببدنه دون أهله ومتاعه؛ فإنه المحلوف عليه، قال الإمام: ولا يكلف في خروجه العَدْو والهرولة 73، ولا فرق بين أن يخرج من باب قريب منه أو بعيد عنه لغرض أو غيره.
وقضية كلام الشيخين: الاكتفاء بمطلق الخروج، سواء أقصد به التحول أم لا، لكن قيده جمع منهم صاحب "التنبيه" وابن الصباغ والشيخ نصر في كتابه "الكافي" وصاحب "المستظهري"، والجرجاني في "التحرير"، وابن الصلاح وغيرهم بما إذا خرج بنية التحول 74. وقضيته: أنه إذا خرج لا بنيّته وترك قماشه .. يحنث، وقال المصنف في مسودة "شرح المهذب": إن الأظهر: التقييد؛ لأن من كان ساكنًا في دار فخرج منها إلى السوق مثلًا فأهل العرف يعدونه ساكنًا؛ نظرًا إلى أن عادة الساكن أن يخرج ويدخل،

الجزء: 4 - الصفحة: 400

فَإِنْ مَكَثَ بِلَا عُذْرٍ .. حَنِثَ وَإِنْ بَعَثَ مَتَاعَهُ، وَإِنِ اشْتَغَلَ بِأَسْبَابِ الْخُرُوجِ كَجَمْعٍ مَتَاعٍ وإخْرَاجِ أَهْلٍ وَلُبْسِ ثَوْبٍ .. لَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ فخَرَجَ أَحَدُهُمَا فِي الْحَالِ .. لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا لَوْ بُنِيَ بَيْنَهُمَا جِدَارٌ وَلِكُلِّ جَانِبٍ مَدْخَل فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا وَهُوَ فِيهَا أَوْ لَا يَخْرُجُ وَهُوَ خَارِجٌ .. فَلَا حِنْثَ بِهَذَا،

وقال الأَذْرَعي: إنه ظاهر نص "الأم" و"المختصر".
(فإن مكث بلا عذر .. حنث) وإن قل (وإن بعث متاعه) لأن المحلوف عليه سكناه وهو موجود؛ إذ اسم السكنى يقع على الدوام؛ كالابتداء، فيقال: سكن شهرًا، ويستعمل مع المتاع ودونه.
واحترز بقوله: (بلا عذر): عما إذا مكث بعذر يمنعه من الخروج؛ كزمانة ولى يجد من يحمله، أو أُغلق عليه الباب، أو مُنع من الخروج، أو خاف على نفسه أو ماله لو خرج .. فلا حنث.
(وإن اشتغل بأسباب الخروج؛ كجمع متاع وإخراج أهل ولبس ثوب) يعتاد لبسه في الخروج ( .. لم يحنث) على الأصح؛ لأنه لا يعدّ ساكنًا وإن طال مقامه بسبب ذلك.
(ولو حلف لا يساكنه في هذه الدار فخرج أحدهما في الحال .. لم يحنث) لعدم المساكنة، ويجيء ما تقدم كله.
(وكذا لو بُني بينهما جدار ولكل جانب مدخل في الأصح) لاشتغاله برفع المساكنة، وهذا التصحيح تبع فيه "المحرر"، ونقلاه عن البغوي، ونقلا في "الشرح" و"الروضة" عن تصحيح الجمهور: الحنث؛ لحصول المساكنة إلى تمام البناء من غير ضرورة 75. واحترز بقوله: (في هذه الدار): عمّا لو أطلق المساكنة .. فينتظر؛ إن نوى معينًا .. حملت اليمين عليه، وإلا .. حنث بالمساكنة في أي موضع كان.
(ولو حلف لا يدخلها) أي: الدار (وهو فيها أو لا يخرج وهو خارج .. فلا حنث بهذا) فيهما؛ لأنه لا يسمى دخولًا ولا خروجًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 401

أَوْ لَا يَتَزَوَّجُ أَوْ لَا يَتَطَهَّرُ أَوْ لَا يَلْبَسُ أَوْ لَا يَرْكَبُ أَوْ لَا يَقُومُ أَوْ لَا يَقْعُدُ، فاسْتَدَامَ هَذِهِ الأَحْوَالَ .. حَنِثَ. قُلْتُ: تَحْنِيثُهُ بِاسْتِدَامَةِ التَّزَوُّجِ وَالتَّطَهُّرِ غَلَطٌ؛ لِذُهُولٍ، وَاسْتِدَامَةُ طِيبٍ لَيْسَتْ تَطَيُّبًا فِي الأَصَحِّ، وَكَذَا وَطْء وَصَوْمٌ وَصَلَاةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا .. حَنِثَ بِدُخُولِ دِهْلِيزٍ دَاخِلَ الْبَابِ أَوْ بَيْنَ بَابَيْنِ، لَا بِدُخُولِ طَاقٍ قُدَّامَ الْبَابِ،

نعم؛ لو نوى بالدخول الاجتناب فأقام .. حنث في الأصح؛ كما قاله ابن الرفعة تبعًا للإمام 76. (أو لا يتزوج أو لا يتطهر أو لا يلبس أو لا يركب أو لا يقوم أو لا يقعد فاستدام هذه الأحوال .. حنث) لأنه يقال: لبست يومًا، وركبت يومًا، وهكذا الباقي.
(قلت: تحنيثه باستدامة التزوج والتطهر غلط؛ لذهول) لأن المجزوم به في "الشرحين": عدم الحنث بالاستدامة فيهما 77، وهو المنصوص في "الأم"، وجزم به العراقيون وغيرهم؛ إذ لا يقال: (تزوجت شهرًا)، و (تطهّرت شهرًا)، بل: (منذ شهر)، بخلاف غيرهما، قال صاحب "الاستقصاء": هذا إذا لم ينو الاستدامة، فإن نواها .. حنث؛ لوجود الصفة المقصودة بيمينه.
(واستدامة طيب ليست تطيُّبًا في الأصح) بدليل عدم الفدية فيما إذا تطيب ثم أحرم واستدام، والثاني: نعم؛ لأنه منسوب إلى التطيب.
(وكذا وطء وصوم وصلاة) فلا يحنث باستدامتها على الأصح، (والله أعلم) وصورة الحلف في الصلاة: أن يحلف ناسيًا؛ فإنها لا تبطل وتنعقد يمينه.
(ومن حلف لا يدخل دارًا .. حنث بدخول دهليز داخل الباب أو بين بابين) لأنه من الدار، ومن جاوز الباب .. عدّ داخلًا (لا بدخول طاق قدّام الباب) لأنه لا يقال: داخل الدار، قال الرافعي: والطاق هو: المعقود خارج الباب 78. وما أطلقه من عدم الحنث محله: إذا لم يكن للطاق باب يغلق؛ كالدرب؛ فإن

الجزء: 4 - الصفحة: 402

وَلَا بِصُعُودِ سَطْح غَيْرِ مُحَوَّطٍ، وَكَذَا مُحَوَّطٌ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ رَأْسَهُ أَوْ رِجْلَهُ .. لَمْ يَحْنثْ، فَإِنْ وَضَعَ رِجْلَيْهِ فِيهَا مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا .. حَنِثَ. وَلَوِ انْهَدَمَتْ فَدَخَلَ وَقَدْ بَقِيَ أَسَاسُ الْحِيطَانِ .. حَنِثَ،

كان .. قال المتولي: هو من الدار، مسقفًا كان أو غير مسقف، كذا نقله الرافعي وأقرّه 79، واستشكل بخروجه عن العرف.
(ولا بصعود سطح غير محوط) ولا سترة عليه؛ كما في "الروضة" و"أصلها" 80؛ لأنه لا يسمى داخلًا للدار لا لغة ولا عرفًا؛ لأنه حاجز يقي الدار الحر والبرد، فهو كحيطانها، وصورة المسألة: أن يتسور السطح من خارجها أو دار الجار.
(وكذا محوط) من الجوانب الأربعة (في الأصح) لما سبق، والثاني: يحنث؛ لإحاطته حيطان الدار، فإن كان من جانب .. لم يؤثر قطعًا، أو جانبين أو ثلاثة .. ففيه تردد للإمام 81. (ولو أدخل يده أو رأسه أو رجله .. لم يحنث) لأنه لا يسمّى داخلًا.
(فإن وضع رجليه فيها معتمدًا عليهما) وباقي بدنه خارج ( .. حنث) لأنه يسمى داخلًا.
واحترز بقوله: (معتمدًا عليهما): عمّا إذا مدّهما وهو قاعد .. فلا يحنث.
(ولو انهدمت) الدار المحلوف عليها (فدخل وقد بقي أساس الحيطان .. حنث) لأنه منها، كذا قاله البغوي في "التهذيب"، وتبعه "المحرر" 82، وجرى عليه المصنف، واستبعده في "المطلب"، فإن حقيقة الأساس هو البناء المدفون في الأرض تحت الجدار البارز، وعبارة "الروضة" و"أصلها" 83: إن بقيت أصول الحيطان والرسوم .. حنث.

الجزء: 4 - الصفحة: 403

وَإِنْ صَارَتْ فَضَاءً أَوْ جُعِلَتْ مَسْجِدًا أَوْ حَمَّامًا أَوْ بُسْتَانًا .. فَلَا. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ .. حَنِثَ بِدُخُولِ مَا يَسْكُنُهَا بِمِلْكٍ، لَا بِإِعَارَة وَإِجَارَةٍ وَغَصْبٍ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ مَسْكَنَهُ، وَيَحْنَثُ بِمَا يَمْلِكُهُ وَلَا يَسْكُنُهُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ مَسْكَنَهُ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ، أَوْ لَا يُكَلِّمُ عَبْدَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ، فَبَاعَهُمَا أَوْ طَلَّقَهَا فَدَخَلَ وَكَلَّمَ .. لَمْ يَحْنَثْ،

والمتبادر إلى الفهم من هذه العبارة بقاء شاخص.
(وإن صارت فضاء أو جعلت مسجدًا أو حمامًا أو بستانًا .. فلا) لزوال مسمّى الدار، وحدوث اسم آخر لها.
(ولو حلف لا يدخل دار زيد .. حنث بدخول ما يسكنها بملك، لا بإعارة وإجارة وغصب) أو موصىً له بمنفعتها، ووقف عليه إن قلنا: لا يملك الرقبة؛ لأن الإضافة إلى من يملك يقتضي الملك حقيقة، بدليل أنه لو قال: (هذه الدار لزيد)، ثم قال: (أردت أنها سكنه) .. لم يقبل.
(إلا أن يريد مسكنه) فيحنث في الإعارة وما بعدها؛ لأنه مجاز مستعمل، فتؤثر فيه النية، قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ وأراد بيوت الأزواج التي يسكنهن، وإنما قلنا: إنه مجاز؛ لأنه يصدق أنها ليست داره بل مسكنه.
وهذا في الحلف بالله تعالى، فأما الحلف بطلاق أو عتاق .. فلا يقبل تفسيره بذلك في الظاهر؛ لوجود خصم فيه.
ذكره جمع من العراقيين منهم الماوردي، وابن الصباغ، والجرجاني وغيرهم.
واعترض ذلك: بأن نية السكنى يوجب التغليظ عليه، وذلك موجب لوقوع الطلاق والعتق، فيعمل بنيته، وفيه نظر؛ لأن دعواه إرادة ذلك تمنع الوقوع بما يملكه ولا يسكنه؛ كما سنذكره، ففي نيّته تخفيف عليه، فينبغي أن تقبل دعواه بنية ذلك فيما عليه دون ما له إذا كان الحلف بالطلاق والعتاق.
(ويحنث بما يملكه ولا يسكنه) لأنه دخل داره حقيقة (إلّا أن يريد مسكنه) فلا يحنث بذلك عملًا بقصده.
(ولو حلف لا يدخل دار زيد، أو لا يكلم عبده أو زوجته، فباعهما) بيعًا لازمًا (أو طلقها) بائنًا (فدخل وكلّم .. لم يحنث) لأنه لم يدخل داره، ولم يكلم عبده

الجزء: 4 - الصفحة: 404

إلَّا أَنْ يَقُولَ: (دَارَهُ هَذِهِ)، أَوْ (زَوْجَته هَذِهِ)، أَوْ (عَبْدَهُ هَذَا) .. فَيَحْنَثُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ مَا دَامَ مِلْكُهُ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا مِنْ ذَا الْبَابِ، فَنُزِعَ وَنُصِبَ فِي مَوْضِع آخَرَ مِنْهَا .. لَمْ يَحْنَثْ بِالثَّانِي، وَيَحْنَثُ بِالأَوَّلِ فِي الأَصَحِّ. أَوْ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا .. حَنِثَ بِكُلِّ بَيْتٍ مِنْ طِينٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ آجُرٍّ أَوْ خَشَبٍ أَوْ خَيْمَةٍ، وَلَا يَحْنَثُ بِمَسْجِدٍ وَحَمَّامٍ وَكَنِيسَةٍ وَغَارِ جَبَلٍ. أَوْ لَا يَدْخُلُ عَلَى زَيْدٍ، فَدَخَلَ بَيْتًا فِيهِ زَيْدٌ وَغَيْرُهُ .. حَنِثَ،

ولا زوجته؛ لزوال الملك بالبيع، والزوجية بالطلاق.
ولو قال: (فأزال ملكه) بدل (فباعهما) .. لكان أعم، ليدخل الهبة وغيرها.
(إلا أن يقول: "داره هذه"، أو "زوجته هذه"، أو "عبده هذا" .. فيحنث) تغليبًا للإشارة (إلا أن يريد) بقوله: داره هذه (ما دام ملكه) فلا يحنث عملًا بإرادته.
(ولو حلف لا يدخلها من ذا الباب) المفتوح الآن (فنزع) خشب الباب (ونصب في موضع آخر منها .. لم يحنث بالثاني، ويحنث بالأول في الأصح) الخلاف مبني على أن الباب عند الإطلاق يحمل على ماذا؟ وفيه أوجه: أصحها: على المنفذ؛ لأنه المحتاج إليه في الدخول دون المنصوب، والثاني: على المنصوب، فيحنث بالثاني دون الأول، والثالث: عليهما جميعًا، فلا يحنث بواحد منهما؛ لأن الإشارة وقعت عليهما.
هذا عند الإطلاق، فلو قال: (أردت بعض هذه المحامل) .. حملت اليمين عليه.
(أو لا يدخل بيتًا) وأطلق ( .. حنث بكل بيت من طين أو حجر أو آجرٍّ أو خشب) أو قصب محكم؛ كما قاله الماوردي 84، (أو خيمة) ونحوها سواء أكان الحالف حضريًّا أم بدويًّا في الأصح، لأن اسم البيت يقع على ذلك كله حقيقة في اللغة؛ لأنه كل ما جعل للسكن، فإن نوى شيئًا من ذلك .. حملت يمينه عليه، (ولا يحنث بمسجد وحمّام وكنيسة وغار جبل) وبيت رحى، لأنها لا تسمى بيتًا عرفًا.
(أو لا يدخل على زيد، فدخل بيتًا فيه زيد وغيره .. حنث) إذا كان عالمًا به ذاكرًا

الجزء: 4 - الصفحة: 405

وَفِي قَولٍ: إِنْ نَوَى الدُّخُولَ عَلَى غَيْرِهِ دُونَهُ .. لَا يَحْنَثُ، فَلَوْ جَهِلَ حُضُورَهُ .. فَخِلَافُ حِنْثِ النَّاسِي.
قُلْتُ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَاسْتَثْنَاهُ .. لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. حَنِثَ فِي الأَظْهَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فصلٌ [في الحلف على أكل وشرب مع بيان ما يتناوله]

حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّؤُوسَ وَلَا نِيَّةَ لَهُ .. حَنِثَ بِرُؤُوسٍ تبُاعُ وَحْدَهَا،

لحلفه مختارًا؛ لوجود الدخول على الجميع، (وفي قول: إن نوى الدخول على غيره دونه .. لا يحنث) كما يجيء في السلام عليه.
وفرق الأول: بأن الاستثناء ممتنع في الأفعال دون الأقوال؛ بدليل أنه لا يصح: (دخلت عليكم إلا زيدًا)، ويصح: (سلمت عليكم إلا زيدًا).
(فلو جهل حضوره .. فخلاف حنثِ الناسي) والجاهل، والأصح فيهما: عدم الحنث، وقد مر ما في ذلك.
(قلت: ولو حلف لا يسلم عليه، فسلم على قوم هو فيهم واستثناه .. لم يحنث) لأنه أخرجه بالاستثناء عن أن يكون مسلّمًا عليه، وسواء استثناه باللفظ أو بالنية على الأصح، (وإن أطلق .. حنث في الأظهر، والله أعلم) لأن العام يجري على عمومه ما لم يخصص، والثاني: المنع؛ لصلاحية اللفظ للجميع وللبعض، فلا يحنث بالشك.
هذا كله إذا علم به، فإن جهله .. فقولا حنث الجاهل 85.


(فصل: حلف لا يأكل الرؤوس ولا نية له .. حنث برؤوس تباع وحدها) وهي رؤوس الغنم قطعًا، وكذا البقر والإبل على الصحيح؛ لأنه المتعارف.
واحترز بقوله: (ولا نية): عمّا إذا نوى نوعًا منها .. فلا يحنث بغيره، أو مطلق ما يسمى رأسًا .. فلا يختص بما تبُاع وحدها.

الجزء: 4 - الصفحة: 406

لَا طَيْر وَحُوتٍ وَصَيْدٍ، إلَّا بِبَلَدٍ تُباعُ فِيهِ مُفْرَدَةً. وَالْبَيْضُ يُحْمَلُ عَلَى مُزَايِلِ بَائِضِهِ فِي الْحَيَاةِ كَدَجَاجٍ وَنَعَامَةٍ وَحَمَامٍ، لَا سَمَكٍ وَجَرَادٍ. وَاللَّحْمُ عَلَى نَعَمٍ وَخَيْلٍ وَوَحْشٍ وَطَيْرٍ، .

(لا طيرٍ وحوتٍ وصيدٍ) لأنها لا تفرد بالبيع، ولا تفهم من اللفظ عند الإطلاق، (إلا ببلد تباع فيه مفردة) عن الأبدان، فيحنث بأكلها هناك؛ لأنها كرؤوس الأنعام في حق غيرهم.
وظاهر كلامه: أنه لا يحنث بأكلها في غير ذلك البلد، وصححه في "تصحيح التنبيه"، لكن أقوى الوجهين في "الشرحين" و"الروضة": الحنث، وقالا: إنه الأقرب إلى ظاهر النص 86. (والبيض يحمل على مزايل بائضه في الحياة) أي: يفارقه وهو حي (كدجاج ونعامة وحَمَام) لأنه المفهوم عند الإطلاق.
وينبغي أن يحمل قوله: (على مزايل بائضه) على ما شأنه ذلك لا المفارقة الحقيقية؛ فإنه لو خرج من الدجاجة بعد موتها بيض متصلب .. حنث به على الصحيح في "زيادة الروضة" 87. (لا سمك وجراد) لأنه إنما يخرج بعد الموت بشق البطن، كذا علله الرافعي 88. (واللحم على نعم وخيل ووحش وطير) لتناول اليمين جميع ذلك، لا ما يحرم أكله؛ كالميتة والحمار والذئب ونحوها على أقوى الوجهين في "زيادة الروضة"؛ إذ الغرض الامتناع عمّا يعدّه الناس مأكولًا 89. هذا كله عند الإطلاق، فإن نوى شيئًا .. حمل عليه.
و(الخيل): من زوائد "الكتاب" على "المحرر" و"الشرح" و"الروضة"، وقد صرح به ابن الصباغ.

الجزء: 4 - الصفحة: 407

لَا سَمَكٍ وَشَحْمِ بَطْنٍ، وَكَذَا كَرِشٌ وَكَبِدٌ وَطِحَالٌ وَقَلْبٌ فِي الأَصَحِّ، وَالأَصَحُّ: تنَاوُلُهُ لَحْمَ رَأْسٍ وَلِسَانٍ وَشَحْمَ ظَهْرٍ وَجَنْب، وَأَنَّ شَحْمَ الظَّهْرِ لَا يَتَنَاوَلُهُ الشَّحْمُ، وَأَنَّ الأَلْيَةَ وَالسَّنَامَ لَيْسَا شَحْمًا وَلَا لَحْمًا. وَالأَلْيَةُ لَا تتنَاوَلُ سَنَامًا وَلَا يَتَنَاوَلُهَا، وَالدَّسَمُ يَتَنَاوَلُهُمَا وَشَحْمَ ظَهْرٍ وَبَطْنٍ وَكُلَّ دُهْنٍ، وَلَحْمُ الْبَقَرِ يَتَنَاوَلُ جَامُوسًا

(لا سمك) لأنه لا يسمى لحمًا عرفًا وإن سماه الله تعالى لحمًا، والجراد كذلك، (وشحم بطن) وشحم عين؛ لمخالفتهما اللحم في الاسم والصفة، (وكذا كرش وكبد وطحال وقلب) وأمعاء ورئة ومخ (في الأصح) لأنه يصح أن يقال: إنها ليست لحمًا، والثاني: الحنث؛ لأنها في حكم اللحم، وفي الصحيح: "أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً ... وَهِيَ الْقَلْبُ" 90، والمضغة هي: القطعة من اللحم.
(والأصح: تناوله) أي: اللحم (لحم رأس ولسان) وخد وأكارع؛ لصدق الاسم عليها، والثاني: المنع؛ لأن مطلق اللحم لا يقع إلا على لحم البدن، وأما في غيره .. فبالإضافة؛ فيقال: لحم رأس، ولحم لسان.
(وشحم ظهر وجنب) وهو الأبيض الذي لا يخالطه أحمر؛ لأنه لحم سمين؛ ولهذا يحمرّ عند الهزال، والثاني: لا؛ لأنه شحم، قال تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ فسمّاه شحمًا.
(وأن شحم الظهر لا يتناوله الشحم) لما ذكرناه من تعليل الوجهين في المسألة قبلها، (وأن الأليَةَ، والسنام ليسا شحمًا ولا لحمًا) لاختلاف الاسم والصفة، والثاني: هُمَا هُمَا؛ لقربهما من اللحم السمين 91. (والألية لا تتناول سنامًا ولا يتناولها) لاختلاف الاسم والصفة، (والدسم يتناولهما وشحمَ ظهر وبطن وكلَّ دهن) لصدق الاسم على جميع ذلك، (ولحم البقر يتناول جاموسًا) لدخوله تحت اسم البقر، وكذا البقر الوحشي على الأصح، وهو كالخلاف فيما لو حلف لا يركب حمارًا، فركب حمار وحش.

الجزء: 4 - الصفحة: 408

وَلَوْ قَالَ - مُشِيرًا إِلَى حِنْطَةٍ -: (لَا آكُلُ هَذِهِ) .. حَنِثَ بِأَكْلِهَا عَلَى هَيْئَتِهَا وَبِطَحِينهَا وَخُبْزِهَا. وَلَوْ قَالَ: (لَا آكُلُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ) .. حَنِثَ بِهَا مَطْبُوخَةً ونيئَةً وَمَقْلِيَّةً، لَا بِطَحِينِهَا وَسَوِيقِهَا وَعَجِينِهَا وَخُبْزِهَا، وَلَا يَتَنَاوَلُ رُطَبٌ تَمْرًا وَلَا بُسْرًا، وَلَا عِنَبٌ زَبيبًا، وَكَذَا الْعُكُوسُ. وَلَوْ قَالَ: (لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ) فَتَتَمَّرَ فَأَكَلَهُ، أَوْ (لَا أُكَلِّمُ ذَا الصَّبيَّ) فَكَلَّمَهُ شَيْخًا .. فَلا حِنْثَ فِي الأَصَحِّ. وَالْخُبْزُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ خُبْزٍ كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَأَرُز وَبَاقِلَاءٍ وَذُرَةٍ وَحِمِّصٍ، فَلَوْ ثَرَدَهُ فَأَكَلَهُ .. حَنِثَ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَوِيقًا، فَسَفَّهُ أَوْ تنَاوَلَهُ بِإِصْبَعٍ .. حَنِثَ، وَإِنْ

(ولو قال مشيرًا إلى حنطة: "لا آكل هذه" .. حنث بأكلها على هيئتها وبطحينها وخبزها) تغليبًا للإشارة.
(ولو قال: "لا آكل هذه الحنطة") أي: صرح بالإشارة مع الاسم ( .. حنث بها مطبوخة ونيئة ومقلية) لوجود الاسم، والمراد: طبخها مع بقاء حباتها، أما لو هرست .. فلا؛ لزوال اسم الحنطة، قاله البلقيني.
(لا بطحينها وسويقها وعجينها وخبزها) لزوال الاسم والصورة، (ولا يتناول رطب تمرًا ولا بسرًا، ولا عنب زبيبًا، وكذا العكوس) لاختلافهما اسمًا وصفة.
(ولو قال: "لا آكل هذا الرطب"، فتتمَّر فأكله، أو: "لا أكلم ذا الصبي" فكلّمه شيخًا .. فلا حنث في الأصح) لزوال الاسم؛ كما في الحنطة، والثاني: يحنث؛ لأن الصورة ما تغيرت، وإنما تغيرت الصفة فصار كما لو قال: (لا آكل هذا اللحم) فجعله شواء وأكله.
وقوله: (شيخًا) يوهم أنه لو كلّمه بالغًا .. يحنث، وليس كذلك، فلو عبر بـ (البالغ) .. لدلّ على الشيخ من باب أولى.
(والخبز يتناول كل خبز؛ كحنطة وشعير وأرز وباقلاء وذرة وحمّص) وسائر المتخذ من الحبوب وإن لم يكن معهود بلده؛ لوجود الاسم؛ كما لو حلف لا يلبس ثوبًا .. فإنه يحنث بكل ثوب وإن لم يعهده ببلده، (فلو ثرده فأكله .. حنث) لصدق الاسم.
نعم؛ لو صار في المرقة؛ كالحسو فحساه .. لم يحنث.
(ولو حلف لا يأكل سويقًا، فسفَّه أو تناوله بإصبع .. حنث) لأنه يعد آكلًا، (وإن

الجزء: 4 - الصفحة: 409

جَعَلَهُ فِي مَاءٍ فَشَرِبَهُ .. فَلَا، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ .. فَبالْعَكْسِ، أَوْ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا أَوْ مَائِعًا آخَرَ فَأَكَلَهُ بِخُبْزٍ .. حَنِثَ، أَوْ شَرِبَهُ .. فَلَا، أَوْ لا يَشْرَبُهُ .. فَبالْعَكْسِ، أَوْ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا فَأَكَلَهُ بِخُبْزٍ جَامِدًا أَوْ ذَائِبًا .. حَنِثَ، وَإِنْ شَرِبَ ذَائِبًا .. فَلا، وَإِنْ أَكَلَهُ فِي عَصِيدَةٍ .. حَنِثَ إِنْ كَانَتْ عَيْنُهُ ظَاهِرَةً. وَيَدْخُلُ فِي فَاكِهَةٍ رُطَبٌ وَعِنَبٌ وَرُمَّانٌ وَأُتْرُجٌّ وَرَطْبٌ وَيَابِسٌ. قُلْتُ: وَلَيْمُونٌ وَنَبِقٌ،

جعله في ماء فشربه .. فلا) لأنه لا يسمى أكلًا.
نعم؛ لو كان خاثرًا يؤخذ بالملاعق وتحساه .. حنث على الأصح.
(أو لا يشربه .. فبالعكس) فيحنث في الثانية؛ لوجود المحلوف عليه دون الأولى؛ لأنه لم يشربه، (أو لا يأكل لبنًا أو مائعًا آخر، فأكله بخبز .. حنث) لأنه كذلك يؤكل، (أو شربه .. فلا) لعدم الأكل، (أو لا يشربه .. فبالعكس) فيحنث في الثانية؛ لوجود المحلوف عليه دون الأولى؛ لعدمه، (أو لا يأكل سمنًا فأكله بخبز جامدًا أو ذائبًا .. حنث، وإن شرب ذائبًا .. فلا) لصدق اسم الأكل في الأولى دون الثانية.
(وإن أكله في عصيدة .. حنث إن كانت عينه ظاهره) أي: متميزة في الحس؛ كما قاله الإمام 92؛ لأنه فعل المحلوف عليه وزاد، فأشبه ما لو حلف لا يدخل على زيد، فدخل على زيد وعمرو، وإن كانت عينه مستهلكة .. فلا.
(ويدخل في فاكهة رطب وعنب ورمان وأترج ورطب ويابس) لوقوع الاسم على ذلك؛ لأن الفاكهة ما يتفكه بها؛ أي: يُتنعَّم بأكلها ولا يكون قوتًا؛ كما قاله البَنْدَنيجي.
(قلت: وليمون ونبق) ونارنج؛ كما ذكره في "التتمة"، قال البُلْقيني: ولم أجد ذكر الليمون إلا في "التتمة" وهو مردود؛ لأنه ليس من الفاكهة عرفًا، وإنما يصلح به بعض الأطعمة، فهو كالملح أو الخل، قال: والنارنج كذلك وإن كان يطلق عليهما فاكهة لغة.

الجزء: 4 - الصفحة: 410

وَكَذَا بِطِّيخٌ وَلُبُّ فُسْتُقٍ وَبنْدُقٍ وَغَيْرِهِمَا فِي الأَصَحِّ، لَا قِثَّاءٌ وَخِيَارٌ وَبَاذِنْجَانٌ وَجَزَرٌ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الثِّمَارِ يَابِسٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أُطْلِقَ بِطِّيخٌ وَتَمْرٌ وَجَوْزٌ .. لَمْ يَدْخُلْ هِنْدِيٌّ. وَالطَّعَامُ يَتَنَاوَلُ قُوتًا وَفَاكِهَةً وَأُدْمًا وَحَلْوَى. وَلَوْ قَالَ: (لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ الْبقَرَةِ) .. تنَاوَلَ لَحْمَهَا دُونَ وَلَدٍ وَلَبَنٍ، أَوْ (مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) .. فَثَمَرٌ دُونَ وَرَقٍ وَطَرَفِ غُصْنٍ.

(وكذا بطيخ ولبُّ فستق وبندق وغيرهما) كجوز ولوز (في الأصح) أما البطيخ .. فلأن له نضجًا وإدراكًا كالفواكه، وأما اللبوب .. فلأنها تعد من يابس الفاكهة، والثاني: المنع؛ إلحاقًا للبطيخ بالخيار، وأما اللبوب .. فلا تعد في العرف فاكهة، واختاره الأَذْرَعي وغيره.
(لا قثّاء وخيار وباذنجان وجزر) لأنها من الخضراوات لا من الفاكهة، فأشبهت البقل، وتعجب الشيخ برهان الدين من كون الفستق ونحوه من الفاكهة دون الخيار مع جريان العادة بجعل الخيار في أطباق الفاكهة دون الفستق ونحوه.
(ولا يدخل في الثمار يابس، والله أعلم) لأن الثمر اسم للرطب من الفاكهة، قال الشيخ برهان الدين: ولا يظهر فرق بين هذا وبين دخول اليابس في الفاكهة.
(ولو أطلق بطيخ وتمر وجوز .. لم يدخل هنديّ) في الجميع؛ للمخالفة في الصورة والطعم، والبطيخ الهندي هو: الأخضر.
(والطعام يتناول قوتًا وفاكهة وأدمًا وحلوى) لأن اسم الطعام يقع على الجميع، وقد سبق في (الربا) ما هو أبسط من ذلك فليراجع.
(ولو قال: "لا آكل من هذه البقرة" .. تناول لحمها دون ولد ولبن) حملًا على الحقيقة المتعارفة، والشحم كاللحم؛ كما صرح به الشيخ أبو علي في "شرح التلخيص" والقاضي حسين وغيرهما، (أو: "من هذه الشجرة" .. فثمر دون ورق وطرف غصن) حملًا على المجاز المتعارف؛ لتعذر الحمل على الحقيقة؛ لأن الأغصان والأوراق لا تراد في العرف.


الجزء: 4 - الصفحة: 411

فصلٌ [في مسائل منثورة ليقاس بها غيرها]

حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ، فاخْتَلَطَتْ بِتَمْرٍ فَأَكَلَهُ إلَّا تَمْرَةً .. لَمْ يَحْنَثْ، أَوْ لَيَأْكُلَنَّهَا فَاخْتَلَطَتْ .. لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِالْجَمِيع، أَوْ لَيَأْكُلُ هَذِهِ الرُّمَّانَةَ .. فَإِنَّمَا يَبَرُّ بِجَمِيعِ حَبِّهَا، أَوْ لَا يَلْبَسُ هَذَيْنِ .. لَمْ يَحْنَثْ بَأَحَدِهِمَا، فَإِنْ لَبسَهُمَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا .. حَنِثَ، أَوْ لَا يَلْبَسُ هَذَا وَلَا هَذَا .. حَنِثَ بِأَحَدِهِمَا، أَوْ لَيَأْكُلَنَّ ذَا الطَّعَامَ غَدًا فَمَاتَ قَبْلَهُ .. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،

(فصل: حلف لا يأكل هذه التمرة، فاختلطت بتمر فأكله إلا تمرة .. لم يحنث) لجواز أن تكون هي المحلوف عليها، والأصل براءة الذمة، وكذا الحكم لو تلف من الجميع تمرة.
وكلامه يوهم: أنه لو أكله إلا بعض تمرة .. حنث، وليس كذلك.
(أو ليأكلنَّها فاختلطت .. لم يبر إلا بالجميع) لاحتمال أن تكون المتروكة هي المحلوف عليها.
نعم؛ لو وقعت التمرة في جانب من الصبرة، فأكل ذلك الجانب .. برّ قاله الإمام.
(أو ليأكل هذه الرمانة .. فإنما يبر بجميع حبها) لتعلق اليمين بالمجموع، ولهذا لو قال: (لا آكلها)، فترك حبة .. لم يحنث، (أو لا يلبس هذين .. لم يحنث بأحدهما) لأن الحلف عليهما.
نعم؛ لو نوى ألا يلبس منهما شيئًا .. حنث بأحدهما، نصّ عليه في "الأم".
(فإن لبسهما معًا أو مرتبًا .. حنث) لوجود المحلوف عليه.
(أو لا يلبس هذا ولا هذا .. حنث بأحدهما) لأنهما يمينان حتى لو حنث في أحدهما .. بقيت اليمين منعقدة على الآخر، فإن وجد .. وجبت كفارة أخرى على الأصح في (باب الإيلاء)؛ لأن إدخال حرف العطف وتكرار (لا) بينهما يقتضي ذلك، ويخالف ما لو حذف (لا) .. فإنه لا يحنث إلا بالمجموع.
(أو ليأكلن ذا الطعام غدًا فمات قبله) أي: قبل مجيء الغد ( .. فلا شيء عليه) لأنه لم يبلغ زمن البِرِّ.

الجزء: 4 - الصفحة: 412

وَإِنْ مَاتَ أَوْ تَلِفَ الطعَامُ فِي الْغَدِ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَكْلِهِ .. حَنِثَ، وَقَبْلَهُ قَوْلَانِ كَمُكْرَهٍ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ بِأَكْلٍ وَغَيْرِهِ قَبْلَ الْغَدِ .. حَنِثَ، وَإِنْ تَلِفَ أَوْ أَتلفَهُ أَجْنَبيٌّ .. فَكَمُكْرَهٍ. أَوْ (لأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ) .. فَلْيَقْضِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ آخِرَ الشَّهْرِ،

(وإن مات أو تلف الطعام) أو بعضه (في الغد بعد تمكنه من أكله .. حنث) لأنه فوّت البرّ على نفسه باختياره (وقبله قولان كمُكره) والأظهر: عدم الحنث؛ لفوات البر بغير اختياره.
وقوله: (قبله): يشمل صورتين: قبل الغد، وبعد مجيئه وقبل التمكن؛ فإن حكمها بالنسبة إلى التلف واحد، وأما بالنسبة إلى الموت .. فلا؛ لأنه قبل الغد لا يحنث قطعًا، وفيه قبل التمكن قولا المكره، فينبغي حمل كلامه على الصورة الثانية؛ لينهض طرد الخلاف في الموت والتلف.
واعلم: أنهم حيث أطلقوا قولي المكره .. أرادوا به ما إذا اختار الحلف ثم أكره على الحنث، أما إذا أكره على الحلف .. فلا خلاف في عدم الحنث.
(وإن أتلفه) عالمًا عامدًا مختارًا (بأكل وغيره قبل الغد .. حنث) لأن البر مقيد بزمان، فكان شرطًا؛ كالمقيد بمكان وقد فوته باختياره.
وهل يحنث في الحال أو بعد مجيء الغد؟ وجهان: كلام المصنف يقتضي الأول؛ لتحقق اليأس، لكن كلام "الروضة" و"أصلها" قد يقتضي الثاني 93. وفائدة الخلاف: أنه لو كان معسرًا .. يكفر بالصوم، فيجوز أن ينوي صوم الغد عن كفارته على الأول دون الثاني، وفيما لو مات الحالف قبل مجيء الغد أو أعسر وقلنا: يعتبر في الكفارة حال الوجوب.
(وإن تلف) بنفسه (أو أتلفه أجنبي) قبل الغد ( .. فكمُكره) فعلى ما مرّ.
(أو: "لأقضين حقك عند رأس الهلال") أو معه، أو مع رأس الشهر ( .. فليقض عند غروب الشمس آخر الشهر) لوقوع هذا اللفظ على أول جزء من الشهر.
ولفظة (عند) و (مع): تقتضي المقاربة.

الجزء: 4 - الصفحة: 413

فإِنْ قَدَّمَ أَوْ مَضَى بَعْدَ الْغُرُوبِ قَدْرُ إِمْكَانِهِ .. حَنِثَ، فَلَوْ شَرَعَ فِي الْكَيْلِ حِينَئِذٍ وَلَمْ يَفْرُغْ لِكَثْرتهِ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ .. لَمْ يَحْنَثْ. أَوْ لَا يَتكلَّمُ فَسَبَّحَ أَوْ قَرَأَ قُرْآنًا .. فَلَا حِنْثَ، أَوْ لَا يُكَلِّمُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ .. حَنِثَ، وَإِنْ كَاتبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدٍ أَوْ غَيْرِهَا .. فَلَا فِي الْجَدِيدِ، وَإِنْ قَرَأَ آيَةً أَفْهَمَهُ بِهَا مَقْصُودَهُ وَقَصَدَ قِرَاءَةً .. لَمْ يَحْنَثْ، وإلَّا .. حَنِثَ

(فإن قدّم) القضاء على ذلك (أو مضى بعد الغروب قدرُ إمكانه .. حنث) لتفويت البر باختياره؛ كما لو أكل الطعام قبل مجيء الغد.
(فلو شرع في الكيل) أو الوزن (حينئذ ولم يفرغ؛ لكثرته إلا بعد مدة .. لم يحنث) لأنه أخذ في القضاء عند ميقاته، والشروع في مقدمات القضاء كحمل الميزان كالشروع في الكيل.
(أو لا يتكلم فسبح) أو هلل أو دعا، (أو قرأ قرآنًا .. فلا حنث) لانصراف الكلام عرفًا إلى كلام الآدميين.
(أو لا يكلمه فسلم عليه) باللفظ ( .. حنث) لأنه نوع من الكلام.
(وإن كاتبه أو راسله أو أشار إليه بيد أو غيرها .. فلا في الجديد) لأنها ليست بكلام عرفًا وإن سميت به مجازًا، بدليل صحة النفي؛ فيقال: ما كلّمه، ولكن كاتبه أو راسله، وقد قال تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾، والقديم: نعم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾، فاستثناء الرسالة من التكلم، وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾، فاستثنى الرمز من الكلام، فدل على أنهما منه.
وشمل إطلاق المصنف: الإشارة من الأخرس، وهو كذلك، وإنما جعلت في معاملاته كعبارته؛ للضرورة 94. (وإن قرأ آية أفهمه بها مقصوده وقصد قراءة) فقط، أو مع إفهامه ( .. لم يحنث) لأنه لم يكلمه، (وإلّا .. حنث) لأنه كلّمه.
وشمل قوله: (وإلا): ما إذا قصد إفهامه فقط، وما إذا أطلق، وقال البُلْقيني: المعتمد في حالة الإطلاق: عدم الحنث؛ لأنه لم يكلمه، ولا ينافي هذا أنه لا يحرم

الجزء: 4 - الصفحة: 414

أَوْ لَا مَالَ لَهُ .. حَنِثَ بِكُلِّ نَوْع وَإِنْ قَلَّ، حَتَّى ثَوْبِ بَدَنِهِ، وَمُدَبَّرٍ، وَمُعَلَّقٍ عِتْقُهُ، وَمَا وَصَّى بِهِ، وَدَيْنٍ حَالٍّ، وَكذَا مُؤَجَّلٌ فِي الأَصَحِّ، لَا مُكَاتبٌ فِي الأَصَحِّ. أَوْ لَيَضْرِبَنَّهُ .. فَالْبِرُّ بِمَا يُسَمَّى ضَرْبًا، وَلَا يُشْتَرَطُ إِيلَامٌ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: (ضَرْبًا شَدِيدًا)، وَلَيْسَ وَضْعُ سَوْطٍ عَلَيْهِ وَعَضٌّ وَخَنِقٌ وَنَتْفُ شَعَرٍ ضَرْبًا، قِيلَ: وَلَا لَطْمٌ وَوَكْزٌ

على الجنب مثل ذلك، وتبطل الصلاة عند من قال بذلك؛ لأن مدركه أنه ليس بقرآن إذا لم يقصده، ولا يلزم من ذلك الحنث به؛ لأن المحكوم عليه أمر مخصوص، وهو ألّا يكلم زيدًا، فلو حلف لا يتكلم .. حنث بذلك؛ لأنه تكلم.
(أو لا مال له .. حنث بكل نوع وإن قل، حتى ثوب بدنه) لصدق الاسم عليه، (ومدبر ومعلق عتقه) بصفة (وما وصى به) لأنه ملكه (ودين حال) على مليء مقر؛ لأنه متى شاء .. أخذه؛ كالوديعة، وكذا على معسر على أقوى الوجهين في الرافعي، وكذا على جاحد ولا بينة على الأصح في "الروضة" 95. (وكذا مؤجل في الأصح) لأنه ثابت في الذمة، يصح الإبراء منه، والثاني: المنع؛ لأن المالية صفة لموجود، ولا موجود ههنا، (لا مكاتب) كتابة صحيحة (في الأصح) لأنه كالخارج عن ملكه؛ فإنه لا يملك منافعه ولا أرش جناية عليه، والثاني: يحنث؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم.
(أو ليضربنه .. فالبرّ بما يسمى ضربًا) لصدق الاسم، ولا يكفي وضع اليد عليه ورفعها، (ولا يشترط إيلام) لصدق الاسم؛ لأنه يقال: ضربه ولم يؤلمه (إلا أن يقول) أو ينوي ("ضربًا شديدًا") فيشترط حينئذ؛ للتنصيص عليه.
(وليس وضع سوط عليه وعض وخنق ونتف شعر) وقرص (ضربًا) لأنه لا يتناول ذلك؛ بدليل صحة نفيه عنه، (قيل: ولا لطم ووكز) وهو الضرب بجمع يده على ذقنه؛ كما قاله الجوهري وغيره، وقال الزمخشري: هو الدفع بأطراف الأصابع 96، وكذا رفس وصفع؛ لأنه لا يسمى ضربًا عادة، والصحيح: أن الكل ضرب؛ كما

الجزء: 4 - الصفحة: 415

أَوْ لَيَضْرِبَنَّهُ مِئَةَ سَوْطٍ أَوْ خَشَبَةٍ، فَشَدَّ مِئَةً وَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً، أَوْ بِعِثْكَالٍ عَلَيْهِ مِئَةُ شِمْرَاخٍ .. بَرَّ إِنْ عَلِمَ إِصَابَةَ الْكُلِّ، أَوْ تَرَاكَمَ بَعْضٌ عَلَى بَعْضٍ فَوَصَلَهُ أَلَمُ الْكُلِّ. قُلْتُ: وَلَوْ شَكَّ فِي إِصَابَةِ الْجَمِيعِ .. بَرَّ عَلَى النَّصِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. أَوْ لَيَضْرِبَنَّهُ مِئَةَ مَرَّةٍ .. لَمْ يَبَرَّ بِهَذَا.

جزما به في (كتاب الطلاق)؛ لأنه يقال: ضربه بيده ورجله وإن تنوعت أسماء الضرب 97. (أو ليضربنه مئة سوط أو خشبة، فشد مئة وضربه بها ضربة، أو بعِثكال عليه مئة شمراخ .. برّ إن علم إصابة الكل) بأن عاين إصابة كل واحد منها بالضرب؛ بأن بسطها واحدًا بعد واحد؛ كالحصير، (أو تراكم بعض على بعض فوصله ألم الكل) لقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ فإن الضغث هو: الشماريخ القائمة على الساق الواحد، ويسمى: العثكال، وهذا وإن كان شرع من قبلنا فقد ورد تقريره في (قصة الزاني الضعيف) كما ذكرناه في (باب الزنا).
وقوله: (ألم الكل) أي: ثقل الكل؛ لأن الألم لا يشترط، وما جزم به من الاكتفاء بالعثكال في مئة سوط نقله في "المهمات" عن جمع كثير من الأصحاب، وقال: إنه الصواب الذي عليه الفتوى، لكن صححا في "الروضة" و"أصلها": أنه لا يبرّ به؛ لأنها أخشاب لا سياط 98. وجزما بالبر بالعثكال في مئة خشبة، ونقله ابن الصلاح عن الإمام وبعض الخراسانيين، ثم استبعده؛ لأنه يأباه لفظ الخشبة، قال: لكن إن أطلق الخشب على عيدان الشماريخ في عرف قوم .. صح ذلك 99. (قلت: ولو شك في إصابة الجميع .. برّ على النص، والله أعلم) عملًا بالظاهر وهو الإصابة، وفيه قول مخرج: بأنه لا يبرّ، وهو الموافق لما تقدم في (حد الزنا).
(أو ليضربنه مئة مرة .. لم يبرّ بهذا) أي: بالمشدودة والعثكال؛ لأنه جعل العدد

الجزء: 4 - الصفحة: 416

أَوْ (لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى أَسْتَوْفيَ) فَهَرَبَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ اتِّبَاعُهُ .. لَمْ يَحْنَثْ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: لَا يَحْنَثُ إِذَا أَمْكَنَهُ اتِّبَاعُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ فَارَقَهُ، أَوْ وَقَفَ حَتَّى ذَهَبَ وَكَانَا مَاشِيَيْنِ، أَوْ أَبْرَأَه، أَوِ احْتَالَ عَلَى غَرِيمٍ ثمَّ فَارَقَهُ، أَوْ أَفْلَسَ فَفَارَقَهُ لِيُوسِرَ .. حَنِثَ،

للضربات، وكذا لو قال: (مئة ضربة) على الأصح.
(أو: "لا أفارقك حتى أستوفي") حقي منك (فهرب ولم يمكنه اتّباعه .. لم يحنث) لأنه حلف على فعل نفسه؛ فلا يحنث بفعل الغريم، (قلت: الصحيح: لا يحنث إذا أمكنه اتّباعه، والله أعلم) لما مرّ، وهذا استدراك على المفهوم" فإنه قيد عدم الحنث بعدم إمكان اتباعه، فأفهم الحنث عند إمكانه، ووجه مقابله: أنه بالمقام مفارق، كما لو فارق أحد المتبايعين صاحبه وبقي الآخر مع إمكان اتباعه .. فإنه ينقطع خيارهما.
وفرّق الأول: بأن التفرق في البيع متعلق بهما جميعًا، ولو فارقه بإذنه .. فلا حنث أيضًا على الأصح.
والمراد بالمفارقة: ما تقطع خيار المجلس.
(وإن فارقه) الحالف ذاكرًا مختارًا، (أو وقف حتى ذهب وكانا ماشيين، أو أبرأه، أو احتال على غريم ثم فارقه، أو أفلس ففارقه ليوسر .. حنث) لوجود المفارقة الحقيقية في الأولى، وفي الثانية: حصلت المفارقة بالوقوف؛ لأنه الحادث فنسب المفارقة إليه.
والمسألة الثانية من زيادات "الكتاب" على "المحرر" 100. واحترز بقوله: (وكانا ماشيين): عمّا إذا كانا ساكنين فابتدأ الغريم بالمشي .. فلا يحنث؛ لأن الحادث المشي، وهو فعل الغريم.
وأما في الثالثة .. فلأنه فوت البر باختياره، وأما الرابعة .. فلأن الحوالة وإن قلنا: هي استيفاء .. فليست استيفاء حقيقة، وإنما هي كالاستيفاء في الحكم، وأما في الأخيرة .. فلوجود المفارقة.

الجزء: 4 - الصفحة: 417

وَإِنِ اسْتَوْفَى وَفَارَقَهُ فَوَجَدَهُ نَاقِصًا؛ إِنْ كَانَ جِنْسَ حَقِّهِ لكِنْ أَرْدَأُ .. لَمْ يَحْنَثْ، وإلَّا .. حَنِثَ عَالِمٌ، وَفِي غَيْرِهِ الْقَوْلَانِ. أَوْ لَا رَأَى مُنْكَرًا إلَّا رَفَعَهُ إِلَى الْقَاضِي، فَرَأَى وَتَمَكَّنَ فَلَمْ يَرْفَعْ حَتَّى مَاتَ .. حَنِثَ، وَحُمِلَ عَلَى قَاضِي الْبَلَدِ، فَإِنْ عُزِلَ .. فَالْبِرُّ بِالرَّفع إِلَى الثَّانِي -أَوْ إلَّا رَفَعَهُ إِلَى قَاضٍ .. بَرَّ بِكُلِّ قَاضٍ، أَوْ إِلَى الْقَاضِي فُلَانٍ فَرَآهُ ثُمَّ عُزِلَ؛ فَإِنْ نَوَى مَا دَامَ قَاضِيًا .. حَنِثَ إِنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُهُ فَتَرَكَهُ،

وإن كان تركه واجبًا؛ كما لو قال: (لا أصلي الفرض)، فصلى .. فإنه يحنث وإن كانت الصلاة واجبة، ولو ألزمه الحاكم بمفارقته .. فعلى قولي المكره، والأصح: لا حنث.
(وإن استوفى وفارقه فوجده ناقصًا؛ إن كان جنس حقه، لكن أردأ .. لم يحنث) 101 لأن الرداءة لا تمنع الاستيفاء، (وإلا) أي: وإن كان غير جنس حقه؛ بأن كان حقه دراهم فخرج المأخوذ نحاسًا أو مغشوشًا ( .. حنث عالم) بالحال قبل المفارقة؛ للمفارقة قبل الاستيفاء، (وفي غيره) أي: غير العالم بالحال (القولان) في حنث الجاهل والناسي.
(أو لا رأى منكرًا إلا رفعه إلى القاضي، فرأى وتمكّن فلم يرفعه حتى مات) الحالف ( .. حنث) لأنه فوّت البرَّ باختياره، فإن لم يتمكن حتى مات .. فقولا حنث المكره.
(وحمل على قاضي البلد، فإن عزل .. فالبرّ بالرفع إلى الثاني) 102 لأن التعريف بالألف واللام يرجع إليه، ولو كان في البلد قاضيان .. يُخير، ويشترط أن يرفعه إليه في محل ولايته، فإن كان في غيرها .. لم يبرّ؛ إذ لا يمكنه إقامة موجبه، قاله البغوي 103، (أو إلّا رفعه إلى قاضٍ .. برّ بكلِّ قاضٍ) في ذلك البلد وغيره؛ لصدق الاسم، (أو إلى القاضي فلان فرآه) أي: المنكر (ثم عزل؛ فإن نوى ما دام قاضيًا .. حنث إن أمكنه رفعه فتركه) لتفويته البرّ باختياره.

الجزء: 4 - الصفحة: 418

وإلَّا .. فَكَمُكْرَهٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ .. بَرَّ بالرَّفْع إِلَيْهِ بَعْدَ عَزْلهِ.

فصلٌ [في الحلف على ألا يفعل كذا]

حَلَفَ لَا يَبِيعُ أَوْ لَا يَشْتَرِي، فَعَقَدَ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهٍ .. حَنِثَ - وَلَا يَحْنَثُ بِعَقْدِ وَكِيلِهِ لَهُ - أَوْ لَا يُزَوِّجُ أَوْ لَا يُطَلِّقُ أَوْ لَا يَعْتِقُ أَوْ لَا يَضْرِبُ، فوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ .. لَمْ يَحْنَثُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَلَّا يَفْعَلَ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، أَوْ لَا يَنْكِحُ .. حَنِثَ بِعَقْدِ وَكِيلِهِ لَهُ

نعم؛ إن ولي ثانيًا ورفع إليه .. لم يحنث.
(وإلا) أي: وإن لم يتمكن من الرفع؛ لمرض أو حبس أو جاء إلى باب القاضي فحجب ( .. فكمكره) والأصح: لا حنث.
(وإن لم ينو) ما دام قاضيًا ( .. بر بالرفع إليه بعد عزله) جزمًا إن نوى عينه، وذكر القضاء للتعريف، وعلى الأصح إن أطلق؛ نظرًا إلى التعيين، ووجه مقابله نظرًا إلى الصفة.


(فصل: حلف لا يبيع أو لا يشتري، فعقد لنفسه أوغيره) بوكالة أو ولاية ( .. حنث) أما لنفسه .. فجزمًا؛ لصدور الفعل منه، وأما لغيره .. فعلى الصحيح؛ لأن إطلاق اللفظ يشمله، ومطلق الحلف على العقود ينزل على الصحيح؛ فلا يحنث بالفاسد، (ولا يحنث بعقد وكيله له) لأنه لم يعقد.
(أو لا يزوج أو لا يطلّق أو لا يعتق أو لا يضرب فوكل من فعله .. لم يحنث) وإن كان ممن لا يتعاطاه بنفسه أو لا يحسنه؛ لأنه لم يفعله، (إلا أن يريد ألّا يفعل هو ولا غيره) فيحنث بالتوكيل فيما ذكر في مسائل الفصل كلها عملًا بإرادته.
(أو لا ينكح .. حنث بعقد وكيله له) لأن الوكيل سفير محض؛ ولهذا تجب تسمية الموكّل.
وجزمه بالحنث تبع فيه "المحرر"، وجزم به أيضًا في "الشرح" في الفصل الخامس في (التوكيل في النكاح) 104، لكن نقلا في "الشرح" و"الروضة" هنا

الجزء: 4 - الصفحة: 419

لَا بِقَبُولهِ هُوَ لِغَيْرِهِ، أَوْ لَا يَبِيعُ مَال زَيْدٍ فَبَاعَهُ بِإِذْنِهِ .. حَنِثَ، وإلَّا .. فَلَا، أَوْ لَا يَهَبُ لَهُ فَأَوْجَبَ لَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ .. لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا إِنْ قَبِلَ وَلَمْ يَقْبِضْ فِي الأَصَحِّ، وَيَحْنَثُ بِعُمْرَى وَرُقْبَى، وَصَدَقةٍ لَا إِعَارَةٍ، وَوَصِيّةٍ

وجهين عن "التهذيب": القطع بالحنث، وعن الصَّيْدَلاني والغزالي: القطع بعدمه 105. وقال البُلْقيني: إن تصحيح الحنث مخالف لمقتضى نصوص الشافعي رضي الله عنه: أن من حلف على شيء ألّا يفعله فأمر غيره بفعله .. لم يحنث، ولقاعدته وهي: أن النظر في ذلك إلى الحقيقة، ولِمَا عليه الأكثرون؛ فقد جزم بعدم الحنث القفال والماوردي وابن الصباغ وصاحب "البيان"، وحكاه في "النهاية" عن قطع الأصحاب في الطرق، وقال: ولم أر أحدًا اعتمد مقابله إلا البغوي 106، وقال الخوارزمي في "الكافي": إنه المنقول في طريقتنا؛ يعني: في طريقة المراوزة، وهو ممنوع؛ لما تقدم عن القفال والصَّيْدَلاني.
انتهى.
(لا بقبوله هو لغيره) لأنه لم ينكح.
(أو لا يبيع مال زيدٍ فباعه بإذنه .. حنث) لصدق اسم البيع، ويلتحق بإذنه إذن الحاكم لحجر أو امتناع، (وإلا) أي: وإن باع بغير إذن ( .. فلا) حنث؛ لفساد البيع.
(أو لا يهب له فأوجب له فلم يقبل .. لم يحنث) لأن العقد لم يتم، (وكذا إن قبل ولم يقبض في الأصح) لأن مقصود الهبة نقل الملك ولم يوجد، والثاني: يحنث؛ لأن الهبة قد حصلت، والمتخلف الملك.
(ويحنث بعمرى ورقبى وصدقة) تطوعًا، وهدية مقبوضة؛ لأنها من أنواع الهبة، ولا يحنث بالصدقة الواجبة على الأصح.
(لا إعارة) إذ لا تمليك فيها، (ووصية) لأنها تمليك بعد الموت، والميت

الجزء: 4 - الصفحة: 420

وَوَقْفٍ. أَوْ لَا يَتَصَدَّقُ .. لَمْ يَحْنَثْ بِهِبَةٍ فِي الأَصَحِّ، أَوْ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ .. لَمْ يَحْنَثْ بِمَا اشْتَرَاهُ مَعَ غَيْرهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ) فِي الأَصَحِّ، وَيَحْنَثُ بِمَا اشْتَرَاهُ سَلَمًا، وَلَوِ اخْتَلَطَ مَا اشْتَرَاهُ بِمُشْتَرَى غيْرِهِ .. لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَتيقَّنَ أَكْلَهُ مِنْ مَالِهِ. أَوْ لَا يَدْخُلُ دَارًا اشْتَرَاهَا زَيْدٌ .. لَمْ يَحْنَثْ بِدَارٍ أَخَذَهَا بِشُفْعَةٍ.

لا يحنث، (ووقف) بناء على المذهب: أنه لا يملكه.
(أو لا يتصدق .. لم يحنث بهبة في الأصح) لأنها ليست صدقة؛ ولهذا تحل له صلى الله عليه وسلم، والثاني: يحنث؛ كما لو حلف لا يهب فتصدق.
وفرق الأول: بأن الصدقة أخص، فكل صدقة هبة، وليس كل هبة صدقة.
(أو لا يأكل طعامًا اشتراه زيد .. لم يحنث بما اشتراه) زيد (مع غيره) مشاعًا؛ لأن كل جزء من الطعام لم يختص زيد بشرائه وإن قلّ؛ بدليل أنه لا يقال: اشتراه، بل بعضه، واليمين محمولة على ما انفرد زيد بشرائه، (وكذا لو قال: "من طعام اشتراه زيد" في الأصح) لما سبق، والثاني: يحنث؛ لصدق الاسم، (ويحنث بما اشتراه سلمًا) لأنه صنف من الشراء.
(ولو اختلط ما اشتراه) زيد (بمشترى غيره .. لم يحنث حتى يتيقن أكله من ماله) بأن أكل قدرًا صالحًا؛ كالكف والكفين؛ لأن به يتحقق الحنث، بخلاف عشر حبات وعشرين، (أو لا يدخل دارًا اشتراها زيد .. لم يحنث بدار أخذها بشفعة) لفقد الاسم المعلق عليه اليمين في الوضع والعرف؛ إذ الأخذ بالشفعة شراء حكمي لا حقيقي.
وفي عبارته تساهل؛ إذ يتعذر أخذ كل الدار بالشفعة، فكان الأولى أن يقول: (أخذ بعضها بشفعة) أو يقول: (أو لا يدخل دارًا اشترى فلان بعضها فأخذ البعض بالشفعة).
ويتصور أخذ جميع الدار بالشفعة في عقدين؛ بأن يملك شخص نصف دار، ويبيع شريكه نصفه الآخر، فيأخذ هذا بالشفعة، فتصير الدار جميعها له، ثم يبيع النصف الذي لم يملكه بالشفعة، ثم يبيعه ذلك الشخص لأجنبي، فيأخذه الشريك بالشفعة وصدق أنه ملك جميع الدار بالشفعة.
ويتصور أيضًا في شفعة الجوار إذا حكم بها حنفي تحل له باطنًا؛ كما هو الأصح.


الجزء: 4 - الصفحة: 421

كتاب النَّذر هُوَ ضَرْبَانِ: نَذْرُ لَجَاجٍ؛ كـ (إِنْ كَلَّمْته .. فَلِلهِ عَلَيَّ عِتْق أَوْ صَوْم)، وَفِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ،

﴿كتاب النذر﴾ هو في اللغة: الوعد مطلقًا، وفي الشرع: الوعد بخير.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ وفي "الصحيح": "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ .. فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ .. فَلَا يَعْصِهِ" 107. واختلف فيه، فقيل: هو مكروه، وحكي عن النص، وجزم به في "شرح المهذب"؛ لصحة النهي عنه، وأنه لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به مال البخيل 108، وقيل: هو خلاف الأولى، وقيل: هو قربة، وجزم به جمع منهم الرافعي في الكلام على نذر الكافر 109. والنهي عنه محمول على من عَلِم من حاله عدم القيام بما التزمه جمعًا بين الأدلة.
وقال ابن الرفعة: يظهر كون نذر التبرر قربة، وأن محل النهي نذر المجازاة 110. ويشترط في الناذر: إسلام، وتكليف، واختيار، وإطلاق التصرف فيما نذره.
(هو ضربان: نذر لَجاج) بفتح اللام وهو: ما خرج مخرج اليمين؛ بأن يقصد منع نفسه من فعل، أو يحثها عليه بالتزام قربة بالفعل أو الترك (كـ "إن كلّمته) أو إن لم أكلمه ( .. فلله علي عتق أو صوم"، وفيه كفارة يمين) لقوله عليه الصلاة والسلام: "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ" رواه مسلم 111، ولا كفارة في نذر التبرر قطعًا، فتعين أن يكون المراد به اللجاج.

الجزء: 4 - الصفحة: 423

وَفِي قَوْلٍ: مَا الْتَزَمَ، وَفِي قَوْلٍ: أَيُّهُمَا شَاءَ. قُلْتُ: الثَّالِثُ أَظْهَرُ، وَرَجَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ دَخَلْتُ .. فَعَلَيَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ نَذْر) .. لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ بِالدُّخُولِ. وَنَذْرُ تبرُّر؛ بِأَنْ يَلْتَزِمَ قُرْبَةً إِنْ حَدَثَتْ نِعْمَةٌ أَوْ ذَهَبَتْ نِقْمَة، كـ (إِنْ شُفِيَ مَرِيضِي .. فَلِلّهِ عَلَيَّ أَوْ فَعَلَيَّ كَذَا)، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ إِذَا حَصَلَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُعَلِّقْهُ بِشَيْءٍ كـ (للهِ عَلَيَّ صَوْمٌ) .. لَزِمَهُ فِي الأَظْهَرِ

(وفي قول: ما التزم) وفاء به؛ كما في نذر التبرر، (وفي قول: أيّهما شاء) لأنه يشبه النذرَ من حيث إنه التزام قربة، واليمينَ من حيث إن مقصوده مقصود اليمين، ولا سبيل إلى الجمع بين موجبهما، ولا إلى تعطيلهما، فوجب التخيير، (قلت: الثالث أظهر، ورجحه العراقيون، والله أعلم) لما قلناه.
(ولو قال: "إن دخلت .. فعليّ كفارة يمين، أو) قال: إن دخلت فعليّ (نذر" .. لزمه) في الصورتين (كفارة) أي: كفارة يمين (بالدخول) أما في الأولى .. فبالاتفاق؛ تغليبًا لحكم اليمين، وأما الثانية .. فعلى الصحيح؛ للحديث المارّ 112. (ونذر تبرر) أي: تقرّب (بأن يلتزم قربة إن حدثت نعمة، أو ذهبت نقمة؛ كـ "إن شفي مريضي فلله عليّ، أو فعلي كذا" .. فيلزمه ذلك إذا حصل المعلّق عليه) للحديث المارّ: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله .. فَلْيُطِعْهُ" 113. وقد ذمّ الله أقوامًا عاهدوا ولم يفوا فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية.
(وإن لم يعلقه) أي: النذر (بشيء كـ "لله علي صوم" .. لزمه في الأظهر) لإطلاق الحديث المذكور، والثاني: لا يصح، ولا يلزمه شيء؛ لأن أهل اللغة قالوا - كما حكاه ثعلب -: النذر هو وعد بشرط ولا شرط هنا؛ فلا نذر.
ومنع الأول هذا؛ لقوله تعالى عن أم مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ الآية، فأطلقت ولم تعلقه على شرط وسمّته نذرًا، وهذا نذر تبرّر أيضًا؛ لأن نذر التبرر قسمان: قسم معلَّق، وقسم غير معلَّق.

الجزء: 4 - الصفحة: 424

وَلَا يَصِحُّ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، وَلَا وَاجِبٍ، وَلَوْ نَذَرَ فِعْلَ مُبَاحٍ أَوْ تَرْكَهُ .. لَمْ يَلْزَمْهُ، لكِنْ إِنْ خَالَفَ .. لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عَلَى الْمُرَجَّحِ. وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ أَيامٍ .. نُدِبَ تَعْجِيلُهَا، فَإِنْ قَيَّدَ بِتَفْرِيقٍ أَوْ مُوَالَاةٍ .. وَجَبَ، وإلَّا .. جَازَ. أَوْ سَنَةٍ مُعَيَّنةٍ .. صَامَهَا وَأَفْطَرَ الْعِيدَ وَالتّشرِيقَ وَصَامَ رَمَضَانَ عَنْهُ وَلَا قَضَاءَ

(ولا يصح نذر معصية) كالقتل والزنا وصوم يوم العيد؛ للحديث: "لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ" رواه مسلم 114، (ولا واجب) كصوم رمضان، وألّا يشرب الخمر؛ لأنه واجب بإيجاب الشرع ابتداءً، فلا معنى لإيجابه.
(ولو نذر فعل مباح) كالأكل والنوم، (أو تركه .. لم يلزمه) لقوله عليه الصلاة والسلام: "لَا نَذْرَ إلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بهِ وَجْهُ الله" رواه أبو داوود 115. قال الأئمة: وقد يقصد بالأَكل: التقوي على العبادة، وبالنوم: النشاطُ على التهجد فيثاب عليه، ولكن ذاك يرجع إلى مجرد القصد.
(لكن إن خالف .. لزمه كفارة يمين على المرجح) تبع في هذا "المحرر"، لكن قضية كلام "الشرح" و"الروضة": عدم اللزوم، وقال في "شرح المهذب": والصواب في الجملة: أنه لا كفارة مطلقًا لا عند المخالفة ولا غيرها في نذر المعصية والفرض والمباح 116. (ولو نذر صوم أيام .. ندب تعجيلها) مسارعة إلى براءة الذمة، (فإن قيّد بتفريق أو موالاة .. وجب) عملًا بما التزمه، وفي التفريق وجه: أنه لا يلزم إذا قيد به؛ لأن موالاته أفضل، (وإلا) أي: وإن لم يقيد بتفريق ولا موالاة ( .. جاز) التفريق والموالاة عملًا بمقتضى الإطلاق، لكن الموالاة أفضل خروجًا من خلاف أبي حنيفة.
(أو سنة معينة .. صامها، وأفطر العيد والتشريق) وجوبًا؛ لتحريم صوم ذلك (وصام رمضان عنه) لأن رمضان لا يقبل غيره (ولا قضاء) لأن هذه الأيام لو نذر صومها .. لم ينعقد نذره، فإذا أطلق .. أولى ألّا يدخل في نذره.

الجزء: 4 - الصفحة: 425

وإنْ أَفْطَرَتْ بِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ .. وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: لَا يَجِبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا بلَا عُذْرٍ .. وَجَبَ قَضَاؤُهُ، وَلَا يَجِبُ اسْتِئْنَافُ سَنَةٍ، فَإِنْ شَرَطَ التَّتابُعِ .. وَجَبَ فِي الأصَحِّ. أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وَشَرَطَ التَّتَابُعَ .. وَجَبَ. وَلَا يَقْطَعُهُ صَوْمُ رَمَضَان عَنْ فَرْضِهِ وَفِطْرُ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ، وَيَقْضِيهَا تِبَاعًا مُتَّصِلَة بِآخِرِ السَّنَةِ، وَلَا يَقْطَعُهُ حَيْضٌ، وَفِي قَضَائِهِ الْقَوْلَانِ،

(وإن أفطرت بحيض أو نفاس .. وجب القضاء في الأظهر) لأن الزمان قابل للصوم، وإنما أفطرت لمعنى فيها فتقضي؛ كصوم رمضان، وهذا ما رجحه البغوي فتبعه "المحرر" 117. (قلت: الأظهر: لا يجب، وبه قطع الجمهور، والله أعلم) لأن أيام الحيض لا تقبل الصوم، فلا تدخل في النذر؛ كالعيد.
(وإن أفطر يومًا بلا عذر .. وجب قضاؤه) لتفويته باختياره، (ولا يجب استئناف سنة) لأن التتابع لم يكن مقصودًا في نفسه بل للوقت؛ كرمضان.
(فإن شرط التتابع) في نذر السنة المعينة ( .. وجب) الاستئناف (في الأصح) لأن ذكر التتابع يدل على كونه مقصودًا، والثاني: لا يجب؛ لأن شرط التتابع مع تعيين السنة لغو.
(أو غير معينة وشرط التتابع .. وجب) وفاءً بما التزمه.
(ولا يقطعه صوم رمضان عن فرضه، وفطر العيد والتشريق) لاستثناء ذلك شرعًا.
واحترز بقوله: (عن فرضه): عما لو صامه عن نذر أو قضاء أو تطوع .. فإنه لا يصح صومه، وينقطع به التتابع قطعًا.
(ويقضيها) أي: رمضان والعيد والتشريق (تباعًا متصلة بآخر السنة) عملًا بشرطه التتابع، (ولا يقطعه حيض) ونفاس (وفي قضائه القولان) في المعينة.
وقضيته: ترجيح عدم القضاء، واعترضه البُلْقيني، وقال: إن أيام الحيض أولى بوجوب القضاء من رمضان والعيد والتشريق؛ فإنه يمكن خلو السنة عنه، ولا يمكن خلوها عن رمضان والعيد والتشريق، وبسط ذلك.

الجزء: 4 - الصفحة: 426

وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهُ .. لَمْ يَجِبْ، أَوْ يَوْمَ الاثنيْنِ أَبَدًا .. لَمْ يَقْضِ أَثَانِيَ رَمَضَانَ، وَكَذَا الْعِيدُ وَالتَّشْرِيقُ فِي الأَظْهَرِ، فَلَوْ لَزِمَهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ تِبَاعًا لِكَفَّارَةٍ .. صَامَهُمَا، وَيَقْضِي أَثَانِيَهُمَا، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَقْضِي إِنْ سَبقَتِ الْكَفَّارَةُ النَّذْرَ. قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ

(وإن لم يشرطه) أي: التتابع ( .. لم يجب) لعدم الالتزام، فيصوم ثلاث مئة وستين يومًا، أو اثني عشر شهرًا بالهلال وإن نقصت؛ لأنها السنة شرعًا.
(أو يوم الاثنين أبدًا .. لم يقض أثاني رمضان) لأن النذر لا يشملها؛ لسبق وجوبها.
نعم؛ لو وقع فيه خمسة أثانين .. ففي قضاء الخامس القولان في العيد؛ لأنه قد يقع وقد لا يقع.
(وكذا العيد والتشريق في الأظهر) إن صادفت يوم الاثنين قياسًا على أثاني رمضان، والثاني: يقضي؛ لأن ذلك قد يتفق وقد لا يتفق، فتناولها النذر، بخلاف أثاني رمضان، وبخلاف ما إذا نذر صوم سنة معينة حيث قلنا: لا يقضي؛ لأن وقوعها في السنة لازم، ووقوع العيد في يوم الاثنين ليس بلازم.
(فلو لزمه صوم شهرين تباعًا لكفارة) بعد أن نذر صوم الاثنين أبدًا ( .. صامهما، ويقضي أثانيهما) جزمًا؛ لأنه أدخل على نفسه صوم الشهرين بعده، (وفي قول: لا يقضي إن سبقت الكفارة النذر) لأن الأثانين الواقعة فيها حينئذ مستثناة بقرينة الحال؛ كما لا يقضي أثاني رمضان، (قلت: ذا القول أظهر، والله أعلم) لما قلناه، وهذا ما صححه في "زيادة الروضة" أيضًا، ولم يصحح الرافعي في "الشرحين" شيئًا، وصحح في "المحرر" وجوب القضاء قال في "المهمات": وهو الصواب؛ فإن الربيع قد نقله عن نص الشافعي، كذا نقله عنه العمراني في "البيان"، و"النووي" في "شرح المهذب" انتهى 118، وقال البُلْقيني: إنه المعتمد في "المذهب"، ورجحه الأَذْرَعي والزركشي، وقالا: إن الجمهور عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 427

وَتَقْضِي زَمَنَ حَيْضٍ وَنفَاسٍ فِي الأَظْهَرِ. أَوْ يَوْمًا بِعَيْنهِ .. لَمْ يَصمْ قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا مِنْ أُسْبُوعٍ ثُمَّ نَسِيَهُ .. صَامَ آخِرَهُ وَهُوَ الْجُمُعَةُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ .. وَقَعَ قَضَاءً. وَمَنْ شَرَعَ فِي صَوْمِ نَفْلٍ فَنَذَرَ إِتْمَامَهُ .. لَزِمَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ نَذَرَ بَعْضَ يَوْمٍ .. لَمْ يَنْعَقِدْ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ يَوْمٌ. أَوْ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ .. فَالأَظْهَرُ: انْعِقَادُهُ، فَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا أَوْ يَوْمَ عِيدٍ أَوْ فِي رَمَضَانَ .. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،

والفرق بينه وبين أثاني رمضان: أن لزوم صوم رمضان لا صنع له فيه، بخلاف الكفارة، فإنه التزمها بفعله، وأيضًا: لو صام الأثانين الواقعة في الشهرين عن نذره .. وقع عن نذره، بخلاف أثانين رمضان.
(وتقضي زمن حيض ونفاس) ومرض وقع في الأثانين (في الأظهر) لأنه لم يتحقق وقوعه فيه، فلم يخرج من نذرها، والثاني: المنع؛ كما في العيد.
ومحل الخلاف: فيما إذا لم يكن لها عادة غالبة، فإن كانت .. فعدم القضاء فيما يقع في عادتها أظهر؛ لأنها لا تقصد صوم الذي يقع في عادتها غالبًا في مفتتح الأمر.
(أو يومًا بعينه .. لم يصم قبله) وفاءً بالملتزم (أو يومًا من أسبوع ثم نسيه .. صام آخره وهو الجمعة، فإن لم يكن هو .. وقع قضاءً) بناءً على أن أول الأسبوع السبت، فإن قلنا: إن أوله الأحد .. تعيّن صوم السبت.
(ومن شرع في صوم نفل فنذر إتمامه .. لزمه على الصحيح) لأن صومه صحيح، فيصح التزامه بالنذر، ويلزمه الإتمام، والثاني: المنع؛ لأنه نذر صوم بعض اليوم.
(وإن نذر بعض يوم .. لم ينعقد) لأن صوم بعض اليوم ليس بقربة، (وقيل: يلزمه يوم) لأن صوم بعض اليوم ليس معهودًا شرعًا، فلزمه يوم كامل، وقد ورد الأمر بإمساك بعض النهار في يوم الشك، ويجري الخلاف: فيما لو نذر بعض ركعة.
(أو يوم قدوم زيد .. فالأظهر: انعقاده) لإمكان الوفاء به؛ بأن يعلم أنه يقدم غدًا فينوي صومه ليلًا، والثاني: المنع؛ لأنه لا يمكنه الصوم بعد القدوم؛ لأن التبييت شرط في صوم الفرض، وإذا لم يمكن الوفاء بالملتزم .. يلغو الالتزام.
(فإن قدم ليلًا أو يوم عيد) أو تشريق (أو في رمضان .. فلا شيء عليه) لأنه قيّد باليوم ولم يوجد القدوم في محل يقبل الصوم.

الجزء: 4 - الصفحة: 428

أَوْ نَهَارًا وَهُوَ مُفْطِرٌ أَوْ صَائِمٌ قَضَاءً أَوْ نَذْرًا .. وَجَبَ يَوْمٌ آخَرُ، أَوْ وَهُوَ صَائِمٌ نَفْلًا .. فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ: يَجِبُ تتمِيمُهُ وَيَكْفِيهِ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ .. فَلِلّهِ عَلَيَّ صَوْمُ الْيَوْمِ التَّالِي لِيَوْمِ قُدُومِهِ، وَإِنْ قَدِمَ عَمْرو .. فَلِلّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَوَّلِ خَمِيسٍ بَعْدَهُ)، فَقَدِمَا فِي الأَرْبِعَاءِ .. وَجَبَ صَوْمُ الْخَمِيسِ عَنْ أَوَّلِ النَذْرَيْنِ وَيَقْضِي الآخَرَ.

نعم؛ يستحب صوم الغد أو يوم آخر؛ شكرًا لله تعالى.
(أو نهارًا وهو مفطر أو صائم قضاءً أو نذرًا .. وجب يوم آخر) عن نذره للقدوم 119؛ كما لو نذر صوم يوم معين ففاته، واستحب الشافعي رضي الله عنه: أن يعيد صوم الواجب الذي هو فيه؛ لأنه بان أنه صام يومًا مستحق الصوم؛ لكونه يوم قدوم زيد 120. (أو وهو صائم نفلًا) وقدم قبل الزوال ( .. فكذلك) يلزمه يوم آخر بناء على الأصح في لزوم الصوم من أول النهار، (وقيل: يجب تتميمه) بقصد كونه عن النذر (ويكفيه) بناءً على أنه لا يجب إلا من وقت القدوم، ويكون أوله تطوعًا وآخره فرضًا؛ كما لو شرع في نفل ثم نذر إتمامه.
(ولو قال: "إن قدم زيد .. فلله عليّ صوم اليوم التالي ليوم قدومه، وإن قدم عمرو .. فلله عليّ صوم أول خميس بعده" فقدما في الأربعاء .. وجب صوم الخميس عن أول النذرين) لسبقه (ويقضي الآخر) لتعذر الإتيان به في وقته، فلو صام الخميس عن النذر الثاني .. صحّ في الأصح، ويقضي يومًا آخر عن النذر الأول.
ولو قال: (إن قدم زيد .. فلله عليّ أن أصوم أمس يوم قدومه) .. صحّ نذره على المذهب، ذكره في "شرح المهذب" 121.


الجزء: 4 - الصفحة: 429

فصلٌ [في نذر النسك والصدقة والصلاة وغيرها]

نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ تَعَالَى أَوْ إِتْيَانَهُ .. فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ إِتْيَانِهِ بحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَإِنْ نَذَرَ الإِتْيَانَ .. لَمْ يَلْزَمْهُ مَشْيٌ، وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ أَوْ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ مَاشِيًا .. فَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ الْمَشْيِ،

(فصل: نذر المشي إلى بيت الله تعالى أو إتيانه .. فالمذهب: وجوب إتيانه بحج أو عمرة) حملًا لإطلاقه على البيت الحرام؛ لأنه السابق إلى الفهم عند الإطلاق، ولا قربة في المشي إلا بنسك، فحمل مطلق النذر عليه، ولم يذكرا في "الشرح" و"الروضة" في هذه الصورة طريقين، وإنما ذكرا فيها وجهين، أو قولين، وصححا عدم الانعقاد؛ لأن المساجد كلها بيوت الله تعالى ولم يقيده بلفظ ولا نية، وإنما ذكرا الطريقين فيما إذا قال: (بيت الله الحرام)، وصححا القطع باللزوم؛ حملًا للمطلق على المعهود، وهو القصد بالحج أو العمرة؛ كما لو نذر الصلاة .. فيحمل على الشرعية لا الدعاء، والطريق الثاني: قولان مبنيان على أن النذر يحمل على واجب الشرع أو على جائزه؟ 122. (فإن نذر الإتيان .. لم يلزمه مشي) بل له الركوب قطعًا؛ لأن الإتيان لا يقتضي المشي، وكذا لو نذر الذهاب وغيره مما سوى المشي.
(وإن نذر المشي أو أن يحج أو يعتمر ماشيًا .. فالأظهر: وجوب المشي) لأنه التزام جعله وصفًا؛ كما لو نذر أن يصلي قائمًا، وأن يصوم متتابعًا، والثاني: لا يلزمه؛ لأنه لم يجب في جنسه شيء في الشرع، ولا يجب بالنذر.
والخلاف مبني على أن الحج راكبًا أفضل أو ماشيًا؟ وفيه قولان: أظهرهما عند المصنف: أفضلية الركوب؛ اقتداءً به صلى الله عليه وسلم 123. والثاني: أفضلية المشي؛ لزيادة المشقة، وفي الصحيح: أنه عليه الصلاة

الجزء: 4 - الصفحة: 430

فَإِنْ كَانَ قَالَ: (أَحُجُّ مَاشِيًا) .. فَمِنْ حَيْثُ يُحْرِمُ، وَإِنْ قَالَ: (أَمْشِي إِلَى بَيْتِ اللهِ تَعَالَى) .. فَمِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فِي الأَصَحِّ،

والسلام قال لعائشة: "أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ" 124، وصححه الرافعي 125. إذا عرف هذا .. فما صححه المصنف من وجوب المشي واضح على تفضيله على الركوب، أما على ما رجحه هو من أفضلية الركوب .. فلا يجب المشي، وهو ما اقتضى كلام "الروضة" في (النوع الثاني من أنواع النذر): ترجيحه، لكنه قال في الكلام على المسألة هنا من "الروضة" بعد موافقته للرافعي على لزوم المشي: الصواب: أن الركوب أفضل وإن كان الأظهر: لزوم المشي بالنذر؛ لأنه مقصود، والله أعلم.
انتهى 126. واعترض: بأنه كيف يكون مقصودًا مع كونه مفضولًا؟ ! ولئن سلم كونه مقصودًا .. فلا يمتنع العدول إلى الأعلى؛ كما في زكاة الفطر، وكما لو نذر الصلاة قاعدًا، فصلى قائمًا.
وإذا أوجبنا المشي .. ففي نهايته طريقان: أصحهما: حتى يتحلل التحللين، وقيل: له الركوب بعد التحلل الأول.
(فإن كان قال: "أحج ماشيًا" .. فمن حيث يحرم) لأنه التزم المشي في الحج، وابتداء الحج من وقت الإحرام، قال في "الروضة": سواء أحرم في الميقات أو قبله 127. (وإن قال: "أمشي إلى بيت الله تعالى" .. فمن دويرة أهله في الأصح) لأن قضيته أن يخرج من بيته ماشيًا، والثاني: من الميقات؛ لأن المقصود الإتيان بالنسك، فيمشي من حيث يحرم.
وكان ينبغي أن يقول: (بيت الله الحرام)، وإلا .. فمطلق بيت الله لا يوجب شيئًا؛ كما سبق.

الجزء: 4 - الصفحة: 431

وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْمَشْيَ فَرَكِبَ لِعُذْرٍ .. أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ فِي الأَظْهَرِ، أَوْ بِلَا عُذْرٍ .. أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَيْهِ دَمٌ. وَمَنْ نَذَرَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً .. لَزِمَهُ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مَعْضُوبًا .. اسْتَنَابَ

(وإذا أوجبنا المشي فركب لعذر .. أجزأه) حجه عن نذره؛ لما في "الصحيحين": أنه عليه الصلاة والسلام رأى رجلًا يهادى بين اثنين، فسأل عنه، فقالوا: نذر أن يحج ماشيًا، فقال: "إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ"، وأمره أن يركب 128. (وعليه دم في الأظهر) لأنه عليه الصلاة والسلام أمر أخت عقبة بن عامر أن تركب وتهدي هديًا، رواه أبو داوود بإسناد على شرط البخاري 129، والثاني: لا دم عليه؛ كما لو نذر الصلاة قائمًا فصلى قاعدًا؛ للعجز.
وفرق الأول: بأن الصلاة لا تجبر بالمال، بخلاف الحج، والدم شاة تجزئ في الأضحية على الأظهر.
والمراد بالعذر كما تفقهه المصنف: أن تلحقه مشقة ظاهرة؛ كما قالوه في العجز عن القيام في الصلاة، وفي العجز عن صوم رمضان بالمرض 130. واحترز بقوله: (إذا أوجبنا المشي): عما إذا لم نوجبه .. فإنه لا يجبر تركه بدم.
(أو بلا عذر .. أجزأه على المشهور) مع عصيانه؛ لإتيانه بأصل الحج ولم يبق إلا هيئته، فصار كترك الإحرام من الميقات، والثاني: لا يجزئه؛ لأنه لم يأت بما التزم.
(وعليه دم) لأنه إذا وجب مع العذر .. فبدونه أولى.
(ومن نذر حجًّا أو عمرة .. لزمه فعله بنفسه، فإن كان معضُوبًا .. استناب) كما في حجة الإسلام.

الجزء: 4 - الصفحة: 432

وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ فِي أَوَّلِ الإِمْكَانِ، فَإِنْ تَمَكَّنَ فَأَخَّرَ فَمَاتَ .. حُجَّ مِنْ مَالِهِ. وَإِنْ نَذَرَ الْحَجَّ عَامَهُ وَأَمْكَنَهُ .. لَزِمَهُ - فَإِنْ مَنَعَهُ مَرَضٌ .. وَجَبَ الْقَضَاءُ، أَوْ عَدُوٌّ .. فَلَا فِي الأَظْهَرِ - أَوْ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا فِي وَقْتٍ فَمَنَعَهُ مَرَضٌ أَوْ عَدُوٌّ .. وَجَبَ الْقَضَاءُ،

(ويستحب تعجيله في أول الإمكان) مبادرة لبراءة الذمة، (فإن تمكن فأخر فمات .. حُجَّ من ماله) كحجة الإسلام.
(وإن نذر الحج عامه وأمكنه .. لزمه) في ذلك العام تفريعًا على الصحيح في تعيين الزمان في العبادات؛ كالصوم.
واحترز بقوله: (وأمكنه): عمّا إذا نذر حج السنة ولا زمان يسع الإتيان .. فإنه لا ينعقد نذره على الأصح؛ لتعذر اللزوم.
وقيل: ينعقد ويقضي في سنة أخرى، وهذا فيمن حجّ، فإن لم يكن .. فإنه يقدم حجة الإسلام، ولو قدّم حجة النذر .. وقعت عن حجة الإسلام، صرح به الصَّيْمري هنا، والأصحاب في (باب الحج).
(فإن منعه مرض .. وجب القضاء) كما لو نذر صوم سنة معينة فأفطر فيها بعذر المرض .. فإنه يقضي، هذا إذا منعه بعد الإحرام، أمّا قبله؛ بأن مرض قبل خروج الناس ولم يتمكن من الخروج معهم .. فلا قضاء، كما لا تستقر حجة الإسلام في هذه الحالة، كذا نقلاه عن المتولي، وأقراه 131. والنسيان وخطأ الطريق والضلال فيه كالمرض.
(أو عدو) أو سلطان أو رب الدين ولم يمكنه الوفاء حتى مضى إمكان الحج تلك السنة ( .. فلا) يلزمه القضاء (في الأظهر) لمكان العذر، والثاني: يلزمه؛ كما لو منعه المرض.
(أو صلاةً أو صومًا في وقت فمنعه مرض أو عدو .. وجب القضاء) بخلاف الحج؛ لأن الواجب بالنذر كالواجب بالشرع، وقد يجب الصوم والصلاة مع العجز، فلزما بالنذر، والحج لا يجب إلا عند الاستطاعة، فكذلك حكم النذر.

الجزء: 4 - الصفحة: 433

أَوْ هَدْيًا .. لَزِمَهُ حَمْلُهُ إِلَى مَكَّةَ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى مَنْ بِهَا، أَوِ التَّصَدُّقَ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ مُعَيَّنٍ .. لَزِمَهُ، أَوْ صَوْمًا فِي بَلَدٍ .. لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَكَذَا صَلَاةٌ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ،

وتعبيره بـ (القضاء) قد يقتضي تعين الصوم والصلاة في الوقت المعين بالنذر، وهو ما صححه في "أصل الروضة" في الصوم، ثم قال: إن الخلاف جارٍ في الصلاة أيضًا، لكنه في (باب الاعتكاف) جزم بعدم التعيين تبعًا للرافعي، قال في "المهمات": والتعيين هو الصواب المفتى به؛ فقد نص عليه في "البويطي" 132. ويستثنى من الصلاة: ما إذا نذر فعلها في أوقات النهي في غير حرم مكة إذا فرعنا على الأصح أنها لا تنعقد.
(أو هدْيًا) معينًا ( .. لزمه حمله إلى مكة) لأنها محل الهدي، قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، (والتصدق به على من بها) وإن كان غريبًا، وإذا أطلق الهدي .. حمل على ما يجزئ في الأضحية على الأصح.
(أو التصدق على أهل بلد معين .. لزمه) وفاء بالملتزم.
نعم؛ إن تمحض أهل البلد كفارًا .. لم يلزم؛ لأن النذر لا يصرف لأهل الذمة، قاله الأَذْرَعي.
(أو صومًا في بلد .. لم يتعين) ذلك البلد، فيلزمه الصوم، ويصوم حيث شاء، وقيل: إن عيّن مكة .. تعينت؛ لأن الحرم يختص بأشياء، وقد روى ابن ماجه: "مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ بِمَكَّةَ فَصَامَ وَقَامَ فِيهِ مَا تَيَسَّرَ .. كُتِبَ لَهُ بِمِئَةِ أَلْفِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِيمَا سِوَاهُ" 133. (وكذا صلاة) أي: إذا نذرها في بلد أو مسجد لا يتعين؛ لاستواء البقاع والمساجد (إلا المسجد الحرام) فيتعين بالنذر؛ لعظم فضله، وتعلق النسك به، وصحّ أن الصلاة فيه بمئة ألف 134. والمراد بـ (المسجد الحرام): جميع الحرم؛ فإنّ حرم مكة كمسجدها في

الجزء: 4 - الصفحة: 434

وَفِي قَوْلٍ: وَمَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَالأَقْصَى. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: تَعَيُّنُهُمَا كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. أَوْ صَوْمًا مُطْلَقًا .. فَيَوْمٌ، أَوْ أَيَّامًا .. فَثَلَاثَةٌ، أَوْ صَدَقَةً .. فَبِمَا كَانَ، أَوْ صَلَاةً .. فَرَكْعَتَانِ، وَفِي قَوْلٍ: رَكْعَةٌ، فَعَلَى الأَوَّلِ: يَجِبُ الْقِيَامُ فِيهِمَا مَعَ الْقُدْرَةِ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا. أَوْ عِتْقًا .. فَعَلَى الأَوَّلِ: رَقَبَةُ كَفَّارَةٍ، وَعَلَى الثَّانِي: رَقَبَةٌ. قُلْتُ: الثَّانِي هُنَا أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

المضاعفة؛ كما جزم به الماوردي، وتبعه المصنف في "مناسكه".
(وفي قول: ومسجد المدينة والأقصى) لمشاركتهما له في الفضل، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ" 135، (قلت: الأظهر: تعيّنهما، كالمسجد الحرام، والله أعلم) لما ذكرناه، وهذا ما نص عليه في "البويطي"، وقطع به المراوزة، ووجه مقابله: أنهما لا يقصدان بالنسك، فأشبها سائر المساجد، وعلى التعين يقوم المسجد الحرام مقامهما، ومسجد المدينة مقام الأقصى، ولا عكس على الأصح في "الروضة" 136. (أو صومًا مطلقًا) أي: بلا ذكر عدد لفظًا ولا نية ( .. فيومٌ) لأن الصوم اسم جنس يقع على القليل والكثير، والصوم الشرعي لا يكون في أقل منه، (أو أيامًا .. فثلاثة) لأنها أقل الجمع (أو صدقة فبما كان) ولو دون دانق مما يتمول؛ لإطلاق الاسم.
(أو صلاة .. فركعتان) حملًا على أقل واجب الشرع (وفي قول: ركعة) حملًا على أقل جائزه (فعلى الأول: يجب القيام فيهما مع القدرة) لأنا ألحقناه بواجب الشرع (وعلى الثاني: لا) إلحاقًا بجائزه.
(أو عتقًا .. فعلى الأول: رقبةُ كفّارة) حملًا على الرقبة الواجبة شرعًا (وعلى الثاني: رقبة) ولو معيبة وكافرة؛ لصدق الاسم؛ حملًا له على الجائز، (قلت: الثاني هنا أظهر، والله أعلم) لأن الأصل براءة الذمة، فاكتفى بما يقع عليه الاسم.
والفرق بينه وبين الصلاة: أن العتق من باب الغرامات التي يشق إخراجها، فكان

الجزء: 4 - الصفحة: 435

أَوْ عِتْقَ كَافِرَةٍ مَعِيبَةٍ .. أَجْزَأَهُ كَامِلَةٌ، فَإِنْ عَيَّنَ نَاقِصَةً .. تَعَيَّنَتْ، أَوْ صَلَاةً قَائِمًا .. لَمْ تَجُزْ قَاعِدًا، بِخِلَافِ عَكْسِهِ، أَوْ طُولَ قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ، أَوْ سُورَةً مُعَيَّنَةً، أَوِ الْجَمَاعَةَ .. لَزِمَهُ. وَالصَّحِيحُ: انْعِقَادُ النَّذْرِ بِكُلِّ قُرْبَةٍ لَا تَجِبُ ابْتِدَاءً؛ كَعِيَادَةٍ، وَتَشْيِيعِ جَنَازَةٍ، وَالسَّلَامِ.

عند الإطلاق لا يلزمه إلا ما هو أقل ضررًا، بخلاف الصلاة.
(أو عتق كافرة معيبة .. أجزأه كاملة) لإتيانه بما هو الأفضل، (فإن عيّن ناقصة) كقوله: (لله علي أن أعتق هذا العبد الكافر)، أو (هذا المعيب) ( .. تعينت) لتعلق النذر بعينه ولو كان المبذول أشرف.
(أو صلاة قائمًا .. لم تجز قاعدًا) لأنه دون ما التزم (بخلاف عكسه) وهو ما إذا نذر الصلاة قاعدًا .. فإنه يجوز أن يصليها قائمًا؛ لإتيانه بما هو أفضل.
وكلامه يفهم: أن له القعود أيضًا، وقالا في "الشرح الصغير" و"الروضة": إنه لا خلاف فيه 137، لكن ذكرا بعدُ عن الإمام عن الأصحاب: أنه لو قال: (لله علي أن أصلي كذا قاعدًا) .. لزمه القيام عند القدرة إذا حمل المنذور على واجب الشرع، واستشكله الإمام على ما لو نذر ركعة واحدة .. فإنه لا يلزمه غيرها، وفرق ابن الصلاح: بأن القعود صفة قصدها بالنذر، ولا قربة فيها فلغت الصفة، وبقي قوله: (أصلي)، بخلاف (ركعة) فإنها قربة في نفسها 138. ومحل ما ذكره المصنف: في صلاة منذورة، فلو نذر أن يصلي النفل قائمًا .. لم ينعقد على المرجح، لأن فيه إبطال الرخصة، والصوم في السفر كذلك.
(أو طول قراءة الصلاة، أو سورة معينة) بقراءتها في صلاته (أو الجماعة .. لزمه) لأن ذلك طاعة (والصحيح: انعقاد النذر بكل قربة لا تجب ابتداءً؛ كعيادة، وتشييع جنازة، والسلام) على غيره أو على نفسه عند دخول بيت خال؛ لأن الشارع رغب فيها، والعبد يتقرب بها، فهي كالعبادات، والثاني: المنع؛ لأنها ليست على أوضاع العبادات.


الجزء: 4 - الصفحة: 436

كتابُ القضاء هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ،

﴿كتاب القضاء﴾ هو بالمد: الولاية المعروفة، وجمعه أقضية؛ كغطاء وأغطية.
وهو في اللغة: إحكام الشيء، وفراغه، ويرد لمعان.
والأصل فيه من الكتاب: آيات؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
ومن السنة: ما لا يحصى كثرة؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ .. فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ .. فَلَهُ أَجْرٌ" متفق عليه 139. وقال في "شرح مسلم": أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم؛ إن أصاب .. فله أجران باجتهاده وإصابته، وإن أخطأ .. فله أجر باجتهاده في طلب الحق، أما من ليس بأهل للحكم .. فلا يحل له أن يحكم، وإن حكم .. فلا أجر له، بل هو آثم، ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا؛ لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي، فهو عاص في جميع أحكامه، سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يعذر في شيء من ذلك 140. (هو فرض كفاية) بالإجماع؛ كما قاله الرافعي 141، بل هو أسنى من فروض الكفايات، وأعلى مراتب الولايات، حتى قال الغزالي: إنه أفضل من الجهاد؛ لأن القضاء حفظ للموجود، والجهاد ازدياد بتحصيل مفقود 142. والمراد: قبول توليته، أما تقليده من الإمام .. فهو فرض عين؛ كما قاله

الجزء: 4 - الصفحة: 437

فَإِنْ تَعَيَّنَ .. لَزِمَهُ طَلَبُهُ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَصْلَحَ وَكَانَ يَتَوَلَّاهُ .. فَلِلْمَفْضُولِ الْقَبُولُ, وَقِيلَ: لَا. وَيُكْرَهُ طَلَبُهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ .. فَلَهُ الْقَبُولُ

الماوردي والروياني، لدخوله في عموم ولايته، ولا يصح إلا من جهته 143. (فإن تعين) إنسان للقضاء ( .. لزمه طلبه) إن لم يعرض عليه؛ كسائر فروض الكفايات إذا تعينت، ويلزمه بذل المال في تحصيله إن احتاج إليه، ولا يعذر بالخوف على نفسه مثلًا أو خيانة بل عليه أن يتولى ويحترز، فإن عرض عليه .. لزمه القبول جزمًا، فإن امتنع .. عصى، وللإمام جبره على الأصح.
(وإلا) أي: وإن لم يتعين عليه (فإن كان غيره أصلح وكان يتولاه .. فللمفضول القبول) إذا بذل له من غير طلب، (وقيل: لا) هذا الخلاف رتبه الرافعي على أن الإمامة العظمى هل تنعقد للمفضول مع وجود الفاضل؟ والأصح: الانعقاد؛ لأن تلك الزيادة خارجة عن حدّ الإمامة، والقضاء أولى بالجواز، لإمكان التدارك فيه بنظر من فوقه من الولاة، بخلاف الإمام 144. وأشار بقوله: (وكان يتولاه) إلى تخصيص الخلاف به، فلو لم يرض .. فكالعدم.
(ويكره طلبه) لوجود من هو أولى منه، (وقيل: يحرم) ومحل الخلاف: إذا جوزنا ولاية المفضول، فإن لم نجوزها .. حرم عليه الطلب، والقبول جزمًا، وإذا حرم عليه ذلك .. حرمت توليته، كذا جزما به، وحكى القاضي الحسين خلافًا في تحريمها حينئذ، واستشكله الإمام: بأنه إذا كان النصب جائزًا .. فكيف يحرم طلب الجائز؟ ! 145 (وإن كان مثله) وسئل بلا طلب ( .. فله القبول) ولا يلزمه على الأصح، لأنه قد يقوم به غيره.

الجزء: 4 - الصفحة: 438

وَيُنْدَبُ الطَّلَبُ إِنْ كَانَ خَامِلًا يَرْجُو بِهِ نَشْرَ الْعِلْمِ أَوْ مُحْتَاجًا إِلَى الرِّزْقِ، وَإِلَّا .. فَالأَوْلَى تَرْكُهُ. قُلْتُ: وَيُكْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالاعْتِبَارُ فِي التَّعْيِينِ وَعَدَمِهِ بِالنَّاحِيَةِ. وَشَرْطُ الْقَاضِي: مُسْلِمٌ، مُكَلَّفٌ، حُرٌّ، ذَكَرٌ، عَدْلٌ، سَمِيعٌ،

(ويندب الطلب إن كان خاملًا) أي: غير مشهور بين الناس (يرجو به نشر العلم أو محتاجًا إلى الرزق) مع الشهرة، وإذا ولّي .. حصلت له كفاية من بيت المال؛ لحصول المنفعة بعلمه في الأولى، وأما في الثانية .. فلأنه يكسب كفايته بسبب هو طاعة؛ لما في العدل من جزيل الثواب.
(وإلا) أي: وإن كان شهيرًا بالعلم مكفيًّا بالرزق ( .. فالأولى: تركه) أي: الطلب والقبول؛ لما فيه من الخطر من غير حاجة.
(قلت: ويكره) الطلب والقبول إذا قلّد بلا طلب (على الصحيح، والله أعلم) وعلى ذلك حمل امتناع السلف، وهذا ما صححه الرافعي في "شرحيه" 146. (والاعتبار في التعيين وعدمه بالناحية) قال الرافعي: وقضيته: ألّا يجب على من يصلح للقضاء طلبه ببلد آخر لا صالح فيها، ولا قبوله إذا ولي، ويجوز أن يفرق بينه وبين القيام بسائر فروض الكفايات المحوجة إلى السفر؛ كالجهاد وتعلّم العلم ونحوهما: بأنه يمكن القيام بتلك الأمور والعود إلى الوطن، وعمل القضاء لا غاية له، فالانتقال له هجرة، وترك الوطن بالكلية تعذيب.
انتهى 147. قال الإمام والغزالي: ويجب أن يكون في القرى من القضاة عدد بحيث لا يكون بين القاضيين مسافة العدوى.
(وشرط القاضي: مسلم) ولو على كافر؛ لأن القصد به فصل الأحكام، والكافر جاهل بها أو متهم على الدين، (مكلف) فلا يولى صبي ومجنون؛ لنقصهما، (حرٌّ) فلا يولى رقيق ولو مبعضًا؛ لنقصه أيضًا، (ذكر) فلا تولى امرأة؛ لنقصها، ولاحتياج القاضي لمخالطة الرجال، وهي مأمورة بالتخدر، والخنثى في ذلك كالمرأة، (عدل) فلا يولى فاسق؛ لعدم الوثوق بقوله، (سميع) فلا يولى أصم

الجزء: 4 - الصفحة: 439

بَصِيرٌ، نَاطِقٌ، كَافٍ، مُجْتَهِدٌ، وَهُوَ: أَنْ يَعْرِفَ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَحْكَامِ، وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ، وَمُجْمَلَهُ وَمُبَيَّنَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَمُتَوَاتِرَ السُّنَّةِ وَغَيْرَهُ، وَالْمُتَّصِلَ وَالْمُرْسَلَ، وَحَالَ الرُّوَاةِ قُوَّةً وَضَعْفًا،

لا يسمع أصلًا؛ لأنه لا يفرق بين إقرار وإنكار، (بصير) لأن الأعمى لا يعرف الطالب من المطلوب، وفي معنى الأعمى: من يرى الأشباح ولا يعرف الصور.
نعم؛ لو كانت إذا قربت منه عرفها .. صح، فلو كان يبصر نهارًا فقط .. جاز توليته، أو ليلًا فقط .. قال الأَذْرَعي: ينبغي منعه.
(ناطق) فلا يصح من الأخرس وإن فهمت إشارته؛ لعجزه عن تنفيذ الأحكام، (كاف) أي: ناهض ذو فطنة؛ فلا يولى مغفل، ومن اختل نظره بكبر ونحوه، (مجتهد) فلا يولى جاهل بالأحكام الشرعية، ولا مقلد، وهو: من حفظ مذهب إمامه، لكنه غير عارف بغوامضه، وقاصر عن تقرير أدلته؛ لأنه لا يصلح للفتوى، فالقضاء أولى.
(وهو) أي: المجتهد (أن يعرف من القرآن والسنة ما يتعلق بالأحكام) لا جميعهما، وآي الأحكام خمس مئة آية؛ كما ذكره الماوردي وغيره، قال الغزالي: ولا حاجة لتتبع الأحاديث على تفرقها وانتشارها، بل يكفي أن يكون له أصل مصحح وقعت العناية به بجمع أحاديث الأحكام؛ كسنن أبي داوود، ويكفي أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه إذا احتاج إلى العمل بذلك الباب 148. (وخاصه وعامه) والعام الذي أريد به الخصوص وعكسه، ومقيده ومطلقه، (ومجمله ومبيَّنه، وناسخه ومنسوخه، ومتواتر السُّنة وغيره) وهو الآحاد؛ لأن به يتمكن من الترجيح عند تعارض الأدلة، فيقدم الخاص على العام، والمقيد على المطلق، والمبيّن على المجمل، والناسخ على المنسوخ، والمتواتر على الآحاد.
قال ابن برهان: ويشترط أن يعرف أسباب النزول.
(والمتصل والمرسل، وحال الرواة قوة وضعفًا) لأن بذلك يتوصل إلى تقرير الأحكام.

الجزء: 4 - الصفحة: 440

وَلِسَانَ الْعَرَبِ لُغَةً وَنَحْوًا, وَأَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إِجْمَاعًا وَاخْتِلَافًا، وَالْقِيَاسَ بِأَنْوَاعِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ جَمْعُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَوَلَّى سُلْطَانٌ لَهُ شَوْكَةٌ فَاسِقًا أَوْ مُقَلِّدًا .. نَفَذَ قَضَاؤُهُ لِلضَّرُورَةِ،

(ولسان العرب لغة ونحوًا) لأن الشرع ورد بالعربية، وبهذا يعرف عموم اللفظ وخصوصه، وإطلاقه وتقييده، وإجماله وبيانه، فيعرف ما لا بدّ منه من فهم الكتاب والسنة.
(وأقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم إجماعًا واختلافًا) لئلا يقع في حكم أجمعوا على خلافه.
(والقياس بأنواعه) أي: جليِّه وخفيِّه، صحيحه وفاسده، قال القاضي أبو الطيب: ولا يشترط أن يكون في كل نوع من هذه مُبرِزًا حتى يكون في النحو كسيبويه، وفي اللغة كالخليل، بل المعتبر ما يتوصل به إلى معرفة الحكم، وحكاه ابن الصباغ عن الأصحاب، وقال: إن هذا سهل على متعلمه هذا الزمان؛ فإن العلوم دُوِّنت وجمعت.
(فإن تعذر جمع هذه الشروط فولّى سلطان له شوكةٌ فاسقًا أو مقلِّدًا .. نفذ قضاؤه للضرورة) كيلا تتعطل مصالح الناس؛ كما ينفذ قضاء قاضي البغاة لمثل هذه الضرورة، كذا قاله في "الوسيط"، واستحسنه الرافعي، وجزم به في "المحرر"، ووافق ابن عبد السلام على ما قاله الغزالي؛ إذ لا بدّ للناس من قضاة، قال: لكن يجب تولية الأمثل فالأمثل 149. وقال ابن الرفعة: كلام صاحب "الكافي" دالّ على تردد فيه إذا كان ثَمّ من يصلح، فإن لم يكن .. فلا وجه إلا لتنفيذ حكمه.
وقال ابن الصلاح وابن أبي الدم وابن شداد: لا نعلم أحدًا ذكر ما ذكره الغزالي، والذي قطع به العراقيون والمراوزة: أن الفاسق لا تنفذ أحكامه 150.

الجزء: 4 - الصفحة: 441

وَيُنْدَبُ لِلإِمَامِ إِذَا وَلَّى قَاضِيًا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الاسْتِخْلَافِ، فَإِنْ نَهَاهُ .. لَمْ يَسْتَخْلِفْ، فَإِنْ أَطْلَقَ .. اسْتَخْلَفَ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَا غَيْرِهِ فِي الأَصَحِّ. وَشَرْطُ الْمُسْتَخْلَفِ كَالْقَاضِي، إِلَّا أَنْ يَسْتَخْلِفَهُ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ - كَسَمَاعِ: بَيِّنَةٍ - فَيَكْفِي عِلْمُهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَيَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ أَوِ اجْتِهَادِ مُقَلَّدِهِ إِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ خِلَافَهُ

واعترضه الزركشي: بأن الدارمي في "الاستذكار" قد جزم بما قاله الغزالي، ونقله الجاجَرْمي في "الإيضاح" عن الإمام.
(ويندب للإمام إذا ولّى قاضيًا أن يأذن له في الاستخلاف) لما فيه من الإعانة على فصل الخصومات، ويتأكد ذلك عند اتساع الخطة.
(فإن نهاه .. لم يستخلف) لأنه لم يرض بنظر غيره، فإن كان ما فوض إليه أكثر مما يمكنه القيام به .. فيقتصر على الممكن، ويترك الاستخلاف على الأرجح في "الروضة" 151. (فإن أطلق) التولية ( .. استخلف فيما لا يقدر عليه لا غيره في الأصح) لأن قرينة الحال تقتضي ذلك، والثاني: يستخلف في الكل، كالإمام.
نعم؛ لو أمكنه القيام بما تولاه كقضاء بلدة صغيرة .. فليس له الاستخلاف في الأصح؛ لأن الإمام لم يرض بنظر غيره.
وظاهر كلامه: أن هذا في توليته القضاء، فلو جعل لرجل التزويج والنظر في أمر اليتامى .. لم يكن له الاستخلاف فيه، وبه صرح القاضي شريح والروياني في (أدب القضاء).
(وشرط المستخلف كالقاضي) لأنه قاض (إلا أن يستخلفه في أمر خاص كسماع بينة، فيكفي علمه بما يتعلق به) من شرائط البينة، ولا يشترط فيه رتبة الاجتهاد.
(ويحكم) الخليفة (باجتهاده) إن كان مجتهدًا (أو اجتهاد مقلَّده) بفتح اللام (إن كان مقلِّدًا، ولا يجوز أن يشترط عليه خلافه) لقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ والحق: ما دل عليه الدليل عند المجتهد، فلا يجوز أن يحكم بغيره، والمقلِّد ملحق بمن يقلده، فلذلك أجرى عليه حكمه، فلو شرط المستخلف على خليفته أن يخالف

الجزء: 4 - الصفحة: 442

وَلَوْ حَكَّمَ خَصْمَانِ رَجُلًا فِي غَيْرِ حَدٍّ للهِ تَعَالَى .. جَازَ مُطْلَقًا بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ: بِشَرْطِ عَدَمِ قَاضٍ بِالْبَلَدِ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِمَالٍ دُونَ قِصَاصٍ وَنِكَاحٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ إِلَّا عَلَى رَاضٍ بِهِ، فَلَا يَكْفِي رِضَا قَاتِلٍ فِي ضَرْبِ دِيَةٍ عَلَى عَاقِلَتِهِ،

اجتهاده أو اجتهاد مقلَّده - بفتح اللام - ويحكم باجتهاد المستخلف .. لم يجز، وهذا كله مبني على جواز استخلاف المخالف في المذهب؛ كالشافعي للحنفي وعكسه، وهو المعروف في المذهب.
(ولو حكّم خصمان رجلًا في غير حدٍّ لله تعالى .. جاز مطلقًا بشرط أهلية القضاء) لأنه وقع لجمع من الصحابة ولم ينكره أحد.
واحترز بقوله: (في غير حدّ لله تعالى): عن حدوده؛ فلا تحكيم فيها؛ إذ ليس لها طالب معين، وهذا الاستثناء من زياداته على "المحرر" 152، وبقوله: (بشرط أهلية القضاء): عما إذا كان غير أهل .. فلا ينفذ قطعًا.
وقوله: (مطلقًا) أي: سواء كان هناك قاض أم لم يكن، وسواء كان المحكم فيه قصاصًا أم نكاحًا أم غيرهما ممّا سيأتي.
(وفي قول: لا يجوز) لما فيه من الافتيات على الإمام، (وقيل: بشرط عدم قاض بالبلد) أي: محل القولين إذا لم يكن في البلد قاض؛ لأنه حال ضرورة حينئذ، فإن كان .. لم يجز، وقيل: محلهما: إذا كان قاض، وإلا .. فيجوز قطعًا.
(وقيل: يختص بمال) لأنه أخف (دون قصاص ونكاح ونحوهما) كلعان وحدِّ قذف؛ لخطر أمرها فتناط بنظر القاضي، والأصح: عدم الاختصاص، لأن من صحّ حكمه في المال .. صحّ في غيره؛ كالمولّى من جهة الإمام.
(ولا ينفذ حكمه إلا على راض به) في ابتداء التحكيم؛ لأنه المثبت للولاية، فلا بدّ من تقدمه، (فلا يكفي رضا قاتل في ضرب دية على عاقلته) بل لا بدّ من رضا العاقلة؛ لأنهم لا يؤاخذون بإقرار الجاني، فكيف يؤاخذون برضاه؟ !

الجزء: 4 - الصفحة: 443

فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ .. امْتَنَعَ الْحُكْمُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الرِّضَا بَعْدَ الْحُكْمِ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوُ نَصَبَ قَاضِيَيْنِ بِبَلَدٍ وَخَصَّ كُلًّا بِمَكَانٍ أَوْ زَمَنٍ أَوْ نَوْعٍ .. جَازَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَخُصَّ فِي الأَصَحِّ، إِلَّا أَنْ يَشْرِطَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى الْحُكْمِ.

(فإن رجع أحدهما قبل الحكم) ولو بعد إقامة البينة ( .. امتنع الحكم) لعدم استمرار الرضا.
(ولا يشترط الرضا بعد الحكم في الأظهر) كحكم المولّى من جهة الإمام، والثاني: يشترط؛ لأن رضاهما معتبر في الحكم، فكذا في لزومه.
(ولو نصب) الإمام (قاضيين ببلد وخص كلًّا بمكان أو زمن أو نوع) كأن جعل أحدهما يحكم في الأموال، والآخر في الدم والفروج ( .. جاز) لعدم المنازعة بينهما، قال ابن كج: وكذا لو ولاهما على أن يحكم كل واحد منهما في الواقعة التي يرفعها المتخاصمان إليه.
(وكذا إن لم يخصّ في الأصح) كنصب الوكيلين والوصيين، والثاني: لا يجوز؛ كالإمامة العظمى.
وشمل كلامه: ما إذا نص على التعميم في المكان والزمان، وما إذا أطلق من غير شرط اجتماع ولا استقلال، وهو الأصح في "زيادة الروضة" تنزيلًا للمطلق على ما يجوز 153، وقيل: تبطل التولية عند الإطلاق.
(إلا أن يشرط اجتماعهما على الحكم) فلا يجوز قطعًا؛ لاختلاف الاجتهاد في الغالب، والتقليد ممتنع، فيؤدي إلى استمرار الخصومة، والحكم المذكور جارٍ في أكثر من قاضيين بشرط أن يقلّ عددهم، فإن كثر .. لم يصح قطعًا، قاله الماوردي والروياني، ولم يحدا القلة والكثرة بشيء 154. قال في "المطلب": ويجوز أن يناط ذلك بقدر الحاجة.


الجزء: 4 - الصفحة: 444

فصلٌ [فيما يقتضي انعزال القاضي أو عزله وما يذكر معه]

جُنَّ قَاضٍ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَوْ عَمِيَ، أَوْ ذَهَبَتْ أَهْلِيَّةُ اجْتِهَادِهِ وَضَبْطِهِ بِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ .. لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ، وَكَذَا لَوْ فُسِّقَ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ زَالَتْ هَذِهِ الأَحْوَالُ .. لَمْ تَعُدْ وِلَايَتُهُ فِي الأَصَحِّ. وَلِلإِمَامِ عَزْلُ قَاضٍ ظَهَرَ مِنْهُ خَلَلٌ، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ وَهُنَاكَ أَفْضَلُ مِنْهُ أَوْ مِثْلُهُ وَفِي عَزْلِهِ بِهِ مَصْلَحَةٌ كَتَسْكِينِ فِتْنَةٍ، وَإِلَّا .. فَلَا، لَكِنْ يَنْفُذُ الْعَزْلُ فِي الأَصَحِّ،

(فصل: جن قاضٍ، أو أغمي عليه، أو عمي، أو ذهبت أهلية اجتهاده وضبطه بغفلة أو نسيان .. لم ينفذ حكمه) لانعزاله بذلك؛ لأن هذه الأمور تمنع ولاية الأب، فالحاكم أولى، وفي معنى العمى: الخرس.
(وكذا لو فسّق في الأصح) لوجود المنافي، والثاني: ينفذ؛ كالإمام.

قال الزركشي: والوجهان إذا قلنا: إنه لا ينعزل بالفسق، فأما إذا قلنا: ينعزل بالفسق .. لم ينفذ قطعًا، ذكره الإمام في (كتاب النكاح)، وهو حسن صحيح، وبه يزول محذور التكرار في كلام المصنف؛ فإنه ذكر المسألة في

(باب الوصية) لكن بالنسبة للانعزال لا لنفوذ الحكم، وكلام الرافعي هنا يوهم اتحادهما. انتهى.

(فإن زالت هذه الأحوال .. لم تعُد ولايته في الأصح) إلا بالاستئناف؛ لأنها زالت فلا تعود إلا بولاية جديدة؛ كالوكالة، والثاني: تعود؛ كالأب إذا جن ثم أفاق، أو فسق ثم تاب.
(وللإمام عزل قاضٍ ظهر منه خلل) لما فيه من الاحتياط، ويكفي غلبة الظن، ومن الظن: كثرة الشكاوي منه، (أو لم يظهر) خلل (وهناك أفضل منه) تحصيلًا لتلك المزية للمسلمين (أو مثله) أو دونه، (وفي عزله به مصلحة؛ كتسكين فتنة) لما فيه من المصلحة للمسلمين، (وإلا) أي: إذا لم تكن مصلحة ( .. فلا) يجوز عزله به؛ لأنه عنت، وتصرُّف الإمام يصان عنه.
(لكن ينفذ العزل في الأصح) لطاعة السلطان، والثاني: لا؛ لأنه لا خلل في الأول ولا مصلحة في عزله، أما إذا لم يكن ثَمّ من يصلح للقضاء غيره .. فإنه ليس له

الجزء: 4 - الصفحة: 445

وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ بُلُوغِهِ خَبَرَ عَزْلِهِ. وَإِذَا كَتَبَ الإِمَامُ إِلَيْهِ: (إِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي .. فَأَنْتَ مَعْزُولٌ)، فَقَرَأَهُ .. انْعَزَلَ، وَكَذَا إِنْ قُرِئَ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ، وَيَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَانْعِزَالِهِ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي شُغْلٍ مُعَيَّنٍ كَبَيْعِ مَالِ مَيْتٍ، وَالأَصَحُّ: انْعِزَالُ نَائِبِهِ الْمُطْلَقِ إِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي اسْتِخْلَافٍ,

عزله، ولو عزله .. لم ينعزل.
(والمذهب: أنه لا ينعزل قبل بلوغه خبر عزله) قطعًا؛ لعظم الضرر في نقض أقضيته بعد العزل وقبل بلوغ الخبر، والطريق الثاني: حكاية قولين؛ كالوكيل، وقد تقدم الفرق في (باب الوكالة).
(وإذا كتب الإمام إليه: "إذا قرأت كتابي .. فأنت معزول"، فقرأه .. انعزل) لوجود الصفة، وكذا لو طالعه وفهم ما فيه ولم يتلفظ، (وكذا إن قرئ عليه في الأصح) لأن القصد إعلامه بالعزل لا قراءته بنفسه، والثاني: لا ينعزل، وهو المصحح في نظيره من الطلاق.
وفرق الأول: بأن اللفظ مرعي في تعليق الطلاق، والمعنى مرعي هنا؛ فإنه لا يقصد في العرف قراءته بنفسه؛ إذ لا معنى له، وإن راعى غير الإعلام .. فهو عابث لا أثر لقصده، كذا حكاه الإمام عن الصَّيْدَلاني واستحسنه 155، وأوضحه غيره: بأن العادة في الحكام أن تقرأ عليهم المكاتيب، والمقصود إعلامه بالحال، وليس المراد تعليق العزل؛ لأن العزل لا يجوز تعليقه، فلم يبق إلا مجرد العلم بالعزل وهو حاصل بقراءة غيره عليه، وأما الطلاق فيقبل التعليق، وإنما يتحقق وقوعه بوجود الصفة، قال في "المهمات": والصواب: التسوية بين البابين، وعدم الاكتفاء بها 156. (وينعزل بموته وانعزاله من أُذن له في شغل معين؛ كبيع مال ميت) أو غائب، وسماع شهادة في حادثة معينة؛ كالوكيل.
(والأصح: انعزال نائبه المطلق إن لم يؤذن له في استخلاف) لأن الاستخلاف في

الجزء: 4 - الصفحة: 446

أَوْ قِيلَ: (اسْتَخْلِفْ عَنْ نَفْسِكَ)، أَوْ أَطْلَقَ، فَإِنْ قَالَ: (اسْتَخْلِفْ عَنِّي) .. فَلَا. وَلَا يَنْعَزِلُ قَاضٍ بِمَوْتِ الإِمَامِ، وَلَا نَاظِرُ يَتِيمٍ وَوَقْفٍ بِمَوْتِ قَاضٍ,

هذا لحاجة المعاونة وقد زالت ولايته، فبطلت المعاونة، (أو قيل: ) له 157 ("استخلف عن نفسك"، أو أطلق) لظهور غرض المعاونة، وبطلانها ببطلان ولايته؛ (فإن قال: "استخلف عني" .. فلا) لأنه نائب عن الإمام، والأول سفير في التولية.
وإلحاقُه الإطلاق بكونه نائبًا عن الثاني حتى ينعزل .. خالفه في نظيره من الوكالة؛ فجعل الصحيح: أنه يكون نائبًا عن الأول، وقد تقدم الفرق هناك 158. ومقابل الأصح في كلام المصنف أوجه: أحدها: ينعزل مطلقًا؛ كالوكيل بموت الموكل، والثاني: لا مطلقًا؛ رعاية لمصلحة الناس، والثالث: إن كان الميت قاضي القضاة .. لم ينعزل نوابه، وإن كان قاضي ناحية .. انعزلوا لقلة الضرر، قاله الماوردي 159. (ولا ينعزل قاض بموت الإمام) ولا بانعزاله؛ لشدة الضرر في تعطيل الحوادث، وكذا لا ينعزل الولاة بذلك أيضًا.
وفرّق الماوردي بين عزل خليفة القاضي بموته، وبين عدم عزل القاضي بعزل الإمام؛ فإن الإمام يستنيب القضاة في حقوق المسلمين، فلم ينعزلوا بموته قال: وعلى هذا الفرق يجوز للقاضي عزل خليفته بغير موجب، ولا يجوز للإمام عزل القاضي بغير موجب 160. (ولا ناظرُ يتيم ووقف بموت قاض) نصبهم، وكذا بانعزاله؛ كيلا تختل المصالح؛ كالمتولي من جهة الواقف.

الجزء: 4 - الصفحة: 447

وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدَ انْعِزَالِهِ: (حَكَمْتُ بكَذَا)، فَإِنْ شَهِدَ مَعَ آخَرَ بِحُكْمِهِ .. لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ جَائِزِ الْحُكْمِ .. قُبلَتْ فِي الأَصَحِّ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ قَبْلَ عَزْلِهِ: (حَكَمْتُ بِكَذَا)، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ .. فَكَمَعْزُولٍ. وَلَوِ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى مَعْزُولٍ أَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ بِرَشْوَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَبْدَيْنِ مَثَلًا .. أُحْضِرَ وَفُصِلَتْ خُصُومَتُهُمَا، وَإِنْ قَالَ: (حَكَمَ بِعَبْدَيْنِ)، وَلَمْ يَذْكُرْ مَالًا .. أُحْضِرَ،

(ولا يقبل قوله بعد انعزاله: "حكمت بكذا") لأنه لا يملك إنشاء الحكم حينئذ، فلا يملك الإقرار به.
(فإن شهد مع آخر بحكمه .. لم يقبل على الصحيح) لأنه يشهد على فعل نفسه، والثاني: يقبل؛ كما لو شهدت المرضعة أنها أرضعت ولم تطلب أجرة.
وفرق الأول: بأن فعل الحكم مقصود، وفعل المرضعة لا اعتبار به، وإنما المعتبر وصول اللبن الجوف.
(أو بحكم حاكم جائز الحكم .. قبلت في الأصح) كما لو شهدت المرضعة برضاع محرم ولم تذكر فطمها، والثاني: المنع؛ لأنه قد يريد نفسه فيجب البيان؛ ليزول اللبس.
(ويقبل قوله قبل عزله: "حكمت بكذا") لقدرته على الإنشاء إذن، حتى لو قال على سبيل الحكم: (نساء هذه القرية طوالق من أزواجهن) .. قبل بلا حجة.
(فإن كان في غير محل ولايته .. فكمعزول) لأنه ليس له إنشاء الحكم ثَمّ، فلا يقبل إقراره به.
(ولو ادعى شخص على معزول أنه أخذ ماله برشوة أو شهادة عبدين مثلًا) وأعطاه لفلان، ومعتقده أنه لا تجوز شهادتهما ( .. أحضر وفصلت خصومتهما) لأنه يتعذر إثبات ذلك دون إحضاره، فوجب قياسًا على ما إذا ادّعى عليه غصبًا، وله أن يوكل ولا يحضر، قاله في "المطلب".
(وإن قال: "حكم بعبدين") أو فاسقين، وقال ابن الرفعة: أي: وهو يعلم ذلك، وأنه لا يجوز، وأنا أطالبه بالغرم 161، (ولم يذكر مالًا .. أحضر) ليجيب عن

الجزء: 4 - الصفحة: 448

وَقِيلَ: لَا حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ، فَإِنْ حَضَرَ وَأَنْكَرَ .. صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: بِيَمِينٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوِ ادُّعِيَ عَلَى قَاضٍ جَوْرٌ فِي حُكْمِهِ .. لَمْ تُسْمَعْ، وَتُشْتَرَطُ بَيِّنَةٌ،

دعواه؛ كما لو قال: (غصب مني مالًا)، (وقيل: لا حتى تقوم بيِّنةٌ بدعواه) لأنه كان أمين الشرع، والظاهر من أحكام القضاة: جريانها على الصحة؛ فلا يعدل عن الظاهر إلا ببينة؛ صيانة لولاة المسلمين عن البذلة.
وفارق مسألة الرشوة ونحوها؛ فإنه يسهل على المدعي إقامة البينة على الحكم؛ لأنه يقع ظاهرًا، بخلاف أخذ المال، وهذا أصح عند البغوي، قال في "المحرر": ورجحه مرجحون 162. والمراد: أن المدعي يحضر البينة ليعرف القاضي أن لدعواه صحة، ثم يحضر المعزول فيدعي عليه، وتشهد البينة في وجهه لا أنها تشهد في غيبته.
(فإن حضر) بعد البينة أو من غير بينة (وأنكر) أي: قال: لم أحكم عليه أصلًا، أو قال: لم أحكم عليه إلا بشهادة حرين عدلين ( .. صدق بلا يمين) واستحسنه في "الشرح الكبير" ورجحه في "الصغير" 163، واختاره السبكي.
وقال البُلْقيني: إنه المعتمد؛ صيانة له عن التحليف والابتذال بالمنازعات الباطلة.
وقال الزركشي: إنه الصواب، فقد نص الشافعي عليه قال: وهذا فيمن عزل مع بقاء أهليته، فأمّا من ظهر فسقه وجوره وعلمت خيانته .. فالظاهر: أنه يحلف قطعًا.
(قلت: الأصح: بيمين، والله أعلم) لأن أقصى درجات المعزول أن يكون مؤتمنًا، والمؤتمن كالمودع يحلف، ولم يفصح في "الروضة" هنا بترجيح، ورجح في "أصلها" في الباب الثالث من (كتاب الدعاوى): الأول 164. (ولو ادُّعي على قاض) حال ولايته (جورٌ في حكمه .. لم تسمع، وتشترط بينة)

الجزء: 4 - الصفحة: 449

وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بحُكْمِهِ .. حَكَمَ بَيْنَهُمَا خَلِيفَتُهُ أَوْ غَيْرُهُ.

فصلٌ [في آداب القضاء وغيرها]

لِيَكْتُبِ الإِمَامُ لِمَنْ يُوَلِّيهِ، وَيُشْهِدْ بِالْكِتَابِ شَاهِدَيْنِ يَخْرُجَانِ مَعَهُ إِلَى الْبَلَدِ يُخْبِرَانِ بِالْحَالِ،

ولا يحلف، وكذا لو ادعى على شاهد أنه شهد بالزور وأراد تغريمه؛ لأنهما أمينان شرعًا، ولو فتح باب تحليفهما .. لاشتد الأمر، ورغب الناس عن القضاء والشهادة، وقيل: يحلفان؛ كسائر الأمناء.
واشتراط المصنف البينة ينافي جزمه أولًا بعدم سماع الدعوى، وعبارة "الروضة" و"أصلها": لم يمكّن، ولا يحلف القاضي ولا تغني إلا البينة 165. والظاهر: أن مراد المصنف: أنه لا تسمع الدعوى إلا إذا كان هناك بينة؛ كما تقدم في القاضي المعزول.
(وإن لم يتعلق) دعوى الجور (بحكمه) بل ادعى عليه حقًّا يتعلق بنفسه ( .. حكم بينهما خليفته أو غيره) كآحاد الرعايا.
قال السبكي: هذا إذا كانت الدعوى مما لا يقدح فيه، ولا يوجب عزله، فإن كانت بقادح .. فالقطع بأنها لا تسمع ولا يحلف، ولا طريق حينئذ إلا البينة، ويخالف سماع الدعوى على المعزول بالغصب والإتلاف؛ لأن المتولي نائب الشرع، والمعزول بخلافه.


(فصل: ليكتب الإمام لمن يوليه) ما فوضه إليه ندبًا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كتب لعمرو بن حزم، ولم يكتب لمعاذ 166، ويكتب فيه ما يحتاج القاضي إلى القيام به، ويعظه فيه.
(ويشهد بالكتاب شاهدين يخرجان معه إلى البلد) ولو قرب (يخبران بالحال) عن

الجزء: 4 - الصفحة: 450

وَتَكْفِي الاسْتِفَاضَةُ فِي الأَصَحِّ، لَا مُجَرَّدُ كِتَابٍ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَيَبْحَثُ الْقَاضِي عَنْ حَالِ عُلَمَاءِ الْبَلَدِ وَعُدُولِهِ، وَيَدْخُلُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَيَنْزِلُ وَسَطَ الْبَلَدِ، وَيَنْظُرُ أَوَّلًا فِي أَهْلِ الْحَبْسِ - فَمَنْ قَالَ: (حُبِسْتُ بِحَقٍّ) .. أَدَامَهُ، أَوْ ظُلْمًا .. فَعَلَى خَصْمِهِ حُجَّةٌ،

مشاهدة التولية حتى يلزم أهل البلد قضاؤه؛ إذ لا يمكن قبول مجرد دعواه، (وتكفي الاستفاضة) إذا لم يشهد ولا كتب (في الأصح) لحصول المقصود، والثاني: المنع؛ لأن التولية عقد، والعقود لا تثبت بالاستفاضة؛ كالإجارة والوكالة.
ومحل الخلاف: في البلد القريب، ومنهم من أطلقه؛ كما هو ظاهر إيراد المصنف، قال الرافعي: ويشبه ألّا يكون في هذا خلاف، ويكون التعويل على الاستفاضة 167. (لا مجرَّد كتاب على المذهب) لاحتمال التزوير، وقيل: وجهان، ووجه القبول: بُعْدُ الجرأة في مثل ذلك على الإمام.
(ويبحث القاضي عن حال علماء البلد وعدوله) قبل دخوله؛ ليعاملهم إذا دخل بما يليق بهم، فإن تعسر .. فبعد دخوله.
(ويدخل يوم الاثنين) لأنه عليه الصلاة والسلام دخل المدينة يوم الاثنين 168، فإن فاته .. فالخميس، وإلا .. فالسبت.
(وينزل وسط البلد) ليتساوى الناس كلهم في القرب منه (وينظر أولًا في أهل الحبس) لأن الحبس عذاب، فينظر هل يستحقونه أم لا؟ والتقديم مستحب؛ كما صرح به الرافعي في آخر (الآداب)، ونقل ابن الرفعة عن الإمام: أنه واجب.
(فمن قال: "حبست بحق" .. أدامه) إن لم يؤد ما عليه ولم يثبت إعساره؛ لأنه الحق.
نعم؛ إن كان حبسه لتعزير ورأى إطلاقه .. فله ذلك.
(أو ظلمًا .. فعلى خصمه حجة) إن كان حاضرًا، والقول قول المحبوس بيمينه، فإن لم يقمها .. أطلقه، ونازع البُلْقيني في هذا؛ فإن الظاهر: أن حبس الحاكم

الجزء: 4 - الصفحة: 451

فَإِنْ كَانَ غَائِبًا .. كَتَبَ إِلَيْهِ لِيَحْضُرَ - ثُمَّ الأَوْصِيَاءِ، فَمَنِ ادَّعَى وِصَايَةً .. سَأَلَ عَنْهَا وَعَنْ حَالِهِ وَتَصَرُّفِهِ، فَمَنْ وَجَدَهُ فَاسِقًا .. أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُ، أَوْ ضَعِيفًا .. عَضَدَهُ بِمُعِينٍ،

بحق، فالمحبوس حينئذ هو المدعي، وخصمه هو المدعى عليه، فالقول: قول خصمه بيمينه، ولا يكلف حجة؛ لأن معه حجة سابقة، وهي حبس الحاكم له، وبسط ذلك.
(فإن كان) خصمه (غائبًا) عن البلد ( .. كتب إليه ليحضر) لفصل الخصومة بينهما، فإن لم يحضر .. أطلق، واستشكله البُلْقيني بنحو ما تقدم.
ويكفي الخصم إقامة بينة بإثبات الحق الذي حبسه به، أو بأن القاضي المعزول حكم عليه بذلك.
(ثم الأوصياء) على الأطفال والمجانين، وكل من كان على مال عام كصدقة؛ لأنهم يتصرفون في حق من لا يملك المطالبة بماله، فكان تقديمهم أولى.
(فمن ادعى وصاية .. سأل عنها) أي: عن ثبوتها؛ إما بتنفيذ من قبله، أو بقيام بينة بها عنده، (وعن حاله وتصرفه؛ فمن وجده فاسقًا .. أخذ المال منه) وجوبًا، ووضعه عند غيره من الأمناء.
وكلامه يفهم: أنه لا يأخذه منه إذا شك في عدالته، وهو أحد وجهين في "الروضة" و"أصلها" بلا ترجيح 169، قال في "التوشيح": والأرجح [في النظر - وهو ما كنت أشاهده من صنع الشيخ الإمام -: الانتزاع، ورجحه البُلْقيني، لكن قال الأَذْرَعي: إن عدم الانتزاع أقرب إلى كلام الشيخين، وهو ظاهر كلام الجمهور.
قال البُلْقيني: ومحل الوجهين: ما إذا لم تثبت عدالته عند الأوّل، فإن ثبتت وأطلق تصرفه .. لم يكن للمتولي التعرض إليه مع الشك جزمًا] 170. (أو ضعيفًا) عن القيام بها؛ لكثرة المال أو غيره مع كونه أمينًا ( .. عضده بمعين) ولا يرفع يده، ومن وجده أهلًا أقرّه.
ثم بعد الأوصياء ينظر في أمناء القاضي المنصوبين من جهة القاضي قبله، والحكم

الجزء: 4 - الصفحة: 452

وَيَتَّخِذُ مُزَكِّيًا وَكَاتِبًا، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا، عَدْلًا، عَارِفًا بِكِتَابَةِ مَحَاضِرَ وَسِجِلَّاتٍ، وَيُسْتَحَبُّ فِقْهٌ، وَوُفُورُ عَقْلٍ، وَجَودَةُ خَطٍّ، وَمُتَرْجِمًا. وَشَرْطُهُ: عَدَالَةٌ، وَحُرِّيَّةٌ، وَعَدَدٌ،

فيهم ما ذكرناه في الأوصياء، لكن له أن يعزل من شاء منهم ويولي غيره، بخلاف الأوصياء؛ لأن الأمين مولى من جهة القاضي، بخلاف الوصي.
ثم ينظر في الأوقاف العامة والمتولين لها، وفي اللقطة والضوال، ويرتب الحكم عليها، ويقدم الأهمّ فالأهمّ.
(ويتخذ مُزكّيًا) لشدة الحاجة إليه؛ فإنه يعرف حال من يجهل عدالته من الشهود؛ لأنه لا يمكنه البحث بنفسه، وصفته يأتي بيانها آخر الباب.
(وكاتبًا) لتوقع الحاجة إليه؛ لأنه مشغول بالحكم والاجتهاد، واشتغاله بالكتابة يقطعه عن ذلك.
(ويشترط كونه مسلمًا عدلًا) لتؤمن خيانته؛ إذ قد يغفل القاضي عند قراءة ما يكتبه أو يقرؤه، وتشترط حريته وذكورته (عارفًا بكتابة محاضر وسجلات) لأنه إذا لم يعرف ذلك .. أفسد ما يكتبه.
(ويستحب فقهٌ) فيما يتعلق بالمحاضر ونحوها؛ لئلا يؤتى من الجهل، (ووفور عقل) لئلا يخدع ويدلس عليه، (وجودة خط) أي: يكون خطه حسنًا واضحًا مع ضبط الحروف وترتيبها - فلا يترك فسحة يمكن إلحاق شيء فيها - وتفصيلها؛ فلا يكتب سبعة مثل تسعة، ولا ثلاث مثل ثلاثين؛ لئلا يقع الغلط والاشتباه.
(ومترجمًا) لأن القاضي قد لا يعرف لسان بعض الخصوم والشهود، فلا بدّ ممن يطلعه عليه، قال المنكت: كذا أطلقوه، ولم يظهر لي اتخاذه على أي لغة، فإن اللغات لا تكاد تنحصر، ويبعد أن الشخص الواحد يحيط بجميعها، وأبعد منه أن يتخذ من كل لغة اثنين لعظم المشقة، فالأقرب: أن يتخذ من التي يغلب وجودها في عمله، وفيه عسر أيضًا.
(وشرطه: عدالة، وحرية، وعدد) وهو رجلان، أو رجل وامرأتان إن كان الحق مما يثبت برجل وامرأتين، وقيل: يعتبر في ترجمة الزنا أربعة؛ لأنه ينقل إلى القاضي

الجزء: 4 - الصفحة: 453

وَالأَصحُّ: جَوَازُ أَعْمَى، وَاشْتِرَاطُ عَدَدٍ فِي إِسْمَاعِ قَاضٍ بِهِ صَمَمٌ. وَيَتَّخِذُ دِرَّةً لِلتَّأْدِيبِ، وَسِجْنًا لِأدَاءِ حَقٍّ وَتَعْزِيرٍ، وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ مَجْلِسِهِ فَسِيحًا، بَارِزًا، مَصُونًا مِنْ أَذَى حَرٍّ وَبَرْدٍ، لَائِقًا بِالْوَقْتِ وَالْقَضَاءِ،

قولًا لا يعرفه، فصارت شهادة بإقرار، فجرى عليها حكم الشهادات.
(والأصح: جواز أعمى)؛ لأن الترجمة تفسير اللفظ، فلا يحتاج إلى معاينة وإشارة، بخلاف الشهادة، فعلى هذا: يكلف القاضي من حضر السكوت حتى لا يتكلم غير الخصم، والثاني: لا؛ كالشاهد.
(واشتراط عدد في إسماع قاض به صمم) كالمترجم، والثاني: لا يشترط؛ لأن المسمع لو غيّر .. أنكر عليه الخصم والحاضرون، بخلاف المترجم، وهذا في إسماع كلام الخصم للقاضي، فأما إسماع ما يقوله القاضي وما يقوله الخصم .. فلا يشترط فيه العدد؛ لأنه إخبار محض، قاله القفال، وأقرّاه 171. (ويتخذ دِرّة للتأديب، وسجنًا لأداء حق وتعزير) اقتداء بالفاروق - رضي الله عنه - قال الشعبي: وكانت درة عمر - رضي الله عنه - أهيب من سيف الحجاج.
قال الدميري: وفي حفظي من شيخنا أنها كانت من نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه ما ضرب بها أحدًا من ذنب، وعاد إليه 172، وفي "أدب القضاء" للقاضي شريح وجهان في تقييد المحبوس إذا كان لجوجًا.
(ويستحب كون مجلسه فسيحًا) أي: واسعًا؛ كيلا يتأذى بضيقه الخصوم (بارزًا) أي: ظاهرًا؛ ليعرفه من يريده من مستوطن وغريب، وفسره الرافعي: بما لا يكون دونه حجاب، قال في "الروضة": ويكره اتخاذ الحاجب إذا كان ثم زحمة، ولا يكره في أوقات الخلوة على الصحيح 173. (مصونًا من أذى حرٍّ وبرد) وريح وغبار ودخان؛ كيلا يتأذى به (لائقًا بالوقت) فيجلس في الشتاء في كنّ، وفي الصيف في فضاء، (والقضاء) هذه من زياداته على

الجزء: 4 - الصفحة: 454

لَا مَسْجِدًا، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي حَالِ غَضَبٍ وَجُوعٍ وَشِبَعٍ مُفْرِطَيْنِ، وَكُلِّ حَالٍ يَسُوءُ خُلُقُهُ، وَيُنْدَبُ أَنْ يُشَاوِرَ الْفُقَهَاءَ،

"المحرر"، وكأن المراد به: ما نقلاه عن ابن حربويه وغيره أنه يستحب جلوسه بمرتفع كدكة ونحوها 174، ويوضع له فراش ووسادة؛ ليعرفه كل داخل، ويكون أهيب عند الخصوم، وصرح به الماوردي أيضًا قال: ويفعله وإن كان موصوفًا بالزهد والتواضع؛ للحاجة إلى قوة الرهبة والهيبة 175، ونص عليه الرافعي؛ كما قاله في "المرشد".
(لا مسجدًا) فإنه يكره اتخاذه مجلسًا للحكم؛ صونًا له عن ارتفاع الأصوات واللغط، وقيل: لا يكره، وبه قال الأئمة الثلاثة؛ كما لا يكره الجلوس فيه للفتوى وتعلم القرآن والعلم، وموضع الكراهة: اتخاذه لذلك، فلو اتفقت قضية أو قضايا وهو في المسجد .. فلا بأس بفصلها، وعلى ذلك حمل ماجاء عنه صلى الله عليه وسلم، وعن خلفائه في القضاء في المسجد.
(ويكره أن يقضي في حال غضب، وجوع، وشبع مفرطين [وكل حال يسوء خلقه]) 176 كالمرض ومدافعة الأخبثين، وشدة الحزن أو السرور؛ لصحة النهي عنه في الغضب 177، وقيس الباقي عليه؛ لأن فهمه وفكره يختلّ بذلك، فلو قضى .. نفذ حكمه.
(ويندب أن يشاور الفقهاء) لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال الحسن البصري: كان عليه السلام مستغنيًا عنها، ولكن أراد أن تصير سنة للحكام.
والمراد بـ (الفقهاء) كما قاله جمع من الأصحاب: الذين يجوز لهم الإفتاء، قال الماوردي: لا فاسقًا، وفي جواز مباحثته وجهان، وإذا أشكل الحكم .. تكون المشاورة واجبة، وإلا فمستحبة، قاله القاضي الحسين 178.

الجزء: 4 - الصفحة: 455

وَأَلَّا يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَكُونَ لَهُ وَكِيلٌ مَعْرُوفٌ، فَإِنْ أَهْدَى إِلَيْهِ مَنْ لَهُ خُصُومَةٌ أَوْ لَمْ يُهْدِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ .. حَرُمَ قَبُولُهَا، وَإِنْ كَانَ يُهْدِي وَلَا خُصُومَةَ .. جَازَ بِقَدْرِ الْعَادَةِ،

(وألّا يشتري ويبيع بنفسه) في عمله بل يكره؛ لئلا يُحابى، (ولا يكون له وكيلٌ معروف) كيلا يُحابى أيضًا، والإجارة وسائر المعاملات كالبيع والشراء، بل نص في "الأم": على أنه لا ينظر في نفقة عياله ولا أمر ضيعته، بل يكله إلى غيره تفريغًا لقلبه 179. (فإن أهدى إليه من له خصومة، أو لم يهد قبل ولايته) ولا خصومة له ( .. حرم قبولها) لأنه في الأولى يميل إليه، وينكسر به قلب خصمه، وأما في الثانية .. فلأن سبب الهدية الولاية، وقد صرّحت الأحاديث بتحريم هدايا العمال 180، فلو قبلها .. لم يملكها، ومتى كانت الهدية لأجل الحكم له بغير حق أو ليمتنع من الحكم عليه بالحق .. فهي رشوة محرمة إجماعًا.
ومثله: لو بذل له مالًا ليحكم له بحق ولولا البذل لما قضى له به .. قال الأَذْرَعي: ولا أعرف في تحريم هذا خلافًا، ولا شك فيه، ولكنه أقل مأثمًا من الضرب الأول.
وسواء في الهدية كان المهدي من أهل عمل القاضي أو من غيره وقد حملها إليه؛ لأنه صار في عمله؛ فلو جهزها مع رسول وليس له محاكمة .. ففي جواز قبولها وجهان، ولو كان القاضي في غير عمله .. لم يحرم عليه أخذ الهدية، سواء كان المهدي من أهل عمله أم لا إلا أن يستشعر القاضي أنها مقدمة خصومة فتحرم.
(وإن كان يُهدي ولا خصومة .. جاز بقدر العادة) لخروج ذلك عن سبب الولاية، فانتفت التهمة.
وقوله: (بقدر العادة) من زياداته على "المحرر" من غير تمييز، واحترز به: عمّا إذا زاد .. فإنه يحرم؛ لأن الزيادة حدثت بالولاية، وقضيته: اختصاص التحريم بالقدر الزائد، لكن قول "الروضة" و"أصلها": (فإن زاد المهدي على قدر

الجزء: 4 - الصفحة: 456

وَالأَوْلى أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهَا. وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ وَرَقِيقِهِ وَشَرِيكِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ، وَكَذَا أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَحْكُمُ لَهُ وَلِهَؤُلَاءِ الإِمَامُ أَوْ قَاضٍ آخَرُ، وَكَذَا نَائِبُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ نَكَلَ، فَحَلَفَ الْمُدَّعِي وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى إِقْرَارِهِ عِنْدَهُ أَوْ يَمِينِهِ أَوِ الْحُكْمَ بِمَا ثَبَتَ وَالإِشْهَادَ بِهِ .. لَزِمَهُ،

المعهود .. صارت هديته كهدية من لم تعهد منه الهدية) 181 .. يقتضي تحريم الكل، قال البُلْقيني: والمعتمد: اختصاص التحريم بالزيادة إن تميزت، وإلا .. حرم الكل.
(والأولى: أن يثيب عليها) أو يضعها في بيت المال؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان يقبل الهدية ويثيب عليها 182. والأولى: سد باب القبول؛ حسمًا للباب، قال الماوردي: ونزول القاضي على أهل عمله ضيفًا كقبول هديتهم 183. وهل للقاضي تخصيص بعض رعاياه بإنفاذ هدية له؟ فيه وجهان، حكاهما القاضي شريح في "أدب القضاء".
(ولا ينفذ حكمه لنفسه ورقيقه وشريكه في المشترك) للتهمة.
نعم؛ له تعزير من أساء الأدب عليه فيما يتعلق بأحكامه كقوله: (حكمت عليّ بالجور)، ونحو ذلك.
(وكذا أصله وفرعه على الصحيح) لأنهم أبعاضه، فأشبه قضاءه لنفسه، والثاني: ينفذ؛ لأن القاضي أسير البينة، فلا يظهر فيه تهمة، بخلاف الشهادة فإنها تتعلق بالشاهد خاصة، ولا ينفذ حكمه لهما بعلمه قطعًا، وله أن يحكم عليهما قطعًا؛ لانتفاء التهمة.
(ويحكم له) أي: للقاضي (ولهؤلاء الإمام أو قاضٍ آخر) أجنبي مستقل؛ لانتفاء التهمة، (وكذا نائبه على الصحيح) كبقية الحكام، والثاني: لا؛ للتهمة.
(وإذا أقرّ المُدَّعى عليه أو نكل، فحلف المدعي وسأل القاضي أن يشهد على إقراره عنده أو يمينه أو الحكم بما ثبت والإشهاد به .. لزمه) سواء قلنا: يقضي بعلمه أم لا؛

الجزء: 4 - الصفحة: 457

أَوْ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ، أَوْ سِجِلًّا بمَا حَكَمَ .. اسْتُحِبَّ إِجَابَتُهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ، وَيُسْتَحَبُّ نُسْخَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لَهُ، وَالأُخْرَى تُحْفَظُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ. وَإِذَا حَكَمَ بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ بَانَ خِلَافَ نَصِّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الإِجْمَاعِ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ .. نَقَضَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ،

لأنه إن منع .. فقد ينكر الخصم، وإن جوّز .. فقد ينسى أو يعزل فيضيع الحق.
(أو أن يكتب له محضرًا بما جرى من غير حكم، أو سجلًّا بما حكم .. استحب إجابته) لأنه مذكر، وإنما لم يجب؛ لأن الحق يثبت بالشهود لا بالكتاب، (وقيل: يجب) إذا أحضر له الطالب القرطاس، أو كان له من بيت المال توثقًا لحقه؛ كالإشهاد.
والفرق بين المحضر والسجل - كما أشار إليه المصنف -: أن المحضر هو: ما فيه ذكر ما جرى من غير حكم، والسجل: ما اشتمل على الحكم.
(ويستحب نسختان: إحداهما له، والأخرى تحفظ في ديوان الحكم) وإن لم يطلب الخصم ذلك؛ لأنه طريق للتذكر؛ إذ لا يؤمن ضياع ما يأخذها الخصم، ويختم النسخة التي بديوان الحكم، ويكتب على رأسها اسم الخصمين، ويضعها في حرز له، وما يجتمع منها .. يضم بعضه إلى بعض، ويكتب عليها: محاضر كذا من شهر كذا من سنة كذا.
(وإذا حكم باجتهاد) وهو من أهله (ثم بان خلاف نص الكتاب أو السنة) سواء متواترها وآحادها، (أو الإجماع أو قياس جليّ .. نقضه هو وغيره) أما النقض بمخالفة الإجماع .. فبالإجماع، والباقي: في معناه.
و(القياس الجلي) هو: الذي يعرف به موافقة الفرع الأصل؛ بحيث ينتفي احتمال مفارقتهما أو يبعد؛ كالتحاق الضرب بالتأفيف، وما فوق الذّرَّة والنقير بهما.
قال الزركشي: وفي معنى قوله: (باجتهاده) ما إذا كان مقلدًا أو حكم بخلاف نص إمامه مقلِّدًا لوجه ضعيف .. فإنهم جعلوا نص إمامه بالنسبة إليه كنص الشارع بالنسبة إلى المجتهد؛ كما قاله في "الروضة" في الكلام على الفتوى 184، ويجب

الجزء: 4 - الصفحة: 458

لَا خَفِيٍّ، وَالْقَضَاءُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا،

نقضه، ولا شك في نقض ما صدر من مقلِّد غير متبحِّر، بخلاف المعتمد عند أهل المذهب، وفي نقض ما صدر ممن لا يصلح للقضاء وإن وافق المعتمد.
قال ابن الرفعة: والمعنى بنقض الحكم - كما قاله الإمام -: التبيُّن، وإلا .. فليس القضاء أمر يعقد ويحل، وتابعه الشيخ عز الدين فقال: قولهم: (ينقض) فيه مسامحة، وإنما الحقيقة أن هذا الحكم لم يصح من أصله.
(لا خفيّ) وهو ما لا يزيل احتمال المفارقة ولا يبعد؛ كقياس الشبه، وهو أن تشبه الحادثة أصلين فيلتحق بأشبههما، فإذا بان له الخطأ بقياس خفي لكنه أرجح مما حكم به .. عمل به فيما يستقبل، ولا ينقض ما حكم به أولًا؛ لأن الظنون المتعادلة لو نقض بعضها بعضًا .. لما استمر حكم، ولشق الأمر على الناس، ومشهور عن عمر - رضي الله عنه -: أنه حكم بحرمان الأخ من الأبوين في المشركة، ثم شرك بعد ذلك ولم ينقض قضاءه الأول، وقال: (ذلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي) 185. (والقضاء ينفذ ظاهرًا لا باطنًا) قضاء القاضي قسمان: أحدهما: ما ليس بإنشاء، وإنما هو تنفيذ لما قامت به الحجة، وهذا مراد المصنف، فينفذ ظاهرًا لا باطنًا، حتى لو حكم بشهادة الزور .. لم يُفِد حكمُه الحلّ باطنًا، سواء فيه المال والنكاح وغيرهما؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ فِي حَقِّ أَخِيهِ بِشَيءٍ .. فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَة مِنَ النّارِ" متفق عليه 186. الثاني: الإنشاء؛ كالتفريق بين المتلاعنين، وفسخ النكاح بالعيب، والتسليط على الأخذ بالشفعة، فإن ترتب على أصل كاذب؛ كشهادة زور .. فكالأول، أو صادق؛ فإن لم يكن في محل اختلاف المجتهدين .. نفذ باطنًا، وإن كان مختلفًا فيه؛ كالحكم بشفعة الجوار، وتوريث ذوي الأرحام .. نفذ ظاهرًا، وفي الباطن: أوجه: ثالثها: إن اعتقد الخصم حلّه .. نفذ، وإلا .. فلا، ولم يصرحا هنا بترجيح، وفي

الجزء: 4 - الصفحة: 459

وَلَا يَقْضِي بِخِلَافِ عِلْمِهِ بِالإِجْمَاعِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ إِلَّا فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى

"المهمات" هنا وفي (الشفعة) أن الصحيح: نفوذه ظاهرًا وباطنًا مطلقًا، وبسط ذلك 187. (ولا يقضي بخلاف علمه بالإجماع) لأنه لو حكم به .. لكان قاطعًا ببطلان حكمه، والحكم بالباطل محرم، واعترض دعوى الإجماع بوجه حكاه الماوردي ومن تبعه أنه يحكم بالشهادة المخالفة لعلمه، لأنها هي المعتبرة في حكمه دون علمه 188. (والأظهر: أنه يقضي بعلمه) لأنه يقضي بشاهدين، وهو لا يفيد إلا الظن، فالقضاء بالعلم أولى، والثاني: لا، للتهمة، ورد: بأنه لو قال: (ثبت عندي)، و (صح لدي كذا) .. قُبِل: قطعًا مع احتمال التهمة.
قال الماوردي: ولا بدّ أن يقول للمنكر: قد علمت أن له عليك ما ادعاه، وحكمت عليك بعلمي، فإن ترك أحد هذين .. لم ينفذ، واستغربه ابن أبي الدم.
وشرط الشيخ عز الدين في "القواعد": كون الحاكم ظاهر التقوى والورع 189. وشمل إطلاق المصنف الخلاف جريانه في الجرح والتعديل، وهي طريقة ضعيفة، والمشهور: القطع بأنه يقضي فيه بعلمه، وقد جزم به المصنف في الفصل الآتي.
والمراد بـ (العلم): غلبة الظن؛ كما قاله الرافعي؛ إذ يقضي في الجرح والتعديل بعلمه مع أن العدالة لا تتيقن، لكن صرح الإمام: بأن المراد: اليقين، وتبعه الغزالي 190، قال ابن الرفعة: وهو قضية كلام "التنبيه".
وإذا قلنا: يقضي بعلمه .. فذلك في المال قطعًا، وكذا في القصاص وحد القذف على الأظهر.
(إلا في حدود الله تعالى) لأنها تدرأ بالشبهات، ويندب سترها.

الجزء: 4 - الصفحة: 460

وَلَوْ رَأَى وَرَقَةً فِيهَا حُكْمُهُ أَوْ شَهَادَتُهُ أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّكَ حَكَمْتَ أَوْ شَهِدْتَ بِهَذَا .. لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ حَتَّى يَتَذَكَّرَ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ فِي وَرَقَةٍ مَصُونَةٍ عِنْدَهُمَا، وَلَهُ الْحَلِفُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ حَقٍّ أَوْ أَدَائِهِ اعْتِمَادًا عَلَى خَطِّ مُوَرِّثِهِ إِذَا وَثِقَ بِخَطِّهِ وَأَمَانَتِهِ، وَالصَّحِيحُ: جَوَازُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِخَطٍّ مَحْفُوظٍ عِنْدَهُ

(ولو رأى ورقة فيها حكمه أو شهادته، أو شهد شاهدان أنك حكمت أو شهدت بهذا .. لم يعمل به) القاضي (ولم يشهد) به الشاهد (حتى يتذكر) لإمكان التزوير، وتشابه الخطوط في الحالة الأولى، وأما الثانية .. فلأن القاعدة: أنه إذا أمكن اليقين .. لا يعتمد الظن.
(وفيهما وجه في ورقة مصونة عندهما) لتعذر التحريف، والأصح: الأول؛ لاحتماله.
(وله الحلف على استحقاق حق أو أدائه اعتمادًا على خط مُوَرِّثه إذا وثق بخطه وأمانته) والفرق بينه وبين القضاء والشهادة: أن خطرهما عام ويمكن فيهما التذكر، بخلاف خط مورثه.
وقد يوهم المنع في الحلف على خط نفسه، وهو ما نقلاه عن "الشامل" 191؛ لأنه يمكنه التذكر في خط نفسه، بخلاف مورثه، لكن سوى بينهما في "الكتاب" في (باب الدعاوى) فقال: يجوز البت بظن مؤكد يعتمد خطه أو خط أبيه، وكذا ذكراه في "الشرح" و"الروضة" هناك 192. (والصحيح: جواز رواية الحديث بخطٍّ محفوظٍ عنده) وإن لم يتذكره؛ لعمل العلماء به سلفًا وخلفًا، وباب الرواية أوسع من الشهادة، وسواء كان بخطه أو خط غيره، والثاني: المنع، إلّا أن يتذكر كالشهادة.
وأفهم: أنه لو لم يكن الخط محفوظًا عنده .. يمتنع قطعًا، لكن في "أصل الروضة": لو كتب إليه الشيخ بالإجازة وعرف خطه .. جاز له أن يروي عنه تفريعًا

الجزء: 4 - الصفحة: 461

فصلٌ [في التسوية وما يتبعها]

لِيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي دُخُولٍ عَلَيْهِ، وَقِيامٍ لَهُمَا، وَاسْتِمَاعٍ، وَطَلَاقَةِ وَجْهٍ، وَجَوَابِ سَلَامٍ، وَمَجْلِسٍ، وَالأَصَحُّ: رَفْعُ مُسْلِمٍ عَلَى ذِمِّيٍّ فِيهِ. وَإِذَا جَلَسَا .. فَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ، وَأَنْ يَقُولَ: (لِيَتَكَلَّمِ الْمُدَّعِي)، فَإِنِ ادَّعَى

على اعتماد الخط، فيقول: (أخبرني فلان كتابة)، أو (في كتابه)، أو (كتب إلي) 193.


(فصل: ليسوّ بين الخصمين) وجوبًا (في دخول عليه) فلا يدخل أحدهما قبل الآخر، (وقيام لهما) إن قام، وإلّا .. سوّى بينهما في تركه.
(واستماعٍ، وطلاقة وجه، وجواب سلام، ومجلس) وسائر أنواع الإكرام؛ لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ قال أبو عبيدة: نزلت في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي، يتلوى عن أحدهما، ويقبل على الآخر، ولأنه إذا فضّل أحدهما .. انكسر قلب الآخر، ولحقه الضرر في استيفاء حجته.
ومقتضى قوله: (ومجلس): أنه لا يتركهما قائمين، وبه صرح الماوردي فقال: لا تُسمع الدعوى وهما قائمان حتى يجلسا بين يديه 194. (والأصح: رفع مسلم على ذمي فيه) أي: في المجلس؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى، فيكون مجلس المسلم أقرب من مجلس الذمي، فإن وقفا .. قدّم المسلم عليه في الموقف، والثاني: يسوي بينهما؛ لعموم الأمر بالتسوية، وطرد الرافعي بحثًا الخلاف في سائر وجوه الإكرام، ونقله ابن الرفعة عن الفوراني و"التنبيه" 195. (وإذا جلسا) أو قاما بين يديه ( .. فله أن يسكت) لأنهما حضرا للكلام (و) له (أن يقول: "ليتكلم المدعي") لأنه ربما هاباه، (فإن ادّعى) دعوى صحيحة

الجزء: 4 - الصفحة: 462

طَالَبَ خَصْمَهُ بِالْجَوَابِ، فَإِنْ أَقَرَّ .. فَذَاكَ، وَإِنْ أَنْكَرَ .. فَلَهُ أَنْ يَقُولَ لِلْمُدَّعِي: (أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ ) وَأَنْ يَسْكُتَ، فَإِنْ قَالَ: (لِي بَيِّنَةٌ وَأُرِيدُ تَحْلِيفَهُ) .. فَلَهُ ذَلِكَ، أَوْ (لَا بَيِّنَةَ لِي)، ثُمَّ أَحْضَرَهَا .. قُبِلَتْ فِي الأَصَحِّ. وَإِذَا ازْدَحَمَ خُصُومٌ .. قُدِّمَ الأَسْبَقُ، فَإِنْ جُهِلَ أَوْ جَاؤُوا مَعًا .. أُقْرِعَ، وَيُقَدَّمُ مُسَافِرُونَ مُسْتَوْفِزُونَ وَنِسْوَةٌ وَإِنْ تَأَخَّرُوا

( .. طالب خصمه بالجواب) وإن لم يسأله المدعي؛ لأن المقصود فصل الخصومة، وبذلك تنفصل.
(فإن أقر .. فذاك، وإن أنكر .. فله أن يقول للمدعي: "ألك بينة؟ ") لأن المدعي قد لا يعرف ترتيب الخصومة، ويهاب الحاكم، (وأن يسكت) تحرزًا من اعتقاد ميل إلى المدعي.
(فإن قال: "لي بينة وأريد تحليفه" .. فله ذلك) لأنه إن تورع عن اليمين وأقرّ .. سهل الأمر على المدعي، واستغنى عن إقامة البينة، وإن حلف .. أقام البينة؛ ليُعلم خيانته وكذبه، فله إذًا في التحليف غرض ظاهر.
(أو "لا بينة لي") وأطلق، أو قال: (لا بينة لي حاضرة ولا غائبة)، أو: (كل بينة أقيمها فهي كاذبة أو باطلة أو زور) 196، (ثم أحضرها .. قبلت في الأصح) لاحتمال نسيانه أو عدم شعوره بتحملها، والثاني: لا؛ للمناقضة إلا أن يذكر لكلامه تأويلًا؛ كـ (كنت ناسيًا أو جاهلًا)، ونسبه الماوردي والروياني للأكثرين.
(وإذا ازدحم خصوم .. قُدِّم الأسبق) لأنه العدل، والاعتبار بسبق المدعي دون المدعى عليه، (فإن جهل) السابق (أو جاؤوا معًا .. أقرع) إذ لا مرجح، فلو آثر بعضهم بعضًا .. جاز، هذا إذا أمكن الإقراع، فلو كثروا .. كتب أسماءهم وجعلها بين يديه، ويمد يده فيأخذ رقعة، ويقدم صاحبها، كذا قالاه، وهذا نوع من الإقراع؛ كما صرح به الروياني 197. (ويقدم) ندبًا (مسافرون مستوفزون ونسوة وإن تأخروا) أما في الأولى .. فلدفع الضرر عنهم؛ لتخلفهم بالتأخر عن الرفقة، وأما في الثانية .. فلأنهن عورة، قال

الجزء: 4 - الصفحة: 463

مَا لَمْ يَكْثُرُوا، وَلَا يُقَدَّمُ سَابِقٌ وَقَارِعٌ إِلَّا بِدَعْوَى, وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُ شُهُودٍ مُعَيَّنِينَ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ، وَإِذَا شَهِدَ شُهُودٌ فَعَرَفَ عَدَالَةً أَوْ فِسْقًا .. عَمِلَ بِعِلْمِهِ،

الرافعي: وينبغي ألّا يفرق بين أن يكون المسافر والمرأة مدعيين أو مدعىً عليهما 198، (ما لم يكثروا) فإن كثروا .. لم يقدموا؛ دفعًا للضرر عن المقيمين في الأولى.، وعن الرجال في الثانية، فيعتبر السبق والقرعة، والمسافرون بعضهم مع بعض كالمقيمين، فيعتبر السبق، والقرعة، وكذا النسوة.
(ولا يقدم سابق وقارع إلّا بدعوى) واحدة؛ لئلا يتضرر الباقون؛ لأنه ربما استوعب المجلس بدعاويه، فتسمع دعواه وينصرف، ثم يحضر في مجلس آخر، أو ينتظر فراغ دعاوى الحاضرين، ثم تسمع دعواه الثانية إن بقي وقت ولم يضجر.
ولم يذكر المصنف حكم تقديم المسافر؛ هل يقدم بواحدة أو بالكل، أو يسوى بينه وبين المقيمين؟ وفيه احتمالات للرافعي، والأرجح في "زيادة الروضة": أن دعواه إن كانت قليلة أو خفيفة لا تضر بالباقين إضرارًا بينًا .. قدم بجميعها، وإلّا .. قدّم بواحدة ويؤخر الباقي إلى أن يحضر، قال ابن الملقن: ولتطرد هذه الاحتمالات في التقديم بالأنوثة 199. (ويحرم اتخاذ شهود معينين لا يقبل غيرهم) لما فيه من التضييق؛ فإنه قد يتحمل الشهادة غيرهم، فإذا لم يُقبل .. ضاع الحق.
(وإذا شهد شهود فعرف عدالة أو فسقًا .. عمل بعلمه) فإن علم العدالة .. قَبِلَهُ، ولم يحتج إلى تزكية وإن طلبها الخصم، وإن علم الفسق .. ردّه، ولم يحتج إلى بحث؛ لأنه يراد لمعرفة العدالة والفسق، وهو حاصل.
ومحل هذا: في العدالة في غير أصله وفرعه، أما هما .. ففيهما وجهان في "أصل الروضة" بلا ترجيح 200، ورجح البُلْقيني: عدم الجواز ما لم تقم عنده بينة بعدالتهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 464

وَإِلَّا .. وَجَبَ الاسْتِزْكَاءُ؛ بِأَنْ يَكْتُبَ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الشَّاهِدُ وَالْمَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَكَذَا قَدْرُ الدَّيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَبْعَثَ بِهِ مُزَكِّيًا ثُمَّ يُشَافِهُهُ الْمُزَكِّي بِمَا عِنْدَهُ، وَقِيلَ: تَكْفِي كِتَابَتُهُ، وَشَرْطُهُ كَشَاهِدٍ مَعَ مَعْرِفَتِهِ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ

(وإلا) أي: وإن لم يعلم ذلك ( .. وجب الاستزكاء) أي: التزكية، سواء طلب الخصم أم لا، طعن الخصم في الشهود أم لا؛ لأنه حكم بشهادة، فيشترط فيه البحث عن شرطها، وقيل: إنما تجب إذا طلبه الخصم؛ لأنه حقه.
(بأن يكتب ما يتميز به الشاهد) من اسم وكنية إن اشتهر بها، وولاء إن كان عليه ولاء، واسم أبيه وجده وحليته وحرفته وسوقه ومسجده؛ لئلا يشتبه بغيره، فإن كان مشهورًا وحصل التمييز ببعض هذه الأوصاف .. كفى، (والمشهود له) لئلا تكون بينه وبين الشاهد ما يمنع قبول الشهادة له في ولادة ونحوها 201، (وعليه) لئلا يكون بينه وبين الشاهد ما يمنع قبول الشهادة عليه من عداوة ونحوها، (وكذا قدر الدين على الصحيح) لأنه قد يغلب على الظن صدق الشاهد في القليل دون الكثير، والثاني: لا يكتبه؛ لأن العدالة لا تختلف بقلة المال وكثرته.
(ويبعث به مزكيًا) ليعرف حاله، كذا حكي عن نسخة المصنف، وفي "المحرر": ويبعث به إلى المزكي، وهو الصواب؛ لأن المزكي هو المبعوث إليه 202. (ثم يشافهه المزكِّي بما عنده) فإن كان جرحًا .. ستره وقال للمدعي: (زدني في شهودك)، وإن كان تعديلًا .. عمل بمقتضاه.
والمراد بـ (المزكي) هنا: صاحب المسألة، وسماه مزكيًا؛ لأنه ينقل للقاضي التزكية عن المزكّين.
(وقيل: تكفي كتابته) مع صاحب المسألة إلى القاضي بما عنده، فيعتمده القاضي، والأصح: أنه لا بدّ من المشافهة؛ لأن الخط لا يعتمد؛ كما سبق.
(وشرطه) أي: المزكي (كشاهد مع معرفته الجرح والتعديل) لئلا يجرح العدل

الجزء: 4 - الصفحة: 465

وَخُبْرَةِ بَاطِنِ مَنْ يُعَدِّلُهُ لِصُحْبَةٍ أَوْ جِوَارٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ، وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ لَفْظِ شَهَادَةٍ، وَأَنَّهُ يَكْفِي: (هُوَ عَدْلٌ)، وَقِيلَ: يَزِيدُ: (عَلَيَّ وَلِي)، وَيَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ الْجَرْحِ، وَتُعْتَمَدُ فِيهِ الْمُعَايَنَةُ أَوِ الاسْتِفَاضَةُ،

ويزكي الفاسق، (وخبرة باطن من يُعدِّله لصحبة أو جوار أو معاملة) لأن الإنسان يخفي عيوب نفسه غالبًا، فلا بدّ من خبرة باطنه، وهذه الأمور تظهر أحوال الشخص.
وأفهم: أنه لا يشترط في الجرح الخبرة الباطنة؛ فإنه لا يقبل إلا مفسرًا، قال الرافعي: وظاهر لفظ الشافعي يقتضي: اعتبار التقادم في المعرفة الباطنة، ويشبه أن شدة الفحص كالتقادم، فليس ذكر التقادم للاشتراط، بل لكون الغالب أن الباطن لا يعرف إلا به 203. (والأصح: اشتراط لفظ شهادة) فيقول: (أشهد أنه عدل)، كغيرها، والثاني: لا، بل يكفي (أعلم) و (أتحقق)، وهو شاذ.
(وأنه يكفي: "هو عدل") لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فأطلق العدالة، فإذا شهد أنه عدل .. فقد أثبت العدالة التي اقتضتها الآية، (وقيل: يزيد: "عليّ ولي") لجواز أن يكون عدلًا في شيء دون شيء، وهذا ما حكاه الروياني عن نص "الأم" و"المختصر"، وحكاه ابن الصباغ عن أكثر الأصحاب، ومن قال بالأول .. أوَّل النصَّ، وجعله تأكيدًا لا شرطًا.
(ويجب ذكر سبب الجرح) فيقول: (هو زان) أو (سارق) ونحو ذلك؛ لأن أسباب الجرح مختلف فيها، فلا بدّ من البيان؛ ليعمل القاضي باجتهاده.
(وتعتمد فيه) أي: في الجرح (المعاينة أو الاستفاضة) لأنهما يحصلان العلم؛ كما يشهد بالموت والنسب على الاستفاضة.
وأهمل المصنف السماع؛ بأن يسمعه يقذف، وقد ذكره في "المحرر" 204. وعلم من اكتفائه بالاستفاضة الاكتفاء بالتواتر من باب أولى، ولا يكفي أن يجرح بناء على خبر عدد يسير يشهد على شهادتهم بشرط الشهادة على الشهادة.

الجزء: 4 - الصفحة: 466

وَتُقَدَّمُ عَلَى التَّعْدِيلِ، فَإِنْ قَالَ الْمُعَدِّلُ: (عَرَفْتُ سَبَبَ الْجَرْحِ وَتَابَ مِنْهُ وَأَصْلَحَ) .. قُدِّمَ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: (هُوَ عَدْلٌ وَقَدْ غَلِطَ).

(وتقدم) بينة الجرح (على التعديل) لأن التعديل بأمر ظاهر، والجرح بأمر باطن، فكانت أقوى؛ لأنها عَلِمت ما خفي على الأخرى.
(فإن قال المعدل: "عرفت سبب الجرح وتاب منه وأصلح" .. قُدِّم) لأن مع المعدل والحالة هذه زيادةُ علم، وتقدّم بينة التعديل أيضًا فيما إذا شهد بجرحه ببلد ثم انتقل إلى غيره، فعدله آخران فيه؛ لأن العدالة طارئة على الجرح، والتوبة ترفع المعصية، كذا نقله في "البيان" عن الأصحاب 205. قال في "الذخائر": ولا يشترط اختلاف البلدين، بل لو كانا في بلد واختلف الزمان .. فكذلك، قال ابن الصلاح في "فتاويه": وينبغي أن يكون هذا مخصوصًا بما إذا كان من عدله عالمًا بما جرى من جرحه، وإلا .. فقد يكون مستصحبًا في ذلك أصل العدم 206. وقال ابن الرفعة: ينبغي أن يخص تقديم بينة التعديل بما إذا تخللت بينهما مدة الاستبراء، وإلا .. لم تقدم، قال الأَذْرَعي: وهو صحيح نص عليه الشافعي، وفي عبارة "الحاوي" إشارة إليه 207. (والأصح: أنه لا يكفي في التعديل قول المدّعى عليه: "هو عدل وقد غلط") فيما شهد به عليّ، بل لا بدّ من البحث والتعديل؛ لأن الاستزكاء حق الله تعالى، ولهذا لا يجوز الحكم بشهادة فاسق وإن رضي الخصم، والثاني: يكتفى به في الحكم على المدعى عليه بذلك؛ لأن الحق له وقد اعترف بعدالته.


الجزء: 4 - الصفحة: 467

بابُ القضاء على الغائب هُوَ جَائِزٌ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَادَّعَى الْمُدَّعِي جُحُودَهُ، فَإِنْ قَالَ: هُوَ مُقِرٌّ .. لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. فَالأَصحُّ: أَنَّهَا تُسْمَعُ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ نَصْبُ مُسَخَّرٍ يُنْكِرُ عَنِ الْغَائِبِ، وَيَجِبُ أَنْ يُحَلِّفَهُ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ: أَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ, وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ,

﴿باب القضاء على الغائب﴾ (هو جائز) لأن البينة على الغائب مسموعة بالاتفاق، فليجز الحكم بها؛ كالبينة المسموعة على الحاضر الساكت، وأيضًا فالحكم على الميت والصغير جائز، وهما أعجز عن الدفع من الغَيْبة، ولأن في المنع منه إضاعةَ الحقوق التي ندب الحكام إلى حفظها؛ فإنه لا يعجز الممتنع من الوفاء عن الغَيْبة، والشرع منع من ذلك.
(إن كان عليه بينة) لأن الدعوى لقصد ثبوت الحق، ولا طريق لثبوته في غيبته إلا بالبينة، (وادعى المدعي جحوده، فإن قال: "هو مقر" .. لم تسمع بينته) لأنها لا تقام على مقر، (وإن أطلق) ولم يتعرض لجحوده ولا إقراره ( .. فالأصح: أنها تسمع) لأنه قد لا يعلم جحوده في غيبته، ويحتاج إلى إثبات الحق، فتجعل غيبته كسكوته، والثاني: لا تسمع إلا عند التعرض للجحود؛ لأن البينة إنما يحتاج إليها عنده.
(وأنه لا يلزم القاضيَ نصب مسخر) بفتح الخاء المشددة (ينكر عن الغائب) لأنه قد يكون مقرًّا، فيكون إنكار المسخر كذبًا، والثاني: يلزمه؛ لتكون البينة على إنكار منكر.
وقضية كلامه: جواز النصب قطعًا، وقال الرافعي: إن مقتضى توجيه الأول: المنع أيضًا، وإن الذي أورده العبّادي وغيره التخيير بين النصب وعدمه 208. (ويجب أن يحلفه بعد البينة: أن الحق ثابت في ذمته)، وأنه يلزمه تسليمه؛ احتياطًا للمحكوم عليه؛ لأنه لو حضر .. لربما ادعى ما يبرئه، (وقيل: يستحب) لأنه يمكنه التدارك إن كان له دافع.

الجزء: 4 - الصفحة: 468

وَيَجْرِيَانِ فِي دَعْوَى عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ. وَلَوِ ادَّعَى وَكِيلٌ عَلَى الْغَائِبِ .. فَلَا تَحْلِيفَ، وَلَوْ حَضَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَالَ لِوَكِيلِ الْمُدَّعِي: (أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُكَ) .. أُمِرَ بِالتَّسْلِيمِ، وَإِذَا ثَبَتَ مَالٌ عَلَى غَائِبٍ وَلَهُ مَالٌ .. قَضَاهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ، وَإِلَّا، فَإِنْ سَأَلَ الْمُدَّعِي إِنْهَاءَ الْحَالِ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ .. أَجَابَهُ، وَيُنْهِي سَمَاعَ بَيِّنَةٍ لِيَحْكُمَ بِهَا ثُمَّ يَسْتَوْفِيَ، أَوْ حُكْمًا لِيَسْتَوْفِيَ، وَالإِنْهَاءُ: أَنْ يُشْهِدَ عَدْلَيْنِ بِذَلِكَ.

(ويجريان في دعوى على صبي ومجنون) وميت ليس له وارث خاص، فإن كان .. حلف بسؤال الوارث، والوجوب في الصبي ونحوه هنا أولى؛ لعجزهم عن التدارك، بخلاف الغائب.
(ولو ادعى وكيل) الغائب (على الغائب .. فلا تحليف)، بل يحكم بالبينة ويعطي المال إن كان للمدعى عليه هناك مال؛ لأن الوكيل ليس له أن يحلف على فعل غيره.
(ولو حضر المدعى عليه وقال لوكيل المدعي: "أبرأني موكلك" .. أمر بالتسليم) أي: إذا كان المدعى عليه حاضرًا، فادعى عليه وكيل صاحب الحق الغائب وأقام البينة، فقال المدعى عليه: (موكلك الغائب أبرأني)، وأراد التأخير إلى حضوره ليحلف .. لم يجب إليه، بل يؤمر بتسليم المدعى به، ثم يثبت الإبراء من بعدُ إن كان له به حجة؛ لأنا لو وقفنا الأمر إلى حضور الموكل .. لتعذر استيفاء الحقوق بالوكلاء.
وهذه المسألة ليست من تمام التي قبلها، ولا هي في الحقيقة من فروع هذا الباب.
(وإذا ثبت مال على غائب وله مال) حاضر ( .. قضاه الحاكم منه) إذا طلبه المدعي؛ لأنه حق وجب عليه وتعذّر وفاؤه من جهةِ مَنْ عليه، فقام الحاكم مقامه؛ كما لو كان حاضرًا فامتنع، (وإلا) أي: وإن لم يكن له مال حاضر (؛ فإن سأل المدعي إنهاء الحال إلى قاضي بلد الغائب .. أجابه، وينهي سماع بينة) ثبت بها الحق عنده (ليحكم بها ثم يستوفي، أو حكمًا ليستوفي) مسارعةً إلى قضاء الحقوق.
(والإنهاء: أن يشهد عدلين بذلك) أي: بما جرى عنده؛ من ثبوت أو حكم يَخرُجان إلى ذلك البلد.

الجزء: 4 - الصفحة: 469

وَيُسْتَحَبُّ كِتَابٌ بِهِ وَيَذْكُرُ فِيهِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَيَخْتِمُهُ, وَيَشْهَدَانِ عَلَيْهِ إِنْ أَنْكَرَ، فَإِنْ قَالَ: (لَسْتُ الْمُسَمَّى فِي الْكِتَابِ) .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ, وَعَلَى الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ بأَنَّ هَذَا الْمَكْتُوبَ اسْمُهُ وَنَسَبُهُ، فَإِنْ أَقَامَهَا فَقَالَ: (لَسْتُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ) .. لَزِمَهُ الْحُكْمُ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُشَارِكٌ لَهُ فِي الاسْمِ وَالصِّفَاتِ، وَإِنْ كَانَ .. أُحْضِرَ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِالْحَقِّ .. طُولِبَ وَتُرِكَ الأَوَّلُ، وَإِلَّا .. بَعَثَ إِلَى الْكَاتِبِ لِيَطْلُبَ مِنَ الشُّهُودِ زِيَادَةَ صِفَةٍ تُمَيِّزُهُ وَيَكْتُبُهَا ثَانِيًا

(ويستحب كتاب به)، ولا يجب؛ لأن الاعتماد على الشهادة، وفائدة الكتاب: تذكّرُ الشهودِ الحالَ.
(ويذكر فيه) أي: في الكتاب (ما يتميز به المحكوم عليه) من اسم، وكنية، وقبيلة، وضيعة 209، وحلية، وكذا المحكوم له؛ ليسهل التمييز، ويذكر أسماء شهود الكتاب وتاريخه، (ويختمه) ندبًا، حفظًا له، وإكرامًا للمكتوب إليه، ويكون الختم بعد أن يقرأه هو أو غيره بحضرته على الشاهدين، ويدفع إلى الشاهدين نسخة غير مختومة، ليطالعاها ويتذكرا عند الحاجة.
(ويشهدان عليه إن أنكر) أي: إذا وصل كتاب القاضي وحامله إلى قاضي بلد المكتوب إليه .. أحضر الخصم، فإن أقرّ بالمدعى به .. فذاك، وإلا .. شهد الشاهدان بحكم القاضي الكاتب.
(فإن قال: "لست المسمى في الكتاب" .. صدق بيمينه) على أنه ليس المسمى فيه؛ لموافقته الأصلَ، (وعلى المدعي بينه بأنّ هذا المكتوبَ اسمُه ونسبُه، فإن أقامها) بأنه اسمه ونسبه (فقال: "لست المحكومَ عليه" .. لزمه الحكم إن لم يكن هناك مشارك له في الاسم والصفات) لأن الظاهر أنه المحكوم عليه، (وإن كان) هناك من يشاركه وعرفه القاضي أو قامت به بينة ( .. أحضر) المشارك له (؛ فإن اعترف بالحق .. طولب وترك الأول) لبيان الغلط فيه، (وإلا) أي: وإن أنكر ( .. بعث) المكتوب إليه (إلى الكاتب) بما وقع من الإشكال (ليطلب من الشهود زيادةَ صفةٍ تميّزُه ويكتبُها ثانيًا)، فإن لم يجد مزيدًا .. وقف الأمر حتى ينكشف بتمييز شهود الأصل بالإشارة إليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 470

وَلَوْ حَضَرَ قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ بِبَلَدِ الْحَاكِمِ فَشَافَهَهُ بِحُكْمِهِ .. فَفِي إِمْضَائِهِ إِذَا عَادَ إِلَى وِلَايَتِهِ خِلَافُ الْقَضاءِ بِعِلْمِهِ، وَلَوْ نَادَاهُ فِي طَرَفَيْ وِلَايَتِهِمَا .. أَمْضَاهُ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى سَمَاعِ بَيِّنَةٍ .. كَتَبَ: (سَمِعْتُ بَيِّنَةً عَلَى فُلَانٍ)، وَيُسَمِّيهَا إِنْ لَمْ يُعَدِّلْهَا، وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: جَوَازُ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ. وَالْكِتَابُ بِالْحُكْمِ يَمْضِي مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ، وَبِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ لَا يُقْبَلُ عَلَى

(ولو حضر قاضي بلد الغائب ببلد الحاكم فشافهه بحكمه .. ففي إمضائه إذا عاد إلى ولايته خلافُ القضاءِ بعلمه)، فإن قلنا: نعم .. فنعم، وإن قلنا: لا .. فعن بعضهم تجويزهُ أيضًا، والأصح: المنع؛ كما لا يجوز الحكم بشهادة سمعها في غير محل ولايته؛ كذا قاله الرافعي، قال في "المهمات": وما ذكره من حكاية خلاف في الجواز إذا منعنا القضاء بالعلم .. لا وجه له، ولا نعلم أيضًا من حكاه، بل الذي وقفنا عليه في كتبهم إنما هو الجزم بالمنع 210. (ولو ناداه في طرفي ولايتهما) 211 وقال له: (إني حكمت بكذا) ( .. أمضاه) لأنه أبلغ من الشهادة والكتاب.
(وإن اقتصر) القاضي الكاتب (على سماع بينة: كتب: "سمعت بينة على فلان"، ويسميها) ويرفع في نسبها (إن لم يعدّلها) ليبحث المكتوب إليه عن عدالتها ويحكم بها، قال الإمام: ونقل البينة بلا تعديل قريب من التعطيل؛ لأن أهل بلدهم أعرف بهم، لكنا مع ذلك نجوزه للحاجة 212. (وإلا) أي: وإن عدّلها ( .. فالأصح: جواز ترك التسمية) اكتفاءً بتعديل الكاتب لها؛ كما يستغني عن تسمية الشهود إذا حكم، والثاني: المنع؛ لأن الآخر إنما يقضي بقولهم، والمذاهب مختلفة، فربما لا يرى القضاء بقولهم، ولا حاجة في هذا إلى تحليف المدعي.
(والكتاب بالحكم يمضي مع قرب المسافة) وبُعْدها، (وبسماع البينة لا يقبل على

الجزء: 4 - الصفحة: 471

الصَّحِيحِ إِلَّا فِي مَسَافَةِ قَبُولِ شَهَادَةٍ عَلَى شَهَادَةٍ.

فصلٌ [في بيان الدعوى بعين غائبة]

ادَّعَى عَيْنًا غَائِبَةً عَنِ الْبَلَدِ يُؤْمَنُ اشْتِبَاهُهَا كَعَقَارٍ وَعَبْدٍ وَفَرَسٍ مَعْرُوفَاتٍ .. سَمِعَ بَيِّنَتَهُ وَحَكَمَ بِهَا، وَكَتَبَ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ لِيُسَلِّمَهُ لِلْمُدَّعِي، وَيَعْتَمِدُ فِي الْعَقَارِ حُدُودَهُ،

الصحيح إلا في مسافة قبول شهادة على شهادة)، وهي مسافة العدوى لا القصر على ما رجحاه هناك 213، وسيأتي ما فيه.
والفرق بينهما: أن الحكم هناك قديم، وليس بعده إلا الاستيفاء، وسماع البينة بخلافه؛ فإنه إذا لم تبعد المسافة .. لم يعسر إحضار الشهود عند القاضي الآخر، هذا ما أورده الجمهور، ومقابله لا يعرف.


(فصل: ادعى عينًا غائبةً عن البلد يؤمن اشتباهها؛ كعقار، وعبد، وفرس معروفات .. سمع بينته وحكم بها، وكتب إلى قاضي بلد المال ليسلمه للمدعي) كما يسمع البينة ويحكم على الغائب، ولا فرق في مسائل الفصل بين حضور المدعى عليه وغيبته، وإنما أدخله في الباب؛ نظرًا لغيبة المحكوم به.
وكان صواب العبارة أن يقول: (معروفِينَ) تغليبًا للعاقل، وهو العبد؛ كما عبرا به في "الشرح" و"المحرر" و"الروضة" 214؛ فإن القاعدةَ عند اجتماع العاقل وغيرِه تغليبُ العاقل.
(ويعتمد في العقار حدوده) الأربعة، فلا يجوز الاقتصار على ثلاثة؛ كذا جزم به في "أصل الروضة" كـ"الشرح الصغير"، ونقله في "الكبير" عن ابن القاص، لكن نقل في آخر (الأقضية) عن "فتاوى القفال" وغيره الاكتفاءَ بثلاثة حدود إن عرفت بها 215، ولا بدّ من ذكر البقعة والسكة.

الجزء: 4 - الصفحة: 472

أَوْ لَا يُؤْمَنُ .. فَالأَظْهَرُ: سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ، وَيُبَالِغُ الْمُدَّعِي فِي الْوَصْفِ وَيَذْكُرُ الْقِيمَةَ، وَأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِهَا، بَلْ يَكْتُبُ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ بمَا شَهِدَتْ بِهِ، فَيَأْخُذُهُ وَيَبْعَثُهُ إِلَى الْكَاتِبِ؛ لِيَشْهَدُوا عَلَى عَيْنِهِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُسَلِّمُهُ إِلَى الْمُدَّعِي بِكَفِيلٍ بِبَدَنِهِ؛ فَإِنْ شَهِدُوا بِعَيْنِهِ .. كَتَبَ بِبَرَاءَةِ الْكَفِيلِ، وَإِلَّا .. فَعَلَى الْمُدَّعِي مُؤْنَةُ الرَّدِّ

هذا كله إذا توقف التعريف على ذلك، فلو حصل التعريف باسمٍ وُضِعَ لها لا يشاركها فيه غيرها؛ كدار الندوة بمكة .. كفى؛ كما جزم به الماوردي في (الدعاوى) 216. (أو لا يؤمن) اشتباهه؛ كغير المعروف من العبيد والدواب وغيرهما ( .. فالأظهر: سماع البينة) على عينها وهي غائبة؛ لأن الصفة تميزها عن غيرها؛ كما يسمع على الشخص الغائب؛ اعتمادًا على الحلية والصفة، ولأن الحاجة داعية إلى إقامة الحجة عليها؛ كالعقار، والثاني: المنع؛ لكثرة الاشتباه.
(ويبالغ المدعي في الوصف) بما يمكن من الاستقصاء؛ ليحصل التمييز به ويبعد التوافق معه، وذلك في الغالب يحصل بنهاية الوصف، (ويذكر القيمة) لأنه لا يصير معلومًا إلا بها.
(وأنه لا يحكم بها) أي: بما قامت البينة عليه؛ لأن الحكم مع خطر الاشتباه والجهالة بعيد، والحاجة تندفع بسماع البينة والمكاتبة بها.
وهذا معطوف على (الأظهر) أي: إذا قلنا بسماع البينة .. ففي الحكم بها قولان، فيتحصل من ذلك ثلاثة أقوال: أظهرها: تسمع البينة ولا يحكم، وثانيها: لا تسمع، ولا يحكم، وثالثها: تسمع ويحكم.
ثم فرّع المصنف على الأظهر فقال: (بل يكتب إلى قاضي بلد المال بما شهدت به، فيأخذه) القاضي المكتوب إليه إن وجده بالصفة التي تضمنها الكتاب (ويبعثه إلى) القاضي (الكاتب؛ ليشهدوا على عينه) ليحصل اليقين.
(والأظهر: أنه يسلمه إلى المدعي بكفيل ببدنه) احتياطًا للمدعى عليه، حتى إذا لم يعينه الشهود .. طولب بردّه، (فإن شهدوا بعينه .. كتب ببراءة الكفيل، وإلا .. فعلى المدعي مؤنة الرد) وأجرة تلك المدة إن كان له منفعة، والعين مضمونة عليه حتى

الجزء: 4 - الصفحة: 473

أَوْ غَائِبَةً عَنِ الْمَجْلِسِ لَا الْبَلَدِ .. أُمِرَ بِإِحْضَارِ مَا يُمْكِنُ إِحْضَارُهُ لِيَشْهَدُوا بعَيْنِهِ. وَلَا تُسْمَعُ شَهَادَةٌ بِصِفَةٍ. وَإِذَا وَجَبَ إِحْضَارٌ فَقَالَ: (لَيْسَ بِيَدِي عَيْنٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ) .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ لِلْمُدَّعِي دَعْوَى الْقِيمَةِ، فَإِنْ نَكَلَ فَحَلَفَ الْمُدَّعِي أَوْ أَقَامَ: بَيِّنَةً .. كُلِّفَ الإِحْضَارَ وَحُبِسَ عَلَيْهِ، وَلَا يُطْلَقُ إِلَّا بِإِحْضَارٍ أَوْ دَعْوَى تَلَفٍ

يردها إلى من قبضها منه، نقله ابن الرفعة عن البَنْدَنيجي وأقره، ومقابل الأظهر: أن القاضي بعد الانتزاع يبيعه للمدعي، ويقبض منه الثمن، ويضعه عند عدل، أو يكفله بالثمن، فإن سلم له بالشهادة على عينه عند القاضي الكاتب .. كتب برد الثمن أو براءة الكفيل، وبان بطلان البيع، وإلا .. فالبيع صحيح، ويسلم الثمن إلى المدعى عليه، وهذا بيع يتولاه القاضي للمصلحة؛ كما يبيع الضوال.
(أو غائبةً عن المجلس لا البلدِ .. أمر بإحضار ما يمكن إحضاره؛ ليشهدوا بعينه) لتيسر ذلك، والفرق بينه وبين الغائب: بُعْد الشُّقة 217، وكثرة المشقة.
واحترز بقوله: (ما يمكن): عما لا يمكن إحضاره؛ كالعقار؛ فيحده المدعي ويقيم البينة عليه بتلك الحدود.
(ولا تسمع شهادة بصفة) لعين غائبة عن مجلس الحكم دون البلد؛ كما لا تسمع في غيبة المدعى عليه عن المجلس.
(وإذا وجب إحضار فقال: "ليس بيدي عين بهذه الصفة" .. صدق بيمينه) لأن الأصل عدم عين بيده بهذه الصفة، وتكون يمينه على حسب جوابه.
(ثم للمدعي) بعد حلف المدعى عليه (دعوى القيمة) إن كانت العين متقومة، وإلا .. دعوى المثل؛ لاحتمال أنها هلكت، (فإن نكل) المدعى عليه عن اليمين (فحلف المدعي أو أقام بينة) بأن العين الموصوفة كانت بيده ( .. كلف الإحضار) ليشهدوا على عينه، (وحبس عليه) إن امتنع من إحضاره بلا عذر؛ لأنه حق واجب عليه، (ولا يطلق إلا بإحضار أو دعوى تلف)، فيؤخذ منه البدل، وتقبل دعواه التلفَ وإن ناقض قوله الأول؛ للضرورة؛ لأنه قد يكون صادقًا، فلو لم يقبل قوله .. لخلد حبسه.

الجزء: 4 - الصفحة: 474

وَلَوْ شَكَّ الْمُدَّعِي هَلْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ فَيَدَّعِي قِيمَةً أَمْ لَا فَيَدَّعِيهَا؟ فَقَالَ: (غَصَبَ مِنِّي كَذَا، فَإِنْ بَقِيَ .. لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَإِلَّا .. فَقِيمَتُهُ) .. سُمِعَتْ دَعْوَاهُ، وَقِيلَ: لَا، بَلْ يَدَّعِيهَا وَيُحَلِّفُهُ ثُمَّ يَدَّعِي الْقِيمَةَ، وَيَجْرِيَانِ فِيمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ لِدَلَّالٍ لِيَبيعَهُ فَجَحَدَهُ وَشَكَّ هَلْ بَاعَهُ فَيَطْلُبُ الثَّمَنَ، أَمْ أَتْلَفَهُ فَقِيمَتَهُ، أَمْ هُوَ بَاقٍ فَيَطْلُبُهُ؟ وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا الإِحْضَارَ فَثَبَتَ لِلْمُدَّعِي .. اسْتَقَرَّتْ مُؤْنَتُهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِلَّا .. فَهِيَ وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُدَّعِي

(ولو شك المدعي هل تلفت العين فيدعي قيمة أم لا فيدعيها؟ فقال: "غصب مني كذا، فإن بقي .. لزمه رده، وإلا .. فقيمته") إن كان متقومًا ( .. سمعت دعواه) مع التردد، للحاجة، فعلى هذا: يحلف أنه لا يلزمه رد العين ولا قيمتها، (وقيل: لا) لأنها غير جازمة، (بل يدعيها ويحلفه) عليها (ثم يدعي القيمة) إن كانت متقومة، وإلا .. فالمثل.
(ويجريان فيمن دفع ثوبه لدلال ليبيعه فجحده وشك هل باعه فيطلب الثمن، أم أتلفه فقيمته، أم هو باق فيطلبه؟ )، فعلى الأصح: يدعي أن عليه ردَّ الثوب أو ثمنَه إن كان باعه وأخذ ثمنه، أو قيمته إن كان أتلفه، ويحلف الخصم يمينًا واحدة أنه لا يلزمه تسليم الثوب ولا ثمنه ولا قيمته، وعلى الثاني: يدعي العينَ في دعوى والثمنَ في أخرى والقيمةَ في أخرى.
فلو نكل المدعى عليه عن اليمين .. هل يحلف المدعي على التردد - كما في الدعوى - أم لا بدّ من التعيين في اليمين؟ حكى الرافعي في (الدعاوى) عن الإمام فيه وجهين 218. (وحيث أوجبنا الإحضار فثبت للمدعي .. استقرت مؤنته) لأجل إحضاره (على المدعى عليه) لأنه المحوج إلى ذلك، (وإلا .. فهي) أي: مؤنة الإحضار (ومؤنة الرد على المدعي) لأنه المحوج إليه.


الجزء: 4 - الصفحة: 475

فصلٌ [في بيان من يحكم عليه في غيبته وما يذكر معه]

الْغَائِبُ الَّذِي تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ وُيُحْكَمُ عَلَيْهِ: مَنْ بِمَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، وَهِيَ الَّتِي لَا يَرْجِعُ مِنْهَا مُبَكِّرٌ إِلَى مَوْضِعِهِ لَيْلًا، وَقِيلَ: مَسَافَةُ قَصْرٍ، وَمَنْ بِقَرِيبَةٍ كَحَاضِرٍ .. فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَةٌ وَيُحْكَمُ بِغَيْرِ حُضُورِهِ إِلَّا لِتَوَارِيهِ أَوْ تَعَزُّزِهِ، وَالأَظْهَرُ: جَوَازُ الْقَضَاءِ عَلَى غَائِبٍ فِي قِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ، وَمَنْعُهُ فِي حَدِّ اللهِ تَعَالَى. وَلَوْ سَمِعَ: بَيِّنَةً عَلَى غَائِبٍ فَقَدِمَ قَبْلَ الْحُكْمِ .. لَمْ يَسْتَعِدْهَا،

(فصل: الغائب الذي تسمع البينة ويحكم عليه: من بمسافة بعيدة) لأن القريب يسهل إحضاره، (وهي) أي: المسافة البعيدة (التي لا يرجع منها مبكرٌ إلى موضعه ليلًا) 219 لما في إيجاب الحضور عليه من المشقة الحاصلة بمفارقة الأهل والوطن في الليل، فإن كان يرجع .. فقريبة، (وقيل: مسافة قصر) اعتبارًا بالعادة، فإن كان دون ذلك .. لم يحكم إلا بحضوره.
(ومن بقريبة؛ كحاضر .. فلا تسمعُ بينة ويحكمُ بغير حضوره) 220، بل يحضره ليأتي بمطعن إن أمكنه، بخلاف البعيد؛ فإن انتظاره يطول, (إلا لتواريه أو تعززه) فإنها تسمع ويحكم عليه؛ لتعذر الوصول إليه كالغائب، وإلا .. لاتخذ الناس ذلك ذريعة إلى إبطال الحقوق.
(والأظهر: جواز القضاء على غائب في قصاص وحد قذف) لأنه حق آدمي، فأشبه المال، (ومنعه في حد الله تعالى) كالزنا؛ لأنه مبني على الدرء والمسامحة؛ لاستغنائه، بخلاف حق الآدمي؛ فإنه مبني على الضيق؛ لاحتياجه، والثاني: الجواز مطلقًا؛ كالأموال، فيكتب إلى قاضي بلد المشهود عليه لياخذ بالعقوبة، والثالث: المنع مطلقًا؛ لحظر الدماء، والحد يُسعى في دفعه، ولا يُوسَّع بابه، وحقوقُ الله تعالى الماليةُ كحقوق الآدميين على المذهب.
(ولو سمع بينة على غائب فقدم قبل الحكم .. لم يستعدها) أي: لا يجب أن

الجزء: 4 - الصفحة: 476

بَلْ يُخْبِرُهُ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ جَرْحٍ، وَلَوْ عُزِلَ بَعْدَ سَمَاعِ: بَيِّنَةٍ ثُمَّ وُلِّيَ .. وَجَبَتِ الاسْتِعَادَةُ. وَإِذَا اسْتُعْدِيَ عَلَى حَاضِرٍ بِالْبَلَدِ .. أَحْضَرَهُ بِدَفْعِ خَتْمِ طِينٍ رَطْبٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ بِمُرَتَّبٍ لِذَلِكَ، فَإِنِ امْتَنَعَ بِلَا عُذْرٍ .. أَحْضَرَهُ بِأَعْوَانِ السُّلْطَانِ وَعَزَّرَهُ، أَوْ غَائِبٍ فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِ .. فَلَيْسَ لَهُ إِحْضَارُهُ، أَوْ فِيهَا وَلَهُ هُنَاكَ نَائِبٌ .. لَمْ يُحْضِرْهُ، بَلْ يَسْمَعُ بَيِّنَةً وَيَكْتُبُ إِلَيْهِ، أَوْ لَا نَائِبَ .. فَالأَصَحُّ: يُحْضِرُهُ

يستعيدها (بل يخبره) بالحال (ويمكّنه من جرح) ويمهل في ذلك ثلاثة أيام، وإن قدم بعد الحكم .. فهو على حجته في إقامة البينة بالأداء أو الإبراء وجرح الشهود، ويشترط أن يؤرخ الجارح فسقه بيوم الشهادة؛ لأنه إذا أطلق .. احتمل حدوثه بعد الحكم.
(ولو عزل بعد سماع بينة ثم ولي .. وجبت الاستعادة)، ولا يحكم بالسماع الأول؛ لبطلانها بالعزل.
(وإذا استُعدي على حاضر بالبلد) أهلٍ للجواب ( .. أحضره بدفع ختم طين رطب أو غيره) ليعرضه على الخصم، وليكن مكتوبًا عليه: (أجب القاضي)، هذا إذا جرت به عادة؛ كما قاله في "الكفاية" 221، وإنما ذكر الأصحاب ذلك؛ لأنه كان عادةَ قضاة السلف، وقد هجر ذلك، وجعلوا الكتابة في الكاغد، وهو أولى، (أو بمرتب لذلك)، وهم الأعوان الذين يسمَّون في زمننا بالرسل، وسواء عرف القاضي أن بينهما معاملةً أم لا؛ صيانة للحقوق، ولاحتمال أن له عليه حقًّا بجهة إرث أو إتلاف.
(فإن امتنع بلا عذر .. أحضره بأعوان السلطان وعزّره) بما يراه، وله العفو إن رآه، وإن امتنع لعذر؛ كمرض ونحوه .. بعث إليه من يحكم بينه وبين خصمه، أو يأمره بنصب وكيل ليخاصم عنه.
(أو غائبٍ في غير) محل (ولايته .. فليس له إحضاره) لانتفاء ولايته عليه، (أو فيها وله هناك نائب .. لم يحضره، بل يسمع بينة ويكتب إليه) لأن في إحضاره مشقةً مع إمكان الحكم في ذلك الموضع الذي هو فيه، (أو لا نائبَ .. فالأصح: يحضره

الجزء: 4 - الصفحة: 477

مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى فَقَطْ، وَهِيَ الَّتِي يَرْجِعُ مِنْهَا مُبَكِّرٌ لَيْلًا، وَأَنَّ الْمُخَدَّرَةَ لَا تُحْضَرُ، وَهِيَ مَنْ لَا يَكْثُرُ خُرُوجُهَا لِحَاجَاتٍ.

من مسافة العدوى فقط، وهي التي يرجع منها مبكر ليلًا) إلى موضعه، فإن كان فوق ذلك .. لم يستحضره، والثاني: إن كان دون مسافة القصر .. أحضره، وإلا .. فلا، والثالث: يحضره قربت المسافة أم بعدت.
نعم؛ له أن يبعث إلى بلد المطلوب من يحكم بينه وبين المستدعي، وهو ما نقله الماوردي عن الأكثرين، وحكاه في "الكفاية" عن ظاهر النص، وظاهر كلام "الروضة" و"أصلها": ترجيحه؛ فإنهما نقلا ترجيحه عن العراقيين، ونقلا الأول عن الإمام فقط 222. (وأن المخدرة لا تحضر) صرفًا للمشقة عنها؛ كالمريض، (وهي من لا يكثر خروجها لحاجات) متكررة؛ كشراء قطن وخبز، وبيع غزل ونحوها، ولا يضر خروجها نادرًا لعزاء وزيارة وحمام، وإذا لم يحضرها .. فقيل: يبعث الحاكم من يحكم بينهما، وكلام الرافعي يقتضيه؛ فإنه جعلها كالمريض، وحكى القاضي الحسين عن النصّ: أنها تؤمر بالتوكيل، فإن توجهت عليها يمين .. أنفذ إليها من يحلفها، قال ابن الرفعة: وكلا الأمرين جائز عند الجمهور 223، والوجه الثاني: يحضرها كغيرها.


الجزء: 4 - الصفحة: 478

بابُ القِسْمَة قَدْ يَقْسِمُ الشُّرَكَاءُ أَوْ مَنْصُوبُهُمْ أَوْ مَنْصُوبُ الإِمَامِ، وَشَرْطُ مَنْصُوبِهِ: ذَكَرٌ، حُرٌّ، عَدْلٌ، يَعْلَمُ الْمِسَاحَةَ وَالْحِسَابَ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا تَقْوِيمٌ .. وَجَبَ قَاسِمَانِ،

﴿باب القسمة﴾ هي بكسر القاف.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾، وقسمتُه صلى الله عليه وسلم الغنائمَ 224، والحاجة داعية إليها؛ ليتمكنَ كل واحد من الشركاء من التصرف في ملكه على الكمال، ويتخلصَ من سوء المشاركة واختلاف الأيدي.
(قد يقسم الشركاء، أو منصوبهم، أو منصوب الإمام) لحصول المقصود بكل واحد من ذلك.
(وشرط منصوبه) أي: الإمام (ذكر، حر، عدل) لأنه يلزم كالحاكم (يعلم المساحة والحساب) لأنهما آلة القسمة؛ كما أن الفقه آلة القضاء، وهل يشترط معرفة التقويم؟ فيه وجهان، قال في "المهمات": والراجح: أنه ليس بشرط، وبه صرح البَنْدَنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ؛ فجعلوه مستحبًّا 225. وخرج بـ (منصوبه): منصوب الشركاء؛ فلا يشترط فيه ذلك، بل يجوز أن يكون عبدًا وفاسقًا؛ لأنه وكيل لهم.
(فإن كان فيها تقويم .. وجب قاسمان) لأن التقويم لا يثبت إلا باثنين، قال ابن الرفعة: وقضية هذا: أن الحاكم لو فوض لواحد سماع البينة بالتقويم وأن يحكم .. أنه لا يكفي، وقد قال الإمام: إن ذلك سائغ، كذا حكاه الأَذْرَعي وابن الملقن عنه، وأقراه 226، وهذا عين قول المصنف بعدُ: (وللإمام جعل القاسم حاكمًا في التقويم،

الجزء: 4 - الصفحة: 479

وَإِلَّا .. فَقَاسِمٌ، وَفِي قَوْلٍ: اثْنَانِ، وَلِلإِمَامِ جَعْلُ الْقَاسِمِ حَاكِمًا فِي التَّقْوِيمِ فَيَعْمَلُ فِيهِ بِعَدْلَيْنِ، وَيُقْسِمُ. وَيَجْعَلُ الإِمَامُ رِزْقَ مَنْصُوبِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ .. فَأُجْرَتُهُ عَلَى الشُّرَكَاءِ، فَإِنِ اسْتَأْجَرُوهُ وَسَمَّى كُلٌّ قَدْرًا .. لَزِمَهُ، وَإِلَّا .. فَالأُجْرَةُ مُوَزَّعَةٌ عَلَى الْحِصَصِ، وَفِي قَوْلٍ: عَلَى الرُّؤُوسِ

فيعمل فيه بعدلين، ويقسم) فيما يظهر، فليتأمل.
(وإلا) أي: وإن لم يكن فيها تقويم ( .. فقاسم) كالكيال والوزّان من جهة استناده إلى عمل، (وفي قول: اثنان) كالمقومين والمجتهدين في جزاء الصيد.
ومأخذ الوجهين: أنه حاكم أو شاهد، والراجح: الأول.
(وللإمام جعل القاسم حاكمًا في التقويم، فيعمل فيه بعدلين، ويقسم) بنفسه، وهذا كالمستثنى من شرط العدد.
(ويجعل الإمام رزق منصوبه من بيت المال) لأنه من المصالح، (فإن لم يكن) فيه مال، أو كان ولكن كان ثَمّ مصرفٌ أهمُّ من ذلك ( .. فأجرته على الشركاء) لأنه يعمل لهم، وفُرِّق بينه وبين القاضي؛ حيث لا يجوز له أخذ أجرة على الحكم: بأن القضاء حق الله تعالى، والقسمة من حقوق الآدميين المتمحضة.
وقضية هذا الفرق: أن للقاضي أخذَ الأجرة إذا قسم بينهم، وفيه نظر.
(فإن استأجروه وسمّى كل قدرًا .. لزمه) سواء تساووا فيه أو تفاضلوا، (وإلا) أي: وإن سموا له أجرة، ولم يسم كل واحد ما يخصه، بل أطلقوا ( .. فالأجرة موزعة على الحصص) لأنها من مؤن الملك؛ كنفقة المشترك، (وفي قول: على الرؤوس) لأن عمله في الحساب والمساحة يقع لهم جميعًا، وقد يكون الحساب في الجزء القليل أغمض.
ومنهم من قطع بالأول، وهو ما صححه في "أصل الروضة" 227؛ إذ قد يكون له سهم من ألف سهم، فلو ألزم نصف الأجرة .. فربما استوعب قيمة نصيبه، وهو مدفوع في العقول، هذا في غير قسمة التعديل، أما فيها .. فإنها توزع بحسب المأخوذ قلة أو كثرة، لا بحسب الحصص على الأصح؛ لأن العمل في الكثير أكثر.

الجزء: 4 - الصفحة: 480

ثُمَّ مَا عَظُمَ الضَّرَرُ فِي قِسْمَتِهِ كَجَوْهَرَةٍ وَثَوْبٍ نَفِيسَيْنِ وَزَوْجَيْ خُفٍّ؛ إِنْ طَلَبَ الشُّرَكَاءُ كُلُّهُمْ قِسْمَتَهُ .. لَمْ يُجِبْهُمُ الْقَاضِي، وَلَا يَمْنَعُهُمْ إِنْ قَسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ إِنْ لَمْ تبطُلْ مَنْفَعَتُهُ كَسَيْفٍ يُكْسَرُ، وَمَا يَبْطُلُ نَفْعُهُ الْمَقْصُودُ كَحَمَّامٍ وَطَاحُونٍ صَغِيرَيْنِ .. لَا يُجَابُ طَالِبُ قِسْمَتِهِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَمَّامَيْنِ .. أُجِيبَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عُشْرُ دَارٍ لَا تَصلُحُ لِلسُّكْنَى وَالْبَاقِي لآخَرَ .. فَالأَصَحُّ: إِجْبَارُ صَاحِبِ الْعُشْرِ بِطَلَبِ صَاحِبهِ دُونَ عَكْسِهِ. وَمَا لَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ فَقِسْمَتُهُ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا: بِالأَجْزَاءِ

(ثم ما عظم الضرر في قسمته؛ كجوهرة وثوب نفيسين وزوجي خف؛ إن طلب الشركاء كلهم قسمته .. لم يجبهم القاضي) إذا كانت تبطل منفعته بالكلية، ويمنعهم أن يقسموا لأنفسهم أيضًا؛ لأنه سفه.
(ولا يمنعهم إن قسموا بأنفسهم إن لم تبطل منفعته) بالكلية (؛ كسيف يكسر)، ولا يجيبهم إلى ذلك على الأصح.
(وما يبطل نفعه المقصود؛ كحمّام وطاحون 228 صغيرين .. لا يجاب طالب قسمته) جبرأ (في الأصح) لما فيه من الضرر للآخر، وفي الحديث: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"، رواه مالك وغيره 229، والثاني: يجاب إن انتفع به بعد القسمة بوجه ما.
(فإن أمكن جعله حمامين) أو طاحونين ( .. أجيب) وأجبر الممتنع؛ إذ لا ضرر فيه، ولو احتاج إلى إحداث بئر أو مستوقد .. أجبر أيضًا على الأصح؛ لتيسر التدارك.
(ولو كان له عشر دار لا تصلح للسكنى والباقي لآخر .. فالأصح: إجبار صاحب العشر بطلب صاحبه) لأن الطالب ينتفع بها، وضرر صاحب العشر لا ينشأ من مجرد القسمة، بل سببه قلة نصيبه، والثاني: المنع؛ لضرر شريكه، (دون عكسه) لأنه مضيع لماله متعنت، والثاني: يجبر؛ ليتميز ملكه.
(وما لا يعظم ضرره فقسمته أنواع: أحدها: بالأجزاء) وتسمى: قسمة

الجزء: 4 - الصفحة: 481

كَمِثْلِيٍّ، وَدَارٍ مُتَّفِقَةِ الأَبْنِيَةِ، وَأَرْضٍ مُشْتَبِهَةِ الأَجْزَاءِ، فَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ، فَتُعَدَّلُ السِّهَامُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا أَوْ ذَرْعًا بِعَدَدِ الأَنْصِبَاءِ إِنِ اسْتَوَتْ، وَيُكْتَبُ فِي كُلِّ رُقْعَةٍ اسْمُ شَرِيكٍ أَوْ جُزْءٌ مُمَيَّزٌ بِحَدٍّ أَوْ جِهَةٍ، وَتُدْرَجُ فِي بَنَادِقَ مُسْتَوِيَةٍ، ثُمَّ يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يَحْضرْهَا رُقْعَةً عَلَى الْجُزْءِ الأَوَّلِ إِنْ كَتَبَ الأَسْمَاءَ، فَيُعْطِي مَنْ خَرَجَ أسْمُهُ، أَوْ عَلَى اسْمِ زَيْدٍ إِنْ كَتَبَ الأَجْزَاءَ،

الأجزاء، وقسمة المتشابهات (كمثلي) كالحبوب والنقود، (ودار متفقة الأبنية، وأرض مشتبهة الأجزاء، فيجبر الممتنع) على هذه القسمة، سواء استوت الأنصباء أم تفاوتت؛ لينتفع الطالب بماله على الكمال ويتخلص من سوء المشاركة، مع أنه لا ضرر فيها على الشريك؛ كما لو اختلط له درهم بعشرة.
(فتعدل السهام كيلًا) في المكيل (أو وزنًا) في الموزون (أو ذرعًا) في المذروع؛ كالأرض المتساوية (بعدد الأنصباء إن استوت) كما إذا كانت بين ثلاثة أثلاثًا .. فتجعل ثلاثة أجزاء، ثم تؤخذ ثلاث رقاع متساوية، (ويكتب في كل رقعة اسم شريك) من الشركاء (أو جزء) من الأجزاء (مميز بحد أو جهة) أو غيرهما، (وتدرج في بنادق مستوية) وزنًا وشكلًا من طين مجفف أو شمع، ويجعل في حجر من لم يحضر الكتابة والإدراج، فإن كان صبيًّا أو أعجميًّا .. كان أولى؛ لأن القصد سترها عن المخرِج حتى لا يتوجه إليه تهمة.
وإنما ذكر التساوي في البنادق؛ لأنها لو اختلفت .. لسبقت الكبيرة إلى اليد، وفيه ترجيح لصاحبها.
(ثم يخرج من لم يحضرها) أي: لم يحضر هذه الأمور المذكورة (رقعة على الجزء الأول إن كتب الأسماء) في الرقاع، (فيعطي من خرج اسمه)، ثم يؤمر بإخراج أخرى على الجزء الذي يليه، فمن خرج اسمه من الآخرين .. أخذه، ويتعين الثالث للثالث، ويقاس على هذا المثال، (أو على اسم زيد إن كتب الأجزاء) أي: وإن كتب في الرقاع أسماء الأجزاء .. أخرجت رقعة باسم زيد مثلًا، ثم أخرى باسم عمرو، ويتعين الثالث للثالث، والاعتبارُ في البداءة بواحد من الشركاء والأجزاء منوطٌ بنظر القاسم، فيقف على أي طرف شاء، ويسمي من شاء.

الجزء: 4 - الصفحة: 482

فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الأَنْصِبَاءُ كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَسُدُسٍ .. جُزِّئَتِ الأَرْضُ عَلَى أَقَلِّ السِّهَامِ وَقُسِّمَتْ كَمَا سَبَقَ، وَيَحْتَرِزُ عَنْ تَفْرِيقِ حِصَّةِ وَاحِدٍ. الثَّانِي: بِالتَّعْدِيلِ كَأَرْضٍ تَخْتَلِفُ قِيمَةُ أَجْزَائِهَا بِحَسَبِ قُوَّةِ إِنْبَاتٍ وَقُرْبِ مَاءٍ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا فِي الأَظْهَرِ، وَلَوِ اسْتَوَتْ قِيمَةُ دَارَيْنِ أَوْ حَانُوتَيْنِ فَطَلَبَ جَعْلَ كُلٍّ لِوَاحِدٍ .. فَلَا إِجْبَارَ، أَوْ عَبيدٍ أَوْ ثِيَابٍ مِنْ نَوْعٍ .. أُجْبِرَ، أَوْ نَوْعَيْنِ .. فَلَا

(فإن اختلفت الأنصباء؛ كنصف وثلث وسدس .. جزئت الأرض على أقل السهام)، فتجزأ في مثاله ستة أجزاء، (وقسمت كما سبق، ويحترز عن تفريق حصة واحد).
قوله: (ويحترز عن تفريق حصة واحد): يحتمل أنه احترز به عن كتابة الأجزاء في الرقاع؛ فإنه إذا كتبها وأخرجت على الأسماء .. ربما خرج لصاحب السدس الجزء الثاني أو الخامس، فيفرق ملك من له النصف أو الثلث، فيتعين حينئذ كتابة الأسماء وهو وجه، والأصح: الجواز، وقوله: (وقسمت كما سبق): يقتضيه، ولكن الأولى أن تكتب الأسماء دون الأجزاء؛ لما ذكرناه.
وطريق الاحتراز عن تفريق حصة واحد حينئذ: ألا يخرج اسم صاحب السدس أولًا؛ فإن التفريق إنما جاء من قِبله.
النوع (الثاني: بالتعديل؛ كأرض تختلف قيمة أجزائها بحسب قوة إنبات وقرب ماء) ونحو ذلك مما يرفع قيمة أحد الطرفين على الآخر، فيكون ثلثها لجودته مثل ثلثيها بالقيمة مثلًا، فيجعل هذا سهمًا وهذا سهمًا إن كانت بينهما نصفين، وإن اختلفت الأنصباء؛ كنصف وثلث وسدس .. جعلت ستة أسهم بالقيمة دون المساحة.
(ويجبر عليها في الأظهر) إلحاقًا للتساوي في القيمة بالتساوي في الأجزاء، والثاني: لا؛ لاختلاف الأغراض والمنافع.
(ولو استوت قيمة دارين أو حانوتين فطلب جعل كل لواحد .. فلا إجبار)، سواء تجاورا أو تباعدا؛ لتفاوت الأغراض باختلاف المحال والأبنية، (أو عبيد أو ثياب) أو دوابَّ (من نوع .. أجبر) لقلة الأغراض فيها، بخلاف الدور، (أو نوعين) كعبدين؛ تركي وهندي، وثوبين؛ أَبْرَيسم وكتان، أو جنسين؛ كعبد وثوب ( .. فلا) إجبار؛

الجزء: 4 - الصفحة: 483

الثَّالِثُ: بِالرَّدِّ؛ بِأَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ بِئْرٌ أَوْ شَجَرٌ لَا تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، فَيَرُدُّ مَنْ يَأْخُذُهُ قِسْطَ قِيمَتِهِ، وَلَا إِجْبَارَ فِيهِ، وَهُوَ بَيْعٌ، وَكَذَا التَّعْدِيلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِسْمَةُ الأَجْزَاءِ إِفْرَازٌ فِي الأَظْهَرِ

لشدة تعلق الأغراض بكل جنس وبكل نوع، وإنما يقسم مثل هذا بالتراضي.
النوع (الثالث: بالرد؛ بأن يكون في أحد الجانبين بئر أو شجر لا تمكن قسمته، فيرد من يأخذه قسط قيمته) كما إذا كانت قيمةُ كل جانب ألفًا وقيمةُ البئر أو الشجر ألفًا فاقتسما .. رد آخذ ما فيه البئر أو الشجر خمسَ مئة.
(ولا إجبار فيه) أي: في هذا النوع؛ لأنه دخله ما لا شركة فيه، وهو المال المردود، فإذا تراضيا على قسمة الرد .. جاز أن يتفقا على من يأخذ النفيس يرد، ويجوز أن يحكِّما القرعة؛ ليرد من خرج له النفيس.
(وهو) أي: هذا النوع، وهو قسمة الرد (بيع) لوجود حقيقته، وهو مقابلة المال بالمال، فيثبت فيها أحكام البيع؛ من الخيار والشفعة وغيرهما، إلا أنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك والقبول.
(وكذا التعديل على المذهب) لأن كل جزء مشترك بينهما، وإنما دخلها الإجبار؛ للحاجة؛ كما يبيع الحاكم مال المديون جبرًا، والطريق الثاني: طرد القولين في قسمة الأجزاء.
(وقسمة الأجزاء إفراز في الأظهر) لأنها لو كانت بيعًا .. لما دخلها الإجبار ولما جاز الاعتماد على القرعة، ومعنى الإفراز: أن القسمة تبين أن ما خرج لكل واحد منهما هو الذي ملكه؛ كالمال الثابت في الذمة يتعين بالقبض وإن لم تكن العين المقبوضة دينًا، ولا نجعلها عوضًا عن الدين؛ إذ لو قدرنا ذلك .. لما صح قبض المسلَم فيه من جهة امتناع الاعتياض عنه، والثاني: أنها بيع؛ لأن ما من جزء من المال إلا وكان مشتركًا بينهما، فإذا اقتسما .. فكأنه باع كل منهما ما كان له في حصة صاحبه بما له في حصته، وصححه الشيخان في أوائل (باب الربا)، وفي (باب زكاة المعشرات) 230.

الجزء: 4 - الصفحة: 484

وَيُشْتَرَطُ فِي الرَّدِّ الرِّضَا بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ. وَلَوْ تَرَاضَيَا بِقِسْمَةِ مَا لَا إِجْبَارَ فِيهِ .. اشْتُرِطَ الرِّضَا بَعْدَ الْقُرْعَةِ فِي الأَصَحِّ، كَقَوْلِهِمَا: (رَضِينَا بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ)، أَوْ (بِمَا أَخْرَجَتْهُ الْقُرْعَةُ). وَلَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ غَلَطٌ أَوْ حَيْفٌ فِي قِسْمَةِ إِجْبَارٍ .. نُقِضَتْ،

(ويشترط في الرد: الرضا بعد خروج القرعة) لأنها بيع، والبيع لا يحصل بالقرعة، فافتقر إلى التراضي بعد خروجها.
(ولو تراضيا بقسمة ما لا إجبار فيه .. اشترط الرضا بعد خروج القرعة في الأصح)، هذه العبارة فيها خلل من وجهين: أحدهما: أن ما لا إجبار فيه هو قسمة الرد فقط، وقد ذكرها قبلها بلا فاصلة، وجزم باشتراط الرضا، فلزم التكرار مع جزمهِ أولًا وحكايةِ الخلاف ثانيًا، الثاني: أنه عكس ما في "المحرر"؛ فإنه لم يذكر فيه هذا الخلاف إلا في قسمة الإجبار، فقال: (والقسمة التي يجبر عليها إذا جرت بالتراضي .. هل يعتبر تكرار الرضا بعد خروج القرعة؟ فيها وجهان، رجح منهما التكرير) 231. والظاهر: أن ما وقع في "الكتاب" سبق قلم، ولعله أراد أن يكتب: (ما الإجبار فيه) بالألف واللام، ثم أسقط الألف، فقرئت: (ما لا إجبار فيه)، فالصواب: إثباتُ الألف وقراءتُها: (ما الإجبار فيه)، وبه يزول إشكال التكرار والتناقض والتعاكس، والخلاف في هذه المسألة كالخلاف فيما إذا حكما رجلًا فحكم بينهما؛ هل يكفي الرضا الأول أم لا؟ (كقولهما: "رضينا بهذه القسمة"، أو "بما أخرجته القرعة") لأن الرضا أمر خفي، فوجب أن يناط بأمر ظاهر يدل عليه.
(ولو ثبت ببينة غلط أو حيف في قسمة إجبار .. نقضت) كما لو قامت بينة على ظلم القاضي وكذب الشهود.
ولو حذف لفظ (البينة) .. لكان أخصر وأشمل؛ لتناوله ما إذا ثبت ذلك بإقرار الخصم، أو باليمين المردودة، أو بعلم القاضي الحاكم .. فكل ذلك يثبت به، وليس ببينة.

الجزء: 4 - الصفحة: 485

فَإِنْ لَمْ تَكُنْ: بَيِّنَةٌ وَادَّعَاهُ وَاحِدٌ .. فَلَهُ تَحْلِيفُ شَرِيكِهِ، وَلَوِ ادَّعَاهُ فِي قِسْمَةِ تَرَاضٍ وَقُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْغَلَطِ، فَلَا فَائِدَةَ لِهَذِهِ الدَّعْوَى. قُلْتُ: وَإِنْ قُلْنَا: إِفْرَازٌ .. نُقِضَتْ إِنْ ثَبَتَ، وَإِلَّا .. فَيَحْلِفُ شَرِيكُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوِ اسْتُحِقَّ بَعْضُ الْمَقْسُومِ شَائِعًا .. بَطَلَتْ فِيهِ، وَفِي الْثَّانِي قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، أَوْ مِنَ النَّصِيبَيْنِ مُعَيَّنٌ سَوَاءٌ .. بَقِيَتْ، وَإِلَّا .. بَطَلَتْ.

(فإن لم تكن بينة وادعاه واحد) من الشريكين على شريكه ( .. فله تحليف شريكه) لأن من ادعى على خصمه ما لو أقر به لنفعه فأنكر .. كان له تحليفه، فإن نكل وحلف المدعي .. نقضت القسمة؛ كما لو أقر، وإن حلف .. مضت على الصحة.
(ولو ادعاه) أي: الغلطَ أو الحيفَ (في قسمة تراض وقلنا: هي بيع .. فالأصح: أنه لا أثر للغلط، فلا فائدة لهذه الدعوى) وإن تحقق الغلط؛ لأنه رضي بترك الزيادة له، فصار كما لو اشترى شيئًا بغبن، والثاني: أنها تنقض؛ لأنهما تراضيا لاعتقادهما أنهما قسمة عدل.
(قلت: وإن قلنا: إفراز .. نقضت إن ثبت) الغلط أو الحيف؛ لأن الإفراز لا يتحقق مع التفاوت، (وإلا) أي: وإن لم يثبت ( .. فيحلف شريكه، والله أعلم) وهذا كله إذا اعتبرنا الرضا بعد خروج القرعة، فإن لم نعتبره .. فالحكم كما لو ادعى الغلط في قسمة الإجبار.
(ولو استحق بعض المقسوم شائعًا) كالربع مثلًا ( .. بطلت فيه، وفي الثاني 232: قولا تفريق الصفقة)، فيصح في الباقي في الأظهر ويثبت الخيار، ويبطل في الكل على القول الثاني، (أو من النصيبين معين سواء .. بقيت، وإلا .. بطلت) أي: إذا استُحِقَّ شيء معين؛ فإن اختص المستحق بنصيب أحدهما، أو عم النصيبين لكنه في نصيب أحدهما أكثر .. بطلت القسمة؛ لأن ما تبقى لكل واحد لا يكون قدر حقه، بل يحتاج أحدهما إلى الرجوع على الآخر، وتعود الإشاعة، وإن استوى المستحق في نصيبهما .. بقيت القسمة في الباقي؛ لأنه لا تراجع بين الشريكين.


الجزء: 4 - الصفحة: 486

كتابُ الشهادات شَرْطُ الشَّاهِدِ: مُسْلِمٌ، حُرٌّ، مُكَلَّفٌ، عَدْلٌ، ذُو مُرُوءَةٍ، غَيْرُ مُتَّهَمٍ، وَشَرْطُ الْعَدَالَةِ: اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَالإِصْرَارِ عَلَى

﴿كتاب الشهادات﴾ الشهادة: الإخبار بما شوهد، مأخوذة من الشهود، وهو الحضور؛ لأن الشاهد شاهد ما غاب عن غيره، وقيل: مأخوذة من الإعلام.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ وهو أمر إرشاد لا وجوب، ومن السنة أحاديث شهيرة في الباب.
(شرط الشاهد: مسلم) لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ والكافر ليس بعدل، وسواء شهد على مسلم أو كافر من أهل ملته أو غيرها، في حضر أو سفر، في وصية أو غيرها، كان هناك مسلم أو لم يكن.
(حر) فلا تقبل شهادة عبد؛ لأن الشهادة فيها معنى الولاية، وهو مسلوبٌ منها، (مكلف) فلا تقبل شهادة مجنون وصبي بالإجماع، (عدل) فلا تقبل من فاسق؛ للآية السابقة، (ذو مروءة) لأن ما لا مروءة له .. لا حياء له، ومن لا حياء له .. قال ما شاء، وسيأتي تفسير المروءة.
(غير متهم) لحديث: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ ذِي الظِّنَّةِ" رواه البيهقي مرسلًا، وأسنده شيخه الحاكم 233، والظنة: التهمة.
وبقي من الشروط النطق؛ فلا تقبل شهادة الأخرس ولو فهمت إشارته في الأصح، وعدم السفه؛ فلا تقبل شهادة المحجور عليه بالسفه؛ كما نقله في "أصل الروضة" قبيل (فصل التوبة) عن الصيمري، وقال: إن كان كذلك .. فهو شرط آخر 234. (وشرط العدالة: اجتناب الكبائر) لأن مرتكب الكبيرة فاسق، (والإصرار على

الجزء: 4 - الصفحة: 487

صَغِيرَةٍ، وَيَحْرُمُ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُكْرَهُ شِطْرَنْجٌ، فَإِنْ شُرِطَ فِيهِ مَالٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ .. فَقِمَارٌ،

صغيرة) دون الاجتناب الكلي، فقلَّ من يسلم منها إلا من عصمه الله تعالى.
وقضية كلامه: أن الإصرار على صغيرة مبطل للعدالة مطلقًا، ويخالفه قوله في "الروضة" تبعًا لـ "أصلها": وهل الإصرار السالب للعدالة المداومة على نوع من الصغائر أو الإكثار من الصغائر، سواء كانت من نوع أو أنواع؟ فيه وجهان، ويوافق الثاني قول الجمهور: أن من غلبت طاعاته معاصيه .. كان عدلًا، وعكسه فاسق، ولفظ الشافعي رضي الله عنه في "المختصر" يوافقه؛ فعلى هذا: لا تضر المداومة على نوع من الصغائر إذا غلبت الطاعات، وعلى الأول: تضر 235. (ويحرم اللعب بالنرد على الصحيح) لحديث: "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ .. فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ" رواه مسلم 236، والثاني: أنه مكروه كالشطرنج؛ لكنه أشد كراهة.
والفرق على الأصح: أن وضع الشطرنج لصحة الفكر والتدبر؛ فهو يعين على تدبر الحروب والحساب، والنرد موضوعة على ما يخرجه الكعبان؛ فهو كالأزلام.
(ويكره بشطرنج) لأن الأصل الإباحة، وقد روي اللعب عن جماعة من الصحابة والتابعين، وروى الشافعي عن سعيد بن جبير رضي الله عنه: أنه كان يلعب به وهو مستدبر ولا يراه 237، وإنما كره وإن لم يثبت فيه نهي؛ لقول علي رضي الله عنه للاعبين به: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون 238، ولخوف الاشتغال به عن الصلاة، وليس في الباب حديث صحيح ولا حسن.
(فإن شرط فبه مال من الجانبين .. فقمار) فيحرم، فإن أخرج أحدهما المال ليبذله إن غُلِبَ، ويمسكه إن غَلَبَ .. فليس بقمار، بل هو عقدُ مسابقةٍ على غير آلة قتال، ولا يصح.

الجزء: 4 - الصفحة: 488

وُيبَاحُ الْحُدَاءُ وَسَمَاعُهُ، وَيُكْرَهُ الْغِنَاءُ بِلَا آلَةٍ وَسَمَاعُهُ، وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ آلَةٍ مِنْ شِعَارِ الشَّرَبَةِ، كَطُنْبُورٍ وَعُودٍ وَصَنْجٍ وَمِزْمَارٍ عِرَاقِيٍّ، وَاسْتِمَاعُهَا، لَا يَرَاعٌ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَحْرِيمُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَجُوزُ دُفٌّ لِعُرْسٍ وَخِتَانٍ

ويشترط للجواز أيضًا: ألا يقترن به فحش، أو إخراج الصلاة عن وقتها عمدًا، فإن وجد ذلك .. لرُدَّت شهادته، فإن لم يتعمد الإخراج، بل شغله اللعب به حتى خرج، فإن تكرر منه .. فُسِّق، وإلا .. فلا.
(ويباح الحداء وسماعه) لما فيه من إيقاظ النوام، وتنشيط الإبل للسير، وقد ورد فيه أحاديث.
(ويكره الغناء بلا آلة وسماعه) لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، قال ابن عباس وابن مسعود: هو الغناء بلا آلة على المشهور 239. (ويحرم استعمال آلة من شعار الشربة؛ كطنبور وعود وصنج) وهو صفر يضرب واحد بواحد، (ومزمار عراقي) وسائر المعازف، وهي: آلات اللهو والأوتار؛ كالرباب والجُنْك والسِّنطِير والكَمنْجَة وغيرها.
(واستماعها) لأن سماعها يدعو إلى شرب الخمر لا سيَّما من قرب عهده به (لا يراع) وهو الشبابة (في الأصح) لقصة ابن عمر مع نافع في ذلك، رواه أبو داوود 240، (قلت: الأصح: تحريمه، والله أعلم) لأنه يطرب بانفراده؛ فحرم كسائر المزامير، والقصة المذكورة منكرةٌ؛ كما قاله أبو داوود، وعلى تقدير صحتها؛ فهي حجة في التحريم، وإنما لم يامره بسدِّ أذنيه؛ لأنه لم يصغ إليها، ولهذا قال: أتسمع، ولم يقل أتستمع.
(ويجوز دف لعرس وختان) للنصِّ في العرس 241، والختان بالقياس عليه، وقال البُلْقيني: إنه مستحب؛ لأن مدار ما استدلوا به على الجواز على حديث: "أَعْلِنُوا

الجزء: 4 - الصفحة: 489

  • وَكَذَا غَيْرُهُمَا فِي الأَصَحِّ - وَإِنْ كَانَ فِيهِ جَلَاجِلُ.
    وَيَحْرُمُ ضَرْبُ الْكُوبَةِ - وَهِيَ: طَبْلٌ طَوِيلٌ ضَيِّقُ الْوَسَطِ - لَا الرَّقْصُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَكَسُّرٌ كَفِعْلِ الْمُخَنِّثِ، ===

النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ" 242، هو يقتضي زيادة على الجواز.
انتهى، وقد جزم البغوي في "شرح السنة" بالاستحباب 243، كما نقله الأَذْرَعي وغيره.
(وكذا غيرهما) كقدوم غائب، وكل سرور حادث (في الأصح) لأنه قد يراد إظهار السرور، وقد نذرت امرأة أن تضرب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بالدف إن رجع من سفره سالمًا، فقال عليه الصلاة والسلام: "أَوْفِي بِنَذْرِكِ" حسنه الترمذي 244، والثاني: المنع؛ لأن عمر رضي الله عنه كان إذا سمع صوتًا أو دفًّا .. أنكره؛ فإن كان عرسًا أو ختانًا .. أقره (وإن كان فيه) أي: في الدف (جلاجل) لإطلاق الخبر، ومن ادعى أنها لم تكن بجلاجل .. فعليه الإثبات.
(ويحرم ضرب الكوبة، وهي: طبل طويل ضيق الوسط) واسع الطرفين؛ لحديث: "إِنَّ الله حَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْكُوبَةَ" رواه أبو داوود وابن حبان في "صحيحه" 245. والمعنى فيه: التشبه بالمخنثين؛ فإنهم يعتادون الضرب به، وتفسيره الكوبة بالطبل، قال في "المهمات": (إنه خلاف المشهور في كتب اللغة، قال الخطابي: غلط من قال: الكوبة: الطبل، بل هي النرد، وذكر مثله ابن الأعرابي والزمخشري، وصححه ابن الأثير في "النهاية") 246. (لا الرقص) فإنه لا يحرم؛ لأنه مجرد حركات على استقامة أو اعوجاج، قال القفال: وهو مكروه (إلا أن يكون فيه تكسر؛ كفعل المخنث) فيحرم على الرجال والنساء، كذا حكياه عن الحليمي، وذكر في "المهمات": أن كلام الحليمي ليس

الجزء: 4 - الصفحة: 490

وَيُبَاحُ قَوْلُ شِعْرٍ وَإِنْشَادُهُ، إِلَّا أَنْ يَهْجُوَ، أَوْ يُفْحِشَ، أَوْ يُعَرِّضَ بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَالْمُرُوءَةُ: تَخَلُّق بِخُلُقِ أَمْثَالِهِ فِي زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ، فَالأَكْلُ فِي سُوقٍ، وَالْمَشْيُ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، وَقُبْلَةُ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَإِكْثَارُ حِكَايَاتٍ مُضْحِكَةٍ، وَلُبْسُ فَقِيهٍ قِبَاءً

صريحًا في التحريم، وأنه لم يصرح بذكر النساء 247، وقال البُلْقيني: إن كان التحريم للتشبه بالمخنث المتشبه بالنساء .. فإنما يحرم على الرجال؛ للعن المتشبه من الرجال بالنساء، ولا يحرم على المرأة، فإنه لا دليل يقتضي التحريم، و (المخنث) - بكسر النون، ويجوز فتحها -: الذي يتشبه بالنساء.
(ويباح قول شعر وإنشاده) بالإجماع؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان له شعراء يصغي إليهم؛ منهم: حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك رضي الله عنهم، واستنشد من شعر أمية بن أبي الصلت مئةَ بيت 248. (إلا أن يهجو) في شعره (أو يفحش أو يعرِّض بامرأة معينة) فيحرم في الثلاث، أما في الهجو .. فللإيذاء ولو كان صادقًا، وأما الإفحاش .. فالمراد به: أن يمدح الناس ويطري، ولا يمكن حمله على نوع من المبالغة؛ فهو كسائر أنواع الكذب إذا أكثر منه .. رُدَّت شهادته، وأما التعريض بالمرأة .. فلما فيه من الإيذاء والإشهار والقذف إن صرَّح.
(والمروءة: تخلُّقٌ بخلق أمثاله في زمانه ومكانه) لأن الأمور العرفية قلَّما تضبط بل تختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والبلدان، وقيل: المروءة: التحرز عما يسخر منه ويضحك به، وقيل: أن يصون نفسه عن الأدناس، ولا يشينها عند الناس.
(فالأكل في سوق) والشرب من سقايات الطريق إلا أن يكون سوقيًّا، أو شرب لغلبة العطش.
(والمشي مكشوف الرأس) أو البدن غير العورة، إذا لم يكن ذلك ممن يليق به.
(وقبلة زوجة أو أمة بحضرة الناس، وإكثار حكايات مضحكة، ولبس فقيه قباء

الجزء: 4 - الصفحة: 491

وَقَلَنْسُوَةً حَيْثُ لَا يُعْتَادُ، وَإِكْبَابٌ عَلَى لَعِبِ الشَّطْرَنج أَوْ غِنَاءٍ أَوْ سَمَاعِهِ، وَإِدَامَةُ رَقْصٍ يُسْقِطُهَا، وَالأَمْرُ فِيهِ يَخْتَلِفُ بِالأَشْخَاصِ وَالأَحْوَالِ وَالأَمَاكِنِ، وَحِرْفَةٌ دَنِيَّةٌ كَحِجَامَةٍ وَكَنْسٍ وَدَبغٍ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ بِهِ يُسْقِطُهَا، فَإِنِ اعْتَادَهَا وَكَانَتْ حِرْفَةَ أَبِيهِ .. فَلَا فِي الأَصَحِّ.

وقلنسوة) وهي ما يلبس على الرأس، وكذا لبس تاجر ثوب حمَّال، ولبس حمَّال لبس القضاة 249 (حيث لا يعتاد وإكباب على لعب الشطرنج، أو غناء، أو سماعه، وإدامة رقص يسقطها) أي: المروءة؛ لمنافاة ذلك لها.
وقضية تعبيره بـ (الناس): اعتبار الجمع، وليس كذلك، فلو قال: (بحضرة أجنبي) .. لكان أحسن.
وقضية عدِّه هذه المذكورات في خوارم المروءة دون ما قبلها: أنها لا تحرم وإن كرهت، وهو ما جزم به في "النهاية" و"الوسيط" 250، وذكر في "المطلب": أنه سمع ابن رزين يحكي عمن لقيه من علماء الشام أن في تحريم تعاطي المباحات التي ترد بها الشهادة أوجهًا: ثالثها: إن تعلقت به شهادة .. حرم، وإلا .. فلا.
(والأمر فيه يختلف بالأشخاص والأحوال والأماكن) لأن المدار على العرف، فقد يقبح الشيء من شخص دون غيره، وفي حال دون حال، فليس لعب الشطرنج في الخلوة مرارًا؛ كلعبه في السوق مرة.
(وحرفة دنية؛ كحجامة وكنس ودبغ) كقيِّم حمام وحارس (ممن لا يليق به يسقطها) لإشعار ذلك بقلة مروءته، (فإن اعتادها وكانت حرفة أبيه .. فلا في الأصح) لأنها حرفة مباحة، وبالناس حاجة إليها، فلو ردت الشهادة بها .. لتورع الناس عنها، فيعم الضرر، والثاني: يسقطها؛ لأن في اختياره لها مع اتساع طرق الكسب إشعارًا بقلة المروءة، قال في "زيادة الروضة": لم يتعرض الجمهور لهذا التقييد، وينبغي ألا يقيد بصنعة آبائه، بل ينظر هل يليق به هو أم لا؟ ثم هنا وافق "المحرر" 251، ولم يعترض عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 492

وَالتُّهَمَةُ: أَنْ يَجُرَّ إِلَيْهِ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ ضَرًّا، فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِعَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ وَغَرِيمٍ لَهُ مَيْتٍ أَوْ عَلَيْهِ حَجْرُ فَلَسٍ، وَبِمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ، وَبِبَرَاءَةِ مَنْ ضَمِنَهُ، وَبِجرَاحَةِ مُوَررِّثهِ. وَلَوْ شَهِدَ لِمُوَرِّثٍ لَهُ مَرِيضٍ أَوْ جَرِيحٍ بِمَالٍ قَبْلَ الانْدِمَالِ .. قُبلَتْ فِي الأَصَحِّ، وَتُرَدُّ شَهَادَةُ عَاقِلَةٍ بِفِسْقِ شُهُودِ قَتْلٍ، وَغُرَمَاءِ مُفْلِسٍ بِفِسْقِ شُهُودِ دَيْنٍ آخَرَ. وَلَوْ شَهِدَا لاثْنَينِ بِوَصِيَّةٍ فَشَهِدَا لِلشَّاهِدَيْنِ بِوَصِيَّةٍ مِنْ تِلْكَ التَّرِكَةِ .. قُبِلَتِ الشَّهَادَتَانِ فِي الأَصَحِّ

(والتهمة: أن يجر إليه نفعًا أو يدفع عنه ضررًا، فترد شهادته لعبده) المأذون وغيره؛ لأن ما يشهد به فهو له، (ومكاتبه) لأن له في مال مكاتبه علقة حال الكتابة؛ لأن له المنع من بعض التصرفات، ولأنه بصدد العود إليه بعجز أو تعجيز.
(وغريم له ميت أو عليه حجر فلس) لأنه إذ أثبت للغريم شيئًا .. أثبت لنفسه المطالبة به 252، وتقبل شهادة لغريم لم يحجر عليه ولو معسرًا على الأصح؛ لتعلق الحق بذمته، بخلاف المحجور عليه؛ لأنه يحكم بماله لغرمائه حال الشهادة.
(وبما هو وكيل فيه) لأنه يثبت لنفسه سلطنة التصرف في المشهود به.
(وببراءة من ضمنه) بأداء أو إبراء؛ لأنه يدفع بها الغرم عن نفسه.
(وبجراحة مورثه، ولو شهد لمورث له مريض أو جريح بمال قبل الاندمال .. قبلت في الأصح، وترد شهادة عاقلة بفسق شهود قتل) هذه المسائل مكررة؛ فقد ذكرها في (باب دعوى الدم) وتقدم شرحها إلا أنه أطلق هنا ما يجب تقييده في موضعين، أحدهما: ردُّ جراحة المورث، وهو فيما قبل الاندمال، ثانيهما: ردُّ العاقلة، وهو فيما يتحملونه، وقد ذكره هناك على الصواب.
(وغرماء مفلس) حجر عليه (بفسق شهود دين آخر) ظهر عليه؛ لتهمة ضرر المزاحمة.
(ولو شهدا لاثنين بوصية فشهدا للشاهدين بوصية من تلك التركة .. قبلت الشهادتان في الأصح) لانفصال كلِّ شهادة عن الأخرى، ولا تجر شهادته نفعًا إلى نفسه، ولا تدفع عنه ضررًا، والثاني: المنع؛ لتهمة المواطأة، وجعل في

الجزء: 4 - الصفحة: 493

وَلَا تُقْبَلُ لِأصْلٍ وَلَا فَرْعٍ، وَتُقْبَلُ عَلَيْهِمَا، وَكَذَا عَلَى أَبيهِمَا بطَلَاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا أَوْ قَذْفِهَا فِي الأَظْهَرِ، وَإِذَا شَهِدَ لِفَرْعٍ وَأَجْنَبِيٍّ .. قُبلَتْ لِلأَجْنَبِيِّ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: وَتُقْبَلُ لِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ وَلِأخٍ وَصَدِيقٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا تُقْبَلُ مِنْ عَدُوٍّ - وَهُوَ: مَنْ يُبْغِضُهُ بِحَيْثُ يَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَتِهِ، وَيَحْزَنُ

"الروضة" الخلاف ضعيفًا فعبر بالصحيح 253، وخالفه هنا.
(ولا تقبل لأصل) وإن علا (ولا فرع) وإن سفل؛ لأنه كالشهادة لنفسه، لأنه جزء منه، ففي الصحيح: "فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي" 254، وعن القديم: القبول؛ لأن الشخص لا يكون صادقًا في شيء دون شيء، ورُدَّ بمنع شهادته لنفسه، وكذا لا تقبل لمكاتب أصله، أو فرعه، ولا لمأذونهما.
(وتقبل عليهما) لانتفاء التهمة (وكذا على أبيهما بطلاق ضرة أمهما أو قذفها في الأظهر) وهي تحته؛ لضعف نفع أمهما بذلك؛ لأنه مهما أراد .. طلقها، أو نكح عليها مع إمساكها، والثاني: المنع؛ لأنها تجر نفعًا إلى أمهما، وهو انفرادها بالأب، فإن الطلاق ينجز ذلك، والقذف يحوج إلى اللعان، وهو سبب الفرقة.
(وإذا شهد لفرع وأجنبي .. قبلت للأجنبي في الأظهر) وردت في حق الفرع قطعًا، وهذا هو الخلاف في تفريق الصفقة.
(قلت: وتقبل لكل من الزوجين) للآخر؛ لأن الحاصل بينهما عقد يطرأ ويزول، فلا يمنع قبول الشهادة؛ كما لو شهد الأجير للمستأجر وعكسه، وقيل: لا تقبل؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما وارث لا يحجب، فأشبه الأب، وبه قال الأئمة الثلاثة، وقيل: تقبل شهادته لها دون عكسه؛ لأن لها النفقة عليه فهي متهمة.
(ولأخ وصديق والله أعلم) لضعف التهمة؛ لأنهما لا يتهمان تهمة الأصل والفرع.
(ولا تقبل من عدو) على عدو للتهمة؛ لأنها ربما تفضي إلى الشهادة بالباطل، لأنها عظيمة الموقع في النفوس (وهو: من يبغضه بحيث يتمنَّى زوال نعمته، ويحزن

الجزء: 4 - الصفحة: 494

بِسُرُورِهِ، وَيَفْرَحُ بِمُصِيبَتِهِ - وَتُقْبَلُ لَهُ، وَكَذَا عَلَيْهِ فِي عَدَاوَةِ دِينٍ كَكَافِرٍ وَمُبْتَدِعٍ. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ مُبْتَدِعٍ لَا نُكَفِّرُهُ، لَا مُغَفَّلٍ لَا يَضْبُطُ

بسروره، ويفرح بمصيبته) لشهادة العرف بذلك، قالا: وقد تكون العداوة من الجانبين، وقد تكون من أحدهما فتختص برد شهادته على الآخر 255. (وتقبل له) لانتفاء التهمة (وكذا عليه في عداوة دين ككافر ومبتدع) فتقبل شهادة المسلم على الكافر، والسني على المبتدع؛ لأن العداوة الدينية لا توجب ردَّ الشهادة.
(وتقبل شهادة مبتدع لا نكفره) لأنه يزعم بدعته دينًا حقًّا، وسواء على هذا من سب الصحابة وغيرهم، هذا هو الراجح في "زيادة الروضة" بخلاف من قذف عائشة رضي الله عنها فإنه كافر 256، وقال السبكي في "الحلبيات": في تكفير من سبَّ الشيخين وجهان لأصحابنا، فإنْ لم نكفره .. فهو فاسق لا تقبل شهادته، ومن سب بقية الصحابة .. فهو فاسق مردود الشهادة، ولا يغلط فيقال: شهادته مقبولة.
انتهى.
فجعل ما رجحه في "الروضة" غلطًا، قال الأَذْرَعي: وهو كما قال، ونقل عن جمع التصريح به، وأن الماوردي قال: مذهب الشافعي: أن من سبَّ الصحابة أو لعنهم أو كفرهم .. فهو فاسق مردود الشهادة 257. ويستثنى من إطلاق المصنف قبول شهادة المبتدع: الخطابية، وهم قوم يجوزون الشهادة لصاحبهم إذا سمعوه يقول: (لي على فلان كذا)، فلا تقبل شهادة الواحد منهم لمثله؛ كما صرحا به في (كتاب البغاة) 258. نعم؛ لو ذكر الخطَّابي في شهادته ما يقطع الاحتمال بأن قال: (سمعته يقرُّ له بكذا)، أو (رأيته يقرضه كذا) .. قبل في الأصح.
(لا مغفل لا يضبط) لعدم الوثوق بقوله، والمراد: ألا يضبط أصلًا أو غالبًا، أما

الجزء: 4 - الصفحة: 495

وَلَا مُبَادِرٍ. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ فِي حُقُوقِ اللهِ تَعَالَى، وَفِيمَا لَهُ فِيهِ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ كَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَعَفْوٍ عَنْ قِصَاصٍ، وَبَقَاءِ عِدَّةٍ وَانْقِضَائِهَا، وَحَدٍّ لَهُ، وَكَذَا النَّسَبُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَتَى حَكَمَ بِشَاهِدَيْنِ فَبَانَا كَافِرَيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ صَبيَّيْنِ .. نَقَضَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا فَاسِقَانِ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ شَهِدَ كَافِرٌ أَوْ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ كَمَالِهِ .. قُبِلَتْ، أَوْ فَاسِقٌ تَابَ

من لا يضبط نادرًا والأغلب منه الحفظ .. قبل قطعًا؛ لأن أحدًا لا يسلم منه.
نعم؛ موضع الردِّ فيمن كثر غلطه: إذا لم تكن الشهادة مفسرة؛ فإن فسرها مثل أن يقول: (لفلان كذا أقر له به)، أو (اقترضه منه)، أو بيَّن الزمان والمكان الذي تحمل فيه الشهادة، وتأنق في ذكر الأوصاف .. قبلت.
(ولا مبادر) بالشهادة قبل الدعوى، وكذا بعدها وقبل أن يستشهد على الأصح، حيث تمتنع شهادة الحسبة؛ لما في ذلك من التهمة.
(وتقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى، وفيما له فيه حق مؤكد) أي: لا يتأثر برضا الآدمي (كطلاق) بائن أو رجعي، (وعتق وعفو عن قصاص وبقاء عدة، وانقضائها وحد له) أي: لله تعالى؛ كحد الزنا وقطع الطريق، والسرقة؛ لأن المغلب فيها حق الله تعالى، (وكذا النسب على الصحيح) لأن فيه حقًّا لله تعالى؛ إذ الشرع أكد الأنساب ومنع قطعها، فضاهى الطلاق والعتاق، والثاني: لا؛ لتعلق حق الآدمي فيه.
واحترز بحق الله: عن حق الآدمي؛ كالقصاص وحد القذف والبيوع والإقرار، فإن شهادة الحسبة لا تقبل فيه، فإن لم يعلم صاحب الحق .. أعلمه الشاهد حتى يدعي، ويستشهده فيشهد.
(ومتى حكم بشاهدين فبانا كافرين أو عبدين أو صبيين) أو بان أحدهما كذلك ( .. نقضه هو وغيره) لأنه تبين الخطأ؛ كما لو حكم باجتهاد ثم بان النص بخلاف.
(وكذا فاسقان في الأظهر) كسائر من سبق بل أولى؛ لأن اعتبار العدالة منصوصٌ عليه في غير آية، والثاني: لا ينقض؛ لأن فسقهم إنما يعرف ببينة تقوم عليه، وعدالة تلك البينة إنما تدرك با لاجتهاد، والاجتهاد لاينقض بالاجتهاد.
(ولو شهد كافر أو عبد أو صبي ثم أعادها بعد كماله .. قبلت، أو فاسق تاب ..

الجزء: 4 - الصفحة: 496

فَلَا، وَتقبَلُ شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِهَا بِشَرْطِ اخْتِبَارِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ مُدَّةً يُظَنُّ بِهَا صِدْقُ تَوْبَتِهِ، وَقَدَّرَهَا الأَكْثَرُونَ بِسَنَةٍ

فلا) والفرق: أن الرد كان لمَّا قام بهم فلا يتهمون بدفع عار الرد، بخلاف الفاسق؛ فإنه كان يخفي فسقه، والرد يظهره فيسعى في دفع عار الرد السابق، وسواء المستتر بفسقه والمعلن به.
نعم؛ في المعلن به وجه، وأطلق الكافر، وهو في المعلن بكفره أما لو كان يستره، ثم أعادها بعد التوبة .. فالأصح في "أصل الروضة" و"الشرح الصغير": عدم القبول؛ كالرد بالفسق، ولو ردت شهادته لعداوة فزالت وأعادها .. لم تقبل على الأصح 259. (وتقبل شهادته في غيرها) أي: في غير تلك الشهادة التي شهد بها حال فسقه ثم تاب بالاتفاق؛ إذ لا تهمة (بشرط اختباره بعد التوبة مدة يظن بها صدق توبته) لأن التوبة من أعمال القلوب وهو متهم بإظهارها لترويج شهادته وعود ولايته فاعتبر الشارع ذلك؛ ليقوى ما ادعاه.
(وقدرها الأكثرون بسنة) لأن للفصول الأربعة تأثيرًا في النفوس، واتباعها لشهواتها، فإذا مضت على حاله .. أشعر ذلك بحسن السريرة، وقد اعتبر الشارع السنة في العنة، وفي مدة التغريب، والزكاة، والجزية، واستثني من اشتراط الاختبار: صور؛ منها: شاهد الزنا إذا وجب عليه الحد؛ لعدم تمام العدد، فإذا تاب .. قبلت شهادته في الحال من غير استبراء على المذهب في "أصل الروضة" 260، ومنها: ما لو عصى الولي بالعضل ثم تاب زوج في الحال، ولا يحتاج إلى استبراء، حكاه الرافعي عن البغوي، ثم حاول اعتبار الاستبراء 261، ومنها: مخفي الفسق إذا تاب وأقرَّ وسلم نفسه للحد؛ لأنه لم يظهر التوبة عما كان مستورًا عليه إلا عن صلاح، قاله الروياني

الجزء: 4 - الصفحة: 497

وَيُشْتَرَطُ فِي تَوْبَةِ مَعْصِيَةٍ قَوْلِيَّةٍ الْقَوْلُ، فَيَقُولُ الْقَاذِفُ: (قَذْفِي بَاطِلٌ وَأَنَا نَادِمٌ عَلَيْهِ وَلَا أَعُودُ إِلَيْهِ)، وَكَذَا شَهَادَةُ الزُّورِ.
قُلْتُ: وَغَيْرُ الْقَوْلِيَّةِ يُشْتَرَطُ إِقْلَاعٌ، وَنَدَمٌ، وَعَزْمٌ أَلَّا يَعُودَ، وَرَدُّ ظُلَامَةِ آدَمِيٍّ إِنْ تَعَلَّقَتْ بهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فصلٌ [فيما يعتبر فيه شهادة الرجال]

لَا يُحْكَمُ بِشَاهِدٍ إِلَّا فِي هِلَالِ رَمَضَانَ فِي الأَظْهَرِ،

والماوردي، قال في "المهمات": (وهو ظاهر) 262. (ويشترط في توبة معصية قولية القول) قياسًا على التوبة من الردة بكلمتي الشهادة (فيقول القاذف: "قذفي باطل وأنا نادم عليه ولا أعود إليه") أو يقول: (ما كنت محقًّا في قذفي وقد تبت منه) ونحو ذلك، ولا يكلف أن يقول: (كذبت فيما قذفته به) لأنه قد يكون صادقًا، فكيف يؤمر بالكذب؟ ! (وكذا شهادة الزور) لأنه في معنى ما سبق، وقضيته: أن يقول: (شهادتي باطلة وأنا نادم عليها ولا أعود إليها)، لكن في "الروضة" و"أصلها" عن "المهذب" أن يقول: (كذبت فيما فعلت ولا أعود إلى مثله)، وأقراه 263. (قلت: وغير القولية يشترط إقلاع) عن المعصية (وندم وعزم ألا يعود) لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ وهو وهو الندم ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ وهو العزم، ولأن الإقلاع يتعلق بالحال، والندم بالماضي، والعزم في المستقبل؛ فلا يكمل إلا بذلك.
(ورد ظلامة آدمي إن تعلقت به، والله أعلم) لو عبر بالخروج من ظلامة آدمي بدل الرد .. لكان أولى؛ ليشمل الرد والإبراء منها، وإقباض غير المال أو بدله، ويشمل المال والعرض والقصاص.


(فصل: لا يحكم بشاهد إلا في هلال رمضان في الأظهر) لما تقدم في (الصوم)، وليست مكررة في "الكتاب"؛ لأنها ذكرت هنا لقصد الحصر، وهو زائد على ذلك.

الجزء: 4 - الصفحة: 498

وَيُشْتَرَطُ لِلزِّنَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، وَلِلإِقْرَارِ بِهِ اثْنَانِ - وَفِي قَوْلٍ: أَرْبَعَةٌ - وَلِمَالٍ وَعَقْدٍ مَالِيٍّ كَبَيع وَإِقَالَةٍ وَحَوَالَةٍ وَضَمَانٍ

نعم؛ أورد على الحصر مسائل؛ منها: لو مات ذمي فشهد عدل أنه أسلم قبل موته .. لم يحكم بها بالنسبة إلى الإرث والحرمان، وفي الاكتفاء بالنسبة إلى الصلاة عليه وتوابعها وجهان، بناهما المتولي على القولين في هلال رمضان، حكاه عنه المصنف في "شرح المهذب" في أواخر الصلاة على الميت وأقره 264، ومقتضاه: ترجيح القبول، قال الأَذْرَعي: لكن جزم القاضي الحسين في "فتاويه" بالمنع، ومنها: شهادة العدل الواحد لوثٌ؛ كما ذكره المصنف في (القسامة) 265، وذكر في (القسمة) الاكتفاء بقاسم واحد 266، وفي (زكاة النبات) بخارص 267. (ويشترط للزنا أربعة رجال) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ فجعل التخلص من حد القذف بذلك، ولأنه من أغلظ الفواحش؛ فغلظت الشهادة فيه؛ ليكون أستر، ويلتحق بالزنا اللواط، وكذا إتيان البهائم على المذهب المنصوص في "الأم" 268. وهذا العدد شرط بالنسبة لإقامة الحد، أما لو شهد بجرحه شاهدان بالنسبة إلى الزنا .. ثبت فسقه، ولا يكونان قاذفين؛ كما رجحه في "زيادة الروضة" في (فصل التزكية) 269. (وللإقرار به اثنان) كغيره من الأقارير، (وفي قول: أربعة) لأن المثبت بالشهادة الزنا، فصار كالشهادة على نفس الزنا.
وفرق الأول: بأن المقر لا يتحتم حده، بخلاف المعاين، فلذلك غُلِّظت بينته.
(ولمال، وعقد مالي؛ كلبيع وإقالة وحوالة وضمان) وصلح ورهن وشفعة

الجزء: 4 - الصفحة: 499

وَحَقٍّ مَالِيٍّ كَخِيَارٍ وَأَجَلٍ .. رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عُقُوبَةٍ للهِ تَعَالَى أَوْ لآدَمِيٍّ وَمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ رِجَالٌ غَالِبًا كَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَرَجْعَةٍ وَإِسْلَامٍ وَرِدَّةٍ وَجَرْحٍ وَتَعْدِيلٍ وَمَوْتٍ وَإِعْسَارٍ وَوَكَالَةٍ وَوِصَايَةٍ وَشَهَادَة عَلَى شَهَادَةٍ .. رَجُلَانِ،

ومسابقة وحصول السبق، (وحق مالي؛ كخيار وأجل) وقتل خطأ، وسائر الجنايات الموجبة للمال (رجلان أو رجل وامرأتان) لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ فكان على عمومه إلا ما خصه دليل.
واقتصاره على العقد المالي مضرٌّ؛ فإن فسوخ العقود المالية كذلك، ثم جعله الإقالة من أمثلة العقد إنما يأتي على وجه ضعيف، والصحيح: أنها فسخ، فلو قال: (وعقد مالي وفسخه) .. لاستقام.
وشمل إطلاقه: الشركة، والقراض، لكن الراجح في "الشرح" و"الروضة" اشتراط رجلين؛ لأن كل واحد منهما توكيل، وتفويض تصرف إلى الغير 270. (ولغير ذلك) أي: ما ليس بمال، ولا يقصد منه مال (من عقوبة لله تعالى) كحدِّ شرب وقطع طريق وقتل ردة، (أو لآدمي) كقصاص وحد قذف.
(وما يطلع عليه رجال غالبًا؛ كنكاح وطلاق ورجعة وإسلام وردة وجرح وتعديل وموت وإعسار ووكالة ووصاية وشهادة على شهادة .. رجُلان) ولا يثبت برجل وامرأتين، أما العقوبات .. فلقول الزهري: مضت السُّنَّة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده ألا تقبل شهادة النساء في الحدود 271. وألحق بالحدود: التعازير؛ لأنها في معناها، وأما فيما يطلع عليه الرجال .. فلأن الله تعالى نصَّ في الشهادة فيما سوى الأموال على الرجال دون النساء في ثلاثة مواضع في الطلاق والرجعة والوصية، وصحَّ الحديث: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ" 272. وقال ابن شهاب: مضت السُّنَّة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا تجوز

الجزء: 4 - الصفحة: 500

وَمَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ النِّسَاءُ أَوْ لَا يَرَاهُ رِجَالٌ غَالِبًا كَبَكَارَةٍ وَوِلَادَةٍ وَحَيْضٍ وَرَضَاعٍ وَعُيُوبٍ تَحْتَ الثِّيَابِ تَثْبُتُ بِمَا سَبَقَ وَبِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ

شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح، ولا في الطلاق 273، وهذا وإن كان مرسلًا فهو حجة على أبي حنيفة، وهو المخالف، وألحق الباقي بذلك؛ لأنه ليس المقصود منه المال، ولا نظر إلى رجوع الوكالة والوصاية إلى مال؛ لأن القصد منهما الولاية والخلافة لا المال.
(وما يختص بمعرفته النساء أو لا يراه رجال غالبًا؛ كبكارة) وثيوبة ورتق وقرن، (وولادة وحيض ورضاع وعيوب تحت الثياب) أي: ثياب النساء؛ كبرص وغيره (تثبت بما سبق) أي: برجلين وبرجل وامرأتين، (وبأربع نسوة) منفردات؛ لما رواه ابن أبي شيبة عن الزهري: مضت السُّنَّة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن؛ من ولادة النساء وعيوبهن 274. والمعنى فيه: الحاجة؛ لتعذر إثباتها بالرجال غالبًا، وأما اعتبار الأربع .. فلأن ما ليس بمال لا يثبت إلا برجلين، والله قد أقام الرجل مقام المرأتين، وإذا ثبت قبولهن منفردات .. فقبول الرجلين، والرجل والمرأتين أولى، ومسألة الرضاع مكررة سبقت في (باب الرضاع) وقدمنا ما فيها.
واحترز بقوله: (تحت الثياب): عن العيوب الظاهرة؛ فإن البغوي قال: العيب في وجه الحرة وكفيها لا يثبت إلا برجلين؛ تفريعًا على أنهما ليسا من العورة، وفي وجه الأمة وما يبدو منها عند المهنة يثبت برجل وامرأتين؛ لأن المقصود منه المال، كذا نقلاه عنه، وأقراه 275، وأطلق الماوردي نقل الإجماع على أن عيوب النساء في الوجه والكفين لا تقبل فيهما إلا الرجال دون النساء، ولم يفصل بين الحرة والأمة 276، وصرح به القاضي الحسين فيهما، وقال في "المطلب" بعد ذكره كلام البغوي:

الجزء: 4 - الصفحة: 501

وَمَا لَا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتينِ لَا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَيمِينٍ، وَمَا ثَبَتَ بِهِمْ ثَبَتَ بِرَجُلٍ وَيَمِينٍ إِلَّا عُيُوبَ النِّسَاءِ وَنَحْوَهَا، وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ بِامْرَأَتينِ وَيَمِينٍ. وَإِنَّمَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي بَعْدَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ وَتَعْدِيلِهِ،

ومقتضى هذه العلة: أن ذلك فيما إذا قصد به الرد في البيع، أما إذا قصط به فسخ النكاح .. فلا، وعليه ينزل إطلاق القاضي وغيره.
وقول المصنف: (تحت الثياب) أعم من عبارة "المحرر" و"الشرحين" و"الروضة": (تحت الإزار)؛ فإن مقتضى تعبير المصنف: قبول شهادتهن منفردات فيما فوق السرة من لعيوب، وفيما تحت الركبة منها، بخلاف تعبير "المحرر" و"الشرحين" و"الروضة" 277. (وما لا يثبت رجل وامرأتين لا يثبت برجل ويمين) لأن الرجل والمرأتين أقوى، وإذا لم يثبت بالأقوى .. لم يثبت بما دونه.
(وما ثبت بهم) أي: برجل وامرأتين (ثبت برجل ويمين) 278 لأنه عليه الصلاة والسلام قضى بيمين وشاهد، رواه مسلم من حديث ابن عباس 279، وله طرق أخر رواه من الصحابة بضعة وعشرون صحابيًّا 280. قال الأَذْرَعي: ووافق على القضاء بالشاهد واليمين مالك وأحمد وجمهور الأئمة؛ منهم: الخلفاء الراشدون الأربعة رضي الله عنهم.
(إلا عيوب النساء ونحوها) من الرضاع وغيره؛ فإنها لا تثبت بشاهد ويمين؛ لأنها خطرة، بخلاف المال.
(ولا يثبت شيء بامرأتين ويمين) لأن كلًّا منهما حُجَّةٌ ضعيفة.
(وإنما يحلف المدعي بعد شهادة شاهده وتعديله) لتقوية جانبه حينئذ، واليمين إبداء في الجانب القوي.

الجزء: 4 - الصفحة: 502

وَيَذْكُرُ فِي حَلِفِهِ صِدْقَ الشَّاهِدِ، فَإِنْ تَرَكَ الْحَلِفَ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ .. فَلَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ نَكَلَ .. فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ يَمِينَ الرَّدِّ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ أَمَةٌ وَوَلَدُهَا فَقَالَ رَجُلٌ: (هَذِهِ مُسْتَوْلَدَتِي عَلِقَتْ بِهَذَا فِي مِلْكِي) وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ .. ثَبَتَ الاسْتيلَادُ، لَا نَسَبُ الْوَلَدِ وَحُرِّيَّتُهُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ غُلَامٌ فَقَالَ رَجُلٌ: (كَانَ لِي وَأَعْتَقْتُهُ) وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ .. فَالْمَذْهَبُ: انْتِزَاعُهُ وَمَصِيرُهُ حُرًّا

(ويذكر في حلفه صدق الشاهد) وجوبًا، فيقول: (والله؛ إن شاهدي لصادق وإني مستحق كذا) لأن اليمين والشهادة حجَّتان مختلفتا الجنس فاعتبر ارتباط بالأخرى؛ ليصيرا كالنوع الواحد، واستفدنا من تعبير المصنف بـ (الواو): أنه لا ترتيب بين الحلف على إثبات الحق وصدق الشاهد، وحكى الإمام فيه الاتفاق.
(فإن ترك الحلف) مع شاهده (وطلب يمين خصمه .. فله ذلك) لأنه قد يتورع؛ فإن حلف .. سقطت الدعوى.
(فإن نكل) المدعى عليه ( .. فله) أي: فللمدعي (أن يحلف يمين الرد في الأظهر) كما لو لم يكن له شاهد ونكل المدعى عليه؛ لأنها غير التي امتنع عنها؛ لأن تلك لقوة جهته بالشاهد، وهذه لقوة جهته بنكول المدعى عليه، والثاني: لا؛ لأنه يمكنه الحلف مع الشاهد.
(ولو كان بيده أمة وولدها، فقال رجل: "هذه مستولدتي علقت بهذا) مني (في ملكي"، وحلف مع شاهد .. ثبت الاستيلاد) فتنزع ممن هي في يده وتسلم إليه، لأن الرق مال فيثبت بالشاهد واليمين، وإذا مات .. حكم بعتقها بإقراره.
(لا نسب الولد وحريته في الأظهر) لأنهما لا يثبتان بالشاهد واليمين، فلا تنزع من صاحب اليد، والثاني: يثبتان تبعًا، فينزع ممن هو في يده، ويكون حرًّا نسيبًا بإقرار المدعي.
(ولو كان بيده غلام فمال رجل: "كان لي وأعتقته"، وحلف مع شاهد .. فالمذهب: انتزاعه ومصيره حرًّا) لأنه يدعي ملكًا متقدمًا، وحجته تصلح لإثبات الملك، وإذا ثبت الملك .. ترتب عليه العتق بإقراره، وهذا ما نصَّ عليه، فمنهم من خرج فيه قولًا من المسألة قبلها؛ لأنها شهادة بملك متقدم، والجمهور قطعوا

الجزء: 4 - الصفحة: 503

وَلَوِ ادَّعَتْ وَرَثَةٌ مَالًا لِمُوَرِّثِهِمْ وَأَقَامُوا شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ بَعْضُهُمْ .. أَخَذَ نَصِيبَهُ وَلَا يُشَارَكُ فِيهِ. وَيَبْطُلُ حَقُّ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ بِنُكُولِهِ إِنْ حَضَرَ وَهُوَ كَامِلٌ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَقْبِضُ نَصِيبَهُ،

بالمنصوص، وفرقوا بأنه في العبد يدعي ملكًا متقدمًا، وحجته تصلح لإثبات الملك، وإذا ثبت الملك .. ترتب عليه العتق بإقراره، وفي صورة الاستيلاد إنما قامت الحجة على ملك الأم لا جرم رتبنا العتق عليه إذا جاء وقته بإقراره، وأما الولد .. فقضية الدعوى والحجة كونه حرًّا نسيبًا، وهما لا يثبتان بهذه الحجة؛ فلذلك افترقا.
(ولو ادعت ورثة مالًا لمورثهم وأقاموا شاهدًا وحلف معه بعضهم .. أخذ) الحالف (نصيبه ولا يشارك فيه) أي: لا يشاركه فيه من لم يحلف، غائبًا كان أو حاضرًا؛ لأن الحجة تمت في حقه وحده، وهذا ما نصَّ عليه هنا، ونصَّ في (الصلح) فيما إذا ادعيا دارًا إرثًا فصدق المدعى عليه أحدهما وكذَّب الآخر؛ فإن المكذب يشارك المصدق فخرج بعضهم منه قولًا هنا: أن ما يأخذه الحالف يشاركه فيه من لم يحلف؛ لأن الإرث يثبت على الشيوع، وقطع الجمهور بما نصَّ عليه هنا، وفرقوا بينهما بفرقين: أحدهما: أن الثبوت هنا بشاهد ويمين؛ فلو أثبتنا الشركة .. لملكنا الناكل بيمين غيره، وهناك الثبوت بإقرار المدعى عليه ثم ترتب إقرار المصدق بأنه إرث، الثاني: أن الممتنع هنا قادر على الوصول إلى حقه بيمينه؛ فحيث لم يفعل صار كالتارك لحقه على خصمه.
(ويبطل حق من لم يحلف بنكوله إن حضر وهو كامل) حتى لو مات .. لم يكن لوارثه أن يحلف، كذا حكياه عن الإمام ثم قالا: وفي كتاب ابن كَجٍّ ما ينازع فيه 281، وقال في "المهمات": إن الصحيح: أن حقه لا يبطل حتى يحلف هو ووارثه، وبسط ذلك 282. (فإن كان غائبًا أو صبيًّا أو مجنونًا .. فالمذهب: أنه لا يقبض نصيبه) نصَّ الشافعي في المجنون أنه يوقف نصيبه، قال الجمهور: مراده: أنا نمتنع من الحكم في

الجزء: 4 - الصفحة: 504

فَإِذَا زَالَ عُذْرُهُ .. حَلَفَ وَأَخَذَ بِغَيْرِ إِعَادَةِ شَهَادَةٍ. وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلٍ كَزِنًا وَغَصْبٍ وَإِتْلَافٍ وَوِلَادَة إِلَّا بِالإِبْصَار، وَتُقْبَلُ مِنْ أَصَمَّ، وَالأَقْوَالُ كَعَقْدٍ يُشْتَرَطُ سَمْعُهَا وَإِبْصَارُ قَائِلِهَا، وَلَا يُقْبَلُ أَعْمَى إِلَّا أَنْ يُقِرَّ فِي أُذُنِهِ فَيَتَعَلَّقَ بِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَ قَاضٍ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ،

نصيبه، ويوقف حتى يفيق؛ لأنه لا يمكن تحليفه، ولا تحليف وليه عنه؛ لأن اليمين لا تدخلها النيابة، وقيل: مراده: أنه يؤخذ نصيبه ويوقف، وألحق الصبي والغائب بالمجنون 283. (فإذا زال عذره) بأن حضر الغائب، وبلغ الصبي، وأفاق المجنون ( .. حلف وأخذ بغير إعادة شهادة) لأن الشهادة متعلقة بالميراث وإثبات ملك المورث، وذلك في حكم الخصلة الواحدة، فإذا ثبتت الشهادة في حق البعض .. ثبتت في حق الكل، وما جزم به من عدم الإعادة محله: إذا لم يتغير حال الشاهد بما يقتضي رد شهادته؛ فإن تغير .. فوجهان في "الشرحين" و"الروضة" بلا ترجيح 284. (ولا تجوز شهادة على فعل؛ كزنا وغصب وإتلاف وولادة إلا بالإبصار) لأنه يصل به إلى العلم من أقصى جهاته.
(وتقبل من أصم) لأن المعتمد فيها على الفعل، وهو مدرك بالبصر لا بالسمع.
(والأقوال كعقد) وفسخ (يشترط سمعها وإبصار قائلها) فلا بد من مشاهدة المقر أو العاقد حمال تلفظه ببصره وسماعه مما يتلفظ به حتى لو نطق به من وراء حجاب وهو متحققه .. لم يكف؛ لأن ما أمكن إدراكه بعلم الحواس لا يجوز أن يعمل فيه بالاستدلال المقتضي لغلبة الظن؛ لجواز اشتباه الأصوات، وقد يحاكي الإنسان صوت غيره فيشتبه به.
(ولا يقبل أعمى) لانسداد طريق المعرفة مع اشتباه الأصوات وإمكان التصنع فيها (إلا أن يقر في أذنه) بطلاق أو عتاق أو مال (فيتعلق به حتى يشهد عند قاض به على الصحيح) لحصول العلم بأنه المشهود عليه، والثاني: المنع؛ حسمًا للباب.

الجزء: 4 - الصفحة: 505

وَلَوْ حَمَلَهَا بَصِيرٌ ثُمَّ عَمِيَ .. شَهِدَ إِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ مَعْرُوفَيِ الاسْمِ وَالنَّسَبِ. وَمَنْ سَمِعَ قَوْلَ شَخْصٍ أَوْ رَأَى فِعْلَهُ؛ فَإِنْ عَرَفَ عَيْنَهُ وَاسْمَهُ وَنَسَبَهُ .. شَهِدَ عَلَيْهِ فِي حُضُورِهِ إِشَارَةً، وَعِنْدَ غَيْبَتِهِ وَمَوْتِهِ باسْمِهِ وَنَسَبهِ، فَإِنْ جَهِلَهُمَا .. لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَ مَوْتِهِ وَغَيْبَتِهِ. وَلَا يَصِحُّ تَحَمُّلُ شَهَادَةٍ عَلَى مُتَنَقِّبَةٍ اعْتَمَادًا عَلَى صَوْتِهَا، فَإِنْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ بِاسْمٍ وَنَسَبٍ .. جَازَ،

وجعل القاضي الحسين موضع الخلاف ما إذا جمعهما مكان خال وألصق فاه بأذنه، وضبطه كما سلف، فلو كان هناك جماعة وأقر في أذنه .. لم يقبل قطعًا.
(ولو حملها بصير ثم عمي .. شهد إن كان المشهود له وعليه معروفي الاسم والنسب) لحصول العلم، وكذا لو عمي ويد المقر في يده فشهد عليه كمعروفي الاسم والنسب، وإن لم يكن كذلك .. لم تقبل شهادته؛ لأنه لا يمكنه تعيين المشهود عليه ولا الإشارة إلى المشهود به.
وقضية كلامه: أنه لا يستثنى من عدم قبول الأعمى غير هاتين المسألتين، وليس كذلك بل تقبل فيما يشهد به بالاستفاضة؛ كالموت وغيره مما سيأتي على الأصح، إذا لم يحتج إلى تعيين وإشارة، وكذا شهادته في الترجمة على الأصح، قال ابن الصباغ: وينبغي قبولها فيما إذا عرف شخصًا وعرف صوته ضرورة؛ لأنه تعين، قال صاحب "الذخائر": ولم يذكره غيره، وليس بصحيح، ورده الأَذْرَعي وغيره: بأن شريحًا الروياني حكاه في "روضته" وجهًا عن رواية جده.
(ومن سمع قول شخص أو رأى فعله؛ فإن عرف عينه واسمه ونسبه .. شهد عليه في حضوره إشارة، وعند غيبته وموته باسمه ونسبه) لحصول التمييز بذلك، (فإن جهلهما) أي: اسمه ونسبه ( .. لم يشهد عند موته وغيبته) لعدم العلم.
(ولا يصح تحمل شهادةٍ على متنقبة اعتمادًا على صوتها) ولا في ظلمة أو من وراء حائل صفيق؛ لاشتباه الأصوات، ولا يمنع الحائل الرقيق على الأصح، (فإن عرفها بعينها أو باسم ونسب .. جاز) التحمل، ولا يضر النقاب بل لا يجوز كشف الوجه حينئذ؛ كما قاله صاحبا "الحاوي" و"العدة" وغيرهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 506

وَيَشْهَدُ عِنْدَ الأَدَاءِ بِمَا يَعْلَمُ، وَلَا يَجُوزُ التَّحَمُّلُ عَلَيْهَا بِتَعْرِيفِ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ عَلَى الأَشْهَرِ، وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ. وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى عَيْنِهِ بِحَقٍّ فَطَلَبَ الْمُدَّعِي التَّسْجِيلَ .. سَجَّلَ الْقَاضِي بِالْحِلْيَةِ لَا الاسْمِ وَالنَّسَبِ مَا لَمْ يَثْبُتَا، وَلَهُ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُع عَلَى نَسَبٍ مِنْ أَبٍ أَوْ قَبيلَةٍ، وَكَذَا أُمٌّ فِي الأَصَحِّ، وَمَوْتٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا عِتْقٌ وَوَلَاءٌ وَوَقْفٌ وَنِكَاحٌ وَمِلْكٌ فِي الأَصَحِّ.

(ويشهد عند الأداء بما يعلم، ولا يجوز التحمل عليها بتعريف عدل أو عدلين) أو أكثر (على الأشهر) وهو الذي أورده الأكثرون، (والعمل على خلافه) أي: يجوز التحمل عليها بذلك.
وهذه العبارة قد سبق نظيرها في (صلاة العيد)، وهي تقتضي الميل إليه، ولم يصرحا بذلك في "الروضة" و"أصلها" بل نقلا عن الأكثرين المنع، وساقا الثاني مساق الأوجه الضعيفة 285. (ولو قامت بينة على عينه بحق فطلب المدعي) من القاضي (التسجيل .. سجل القاضي بالحلية لا الاسم والنسب ما لم يثبتا) بالبينة فيكتب (حضر رجل ذكر أنه فلان، ومن حليته: كَيْت وكَيْت)، ولا يكفي في الاسم والنسب قول المدعي، ولا إقرار المدعى عليه؛ فإن نسب الشخص لا يثبت بإقراره.
(وله الشهادة بالتسامع على نسب من أب أو قبيلة) فيشهد أن هذا ابن فلان إذا كان يعرف عينه، أو من قبيلة كذا؛ لأنه لا مدخل للرؤية فيه؛ فإن غاية الممكن أن تشاهد الولادة على الفراش، وذلك لا يفيد القطع بل الظاهر فقط، والحاجة داعية إلى إثبات الأنساب إلى الأجداد المتوفين والقبائل القديمة، فسومح فيه.
(وكذا أم) أي: يثبت النسب من الأم بالتسامع (في الأصح) كالأب، والثاني: المنع؛ لإمكان رؤية الولادة، بخلاف العلوق.
(وموت على المذهب) كالنسب، وقيل: فيه وجهان؛ كالولاء وما في معناه؛ لأنه يمكن فيه المعاينة.
(لا عتق وولاء ووقف ونكاح وملك في الأصح) لأن مشاهدتها متيسرة، وأسبابها

الجزء: 4 - الصفحة: 507

قُلْتُ: الأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَالأَكْثَرِينَ فِي الْجَمِيعِ: الْجَوَازُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَشَرْطُ التَّسَامُعِ: سَمَاعُهُ مِنْ جَمْعٍ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَقِيلَ: يَكْفِي مِنْ عَدْلَيْنِ، وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى مِلْكٍ بِمُجَرَّدِ يَدٍ، وَلَا بِيَدٍ وَتَصَرُّفٍ فِي مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ،

غير متعددة، (قلت: الأصح عند المحققين والأكثرين في الجميع: الجواز، والله أعلم) لأنها أمور مؤبدة، وإذا طالت مدتها .. عسر إقامة البينة على ابتدائها فمست الحاجة إلى إثباتها بالتسامع، وهذا ما رجحه في "زيادة الروضة" بالنسبة إلى العتق والولاء والوقف والنكاح 286، لكن في "المهمات": أن الصواب الذي عليه الفتوى: إنما هو المنع، فقد نصَّ عليه الشافعي، ونقله عنه ابن الرفعة في "الكفاية" 287، وأما بالنسبة إلى الملك .. فهو مخالف لما في "أصل الروضة" حيث قال: فيه وجهان؛ أقربهما إلى إطلاق الأكثرين: الجواز، والظاهر: أنه لا يجوز، وهو محكي عن نصه في "حرملة"، واختاره القاضي حسين والإمام والغزالي، وهو الجواب في "الرقم" 288. (وشرط التسامع: سماعه من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب) وأن يقع العلم أو الظن القوي بخبرهم؛ كما ذكراه في "الروضة" و"أصلها" 289؛ لأن الأصل في الشهادة اعتمادُ اليقين، وإنما يعدل عنه عند عدم الوصول إليه إلى ظن يقرب منه على حسب الطاقة، (وقيل: يكفي من عدلين) لأن الحاكم يعتمد قولهما فكذا الشاهد، والأصح: عدم الاكتفاء.
نعم؛ لو أشهداه .. شهد على شهادتهما.
(ولا تجوز الشهادة على ملك بمجرد يد) لأنها لا تستلزم الملك؛ إذ قد تكون عن إجارة أو عارية، وقيل: يجوز، ويجوز أن يشهد له باليد.
(ولا بيد وتصرف في مدة قصيرة) لاحتمال أنه وكيل عن غيره.

الجزء: 4 - الصفحة: 508

وَتَجُوزُ فِي طَوِيلَةٍ فِي الأَصَحِّ، وَشَرْطُهُ: تَصَرُّفُ مُلَّاكٍ مِنْ سُكْنَى وَهَدْمٍ وَبِنَاءٍ وَبَيْعٍ وَرَهْنٍ، وَتُبْنَى شَهَادَةُ الإِعْسَار عَلَى قَرَائِنِ وَمَخَائِلِ الْضُّرِّ وَالإِضَاقَةِ.

فصلٌ [في تحمل الشهادة وأدائها]

تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي النِّكَاحِ، وَكَذَا الإِقْرَارُ وَالتَّصَرُّفُ المَالِيُّ وَكِتَابَةُ الصَّكِّ فِي الأَصَحِّ

(وتجوز في طويلة في الأصح) لأن امتداد الأيدي والتصرف مع طول الزمان من غير منازع يغلب على الظن الملك، والثاني: المنع؛ لأن الغاصب والمستأجر والوكيل أصحاب يد وتصرف؛ فإن انضم إلى اليد والتصرف الاستفاضة ونسبة الناس الملك إليه .. جازت الشهادة قطعًا، وطول المدة وقصرها يرجع فيه إلى العرف على الأصح.
(وشرطه) أي: التصرف المعتبر في هذا الباب (تصرف ملاك من سكنى وهدم، وبناء وبيع) وفسخ (ورهن) لأنها مع عدم النكير تدل على الملك، والإجارة كذلك على الأصح، ولا يكفي التصرف مرةً واحدة؛ فإنه لا يثير الظن.
(وتبنى شهادة الإعسار على قرائن ومخائل الضر والإضاقة) لأنه لا يمكن الوقوف على اليقين فيه.
نعم؛ تعتبر فيه الخبرة الباطنة؛ كما ذكره المصنف (في التفليس).


(فصل: تحمل الشهادة فرض كفاية في النكاح) لتوقف الانعقاد عليه؛ فلو امتنع الكل .. أثموا، (وكذا الإقرار والتصرف المالي وكتابة الصك في الأصح) للحاجة إليها لتمهيد إثبات الحقوق عند التنازع، وكتابة الصك يستعان بها في تحصين الحقوق، والثاني: المنع؛ لصحتها بدونه.
ومحل الوجوب: إذا حضره المحمل، فإن دعاه لم يلزمه في الأصح إلا أن يكون المحمل معذورًا بمرض أو حبس، أو كانت مخدرة، وكذا لو دعاه قاض ليشهده على أمر ثبت عنده.

الجزء: 4 - الصفحة: 509

وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَضِيَّةِ إِلَّا اثْنَانِ .. لَزِمَهُمَا الأَدَاءُ، فَلَوْ أَدَّى وَاحِدٌ وَامْتَنَعَ الآخَرُ وَقَالَ: (احْلِفْ مَعَهُ) .. عَصَى. وَإِنْ كَانَ شُهُودٌ .. فَالأَدَاءُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَلَوْ طَلَبَ مِنَ اثْنَيْنِ .. لَزِمَهُمَا فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا وَاحِدٌ .. لَزِمَهُ إِنْ كَانَ فِيمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ الأَدَاءُ إِلَّا مَنْ تَحَمَّلَ قَصْدًا لَا اتِّفَاقًا. وَلِوُجُوبِ الأَدَاءِ شُرُوطٌ: أَنْ يُدْعَى مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى،

(وإذا لم يكن في القضية إلا اثنان) بأن لم يتحمل غيرهما أو مات الباقون أو جنوا أو فسقوا أو غابوا ( .. لزمهما الأداء) لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ أي: للأداء، ولأنه يؤدي فرضًا التزمه في ذمته.
(فلو أدى واحد وامتنع الآخر) بلا عذر (وقال: "احلف معه" .. عصى) وإن كان القاضي يرى الحكم بشاهد ويمين؛ لأن من مقاصد الإشهاد التورع عن اليمين؛ فلا يفوت عليه.
(وإن كان) في الواقعة (شهود .. فالأداء فرض كفاية) لحصول الغرض بالبعض؛ كالجهاد ونحوه، (فلو طلب) الأداء (من اثنين) بأعيانهما ( .. لزمهما في الأصح) لئلا يفضي إلى التواكل، والثاني: لا؛ كالتحمل.
وفرَّق الأول: بأنه هناك طلبهما ليحمل أمانة، وهنا لأدائها.
ومحل الخلاف؛ كما قاله الإمام، وأقراه: ما إذا علم المدعوان أن في الشهود من يرغب في الأداء أو لم يعلما من حالهم رغبةً ولا إباءً، أما إذا علما إباءهم .. فليس ذلك موضع الخلاف 290. (وإن لم يكن إلا واحد .. لزمه إن كان فيما يثبت بشاهد ويمين) والقاضي المدعو للأداء عنده يعتقد ذلك، (وإلا .. فلا) لأن المقصود لا يحصل به، (وقيل: لا يلزم الأداء إلا من تحمل قصدًا لا اتفاقًا) لأنه لم يوجد منه التزام، والأصح: لا فرق؛ لأنها أمانة حصلت عنده فلزمه أداؤها وإن لم يلتزمها؛ كما لو طيرت الريح ثوبًا إلى داره.
(ولوجوب الأداء شروط: أن يدعى من مسافة العدوى) وهي التي يتمكن المبكر

الجزء: 4 - الصفحة: 510

وَقِيلَ: دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ.
وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا، فَإِنْ دُعِيَ ذُو فِسْقٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، قِيلَ: أَوْ مُخْتَلَفٍ فِيهِ .. لَمْ يَجِبْ.
وَأَلَّا يَكُونَ مَعْذُورًا بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ .. أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ، أَوْ بَعَثَ الْقَاضِي مَنْ يَسْمَعُهَا.

فصلٌ [في الشهادة على الشهادة]

تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ عُقُوبَةٍ، وَفِي عُقُوبة لآدَمِيٍّ عَلَى الْمَذْهَبِ،

إليها من الرجوع إلى أهله في يومه كما سلف؛ للحاجة إلى الإثبات، وتعذره بالشهادة على الشهادة، (وقيل: دون مسافة قصر) لأنه في حكم الحاضر.
والخلاف مبني: على أن الشهادة على الشهادة في مثلها هل تقبل؟ والأصح: نعم؛ وعدم وجوب الإجابة للمشقة؛ فإن دعي من فوق مسافة القصر .. لم تجب الإجابة جزمًا.
(وأن يكون عدلًا، فإن دعي ذو فسق مجمع عليه) ظاهر أو خفي، (قيل: أو مختلف فيه .. لم يجب) أما المجمع عليه .. فلأنه لا فائدة له، بل يحرم عليه أن يشهد فضلًا عن الوجوب؛ لأنه يحمل الحاكم على الحكم بغير حجة، وأما المختلف فيه؛ كشرب النبيذ .. فعليه أن يشهد وإن كان القاضي يرى التفسيق به؛ لأنه قد يتغير اجتهاده، وقيل: لا يجب؛ لأن الظاهر استمرار القاضي على اجتهاده.
ويستثنى من الوجوب على العدل: ما إذا كان رفيقه ذا فسق مجمع عليه، وكان الحق لا يثبت بشاهد ويمين.
(وألا يكون معذورًا بمرض) يشق معه الحضور (ونحوه) كخوف على ماله أو تعطل كسبه في ذلك الوقت، (فإن كان .. أشهد على شهادته أو بعث القاضي من يسمعها) رفعًا للمشقة عنه.


(فصل: تقبل الشهادة على الشهادة في غير عقوبة) كالأموال والأنكحة والعقود والفسوخ ونحوها؛ للحاجة إلى ذلك؛ لأن شهود الواقعة قد يموتون أو يغيبون ونحو ذلك من العوائق، (وفي عقوبة لآدمي على المذهب) كقصاص وحد قذف، لا في

الجزء: 4 - الصفحة: 511

وَتَحَمُّلُهَا بِأَنْ يَسْتَرْعِيَهُ فَيَقُولَ: (أَنَا شَاهِدٌ بِكَذَا وَأُشْهِدُكَ)، أَوِ (اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي)، أَوْ يَسْمَعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ قَاضٍ، أَوْ يَقُولَ: (أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا عَنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ غَيْرِهِ)، وَفِي هَذَا وَجْهٌ، وَلَا يَكْفِي سَمَاعُ قَوْلِهِ: (لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا)، أوْ (أَشْهَدُ بِكَذَا)، أَوْ (عِنْدِي شَهَادَةٌ بكَذَا). وَلْيُبَيِّنِ الْفَرْعُ عِنْدَ الأَدَاءِ جهَةَ التَّحَمُّلِ،

عقوبة لله تعالى؛ لأن حق الآدمي مبني على الشُّح والضِّيق، وحقه تعالى على المسامحة؛ لاستغنائه.
(وتحملها بأن يسترعيه) الأصل؛ لأنها نيابة فاعتبر فيها الإذن (فيقول: "أنا شاهد) على فلان (بكذا وأشهدك"، أو "اشهد على شهادتي") أو إذا استشهدت على شهادتي .. فقد أذنت لك في أن تشهد، ونحوه مما لا يحتمل إلا الشهادة.
(أو يسمعه يشهد عند قاض) بأن لفلان على فلان كذا فيجوز له وإن لم يسترعه؛ إذ لا يقيمها عند القاضي إلا بعد تحقق الوجوب.
(أو يقول: "أشهد أن لفلان على فلان ألفًا عن ثمن مبيع أو غيره") من قرض أو أرش جناية أو غيرها، فيجوز له أن يشهد على شهادته على الأصح وإن لم يسترعه ولم يكن عند حاكم؛ لأن إسناده إلى السبب يرفع احتمال الوعد والتساهل.
(وفي هذا) أي: فيما إذا بيَّن السبب (وجه) أنه لا يكفي التحمل، بل لا بد من الاسترعاء؛ لأنه ما لم يسترعه لا يتحقق الوجوب، فإن الشخص قد يتوسع في العبارة لغرض صحيح أو فاسد، ولو دُعي لأدائها .. لأحجم.
(ولا يكفي سماع قوله: "لفلان على فلان كذا"، أو "أشهد بكذا"، أو "عندي شهادة بكذا") لاحتمال أنه يريد أن له عليه ذلك من جهة وعدٍ وعَدَه إياه، ويشير بكلمة (على) أن مكارم الأخلاق تقتضي الوفاء بها.
(وليبين الفرع عند الأداء جهة التحمل) فإن استرعاه الأصل .. قال: (أشهد أن فلانًا شهد أن لفلان على فلان كذا، وأشهدني على شهادته)، وإن لم يسترعه .. بيَّن أنه شهد عند القاضي، أو أنه أسند المشهود به إلى سببه؛ ليكون مؤديًا لها على الوجه الذي يتحملها فيعرف القاضي صحتها وفسادها؛ إذ الغالب على الناس الجهل بطريق التحمل.

الجزء: 4 - الصفحة: 512

فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَوَثِقَ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ .. فَلَا بَأْسَ، وَلَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ عَلَى شَهَادَةِ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ، وَلَا تَحْمِلُ النِّسْوَةُ، فَإِنْ مَاتَ الأَصْلُ أَوْ غَابَ أَوْ مَرِضَ .. لَمْ يَمْنَعْ شَهَادَةَ الْفَرْعِ، وَإِنْ حَدَثَ رِدَّةٌ أَوْ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ .. مَنَعَتْ، وَجُنُونُهُ كَمَوْتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ تَحَمَّلَ فَرْعٌ فَاسِقٌ أَوْ عَبْدٌ فَأَدَّى وَهُوَ كَامِلٌ .. قُبِلَتْ، وَتَكْفِي شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ لِكُلِّ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ اثْنَانِ،

(فإن لم يبين) جهة التحمل (ووثق القاضي بعلمه .. فلا بأس) لانتفاء المحذور.
نعم؛ يندب للقاضي أن يسأله بأيِّ سببٍ ثبت هذا المال، وهل أخبرك به الأصل؟ (ولا يصح التحمل على شهادة مردود الشهادة) برق ونحوه؛ لأنه غير مقبول الشهادة، (ولا تحمل النسوة) ولو كانت الأصول نسوة وكانت الشهادة في ولادة أو رضاع؛ لأن شهادة الفرع تثبت شهادة الأصل لا ما شهد به الأصل، ونفس الشهادة على الشهادة يطلع عليها الرجال غالبًا، والخنثى في ذلك كالمرأة.
نعم؛ لو بانت ذكورته .. صح تحمله.
(فإن مات الأصل أو غاب أو مرض .. لم يمنع شهادة الفرع) لأن ذلك ليس نقصًا؛ فلا يؤثر بل فائدة الفرع: أن يشهد في هذه الأحوال، (وإن حدث ردة أو فسق أو عداوة .. منعت) شهادة الفرع؛ لأن هذه الأمور لا تهجم دفعة واحدة، بل الفسق يورث الريبة فيما تقدم، والردة تشعر بخبث سابق في العقيدة، والعداوة بضغائن كانت مستكنة، وليس لمدة ذلك ضبط فينعطف إلى حالة التحمل.
(وجنونه) أي: الأصل (كموته على الصحيح) لأنه لا يوقع ريبة في الماضي، والثاني: يمنع؛ كالفسق.
(ولو تحمل فرع فاسق أو عبد) أو صبي (فأدى وهو كامل .. قبلت) كالأصل إذا تحمل وهو ناقص ثم أدى بعد كماله.
(وتكفي شهادة اثنين على الشاهدين) لأنها شهادة على قول اثنين، فصار كما لو شهد على إقرار رجلين، والمراد: أن يشهد كلٌّ من الفرعين على كل من الأصلين، ولا يكفي واحد على هذا وواحد على هذا قطعًا، (وفي قول: يشترط لكل رجل أو امرأة اثنان) غير اللذين شهدا على شهادة الآخر؛ لأنهما إذا شهدا على شهادة أحد

الجزء: 4 - الصفحة: 513

وَشَرْطُ قَبُولِهَا: تَعَذُّرُ أَوْ تَعَسُّرُ الأَصْلِ بِمَوْتٍ أَوْ عَمَىً، أَوْ مَرَضٍ يَشُقُّ حُضُورُهُ، أَوْ غَيْبَةٍ بِمَسَافَةِ عَدْوَى، وَقِيلَ: قَصْرٍ، وَأَنْ يُسَمِّيَ الأُصُولَ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُزَكِّيَهُمُ الْفُرُوعُ،

الأصلين .. كانا كشاهد واحد قام بشهادته أحد الشطرين فلا يقوم بها الشطر الثاني؛ كمن شهد مرة على شيء لا يشهد عليه مرة أخرى، قال الرافعي: وربما سموا هذا الجديد 291، والأول القديم 292. (وشرط قبولها) أي: شهادة الفرع على الأصل (تعذر، أو تعسر الأصل بموت أو عمى، أو مرض يشق حضوره) مشقة ظاهرة، ولا يكفي مطلق المرض؛ لأنها جوزت للحاجة، ولا يشترط ألا يمكنه الحضور، وضبطه الإمام بما يجوز له ترك الجمعة 293، واعتبر الشيخ أبو علي أن يكون صاحب فراش في المرض، قال ابن أبي الدم: وهو ظاهر، واستبعد اعتباره بالجمعة.
(أو غيبة بمسافة عدوى) 294 فيقبل حينئذ الفرع؛ لما في تكليف الأصل إلى الحضور من المشقة، (وقيل: قصر) لأن ما دونها في حكم البلد.
وقوله: (بمسافة عدوى) لعله سبق قلم، فإن المشهور في "الروضة" و"أصلها": أن من بمسافة العدوى لا تسمع الشهادة على شهادته؛ كالحاضر في البلد 295، وصواب العبارة: لفوق مسافة العدوى؛ فإنه الذي يسوغ فيها شهادة الفرع، ووقع في "المحرر" على الصواب 296. (وأن يسمِّي الأصول) ليعرف القاضي عدالتهم أو ضدها، ويتمكن الخصم من الجرح إن عرفه، والمراد: تسمية يحصل بها تعريفهم.
(ولا يشترط أن يزكيهم الفروع) بل لهم إطلاق الشهادة، والقاضي يبحث عن

الجزء: 4 - الصفحة: 514

فَإِنْ زَكَّوْهُمْ .. قُبِلَ، وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ عُدُولٍ وَلَمْ يُسَمُّوهُمْ .. لَمْ يَجُز.

فصلٌ [في الرجوع عن الشهادة]

رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ .. امْتَنَعَ، أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ مَالٍ .. اسْتُوفِيَ، أَوْ عُقُوبَةٍ .. فَلَا، أَوْ بَعْدَهُ .. لَمْ يُنْقَضْ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَوْفَى قِصَاصًا أَوْ قَتْلَ رِدَّةٍ أَوْ رَجْمَ زِنًا أَوْ جَلْدَهُ وَمَاتَ وَقَالُوا: (تَعَمَّدْنَا) .. فَعَلَيْهِمْ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ،

عدالتهم، وقيل: يشترط؛ لأن تركه يورث ريبة.
(فإن زكوهم .. قبل) إذا كانوا من أهل التعديل؛ لأنهم غير متهمين في تعديلهم.
(ولو شهدوا على شهادة عدلين أو عدول ولم يسموهم .. لم يجز) لأنه يسدُّ بابَ الجرح على الخصم.


(فصل: رجعوا) أي: الشهود (عن الشهادة) بعد الأداء (قبل الحكم .. امتنع) الحكم بشهادتهم؛ لأن الحاكم إنما يحكم بسبب موجود وقت الحكم، والسبب شهادتهم وقد عدم، ولأن القاضي لا يدري أصدقوا في الأول أو في الثاني، فلا يبقى ظن الصدق، (أو بعده) أي: بعد الحكم (وقبل استيفاء مال .. استوفي) لأن القضاء قد تم، وليس هو مما يسقط بالشبهة حتى يتأثر بالرجوع، وإن كانت الشهادة في شيء من العقود أمضى؛ كاستيفاء المال، (أو عقوبة) لآدمي؛ كقصاص وحد قذف، أو لله تعالى؛ كحد زنا أو سرقة ( .. فلا) تستوفى؛ لأنها تسقط بالشبهة، والرجوع شبهة بخلاف المال، (أو بعده) أي: بعد الاستيفاء ( .. لم ينقض) لتأكد الأمر.
(فإن كان المستوفى قصاصًا أو قتل ردة أو رجم زنًا أو جلده ومات) من الجلد، ثم رجعوا، (وقالوا: "تعمدنا " .. فعليهم قصاص، أو دية مغلَّظة) في مالهم موزعة على عدد رؤوسهم؛ لتسببهم إلى إهلاكه، ويحدون في شهادة الزنا حدَّ القذف أولًا، ثم يقتلون، وهل يرجمون أو يقتلون بالسيف؟ فيه احتمالان للعبادي،

الجزء: 4 - الصفحة: 515

وَعَلَى الْقَاضِي قِصَاصٌ إِنْ قَال: (تَعَمَّدْتُ)، وَلَوْ رَجَعَ هُوَ وَهُمْ .. فَعَلَى الْجَمِيعِ قِصَاصٌ إِنْ قَالُوا: (تَعَمَّدْنَا)، فَإنْ قَالُوا: (أَخْطَأْنَا) .. فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةٍ وَعَلَيْهِمْ نِصْفٌ، وَلَوْ رَجَعَ مُزَكٍّ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَضْمَنُ، أَوْ وَلِيٌّ وَحْدَهُ .. فَعَلَيْهِ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ، أَوْ مَعَ الشُّهُودِ .. فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ وَهُمْ شُرَكَاءُ

أصحهما عند الشيخين: الأول 297. وهذه المسألة مكررة في "الكتاب" سبقت في أول (الجراح).
واستثنى المصنف من وجوب القصاص عليهم: ما إذا اعترف الولي بعلمه بكذبهما.
(وعلى القاضي قصاص) إذا رجع دون الشهود (إن قال: "تعمدت") لاعترافه بالعمدية وعدم الإلجاء؛ إذ هو مختار في الاستيفاء، فإن آل الأمر إلى الدية .. وجبت مغلظة في ماله.
(ولو رجع هو وهم) يعني: القاضي والشهود ( .. فعلى الجميع قصاص) أو دية مغلظة (إن قالوا: "تعمدنا") لاستناد الجناية إلى الجميع.
(فإن قالوا: "أخطأنا" .. فعليه نصف دية وعليهم نصف) توزيعًا على المباشرة والسبب.
(ولو رجع مزك .. فالأصح: أنه يضمن) بالقصاص أو الدية؛ لأنه بالتزكية يلجئ القاضي إلى الحكم المفضي إلى القتل، والثاني: لا؛ لأنه لم يتعرض للمشهود عليه، وإنما أثنى على الشاهد، والحكم إنما يقع بشهادة الشاهد، فكان كالممسك مع القاتل.
(أو ولي وحده) دون الشهود ( .. فعليه قصاص أو دية) لأنه المباشر (أو مع الشهود .. فكذلك) أي: فعليه القصاص أو الدية وحده؛ لأنه المباشر وهم معه كالممسك مع القاتل، (وقيل: هو وهم شركاء) لتعاونهم على القتل، بخلاف الممسك؛ فعلى هذا: عليه وعليهم القود؛ فإن آل الأمر إلى الدية .. فعليه نصفها

الجزء: 4 - الصفحة: 516

وَلَوْ شَهِدَا بِطَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ لِعَانٍ وَفَرَّقَ الْقَاضِي فَرَجَعَا .. دَامَ الْفِرَاقُ وَعَلَيْهِمْ مَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفُهُ إِنْ كَانَ قَبْلَ وَطْءٍ. وَلَوْ شَهِدَا بِطَلَاقٍ وَفَرَّقَ وَرَجَعَا فَقَامَتْ: بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا رَضَاعٌ .. فَلَا غُرْمَ، وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ مَالٍ .. غَرِمُوا فِي الأَظْهَرِ،

وعليهم نصفها، وترجيح الأول من "زيادات الكتاب" على "أصله" من غير تمييز، فإنه قال في "المحرر": فيه وجهان رجح كلًّا مرجحون، ولم يرجح في "الشرح" أيضًا شيئًا 298. نعم؛ صحح في "الروضة" الأول من زياداته 299. (ولو شهدا بطلاق بائن أو رضاع) محرم (أو لعان وفرق القاضي فرجعا .. دام الفراق) لأن قولهما في الرجوع محتمل، فلا يُرَدُّ القضاء بقول محتمل، (وعليهم مهر مثل) لأنه بدل ما فوتاه عليه، (وفي قول: نصفه إن كان قبل وطءٍ) لأنه الذي فات على الزوج؛ لأن النصف الآخر عاد إليه سالمًا، والأظهر: يلزمهم مهر المثل أيضًا؛ لأنه بدل ما أتلفوه، والنظر في الإتلاف إلى المتلف لا إلى ما قام به على المستحق، ولهذا لو أبرأته عن الصداق وشهدا بالطلاق ورجعا .. غرما وإن لم يفت على الزوج شيء، وفي قول آخر: نصف المُسمَّى.
واحترز بالطلاق البائن: عن الرجعي؛ فإنه إذا راجع لا غرم؛ إذ لا تفويت ولا غرم؛ فإن لم يراجع حتى انقضت العدة .. التحق بالبائن، ووجب الغرم على الصحيح في "أصل الروضة"، ولم يصرح الرافعي بترجيح 300. (ولو شهدا بطلاق وفرَّق) بينهما (ورجعا فقامت بينة أنه كان بينهما رضاع) محرم ( .. فلا غرم) إذ لم يفوتا شيئًا، ولو غرما قبل إقامة البينة .. استرد المغروم.
(ولو رجع شهود مال .. غرموا) للمحكوم عليه (في الأظهر) لحصول الحيلولة بشهادتهم، والثاني: المنع؛ لأن الضمان باليد أو الإتلاف، ولم يوجد واحد منهما، وإن أتوا بما يقتضي الفوات؛ كمن حبس المالك عن ماشيته حتى ضاعت، وعزاه

الجزء: 4 - الصفحة: 517

وَمَتَى رَجَعُوا كُلُّهُمْ .. وُزِّعَ عَلَيْهِمُ الْغُرْمُ، أَوْ بَعْضُهُمْ وَبَقِيَ نِصَابٌ .. فَلَا غُرْمَ، وَقِيلَ: يَغْرَمُ قِسْطَهُ. وَإِنْ نَقَصَ النِّصَابُ وَلَمْ يَزِدِ الشُّهُودُ عَلَيْهِ .. فَقِسْطُهُ، وَإِنْ زَادَ .. فَقِسْطٌ مِنَ النِّصَابِ، وَقِيلَ: مِنَ الْعَدَدِ، وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ .. فَعَلَيْهِ نِصْفٌ وَهُمَا نِصْفٌ، أَوْ وَأَرْبَعٌ فِي رَضَاعٍ .. فَعَلَيْهِ ثُلُثٌ وَهُنَّ ثُلُثَانِ،

الفوراني والإمام إلى الجديد، وذكر في "العدة": أنه ظاهر المذهب، وأن الفتوى على الأول 301، كذا قالاه 302. (ومتى رجعوا كلهم .. وزع عليهم الغرم) بالسوية عند اتحاد نوعهم، (أو بعضهم وبقي نصاب) كما إذا رجع من الثلاثة واحد فيما يثبت بشاهدين؛ كالعتق ( .. فلا غرم) لبقاء من تقوم به الحجة، فكأن الراجع لم يشهد، (وقيل: يغرم قسطه) لأن الحكم وقع بشهادة الجميع، وكل منهم قد فوَّت قسطًا فيغرم ما فوت.
(وإن نقص النصاب، ولم يزد الشهود عليه .. فقسطه) فإذا شهد اثنان فيما يثبت بهما؛ كالقتل ثم رجع أحدهما .. فعليه النصف؛ لأن ما لزم المجموع يوزع عند الانفراد.
(وإن زاد) عدد الشهود على النصاب؛ كما إذا رجع من الخمسة في الزنا أو الثلاثة في غيره اثنان ( .. فقسط من النصاب) بناءً على أنه لا غرم إذا بقي نصاب، فيجب النصف على الراجعين من الثلاثة؛ لبقاء نصف الحجة، (وقيل: من العدد) بناءً على الغرم فيما إذا بقي نصاب، فيجب الثلثان على الراجعين من الثلاثة؛ لأن البينة إذا نقص عددها .. زال حكمها، وصار الضمان متعلقًا بالإتلاف وقد استووا فيه.
(وإن شهد رجل وامرأتان) فيما يثبت بذلك ثم رجعوا ( .. فعليه نصف، وهما نصف) على كل واحدة ربع؛ لأنهما كالرجل.
(أو وأربع في رضاع) ونحوه مما يثبت بمحض النساء ثم رجعوا ( .. فعليه ثلث وهن ثلثان) وتنزل كل امرأتين منزلة رجل؛ لأن هذه الشهادة تنفرد بها النساء، فلا يتعين الرجل للشطر.

الجزء: 4 - الصفحة: 518

فَإِنْ رَجَعَ هُوَ أَوْ ثِنْتَانِ .. فَلَا غُرْمَ فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ شَهِدَ هُوَ وَأَرْبَعٌ بِمَالٍ .. فَقِيلَ: كَرَضَاعٍ، وَالأَصَحُّ: هُوَ نِصْفٌ وَهُنَّ نِصْفٌ، سَوَاءٌ رَجَعْنَ مَعَهُ أَوْ وَحْدَهُنَّ، وَإِنْ رَجَعَ ثِنْتَانِ .. فَالأَصَحُّ: لَا غُرْمَ، وَأَنَّ شُهُودَ إِحْصَانٍ أَوْ صفَةٍ مَعَ شُهُودِ تَعْلِيقِ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ لَا يَغْرَمُونَ.

(فإن رجع هو) أي: الرجل (أو ثنتان) فقط ( .. فلا غرم في الأصح) لبقاء الحجة، والثاني: عليه أو عليهما ثلث الغرم؛ كما لو رجع الجميع.
(وإن شهد هو وأربع بمال .. فقيل: كرضاع) فعليه ثلث، وعليهن ثلثان (والأصح: هو نصف، وهن نصف، سواء رجعن معه أو وحدهن) بخلاف الرضاع؛ لأن المال لا يثبت بشهادة النساء المتمحضات، وإن كثرن .. فنصف الحجة تقوم بالرجل معهن، سواء قلوا أم كثروا.
(وإن رجع ثنتان .. فالأصح: لا غرم) لبقاء الحجة، والثاني: عليهما ربع الغرم؛ لأنهما ربع البينة.
(وأن شهود إحصان) مع شهود الزنا (أو) شهود (صفة مع شهود تعليق طلاق وعتق لا يغرمون) إذا رجعوا، أما شهود الإحصان .. فلأنهم لم يشهدوا بموجب عقوبة وإنما وصفوه بصفة كمال، وأما في شهود الصفة مع شهود تعليق الطلاق والعتق .. فلأنهم لم يشهدوا بطلاق ولا عتق، وإنما أثبتوا صفة، والثاني: يغرمون؛ لأن الرجم يتوقف على ثبوت الزنا والإحصان جميعًا، فالقتل لم يستوف إلا بهم، وكذلك الطلاق والعتق وقع بقولهم.


الجزء: 4 - الصفحة: 519

كتابُ الدعوى والبيّنات تُشْتَرَطُ الدَّعْوَى عِنْدَ قَاضٍ فِي عُقُوبَةٍ كَقِصَاصٍ وَقَذْفٍ، وَإِنِ اسْتَحَقَّ عَيْنًا .. فَلَهُ أَخْذُهَا إِنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً، وَإِلَّا .. وَجَبَ الرَّفْعُ إِلَى قَاضٍ، أَوْ دَيْنًا عَلَى غَيْرِ مُمْتَنِعٍ مِنَ الأَدَاءِ .. طَالَبَهُ، وَلَا يَحِلُّ أَخْذُ شَيْءٍ لَهُ،

﴿كتاب الدعوى والبينات﴾ الدعوى لغة: الطلب والتمني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ وتجمع على دعاوى بفتح الواو وكسرها، وشرعًا: إخبار بنزاع بمجلس الحكم بحق أو باطل.
والبينات: جمع بينة، وهم الشهود سموا به؛ لأن بهم يبين الحق.
والأصل في الباب: قوله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ .. لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" متفق عليه 303، ورواه البيهقي بلفظ: "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" وإسناده حسن 304. (تشترط الدعوى عند قاض في عقوبة؛ كقصاص و) حدِّ (قذف) ولا يستقل به المستحق؛ لعظم خطره بل يحتاج إلى إثباته ثم استيفائه.
(وإن استحقَّ عينًا) وليس لذي اليد حبسها عنه ( .. فله أخذها إن لم يخف فتنةً) لأنه عليه الصلاة والسلام أذن لهند في أخذ النفقة وهي في الذمة 305؛ فعين المال أولى، (وإلا) أي: وإن خاف الفتنة ( .. وجب الرفع إلى قاض) لتمكنه من الخلاص به، فلا حاجة على إثارة الفتنة.
(أو دينًا) حالًّا (على غير ممتنع من الأداء .. طالبه) ليؤدي ما عليه، (ولا يحل أخذ شيء له) لأن مَنْ عليه الحق مخيرٌ في الدفع من أيِّ مال شاء، فليس للمستحق إسقاط حقه من ذلك الخيار.

الجزء: 4 - الصفحة: 521

أَوْ عَلَى مُنْكِرٍ وَلَا بَيِّنَةَ .. أَخَذَ جِنْسَ حَقِّهِ مِنْ مَالِهِ، وَكَذَا غَيْرُ جِنْسِهِ إِنْ فَقَدَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، أَوْ عَلَى مُقِرٍّ مُمْتَنِعٍ أَوْ مُنْكِرٍ وَلَهُ: بَيِّنَةٌ .. فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ: يَجِبُ الرَّفْعُ إِلَى قَاضٍ. وَإِذَا جَازَ الأَخْذُ .. فَلَهُ كَسْرُ بَابٍ، وَنَقْبُ جِدَارٍ لَا يَصِلُ الْمَالَ إِلَّا بِهِ، ثُمَّ الْمَأْخُوذُ مِنْ جِنْسِهِ يَتَمَلَّكُهُ،

(أو على منكر ولا بينة .. أخذ جنس حقه من ماله) إن ظفر به؛ لعجزه عن حقه إلا بذلك، (وكذا غير جنسه إن فقده على المذهب) للضرورة، وقيل: قولان.
وجه المنع: أنه لا يتمكن من تملكه، وليس له أن يبيع مال غيره لنفسه، وأطلقا الجواز من غير الجنس، ومحله: إذا لم يجد أحد النقدين، فإن وجده .. تعين ولم يعدل إلى غيره، كذا نقله في "المطلب" عن المتولي وارتضاه.
(أو على مقر ممتنع أو منكر وله بينة .. فكذلك) له الاستقلال بالأخذ، لأن في المرافعة مؤنة ومشقة وتضييع زمان، (وقيل: يجب الرفع إلى قاض) كما لو أمكنه تخليص الحق بالمطالبة والتقاضي.
(وإذا جاز الأخذ .. فله كسر باب، ونقب جدار لا يصل المالَ إلا به) 306 ولا يضمن ما فوته على الأصح؛ كمن لا يقدر على دفع الصائل إلا بإتلاف ماله، فأتلفه لا يضمن، واستشكل البُلْقيني هذا، وقال: أصل الظفر: القياس على قصة هند، وبينها وبين المديون فرق، وهو تكرر نفقة الزوجة والأولاد كلَّ يوم، فيشق الرفع إلى القاضي، ولو سُلِّم .. فمن أين في المقيس عليه كسر باب ونقب جدار؟ ولم أجد للشافعي نصًّا بذلك، ولم يذكره أكثر الأصحاب وإنما ذكره القاضي الحسين، وجرى عليه أتباعه، والدليل يخالفه، ثم يترتب عليه دخول السُّرَّاق ونحوهم، وقد يكون الباب أكثر ثمنًا من الدين وهذا ضرر لا يصار إليه.
انتهى.
(ثم المأخوذ من جنسه يتملكه) بدلًا عن حقه، وظاهر كلامهما: أنه لا يملكه بنفس الأخذ بل لا بد من إنشاء تملك، والذي صرح به القاضي والبغوي واقتضاه كلام غيرهما: أنه يملكه بمجرد الأخذ، واعتمده في "المهمات"، ووجهه بأنه إنما يجوز

الجزء: 4 - الصفحة: 522

وَمِنْ غَيْرِهِ يَبِيعُهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ رَفْعُهُ إِلَى قَاضٍ يَبِيعُهُ، وَالْمَأْخُوذُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ، فَيَضْمَنُهُ إِنْ تَلِفَ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ وَبَيعِهِ، وَلَا يَأْخُذُ فَوْقَ حَقِّهِ إِنْ أَمْكَنَ الاقْتِصَارُ،

لمن يقصد أخذ حقه، وإذا وجد القصد مقارنًا للأخذ .. كفى، ولا حاجة إلى اشتراطه بعد ذلك 307. (ومن غيره يبيعه) بنفسه مستقلًا للحاجة؛ كما يتسلط على الأخذ، ولا يتملكه على الأصح، (وقيل: يجب رفعه إلى قاض يبيعه) لأنه كيف يلي التصرف في مال غيره لنفسه؟ ! وترجيح الاستقلال بالبيع من تصرف المصنف، وعبارة "المحرر": فيه وجهان رجح كلًّا منهما طائفة من الأصحاب.
انتهى 308. نعم؛ ظاهر كلام "الشرح الكبير": ترجيحه 309، هذا إذا كان القاضي جاهلًا بالحال ولا بينه للآخذ، فإن كان عالمًا بالحال .. لم يبع إلا بإذنه على المذهب.
(والمأخوذ مضمون عليه) أي: على الآخذ (في الأصح، فيضمنه إن تلف قبل تملكه، وبيعه) لأنه أخذه لغرض نفسه فكان من ضمانه؛ كالمُستام، بل أولى؛ فإن المالك لم يأذن فيه، والثاني: لا يضمنه من غير تفريط؛ لأنه مأخوذ للتوثق والتوصل به إلى الحق؛ فأشبه الرهن، وإذن الشرع في الأخذ يقوم مقام إذن المالك.
(ولا يأخذ) المستحق (فوق حقه إن أمكن الاقتصار) على قدر حقه، فإن زاد .. فالزيادة مضمونة عليه، فإن لم يمكن الاقتصار؛ بأن كان حقه خمسين فوجد سيفًا يساوي مئة 310؛ فإن قلنا: إن المأخوذ بقدر الحق لا يضمن .. فكذا الزيادة، وإن ضمناه .. فقيل: يضمن الزيادة أيضًا، والأصح: المنع؛ لأنه لم يأخذه بحقه وهو معذور في أخذه.

الجزء: 4 - الصفحة: 523

وَلَهُ أَخْذُ مَالِ غَرِيمِ غَرِيمِهِ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الْمُدَّعِيَ: مَنْ يُخَالِفُ قَوْلُهُ الظَّاهِرَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ: مَنْ يُوَافِقُهُ، فَإِذَا أَسْلَمَ زَوْجَانِ قَبْلَ وَطْءٍ فَقَالَ: (أَسْلَمْنَا مَعًا) .. فالنِّكَاحُ بَاقٍ، وَقَالَتْ: (مُرَتَّبًا) .. فَهُوَ مُدَّعٍ

(وله أخذ مال غريم غريمه) بأن يكون لزيد على عمرو دين، ولعمرو على بكر مثله؛ يجوز لزيد أن يأخذ من مال بكر ما له على عمرو، ولا يمنع من ذلك رد عمرو، وإقرار بكر له، ولا جحود بكر استحقاق زيد على عمرو، كذا أطلقاه 311. واستشكله البُلْقيني: بأن تسليطه على مال غريم غريمه من غير أن يوجد منه ما يقتضي أن للغريم أن يأخذ من ماله بطريق الظفر .. محذور، وخرق لا يصار إليه، ويلزم منه محذور آخر، وهو أن الظافر يأخذ من مال غريم الغريم والغريم لا يدري فيأخذ من غريمه فيؤدي إلى الأخذ مرتين، قال شيخنا: ورأيت المسألة في "تتمة التتمة"، وذكر لها شرطين؛ أحدهما: ألا يظفر بمال الغريم، والثاني: أن يكون غريم الغريم جاحدًا ممتنعًا أيضًا، وبهذا الشرط الثاني ينتفي المحذور الذي ذكره شيخنا أولًا.
انتهى.
وأشار بقوله: (أولًا) إلى أن المحذور الثاني لا ينتفي، وقد صرح بالشرط الثاني الذي نقله عن "تتمة التتمة" القاضي الحسين والشيخ إبراهيم المروذي في "تعليقهما"، وكلام البغوي يقتضي التصوير به؛ كما نقله الأَذْرَعي.
(والأظهر: أن المدعي: من يخالف قوله الظاهر، والمدَّعى عليه: من يوافقه) أي: يوافق الظاهر، وهو براءة الذمة، والثاني: أن المدعي: من لو سكت .. خُلِّيَ، ولم يطالب بشيء والمدعى عليه: من لا يُخلَّى، ولا يكفيه السكوت، وينبني على هذين التفسيرين قول المصنف: (فإذا أسلم زوجان قبل وطء فقال: "أسلمنا معًا .. فالنكاح باق، وقالت: "مرتبًا") فلا نكاح بيننا ( .. فهو مُدَّعٍ) على الأظهر؛ لأن المعية خلاف الظاهر، والمرأة مدعىً عليها؛ لموافقتها الظاهر؛ فتحلف ويرتفع النكاح، وإن قلنا: بالقول الثاني .. فالمرأة مدعية، وهو مدعى عليه؛ لأنه

الجزء: 4 - الصفحة: 524

وَمَنِ ادَّعَى نَقْدًا .. اشْتُرِطَ بَيَانُ جِنْسٍ وَنَوْعٍ وَقَدْرٍ وَصِحَّةٍ وَتَكَسُّرٍ إِنِ اخْتَلَفَتْ بِهِمَا قِيمَةٌ، أَوْ عَيْنًا تَنْضَبِطُ كَحَيَوَانٍ .. وَصَفَهَا بِصِفَةِ السَّلَمِ - وَقِيلَ: يَجِبُ مَعَهَا ذِكْرُ الْقِيمَةِ، فَإِنْ تَلِفَتْ وَهِيَ مُتَقَوِّمَةٌ .. وَجَبَ ذِكْرُ الْقِيمَةِ - أَوْ نِكَاحًا .. لَمْ يَكْفِ الإِطْلَاقُ عَلَى الأَصَحِّ، بَلْ يَقُولُ: (نَكَحْتُهَا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَرِضَاهَا) إِنْ كَانَ يُشْتَرَطُ، فَإِنْ كَانتْ أَمَةً .. فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ ذِكْرِ الْعَجْزِ عَنْ طَوْلٍ وَخَوْفِ عَنَتٍ،

لا يُترك إذا سكت، فإنها تزعم انفساخ النكاح؛ ليترتب لها جواز التزويج بغيره فيحلف، ويحكم باستمرار النكاح إذا حلف.
(ومن ادعى نقدًا .. اشترط بيان جنس ونوع وقدر وصحة وتكسر إن اختلفت بهما قيمة) فيقول مثلًا: (لي عليه مئة درهم فضة أشرفية أطالبه بها) لأن العلم بالمُدَّعى شرط، وبذلك يحصل التعريف، وإنما يحتاج إلى ذكر الصحة والتكسير عند الاختلاف؛ للتفاوت بينهما، فإن لم تختلف .. لم يحتج إليه.
(أو عينًا تنضبط؛ كحيوان .. وصفها بصفة السلم) ولم يحتج لذكر القيمة على الأصح؛ لحصول التمييز بذلك، (وقيل: يجب معها ذكر القيمة) احتياطًا (فإن تلفت وهي متقومة) بكسر الواو ( .. وجب ذكر القيمة) لأنها الواجبة عند التلف، وإن كانت مثلية .. فلا حاجة إلى ذكرها، ويكفي الضبط بالصفات؛ فإن المطلوب المثل.
(أو نكاحًا .. لم يكف الإطلاق على الأصح، بل يقول: "نكحتها بولي مرشد وشاهدي عدل ورضاها" إن كان يشترط) لكونها غير مجبرة؛ لأن النكاح فيه حق الله تعالى، وحق الآدمي، وإذا وقع .. لا يمكن استدراكه؛ فلا تسمع دعواه إلا ببينة؛ كالقتل، والثاني: يكفي الإطلاق؛ كما لا يشترط ذكر انتفاء الموانع؛ كالردة والرضاع.
وفرق الأول: بأن الشروط يعتبر وجودها ليصح العقد، والموانع يعتبر عدمها، والأصل العدم؛ فاكتفي به.
(فإن كانت أمة .. فالأصح: وجوب ذكر العجز عن طول وخوف عنت) مع ما سبق؛ لأن الفروج يحتاط لها، والثاني: لا يجب؛ كما لا يجب التعرض لعدم الموانع.

الجزء: 4 - الصفحة: 525

أَوْ عَقْدًا مَالِيًّا كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَهِبَةٍ .. كَفَى الإِطْلَاقُ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ .. لَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُ المُدَّعِي، فَإِنِ ادَّعَى أَدَاءً أَوْ إِبْرَاءً أَوْ شِرَاءَ عَيْنٍ أَوْ هِبَتَهَا وَإِقْبَاضَهَا .. حَلَّفَهُ عَلَى نَفْيِهِ، وَكَذَا إِذَا ادَّعَى عِلْمَهُ بِفِسْقِ شَاهِدِهِ أَوْ كَذِبِهِ فِي الأَصَحِّ، وَإِذَا اسْتَمْهَلَ لِيَأْتِيَ بِدَافِعٍ .. أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَوِ ادَّعَى رِقَّ بَالِغٍ فَقَالَ: (أَنَا حُرٌّ) .. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، أَوْ رِقَّ صَغِيرٍ لَيْسَ فِي يَدِهِ .. لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، أَوْ فِي يَدِهِ .. حُكِمَ لَهُ بِهِ إِنْ لَمْ يَعْرِفِ اسْتِنَادَهَا إِلَى الْتِقَاطٍ،

(أو عقدًا ماليًّا؛ كبيع وإجارة وهبة .. كفى الإطلاق في الأصح) لأنه أخفُّ حكمًا من النكاح، ولهذا لا يشترط فيه الإشهاد، بخلاف النكاح، والثاني: يشترط؛ كالنكاح، فيقول: (تعاقدناه بثمن معلوم ونحن جائزا التصرف، وتفرقنا عن تراض).
(ومن قامت عليه بينة .. ليس له تحليف المدعي) على استحقاق ما ادعاه؛ لأنه كالطعن في الشهود، (فإن ادعى أداء أو إبراء أو شراء عين أو هبتها، وإقباضها .. حلفه على نفيه) لاحتمال ما يدعيه، هذا إذا ادعى حدوث شيء من ذلك بعد قيام البينة، ومضى زمن إمكان ذلك؛ فإن لم يمكن .. لم يلتفت إليه.
(وكذا لو ادعى علمه بفسق شاهده، أو كذبه في الأصح) لأنه لو أقرَّ به .. لبطلت شهادته، والثاني: لا؛ اكتفاءً بظاهر العدالة وتعديل المزكين.
(وإذا استمهل ليأتي بدافع .. أمهل ثلاثة أيام) لأنها مدَّةٌ قريبة لا يعظم الضرر فيها، ومقيم البينة يحتاج إلى مثلها للفحص عن الشهود.
(ولو ادعى رق بالغ فقال: "أنا حر") في الأصل ( .. فالقول: قوله) لموافقته الأصل، فلو قال: (أعتقتني) أو (أعتقني الذي باعني منك) .. لم يقبل إلا ببينة وإن كان فيه دعوى الحرية.
(أو رق صغير ليس في يده .. لم يقبل إلا ببينة) لأن الأصل عدم الملك، (أو في يده .. حكم له به إن لم يعرف استنادها إلى التقاط) كما لو ادعى الملك في دابة أو ثوب في يده ولا أثر لإنكاره إذا بلغ في الأصح، بل يستمر الرق، فإن استندت إلى التقاط .. فلا في الأظهر.
وهذه المسألة مكررة، فقد ذكرها في (اللقيط).

الجزء: 4 - الصفحة: 526

فَلَوْ أَنْكَرَ الصَّغِيرُ وَهُوَ مُمَيِّزٌ .. فَإِنْكَارُهُ لَغْوٌ، وَقِيلَ: كَبَالِغٍ، وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فِي الأَصَحِّ.

فصلٌ [فيما يتعلق بجواب المدعى عليه]

أَصَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى السُّكُوتِ عَنْ جَوَابِ الدَّعْوَى .. جُعِلَ كَمُنْكِرٍ نَاكِلٍ، فَإِنِ ادَّعَى عَشَرَةً فَقَال: (لَا تَلْزَمُنِي الْعَشَرَةُ) .. لَمْ يَكْفِ حَتَّى يَقُولَ: (وَلَا بَعْضُهَا)، وَكَذَا يَحْلِفُ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعَشَرَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ .. فَنَاكِلٌ، فَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي عَلَى اسْتِحْقَاقِ دُونِ عَشَرَةٍ بِجُزْءٍ وَيَأْخُذُهُ

(فلو أنكر الصغير وهو مميز .. فإنكاره لغو) لأن عبارته ملغاة، (وقيل: كبالغ) فيحتاج مدعي الرق إلى بينة؛ لأنه يعرف نفسه.
(ولا تسمع دعوى دين مؤجل في الأصح) إذ لا يتعلق بها إلزام ومطالبة في الحال، فيفوت نظام الدعوى، والثاني: تسمع؛ ليثبت في الحال ويطالب به في الاستقبال.


(فصل: أصر المدعى عليه على السكوت عن جواب الدعوى) الصحيحة ( .. جعل كمنكر ناكل) عن اليمين، فترد اليمين على المدعي بعد أن يقول له القاضي: (أجب عن دعواه، وإلا .. جعلتك ناكلًا).
(فإن ادعى عشرة فقال: "لا تلزمني العشرة" .. لم يكف حتى يقول: "ولا بعضها"، وكذا يحلف) إن حلف؛ لأن مدعي العشرة ماع بكل جزء منها؛ فلا بد أن يطابق الإنكار واليمين دعواه.
وقوله: (لا تلزمني العشرة) إنما هو نفي لمجموعها، ولا يقتضي نفي كل جزء منها، فقد يكون له عشرة إلا حبة 312. (فإن حلف على نفي العشرة، واقتصر عليه .. فناكل) عما دون العشرة (فيحلف المدعي على استحقاق دون عشرة بجزء) وإن قلَّ (ويأخذهُ) هذا إذا لم يسند المدعي إلى عقد؛ فإن أسنده؛ كما لو ادعت امرأة على رجل أنه نكحها بخمسين وطالبته بها،

الجزء: 4 - الصفحة: 527

وَإِذَا ادَّعَى مَالًا مُضَافًا إِلَى سَبَبٍ كـ (أَقْرَضْتُكَ كَذَا) .. كَفَاهُ فِي الْجَوَابِ: (لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا)، أَوْ شُفْعَةً .. كَفَاهُ: (لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا)، أَوْ (لَا تستَحِقُّ تسلِيمَ الشِّقْصِ)، وَيَحْلِفُ عَلَى حَسَب جَوَابِهِ هَذَا، فَإِنْ أَجَابَ بِنَفْيِ السَّبَبِ الْمَذْكُورِ .. حَلَفَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَهُ حَلِفٌ بِالنَّفْيِ الْمُطْلَقِ، وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ مَرْهُونٌ أَوْ مُكْرَىً وَادَّعَاهُ مَالِكُهُ .. كَفَاهُ: (لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُهُ)، فَلَوِ اعْتَرَفَ بِالْمِلْكِ وَادَّعَى الرَّهْنَ أَوِ الإِجَارَةَ .. فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا وَخَافَ أَوَّلًا إِنِ اعْتَرَفَ بِالْمِلْكِ جَحْدَهُ الرَّهْنَ وَالإِجَارَةَ .. فَحِيلَتُهُ أَنْ يَقُولَ: (إِنِ ادَّعَيْتَ مِلْكًا مُطْلَقًا .. فَلَا يَلْزَمُنِي تسْلِيمٌ، وَإِنِ ادَّعَيْتَ مَرْهُونًا

ونكل الزوج .. فلا يمكنها الحلف على أنه نكحها ببعض الخمسين؛ لأنه يناقض ما ادعته أولًا، وهو الخمسون.
(وإذا ادعى مالًا مضافًا إلى سبب؛ كـ "أقرضتك كذا" .. كفاه في الجواب: "لا تستحق علي شيئًا"، أو شفعة .. كفاه: "لا تستحق علي شيئًا"، أو "لا تستحق تسليم الشقص") ولا يشترط التعرض لنفي تلك الجهة؛ لأن المدعي قد يكون صادقًا في الإقراض وغيره، وعرض ما أسقط الحق من أداء، أو إبراء، فلو نفى السبب .. كذب، أو اعترف به وادعى المسقط .. طولب ببينة قد يعجز عنها، فقبل الإطلاق للضرورة.
(ويحلف على حسب جوابه هذا) ولا يكلف نفي السبب، (فإن أجاب بنفي السبب المذكور) بأن قال: (ما أقرضتني) أو (ما بعتني) أو (ما غصبت) ( .. حلف عليه) كذلك لتطابق اليمين الإنكار، (وقيل: له حلف بالنفي المطلق) كما لو أجاب في الابتداء لذلك.
(ولو كان بيده مرهون أو مكرىً وادعاه مالكه .. كفاه: "لا يلزمني تسليمه") ولا يجب التعرض للملك.
(فلو اعترف بالملك وادعى الرهن أو الإجارة .. فالصحيح: أنه لا يقبل إلا ببينة) لأن الأصل عدمها، والثاني: يقبل؛ لأن اليد تصدقه في ذلك.
(فإن عجز عنها وخاف أولًا إن اعترف بالملك جحده الرهن والإجارة .. فحيلته أن يقول: "إن ادعيت ملكًا مطلقًا .. فلا يلزمني تسليم وإن ادعيت مرهونًا) عندي

الجزء: 4 - الصفحة: 528

فَاذْكُرْهُ لِأجِيبَ)، وَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ عَيْنًا فَقَال: (لَيْسَ هِيَ لِي)، أَوْ (هِيَ لِرَجُلٍ لَا أَعْرِفُهُ)، أَوْ (لابْنِي الطِّفْلِ)، أَوْ (وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ)، أَوْ (مَسْجِدِ كَذَا) .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا تَنْصَرِفُ الْخُصُومَةُ وَلَا تُنْزَعُ مِنْهُ، بَلْ يُحَلِّفُهُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ. وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِمُعَيَّنٍ حَاضِرٍ تُمْكِنُ مُخَاصَمَتُهُ وَتَحْلِيفُهُ .. سُئِلَ، فَإِنْ صَدَّقَهُ .. صَارَتِ الْخُصُومَةُ مَعَهُ،

( .. فاذكره لأجيب") كذا جزم به تبعًا لأصله، وحكاه الرافعي في "الشرح" عن القفال، وحكى عن القاضي الحسين: أن الجواب لا يسمع مع التردد، ولكن حيلته أن يجحد ملكه إن جحد صاحبه الدين والرهن، ولم يرجح شيئًا 313. نعم؛ صحح في "أصل الروضة" ما في "الكتاب" 314، وقال البُلْقيني: هذه الحيلة - يعني: ما قاله القفال - ليست صحيحة، ولا حاجة إليها مع سبق الاكتفاء بجواب جازم، وهو قوله: (لا يلزمني تسليمه)، وما ذكره القاضي من عدم سماع الجواب المردد هو الصحيح.
انتهى.
(وإذا ادعى عليه عينًا فقال: "ليس هي لي"، أو "هي لرجل لا أعرفه") أو لا أسميه (أو "لابني الطفل") وقف عليه أو ملك له، (أو "وقف على الفقراء" أو "مسجد كذا" .. فالأصح: أنه لا تنصرف الخصومة ولا تنزع منه) لأن الظاهر: أن ما في يده ملكه، وما صدر عنه ليس بمزيل، ولم يظهر لغيره استحقاق.
(بل يحلفه المدعي أنه لا يلزمه التسليم إن لم تكن بينة) والوجه: أنها تنصرف عنه 315؛ لأنه تبرأ من الدعوى، ولا سبيل إلى تحليف الولي ولا طفله، ولا يغني إلا البينة، وينتزع الحاكم العين من يده، فإن أقام المدعي بينة على الاستحقاق .. أخذها وإلا .. حفظها إلى أن يظهر مالكها.
(وإن أقر به لمعين حاضر تمكن مخاصمته وتحليفه .. سئل؛ فإن صدَّقه .. صارت الخصومة معه) لصيرورة اليد له، والخصومة إنما تدور بين متنازعين.

الجزء: 4 - الصفحة: 529

وَإِنْ كَذَّبَهُ .. تُرِكَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ، وَقِيلَ: يُسَلَّمُ إِلَى الْمُدَّعِي، وَقِيلَ: يَحْفَظُهُ الْحَاكِمُ لِظُهُورِ مَالِكٍ. وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِغَائِبٍ .. فَالأَصَحُّ: انْصِرَافُ الْخُصُومَةِ عَنْهُ، وَيُوقَفُ الأَمْرُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ .. قُضِيَ بِهَا، وَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى غَائِبٍ، فَيَحْلِفُ مَعَهَا، وَقِيلَ: عَلَى حَاضرٍ،

وأفهم: انصراف الخصومة عن المدعى عليه، وليس كذلك، فللمدعي طلب يمين المدعى عليه؛ بناءً على أنه يغرم له البدل لو أقرَّ له، وهو الأظهر.
(وإن كذبه .. ترك في يد المقر، وقيل: يسلم إلى المدعي، وقيل: يحفظه الحاكم لظهور مالك) لما سبق في (باب الإقرار)، فإن هذه الأوجه قد تقدمت هناك.
(وإن أقر به لغائب .. فالأصح: انصراف الخصومة عنه، ويوقف الأمر حتى يقدم الغائب) لأن المال بظاهر إقراره لغيره؛ بدليل: أن الغائب لو قدم وصدَّقه .. أخذه، والثاني: لا تنصرف، وهو ظاهر نصِّ "المختصر"؛ لأن المال في يده، والظاهر: أنه له، فلا يمكن من صرف الخصومة عنه بالإضافة إلى غائب قد يرجع وقد لا يرجع، ويخالف: ما إذا أضاف إلى صبي أو مجنون؛ فإن هناك يمكن مخاصمة وليه.
(فإن كان للمدعي بينة .. قضي بها، وهو قضاء على غائب، فيحلف معها) أي: مع البينة؛ لأن المال صار له بحكم الإقرار، وهذا ما نقلاه في "الشرح" و"الروضة" عن اختيار الإمام والغزالي، وقالا: إنه أقوى وأليق بالوجه المفرع عليه 316. (وقيل: على حاضر) فلا يحلف معها؛ لأن الدعوى توجهت إليه فيوجه القضاء عليه، وهذا ما نقلاه عن ترجيح العراقيين والروياني 317، وهو المنصوص في "الأم" و"المختصر" كما قاله في "البحر"، قال: ولا معنى للوجهين مع النص 318، وقال البُلْقيني: إنه المذهب المعتمد.

الجزء: 4 - الصفحة: 530

وَمَا قُبِلَ إِقْرَارُ عَبْدٍ بِهِ كَعُقُوبَةٍ .. فَالدَّعْوَي عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْجَوَابُ، وَمَا لَا كَأَرْشٍ .. فَعَلَى السَّيِّدِ.

فصلٌ [في كيفية الحلف والتغليظ فيه]

تُغَلَّظُ يَمِينُ مُدَّعٍ وَمُدَّعىً عَلَيْهِ فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ مَالٌ، وَفِي مَالٍ يَبْلُغُ نِصَابَ زَكَاةٍ،

وإن لم يكن للمدعي بينة .. فله تحليف المدعى عليه أنه لا يلزمه تسليمه إليه، فإن نكل .. حلف المدعي وأخذ المال من يده، ثم إذا عاد الغائب وصدق المقر .. رد المال عليه بلا حجة؛ لأن اليد له بإقرار صاحب اليد، ثم يستأنف المدعي الخصومة معه؛ هذا كله إذا لم يقم المدعى عليه بينة أن المال للغائب، فإن أقامها .. نظر إن ادعى أنه وكيل من جهة الغائب وأثبت الوكالة .. فبينته على أن المال للغائب مسموعة مرجحة على بينة المدعي، وإن لم تثبت الوكالة .. فأوجه؛ أصحها: لا تسمع بينته؛ لأنه ليس بمالك ولا نائب.
(وما قبل إقرار عبد به كعقوبة) لآدمي ( .. فالدعوى عليه، وعليه الجواب) لأنه يقبل إقراره في ذلك دون السيد، (وما لا كأرش) وضمان ( .. فعلى السيد) لأن الرقبة التي هي متعلقها حق السيد.


(فصل: تغلظ يمين مدع ومدعىً عليه فيما ليس بمال ولا يقصد به مال) كدعوى دم، ونكاح وعتق ونحوها، حتى في ولادة ورضاع وعيوب النساء، وليس قبول شهادة النساء فيها منفردات لقلة خطرها، بل لأن الرجال لا يطلعون عليها غالبًا؛ لأن اليمين موضوعة للزجر عن التعدي؛ فشرع التغليظ مبالغة، وتأكيدًا للردع؛ فاختص بما هو متأكد في نظر الشرع؛ كهذه المذكورات.
ويرد على المصنف: الحقوق؛ كالسرجين وكلب الصيد، فإنها ليست بمال، ولا يقصد منها المال، ومع ذلك لا يغلظ فيها.
(وفي مال يبلغ نصاب زكاة) لا فيما دونه؛ لأنه الموصوف بالعظم في نظر

الجزء: 4 - الصفحة: 531

وَسَبَقَ بَيَانُ التَّغْلِيظِ فِي اللِّعَانِ، وَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ فِي فِعْلِهِ، وَكَذَا فِعْلُ غَيْرِهِ إِنْ كَانَ إِثْبَاتًا،

الشرع، ولذلك أوجب المواساة فيها.
نعم؛ للقاضي ذلك فيما دون النصاب إذا رآه لجرأة يجدها في الحالف.
وقضية كلامه: أنه إذا بلغ نصابًا .. غلظ أيَّ نصاب كان؛ من نَعَم ونبات وغير ذلك، وهو وجه حكاه الماوردي 319، والذي في "الشرح" و"الروضة" اعتبار عشرين دينارًا أو مئتي درهم 320، والمنصوص عليه في "الأم" و"المختصر": اعتبار عشرين دينارًا عينًا أو قيمة 321، وقال البُلْقيني: إنه الأصح المعتمد، حتى لو كان المدعى به من الدراهم .. اعتبر بالذهب.
وظاهر كلام المصنف: وجوب التغليظ، والأصح: استحبابه، وأنه لا يتوقف على طلب الخصم، وهو الأصح، بل قال القاضي الحسين: لو رضي المدعي بترك التغليظ .. لم يتركه الحاكم؛ لأنه حق الله تعالى.
(وسبق بيان التغليظ في اللعان) ويستثنى من إطلاقه: حضور جمع أقله أربعة؛ فإنه لا يغلَّظ به هنا على الصواب في "زيادة الروضة" 322، ومن به مرض شاق أو زمانة .. فإنه لا يغلَّظ عليه بالمكان، وكذا الحائض؛ إذ لا يمكنها اللبث في المسجد، قاله الرافعي 323، وقال غيره: إنها تحلف بباب المسجد؛ كما سبق في (اللعان).
(ويحلف على البتِّ) أي: القطع (في فعله) نفيًا كان أو إثباتًا؛ لأنه يعلم حال نفسه، فيقول في الإثبات: (والله؛ لقد بعتك)، أو (اشتريت منك)، وفي النفي: (والله؛ ما بعت ولا اشتريت).
(وكذا فعل غيره إن كان إثباتًا) كبيع وإتلاف؛ لأنه يسهل الوقوف عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 532

وَإِنْ كَانَ نَفْيًا .. فَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. وَلَوِ ادَّعَى دَيْنًا لِمُوَرثهِ فَقَالَ: (أَبْرَأَنِي) .. حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْبَرَاءَةِ، وَلَوْ قَالَ: (جَنَى عَبْدُكَ عَلَيَّ بمَا يُوجِبُ كَذَا) .. فَالأَصَحُّ: حَلِفُهُ عَلَى الْبَتِّ. قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ: (جَنَتْ بَهِيمَتُكَ). حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ قَطْعًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَجُوزُ الْبَتُ بِظَنٍّ مُؤَكَّدٍ يَعْتَمِدُ خَطَّهُ أَوْ خَطَّ أَبِيهِ، وَتُعْتبَرُ نِيَّةُ الْقَاضِي الْمُسْتَحْلِفِ،

(وإن كان نفيًا .. فعلى نفي العلم) فيقول: (والله؛ ما علمت أنه فعل كذا)، ولا يحلف على القطع؛ لأنه لا طريق له إلى القطع به.
نعم؛ لو حلف على القطع .. اعتد به؛ كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره، ويحمل على العلم.
(ولو ادعى دينًا لمورثه فقال: "أبرأني") منه أو استوفاه أو أحال به ( .. حلف على نفي العلم بالبراءة) ونحوها؛ لأنه حلف على نفي فعل الغير، ولا بد أن يضم إلى الدعوى: (وأنت تعلم أنه أبرأني منه) ونحوه.
(ولو قال: "جنى عبدك عليَّ بما يوجب كذا " .. فالأصح: حلفه على البت) إن أنكر؛ لأن عبده ماله، وفعله كفعل نفسه، ولذلك سمعت الدعوى عليه، والثاني: على نفي العلم؛ لتعلقه بفعل الغير.
(قلت: ولو قال: "جنت بهيمتك " .. حلف على البت قطعًا، والله أعلم) لأنه لا ذمة لها، والمالك لا يضمن بفعل البهيمة، وإنما يضمن لتقصيره في حفظها، وهذا أمر يتعلق بنفس الحالف.
(ويجوز البت بظن مؤكد يعتمد خطه أو خط أبيه) إذا وثق بدينه وأمانته؛ كما قيد في (باب القضاء)، ولا يشترط فيه اليقين، وكذا يجوز اعتمادًا على قرينة؛ كنكول الخصم.
(وتعتبر نية القاضي المستحلف) لقوله عليه الصلاة والسلام: "الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ" رواه مسلم 324، وحملوه على الحاكم؛ لأنه الذي له الاستحلاف، ولأنه

الجزء: 4 - الصفحة: 533

فَلَوْ وَرَّى أَوْ تَأَوَّلَ خِلَافَهَا أَوِ اسْتَثْنَى بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي .. لَمْ يَدْفَعْ إِثْمَ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ. وَمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لَوْ أَقَرَّ بِمَطْلُوبِهَا لَزِمَهُ فَأَنْكَرَ .. حُلِّفَ، وَلَا يُحَلَّفُ قَاضٍ عَلَى تَرْكِهِ الظُّلْمَ فِي حُكْمِهِ، وَلَا شَاهِدٌ أَنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ

لو اعتبر نية الحالف .. لبطلت فائدة الأيمان وضاعت الحقوق؛ إذ كل أحد يحلف على ما يقصد.
وإنما قال: (القاضي المستحلف)، ولم يقل: (المستحلف)؛ ليخرج ما لو حلفه الغريم أو غيره .. فإن العبرة بنية الحالف، وكذا لو حلف هو بنفسه ابتداءً؛ كما قاله في "زيادة الروضة" 325. (فلو ورى) الحالف (أو تأول خلافها أو استثنى بحيث لا يسمع القاضي .. لم يدفع إثم اليمين الفاجرة) لما قلناه، هذا إذا كان الحلف بالله؛ فإن حلَّفه القاضي بالطلاق أو العتاق فحلف وورى .. نفعته التورية؛ لأنه ليس له التحليف بها، كما قاله المصنف في "شرح مسلم"، و"الأذكار" 326، وكما تعتبر نية القاضي تعتبر عقيدته؛ كما قاله في "المحرر" 327، فلا يحل للشافعي إذا حلَّفه الحنفي على شفعة الجوار أن يحلف على عدم الاستحقاق في الأصح.
(ومن توجهت عليه يمين لو أقر بمطلوبها لزمه فأنكر ... حلف) لقوله عليه الصلاة والسلام: "وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" 328. وقوله: (يمين) سبق قلم وقع في نسخة المصنف، وصوابه: (دعوى)، كما في "المحرر" و"الشرحين" و"الروضة" 329؛ لأن الإنكار يكون بعد الدعوى لا بعد طلب اليمين.
(ولا يحلف قاض على تركه الظلم في حكمه، ولا شاهد أنه لم يكذب) لارتفاع

الجزء: 4 - الصفحة: 534

وَلَوْ قَالَ مُدَّعَىً عَلَيْهِ: (أَنَا صَبِيٌّ) .. لَمْ يُحَلَّفْ، وَوُقِفَ حَتَى يَبْلُغَ. وَالْيَمِينُ تُفِيدُ قَطْعَ الْخُصُومَةِ فِي الْحَالِ لَا بَرَاءَةً، فَلَوْ حَلَفَ ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً .. حَكَمَ بِهَا، وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: (قَدْ حَلَّفَنِي مَرَّةً فَلْيَحْلِفْ أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْنِي) .. مُكِّنَ فِي الأَصَحِّ،

منصبهما، وهذا مستثنى من الضابط؛ لأنه لو اعترف القاضي والشاهد .. لانتفع المدعي به، وقد صرح في "المحرر" بالاستثناء 330، قال الزركشي: وفيه نظر؛ لأن ذلك يخرج من قوله: (دعوى) وهذا لا تسمع عليه الدعوى؛ كما عبر به المصنف في (باب القضاء).
(ولو قال مدعىً عليه: "أنا صبي" .. لم يحلف، ووقف حتى يبلغ) لأنه لو كان كذابًا .. لم يمتنع من الإقدام على الحلف فلا فائدة، وهذا مستثنى من الضابط أيضًا.
(واليمين تفيد قطع الخصومة في الحال لا براءة) لأنه عليه الصلاة والسلام أمر رجلًا بعدما حلف بالخروج من حق صاحبه؛ كأنه عرف كذبه، رواه الإمام أحمد، وصحح الحاكم إسناده 331، فدل على أن اليمين لا توجب البراءة، (فلو حلف ثم أقام بينة .. حكم بها) لما قلناه.
وشمل إطلاقه البينة: الحجة الكاملة، وكذا الشاهد الواحد إذا حلف معه، وبه صرح صاحب "العدة" وغيره.
(ولو قال المدعى عليه: "قد حلفني مرة فليحلف أنه لم يحلفني" .. مكن في الأصح) لأن ما قاله محتمل غير مستبعد، والثاني: المنع؛ لأنه لا يؤمن أن يدعي المدعي أنه حلفه على أنه ما حلفه، وهكذا فيدور.
وأجاب الأول عن هذا: بمنع إجابة المدعي إلى ما ذكره؛ لإفضاء ذلك إلى التسلسل، هذا كله إذا قال: (حلفني عند قاض آخر) أو أطلق، أما إذا قال: (عندك أيها القاضي) فإن حفظ القاضي ذلك .. لم يحلفه ومنع المدعي ما طلبه، وإن لم يحفظه .. حلفه، ولا ينفعه إقامة البينة عليه في الأصح؛ لأن القاضي متى تذكر حكمه .. أمضاه، وإلا .. فلا يعتمد البينة.

الجزء: 4 - الصفحة: 535

وَإِذَا نَكَلَ .. حَلَفَ الْمُدَّعِي وَقُضِيَ لَهُ، وَلَا يُقْضَى بِنكُولِهِ، وَالنُّكُولُ: أَنْ يَقُولَ: (أَنَا نَاكِلٌ)، أَوْ يَقُولَ لَهُ الْقَاضِي: (احْلِفْ)، فَيَقُولُ: (لَا أَحْلِفُ)، فَإِنْ سَكَتَ .. حَكَمَ الْقَاضِي بِنُكُولِهِ، وَقَوْلُهُ لِلْمُدَّعِي: (احْلِفْ) .. حُكْم بِنُكُولِهِ. وَالْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ فِي قَوْلٍ كَبيِّنَةٍ، وَفِي الأَظْهَرِ: كَإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَهَا بَيِّنَةً بِأَدَاءٍ أَوْ إِبْرَاءٍ .. لَمْ تسْمَعْ،

(وإذا نكل) المُدَّعى عليه عن اليمين ( .. حلف المدعي) اليمين المردودة إن كان الحق للمدعي، (وقُضي له، ولا يُقضى بنكوله) لأنه عليه الصلاة والسلام ردَّ اليمين على طالب الحق، رواه الدارقطني، وقال الحاكم: صحيح الإسناد 332، وحكم بذلك عمر رضي الله عنه بحضرة الصحابة، كما رواه الشافعي 333. (والنكول: أن يقول: "أنا ناكل"، أو يقول له القاضي: "احلف"، فيقول: "لا أحلف") لظهوره فيه، هذا إذا عرف المدعى عليه معنى النكول، أما العامي الذي لا يعرفه .. فيجب على القاضي أن يعرفه أنه إن نكل عرض اليمين على المدعي، فإن حلف .. استحق عليه ما ادعاه، ولا تسمع بينته بأداء أو إبراء بعد ذلك.
(فإن سكت) بعد عرض اليمين عليه لا لدهشة ونحوها ( .. حكم القاضي بنكوله) كما أن السكوت عن الجواب في الابتداء نازلٌ منزلة الإنكار، ولا بد من الحكم هنا؛ ليرتب عليه رد اليمين، وهذا بخلاف ما لو صرح بالنكول برد وإن لم يحكم القاضي.
والحكم: أن يقول: (جعلتك ناكلًا)، أو (نكلتك) بالتشديد.
(وقوله) أي: القاضي (للمدعي) بعد امتناع المدعى عليه ("احلف" .. حكم بنكوله) نازل منزلة قوله: (حكمت بأن المدعى عليه ناكل).
(واليمين المردودة في قولٍ كبينة) يقيمها المدعي؛ لأن الحجة اليمين، واليمين وجدت منه، (وفي الأظهر: كإقرار المدعى عليه) لأنه بنكوله توصل إلى الحق؛ فأشبه إقراره.
(فلو أقام المدعى عليه بعدها بينةً بأداء أو إبراء .. لم تسمع) لكونه مكذبًا للبينة

الجزء: 4 - الصفحة: 536

فَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعِي وَلَمْ يَتَعَلَّلْ بِشَيْءٍ .. سَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الْيَمِينِ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْخَصْمِ، وَإِنْ تَعَلَّلَ بِإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ أَوْ مُرَاجَعَةِ حِسَابٍ .. أُمْهِلَ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: أَبَدًا، وَإِنِ اسْتَمْهَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَ اسْتُحْلِفَ لِيَنْظُرَ حِسَابَهُ .. لَمْ يُمْهَلْ، وَقِيلَ: ثَلَاثةً، وَلَوِ اسْتَمْهَلَ فِي ابْتِدَاءِ الْجَوَابِ .. أُمْهِلَ إِلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ،

بالإقرار، وعلى القول الأول: تسمع، كذا قالاه هنا 334، وخالفاه بعد ذلك في أثناء الركن الخامس قبيل المدرك الثالث من مدرك ترجيح البينة فرجحا السماع 335، قال في "المهمات" هناك: والصحيح: عدم سماعها 336، وقال البُلْقيني: الأصح: سماعها، وعدم السماع تفرد به القاضي الحسين، وهو ضعيف، وقال الزركشي: الصواب: هو السماع؛ فإنه إقرار تقديري لا تحقيقي، فلم يصدر منه إقرار مكذب لها.
(فإن لم يحلف المدعي، ولم يتعلل بشيء .. سقط حقه من اليمين) لإعراضه (وليس له مطالبة الخصم) إلا أن يقيم بينة؛ كما لو حلف المدعى عليه.
(وإن تعلل بإقامة بينة، أو مراجعة حساب) أو سؤال الفقهاء في جواز الحلف له ( .. أمهل ثلاثة أيام) فقط؛ لئلا تطول المدافعة، (وقيل: أبدًا) لأن اليمين حقه، فله تأخيره إلى أن يشاء؛ كالبينة.
(وإن استمهل المدعى عليه حين استحلف لينظر حسابه .. لم يمهل) إلا برضا المدعي؛ لأنه مقهور محمول على الإقرار أو اليمين، بخلاف المدعي، فإنه مختار في طلب حقه وتأخيره، (وقيل: ثلاثة) للحاجة، وهي مدة قريبة لا يتضرر بها المدعي.
(ولو استمهل في ابتداء الجواب) لينظر في الحساب ( .. أمهل إلى آخر المجلس) لم يجزم بهذا في "المحرر" بل قال: فقد ذكر أنه يمهل 337، وأشار به إلى القاضي

الجزء: 4 - الصفحة: 537

وَمَنْ طُولِبَ بِزَكَاةٍ فَادَّعَى دَفْعَهَا إِلَى سَاعٍ آخَرَ أَوْ غَلَطَ خَارِصٍ وَأَلْزَمْنَاهُ الْيَمِينَ فَنَكَلَ وَتَعَذَّرَ رَدُّ الْيَمِينِ .. فالأَصَحُّ: أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ. وَلَوِ ادَّعَى وَلِيُّ صَبِيٍّ دَيْنًا لَهُ فَأَنْكَرَ وَنَكَلَ .. لَمْ يُحَلَّفِ الْوَلِيُّ، وَقِيلَ: يُحَلَّفُ، وَقِيلَ: إِنِ ادَعَى مُبَاشَرَةَ سَبَبِهِ .. حُلِّفَ.

أبي سعيد الهروي؛ فإنه قال: يمهله إلى آخر المجلس إن شاء، ونقلاه عنه في "الشرح" و"الروضة" 338، قال البُلْقيني: وهو مخالف لما يظهر من كلام الشافعي وأصحابه ولمقتضى القواعد، وبسط ذلك.
(ومن طولب بزكاة فادعى دفعها إلى ساع آخر أو غلط خارص وألزمناه اليمين فنكل وتعذر رد اليمين .. فالأصح: أنها تؤخذ منه) لأن مقتضى ملك النصاب ومضي الحول: الوجوب، فإذا لم يأت بدافع .. أخذنا الزكاة منه بمقتضى الأصل، وليس هذا حكمًا بالنكول، خلافًا لابن القاص، والثاني: لا يطالب بشيء؛ إذ لم تقم عليه حجة، وهذا مستثنى من قوله أولًا: (ولا يقضى بنكوله)، وقوله: (وألزمناه اليمين)؛ أي: على المرجوح؛ فإن الأصح: استحبابها؛ فإن قلنا به .. لم يطالب بشيء.
وقوله: (وتعذر رد اليمين)؛ أي: بألا ينحصر المستحقون في البلد أو انحصروا وجوزنا النقل؛ فإن الرد على السلطان أو الساعي متعذر، فأما إذا انحصروا ومنعنا النقل .. فإن اليمين لا يتعذر ردها عليهم.
(ولو ادعى ولي صبي) أو مجنون (دينًا له فأنكر ونكل .. لم يحلف الولي) لأن إثبات الحق للإنسان بيمين غيره مستبعد فيوقف للبلوغ أو الإفاقة، (وقيل: يحلف) لأنه المستوفي له، (وقيل: إن ادعى مباشرة سببه) أي: ادعى ثبوته بسبب باشره بنفسه ( .. حلف) وإلا .. فلا، قال الرافعي: ولا بأس به، وقد رجحه العبادي، وأجاب به السَّرَخْسي، لكن مال المذهبيون إلى ترجيح المنع مطلقًا 339، وما رجحه هنا مخالف لما صححه في (كتاب الصداق) فيما إذا اختلف في قدره زوج وولي صغيرة أو مجنونة؛ فإنه صحح التحالف كما سلف في بابه، وكذا في "الروضة" و"أصلها"

الجزء: 4 - الصفحة: 538

فصلٌ [في تعارض البينتين]

ادَّعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً .. سَقَطَتَا، وَفِي قَوْلٍ: تُسْتَعْمَلَانِ، فَفِي قَوْلٍ: تُقْسَمُ، وَقَوْلٍ: يُقْرَعُ،

هناك 340، قال في "المهمات": وعليه الفتوى، فقد نصَّ عليه في "الأم" 341.


(فصل: ادعيا عينًا في يد ثالث) ولم ينسبها إلى أحدهما لا قبل البينة ولا بعدها، (وأقام كل منهما بينة .. سقطتا) لأنهما مثناقضتا الموجب؛ فأشبه الدليلين إذا تعارضا ولا مرجح؛ فعلى هذا كأنه لا بينة، ويصار إلى التحليف، قال الرافعي: وهذا منسوبٌ إلى القديم 342؛ فالمسألة من المسائل التي رجح فيها القديم، واعترض: بأن الشافعي نصَّ عليه في "الأم" و"البويطي" كما أفاده البَنْدَنيجي؛ فليس قديمًا صرفًا.
(وفي قول: تستعملان) صيانةً لهما عن الإسقاط بقدر الإمكان؛ فعلى هذا: تنزع العين ممن هي؛ لاتفاق البينتين على أنها ليست له، (ففي قول: تقسم) بينهما نصفين؛ لما رواه ابن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلين ادعيا دابة، وأقام كلُّ واحد شاهدين بأنها له، فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم نصفين 343. وأجيب عنه: بأنه يحتمل أن العين كانت في يديهما؛ فأبطل البينتين وقسمها بينهما.
(وقول: يقرع) ويرجح من خرجت قرعته؛ لحديث فيه في "مراسيل أبي داوود"، وذكر البيهقي له شاهدًا 344.

الجزء: 4 - الصفحة: 539

وَقَوْلٍ: تُوقَفُ حَتَّى يَتبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحَا. فَلَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِمَا وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ .. بَقِيَتْ كَمَا كَانَتْ، وَلَوْ كَانَتْ بِيَدِهِ فَأَقَامَ غَيْرُهُ بِهَا: بَيِّنَةً وَهُوَ: بَيِّنَةً .. قُدِّمَ صَاحِبُ الْيَدِ، وَلَا تسمَعُ بَيِّنَتُهُ إِلَّا بَعْدَ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي

وأجاب الأول عنه: بأنه يحتمل أن يكون ذلك الأمر، عتقًا أو قسمة.
(وقول: توقف حتى يتبين، أو يصطلحا) لأن إحداهما صادقة، والأخرى كاذبة فتوقف؛ كما لو زوج المرأة وليان مرتبان ونسي السابق.
ولم يرجح واحدًا من هذه الأقوال، وكأن عدم الاعتناء به؛ لتفريعها على الضعيف، وفي "المهمات": أن المصحح منها: الوقف، جزما به في أوائل التحالف 345. (فلو كانت في يدهما وأقاما بينتين .. بقيت كما كانت) تفريعًا على الصحيح، وهو التساقط؛ إذ لا مستحق لها غيرهما، وليس أحدهما أولى من الآخر.
(ولو كانت بيده فأقام غيره بها بينة وهو بينة .. قُدِّم صاحب اليد) لما رواه أبو داوود عن جابر: أن رجلين تداعيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، وأقام كل واحد منهما بينة، فقضى به للذي هو في يده 346، ولأنهما استويا في إقامة البينة، وترجحت بينته بيده فقدمت؛ كالخبرين مع أحدهما قياس، وسواء اليد الحكمية؛ كالتصرف، والحسيَّة؛ كالإمساك.
واقتضى إطلاقه: أنه لا يشترط في سماع بينة اليد أن يبيِّن سبب الملك؛ من شراء أو إرث ونحوهما؛ كبينة الخارج، وأنه لا يشترط أن يحلف مع بينته، وهو الأصح فيهما.
(ولا تسمع بينته إلا بعد) سماع (بينة المدعي) لأن الحجة إنما تقام على خصم، وقيل: تسمع بينته وإن لم يدع عليه لغرض التسجيل، قال الزنجاني في "شرح الوجيز": وعليه العمل في الآفاق، وتسمع بينته بعد بينة المدعي وإن لم تعدل على الأصح؛ لتعرض يده للزوال.

الجزء: 4 - الصفحة: 540

وَلَوْ أُزِيلَتْ يَدُهُ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةٍ بِمِلْكِهِ مُسْتَنِدًا إِلَى مَا قَبْلَ إِزَالَةِ يَدِهِ وَاعْتَذَرَ بِغَيْبَةِ شُهُودِهِ .. سُمِعَتْ وَقُدِّمَتْ، وَقِيلَ: لَا. وَلَوْ قَالَ الْخَارِجُ: (هُوَ مِلْكِي اشْتَرَيْتُهُ مِنْكَ)، فَقَالَ: (بَلْ مِلْكِي)، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ .. قُدِّمَ الْخَارِجُ، وَمَنْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ .. لَمْ تُسْمَعْ إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ انْتِقَالًا، وَمَنْ أُخِذَ مِنْهُ مَالٌ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ .. لَمْ يُشْتَرَطْ ذِكْرُ الانْتِقَالِ فِي الأَصَحِّ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ زِيَادَةَ عَدَدِ شُهُودِ أَحَدِهِمَا لَا تُرَجِّحُ،

(ولو أزيلت يده ببينة ثم أقام بينة بملكه مستندًا إلى ما قبل إزالة يده واعتذر بغيبة شهوده .. سمعت وقدمت) لأن يده أزيلت؛ لعدم الحجة، فإذا ظهرت .. حكم بها، (وقيل: لا) لأن تلك اليد قُضيَ بزوالها، فلا ينقض القضاء، قال القاضي: وقد أشكلت عليَّ هذه المسألة نيفًا وعشرين سنة؛ لما فيها من نقض الاجتهاد بالاجتهاد [وتردد جوابي فيها ثم استقر على أنه لا ينقض.
انتهى، والقائل بالأول يمنع كونه من باب نقض الاجتهاد بالاجتهاد] 347؛ لأنه إنما قضى على تقدير ألا معارضة ولا حجة، فإذا ظهرت الحجة .. حكم بها، وكأنه لما حكم .. استثنى هذه الحالة.
(ولو قال الخارج: "هو ملكي اشتريته منك"، فقال: "بل ملكي"، وأقاما بينتين .. قدم الخارج) لزيادة علم بينته بالانتقال، وكذا لو أقام الخارج بينة أن المدعى به ملكه غصبه منه الداخل أو أجره له أو أودعه عنده، وأقام الداخل بينة بأنه ملكه؛ فإنه يقدم بينة الخارج على الأصح، ولو قال كل منهما لصاحبه: (اشتريته منك)، وأقام بذلك بينة، وخفي التاريخ .. قدم الداخل.
(ومن أقر لغيره بشيء ثم ادعاه .. لم تسمع إلا أن يذكر انتقالًا) من المقر له؛ لأن المقر مؤاخذ بإقراره في المستقبل، فيستصحب ما أقر به إلى أن يثبت الانتقال.
(ومن أخذ منه مال ببينة ثم ادعاه .. لم يشترط ذكر الانتقال في الأصح) كالأجنبي؛ فإنه لا خلاف أنه لو ادعى عليه أجنبي وأطلق أنه يسمع، والثاني: يشترط؛ كما لو أقَّر.
(والمذهب: أن زيادة عدد شهود أحدهما لا ترجح) بل يتعارض؛ لكمال الحجة من الطرفين هذا هو الجديد، والقديم: يرجح؛ كالرواية،

الجزء: 4 - الصفحة: 541

وَكَذَا لَوْ كَانَ لِأحَدِهِمَا رَجُلَانِ وَلِلآخَرِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، فَإِنْ كَانَ لِلآخَرِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ .. رُجِّحَ الشَّاهِدَانِ فِي الأَظْهَرِ، وَلَوْ شَهِدَتْ لِأحَدِهِمَا بِمِلْكٍ مِنْ سَنَةٍ وَلِآخَرَ مِنْ أَكْثَرَ .. فَالأَظْهَرُ: تَرْجِيحُ الأَكْثَرِ،

وفرق الجديد: بأن للشهادة نصابًا فيتبع، ولا ضبط في الرواية؛ فيعمل بأرجح الظنين، والطريق الثاني: القطع بالأول، وحمل الثاني: على حكاية مذهب الغير، ورجحها في "أصل الروضة"، وهو مخالف لترجيح "الشرح" طريقة القولين 348. (وكذا لو كان لأحدهما رجلان، وللآخر رجل وامرأتان) فإنه لا يرجح على المذهب، لقيام الحجة بكل واحدة منهما بالاتفاق، وقيل: قولان، كما حكاه في "أصل الروضة" 349، ووجه الترجيح: زيادة الوثوق بقولهما، ولذلك يثبت بهما ما لا يثبت برجل وامرأتين.
(فإن كان للآخر شاهد ويمين .. رجح الشاهدان في الأظهر) لأنهما حجة بالإجماع، والشاهد واليمين مختلف فيه، ومحله: ما إذا لم يكن لصاحب الشاهد واليمين يد، فإن كان .. قدم الشاهد واليمين على الأصح؛ لاعتضادهما باليد المحسوسة، والقول الثاني: يتعادلان؛ لأن كل واحد منهما حجة كافية في المال عند الانفراد.
(ولو شهدت لأحدهما بملك من سنة ولآخر من أكثر .. فالأظهر: ترجيح الأكثر) لأنها تثبت الملك في وقت لا تعارضها البينة الأخرى فيه، وفي وقت تعارضها الأخرى فيتساقطان في محل التعارض، ويثبت موجبها فيما قبل: محل التعارض، والأصل في الثابت دوامه، والثاني: لا ترجيح، ويتعارضان، لأن المقصود إثبات الملك في الحال، ولا تأثير للسبق؛ فإنه غير متنازع فيه.
وما رجحاه هنا خالفاه في (باب اللقيط) فقالا: إن البينتين على الالتقاط إذا قيدتا بتاريخين مختلفين .. قدم السابق، بخلاف المال، فإنه لا يقدم فيه بسبق التاريخ على

الجزء: 4 - الصفحة: 542

وَلِصَاحِبِهَا الأُجْرَةُ وَالزِّيَادَةُ الْحَادِثَةُ مِنْ يَوْمِئِذٍ. وَلَوْ أَطْلَقَتْ بَيِّنَةٌ وَأَرَّخَتْ بَيِّنَةٌ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِصَاحِبِ مُتَأَخِّرَةِ التَّارِيخِ يَدٌ .. قُدِّمَ،

الأظهر 350، قال المنكت: والصواب: المذكور هنا، وكأن ما في (اللقيط) سبق قلم من الرافعي أو من ناسخ، فمشى عليه النووي من غير تأمل، ويؤيده: أن الذي في "الشرح الصغير" في (باب اللقيط) في أحد القولين لا في أصحهما.
انتهى.
وصورة المسألة: أن تكون العين في يدهما أو في يد ثالث، فإن كانت في يد متقدم التاريخ .. رجح قطعًا أو في يد متأخر التاريخ .. فسيأتي.
(ولصاحبها الأجرة والزيادة الحادثة من يومئذ) أي: من يوم الأكثر؛ لأنها ثمرات ملكه، وإن قلنا بالقول الثاني .. ففيه الخلاف السابق في أصل تعارض البينتين.
(ولو أطلقت بينة وأرخت بينة .. فالمذهب: أنهما سواء) فيتعارضان؛ لأن المطلقة كالعامة بالنسبة إلى الأزمان، ولو فسرناها .. ربما أرخت بأكثر مما أرخت المؤرخة، وقيل: تقدم المؤرخة؛ لأنها تثبت الملك في وقت معين، والأخرى لا تقتضي إلا إثبات الملك في الحال.
(وأنه لو كان لصاحب متأخرة التاريخ يد .. قدم) لتساوي البينتين في إثبات الملك حالًا فتساقتطا فيه، ويبقى من أحد الطريقين اليد، والآخر إثبات الملك السابق، واليد أقوى من الشهادة على الملك السابق، ولهذا لا تزال بها اليد، والثاني: ترجيح السبق؛ لأن البينة مقدمة على اليد، والثالث: يتساويان؛ لتعارض المعنيين، وحكى الفوراني وابن الصباغ طريقة قاطعة بالأول، وبه يتم في المسألة طريقان؛ فيحسن العطف على المذهب.
وشمل إطلاق المصنف: ما لو كانت متقدمة التاريخ شاهدة بوقف، والمتأخرة صاحبة اليد شاهدة بملك أو وقف، وهو ما أفتى به المصنف، قال البُلْقيني: وعليه جرى العمل ما لم يظهر أن اليد عادية باعتبار ترتبها على بيع صدر من أهل الوقف أو بعضهم بغير سبب شرعي؛ فهناك يقدم العمل بالوقف.
انتهى، وهو متعين، واعتمده شيخي ووالدي أمتع الله بحياته في الإفتاء.

الجزء: 4 - الصفحة: 543

وَأَنَّهَا لَوْ شَهِدَتْ بِمِلْكِهِ أَمْسِ وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْحَالِ .. لَمْ تسمَعْ حَتَّى يَقُولُوا: (وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ)، أَوْ (لَا نَعْلَمُ مُزِيلًا لَهُ). وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِمِلْكِهِ الآنَ اسْتِصْحَابًا لِمَا سَبَقَ مِنْ إِرْثٍ وَشِرَاءٍ وَغَيْرِهِمَا. وَلَوْ شَهِدَتْ بِإِقْرَارِهِ أَمْسِ بِالْمِلْكِ لَهُ .. اسْتُدِيمَ. وَلَوْ أَقَامَهَا بِمِلْكِ دَابَّةٍ أَوْ شَجَرَةٍ .. لَمْ يَسْتَحِقَّ ثَمَرَةً مَوْجُودَةً، وَلَا وَلَدًا مُنْفَصِلًا، وَيَسْتَحِقُّ حَمْلًا فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ اشْتَرَى شَيْئًا فَأُخِذَ مِنْهُ بِحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ .. رَجَعَ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ،

(وأنها لو شهدت بملكه أمس ولم تتعرض للحال .. لم تسمع حتى يقولوا: "ولم يزل ملكه"، أو "لا نعلم مزيلًا له") لأن دعوى الملك السابق لا تسمع، فكذلك البينة، والثاني: تسمع وإن لم يقولوه؛ لأنها تثبت الملك سابقًا، والشيء إذا ثبت .. فالأصل فيه الدوام والاستمرار، هذا أشهر الطريقين، والطريق الثاني: القطع بالأول.
(وتجوز الشهادة بملكه الآن استصحابًا لما سبق من إرث وشراء وغيرهما) وإن كان يجوز زواله، لكن ترك ذلك اعتمادًا على الاستصحاب لأجل الحاجة الداعية إليه؛ إذ لا يمكن استمرار الشاهد مع صاحبه دائمًا لا يفارقه لحظة؛ لأنه متى فارقه أمكن زوال ملكه عنه فتتعذر عليه الشهادة.
نعم؛ يشترط ألا يصرح في شهادته بأن معتمده الاستصحاب، فإن صرح .. لم يقبل على الأصح.
(ولو شهدت بإقراره أمس بالملك له .. استديم) حكم الإقرار وإن لم يصرح الشاهد بالملك في الحال؛ إذ لولاه .. لبطلت فائدة الأقارير.
(ولو أقامها بملك دابة أو شجره .. لم يستحق ثمرة موجودة، ولا ولدًا منفصلًا) عند الشهادة؛ لأن الثمرة والولد ليسا من أجزاء الدابة والشجرة، ولذلك لا يتبعهما في البيع المطلق، (ويستحق حملًا في الأصح) تبعًا للأم؛ كما لو اشتراها، ومقابله: احتمال للإمام بعدم استحقاقه؛ لجواز أن يكون الحمل لغير مالك الأم بوصية 351. (ولو اشترى شيئًا فأخذ منه بحجة مطلقة .. رجع على بائعه بالثمن) وإن كان مقتضى الأصل السابق عدم الرجوع؛ لاحتمال انتقال الملك من المشتري إلى

الجزء: 4 - الصفحة: 544

وَقِيلَ: لَا، إِلَّا إِذَا ادَّعَى مِلْكًا سَابِقًا عَلَى الشِّرَاءِ.
وَلَوِ ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا فَشَهِدُوا لَهُ مَعَ سَبَبهِ .. لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ ذَكَرَ سَبَبًا وَهُمْ سَبَبًا آخَرَ .. ضَرَّ.

فصلٌ [في اختلاف المتداعيين في العقود]

قَالَ: (آجَرْتُكَ الْبَيْتَ بِعَشَرَةٍ)، فَقَالَ: (بَلْ جَمِيعَ الدَّارِ بِالْعَشَرَةِ)، وَأقامَا بَيِّنَتَيْنِ .. تَعَارَضَتَا، وَفِي قَوْلٍ: يُقَدَّمُ الْمُسْتَأْجِرُ. وَلَوِ ادَّعَيَا شَيْئًا فِي يَدِ ثَالِثٍ، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَوَزَنَ لَهُ ثَمَنَهُ؛ فَإِنِ اخْتَلَفَ تَارِيخٌ .. حُكِمَ لِلأَسْبَقِ،

المدعي، وتكون المبايعة صحيحة مصادفة محلها؛ لمسيس الحاجة إليه في عهدة الحقود، (وقيل: لا، إلا إذا ادعى ملكًا سابقًا على الشراء) 352 وفاءً بالأصل المذكور، وقال البُلْقيني: إنه الصواب المتعين، والمذهب الذي لا يجوز غيره.
(ولو ادعى ملكًا مطلقًا فشهدوا له مع سببه .. لم يضر) لأن سبب الملك تابع للملك، وليس مقصودًا في نفسه، وإنما المقصود الملك، وقد وافقت البينة فيه الدعوى.
(وإن ذكر سببًا وهم سببًا آخر .. ضر) فترد شهادتهم؛ لمناقضتها الدعوى.


(فصل: قال: "آجرتك البيت بعشرة"، فقال: "بل جميع الدار بالعشرة"، وأقاما بينتين .. تعارضتا) فيتساقطان لتكاذبهما؛ لأن العقد واحد، وكل كيفية تنافي الأخرى، (وفي قول: يقدم المستأجر) لاشتمال بينته على زيادة، وهي اكتراء جميع الدار؛ كما لو شهدت بينة بألف وبينة بألفين .. ثبت الألفان.
وفرق الأول: بأن بينة الألف، وبينة الألفين لا يتنافيان؛ لأن التي شهدت بالألف لا تنافي الألفين، وههنا العقد واحد، وكل كيفية تنافي الكيفية الأخرى.
(ولو ادعيا شيئًا في يد ثالث، وأقام كل منهما بينة أنه اشتراه ووزن له ثمنه، فإن اختلف تاريخ .. حكم للأسبق) لأنه إذا باع من أحدهما .. لم يتمكن من البيع من الثاني.

الجزء: 4 - الصفحة: 545

وَإِلَّا .. تَعَارَضَتَا. وَلَوْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: (بِعْتُكَهُ بِكَذَا)، وَأَقَامَاهُمَا؛ فَإِنِ اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا .. تَعَارَضَتَا، وَإِنِ اخْتَلَفَ .. لَزِمَهُ الَثَّمَنَانِ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَتَا أَوْ إِحْدَاهُمَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ مَاتَ عَنِ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: (مَاتَ عَلَى دِينِي)؛ فَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا .. صُدِّقَ النَّصْرَانِيُّ، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ .. قُدِّمَ الْمُسْلِمُ، وَإِنْ قَيَّدَتْ أَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ إِسْلَامٌ وَعَكَسَتْهُ الأُخْرَى

(وإلا) أي: وإن لم يختلف تاريخهما ( .. تعارضتا) فعلى الصحيح: يتساقطان، ويحلف لكل واحد منهما، كما لو لم تكن بينة، ويرجعان عليه بالثمن؛ لثبوته بالبينة، هذا إذا لم تتعرض البينة لقبض المبيع، فإن فرض التعرض له .. فلا رجوع بالثمن؛ لأن العقد قد استقر بالقبض، وليس على البائع عهدة ما يحدث بعده.
(ولو قال كل منهما) أي: من المتداعيين لمن بيده ذلك الشيء ("بعتكه بكذا"، وأقاماهما؛ فإن اتحد تاريخهما) كأن أرختا بأول طلوع الشمس ( .. تعارضتا) لامتناع كونه ملكًا في وقت واحد لهذا وحده، ولذا وحده، فعلى التساقط كأن لا بينة.
(وان اختلف) تاريخهما ( .. لزمه الثمنان) لجواز أن يكون اشتراه من أحدهما في التاريخ الأول ثم باعه، واشتراه من الآخر في التاريخ الثاني.
نعم؛ يشترط في ذلك أن يكون الزمان متسعًا للعقد الأول، ثم الانتقال إلى البائع الثاني، ثم العقد الثاني؛ فإن لم يتسع لذلك .. لم يجب الثمنان.
(وكذا إن أطلقتا أو إحداهما) وأرخت الأخرى (في الأصح) لاحتمال أن يكونا في زمانين، وإذا أمكن الاستعمال .. لم يحكم بالإسقاط، والثاني: أنهما كمتحدي التاريخ؛ لأن الأصل براءة المشتري، فلا يؤاخذ إلا باليقين.
(ولو مات عن ابنين مسلم ونصراني، فقال كل منهما: "مات على ديني" فإن عرف أنه كان نصرانيًّا .. صدق النصراني) بيمينه؛ إذ الأصل بقاء كفره، والمسلم يدعي انتقالًا عنه، والأصل عدمه.
(وإن أقاما بينتين مطلقتين .. قدم المسلم) لأن مع بينته زيادة علم، وهو انتقاله إلى الإسلام، والأخرى استصحبت الأصل، والناقلة أولى من المستصحبة.
(وإن قيدت أن آخر كلامه إسلام، وعكسته الأخرى) فقيَّدت أن آخر كلامه

الجزء: 4 - الصفحة: 546

تَعَارَضَتَا، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ دِينُهُ وَأَقَامَ كُلٌّ: بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِيِنِهِ .. تَعَارَضَتَا. وَلَوْ مَاتَ نَصْرَانِيٌّ عَنِ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ فَقَالَ الْمُسْلِمُ: (أَسْلَمْتُ بَعْدَ مَوْتهِ .. فَالْمِيرَاثُ بَيْنَنَا)، وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: (بَلْ قَبْلَهُ) .. صُدِّقَ الْمُسْلِمُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ أَقَامَاهُمَا .. قُدِّمَ النَّصْرَانِيُّ، فَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى إِسْلَامِ الابْنِ فِي رَمَضَانَ، وَقَالَ الْمُسْلِمُ: (مَاتَ الأَبُ فِي شَعْبَانَ)، وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: (فِي شَوَّالٍ) .. صُدِّقَ النَّصْرَانِيُّ، وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ عَلَى بَيِّنَتِهِ

النصرانية ( .. تعارضتا) لتناقضهما؛ إذ يستحيل موته عليهما فيسقطان، وكأن لا بينة، ويصدق النصراني بيمينه.
(وإن لم يعرف دينه وأقام كلٌّ بينة أنه مات على دينه .. تعارضتا) سواء أطلقتا أم قيدتا لفظه عند الموت؛ للتكاذب، وتسقطان على الصحيح، وكأن لا بينة، وحينئذ فإن كان المال في يد غيرهما .. فالقول قوله، وإن كان في يدهما .. فيحلف كل منهما لصاحبه وتجعل بينهما، وإن كان في يد أحدهما .. فقيل: إن القول قوله، والصحيح: أنه يجعل بينهما أيضًا، ولا أثر لليد بعد اعتراف صاحب اليد بأنه كان للميت، وأنه يأخذه إرثًا، والتعارض بالنسبة إلى الإرث خاصة، فيصلَّى على هذا الميت المشكوك في دينه، ويدفن في مقابر المسلمين، ويقول: (أصلي عليه إن كان مسلمًا)، وكذا يقيِّد الدعاء بذلك 353. (ولو مات نصراني عن ابنين مسلم ونصراني، فقال المسلم: "أسلمت بعد موته؛ فالميراث بيننا"، وقال النصراني: "بل قبله") فلا ميراث لك ( .. صدق المسلم بيمينه) لأن الأصل استمراره على دينه، فيحلف ويشتركان في المال.
(وإن أقاماهما .. قدم النصراني) لأن بينته ناقلة، والأخرى مستصحبة لدينه؛ فمع الأولى زيادة علم.
(فلو اتفقا على إسلام الابن في رمضان، وقال المسلم: "مات الأب في شعبان"، وقال النصراني: "في شوال" .. صدق النصراني) لأن الأصل بقاء الحياة، (وتقدم بينة المسلم على بينته) لأنها تنقل من الحياة إلى الموت في شعبان،

الجزء: 4 - الصفحة: 547

وَلَوْ مَاتَ عَنْ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَقَالَ كُلٌّ: (مَاتَ عَلَى دِينِنَا) .. صُدِّقَ الأَبَوَانِ بِالْيَمِينِ، وَفِي قَوْلٍ: يُوقَفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحُوا. وَلَوْ شَهِدَتْ أَنَّهُ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سَالِمًا، وَأُخْرَي غَانِمًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ ثلُثُ مَالِهِ؛ فَإِنِ اخْتَلَفَ تَارِيخٌ .. قُدِّمَ الأَسْبَقُ، وَإِن اتَّحَدَ .. أُقْرِعَ، وَإِنْ أَطْلَقَتَا .. قِيلَ: يُقْرَعُ، وَقِيلَ: فِي قَوْلٍ: يَعْتِقُ مِنْ كُلٍّ نِصْفُهُ. قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: يَعْتِقُ مِنْ كُلٍّ نِصْفُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ

والأخرى تستصحب الحياة إلى شوال.
(ولو مات عن أبوين كافرين وابنين مسلمين، فقال كل: "مات على ديننا" .. صدق الأبوان باليمين) لأن الولد محكوم بكفره في الابتداء؛ تبعًا لهما فيستصحب حتى يعلم خلافه، (وفي قول: يوقف حتى يتبين أو يصطلحوا) لتساوي الحالين بعد بلوغه في إسلامه وكفره؛ لأنا إنما نحكم بالتبعية في صغره، فأما إذا بلغ .. فلا، قال في "زيادة الروضة": وهذا أرجح دليلًا، لكن الأصح عند الأصحاب: الأول 354. (ولو شهدت أنه أعتق في مرضه) الذي مات منه (سالمًا، وأخرى غانمًا، وكل واحد ثلث ماله) ولم تجز الورثة، (فإن اختلف تاريخ .. قدم الأسبق) لأن التبرعات المنجزة في مرض الموت يقدم فيها الأسبق فالأسبق.
(وإن اتحد .. أقرع) لعدم المزية (وإن أطلقتا) أو إحداهما ( .. قيل: يقرع) لاحتمال المعية، (وقيل في قول: يعتق من كل نصفه) لاستوائهما، والقرعة ممتنعة؛ لأنا لو أقرعنا .. لم نأمل أن يخرج الرق على السابق، وللسابق حق الحرية .. فيلزم منه إرقاق حُرٍّ، وتحرير رقيق.
(قلت: المذهب: يعتق من كل نصفه) ونص عليه في "المختصر" 355، (والله أعلم) لما قلناه، ونوقش المصنف في ترجيحه طريقة القطع بالقسمة، فإن البغوي جزم في "التهذيب" بالإقراع 356، وهو الموافق للسنة، فإنها وردت بالقرعة، وجمع الحرية في واحد، وقال الشيخ أبو علي في "شرحه الكبير": إنه الصحيح، واختاره

الجزء: 4 - الصفحة: 548

وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ وَهُوَ ثُلُثُهُ، وَوَارِثَانِ حَائِزَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَوَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ وَهُوَ ثُلُثُهُ .. ثبًتَتْ لِغَانِمٍ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثَانِ فَاسِقَيْنِ .. لَمْ يَثْبُتِ الرُّجُوعُ فَيَعْتِقُ سَالِمٌ وَمِنْ غَانِمٍ ثُلُثُ مَالِهِ بَعْدَ سَالِمٍ.

فصلٌ [في شروط القائف]

شَرْطُ الْقَائِفِ: مُسْلِمٌ، عَدْلٌ،

المزني، وقال: لا أدري كيف وقع التنصيف؟ ! فإن أصول مذهب الشافعي تنبو عنه وهو كما قال؛ فإنه لا يخلو إما أن يكون عتقهما معًا أو مرتبًا؛ فإن كان مرتبًا .. عتق السابق، وإن كان معًا .. فالإقراع فمن أين جاء التنصيف؟ ! وقد قال في "الروضة" بعد هذا بورقتين: أن المذهب الإقراع 357، وقال الفارقي وابن أبي عصرون: إنه الصحيح، وحكى ابن الرفعة عن جماعة القطع به، وحمل نصَّ "المختصر" على ما إذا شهدت بالوصية بالعتق لا بتنجيزه.
(ولو شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق سالم، وهو ثلثه، ووارثان حائزان أنه رجع عن ذلك، ووصى بعتق غانم، وهو ثلثه .. ثبتت) الوصية الثانية (لغانم) لأنهما أثبتا للرجوع عنه بدلًا يساويه فلا تهمة.
(فإن كان الوارثان فاسقين .. لم يثبت الرجوع) لعدم قبول شهادة الفاسق (فيعتق سالم) بشهادة الأجنبيين؛ لأن الثلث يحتمله ولم يثبت الرجوع فيه، (و) يعتق (من غانم) قدر ما يحتمله (ثلث) الباقي من (ماله بعد سالم) وكأن سالمًا قد هلك أو غصب من التركة؛ مؤاخذة للورثة بإقرارهم.


(فصل: شرط القائف: مسلم عدل) لأن الكافر والفاسق لا يعتمد قولهما.
ولو عبر بأهلية الشهادة؛ كما في "الروضة" 358 .. لكان أخصر وأعم؛ فإنه أهمل كونه بصيرًا ناطقًا، وانتفاء العداوة عن الذي ينفيه عنه، وانتفاء الولادة عمن يلحق به.

الجزء: 4 - الصفحة: 549

مُجَرِّبٌ، وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ حُرٍّ ذَكَرٍ، لَا عَدَدٍ وَلَا كَوْنِهِ مُدْلِجِيًّا

(مجرب) كما لا يولَّى القضاء من لا علم له بالأحكام، وفسر في "المحرر" التجربة: بأْن يعرض عليه ولد في نسوة ليس فيهن أمه، ثم مرة أخرى، ثم مرة أخرى كذلك، ثم في نسوة فيهن أمه؛ فإن أصاب في الكل .. فهو مجرب.
(والأصح: اشتراط حر ذكر) كالقاضي، والثاني: لا؛ كالمفتي، (لا عدد) كالقاضي، والثاني: لا بد من اثنين؛ كالمزكي.
(ولا كونه مدلجيًّا) لأن القيافة نوع علم؛ فمن علمه .. عمل بعلمه، سواء كان من بني مدلج أم غيرهم، من العرب أو من العجم، والثاني: يشترط؛ لرجوع الصحابة إلى بني مدلج دون غيرهم، وقد يخص الله تعالى جماعة بنوع من المناصب والفضائل؛ كما خصَّ قريشًا بالإمامة.
والأصل في الباب: حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم دخل عليها ذات يوم مسرورًا، فقال: "أَلمْ تَرَي أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا عَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ" متفق عليه 359. قال أبو داوود: وكان أسامة أسود وزيد أبيض 360، قال الشافعي: فلو لم يعتبر قوله .. لمنعه من المجازفة، وهو صلى الله عليه وسلم لا يُسرُّ ولا يُقرُّ إلا على الحق 361، ويعضده ما رواه البزار من حديث أنس رفعه: "إِنَّ للهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ" 362، وروى أبو أمامة مرفوعًا: "اِتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ؛ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ الله تَعَالَى" 363.

الجزء: 4 - الصفحة: 550

فَإِذَا تَدَاعَيَا مَجْهُولًا .. عُرِضَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَكَا فِي وَطْءٍ فَوَلَدَتْ مُمْكِنًا مِنْهُمَا وَتنَازَعَاهُ؛ بِأَنْ وَطِئَا بشُبْهَةٍ أَوْ مُشْتَرَكَةً لَهُمَا، أَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فَطلَّقَ فَوَطِئَهَا آخَرُ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ أَمَتَهُ فَبَاعَهَا فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَكَذَا لَوْ وَطِئَ مَنْكُوحَةً فِي الأَصَحِّ، فَإِذَا وَلَدَتْ لِمَا بَيْنَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَطْأَيْهِمَا وَادَّعَيَاهُ .. عُرِضَ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَ وَطْأَيْهِمَا حَيْضَةٌ .. فَلِلثَّانِي، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الأَوَّلُ زَوْجًا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ،

(فإذا تداعيا مجهولًا) لقيطًا كان أو غيره ( .. عرض عليه) أي: على القائف، (وكذا لو اشتركا في وطء، فولدت ممكنًا منهما وتنازعاه؛ بأن وطئا بشبهة أو مشتركة لهما، أو وطئ زوجته، فطلق فوطئها آخر بشبهة أو نكاح فاسد) كان نكحها في العدة جاهلًا بكونه فيها.
(أو) وطئ (أمته فباعها، فوطئها المشتري ولم يستبرئ واحد منهما) لما تقدم من قصة مُجزِّز وغيرها 364. (وكذا لو وطئ منكوحة) لغيره بشبهة (في الأصح) ولا يتعين الزوج للإلحاق؛ لأنه موضع اشتباه، والثاني: يلحق الزوج؛ لقوة الافتراش.
(فإذا ولدت لما بين ستة أشهر وأربع سنين من وطأيهما وادعياه .. عرض عليه) أي: على القائف؛ لإمكان كونه من كلٍّ منهما.
(فإن تخلل بين وطأيهما حيضة .. فللثاني) لأن الحيض أمارة ظاهرة في حصول البراءة عن الأول؛ فينقطع تعلقه عنه، وإذا انقطع الأول .. تعيَّن الثاني.
(إلا أن يكون الأول زوجًا في نكاح صحيح) والثاني واطئًا بشبهة أو نكاح فاسد فلا ينقطع تعلق الأول؛ لأن إمكان الوطء مع الفراش قائم مقام نفس الوطء، والإمكان حاصل بعد الحيضة.
واحترز بالصحيح: عمَّا لو كان الأول زوجًا في نكاح فاسد؛ فإنه ينقطع تعلقه،

الجزء: 4 - الصفحة: 551

وَسَوَاءٌ فِيهِمَا اتَّفَقَا إِسْلَامًا وَحُرِّيَّةً أَمْ لَا.

ويكون للثاني على الأظهر؛ لأن المرأة في النكاح الفاسد لا تصير فراشًا ما لم يوجد حقيقة الوطء.
(وسواء فيهما) أي: في المتنازعين (اتفقا إسلامًا وحريةً أم لا) لأنَّ النسب لا يختلف، وهو تفريع على صحة استلحاق العبد، وهو الأظهر.


الجزء: 4 - الصفحة: 552

كتابُ العتِق إِنَّمَا يَصِحُّ مِنْ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَإِضَافَتُهُ إِلَى جُزْءٍ

﴿كتاب العتق﴾ أصله من عتق الفرخ: إذا طارَ واستقلَّ، والعبد يستقل إذا عتق، وهو في الشرع: إسقاط ملك عن آدمي لا إلى مالك؛ تقربًا إلى الله تعالى، فخرج بقيد الآدمي: الطير والبهائم؛ فلا يصح عتقهما على الأصح؛ كما قاله الغزالي وابن الرفعة 365، وبقيد لا إلى مالك: الوقف؛ لأنه نقل ملك إلى الله تعالى لا إسقاط، ولهذا يضمن بالقيمة؛ فدلَّ على بقاء الملك فيه.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (13)﴾، وفي "الصحيحين": "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً .. أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ" 366، إلى غير ذلك من الأخبار الشهيرة، والإجماع منعقد على صحته، وأنه من القرب.
(إنما يصح من مطلق التصرف) مسلمًا كان أو كافرًا ولو كان حربيًّا؛ لأنه تصرف في المال في حال الحياة فأشبه الهبة.
نعم؛ عتق الكافر ليس بقربة؛ كما صرح به الرافعي في (الوقف) في الكلام على أقوال الملك؛ لأن الإسلام شرط في التقرب.
وخرج الصبي والمجنون والمحجور عليه بسفه أو فلس؛ فلا يصح إعتاقهم؛ لعدم إطلاق تصرفهم.
وأورد على مفهومه صورٌ؛ منها: المشتري قبل القبض، فإنه يصح إعتاقه مع أنه ليس بمطلق التصرف فيه.
(ويصح تعليقه) بالصفات كالتدبير؛ لما فيه من التوسعة لتحصيل القرب، ويصح تعليقه بعوض أيضًا، (وإضافته إلى جزء) معين كـ (يدك حر)، أو شائع

الجزء: 4 - الصفحة: 553

فَيَعْتِقُ كُلُّهُ، وَصَرِيحُهُ: تَحْرِيرٌ وَإِعْتَاقٌ، وَكَذَا فَكُّ رَقَبَةٍ فِي الأَصَحِّ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، وَيَحْتَاجُ إِلَيْهَا كِنَايَةٌ، وَهِيَ: (لَا مِلْكَ لِي عَلَيْكَ)، (لَا سُلْطَانَ)، (لَا سَبِيلَ)، (لَا خِدْمَةَ)، (أَنْتِ سَائِبَةٌ)، (أَنْتَ مَوْلَايَ)، وَكَذَا كُلُّ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ لِلطَّلَاقِ. وَقَوْلُهُ لِعَبْدٍ: (أَنْتِ حُرَّةٌ)، وَلِأمَتِهِ: (أَنْتَ حُرٌّ) .. صَرِيحٌ. وَلَوْ قَالَ: (عِتْقُكَ إِلَيْكَ) أَوْ (حَيَّرْتُكَ) وَنَوَى تَفْوِيضَ الْعِتْقِ إِلَيْهِ فَأَعْتَقَ

كـ (بعضك) (فيعتق كله) إذا كان باقيه له ولو كان معسرًا؛ لأنه لو أعتق شركًا له في عبد .. سرى إلى نصيب شريكه إذا كان قادرًا على ثمنه، فإلى باقي ملكه أولى.
(وصريحه: تحرير وإعتاق) وما تصرف منهما؛ لورودهما في القرآن والسنة متكررين، (وكذا فك رقبة في الأصح) لوروده في القرآن، والثاني: إنه كناية؛ لاستعماله في العتق وغيره.
(ولا يحتاج) الصريح (إلى نية) بل يعتق به وإن لم يقصد إيقاع العتق؛ لأن هزله جِدٌّ، كما رواه الترمذي 367. (ويحتاج إليها كناية) وإن احتفت بها قرينة؛ لاحتمالها غير العتق، فلا بُدَّ من نية التمييز، (وهي) أي: الكناية ("لا ملك لي عليك"، "لا سلطان"، "لا سبيل"، "لا خدمة"، "أنت سائبة"، "أنت مولاي") أو (أنت لله) لإشعارها بإزالة الملك مع احتمال غيره.
(وكذا كل صريح أو كناية للطلاق) لإشعارها بإزالة قيد الملك، وقد مرَّ في (الطلاق) ما يستثنى من ذلك.
(وقوله لعبده: "أنت حرة"، ولأمته: "أنت حر" صريح) ولا يضرُّ الخطأ في التذكير والتأنيث؛ تغليبًا للإشارة على العبارة.
(ولو قال: "عتقك إليك" أو "خيرتك" 368 ونوى تفويض العتق إليه، فأعتق

الجزء: 4 - الصفحة: 554

نَفْسَهُ فِي الْمَجْلِسِ .. عَتَقَ، أَوْ (أَعْتَقْتُكَ عَلَى أَلْفٍ)، أَوْ (أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ) فَقَبِلَ، أَوْ قَالَ لَهُ الْعَبْدُ: (أَعْتِقْنِي عَلَى أَلْفٍ) فَأَجَابَهُ .. عَتَقَ فِي الْحَالِ وَلَزِمَهُ الأَلْفُ. وَلَوْ قَالَ: (بِعْتُكَ نَفْسَكَ بِأَلْفٍ)، فَقَالَ: (اشْتَرَيْتُ) .. فَالْمَذْهَبُ: صِحَّةُ الْبَيْعِ، وَيَعْتِقُ فِي الْحَالِ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ، وَالْوَلَاءُ لِسَيِّدِهِ. وَلَوْ قَالَ لِحَامِلٍ: (أَعْتَقْتُكِ)، أَوْ (أَعْتَقْتُكِ دُونَ حَمْلِكِ) .. عَتَقَا،

نفسه في المجلس) أي: مجلس التخاطب ( .. عتق) كما في الطلاق، (أو "أعتقتك على ألف"، أو "أنت حر على ألف" فقبل) في الحال، (أو قال له العبد: "أعتقني على ألف" فأجابه .. عتق في الحال ولزمه الألف) في الصور الثلاث؛ كالخلع بل أولى؛ لتشوف الشارع إلى تخليص الرقبة دون الفراق.
وقوله: (في الحال) تبع فيه "المحرر" 369، ولا حاجة إليه، ولهذا لم يذكراه في "الشرح" و"الروضة".
(ولو قال: "بعتك نفسك بألف") في ذمتك (فقال: "اشتريت" .. فالمذهب: صحة البيع) كما لو أعتقه على مال هذا ظاهر المذهب، وذكر الربيع قولًا: أنه لا يصح البيع؛ لأن السيد لا يبايع عبده، فمن الأصحاب من أثبته وضعفه، ومنهم من قطع بما ذكره المصنف وقال: هذا من تخريج الربيع.
(ويعتق في الحال وعليه ألف) عملًا بمقتضى العقد، وهو عقد عتاقه على الأصح لا بيعًا، فلا يثبت خيار المجلس، ولو كان بيعًا .. لثبت فيه، (والولاء لسيده) لأنه عتق بعقد معاوضة، فهو كما لو كاتبه، وقيل: لا ولاء عليه؛ لأنه عتق على ملك نفسه.
(ولو قال: لحامل) بمملوك ("أعتقتك") وأطلق (أو "أعتقتك دون حملك" .. عتقا) أما في الأولى .. فكما يدخل في البيع، وأما في الثانية .. فلأنه جزء منها؛ فأشبه ما لو قال: (أعتقتك إلا يدك)، ويخالف ما لو قال: (بعتك الجارية دون حملها) .. فإنه لا يصح البيع؛ لأن العتق لا يبطل بالاستثناء؛ لقوته.

الجزء: 4 - الصفحة: 555

وَلَوْ أَعْتَقَهُ .. عَتَقَ دُونَهَا، وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ وَالْحَمْلُ لآخَرَ .. لَمْ يَعْتِقْ أَحَدُهُمَا بِعِتْقِ الآخَرِ. وَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا عَبْدٌ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا كُلَّهُ أَوْ نَصِيبَهُ .. عَتَقَ نَصِيبُهُ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا .. بَقِيَ الْبَاقِي لِشَرِيكِهِ، وَإِلَّا .. سَرَي إِلَيْهِ أَوْ إِلَى مَا أَيْسَرَ بِهِ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ ذَلِكَ يَوْمَ الإِعْتَاقِ. وَتَقَعُ السِّرَايَةُ بِنَفْسِ الإِعْتَاقِ، وَفِي قَوْلٍ: بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ،

(ولو أعتقه) يعني: الحمل ( .. عتق دونها) لأن الأم لا تتبع الحمل، هذا إذا نفخت فيه الروح، وإلا .. فلا يعتق؛ كما حكياه قبيل (باب التدبير) عن القاضي الحسين، وأقراه 370. (ولو كانت لرجل والحمل لآخر .. لم يعتق أحدهما بعتق الآخر) لأنه لا استتباع مع اختلاف المالكين.
(وإذا كان بينهما عبد فأعتق أحدهما كله أو نصيبه .. عتق نصيبه) لأنه جائز التصرف، وقد وجه العتق إلى ملكه، (فإن كان معسرًا .. بقي الباقي لشريكه) ولا يسري؛ لمفهوم الحديث الآتي، (وإلا) أي: وإن لم يكن معسرًا ( .. سرى إليه) أي: على نصيب شريكه إن كان موسرًا بقيمته؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ .. قُوِّمَ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ، وَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا .. فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ" متفق عليه 371. (أو إلى ما أيسر به) من قيمته؛ لتقرب حاله من الحرية والاستقلال، (وعليه قيمة ذلك يوم الإعتاق) أي: وقته؛ لأنه وقت الإتلاف أو وقت سببه.
(وتقع السراية بنفس الإعتاق) لظاهر الحديث المذكور.
نعم؛ يستثنى: ما لو كاتب الشريكان ثم أعتق أحدهما نصيبه .. فإنما يحكم بالسراية بعد العجز عن أداء نصيب الشريك على الصحيح؛ فإن في التعجيل ضررًا على السيد؛ لفوات الولاء، وبالمكاتب؛ لانقطاع الكسب عنه.
(وفي قول: بأداء القيمة) لأن في رواية للبخاري: "قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ

الجزء: 4 - الصفحة: 556

وَفِي قَوْلٍ: إِنْ دَفَعَهَا .. بَانَ أَنَّهَا بالإِعْتَاقِ. وَاسْتِيلَادُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الْمُوسِرِ يَسْرِي، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَحِصَّتُهُ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ، وَتَجْرِي الأَقْوَالُ فِي وَقْتِ حُصُولِ السِّرَايَةِ، فَعَلَى الأَوَّلِ وَالثَّالِثِ: لَا تَجِبُ قِيمَةُ حِصَّتِهِ مِنَ الْوَلَدِ. وَلَا يَسْرِي تَدْبِيرٌ، وَلَا يَمْنَعُ السِّرَايَةَ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ الْمُوسِرِ: (أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَعَلَيْكَ قِيمَةُ نَصِيبِي)، فَأَنْكَرَ

يعْتَقُ" 372 ولأنه عتق بعوض؛ فلا يتقدم على العوض كالمكاتب، (وفي قول: إن دفعها) أي: القيمة ( .. بان أنها بالإعتاق) وإن لم يدفعها .. بان أنه لم يعتق؛ رعايةً للجانبين.
(واستيلاد أحد الشريكين الموسر يسري) كالعتق، قال البُلْقيني: ويستثنى من اعتبار اليسار: إذا كان الشريك المستولد أصلًا لشريكه؛ فإنه يسري وإن كان معسرًا؛ كما لو استولد الجارية التي كلها له، (وعليه قيمة نصيب شريكه) للإتلاف بإزالة الملك، (وحصته من مهر مثل) للاستمتاع بملك غيره.
(وتجري الأقوال في وقت حصول السراية) والعلوق هنا؛ كالإعتاق (فعلى الأول) وهو الحصول بنفس العلوق، (والثالث) وهو التبين (لا تجب قيمة حصته من الولد) لأنا جعلناها أم ولده في الحال؛ فيكون الوضع في ملكه، فلا تجب قيمة الولد.
وأفهم: الوجوب على الثاني وهو كذلك.
(ولا يسري تدبير) سواء كان جميعه ملكه أم مشتركًا؛ لأنه ليس بإتلاف؛ بدليل: جواز بيعه، فلا تقتضي السراية؛ كما لو علق عتق نصيبه بصفة، فلو مات السيد .. عتق ما دبره من العبد ولا يسري أيضًا؛ لأن الميت معسر.
(ولا يمنع السراية دين مستغرق في الأظهر) لأنه مالك لما في يده نافذ التصرف فيه، ولهذا لو اشترى عبدًا وأعتقه .. نفذ، والثاني: يمنع؛ لأنه معسر يحل له أخذ الزكاة.
(ولو قال لشريكه الموسر: "أعتقت نصيبك فعليك قيمة نصيبي"، فأنكر)

الجزء: 4 - الصفحة: 557

صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، فَلَا يَعْتِقُ نَصِيبُهُ، وَيَعْتِقُ نَصِيبُ الْمُدَّعِي بِإِقْرَارِهِ إِنْ قُلْنَا: يَسْرِي بِالإِعْتَاقِ، وَلَا يَسْرِي إِلَى نَصِيبِ الْمُنْكِرِ. وَلَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ: (إِنْ أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ .. فَنَصِيبِي حُرٌّ بَعْدَ نَصِيبِكَ)، فَأَعْتَقَ الشَّرِيكُ وَهُوَ مُوسِرٌ .. سَرَى إِلَى نَصِيب الأَوَّلِ إِنْ قُلْنَا: السِّرَايَةُ بِالإِعْتَاقِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ

ولا بينة ( .. صدق) المنكر (بيمينه) عملًا بالأصل (فلا يعتق نصيبه) إن حلف؛ فإن نكل .. حلف المدعي واستحق القيمة، ولا يعتق نصيب المدعى عليه بهذه اليمين على الصحيح؛ لأن الدعوى إنما توجهت عليه لأجل القيمة، واليمين المردودة لا تثبت إلا ما توجهت الدعوى نحوه.
(ويعتق نصيب المدعي بإقراره إن قلنا: يسري بالإعتاق) مؤاخذةً له بإقراره.
وأفهم: أنه لا يعتق على القولين الأخيرين بإقراره، وهو كذلك.
نعم؛ لو نكل المدعى عليه، وحلف المدعي اليمين المردودة .. عتق جزمًا، لكن بإقرار المدعى عليه؛ لأن اليمين المردودة كإقراره.
(ولا يسري إلى نصيب المنكر) وإن كان المدعي موسرًا؛ لأنه لم ينشئ عتقًا.
(ولو قال لشريكه: "إن أعتقت نصيبك .. فنصيبي حر بعد نصيبك"، فأعتق الشريك) المقول له نصيبه (وهو موسر .. سرى إلى نصيب الأول إن قلنا: السراية بالإعتاق، وعليه قيمته) أي: قيمة نصيب المعلق، ولا يعتق بالتعليق؛ لأنه اجتمع على النصف تعليق وسراية، والسراية أقوى؛ لأنها قهرية تابعة لعتق نصيبه لا مدفع لها، والتعليق قابل للدفع بالبيع ونحوه؛ فإن قلنا بالتبيين .. فالحكم كذلك إذا أديت القيمة، خلافًا لما يوهمه كلام المصنف، وإن قلنا: بالأداء .. فنصيب المعلق عمن يعتق، فيه وجهان في "الروضة" بلا ترجيح 373، ورجح البُلْقيني: أنه يسري عند الأداء، ويعتق عن المنجز لا عن المعلق.
واحترز المصنف بقوله: (وهو موسر): عمَّا إذا كان معسرًا .. فإنه يعتق على كل واحد منهما نصيبه على المقول له بالتنجيز، وعلى المعلق بمقتضى التعليق.

الجزء: 4 - الصفحة: 558

فَلَوْ قَالَ: (فَنَصِيبِي حُرٌّ قَبْلَهُ)، فَأَعْتَقَ الشَّرِيكُ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُعَلِّقُ مُعْسِرًا .. عَتَقَ نَصِيبُ كُلٍّ عَنْهُ، وَالْوَلَاءُ لَهُمَا، وَكَذَا إِنْ كَانَ مُوسِرًا وَأَبْطَلْنَا الدَّوْرَ، وَإِلَّا .. فَلَا يَعْتِقُ شَيْءٌ. وَلَوْ كَانَ عَبْدٌ لِرَجُلٍ نِصْفُهُ وَلآخَرَ ثُلُثُهُ وَلآخَرَ سُدُسُهُ، فَأَعْتَقَ الآخِرَانِ نَصِيبَيْهِمَا مَعًا .. فَالْقِيمَةُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَشَرْطُ السِّرَايَةِ: إِعْتَاقُهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَلَوْ وَرِثَ بَعْضَ وَلَدِهِ .. لَمْ يَسْرِ

(فلو قال: "فنصيبي حر قبله"، فأعتق الشريك) المقول له نصيبه (فإن كان المعلق معسرًا .. عتق نصيب كل عنه) المنجز في الحال، والمعلق قبله بموجب التعليق، ولا سراية، (والولاء لهما) لاشتراكهما في العتق، وكذا إذا كانا معسرين، (وكذا إن كان) المعلق (موسرًا، وأبطلنا الدور) اللفظي، وهو الأصح؛ فيعتق نصيب كل واحد منهما عنه، ولا شيء لأحدهما على الآخر.
(وإلا) أي: وإن لم نبطل الدور ( .. فلا يعتق شيء) على أحد من الشريكين؛ لأنه لو نفذ إعتاق المقول له في نصيبه .. لعتق نصيب القائل قبله، ولو عتق .. لسرى، ولو سرى .. لبطل عتقه، فيلزم من نفوذه عدم نفوذه، وهذا يوجب الحجر على المالك في إعتاق نصيب نفسه، ومن ثَمَّ ضعَّفه الأصحاب؛ لما فيه من الحجر على الغير في ملكه.
(ولو كان عبد لرجل نصفه، ولآخر ثلثه، ولآخر سدسه، فأعتق الآخران نصيبهما معًا .. فالقيمة عليهما نصفان على المذهب) لأن ضمان المتلف يستوي فيه القليل والكثير؛ كما لو مات من جراحاتهما المختلفة، والطريق الثاني: حكاية قولين؛ أحدهما: هذا، والثاني: يجب على قدر الملكين؛ كنظيره من الشفعة.
وفرق الأول: بأن الأخذ بالشفعة من فوائد الملك ومرافقه؛ كالثمرة، وهذا سبيله سبيل ضمان المتلف.
ومحل الخلاف: ما إذا كانا موسرين؛ فإن كان أحدهما موسرًا فقط .. قوم عليه نصيب الثالث قطعًا.
(وشرط السراية: إعتاقه باختياره؛ فلو ورث بعض ولده .. لم يسر) لأنه لا سبيل إلى السراية من غير عوض؛ لما فيه من الإجحاف بالشريك، ولا بعوض؛ لأن التغريم

الجزء: 4 - الصفحة: 559

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

سبيله سبيل غرامة المتلف، ولم يوجد منه صنعٌ وقصدُ إتلاف.
وقضيته: اعتبار مباشرة الإعتاق للسراية، وليس كذلك؛ فإنه لو اشترى بعض قريبه أو اتهبه أو وصَّى له به وقبله .. فإنه يسري؛ كما لو تلفظ بالعتق.
واحترز بقوله: (باختياره): عمَّا لو عتق عليه بغير اختياره، وذلك في صور: منها: ما لو اشترى المكاتب بعض قريبه حيث يصح، وعتق بعتقه .. فلا سراية؛ لأنه لم يعتق باختياره، بل عتق ضمنًا؛ كما حكياه آخر الباب عن "فتاوى القفال" وأقراه 374. ومنها: ما لو اشترى المكاتب بعض من يعتق على سيده، ثم عجزه السيد فصار الشقص له وعتق .. لم يسر على الأصح؛ لأن مقصوده: فسخ الكتابة، والملك حصل قهرًا.
ومنها: ما لو باع شقصًا ممن يعتق على وارثه؛ بأن باع بعض ابن أخيه بثوب ومات ووارثه أخوه، ثم اطلع مشتري الشقص على عيب فيه وردَّه؛ فإنه لا يسري كالإرث.
ولو وجد العيب بالثوب وردَّه الوارث واسترد الشقص .. عتق عليه، وفي حصول السراية وجهان: أصحهما في "زيادة الروضة" هنا: السراية، لأنه تسبب في ملكه 375، لكنه ذكر في موضع آخر ما يقتضي عدمها؛ لأن مقصوده رد الثوب.
ومنها: ما لو أوصى لزيد بشقص ممن يعتق على وارثه؛ كأن أوصى له ببعض ابن أخيه، ومات زيد بعد موت الموصي وقبل قبول الوصية، فقبلها أخوه .. عتق عليه الشقص، والأصح في "أصل الروضة": أنه لا يسري 376. وكان ينبغي للمصنف أن يقول: (ومن شرط السراية كذا) لئلا يوهم الحصر فيما ذكره؛ فإنه قد سبق من الشروط اليسار، وبقي شروط أخر.
منها: أن يكون محلها قابلًا للنقل؛ ليخرج ما لو ثبت في نصيب الآخر حكم

الجزء: 4 - الصفحة: 560

وَالْمَرِيضُ مُعْسِرٌ إِلَّا فِي ثُلُثِ مَالِهِ، وَالْمَيْتُ مُعْسِرٌ، فَلَوْ أَوْصَى بعِتْقِ نَصِيبهِ .. لَمْ يَسْرِ.

فصلٌ [في العتق بالبعضية]

إِذَا مَلَكَ أَهْلُ تَبَرُّعٍ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ .. عَتَقَ عَلَيْهِ،

الاستيلاد؛ لإعساره .. فلا يسري العتق إليه على الأصح، ولا يسريان إلى الحصة الموقوفة ولا إلى المنذور إعتاقه، ولو رهن نصف عبده الذي لا يملك سواه فأعتق النصف الخالي عن الرهن .. فلا سراية لنصفه المرهون على الأصح.
ومنها: أن يوجه الإعتاق إلى نصيبه أو إلى الجميع حتى يتناول نصيبه ثم يسري، فلو قال: (أعتقت نصيب شريكي) .. لغا؛ لأن نصيب الشريك يصير بإعتاق ملكه تبعًا، ولا يعتق نصيبه بهذا القول؛ فلا يعتق ما هو تابع، قال في "المطلب": وهو ظاهر إذا لم ينو المتلفظ بما صدر منه عتق نصيبه، فلو حصل ذلك .. فالظاهر: أنه يعتق ويسري؛ لأن حصة شريكه تعتق بعتق حصته، فكان ذلك كناية في عتق حصته.
(والمريض) مرض الموت (معسر إلا في ثلث ماله) فلو أعتق في مرض موته نصيبه ولم يخرج من الثلث غيره .. فلا سراية، وكذا إذا خرج نصيبه وبعض نصيب شريكه .. فلا سراية في الباقي؛ لما سبق في (الوصية).
(والميت معسر) مطلقًا (فلو أوصى بعتق نصيبه) بعد موته ( .. لم يسر) وإن خرج كله من الثلث؛ لأن المال بالموت ينتقل إلى الوارث، ولا يقوَّم على من لا يملك شيئًا وقت نفوذ العتق، بل لو أوصى بعتق بعض عبده .. لم يسر إلى باقيه.


(فصل: إذا ملك أهل تبرع أصله أو فرعه .. عتق عليه) أما في الأصول .. فلقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، ولا يتأتى خفض الجناح مع الاسترقاق، وفي "صحيح مسلم": "لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ" 377 أي: فيعتقه الشراء؛ لرواية: "فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ" كما ذكره ابن الرفعة 378، وأما

الجزء: 4 - الصفحة: 561

وَلَا يُشْتَرَي لِطِفْلٍ قَرِيبُهُ، وَلَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ وُصِّيَ لَهُ؛ فَإِنْ كَانَ كَاسِبًا .. فَعَلَى الْوَليِّ قَبُولُهُ،

في الفروع .. فلقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ فجعل العبودية منافية للولادة حيث ذكرت في مقابلتها؛ فدل على امتناع اجتماع البنوة والملك.
وشمل قوله: (أصله أو فرعه) الذكور والإناث، علوا أو سفلوا، ملكوا قهرًا أو اختيارًا، اتحد دينهما أو اختلف، وهو كذلك، وخرج ما عداهما من الأقارب؛ كالإخوة؛ فإنهم لا يعتقون بالملك.
ولو ملك أصله أو فرعه من الرضاع .. لم يعتق بالإجماع.
والتقييد بـ (أهل التبرع) تبع فيه "المحرر" 379، ولم يذكره في "الروضة"، ولا يحسن الاحتراز به عن الصبي والمجنون؛ فإنهما إذا ملكا ذلك .. عتق عليهما، وقد ذكره بعد، وكأنه احترز به عن صور: إحداها: المكاتب إذا ملكه .. فإنه لا يعتق عليه؛ بل يتكاتب عليه؛ لأنه لو عتق .. لكان ولاؤه له، ولا يتصور الولاء للرقيق، الثانية: المبعض إذا ملك ببعضه الحر أصله أو فرعه؛ لتضمنه الإرث والولاء، وهو ليس من أهله، الثالثة: من عليه دين مستغرق إذا اشترى من يعتق عليه .. ففي عتقه وجهان، الرابعة: ما لو ملك شخص ابن أخيه ثم مات وعليه دين مستغرق وورثه أخوه فقط وقلنا: الدين لا يمنع الإرث -كما هو الأصح- .. فإن الأخ يملك ابنه ولا يعتق عليه؛ لأنه ليس أهلًا للتبرع فيه.
(ولا يشترى لطفل) أو مجنون أو سفيه (قريبه) الذي يعتق عليه؛ لأنه يعتق عليه، وقد يطالب بالنفقة وفي ذلك ضرر؛ فإن اشتري .. فباطل.
(ولو وهب له) من يعتق عليه (أو وصي له) به، (فإن كان) الموهوب أو الموصى به (كاسبًا) بما يفي بمؤنته ( .. فعلى الولي قبوله) لانتفاء الضرر، وحصول

الجزء: 4 - الصفحة: 562

وَيَعْتِقُ ويُنْفِقُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُعْسِرًا .. وَجَبَ الْقَبُولُ، وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مُوسِرًا .. حَرُمَ. وَلَوْ مَلَكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَرِيبَهُ بِلَا عِوَضٍ .. عَتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ

الكمال للأب، ولا نظر إلى احتمال يوقع وجوب النفقة في المستقبل بعجز يطرأ؛ لأنه مشكوك.
(ويعتق) لعموم الأدلة السابقة، (وينفق) عليه (من كسبه) لاستغنائه عن القريب، هذا إذا وهب له جميعه؛ فلو وهب له بعض من يعتق عليه والموهوب له موسر .. لم يجز للولي قبوله وإن كان كاسبًا؛ لأنه لو قبله .. لملكه وعتق عليه وسرى؛ فتجب قيمة حصة الشريك في مال المحجور عليه، كما هو الأصح في "الروضة" و"أصلها" 380، لكن رجح المصنف في "التصحيح": أنه يقبله، ويعتق ولا يسري 381؛ لأن المقتضي للسراية الاختيار، وهو منتف.
(وإلا) أي: وإن لم يكن كاسبًا (فإن كان الصبي معسرًا .. وجب القبول) لأن نفقته لا تجب عليه حينئذ، ويعتق عليه؛ فيحصل له بذلك كمال وثواب بلا ضرر، (ونفقته في بيت المال) إن كان مسلمًا، وليس من تجب نفقته عليه غير الموهوب له؛ لأنه من محاويج المسلمين.
(أو موسرًا .. حرم) القبول؛ لأنه يعتق عليه ويطالب بنفقته، وفي ذلك ضرر.
نعم؛ لو أوصى لصبي بجده وعمه الذي هو ابن هذا الرجل موجود موسر .. لزم الولي القبول ولو كان الجد غير كاسب والموهوب له موسرًا؛ لأن نفقته في هذه الحالة على العم لا على الصبي.
(ولو ملك في مرض موته قريبه) الذي يعتق عليه (بلا عوض) كالإرث ( .. عتق من ثلثه) حتى لو لم يكن له غيره .. لم يعتق إلا ثلثه؛ لأنه دخل في ملكه وخرج بلا مقابلة فاعتبر من الثلث؛ كما لو تبرع به، وهذا ما رجحه البغوي، وتبعه في

الجزء: 4 - الصفحة: 563

-وَقِيلَ: مِنْ رَأْسِ الْمَالِ- أَوْ بِعِوَضٍ بلَا مُحَابَاةٍ .. فَمِنْ ثُلُثِهِ -وَلَا يَرِثُ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ .. فَقِيلَ: لَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ، وَالَأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَلَا يَعْتِقُ، بَلْ يُبَاعُ لِلدَّيْنِ أَوْ بِمُحَابَاةٍ .. فَقَدْرُهَا كَهِبَةٍ، وَالْبَاقِي مِنَ الثُّلُثِ. وَلَوْ وُهِبَ لِعَبْدٍ بَعْضُ قَرِيبِ سَيِّدِهِ فَقَبِلَ وَقُلْنَا: يَسْتَقِلُّ بِهِ .. عَتَقَ وَسَرَي، وَعَلَى سَيِّدِهِ قِيمَةُ بَاقِيهِ

"المحرر" و"الشرح الصغير" 382، (وقيل: من رأس المال) لأنه لم يبذل مالًا، والملك زال بغير رضاه، وهذا هو الأصح في "أصل الروضة"، وقال الرافعي في "الشرح الكبير": إنه أولى بالترجيح 383، وقال البُلْقيني: إنه المعتمد في الفتوى.
(أو بعوض بلا محاباة) بل بثمن مثله ( .. فمن ثلثه) فلا يعتق منه إلا ما يخرج من الثلث؛ لأنه فوَّت على الورثة ما بذله من الثمن، ولم يحصل لهم في مقابله شيء.
(ولا يرث) في صورتي الملك بلا عوض ومعه؛ لأن عتقه من الثلث وصية، ولا سبيل إلى الجمع بين الوصية والميراث.
(فإن كان عليه دين) مستغرق ( .. فقيل: لا يصح الشراء) لأن تصحيحه يؤدي إلى ملكه ولا يعتق عليه فلم يصح؛ كما لا يصح شراء الكافر العبد المسلم، (والأصح: صحته) إذ لا خلل فيه (ولا يعتق، بل يباع للدين) علله في "البيان" بأن موجب الشراء الملك والدين لا يمنع منه؛ فلم يمنع صحة الشراء، وعتقه معتبر من الثلث والدين يمنع منه كما يمنع الدين العتق بالإعتاق، ويخالف شراء الكافر للمسلم؛ لأن الكفر يمنع الملك للعبد المسلم 384. (أو بمحاباة) من البائع ( .. فقدرها كهبة) أي: يكون قدر المحاباة كالموهوب له؛ فيجيء الخلاف السابق في أنه يعتبر من الثلث أو من رأس المال، (والباقي من الثلث) فيأتي فيه ما مرَّ.
(ولو وهب لعبد بعض قريب سيده فقبل وقلنا: يستقل به) أي: بالقبول، ولا يحتاج إلى إذن السيد، وهو الأصح ( .. عتق وسرى، وعلى سيده قيمة باقيه)

الجزء: 4 - الصفحة: 564

فصلٌ [في الإعتاق في مرض الموت وبيان القرعة في العتق]

أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتهِ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ .. عَتَقَ ثُلُثُهُ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ .. لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ .. عَتَقَ أَحَدُهُمْ بِقُرْعَةٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (أَعْتَقْتُ ثُلُثَكُمْ)، أَوْ (ثُلُثُكُمْ حُرٌّ)

لأن قبوله حينئذ كقبول سيده شرعًا، كذا جزم به الرافعي هنا 385، وقال في "زيادة الروضة": هذا مشكل، وينبغي ألا يسري؛ لأنه دخل في ملكه قهرًا كالإرث.
انتهى 386، وما بحثه هو ما رجحاه في (باب الكتابة) في تبرعات المكاتب، وعلله الرافعي بأنه قهري، وحكيا وجه السراية عن الغزالي، وقالا: إنه لم يوجد في "النهاية" 387، قال في "المهمات": والصواب: السراية، ولهذا صححوا أن السيد يحلف على البتِّ في نفي فعل عبده، وعللوه: بأن فعله كفعله 388، وقال البُلْقيني: إن عدم السراية هو المعتمد، والذي في "المنهاج" وجه ضعيف غريب لا يلتفت إليه.


(فصل: أعتق) تبرعًا (في مرض موته عبدًا لا يملك غيره .. عتق ثلثه) ورق ثلثاه؛ لأن المريض إنما ينفذ تبرعه من ثلثه.
(فإن كان عليه دين مستغرق .. لم يعتق منه شيء) لأن العتق حينئذ كالوصية، والدين متقدم عليها.
(ولو أعتق ثلاثة) معًا (لا يملك غيرهم قيمتهم سواء) ولم تجز الورثة ( .. عتق أحدهم بقرعة) لحديث عمران بن حصين في ذلك، أخرجه مسلم 389، (وكذا لو قال: "أعتقت ثلثكم"، أو "ثلثكم حر") فيقرع لتجتمع الحرية في واحد؛ لأن عتق المالك لا يتجزأ، وإعتاق بعض مملوكه كإعتاقه كله.

الجزء: 4 - الصفحة: 565

وَلَوْ قَالَ: (أَعْتَقْتُ ثُلُثَ كُلِّ عَبْدٍ) .. أُقْرِعَ، وَقِيلَ: يَعْتِقُ مِنْ كُل ثُلُثُهُ. وَالْقُرْعَةُ: أَنْ يُؤْخَذَ ثَلَاثُ رِقَاعٍ مُتَسَاوِيَةٍ، يُكْتَبُ فِي ثِنْتَيْنِ رِقٌّ وَفِي وَاحِدَةٍ عِتْقٌ، وَتُدْرَجُ فِي بَنَادِقَ كَمَا سَبَقَ وَتُخْرَجُ وَاحِدَةٌ بِاسْمِ أَحَدِهِمْ؛ فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ .. عَتَقَ وَرَقَّ الآخَرَانِ، أَوِ الرِّقُّ .. رَقَّ وَأُخْرِجَتْ أُخْرَى بِاسْمِ آخَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ تُكْتَبَ أَسْمَاؤُهُمْ ثُمَّ تُخْرَجَ رُقْعَةٌ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ .. عَتَقَ وَرَقَّا، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً قِيمَةُ وَاحِدٍ مِئَةٌ، وَآخَرَ مِئَتَانِ وَآخَرَ ثَلَاثُ مِئَةٍ .. أُقْرعَ بِسَهْمَيْ رِقٍّ وَسَهْمِ عِتْقٍ؛ فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ لِذِي الْمِئَتَيْنِ .. عَتَقَ وَرَقَّا، أَوْ لِلثَّالِثِ .. عَتَقَ ثُلُثَاهُ، أَوْ لِلأَوَّلِ .. عَتَقَ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الآخَرَيْنِ بِسَهْمِ عِتْقٍ وَسَهْمِ رِقٍّ، فَمَنْ خَرَجَ .. تُمِّمَ مِنْهُ الثُّلُثُ. وَإِنْ كَانُوا فَوْقَ ثَلَاثَةٍ وَأَمْكَنَ تَوْزِيعُهُمْ بِالْعَدَدِ وَالْقِيمَةِ كَسِتَّةٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ

(ولو قال: "أعتقت ثلث كل عبد" .. أقرع) لما ذكرناه، (وقيل: يعتق من كل ثلثه) ولا إقراع؛ لتصريحه بالتبعيض، وهذا هو القياس؛ لكن تشوف الشارع إلى تكميل العتق يوجب اتباع الجبر.
(والقرعة: أن يؤخذ ثلاث رقاع متساوية) إذا كان العبيد ثلاثة (يكتب في ثنتين رق، وفي واحدة عتق، وتدرج في بنادق كما سبق) في (باب القسمة)، (وتخرج واحدة باسم أحدهم، فإن خرج العتق .. عتق ورق الآخران، أو الرق .. رق، وأخرجت أخرى باسم آخر) فإن خرج العتق .. عتق ورق الثالث، وإن خرج الرق .. فبالعكس؛ لأن فائدة القرعة ذلك.
(ويجوز أن تكتب أسماؤهم ثم تخرج رقعة على الحرية فمن خرج اسمه .. عتق، ورقا) لانفصال الأمر بذلك أيضًا.
(وإن كانوا ثلاثة قيمة واحد مئة، وآخر مئتان وآخر ثلاث مئة .. أقرع بسهمي رق، وسهم عتق، فإن خرج العتق لذي المئتين .. عتق ورقا) لأن به يتم الثلث، (أو للثالث .. عتق ثلثاه) لأنه الثلث، (أو للأول .. عتق، ثم يقرع بين الآخرين بسهم عتق، وسهم رق، فمن خرج .. تمم منه الثلث) ورق الباقي، فإن خرج للثاني .. عتق نصفه، أو للثالث .. فثلثه.
(وإن كانوا فوق ثلاثة وأمكن توزيعهم بالعدد والقيمة؛ كستة قيمتهم سواء ..

الجزء: 4 - الصفحة: 566

جُعِلُوا اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَوْ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْعَدَدِ كَسِتَّةٍ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ مِئَةٌ، وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ مِئَةٌ، وَثَلَاثَةٍ مِئَةٌ .. جُعِلَ الأَوَّلُ جُزْءًا، وَالاثْنَانِ جُزْءًا، وَالثَّلَاثَةُ جُزْءًا. وَإِنْ تَعَذَّرَ بِالْقِيمَةِ كَأَرْبَعَةٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ .. فَفِي قَوْلٍ: يُجَزَّؤُونَ ثَلَاثةَ أَجْزَاءٍ: وَاحِدٌ وَوَاحِدٌ وَاثْنَانِ؛ فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ لِوَاحِدٍ .. عَتَقَ ثُمَّ أُقْرِعَ لِتَتْمِيمِ الثُّلُثِ، أَوْ لِلاِثْنَيْنِ .. رَقَّ الآخَرَانِ ثُمَّ أُقْرِعَ بَينَهُمَا، فَيَعْتِقُ مَنْ خَرَجَ لَهُ الْعِتْقُ وَثُلُثُ الآخَرِ، وَفِي قَوْلٍ: يُكْتَبُ اسْمُ كُلِّ عَبْدٍ فِي رُقْعَةٍ، فَيَعْتِقُ مَنْ خَرَجَ أَوَّلًا وَثُلُثُ الثَّانِي. قُلْتُ: أَظْهَرُهُمَا: الأَوَّلُ، وَاللهُ أَعْلَمُ

جعلوا اثنين اثنين) وضع كما سبق في الثلاثة المتساوية القيمة، (أو بالقيمة دون العدد؛ كستة قيمة أحدهم مئة، وقيمة اثنين مئة، وثلاثة مئة .. جعل الأول جزءًا، والاثنان جزءًا، والثلاثة جزءًا) وأقرع كما سبق، (وإن تعذر) توزيعهم (بالقيمة) وبالعدد؛ بأن لم يكن لهم ولا لقيمتهم ثلث صحيح (كأربعة قيمتهم سواء .. ففي قول: يجزؤون ثلاثة أجزاء: واحد وواحد واثنان) لأنه أقرب إلى فعله صلى الله عليه وسلم.
(فإن خرج العتق لواحد .. عتق ثم أقرع) بين الثلاثة (لتتميم الثلث) فمن خرج له سهم الحرية .. عتق ثلثه، (أو للاثثين) المجموعين جزءًا ( .. رق الآخران ثم أقرع بينهما) أي: بين الذين خرج لهم رقعة العتق (فيعتق من خرج له العتق وثلث الآخر) لأن بذلك يتم الثلث، (وفي قول: يكتب اسم كل عبد في رقعةٍ، فيعتق من خرج أولًا وثلث الثاني) أي: القارع ثانيًا؛ لأن ذلك أقرب إلى فصل الأمر، والمراد: أن يكتب أسماءهم في أربع رقاع، ويخرج واحدة بعد واحدة إلى أن يتم الثلث؛ فمن خرجت له أولًا رقعة الحرية .. عتق، وتعاد القرعة بين الباقي؛ فمن خرجت له ثانيًا .. عتق ثلثه.
قال البُلْقيني: وقع في بعض النسخ (وثلث الباقي) بالباء الموحدة والقاف، وفي بعضها (الثاني) بالثاء المثلثة والنون، وهو الصواب.
(قلت: أظهرهما: الأول) والله أعلم، وهو تجزئتهم ثلاثة أجزاء بحيث يقرب من الثلث (والله أعلم) لأنه صلى الله عليه وسلم جزأهم ثلاثة أجزاء 390، وهذا

الجزء: 4 - الصفحة: 567

وَالْقَوْلَانِ فِي اسْتِحْبَابٍ، وَقِيلَ: إِيجَابٍ. وَإِذَا أَعْتَقْنَا بَعْضَهُمْ بِقُرْعَةٍ فَظَهَرَ مَالٌ وَخَرَجَ كُلُهُمْ مِنَ الثُّلُثِ .. عَتَقُوا، وَلَهُمْ كَسْبُهُمْ مِنْ يَوْمِ الإِعْتَاقِ، وَلَا يَرْجِعُ الْوَارِثُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيهِمْ، وَإِنْ خَرَجَ بِمَا ظَهَرَ عَبْدٌ آخَرُ .. أُقْرعَ. وَمَنْ عَتَقَ بِقُرْعَةٍ .. حُكِمَ بِعِتْقِهِ مِنْ يَوْمِ الإِعْتَاقِ، وَتُعْتبَرُ قِيمَتُهُ حِينَئِذٍ، وَلَهُ كَسْبُهُ مِنْ يَوْمِئِذٍ غَيْرَ مَحْسُوبٍ مِنَ الثُّلُثِ. وَمَنْ بَقِيَ رَقِيقًا قُوِّمَ يَوْمَ الْمَوْتِ وَحُسِبَ مِنَ الثُّلُثَيْنِ هُوَ وَكَسْبُهُ الْبَاقِي قَبْلَ الْمَوْتِ، لَا الْحَادِثُ بَعْدَهُ،

ما صححه الرافعي في "الشرح" 391. (والقولان في استحباب) لأن المقصود يحصل بكل من الطريقين، (وقيل: إيجاب) لأنه أقرب إلى فعله عليه الصلاة والسلام، وهذا ما نقلاه في "الشرح" و"الروضة" عن مقتضى كلام الأكثرين 392. (وإذا أعتقنا بعضهم بقرعة فظهر مال) آخر للميت لم نعلم به وقت القرعة، (وخرج كلهم من الثلث .. عتقوا) أي: تبين عتقهم من حين الإعتاق، ولهذا قال: (ولهم كسبهم من يوم الإعتاق، ولا يرجع الوارث بما أنفق عليهم) كمن نكح امرأة نكاحًا فاسدًا على ظن أنه صحيح، ثم فرَّق القاضي بينهما .. لا يرجع بما أنفق.
(وإن خرج) من الثلث (بما ظهر عبد آخر .. أقرع) بينه وبين من بقي من العبيد؛ فمن خرجت له القرعة .. فهو حر مع الأول.
وقوله: (عبد آخر) مثال، وإلا فلو ظهر بعض عبد .. فالحكم كذلك.
(ومن عتق بقرعة .. حكم بعتقه من يوم الإعتاق) لا من يوم القرعة؛ لأنها مبينة للعتق لا مثبتة له، (وتعتبر قيمته حينئذ) أي: حين الإعتاق؛ لأنه تبينَّ بالقرعة أنه كان حرًّا قبله.
(وله كسبه من يومئذ غير محسوب من الثلث) سواء كسبه في حياة المعتق أو بعد موته؛ لحصوله على ملكه.
(ومن بقي رقيقًا قوم يوم الموت) لأنه وقت استحقاق الوارث، (وحسب من الثلثين هو وكسبه الباقي قبل الموت، لا الحادث بعده) لأنه حدث على ملك الوارث.

الجزء: 4 - الصفحة: 568

فَلَوْ أَعْتَقَ ثَلَاثةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ قِيمَةُ كُلٍّ مِئَةٌ، فَكَسَبَ أَحَدُهُمْ مِئَةً .. أُقْرِعَ، فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ لِلْكَاسِبِ .. عَتَقَ وَلَهُ الْمِئَةُ، وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِهِ .. عَتَقَ ثُمَّ أُقْرِعَ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِغَيْرِهِ .. عَتَقَ ثُلُثُهُ، وَإِنْ خَرَجَتْ لَهُ .. عَتَقَ رُبُعُهُ، وَتبَعَهُ رُبُعُ كَسْبهِ.

فصلٌ [في الولاء]

مَنْ عَتَقَ عَلَيْهِ رَقِيقٌ بِإِعْتَاقٍ أَوْ كِتَابَةٍ وَتَدْبِيرٍ وَاسْتِيلَادٍ وَقَرَابَةٍ وَسِرَايَةٍ .. فَوَلَاؤُهُ لَهُ،

(فلو أعتق ثلاثة لا يملك غيرهم قيمة كل مئة فكسب أحدهم) قبل موت السيد (مئة .. أقرع؛ فإن خرج العتق للكاسب .. عتق وله المئة) لما سبق، ورق الآخران، (وإن خرج لغيره .. عتق ثم أقرع) بين الكاسب والآخر؛ ليتم الثلث، (فإن خرجت لغيره .. عتق ثلثه) وبقي ثلثاه مع المكتسب، وكسبه للورثة، وذلك مثلا قيمة الأول وما عتق من الثاني، (وإن خرجت له) أي: للمكتسب ( .. عتق ربعه، وتبعه ربع كسبه) لأنه يجب أن يبقى للورثة ضعف ما عتق، ولا يبقى ذلك إلا بذلك؛ فإنه عتق ربعه، وقيمته خمسة وعشرون، وتبعه من كسبه قدرها وهو غير محسوب عليه، فبقي من كسبه خمسة وسبعون، وبقي منه ما قيمته خمسة وسبعون، وبقي عبد قيمته مئة؛ فجملة التركة المحسوبة ثلاث مئة وخمسة وسبعون؛ منها: قيمة العبيد كلهم ثلاث مئة، ومنها: كسب أحدهم خمسة وسبعون، وجملة ما عتق قيمته: مئة وخمسة وعشرون، وجملة ما بقي للورثة: مئتان وخمسون، وأما ربع كسبه .. فغير محسوب؛ لأنه تابعٌ لِمَا عتق منه.


(فصل) في الولاء، وأصله: الموالاة، وفي الشرع: عُصوبة متراخية عن عُصوبة النسب؛ فيرث بها المعتق، ويلي أمر النكاح والصلاة، ويعقل.
والأصل فيه: قوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" متفق عليه 393. (من عتق عليه رقيق بإعتاق أو كتابة وتدبير واستيلاد وقرابة وسراية .. فولاؤه له)

الجزء: 4 - الصفحة: 569

ثُمَّ لِعَصَبَتِهِ. وَلَا تَرِثُ امْرَأَةٌ بِوَلَاءٍ إِلَّا مِنْ عَتِيقِهَا وَأَوْلَادِهِ وَعُتَقَائِهِ، فَإِنْ عَتَقَ عَلَيْهَا أَبُوهَا ثُمَّ أَعْتَقَ عَبْدًا فَمَاتَ بَعْدَ مَوْتِ الأَبِ بِلَا وَارِثٍ .. فَمَالُهُ لِلْبِنْتِ، وَالْوَلَاءُ لِأعْلَى الْعَصَبَاتِ،

أما في من باشر العتق .. فللحديث المذكور، وأما في الباقي .. فقياسًا عليه، (ثم لعصبته) الأقرب فالأقرب، على ما سبق في (الفرائض) لحديث: "الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ" 394. (ولا ترث امرأة بولاء) يثبت لغيرها؛ فإذا كان للمعتق ابن وبنت، أو أم وأب، أو أخ وأخت .. ورث الذكر دون الأنثى؛ لأن الولاء أضعف من النسب المتراخي، وإذا تراخى النسب .. ورث الذكور دون الإناث؛ ألا ترى أن ابن الأخ والعم وبنيهما يرثون دون أخواتهم، فإذا لم ترث بنت الأخ وبنت العم والعمة .. فبنت المعتق أولى ألَّا ترث؛ لأنها أبعد منهن.
(إلا من عتيقها) لحديث: "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" 395، فجعل الولاء على بريرة لعائشة رضي الله عنها، (وأولاده وعتقائه) كالرجل؛ لأن نعمة إعتاقها شملتهم كما شملت المعتَق، فاستتبعوه في الولاء.
وهذه المسألة مكررة؛ فقد ذكرها المصنف في (الفرائض).
(فإن عتق عليها أبوها ثم أعتق عبدًا فمات بعد موت الأب بلا وارث .. فماله للبنت) لا لكونها بنت معتقه؛ بل لأنها معتقة المعتق، هذا إذا لم يكن للأب عصبة، فإن كان -كأخ وابن عم قريب أو بعيد- .. فميراث العتيق له ولا شيء لها؛ لأن معتق المعتق يتأخر عن عصوبة النسب.
قال الشيخ أبو علي: وقد غلط في هذه المسألة أربع مئة قاضٍ، فقالوا: إن الميراث للبنت، لأنهم رأوها أقرب، وهي عصبة له بولائها عليه.
(والولاء لأعلى العصبات) لقول عمر وعثمان رضي الله عنهما: (الولاء للكُبْر) 396،

الجزء: 4 - الصفحة: 570

وَمَنْ مَسَّهُ رِقٌّ .. فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا لِمُعْتِقِهِ وَعَصَبَتِهِ. وَلَوْ نَكَحَ عَبْدٌ مُعْتَقَةً فَأَتَتْ بِوَلَدٍ .. فَوَلَاؤُهُ لِمَوْلَى الأُمِّ، فَإِنْ أُعْتِقَ الأَبُ .. انْجَرَّ إِلَى مَوَالِيهِ. وَلَوْ مَاتَ الأَبُ رَقِيقًا وَعَتَقَ الْجَدُّ .. انْجَرَّ إِلَى مَوَالِيهِ، فَإِنْ أُعْتِقَ الْجَدُّ وَالأَبُ رَقِيقٌ .. انْجَرَّ، فَإِنْ أُعْتِقَ الأَبُ بَعْدَهُ انْجَرَّ إِلَى مَوَالِيهِ، وَقِيلَ: يَبْقَى لِمَوَالِي الأُمِّ حَتَّى يَمُوتَ الأَبُ فَيَنْجَرُّ إِلَى مَوَالِي الْجَدِّ، وَلَوْ مَلَكَ هَذَا الْوَلَدُ

وهو بضم الكاف وإسكان الباء؛ بمعنى: الأكبر في الدرجة لا كبير السن؛ إذ لا فرق بين الصغير والكبير، ومثل هذا لا يكون إلا توقيفًا، فإذا خلَّف ابن مولى وابن ابن مولى .. فالمال للابن.
(ومن مسَّه رق) فعتق ( .. فلا ولاء عليه إلا لمعتقه وعصبته) فإن لم يوجدوا .. فالمال لبيت المال، ولا ولاء عليه لمعتق الأصول بحال؛ لأن نعمة من أعتقه عليه أعظم من نعمة من أعتق بعض أصوله، ولأن عتق المباشرة أقوى.
(ولو نكح عبد معتقة، فأتت بولد .. فولاؤه لمولى الأم) لأنه المنعم عليه؛ فإنه أعتق بإعتاق أمه، (فإن أعتق الأب .. انجرَّ) الولاء (إلى مواليه) لأن الولاء فرع النسب، والنسب إلى الآباء دون الأمهات، وإنما يثبت لموالي الأم؛ لعدمه من جهة الأب، فإذا أمكن .. عاد إلى موضعه.
ومعنى الانجرار: أن ينقطع من وقت عتق الأب عن موالي الأم، فإذا انجرَّ إلى موالي الأب، فلم يبق منهم أحد .. لم يرجع إلى موالي الأم، بل يكون الميراث لبيت المال.
(ولو مات الأب رقيقًا وعتق الجد .. انجرَّ إلى مواليه) لأنه كالأب في النسب والتعصيب، (فإن أعتق الجد) أبو الأب (والأب رقيق .. انجرَّ) إلى موالي الجد؛ لما سبق، (فإن أعتق الأب بعده .. انجرَّ إلى مواليه) لأن الجد إنما جرَّه لكون الأب رقيقًا، فإذا أعتق .. كان أولى بالجرِّ، (وقيل: يبقى لموالي الأم حتى يموت الأب فينجر إلى موالي الجد) أو يعتق الأب فينجر إليه؛ لأن الولاء ينبغي أن يستقر، وما دام الأب رقيقًا يمكن أن يعتق .. فلا يستقر لمولى الجد.
(ولو ملك هذا الولد) أي: ولد العبد من المعتَقة بعد ثبوت الولاء لموالي الأم

الجزء: 4 - الصفحة: 571

أَبَاهُ .. جَرَّ وَلَاءَ إِخْوَتِهِ إِلَيْهِ، وكَذَا وَلَاءُ نَفْسِهِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: لا يَجُرُّهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

(أباه .. جرَّ ولاء إخوته إليه) قطعًا؛ لأن الأب يعتق، فيثبت له الولاء عليه وعلى أولاده، سواء كانوا من أمه أو من معتَقة أخرى، (وكذا ولاء نفسه في الأصح) كإخوته؛ كما لو أعتق الأب غيره ثم يسقط ويصير كحر لا ولاء عليه، (قلت: الأصح المنصوص: لا يجره، والله أعلم) بل يبقى لموالي الأم؛ لأنه لو جرَّه .. لثبت له على نفسه ولاء، ولا يمكن أن يكون له على نفسه ولاء، ولهذا لو اشترى العبد نفسه .. عتق، وكان الولاء للسيد، وهذا ما صححه الرافعي في "الشرحين" 397، قال في "المهمات": والظاهر: أن ما وقع في "المحرر" سهو 398.


الجزء: 4 - الصفحة: 572

كتابُ التَّدبير صَرِيحُهُ: (أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي)، أَوْ (إِذَا مِتُّ أَوْ مَتَى مِتُّ .. فَأَنْتَ حُرٌّ)، أَوْ (أَعْتَقْتُكَ بَعْدَ مَوْتِي)، وَكَذَا (دَبَّرْتُكَ) أَوْ (أَنْتَ مُدَبَّرٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ. وَيَصِحُّ بِكِنَايَةِ عِتْقٍ مَعَ نِيَّةٍ كَخَلَّيْتُ سَبِيلَكَ بَعْدَ مَوْتِي، وَيَجُوزُ مُقَيَّدًا؛ كـ (إِنْ مِتُّ فِي ذَا الشَّهْرِ أَوِ الْمَرَضِ .. فَأَنْتَ حُرٌّ)،

﴿كتاب التدبير﴾ هو لغةً: النظر في عواقب الأمور، وشرعًا: تعليق عتق يقع بعد الموت، وهو مأخوذ من الدبر؛ لأن الموت دبر الحياة، ونقل ابن المنذر الإجماع على جوازه 399. (صريحه: "أنت حر بعد موتي"، أو "إذا مت أو متى مت .. فأنت حر"، أو "أعتقتك بعد موتي") 400 وكذا (حررتك بعد موتي)، أو (إذا مت .. فأنت عتيق) لأن هذه الألفاظ لا احتمال فيها، وهو شأن الصرائح.
(وكذا "دبرتك"، أو "أنت مدبر" على المذهب) كذا نصَّ عليه، ونصَّ في (الكتابة) على أن قوله: (كاتبتك على كذا) لا يكفي حتى يقول: (فإذا أديت .. فأنت حر)، أو ينويه؛ فقيل: قولان فيهما نقلًا وتخريجًا؛ أحدهما: أنهما صريحان؛ لاشتهارهما في معنييهما، كالبيع والهبة، والثاني: كنايتان؛ لخلوهما عن لفظ الحرية والعتق، والمذهب: تقرير النصين.
والفرق: شهرة التدبير، ولا يعرف معنى الكتابة إلا الخواص، وأيضًا كان التدبير معروفًا في الجاهلية وقرره الشرع؛ فلا يستعمل في معنى آخر، والكتابة قد تستعمل في المخارجة.
(ويصح بكناية عتق مع نية، كـ "خلَّيت سبيلك بعد موتي") لأنه نوع من العتق فدخلته كنايته.
(ويجوز) التدبير (مقيدًا؛ كـ "إن مت في ذا الشهر أو المرض .. فأنت حر") فإن

الجزء: 4 - الصفحة: 573

وَمُعَلَّقًا؛ كـ (إِنْ دَخَلْتَ .. فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي)؛ فَإِنْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ وَمَاتَ .. عَتَقَ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَيُشْتَرَطُ الدُّخُولُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، فَاِنْ قَالَ: (إِنْ مِتُّ ثُمَّ دَخَلْتَ .. فَأَنْتَ حُرٌّ) .. اشْتُرِطَ دُخُولٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي، وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ بَيْعُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَوْ قَالَ: (إِذَا مِتُّ وَمَضى شَهْرٌ .. فَأَنْتَ حُرٌّ) .. فَلِلْوَارِثِ اسْتِخْدَامُهُ فِي الشَّهْرِ لَا بَيْعُهُ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ شِئْتَ .. فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ)، أَوْ (أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي إِنْ شِئْتَ) .. اشْتُرِطَتِ الْمَشِيئَةُ مُتَّصِلَةً، فَإِنْ قَالَ: (مَتَى شِئْتَ) .. فَلِلتَّرَاخِي

وجدت الصفة ومات .. عتق، وإلا .. فلا، (ومعلقًا) على شرط (كـ "إن دخلت .. فأنت حر بعد موتي") لأنه دائرٌ بين أن يكون وصية أو تعليق عتق بصفة، وكلٌّ منهما يقبل التعليق.
(فإن وجدت الصفة ومات .. عتق، وإلا .. فلا) لعدم وجود الصفة.
(ويشترط الدخول قبل موت السيد) كسائر الصفات المعلَّق عليها، وإن مات السيد قبل الدخول .. فلا تدبير، ويلغى التعليق.
(فإن قال: "إن مت ثم دخلت .. فأنت حر" .. اشترط دخول بعد الموت) عملًا بقضية اللفظ من الترتيب في ذلك، (وهو) أي: الدخول بعد الموت (على التراخي) لاقتضاء (ثم) ذلك، (وليس للوارث بيعه قبل الدخول) وكذا كلُّ تصرفٍ يزيل الملك؛ إذ ليس له إبطالُ تعليق الميت وإن كان للميت أن يبطله؛ كما لو أوصى لرجل بشيء ثم مات .. ليس للوارث بيعه وإن كان للموصي أن يبيعه.
(ولو قال: "إذا مت ومضى شهر .. فأنت حر" .. فللوارث استخدامه في الشهر) لبقائه على ملكه (لا بيعه) لما سبق.
(ولو قال: "إن شئت .. فأنت مدبر"، أو "أنت حر بعد موتي إن شئت" .. اشترطت المشيئة متصلة) باللفظ؛ لأن الخطاب يقتضي جوابًا في الحال؛ كالبيع، ولأنه كالتمليك، والتمليك يفتقر إلى القبول في الحال.
(فإن قال: "متى شئت" .. فللتراخي) لأن (متى) موضوعة للزمان؛ فاستوى فيها جميع الأزمان، و (إن) موضوعة للفعل؛ فاعتبر فيها زمان الفعل، كذا قاله

الجزء: 4 - الصفحة: 574

وَلَوْ قَالَا لِعَبْدِهِمَا: (إِذَا مِتْنَا فَأَنْتَ حُرٌّ) .. لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَمُوتَا، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا .. فَلَيْسَ لِوَارثهِ بَيْعُ نَصِيبِهِ. وَلَا يَصِحُّ تَدْبِيرُ مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ لَا يُمَيِّزُ، وَكَذَا مُمَيِّزٌ فِي الأَظْهَرِ، وَيَصِحُّ مِنْ سَفِيهٍ وَكَافِرٍ أَصْلِيٍّ، وَتَدْبِيرُ الْمُرْتَدِّ يُبْنَى عَلَى أَقْوَالِ مِلْكِهِ. وَلَوْ دَبَّرَ ثُمَّ ارْتَدَّ .. لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الْمَذْهَبِ،

الماوردي 401، واستشكل بقوله: (إن دخلت الدار .. فأنت حر)، فإنه للتراخي، و (مهما) كـ (متى)، وإطلاقه التراخي مقيَّدٌ بحياة السيد، كسائر الصفات المُعلَّق عليها إلا إذا علَّق صريحًا بمشيئته بعد الموت.
(ولو قالا لعبدهما: "إذا متنا فأنت حر" .. لم يغتق حتى يموتا) إما معًا أو مرتبًا؛ لأنه معلَّقٌ بصفتين فلا يعتق حتى يوجدا، ثم إن ماتا معًا .. فالحاصل: عتق بتعليق لا تدبير على الأصح؛ لأنه تعليق بموته وموت غيره، والتدبير بموت نفسه، وإن ماتا مرتبًا .. فقيل له: ليس بتدبير، والأصح: أنه بموت الأول يصير نصيب الثاني مدبرًا، ونصيب الأول ليس مدبرًا.
(وإن مات أحدهما .. فليس لوارثه بيع نصيبه) لأنه صار مستحق العتق بموت الشريك.
(ولا يصح تدبير مجنون وصبي لا يميز) لعدم أهليتهما للعقود (وكذا مميز في الأظهر) كإعتاقه، والثاني: الصحة؛ لأن الحجر عليه لمصلحته، والمصلحة هنا في جوازه؛ لأنه إن عاش .. لم يلزمه، وإن مات .. حصل له الثواب.
(ويصح من سفيه) لأنه صحيح العبارة، ولا ضرر عليه في ذلك، وتدبير المفلس كإعتاقه، وقد سبق في بابه، وفي تدبير السكران الخلاف في تصرفاته.
(وكافر أصلي) ولو حربيًّا، كما يصح استيلاده وتعليقه العتق بصفة، (وتدبير المرتد يُبنى على أقوال ملكه) فإن بقيناه .. صح، وإن أزلناه .. فلا، أو وقفناه؛ فإن أسلم .. بانت صحته، وإلا .. فلا.
(ولو دبر ثم ارتد .. لم يبطل على المذهب) بل إذا مات مرتدًّا .. عتق العبد؛ صيانةً لحق العبد عن الضياع؛ لأن الردة تؤثر في العقود المستقبلة دون الماضية؛

الجزء: 4 - الصفحة: 575

وَلَوِ ارْتَدَّ الْمُدَبَّرُ .. لَمْ يَبْطُلْ، وَلِحَرْبِيٍّ حَمْلُ مُدَبَّرِهِ إِلَى دَارِهِمْ. وَلَوْ كَانَ لِكَافِرٍ عَبْدٌ مُسْلِمٌ فَدَبَّرَهُ .. نُقِضَ وَبِيعَ عَلَيْهِ، وَلَوْ دَبَّرَ كَافِرٌ كَافِرًا فَأَسْلَمَ وَلَمْ يَرْجِعِ السَّيِّدُ فِي التَّدْبِيرِ .. نُزِعَ مِنْ يَدِهِ وَصُرِفَ كَسْبُهُ إِلَيْهِ، وَفِي قَوْلٍ: يُبَاعُ، وَلَهُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ

بدليل: عدم فساد البيع والهبة السابقين عليها، والطريق الثاني: القطع بالبطلان، والثالث: البناء على أقوال الملك، (ولو ارتد المدبر .. لم يبطل) تدبيره وإن صار دمه مهدرًا؛ لبقاء الملك فيه؛ كما لا يبطل الاستيلاد والكتابة بها.
(ولحربي حمل مدبره إلى دارهم) ولو جرى التدبير في دار الإسلام ولم يرض المدبر بالرجوع؛ لأن أحكام الرق باقية فيه، ويجوز له إبطال ما أثبته له، وهكذا حكم مستولدته، بخلاف مكاتبه؛ لاستقلاله، ولا يخفى أن ذلك في المدبر الكافر، وبه صرح في "الروضة" و"أصلها" 402، ويدل له قوله بعد: (فيما لو دبَّر كافر كافرًا فأسلم .. نزع من يده)، ومحل ذلك: في الكافر الأصلي، أما المرتد .. فإنه يمنع من حمله؛ لبقاء علقة الإسلام.
(ولو كان لكافر عبد مسلم فدبَّره .. نقض وبيع عليه) لما في بقاء ملكه عليه من الإذلال.
ويعلم من قوله: (فدبره) بالفاء أن صورة المسألة: أن يقع التدبير بعد الإسلام، فأما إذا وقع قبله .. فسيذكره.
(ولو دبر كافر كافرًا فأسلم ولم يرجع السيد في التدبير .. نزع من يده) ويجعل في يد عدل؛ دفعًا للذل، ولا يباع بل يبقى مدبرًا؛ لما فيه من مصلحة العتق، (وصرف كسبه إليه) أي: إلى السيد؛ كما لو أسلمت مستولدته، (وفي قول: يباع) وينقض التدبير؛ لأن العبد المسلم لا يقر في ملك كافر.
(وله) أي: للسيد (بيع المدبر) لأنه صلى الله عليه وسلم باعه؛ كما ثبت في "الصحيحين" 403، وفي معنى البيع: كلُّ تصرفٍ يزيل الملك؛ كالإصداق والخلع والهبة المقبوضة.

الجزء: 4 - الصفحة: 576

وَالتَّدْبِيرُ: تَعْلِيقُ عِتْقٍ بِصِفَةٍ، وَفِي قَوْلٍ: وَصِيَّةٌ، فَلَوْ بَاعَهُ ثُمَّ مَلَكَهُ .. لَمْ يَعُدِ التَّدْبِيرُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ رَجَعَ عَنْهُ بِقَوْلٍ كـ (أَبْطَلْتُهُ)، (فَسَخْتُهُ)، (نَقَضْتُهُ)، (رَجَعْتُ فِيهِ) .. صَحَّ إِنْ قُلْنَا: وَصِيّهٌ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَلَوْ عُلِّقَ عِتْقُ مُدَبَّرٍ بِصِفَةٍ .. صَحَّ وَعَتَقَ بِالأَسْبَقِ مِنَ الْمَوْتِ وَالصِّفَةِ. وَلَهُ وَطْءُ مُدَبَّرَةٍ، وَلَا يَكُونُ رُجُوعًا، فَإِنْ أَوْلَدَهَا .. بَطَلَ تَدْبِيرُهُ، وَلَا يَصِحُّ تَدْبِيرُ أُمِّ وَلَدٍ، وَيَصِحُّ تَدْبِيرُ مُكَاتَبٍ

(والتدبير: تعليق عتق بصفة) لأن الصيغة صيغة تعليق، (وفي قول: وصية) للعبد بالعتق؛ نظرًا إلى اعتبار إعتاقه من الثلث.
(فلو باعه) أو وهبه وأقبضه (ثم ملكه .. لم يعد التدبير على المذهب) الخلاف مبني على الخلاف المذكور قبل؛ إن قلنا: وصية .. فلا يعود؛ كما لو أوصى بشيء ثم باعه ثم عاد إليه، وإن قلنا: إنه تعليق بصفة .. فهو على الخلاف في عود الحنث، والأظهر: أنه لا يعود، فحصل أن الأظهر: أن التدبير لا يعود؛ فإذن كان ينبغي التعبير بالأظهر دون المذهب.
(ولو رجع عنه بقولٍ كـ "أبطلته"، "فسخته"، "نقضته"، "رجعت فيه" .. صح إن قلنا: وصية) كما يصح الرجوع عن الوصية بذلك، (وإلا) أي: وإن قلنا: تعليق عتق بصفة ( .. فلا) كما في سائر التعليقات، وسواء التدبير المطلق والمقيد على الأصح.
(ولو علق عتق مدبر بصفة .. صح) ويبقى التدبير بحاله؛ كما لو دبر المعلق عتقه بصفة .. فإنه يجوز، (وعتق بالأسبق من الموت والصفة) فإن وجدت الصفة قبل الموت .. عتق، وإن مات قبلها .. عتق بالتدبير.
(وله وطء مدبرة) لبقاء ملكه؛ كالمستولدة، (ولا يكون رجوعًا) عن التدبير وإن جعلناه وصية، سواء عزل أم لا، (فإن أولدها .. بطل تدبيره) لأن الاستيلاد أقوى؛ فيرتفع به حكم الأضعف؛ كما يرتفع النكاح بملك اليمين.
(ولا يصح تدبير أم ولد) لأنها تستحق العتق بالموت بجهة هي أقوى منه.
(ويصح تدبير مكاتب) كما يصح تعليق عتقه بصفة ويكون مدبرًا مكاتبًا، فإن أدى المال قبل موت السيد .. عتق وبطل التدبير، وإن لم يؤد حتى مات السيد قبل الأداء ..

الجزء: 4 - الصفحة: 577

وَكِتَابَةُ مُدَبَّرٍ.

فصلٌ [في حكم حمل المدبرة]

وَلَدَتْ مُدَبَّرَةٌ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًا .. لَا يَثْبُتُ لِلْوَلَدِ حُكْمُ التَّدْبِيرِ فِي الأَظْهَرِ، وَلَوْ دَبَّرَ حَامِلًا .. ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ التَّدْبِيرِ عَلَى الْمَذْهَبِ،

عتق بالتدبير، فإن لم يخرج من الثلث .. عتق قدر الثلث وبقيت الكتابة في الباقي، فإذا أدى قسطه .. عتق.
(وكتابة مدبر) لموافقتها لمقصود التدبير، لكن هل يبطل بها التدبير؟ وجهان؛ إن قلنا وصية .. بطل، أو تعليق .. فلا.


(فصل: ولدت مدبرة من نكاح أو زنًا لا يثبت للولد حكم التدبير في الأظهر) لأنه عقد يقبل الرفع فلا يسري إلى الولد كالرهن، والثاني: يثبت؛ كما يتبع ولد المستولدة أمه، وهذا ما نسبه في "الشرح الصغير" إلى الأكثرين، وقال في "الكبير": أظهرهما: على ما ذكره الشيخان أبو حامد والقفال وغيرهما، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد: أنه يتبع 404، واختصره في "الروضة" فنقل ذلك عن الأكثرين من كلام الرافعي، ثم استدرك عليه، فقال: بل الأظهر عند الأكثرين: أنه لا يتبعها.
انتهى 405. واعترض عليه: بأنه في "الكبير" لم يصرح بنقله عن الأكثرين.
وخرج بقوله: (ولدت مدبرة) ولدها قبل التدبير؛ فإنه لا يتبع قطعًا، وما إذا مات السيد وهي حامل؛ فإنه يتبعها قطعًا، ويعتقان إن احتملهما الثلث، وإلا .. فما يحتمله.
(ولو دبر حاملًا .. ثبت له) أي: للحمل (حكم التدبير على المذهب) وإن قلنا:

الجزء: 4 - الصفحة: 578

فَإِنْ مَاتَتْ أَوْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِهَا .. دَامَ تَدْبِيرُهُ، وَقِيلَ: إِنْ رَجَعَ وَهُوَ مُتَّصِلٌ .. فَلَا، وَلَوْ دَبَّرَ حَمْلًا .. صَحَّ، فَإِنْ مَاتَ .. عَتَقَ دُونَ الأُمِّ، وَإِنْ بَاعَهَا .. صَحَّ وَكَانَ رُجُوعًا عَنْهُ. وَلَوْ وَلَدَتِ الْمُعَلَّقُ عِتْقُهَا .. لَمْ يَعْتِقِ الْوَلَدُ، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ عَتَقَتْ بِالصِّفَةِ .. عَتَقَ. وَلَا يَتْبَعُ مُدَبَّرًا وَلَدُهُ، وَجِنَايَتُهُ كَجِنَايَةِ قِنٍّ،

الحمل لا يعلم؛ لأن الجنين بمنزلة عضو من أعضائها؛ كما يتبعها في العتق والبيع، والطريق الثاني: إن قلنا: إن الحمل يعلم .. فمدبر، وإلا .. فالقولان في المسألة الأولى، (فإن ماتت) الأم في حياة السيد (أو رجع في تدبيرها) وصححناه ( .. دام تدبيره) أما في الأولى .. فكما لو دبر عبدين فمات أحدهما قبل موت السيد، وأما في الثانية .. فكالرجوع بعد الانفصال، (وقيل: إن رجع وهو متصل .. فلا) يدوم تدبيره بل يتبعها في الرجوع كما يتبعها في التدبير، وفرق الأول: بتغليب الحرية فيها.
(ولو دبر حملًا) بمفرده ( .. صح) كإعتاقه دونها، ولا يسري ذلك إلى الأم، بخلاف عكسه؛ لأن الحمل تابع فلا يكون متبوعًا، (فإن مات) السيد ( .. عتق) الحمل (دون الأم) لما ذكرناه، (وإن باعها) حاملًا ( .. صح وكان رجوعًا عنه) أي: عن تدبير الحمل؛ لأن التدبير يبطل ويدخل الحمل في البيع.
(ولو ولدت المعلق عتقها) من نكاح أو زنًا ( .. لم يعتق الولد) لأنه عقد يلحقه الفسخ، فلم يتعد إلى الولد؛ كالرهن والوصية، (وفي قول: إن عتقت بالصفة .. عتق) كولد أم الولد.
والخلاف فيمن حدث حملها بعد التعليق، فلو علق عتق حامل .. تبعها الحمل قطعًا؛ كما نقله في "الكفاية" عن ابن الصباغ، لكن المصنف في "تصحيح التنبيه" أجرى فيه الخلاف 406. (ولا يتبع مدبرًا ولده) قطعًا؛ لأن الولد يتبع أمه في الرق والحرية لا أباه، فكذا في سبب الحرية.
(وجنايته كجناية قن) فإذا جنى بيع في الأرش؛ لبقاء الرق فيه كما قبل التدبير؛

الجزء: 4 - الصفحة: 579

وَيَعْتِقُ بِالْمَوْتِ مِنَ الثُّلُثِ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ بَعْدَ الدَّيْنِ. وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقًا عَلَى صِفَةٍ تَخْتَصُّ بالْمَرَضِ كـ (إِنْ دَخَلْتَ فِي مَرَضِ مَوْتِي. . فَأَنْتَ حُرٌّ). . عَتَقَ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنِ احْتَمَلَتِ الصِّحَّةَ فَوُجِدَتْ فِي الْمَرَضِ. . فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ فِي الأَظْهَرِ.

لتمكن السيد فيه من البيع وغيره، فكان كغيره، والجناية عليه كالجناية على القن.
(ويعتق بالموت من الثلث كله أو بعضه بعد الدين) لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: "الْمُدَبَّرُ مِنَ الثُّلُثِ"، قال الدارقطني: روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح 407، ولأنه تبرع يلزم بالموت فأشبه الوصية.
وأشار بقوله: (بعد الدين) إلى أنه إن لم يكن دين ولا مال سواه.
. عتق ثلثه، وإن كان عليه دين مستغرق.
. لم يعتق منه شيء؛ فإن كان يستغرق نصفه.
. بيع نصفه في الدين، ويعتق ثلث الباقي منه.
والحيلة في عتق جميعه بعد الموت وإن كان عليه دين مستغرق أن يقول: (أنت حُرٌّ قبل مرض موتي بيوم، وإن مت فجأة.
. فقبل موتي بيوم)، فإذا مات بعد التعليقين بأكثر من يوم.
. عتق من رأس المال، ولا سبيل عليه لأحد، حكياه عن إبراهيم المروزي وأقراه 408. (ولو علَّق عتقًا على صفة تختص بالمرض؛ كـ"إن دخلت في مرض موتي.
. فأنت حر".
. عتق من الثلث) كما لو نجز عتقه حينئذ.
(وإن احتملت الصحة فوجدت في المرض.
. فمن رأس المال في الأظهر) لأنه حين علَّق لم يكن متهمًا بإبطال حق الورثة، والثاني: من الثلث؛ اعتبارًا بوقت وجود الصفة، فإن العتق حينئذ يحصل.
ومحل الخلاف: ما إذا وجدت الصفة بغير اختياره؛ كنزول المطر، فإن كانت باختياره؛ كدخول الدار.
. اعتبر من الثلث جزمًا، قاله الرافعي تفقهًا، وصرح به الماوردي 409.

الجزء: 4 - الصفحة: 580

وَلَوِ ادَّعَى عَبْدُهُ التَّدْبِيرَ فَأَنْكَرَ. . فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ، بَلْ يُحَلَّفُ. وَلَوْ وُجِدَ مَعَ مُدَبَّرٍ مَالٌ فَقَالَ: (كَسَبْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ)، وَقَالَ الْوَارِثُ: (قَبْلَهُ). . صُدِّقَ الْمُدَبَّرُ بيَمِينِهِ، وَإِنْ أَقَامَا بيِّنَتَيْنِ. . قُدِّمَتْ بَيِّنَته.

(ولو ادعى عبده التدبير فأنكر.
. فليس برجوع) وإن جوزنا الرجوع عنه؛ كما أن جحود الردة لا يكون إسلامًا، وجحود الطلاق لا يكون رجعة، وهذا ما جزم به في "أصل الروضة" هنا، وجعله في (الدعاوى) رجوعًا 410، قال في "المهمات": والمذكور هنا هو الصواب؛ لنصِّ الشافعي عليه 411. (بل يحلف) السيد أنه ما دبره؛ لاحتمال أن يُقِرَّ، ولو نكل.
. حلف العبد وثبت تدبيره، ولا تتعين اليمين، بل له أن يسقط اليمين عن نفسه؛ بأن يقول: (إن كنت دبرته.
. فقد رجعت) إذا جوزنا الرجوع لفظًا.
(ولو وجد مع مدبر مال فقال: "كسبته بعد موت السيد"، وقال الوارث: "قبله".
. صدق المدبر بيمينه) لأن اليد له فترجح، وهذا بخلاف ولد المدبرة إذا قالت: (ولدته بعد موت السيد فهو حُرٌّ)، وقال الوارث: (قبله فهو قن).
. فإن القول قول الوارث؛ لأنها لمَّا ادعت حريته.
. نفت أن يكون لها عليه يد وإن سمعت دعواها؛ لمصلحة الولد.
(وإن أقاما بينتين.
. قدمت بينته) أي: بينة المدبر؛ لاعتضاده باليد، فلو أقام الوارث بينة بأن هذا المال كان في يد المدبر في حياة السيد، فقال المدبر: (كان في يدي لكن كان لفلان فملكته بعد موت السيد).
. صُدِّق أيضًا؛ كما نقلاه عن النص 412.


الجزء: 4 - الصفحة: 581

كتابُ الكِتابة هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ إِنْ طَلَبَهَا رَقِيقٌ أَمِينٌ قَوِيٌّ عَلَى كَسْبٍ، قِيلَ: أَوْ غَيْرُ قَوِيٍّ، وَلَا تكرَهُ بحَالٍ، وَصِيغَتُهَا: (كَاتَبْتُكَ عَلَى كَذَا مُنَجَّمًا إِذَا أَدَّيْتَهُ. . فَأَنْتَ حُرٌّ)، وَيُبَيِّنُ عَدَدَ النُّجُومِ وَقِسْطَ كُلِّ نَجْمٍ.

﴿كتاب الكتابة﴾ أصلها من الكتْبِ، وهو الجمع والضم، وسمي هذا العقد بها؛ لما فيه من جمع النجوم وضم بعضها إلى بعض، وهي شرعًا: عتق معلق على مال منجم إلى وقتين معلومين فأكثر، وقيل: تعليق عتق بصفة فضمنت معاوضة.
وجوزت على خلاف القياس؛ لمسيس الحاجة، فإن العتق مندوب إليه، والسيد قد لا يسمح به مجانًا، والعبد لا يتشمر للكسب تشمره إذا علق عتقه بالتحصيل والأداء.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، والسنة الشهيرة في ذلك.
(هي مستحبة إن طلبها رقيق أمين قوي على كسب) وبهما فسر الشافعي (الخير) في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ 413، واعتبرت القدرة على الكسب؛ ليتمكن من تحصيل ما يؤديه، والأمانة؛ لئلا يضيِّع ما يحصله، (قيل: أو غير قوي) إذا كان أمينًا؛ لأنه إذا عرفت أمانته.
. أُعِينَ بالصدقات ليعتق، وهو جارٍ أيضًا فيما لو كان كسوبًا، لكنه غير أمين.
(ولا تكره بحال) لأنها قد تفضي إلى العتق.
(وصيغتها: "كاتبتك على كذا منجمًا إذا أديته.
. فأنت حر") لأن لفظ الكتابة يصلح لهذا وللمخارجة فلا بد من تمييزها؛ فإذا قال: (فإذا أديته.
. فأنت حُرٌّ).
. تعيَّن.
(ويبين عدد النجوم وقسط كل نجم) لأنها عقد معاوضة؛ فاشترط فيه معرفةُ العوض؛ كالبيع.

الجزء: 4 - الصفحة: 583

وَلَوْ تَرَكَ لَفْظَ التَّعْلِيقِ وَنَوَاهُ. . جَازَ، وَلَا يَكْفِي لَفْظُ كِتَابَةٍ بِلَا تَعْلِيقٍ، وَلَا نِيَّةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَقُولُ الْمُكَاتبُ: (قَبلْتُ)، وَشَرْطُهُمَا: تَكْلِيفٌ وَإِطْلَاقٌ. وَكِتَابَةُ الْمَرِيضِ مِنَ الثلُثِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مِثْلَاهُ. . صَحَّتْ كِتَابَةُ كُلِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ وَأَدَّى فِي حَيَاتِهِ مِئَتَيْنِ وَقِيمَتُهُ مِئَةٌ. . عَتَقَ، وَإِنْ أَدَّى مِئَةً. . عَتَقَ ثُلُثَاهُ.

(ولو ترك لفظ التعليق) للحرية بالأداء (ونواه) بقوله: (كاتبتك على كذا) (. . جاز) لحصول المقصود، (ولا يكفي لفظ كتابة بلا تعليق، ولا نية على المذهب) لما سبق من كون الكتابة تقعُ على هذا العقد وعلى المخارجة؛ فلا بد من تمييز باللفظِ أو النيةِ، (ويقول المكاتب: ) على الفور ("قبلت") كغيره من العقود.
(وشرطهما) أي: السيد والعبد (تكليف) فلا تصح كتابة صبي ومجنون؛ لسلب عبارتهما، (وإطلاق) فلا تصح كتابة محجور عليه بفلس؛ كبيعه.
ويرد الولي؛ فإنه مطلق التصرف في مال محجوره مع أنه لا يصح كتابة عبده، ولهذا عبرا في "الروضة" و"أصلها" بكونه أهلًا للتبرع 414؛ فأخرج الولي، وبقي شرطٌ آخر، وهو: الاختيار؛ فإن أكرها أو أحدهما.
. فالكتابةُ باطلةٌ.
(وكتابة المريض) مرض الموت (من الثلث) سواء كاتبه على قيمته أو أقل أو أكثر؛ لأنه تبرع، (فإن كان له مثلاه) عند الموت (. . صحت كتابة كله) لخروجه من الثلث، (فإن لم يملك غيره وأدى في حياته مئتين) وكان قد كاتبه عليهما (وقيمته مئة.
. عتق) كله؛ لأنه الثلث.
(وإن أدى مئة) وكان قد كاتبه عليها (. . عتق ثلثاه) لأنه إذا أخذ مئة وقيمته مئة.
. فالجملة مئتان؛ فينفذ التبرع في ثلث المئتين، وهو ثلثا المئة.
واحترز بقوله: (وأدى في حياته) عمَّا إذا لم يؤد شيئًا حتى مات السيد؛ فإنه إن أجاز الورثة ما زاد على الثلث.
. فواضح، وإن لم يجز.
. فثلثه مكاتب، فإذا أدى حصته من النجوم.
. عتق، وهل يزاد في الكتابة بقدر نصف ما أدى، وهو سدس؟ وجهان: الأصح المنصوص: لا؛ لأن الكتابة قد بطلت في الثلثين فلا تعود.

الجزء: 4 - الصفحة: 584

وَلَوْ كَاتَبَ مُرْتَدٌّ. . بُنِيَ عَلَى أَقْوَالِ مِلْكِهِ، فَإِنْ وَقَفْنَاهُ. . بَطَلَتْ عَلَى الْجَدِيدِ. وَلَا تَصِحُّ كِتَابَةُ مَرْهُونٍ وَمُكْرَىً، وَشَرْطُ الْعِوَضِ: كَوْنُهُ دَيْنًا مُؤَجَّلًا -وَلَوْ مَنْفَعَةً-

(ولو كاتب مرتد.
. بُني على أقوال ملكه، فإن وقفناه.
. بطلت على الجديد) القائل بإبطال وقف العقود، وعلى القديم: لا يبطل بل يوقف؛ فإن أسلم السيد.
. تبينا صحتها، وإلا.
. بطلانها، وإن قلنا بزوال ملكه.
. بطلت، أو ببقائه.
. صحت.
وموضع الخلاف على الأصح: ما إذا لم يحجر الحاكم عليه، وقلنا: لا يحصل الحجر بنفس الردة، فأما إذا كان في حال الحجر.
. فلا تصح الكتابة قطعًا، وقيل: لا فرق.
وهذه المسألة مكررة، فقد ذكرها في آخر (الردة).
وكتابة الكافر كإعتاقه.
(ولا تصح كتابة مرهون) لأنه معرض للبيع في الرهن، (ومكرىً) لأن منافعه مستحقة للمستأجر، ولو صحت.
. لاقتضت تسليطه على الاكتساب وملك منافعه.
(وشرط العوض: كونه دينًا) ليلتزمه في الذمة، ثم يحصله ويؤديه، وأما الأعيان.
. فإنه لا يملكها حتى يورد العقد عليها، (مؤجلًا) اتباعًا للسلف؛ فإن الكتابة عقدٌ خالف القياس في وضعه فاتبع فيه سنن السلف، وكان يمكنه الاستغناء بالأجل عن الدينية؛ لأن الأعيان لا تقبل التأجيل.
وقد اعترض به الرافعي على "الوجيز"، ثم وقع فيه في "المحرر" 415، وأجاب ابن الصلاح: بأن دلالة الالتزام لا يكتفى بها في المخاطبات، وهذان وصفان مقصودان.
(ولو منفعة) كما يجوز أن تجعل المنافع ثمنًا وأجرة، والمراد: المنفعة التي في الذمة؛ كما لو كاتبه على بناء دارين في ذمته وجعل لكلِّ واحدة منهما وقتًا معلومًا، أما لو كان العوض منفعة عين.
. فإنه لا يصح تأجيلها، لأن الأعيان لا تقبل التأجيل.

الجزء: 4 - الصفحة: 585

وَمُنَجَّمًا بِنَجْمَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَقِيلَ: إِنْ مَلَكَ بَعْضَهُ وَبَاقِيهِ حُرٌّ. . لَمْ يُشْتَرَطْ أَجَلٌ وَتَنْجِيمٌ. وَلَوْ كَاتَبَ عَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ وَدِينَارٍ عِنْدَ انْقِضَائِهِ. . صَحَّتْ، أَوْ عَلَى أَنْ يَبيعَهُ كَذَا. . فَسَدَتْ، وَلَوْ قَالَ: (كَاتَبْتُكَ وَبِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ بِأَلْفٍ)، وَنَجَّمَ الأَلْفَ وَعَلَّقَ الْحُرِّيَّةَ بِأَدَائِهِ. . فالْمَذْهَبُ: صِحَّةُ الْكِتَابَةِ دُونَ الْبَيْعِ.

(ومنجمًا بنجمين فأكثر) لأنه المأثور من فعل الصحابة رضي الله عنهم 416، ولو جاز على أقل منها.
. لابتدروه؛ تعجيلًا للقربة، (وقيل: إن ملك بعضه وباقيه حر.
. لم يشترط أجل وتنجيم) لأنه قد يملك ببعضه الحُرِّ ما يؤديه، فلا يتحقق العجز في الحال، والأصح: الاشتراط؛ اتباعًا لما جرى عليه الأولون؛ لأنه تعبدٌ كما سبق.
(ولو كاتب على خدمة شهر) مثلًا من الآن (ودينار عند انقضائه.
. صحت) لأن المنفعة مستحقة في الحال، والمدة لتقديرها والتوفية فيها، والدينار إنما يستحق المطالبة به بعد انقضاء الشهر، وإذا اختلف الاستحقاق.
. حصل التنجيم، ولا يضر كون المنفعة حالة؛ لأن التأجيل يشترط لحصول القدرة، وهو قادر على الاشتغال بالخدمة في الحال، بخلاف ما لو كاتب على دينارين: أحدهما حال، والآخر منجم مؤجل.
وبهذا يتبيّن: أن الأجل وإن أطلقوا اشتراطه؛ فليس ذلك بشرط في المنفعة التي يقدر على الشروع فيها في الحال.
(أو على أن يبيعه كذا.
. فسدت) لأنه شرط عقدًا في عقد؛ فكان من قبيل بيعتين في بيعة.
(ولو قال: "كاتبتك وبعتك هذا الثوب بألف"، ونجم الألف) بأن قال: (كاتبتك وبعتك هذا الثوب بألف درهم إلى شهرين تؤدي منها خمس مئة عند انقضاء الأول، والباقي عند انقضاء الثاني)، (وعلق الحرية بأدائه.
. فالمذهب: صحة الكتابة دون البيع) أما بطلان البيع.
. فلتقدم أحد شقيه على أهلية العبد لمبايعة السيد، وإذا بطل البيع.
. ففي الكتابة قولا تفريق الصفقة، والأصح: الصحة، وعلى هذا:

الجزء: 4 - الصفحة: 586

وَلَوْ كَاتَبَ عَبيدًا عَلَى عِوَضٍ مُنَجَّمٍ وَعَلَّقَ عِتْقَهُمْ بِأَدَائِهِ. . فالنَّصُّ: صحَّتُهَا، وَيُوَزَّعُ عَلَى قِيمَتِهِمْ يَوْمَ الْكِتَابَةِ؛ فَمَنْ أَدَّى حِصَّتَهُ. . عَتَقَ، وَمَنْ عَجَزَ. . رَقَّ. وَتَصِحُّ كِتَابَةُ بَعْضِ مَن بَاقِيهِ حُرٌّ، فَلَوْ كَاتَبَ كُلَّهُ. . صَحَّ فِي الرِّقِّ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ كَاتَبَ بَعْضَ رَقِيقٍ. . فَسَدَتْ إِنْ كَانَ بَاقِيهِ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ،

ففي قول: تصح بالجميع، والأظهر؛ بالقسط؛ فيوزع الثمن على قيمة العبد والثوب، فما خصّ العبد لزمه في النجمين، فإذا أداه.
. عتق، والطريق الثاني: أن فيه قولي الجمع بين مختلفي الحكم؛ ففي قول: يصحان، وفي قول: يبطلان.
(ولو كاتب عبيدًا) صفقة واحدة (على عوض منجم، وعلق عتقهم بأدائه.
. فالنص: صحتها) لأن مالك العوض واحد، والصادر منه لفظ واحد؛ فصار كما لو باع عبدين من واحد، ومقابل النص: قولٌ مخرج مما لو اشترى عبيد جمع بثمن واحد، فإن النصَّ فيه: البطلان، (ويوزع) المسمى (على قيمتهم يوم الكتابة) لأن سلطنة السيد زالت حيئنذ، فإذا كانت قيمة أحدهم مئة، والآخر مئتين، والآخر ثلاث مئة.
. فعلى الأول: سدس المسمى، وعلى الثاني: ثلثه، وعلى الثالث: نصفه، وقيل: يوزع على عدد رؤوسهم.
(فمن أدى حصته.
. عتق) لوجود الأداء، ولا يتوقف عتقه على أداء غيره وإن عجز غيره أو مات، ولا يقال: علق العتق بأدائهم؛ لأن الكتابة الصحيحة يغلب فيهما حكم المعاوضة، (ومن عجز.
. رق) وكذا لو مات؛ لأنه لم يوجد الأداء.
(وتصح كتابة بعض من باقيه حر) لأنها تفيدُ الاستقلال.
(فلو كاتب كله) وهو حُرُّ البعض (. . صح في الرق في الأظهر) من قولي تفريق الصفقة، فإذا أدى قسطَ الرقيق من القيمة.
. عتق.
(ولو كاتب بعض رقيق.
. فسدت إن كان باقيه لغيره ولم يأذن فيه) 417 لعدم الاستقلال.
وتعبيره بالفساد أحسنُ من تعبير "المحرر" بالبطلان 418، فإنه يقتضي إلغاء

الجزء: 4 - الصفحة: 587

وَكَذَا إِنْ أَذِنَ أَوْ كَانَ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ كَاَتبَاهُ مَعًا أَوْ وَكَّلَا. . صَحَّ إِنِ اتّفَقَتِ النُّجُومُ وَجُعِلَ الْمَالُ عَلَى نِسْبَةِ مِلْكَيْهِمَا،

العبارة، وليس كذلك؛ فإنه يترتب عليه أحكام الفاسدة؛ من العتق بالصفة وغير ذلك.
وحكم الفاسد والباطل عندنا في العقود سواء إلا في أبواب؛ منها: هذا الباب، نبَّه عليه في "الدقائق" 419. (وكذا إن أذن أو كان له على المذهب) أما الأولى.
. ففيها طريقان؛ أشهرهما: قولان؛ أصحهما: الفساد أيضًا؛ لأن الشريك الآخر يمنعه من التردد والمسافرة، ولا يمكن أن يصرف إليه سهم المكاتبين، والثاني: الصحة؛ لأنه يجوز له أن يعتق نصيبه فجاز أن يفرده بالعقد المقتضي للعتق؛ كالتدبير، والطريق الثاني: القطع بالمنع، وأما الثانية.
. ففيها طريقان أيضًا قطع الجمهور بالمنع؛ لأن المكاتب يحتاج إلى التردد حضرًا وسفرًا لاكتساب النجوم، ولا يستقل بذلك إذا كان بعضه رقيقًا فلا يحصل مقصود الكتابة، وأيضًا لا يمكن صرف سهم المكاتبين إليه؛ لأنه يصير بعضه ملكًا لمالك الباقي، فإنه من أكسابه، بخلاف ما إذا كان باقيه حرًّا، والطريق الثاني: قولان؛ أصحهما: ما ذكرناه.
ويستثنى من الفساد صور: منها: إذا أوصى بكتابة عبده، فلم يخرج من الثلث إلا بعضه ولم يجز الورثة.
. فالأصح: أنه يكاتب ذلك البعض، ومنها: ما لو أوصى بكتابة بعض عبده .. فإنه يصح؛ كما نصَّ عليه، وجزم به البغوي في "تعليقه"، ومنها: ما لو كاتب في مرض موته بعض عبده وذلك البعض ثلث ماله.
. صح قطعًا، ومنها: ما لو مات عن ابنين وخلف عبدًا، فأقر أحدهما أن أباه كاتبه، فأنكر الآخر.
. كان نصفه مكاتبًا، قاله في "الخصال".
(ولو كاتباه معًا أو وكَّلا) من يكاتبه أو وكَّل أحدهما الآخر (. . صح إن اتفقت النجوم) جنسًا وعددًا وأجلًا (وجعل المال على نسبة ملكيهما) لئلا يؤدي إلى انتفاع

الجزء: 4 - الصفحة: 588

فَلَوْ عَجَزَ فَعَجَّزَهُ أَحَدُهُمَا وَأَرَادَ الآخَرُ إِبْقَاءَهُ.
. فَكَابْتِدَاءِ عَقْدٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ.
وَلَوْ أَبْرَأَ مِنْ نَصِيبهِ أَوْ أَعْتَقَهُ.
. عَتَقَ نَصِيبُهُ، وَقُوِّمَ الْبَاقِي إِنْ كَانَ مُوسِرًا.

فَصْلٌ [فيما يلزم السيد بعد الكتابة]

يَلْزَمُ السَّيِّدَ أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ جُزْءًا مِنَ الْمَالِ، أَوْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ،

أحدهما بملك الآخر، فإن اختلفت النجوم في الجنس أو قدر الأجل أو العدد أو شرطا التساوي في النجوم مع التفاوت في الملك أو بالعكس.
. ففي صحة الكتابة القولان فيما إذا انفرد أحدهما بكتابة نصيبه بإذن الآخر، وقيل: يبطل قطعًا.
وقوله: (على نسبة ملكيهما) يفهم: أنه لا يشترط تساوي الشريكين في ملك العبد الذي يكاتبانه، وهو الصحيح.
(فلو عجز فعجَّزه أحدهما وأراد الآخر إبقاءه) أي: العقد (. . فكابتداء عقد) فلا يجوز بغير إذن الشريك، وكذا بإذنه على المذهب كما مرَّ، (وقيل: يجوز) قطعًا وإن منع في الابتداء؛ لأنه يحتمل في الدوام ما لا يحتمل في الابتداء.
(ولو أبرأ) أحد الشريكين (من نصيبه أو أعتقه.
. عتق نصيبه، وقوم الباقي إن كان موسرًا) أما في العتق.
. فلما سلف في بابه، وأما في الإبراء.
. فلأنه أبرأه عن جميع ما يستحقه فأشبه ما لو كاتب جميعه وأبرأه عن النجوم، فإن كان معسرًا.
. فلا تقويم على ما مرَّ.
وأفهم كلامه: أن التقويم في الحال، والأظهر في "الشرح" و"الروضة": لا، بل إن أدى نصيب الآخر من النجوم.
. عتق عنه والولاء بينهما، وإن عجز وعاد إلى الرق.
. فحينئذ يسري ويقوم، ويكون كلُّ الولاء له 420.


(فصل: يلزم السيد أن يحط عنه) في الكتابة الصحيحة (جزءًا من المال، أو يدفعه إليه) بعد أخذ النجوم ليستعين به؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ وظاهر الأمر: الوجوب، وإنما خرجنا عنه في الكتابة لدليل، ولم يقم دليل

الجزء: 4 - الصفحة: 589

وَالْحَطُّ أَوْلَى، وَفِي النَّجْمِ الأَخِيرِ أَلْيَقُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَكْفِي مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الاسْمُ، وَلَا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْمَالِ، وَأَنَّ وَقْتَ وُجُوبِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ،

على حمل الإيتاء على الاستحباب فعمل بما اقتضاه الظاهر، وقد روي الحطُّ عن الصحابة قولًا وفعلًا.
وظاهر كلامه: أنه يتعين أن يكون المدفوع من نفس المال المكاتب عليه، والأصح: أنه لا يتعين ذلك، وإنما يتعين أن يكون من جنسه إذا لم يرض المكاتب بغير الجنس، فإن رضي به.
. جاز.
(والحط أولى) من الدفع؛ فإنه المنقول عن الصحابة، ولأن المقصود إعانته ليعتق، والإعانة في الحط محققة وفي الدفع موهومة؛ فإنه قد ينفق المال في جهة أخرى.
وقضية كلامه: أن الواجب أحد الأمرين، وليس أحدهما بدلًا عن الآخر، وهو وجه، والأصح المنصوص في "الأم": أن الحطَّ أصلٌ، والإيتاء بدل عنه، وقيل: عكسه.
(وفي النجم الأخير أليق) لأنه حالة الخلوص من الرق، وقد روى مالك في "الموطأ" عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كاتب عبدًا على خمسة وثلاثين ألفًا، ووضع منها خمسة آلاف درهم، وذلك من آخر نجمه 421. (والأصح: أنه يكفي ما يقع عليه الاسم، ولا يختلف بحسب المال) كثرة وقلة؛ لأنه لم يرد فيه تقرير، وقوله تعالى: ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ يتناوله القليل والكثير، وهذا ما نصَّ عليه في "الأم"، لكن قال البُلْقيني: إنه من المعضلات، فإن إيتاء فلس لمن كوتب على ألف درهم.
. يبعد إرادته بالآية الكريمة، والثاني: ينبغي أن يكون قدرًا يليق بالحال، ويستعين به على العتق دون القليل الذي لا وقع له.
(وأن وقت وجوبه قبل العتق) ليستعين به في الأداء، والثاني: بعده؛ كالمتعة ليتبلغ به.

الجزء: 4 - الصفحة: 590

وَيُسْتَحَبُّ الرُّبُعُ، وَإِلَّا. . فالسُّبُعُ. وَيَحْرُمُ وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ، وَلَا حَدَّ فِيهِ، وَيَجِبُ مَهْرٌ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَلَا تَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَصَارَتْ مُسْتَوْلَدَةً مُكَاتَبَةً، فَإِنْ عَجَزَتْ. . عَتَقَتْ بِمَوْتهِ،

هذا في وقت الوجوب، أما وقت الجواز.
. فمن أول عقد الكتابة، ويجوز بعد الأداء وحصول العتق أيضًا، لكن يكون قضاءً إذا قلنا بالأول.
(ويستحب الربع) لما روى النسائي عن علي رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ ربع الكتابة، وروي مرفوعًا 422، قال البُلْقيني: ولو بلغ الشافعي هذا.
. لقال به، فإنه قال: ولو كان موقوفًا على علي رضي الله عنه.
. فهو لا يقوله باجتهاد، وإنما يقوله عن توقيف؛ فيكون في حكم المرفوع، ونقل الزركشي عن إسحاق بن راهويه أنه قال: أجمع أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾: أنها ربع الكتابة.
(وإلا.
. فالسبع) إن لم يسمح بالربع، اقتداءً بابن عمر رضي الله عنهما؛ كما مر 423. (ويحرم وطء مكاتبته) لاختلال ملكه؛ لخروج الأكساب عنه، (ولا حد فيه) وإن علم التحريم؛ للشبهة، لكن يعزر على الصحيح، (ويجب مهر) ولو كانت مطاوعة على الأصح؛ لشبهة الملك، (والولد حر) نسيب؛ لأنها علقت به في ملكه، (ولا تجب قيمته على المذهب) لحريته عند علوقها به؛ لأنه ابن أمته، والخلاف مبني على حكم ولدها من غيره؛ إن قلنا لا يثبت له حكم الكتابة.
. لم يلزمه؛ لأنه قن له، وإن قلنا يثبت وهو الأصح كما سيأتي.
. ففي لزوم قيمته خلاف ينبني على أن حق الملك فيه لمن؟ إن قلنا للسيد وهو الأظهر.
. لم يلزمه، وإن قلنا للأم.
. لزمه.
(وصارت مستولدة مكاتبه) ولا يبطل الاستيلاد حكم الكتابة؛ لأن مقصودهما واحد، وهو العتق، (فإن عجزت.
. عتقت بموته) عن الاستيلاد وعتق معها أولادها

الجزء: 4 - الصفحة: 591

وَوَلَدُهَا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًا مُكَاتَبٌ فِي الأَظْهَرِ يَتبعُهَا رِقًّا وَعِتْقًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ النُّجُومِ، وَالْحَقُّ فِيهِ لِلسَّيِّدِ، وَفِي قَوْلٍ: لَهَا، فَلَوْ قُتِلَ. . فَقِيمَتُهُ لِذِي الْحَقِّ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ أَرْشَ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ، وَكَسْبَهُ وَمَهْرَهُ يُنْفَقُ مِنْهَا عَلَيْهِ، وَمَا فَضَلَ. . وُقِفَ، فَإِنْ عَتَقَ. . فَلَهُ، وَإِلَّا. . فَلِلسَّيِّدِ. وَلَا يَعْتِقُ شَيْءٌ مِنَ الْمُكَاتبَ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْجَمِيعَ.

الحادثون بعد الاستيلاد دون من قبله، وإن أدت النجوم قبل موته.
. عتقت عن الكتابة وتبعها كسبها وولدها.
(وولدها من نكاح، أو زنًا مكاتب في الأظهر يتبعها رقًّا وعتقًا) لأن الولد يتبع أمه في الرق والحرية فكذا في سبب العتق؛ كولد أم الولد، والثاني: لا، بل يكون قنًّا للسيد؛ لأن الكتابة عقدٌ يقبل الفسخ، فلا يثبت حكمه في الولد؛ كولد المرهونة.
(وليس عليه) أي: الولد (شيء من النجوم) لأنه لم يوجد منه التزام (والحق فيه) أي: في الولد اللسيد) كما أن حقَّ الملك في الأم له، (وفي قول: لها) أي: للمكاتبة؛ لأنه تكاتب عليها فيكون الحق فيه لها؛ كما أن الحق في المكاتب للسيد، ولأنه لو كان للسيد.
. لما عتق بعتقها.
(فلو قتل.
. فقيمته لذي الحق) فعلى الأول: للسيد، وعلى الثاني: لها، (والمذهب: أنَّ أرش جنايته عليه) أي: على الولد فيما دون النفس (وكسبه ومهره) إن كان الولد جارية ووطئت بشبهة، (ينفق منها عليه، وما فضل.
. وقف، فإن عتق.
. فله، وإلا.
. فللسيد) كما أن كسب الأم إذا عتقت يكون لها، وإلا.
. فللسيد، وقيل: لا يوقف، بل يصرف إلى السيد؛ كما تصرف إليه القيمة إذا قتل، هذا كله إذا قلنا: إن الحق في الولد للسيد، فإن قلنا: بأنه للأم.
. فهو لها تستعين به في كتابتها.
(ولا يعتق شيء من المكاتب حتى يؤدي الجميع) أو يبرأ منها؛ لحديث: "الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ" رواه أبو داوود 424.

الجزء: 4 - الصفحة: 592

وَلَوْ أَتى بِمَالٍ فَقَالَ السَّيِّدُ: (هَذَا حَرَامٌ) وَلَا بَيِّنَةَ. . حَلَفَ الْمُكَاتَبُ أَنَّهُ حَلَالٌ، وَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ: (تَأْخُذُهُ أَوْ تبرِئُهُ عَنْهُ؟ )، فَإِنْ أَبَى. . قَبَضَهُ الْقَاضِي، فَإِنْ نَكَلَ الْمُكَاتبُ. . حَلَفَ السَّيِّدُ. وَلَوْ خَرَجَ الْمُؤَدَّى مُسْتَحَقًّا. . رَجَعَ السَّيِّدُ بِبَدَلِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي النَّجْمِ الأَخِيرِ. . بَانَ أَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَقَعْ وَإِنْ كَانَ قَالَ عِنْدَ أَخْذِهِ: (أَنْتَ حُرٌّ)،

(ولو أتى بمال فقال السيد: "هذا حرام"، ولا بينة.
. حلف المكاتب أنه حلال) ويصدق فيه عملًا بظاهر اليد، (ويقال للسيد: "تأخذه أو تبرئه عنه؟ ") ويجبر على أحد الأمرين؛ عملًا بظاهر الحال، (فإن أبى.
. قبضه القاضي) وعتق المكاتب.
واحترز بقوله: (ولا بينة): عمَّا لو أقام السيد بينة على ما قاله.
. فإنه لا يجبر وتسمع بينته؛ لأن له فيها غرضًا ظاهرًا، وهو الامتناع من الحرام، قال الرافعي: كذا أطلقه جماعة، وشرط الصَّيْدَلاني: أن يعين المغصوب منه، وإلا.
. فلا.
انتهى، وبه صرح الماوردي أيضًا 425. (فإن نكل المكاتب.
. حلف السيد) وكان كإقامة البينة.
(ولو خرج المؤدَّى مستحقًّا.
. رجع السيد ببدله) لفساد القبض، (فإن كان في النجم الأخير.
. بأن أن العتق لم يقع) لبطلان الأداء، فإن ظهر الاستحقاق بعد موت المكاتب.
. تبيَّن أنه مات رقيقًا وأن ما تركه للسيد دون الورثة.
(وإن كان قال عند أخذه: "أنت حر") أو (أعتقتك) لأنه بناه على ظاهر الحال، وهو صحة الأداء وقد تبيَّن خلافه؛ فلم يعتق.
وقوله: (عند أخذه) يوهم التصوير بما إذا قاله متصلًا بقبض النجوم، وهو ما نقلاه عن كلام الإمام، حيث قالا: وفي كلام الإمام إشعارٌ بأن قوله: (أنت حر)، إنما يقبل تنزيله على الحرية بموجب القبض إذا رتبه على القبض، فلو انفصل عن القرائن.
. لم يقبل التأويل، قالا: وهذا تفصيل قويم لا بأس بالأخذ به، لكن في "الوسيط": لا فرق بين أن يكون جوابًا عن سؤال حريته أو ابتداءً، أو بين أن يكون

الجزء: 4 - الصفحة: 593

وِإنْ خَرَجَ مَعِيبًا. . فَلَهُ رَدُّهُ وَأَخْذُ بَدَلِهِ، وَلَا يَتَزَوَّجُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَتَسَرَّى بِإِذْنِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ

متصلًا بقبض النجوم أو غير متصل؛ لشمول العذر.
انتهى 426. وقيَّده ابن الرفعة بما إذا قصد الإخبار عن حاله بعد أداء النجوم، فإن قصد إنشاء العتق.
. برئ المكاتب وعتق.
انتهى.
وأول كلامه يقتضي: أنه إذا أطلق ولم يقصد شيئًا.
. يعتق؛ لأنه لم يقصد إلا الإخبار، وآخره يقتضي عكسه.
(وإن خرج معيبًا.
. فله رده وأخذ بدله) إن لم يرض به، سواء كان ذلك العيب يسيرًا أو فاحشًا، لأنه دون حقه.
(ولا يتزوج) المكاتب (إلا بإذن سيده) لأنه عبد، كما سلف، (ولا يتسرى بإذنه على المذهب) لضعف ملكه، وخوفًا من هلاك الجارية في الطَّلْق، قال الشيخ أبو محمد: ولا يبعد إجراء الوجهين في وطء من يؤمن حبلها؛ كما في المرهونة، قال الإمام: وهو غير مرضي 427، وفي "أصل الروضة" في نكاح العبد أنه يجوز للقن التسري بالإذن، وفي "زيادتها" في آخر (معاملات العبيد) أن فيه القولين في تبرعاته 428. ومقتضاه: ترجيح جوازه بالإذن، قال في "المهمات": والصواب: المنع، فقد نصَّ عليه في "البويطي" و"الأم" 429. وجمع النشائي بين الكلامين: أن المذكور في معاملة العبيد، وفي نكاح العبد مبنيٌّ على أنه يملك بتمليك السيد، والمذكور هنا مبني على الجديد، وهو منع ملكه، وقد صرَّح الرافعي هنا بأن تسريه بإذن السيد مبنيٌّ على الخلاف في تملك العبد بإذن السيد.

الجزء: 4 - الصفحة: 594

وَلَهُ شِرَاءُ الْجَوَارِي لِتِجَارَةٍ، فَإِنْ وَطِئَهَا. . فَلَا حَدَّ، وَالْوَلَدُ نَسِيبٌ، فَإِنْ وَلَدَتْهُ فِي الْكِتَابَةِ أَوْ بَعْدَ عِتْقِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. . تبَعَهُ رِقًّا وَعِتْقًا، وَلَا تَصِيرُ مُسْتَوْلَدَةً فِي الأَظْهَرِ. وَإِنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ الْعِتْقِ لِفَوْقِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَكَاَنَ يَطَؤُهَا. . فَهُوَ حُرٌّ وَهِيَ أُمّ وَلَدٍ.

(وله شراء الجواري لتجارة) توسعًا له في طرق الاكتساب، (فإن وطئها.
. فلا حدَّ) لشبهة الملك، وكذا لا مهر؛ لأنه لو وجب عليه.
. لكان له (والولد نسيب) لشبهة الملك.
(فإن ولدته في الكتابة) أي: في حال كون أبيه مكاتبًا لم يعتق بعد، (أو بعد عتقه لدون ستة أشهر.
. تبعه رقًّا وعتقًا) ولا يعتق في الحال في الصورة الأولى؛ لضعف ملكه بل يكون ملكًا له؛ لأنه ولد جاربته ولا يملك بيعه؛ لأنه ولده، بل يتوقف عتقه على عتق أبيه، فإن عتق.
. عتق، وإلا.
. رق وصار للسيد، وهذا معنى قولهم: (إن ولده تكاتب عليه).
(ولا تصير مستولدة في الأظهر) لأنها علقت بمملوك فأشبه الأمة المنكوحة، والثاني: تصير؛ لأنه ثبت للولد حق الحرية من سيدها حيث تكاتب عليه وامتنع بيعه، فثبت لها حرمة الاستيلاد.
وأجاب الأول: بأن حق الحرية للولد لم يثبت بالاستيلاد في الملك، بل لمصيره ملكًا لأبيه؛ كما لو ملكه بهبة.
(وإن ولدته بعد العتق لفوق ستة أشهر وكان يطؤها.
. فهو حر وهي أم ولد) لظهور العلوق بعد الحرية، ولا نظر إلى احتمال العلوق في الرق؛ تغليبًا للحرية، فإن لم يطأها بعد الحرية.
. فالاستيلاد على الخلاف المار.
وقوله: (لفوق ستة أشهر) تبع فيه "المحرر" 430، وهو يفهم: أنها لو ولدت لستة أشهر فقط.
. أن الحكم بخلافه، والذي في "الشرحين" و"الروضة" لستة أشهر فأكثر 431، وصوب ما في "الكتاب" فإنه لا بد من تقدير لحظة زائدة على الستة أشهر.

الجزء: 4 - الصفحة: 595

وَلَوْ عَجَّلَ النُّجُومَ. . لَمْ يُجْبَرِ السَّيِّدُ عَلَى الْقَبُولِ إِنْ كَانَ لَهُ فِي الامْتِنَاعِ غَرَضٌ كَمُؤْنَةِ حِفْظِهِ أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهِ، وَإِلَّا. . فَيُجْبَرُ، فَإِنْ أَبَى. . قَبَضَهُ الْقَاضِي، وَلَوْ عَجَّلَ بَعْضَهَا لِيُبْرِئَهُ مِنَ الْبَاقِي فَأَبْرَأَ. . لَمْ يَصِحَّ الدَّفْعُ وَلَا الإِبْرَاءُ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ النُّجُومِ، وَلَا الاعْتِيَاضُ عَنْهَا،

(ولو عجل) المكاتب (النجوم) قبل محلها (. . لم يجبر السيد على القبول إن كان له في الامتناع غرض) صحيح (كمؤنة حفظه) كالطعام الكثير، (أو خوف عليه) بأن كان زمن نهب أو إغارة؛ لما في الإجبار من الضرر والحالة هذه، ولو كاتبه في وقت النهب أو الإغارة وعجل فيه.
. لم يجبر أيضًا على الأصح؛ لأن ذلك قد يزول عند المحل.
(وإلا) أي: وإن لم يكن له غرض في الامتناع (. . فيجبر) لأن للمكاتب غرضًا ظاهرًا فيه، وهو تنجيز العتق أو تقريبه ولا ضرر على السيد.
(فإن أبى) ولم يفد فيه الإجبار (. . قبضه القاضي) لأثر عمر في "سنن البيهقي" 432. (ولو عجل بعضها) أي: بعض النجوم (ليبرئه من الباقي فأبرأ.
. لم يصح الدفع ولا الإبراء) للشرط الفاسد، وإذا لم يصحا.
. لا يحصل العتق، وعلى السيد ردُّ المأخوذ.
(ولا يصح بيع النجوم) لأنه بيع دين ما لم يقدر على تسليمه؛ فإن العبد يستقلُّ بإسقاطه، (ولا الاعتياض عنها) لأنها غير مستقرة، والاستبدال عن الدين إنما يجوز في المستقر، وهذا ما صححاه هنا 433، واقتضى كلامهما في (باب الشفعة) تبعًا للأصحاب: الجواز 434، قال في "المهمات": وهو الصواب، فقد نصَّ عليه في "الأم" 435.

الجزء: 4 - الصفحة: 596

فَلَوْ بَاعَ وَأَدَّى إِلَى الْمُشْتَرِي. . لَمْ يَعْتِقْ فِي الأَظْهَرِ، وَيُطَالِبُ السَّيِّدُ الْمُكَاتَبَ وَالْمُكَاتَبُ المُشْتَرِيَ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ رَقَبَتِهِ فِي الْجَدِيدِ،

(فلو باع) النجوم (وأدى إلى المشتري.
. لم يعتق في الأظهر) لأنه يقبض لنفسه بحكم البيع الفاسد ولم يصح قبضه؛ فلم يعتق، والثاني: يعتق؛ لأن السيد سلَّطه على القبض، فأشبه الوكيل، فإن أدى إلى السيد.
. عتق لا محالة.
(ويطالب السيد المكاتب والمكاتب المشتري بما أخذ منه) بناءً على الأظهر، وعلى الثاني: ما أخذه المشتري يعطيه للسيد؛ لأنا جعلناه كوكيله.
(ولا يصح بيع رقبته في الجديد) لأن البيع لا يرفع الكتابة؛ للزومها من جهة السيد، فيبقى مستحق العتق، فلم يصح بيعه؛ كالمستولدة، ولأن الكتابة عقد يمنع من استحقاق الكسب وأرش الجناية فيمنع البيع؛ كما لو باع عبدًا من إنسان لا يجوز له بيعه، والقديم: أنه يصح؛ لحديث بريرة في "الصحيحين" 436، وأجاب عنه في الجديد بثلاثة أجوبة؛ أحدها: أن الكتابة جائزة من جهة العبد، وبريرة ساومت عائشة رضي الله عنها لمواليها من ابتياع نفسها، فيكون ذلك فسخًا منها، ولهذا أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بعتقها، ولو بقيت الكتابة.
. لعتقت بها؛ فإن الأصح على القديم: أن الكتابة لا تنفسخ بالبيع، بل ينتقل إلى المشتري مكاتبًا، الثاني: أنها عجزت فانفسخت الكتابة، وسعيها في ابتياع عائشة وطلب الأوقية يدل على ذلك، الثالث: أنها رضيت بالبيع، وامتناع البيع محله: إذا لم يرض المكاتب بالبيع؛ فإن رضي.
. جاز وكان رضاه فسخًا، وقد صرَّح بذلك البيهقي في "السنن الكبير" عن الشافعي رضي الله عنه 437، وجزم به القاضي الحسين في "تعليقه" كما في "المهمات" 438، قال شيخنا: وقد نصَّ على ذلك صريحًا في "اختلاف العراقيين"، ونصَّ عليه في "مختصر المزني" و"البويطي".

الجزء: 4 - الصفحة: 597

فَلَوْ بَاعِ فَأَدَّى إِلَى الْمُشْتَرِي.
. فَفِي عِتْقِهِ الْقَوْلَانِ، وَهِبَتُهُ كَبَيْعِهِ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُ مَا فِي يَدِ الْمُكَاتبِ وَإِعْتَاقُ عَبْدِهِ وَتَزْوِيجُ أَمَتِهِ.
وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: (أَعْتِقْ مُكَاتَبَكَ عَلَى كَذَا) فَفَعَلَ.
. عَتَقَ وَلَزِمَهُ مَا الْتَزَمَ.

فَصْلٌ [في بيان لزوم الكتابة وجوازها]

الْكِتَابَةُ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ لَيْسَ لَهُ فَسْخُهَا إِلَّا أَنْ يَعْجِزَ عَنِ الأَدَاءِ،

(فلو باع فأدى) النجوم (إلى المشتري.
. ففي عتقه القولان) السالفان فيما إذا باع نجومه فأداها إلى مشتريها، (وهبته كبيعه) فيأتي القولان، والأظهر: المنع؛ لما فيها من إزالة الملك وتعرضه للرق.
(وليس له بيع ما في يد المكاتب وإعتاق عبده، وتزويج أمته) لأنه معه كالأجنبي.
(ولو قال لرجل 439: "أعتق مكاتبك على كذا"، ففعل.
. عتق ولزمه ما التزم) كما لو قال: (أعتق مستولدتك على كذا)، وهو بمنزلة فداء الأسير؛ أما لو قال: (أعتقه عني على كذا).
. لم يعتق عن السائل، ويعتق عن المعتق في الأصح، ولا يستحق المال.


(فصل: الكتابة) الصحيحة (لازمة من جهة السيد ليس له فسخها) لأنها عقدٌ لحظِّ المكاتب لا لحظِّ السيد، فكان السيد فيها كالراهن؛ لأنها حقٌّ عليه، (إلا أن يعجز عن الأداء) أي: أداء النجم أو بعضه عند المحل، لأنه تعذر عليه العوض، فتمكن من الفسخ؛ كالبائع عند إفلاس المشتري بالثمن.
نعم؛ لو عجز عن القدر الذي يُحطُّ عنه أو يبذل له.
. لم يفسخ؛ لأن عليه مثله، ولا يحصل التقاص؛ لأن للسيد أن يؤتيه من غيره، لكن يرفع المكاتب الأمر إلى الحاكم: ليفصل بينهما بطريقة.
ويرد على حصره الاستثناء: ما إذا امتنع المكاتب من الأداء مع القدرة.
. فإن للسيد

الجزء: 4 - الصفحة: 598

وَجَائِزَةٌ لِلْمُكَاتَبِ، فَلَهُ تَرْكُ الأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَفَاءٌ، فَإِذَا عَجَّزَ نَفْسَهُ. . فَلِلسَّيِّدِ الصَّبْرُ وَالْفَسْخُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ. . بِالْحَاكِمِ، وَلِلْمُكَاتَبِ الْفَسْخُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ اسْتَمْهَلَ الْمُكَاتبُ عِنْدَ حُلُولِ النَّجْمِ. . اسْتُحِبَّ إِمْهَالُهُ، فَإِنْ أَمْهَلَ ثُمَّ أَرَادَ الْفَسْخَ. . فَلَهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ عُرُوضٌ. . أَمْهَلَهُ لِيَبيعَهَا، فَإِنْ عَرَضَ كَسَادٌ. . فَلَهُ أَلَّا يَزِيدَ فِي الْمُهْلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا .. أَمْهَلَهُ إِلَى الإِحْضَارِ إِنْ كَانَ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ، وَإِلَّا. . فَلَا.

الفسخ أيضًا، وكذا إذا حلَّ النجم والمكاتب غائب ولم يبعث المال؛ كما سيذكره المصنف.
(وجائزة للمكاتب، فله ترك الأداء وإن كان معه وفاء) لأن الحظَّ فيها له، فأشبه المرتهن.
(فإذا عجز نفسه.
. فللسيد الصبر والفسخ بنفسه، وإن شاء.
. بالحاكم) لأنه فسخ مجمعٌ عليه لا اجتهاد فيه، فلم يشترط فيه الحاكم.
(وللمكاتب الفسخ في الأصح) كما أن للمرتهن أن يفسخ الرهن، والثاني: المنع؛ إذ لا ضرر عليه في بقائها، وجزم به الرافعي في موضع 440. وقد استشكل حكاية الخلاف في أن العبد له الفسخ مع القطع بأن الكتابة جائزة من جهته، وأجيب: بأن معنى جوازها: أنه يعجز نفسه متى شاء، أما تعاطي الفسخ.
. ففيه خلاف، ورد: بأنه خلاف المعروف من العقود الجائزة؛ كالشركة والوكالة.
(ولو استمهل المكاتب عند حلول النجم.
. استحب إمهاله) إعانةً على العتق، (فإن أمهل) السيد (ثم أراد الفسخ.
. فله) لأن الدين لا يتأجل.
وقد غلط من فهم عن المصنف رجوع الضمير للعبد.
(وإن كان معه عروض.
. أمهله ليبيعها) لأنها مدة قريبة، (فإن عرض كساد) أو غيره (. . فله ألا يزيد في المهلة على ثلاثة أيام) لتضرره بذلك.
(وإن كان ماله غائبًا.
. أمهله إلى الإحضار إن كان دون مرحلتين) لأنه بمنزلة الحاضر (وإلا.
. فلا) لطول المدة.

الجزء: 4 - الصفحة: 599

وَلَوْ حَلَّ النَّجْمُ وَهُوَ غَائِبٌ. . فَلِلسَّيِّدِ الْفَسْخُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ. . فَلَيْسَ لِلْقَاضِي الأَدَاءُ مِنْهُ. وَلَا تنفَسِخُ بِجُنُونِ الْمُكَاتبَ، وَيُؤَدِّي الْقَاضِي إِنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا، وَلَا بِجُنُونِ السَّيِّدِ، وَيَدْفَعُ إِلَى وَلِيِّهِ، وَلَا يَعْتِقُ بِالدَّفع إِلَيْهِ. وَلَوْ قَتَلَ سَيِّدَهُ. . فَلِوَارثهِ قِصَاصٌ، فَإِنْ عَفَا عَلَى دِيَةٍ أَوْ قَتَلَ خَطَأً. . أَخَذَهَا مِمَّا مَعَهُ،

(ولو حل النجم وهو) أي: المكاتب (غائب.
. فللسيد الفسخ) لتعذر الوصول إلى الغرض، وكان من حق المكاتب أن يحضر أو يبعث المال، ولا يجب التأخير؛ لكون الطريق مخوفًا والمكاتب مريضًا.
(ولو كان له مال حاضر.
. فليس للقاضي الأداء منه) ويمكن السيد من الفسخ؛ لأنه ربما عجز نفسه لو كان حاضرًا وامتنع من الأداء.
(ولا تنفسخ) الكتابة الصحيحة (بجنون المكاتب) لأن ما كان لازمًا من أحد الطرفين لا ينفسخ بجنون أحد المتعاقدين؛ كالرهن، وإنما يفسخ بالجنون: العقود الجائزة من الطرفين؛ كالوكالة.
(ويؤدي القاضي إن وجد له مالًا) لأن المجنون ليس أهلًا للنظر لنفسه فناب الحاكم عنه، بخلاف الغائب الذي له مال حاضر؛ لبقاء أهليته، كذا أطلقوه 441، وقيده القاضي بما إذا رأى مصلحته في الحرية، فإن رأى أنه يضيع بها.
. لم يؤد، قال الرافعي: وهو جيد، لكنه قليل النفع مع قولنا: إن السيد إذا وجد له مالًا.
. يستقل بأخذه، إلا أن يقال: إن الحاكم يمنعه من الأخذ والحالة هذه 442. (ولا بجنون السيد) للزومها من جهته، (ويدفع) المكاتب النجوم (إلى وليه) لأنه نائب عنه شرعًا، (ولا يعتق بالدفع إليه) لأن قبضه فاسد وللمكاتب استرداده؛ لأنه ملكه، ولو تلف في يده.
. فلا ضمان؛ لتقصيره بالتسليم إليه.
(ولو قتل) المكاتب (سيده) عمدًا (. . فلوارثه قصاص، فإن عفا على دية، أو قتل خطأ.
. أخذها) أي: الدية (مما معه) لأن السيد مع المكاتب في المعاملات

الجزء: 4 - الصفحة: 600

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ. . فَلَهُ تَعْجِيزُهُ فِي الأَصَحِّ. أَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ. . فَاقْتِصَاصُهُ وَالدِّيَةُ كَمَا سَبَقَ. وَلَوْ قَتَلَ أَجْنَبيًّا أَوْ قَطَعَهُ فَعُفِيَ عَلَى مَالٍ أَوْ كَانَ خَطَأً. . أَخَذَ مِمَّا مَعَهُ وَمِمَّا سَيَكْسِبُهُ الأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَالأَرْشِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ وَسَأَلَ الْمُسْتَحِقُّ تَعْجِيزَهُ. . عَجَّزَهُ الْقَاضِي وَبِيعَ بِقَدْرِ الأَرْشِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ

كالأجنبي مع الأجنبي، فكذلك في الجناية، وللمكاتب صرف ماله في مصلحته وهذا من أعظم المصالح.
وظاهره: وجوب الدية بالغة ما بلغت، ورجحه البُلْقيني، وحكاه عن "الأم" و"المختصر"، والذي في "الشرح" و"الروضة": وهل يجب تمام الأرش أو أقل الأمرين من قيمته وأرش الجناية؛ فيه القولان في الجناية على الأجنبي، وقضيته: أن الراجح: وجوب الأقل 443. (فإن لم يكن) في يده مال أو كان ولا يفي بالأرش (. . فله تعجيزه في الأصح) لأنه يستفيد به رده إلى محض الرق، والثاني: لا؛ لأنه إذا عجز.
. سقط الأرش؛ إذ لا يثبت للسيد على عبده دين، بخلاف ما إذا عجزه الأجنبي.
. فإن الأرش يتعلق برقبته.
(أو قطع طرفه.
. فاقتصاصه والدية كما سبق) في قتله لسيده، وقد مرَّ ما فيه.
(ولو قتل أجنبيًّا أو قطعه) عمدًا (فعفي على مال، أو كان خطأً.
. أخذ مما معه ومما سيكسبه الأقل من قيمته والأرش) لأنه منع نفسه من البيع بالكتابة، فلزمه الأقل؛ كالسيد في أم الولد.
والفرق بين هذه وجنايته على سيده على ما في "الكتاب": أن حقَّ السيد متعلق بذمته دون رقبته؛ لأنها ملكه، وإذا كانت في ذمته.
. وجب جميع الأرش مما في يده؛ كدين المعاملة، بخلاف جنايته على الأجنبي.
(فإن لم يكن معه شيء وسأل المستحق تعجيزه.
. عجَّزه القاضي وبيع بقدر الأرش) إن زادت قيمته عليه؛ لأنه القدر المحتاج إليه في الفداء، (فإن بقي منه

الجزء: 4 - الصفحة: 601

شَيْءٌ. . بَقِيَتْ فِيهِ الْكِتَابَةُ، وَلِلسَّيِّدِ فِدَاؤُهُ وَإِبْقَاؤُهُ مُكَاتبًا. وَلَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ أَوْ أَبْرَأَهُ. . عَتَقَ وَلَزِمَهُ الْفِدَاءُ. وَلَوْ قُتِلَ الْمُكَاتَبُ. . بَطَلَتْ وَمَاتَ رَقِيقًا، وَلِسَيِّدِهِ قِصَاصٌ عَلَى قَاتِلِهِ الْمُكَافِئِ، وَإِلَّا. . فَالْقِيمَةُ. وَيَسْتَقِلُّ بِكُلِّ تَصرُّفٍ لَا تَبَرُّعَ فِيهِ وَلَا خَطَرَ، وَإِلَّا. . فَلَا، وَيَصِحُّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ. . صَحَّ؛

شيء.
. بقيت فيه الكتابة) فإذا أدى حصته من النجوم.
. عتق ذلك القدر، (وللسيد فداؤه وإبقاؤه مكاتبًا) على حاله؛ لما فيه من الجمع بين حقوق الثلاثة، وعلى مستحق الأرش القبول على المذهب، ويفديه بأقل الأمرين.
(ولو أعتقه بعد الجناية، أو أبرأه.
. عتق ولزمه الفداء) لأنه فوَّت عليه الرقبة؛ كما لو قتله.
(ولو قتل المكاتب.
. بطلت) كتابته (ومات رقيقًا) لفوات محلها، وللسيد ما يتركه بحكم الملك لا الإرث، (ولسيده قصاص على قاتله المكافئ) لبقائه على ملكه، (وإلا) أي: وإن لم يكن القاتل مكافئًا (. . فالقيمة) لأنها جناية على عبده، هذا كله إذا قتله أجنبي، فإن قتله سيده.
. فليس عليه سوى الكفارة، قاله في "المحرر" 444. (ويستقل بكل تصرف لا تبرع فيه ولا خطر) كالبيع والشراء والإجارة بثمن المثل؛ لأن مقصود عقد الكتابة تحصيل العتق، وهو إنما يحصل بالكسب فمكن من جهات الكسب، (وإلا) أي: وإن كان في التصرف تبرع؛ كالهبة، أو خطر؛ كالبيع نسيئة (. . فلا) يستقل به.
(ويصح بإذن سيده في الأظهر) لأن المنع إنما كان لحقه وقد رضي به؛ كالمرتهن، والثاني: لا؛ لأنه ناقص الملك، والسيد لا يملك ما في يده فلا يصح باجتماعهما؛ كالأخ يزوج أخته الصغيرة بإذنها.
(ولو اشترى من يعتق على سيده.
. صح) وكان الملك فيه للمكاتب كغيره من العبيد.

الجزء: 4 - الصفحة: 602

فَإِنْ عَجَزَ وَصَارَ لِسَيِّدِهِ.
. عَتَقَ، أَوْ عَلَيْهِ.
. لَمْ يَصِحَّ بِلَا إِذْنٍ، وَبِإِذْنٍ.
. فِيهِ الْقَوْلَانِ، فَإِنْ صَحَّ.
. تَكَاتَبَ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ إِعْتَاقُهُ وَكِتَابَتُهُ بإِذْنٍ عَلَى الْمَذْهَب.

فَصْلٌ [في مشاركة الكتابة الفاسدة الصحيحة]

الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ لِشَرْطٍ أَوْ عِوَضٍ أَوْ أَجَلٍ فَاسِدٍ كَالصَّحِيحَةِ فِي اسْتِقْلَالِهِ بِالْكَسْبِ وَأَخْذِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ وَمَهْرِ شُبْهَةٍ، وَفِي أَنَّهُ يَعْتِقُ

(فإن عجز وصار لسيده.
. عتق) على سيده؛ لدخوله في ملكه (أو) اشترى من يعتق (عليه) لو كان حرًّا (. . لم يصح بلا إذن) لما فيه من ضرر الإنفاق عليه وعدم التصرف فيه، (وبإذن.
. فيه القولان) في تبرعاته بالإذن، ومقتضاه: الصحة كما سلف.
(فإن صح.
. تكاتب عليه) فيتبعه رقًّا وعتقًا (ولا يصح إعتاقه وكتابته بإذن على المذهب) إذا صححنا تبرعاته بالإذن.
. فههنا قولان: أصحهما: المنع؛ لأنهما يعقبان الولاء، وليس هو من أهله، والثاني: يصح؛ عملًا بالإذن، ويوقف الولاء، والطريق الثاني: القطع بالأول، ويصح نكاحه بالإذن على المذهب.


(فصل: الكتابة الفاسدة لشرط أو عوض أو أجل فاسد كالصحيحة في استقلاله بالكسب) لأنه يعتق فيها بالأداء؛ كالصحيحة، والأداء إنما يكون من الكسب، فتكون بمنزلة الصحيحة فيه، فيمكن من التصرف والتردد ليؤدي المسمى ويعتق، وليس لنا عقد فاسد يملك به كالصحيح إلا هذا.
وقوله: (فاسد) يعود إلى الثلاث، وإنما قيد الفساد بهذه الأمور الثلاثة؛ لأنه إذا كان الخلل فيها بغير هذه الثلاثة؛ بأن كان السيد غير مكلف أو مكرهًا أو كان العبد كذلك.
. فهي باطلة لا فاسدة.
وشرط العوض الفاسد: أن يكون مقصودًا؛ كخمر، فإن لم يكن مقصودًا؛ كالدم والحشرات.
. فهي باطلة.
(وأخذ أرش الجناية عليه ومهر شبهة) لأنه في معنى الاكتساب، (وفي أنه يعتق

الجزء: 4 - الصفحة: 603

بالأَدَاءِ وَيَتبعُهُ كَسْبُهُ، وَكَالتَّعْلِيقِ فِي أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِإِبْرَاءٍ، وَتبطُلُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِرَقَبَتِهِ، وَلَا يُصْرَفُ إِلَيْهِ سَهْمُ الْمُكَاتبَينَ، وَتُخَالِفُهُمَا فِي أَنَّ لِلسَّيِّدِ فَسْخَهَا، وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَا يَأْخُذُهُ، بَلْ يَرْجِعُ الْمُكَاتَبُ بِهِ إِنْ كَانَ مُتَقَوَّمًا، وَهُوَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْعِتْقِ، فَإِنْ تَجَانَسَا

بالأداء) إلى السيد؛ لوجود الصفة، (ويتبعه كسبه) الحاصل بعد التعليق إذا عتق؛ لأنها جعلت كالصحيحة في العتق فكذا في الكسب، وكذا أولاده على المذهب.
(وكالتعليق) بسائر الصفات (في أنه لا يعتق بإبراء) عن النجوم، ولا بأداء الغير عنه؛ لعدم حصول الصفة.
(وتبطل بموت السيد) فلا يعتق بالأداء إلى الوارث بعد الموت، بخلاف الصحيحة، فإنها لا تبطل به، والفرق: أن الفاسدة جائزة من الجانبين، بخلاف الصحيحة، (وتصح الوصية برقبته) وإن ظنَّ صحة الكتابة في الأظهر؛ كما لو باع ما ظنه لغيره وهو له.
(ولا يصرف إليه سهم المكاتبين) لأنها غير لازمة والقبض فيها غير موثوق به.
(وتخالفهما) أي: تخالف الكتابة الصحيحة وتعليق العتق بصفة معًا (في أن للسيد فسخها) بالفعل؛ كالبيع، وبالقول؛ كـ (أبطلت كتابة هذا العبد) أو (فسختها)، فإذا فسخها ثم أدى المسمى.
. لم يعتق؛ لأنه وإن كان تعليقًا .. فهو في ضمن معاوضة، فإذا ارتفعت المعاوضة.
. ارتفع ما تضمنته من التعليق، وقيل: لا سبيل إلى إبطالها بالقول؛ لأنها قول، والصحيح: الأول؛ لأن المسمى فيها لم يسلم للسيد، فكان له الفسخ؛ دفعًا للضرر.
(وأنه) أي: السيد (لا يملك ما يأخذه) لفساد العقد (بل يرجع المكاتب به إن كان متقومًا) أي: له قيمة، بخلاف الخمر ونحوه، هذا إذا كان باقيًا، فإن تلف.
. رجع بمثله أو قيمته، (وهو عليه) أي: ويرجع السيد على المكاتب (بقيمته) لأن فيها معنى المعاوضة وقد تلف المعقود عليه بالعتق؛ فهو كما لو تلف المبيع بيعًا فاسدًا في يد المشتري يرجع على البائع بما أدى، ويرجع البائع عليه بالقيمة (يوم العتق) لأنه يوم التلف (فإن تجانسا) أي: أنفق ما يرجع به العبد، وما يستحقه السيد عليه في

الجزء: 4 - الصفحة: 604

فَأَقْوَالُ التَّقَاصِّ، وَيَرْجِعُ صاحِبُ الْفَضْلِ بِهِ. قُلْتُ: أَصَحُّ أَقْوَالِ التَّقَاصِّ: سُقُوطُ أَحَدِ الدَّيْنَيْنِ بِالآخَرِ بِلَا رِضًا، وَالثَّانِي: بِرِضاهُمَا، وَالثَّالِثُ: بِرِضا أَحَدِهِمَا، وَالرَّابِعُ: لَا يَسْقُطُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ فَسَخَهَا السَّيِّدُ. . فَلْيُشْهِدْ، فَلَوْ أَدَّى الْمَالَ فَقَالَ السَّيِّدُ: كُنْتُ فَسَخْتُ فَأَنْكَرَهُ. . صُدِّقَ الْعَبْدُ بيَمِينِهِ، وَالأَصَحُّ: بُطْلَانُ الْفَاسِدَةِ بِجُنُونِ السَّيِّدِ وَإِغْمَائِهِ وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ، لَا بِجُنُونِ الْعَبْدِ، وَلَوِ ادَّعَى كِتَابَةً فَأَنْكَرَهُ سَيِّدُهُ أَوْ وَارِثُهُ. . صُدِّقَا، وَيَحْلِفُ الْوَارِثُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ.

الجنس والنوع والحلول والأجل (. . فأقوال التقاص) الآتية على الأثر.
(ويرجع صاحب الفضل به) إن فضل له شيء؛ كالبيع الفاسد، وتخالف الفاسدة الصحيحة في مسائل آخر، وصلها شيخنا في "نكته" إلى نحو من ستين مسألة.
(قلت: أصح أقوال التقاص: سقوط أحد الدينين بالآخر بلا رضًا) لأن مطالبة أحدهما الآخر بمثل ما عليه عنادٌ لا فائدة فيه، (والثاني: برضاهما) لأنه إبدال ذمة بذمة؛ فأشبه الحوالة لا بد فيها من رضا المحيل والمحتال، (والثالث: برضا أحدهما) لأن للمديون أن يقضي من حيث شاء، فإذا رضي أحدهما.
. فقد وجد القضاء منه، (والرابع: لا يسقط، والله أعلم) وإن تراضيا؛ لأنه في حكم المعاوضة؛ كإبدال الدين بالدين وهو منهي عنه.
(فإن فسخها السيد.
. فليشهد) احتياطًا لا وجوبًا؛ خوف النزاع، (فلو أدى المال فقال السيد: "كنت فسخت") قبل أن تؤدي (فأنكره) أي: أنكر العبد أصل الفسخ، أو كونه قبل الأداء (. . صدق العبد بيمينه) لأن الأصل عدم الفسخ.
(والأصح: بطلان الفاسدة بجنون السيد وإغمائه والحجر عليه) بسفه (لا بجنون العبد) لأن الحظَّ في الكتابة له لا للسيد، والثاني: بطلانهما بجنونهما؛ لجوازها من الطرفين؛ كالوكالة، والثالث: لا فيهما؛ لأن المغلب فيها التعليق، وهو لا يبطل بالجنون.
(ولو ادعى كتابة فأنكره سيده أو وارثه.
. صدقا) عملًا بالأصل، (ويحلف الوارث على نفي العلم) والسيد على البتِّ؛ جريًا على القاعدة فيهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 605

وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ النُّجُومِ أَوْ صِفَتِهَا. . تَحَالَفَا، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ مَا يَدَّعِيهِ. . لَمْ تنفَسِخِ الْكِتَابَةُ فِي الأَصَحِّ، بَلْ إِنْ لَمْ يَتَّفِقَا. . فَسَخَ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ وَقَال الْمُكَاتبُ: (بَعْضُ الْمَقْبُوضِ وَدِيعَةٌ). . عَتَقَ، وَرَجَعَ هُوَ بِمَا أَدَّى، وَالسَّيِّدُ بقِيمَتِهِ، وَقَدْ يَتَقَاصَّانِ. وَلَوْ قَال: (كَاتَبْتُكَ وَأَنَا مَجْنُونٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيَّ) فَأَنْكَرَ الْعَبْدُ. . صُدِّقَ السَّيِّدُ إِنْ عُرِفَ سَبْقُ مَا ادَّعَاهُ، وَإِلَّا. . فالْعَبْدُ. وَلَوْ قَالَ: (وَضَعْتُ عَنْكَ النَّجْمَ الأَوَّلَ)، أَوْ قَالَ: (الْبَعْضَ)، فَقَالَ: (بَلِ الآخِرَ) أَوِ (الْكُلَّ). . صُدِّقَ السَّيِّدُ

(ولو اختلفا في قدر النجوم) أي: في مقدار ما يؤدى في كل نجم (أو صفتها.
. تحالفا) كما في البيع وغيره، كما سلف.
(ثم) بعد التحالف (إن لم يكن قبض ما يدعيه) السيد (. . لم تنفسخ الكتابة في الأصح) قياسًا على البيع (بل إن لم يتفقا.
. فسخ القاضي)، والثاني: تنفسخ، وهو كالخلاف السالف في اختلاف المتبايعين.
وقضية كلامه: تعيين القاضي للفسخ، والأصح في التحالف: أنه لا يتعين، بل هما أو أحدهما أو القاضي، قال الزركشي: والفرق: أن الفسخ هنا غير منصوص عليه، بل مجتهد فيه فأشبه العنة.
(وإن كان قبضه) أي: قبض السيد ما ادعاه بتمامه (وقال المكاتب: "بعض المقبوض وديعة") يعني: أودعته إياه ولم أدفعه عن جهة الكتابة (. . عتق) لاتفاقهما على وقوع العتق على التقديرين (ورجع هو) أي: المكاتب (بما أدى، والسيد بقيمته) أي: قيمة العبد؛ لأنه لا يمكن رد العتق، (وقد يتقاصان) إذا وجد شرطه السابق.
(ولو قال: "كاتبتك" وأنا مجنون، أو محجور علي" فأنكر العبد) وقال: (بل كنت كاملًا) (. . صدق السيد) بيمينه (إن عرف سبق ما ادعاه) لقوة جانبه بذلك، (وإلا) أي: وإن لم يعرف سبقه (. . فالعبد) لضعف جانب السيد حينئذ، والأصل: عدم ما ادعاه.
(ولو قال: "وضعت عنك النجم الأول" أو قال: "البعض"، فقال: "بل الآخر" أو "الكل".
. صدق السيد) بيمينه؛ لأنه أعرف بإرادته.

الجزء: 4 - الصفحة: 606

وَلَوْ مَاتَ عَنِ ابْنَيْنِ وَعَبْدٍ فَقَالَ: (كَاَتبَنِي أَبُوكُمَا) فَإِنْ أَنْكَرَا. . صُدِّقَا، وَإِنْ صَدَّقَاهُ. . فَمُكَاتَبٌ، فَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ. . فَالأَصَحُّ: لَا يَعْتِقُ، بَلْ يُوقَفُ، فَإِنْ أَدَّى نَصِيبَ الآخَرِ. . عَتَقَ كُلُّهُ وَوَلَاؤُهُ لِلأَب، وَإِنْ عَجَزَ. . قُوّمَ عَلَى الْمُعْتِقِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِلَّا. . فَنَصِيبُهُ حُرٌّ، وَالْبَاقِي قِنٌّ لِلآخَرِ. قُلْتُ: بَلِ الأَظْهَرُ: الْعِتْقُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا. . فَنَصِيبُهُ مُكَاتَبٌ، وَنَصِيبُ الْمُكَذّبِ قِنٌّ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُصَدِّقُ. . فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا.

(ولو مات عن ابنين وعبد، فقال: "كاتبني أبوكما" فإن أنكرا.
. صدقا) بيمينهما على نفي العلم بكتابة الأب، لأن الأصل معهما، (وإن صدقاه.
. فمكاتب) عملًا بقولهما.
(فإن أعتق أحدهما نصيبه.
. فالأصح: لا يعتق) لعدم تمام ملكه، وهذا ما رجحه البغوي 445 (بل يوقف، فإن أدى نصيب الآخر.
. عتق كله وولاؤه للأب) لأنه عتق بحكم الكتابة، ثم ينتقل إليهما بالعصوبة.
(وإن عجز.
. قوم على المعتق إن كان موسرًا) وولاء الجميع له وبطلت كتابة الأب، (وإلا) أي: وإن كان معسرًا (. . فنصيبه) الذي أعتقه (حر، والباقي قن للآخر) لتعذر السراية بالإعسار، (قلت: بل الأظهر: العتق) في الحال؛ كما لو كاتبا عبدًا وأعتق أحدهما نصيبه، (والله أعلم) قال في "الروضة": وهذا هو المذهب الذي قطع به الأصحاب 446، وقال الرافعي: إنه المشهور الذي أطلقه عامة الأصحاب 447. (وإن صدقه أحدهما.
. فنصيبه مكاتب) مؤاخذةً له بإقراره، ولا يضرُّ التشقيص لأجل الحاجة، (ونصيب المكذب قن) لأن القول قوله بيمينه.
(فإن أعتقه المصدق.
. فالمذهب: أنه يقوَّم علبه إن كان موسرًا) طريقة الأكثرين فيه: حكاية قولين، ومنهم من قطع بالسراية في الحال، لأن منكر الكتابة يقول: هو رقيق لهما، فإذا أعتق صاحبه.
. ثبتت السراية.


الجزء: 4 - الصفحة: 607

كتابُ أمّهات الأولاد إِذَا أَحْبَلَ أَمَتَهُ فَوَلَدَتْ حَيًّا أَوْ مَيْتًا أَوْ مَا تَجِبُ فِيهِ غُرَّةٌ. . عَتَقَتْ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، أَوْ أَمَةَ غَيْرِهِ بِنِكَاحٍ. . فالْوَلَدُ رَقِيقٌ -وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ إِذَا مَلَكَهَا-

﴿كتاب أمهات الأولاد﴾ الأصل فيه: قوله صلى الله عليه وسلم في مارية القبطية حين ولدت إبراهيم رضي الله عنه: "أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا" رواه ابن حزم والحاكم، وقالا: صحيح الإسناد 448. (إذا أحبل أمته فولدت حيًّا أو ميتًا أو ما تجب فبه غرة.
. عتقت بموت السيد) أما في الحي والميت.
. فلِما رواه ابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا.
. فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتهِ"، وقال الحاكم صحيح الإسناد 449. وأما في موجب الغرة.
. فلما رواه البيهقي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في أم الولد: (أعتقها ولدها وإن كان سقطًا) 450. والمراد بما تجب به الغرة: ما قرره في بابه من كونه إذا ألقت قطعة لحم قال القوابل فيه صورة خفية لا يعرفها إلا أهل الخبرة، فإن قال القوابل: لو بقي.
. لتصور؛ فلا استيلاد على الأصح كما لا غرة.
(أو أمة غيره بنكاح) أو زنًا (. . فالولد رقيق) لسيدها؛ لأن الولد يتبع الأم في الرق والحرية.
نعم؛ يستثنى: ما إذا نكح أمة غُرَّ بحريتها.
. فإن الولد حرٌّ، كما ذكره في (الخيار في النكاح).
(ولا تصير) الجارية (أم ولد إذا ملكها) لأن أمومة الولد إنما تثبت لها تبعًا لحرية

الجزء: 4 - الصفحة: 609

أَوْ بِشُبْهَةٍ. . فَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ إِذَا مَلَكَهَا فِي الأَظْهَرِ. وَلَهُ وَطْءُ أُمِّ الْوَلَدِ وَاسْتِخْدَامُهَا وَإِجَارَتُهَا وَأَرْشُ جِنَايَةٍ عَلَيْهَا، وَكَذَا تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا فِي الأَصَحِّ. وَيَحْرُمُ بَيْعُهَا

الولد، وهو هنا رقيق، وكذا الحكم فيما لو ملكها وهي حامل منه لكن يعتق عليه؛ لأنه ملك ولده، ذكره في "المحرر" 451، (أو بشبهة.
. فالولد حر) عملًا بظنه، هذا إذا ظنها زوجته الحرة أو أمته؛ كما قيده في "المحرر" 452، فلو ظنها زوجته الأمة.
. فالولد رقيق.
(ولا تصير أم ولد إذا ملكها في الأظهر) لأنها علقت به في غير ملكه؛ فأشبه ما لو علقت به في النكاح، والثاني: تصير؛ لأنها علقت منه بحُرٍّ.
(وله وطء أم الولد) التي يباح له وطؤها مثل الاستيلاد؛ لقول عمر رضي الله عنه: (أيُّما وليدةٍ ولدت من سيدها؛ فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يورثها، ويستمتع بها فإذا مات.
. فهي حرة) رواه مالك في "الموطأ" 453، (واستخدامها وإجارتها وأرش جناية عليها) وعلى أولادها التابعين لها؛ لبقاء ملكه عليها، (وكذا تزويجها بغير إذنها في الأصح) لأنه يملك الرقبة والمنفعة؛ كالمدبرة، والثاني: لا بد من إذنها؛ كالمكاتبة.
وكان ينبغي التعبير بالأظهر؛ كما فعل في "الروضة" 454 فإن الخلاف قولان؛ كما ذكره الرافعي وغيره 455. (ويحرم بيعها) إذا لم يتعلق بعينها حق ولا يصح؛ لما روي عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أُمُّ الْوَلَدِ لَا تُبَاعُ وَتَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا" 456.

الجزء: 4 - الصفحة: 610

وَرَهْنُهَا وَهِبَتُهَا. وَلَوْ وَلَدَتْ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا. . فَالْوَلَدُ لِلسَّيِّدِ يَعْتِقُ بِمَوْتهِ كَهِيَ، وَأَوْلَادُهَا قَبْلَ الاسْتِيلَادِ مِنْ زِنًا أَوْ زَوْجٍ لَا يَعْتِقُونَ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، وَلَهُ بَيْعُهُمْ، وَعِتْقُ الْمُسْتَوْلَدَةِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.

نعم؛ له بيعها من نفسها؛ لأنه عقد عتاقة في الحقيقة، قاله القفال، وأقرّاه 457. (ورهنها وهبتها) لأن الهبة نقل الملك إلى الغير، والرهن تسليط عليه؛ فأشبه البيع.
(ولو ولدت من زوج أو زنا) بعد الاستيلاد (. . فالولد للسيد يعتق بموته كهي) لأن الولد يتبع أمه في الرق والحرية فكذا في سببها اللازم.
ولو قال: (حكمه حكم أمه).
. لكان أولى؛ ليشمل منع البيع وغيره من الأحكام.
وقوله: (بموته) قد يقتضي أنه لو نجز عتقها.
. لا يعتق الولد وهو كذلك، بخلاف ولد المكاتبة.
(وأولادها قبل الاستيلاد من زنا أو زوج لا يعتقون بموت السيد، وله بيعهم) لحدوثهم قبل ثبوت الحرية للأم، (وعتق المستولدة من رأس المال) مقدمًا على الديون والوصايا؛ لأنه إتلافٌ حصل بالاستمتاع فأشبه الإتلاف بالأكل واللبس 458.


وهذا آخر ما يسره الله تعالى من كتابة هذا الشرح المختصر، فالله تعالى يجعله خالصًا لوجهه، وأن ينفع به مؤلفه وكاتبه وقارئه والناظر فيه بفضله وكرمه، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل 459.

الجزء: 4 - الصفحة: 611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وافق الفراغ من نسخ هذا الشرح المبارك ثالث عشر جمادى الآخر من شهور (سنة أربع وخمسين وثمان مئة) أحسن الله تقضيها، على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه وغفرانه محمد بن حسن بن أحمد بن حسن الناسخ، الكركي مولدًا، الدمشقي منشأ، الشافعي مذهبًا، غفر الله له ولوالديه وللمسلمين آمين.


الجزء: 4 - الصفحة: 612

أهمّ مصادر ومراجع التّحقيق

460

  • إتحاف الزائر وإطراف المقيم للسائر في زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، للإمام الحافظ أبي اليُمْن عبد الصمد بن عبد الوهاب ابن عساكر (ت 686 هـ)، تحقيق حسين محمد علي شكري، ط 1، (1998 م)، دار المدينة المنورة، السعودية.
  • الإجماع، للإمام الفقيه محمد بن إبراهيم المعروف بـ ابن المنذر (ت 318 هـ)، تحقيق الدكتور صغير أحمد حنيف، ط 1، (2003 م)، دار عالم الكتب، السعودية.
  • الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة، وعليه التعليقات الحافلة على الأجوبة الفاضلة، للعلامة محمد عبد الحي اللكنوي الهندي (ت 1304 هـ)، بقلم الشيخ عبد الفتاح أبو غدة (ت 1417 هـ)، ط 4، (1997 م)، دار السلام، مصر.
  • الأحاديث الطوال، للإمام الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360 هـ)، حققه حمدي عبد المجيد السلفي، ط 2، (1998 م)، المكتب الإسلامي، لبنان.
  • الأحاديث المختارة، أو "المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما"، للإمام الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي (ت 643 هـ)، تحقيق الدكتور عبد الملك عبد الله بن دهيش، ط 4، (2001 هـ)، دار خضر، لبنان.
  • الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، المسمى: "المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها"، للإمام الحافظ علي بن بَلبان الفارسي المصري (ت 739 هـ)، تحقيق شعيب الأرناؤوط، ط 3، (1997 م)، مؤسسة الرسالة، لبنان.

الجزء: 4 - الصفحة: 613

  • إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام من كلام خير الأنام صلى الله عليه وآله وسلم، للحافظ الفقيه محمد بن علي المعروف بـ ابن دقيق العيد (ت 702 هـ)، حققه حسن أحمد إسبر، ط 1، (2002 م)، دار ابن حزم، لبنان.
  • الأحكام السلطانية والولايات الدينية، للإمام الفقيه الأصولي المفسر علي بن محمد بن حبيب الماوردي (ت 450 هـ)، تحقيق خالد عبد اللطيف السبع العلمي، ط 3، (1999 م)، دار الكتاب العربي، لبنان.
  • الإحكام في أصول الأحكام، للعلامة الفقيه علي بن محمد الآمدي (ت 467 هـ)، تحقيق عبد المنعم إبراهيم، ط 1، (2000 م)، مكتبة نزار مصطفى الباز، السعودية.
  • إحياء علوم الدين، لحجة الإسلام محمد بن محمد بن محمد الغزالي (ت 505 هـ)، وبذيله: "المغني عن حمل الأسفار في الأسفار" للعراقي (ت 806 هـ)، ط 1، (1982 م)، طبعة مصورة لدى دار المعرفة، لبنان.
  • أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، للإمام المؤرخ محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي (ت 250 هـ)، تحقيق الدكتور علي عمر، ط 1، (2004 م)، مكتبة الثقافة الدينية، مصر.
  • أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه، للإمام الحافظ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بـ أبي الشيخ (ت 369 هـ)، تحقيق الدكتور محمد الإسكندراني، ط 1، (2007 م)، دار الكتاب العربي، لبنان.
  • الأدب المفرد، لإمام الدنيا الحافظ محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري (ت 256 هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط 4، (997 ام)، نسخة مصورة لدى دار البشائر الإسلامية عن طبعة المكتبة السلفية، لبنان.
  • الأذكار من كلام سيد الأبرار، المسمى: "حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار المستحبة في الليل والنهار"، للإمام الحافظ المجتهد يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)، عني به صلاح الدين الحمصي وعبد اللطيف عبد اللطيف ومحمد شعبان، ط 1، (2005 م)، دار المنهاج، السعودية.

الجزء: 4 - الصفحة: 614

  • الاستذكار الجامع لمذهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه "الموطأ" من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار، للإمام الحافظ يوسف بن عبد الله النمري المعروف بـ ابن عبد البر (ت 463 هـ)، وثق أصوله الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي، ط 1، (1993 م)، دار قتيبة ودار الوعي، سورية.
  • الأسماء والصفات، للإمام الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي (ت 458 هـ)، بدون تاريخ، طبعة مصورة لدى دار الكتب العلمية، لبنان.
  • الإشراف على مذاهب العلماء، للإمام الفقيه محمد بن إبراهيم المعروف بـ ابن المنذر (ت 318 هـ)، تحقيق الدكتور أبو حماد صغير الأنصاري، ط 1، (2004 م)، مكتبة مكة الثقافية، الإمارات العربية المتحدة.
  • الإعلام، وهو قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، للأديب الكبير خير الدين بن محمود بن محمد الزِّرِكلي (ت 1396 هـ)، ط 12، (1997 م)، دار العلم للملايين، لبنان.
  • الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، للإمام الفقيه محمد بن أحمد الخطيب الشربيني (ت 977 هـ)، تحقيق الشيخ عبد الرحمن الكشك، ط 1، (2002 م)، دار الخير، سورية.
  • إكمال المعلم بفوائد مسلم، للإمام القاضي عياض بن موسى اليحصبي (ت 544 هـ)، تحقيق الدكتور يحيى إسماعيل، ط 2، (2004 م)، دار الوفاء، مصر.
  • الأم، لإمام الدنيا محمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ)، تحقيق الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب، ط 1، (2001 م)، دار الوفاء، مصر.
  • الإمام في معرفة أحاديث الأحكام، للحافظ الفقيه محمد بن علي المعروف بـ ابن دقيق العيد (ت 702 هـ)، تحقيق سعد آل حميِّد، ط 1، (1420 هـ)، دار المحقق، السعودية.
    -إنباء الغُمْر بأنباء العُمْر، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، تحقيق الدكتور حسن حبشي، ط 1، (1998 م)، وزارة الأوقاف، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، مصر.

الجزء: 4 - الصفحة: 615

  • الأنوار لأعمال الأبرار، للإمام الفقيه يوسف بن إبراهيم الأردبيلي (ت 776 أو 799)، ط 1، (1969 م)، مؤسسة الحلبي، مصر.
  • الإيضاح في مناسك الحج والعمرة، للإمام الحافظ المجتهد يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)، عني به عبد الفتاح حسين راوه المكي، ط 2، (1994 م)، دار البشائر الإسلامية والمكتبة الإمدادية، لبنان والسعودية.
  • البحر الرائق شرح كنز الدقائق في فروع الحنفية، للإمام الفقيه زين الدين بن إبراهيم بن محمد المعروف بـ ابن نجيم (ت 970 هـ)، ومعه "منحة الخالق على البحر الرائق" للعلامة الفقيه محمد أمين بن عمر المعروف بـ ابن عابدين (ت 1252 هـ)، عني به زكريا عميرات، ط 1، (1997 م)، دار الكتب العلمية، لبنان.
  • البحر الزخار، المسمى: "مسند البزار"، للإمام الحافظ أحمد بن عمرو البزار (ت 292 هـ)، تحقيق الدكتور محفوظ الرحمن زين الله، ط 1، (1988 م)، مكتبة العلوم والحكم، السعودية.
  • بحر المذهب في فروع مذهب الإمام الشافعي، للإمام الفقيه عبد الواحد بن إسماعيل الروياني (ت 502 هـ)، تحقيق أحمد عزو عناية، ط 1، (2002 م)، دار إحياء التراث العربي، لبنان.
  • البداية والنهاية، للإمام الحافظ إسماعيل بن عمر الدمشقي المعروف بـ ابن كثير (ت 774 هـ)، عني به مجموعة من المحققين بإشراف عبد القادر الأرناؤوط والدكتور بشار عواد معروف، ط 1، (2007 م)، دار ابن كثير، سورية.
  • البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، للإمام العلامة محمد بن علي بن محمد الشوكاني (ت 1250 هـ)، تحقيق الدكتور حسين بن عبد الله العمري، ط 1، (1998 م)، دار الفكر، سورية.
  • البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير، للإمام الحافظ عمر بن علي المعروف بـ ابن الملقن (ت 804 هـ)، تحقيق مجموعة من الباحثين، ط 1، (2004 م)، دار الهجرة، السعودية.
  • بستان العارفين، للإمام الحافظ المجتهد يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)، تحقيق محمد الحجار، ط 5، (1999 م)، دار البشائر الإسلامية، لبنان.

الجزء: 4 - الصفحة: 616

  • البيان في مذهب الإمام الشافعي، للعلامة الفقيه يحيى بن أبي الخير سالم العمراني (ت 558 هـ)، عني به قاسم محمد النوري، ط 1، (2000 م)، دار المنهاج، السعودية.
  • تاج العروس من جواهر القاموس، للإمام الكبير الشريف محمد بن محمد الزَّبيدي الحسيني المعروف بـ مرتضى الزبيدي (ت 1205 هـ)، تحقيق عبد الستار أحمد فراج وجماعة من أئمة التحقيق، ط 1، (1385 هـ)، وزارة الإرشاد والأنباء، الكويت.
  • تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، للإمام الحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748 هـ)، تحقيق الدكتور عمر بن عبد السلام تدمري، ط 1، (1987 م)، دار الكتاب العربي، لبنان.
  • التاريخ الكبير، لإمام الدنيا الحافظ محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري (ت 256 هـ)، عني به مصطفى عبد القادر عطا، ط 2، (2008 م)، دار الكتب العلمية، لبنان.
  • تاريخ بغداد، للإمام الحافظ أحمد بن علي المعروف بـ الخطيب البغدادي (ت 463 هـ)، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ط 1، (1997 م)، دار الكتب العلمية، لبنان.
  • تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها، للإمام الحافظ علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بـ ابن عساكر (ت 571 هـ)، تحقيق محب الدين عمر بن غرامة العَمْروي، ط 1، (1995 م)، دار الفكر، لبنان.
  • التبيان في آداب حملة القرآن، للإمام الحافظ المجتهد يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)، تحقيق محمد شادي مصطفى عربش، ط 1، (2005 م)، دار المنهاج، السعودية.
  • تحرير ألفاظ التنبيه أو "لغة الفقه"، للإمام الحافظ المجتهد يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)، تحقيق الشيخ عبد الغني الدقر، ط 1، (1988 م)، دار القلم، سورية.

الجزء: 4 - الصفحة: 617

  • تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف ومعه "النكت الظِّراف على الأطراف" لابن حجر العسقلاني، للإمام الحافظ يوسف بن عبد الرحمن المِزي (ت 742 هـ)، تحقيق عبد الصمد شرف الدين، ط 2، (1983 م)، المكتب الإسلامي والدار القيمة، لبنان والهند.
  • التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة، للإمام الحافظ الناقد محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت 902 هـ)، عني به محمد حامد الفقي، ط 1، (1979 م)، نشر أسعد طرابزوني الحسيني، السعودية.
  • تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج، للإمام الحافظ عمر بن علي المعروف بـ ابن الملقن (ت 804 هـ)، تحقيق عبد الله بن سعاف اللحياني، ط 1، (1986 م)، دار حراء، السعودية.
  • التحقيق، للإمام الحافظ المجتهد يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)، تحقيق عادل عبد الموجود وعلي معوض، ط 1، (1992 م)، دار الجيل، لبنان.
  • تصحيح التنبيه، للإمام الحافظ المجتهد يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)، ويليه "تذكرة النبيه في تصحيح التنبيه"، للإمام الفقيه عبد الرحيم بن الحسين الإسنوي (ت 772 هـ)، تحقيق الدكتور محمد عقلة الإبراهيم، ط 1، (1996 م)، مؤسسة الرسالة، لبنان.
  • التعليقة، للإمام القاضي الحسين بن محمد بن أحمد المرورُّوذي (ت 462 هـ)، تحقيق علي معوض وعادل عبد الموجود، ط 1، بدون تاريخ، مكتبة نزار الباز، السعودية.
  • تفسير ابن عطية، المسمى: "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز"، للإمام الفقيه المفسر عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن الغرناطي المعروف بـ ابن عطية (ت 546 هـ)، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، ط 1، (2001 م)، دار الكتب العلمية، لبنان.
  • تفسير البغوي، المسمى: "معالم التنزيل"، للإمام الحافظ الحسين بن مسعود البغوي (ت 516 هـ)، تحقيق خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار، ط 1، (1986 م)، دار المعرفة، لبنان.

الجزء: 4 - الصفحة: 618

  • تفسير الطبري، المسمى: "جامع البيان عن تأويل آي القرآن"، للإمام العلامة محمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ)، عني به مكتب التحقيق والإعداد العلمي في دار الإعلام، ط 1، (2002 م)، دار ابن حزم ودار الإعلام، لبنان والأردن.
  • تفسير القرآن العظيم، للإمام الحافظ إسماعيل بن عمر الدمشقي المعروف بـ ابن كثير (ت 774 هـ)، تصحيح مجموعة من العلماء، ط 1، (1969 م)، طبعة مصورة لدى دار المعرفة، لبنان.
  • تفسير القرطبي، المسمى: "الجامع لأحكام القرآن"، للإمام المفسر محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي (ت 671 هـ)، تصحيح أحمد عبد العليم البردوني، ط 2، (1985 م)، طبعة مصورة لدى دار إحياء التراث العربي، لبنان.
  • التفسير الكبير، المسمى: "مفاتيح الغيب"، للإمام المفسر فخر الدين محمد بن عمر الرازي (ت 606 هـ)، تصحيح مجموعة من العلماء، ط 3، بدون تاريخ، طبعة مصورة لدى دار إحياء التراث العربي، لبنان.
  • التلخيص الحبير، المسمى: "التمييز في تلخيص تخريج أحاديث شرح الوجيز"، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، عني به الدكتور محمد الثاني موسى، ط 1، (2007 م)، دار أضواء السلف، السعودية.
  • التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، للإمام الحافظ يوسف بن عبد الله النمري المعروف بـ ابن عبد البر (ت 463 هـ)، تحقيق مجموعة من المحققين، ط 1، (1967 م)، وزارة الأوقاف، المغرب.
  • التنبيه في الفقه على مذهب الإمام الشافعي، للإمام العلامة إبراهيم بن علي الشيرازي الفيروذابادي (ت 476 هـ)، وبذيله "مقصد النبيه في شرح خطبة التنبيه" للإمام ابن جماعة، وبهامشه "تصحيح التنبيه" للإمام النووي، ط الطبعة الأخيرة، (1951 م)، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر.
  • تهذيب الأسماء واللغات، للإمام الحافظ يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)، تحقيق عبده علي كوشك، ط 1، (2006 م)، دار الفيحاء ودار المنهل، سورية.
  • تهذيب اللغة، لإمام اللغة والأدب محمد بن أحمد الأزهري (ت 370 هـ)، تحقيق عبد السلام هارون، ط 1، بدون تاريخ، طبعة مصورة لدى دار الصادق، إيران.

الجزء: 4 - الصفحة: 619

  • التهذيب في فقه الإمام الشافعي، للإمام الحافظ الحسين بن مسعود البغوي (ت 516 هـ)، تحقيق عادل عبد الموجود وعلي محمد معوض، ط 1، (1997 م)، دار الكتب العلمية، لبنان.
  • الجامع الصغير من حديث البشير النذير، للإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 هـ)، تحقيق عبد الله محمد الدرويش، ومعه شرح غريب ما في الجامع الصغير، ط 1، (2002 م)، نشره محققه، سورية.
  • الجامع لشعب الإيمان، للإمام الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي (ت 458 هـ)، تحقيق الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، ط 2، (2004 م)، مكتبة الرشد، السعودية.
  • الجواهر المضية في طبقات الحنفية، للإمام الحافظ الفقيه عبد القادر بن محمد بن نصر الله القرشي (ت 775 هـ)، تحقيق الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو، ط 2، (1993 م)، هجر للطباعة والنشر، مصر.
  • الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم، للإمام العلامة أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي (ت 974 هـ)، عني به قصي محمد نورس الحلاق، ط 1، (2007 م)، دار الحاوي ودار السنابل، لبنان وسورية.
  • حاشية الجمل على شرح المنهج، للعلامة الفقيه سليمان بن عمر بن منصور العجيلي المعروف بـ الجمل (ت 1204 هـ)، ط 1، بدون تاريخ، طبعة مصورة لدى دار إحياء التراث العربي، لبنان.
  • الحاوي الصغير، للإمام الفقيه عبد الغفار بن عبد الكريم القزويني (ت 665 هـ)، تحقيق الدكتور صالح محمد اليابس، ط 1، (2009 م)، دار ابن الجوزي، السعودية.
  • الحاوي الكبير، للإمام الفقيه الأصولي المفسر علي بن محمد بن حبيب الماوردي (ت 450 هـ)، تحقيق الدكتور محمود مطرجي، ط 1، (2003 م)، دار الفكر، لبنان.
  • حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، للإمام الحافظ أحمد بن عبد الله المعروف بـ أبي نُعيم الأصبهاني (ت 430 هـ)، ط 5، (1987 م)، طبعة مصورة عن نشرة مطبعة

الجزء: 4 - الصفحة: 620

السعادة والخانجي سنة (1357 هـ) لدى دار الريان للتراث ودار الكتاب العربي، مصر ولبنان.

  • حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء، المسمى: "المستظهري"، لرئيس الشافعية بالعراق محمد بن أحمد بن الحسين الشاشي القفال (ت 507 هـ)، تحقيق الدكتور ياسين أحمد درادكه، ط 1، (1988 م)، دار الباز، السعودية.
  • حياة الإمام النووي، المسمى: "الاهتمام بترجمة الإمام النووي شيخ الإسلام"، للإمام الحافظ الناقد محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت 952 هـ)، عني به الدكتور مصطفى ديب البغا، ط 1، (1997 م)، دار العلوم الإنسانية، سورية.
  • خطط دمشق دراسة تاريخية شاملة، للأستاذ أكرم حسن العلبي، ط 1، (1989 م)، دار الطباع، سورية.
  • الدارس في تاريخ المدارس، للعالم المؤرخ عبد القادر بن محمد النعيمي (ت 927 هـ)، تحقيق جعفر الحسني، ط 1، (1988 م)، مكتبة الثقافة الدينية، مصر.
  • الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، عني به هاشم وأحمد الله ومحمد طه الندوي، ط 1، (1349 هـ)، طبعة مصورة عن نشرة دائرة المعارف بحيدرآباد الدَّكَّن، لبنان.
  • الدقائق على المنهاج، للإمام الحافظ المجتهد يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)، تحقيق إيمان محمد أنور زهراء وثناء خليل الهواري، ط 1، بدون تاريخ، دار العلوم، سورية.
  • دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، للإمام الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي (ت 458 هـ)، تحقيق الدكتور عبد المعطي قلعجي، ط 1، (1988 م)، دار الريان، مصر.
  • ذيل التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد، للإمام محمد بن أحمد الحسني المكي المعروف بـ أبي الطيب التقي الفاسي (ت 832 هـ)، تحقيق محمد صالح بن عبد العزيز المراد، ط 1، (1990 هـ)، جامعة أم القرى، السعودية.

الجزء: 4 - الصفحة: 621

  • ذيل مرآة الزمان، للعلامة المؤرخ موسى بن محمد اليونيني (ت 726 هـ)، عني به وزارة التحقيقات الحكمية الهندية، ط 2، (1992 م)، طبعة مصورة عن نشرة وزارة المعارف بحيدر آباد الدَّكَّن لدى دار الكتاب الإسلامي، مصر.
  • رؤوس المسائل وتحفة طلاب الفضائل، للإمام الحافظ المجتهد يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)، تحقيق الدكتور عبد الرؤوف الكمالي، ط 1، (2007 م)، دار البشائر الإسلامية، لبنان.
  • الرسالة، لإمام الدنيا محمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ)، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر، ط 1، (1939 م)، طبعة مصورة بدون ناشر، لبنان.
  • الروض الأُنُف في شرح سيرة ابن هشام، للإمام الحافظ عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي (ت 581 هـ)، بعناية عمر عبد السلام السلامي، ط 1، (2000 م)، دار إحياء التراث العربي، لبنان.
  • روضة الطالبين وعمدة المفتين، للإمام الحافظ المجتهد يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)، إشراف زهير الشاويش، ط 3، (1991 م)، المكتب الإسلامي، لبنان.
  • رياض الصالحين من كلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد العارفين، للإمام الحافظ المجتهد يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)، عني به مركز دار المنهاج للدراسات والنشر، ط 1، (2006 م)، دار المنهاج، السعودية.
  • الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، للإمام محمد بن أحمد الأزهري (ت 370 هـ)، تحقيق شهاب الدين أبو عمرو، ط 1، (2003 م)، دار الفكر، لبنان.
  • الزهد، للإمام الحافظ أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (ت 241 هـ)، عني به محمد عبد السلام شاهين، ط 1، (1999 م)، دار الكتب العلمية، لبنان.
  • السراج على نكت المنهاج، للإمام القاضي الأديب المحسن بن علي التنوخي (ت 384 هـ)، تحقيق أبو الفضل الدمياطي، ط 1، (2007 م)، مكتبة الرشد، السعودية.
  • سنن ابن ماجه، للإمام الحافظ محمد بن يزيد القزويني المعروف بـ ابن ماجه

الجزء: 4 - الصفحة: 622

(ت 275 هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط 1، (1954 م)، دار إحياء الكتب العربية لصاحبها عيسى البابي الحلبي، مصر.

  • سنن أبي داوود، المسمى: "كتاب السنن"، للإمام الحافظ أبي داوود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت 275 هـ)، تحقيق اللجنة العلمية للدار، ط 1، (1421 هـ)، جمعية المكنز الإسلامي، مصر.
  • سنن الترمذي، المسمى: "الجامع الصحيح"، للإمام الحافظ محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (ت 279 هـ)، تحقيق أحمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وإبراهيم عطوة، ط 1، (1938 م)، طبعة مصورة لدى دار إحياء التراث العربي، لبنان.
  • سنن الدارقطني، للإمام الحافظ علي بن عمر الدارقطني (ت 385 هـ)، وبذيله التعليق المغني على الدارقطني، عني به عبد الله هاشم يماني، ط 1، (1966 م)، طبعة مصورة لدى دار المعرفة، لبنان.
  • السنن الكبرى، للإمام الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي (ت 458 هـ)، بعناية السيد هاشم الندوي، وبذيله الجوهر النقي لابن التركماني، ط 1، (1356 هـ)، طبعة مصورة عن دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد الدكن لدى دار المعرفة، لبنان.
  • السنن الكبرى، للإمام الحافظ أحمد بن شعيب النسائي (ت 303 هـ)، تحقيق حسن عبد المنعم شلبي، ط 1، (2001 هـ)، مؤسسة الرسالة، لبنان.
  • سنن النسائي (المجتبى)، للإمام الحافظ أحمد بن شعيب النسائي (ت 303 هـ)، ومعه "زهر الربى على المجتبى" للسيوطي، وبذيله "حاشية الإمام السندي"، ط 1، (1312 هـ)، نسخة مصورة لدى دار الكتاب العربي عن طبعة المطبعة الميمنية، لبنان.
  • سير أعلام النبلاء (مع السيرة النبوية وسير الخلفاء الراشدين)، للإمام الحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748 هـ)، إشراف شعيب الأرناؤوط، ط 11، (1996 م)، مؤسسة الرسالة، لبنان.
  • السيرة النبوية، للإمام عبد الملك بن هشام الحميري (ت 218 هـ)، تحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، بدون تاريخ، طبعة مصورة لدى دار ابن كثير، سورية.

الجزء: 4 - الصفحة: 623

  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب، للإمام الفقيه عبد الحي بن أحمد المعروف بـ ابن العماد (ت 1089 م)، تحقيق محمود الأرناؤوط، ط 1، (1986 م)، دار ابن كثير، سورية.
  • شرح أدب الكاتب، لإمام الأدب واللغة موهوب بن أحمد بن محمد المعروف بـ أبي منصور الجواليقي (ت 540 هـ)، بتقديم مصطفى صادق الرافعي، بدون تاريخ، دار الكتاب العربي، لبنان.
  • شرح السنة، للإمام الحافظ الحسين بن مسعود البغوي (ت 516 هـ)، تحقيق سعيد اللحام، ط 1، (1994 م)، دار الفكر، لبنان.
  • شرح صحيح مسلم، المسمى: "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج"، للإمام الحافظ المجتهد يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)، (1349 هـ)، طبعة مصورة لدى مكتبة الغزالي، سورية.
  • شرح مسند الشافعي، للإمام الفقيه المحدث عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي (ت 623 هـ)، تحقيق وائل محمد بكر زهران، ط 1، (2007 م)، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر.
  • شرح مشكل الآثار، للإمام الحافظ أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (ت 321 هـ)، تحقيق شعيب الأرناؤوط، ط 1، (1994 م)، مؤسسة الرسالة، لبنان.
  • الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم، للإمام الحافظ الماضي عِيَاض بن موسى اليَحْصُبي (ت 544 هـ)، تحقيق عبده علي كوشك، ط 1، (2000 م)، مكتبة الغزالي ودار الفيحاء، سورية.
  • شفاء السقام في زيارة خير الأنام صلى الله عليه وسلم، للإمام الفقيه علي بن عبد الكافي المعروف بـ تقي الدين السبكي (ت 756 هـ)، عني به حسين محمد علي شكري، ط 1، (2008 م)، دار الكتب العلمية، لبنان.
  • الصحاح، المسمى: "تاج اللغة وصحاح العربية"، للإمام العلامة إسماعيل بن حماد الجوهري (ت 393 هـ)، ومعه حواشي الإمام اللغوي النابه عبد الله بن برِّي (ت 582 هـ) و"الوشاح وتثقيف الرماح في رد توهيم المجد الصحاح" للتادلي، ط 1، (1999 م)، دار إحياء التراث العربي، لبنان.

الجزء: 4 - الصفحة: 624

  • صحيح ابن خزيمة، المسمى: "مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم"، للإمام الحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت 311 هـ)، تحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، ط 3، (2003 م)، المكتب الإسلامي، لبنان.
  • صحيح البخاري، المسمى: "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسننه وأيامه" (الطبعة السلطانية العثمانية)، لإمام الدنيا الحافظ محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري (ت 256 هـ)، عني به الدكتور محمد زهير بن ناصر الناصر، ط 1، (1422 هـ)، دار طوق النجاة، لبنان.
  • صحيح مسلم، المسمى: "الجامع الصحيح"، للإمام الحافظ مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ت 261 هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط 1، (1954 م)، دار إحياء الكتب العربية لصاحبها عيسى البابي الحلبي، مصر.
  • صيد الخاطر، للإمام الحافظ عبد الرحمن بن علي المعروف بـ ابن الجوزي (ت 596 هـ)، تحقيق بشير محمد عيون، ط 1، (2003 م)، مكتبة دار البيان، سورية.
  • الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، للإمام الحافظ الناقد محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت 902 هـ)، عني به محمد جمال القاسمي، ط 1، (1992 م)، طبعة مصورة عن نشرة القاسمي سنة (1313 هـ) لدى دار الجيل، لبنان.
  • طبقات الشافعية الكبرى، للإمام القاضي عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي المعروف بـ تاج الدين السبكي (ت 771 هـ)، تحقيق محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح الحلو، ط 1، (1396 هـ)، طبعة مصورة لدى دار إحياء الكتب العربية، مصر.
  • الطبقات الكبير، للإمام الحافظ المؤرخ محمد بن سعد بن منيع البصري المعروف بـ ابن سعد (ت 230 هـ)، تحقيق الدكتور علي محمد عمر، ط 1، (2001 م)، مكتبة الخانجي، مصر.
  • العزيز شرح الوجيز، المسمى: "الشرح الكبير"، للإمام الفقيه المحدث عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي (ت 623 هـ)، تحقيق علي محمد

الجزء: 4 - الصفحة: 625

معوض وعادل أحمد عبد الموجود، ط 1، (1997 م)، دار الكتب العلمية، لبنان.

  • العظمة، للإمام الحافظ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بـ أبي الشيخ (ت 369 هـ)، تحقيق رضاء الله بن محمد المباركفوري، ط 2، (1998 م)، دار العاصمة، السعودية.
  • العلل، للإمام الحافظ الكبير عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي المعروف بـ ابن أبي حاتم (ت 327 هـ)، تحقيق فريق من الباحثين بإشراف الدكتور سعد عبد الله الحميد والدكتور خالد عبد الرحمن الجريسي، ط 1، (2006 م)، نشره محققه، السعودية.
  • عمل اليوم والليلة، للإمام الحافظ أحمد بن محمد الدينوري المعروف بـ ابن السني (ت 364 هـ)، تحقيق بشير محمد عيون، ط 3، (1994 م)، مكتبة دار البيان، سورية.
  • العين، لإمام اللغة والأدب الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 175 هـ)، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي، ط 2، (1409 هـ)، مؤسسة دار الهجرة، إيران.
  • غاية الإحكام في أحاديث الأحكام، للعلامة أحمد بن عبد الله بن محمد المعروف بـ المحب الطبري (ت 694 هـ)، تحقيق الدكتور حمزة أحمد الزين، ط 1، (2004 م)، دار الكتب العلمية، لبنان.
  • فتاوى الإمام النووي، المسمى: "المسائل المنثورة"، ترتيب تلميذه الإمام العلامة علاء الدين بن العطار (ت 676 هـ)، تحقيق الشيخ محمد الحجار، ط 6، (1996 م)، دار البشائر الإسلامية، لبنان.
  • فتاوى القاضي حسين، للإمام المجتهد الحسين بن محمد بن أحمد المروروذي (ت 462 هـ)، جمعه تلميذه الإمام الكبير الحسين بن مسعود البغوي (ت 510 هـ)، تحقيق أمل خطاب والدكتور جمال أبو حسان، ط 1، (2010 م)، دار الفتح، الأردن.

الجزء: 4 - الصفحة: 626

  • فتاوى ومسائل ابن الصلاح في التفسير والحديث والأصول والفقه، للإمام الحافظ عثمان بن عبد الرحمن الشَّهْرَزوري المعروف بـ ابن الصلاح (ت 643 هـ)، ومعه "أدب المفتي والمستفتي"، تحقيق الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي، ط 1، (1986 م)، دار المعرفة، لبنان.
  • الفتاوى، لحجة الإسلام محمد بن محمد بن محمد الغزالي (ت 505 هـ)، تحقيق علي مصطفى الطسَّه، ط 1، (2004 م)، دار اليمامة، سورية.
  • فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ط 1، (1996 م)، طبعة مصورة لدى مكتبة الغزالي، سورية.
  • الفتح المبين بشرح الأربعين، للإمام العلامة أحمد بن محمد ابن حجر الهيتمي (ت 974 هـ)، عني به أحمد المحمد وقصي الحلاق وأنور الشيخي، ط 1، (2008 م)، دار المنهاج، السعودية.
  • الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية، للإمام الفقيه المحدث محمد علي بن علان بن إبراهيم الصديقي (ت 1057 هـ)، ط 1، (1358 هـ)، طبعة مصورة لدى دار إحياء التراث العربي، لبنان.
  • الفردوس بمأثور الخطاب، للإمام الحافظ شيرويه بن شهردار الديلمي (ت 509 هـ)، تحقيق السعيد بن بسيوني زغلول، ط 1، (1986 م)، دار الكتب العلمية، لبنان.
  • فضائل الأوقات، للإمام الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي (ت 458 هـ)، تحقيق عدنان عبد الرحمن القيسي، ط 1، (1990 م)، مكتبة المنارة، السعودية.
  • الفوائد في اختصار المقاصد، للإمام الفقيه عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي (ت 660 هـ)، تحقيق إياد خالد الطباع، ط 1، (1999 م)، دار الفكر، سورية.
  • فيض القدير شرح الجامع الصغير، للإمام العلامة محمد عبد الرؤوف بن علي المناوي (ت 1031 هـ)، ط 1، (1357 هـ)، طبعة مصورة لدى دار المعرفة، لبنان.

الجزء: 4 - الصفحة: 627

  • القبس الحاوي لغرر ضوء السخاوي، للعلامه المؤرخ عمر بن أحمد بن علي الشماع الحلبي (ت 936 هـ)، تحقيق حسن وخلدون مروة، ط 1، (1998 م)، دار صادر، لبنان.
  • القرى لقاصد أم القرى، للعلامة أحمد بن عبد الله بن محمد المعروف بـ المحب الطبري (ت 694 هـ)، عني به مصطفى السقا، ط 3، (1983 م)، دار الفكر، لبنان.
  • القواعد الكبرى، المسمى: "قواعد الأحكام في إصلاح الأنام"، للإمام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام (ت 660 هـ)، تحقيق الدكتور نزيه كمال حماد والدكتور عثمان جمعة ضميرية، ط 1، (2000 م)، دار القلم، سورية.
  • الكامل في ضعفاء الرجال، للإمام الحافظ عبد الله بن عدي الجرجاني (ت 365 هـ)، الطبعة الأولى بتحقيق الدكتور سهيل زكار والثالثة يحيى مختار غزاوي، ط 3، (1988 م)، دار الفكر، لبنان.
  • الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للإمام البارع شيخ العرب والعجم محمود بن عمر الزمخشري (ت 538 هـ)، تحقيق عبد الرزاق المهدي، وفي حاشيته الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال لابن المنير (ت 683 هـ) وفي آخره الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) وشرح شواهد الكشاف لمحب الدين أفندي، ط 2، (2001 هـ)، دار إحياء التراث العربي، لبنان.
  • كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، للعلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت 1162 هـ)، ط 3، (1351 هـ)، طبعة مصورة لدى دار إحياء التراث العربي، لبنان.
  • كفاية النبيه شرح التنبيه، للإمام الفقيه أحمد بن محمد بن علي المعروف بـ ابن الرفعة (ت 710 هـ)، تحقيق الدكتور مجدي باسلوم، ط 1، (2009 م)، دار الكتب العلمية، لبنان.
  • كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، للإمام الحافظ علي بن حسام الدين المعروف

الجزء: 4 - الصفحة: 628

بـ البرهان فوري (ت 975 هـ)، عني به بكري حيَّاني وصفوة السقا، ط 1، (1993 م)، مؤسسة الرسالة، لبنان.

  • الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، للعلامة الأديب المؤرخ محمد بن محمد الغزي (ت 1061 هـ)، ط 1، (1997 م)، دار الكتب العلمية، لبنان.
  • اللباب في الفقه الشافعي، للإمام المحدث الفقيه أحمد بن محمد الضبي المحاملي (ت 415 هـ)، تحقيق أحمد فريد المزيدي، ويليه: "العقد المفرد في حكم الأمرد" للعلامة محمد بن صالح الدجاني (ت 1071 هـ)، ط 1، (2004 م)، دار الكتب العلمية، لبنان.
  • لسان الميزان، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، عني به الشيخ عبد الفتاح أبو غدة (ت 1417 هـ)، ط 1، (2002 م)، دار البشائر الإسلامية، لبنان.
  • متعة الأذهان من التمتع بالإقران بين تراجم الشيوخ والأقران لابن طولون الصالحي (ت 953 هـ) ويوسف بن عبد الهادي (ت 909 هـ)، انتقاء العلامة الأديب أحمد بن محمد بن الملا الحَصْكفي (ت 1003 هـ)، أبحاث ودراسات حققها صلاح الدين الموصلي، ط 1، (1999 م)، دار صادر، لبنان.
  • المجروحين من المحدثين، للإمام الحافظ محمد بن حِبَّان البُسْتي (ت 354 هـ)، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، ط 1، (2000 م)، دار الصميعي، السعودية.
  • المجموع شرح المهذب، للإمام الحافظ المجتهد يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)، تحقيق الدكتور محمود مطرجي، ط 1، (1996 م)، دار الفكر، لبنان.
  • المحرر في فقه الإمام الشافعي، للإمام الفقيه المحدث عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي (ت 624 هـ)، تحقيق محمد حسن إسماعيل، ط 1، (2005 م)، دار الكتب العلمية، لبنان.
  • المحلى، للإمام الفقيه علي بن أحمد بن سعيد المعروف بـ ابن حزم الظاهري (ت 456 هـ)، تحقيق أحمد محمد شاكر، بدون تاريخ، طبعة مصورة لدى دار الجيل، لبنان.

الجزء: 4 - الصفحة: 629

  • مختصر المزني، للإمام الفقيه إسماعيل بن يحيى المزني (ت 264 هـ)، بدون تاريخ، طبعة مصورة لدى دار المعرفة، لبنان.
  • المدونة الكبرى، لإمام المدينة مالك بن أنس بن مالك بن نافع الأصبحي (ت 179 هـ)، برواية الإمام الفقيه عبد السلام بن سعيد التنوخي الملقب بـ سحنون (ت 240 هـ) عن الإمام الفقيه عبد الرحمن بن القاسم بن خالد العتقي (ت 191 هـ)، ط 1، (2003 م)، طبعة مصورة لدى دار عالم الكتب، السعودية.
  • مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان، للإمام العلامة المحدث عبد الله بن أسعد بن علي اليافعي (ت 768 هـ)، ط 1، (1337 هـ)، طبعة مصورة عن نشرة دائرة المعارف بحيدر آباد الدَّكَّن لدى دار الكتاب الإسلامي، مصر.
  • المراسيل، للإمام الحافظ أبي داوود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت 275 هـ)، تحقيق الدكتور عبد الله مساعد الزهراني، ط 1، (2001 م)، دار الصميعي، السعودية.
  • المستدرك على الصحيحين، للإمام الحافظ محمد بن عبد الله بن حمدويه النيسابوري المعروف بـ الحاكم (ت 405 هـ)، وبذيله: "تلخيص المستدرك" للحافظ الذهبي (ت 748 هـ)، ط 1، (1335 هـ)، نسخة مصورة لدى دار المعرفة عن طبعة دائرة المعارف النظامية في الهند بحيدرآباد الدكن، لبنان.
  • المستصفى من علم الأصول، لحجة الإسلام محمد بن محمد بن محمد الغزالي (ت 505 هـ)، ومعه: "فواتح الرحموت بشرح سلم الثبوت" للعلامة عبد العلي محمد بن نظام الدين الأنصاري، ط 1، بدون تاريخ، طبعة مصورة لدى دار البصائر، مصر.
  • مسند أبي داوود الطيالسي، للإمام الحافظ سليمان بن داوود بن الجارود المعروف بـ أبي داوود الطيالسي (ت 204 هـ)، ط 1، (1321 هـ)، طبعة مصورة لدى دار المعرفة، لبنان.
  • مسند أبي يعلى الموصلي، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن المثنى المعروف

الجزء: 4 - الصفحة: 630

بـ أبي يعلى الموصلي (ت 307 هـ)، تحقيق حسين سليم أسد الداراني، ط 2، (1989 م)، دار المأمون للتراث ودار الثقافة العربية، سورية.

  • مسند الإمام أحمد بن حنبل، للإمام الحافظ أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (ت 241 هـ)، تحقيق مجموعة من العلماء بإشراف شعيب الأرناؤوط، ط 1، (1995 هـ)، مؤسسة الرسالة، لبنان.
  • مسند الإمام الشافعي، لإمام الدنيا محمد بن إدريس الشافعي (ت 204 هـ)، تحقيق أيوب أبو خشريف، ط 1، (2002 م)، دار الثقافة العربية، سورية.
  • مسند الدارمي، المسمى: "سنن الدارمي"، للإمام الحافظ عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (ت 255 هـ)، تحقيق حسين سليم أسد الداراني، ط 1، (200 م)، دار المغني، السعودية.
  • مسند الشهاب، المسمى: "شهاب الأخبار في الحكم والأمثال والآداب"، للإمام القاضي محمد بن سلامة القُضاعي (ت 454 هـ)، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، ط 1، (1985 م)، مؤسسة الرسالة، لبنان.
  • مشيدات دمشق ذوات الأضرحة وعناصرها الجمالية، للدكتور قتيبة الشهابي، ط 1، (1995 م)، وزارة الثقافة، سورية.
  • المصنف، للإمام الحافظ عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت 211 هـ)، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، ومعه: "الجامع" للإمام معمر الأزدي (ت 153 هـ)، ط 2، (1983 م)، المجلس العلمي بالتعاون مع المكتب الإسلامي، لبنان.
  • المصنف، للإمام الحافظ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (ت 235 هـ)، تحقيق الشيخ محمد عوَّامة، ط 2، (2006 م)، دار المنهاج، السعودية.
  • معالم السنن، للإمام الحافظ حَمْد بن محمد الخطابي (ت 388 هـ)، صححه محمد راغب الطباخ، ط 1، (1933 م)، المطبعة العلمية، سورية.
  • المعجم الأوسط، للإمام الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360 هـ)، تحقيق الدكتور محمود الطحان، ط 1، (1985 م)، مكتبة المعارف، السعودية.

الجزء: 4 - الصفحة: 631

  • معجم البلدان، للعلامة المؤرخ الأديب ياقوت بن عبد الله الرومي الحَمَوي (ت 626 هـ)، عني به المستشرق وستنفيلد، ط 2، (1995 م)، دار صادر، لبنان.
  • المعجم الصغير ومعه "غنية الألمعي" للعظيم آبادي، للإمام الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360 هـ)، ط 1، (1983 م)، طبعة مصورة لدى دار الكتب العلمية، لبنان.
  • المعجم الكبير، للإمام الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني (ت 360 هـ)، ومعه "الأحاديث الطوال"، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، ط 2، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، لبنان.
  • معجم المؤلفين، للأستاذ المؤرخ عمر رضا كحالة (ت 1408 هـ)، عني به مكتب تحقيق الدار، ط 1، (1993 م)، مؤسسة الرسالة، لبنان.
  • معرفة السنن والآثار، للإمام الحافظ أحمد بن الحسين البيهقي (ت 458 هـ)، تحقيق الدكتور عبد المعطي أمين قلعجي، ط 1، (1991 م)، دار قتيبة ودار الوعي ودار الوفاء، سورية ومصر.
  • المغرب في ترتيب المعرب، للإمام اللغوي ناصر الدين بن عبد السيد المطرِّزي (ت 610 هـ)، حققه محمود فاخوري وعبد الحميد مختار، ط 1، (1979 م)، مكتبة أسامة بن زيد، سورية.
  • مغني المحتاج إلى معرفة معاني المنهاج، للإمام الفقيه محمد بن أحمد الخطيب الشربيني (ت 977 هـ)، اعتنى به محمد خليل عيتاني، ط 1، (1997 م)، دار المعرفة، لبنان.
  • المغني، للإمام عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (ت 620 هـ)، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي وعبد الفتاح محمد الحلو، ط 1، (1986 م)، هجر للطباعة، مصر.
  • المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، للإمام الحافظ الناقد محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت 902 هـ)، عني به عبد الله محمد الصديق الغُماري وعبد الوهاب عبد اللطيف، ط 2، (1991 م)، مكتبة الخانجي، مصر.

الجزء: 4 - الصفحة: 632

  • منهاج الطالبين وعمدة المفتين، للإمام الحافظ المجتهد يحيى بن شرف النووي (ت 676 هـ)، عني به محمد محمد طاهر شعبان، ط 1، (2005 م)، دار المنهاج، السعودية.
  • المنهاج في شعب الإيمان، للإمام الحافظ الحسين بن الحسن الحليمي (ت 403 هـ)، تحقيق حلمي محمد فودة، ط 1، (1979 م)، دار الفكر، لبنان.
  • المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي، للعلامة المؤرخ البحَّاثة يوسف بن تغري بردي (ت 874 هـ)، تحقيق الدكتور محمد محمد أمين ورفاقه، ط 1، (1984 م)، الهيئة العامة للكتاب، مصر.
  • المهذب في فقه الإمام الشافعي، للإمام الفقيه المناظر إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (ت 476 هـ)، وبذيله "النظم المستعذب في شرح غريب المهذب" للعلامة الفقيه محمد بن أحمد بن بطال الركبي (ت نحو 633 هـ)، ط 1، (1977 م)، طبعة مصورة لدى دار إحياء التراث العربي، لبنان.
  • المهمات في شرح الروضة والرافعي، للإمام الفقيه عبد الرحيم بن الحسن الإسنوي (ت 772 هـ)، عني به أحمد علي الدمياطي، ط 1، (2009 م)، دار ابن حزم، لبنان.
  • الموضوعات من الأحاديث المرفوعات، للإمام الحافظ عبد الرحمن بن علي المعروف بـ ابن الجوزي (ت 597 هـ)، الدكتور نور الدين بن شكري بن علي بوياجيلار، ط 1، (1997 م)، دار أضواء السلف، السعودية.
  • الموطأ، لإمام المدينة مالك بن أنس بن مالك بن نافع الأصبحي (ت 179 هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط 1، بدون تاريخ، دار إحياء الكتب العربية لصاحبها عيسى البابي الحلبي، مصر.
  • النجم الوهاج في شرح المنهاج، للإمام العلامة الفقيه الأديب محمد بن موسى بن عيسى الدميري (ت 808 هـ)، عني به اللجنة العلمية بمركز دار المنهاج للدراسات والتحقيق العلمي، ط 1، (2004 م)، دار المنهاج، السعودية.

الجزء: 4 - الصفحة: 633

  • نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 852 هـ)، تحقيق الدكتور نور الدين عتر، ط 3، (2000 م)، نشره محققه، سورية.
  • النشر في القراءات العشر، للإمام الحافظ محمد بن محمد بن محمد بن الجزري (ت 833 هـ)، عني به الشيخ علي محمد الضباع، ط 1، بدون تاريخ، طبعة مصورة لدى دار الكتب العلمية، لبنان.
  • نظم العقيان في أعيان الأعيان وهو تراجم مشاهير القرن التاسع الهجري، للإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911 هـ)، عني به الدكتور فيليب حتي، ط 1، (2000 م)، مكتية الثقافة الدينية، مصر.
  • نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، للإمام العلامة محمد بن أحمد الرملي (ت 1004 هـ)، ومعه حاشية العلامة علي الشبراملسي (ت 1087 هـ) وحاشية العلامة أحمد الرشيدي (ت 1096 هـ)، ط 1، (1993 م)، طبعة مصورة لدى دار الكتب العلمية، لبنان.
  • نهاية المطلب في دراية المذهب، لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني (ت 478 هـ)، تحقيق الأستاذ الدكتور عبد العظيم محمود الديب، ط 1، (2007 م)، دار المنهاج، السعودية.
  • النور السافر عن أخبار القرن العاشر، للعلامة السيد عبد القادر بن شيخ العيدروس (ت 1038 هـ)، تحقيق الدكتور أحمد حالو ومحمود الأرناؤوط وأكرم البوشي، ط 1، (2001 م)، دار صادر، لبنان.
  • وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام، للإمام الحافظ الناقد محمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت 902 هـ)، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف وعصام فارس الحرستاني، ط 1، (1995 م)، مؤسسة الرسالة، لبنان.
  • الوجيز في فقه الإمام الشافعي، لحجة الإسلام محمد بن محمد بن محمد الغزالي (ت 505 هـ)، تحقيق سيد عبده أبو بكر سليم، ط 1، (2004 م)، دار الرسالة، مصر.

الجزء: 4 - الصفحة: 634

  • الوسيط في المذهب، لحجة الإسلام محمد بن محمد بن محمد الغزالي (ت 505 هـ)، تحقيق أحمد محمود إبراهيم ومحمد محمد تامر، ط 1، (1997 م)، دار السلام، مصر.
  • وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى، للعلامة المؤرخ علي بن عبد الله المعروف بـ السيد السَّمْهودي (ت 911 هـ)، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ط 4، (1984 م)، طبعة مصورة لدى دار إحياء التراث العربي، لبنان.

الجزء: 4 - الصفحة: 635

فصول الكتاب · 12 فصل
فصول بداية المحتاج في شرح المنهاج
المقدمةكتاب صلاة الجماعةكتاب الزكاةكتاب التفليسكتابُ العاريَّةكتابُ اللُّقَطةكتابُ قَسْم الفيء والغنيمةكتاب العِددَكتابُ الرِّدَّةكتاب الأضحيةكتاب الأطعمةكتاب المسابقة والمناضلة
فصلٌ [في صفة الكفارة]فصلٌ [في الحلف على السكنى والمساكنة وغيرهما]فصلٌ [في الحلف على أكل وشرب مع بيان ما يتناوله]فصلٌ [في مسائل منثورة ليقاس بها غيرها]فصلٌ [في الحلف على ألا يفعل كذا]فصلٌ [في نذر النسك والصدقة والصلاة وغيرها]فصلٌ [فيما يقتضي انعزال القاضي أو عزله وما يذكر معه](باب الوصية) لكن بالنسبة للانعزال لا لنفوذ الحكم، وكلام الرافعي هنا يوهم اتحادهما. انتهى.فصلٌ [في آداب القضاء وغيرها]فصلٌ [في التسوية وما يتبعها]فصلٌ [في بيان الدعوى بعين غائبة]فصلٌ [في بيان من يحكم عليه في غيبته وما يذكر معه]فصلٌ [فيما يعتبر فيه شهادة الرجال]فصلٌ [في تحمل الشهادة وأدائها]فصلٌ [في الشهادة على الشهادة]فصلٌ [في الرجوع عن الشهادة]فصلٌ [فيما يتعلق بجواب المدعى عليه]فصلٌ [في كيفية الحلف والتغليظ فيه]فصلٌ [في تعارض البينتين]فصلٌ [في اختلاف المتداعيين في العقود]فصلٌ [في شروط القائف]فصلٌ [في العتق بالبعضية]فصلٌ [في الإعتاق في مرض الموت وبيان القرعة في العتق]فصلٌ [في الولاء]فصلٌ [في حكم حمل المدبرة]فَصْلٌ [فيما يلزم السيد بعد الكتابة]فَصْلٌ [في بيان لزوم الكتابة وجوازها]فَصْلٌ [في مشاركة الكتابة الفاسدة الصحيحة]أهمّ مصادر ومراجع التّحقيق
جارٍ التحميل