كتابُ العاريَّة
شَرْطُ الْمُعِيرِ: صِحَّةُ تَبَرُّعِهِ،
(كتابُ العاريَّة)
هي بتشديد الياء وتخفيفها، أصلها من عَارَ: إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف: عيّار؛ لكثرة ذهابه ومجيئه.
وقولُ الجوهري: إنها مشتقة من العار 1 معترض؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فعلها 2.
قال ابن الرفعة: وحقيقة العارية شرعًا: إباحة الانتفاع بما يحلُّ الانتفاع به مع بقاء عينه؛ ليردَّها عليه 3.
وهي مستحبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾؛ فإن جمهور المفسّرين على أن المراد بذلك: ما يستعيره الجيران بعضُهم من بعض، قاله في "المحرر" 4.
وكانت واجبةً في أول الإسلام 5، وقد فعلها عليه السلام 6، وأفتى الزبيري: بوجوب إعارة ما كُتِب عليه طبقة السماع؛ لينقل السامع منه.
(شرطُ المعير: صحةُ تبرعه) لأن الإعارة تبرع، فمن لا يتبرع؛ كالمكاتب وغيره من المحجورين .. لا يعير.
وكان ينبغي أن يقول: (تبرع ناجز) لأن السفيه أهلٌ للتبرع بالوصية ولا تصحُّ عاريته.
نعم؛ قال الماوردي: يجوز له إعارة بدنه إذا كان عمله ليس مقصودًا في كسبه؛
الجزء: 2 - الصفحة: 307
وَمِلْكُهُ الْمَنْفَعَةَ، فَيُعِيرُ مُسْتَأْجرٌ لَا مُسْتَعِيرٌ عَلَى الصَّحِيح، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ لَهُ
لاستغنائه عنه بماله 7، وردّه السبكي: بأن ذلك لا يسمّى عاريةً؛ لأن بدنه في يده.
(وملكُه المنفعةَ) وإن لم يملك الرقبة؛ لأن الإعارة تَرِدُ على المنفعة دون الرقبة.
نعم؛ إذا نذر هديًا أو أضحيةً .. له أن يعيره مع أنهما خرجا عن ملكه، وكذا إعارة الإمام ما لبيت المال من أرض وغيرها؛ لأن له التمليكَ، فالإعارة أولى، قاله الإسنوي 8، وأورد أيضًا: صحة إعارة كلب الصيد، فلو قال: (أو اختصاصه بها) .. لشمل ذلك.
وقضية كلام المصنف: أنه ليس للأب أن يعير ولده الصغير، وكذا أطلقه صاحب "العدة"، قال في "زيادة الروضة": وينبغي حمله على خدمة تقابَلُ بأجرة، وأما ما لا يقابَلُ بأجرة لحقارته .. فالظاهر الذي يقتضيه أفعال السلف: أنه لا منع منه إذا لم يضرَّ بالصبي.
انتهى 9.
وقال في "البحر": يجوز أن يعير ولده الصغير ليخدم من يتعلم منه 10، ويؤيده: قصة أنس رضي الله عنه 11.
(فيعير مستأجرٌ) لأنه مالك المنفعة (لا مستعيرٌ على الصحيح) لأنه غير مالك لها، وإنما أبيح له الانتفاع، ولهذا لا يؤجرِّ، والثاني: يعير؛ كما للمستأجر أن يؤجِّر.
ومحل المنع: ما لم يأذن المالك، فإن أذن .. جاز.
(وله أن يستنيب من يستوفي المنفعةَ له) كما إذا استعار دابة للركوب .. فله أن يُركبَها وكيلَه الذي هو مثله أو دونه في حاجته؛ لأن الانتفاع راجع إليه بواسطة المباشرة.
الجزء: 2 - الصفحة: 308
وَالْمُسْتَعَارِ: كَوْنُهُ مُنْتَفَعًا بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، وَيَجُوزُ إِعَارَةُ جَارِيَةٍ لِخِدْمَةِ امْرَأَة أَوْ مَحْرَمٍ،
ولم يذكر المصنف شرط المستعير، وقال الماوردي: كلُّ من صحَّ منه قبولُ الهبة .. صحَّ منه طلبُ العارية، ومن لا يصحُّ منه طلبُها .. لا يصحُّ منه قبولُها 12.
وأورد عليه: السفيه؛ فإنه يقبل الهبة والوصيَّة ولا تصحُّ الإعارة منه؛ كما صرح به المَحاملي ومُجَلِّي.
(و) شرطُ (المستعارِ: كونُه منتفَعًا به) انتفاعًا مباحًا، فلا يصحُّ إعارة الملاهي والأمةِ المشتهاةِ للخدمة لغير من سيأتي.
وكان ينبغي أن يقول: (منفعةً قوية) ليخرج النقد؛ فإنه لا يجوز إعارته للتزيين عند الإطلاق على الأصحِّ؛ لأنها منفعة ضعيفة، ومعظم منافعه في الإنفاق، فإن صرّح بالتزيين .. قال الرافعي: فينبغي أن تصحَّ؛ لأنه اتخذ هذه المنفعةَ مَقْصِدًا، وبه أجاب في "التتمة" 13.
(مع بقاء عينه) فلا يجوز إعارة الشمعة والسراج الموقود والأطعمة؛ فإن منفعتها باستهلاكها.
(ويجوز إعارة جارية لخدمة امرأة أو مَحْرَم) لعدم المحذور في ذلك، وكذا إعارتُها لزوجها؛ كما ذكره المصنف في "التصحيح" 14، قال الإسنوي: وكذا لمالكها، ويتصور ذلك في المستأجر 15.
وخرج بـ (الخدمة): الاستمتاع؛ فإنه حرام، وبـ (المَحْرَم): الأجنبي، لكن صحح في "الروضة": جوازَ إعارته الصغيرةَ التي لا تُشتهى، والقبيحةَ 16، ورجح في "الشرح الصغير": المنعَ، قال الإسنوي تبعًا للسبكي: والمتجه: التفرقة، فيجوز في الصغيرة دون الكبيرة؛ لجواز الخلوة بالطفلة 17، ولو كان المستعير أو
الجزء: 2 - الصفحة: 309
وَيُكْرَهُ إِعَارَةُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ. وَالأَصحُّ: اشْتِرَاطُ لَفْظٍ؛ كَـ (أَعَرْتُكَ) وَ (أَعِرْني)، وَيَكْفِي لَفْظُ أَحَدِهِمَا مَعَ فِعْلِ الآخَرِ، وَلَوْ قَال: (أَعَرْتكُهُ لِتَعْلِفَهُ) أَوْ (لِتُعِيرَنِي فَرَسَكَ) .. فَهُوَ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ تُوجِبُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ
المستعار خنثى .. امتنع على الصحيح، أخذًا بالاحتياط.
(ويكره إعارة عبد مسلم لكافر) لأن فيها امتهانًا، وقيل: يحرم، وحمل في "المطلب": التحريمَ على الإعارة للخدمة، والكراهةَ على غيرها، واختار السبكي: التحريم مطلقًا، لما فيه من الاستيلاء، وليس كالإجارة" فإنه يؤمر فيها بإزالة ملكه عن المنفعة على الأصحِّ، والمستعرِ لا يعير، فتفسد.
(والأصحُّ: اشتراط لفظ، كـ "أعرتُك"، و"أعرني"، ويكفي لفظ أحدهما مع فعل الآخر) قياسًا على إباحة الطعام، فإن اللفظ من أحدهما شرط، والثاني: لا يعتبر اللفظ في واحد منهما، حتى لو رآه عاريًا فأعطاه قميصًا فلبسه .. كان ذلك إعارة 18.
ويستثنى من اشتراط اللفظ: ما إذا اشترى شيئًا وسلّمه له في ظرف .. فالظرف معار في الأصحِّ، وما إذا أكل المُهدى إليه الهديةَ في ظرفها .. فيجوز وهو معار، قاله أبو عاصم العبّادي والبغوي 19، قال في "زيادة الروضة": محله: ما إذا كانت الهدية لا لمقابل، فإن كانت عوضًا .. فالظرف أمانة في يده؛ كالإجارة الفاسدة؛ كذا حكاه المتولي عن أبي عاصم 20.
(ولو قال: "أعرتُكَهُ لتعلِفَه" أو "لتعيرني فرسك" .. فهو إجارة فاسدة تُوجب أجرةَ المثل) لجهالة العلف والمدة، والتعليقِ في الثانية، وصحح في "المطلب": أنه عارية فاسدة؛ نظرًا إلى اللفظ، فلا تجب أجرة، ثم قال: وفيه بُعْدٌ؛ لأنه لم تبذل المنفعة مجانًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 310
وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ. فَإِنْ تَلِفَتْ لَا بِاسْتِعْمَالٍ .. ضَمِنَهَا وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ، وَالأَصحُّ: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا يَنْمَحِقُ أَوْ يَنْسَحِقُ بِاسْتِعْمَالٍ، وَالثَّالِثُ: يَضْمَنُ الْمُنْمَحِقَ.
(ومؤنةُ الردِّ على المستعير) 21؛ لحديث: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" حسنه الترمذي، وصححه الحاكم 22.
(فإن تَلِفت) العين المستعارة الا باستعمال .. ضَمِنها وإن لم يفرِّط) لأنه صلى الله عليه وسلم استعار أدراعًا يوم حنين من صفوان بن أمية، فقال: أغصبٌ يا محمد؟ فقال: "لَا، بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ" رواه أبو داوود 23.
وفي كيفية الضمان خلافٌ ذكره المصنف آخر الباب.
وخرج بعدم الاستعمال: ما إذا تَلِفت به، وسيأتي.
وسكت المصنف عن ضمان الأجزاء، والأصحُّ: أنه كالعين، ولو استعار بشرط أن المستعار أمانة .. فالشرط لاغٍ.
(والأصحُّ: أنه لا يضمن ما ينمحق أو ينسحق باستعمال) لحدوثه عن سبب مأذون فيه، والثاني: أنه يضمن؛ للحديث المارّ: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ"، فإذا تعذر الردّ .. ضَمِنه.
(والثالث: يضمن المنمحق) دون المنسحق؛ لأن مقتضى العارية الردُّ، ولم يوجد مردود في المنمحق، فضمنه، بخلاف المنسحق، ويكون الضمان في آخر حالات التقويم.
والانمحاق: هو التلف بالكليّة؛ كلبس الثوب حتى يبلى، والانسحاق: هو النقصان، وموتُ الدابة كا لانمحاق، وعَقْرُها وعَرَجها كالانسحاق.
وقوله: (باستعمال) أي: مأذونٍ فيه، فإن تَلِفت باستعمالٍ غيرِ مأذون فيه .. ضَمِنها قطعًا؛ كما لو أعاره قميصًا ليلبَسَه فاتزر به.
الجزء: 2 - الصفحة: 311
وَالْمُسْتَعِيرُ مِنْ مُسْتَأْجِرٍ لَا يَضْمَنُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ تَلِفَتْ دَابَّتُهُ فِي يَدِ وَكِيلٍ بَعَثَهُ فِي شُغْلِهِ أَوْ فِي يَدِ مَنْ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ لِيُرَوِّضهَا .. فَلَا ضَمَانَ. وَلَهُ الانْتِفَاعُ بِحَسَبِ الإِذْنِ، فَإِنْ أَعَارَهُ لِزرَاعَةِ حِنْطَةٍ .. زَرَعَهَا وَمِثْلَهَا إِنْ لَمْ يَنْهَهُ، أَوْ لِشَعِيرٍ .. لَمْ يَزْرَعْ فَوْقَهُ كَحِنْطَةٍ، وَلَوْ أَطْلَقَ الزِّرَاعَةَ .. صَحَّ فِي الأَصَحِّ وَيَزْرَعُ مَا شَاءَ. وَإِذَا اسْتَعَارَ لِبنَاءٍ أَوْ غِرَاس .. فَلَهُ الزَّرْعُ وَلَا عَكْس
(والمستعيرُ من مستأجِر لا يضمن في الأصحِّ) لأن يده نائبة عن يدٍ غيرِ ضامنة، والثاني: يضمن؛ كالمستعير من المالك.
ويجري الخلاف: في المستعير من الموصى له بالمنفعة ومن الموقوف عليه.
ومؤنة الردِّ في هذه الاستعارة على المستعير إن ردَّ على المستأجر، وعلى المالك إن ردَّ عليه، كما لو ردَّ عليه المستأجر، فيستثنى ذلك من قوله أوّلًا: (ومؤنة الردِّ على المستعير).
(ولو تَلِفت دابته في يد وكيلٍ بعثه في شُغله، أو في يد من سلّمها إليه ليروِّضها) أي: يعلّمَها السير ( .. فلا ضمان) لأنه لم يأخذها لغرض نفسه.
(وله الانتفاع بحسب الإذن) لأنه وَضْعُ العارية، (فإن أعاره لزراعة حنطة .. زرعها) لإذنه فيها (ومثلَها) لأن رضاه بالحنطة رضًا بمثلها، وله زرع الشعير من باب أولى؛ لأنه أخفّ ضررًا من القمح، لا الذُّرَةِ والقطنِ، لزيادة ضررهما (إن لم ينهه) أي: فإن نهاه عن زراعة المثل أو الأدون .. امتنعا عليه؛ اتباعًا لنهيه، ولو عيّن نوعًا ونهى عن غيره .. امتثل؛ كما صرح به في "المحرر" 24.
(أو لشعير .. لم يزرع فوقه؛ كحنطة) لأن ضررها أكثر من ضرره.
(ولو أطلق الزراعة) بأن قال: (أعرتُكَها للزراعة) أو (لتزرعها) ( .. صحَّ في الأصحِّ، ويزرع ما شاء) لإطلاق اللفظ، والثاني: لا يصحُّ، لتفاوت المزروع.
قال الرافعي: ولو قيل: تصحُّ ويقتصر على أخفها ضررًا .. لكان مذهبًا 25.
(وإذا استعار لبناء أو) غرسِ (غراس .. فله الزرع) لأنه أخفّ، (ولا عكسَ)
الجزء: 2 - الصفحة: 312
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَغْرِسُ مُسْتَعِيرٌ لِبنَاءٍ وَكَذَا الْعَكْسُ، وَأَنَّهُ لَا تَصِحُّ إِعَارَةُ الأَرْضِ مُطْلَقَة، بَلْ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ نَوْعِ الْمَنْفَعَةِ.
لأن ضررهما أكثر، ويُقصَد منهما الدوام.
(والصحيح: أنه لا يغرس مستعير لبناء، وكذا العكس) أي: لا يبني مستعير لغراس؛ لاختلاف جنس الضرر؛ فإن ضرر البناء في ظاهر الأرض آكدُ من باطنها، والغراس بالعكس؛ لانتشار العروق، والثاني: يجوز؛ لأنهما للتأبيد.
(وأنه لا تصحُّ إعارة الأرض مطلقةً، بل يشترط تعيين نوع المنفعة) قياسًا على الإجارة، والثاني: تصحُّ، ولا يضر ما فيها من الجهالة، لأن العارية يحتمل فيها ما لا يحتمل في الإجارة.
وقضية كلامه: ضعف الخلاف، وليس كذلك؛ فإن الرافعي في "شرحيه" لم يرجّح هنا شيئًا 26، وعبارة "الروضة": أصحهما عند الإمام والغزالي: المنع، ثم نقل في "زيادته" تصحيحه عن "المحرر" 27، لكن إيراد "المطلب" يقتضي: أن الأكثرين على الصحة، واختاره السبكي.
وإذا قلنا بالصحة .. فله الانتفاع كيف شاء، وقيل: ينتفع بما هو العادة فيه، قال الرافعي: وهو أحسن، ثم قال: والوجه: القطع بأن إطلاق العارية لا يسلط على الدفن؛ لما فيه من ضرر اللزوم 28.
هذا كلُّه: إذا كان المستعار يُنتفع به من جهتين فصاعدًا؛ كالأرض والدابة، أما إذا كان لا ينتفع به إلا بجهة واحدة؛ كالبِساط بالفُرُش .. فإنه لا يحتاج في إعارته إلى بيان الانتفاع، ويستعمل في ذلك بالمعروف 29.
الجزء: 2 - الصفحة: 313
فَصْلٌ [في رد العارية]
لِكُلٍّ مِنْهُمَا رَدُّ الْعَارِيَةِ مَتَى شَاءَ إِلَّا إِذَا أَعَارَ لِدَفْنٍ .. فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يَنْدَرِسَ أَثَرُ الْمَدْفُونِ
(فصل: لكلٍّ منهما ردُّ العارية متى شاء) ولو مؤقتةً قبل فراغ المدة في الأصحِّ، لأنها مَبَرَّةٌ من المعير وارتفاقٌ من المستعير، فلا يليق بها الإلزام.
(إلا إذا أعار لدَفْن) ودَفَنَ ( .. فلا يرجع حتى يندرس أثر المدفون) بأن يصير ترابًا؛ محافظة على حرمة الميت، وله الرجوع قبل الحفر وبعده ما لم يُوضَع فيه الميت، فإن وُضِع .. امتنع الرجوع وإن لم يوارَ على الصحيح في "الشرح الصغير".
وقوله: (حتى يندرس أثر المدفون): هو أول جوابَي القاضي الحسين، وآخرهما: أنه لا يجوز له أن يرجع قط، لأن الدفن للتأبيد، قاله في "المطلب".
وأُورد على حصره مسائلُ:
منها: إذا كفّنه أجنبي وقلنا: إن الكفن باقٍ على ملك الأجنبي؛ كما صححه المصنف في (كتاب السرقة) من "زيادة الروضة" 30 .. فهو عارية لازمة، كما قاله في "الوسيط" 31.
ومنها: إذا قال: (أعيروا داري بعد موتي لزيد شهرًا) .. لم يكن للمالك -وهو الوارث- الرجوعُ، كما صرّحا به في (التدبير) 32.
ومنها: لو أعاره سفينة فوضع فيها متاعًا .. لم يكن له الرجوع ما دامت في اللُّجَّة، للضرر، قا له البَنْدَنيجي والروياني 33، وفي استثنائها نظر.
ومنها: ما لو أعاره دابة أو سلاحًا ونحوَهما للغزو والتقى الجمعان .. فليس له الرجوع حتى ينكشف القتال، قاله الخفّاف في "الخصال".
الجزء: 2 - الصفحة: 314
وإِذَا أَعَارَ لِلْبنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ وَلَمْ يَذْكُرْ مُدَّةً ثُمَّ رَجَعَ؛ إِنْ كَانَ شَرَطَ الْقَلْعَ مَجَّانًا .. لَزِمَهُ، وَإِلَّا؛ فَإِنِ اخْتَارَ الْمُسْتَعِيرُ الْقَلْعَ .. قَلَعَ،
ومنها: إذا نذر المعير ألا يرجع إلا بعد سنة، أو نذر أن يعيره سنة .. امتنع الرجوع قبل السنة، قاله المتولي.
ومنها: لو استعار دارًا لسكنى المعتَدَّة .. فهي لازمة من جهة المستعير فقط.
ومنها: لو أراد الصلاة المفروضة فأعاره ثوبًا ليستر به عورته أو ليفرشه في مكان نجس ففعل وكان الرجوع مؤديًا إلى بطلان صلاته .. قال الإسنوي: فيحتمل: منعه منه، وهو متجه، ويحتمل: الجواز، وتكون فائدته طلبَ الأجرة.
انتهى 34.
ونقل الزركشي في "الخادم" عن "البحر": أنه ليس للمعير الاستردادُ ولا للمستعير الردُّ إلا بعد فراغ الصلاة.
انتهى.
وفي "شرح المهذب" في آخر (باب ستر العورة): (ولو رجع المعير في أثناء الصلاة .. نزعه وبنى على صلاته، ولا إعادة عليه بلا خلاف، ذكره صاحب "الحاوي" وغيره) 35.
(وإذا أعار للبناء أو) لغرس (الغراس ولم يذكر مدةً ثم رجع) بعد أن بنى وغرس (إن كان شَرَطَ القلع مجّانًا .. لزمه) عملًا بالشرط، ويلزم المستعيرَ أيضًا تسويةُ الحفر إن شرطها، وإلا .. فلا.
ولم يذكر الشافعي في "الأم" و"المختصر" لفظةَ (مجانًا) 36، وحذفُها أولى؛ لأن الحكم عند حذفها كذلك، وقد حذفاها في نظيره من (الإجارة) 37.
واحترز بقوله: (ولم يذكر مدة) عن العارية المؤقتة، وستأتي بعد.
(وإلا) أي: وإن لم يشرِط عليه القلع (فإن اختار المستعير القلع .. قلع) بلا أرش؛ لأنه ملكُه وقد رضي بنقصانه.
الجزء: 2 - الصفحة: 315
وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الأَرْضِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: يَلْزَمُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ .. لَمْ يَقْلَعْ مَجَّانًا، بَلْ لِلْمُعِيرِ الخِيَارُ بيْنَ أَنْ يُبْقِيَهُ بِأُخرَةٍ، أَوْ يَقْلَعَ وَيَضْمَنَ أَرْشَ نَقْصِهِ، قِيلَ: أَوْ يَتَمَلَّكَهُ بِقِيمَتِهِ
(ولا يلزمه تسويةُ الأرض في الأصحِّ) لأنه مأذون فيه، فلم يلزمه ضمان نقصه؛ كاستعمال الثوب المستعار.
(قلت: الأصحُّ: يلزمه، والله أعلم) ليردَّ كما أخذ.
ومحل الخلاف: فيما إذا كانت الحُفَرُ الحاصلةُ في الأرض على قدر الحاجة، فإن كانت زائدةً على حاجة القلع .. لزمه حكم الزائد قطعًا؛ كذا قاله ابن الملقن 38، وهو ظاهر.
(وإن لم يختر) القلع ( .. لم يَقلع مجّانًا) لأنه محترم، (بل للمعير الخيار بين أن يُبقيَه بأجرة) أي: أجرةِ مثله (أو يقلعَ ويضمنَ أرش نقصه)، وهو قدر التفاوت ما بين قيمته قائمًا ومقلوعًا؛ لأن العارية مَكْرُمة، فلا يليق بها منعُ المعير من ماله، ولا تضييعُ مال المستعير، فجمعنا بذلك بين الحقّين، وخُيّر المعير؛ لأنه المحسن.
ومحل التخيير: إذا كان في القلع تنقيص، وإلا .. تعيّن القلع؛ كما اقتضاه كلام "الشرح" و"الروضة" وجزم به في "المهذب" و"الاستقصاء" 39.
ومحله أيضًا: في الأرض الخالصة للمعير، أما لو كان شيء منها للمستعير .. لم يكن للمعير إلا التبقيةُ بأجرة، حكياه عن المتولي وأقرّاه 40.
(قيل: أو يتملَّكَه بقيمته) حالَ التملك، ووجه مقابله: أن ذلك بيع فلا بدَّ فيه من التراضي.
وما ذكره من التخيير بين التبقية بالأجرة وبين القلع مع غرامة الأرش دون التملك بالقيمة تبعًا لـ "المحرر" .. لا يعرف في غيرهما 41، إلا ما يوهمه كلام "التنبيه" 42،
الجزء: 2 - الصفحة: 316
فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ .. لَمْ يَقْلَعْ مَجَّانًا إِنْ بَذَلَ الْمُسْتَعِيرُ الأُجْرَةَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَبْذُلْهَا فِي الأَصَحِّ، ثُمَّ قِيلَ: يَبِيعُ الْحَاكِمُ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا وَيقْسِمُ بَيْنَهُمَا، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُعْرِضُ عَنْهُمَا حَتَّى يَخْتَارَا شَيْئًا،
ولم يذكراه في باقي كتبهما وجهًا فضلًا عن ترجيحه؛ فإن حاصلَ ما في "الشرحين" و"الروضة": ثلاثةُ أوجه 43: أصحها في هذا الباب: يتخير بين التملك بالقيمة والقلعِ بالأرش، وليس له الإبقاء بأجرة إلا برضا المستعير، وهو المجزوم به في "الكتاب" في (الفلس)، والثاني: يتخير بين الثلاث، وهو ما أجابا به في مواضع 44، والثالث: له القلع وغرامة أرش النقص، وأما الخصلتان الباقيتان .. فلا يجبر المستعير عليهما.
ولو كان على الأشجار ثمر بدا صلاحه تأخر التخيير بين الخصال إلى الجداد، نقله في "الكفاية" عن القاضي والإمام وأقرّه 45.
(فإن لم يختر) المعير واحدةً من الخصال التي خُيّر فيها ( .. لم يَقلع مجّانًا إن بذل المستعير الأجرة) لأنه غير ظالم.
(وكذا إن لم يبذلها في الأصحِّ) لأن المعير مقصِّرٌ بترك الاختيار راضٍ بإتلاف منافعه، والثاني: يقلع مجّانًا، لأن العارية قد انتهت بالرجوع، فلا بدَّ من الأجرة في مقابلة الانتفاع.
(ثم) حيث لم يختر المعير إحدى الخصلتين المخيَّر بينهما 46، ولم يقلعه مجّانا (قيل: يبيع الحاكم الأرض وما فيها ويقسِم بينهما) فصلًا للخصومة، وفي كيفية التوزيع الخلافُ السابق في رهن الأم دون ولدها.
(والأصحُّ: أنه يُعرِض عنهما حتى يختارا شيئًا) لأن المستعير لا تقصير منه، فكيف يزال ملكه بغير اختياره؟ ! وأما المعير .. فالتقصيرُ وإن كان منه لكن ضرره عليه
الجزء: 2 - الصفحة: 317
وَلِلْمُعِيرِ دُخُولُهَا وَالانْتِفَاعُ بِهَا، وَلَا يَدْخُلُهَا الْمُسْتَعِيرُ بِغَيرِ إِذْنٍ لِتَفَرُّجٍ، وَيَجُوزُ لِلسَّقْيِ وَالإِصْلَاحِ فِي الأَصَحِّ، وَلِكُلٍّ بَيع مِلْكِهِ، وَقِيلَ: لَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ بَيْعُهُ لِثَالِثٍ. والْعَارِيَةُ الْمُؤَقَّتَةُ كَالْمُطْلَقَةِ،
وقادرٌ على إزالته، فبأي سبب نزيل ملكه؟ ! وإنما يتصرف الحاكم عن الغير إذا تعدى الضرر إلى غيره، كطلاق امرأة المولي وبيعِ أموال المديون الممتنع عن الوفاء.
وقوله: (حتى يختارا): كذا هو في نسخة المصنف تبعًا لـ "المحرر" بالتثنية 47، وفي أكثر نسخ "الشرحين" وفي "الروضة" بخط المصنف: (يختار) بغير ألف 48، وصُحّح بخطه على موضع سقوط الألف، وهو الأحسن؛ لأن اختيار المعير كافٍ في فصل الخصومة.
ثم ذكر المصنف ما يترتب على الوجه الأصحِّ -وهو الإعراض عنهما إلى الاختيار- فقال:
(وللمعير دخولها والانتفاع بها) في مدة المنازعة، لأنها ملكه، (ولا يدخلها المستعير بغير إذن لتفرج) لأنه لا ضرورة به إليه، فكان كالأجنبي.
(ويجوز للسقي والإصلاح في الأصحِّ) صيانةً لملكه عن الضياع، والثاني: لا؛ لأنه يشغل ملك غيره إلى أن يصل إلى ملكه.
(ولكلٍّ) من المعير والمستعير (بيعُ ملكه) من صاحبه ومن أجنبي؛ كسائر الأملاك، فإن باع المعير لأجنبي .. يخير المشتري كما يتخير البائع، وإن باع المستعير .. كان المعير على خيرته، لكن للمشتري الفسخ إن جَهِل الحال، (وقيل: ليس للمستعير بيعه لثالث) لأن ملكه غيرُ مستقر، فإن للمعير تملّكَه بالقيمة.
وأجاب الأول عنه: بأن هذا لا يمنع البيع، كما في بيع الشقص المشفوع.
(والعارية المؤقتة كالمطلقة) في جميع ما سبق، سواء انتهت المدة أو رجع قبلها، أما بعد المدة .. فلأنه محترم، ولم يشترط نقصه، فلا ينقص مجّانًا، وبيانُ
الجزء: 2 - الصفحة: 318
وَفِي قَوْلٍ؛ لَهُ الْقَلْعُ فِيهَا مَجَّانًا إِذَا رَجَعَ. وَإِذَا أَعَارَ لِزِرَاعَةٍ وَرَجَعَ قَبْلَ إِدْرَاكِ الزَّرْعِ .. فَالصَّحِيحُ: أَنَّ عَلَيْهِ الإِبْقَاءَ إِلَى الْحَصَادِ، وَأَنَّ لَهُ الأُجْرَةَ. فَلَوْ عَيَّنَ مُدَّة وَلَمْ يُدْرِكْ فِيهَا لِتَقْصِيرِهِ بتَأْخِيرِ الزِّرَاعَةِ .. قَلَعَ مَجَّانًا. وَلَوْ حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرًا إِلَى أَرْضِهِ فَنَبَتَ .. فَهُوَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ
المدة كما يجوز أن يكون للقلع يجوز أن يكون لمنع إحداث البناء والغراسِ بعده، وأما قبله .. فلأن وضع العواري على الجواز، والتأقيتُ وعدٌ، فلا يجب الوفاء به.
(وفي قول: له القلع فيها مجّانًا إذا رجع) بعد المدة؛ ذهابًا إلى أن فائدةَ بيان المدة: القلعُ بعد مضيها، وجوابه: ما ذكرناه من معارضته بمنع الإحداث.
(وإذا أعار لزراعة ورجع قبل إدراك الزرع .. فالصحيح: أن عليه الإبقاءَ إلى الحصاد) لأنه محترم وله أمد ينتظر، بخلاف البناء والغراس، والثاني: للمعير قلعه، ويغرم الأرش، والثالث: يتملكه بالقيمة.
(وأن له الأجرةَ) لأن الإباحة انقطعت بالرجوع، فأشبه ما إذا أعاره دابة إلى بلد ثم رجع في الطريق .. فإن عليه نقلَ متاعه إلى مأمن بأجرة المثل، والثاني: لا أجرة له؛ لأن منفعة الأرض إلى الحصاد كالمستوفاة بالزرع.
ومحلُّ ما ذكره: فيما لا يُحصد قصيلًا؛ كالقمح ونحوه، فإن كان يُحصد قصيلًا .. كُلّف قطعَه.
(فلو عيّن مدة ولم يدرك فيها؛ لتقصيره بتأخير الزراعة .. قَلع مجّانًا) لما أشار إليه من كونه مقصّرًا، وإن لم يقصّر .. فهو كما لو أعاره مطلقًا.
(ولو حمل السيلُ) أو الهواء (بذرًا إلى أرضه فنبت .. فهو لصاحب البَذْر) ولو كان حبة واحدة؛ لأنه عين ماله.
نعم؛ لو ألقى الحبة أو النواة وأعرض عنها .. قال في "زيادة الروضة": فينبغي: القطع بأنها لصاحب الأرض 49.
(والأصحُّ: أنه يجبر على قلعه) لأن المالك لم يأذن فيه، فأشبه ما إذا انتشرت أغصان شجرة للغير إلى هواء داره .. فإن له قطعَها، والثاني: لا يجبر؛ لأنه لم يوجد
الجزء: 2 - الصفحة: 319
وَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً وَقَالَ لِمَالِكِهَا: (أَعَرْتَنِيهَا) فَقَالَ: (أَجَّرْتُكَهَا)، أَوِ اخْتَلَفَ مَالِكُ الأَرْضِ وزَارِعُهَا كَذَلِكَ. . فَالْمُصَدَّقُ الْمَالِكُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (أَعَرْتَنِي) فَقَالَ: (بَلْ غَصَبْتَ مِنِّي)؛ فَإِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ. . فَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى الضَّمَانِ، لَكِنِ الأَصَحُّ: أَنَّ الْعَارِيَةَ تُضْمَنُ بِقِيمَةِ يَوْمِ التَّلَفِ، لَا بِأَقْصَى الْقِيَمِ، وَلَا بِيَوْمِ الْقَبْضِ،
منه تعدٍّ، فهو كالمستعير، فينظر في النابت أهو شجر أو زرع؟ ويكون الحكم على ما سبق.
(ولو ركب دابة وقال لمالكها: ) - وهي باقية ومضى زمنٌ لمثله أجرةٌ - ("أعرتَنيها"، فقال: "أجرتُكَها" 50، أو اختلف مالك الأرض وزارعها كذلك.
. فالمصدَّق المالك على المذهب) لأنَّ المنافع تصحُّ المعاوضة عليها؛ كالأعيان، ولو اختلفا في العين بعد هلاكها؛ فقال المالك: (بعتُكَها)، وقال: (بل وهبتَنيها).
. صدق المالك، فكذا هنا.
والثاني: يصدق الراكب والزارع؛ لأنَّ المالك وافقهما على إباحة المنفعة لهما، والأصل براءة ذمتهما من الأجرة التي يدعيها، والثالث: يصدق المالك في الأرض دون الدابة؛ لأنَّ الأراضيَ تندر فيها الإعارة، بخلاف الدواب.
(وكذا لو قال: "أعرتني") هذه الدابة أو الأرض، (فقال: "بل غصبتَ مني").
. فالمصدَّق المالك على المذهب؛ لأنَّ الأصل عدمُ إذنه، والثاني: أن القول قول المستعير؛ لأنَّ الظاهر: أن تصرفه بحقٍّ.
والطريق الثاني: القطع بالأول، والطريق الثالث: القطع بالثاني.
(فإن تَلِفت العين.
. فقد اتفقا على الضمان) لأنَّ كلًّا من المغصوب والمستعار مضمون.
(لكن الأصحُّ: أن العارية تُضمَن بقيمة يوم التلف لا بأقصى القيم، ولا بيوم القبض) لأنَّ الأصل ردُّ العين، وإنما تجب القيمة بالفوات، وهو إنما يتحقق بالتلف، ولو اعتبرنا الأقصى أو يوم القبض.
. لأدى إلى أن يضمن الأجزاء المستحقة بالاستعمال وهي مأذون فيها، والثاني: يضمن بالأقصى؛ كالمغصوب، والثالث:
الجزء: 2 - الصفحة: 320
فَإِنْ كَانَ مَا يَدَّعِيهِ الْمَالِكُ أَكْثَرَ. . حَلَفَ لِلزِّيَادَةِ.
بقيمة يوم القبض؛ كالقرض.
قال المتولي: ومحلُّ الخلاف: إذا نقصت بتغير السوق، فإن نقصت بالاستعمال ولم تذهب العين ثمَّ تلفت.
. لم يضمن الزائد.
وقضية كلام الشيخين: أنَّه لا فرق في ضمانه بالقيمة بين المتقوّم والمثلي 51، قال الإسنوي: وهو كذلك؛ ففي "الحاوي" و"المهذب" و"البحر": إن ضمنا المتقوّم بالأقصى.
. أوجبنا المثل في المثلي، وإن ضمناه بقيمته يوم التلف -وهو الأصحُّ-.
. ففي المثلي القيمة أيضًا 52. فما في كتب الشيخين ماشٍ على الصحيح.
(فإن كان ما يدّعيه المالكُ أكثرَ.
. حلف للزيادة) لأنَّ غريمه ينكرها.
الجزء: 2 - الصفحة: 321
كتابُ الغَصْب هُوَ: الاسْتِيلَاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ عُدْوَانًا، فَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً أَوْ جَلَسَ عَلَى فِرَاشٍ. . فَغَاصِبٌ وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْ. وَلَوْ دَخَلَ دَارَهُ وَأَزْعَجَهُ عَنْهَا، أَوْ أَزْعَجَهُ وَقَهَرَهُ عَلَى الدَّارِ وَلَمْ يَدْخُلْ. . فَغَاصِبٌ،
﴿كتاب الغصب﴾
هو في اللغة: أخذ الشيء ظلمًا مجاهرةً، وفي الشرع: ما سيأتي.
وتحريمه معلوم من الدين بالضرورة.
(هو الاستيلاء على حق الغير عدوانًا) ويرجع في الاستيلاء للعرف.
وتعبير المصنف أحسن من تعبير "المحرر" وغيره: (على مال الغير) 53 فإن الحقَّ يشمل: الكلب، والحقوق، والاختصاصات؛ نبه عليه في "الدقائق" 54.
وخرج بالعدوان: أمور؛ منها: الأمانات الشرعية؛ كاللقطة، والثوب الذي أطارته الريح، والاستيلاء على مال الكفار بالاغتنام.
وزاد القاضي: جهرًا؛ لتخرج السرقة، واستحسنه في "الشرح الصغير"، ولابدَّ من فصلٍ يُخرج المختلس وقاطع الطريق.
(فلو ركب دابة أو جلس على فراش.
. فغاصبٌ وإن لم يَنقل) لحصول غاية الاستيلاء، وهو الانتفاع على وجه التعدي، وسواء قصد الاستيلاء أو لم يقصده؛ كما صرح به في "أصل الروضة" 55.
(ولو دخل داره وأزعجه عنها) أي: أخرجه منها (أو أزعجه وقهره على الدار) بالطريق الذي جعلناه قبضًا في بيعها، وهو التسلط على التصرف (ولم يدخل.
. فغاصبٌ) أما في الأولى.
. فسواء قصد الاستيلاء أم لا؛ لأنَّ وجود الاستيلاء يغني عن قصده، وقيدا في "الشرح" و"الروضة" الدخول بأهله على هيئة من يقصد
الجزء: 2 - الصفحة: 323
وَفِي الثَّانِيَةِ وَجْهٌ وَاهٍ. وَلَوْ سَكَنَ بَيْتًا وَمَنَعَ الْمَالِكَ مِنْهُ دُونَ بَاقِي الدَّارِ. . فَغَاصِبٌ لِلْبَيْتِ فَقَطْ. وَلَوْ دَخَلَ بِقَصْدِ الاسْتِيلَاءِ وَلَيْسَ الْمَالِكُ فِيهَا. . فَغَاصِبٌ، وَإِنْ كَانَ وَلَمْ يُزْعِجْهُ. . فَغَاصِبٌ لِنِصْفِ الدَّارِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا لَا يُعَدُّ مُسْتَوْلِيًا عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ.
السكنى 56، فخرج بهذا القيد: من يهجم الدار لإخراج صاحبها لظالم ولا يقيم، وعبارة "الكتاب" تبعًا "لأصله" يشمله.
وإذا اجتمع الإزعاج والدخول الخالي عن هيئة السكنى.
. قال في "المطلب": الأقرب: أنَّه غصب؛ لأنه قرينة دالة على الاستيلاء.
قال المنكت: وهو يؤيد ما في "المنهاج" 57.
وأما في الثانية.
. فلأنها في قبضته عرفًا، ولابدَّ من قصد الاستيلاء؛ كما قاله الماوردي والإمام 58، وإليه أشار المصنف بقوله: (وقهره على الدار) فإن وجد الإزعاج فقط.
. فلا ضمان قطعًا.
(وفي الثانية: وجه واه) أنَّه لا يكون غاصبًا ما لم يدخل؛ لأنَّ أهل العرف لا يطلقون على ذلك اسم الغصب.
(ولو سكن بيتًا ومنع المالكَ منه دون باقي الدار.
. فغاصب للبيت فقط) لقصور الاستيلاء عليه.
(ولو دخل بقصد الاستيلاء وليس المالك فيها.
. فغاصب) للدار؛ لحصول الاستيلاء في الحال، وسواء كان الداخل قويًّا أو ضعيفًا.
واحترز بـ (قصد الاستيلاء): عما إذا دخل لا على قصده بل ينظر هل تصلح له أو غير ذلك.
. فإنَّه لا يكون غاصبًا.
(وإن كان) المالك فيها (ولم يزعجه.
. فغاصب لنصف الدار) لاجتماع يدهما واستيلائهما عليها، (إلا أن يكون ضعيفًا لا يُعدُّ مستوليًا على صاحب الدار) فإنَّه لا يكون غاصبًا لشيء منها؛ لانتفاء الاستيلاء والحالة هذه.
الجزء: 2 - الصفحة: 324
وَعَلَى الْغَاصِبِ الرَّدُّ، فَإِنْ تَلِفَ عِنْدَهُ. . ضَمِنَهُ. وَلَوْ أَتْلَفَ مَالًا فِي يَدِ مَالِكِهِ. . ضَمِنَهُ. وَلَوْ فَتَحَ رَأْسَ زِقٍّ مَطْرُوحٍ عَلَى الأَرْضِ فَخَرَجَ مَا فِيهِ بِالْفَتْحِ، أَوْ مَنْصُوبٍ فَسَقَطَ بِالْفَتْحِ وَخَرَجَ مَا فِيهِ. . ضَمِنَ، وَإِنْ سَقَطَ بِعَارِضِ رِيحٍ. . لَمْ يَضْمَنْ. وَلَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ وَهَيَّجَهُ فَطَارَ. . ضَمِنَ،
(وعلى الغاصب الردُّ) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" 59.
(فإن تلف عنده.
. ضمنه) بالإجماع.
نعم؛ لو كان التالف لا قيمة له كالسِّرجين ونحوه، أو كان المتلف مما لا ضمان عليه؛ كالحربي.
. فلا ضمان.
(ولو أتلف مالًا في يد مالكه.
. ضمنه) بالإجماع.
(ولو فتح رأس زِقٍّ مطروح على الأرض فخرج ما فيه بالفتح، أو منصوبٍ فسقط بالفتح) لتحريك الوِكاء وجذبه (وخرج ما فيه.
. ضمن) لأنه في الأولى مباشر للإتلاف، وفي الثانية متسبب؛ إذ التلف ناشئ عن فعله.
(وإن سقط بعارض ريح.
. لم يضمن) لأنَّ الخروج ليس بفعله، وعروض الزلزلة ووقوع الطائر عليه كالريح.
نعم؛ لو طلعت الشمس على الجامد فأذابته.
. ضمن الفاتح على الأصحِّ.
والفرق بينه وبين الريح: أن طلوع الشمس محقق؛ فلذلك قد يقصده الفاتح، بخلاف الريح.
وقوله: (بعارض ريح) يشعر بأنّه إذا سقط بالريح المقارن.
. كان من ضمان الفاتح، وبه صرح الفارقي، وهو متجه.
وحكم حلِّ السفينة كالزِّقِّ.
(ولو فتح قفصًا عن طائر وهيَّجه فطار) في الحال (. . ضمن) بالإجماع.
الجزء: 2 - الصفحة: 325
وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَتْحِ. . فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ إِنْ طَارَ فِي الْحَالِ. . ضَمِنَ، وَإِنْ وَقَفَ ثُمَّ طَارَ. . فَلَا. وَالأَيْدِي الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ أَيْدِي ضَمَانٍ وَإِنْ جَهِلَ صَاحِبُهَا الْغَصْبَ. ثُمَّ إِنْ عَلِمَ. . فَكَغَاصِبٍ مِنْ غَاصِبِ، فَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ عِنْدَهُ، وَكَذَا إِنْ جَهِلَ وَكَانَتْ يَدُهُ فِي أَصْلِهَا يَدَ ضَمَانٍ كَالْعَارِيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ كَالْوَدِيعَةِ. . فَالْقَرَارُ عَلَى الْغَاصِبِ. وَمَتَى أَتْلَفَ الآخِذُ مِنَ الْغَاصِبِ مُسْتَقِلًّا بِهِ. . فَالْقَرَارُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا
(وإن اقتصر على الفتح.
. فالأظهر: أنَّه إن طار في الحال.
. ضمن) لأنَّ طيرانه في الحال يُشعر بتنفيره.
(وإن وقف ثمَّ طار.
. فلا) ضمان؛ لأنَّ وقوفه يُشعر بطيرانه باختياره، والثاني: يضمن مطلقًا؛ لأنه لولا الفتح.
. لم يطر، والثالث: لا مطلقًا؛ لأنَّ له اختيارًا.
(والأيدي المترتبة على يد الغاصب أيدي ضمان وإن جهل صاحبها الغصب) لأنه وضع يده على ملك الغير بغير إذنه، والجهل ليس مسقطًا للضمان، بل للإثم؛ فيطالب المالك عند التلف من شاء منهم.
(ثمَّ إن علم) الثاني الغصب (. . فكغاصب من غاصب، فيستقرُّ عليه ضمان ما تلف عنده) فيطالب بكلِّ ما يطالب به الغاصب، وإن تلف المغصوب في يده.
. فقرار الضمان عليه.
نعم؛ لو كانت القيمة في يد الأوّل أكثر.
. فالمطالب بالزيادة هو الأوّل خاصةً، وإليه أشار المصنف بقوله: (فيستقر عليه ضمان ما تلف عنده).
(وكذا إن جهل) الثاني الغصب (وكانت يده في أصلها يدَ ضمان؛ كالعارية) والبيع؛ لأنه دخل في العقد على الضمان؛ فلا غرر.
(وإن كانت يد أمانة؛ كالوديعة.
. فالقرار على الغاصب) لأنه دخل على أن يده نائبةٌ عن يد الغاصب؛ فكأنها لم تخرج عنه، فإن غرم الغاصب.
. لم يرجع على الثاني قطعًا، وإن غرم الثاني.
. رجع على الأوّل.
(ومتى أتلف الآخذ من الغاصب مستقلًّا به.
. فالقرار عليه مطلقًا) سواء أكانت يده يدَ ضمان أم أمانة؛ لأنَّ الإتلاف أقوى من إثبات اليد العادية.
الجزء: 2 - الصفحة: 326
وَإِنْ حَمَلَهُ الْغَاصِبُ عَلَيْهِ بِأَنْ قَدَّمَ لَهُ طَعَامًا مَغْصُوبًا ضِيَافَةً فَأَكَلَهُ.
. فَكَذَا فِي الأَظْهَرِ.
وَعَلَى هَذَا: لَوْ قَدَّمَهُ لِمَالِكِهِ فَأَكَلَهُ.
. بَرِئَ الْغَاصِبُ.
فَصلٌ [في بيان حكم الغصب]
تُضْمَنُ نَفْسُ الرَّقِيقِ بِقِيمَتِهِ أُتْلِفَ أَوْ تَلِفَ تَحْتَ يَدٍ عَادِيَةٍ،
وقوله: (مستقلًا) احترز به عما إذا حمله الغاصب عليه، وفيه تفصيل؛ وهو: إن كان لغرض المتلف؛ كالأكل.
. فسنذكره عقبه، أو للغاصب؛ كذبح الشاة.
. فالقرار على الغاصب، أو لا لغرضٍ؛ كإتلاف المال.
. فعلى المتلف؛ لأنه محظور.
(وإن حمله الغاصب عليه؛ بأن قدم له طعامًا مغصوبًا ضيافة فأكله.
. فكذا في الأظهر) لأنه المتلف، والثاني: أن القرار على الغاصب؛ لأنه غره، هذا إذا قدمه إليه وسكت، فإن قال: (هو ملكي) فإن ضمن المالك الغاصب.
. لم يرجع على الآكل؛ لأنَّ دعواه الملك اعترافٌ منه بأن المالك ظلمه بتغريمه، والمظلوم لا يرجع على غير من ظلمه.
(وعلى هذا) أي: على الأظهر (لو قدمه لمالكه فأكله.
. برئ الغاصب) لأنه المتلف، وعلى الثاني: لا يبرأ.
ومحلُّ ما ذكر: إذا قدمه له على هيئته، فلو غصب سمنًا وعسلًا ودقيقًا، وصنعه حلوى، وقربه لمالكه فأكله.
. لم يبرأ قطعًا؛ لأنه بالخليط صار كالتالف، وانتقل الحقُّ إلى القيمة، ولا تسقط القيمة عندنا ببذل غيرها إلا برضا مستحقها، وهو لم يعلم بذلك؛ قاله الزبيري في "المسكت".
(فصل: تضمن نفس الرقيق) المغصوبة (بقيمته) بالغةً ما بلغت، ولو زادت على دية الحرِّ (أُتلِف أو تلف تحت يدٍ عادية) أي: بتخفيف الياء؛ لأنه مال فوجبت قيمته؛ كسائر الأموال.
ولو قال: (ضامنة) بدل (عادية).
. لكان أولى ليشمل المستام والمستعير وغيرهما، ويخرج الحربي وعبد المالك.
الجزء: 2 - الصفحة: 327
وَأَبْعَاضُهُ الَّتِي لَا يَتَقَدَّرُ أَرْشُهَا مِنَ الْحُرِّ بِمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَكَذَا الْمُقَدَّرَةُ إِنْ تَلِفَتْ، وَإِنْ أُتْلِفَتْ. . فَكَذَا فِي الْقَدِيمِ، وَعَلَى الْجَدِيدِ: تَتَقَدَّرُ مِنَ الرَّقِيقِ، وَالْقِيمَةُ فِيهِ كَالدِّيَةِ فِي الْحُرِّ، فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ. وَسَائِرُ الْحَيَوَانِ بِالْقِيمَةِ، وَغَيْرُهُ مِثْلِيٌّ وَمُتَقَوِّمٌ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْمِثْلِيَّ: مَا حَصَرَهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ وَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ؛
(وأبعاضه التي لا يتقدر أرشُها من الحر) كالسمن والبكارة (بما نَقَص من قيمته) بالإجماع.
(وكذا المقدرة) كاليد (إن تلفت) بآفة سماوية؛ لأنَّ الساقط من غير جناية لا يتعلق به قصاص ولا كفارة، ولا يضرب على العاقلة؛ فأشبه الأموال.
(وإن أُتلفت) بالجناية عليها (. . فكذا في القديم) لأنَّ العبد حيوان مملوك، فوجب في قطع أبعاضه ما نقص من قيمته؛ قياسًا على البهيمة.
(وعلى الجديد: تتقدر من الرقيق، والقيمة فيه كالدية في الحرِّ، ففي يده نصف قيمته) لما سيأتي في آخر (الديات)، فإن المصنف أعادها هناك، هذا إذا كان الجاني غيرَ ذي اليد العادية؛ أما هو.
. فيلزمه أكثر الأمرين من نصف القيمة والأرش، فإذا نَقَص بقطع يده ثلثا قيمته.
. لزمه ذلك على القولين.
(وسائر الحيوان) أي: باقيه تُضمَن أجزاؤه (بالقيمة) لأنه مملوك لا يشبه الحرَّ في أكثر أحكامه فأوجبنا فيه ما نقص بالقياس على الجماد، (وغيره) أي: غير الحيوان من الأموال (مثلي ومتقوم) أي: بكسر الواو؛ لأنه إن كان له مثل.
. فالمثلي، وإلا.
. فالمتقوم.
(والأصحُّ: أن المثلي: ما حصره كيلٌ أو وزن وجاز السلم فيه) فالمعدود والمذروع؛ كالحيوان والثياب ليسا بمثليين وإن جاز السلم فيهما.
وخرج بجواز السلم: ما لا يجوز فيه السلم؛ كالمعجونات، والجواهر الكبار وغيرهما على ما سبق في بابه 60.
وأورد على الضابط: صور؛ منها: خل التمر، فإنَّه متقوِّم، ويحصره الوزن،
الجزء: 2 - الصفحة: 328
كَمَاءٍ وَتُرَابٍ وَنُحَاسٍ وَتِبْرٍ وَمِسْكٍ وَكَافُورٍ وَقُطْنٍ وَعِنَبٍ وَدَقِيقٍ، لَا غَالِيَةٍ وَمَعْجُونٍ. فَيُضْمَنُ الْمِثْلِيُّ بِمِثْلِهِ
ويجوز السلم فيه، ومنها: المعيب من الحبوب وغيرها؛ فإنَّه [ليس مثليًّا؛ فلا يجوز السلم فيه] قاله ابن الصلاح في "فتاويه" 61 مع ضعف ضابط المثلي، ومنها: القمح المختلط بالشعير؛ فإنَّه لا يجوز السلم فيه مع أن الواجب على متلفه ليس هو القيمةَ بلا شك بل يلزمه إخراج القدر المحقق من الحنطة ومن الشعير، كذا قاله الإسنوي، قال الزركشي: وقد يمنع ردُّ مثله؛ لأنه بالاختلاط انتقل من المثلي إلى المتقوم؛ للجهل بالقدر.
(كماء) بارد؛ أما الحارُّ.
. فإنَّه متقوم؛ لدخول النار فيه، ودرجات حَمْوِه لا تنضبط، كذا ذكره في (الإجارة) من "المطلب".
(وتراب) ورمل، (ونحاس) وحديد، (وتبر) وهو الذهب الخارج من المعدن الخالص عن ترابه.
(ومسك وكافور وقطن وعنب ودقيق) وكذا نُخالة، كما قاله ابن الصلاح 62.
وقضية إطلاقه: أنَّه لا فرق في القطن بين ما فيه الحبُّ، وبين المنزوع حبُّه، قال الإسنوي: وبه صرح الرافعي في (السَّلم)، ولم يستحضر هذا في "المطلب"، فقال: أطلقوا بأنّه مثلي، والذي أعتقده أن محلَّه.
. بعد إخراج الحبِّ، أما قبله.
. فالذي يظهر القطعُ بأنّه مُتقوِّم، وأما الصوف.
. فقال الشافعي - رضي الله عنه -: يُضمن بالمثل إن كان له مثل، وهذا توقف منه في أنَّه مثليٌّ أم لا، قال في "البحر": وقيل: فيه قولان 63.
(لا غاليةٍ ومعجون) لأنهما مختلطان من أجزاء مختلفة.
(فيُضمَن المثلي بمثله) لأنه أقرب إلى حقِّه، ويستثنى: ما إذا أتلف الماء في
الجزء: 2 - الصفحة: 329
تَلِفَ أَوْ أُتْلِفَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ. . فَالْقِيمَةُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَقْصَى قِيَمِهِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِلَى تَعَذُّرِ الْمِثْلِ. وَلَوْ نَقَلَ الْمَغْصُوبَ الْمِثْلِيَّ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ. . فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُكَلِّفَهُ رَدَّهُ، وَأَنْ يُطَالِبَهُ بِالْقِيمَةِ فِي الْحَالِ،
المفازة واجتمعا في البلد، أو أتلف الجَمْد في الصيف، واجتمعا في الشتاء.
. فإنَّه تلزمه قيمتُه هناك وحينئذ.
(تلف أو أُتلف) زاد في "المحرر" تحت اليد العادية 64، فحذفها المصنف، فورد عليه المستعير والمستام؛ فإنهما يضمنان المثل بالقيمة، كما تقدم التنبيه عليه في المستعير، قال المنكت: ويجاب بأن كلامه في الغصب دون غيره 65.
(فإن تعذر) المثل لإعوازه (. . فالقيمة) لأنه لا يوجد له مثل؛ فأشبه ما لا مثل له بالكلية، ووجوده بأكثر من ثمن المثل؛ كإعوازه على الأصحِّ.
(والأصحُّ: أن المعتبر أقصى قيمه من وقت الغصب إلى تعذر المثل) لأنَّ وجود المثل كبقاء عين المغصوب؛ لأنه كان مأمورًا برده، كما كان مأمورًا برد المغصوب، فإذا لم يفعل.
. غرم أقصى قيمه في المُدَّتين، ومقابل الأصحِّ: أحد عشر وجهًا؛ منها: أن الاعتبار بيوم المطالبة؛ لأنَّ الإعواز حينئذ يتحقق، ونقله أبو الطيب وابن الصباغ عن الأكثرين.
(ولو نقل المغصوب المثليَّ إلى بلد آخر.
. فللمالك أن يكلفه ردَّه) إذا علم مكانه؛ لما سبق عند قوله: (وعلى الغاصب الردُّ)، فإن هذه بعض تلك، فإن تلك أعم من المثلي، والمُتقوِّم المستقر في بلد الغصب، والمنقول عنه بنقل الغاصب أو أجنبي أو بنفسه، سواء طولب برده أم لا؛ ففي عبارته هنا تكرار مع نقص من وجوهٍ قد ظهرت لك.
(وأن يطالبه بالقيمة في الحال) أي: قبل الردِّ للحيلولة؛ لأنه حال بينه وبين ملكه فأوجبنا القيمة؛ لتسدَّ مسدَّ العين بقدر الإمكان.
وقيد الماوردي المطالبة بالقيمة بالبعيد، فإن قربت مسافته.
. طولب بالردِّ فقط،
الجزء: 2 - الصفحة: 330
فَإِذَا رَدَّهُ. . رَدَّهَا. فَإِنْ تَلِفَ فِي الْبَلَدِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهِ. . طَالَبَهُ بِالْمِثْلِ فِي أَيِّ الْبَلَدَيْنِ شَاءَ، فَإِنْ فُقِدَ الْمِثْلُ. . غَرَّمَهُ قِيمَةَ أَكْثَرِ الْبَلَدَيْنِ قِيمَةً. وَلَوْ ظَفِرَ بِالْغَاصِبِ فِي غَيْرِ بَلَدِ التَّلَفِ. . فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَا مُؤْنَةَ لِنَقْلِهِ كَالنَّقْدِ. . فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْمِثْلِ، وَإِلَّا. . فَلَا مُطَالَبَةَ بِالْمِثْلِ، بَلْ يُغَرِّمُهُ قِيمَةَ بَلَدِ التَّلَفِ. وَأَمَّا الْمُتَقَوِّمُ. . فَيُضْمَنُ بِأَقْصَى قِيَمِهِ مِنَ الْغَصْبِ إِلَى التَّلَفِ، وَفِي الإِتْلَافِ بِلَا غَصْبٍ بِقِيمَةِ يَوْمِ التَّلَفِ، فَإِنْ جَنَى وَتَلِفَ بِسِرَايَةٍ. . فَالْوَاجِبُ: الأَقْصَى أَيْضًا
وهذه القيمة يملكها الآخذ على الأصحِّ.
وليس لنا موضع يجتمع فيه ملك البدل والمبدل على المذهب إلا هذه.
(فإذا ردَّه.
. ردَّها) إن كانت باقية، وإلا.
. فبدلها؛ لزوال الحيلولة.
(فإن تلف في البلد المنقول إليه.
. طالبه بالمثل في أيِّ البلدين شاء) لأنَّ ردَّ العين قد توجه عليه في الموضعين.
(فإن فُقد المثل.
. غرَّمه قيمةَ أكثر البلدين قيمة) تغليظًا عليه؛ لأنه كان يجوز له المطالبة بالمثل فيها.
(ولو ظفر بالغاصب في غير بلد التلف.
. فالصحيح: أنَّه إن كان لا مؤنة لنقله؛ كالنقد.
. كله مطالبته بالمثل) لأنه لا ضرر على واحد منهما.
(وإلا.
. فلا مطالبة بالمثل) ولا للغاصب تكليفه قبولَه؛ لما فيه من الضرر (بل يُغرِّمه قيمة بلد التلف) إذا لم ينقل المغصوب عن موضعه؛ قطعًا للنزاع، والثاني: يطالبه بالمثل مطلقًا؛ كما لو أتلف مثليًّا في وقت الرُّخْص.
. له طلبه في وقت الغلاء.
(وأما المتقوم.
. فيُضمَن بأقصى قيمه من الغصب إلى التلف) لأنه في حال زيادة القيمة غاصب مطالَب بالردِّ، فإذا لم يردَّ.
. ضمن بدله، وتجب قيمته من نقد البلد الذي تلف فيه، (وفي الإتلاف بلا غصب بقيمة يوم التلف) لأنه لم يدخل في ضمانه قبل ذلك، وأما بعده.
. فلا وجود له.
(فإن جنى وتلف بسراية.
. فالواجب: الأقصى أيضًا) أي: إذا جنى وحصل التلف بسراية، واختلفت قيمته في تلك المدة؛ بأن جرح بهيمة قيمتها مئة، ثمَّ تلفت
الجزء: 2 - الصفحة: 331
وَلَا تُضْمَنُ الْخَمْرُ وَلَا تُرَاقُ عَلَى ذِمِّيٍّ إِلَّا أَنْ يُظْهِرَ شُرْبَهَا أَوْ بَيْعَهَا، وَتُرَدُّ عَلَيْهِ إِنْ بَقِيَتِ الْعَيْنُ،
وقيمتها خمسون.
. لزمه مئة؛ لأنا إذا اعتبرنا الأقصى في اليد العادية.
. فلأن يعتبر في نفس الإتلاف أولى.
(ولا تُضمَن الخمر) ولو كانت محترمةً أو لذمي؛ إذ لا قيمة لها؛ كالميتة والدم، والخنزير كالخمر، وكذا كلُّ ما هو نجس العين؛ كالميتة.
وسكت المصنف عن النبيذ؛ فإنَّه لا يدخل في اسم الخمر عند الأكثرين، وفي "الأحكام السلطانية": ينهى متولي الحسبة عن المجاهرة به، ويزجر عليه، ولا يريقه؛ لأنه مالٌ عند الحنفية إلا أن يأمر بإراقته حاكمٌ من أهل الاجتهاد 66.
وذكر المصنف في "الدقائق": أن الحشيشة مسكرة 67؛ فعلى هذا يتجه إلحاقُها بالخمر.
(ولا تُراق على ذمي) لأنهم مقَرّون على الانتفاع بها، كذا علله في "الكفاية" 68 (إلا أن يُظهر شربها أو بيعها) أو هبتها ولو من مثله؛ لأنَّ عقد الذمة قد جرى على تقريرهم عليها ومنع إظهارهم لها.
والإظهار: هو الاطلاع عليه من غير تجسيس.
والخنزير ونحوه كالخمر، قال الإمام: واستعمالهم الأوتار بحيث يسمعها من ليس في دارهم إظهارٌ لها 69.
(وتردُّ عليه إن بقيت العين) إذا كان أخذها منه عند عدم الإظهار؛ لما مرَّ من تقريرهم عليها؛ فإن تلفت.
. فلا ضمان؛ لما مرَّ.
ويعلم من إيجاب الردِّ: أن المؤنة على الآخذ، وهو الأصحُّ، كما ذكراه في (باب الجزية) 70، وقيل: الواجب التخلية فقط، وحكاه الإمام عن المحققين.
الجزء: 2 - الصفحة: 332
وَكَذَا الْمُحْتَرَمَةُ إِذَا غُصِبَتْ مِنْ مُسْلِمٍ. وَالأَصْنَامُ وَآلَاتُ الْمَلَاهِي لَا يَجِبُ فِي إِبْطَالِهَا شَيْءٌ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهَا لَا تُكْسَرُ الْكَسْرَ الْفَاحِشَ، بَلْ تُفَصَّلُ لِتَعُودَ كَمَا قَبْلَ التَّأْلِيفِ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُنْكِرُ عَنْ رِعَايَةِ هَذَا الْحَدِّ لِمَنْعِ صَاحِبِ الْمُنْكَرِ. . أَبْطَلَهُ حَيْثُ تَيَسَّرَ. وَتُضْمَنُ مَنْفَعَةُ الدَّارِ وَالْعَبْدِ وَنَحْوِهِمَا بِالتَّفْوِيتِ وَالْفَوَاتِ فِي يَدٍ عَادِيَةٍ، وَلَا تُضْمَنُ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ إِلَّا بِتَفْوِيتٍ،
(وكذا المحترمة إذا غصبت من مسلم) لأنَّ اتخاذ الخلِّ جائز إجماعًا، ولا يصير العصير خلًّا إلا بعد التخمر؛ فلو أرقناها.
. لتعذر اتخاذ الخلِّ.
والمحترمة - كما قاله الرافعي هنا -: هي التي عصرت من غير قصد الخمرية، وقال في (الرهن): هي التي عصرت بقصد الخلية 71، فالتي عصرت بغير قصد شيء محترمةٌ على الأوّل دون الثاني.
واحترز بـ (المحترمة) عن غيرها، فإنها إذا غصبت من مسلم.
. تراق، ولا تردُّ عليه.
(والأصنام) والصلبان، (وآلات الملاهي) كالطُّنْبور (لا يجب في إبطالها شيء) لأنَّ صنعتها محرَّمةٌ، والمحرم لا يقابل بشيء.
(والأصحُّ: أنها لا تُكسَر الكسرَ الفاحش، بل تُفصَّل لتعود كما قبل التأليف) لأنه إذا فصل الأجزاء كلَّها.
. زال الاسم وعسر العود؛ فكان أدعى إلى الترك، والثاني: أنها تكسر، وتُرضّ حتى تنتهي إلى حدٍّ لا يمكن اتخاذ آلة محرمة منه لا الأولى ولا غيرها؛ لأنه أبلغ في الزجر عن العود.
(فإن عجز المنكر عن رعاية هذا الحدِّ لمنع صاحب المنكر.
. أبطله حيث تيسَّر) 72 وإن زاد على ما قلناه إذا لم يمكن بدونه؛ لأنَّ صاحبه مفرِّط.
(وتُضمَن منفعة الدار والعبدِ ونحوهما بالتفويت والفواتِ في يدٍ عاديةٍ) لأنَّ المنافع مُتقوِّمةٌ؛ فكانت مضمونةً بالغصب؛ كالأعيان.
(ولا تُضمَن منفعة البُضْع) وهو الفرج (إلا بتفويت) بالوطء؛ فإنَّه يضمنه بمهر
الجزء: 2 - الصفحة: 333
وَكَذَا مَنْفَعَةُ بَدَنِ الْحُرِّ فِي الأَصَحِّ.
وَإِذَا نَقَصَ الْمَغْصُوبُ بِغَيْرِ اسْتِعْمَالٍ.
. وَجَبَ الأَرْشُ مَعَ الأُجْرَةِ، وَكَذَا لَوْ نَقَصَ بِهِ؛ بِأَنْ بَلِيَ الثَّوْبُ فِي الأَصَحِّ.
فَصلٌ [في اختلاف المالك والغاصب]
ادَّعَى تَلَفَهُ وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ. . صُدِّقَ الْغَاصِبُ بِيَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيحِ،
المثل على تفصيل فيه، ذكره المصنف في آخر الباب 73.
ولا تضمن بالفوات؛ لأنَّ اليد لا تثبت عليه بل اليد على منفعته للمرأة؛ بدليل أن السيد يزوج أمته المغصوبة ولا يؤجرها؛ لأنَّ يد الغاصب حائلةٌ.
(وكذا منفعة بدن الحرِّ في الأصحِّ) لأنَّ الحرَّ لا يدخل تحت اليد؛ فمنافعه تفوت تحت يده، والثاني: أنها تضمن بالفوات أيضًا؛ لأنها تقوم في العقد الفاسد؛ أي: في الإجارة، فأشبهت منافع الأموال؛ فلو أكرهه على العمل.
. استحق الأجرة.
(وإذا نَقَص المغصوب بغير استعمال) كعمى العبد (. . وجب الأرش مع الأجرة) للنقص والفوات، وتجب أجرته سليمًا من الغصب إلى حدوث النقص، ومعيبًا من حدوث النقص إلى الردِّ.
(وكذا لو نَقَص به) أي: بالاستعمال (بأن بلي الثوبُ) باللبس (في الأصحِّ) لأنَّ كلًّا منهما يجب ضمانُه عند الانفراد؛ فكذا عند الاجتماع، والثاني: أن الواجب أكثر الأمرين من أجرة المثل وأرش النقصان؛ لأنَّ النقصان نَشَأ من الاستعمال، وقد قوبل الاستعمال بالأجرة؛ فلا يجب له ضمان آخر، وردَّه الرافعي: بأن الأجرة ليست في مقابلة الاستعمال، بل في مقابلة الفوات 74.
(فصل: ادعى تلفه وأنكر المالكُ.
. صُدق الغاصب بيمينه على الصحيح) لأنه قد يكون صادقًا ويعجز عن البينة؛ فيتخلد حبسه، وهذا عند إطلاقه دعوى التلف، فإن قيَّده بسبب ظاهر.
. فلا يبعد أن يُحبس حتى يقيم بينةً بالتلف لإمكانه، قاله ابن
الجزء: 2 - الصفحة: 334
فَإِذَا حَلَفَ. . غَرَّمَهُ الْمَالِكُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ أَوِ الثِّيَابِ الَّتِي عَلَى الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ أَوْ فِي عَيْبٍ خَلْقِيٍّ. . صُدِّقَ الْغَاصِبُ بِيَمِينِهِ، وَفِي عَيْبٍ حَادِثٍ. . يُصَدَّقُ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ رَدَّهُ نَاقِصَ الْقِيمَةِ. . لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ
الملقن 75، وهو في "الذخائر"، كما نقله الزركشي في "الخادم"، والثاني: يصدق المالك؛ لأنَّ الأصل بقاؤُه.
(فإذا حلف.
. غرَّمه المالك) المثل أو القيمة (في الأصحِّ) لعجزه عن الوصول إلى عين ماله بيمين الغاصب، والثاني: لا؛ لبقاء العين في زعمه.
(ولو اختلفا في قيمته) مع الاتفاق على الهلاك (أو الثياب التي على العبد المغصوب) فقال المالك: (هي لي)، وقال الغاصب: (هي لي)، (أو في عيب خَلقي) بأن قال: (ولد أكمه)، أو (أعرج)، أو (عدم اليد)، وقال المالك: (كان سليمًا) (. . صدق الغاصب بيمينه) أما في الأولى.
. فلأن الأصل براءةُ ذمته من الزيادة، وعلى المالك البينة، وأما في الثانية.
. فلثبوت يده؛ فإن العبد وما عليه في يد الغاصب.
واحترز بـ (العبد): عما لو غصب حرًّا صغيرًا، قال في "المطلب": ويشبه أن يتخرج على أن غاصبه هل تثبت يده على ثيابه؟ إن قلنا نعم.
. فهو المصدق، وإلا.
. صُدِّق الوليّ.
انتهى، والأصحُّ في الرافعي في آخر (الباب الأوّل) من أبواب السرقة: أن يد غاصب الحرِّ وسارقه لا تثبت على ثيابه 76، وأما في الثالثة.
. فلأن الأصل العدمُ، ويمكن المالك البينة.
(وفي عيب حادث) كما إذا قال: (كان أقطع)، أو (سارقًا) (. . يُصدّق المالك بيمينه في الأصحِّ) لأنَّ الأصل والغالب السلامةُ، والثاني: يصدق الغاصب؛ لأنَّ الأصل براءةُ ذمته.
(ولو رده ناقصَ القيمة.
. لم يلزمه شيء) لأنه لا نقص في ذاته ولا في صفاته، والذي فات إنما هو رَغباتُ الناس.
الجزء: 2 - الصفحة: 335
وَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، فَصَارَتْ بِالرُّخْصِ دِرْهَمًا، ثُمَّ لَبِسَهُ فَأَبْلَاهُ فَصَارَتْ نِصْفَ دِرْهَمٍ فَرَدَّهُ. . لَزِمَهُ خَمْسَةٌ، وَهِيَ قِسْطُ التَّالِفِ مِنْ أَقْصَى الْقِيَمِ. قُلْتُ: وَلَوْ غَصَبَ خُفَّيْنِ قِيمَتُهُمَا عَشَرَةٌ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا وَرَدَّ الآخَرَ وَقِيمَتُهُ دِرْهَمَانِ، أَوْ أَتْلَفَ أَحَدَهُمَا غَصْبًا، أَوْ فِي يَدِ مَالِكِهِ. . لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ حَدَثَ نَقْصٌ يَسْرِي إِلَى التَّلَفِ؛ بِأَنْ جَعَلَ الْحِنْطَةَ هَرِيسَةً. . فَكَالتَّالِفِ، وَفِي قَوْلٍ: يَرُدُّهُ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ.
(ولو غصب ثوبًا قيمته عشرة، فصارت بالرُّخص درهمًا، ثمَّ لبسه فأبلاه فصارت نصف درهم فردَّه.
. لزمه خمسة، وهي قسط التالف من أقصى القيم) لأنَّ الناقص باللبس نصفُ القيمة؛ فيلزمه قيمته أكثر ما كانت من الغصب إلى التلف، وهي خمسة، والنقصان الباقي وهو أربعة ونصف سببه الرخص، وقد مرَّ أنَّه غير مضمون.
(قلت: ولو غصب خُفين قيمتهما عشرة فتلف أحدهما وردَّ الآخر وقيمته درهمان، أو أتلف أحدهما غصبًا) له فقط (أو في يد مالكه.
. لزمه ثمانية في الأصحِّ، والله أعلم) خمسة للتالف، وثلاثة لأرش ما حصل من التفريق؛ لأنه في الصورة الأولى: فوَّت بالتلف ما يساوي الثمانيةَ، وفي الثانية والثالثة: أتلف أحدَهما، وأدخل النقصانَ على الباقي بتعدّيه، وظاهره: عود الخلاف إلى الجميع، وجزم في "الشرحين" في الأولى: بالثمانية 77، لكن حكى في "زيادة الروضة" وجهًا غريبًا عن "التنبيه" و"التتمة" أنَّه يلزمه درهمان 78، وأما في الأخيرتين.
. ففيهما ثلاثة أوجه: أصحها: ما ذكره، وثانيها: يلزمه خمسة، وثالثها: درهمان، والخلاف في كلِّ فردين لا يصلح أحدهما إلا بالآخر؛ كزوجي النعل، ومصراعي الباب.
(ولو حدث نقص) في المغصوب (يسري إلى التلف؛ بأن جعل الحنطة هَرِيسة.
. فكالتالف) لإشرافه على الهلاك، فكأنه هلك؛ فيغرم بدل كلِّ المغصوب من مثل أو قيمة، (وفي قول: يردُّه مع أرش النقص) قياسًا على العيب الذي لا يسري، وفي قول ثالث: أن المالك يتخير بين موجب القولين، واستحسنه في "الشرح الصغير"، واختاره السبكي.
الجزء: 2 - الصفحة: 336
وَلَوْ جَنَى الْمَغْصُوبُ فَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ مَالٌ. . لَزِمَ الْغَاصِبَ تَخْلِيصُهُ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَالْمَالِ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ. . غَرَّمَهُ الْمَالِكُ، وَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ تَغْرِيمُهُ وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَا أَخَذَهُ الْمَالِكُ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ
وعلى الأوّل: هل تبقى الهَرِيسة للغاصب أم للمالك؟ وجهان، بلا ترجيح في "الشرح" و"الروضة" 79، لكن جزم المصنف في "نكته" بالأول، وصححه السبكي، وقال: لا وجه لمقابله.
واحترز بقوله: (يسري) عما لا سراية له؛ فإن على الغاصب أرشَه وردَّ الباقي مطلقًا.
(ولو جنى المغصوب فتعلق برقبته مال.
. لزم الغاصب تخليصُه) لأنه نقص في يده، وهو مضمون عليه (بالأقلِّ من قيمته والمالِ) الواجب بالجناية؛ لأنَّ الأقلَّ إن كان هو القيمةَ.
. فهو الذي دخل في ضمانه، وإن كان هو المالَ المتعلق بالرقبة.
. فهو الذي وجب.
(فإن تلف في يده) أي: تلف العبد الجاني في يد الغاصب (. . غرمه المالك) أقصى القيم من الغصب إلى التلف؛ كسائر الأعيان المغصوبة.
(وللمجني عليه تغريمه) أي: تغريم الغاصب؛ لأنَّ جناية المغصوب مضمونةٌ عليه، (وأن يتعلق بما أخذه المالك) من الغاصب بقدر حقِّه؛ لأنَّ حقَّه كان متعلقًا بالرقبة فيتعلق ببدلها؛ قياسًا على بدل المرهون.
(ثمَّ يرجع المالك على الغاصب) بما أخذه منه المجني عليه؛ لأنَّ أخذه؛ أعني: المالك لم يسلم له، بل أخذ منه بجناية مضمونة على الغاصب، وهذا أحد المواضع التي يُغرَّم فيها بدلان في متلف واحد.
ومقتضى قوله: (ثمَّ يرجع) أنَّه ليس للمالك مطالبة الغاصب بالأرش قبل أن يأخذ المجني عليه القيمةَ منه، وبه صرح الإمام؛ لاحتمال الإبراء 80، وقال في "المطلب": له ذلك كما يطالب الضامن المضمون بتخليصه، قال الإسنوي:
الجزء: 2 - الصفحة: 337
وَلَوْ رَدَّ الْعَبْدَ إِلَى الْمَالِكِ فَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ. . رَجَعَ الْمَالِكُ بِمَا أَخَذَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَلَى الْغَاصِبِ. وَلَوْ غَصَبَ أَرْضًا فَنَقَلَ تُرَابَهَا. . أَجْبَرَهُ الْمَالِكُ عَلَى رَدِّهِ أَوْ رَدِّ مِثْلِهِ وَإِعَادَةِ الأَرْضِ كَمَا كَانَتْ، وَلِلنَّاقِلِ الرَّدُّ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْهُ الْمَالِكُ إِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ، وَإِلَّا. . فَلَا يَرُدُّهُ بِلَا إِذْنٍ فِي الأَصَحِّ، وَيُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَا حَفْرُ الْبِئْرِ وَطَمُّهَا. وَإِذَا أَعَادَ الأَرْضَ كَمَا كَانَتْ وَلَمْ يَبْقَ نَقْصٌ. . فَلَا أَرْشَ، لَكِنْ
وما ذكره بحثًا وتشبيهًا إنما يقتضي المطالبة بالأداء للمجني عليه لا للمالك، وليس كلامُ الإمام فيه.
(ولو ردَّ العبد إلى المالك فبِيع في الجناية.
. رجع المالك بما أخذه المجني عليه على الغاصب) لأنَّ الجناية حصلت حين كان مضمونًا عليه.
(ولو غصب أرضًا فنقل ترابَها.
. أجبره المالك على ردِّه) إن كان باقيًا (أو ردِّ مثله) إن كان تالفًا؛ لأنَّ التراب مثليٌّ كما مرَّ.
وصورة المسألة: ما إذا كشط التراب عن وجه الأرض؛ فإن أخذه من مكان واحد بحيث صار مكانه حفرة.
. فقد ذكره المصنف بعد ذلك.
(وإعادةِ الأرض كما كانت) من انبساط أو ارتفاع أو انخفاض؛ لإمكان ذلك، (وللناقل الردُّ وإن لم يطالبه المالك إن كان له فيه غرض) بأن كان قد نقل التراب إلى ملك غيره، أو حصل في الأرض نقص يزول بالردِّ؛ لدفع الضرر عنه.
(وإلا) أي: وإن لم يكن له فيه غرض؛ بأن نقله إلى موات (. . فلا يردُّه بلا إذن في الأصحِّ) لأنه تصرف في ملك غيره على وجه الإتعاب بلا نفع، وذلك سفهٌ، والثاني: له ردُّه؛ لأنه ردُّ ملكه إلى محله.
ومحلُّ الخلاف: إذا لم يمنعه المالك من الردِّ؛ فإن منعه.
. لم يردَّ جزمًا.
(ويقاس بما ذكرنا حفرُ البئر وطَمُّها) فله الطَّمُّ بترابه إن كان باقيًا، وكذا بمثله إن كان تالفًا على الأصحِّ، ثمَّ إن أمره المالك بالطَّمِّ.
. لزمه، وإلا؛ فإن كان له فيه غرض.
. استقلَّ به، وإلا.
. فلا في الأصحِّ، ومن الغرض هنا دفع ضمان التردي، فإن منعه المالك وقال: (رضيت باستدامة البئر).
. امتنع عليه الطَّمُّ في الأصحِّ.
(وإذا أعاد الأرض كما كانت ولم يبق نقص.
. فلا أرش) لعدم الموجب له (لكن
الجزء: 2 - الصفحة: 338
عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمُدَّةِ الإِعَادَةِ، وَإِنْ بَقِيَ نَقْصٌ. . وَجَبَ أَرْشُهُ مَعَهَا. وَلَوْ غَصَبَ زَيْتًا وَنَحْوَهُ وَأَغْلَاهُ فَنَقَصَتْ عَيْنُهُ دُونَ قِيمَتِهِ. . رَدَّهُ وَلَزِمَهُ مِثْلُ الذَّاهِبِ فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ فَقَطْ. . لَزِمَهُ الأَرْشُ، وَإِنْ نَقَصَتَا. . غَرِمَ الذَّاهِبَ وَرَدَّ الْبَاقِيَ مَعَ أَرْشِهِ إِنْ كَانَ نَقْصُ الْقِيمَةِ أَكْثَرَ
عليه أجرةُ المثل لمدة الإعادة) لأنه فوَّتها بسبب هو فيه متعدٍّ، وعبارة "الشرح" و"الروضة" لمدة الحفر والإعادة 81، قال السبكي: وهذه أزيد فائدة.
(وإن بقي نقصٌ.
. وجب أرشُه معها) أي: مع الأجرة؛ لاختلاف سببهما.
(ولو غصب زيتًا ونحوه) من الأدهان؛ كالسَّيْرج 82 (وأغلاه فنقصت عينهُ دون قيمته) بأن غصب صاعًا قيمته درهمٌ فصار إلى نصف صاع قيمته درهم (. . ردَّه ولزمه مثل الذاهب في الأصحِّ) لأنَّ له بدلًا مقدرًا، وهو المثل، فأوجبناه وإن زادت القيمة، كما لو خصى العبد فزادت قيمته؛ فإنَّه يضمن قيمته على الجديد، والزيادة الحاصلة أثر محض لا ينجبر به النقصان، والثاني: يردُّه، ولا شيء عليه؛ إذ ما فيه من الزيادة والنقصان حصل بسبب واحد؛ فينجبر النقصان بالزيادة.
(وإن نقصت القيمة فقط.
. لزمه الأرش) قياسًا على غيره.
(وإن نقصتا.
. غرم الذاهبَ وردَّ الباقي مع أرشه إن كان نقصُ القيمة أكثر) مما نقص من العين؛ كرطلين قيمتهما درهمان صارا بالإغلاء رطلًا قيمته نصف درهم؛ فيردُّ الباقي ويردُّ معه رطلًا ونصف درهم، فإن لم يكن نقص القيمة أكثر بألا يحصل في الباقي نقص فيغرم الذاهب ولا أرش للباقي.
وترك المصنف قسمًا رابعًا؛ لوضوحه، وهو: ما إذا لم تنقص عينه ولا قيمته؛ فيردُّه ولا شيء عليه.
ولو غصب عصيرًا وأغلاه.
. فقيل: هو كالزيت؛ فيضمن مثلَ الذاهب وإن لم تنقص قيمته في الأصحِّ، والأصحُّ: أنَّه لا يضمن المثلَ والحالةُ هذه؛ لأنَّ الذاهب مائيتُه، والذاهبَ من الزيت زيت.
الجزء: 2 - الصفحة: 339
وَالأَصَحُّ: أَنَّ السِّمَنَ لَا يَجْبُرُ نَقْصَ هُزَالٍ قَبْلَهُ، وَأَنَّ تَذَكُّرَ صَنْعَةٍ نَسِيَهَا يَجْبُرُ النِّسْيَانَ. وَتَعَلُّمُ صَنْعَةٍ لَا يَجْبُرُ نِسْيَانَ أُخْرَى قَطْعًا. وَلَوْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ. . فَالأَصَحُّ: أَنَّ الْخَلَّ لِلْمَالِكِ، وَعَلَى الْغَاصِبِ الأَرْشُ إِنْ كَانَ الْخَلُّ أَنْقَصَ قِيمَةً
(والأصحُّ: أن السِّمن لا يَجبُر نقصَ هُزالٍ قبله) مثاله: غصب جارية سمينة فهزلت ثمَّ سمنت؛ فإنَّه يردُّها وأرش السمن الأوّل؛ لأنَّ الثاني غيرُ الأوّل، والثاني: يجبر؛ كما لو جنى على عين.
. فابيضت، وزال البياض.
وأشار بقوله: (نقص) إلى أن السمن المفرط الذي لا تنقص القيمة بزواله.
. غير مضمون، وهو كذلك، فلو انعكس الحال؛ بأن سمنت المعتدلة عند الغاصب سمنًا مفرطًا فنقصت القيمة.
. ردَّها ولا شيء عليه؛ لأنها لم تنقص حقيقةً ولا عرفًا، كذا نقله في "الكفاية" عن أبي الطيب، وأقره 83، وقاله سليم في "المجرد" أيضًا، قال الإسنوي والمنكت: (وفيه نظر) 84.
(وأن تذكر صَنعةٍ نسيها يَجبر النسيان) أي: فيما إذا غصبه وهو يحسن صَنعة، فنسيها ثمَّ تذكرها، أو تعلمها؛ لأنَّ العائد هو الأوّل، والسمن الثاني زيادة في الجسم محسوسة مغايرة لتلك الأجزاء الذاهبة، والثاني: لا يجبر؛ كالسمن.
وقضية إطلاقه: أن التذكر في يد المالك يكون جائزًا أيضًا حتى يستردَّ ما دفع من الأرش، قال في "المطلب": وهو الذي يظهر 85.
(وتعلم صَنعة لا يَجبر نسيانَ أخرى قطعًا) وإن كانت أرفع من الأولى؛ لاختلاف الأغراض.
(ولو غصب عصيرًا فتخمر ثمَّ تخلل.
. فالأصحُّ: أن الخلَّ للمالك) لأنه عين ماله، وإنما انتقل من صفة إلى صفة، (وعلى الغاصب الأرش إن كان الخلُّ أنقصَ قيمةً) من العصير؛ لحصوله تحت يده، فإن لم تنقص قيمتُه.
. اقتصر عليه،
الجزء: 2 - الصفحة: 340
وَلَوْ غَصَبَ خَمْرًا فَتَخَلَّلَتْ، أَوْ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ.
. فَالأَصَحُّ: أَنَّ الْخَلَّ وَالْجِلْدَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
فَصلٌ [فيما يطرأ على المغصوب من زيادة ووطء وانتقال]
زِيَادَةُ الْمَغْصُوبِ إِنْ كَانَتْ أَثَرًا مَحْضًا كَقِصَارَةٍ. . فَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ بِسَبَبِهَا، وَلِلْمَالِكِ تَكْلِيفُهُ رَدَّهُ كَمَا كَانَ إِنْ أَمْكَنَ، وَأَرْشَ النَّقْصِ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا؛ كَبِنَاءٍ وَغِرَاسٍ. . كُلِّفَ الْقَلْعَ
والثاني: يغرم مثل العصير، والخلُّ للمالك؛ لأنَّ العصير قد لزمه بالتخمير، والتخليل الواقع بعده نعمة جديدة؛ فيكون المالك أولى بذلك؛ لأنه فرعُ ملكه.
(ولو غصب خمرًا فتخللت، أو جِلْد ميتة فدبغه.
. فالأصحُّ: أن الخلَّ والجلد للمغصوب منه) لأنهما فرعا ملكه، فإن تلفا في يده.
. غرمهما، والثاني: أنهما للغاصب؛ لحصولهما عنده مما ليس بمال، والثالث: الخلُّ للمالك دون الجلد؛ لأنه صار مالًا بفعله، والرابع: عكسه؛ لأنَّ جلد الميتة يُقتنى بخلاف الخمر.
واحترز بقوله: (غصب) عما لو أعرض المالك عنهما؛ بأن أراق الخمر أو ألقى الشاة الميتة فأخذها شخص.
. فالأصحُّ في "زيادة الروضة" هنا، وفي "أصلها" في باب (الصيد والذبائح) أنَّه لا يسترد 86.
(فصل: زيادة المغصوب إن كانت أثرًا محضًا؛ كقصارة.
. فلا شيء للغاصب بسببها) لتعديه، بخلاف المفلس فإنَّه يكون شريكًا؛ لعدم تعديه.
(وللمالك تكليفه ردَّه كما كان إن أمكن) كردِّ اللَّبِن طينًا، والدراهم سبائك؛ لتعديه بفعله، فإن لم يمكن كما في القصارة.
. فلا يكلف ذلك، بل يردُّه بحاله، (وأرشَ النقص) إذا ردَّه ناقصًا عما كان حالَ الغصب؛ لأنه نشأ مما فعله متعديًا.
(وإن كانت عينًا؛ كبناء وغراس.
. كُلِّف القلع) وأرش ما نقص؛ لأنه عرق ظالم.
الجزء: 2 - الصفحة: 341
وَإِنْ صَبَغَ الثَّوْبَ بِصِبْغِهِ وَأَمْكَنَ فَصْلُهُ. . أُجْبِرَ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ؛ فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ. . فَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِيهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ. . لَزِمَهُ الأَرْشُ، وَإِنْ زَادَتِ. . اشْتَرَكَا فِيهِ
(وإن صبغ الثوب بصِبغه وأمكن فصلُه) بأن كان الصبغ غير معقود (. . أجبر عليه في الأصحِّ) قياسًا على البناء والغراس، والثاني: لا؛ لما فيه من ضرر الغاصب، بخلاف الغراس فإنَّه لا يضيع بالإخراج.
ومحل الأوّل: إذا حصل من الصبغ عينٌ، فلو كان تمويهًا محضًا.
. لم يجبر على الأصحِّ في "أصل الروضة" 87.
(وإن لم يمكن) الفصل؛ بأن كان الصبغ معقودًا (فإن لم تزد قيمتُه) ولم تنقص بأن كانت قيمةُ الثوب عشرة، والصبغ أيضًا يساوي عشرة، فصارت قيمتُه بعد الصبغ عشرة، لا لانخفاض سوق الثياب، بل لأجل الصبغ (. . فلا شيء للغاصب فيه) لأنَّ صبغه كالمنمحق والحالةُ هذه.
(وإن نقصت) قيمته؛ بأن صار يساوي خمسة (. . لزمه الأرش) لأنَّ ذلك حصل بفعله.
(وإن زادت.
. اشتركا فيه) هذا بصبغه، وهذا بثوبه، فإن لم ينقص عن العشرين في مثالنا السابق.
. فهو بينهما نصفين، سواء زادت عليها أم لا، وإن نقصت.
. حُسب النقصان على صاحب الصبغ؛ لتفريطه، فلو ساوى خمسة عشر مثلًا.
. كان بينهما أثلائًا أيضًا، وقد أطلق الجمهور المسألة.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب، والبَنْدَنيجي، وسليم، والقاضي الحسين، و"الشامل"، و"التتمة": إن كان النقص لانخفاض سعر الثياب.
. فالنقص محسوبٌ على الثوب، أو سعر الصبغ أو الصنعة.
. فعلى الصبغ، وإن زاد سعر أحدهما.
. فالزيادة له، أو بسبب الصنعة.
. فهي بينهما؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما قد زاد بالصنعة، والزيادة إذا كانت أثرًا تسلم للمغصوب منه، قال الرافعي: ويمكن تنزيل
الجزء: 2 - الصفحة: 342
وَلَوْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ بِغَيْرِهِ وَأَمْكَنَ التَّمْيِيزُ. . لَزِمَهُ وَإِنْ شَقَّ، فَإِنْ تَعَذَّرَ. . فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَالتَّالِفِ فَلَهُ تَغْرِيمُهُ، وَلِلْغَاصِبِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِ الْمَخْلُوطِ. وَلَوْ غَصَبَ خَشَبَةً وَبَنَى عَلَيْهَا. . أُخْرِجَتْ، وَلَوْ أَدْرَجَهَا فِي سَفِينَةٍ. . فَكَذَلِكَ إِلَّا أَنْ
إطلاق مَنْ أطلق على هذا التفصيل 88.
(ولو خلط المغصوب بغيره وأمكن التمييز.
. لزمه وإن شقَّ) سواء خلط بالجنس أو بغيره؛ لإمكان ردِّ عين ما أخذ، فإن لم يمكن تمييز جميعه.
. وجب تمييز ما أمكن، قاله في "الشامل".
(فإن تعذر) كأن خلط الزيت بالزيت (. . فالمذهب: أنَّه كالتالف، فله تغريمه) سواء خلطه بمثله أم بأجود أم بأردأ؛ لأنه لمَّا تعذر ردُّه أبدًا.
. أشبه التالف، والثاني: أنهما يشتركان في المخلوط، ويرجع في قدر حقِّه منه؛ قياسًا على مسألة الصبغ.
والطريق الثاني: القطع بالأول، والثالث: إن خلط بمثله.
. اشتركا، وإلا.
. فكالهالك.
وكلامه يشمل: ما لو خلطه بغير جنسه؛ كزيت بشَيْرَج، وفيه الطريقان، لكنه أولى؛ لكونه كالهالك.
(وللغاصب أن يعطيه من غير المخلوط) لأنَّ الحقَّ قد انتقل إلى الذمة؛ إذ التفريع على قول الهلاك.
(ولو غصب خشبةً وبنى عليها.
. أُخرجت) ولو تلف على الغاصب بسببه أضعاف قيمته لتعديه.
هذا إذا لم تعفن، فإن عفنت.
. فهي كالهالكة؛ فلا تنزع، قال الشيخ برهان الدين الفزاري: المراد بعفنها: أن تبقى بحيث لو أخرجت.
. لم تكن لها قيمة.
وحكم الآجرِّ واللَّبِن والجص: حكم الخشبة، فلو قال: (غصب شيئًا).
. لكان أعمَّ.
(ولو أدرجها في سفينة.
. فكذلك) أي: أنها تخرج إن لم تعفن؛ لما مرَّ (إلا أن
الجزء: 2 - الصفحة: 343
يَخَافَ تَلَفَ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ مَعْصُومَيْنِ. وَلَوْ وَطِئَ الْمَغْصُوبَةَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ. . حُدَّ، وَإِنْ جَهِلَ. . فَلَا حَدَّ، وَفِي الْحَالَيْنِ يَجِبُ الْمَهْرُ إِلَّا أَنْ تُطَاوِعَهُ فَلَا يَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَيْهَا الْحَدُّ إِنْ عَلِمَتْ. وَوَطْءُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْغَاصِبِ كَوَطْئِهِ فِي الْحَدِّ وَالْمَهْرِ،
يخاف تَلَف نفسٍ أو مالٍ معصومين) بأن كانت في لُجَّة البحر والخشبة في أسفلها؛ لحرمتهما وله أمد ينتظر.
وله المطالبة بالقيمة للحيلولة.
ولم يقيدا في "الشرح" و"الروضة" المال بالمعصوم 89، وكأن المصنف احترز به عن مال الحربي 90، وأما مال الغاصب.
. ففيه خلاف، والأصحُّ في "زيادة الروضة": أنها لا تنزع 91.
(ولو وطئ المغصوبة عالمًا بالتحريم.
. حُدَّ) لأنه زنًا، سواء كانت عالمة أو جاهلة، (وإن جهل) تحريم الوطء؛ لجهله بتحريم الزنا مطلقًا، أو لتوهم حلِّها لدخولها بالغصب في ضمانه، وقبلنا قوله؛ بأن قرب عهده بالإِسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن المسلمين (. . فلا حدَّ) للشبهة.
(وفي الحالين) أي: حالي علمه وجهله (يجب المهر) لأنها ليست زانيةً والحالةُ هذه، (إلا أن تطاوعه فلا يجب على الصحيح) لأنها زانية، وقد نهي عن مهر البغي 92، وهي الزانية، والثاني: يجب؛ لأنه للسيد فلا تؤثر طواعيتُها فيه.
وأجاب الأوّل: بأن المهر وإن كان للسيد.
. فقد عهدنا أنَّه يتأثر بفعلها؛ بدليل ما لو ارتدت قبل الدخول.
(وعليها الحدُّ إن علمت) التحريم لزناها، فإن جهلت.
. فلا، ولم يتعرض لأرش البكارة، وفيه اضطرابٌ نذكره في (كتاب الديات) إن شاء الله تعالى.
(ووطء المشتري من الغاصب كوطئه) أي: كوطء الغاصب (في الحدِّ والمهر)
الجزء: 2 - الصفحة: 344
فَإِنْ غَرِمَهُ. . لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ فِي الأَظْهَرِ، وَإِنْ أَحْبَلَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ. . فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ غَيْرُ نَسِيبٍ، وَإِنْ جَهِلَ. . فَحُرٌّ نَسِيبٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الانْفِصَالِ، وَيَرْجِعُ بِهَا الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ. وَلَوْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَغَرِمَهُ. . لَمْ يَرْجِعْ،
لاشتراكهما في وضع أيديهما على مال الغير بغير حقٍّ، فيعود ما ذكرناه في حالتي العلم والجهل، إلا أن جهل المشتري قد ينشأ من الجهل بكونها مغصوبةً أيضًا؛ فتقبل دعواه من غير اشتراط قرب عهده بالإِسلام، وكونه نشأ ببادية بعيدة.
(فإن غرمه) أي: غرم المالك المشتري المهر (. . لم برجع به) المشتري (على الغاصب في الأظهر) لأنه قد انتفع، وباشر الإتلاف، والثاني: يرجع إذا جهل الغصب؛ لأنه لم يدخل في العقد على ضمانه، فيرجع به على من غرَّه، وهو البائع.
وأجري هذا الخلاف في أرش البكارة أيضًا، قال الرافعي: وعدم الرجوع به أظهر؛ لأنه بدل جزء منها أتلفه، فأشبه ما لو قطع عضوًا من أعضائها 93.
(وإن أحبل) المشتري منه (عالمًا بالتحريم.
. فالولد رقيق غير نسيب) لأنه زنًا، (وإن جهل.
. فحرٌّ نسيبٌ) للشبهة، والمشهور - كما قال في "المطلب" -: أنَّه انعقد حرًّا لا رقيقًا، ثمَّ عُتق.
(وعليه قيمته) بتقدير رقِّه، لتفويته رقَّه بظنه (يوم الانفصال) لأنَّ التقويم قبله غيرُ ممكن.
هذا إن انفصل حيًّا، فإن انفصل ميتًا بجناية.
. فعلى الجاني الغرَّة، وعليه عشر قيمة الأم للمالك؛ لأنا نقدره رقيقًا في حقِّه، وإن انفصل ميتًا بغير جناية.
. فالمشهور: عدم ضمانه؛ لعدم تيقن حياته.
(ويرجع بها) أي: بالقيمة (المشتري على الغاصب) لأنَّ الشراء لم يوجب ضمانه، لأنَّ مقتضاه: أن يسلم له الولد حرًّا من غير غرامة.
(ولو تلف المغصوب عند المشتري وغرمه.
. لم يرجع) به عالمًا كان أو جاهلًا؛ لأنَّ المبيع بعد القبض من ضمان المشتري، فلما أقدم على الشراء.
. وطن نفسه على أنَّه من ضمانه.
الجزء: 2 - الصفحة: 345
وَكَذَا لَوْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ فِي الأَظْهَرِ، وَلَا يَرْجِعُ بِغُرْمٍ مَنْفَعَةٍ اسْتَوْفَاهَا فِي الأَظْهَرِ، وَيَرْجِعُ بِغُرْمِ مَا تَلِفَ عِنْدَهُ وَبِأَرْشِ نَقْصِ بِنَائِهِ وَغِرَاسِهِ إِذَا نُقِضَ فِي الأَصَحِّ. وَكُلُّ مَا لَوْ غَرِمَهُ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِهِ لَوْ غَرِمَهُ الْغَاصِبُ. . لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي،
(وكذا لو تعيب عنده في الأظهر) تسويةً بين الجملة والأجزاء، والثاني: يرجع؛ لأنَّ العقد يوجب ضمانَ الجملة ولا يوجب ضمانَ الأجزاء على الانفراد؛ بدليل أن المبيع لو تعيَّب قبل القبض.
. لم يكن له استرداد ما يقابله، بل إمَّا أن يرضى به معيبًا أو يفسخ، ولو تلف.
. لكان يستردُّ كلَّ الثمن.
ومحلُّ الخلاف: إذا تعيب لا بفعل المشتري، فإن كان بفعله.
. فلا يرجع قطعًا.
(ولا يرجع بغُرمِ منفعة استوفاها) كالسكنى والركوب واللبس (في الأظهر) هما القولان في المهر، وقد مرَّ توجيههما.
(ويرجع بغُرم ما تلف عنده وبأرش نقص بنائه وغراسه إذا نُقِض في الأصحِّ) في المسألتين: أما الأولى: وهي منافع المغصوب إذا تلفت تحت يد المشتري ولم يستوفها.
. فيضمنها للمالك بأجرة مثلها، وهل يرجع بها على الغاصب؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ تنزيلًا للتالف تحت يده منزلةَ الإتلاف، وأصحهما: نعم؛ لأنه لم يتلف، ولا شرع في العقد على أن يضمنه.
وأما الثانية: وهي ما إذا بني المشتري أو غرس في الأرض المغصوبة، ثمَّ نقض المالك بناءه وغراسه، فهل يرجع بأرش النقصان على الغاصب؟ فيه وجهان: والأصح: الرجوع؛ لأنه قد شرع في العقد على ظن السلامة فيرجع على من غرَّه، وهو الغاصب، ووجه مقابله: القياس على عدم الرجوع بما أنفق على العمارة، وكأنه بالبناء متلف ماله.
وثمرة الشجرة ونتاج الدابة وكسب العبد كالمنفعة، قاله المتولي، قال السبكي: ويمكن إدخاله في كلام المصنف، ولولا أنَّه شامل لذلك.
. لقال: (ما فات) لأنها العبارة المستعملة في المنفعة.
(وكلُّ ما لو غرمه المشتري رجع به) على الغاصب؛ كقيمة الولد وأجرة المنافع الفائتة تحت يده (لو غرمه الغاصب) للمالك (. . لم يرجع به على المشتري) لأنَّ
الجزء: 2 - الصفحة: 346
وَمَا لَا. . فَيَرْجِعُ. قُلْتُ: وَكُلُّ مَنِ انْبَنَتْ يَدُهُ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ فَكَالْمُشْتَرِي، وَاللهُ أَعْلَمُ.
القرار عليه لا على المشتري، والرجوع على من عليه القرار.
(وما لا.
. فيرجع) أي: وكلُّ ما لو غرمه المشتري.
. لكان لا يرجع به على الغاصب؛ كقيمة المنافع التي استوفاها، فإذا غرمه الغاصب.
. رجع به على المشتري؛ لأنَّ القرار عليه.
(قلت: وكلُّ من انبنت يده على يد الغاصب فكالمشتري، والله أعلم) أي: في الضابط المذكور في الرجوع وعدمه، وليس المراد: أنَّه كالمشتري في جميع ما سبق.
وقوله: (انبنت) هو بألف ثمَّ نون ثمَّ باء موحدة ثمَّ نون ثمَّ تاء مثناة من فوق، كذا ضبطه المصنف بخطه.
الجزء: 2 - الصفحة: 347
كتابُ الشُّفْعة لَا تَثْبُتُ فِي مَنْقُولٍ، بَلْ فِي أَرْضٍ وَمَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ وَشَجَرٍ تَبَعًا،
﴿كتاب الشفعة﴾
هي بإسكان الفاء: عبارة عن حقِّ تملُّكٍ قهريٍّ، يثبت للشريك القديم على الحادث بسبب الشركة بالعوض الذي تملك به؛ لدفع ضرر مؤنة القسمة، واستحداثِ المرافق وغيرها، وقيل: ضررِ سوء المشاركة.
مشتقة من الشَّفع؛ تقول: شفعت الشيء بكذا: إذا جعلته شفعًا، فكأنَّ الشفيع يجعل نصيبه شفعًا بنصيب شريكه، وقيل: من الشفاعة؛ لأنَّ الأخذ في الجاهلية كان بها.
والأصل فيها قبل الإجماع: أحاديث؛ منها: حديث جابر - رضي الله عنه -: (قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كلِّ ما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدود وصُرفت الطرق.
. فلا شفعة) رواه البخاري 94.
وذكرت الشفعة عقب الغصب؛ لأنها تؤخذ قهرًا، فكأنها مستثناة من تحريم أخذ مال الغير قهرًا.
(لا تثبت في منقول) كالثياب والحيوان وغيرهما؛ لأنَّ العقار يدوم، فيتأبد ضرر المشاركة فيه، بخلاف المنقول.
(بل في أرض وما فيها من بناء) وما يتبعه من أبواب ونحوها، (وشجرٍ تبعًا) لحديث جابر: (قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كلِّ شركة لم تُقسم رَبعةٍ، أو حائط ولا يحلُّ له أن يبيع حتى يُؤذن شريكَه، فإن شاء.
. أخذ، وإن شاء.
. ترك، فإذا باع ولم يُؤذنه.
. فهو أحقُّ به) رواه مسلم 95.
والرَّبْعة: المنزل الذي يَرْبَع به الإنسان، ويتوطنه، تأنيث رَبْع، والحائط: البستان بغراسه.
الجزء: 2 - الصفحة: 349
وَكَذَا ثَمَرٌ لَمْ يُؤَبَّرْ فِي الأَصَحِّ. وَلَا شُفْعَةَ فِي حُجْرَةٍ بُنِيَتْ عَلَى سَقْفٍ غَيْرِ مُشْتَرَكٍ، وَكَذَا مُشْتَرَكٌ فِي الأَصَحِّ. وَكُلُّ مَا لَوْ قُسِمَ بَطَلَتْ مَنْفَعَتُهُ الْمَقْصُودَةُ؛ كَحَمَّامٍ وَرَحَىً. . لَا شُفْعَةَ فِيهِ فِي الأَصَحِّ
واحترز بقوله: (تبعًا) عمَّا إذا باع أرضًا فيها شجرةٌ جافةٌ شرطا دخولها في البيع، فإنها لا تؤخذ بالشفعة؛ لأنها لم تدخل بالبيع، بل بالشرط.
وما إذا باع البناء والشجر وحده، والأرض محكرة مثلًا.
. فلا شفعة في الأصحِّ؛ لأنهما في حكم المنقول.
(وكذا ثمر لم يؤبر في الأصحِّ) لأنه يتبعه في البيع؛ فكذا في الأخذ، والثاني: أنها كالمؤبرة؛ لأنها منقولةٌ.
فعلى الأوّل: لو تأخر الأخذ لغيبة الشفيع حتى أبرت.
. فالأصحُّ: أنَّه يأخذها؛ لتقدم حقِّه، وزيادتها كزيادة الشجرة.
واحترز بقوله: (لم يؤبر) عما إذا كان مؤبرًا عند البيع ودخل بالشرط.
. فإنَّه لا شفعة فيها؛ لأنها لا تدوم في الأرض؛ فيأخذ الشفيع الأرض والنخل بحصتهما من الثمن، هذا كلُّه إذا بيعت الأشجار مع البياض الذي يتخللها، أو بيع البستان كلُّه.
أما إذا بيعت الأشجار ومغارسها فقط، أو الجدار مع الأُسِّ.
. فلا شفعة على الأصحِّ؛ لأنَّ الأرض تابعةٌ ههنا، والمتبوع منقول.
(ولا شفعة في حجرة بنيت على سقف غير مشترك) بأن بنيا على سقف لثالث أو لأحدهما ثمَّ يبيع أحدهما نصيبه منها.
. فلا شفعة؛ لأنه لا أرض لها ولا ثبات، فهي كالمنقولات.
(وكذا مشترك في الأصحِّ) لأنَّ السقف الذي هو أرضها لا ثبات له أيضًا، وما لا ثبات له في نفسه لا يفيد ثباتًا لما هو عليه، والثاني: نعم؛ لحصول الشركة في أرض الحجرة وجدرانها.
(وكلُّ ما لو قسم بطلت منفعته المقصودة؛ كحمام ورَحَىً) صغيرين لا يجيء منهما حمامان وطاحونان، كما ذكره في (القسمة) (. . لا شفعة فيه في الأصحِّ) الخلاف مبني على ثبوتها في المنقسم هل هو لدفع ضرر مؤنة القسمة أو لسوء
الجزء: 2 - الصفحة: 350
وَلَا شُفْعَةَ إِلَّا لِشَرِيكٍ، وَلَوْ بَاعَ دَارًا وَلَهُ شَرِيكٌ فِي مَمَرِّهَا. . فَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِيهَا، وَالصَّحِيحُ: ثُبُوتُهَا فِي الْمَمَرِّ إِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي طَرِيقٌ آخَرُ إِلَى الدَّارِ، أَوْ أَمْكَنَ فَتْحُ بَابٍ إِلَى شَارِعٍ، وَإِلَّا. . فَلَا
المشاركة؟ فعلى الأوّل -وهو الأصح-: لا شفعة فيها؛ لأنها لا تقبل القسمة، وعلى الثاني: نعم.
وعبر في "المحرر" (بالطاحونة) 96 بدل (الرحى)، قال المنكت: وهو أحسن 97؛ لأنَّ الرحى يطلق على الحجر، والمراد هنا: المكان دون الحجر؛ فإنَّه منقول، وإنما ثبتت فيه الشفعة تبعًا للمكان؛ فالمراد: المكان المعدُّ للطحن.
(ولا شفعة إلا لشريك) فلا تثبت للجار؛ للحديث السالف: (الشفعة فيما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق.
. فلا شفعة) 98.
والأحاديث الواردة في شفعة الجار محمولةٌ على الشريك؛ جمعًا بين الأخبار.
وخرج بـ (الشريك): مالك المنفعة؛ فلا شفعة له.
(ولو باع دارًا) في درب غير نافذ (وله شريك في ممرها.
. فلا شفعة له فيها) لأنه لا شركة له في الدار؛ فأشبه ما لو باع عقارًا غير مشترك، وشقصًا مشتركًا.
(والصحيح: ثبوتها في الممرِّ إن كان للمشتري طريق آخر إلى الدار، أو أمكن فتح باب إلى شارع، وإلا.
. فلا) لأنه لا ضرر على المشتري في الأخذ منه إذا أمكنه المرور من موضع آخر، بخلاف ما إذا لم يمكن.
والشفعة إنما شرعت لدفع الضرر، والضرر لا يزال بالضرر، وهذا إذا كان قابلًا للقسمة، وإلا.
. فعلى الخلاف في غير المنقسم.
والثاني: أنها تثبت وإن تعذر المرور؛ لأنَّ المشتري هو الذي أضرَّ نفسه حيث اشترى مثلَ هذه الدار، والثالث: لا تثبت وإن أمكن المرور إذا كان في اتحاد الممر عسرٌ أو مؤنة لها وقع؛ لأنَّ فيه ضررًا ظاهرًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 351
وَإِنَّمَا تَثْبُتُ فِيمَا مُلِكَ بِمُعَاوَضَةٍ مِلْكًا لَازِمًا مُتَأَخِّرًا عَنْ مِلْكِ الشَّفِيعِ؛ كَمَبِيعٍ، وَمَهْرٍ، وَعِوَضِ خُلْعٍ وَصُلْحِ دَمٍ وَنُجُومٍ، وَأُجْرَةٍ، وَرَأْسِ مَالِ سَلَمٍ
(وإنما تثبت فيما ملك بمعاوضةٍ ملكًا لازمًا متأخرًا عن ملك الشفيع؛ كمبيع ومهر، وعوضِ خُلع وصلحِ دمٍ ونجوم، وأجرة، ورأس مالِ سلمٍ) ونحو ذلك؛ كالمتعة والجعل بعد الفراغ؛ أما في البيع.
. فبالنصِّ، والباقي بالقياس عليه بجامع الاشتراك في المعاوضة مع لحوق الضرر المتقدم، وسيأتي في كلامه ما احترز عنه بالمملوك واللازم والمتأخر عن ملك الشفيع.
واحترز بالمعاوضة: عن المملوك بالإرث والهبة والوصية؛ أما الوارث.
. فلأنه مقهورٌ لا اختيار له؛ فلم يضر بالشريك، بخلاف المشتري؛ فإنَّه كان من حقِّه ألا يدخل على الشريك ضررًا، فلمَّا لم يفعل.
. سلط الشريك عليه، وأما المُتَّهبُ والموصى له.
. فلأنهما قد تقلدا المنة من الواهب، فلو جوزنا للشريك الأخذ.
. لكان يأخذ عن استحقاقٍ وتسلط؛ فلا يكون متقلدًا للمنة، ووضع الشفعة على أن يأخذ الشفيع بما أخذ به المُتملِّك.
نعم؛ لو شرط الثواب في الهبة، أو لم يشرط، وقلنا: يقتضيه.
. فالأصحُّ: أنَّه يؤخذ ولو قبل القبض في الأصحِّ؛ لأنه صار بيعًا؛ نظرًا للمعنى.
وقوله: (وصلح دم) أي: عوض الصلح عن الدم، وذلك حيث كانت الجناية عمدًا، فإن كانت خطأً.
. فالواجب فيها: إنما هو الإبل، والمصالحةُ عنها باطلةٌ على الصحيح؛ لجهالة صفاتها.
وقوله: (ونجوم) أي: والعوض الذي صالح عن النجوم عليه، وهذا بناءً على صحة الاعتياض عنها، وهو وجهٌ نصَّ عليه في "الأم"، والصحيح: المنع.
ويعلم من أمثلة المصنف: أنَّه لا فرق في المعاوضة بين المحضة؛ كالبيع، وبين غيرها؛ كالمهر، وعوض الخلع والدم.
وتفسير الأَذْرَعي وابن الملقن المعاوضةَ في كلام المصنف بالمحضة.
. ليس بصواب 99.
الجزء: 2 - الصفحة: 352
وَلَوْ شُرِطَ فِي الْبَيْعِ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ. . لَمْ يُؤْخَذْ بِالشُّفْعَةِ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْخِيَارُ، وَإِنْ شُرِطَ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ. . فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُؤْخَذُ إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي، وَإِلَّا. . فَلَا. وَلَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالشِّقْصِ عَيْبًا وَأَرَادَ رَدَّهُ بِالْعَيْبِ وَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَهُ وَيَرْضَى بِالْعَيْبِ. . فَالأَظْهَرُ: إِجَابَةُ الشَّفِيعِ. وَلَوِ اشْتَرَى اثْنَانِ دَارًا أَوْ بَعْضَهَا. . فَلَا شُفْعَةَ لِأحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ. وَلَوْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي شِرْكٌ فِي الأَرْضِ
(ولو شرط في البيع الخيار لهما أو للبائع.
. لم يؤخذ بالشفعة حتى ينقطع الخيار) لأنا إن قلنا: الملك للبائع.
. فظاهرٌ، وإن قلنا: للمشتري.
. فالأخذ يؤدي إلى إبطال خيار البائع، وذلك إضرارٌ به.
(وإن شرط للمشتري وحده.
. فالأظهر: أنَّه يؤخذ إن قلنا: الملك للمشتري) لأنه لا حقَّ فيه لغيره، والشفيع مسلَّطٌ عليه بعد لزوم الملك واستقراره، فقبله أولى.
وهذا يرد على قوله أولًا: (ملكًا لازمًا) اللهم؛ إلا أن يقال: لازمًا من جهة البائع، وفيه تعسُّفٌ.
والثاني: لا يؤخذ؛ لأنَّ المشتري لم يرض بلزوم العقد، والأخذ يؤدي إلى لزومه، وإثبات العهدة عليه.
(وإلا) أي: وإن قلنا: إن الملك للبائع أو موقوف (. . فلا) يؤخذ على الأصحِّ؛ لأنَّ ملك البائع غيرُ زائل على التقدير الأوّل، وغيرُ معلوم الزوال على التقدير الثاني، وقيل: يؤخذ؛ لانقطاع سلطنة البائع.
(ولو وجد المشتري بالشِّقص عيبًا وَأراد ردَّه بالعيب، وأراد الشفيع أخذه ويرضى بالعيب.
. فالأظهر: إجابة الشفيع) لأنَّ حقَّه سابقٌ على حقِّ المشتري؛ فإنَّه ثابت بالبيع، والثاني: إجابة المشتري؛ لأنَّ الشفيع إنما يأخذ إذا استقرَّ العقدُ وسلم عن الردِّ.
(ولو اشترى اثنان دارًا أو بعضها.
. فلا شفعة لأحدهما على الآخر) لاستوائهما في وقت حصول الملك.
وهذا محترز قوله: (متأخرًا عن ملك الشفيع).
(ولو كان للمشتري شركٌ في الأرض) أي: نصيب؛ كأن كانت بين ثلاثة أثلاثًا،
الجزء: 2 - الصفحة: 353
فَالأَصَحُّ: أَنَّ الشَّرِيكَ لَا يَأْخُذُ كُلَّ الْمَبِيعِ، بَلْ حِصَّتَهُ. وَلَا يُشْتَرَطُ فِي التَّمَلُّكِ بِالشُّفْعَةِ حُكْمُ حَاكِمٍ، وَلَا إِحْضَارُ الثَّمَنِ، وَلَا حُضُورُ الْمُشْتَرِي. وَيُشْتَرَطُ لَفْظٌ مِنَ الشَّفِيعِ؛ كَـ (تَمَلَّكْتُ) أَوْ (أَخَذْتُ بِالشُّفْعَةِ)، وَيُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ: إِمَّا تَسْلِيمُ الْعِوَضِ إِلَى الْمُشْتَرِي، فَإِذَا تَسَلَّمَهُ أَوْ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي التَّسَلُّمَ. . مَلَكَ
فباع أحدهم نصيبَه لأحد صاحبيه (. . فالأصحُّ: أن الشريك لا يأخذ كلَّ المبيع، بل حصته) وهي السدس في مثالنا؛ كما لو كان المشتري أجنبيًّا؛ لاستوائهما في الشركة، والثاني: يختص الثالث بالشفعة، ولا حقَّ فيه للمشتري؛ لأنَّ أخذ الشفعة من نفسه محال.
وأجاب الأوّل: بأنا لا نقول يأخذها من نفسه، وإنما يدفع الشريك عن الأخذ منه.
(ولا يشترط في التملك بالشفعة حكمُ حاكم) لثبوته بالنصِّ (ولا إحضارُ الثمن) كالشراء.
وكان ينبغي أن يقول: (ولا ذكر الثمن).
(ولا حضور المشتري) ولا رضاه؛ كالردِّ بالعيب.
واستشكل في "المطلب": عدم اشتراط هذه الأمور الثلاثة - بما سيذكره عقبه - من أنَّه لا بدَّ من أحد هذه الأمور، أو ما يلزم منه أحدها ثمَّ قال: وأقرب ما يمكن أن يحمل عليه أن مجموع الثلاثة لا يشترط، قال الإسنوي: وهذا الحمل لا يستقيم مع تكرار (لا) النافية، ثمَّ قال تبعًا للسبكي: بل الحمل الصحيح أنَّ كُلَّ واحدٍ بخصوصه.
. لا يشترط.
(ويشترط لفظٌ من الشفيع؛ كـ"تملكت" أو "أخذت بالشفعة") وما أشبههما؛ كـ (اخترت الأخذ بالشفعة)، وإلا.
. فهو من باب المعاطاة، ولو قال: (أنا مطالبٌ بالشفعة).
. لم يحصل به التملك على الأصحِّ؛ لأنه رغبة في التملك، والملك لا يحصل بالرغبة.
(ويشترط مع ذلك) أي: مع اللفظ (إمَّا تسليمُ العوض إلى المشتري، فإذا تسلَّمه أو ألزمه القاضي التسلمَ) بضم اللام عند امتناع المشتري من تسلمه منه (. . ملك
الجزء: 2 - الصفحة: 354
الشَّفِيعُ الشِّقْصَ. وَإِمَّا رِضَا الْمُشْتَرِي بِكَوْنِ الْعِوَضِ فِي ذِمَّتِهِ. وَإِمَّا قَضَاءُ الْقَاضِي لَهُ بِالشُّفْعَةِ إِذَا حَضَرَ مَجْلِسَهُ وَأَثْبَتَ حَقَّهُ فَيَمْلِكُ بِهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَتَمَلَّكُ شِقْصًا لَمْ يَرَهُ الشَّفِيعُ عَلَى الْمَذْهَبِ
الشفيع الشِّقصَ) لأنه وصل إلى حقِّه في الحالة الأولى، ومقصر في الثانية.
والتخلية بين العوض وبين المشتري عند امتناعه من القبض، وقبض القاضي عنه.
. قائمان مقام قبضه.
(وإما رضا المشتري يكون العوض في ذمته) سواء سلّم الشقص أم لا؛ لأنه معاوضة، والملك في المعاوضات لا يتوقف على القبض.
نعم؛ لو باع شقصًا من دار عليها صفائح ذهب بفضة أو عكسه.
. لم يكف الرضا، بل يشترط التقابض.
(وإما قضاء القاضي له بالشفعة إذا حضر مجلسه وأثبت حقَّه فيملك به في الأصحِّ) لأنَّ اختيار التملك قد تأكد بحكم الحاكم، والثاني: لا يملك به؛ لأنه لم يرض بذمته.
قال في "المطلب": والمراد بالقضاء: إنما هو القضاء بثبوت حقِّ الشفعة لا بالملك.
واشتراط المصنف أخذَ هذه الأمور يُفهم: أن الإشهاد على الطلب واختيار الشفعة لا يقوم مقام قضاء القاضي، وهو أظهر الوجهين في "الوجيز"، ونقله الرافعي عنه، وأقره، وحكى فيه في "الروضة" وجهين من غير ترجيح 100، قال ابن الرفعة: ولم يفرقوا بين القدرة على الحاكم وعدمها، ولا يبعد أن يقيد بذلك، كما في مسألة هرب الجمّال، ونظائرها مما يقوم فيه الإشهادُ مقام القضاء.
ويشترط في التملك: أن يكون الثمن معلومًا للشفيع، ولا يشترط ذلك في الطلب.
(ولا يتملك شِقصًا لم يره الشفيع على المذهب) بناءً على منع بيع الغائب، وليس للمشتري منعه من الرؤية، وهذا أظهر الطريقين، والطريق الثاني: القطع بالمنع وإن
الجزء: 2 - الصفحة: 355
فَصلٌ [في بيان بدل الشقص الذي يؤخذ به والاختلاف في قدر الثمن]
إِنِ اشْتَرَى بِمِثْلِيٍّ. . أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِمِثْلِهِ، أَوْ بِمُتَقَوِّمٍ. . فَبِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْبَيْعِ، وَقِيلَ: يَوْمَ اسْتِقْرَارِهِ بِانْقِطَاعِ الْخِيَارِ، أَوْ بِمُؤَجَّلٍ. . فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُعَجِّلَ وَيَأْخُذَ فِي الْحَالِ، أَوْ يَصْبِرَ إِلَى الْمَحِلِّ وَيَأْخُذَ. وَلَوْ بِيعَ شِقْصٌ وَغَيْرُهُ. . أَخَذَهُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْقِيمَةِ،
صححنا بيع الغائب؛ لأنَّ البيع جرى بالتراضي، فأثبتنا الخيار فيه، وهنا الشفيع أخذ من غير رضا المشتري، فلا يمكن إثبات الخيار فيه، فلو رضي المشتري بأن يأخذه الشفيع ويكون بالخيار.
. كان على قولي بيع الغائب.
(فصل: إن اشترى بمثلي.
. أخذه الشفيع بمثله) لأنه أقرب إلى حقِّه (أو بمتقوم.
. فبقيمته) لتعذر المثل (يوم البيع) أي: تعتبر قيمة المتقوم يوم البيع؛ لأنه وقت إثبات العوض، واستحقاق الشفعة، (وقيل: يوم استقراره بانقطاع الخيار) لأنه وقت استقرار السبب.
(أو) اشتراه (بمؤجل.
. فالأظهر: أنَّه مخيَّر بين أن يعجل ويأخذ في الحال، أو يصبر إلى المَحِلّ) بكسر الحاء (ويأخذ) لأنه إن جوزنا له الأخذَ بالمؤجل.
. أضررنا بالمشتري؛ لأنَّ الذمم تختلف وإن ألزمناه الأخذ في الحال بنظيره من الحال.
. أضررنا بالشفيع؛ لأنَّ الأجل يقابله قسط من الثمن، فكان ما قلناه دافعًا للضررين وجامعًا للحقَّين، والثاني: أنَّه يأخذه بالمؤجل؛ تنزيلًا للشفيع منزلة المشتري، والثالث: أنَّه يأخذه بعوض يساوي الثمن مؤجلًا؛ لتعذر أخذه بحالٍّ ومؤجلٍ، فتعين هذا؛ لأنه أقرب إلى العدل.
(ولو بيع شقصٌ وغيره) كسيف أو ثوب (. . أخذه) أي: الشقص؛ لوجود سبب الأخذ فيه دون غيره، ولا خيار للمشتري وإن تفرقت الصفقة عليه؛ لدخوله فيها عالمًا بالحال (بحصته كان القيمة) أي: يوزَّعُ الثمن عليهما باعتبار قيمتهما يوم البيع؛ لأنه وقت المقابلة، ويأخذ الشفيع الشِّقص بحصته من الثمن.
الجزء: 2 - الصفحة: 356
وَيُؤْخَذُ الْمَمْهُورُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا، وَكَذَا عِوَضُ الْخُلْعِ. وَلَوِ اشْتَرَى بِجُزَافٍ وَتَلِفَ. . امْتَنَعَ الأَخْذُ، فَإِنْ عَيَّنَ الشَّفِيعُ قَدْرًا وَقَالَ الْمُشْتَرِي: (لَمْ يَكُنْ مَعْلُومَ الْقَدْرِ). . حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، وَإِنِ ادَّعَى عِلْمَهُ وَلَمْ يُعَيِّنْ قَدْرًا. . لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ فِي الأَصَحِّ. وَإِذَا ظَهَرَ الثَّمَنُ مُسْتَحَقًّا؛ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا. . بَطَلَ الْبَيْعُ وَالشُّفْعَةُ، وَإِلَّا. . أُبْدِلَ وَبَقِيَا
فإذا اشترى شقصًا قيمته مئتان، وسيفًا قيمته مئة بألف.
. أخذ الشقص بثلثي الألف، ويبقى السيف للمشتري بالثلث الباقي.
فقوله: (بحصته من القيمة) لا يعطي هذا المعنى بل يقتضي أنَّه يأخذ في مثالنا بما تبيّن؛ فصوابه: بحصته من الثمن باعتبار القيمة.
(ويؤخذ الممهور بمهر مثلها، وكذا عوض الخلع) لأنَّ البُضْعَ متقوِّم وقيمته مهر المثل، وقيل: يؤخذ بقيمة الشقص.
وعلى الأوّل: يعتبر مهر مثلها يوم النكاح، ويوم الخلع.
وصورة المسألة: أن ينكحها أو يخالعها على شقص.
(ولو اشترى بجُزاف وتلف.
. امتنع الأخذ) لتعذر الوقوف على الثمن، وهذا من الحيل المسقطة للشفعة.
(فإن عيَّن الشفيع قدرًا) بأن قال: (اشتريته بكذا) (وقال المشتري: "لم يكن معلوم القدر".
. حلف على نفي العلم) بذلك المقدار؛ لأنَّ الأصل عدمُ علمه به.
(وإن ادعى علمه) أي: علم المشتري وطالبه بالبيان (ولم يعيِّن قدرًا.
. لم تُسمع دعواه في الأصحِّ) حتى يعيِّن قدرًا، فيحلف المشتري حينئذ أنَّه لا يعرف؛ لأنه لم يَدَّع حقًّا له، والثاني: أنها تسمع؛ لأنه وإن لم يكن له حقٌّ لكنه ينفع في الحقِّ.
(وإذا ظهر الثمن) أي: ثمن المبيع (مستحقًّا) ببينة (فإن كان معينًا.
. بطل البيع) لأنَّ أخذ عوضه لم يأذن فيه المالك، وسواء كان الثمن عرضًا أو نقدًا؛ لأنَّ النقد عندنا يتعين بالعقد؛ كالعرض.
(والشفعة) لترتبها على البيع، وعلى الشفيع ردُّ الشقص إن كان قوله، وإن خرج بعضه مستحقًّا.
. بطل البيع في ذلك القدر، وفي الباقي قولًا تفريقِ الصفقة.
(وإلا) أي: وإن كان في الذمة (. . أُبدل وبقيا) أي: البيع والشفعة؛ لأنَّ
الجزء: 2 - الصفحة: 357
وَإِنْ دَفَعَ الشَّفِيعُ مُسْتَحَقًّا. . لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ إِنْ جَهِلَ، وَكَذَا إِنْ عَلِمَ فِي الأَصَحِّ. وَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فِي الشِّقْصِ؛ كَبَيْعٍ وَوَقْفٍ وَإِجَارَةٍ. . صَحِيحٌ. وَلِلشَّفِيِعِ نَقْضُ مَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ - كَالْوَقْفِ - وَأَخْذُهُ، وَيَتَخَيَّرُ فِيمَا فِيهِ شُفْعَةٌ - كَبَيْعٍ - بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ بِالْبَيْعِ الثَّانِي أَوْ يَنْقُضَهُ وَيَأْخُذَ بِالأَوَّلِ
إعطاءه عما في الذمة لم يقع الموقع، فكان وجوده كعدمه.
(وإن دفع الشفيع مستحقًّا.
. لم تبطل شفعتُه إن جهل) لأنه معذور، والقول قوله في ذلك بيمينه؛ لأنه أمر باطن.
(وكذا إن علم في الأصحِّ) لأنه لم يقصر في الطلب، والشفعة لا تستحق بمال معين، والثاني: تبطل؛ لأنه أخذ بما لا يملك، فصار كأنه ترك الأخذ مع القدرة.
فظاهر كلامه: جريان الخلاف سواء كان الثمن معينًا؛ بأن قال: (تملكت الشقص بهذه العشرة دنانير)، أم غير معين؛ كقوله: (تملكته بعشرة دنانير)، لكن صحح في "زيادة الروضة" أن محله: إذا كان معينًا، وإلا.
. لم تبطل قطعًا 101.
(وتصرف المشتري في الشِّقص؛ كبيع ووقف وإجارة.
. صحيح) لأنه واقع في ملكه، فكان كتصرف الولد فيما وهبه له أبوه.
(وللشفيع نقض ما لا شفعة فيه؛ كالوقف) والهبة والإجارة (وأخذه) لأنَّ حقَّه سابقٌ على هذا التصرف، وحكمُ جعله مسجدًا كالوقف، صرح به ابن الصباغ.
(ويتخير فيما فيه شفعة؛ كبيع بين أن يأخذ بالبيع الثاني، أو ينقضه ويأخذَ بالأول) لأنَّ كلًّا منهما صحيح 102، وربما كان الثمن في أحدهما أقلَّ أو من جنس هو عليه أيسر.
والمراد بالنقض: إبطاله بالأخذ لا أنَّه يحتاج إلى لفظ قبله كما استنبطه صاحب "المطلب" من كلامهم.
ولو عبر المصنف بالإبطال.
. لكان أولى؛ لأنَّ النقض رفعُ الشيء من أصله.
الجزء: 2 - الصفحة: 358
وَلَوِ اخْتَلَفَ الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ. . صُدِّقَ الْمُشْتَرِي، وَكَذَا لَوْ أَنْكَرَ الشِّرَاءَ أَوْ كَوْنَ الطَّالِبِ شَرِيكًا؛ فَإِنِ اعْتَرَفَ الشَّرِيكُ بِالْبَيْعِ. . فَالأَصَحُّ: ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ، وَيُسَلَّمُ الثَّمَنُ إِلَى الْبَائِعِ إِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِقَبْضِهِ، وَإِنِ اعْتَرَفَ: فَهَلْ يُتْرَكُ فِي يَدِ الشَّفِيعِ أَمْ يَأْخُذُهُ الْقَاضِي وَيَحْفَظُهُ؟ . . فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الإِقْرَارِ نَظِيرُهُ
(ولو اختلف المشتري والشفيع في قدر الثمن.
. صُدِّق المشتري) بيمينه؛ لأنه أعلمُ بما باشره من الشفيع.
(وكذا لو أنكر الشراءَ) بأن قال: (لم أشتره بل ورثته)، أو (وُهبته)، (أو كونَ الطالب شريكًا) فإنَّ القول قولُه بيمينه؛ لأنَّ الأصل عدمُهما.
(فإن اعترف الشريك) القديم (بالبيع.
. فالأصحُّ: ثبوت الشفعة) لأنَّ اعترافه يتضمن إثبات حقِّ المشتري وحقِّ الشفيع، فلا يبطل حقُّ الشفيع بإنكار المشتري، والثاني: لا تثبت؛ لأنَّ الشفيع يأخذه من المشتري، فإذا لم يثبت الشراء.
. لم يثبت ما يتفرع عليه، والثالث: إن لم يعترف البائع بقبض الثمن.
. ثبتت، وإن اعترف بقبضه.
. فلا.
ولو كان المشتري غائبًا.
. فالحكم كما لو كان منكرًا حاضرًا، قاله القاضي حسين.
(ويُسلَّم الثمن إلى البائع إن لم يعترف بقبضه) لأنه يتلقى الملك منه.
(وإن اعترف) بقبضه (فهل يترك في يد الشفيع أم يأخذه القاضي ويحفظه؟ فيه خلاف سبق في الإقرار نظيره) 103 والأصحُّ: أنَّه يترك في يده، قال ابن الرفعة: وترجيح الترك يقتضي حصولَ الملك للشفيع، والتصرف في الشِّقص مع كون الثمن في ذمته، وهو يخالف ما سبق؛ يعني: من أن الممتنع يُلزمه القاضي بالقبض أو يخلي بينه وبين الثمن ليحصل الملك للشفيع، والذي يظهر هو الوجه الثاني؛ يعني: أن القاضي يأخذ الثمن.
قال المنكت: وقد يفرق بين الصورتين: بأن المشتري هناك معترف بالشراء، وهنا بخلافه 104.
الجزء: 2 - الصفحة: 359
وَلَوِ اسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ جَمْعٌ. . أَخَذُوا عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ، وَفِي قَوْلٍ: عَلَى الرُّؤُوسِ. وَلَوْ بَاعَ أَحَدُ شَرِيكَيْنِ نِصْفَ حِصَّتِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ بَاقِيَهَا لآخَرَ. . فَالشُّفْعَةُ فِي النِّصْفِ الأَوَّلِ لِلشَّرِيكِ الْقَدِيمِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ عَفَا عَنِ النِّصْفِ الأَوَّلِ. . شَارَكَهُ الْمُشْتَرِي الأَوَّلُ فِي النِّصْفِ الثَّانِي، وَإِلَّا. . فَلَا
وقول المصنف: (أم يأخذه) صوابه: (أو يأخذه)؛ لأنَّ (أم) تكون بعد الهمزة و (أو) بعد هل.
(ولو استحق الشفعة جمعٌ.
. أخذوا على قدر الحصص) لأنه حقٌّ مستحق بالملك؛ فقسط على قدر الملك؛ كالأجرة والثمرة، (وفي قول على الرؤوس) لأنَّ سبب الشفعة أصلُ الشركة؛ بدليل أن الشريك الواحد يأخذ الجميع وإن قلَّ نصيبه، وهما في أصل الشركة سواء، قال الشافعي في "الأم" بعد أن حكى هذا القول: وبهذا أقول؛ كما حكاه ابن الرفعة 105 وحينئذ فهو المذهب.
(ولو باع أحد شريكين نصف حصته لرجل، ثمَّ باقيها لآخر.
. فالشفعة في النصف الأوّل للشريك القديم) لأنه ليس معه في حال بيعه شريك إلا البائع، والبائع لا يتصور أن يأخذ ما باعه بالشفعة.
وأشار المصنف بـ (ثمَّ) إلى ترتيب البيعين؛ فإن وقعا معًا.
. فالشفعة فيهما للأول خاصة.
(والأصحُّ: أنَّه إن عفا) الشريك القديم (عن النصف الأوّل.
. شاركه المشتري الأوّل في النصف الثاني) لأنَّ ملكه قد سبق الصفقة الثانية، واستقر بعفو الشريك القديم عنه، فشاركه في الشفعة؛ كسائر الشركاء.
(وإلا.
. فلا) أي: وإن لم يعف الشريك القديم عن النصف الذي اشتراه، بل أخذه منه.
. فلا يشارك الأوّل القديم؛ لزوال ملكه، والثاني: يشاركه مطلقًا؛ لأنه شريك حال الشراء، والثالث: لا يشاركه مطلقًا؛ لأنَّ الشريك القديم سلطه على ملكه فكيف يزاحمه؟ !
الجزء: 2 - الصفحة: 360
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَوْ عَفَا أَحَدُ شَفِيعَيْنِ. . سَقَطَ حَقُّهُ، وَيُخَيَّرُ الآخَرُ بَيْنَ أَخْذِ الْجَمِيعِ وَتَرْكِهِ، وَلَيْسَ لَهُ الاقْتِصَارُ عَلَى حِصَّتِهِ، وَأَنَّ الْوَاحِدَ إِذَا أَسْقَطَ بَعْضَ حَقِّهِ. . سَقَطَ كُلُّهُ. وَلَوْ حَضَرَ أَحَدُ شَفِيعَيْنِ. . فَلَهُ أَخْذُ الْجَميعِ فِي الْحَالِ، فَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ. . شَارَكَهُ،
ومحلُّ الخلاف: ما إذا لم يكن الشريك القديم عفا عنها قبل البيع الثاني، فإن عفا.
. اشتركا فيها قطعًا.
(والأصحُّ: أنَّه لو عفا أحد شفيعين.
. سقط حقُّه) كسائر الحقوق المالية، (ويُخيَّر الآخر بين أخذ الجميع وتركه) كالمنفرد (وليس له الاقتصار على حصته) لئلا تتبعض الصفقة على المشتري، والثاني: يسقط حقُّ العافي وغيره؛ كالقصاص، والثالث: لا يسقط حقُّ واحد منهما؛ لأنَّ التبعيض قد تعذر، وليست الشفعة مما تسقط بالشبهات؛ فغلب فيها جانب الثبوت.
(وأن الواحد إذا أسقط بعضَ حقِّه.
. سقط كلُّه) كالقصاص، والثاني: لا يسقط شيء؛ كعفوه عن بعض حدِّ القذف، والثالث: يسقط ما عفا عنه، ويبقى الباقي إذا رضي المشتري بالشقص؛ لأنه حقٌّ ماليٌّ يقبل الانقسام.
وقضية كلامه: طرد الخلاف ولو قلنا: إن الشفعة على الفور، وهو أشبه الطريقين، كما قاله في "المطلب".
(ولو حضر أحد شفيعين.
. فله أخذ الجميع في الحال) لا البعض؛ لأنه ربما لا يأخذ الغائب فتفرق الصفقة على المشتري؛ فيحصل الضرر.
(فإذا حضر الغائب.
. شاركه) لأنَّ حقَّه ثابت، وحضوره بعد أخذ الأوّل كحضوره قبله.
والمراد بالمشاركة: المشاركة في ملك الشِّقص لا في رَيْعه، حتى لو حصل منه رَيْع في مدة الغيبة.
. كان للحاضر، ولا يشاركه فيه الغائب في الأصحِّ.
ولو قال الحاضر: (لا آخذ إلا قدر حصتي).
. بطل حقُّه إذا قدم الغائب؛ لأنَّ الشفعة إذا أمكن أخذها.
. فالتأخير يقتضي تقصيرًا يفوت، بخلاف نظيره من القسامة؛ كما ذكره الرافعي في بابها.
الجزء: 2 - الصفحة: 361
وَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ تَأْخِيرَ الأَخْذِ إِلَى قُدُومِ الْغَائِبِ. وَلَوِ اشْتَرَيَا شِقْصًا. . فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ نَصِيبِهِمَا وَنَصِيبِ أَحَدِهِمَا. وَلَوِ اشْتَرَى وَاحِدٌ مِنَ اثْنَيْنِ. . فَلَهُ أَخْذُ حِصَّةِ أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ فِي الأَصَحِّ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى الْفَوْرِ. فَإِذَا عَلِمَ الشَّفِيعُ بِالْبَيْعِ. . فَلْيُبَادِرْ عَلَى الْعَادَةِ،
(والأصحُّ: أن له تأخيرَ الأخذ إلى قدوم الغائب) لأنَّ له غرضًا ألا يأخذ ما يُؤخذ منه، والثاني: لا، لتمكنه من الأخذ.
(ولو اشتريا شقصًا.
. فللشفيع أخذ نصيبهما ونصيبِ أحدهما) أما نصيبهما.
. فواضح، وأما نصيب أحدهما.
. فلأنه لم يفرق عليه ملكه.
(ولو اشترى واحد من اثنين.
. فله أخذ حصة أحد البائعين في الأصحِّ) لتعدد الصفقة بتعدد البائع، والثاني: لا؛ لأنَّ المشتري ملك الكلَّ صفقة واحدة فلا يفرق ملكه عليه.
(والأظهر: أن الشفعة على الفور) لحديث: "الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا" 106 أي: بادرها، ولأنه خيار ثبت بنفسه لدفع الضرر، فكان على الفور؛ كالردِّ بالعيب.
والمراد بكونها على الفور: هو طلبها لا تملكها؛ كما نبه عليه ابن الرفعة تبعًا للعمراني وغيره 107.
والثاني: تمتد إلى ثلاثة أيام؛ فقد يحتاج إلى نظر وتأمل، والثلاث مدة قريبة لا تضر بهما، والثالث: يمتد مدةً تَسع التأمل في مثل ذلك الشِّقص، ويختلف باختلاف حال المأخوذ، والرابع: يمتد إلى التصريح بإسقاطها؛ كحقِّ القصاص 108.
(فإذا علم الشفيع بالبيع.
. فليبادر على العادة) ولا يكلف البِدارَ على خلافها بالعدو ونحوه، بل يرجع فيه إلى العرف فما يُعدُّ تقصيرًا.
. كان مسقطًا، وما لا.
. فلا.
الجزء: 2 - الصفحة: 362
فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ غَائِبًا عَنْ بَلَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ خَائِفًا مِنْ عَدُوٍّ. . فَلْيُوَكِّلْ إِنْ قَدَرَ، وَإِلَّا. . فَلْيُشْهِدْ عَلَى الطَّلَبِ، فَإِنْ تَرَكَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا. . بَطَلَ حَقُّهُ فِي الأَظْهَرِ. فَلَوْ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ طَعَامٍ. . فَلَهُ الإِتْمَامُ
واحترز بالعلم: عمَّا إذا لم يعلم.
. فإنَّه على شفعته ولو مضى عليه سنون.
(فإن كان مريضًا) مرضًا يمنع المطالبة (أو غائبًا عن بلد المشتري أو خائفًا من عدوٍّ.
. فليوكل إن قدر، وإلا.
. فليُشهد على الطلب، فإن ترك المقدورَ عليه منهما) أي: من التوكيل والإشهاد (. . بطل حقُّه في الأظهر) لتقصيره في الأولى، ولإشعار السكوت مع التمكن من الإشهاد بالرضا في الثانية.
ووجه مقابله في الأولى: أنَّه قد تلحقه مِنَّة، أو مؤنة، وفي الثانية: أن الإشهاد إنما هو لإثبات الطلب عند الحاجة، والمراد: إشهاد رجلين، أو رجل وامرأتين؛ فإن أشهد واحدًا ليحلف معه.
. لم يجز؛ لأنَّ من الحكام من لا يحكم بالشاهد واليمين؛ فلم يصر مستوثقًا لنفسه، قاله الماوردي والروياني 109، وحاول ابن الرفعة تخريج وجه بالاكتفاء بالواحد 110، وبه جزم ابن كَجٍّ في "التجريد"، فحصل وجهان، وقد صرح بهما الدارمي.
وإذا بلغه الخبر وهو غائب؛ فسار في طلبه على العادة من غير إرهاق وأشهد.
. فهو على شفعته، وإلا.
. فالأصحُّ: بطلانها، كذا صححه المصنف في "تصحيح التنبيه" 111، وهو المصحح في نظيره من البيع، لكن الأصحّ في "الشرح" و"الروضة": أنَّه لا تسقط شفعته إذا لم يشهد 112.
(فلو كان في صلاة أو حمام أو طعام.
. فله الإتمام) لأنه أمد قريب؛ فلا يتضرر به المشتري، ولا يلزمه تخفيف الصلاة والاقتصار على المجزئ، وقيل: يقطع الصلاة إن كانت نافلةً.
الجزء: 2 - الصفحة: 363
وَلَوْ أَخَّرَ وَقَالَ: (لَمْ أُصَدِّقِ الْمُخْبِرَ). . لَمْ يُعْذَرْ إِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ، وَكَذَا ثِقَةٌ فِي الأَصَحِّ، وَيُعْذَرُ إِنْ أَخْبَرَهُ مَنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ. وَلَوْ أُخْبِرَ بِالْبَيْعِ بِأَلْفٍ فَتَرَكَ، فَبَانَ بِخَمْسِ مِئَةٍ. . بَقِيَ حَقُّهُ، وَإِنْ بَانَ بِأَكْثَرَ. . بَطَلَ. وَلَوْ لَقِيَ الْمُشْتَرِيَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، أَوْ قَالَ: (بَارَكَ اللهُ فِي صَفْقَتِكَ). . لَمْ يَبْطُلْ،
ولو حضر وقت الصلاة أو الطعام أو قضاء الحاجة.
. جاز له أن يقدمها، فإذا فرغ.
. طالب بالشفعة، وإن كان ليلًا.
. فحتى يصبح.
(ولو أخر) الطلب (وقال: "لم أصدِّق المخبر".
. لم يعذر إن أخبره عدلان) لأنَّ شهادتهما مقبولة؛ فكان من حقِّه أن يعتمد قولهما، والرجل والمرأتان كذلك.
ولو كانا مستورين.
. قال ابن الملقن: فينبغي أن يعذر 113.
(وكذا ثقة) ولو عبدًا أو امرأة (في الأصحِّ) لأنَّ إخبار الثقة مقبول، والثاني: يعذر؛ لأنَّ البيع لا يثبت بذلك، والثالث: يعذر في العبد؛ لأنَّ شهادته لا تقبل، بخلاف المرأة والعدل الواحد.
(ويعذر إن أخبره من لا يقبل خبره) لأنه معذور، وهذا إذا لم يبلغ عدد المخبرين حدًّا لا يحتمل التواطؤ على الكذب، فإن بلغه وأخر.
. بطل حقُّه وإن كانوا فُسَّاقًا أو صبيانًا أو كفارًا.
وهذا كله بالنسبة إلى الظاهر، أما بالنسبة إلى الباطن.
. فالاعتبار بما وقع في نفسه من الصدق، أو ضده، سواء فيه الكافر وغيره، صرح به الماوردي 114، كما نقله في "المطلب".
(ولو أُخبر بالبيع بألف فترك فبان بخمس مئة.
. بقي حقُّه) لأنه لم يتركه زهدًا بل للغلاء؛ فليس مقصرًا.
(وإن بان بأكثر.
. بطل) لأنه إذا لم يرغب فيه بألف.
. فبالأكثر أولى.
(ولو لقي المشتريَ فسلم عليه، أو قال: "بارك الله في صفقتك".
. لم يبطل) أما السلام.
. فلأنه سنة قبل الكلام، وأما الدعاء.
. فلأنه قد يدعو له بالبركة؛ ليأخذ
الجزء: 2 - الصفحة: 364
وَفِي الدُّعَاءِ وَجْهٌ. وَلَوْ بَاعَ الشَّفِيعُ حِصَّتَهُ جَاهِلًا بِالشُّفْعَةِ. . فَالأَصَحُّ: بُطْلَانُهَا.
صفقة مباركة، (وفي الدعاء وجه) أنَّه يبطل به حقُّ الشفعة؛ لأنه يشعر بتقرير الشِّقص في يده، فلا ينتظم الطلب عقبه.
ولو جمع بين السلام والدعاء.
. لم يبطل أيضًا على ما اقتضاه كلام المَحاملي في "التجريد".
(ولو باع الشفيع حصته) أو وهبها (جاهلًا بالشفعة.
. فالأصحُّ: بطلانها) لزوال سبب الشفعة، والثاني: لا؛ لأنه كان شريكًا يوم البيع، ولم يرض بسقوط حقِّه.
واحترز بالجهل: عن العلم فيبطل جزمًا، هذا إذا باع جميع الحصة، فإن باع بعضها عالمًا.
. فالأظهر: البطلان أو جاهلًا.
. فالأصحُّ في "زوائد الروضة": عدمه 115.
الجزء: 2 - الصفحة: 365
كتابُ القِراض الْقِرَاضُ وَالْمُضَارَبَةُ: أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مَالًا لِيَتَّجِرَ فِيهِ وَالرِّبْحُ مُشْتَرَكٌ. وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ: كَوْنُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، فَلَا يَجُوزُ عَلَى تِبْرٍ وَحُلِيٍّ وَمَغْشُوشٍ وَعُرُوضٍ.
﴿كتاب القراض﴾
القراض لغة أهل الحجاز، مشتق من القرض وهو: القطع؛ لأنَّ المالك قطع للعامل قطعةً من ماله يتصرف فيها، أو قطعة من الربح، أو من المقارضة وهي: المساواة؛ لتساويهما في الربح.
وأهل العراق يسمونه مضاربة؛ لأنَّ كلًّا منهما يضرب بسهم في الربح، ولما فيه غالبًا من السفر، والسفر يُسمَّى ضربًا، وقد جمع المصنف بين اللفظين فقال:
(القراض والمضاربة: أن يدفع إليه مالًا ليتجر فيه والربح مشترك) هذا حدُّه شرعًا.
وهو مجمع عليه، وضارب عليه الصلاة والسلام لخديجة بمالها إلى الشام، وأنفذت معه عبدها مَيْسَرة 116.
ونبه المصنف بلفظ الدفع: على أنَّه لا يصحُّ على الدين، سواء أكان على العامل أم على غيره.
واحترز بقوله: (والربح مشترك) عن الوكيل والعبد المأذون.
(ويشترط لصحته: كون المال دراهم أو دنانير) خالصة، بإجماع الصحابة، قاله في "الروضة" 117، ويجوز أن يكون دراهم ودنانير معًا.
(فلا يجوز على تبر وحلي ومغشوش وعروض) مثلية أو مُتقوِّمة، ولا على منافع؛ كسكنى الدار؛ لأنَّ القراض عقد مشتمل على إغرار؛ إذ العمل غير مضبوط، والربح غير موثوق به، وإنما جوز للحاجة، فيختصُّ بما يسهل التجارة عليه، ويروج غالبًا، وهو الأثمان.
الجزء: 2 - الصفحة: 367
وَمَعْلُومًا مُعَيَّنًا، وَقِيلَ: يَجُوزُ عَلَى إِحْدَى الصُّرَّتَيْنِ. وَمُسَلَّمًا إِلَى الْعَامِلِ، فَلَا يَجُوزُ شَرْطُ كَوْنِ الْمَالِ فِي يَدِ الْمَالِكِ، وَلَا عَمَلِهِ مَعَهُ،
وإنما منع في المغشوش؛ لأنَّ الغِشَّ لو ميز ثمَّ قارضه عليه وعلى الخالص.
. لم يصحَّ، فكذلك إذا كانا مختلطين.
والمغشوش داخل في الدراهم والدنانير، فلا يصح عدُّه من جملة ما احترز عنه بهما، وإنما يحترز عنه بالخالص، ولم يذكره أولًا، وسواء راجت المغشوشة وعلم ما فيها من الخالص وجوزنا التعامل بها أم لا.
وقيل: يجوز إذا راجت؛ اعتبارًا برواجها، قال السبكي: وعليه عمل الناس، والحاجة داعية إليه، وقال الجرجاني: محلُّ المنع: إذا كان الغِشُّ ظاهرًا، فإن كان مستهلكًا.
. جاز؛ لأنه كالمعدوم.
(ومعلومًا) قدرًا، وصفة، فلا يجوز على دراهم مجهولة القدر أو الصفة؛ للجهل بالربح، بخلاف رأس مال السلم؛ لأنه لم يوضع على الفسخ، بخلافه.
(معينًا) فلو قال: (علي ألف درهم)، ولم يعينه.
. لم يصحَّ، فإن عينه في المجلس.
. فقضية كلام الكتاب: عدم الصحة، لكن قضية كلام "الروضة" و"أصلها": الصحة 118، وهو الأصحُّ في "الشرح الصغير".
(وقيل: يجوز على إحدى الصرتين) بأن أحضرهما وفي كلٍّ منهما ألف مثلًا، وقال: (قارضتك على إحداهما) لتساويهما، والأصحُّ: المنع؛ لعدم التعيين؛ كما في البيع.
وضبط المصنف بخطه الصرتين بتشديد الراء بعد الصاد المهملة.
(ومسلَّمًا إلى العامل) بحيث يستقلُّ باليد عليه والتصرف فيه.
(فلا يجوز شرط كون المال في يد المالك) ويوفي الثمن إذا اشترى العامل شيئًا؛ لأنه قد لا يجده عند الحاجة.
(ولا عملِه) أي: عمل المالك (معه) لأنَّ وضع القراض: مالٌ من المالك
الجزء: 2 - الصفحة: 368
وَيَجُوزُ شَرْطُ عَمَلِ غُلَامِ الْمَالِكِ مَعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَوَظِيفَةُ الْعَامِلِ التِّجَارَةُ وَتَوَابِعُهَا؛ كَنَشْرِ الثِّيَابِ وَطَيِّهَا، فَلَوْ قَارَضَهُ لِيَشْتَرِيَ حِنْطَةً فَيَطْحَنَ وَيَخْبِزَ، أَوْ غَزْلًا يَنْسُجُهُ وَيَبِيعُهُ. . فَسَدَ الْقِرَاضُ،
وعمل من العامل، فالجمع بينهما على ربِّ المال ينافي مقتضاه؛ لأنَّ بعض الربح يكون بعمله وماله.
(ويجوز شرط عمل غلام المالك معه على الصحيح) لأنَّ الغلام ماله، فجاز أن يجعل تابعًا لماله، بخلاف ما إذا شرط المالك أن يعمل بنفسه، فإنَّه لا وجه لجعله تابعًا، والثاني: لا يجوز؛ لأنَّ عمله كعمل سيده.
ومحلُّ الخلاف: ما إذا لم يصرح بالحجر على العامل، فأما إذا قال: (على أن يعمل معك غلامي، ولا تتصرف دونه)، أو أن يكون بعض المال في يده.
. فسد قطعًا.
وصورة المسألة - كما قاله في "الكفاية" -: أن يكون الغلام معلومًا بالمشاهدة أو الوصف، فإن لم يكن معلومًا.
. فالعقد فاسد، وقاله الشيخان في (باب المساقاة) 119.
(ووظيفة العامل التجارة وتوابعها؛ كنشر الثياب وطيها) وذرعها، وإدراجها في السَّفَط -وهو: وعاء يُجعل فيه القماش- وإخراجها منه، وما سيأتي في أثناء الباب؛ لأنَّ الإطلاق يحمل على العرف، وهو قاض بذلك.
(فلو قارضه ليشتري حنطة فيطحن ويخبز، أو غزلًا ينسجه ويبيعه.
. فسد القراض) لأنَّ الطحن والخبز ونحوهما أعمال مضبوطة يمكن الاستئجار عليها، فلا ضرورة إلى ارتكاب جهالة مستغنى عنها.
وهذا التعليل يشعر بأن المراد: إذا شرط ذلك على العامل، فلو شرط أن يستأجر العامل من يفعل ذلك من مال القراض وحظ العامل التصرف فقط.
. قال في "المطلب": فيظهر الجواز.
الجزء: 2 - الصفحة: 369
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِ شِرَاءَ مَتَاعٍ مُعَيَّنٍ أَوْ نَوْعٍ يَنْدُرُ وُجُودُهُ، أَوْ مُعَامَلَةَ شَخْصٍ. وَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ مُدَّةِ الْقِرَاضِ، فَلَوْ ذَكَرَ مُدَّةً وَمَنَعَهُ التَّصَرُّفَ بَعْدَهَا .. فَسَدَ، وَإِنْ مَنَعَهُ الشِّرَاءَ بَعْدَهَا .. فَلَا فِي الأَصَحِّ
(ولا يجوز أن يَشرِط عليه شراء متاع معين) كهذه السلعة (أو نوع يندو وجوده) كالياقوت الأحمر (أو معاملةَ شخص) كالبيع من زيد، أو الشراء منه؛ لإخلاله بالمقصود؛ لأن المعين قد لا يربح، والنادر قد لا يجده، والشخص المعين قد لا يعامله، وقد لا يجد عنده ما يظن أن فيه ربحًا، أو لا يبيع إلا بثمن غال.
وأفهم: أن النوع إذا لم يندر وجوده .. صحَّ وإن لم يدم؛ كالفواكه الرطبة، وهو الأصحُّ، ولو لم يعين نوعًا .. صحَّ في الأصحِّ، بخلاف الوكالة.
والفرق: أن للعامل حظًّا يحمله على بذل المجهود، بخلاف الوكيل.
(ولا يشترط بيان مدة القراض) بخلاف المساقاة؛ لأن مقصود القراض -وهو الربح- ليس له وقت معلوم، بخلاف الثمرة.
(فلو ذكر مدة ومنعه التصرف بعدها) مطلقًا، أو من البيع ( .. فسد) لإخلاله بالمقصود فإنه قد لا يجد راغبًا في المدة، فلا تحصل التجارة والربح.
وكلام المصنف قد يفهم: أنه لو قال: (قارضتك سنة) ولم يزد .. أنه يصحُّ، والأصحُّ: البطلان؛ لأن ظاهره انتهاء القراض، ولا يجوز تعليق القراض، فلو نجزه وعلق التصرف .. لم يصحَّ في الأصحِّ؛ كما لو قال: (بعتك ولا تملك إلا بعد شهر)، وقيل: يصحُّ؛ كالوكالة.
(وإن منعه الشراء بعدها) دون البيع ( .. فلا في الأصحِّ) لأن المالك متمكن من منعه من الشراء متى لثماء، فجاز أن يتعرض له في العقد، بخلاف المنع من البيع، والثاني: يفسد؛ لأن ما كان وضعه على الإطلاق - أي: يصحُّ من غير تأقيت - كان التأقيت منافيًا له؛ كالبيع والنكاح.
وصورة المسألة - كما قال الإمام -: أن تكون المدة يتأتى فيها الانبساط في الشراء على موافقة غرض الاسترباح، بخلاف الساعة ونحوها 120.
الجزء: 2 - الصفحة: 370
وَيُشْتَرَطُ اخْتِصَاصُهُمَا بالرِّبْحِ وَاشْتِرَاكُهُمَا فِيهِ، فَلَوْ قَالَ: (قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ الرِّبْحِ لَكَ) .. فَقِرَاضٌ فَاسِدٌ، وَقِيلَ: قَرْضٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ قَالَ: (كُلُّهُ لِي) .. فَقِرَاضٌ فَاسِدٌ، وَقِيلَ: إِبْضَاع. وَكَوْنُهُ مَعْلُومًا بِالْجُزْئِيَّةِ، فَلَوْ قَالَ: (عَلَى أَنَّ لَكَ فِيهِ شَرِكَةً أَوْ نَصِيبًا) .. فَسَدَ،
وقضية إطلاق الكتاب: أنه لو منعه الشراء بعدها وسكت عن البيع .. عدم الفساد، وقضية ما في "الشرحين" و"الروضة": الجزم بالفساد؛ لأنهما قيدا محلَّ الخلاف بما إذا منعه من الشراء وصرح بجواز البيع، وجرى عليه في "الكفاية" 121، وقال في "المطلب": الذي يظهر: جريان الوجهين أيضًا فيما إذا سكت عن البيع.
(ويشترط: اختصاصهما بالربح) فلا يجوز شرط شيء منه لثالث؛ لأنه ليس بمالك ولا عامل، إلا أن يشرط عليه العمل معه، فيكون قراضًا مع رجلين، قال الماوردي: إلا أن يتصادقا على أن ما سمي لغيرهما هو لربِّ المال، وذكر اسمه استعارة 122.
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما لو كان المشروط له عبدًا لأحدهما .. فإنه يصحُّ؛ لأن ذاك في الحقيقة شرطٌ لسيده.
(واشتراكهما فيه) ليأخذ المالك بملكه والعامل بعمله.
(فلو قال: "قارضتك على أن كلّ الربح لك" .. فقراض فاسد، وقيل: قرض صحيح، وإن قال: "كله لي" .. فقراض فاسد، وقيل: إبضاع) الخلاف في المسألتين ينبني على قاعدة وهي: أن النظر إلى صيغ العقود أو معانيها، وفيها وجهان، وفروعها مختلفة في التصحيح لقوة أحد المَدْرَكين، وإذا قلنا: قراض فاسد فيهما .. استحق أجرة المثل في الأولى لا الثانية في الأصحِّ.
والإبضاع: بعث المال مع من يتجر له به متبرعًا، والبضاعة: المال المبعوث.
(وكلونه معلومًا بالجزئية) كالنصف والثلث مثلًا، وهما شرطان، وسيأتي بيان ما احترز عنه بهما.
(فلو قال: "على أن لك فيه شركة أو نصيبًا" .. فسد) للجهل بالعوض،
الجزء: 2 - الصفحة: 371
أَوْ (بَيْنَنَا) .. فَالأَصَحُّ: الصِّحَّةُ، وَيَكُونُ نِصْفَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: (لِيَ النِّصْفُ) .. فَسَدَ فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ قَالَ: (لَكَ النِّصْفُ) .. صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ شُرِطَ لِأحَدِهِمَا عَشَرَةٌ أَوْ رِبْحُ صِنْفٍ .. فَسَدَ.
فَصْلٌ [في بيان الصيغة وما يشترط في العاقدين]
يُشْتَرَطُ إِيجَابٌ وَقَبُولٌ
وهذا محترز قوله: (معلومًا).
(أو "بيننا " .. فالأصحُّ: الصحة، ويكون نصفين) كما لو قال: (هذه الدار بيني وبين فلان) .. فإنها تجعل بينهما نصفين، والثاني: لا يصحُّ؛ لأنه يحتمل أنه بينهما مناصفة أو مثالثة، فكان مجهولًا، فبطل.
(ولو قال: "لي النصف") وسكت عن جانب العامل ( .. فسد في الأصحِّ) لأن الربح فائدةُ المال، فيكون للمالك، إلا إذأ نُسِبَ شيء منه إلى العامل ولم ينسب إليه شيء، والثاني: يصحُّ، ويكون النصف الآخر للعامل؛ حملًا على موجب القراض من اشتراكهما في الربح، فبيان نصيب أحدهما يظهر الآخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فإن في ذلك دلالة على أن الباقي للأب.
(وإن قال: "لك النصف" (وسكت عن جانبه) .. صحَّ على الصحيح) لأن الربح نماءُ المال، فمقتضاه أن جميعه لرب المال، فإذا شرط للعامل منه شيء معلوم .. بقي الباقي لمالك الأصل، والثاني: لا يصحُّ؛ كالصورة السابقة.
(ولو شُرط لأحدهما عشرة) مثلًا (أو ربح صنفٍ .. فسد) لأن الربح قد ينحصر في العشرة، أو في ذلك الصنف، فيؤدي إلى أن يفوز أحدهما بربح الجميع، وهو خلاف وضع القراض، وهذا محترز قوله: (بالجزئية).
(فصل: يشترط: إيجاب وقبول) متصل لأنه عقد معاوضة، فأشبه البيع ونحوه.
وفي تعبيره تَسمُّح، فإنهما ركنان لا شرطان، وعبر في "المحرر" بقوله: ولا بدَّ
الجزء: 2 - الصفحة: 372
- وَقِيلَ: يَكْفِي الْقَبُولُ بالْفِعْلِ - وَشَرْطُهُمَا كَوَكِيلٍ وَمُوَكِّلٍ.
وَلَوْ قَارَضَ الْعَامِلُ آخَرَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ لِيُشَارِكَهُ فِي الْعَمَلِ وَالرِّبْحِ .. لَمْ يَجُزْ فِي الأَصَحِّ، وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ فَاسِدٌ، ===
في القراض منهما 123، وهو محرر.
(وقيل: يكفي القبول بالفعل) كما في (الوكالة) و (الجعالة)، ومحلُّ هذا الوجه: ما إذا كانت صيغة الإيجاب: (خذ هذه الدراهم واتجر فيها)، ونحو ذلك، أما إذا كانت بلفظ: (قارضتك)، أو (ضاربتك)، أو (عاملتك) .. فلا بدَّ من اللفظ جزمًا؛ لأن هذه الصيغة تقتضي المفاعلة.
(وشرطهما) أي: المالك والعامل (كوكيل وموكِّل) لأن القراض توكيل وتوكل، فاعتبر فيهما ما اعتبر في الوكيل والموكِّل، فلا يصحّ أن يُقارَضَ صبيٌّ، ولا سفيه، ولا يُقارِضا، وأما المحجور عليه بالفلس .. فلا يصحُّ أن يقارض، ويصحُّ أن يكون عاملًا، وللولي أن يقارض في مال محجوره من يجوز إيداعه المال المدفوع إليه، أبًا كان أو غيره؛ كما يجوز له أن يوكل، وليس للعبد المأذون أن يقارِض، ولا يقارَض بغير إذن السيد.
(ولو قارض العامل آخر بإذن المالك ليشاركه في العمل والربح .. لم يجز في الأصحِّ) لأنه خلاف موضوعه، فإن موضوعه أن يكون أحد العاقدين مالكًا لا عمل له، والآخر عاملًا لا ملك له، والثاني: يجوز؛ كما يجوز للمالك أن يقارض شخصين في الابتداء على ما سيأتي، وقواه السبكي.
واحترز بالمشاركة: عما إذا أذن له في ذلك على أن ينسلخ هو من القراض، ويكون وكيلًا فيه عن المالك، والعامل هو الثاني؛ فإنه يصحُّ جزمًا؛ كما لو قارضه المالك بنفسه، كذا أطلقاه 124، قال ابن الرفعة: ومحله: إذا كان المال مما يجوز عليه القراض، فلو وقع ذلك بعد تصرفه، وصيرورته عرضًا .. لم يجز.
(وبغير إذنه فاسد) لأن المالك لم يأذن فيه، ولم يأتمن على المال غيره.
الجزء: 2 - الصفحة: 373
فَإِنْ تَصَرَّفَ الثَّانِي .. فَتَصَرُّفُ غَاصِبٍ، فَإِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَقُلْنَا بِالْجَدِيدِ .. فَالرِّبْحُ لِلْعَامِلِ الأَوَّلِ فِي الأَصَحِّ، وَعَلَيْهِ لِلثَّانِي أُجْرَتُهُ - وَقِيلَ: هُوَ لِلثانِي - وَإِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ الْقِرَاضِ .. فَبَاطِل. وَيَجُوزُ أَنْ يُقَارِضَ الْوَاحِدُ اثنيْنِ مُتَفَاضلًا وَمُتَسَاوِيًا، وَالاثْنَانِ وَاحِدًا وَالرِّبْحُ بَعْدَ نَصيبِ الْعَامِلِ بَيْنَهُمَا بِحَسَبِ الْمَالِ. وَإِذَا فَسَدَ الْقِرَاضُ .. نَفَذَ تَصَرُّفُ الْعَامِلِ، وَالرِّبح لِلْمَالِكِ،
(فإن تصرف الثاني .. فتصرفُ غاصبٍ) لأن الإذن صدر ممن ليس بمالك ولا وكيل.
(فإن اشترى في الذمة) ونقد الثمن مما أخذ من الأول وربح (وقلنا بالجديد) وهو أن الربح كلَّه للغاصب؛ لأن الشراء صحيحٌ والتسليم فاسد، فيضمن المال الذي سلمه، ويسلم له الربح.
وهذا الجديد لم يتقدم له ذكر في "الكتاب" فلا يحسن الإحالة عليه، وقد صرح في "المحرر" هنا بمسألة الغاصب، وذكر القولين فيها، ثم فرع على الجديد مسألة "الكتاب" 125، وهو حسن، فأسقط مسألة الغاصب، وهي أصل لما ذكره.
( .. فالربح للعامل الأول في الأصحِّ) لأن الثاني تصرف بإذنه، فأشبه الوكيل، (وعليه للثاني أجرتُه) لأنه لم يعمل مجّانًا، وهذه من زيادة "الكتاب" على "أصله" من غير تمييز، (وقيل: هو للثاني) لأنه لم يتصرف بإذن من المالك، فأشبه الغاصب.
(وإن اشترى بعين مال القراض .. فباطل) لأنه شراء فضولي.
(ويجوز أن يقارض الواحد اثنين متفاضلًا ومتساويًا) لأن ذلك كعقدين (والاثنان واحدًا) لأن ذلك أيضًا كعقدين، (والربح بعد نصيب العامل بينهما بحسب المال) كما إذا كان المال بينهما نصفين، وشرطا للعامل نصف الربح، وباقيه لهما بالسوية، ولو شرطاه لا على نسبة المالين .. لم يصحَّ.
(وإذا فسد القراض .. نفذ تصرف العامل) لوجود الإذن؛ كما في الوكالة الفاسدة (والربح للمالك) بكماله؛ لأنه نماء ملكه.
الجزء: 2 - الصفحة: 374
وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ إِلَّا إِذَا قَالَ: (قَارَضْتُكَ وَجَمِيعُ الرِّبْحِ لِي) .. فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الأَصَحِّ. وَيَتَصَرَّفُ الْعَامِلُ مُحْتَاطًا، لَا بِغَبْنٍ وَلَا نَسِيئَةٍ بِلَا إِذْنٍ. وَلَهُ الْبَيع بِعَرْضٍ. وَلَهُ الرَّدُّ بِعَيْبٍ تَقْتَضِيهِ مَصْلَحَةٌ، فَإِنِ اقْتَضَتِ الإِمْسَاكَ .. فَلَا فِي الأَصَحِّ، وَلِلْمَالِكِ الرَّدُّ، فَإِنِ اخْتَلَفَا .. عُمِلَ بِالْمَصْلَحَةِ
(وعليه للعامل أجرة مثلِ عملِه (وإن لم يحصل ربح على الأصحِّ؛ لأنه عمل طامعًا في المُسمَّى، فإذا لم يسلم له .. وجب أن يردَّ عليه عمله، لكنه لا يمكن، فتجب قيمته وهي الأجرة.
(إلا إذا قال: "قارضتك وجميع الربح لي" .. فلا شيء له في الأصحِّ) لأنه عمل مجّانًا غير طامع في شيء، والثاني: يرجع بأجرة المثل؛ كسائر أسباب الفساد، وصححه ابن الرفعة 126.
(ويتصرف العامل محتاطًا، لا بغَبن) فاحش (ولا نسيئة) [لما فيه من الغرر] 127 كالوكيل (بلا إذن) لأن المنع لحقِّه وقد زال بإذنه.
(وله البيع بعوْضٍ) بخلاف الوكيل؛ لأن المقصود بالقراض الاسترباح، والبيع بالعرض طريق فيه، قال ابن الرفعة: وقياسه: أن يجوز بغير نقد البلد، لكن البَنْدَنيجي، والمَحاملي، وسليم، والروياني قالوا: لا يجوز.
انتهى 128
وفرق السبكي بأن نقد غير البلد لا يروج فيها، فيتعطل الربح، بخلاف العرض.
(وله الردُّ بعيب تقتضيه مصلحة) لتعلق حقِّه به، وكونه من تصرفاته، (فإن اقتضت الإمساك .. فلا في الأصحِّ) لإخلاله بمقصود العقد، والثاني: نعم؛ كالوكيل، وهو ظاهر نص "المختصر" 129.
(وللمالك الردُّ) حيث يجوز للعامل بطريق أولى (فإن اختلفا) أي: المالك والعامل في الردِّ بالعيب ( .. عُمل بالمصلحة) لأن كلًّا منهما له حقٌّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 375
وَلَا يُعَامِلُ الْمَالِكَ. وَلَا يَشْتَرِي لِلْقِرَاضِ بِأَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا مَنْ يَعْتِقُ عَلَى الْمَالِكِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَكَذَا زَوْجُهُ فِي الأَصحِّ، فَلَوْ فَعَلَ .. لَمْ يَقَعْ لِلْمَالِكِ، وَيَقَعُ لِلْعَامِلِ إِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ. وَلَا يُسَافِرُ بِالْمَالِ بِلَا إِذنٍ. وَلَا يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ حَضَرًا، وَكَذَا سَفَرٌ فِي الأَظْهَرِ
(ولا يعامل المالكَ) بمال القراض؛ لأنه يؤدي إلى بيع ماله بماله.
(ولا يشتري للقراض بأكثر من رأس المال) لأن المالك لم يرض بأن يشغل العامل ذمته إلا به.
(ولا من يعتق على المالك بغير إذنه) كأصوله وفروعه؛ لأن مقصود العقد تحصيل الربح، وهذا خسران كلّه، فإن أذن .. صحَّ.
(وكذا زوجُه في الأصحِّ) للضرر بربِّ المال بسبب انفساخ نكاحه، وهذا ما نصَّ عليه في "الإملاء"، والثاني: يجوز؛ إذ قد يكون مربحًا.
وقوله: (زوجه) يشمل الذكر والأنثى، قال تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾.
(فلو فعل) ما مُنع منه من الشراء بأكثر من رأس المال وما بعده ( .. لم يقع للمالك، ويقع للعامل إن اشترى في الذمة) لما مرَّ في (الوكالة)، هذا إذا لم يصرح بالسفارة، فإن صرح بها .. فوجهان في "الكفاية" 130.
واحترز بالذمة: عن العين، فإنه باطل من أصله.
(ولا يسافر بالمال بلا إذن) وإن كان السفر قريبًا، والطريق آمنًا، ولا مؤنة فيه؛ لما فيه من الخطر والتعرض للهلاك، وإذا أذن له في السفر .. لم يركب البحر إلا بنصٍّ عليه، قاله في "زيادة الروضة" 131.
(ولا ينفق منه على نفسه حَضَرًا) لاقتضاء العرف ذلك (وكذا سفر في الأظهر) لأن النفقة قد تكون قدر الربح فيؤدي إلى انفراده به، وقد يكون أكثر فيؤدي إلى أن يأخذ جزءًا من رأس المال، وهو ينافي مقتضاه، والثاني: ينفق ما يزيد بسبب السفر؛ لأنه
الجزء: 2 - الصفحة: 376
وَعَلَيْهِ فِعْلُ مَا يُعْتَادُ؛ كَطَيِّ الثَّوْبِ، وَوَزْنُ الْخَفِيفِ كَذَهَبٍ وَمِسْكٍ لَا الأَمْتِعَةِ الثَّقِيلَةِ، وَنَحْوُهُ. وَمَا لَا يَلْزَمُهُ لَهُ الاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الْعَامِلَ يَمْلِكُ حِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ بالْقِسْمَةِ لَا بِالظُّهُورِ. وَثِمَارُ الشَّجَرِ وَالنِّتَاجُ وَكَسْبُ الرَّقِيقِ وَالْمَهْرُ الْحَاصِلَةُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ يَفُوزُ بِهَا الْمَالِكُ، وَقِيلَ: مَالُ قِرَاضٍ
حبسه عن التكسب بالسفر لأجل القراض فأشبه حبس الزوجة، بخلاف الحضر.
(وعليه فعل ما يُعتاد؛ كطي التوب) ونشره (ووزن الخفيف؛ كذهب ومسك) لأن العرف قاض بذلك، (لا الأمتعةِ الثقيلة، ونحوُه) كنقل المتاع من الخان إلى الحانوت؛ لجريان العرف بالاستئجار لذلك.
(وما لا يلزمه له الاستئجار عليه) من مال القراض؛ لأنه من تتمة التجارة ومصالحها، فلو تولاها بنفسه .. فلا أجرة له، وله الاستئجار على ما يلزمه أيضًا؛ كما صرح به الإمام 132، لكن الأجرة عليه.
(والأظهر: أن العامل يملك حصته من الربح بالقسمة لا بالظهور) إذ لو ملك بالظهور لكان شريكًا في المال، ولو كان شريكًا .. لكاذ النقصان الحادث بعد ذلك محسوبًا عليهما، وليس كذلك، بل الربح وقاية لرأس المال، والثاني: أنه يملك بالظهور؛ قياسًا على المساقاة.
نعم؛ لا يصحُّ تصرفه فيه على هذا القول؛ لأنه ليس بمستقر، وعلى الأول: له فيه حقٌّ مؤكد، فيورث عنه، ويتقدم به على الغرماء.
ولو قسما الربح بالتراضي قبل فسخ العقد .. لم يحصل الاستقرار، حتى لو حصل بعده نقصان .. جبر بما أخذه العامل، ويحصل الاستقرار بارتفاع العقد، ونضوض المال من غير قسمة على الأصحِّ.
(وثمار الشجر والنتاجُ وكسبُ الرقيق والمهرُ الحاصلة من مال القراض يفوز بها المالك) لأنها ليست من فوائد التجارة، (وقيل: مال قراض) لأن حصولها بسبب شراء العامل الأصل.
الجزء: 2 - الصفحة: 377
وَالنَّقْصُ الْحَاصلُ بِالرُّخْصِ مَحْسُوبٌ مِنَ الرِّبْحِ مَا أَمْكَنَ وَمَجْبُورٌ بِهِ، وَكَذَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ بِآفَةٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ بَعْدَ تَصَرُّفِ الْعَامِلِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ .. فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ فِي الأَصَحِّ.
(والنقص الحاصل بالرُّخص محسموب من الربح ما أمكن، ومجبور به) لاقتضاء العرف ذلك، فنزل مطلق العقد عليه، وكذا النقص بالتعيب والمرض الحادثين.
(وكذا لو تلف بعضه بآفة) سماوية؛ كالحرق ونحوه، (أو غصبٍ، أو سرقة) وتعذر أخذُ بدله (بعد تصرف العامل في الأصحِّ) لأنه نقصان حصل في المال، فكان مجبورًا بالربح؛ كالنقصان الحاصل بالتعيب، وبانخفاض السوق، والتاني: لا؛ لأنه نقصان لا تعلق له بتصرف العامل وتجارته، بخلاف الحاصل بانخفاض السوق، فإنه متعلق بتجارته.
وظاهر كلامه: استواء المسالتين في جريان الخلاف، والأكثرون قطعوا بالجبر في الآفة السماوية، وخصوا الوجهين بما عداها، والفرق: أن في الضمان الواجب مما يجبره، فلا حاجة إلى جبره بمال القراض، بخلاف الآفة السماوية" وأما إذا أخذ البدل .. فإن القراض مستمر فيه.
واحترز بقوله: (تلف بعضه) عن تلف كلِّه، فإن القراض يرتفع، وكذا لو أتلفه المالك، وإن أتلفه أجنبي وأخذ بدله .. بقي القراض فيه، وإن أتلفه العامل .. ارتفع القراض، كما قاله الإمام 133، وقال الرافعي: القياس: أن المالك يقبضه منه ويبقى فيه القراض 134.
(وإن تلف قبل تصرفه .. فمن رأس المال في الأصحِّ) لأن العقد لم يتأكد بالعمل، والثاني: من الربح؛ لأنه بقبض العامل صار مالَ قراض.
الجزء: 2 - الصفحة: 378
فَصْلٌ [في بيان أن القراض جائز من الطرفين وحكم اختلاف العاقدين]
لِكُلٍّ فَسْخُهُ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ .. انْفَسَخَ، وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ الاسْتِيفَاءُ إِذَا فَسَخَ أَحَدُهُمَا، وَتَنْضِيضُ رَأْسِ الْمَالِ إِنْ كَانَ عَرْضًا، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ التَّنْضِيضُ إِنْ لَمْ يَكُنْ رِبْحٌ. وَلَوِ اسْتَرَدَّ الْمَالِكُ بَعْضَهُ قَبْلَ ظُهُورِ رِبْحٍ وَخُسْرَانٍ .. رَجَعَ رَأْسُ الْمَالِ إِلَى الْبَاقِي. وَإِنِ اسْتَرَدَّ بَعْدَ الرِّبحِ .. فَالْمُسْتَرَّدُّ شَائِعٌ رِبْحًا وَرَأْسَ مَالٍ؛ مِثَالُهُ: رَأْسُ الْمَالِ مِئَةٌ وَالرِّبْحُ عِشْرُون وَاسْتَرَدَّ عِشْرِينَ .. فَالرِّبْحُ سُدُسُ الْمَالِ، فَيَكُونُ الْمُسْتَرَدُّ سُدُسُهُ مِنَ الرِّبْحِ، فَيَسْتَقِرُّ لِلْعَامِلِ الْمَشْرُوطُ مِنْهُ، وَبَاقِيهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ
(فصل: لكلٍّ فسخه) لأنه في ابتدائه وكالة، وفي انتهائه إما شركة وإما جعالة، وكلُّها عقود جائزة.
(ولو مات أحدهما، أو جُنَّ، أو أغمي عليه .. انفسخ) كالوكالة، (ويلزم العامل الاستيفاء) أي: استيفاء الدين (إذا فسخ أحدهما) ليردَّ كما أخذ.
(وتنضيض رأس المال إن كان عرضًا) أي: بيعه بالناض، وهو النقد لما قلناه، (وقيل: لا يلزمه التنضيض إن لم يكن ربح) لأن غرض البيع أن يظهر الربح؛ ليصل العامل إلى حقِّه منه، فإذا لم يكن ربح وارتفع العقد .. لم يحسن تكليفه بلا زيادة فائدة، والأصحُّ: الأول؛ لما سلف.
(ولو استرد المالك بعضه قبل ظهور ربحٍ وخسران .. رجع رأس المال إلى الباقي) لأنه لم يترك في يده غيره، فصاركما لو اقتصر في الابتداء على إعطائه له.
(وإن استرد بعد الربح .. فالمستَرَدُّ شائعٌ ربحًا ورأسَ مال) لعدم التمييز (مثاله: رأس المال مئة، والربح عشرون، واسترد عشرين .. فالربح سدس المال، فيكون المسترد سدسَه من الربح، فيستقر للعامل المشروط منه، وباقيه من رأس المال) حتى يستقر للعامل في هذا المثال درهم وثلثان إن شرط له .. نُصِّف الربح؛ لأن ما جعلناه ربحًا وهو سدس العشرين هو ثلاثة وثلث، فيستقر له نصفها، وهو درهم وثلثان حتى لا يسقط بالخسران الواقع بعده، فلو عاد ما في يده إلى ثمانين .. لم يسقط نصيب
الجزء: 2 - الصفحة: 379
وَإِنِ اسْتَرَدَّ بَعْدَ الْخُسْرَانِ .. فَالْخُسْرَانُ مُوَزَّعٌ عَلَى الْمُسْتَرَدِّ وَالْبَاقِي، فَلَا يَلْزَمُ جَبْرُ حِصَّةِ الْمُسْتَرَدِّ لَوْ رَبِحَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ مِثَالُهُ: الْمَالُ مِئَةٌ وَالْخُسْرَانُ عِشْرُونَ ثُمَّ اسْتَرَدَّ عِشْرِينَ .. فَرُبعُ الْعِشْرِينَ حِصَّةُ الْمُسْتَرَدِّ، وَيَعُودُ رَأْسُ الْمَالِ إِلَى خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ. وَيُصَدَّقُ الْعَامِلُ بِيَمِينِهِ فِي قَوْلِهِ: (لَمْ أَرْبَحْ)، أَوْ (لَمْ أَرْبَحْ إِلَّا كَذَا)، أَوِ (اشْتَرَيْتُ هَذَا لِلْقِرَاضِ أَوْ لِي)، أَوْ (لَمْ تَنْهَنِي عَنْ شِرَاءِ كَذَا)، وَفِي قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ، وَدَعْوَى التَّلَفِ، وَكَذَا دَعْوَى الرَّدِّ فِي الأَصحِّ، وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي الْمَشْرُوطِ لَهُ .. تَحَالَفَا،
العامل، بل يأخذ منها درهمًا وثلثي درهم، ويردُّ الباقي، وهو ثمانية وسبعون درهمًا وثلث درهم.
(وإن استرد بعد الخسران .. فالخسران موزع على المسترد والباقي، فلا يلزم جبرُ حصة المسترد لو ربح بعد ذلك) لأنه لو ردَّ الكلَّ بعد الخسران .. لم يلزمه شيء، ويصير رأس المال الباقي بعد المسترد، وحصته من الخسران.
(مثاله: المال مئة، والخسران عشرون، ثم استرد عشرين .. فربع العشرين حصة المسترد، ويعود رأس المال إلى خمسة وسبعين) لأن الخسران إذا وزعناه على الثمانين .. خص كلّ عشرين خمسة، والعشرون المستردة حصتُها خمسة، فيبقى ما ذكره، فلو ربح بعد ذلك شيئًا .. قسم بينهما على ما شرطاه.
(ويصدق العامل بيمينه في قوله: "لم أربح"، أو "لم أربح إلا كذا") لأن الأصل معه، ("أو اشتريت هذا للقراض أو لي") لأنه أعرف بقصده، (أو "لم تنهني عن شراء كذا") لأن الأصل عدمُ النهي.
(وفي قدر رأس المال) لأن الأصل عدمُ دفع الزيادة، (ودعوى التلف) كالوكيل والمودع، فإن ذكر سبب التلف .. كان على التفصيل المذكور في الوديعة.
(وكذا دعوى الردِّ في الأصحِّ) لأنه أمين، فأشبه المودع، والثاني: لا، كالمرتهن.
(ولو اختلفا في المشروط له) بأن قال: (شرطت لي النصف)، فقال: (بل الثلث) ( .. تحالفا) لأنهما اختلفا في عوض العقد، فأشبه اختلافَ المتبايعين في الثمن.
الجزء: 2 - الصفحة: 380
وَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
(وله أجرة المثل) مقابلة لعمله، وكلامه يشعر بأن العقد ينفسخ بمجرد التحالف، وبه صرح الروياني، لكن في "زيادة الروضة" عن "البيان" من غير مخالفة أن حكمه حكم البيع 135، قال الإسنوي: وهو القياس.
الجزء: 2 - الصفحة: 381
كتابُ المساقاة تَصِحُّ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، وَلِصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ بِالْوِلَايَةِ. وَمَوْرِدُهَا: النَّخْلُ وَالْعِنَبُ، وَجَوَّزَهَا الْقَدِيمُ فِي سَائِرِ الأَشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ.
﴿كتاب المساقاة﴾
هي: أن يُدفع الشجر إلى من يتعاهدها بجزء من الثمرة.
مشتقة من السقي - بسكون القاف - الذي هو أهم أشغالها.
والأصل فيها قبل اتفاق الصحابة والتابعين: (أنه صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع) متفق عليه 136.
(تصحُّ من جائز التصرف) لأنها معاملة على المال، كالقراض، (ولصبي ومجنون) وسفيه (بالولاية) عند المصلحة، للاحتياج إلى ذلك.
(وموردها: النخل والعنب) أما النخل: فللحديث المارِّ 137، وأما العنب: فبالقياس، بجامع وجوب الزكاة وإمكان الخرص، وقيل: بالنصِّ، ففي الحديث: (من كرم ونخل)، ذكره صاحب "البحر" 138 وهو غريب.
(وجوزها القديم في سائر الأشجار المثمرة) كالتين والتفاح؛ للحديث المار: (من ثمرٍ أو زرع)، وهو عام في كلِّ ثمر، ولعموم الحاجة، كالنخل والعنب، واختاره المصنف في "تصحيح التنبيه" 139، والجديد: المنع، إذ لا زكاة في ثمرها، فأشبهت غير المثمر.
والفرق: أن ثمار النخل والعنب لا تنمو إلا بالعمل، وغيرها ينمو من غير تعهد، هذا إذا أفردت، فإن ساقى عليها تبعًا لنخل أو عنب .. فالأصح في "زوائد الروضة"
الجزء: 2 - الصفحة: 383
وَلَا تَصِحُّ الْمُخَابَرَةُ، وَهِيَ: عَمَلُ الأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَالْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ، وَلَا الْمُزَارَعَةُ، وَهِيَ: هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ، وَالْبَذْرُ مِنَ الْمَالِكِ
في آخر (المزارعة): الجواز، كما تجوز المزارعة تبعًا للمساقاة 140.
واحترز المصنف بـ (الأشجار): عما لا ساق له؛ كالبطيخ وقصب السكر، فلا تجوز المساقاة عليهما قطعًا، وبـ (المثمرة): عما لا يثمر؛ كالدُّلْبِ 141، فلا تجوز عليه قطعًا، وقيل: في الخِلَاف وجهان؛ إلحاقًا لأغصانه بالثمرة.
ويشترط: أن تكون الأشجار معينة مرئية.
(ولا تصحُّ المخابرة، وهي: عمل الأرض ببعض ما يخرج منها، والبَذْر من العامل، ولا المزارعة، وهي: هذه المعاملة، والبَذْر من المالك) لصحة النهي عنهما 142.
والمعنى فيه: أن تحصيل منفعة الأرض ممكن بالإجارة، فلم يجز العمل عليها ببعض ما يخرج منها؛ كالمواشي، بخلاف الشجر، فإنه لا يمكن عقدُ الإجارة عليه، فجوزت المساقاة للحاجة.
واختار المصنف في "الروضة" جوازَهما تبعًا لابن المنذر والخطابي وغيرهما؛ للحاجة إليهما 143، وتأويلَ الأحاديث على ما إذا شرط لواحدٍ زرع قطعةٍ معينة ولآخر أخرى.
وتفسيره المخابرة بعمل الأرض لا يستقيم؛ فإن العمل من وظيفة العامل، فلا يفسر العقد به، وعبارة "الروضة" و"أصلها" المعاملة على الأرض 144، وهي واضحة.
الجزء: 2 - الصفحة: 384
فَلَوْ كَانَ بَيْنَ النَّخْلِ بَيَاضٌ .. صَحَّتِ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهِ مَعَ الْمُسَاقَاةِ عَلَى النَّخْلِ بِشَرْطِ: اتِّحَادِ الْعَامِلِ، وَعُسْرِ إِفْرَادِ النَّخْلِ بِالسَّقْيِ وَالْبَيَاضِ بالْعِمَارَةِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَلَّا يُفْصَلَ بَيْنَهُمَا، وَأَلَّا تُقَدَّمَ الْمُزَارَعَةُ، وَأَنَّ كَثيرَ الْبَيَاضِ كَقَلِيلِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ،
(فلو كان بين النخل) أو العنب (بياض .. صحت المزارعة عليه مع المساقاة على النخل) تبعًا للمساقاة؛ لعسر الإفراد، ومداخلة البستان، وعليه حمل معاملة أهل خيبر السالفة.
(بشرط: اتحاد العامل) لأن إفراد المزارعة بعامل يخرجها عن كونها تابعة، (وعسر إفراد النخل بالسفي والبياضِ بالعمارة) لانتفاع النخل بسقي الأرض وتقليبها، والمراد بالعسر هنا: التعذر، فإن أمكن الإفراد .. فلا تصح؛ لانتفاء الحاجة المجوزة لها.
(والأصحُّ: أنه يشترط: الا يفصل بينهما) أي: بين المساقاة والمزارعة التابعة، بل يأتي بهما على الاتصال؛ لتحصل التبعية، فلو قال: (ساقيتك على النصف) فقبل 145، ثم زارعه على البياض .. لم تصحَّ المزارعة؛ لأن تعدد العقد يزيل التبعية، والثاني: يصحُّ؛ لحصولهما لشخص واحد، فأشبه جمعهما في العقد.
(وألا تقدم المزارعة) على المساقاة؛ لأنها تابعة، والتابع لا يتقدم على متبوعه، والثاني: تنعقد موقوفةً، فإن ساقاه بعدها .. بانت صحتها، وإلا .. فلا.
(وأن كثير البياض كقليله) للحاجة، والثاني: لا؛ لأن الأكثر متبوعٌ لا تابع، والنظر في الكثرة إلى مساحة البياض ومغارس الشجر على الأصحِّ.
(وأنه لا يشترط تساوي الجزء المشروط من الثمر والزرع) بل يجوز أن يشترط للعامل نصف الزرع وربع الثمر مثلًا؛ لأن المزارعة وإن جوزت تبعًا، فكلٌّ منهما عقد برأسه، والثاني: يشترط؛ لأن التفاضل يزيل التبعية، وصححه المصنف في "نكت التنبيه".
الجزء: 2 - الصفحة: 385
وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَابِرَ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ.
فَإِنْ أُفْرِدَتْ أَرْضٌ بِالْمُزَارَعَةِ .. فَالْمَغَلُّ لِلْمَالِكِ، وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ وَدَوَابِّهِ وَآلَاتِهِ، وَطَرِيقُ جَعْلِ الْغَلَّةِ لَهُمَا وَلَا أُجْرَةَ: أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ بِنِصْفِ الْبَذْرِ لِيَزْرَعَ لَهُ النِّصْفَ الآخَرَ وَيُعِيرَهُ نِصْفَ الأَرْضِ، أَوْ يَسْتَأْجِرَهُ بِنِصْفِ الْبَذْر وَنصْفِ مَنْفَعَةِ الأَرْضِ لِيَزْرَعَ لَهُ النِّصْفَ الآخَرَ فِي النِّصْفِ الآخَرَ مِنَ الأَرْضِ.
فَصْلٌ [فيما يشترط في عقد المساقاة]
يُشْتَرَطُ تَخْصِيصُ الثَّمَرِ بِهِمَا،
(وأنه لا يجوز أن يخابر تبعًا للمساقاة) لأن الحديث ورد في المزارعة تبعًا في قصة خيبر 146، والمزارعة في معنى المساقاة من حيث إنه ليس على العامل فيها إلا العمل، بخلاف المخابرة، فإنه يكون عليه العمل والبَذْر، والثاني: يجوز؛ كالمزارعة.
(فإن أفردت أرض بالمزارعة .. فالمَغَلُّ للمالك) لأنه نماء ملكه (وعليه للعامل أجرة عمله ودوابِّه وآلاتِهِ) إن كانت له؛ لبطلان العقد، وعمله لا يحبط مجّانًا، فإن أفردت بالمخابرة .. فالعقد باطل، والمَغَلُّ للعامل، ولما لك الأرض أجرةُ مثلها.
(وطريق جعل الغَلَّة لهما ولا أجرة: أن يستأجره بنصف البَذْر ليزرع له النصف الآخَرَ) من البذر في نصف الأرض مشاعًا (ويعيره نصف الأرض، أو يستأجره بنصف البَذْر ونصفِ منفعةِ الأرضِ ليزرع النصف الآخَرَ) من البَذْر (في النصف الآخَرَ من الأرض)
والفرق بين الطريقين: أنه في الأول جعل الأجرة عينًا، وفي الثاني: عينًا ومنفعة، هذا إذا كان البَذْر من المالك، فإن كان من العامل .. فطريقه: أن يستأجر نصف الأرض بنصف البَذْر ونصف عمله ونصف منفعة الآلات.
(فصل: يشترط: تخصيص الثمر بهما) فلو شرطا بعض الثمرة لثالث .. فسدت المساقاة؛ لما سبق في (القراض).
الجزء: 2 - الصفحة: 386
وَاشْتِرَاكُهُمَا فِيهِ، وَالْعِلْمُ بِالنَّصيبَيْنِ بِالْجُزْئِيَّةِ كَالْقِرَاضِ. وَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ الْمُسَاقَاةِ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، لكِنْ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ. وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى وَدِيٍّ لِيَغْرِسَهُ وَيَكُونَ الشَّجَرُ لَهُمَا .. لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ كَانَ مَغْرُوسًا وَشَرَطَ لَهُ جُزْءًا مِنَ الثَّمَرِ عَلَى الْعَمَلِ؛ فَإِنْ قَدَّرَ مُدَّةً يُثْمِرُ فِيهَا غَالِبًا .. صَحَّ،
وعبارة "الكتاب" مقلوبة، والصواب: تخصيصهما بالثمرة؛ كما عبر به في (القراض).
(واشتراكهما فيه) فلو قال: (على أن كلَّ الثمرة لك)، أو (لي) .. فسد العقد، ويستحق الأجرةَ في الأولى دون الثانية على الأصحِّ فيهما.
(والعلم بالنصيبين بالجزئية) كالنصف والثلث، فلو قال: (ساقيتك على أن لك جزءًا من الثمرة) .. فسدت، ونبه بالجزئية على أنه لا يكفي التقدير بمئة رطل، أو ثمرة شجرات معينة (كالقراض) في جميع ما سبق، فلو قال: (على أن تكون الثمرة بيننا)، أو (على أن لك النصف) .. صحت، دون: (لي النصف).
(والأظهر: صحة المساقاة بعد ظهور الثمرة) لأنه أبعدُ عن الغرر؛ للوثوق بالثمار، فهو أولى بالجواز، والثاني: لا تصحُّ؛ لفوات بعض الأعمال، وصححه جمع، وقال الماوردي: إنه المشهور من مذهب الشافعي، والأصح على أصله 147.
(لكن) القول بالصحة محلُّه (قبل بدو الصلاح) لبقاء معظم العمل، أما بعده .. فالأصحّ: القطع بالمنع؛ لفوات معظم الأعمال.
(ولو ساقاه على وَديٍّ) غير مغروس (ليغرسه ويكونَ الشجر لهما .. لم يجز) إذ لم ترد المساقاة على أصل ثابت، فكان بمثابة قوله: (بع هذه العروض، وقد قارضتك على أثمانها إذا نضت).
والودي بفتح الواو، وكسر الدال المهملة، وتشديد الياء: صغار النخل.
(ولو كان) الوَديُّ (مغروسًا وشرط له جزءًا من الثمر على العمل؛ فإن قَدَّر مدة يثمر فيها غالبًا .. صحَّ) ولا يضر كونُ أكثر المدة لا ثمر فيها؛ كما لو ساقاه عشر
الجزء: 2 - الصفحة: 387
وَإِلَّا .. فَلَا، وَقِيلَ: إِنْ تَعَارَضَ الاحْتِمَالُ .. صَحَّ. وَلَهُ مُسَاقَاةُ شَرِيكِهِ فِي الشَّجَرِ إِذَا شَرَطَ لَهُ زِيَادَةً عَلَى حِصَّتِهِ. وَيُشْتَرَطُ أَلَّا يَشْرِطَ عَلَى الْعَامِلِ مَا لَيْسَ مِنْ جنْسِ أَعْمَالِهَا، وَأَنْ يَنْفَرِدَ بِالْعَمَلِ وَبِالْيَدِ فِي الْحَدِيقَةِ، وَمَعْرِفَةُ الْعَمَلِ بِتَقْدِيرِ المُدَّةِ كَسَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ،
سنين، والثمرةُ يغلب وجودها في العاشرة خاصة، فإن لم يثمر فيها .. حبط عمله؛ كما لو قارضه .. فلم يربح، أو ساقاه على مثمر .. فلم يثمر.
(وإلا .. فلا) أي: وإن قَدَّر مدة لا يثمر فيها غالبًا .. لم يصحَّ، لخلوها عن العوض؛ كالمساقاة على الأشجار التي لا تثمر.
(وقيل: إن تعارض الاحتمال) أي: احتمال الإثمار وعدمه، وليس أحدهما أظهر ( .. صحَّ) كالقراض، فإن الربح محتملُ الحصول، فإن أثمرت .. استحق، وإلا .. فلا شيء له، والأصحُّ: المنع؛ لأنه عقدٌ على عوض غيرِ موجود، ولا الظاهرِ وجوده، فأشبه السلم فيما لا يوجد غالبًا.
(وله مساقاة شريكه في الشجر إذا شرط له زيادة على حصته) كما إذا كانت بينهما نصفين وشرط له ثلثي الثمرة ليكون السدس عوض عمله، وسواء قلَّت الزيادة أم كثرت؛ كالأجنبي، فإن شرط له مثل مقدار نصيبه، أو دونه .. لم يصحَّ؛ إذ لا عوض؛ لاستحقاقه ذلك بالملك، فإن عمل .. فلا أجرة له على الأصحِّ.
(ويشترط) لصحة المساقاة (ألا يَشرِط على العامل ما ليس من جنس أعمالها) التي جرت عادة العامل بعملها؛ كما لو شرط أن يبني له جدرانَ الحديقة، فإن فعل ذلك .. لم يصحَّ؛ لأنه استئجار بعوض مجهول، واشتراط عقد في عقد.
(وأن ينفرد بالعمل) فلو شرط عمل المالك معه .. فسد.
نعم؛ لو شرط أن يعمل معه غلام المالك المعروف برؤية أو وصف .. جاز على المذهب إذا لم يشرط اشتراكهما في التدبير، فإن شرط ذلك، ويعملان ما اتفقا عليه .. لم يجز قطعًا.
(وباليد في الحديقة) ليتمكن من العمل متى شاء، فلو شرط كونها في يد المالك، أو في يدهما .. لم يصحَّ.
(ومعرفةُ العمل) جملةً لا تفصيلًا (بتقدير المدة؛ كسنة أو أكثر) إلى مدة
الجزء: 2 - الصفحة: 388
وَلَا يَجُوزُ التَّوْقِيتُ بإِدْرَاكِ الثَّمَرَةِ فِي الأَصَحِّ. وَصِيغَتُهَا: (سَاقَيْتُكَ عَلَى هَذَا النَّخْلِ بكَذَا)، أَوْ (سَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ لِتَتَعَهَّدَهُ). وَيُشْتَرَطُ الْقَبُولُ دُونَ تَفْصِيلِ الأَعْمَالِ، وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ عَلَى الْعُرْفِ الْغَالِبِ. وَعَلَى الْعَامِلِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِصَلَاحِ الثَّمَرِ وَاسْتِزَادَتِهِ مِمَّا يَتكرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ؛ كَسَقْيٍ وَتنقِيَةِ نَهْرٍ وَإِصْلَاحِ الأَجَاجِينِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا الْمَاءُ وَتَلْقِيحٍ وَتَنْحِيَةِ حَشِيشٍ وَقُضبَانٍ مُضِرَّةٍ، وَتَعْرِيشٍ جَرَتْ بِهِ عَادَةٌ،
تبقى فيها العين للاستغلال.
وأقلُّ مدتها: ما تطلع فيه الثمرة وتستغني عن العمل، فلا تصحُّ مطلقةً، ولا مؤبدةً؛ لأنها عقد لازم فأشبهت الإجارة.
(ولا يجوز التوقيت بإدراك الثمرة في الأصحِّ) لجهالته بالتقديم تارة، وبالتأخير أخرى، والثاني: يجوز؛ لأنه المقصودُ في العقد.
(وصيغتها: "ساقيتك على هذا النخل) أو العنب (بكذا") من الثمرة؛ لأنه الموضوع لها (أو "سلمته إليك لتتعهده") لأدائه معناه، وينعقد بكلِّ لفظ يؤدي معنى المساقاة؛ كقوله: (اعمل على هذا النخل)، أو (تعهد نخلي بكذا).
(ويشترط: القبول) للزومها؛ كالإجارة (دون تفصيل الأعمال) فلا يشترط التعرض له.
(ويحمل المطلق في كلِّ ناحية على العرف الغالب) إذ المرجع في مثله إلى العرف.
(وعلى العامل) عند الإطلاق (ما يُحتاج إليه لصلاح الثمر واستزادته مما يتكرر كلَّ سنة؛ كسقي) إن لم يشرب بعروقه، (وتنقية نهر، وإصلاح الأجاجين التي يثبت فيها الماء، وتلقيح، وتنحية حشيش، وقُضبان مضرة) لاقتضاء العرف ذلك.
والأجاجين: الحفر التي تحفر حول النخلة ليثبت فيها الماءَ شِبه الإجَّانَة التي يُغسَّلُ فيها، والتلقيح: وضع شيء من طلع الذكور في طلع الإناث.
أما الطلع الذي يلقح .. فهو على المالك.
وإنما اعتبرنا التكرار؛ لأن ما لا يتكرر يبقى أثرُه بعد فراغ المساقاة، وتكليفه العامل إجحاف به.
(وتعريشٍ جرت به عادة) أي: وعليه إصلاح العريش في البلاد التي جرت العادة
الجزء: 2 - الصفحة: 389
وَكَذَا حِفْظُ الثَّمَرِ وَجَذَاذُهُ وَتَجْفِيفُهُ فِي الأَصَحِّ. وَمَا قُصِدَ بهِ حِفْظُ الأَصْلِ وَلَا يَتكرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ؛ كَبِنَاءِ الْحِيطَانِ وَحَفْرِ نَهْرٍ جَدِيدٍ .. فَعَلَى الْمَالِكِ. والْمُسَاقَاةُ لَازِمَةٌ،
فيها بطرح الكروم على العريش عملًا بالعادة.
(وكذا حفظ الثمر) على النخل، وفي الجرين من السرقة والطيور والزنابير.
(وجُذاذه وتجفيفه في الأصحِّ) أما في الأولى: فكحفظ مال القراض، فإن لم يحفظه بنفسه .. فمؤنة من يحفظه عليه، ومقابله: أن الحفظ عليهما على نسبة مِلكيهما في الثمرة؛ لأن الذي يجب على العامل ما يتعلق بزيادة الثمر وتنميته، قال الرافعي: وهو الأقيس 148.
وأما في الثانية وهي جُذاذه وتجفيفه .. فلأن الصلاح به يحصل، ومقابله: أنه على المالك؛ لوقوعه بعد كمال الثمار.
وقيد في "الروضة" تبعًا لـ "أصلها" الوجوب في التجفيف بما إذا جرت به العادةُ أو شرطاه، وصرح به الماوردي في الجُذاذ 149.
(وما قصد به حفظ الأصل، ولا يتكرر كلَّ سنة؛ كلبناء الحيطان، وحفر نهر جديد .. فعلى المالك) لاقتضاء العرف ذلك.
وقوله: (كبناء الحيطان) قد يوهم أن سدَّ الثُّلَم اليسيرة التي تحصل في الحيطان ليست على المالك، والأصحُّ في "أصل الروضة": اتباعُ العرف فيها، وفي وضع الشوك على رؤوس الجدران 150، وصحح السبكي في الثُّلَم أنها على المالك، وقال: إنه المنصوص عليه في "الأم".
وقوله: (وحفر نهر جديد) يوهم أن ما ينهار من النهر ليس على المالك، وليس كذلك.
(والمساقاة لازمة) من الجانبين؛ كالإجارة.
الجزء: 2 - الصفحة: 390
فَلَوْ هَرَبَ الْعَامِلُ قَبْلَ الْفَرَاغِ وَأَتَمَّهُ الْمَالِكُ مُتبَرِّعًا ... بَقِيَ اسْتِحْقَاقُ الْعَامِلِ، وَإِلَّا .. اسْتَأْجَرَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ مَنْ يُتِمُّهُ. وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَاكِمِ .. فَلْيُشْهِدْ عَلَى الإِنْفَاقِ إِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ. وَلَوْ مَاتَ وَخَلَّفَ تَرِكَةً .. أَتَمَّ الْوَارِثُ الْعَمَلَ مِنْهَا، وَلَهُ أَنْ يُتِمَّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَالِهِ
(فلو هرب العامل قبل الفراغ وأتمه المالك متبرعًا .. بقي استحقاق العامل) كتبرع الأجنبي بأداء الدين.
(وإلا) أي: وإن لم يتبرع المالك بإتمامه ( .. استأجر الحاكم عليه من يُتمُّه) بعد إثبات المساقاةِ والهربِ عنده، وتعذر إحضاره؛ لأنه واجب عليه، فالقاضي ينوب عنه فيه.
هذا إذا كان له مال ومنه الثمرة المؤبرة .. فإنه يبيع نصيبه فيها، فإن لم يكن له مال .. اقترض عليه إن لم يجد من يستأجره بأجرة مؤجلة مدةَ إدراك الثمر، والاقتراض يكون من بيت المال، أو من أجنبي، أو من المالك، وقيل: بالترتيب هكذا.
(وإن لم يقدر) المالك (على الحاكم) بأن كان فوق مسافة العدوى، أو حاضرًا ولم يُجبه إلى ما التمسه ( .. فليشهد على الإنفاق إن أراد الرجوع) لأن الإشهاد في حال العذر كالحكم، فإن لم يشهد .. لم يرجع؛ لظهور التبرع، ولو لم يُمكنه الإشهاد .. لم يرجع أيضًا على الأصحِّ؛ لأنه عذر نادر.
وقوله: (على الإنفاق) مثال، فإن الحكم كذلك إذا عمل بنفسه ليرجع.
والمعتبر: أن يُشهد على العمل، أو الاستئجار وبذل الأجرة بشرط الرجوع، فإن لم يتعرض للرجوع .. فكأنه لم يشهد.
(ولو مات) العامل قبل العمل (وخَلَّف تركة .. أتم الوارثُ العمل منها) لأنه حقٌّ وجب على مُورِّثه، فيؤدَّى من تركته، كغيره، فإن امتنع .. استأجر الحاكم عليه.
هذا إذا كانت على الذمة، فإن كانت على العين .. انفسخت بالموت؛ كالأجير المعين.
(وله أن يُتم) العمل (بنفسه أو بماله) إن اختار ولا يُجبَر عليه؛ لأن منافعه لنفسه.
الجزء: 2 - الصفحة: 391
وَلَوْ ثَبَتَتْ خِيَانةُ عَامِلٍ .. ضُمَّ إِلَيْهِ مُشْرِفٌ، فَإِنْ لَمْ يَتَحَفَّظْ بهِ .. اسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ عَامِلٌ. وَلَوْ خَرَجَ الثَّمَرُ مُسْتَحَقًّا .. فَلِلْعَامِلِ عَلَى الْمُسَاقِي أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
(ولو ثبتت خيانة عامل) بإقراره، أو بينة، أو يمين مردودة ( .. ضمَّ إليه مشرف (ولا تزال يده، لأن العمل حقٌّ عليه، ويمكن استيفاؤه منه بهذا الطريق، فتعين جمعًا بين الحقين؛ كما إذا تعدى المرتهن في الرهن .. فإنه يوضع عند عدل، ولا يبطل حقُّه.
(فإن لم يتحفظ) العامل (به) أي: بالمشرف ( .. استؤجر من ماله عامل) لتعذر استيفاء العمل الواجب عليه منه، والقدرة عليه بهذا الطريق.
(ولو خرج الثمر مستحقًّا) لغير المساقي ( .. فللعامل على المُساقي أجرة المثل) لأنه فوت عليه منافعَه بعوض فاسد فيرجع ببدله.
هذا إذا كان قد عمل جاهلًا بالحال، فإن علم .. فلا شيء له قطعًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 392
كتابُ الإِجَارة شَرْطُهُمَا كَبَائِعٍ وَمُشْتَرٍ. وَالصِّيغَةُ: (أَجَّرْتُكَ هَذَا)، أَوْ (أَكْرَيْتُكَ)، أَوْ (مَلَّكْتُكَ مَنَافِعَهُ سَنَةً بِكَذَا)، فَيَقُولُ: (قَبلْتُ) أَوِ (اسْتَأْجَرْتُ) أَوِ (اكْتَرَيْتُ). وَالأَصَحُّ: انْعِقَادُهَا بِقَوْلهِ: (أَجَّرْتُكَ مَنْفَعَتَهَا)،
﴿كتاب الإجارة﴾
هي بكسر الهمزة في المشهور، وحكي الضم والفتح، وهي لغة: اسم للأجرة، ثم اشتهرت في العقد، وشرعًا: عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبَذل 151 والإباحة بعوض معلوم، قاله ابن الرفعة 152.
واحترز بقوله: (قابلة للبذل والإباحة) عن منفعة البُضْع، وبقوله: (بعوض معلوم) عن المساقاة؛ لجهالة العوض فيها.
وأورد عليه: الجُعالة على عمل معلوم، والمساقاة على ثمرة موجودة.
(شرطهما) أي: المؤجِّر والمستأجر (كبائع ومشترٍ) من التكليف والاختيار؛ لأنها صنف من البيع.
(والصيغة: "أجرتك هذا"، أو "أكريتك") هذا (أو "ملكتك منافعه سنةً بكذا") أما الأوليان فمجمع عليهما، وأما الثالثة: ففيها وجه (فيقول: ) على الاتصال" ("قبلت"، أو "استأجرت"، أو "اكتريت") لأنها بيع فلا بدَّ فيها من الإيجاب والقبول.
ونقل في (كتاب البيع) من "شرح المهذب" عن المتولي وآخرين أن الخلاف في المعاطاة في البيع جارٍ هنا، وفي الرهن والهبة 153.
وصورة المعاطاة هنا: أن يتفقا على شيء، ثم يتقابضا عقِبَه بلا عقد.
(والأصحُّ: انعقادها بقوله: "أجرتك منفعتها") كما لو قال: (أجرتكها)،
الجزء: 2 - الصفحة: 393
وَمَنْعُهَا بِقَوْلهِ: (بِعْتُكَ مَنْفَعَتَهَا). وَهِيَ قِسْمَانِ: وَارِدَةٌ عَلَى عَيْنٍ كَإِجَارَةِ الْعَقَارِ وَدَابَّةٍ أَوْ شَخْصٍ مُعَيَّنَيْنِ. وَعَلَى الذِّمَّةِ كَاسْتِئْجَارِ دَابَّةٍ مَوْصُوفَةٍ، وَبِأَنْ يُلْزِمَ ذِمَّتَهُ خِيَاطَةً أَوْ بِنَاءً. وَلَوْ قَالَ: (اسْتأْجَرْتُكَ لِتَعْمَلَ كَذَا) .. فَإِجَارَةُ عَيْنٍ، وَقِيلَ: ذِمَّةٍ. وَيُشْتَرَطُ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ: تَسْلِيمُ الأُجْرَةِ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِجَارَةُ الْعَيْنِ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِيهَا،
ويكون ذكر المنفعة تأكيدًا؛ كقول البائع: (بعتك عين هذه الدار)، والثاني: المنع؛ لأن لفظ الإجارة وُضِعَ مضافًا إلى العين؛ لأن المنفعة لا منفعة لها فكيف يضاف إليها العقد؟ !
(ومَنْعُها بقوله: "بعتك منفعتها") لأن البيع موضوع لملك الأعيان، فلا يستعمل في المنافع؛ كما لا ينعقد البيع بلفظ الإجارة، والثاني: يجوز؛ لأنها صنف من البيع.
(وهي قسمان: واردة على عين؛ كإجارة العقار، ودابة أو شخص معينين، وعلى الذمة، كاستئجار دابة موصوفة، وبأن يُلزم ذمته خياطة أو بناء) ذكر المصنف هذا التقسيم لما يترتب عليه من الأحكام الآتية، ونبه على أن الوارد على العين قسمان.
أحدهما: ما لا يُتصوَّر فيه غيرُ إجارة العين، وهو إجارة العقار؛ لأنه لا يثبت في الذمة، ولهذا لا يجوز السلم في أرض ولا دار، والثاني: ما يُتصوَّر فيه الأمران، وهو الدابة والشخص، ولهذا قال: (معينين)، ومراده بالواردة على العين: ما ترتبط به العين، وتمثيله يُرشد إليه، ولا يفهم منه أن مورد الإجارة العين في الواردة على العين، بل المذهب الصحيح: أن موردها المنافعُ، سواء وردت على العين أم الذمة، خلافًا لأبي إسحاق.
(ولو قال: "استأجرتك لتعمل كذا" .. فإجارة عين) لتوجه الخطاب إلى العين، كقوله: (استأجرت هذه الدابة)، (وقيل: ذمة) لأن المقصود حصولُ العمل من جهة المخاطب، فكأنه قال: (استحقيت عليك كذا).
(ويشترط في إجارة الذمة: تسليم الأجرة في المجلس) كرأس مال السلم، لأنها سلم في المنافع، فلا يجوز فيها تأجيلُ الأجرة، ولا الاستبدال عنها، ولا الحوالة بها، ولا عليها، ولا الإبراء منها.
(وإجارة العين لا يشترط ذلك فيها) كما لا يشترط تسليمُ الثمن في البيع.
الجزء: 2 - الصفحة: 394
وَيَجُوزُ فِيهَا التَّعْجِيلُ وَالتّأجيلُ إِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ، وَإِذَا أُطْلِقَتْ .. تَعَجَّلَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً .. مُلِكَتْ فِي الْحَالِ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الأُجْرَةِ مَعْلُومَةً، فَلَا تَصِحُّ بِالْعِمَارَةِ وَالْعَلْفِ، وَلَا لِيَسْلَخَ بالْجِلْدِ، وَيَطْحَنَ ببَعْضِ الدَّقِيقِ أَوْ بِالنُّخَالَةِ، وَلَوِ اسْتَأْجَرَهَا لِتُرْضِعَ رَقِيقًا بِبَعْضِهِ فِي الْحَالِ .. جَازَ عَلَى الصحِيحِ
(ويجوز فيها التعجيل والتأجيل إن كانت) الأجرة (في الذمة) كالثمن، فإن كانت معينة .. لم يجز التأجيل؛ لأن الأعيان لا تؤجل.
(وإذا أُطلقت .. تعجلت) كالثمن في البيع المطلق، ويملكها المؤجر بالعقد، ويستحقُّ استيفاءها بتسليمه العين.
(وإن كانت) الأجرة (معينة .. مُلِكَتْ في الحال) كالثمن المعين.
(ويشترط: كون الأجرة معلومة) جنسًا وقدرًا وصفة؛ كالثمن في البيع، وروى أبو داوود: (أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن استئجار الأجير حتى تُميَّز له أجرتُه) 154.
(فلا تصحُّ بالعِمَارة) أي: استئجار الدار بعمارتها، (والعلف) في إجارة الدابة؛ للجهالة.
والعلف: بإسكان اللام وبفتحها؛ كما ضبطه المصنف بخطه، وهو بالفتح: ما يعلف به، وبالإسكان: المصدر.
(ولا ليسلخ بالجلد، ويطحنَ ببعض الدقيق أو بالنُّخالة) لجهالة هذه الأشياء، ولما فيه من عدم القدرة على التسليم في الحال؛ لأنها ليست على الهيئة المشروطة.
(ولو استأجرها لتُرضع رقيقًا ببعضة في الحال .. جاز على الصحيح) ولا أثر لكون عمله يقع في مشترك، كمساقاة شريكه إذا شرط له زيادةً من الثمر .. فإنه يجوز وإن كان يقع عمله في مشترك، والثاني: لا يجوز، ونقله الإمام عن الأصحاب؛ لأن عمل الأجير ينبغي أن يقع في خالص ملك المستأجر 155.
الجزء: 2 - الصفحة: 395
وَكَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مُتَقَوِّمَةً، فَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ بَيَّاعٍ عَلَى كَلِمَةٍ لَا تُتْعِبُ وَإِنْ رَوَّجَتِ السِّلْعَةَ، وَكَذَا دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ لِلتَّزْيِينِ، وَكَلْبٌ لِصيدٍ فِي الأَصَحِّ. وَكَوْنُ الْمُؤَجِّرِ قَادِرًا عَلَى تسلِيمِهَا، فَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ آبِقٍ وَمَغْصوبٍ وَأَعْمَى لِلْحِفْظِ، وَأَرْضٍ لِلزِّرَاعَةِ لَا مَاءَ لَهَا دَائِمٌ، وَلَا يَكْفِيهَا الْمَطَرُ الْمُعْتَادُ، وَيَجُوزُ إِنْ كَانَ لَهَا مَاءٌ دَائِمٌ،
واحترز بقوله: (في الحال) عما لو استأجرها ببعضه بعد الفطام .. فلا يصحُّ قطعًا؛ لأن الأجرة معينة وقد أجلها، والأعيان لا تؤجل.
(وكون المنفعة مُتقوِّمة) ليحسن بذلُ المال في مقابلتها، وإلا .. كان سفهًا وتبذيرًا.
(فلا يصحُّ استئجار بَيَّاعٍ على كلمة لا تُتْعِبُ وإن رَوَّجَتِ السلعةَ) إذ لا قيمة لها، ويلتحق بذلك ما إذا استأجره ليعلمه آية لا تعب فيها؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَطَرَ﴾ وقد صرحوا به في (الصداق).
(وكذا دراهم ودنانير للتزيين، وكلب للصيد) أو للحراسة (في الأصحِّ) أما في الأولى .. فلأن منفعة التزين لا تقصد غالبًا، ومعظم منفعتها الإنفاق، وأما في الثانية .. فلأن الكلب لا قيمة لعينه، فكذا منفعته، والثاني: يصحُّ فيهما؛ لأنها منافع تستباح بالإعارة، فاستحقت با لإجارة؛ كسائر المنافع.
وأشار بقوله: (للتزين) إلى أنه لا بدَّ من ذكره، فلو أطلق .. لم يصحَّ قطعًا؛ لأن تعيين الجهة شرط.
(وكون المؤجر قادرًا على تسليمها، فلا يصحُّ استئجار آبق ومغصوب) كبيعهما، (وأعمى للحفظ) أي: حفظ ما يحتاج إلى النظر إجارةَ عين؛ لاستحالة ذلك منه، ونحوُه الأخرس للتعليم.
(وأرضٍ للزراعة لا ماءَ لها دائم، ولا يكفيها المطر المعتاد) ولا ما في معناه؛ من النداوة، وماء الثلوج، ونحوها، ولكن إن أصابها مطر عظيم، أو سيلٌ نادر .. أمكن زرعها؛ لأنها منفعة غير مقدور عليها، ولا يكفي إمكان الحصول؛ كما لا يكفي إمكان عود الآبق والمغصوب.
(ويجوز إن كان لها ماء دائم) من عين أو نهر؛ لإمكان الزراعة حينئذ، قال ابن
الجزء: 2 - الصفحة: 396
وَكَذَا إِنْ كَفَاهَا الْمَطَرُ الْمُعْتَادُ أَوْ مَاءُ الثُّلُوجِ الْمُجْتَمِعَةِ، وَالْغَالِبُ حُصُولُهَا فِي الأَصحِّ. وَالامْتِنَاعُ الشَّرْعِيُّ كَالْحِسِّيِّ، فَلَا يَصحُّ اسْتِئْجَار لِقَلْعِ سِنٍّ صَحِيحَةٍ، وَلَا حَائِضٍ لِخِدْمَةِ مَسْجِدٍ، وَكَذَا مَنْكُوحَةٌ لِرَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ فِي الأَصَحِّ
الرفعة: واستئجار الحمام في معنى استئجار الأرض للزراعة فيما يظهر.
(وكذا إن كفاها المطر المعتاد، أو ماء الثلوج المجتمعة، والغالب حصولها في الأصحِّ) لأن الظاهر حصولُ الغالب، والثاني: المنع؛ لأن السقي معجوزٌ عنه في الحال، والمتوقع لا يعلم حصوله، وبتقدير حصوله لا يعرف أنه يحصل وقت الحاجة إليه.
ويصحُّ استئجار أراضي مصر للزراعة قبل رَيِّها إذا كانت تَرْوَى من الزيادة الغالب حصولُها على الأصحِّ.
(والامتناع الشرعي كالحسي، فلا يصحُّ استئجارٌ لقلع سنٍّ صحيحة) لامتناع تسليمها شرعًا، وهذا في غير القصاص، وأما المستحقة بالقصاص .. فيجوز.
وأفهم: جوازَ الاستئجار لقلع سنٍّ عليلة، وهو الأصحُّ إذا صعب الألم وقال أهل الخبرة: إن القلع يزيله.
(ولا حائضٍ لخدمة مسجد) إجارة عين؛ لاقتضاء الخدمة المكث، وهي ممنوعة منه.
نعم؛ لو كانت كافرة وأمنت التلويث .. قال الأَذْرَعي: فيشبه الصحة، ويجوز في إجارة الذمة.
(وكذا منكوحةٌ لرضاعٍ أو غيره) مما لا يؤدي إلى خلوة محرمة (بغير إذن الزوج في الأصحِّ) لأن أوقاتها مستغرَقة بحقِّه، فلا يمكنها توفية ما التزمته، والثاني: يصح؛ لأن محلَّه غيرُ محلِّ النكاح؛ إذ لا حقَّ له في لَبَنِها وخدمتِها.
وعلى هذا: فللزوج فسخُه؛ حفظًا لحقِّه، وفي "الكافي": وجه أنه يصحُّ، ولا اعتراض للزوج، أما بإذنه .. فيصحُّ قطعًا.
والخلاف في الحرة، أما الأمة .. فللسيد أن يؤجرها نهارًا قطعًا وإن أبى الزوج.
ولو سقت المرضعةُ المستأجَرُ عينُها لبنَ غيرِها للطفل .. فلا أجرة لها، وقال أهل
الجزء: 2 - الصفحة: 397
وَيَجُوزُ تَأْجِيلُ الْمَنْفَعَةِ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ؛ كَـ (أَلْزَمْتُ ذِمَّتَكَ الْحَمْلَ إِلَى مَكَّةَ أَوَّل شَهْرِ كَذَا). وَلَا تَجُوزُ إِجَارَةُ عَيْنٍ لِمَنْفَعَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، فَلَوْ أَجَّرَ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ لِمُسْتَأْجِرِ الأَولَى قَبْلَ انْقِضَائِهَا .. جَازَ فِي الأَصحِّ
العراق: لها الأجرة، قال الروياني: وهو غلط؛ لأنها لم تأت بما هو مستحق بالعقد.
(ويجوز تأجيل المنفعة في إجارة الذمة؛ كـ "ألزمت ذمتك الحملَ إلى مكة أولَ شهرِ كذا") لأن الدَّينَ يقبل التأجيل؛ كما لو أسلم في شيء إلى أجل معلوم.
وقوله: (أول شهر كذا) تبع فيه "المحرر" 156، وظاهره: أنه تأجيل صحيح، لكن في "الروضة" و"أصلها" في (السلم) عن الأصحاب أنه لو قال كـ: (أول رمضان) .. بطل؛ لأنه يقع على جميع النصف الأول" 157، فلو مثل كـ "الشرحين" و"الروضة" بغرة شهر كذا 158 .. لكان حسنًا.
(ولا تجوز إجارة عين لمنفعة مستقبلة) كإجارة الدار السنة المستقبلة؛ قياسًا على البيع، فإنه لو باع العين على أن يسلمها بعد شهر .. لم يصحَّ، فكذا الإجارة.
(فلو أجَّر السنة الثانية لمُستأجرِ الأُولى قبل انقضائها .. جاز في الأصحِّ) لاتصال المدتين؛ كما لو أجر منه السنتين في عقدٍ واحد، والثاني: لا يجوز؛ كما لو أجرها من غيره، أو منه مدةً لا تتصل بالمدة الأولى، وصححه جمع، وقال البَنْدَنيجي والروياني: إنه الأقيس.
وأُورِد على المصنف: ما لو قال: (أجرتك سنة فإذا انقضت .. فقد أجرتك سنة أخرى)، فإن الصحيح فيها: بطلان العقد الثاني مع صدق أنه أجر السنة الثانية قبل انقضاء الأولى.
فلو عبر بقوله: (في أثنائها) .. لكان أولى، وأجيب: بأنه في هذه الصورة ليس مستأجر الأولى.
الجزء: 2 - الصفحة: 398
وَيَجُوزُ كِرَاءُ الْعُقَبِ فِي الأَصَحِّ، وَهُوَ: أَنْ يُؤَجِّرَ دَابَّةً رَجُلًا لِيَرْكَبَهَا بَعْضَ الطَّرِيقِ، أَوْ رَجُلَيْن لِيَرْكَبَ هَذَا أَيَّامًا وَذَا أَيَّامًا وَيُبيِّنَ الْبَعْضَيْنِ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ.
فَصْلٌ [في بقية شروط المنفعة وما تقدر به]
يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مَعْلُومَةً، ثُمَّ تَارَةً تُقَدَّرُ بِزَمَانٍ كَدَارٍ سَنَةً،
(ويجوز كراء العُقَبِ في الأصحِّ، وهو: أن يؤجر دابةً رجلًا ليركبها بعضَ الطريق، أو رجلين ليركب هذا أيامًا وذا أيامًا، ويبين البعضين ثم يقتسمان) أي: المكري والمكتري، أو المكتريان سواء في إجارة العين والذمة؛ لثبوت الاستحقاق حالًا، فإن الملك واقع لهما دفعةً واحدة، والتأخير الواقع من ضرورة القسمة لا يؤثر؛ كالدار المشتركة، بخلاف ما لو أجرها ليركبها زمانًا، ثم المستأجر بعده زمانًا؛ لتأخر حقِّه وتعلقها بالمستقبل، والثاني: المنع فيهما، فإنه إجارة إلى آجال متفرقة وأزمنة منقطعة، والثالث: يصحُّ في الصورة الثانية؛ لاتصال زمن الإجارة فيها دون الأولى، والرابع: يصحُّ فيهما إن كانت في الذمة، ولا يصحُّ إن كانت معينة.
(فصل: يشترط: كون المنفعة معلومة) عينًا وقدرًا وصفة؛ كالبيع، فلا تصحُّ إجارةُ أحد عبديه، ولا إجارةُ الغائب على الأصحِّ، ولا إجارة مدة غير مقدرة، وإذا استأجر عقارًا اشترط تحديده بالجهات؛ كما يفعل في البيع، حكاه في "الكفاية" عن القاضي أبي الطيب 159. ويستثنى من اشتراط القدر: دخول الحمام مع اختلاف أحوال الداخلين في المكث، واستعمال الماء، وحكى في "شرح المهذب" في (باب بيع الغرر) الإجماع عليه 160. (ثم تارة تُقدَّر) المنفعة (بزمان) فقط (كدار سنةً) معينةً متصلةً بالعقد، وفي معنى الدار: كلُّ ما لا ينضبط بالعمل لاختلافه؛ كالأواني، والثياب، والتطيين،
الجزء: 2 - الصفحة: 399
وَتَارَةً بعَمَلٍ؛ كَدَابَّةٍ إِلَى مَكَّةَ، وَكَخِيَاطَةِ ذَا الثَّوْب، فَلَوْ جَمَعَهُمَا فَاسْتَأْجَرَهُ لِيَخِيطَهُ بَيَاضَ النَّهَارِ .. لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ. وَيُقَدَّرُ تَعْلِيمُ القُرْآنِ بِمُدَّةٍ،
والرضاع، فإنه لا سبيل للضبط في هذه إلا بالزمان.
(وتارة بعمل؛ كدابة) معينة أو موصوفة (إلى مكة، وكخياطة ذا الثوبِ) من غير تقدير مدة؛ لأن هذه المنافعَ معلومةٌ في أنفسها فلم تفتقر إلى تقدير المدة.
وكلامه قد يوهم: تعين التقدير بالعمل في ذلك، وليس كذلك، بل يجوز تقديره بالزمان أيضًا على الانفراد، فيقول: (أجرني هذه الدابة لأركبها شهرًا، وأجرني عبدك ليخيط لي هذا الثوب)، أو (يخيط لي شهرًا).
(فلو جمعهما) أي: التقدير بالعمل والزمان (فاستأجره ليَخيطه بياضَ النهار .. لم يصحَّ في الأصحِّ) للغرر، فقد يتقدم العمل أو يتأخر، والثاني: يصحُّ؛ إذ المدة مذكورة للتعجيل، فلا تؤثر في الفساد، والثالث: إن أمكن حصولُه في تلك المدة .. صحَّ، وإلا .. فلا، وفي "البحر" عن البويطي إن أمكن .. كان ذكرُه أفضل 161.
(ويُقدّر تعليم القرآن بمدة) كشهر مثلًا؛ كما لو استأجر خَيَّاطًا ليخيط له شهرًا، وهذا هو الأصحُّ في "زيادة الروضة" والمجزوم به في "الشرحين" في (الصداق) 162، لكن الأشبه في "الشرح الصغير" و"التذنيب" هنا: أنه لا يجوز؛ لتفاوت السور والآت في سهولة الحفظ وصعوبته.
واعترض: بأن في ثبوت المنع وجهًا نظرًا، فإنه لا يكاد يوجد التصريح به لأحد، فضلًا عن ترجيحه.
وصورة المسألة: إذا لم يرد القرآن جميعه، بل ما يُسمَّى قرآنًا، أما إذا أريد جميعه .. فلا يصحُّ على الأصحِّ؛ لأن فيه جمعًا بين الزمان والعمل.
وحينئذ كان ينبغي للمصنف أن يقول: تعليم قرآن بالتنكير، فإن الشافعي رضي الله عنه نصَّ في (باب التدبير) على أن القرآن بالألف واللام لا يطلق إلا على جميعه 163.
الجزء: 2 - الصفحة: 400
أَوْ تَعْيِينِ سُوَرٍ. وَفِي الْبنَاءِ يُبيِّنُ الْمَوْضِعَ، وَالطُّولَ، وَالْعَرْضَ، وَالسَّمْكَ، وَمَا يُبْنَى بهِ إِنْ قُدِّرَ بِالْعَمَلِ. وإِذَا صَلَحَتِ الأَرْضُ لِبنَاءٍ وَزِرَاعَةٍ وَغِرَاسٍ .. اشْتُرِطَ تَعْيِينُ الْمَنْفَعَةِ، وَيَكْفِي تَعْيِينُ الزِّرَاعَةِ عَنْ ذِكْرِ مَا يُزْرَعُ فَي الأَصَحِّ،
(أو تعيينِ سور) إن كانت كاملة، أو تعيين آيات؛ كعشر آيات من سورة كذا من أولها، أو من آخرها؛ للتفاوت بينهما في سهولة الحفظ، وصعوبته.
وأفهم: أنه لا يشترط تعيين القراءة؛ كقراءة أبي عمرو، وهو الأصح؛ إذ الأمر فيها قريب، فإن عين شيئًا .. تعين.
وأفهم أيضًا: أنه لا يشترط اختبار حفظ المتعلم، وهو كذلك، قال ابن الرفعة: ولو خرج ذهنه عن عادة أمثاله في البلادة ... فله الفسخ فيما يظهر.
ويشترط: علم المتعاقدين بما يقع العقد على تعليمه، فإن لم يعلماه .. وَكَّلا، ويكفي أن يفتحا المصحف ويقول: (تُعلِّمني من هنا إلى هنا)، قاله أبو الفرج الزاز، وتوقف فيه الرافعي، لأنه لا يفيد معرفة المشار إليه سهولة وصعوبة، قال في "الروضة" في (الصداق): وهو الصواب، فيتعين التوكيل 164.
(وفي البناء يبين الموضعَ) أي: موضع الجدار، (والطولَ) أي: طول البناء (والعرض، والسَّمْك، وما يُبنَى به) من طين وآجرٍّ، وغير ذلك (إن قُدِّر بالعمل) لاختلاف الأغراض به، فإن قدر بالزمان .. لم يحتج إلى بيان شيء من ذلك، وقد مرَّ تفسير الطول والعرض والسمك في (الصلح) فليراجع.
(وإذا صلحت الأرض لبناء وزراعة وغِراس .. اشترط تعيين المنفعة) لاختلاف الضرر اللاحق باختلاف منافع هذه الجهات" كما لو أجر بهيمة .. لا يجوز الإطلاق.
(ويكفي تعيين الزراعة عن ذكر ما يزرع في الأصحِّ) لقلة التفاوت بين أنواع الزرع، ويزرع ما شاء، قال الرافعي: وكان يحتمل أن ينزل على أقلِّ الدرجات 165.
انتهى، وما بحثه حكاه الخوارزمي وجهًا، والثاني: لا يكفي، لاختلاف ضرر الزرع.
الجزء: 2 - الصفحة: 401
وَلَوْ قَالَ: (لِتَنْتَفِعَ بِهَا بِمَا شِئْتَ) .. صَحَّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (إِنْ شِئْتَ فَازْرَعْ وَإِنْ شِئْتَ فَاغْرِسْ) فِي الأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ فِي إِجَارَةِ دَابَّةٍ لِرُكُوبٍ مَعْرِفَةُ الرَّاكِبِ بِمُشَاهَدَتِهِ أَوْ وَصْفٍ تَامٍّ، وَقِيلَ: لَا يَكْفِي الْوَصْفُ،
ويجري الخلاف في قوله: (لتغرس)، و (لتبني)، قاله الرافعي 166، وتوقف فيه السبكي؛ لأن البناء والغراس تتفاوت كثيرًا، بخلاف الزرع.
(ولو قال: "لتنتفع بها بما شئت" .. صحَّ) ويصنع ما شاء؛ لرضاه به.
(وكذا لو قال: "إن شئت .. فازرع، وإن شئت .. فاغرس" في الأصحِّ) لرضاه بأعظمهما ضررًا، والثاني: المنع، للإيهام 167؛ كما لو قال: (بعتك بألف مكسَّرة إن شئت، وصحيحة إن شئت).
(ويشترط في إجارة دابة لركوب: معرفة الراكب بمشاهدة أو وصفٍ تام) لينتفي الغرر، وسواء إجارة العين والذمة.
ولم يبين المراد بالتام، وفي "الروضة" و"أصلها": واختلف في الوصف، فقيل: يذكر صفته في الضخامة والنحافة؛ ليعرف وزنه تخمينًا، وقيل: يصفه بالوزن، ولم يرجحا شيئًا 168، ورجح شيخنا قاضي القضاة جلال الدين البُلْقيني الثاني.
(وقيل: لا يكفي الوصف)، وتتعين المشاهدة؛ لأن الخبر ليس كالمعاينة، وهذا ما نقلاه في "الشرح" و"الروضة" عن الأكثرين 169، وحكاه في "المطلب" عن نصِّ "الأم"، لكن الرافعي قال: إن إلحاق الوصف التام بالمشاهدة أشبه في المعنى؛ [لأنه يفيد التخمين؛ كالمشاهدة] 170، قال السبكي: وهذا ليس وجهًا منقولًا، لكن الرافعي جعله في معنى المشاهدة؛ يعني: بحثًا، فعُلِمَ أن التخيير بينهما؛ كما في "الكتاب" ليس وجهًا بالكلية، فضلًا عن أن يكون هو المرجَّحَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 402
وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا يُرْكَبُ عَلَيْهِ مِنْ مَحْمِلٍ وَغَيْرِهِ إِنْ كَانَ لَهُ. وَلَوْ شَرَطَ حَمْلَ الْمَعَالِيقِ مُطْلَقًا .. فَسَدَ الْعَقْدُ فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهُ .. لَمْ يَسْتَحِقَّ
(وكذا الحكم فيما يُركب عليه من مَحمِل وغيره) كعمارية وسرج وإكاف (إن كان له) أي: إن كان المُحضِرُ له هو المكتري، حيث اقتضى الشرط الركوب عليه، ولا بدَّ هنا عند عدم المشاهدة من الوزن مع الوصف على الأصحِّ، وقيل: يكفي الوزن أو الوصف.
ومحلُّ الخلاف: إذا تفاوتت المحامل تفاوتًا فاحشًا، وإلا .. كفى الإطلاق، ويحمل على معهودهم قطعًا.
واحترز بقوله: (إن كان له) عما إذا كان مجردًا ليس معه ما يركب عليه، فإنه لا حاجة إلى ذكر ما يركب عليه، ويركبه المؤجر على ما شاء على ما يليق بالدابة.
ولا يختص ما ذكر المصنف بما يركب عليه، بل ما كان معه من زاملة ونحوها كذلك، وقد صرح به في "المحرر" 171، فلا وجه لإهماله.
(ولو شرط حملَ المعاليق مطلقًا) أي: من غير رؤية، ولا وصف ووزن ( ... فسد العقد في الأصحِّ) لاختلاف الناس فيها، فربما قلَّتْ، وربما كَثُرَتْ، والثاني: يصحُّ، ويحمل على الوسط المعتاد.
وكان ينبغي التعبير بالأظهر؛ لأن في المسألة قولين.
والمعاليق: السُّفْرة والإداوة والقُمْقُمة والقِدْر، قال الماوردي: وكذا المِفْحربة والمِخَدة، ونحو ذلك 172.
والخلاف في السفرة والإداوة إذا كانتا فارغتين، فإن كان فيهما طعام وماء فلا بدَّ من رؤيته، أو معرفته بالوزن على المشهور.
(وإن لم يشرطه) أي: حمل المعاليق (لم يستحق) حملهما؛ لاختلاف الناس فيها، وقد لا يكون للراكب فيها معاليق أيضًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 403
وَيُشْتَرَطُ فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ تَعْيِينُ الدَّابَّةِ - وَفِي اشْتِرَاطِ رُؤْيَتِهَا الْخِلَافُ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ - وَفِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ ذِكْرُ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالذُّكُورَةِ أَوِ الأُنُوثَةِ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا بَيَانُ قَدْرِ السَّيْرِ كُلَّ يَوْمٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِالطَّرِيقِ مَنَازِلُ مَضبُوطَةٌ ... فَيُنَزَّل عَلَيْهَا. وَيَجِبُ فِي الإِيجَارِ لِلْحَمْلِ أَنْ يَعْرِفَ الْمَحْمُولَ - فَإِنْ حَضَرَ .. رَآهُ وَامْتَحَنَهُ بِيَدِهِ إِنْ كَانَ فِي ظَرْفٍ، وَإِنْ غَابَ .. قُدِّرَ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ -
(ويشترط في إجارة العين: تعيين الدابة) فلا يصحُّ أن يؤجره إحدى هاتين الدابتين.
(وفي اشتراط رؤيتها الخلاف في بيع الغائب) والأظهر: اشتراطه، كما مرَّ في بابه.
(وفي إجارة الذمة: ذكرُ الجنس) كالإبل أو الخيل أو الحمير، (والنوع) كالبَخَاتي أو العِراب، (والذكورة أو الأنوثة) لاختلاف الغرض، فإن الأنثى أسهل سيرًا، والذكر أقوى، ويشترط أيضًا: أن يقول كـ: (مهملج)، أو (بحر)، أو (قطوف) على الأصحِّ 173؛ لأن معظم الغرض يتعلق بكيفية السير.
(ويشترط فيهما) أي: في إجارة العين والذمة (بيان قدر السير كلَّ يوم) لتفاوت الغرض فيه، (إلا أن يكون بالطريق منازلُ مضبوطة فيُنزَّل) إطلاق العقد (عليها) كما يصرف إطلاق النقد إلى غالب نقد البلد.
فإن شرطا خلافه .. اتُّبع إن أطاقته البهيمة، فإن لم تكن منازل مضبوطة، أو كانت واختلفت العادة .. لم يصحَّ حتى يبينا، أو يقدِّرا بالزمان، كالثمن في موضع لا نقد فيه.
(ويجب في الإيجار للحمل أن يَعرف المحمولَ) لاختلاف تأثيره وضرره.
(فإن حضر .. رآه وامتحنه بيده إن كان في ظرف) ليعرف وزنه تخمينًا.
(وإن غاب .. قُدِّرَ بكيل) إن كان مكيلًا، (أو وزن) إن كان موزونًا، أو مكيلًا قالا: والوزن في كلِّ شيء أولى وأحصر 174.
الجزء: 2 - الصفحة: 404
وَجنْسَهُ، لَا جِنْسَ الدَّابَّةِ وَصِفَتَهَا إِنْ كَانَتْ إِجَارَةَ ذِمَّةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَحْمُولُ زُجَاجًا وَنَحْوَهُ.
فَصْلٌ [في منافع يمتنع الاستئجار لها ومنافع يخفى الجواز فيها وما يعتبر فيها]
لَا تَصِحُّ إِجَارَةُ مُسْلِمٍ لِجِهَادٍ،
(وجنسَه) أي: ويجب أن يعرف المكري جنس المحمول؛ لأن تأثير الحديد والقطن في الدابة - وإن استويا في الوزن - يختلف.
نعم؛ لو قال: (أجرتكها لتحمل عليها مئة رطل مما شئت) .. صحَّ في الأصحِّ، ويكون رضًا منه بأضَرِّ الأجناس، ولا حاجة مع ذلك إلى بيان الجنس، هذا في الموزون، أما المكيل: فلا يغني قوله: (عشرة أقفزة مما شئت) عن ذكر الجنس؛ كما صوبه في "زيادة الروضة"؛ لكثرة الاختلاف في الكيل وقلَّته في الوزن، وأين ثقل الملح من ثقل الذُّرة 175.
(لا جنسَ الدابة وصفتَها إن كانت إجارةَ ذمة) أي: لا يشترط معرفة ذلك، بخلاف الركوب؛ إذ الغرض هنا نقل المتاع إلى الموضع المنقول إليه، فلا يختلف الغرض بحال حامله.
واحترز بالذمة: عن العين، فإنه على ما سلف في الركوب.
(إلا أن يكون المحمول زُجاجًا ونحوه) مما يسرع انكساره؛ كالخزف، فلا بدَّ من بيان حال الدابة؛ كالركوب.
وصورة المسألة - كما قاله الإمام -: أن يعين الزجاج في العقد أما لو جعل عماد العقد الوزن، ونوى حمل الزجاج وأضمره .. فلا يجب التعرض للدابة 176.
واستثنى القاضي أيضًا: ما إذا كان في الطريق وَحَلٌ؛ لأن الضعيفة تسقط فيه دون القوية.
(فصل: لا تصحُّ إجارة مسلم لجهاد) لأنه وإن لم يكن متعينًا عليه فهو إذا حضر
الجزء: 2 - الصفحة: 405
وَلَا عِبَادَةٍ تَجِبُ لَهَا نِيَّةٌ إِلَّا الْحَجِّ وَتَفْرِقَةِ زَكَاةٍ. وَتَصحُّ لِتَجْهِيزِ مَيْتٍ وَدَفْنِهِ، وَتَعْلِيمِ الْقُرآنِ، وَلِحَضَانَةٍ وَإِرْضَاعٍ مَعًا، وَلِأحَدِهِمَا فَقَطْ،
الصف .. تعين عليه، ولا يجوز أخذ الأجرة على فرض العين.
وخرج بالمسلم: الذمي، وسيأتي في بابه ما فيه، إن شاء الله تعالى.
(ولا عبادةٍ تجب لها نية) إذ القصد امتحانُ المكلف بها، ولا يقوم المستأجر في ذلك مقامه، (إلا الحج) 177 والعمرةِ لما مرَّ في بابه، (وتفرقة زكاة) وكلّ ما تدخله النيابة؛ كالكفارة، وذبح الضحايا، والصوم عن الميت، وكذا ركعتا الطواف، فإنها تقع عن المحجوج عنه على الأصحِّ، وجوازهما إنما هو بالتبع للإحرام.
(وتصح لتجهيز ميت ودفنه) وإن تعين عليه في الأصحِّ؛ لأن فرض الكفاية في ذلك ليس متأصلًا؛ إذ مؤنة ذلك تختص بتركة الميت، فالأجير غيرُ مقصود بفعله.
(وتعليمِ القرآن) وإن تعين عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ الله تَعَالَى" 178.
وقيل: إن تعين .. لم يجز؛ كفرض العين ابتداء.
وقد مرَّ شروط صحة الاستئجار على تعليم القرآن عند قوله: (ويقدر تعليم القرآن بمدة، أو تعيين سور)، وعلم منه هناك صحةُ الإجارة عليه، لكن ذكره هنا لكونه مستثنىً من العبادات.
نعم؛ محلُّ صحة الاستئجار عليه: إذا كان المتعلم مسلمًا، أو كافرًا يُرجَى إسلامه.
(ولحَضانة وإرضاع معًا) أي: يصحُّ لهما، حرة كانت المرأة أو أمة.
(ولأحدهما فقط) أما الحضانة .. فلأنها نوع خدمة، وأما الرضاع .. فلقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ الآية.
واعلم: أن الحضانة صغرى، وهي: وضعه في الحِجر، وإلقامه الثدي، وعصره له، وكبرى: وهي بالمعنى الآتي تفسيرُه في كلام المصنف.
الجزء: 2 - الصفحة: 406
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَسْتَتْبِعُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، وَالْحَضَانَةُ: حِفْظُ صَبِيٍّ وَتَعَهُّدُهُ بغَسْلِ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ وَثِيَابِهِ وَدَهْنِهِ وَكَحْلِهِ وَرَبْطِهِ فِي الْمَهْدِ وَتَحْرِيكِهِ لِيَنَامَ وَنَحْوِهَا. وَلَوِ اسْتَأْجَرَ لَهُمَا فَانْقَطَعَ اللَّبَنُ .. فَالْمَذْهَبُ: انْفِسَاخُ الْعَقْدِ فِي الإِرْضَاعِ دُونَ الْحَضَانَةِ
وإذا استأجر للإرضاع .. وجب تعيين المدة والصبيِّ، ويعرف بالمشاهدة، قاله في "البحر" 179، وقال الماوردي: يشترط: معرفة سنه؛ لاختلاف شربه اللبن بذلك 180.
ويشترط: ذكر موضع الإرضاع، أهو في بيته أو بيتها، وحكى القفال في "فتاويه" قولًا: أنه لا يصحُّ للمسلم أن يستأجر يهودية لترضع ابنَه، ويُخلَّى بينه وبينها؛ لأنها ربما تخلفت عن تعهده.
(والأصحُّ: أنه لا يستتبِع أحدُهما الآخر) كسائر المنافع المختلفة، والثاني: نعم؛ للعادة بتلازمهما، والثالث: يستتبع الإرضاعُ الحضانةَ، ولا عكس، والرابع: عكسه، حكاه في "المطلب".
والمراد: الحضانة الكبرى، أما الصغرى .. فقطع المتولي وغيره بدخولها في الرضاع؛ إذ لا يمكن إلا بها، بل الأصحُّ: أنه إذا استأجر للرضاع .. يكون المعقود عليه الحضانةَ الصغرى، واللبن تابع، وقيل: عكسه.
(والحَضانة: حفظ صبي وتعهدُه 181؛ بغسل رأسه وبدنه وثيابه، ودهنه، وكحله، وربطه في المهد، وتحريكه لينام، ونحوِها) لاقتضاء اسم الحضانة في العرف ذلك، ولحاجة الرضيع إليها.
واشتقاقه من الحِضْن، وهو تحت الإِبْط إلى الكَشْح؛ لأن الحاضنة تجعل الطفل هنالك.
(ولو استأجر لهما) أي: للحَضانة والإرضاع (فانقطع اللبن .. فالمذهب: انفساخ العقد في الإرضاع دون الحَضانة) هذا الخلاف مبني على أن المعقود عليه
الجزء: 2 - الصفحة: 407
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ حِبْرٌ وَخَيْطٌ وَكُحْلٌ عَلَى وَرَّاقٍ وَخَيَّاطٍ وَكَحَّالٍ. قُلْتُ: صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي "الشَّرْحِ" الرُّجُوعَ فِيهِ إِلَى الْعَادَةِ، فَإِنِ اضْطَرَبَتْ .. وَجَبَ الْبَيَانُ، وَإِلَّا .. فَتَبْطُلُ الإِجَارَةُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
ماذا؟ فقيل: إنه اللبن؛ لأنه أشدُّ مقصودًا، والحضانة تابعة، فعليه: ينفسخ العقد بانقطاعه، وقيل: عكسه؛ لأن الإجارة وُضعت للمنافع، والأعيان تقع تابعةً، فعليه: لا ينفسخ العقد، لكن للمستأجر الخيار؛ لأنه عيب.
والأصحُّ: أن المعقود عليه كلاهما؛ لأنهما مقصودان، فعليه: ينفسخ العقد في الإرضاع، ويسقط قسطه من الأجرة، وفي الحضانة قولا تفريقِ الصفقة.
قال الرافعي: ولم يفرقوا في طرد الخلاف بين أن يصرح بالجمع بينهما، أو يذكر أحدهما، ويحكم باستتباعه الآخر، وحسنٌ أن يفرَّق، فيقال: إن صرح .. فمقصودان قطعًا، وإن ذكر أحدهما .. فهو المقصود، والآخر تابع.
انتهى 182، وقد خصصه الإمام بما إذا جمع بين الحضانة والإرضاع 183.
(والأصحُّ: أنه لا يجب حِبر وخيط وكُحل على وَرَّاق) وهو الناسخ (وخَيَّاط وكَحَّال) اقتصارًا على مدلول اللفظ، والأعيان لا تُستَحق بالإجارة، وأمر اللبن على خلاف القياس؛ للضرورة.
(قلت: صحح الرافعي في "الشرح" الرجوعَ فيه إلى العادة) إذ لا ضابط في الشرع، ولا في اللغة.
(فإن اضطربت .. وجب البيان، وإلا .. فتبطل الإجارة، والله أعلم) للجهالة.
واعلم: أن الرافعي لم يعبر بالأصحِّ، بل قال: إنه الأشبه، وقال عن الأول: إنه الأشهر 184، وفي "المحرر" إنه المشهور، فإذًا لا اعتراض على "المحرر" لأنه اقتصر على المشهور 185، وإن كان الأشبه من حيث المعنى خلافه.
الجزء: 2 - الصفحة: 408
فَصْلٌ [فيما يلزم المكري أو المكتري لعقار أو دابة]
يَجِبُ تَسْلِيمُ مِفْتَاحِ الدَّارِ إِلَى الْمُكْتَرِي. وَعِمَارَتُهَا عَلَى الْمُؤَجِّرِ، فَإِنْ بَادَرَ وَأَصلَحَهَا، وَإِلَّا .. فَلِلْمُكْتَرِي الْخِيَارُ
قال المنكت: وظاهر عبارة "الكتاب": أن المصنف لم يصحح شيئًا، بل ذكر اختلاف تصحيح الرافعي في كتابيه، قال: وقد يقال إنه مرجح للأول؛ لأنه حكى الثاني، ولم يصححه فدلَّ على اختياره الأول، وقد يقال: إنه مرجح للثاني؛ لأنه كالاستدراك، ويؤيده أنه في "الروضة" لما ذكر تصحيح الثاني لم يتعقبه بما في "المحرر" 186.
(فصل: يجب تسليم مفتاح الدار إلى المكتري) لتوقف الانتفاع عليه، فإن لم يسلمه .. فللمكتري الخيار، قال القاضي: وتنفسخ الإجارة في مدة المنع، وهذا في مفتاح غَلَقٍ مُثبَّتٍ، أما لو كانت يُقفَل عليها قُفْلُ حديد .. لم يجب تسليم القُفل، فإن الأصل عدمُ دخول المنقول.
(وعمارتها على المؤجر) سواء كانت مَرَمَّةً لا تحتاج إلى عين زائدة؛ كإقامة جذع مائل، أو تحتاج؛ كبناء وجذع وتطيين.
(فإن بادر وأصلحها) فذاك (وإلا .. فللمكتري الخيار) إذا نقصت المنفعة؛ لتضرره، فإذا وَكَفَ البيتُ .. ثبت الخيار في تلك الحالة، فإذا انقطع .. زال الخيار إلا إذا حصل بسببه نقص.
وقوله: (فإن بادر ... ) إلى آخره يقتضي أنه لا يجب عليه العمارة، ومحله في الطِّلْق إذا احتاج إلى عين؛ لأنه إلزام عين جديدة، أما المَرَمَّة .. ففيها وجهان بلا ترجيح في "الروضة" و"أصلها" 187، أما الوقف .. فتجب عمارته؛ كما أوضحوه في بابه، وفي معناه: المتصرف بالاحتياط؛ كولي الطفل.
الجزء: 2 - الصفحة: 409
وَكَسْحُ الثَّلْجِ عَنِ السَّطْحِ عَلَى الْمُؤَجِّرِ. وَتنظِيفُ عَرْصَةِ الدَّارِ عَنْ ثَلْجٍ وَكُنَاسَةٍ عَلَى الْمُكْتَرِي. وَإِنْ أَجَّرَ دَابَّةً لِرُكُوبٍ .. فَعَلَى الْمُؤَجِّرِ إِكَافٌ وَبَرْذَعَةٌ وَحِزَامٌ وَثَفَرٌ وَبُرَةٌ وَخِطَامٌ،
(وكسح الثلج) أي: كنسه (عن السطح على المؤجر) لأنه كالعمارة.
(وتنظيف عَرصة الدار عن ثلج وكُناسة على المكتري) أما الثلج .. فلأنه يتوقف عليه كمال الانتفاع لا أصله، وأما الكُناسة .. فلحصولها بفعله، بخلاف التراب الذي يجتمع بهبوب الرياح فإنه لا يلزم المستأجرَ نقلُه على الأصوب في "زيادة الروضة" 188.
وقوله: (على المكتري) ليس المراد إلزامَه بذلك، وإنما المراد: أنه ليس على المكري؛ كما صرح به في "الروضة" 189.
وتنقية البالوعة والحَشِّ على المكتري على الأصحِّ، لأنه حصل بفعله، فإن نقَّى .. فذاك، وإلا .. فلا خيار له، ولا يجب عليه تنقيتهما عند فراغ المدة على الأصحِّ.
(وإن أجر دابةً لركوب .. فعلى المؤجر) عند إطلاق العقد (إكاف وبَرْذَعة وحِزام وثفر وبرة وخِطام) لأن التمكين واجب عليه، ولا يحصل بدون ذلك، والعرف مطرد به، وسواء إجارة العين والذمة.
والإكاف: - بكسر الهمزة وضمها - هو للحمار؛ كالسَّرْج للفرس، وكالقَتَب للبعير، قاله المُطرِّزي وغيره 190، وفسره صاحب "تثقيف اللسان"، وصاحب "الفصيح" بالبَرْذَعة، فعلى هذا: لا يَحسن جمعُ المصنف بينهما.
والثَّفَر: ما يُجعل تحت ذنب الدابة.
والبُرَة: حلقة تُجعل في أنف البعير.
والخطام: - بكسر الخاء -: الخيط الذي يُشدُّ في البُرَة، ثم يُشدُّ في طرف المِقود.
الجزء: 2 - الصفحة: 410
وَعَلَى الْمُكْتَرِي مَحْمِلٌ وَمِظَلَّةٌ وَوِطَاءٌ وَغِطَاءٌ وَتَوَابِعُهَا، وَالأَصَحُّ فِي السَّرْجِ: اتِّبَاعُ الْعُرْفِ. وَظَرْفُ الْمَحْمُولِ عَلَى الْمُؤَجِّرِ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ، وَعَلَى الْمُكْتَرِي فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ. وَعَلَى الْمُؤَجِّرِ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ: الْخُرُوجُ مَعَ الدَّابَّةِ لِتَعَهُّدِهَا، وَإِعَانَةُ الرَّاكِبِ فِي رُكُوبِهِ وَنُزُولِهِ بِحَسَب الْحَاجَةِ، وَرَفْعُ الْحِمْلِ وَحَطُّهُ، وَشَدُّ الْمَحْمِلِ وَحَلُّهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ إِلَّا التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْمُكْتَرِي وَالدَّابَّةِ
(وعلى المكتري محمِل ومِظلة ووِطاء وغطاء وتوابعها) كالحبل الذي يُشدُّ به المَحمِل على البعير، أو يُشدُّ به أحد المحملين إلى الآخر؛ عملًا بالعرف.
(والأصحُّ في السَّرج) إذا كان المستأجر فرسًا (اتِّباع العوف) قطعًا للنزاع، والثاني: على المؤجر، كالإكاف، والثالث: المنع؛ لأنه ليس به عادة مطردة، ولم يرجح الرافعي في "الشرحين" شيئًا، واقتصر في "الروضة" على عزو تصحيحه كـ "المحرر" 191.
(وظرف المحمول على المؤجر في إجارة الذمة) لأنه قد التزم النقل، فليُهَيئ أسبابه، والعادةُ مؤيدة له، (وعلى المكتري في إجارة العين) لأنه ليس عليه إلا تسليم الدابة بالإكاف ونحوه.
(وعلى المؤجر في إجارة الذمة: الخروج مع الدابة لتعهدها، وإعانةُ الراكب في ركوبه ونزوله بحسَب الحاجة) فينيخ البعير للمرأة والضعيف، ويقرب البغل، والحمار من نَشْزٍ ونحوه 192؛ ليسهل عليه ركوبه؛ لاقتضاء العرف ذلك، والاعتبار في القوة والضعف بحالة الركوب لا بحالة الإجارة.
(ورفعُ الحِمل وحطُّه، وشدُّ المحمِل وحلُّه) لاقتضاء العرف ذلك، وقد يشمل شدَّ أحدِ المحملين إلى الآخر، وهما بعد على الأرض، وهو الأصحُّ في "الشرح الصغير" و "زيادة الروضة" 193.
(وليس عليه في إجارة العين إلا التخلية بين المكتري والدابة) فلا تجب عليه الإعانةُ
الجزء: 2 - الصفحة: 411
وَتنفَسِخُ إِجَارَةُ الْعَيْنِ بتَلَفِ الدَّابَّةِ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ بِعَيْبِهَا.
وَلَا خِيَارَ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ، بَلْ يَلْزَمُهُ الإِبْدَالُ، وَالَطَّعَامُ الْمَحْمُولُ لِيُؤْكَلَ يُبْدَلُ إِذَا أُكِلَ فِي الأَظْهَرِ.
فَصْلٌ [في بيان غاية المدة التي تقدر بها المنفعة تقريبًا]
يَصِحُّ عَقْدُ الإِجَارَةِ مُدَّةً تَبْقَى فِيهَا الْعَيْنُ غَالِبًا،
ونحوها؛ لأنه لم يلتزم سوى تسليم الدابة.
(وتنفسخ إجارةُ العين بتلف الدابة) لفوات المعقود عليه.
واحترز بـ (العين) عن إجارة الذمة، فلا تنفسخ بل تبدل.
(ويثبت الخيارُ بعيبها) كما لو وجد المبيع معيبًا، والمراد بالعيب: ما يؤثر في المنفعة، لا كلُّ عيب؛ ككونها لا تبصر ليلًا، أو تَعثُر، أو عَرْجاء بحيث تتخلف عن القافلة.
(ولا خيار في إجارة الذمة) بتعيبها (بل يلزمه الإبدال)، كما لو وجد بالمسلم فيه عيبًا؛ لأن المعقود عليه في الذمة بصفة السلامة، وهذا غير سليم.
(والطعام المحمول ليؤكل يُبدَل إذا أُكل في الأظهر) كسائر المحمولات إذا باعها أو تلفت، والثاني: لا، لأن العادة في الزاد ألا يبدل.
والقولان إذا أكل بعضه، فإن أكل كلّه .. فالمشهور: الإبدال، وفيه وجه ضعيف.
ومحلُّ الخلاف: إذا كان يجد الطعام في المنازل المستقبلة بسعر موضعه، وإلا .. أبدل قطعًا، وهذا كلُّه عند الإطلاق فإن شرط شيء .. اتبع.
واحترز بقوله: (أكل) عما إذا تلف بسرقة وغيرها، فيبدل، كذا جزما به، وقال في "العجالة": (فيه قول حكاه الماوردي) 194.
(فصل: يصحُّ عقد الإجارة مدةً تبقى فيها العين غالبًا) لأنها تجوز إلى سنة وِفاقًا، وما جاز إليها .. جاز إلى أكثر منها؛ كالأجل في البيع.
الجزء: 2 - الصفحة: 412
وَفِيِ قَوْلٍ: لَا يُزَادُ عَلَى سَنَةٍ، وَفِي قَوْلٍ: ثَلَاثِينَ. وَلِلْمُكْتَرِي اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ وَبِغيْرِهِ؛ فَيُرْكِبُ وَيُسْكِنُ مِثْلَهُ،
وخرج بالغالب: ما لا يبقى غالبًا، والمرجع في المدة التي تبقى فيها العين غالبًا إلى أهل الخبرة، قال في "أصل الروضة": فلا يؤجر العبد أكثر من ثلاثين سنة، والدابة عشر سنين، والثوب سنتين أو سنة على ما يليق به، والأرض مئة سنة فأكثر 195.
وظاهر إطلاقه: أنه لا فرق في ذلك بين الوقف والطِّلْق، وهو المشهور، وقال القاضي والمتولي: أجمع الحكام على أن الوقف لا يؤجر أكثر من ثلاث سنين؛ لئلا يندرس، قال الرافعي: وهذا الاصطلاح غير مطرد، وفي "أمالي السَّرَخْسي" أن المذهب: منع إجارة الوقف أكثر من سنة إذا لم تمس إليه حاجة، كعمارة 196، وحكاه الإمام وجهًا، وقال: لا اتجاه له في الوقف على جهات الخير.
(وفي قول: لا يزاد على سنة) لاندفاع الحاجة بها، (وفي قول: ثلاثين) لأنها شطرُ العمر الغالب، والغالب تغيُّر الأشياء بعدها، وقيل: يجوز إلى مدة لا تبقى فيها العينُ غالبًا؛ لأن الأصل فيها الدوامُ، وصححه في "البسيط".
(وللمكتري استيفاءُ المنفعة بنفسه وبغيره) كما يجوز أن يؤجر ما استأجره من غيره، فلو شُرط استيفاءها بنفسه .. لم يصحَّ؛ كما جزم به في "الكافي"؛ كما لو باع عينًا بشرط ألا يبيعها، وقيل: يصحُّ ويلغو الشرط، وقيل: يصحان، حكاهما في "المهذب" و"البحر" و"البيان" 197.
ويستوفي المنفعة بالمعروف، فإذا استأجر ثوبًا للبس .. لبسه نهارًا، وليلًا إلى وقت النوم، ولا ينام فيه ليلًا، ويجوز نهارًا على الأصحِّ.
(فيُركِب ويسكن مثلَه) لأنه استيفاء عين المنفعة المستحقة بغير زيادة، وفهم منه: جواز استيفاء من هو دونه من باب أولى.
الجزء: 2 - الصفحة: 413
وَلَا يُسْكِنُ حَدَّادًا وَقَصارًا. وَمَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ، كَدَارٍ وَدَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ .. لَا يُبْدَلُ، وَمَا يُسْتَوْفَى بِهِ، كَثَوْبٍ وَصَبِيٍّ عُيِّنَ لِلْخِيَاطَةِ وَالارْتِضَاعِ .. يَجُوزُ إِبْدَالُهُ فِي الأَصَحِّ. وَيَدُ الْمُكْتَرِي عَلَى الدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ يَدُ أَمَانَةٍ مُدَّةَ الإِجَارَةِ،
(ولا يسكنِ حدَّادًا وقصَّارًا) والصورة أنه ليس كذلك؛ لزيادة الضرر.
(وما يُستوفى منه، كدار ودابة معينة .. لا يُبْدل) كما لا يبدل المبيع.
وقوله: (معينة) قيد في الدابة خاصة، فإن الدار لا تكون إلا معينة.
ويستثنى من مفهومه: ما إذا تسلم المستأجر الدابة في إجارة الذمة .. فإنه ليس للمؤجر إبدالها بغير رضاه على الأصحِّ، لاختصاصه بها.
(وما يُستوفى به، كثوب وصبي عُيِّنَ للخياطة والارتضاع) وكأغنام معينة للرعي ( ... يجوز إبداله) بمثله (في الأصحِّ) لأنه ليس بمعقود عليه، وإنما هو طريق الاستيفاء، فأشبه الراكب والمتاع المعين للحمل، والثاني: المنع، كالمستوفى منه 198، وما رجحه تبع فيه "المحرر" 199، وكذا في "الشرح الصغير"، ولا ترجيح في "الروضة" و"أصلها".
وقضية كلامهما: أن الأكثرين على المنع 200، وعزاه في "الشامل" للأصحاب.
وكان ينبغي أن يقول: (عيّنا) فإنه صفة لصبي وثوب، وإيقاع ضمير المفرد موضع التثنية شاذٌّ 201.
(ويد المكتري على الدابة والثوب يدُ أمانة مدةَ الإجارة) فيصدق في التلف، ولا يضمن ما تلف منها بلا تعد ولا تقصير بالإجماع، لأنه مستحق المنفعة، ولا يمكن استيفاؤها إلا بإثبات اليد على العين، فكانت أمانة، كالشجرة يشترى
الجزء: 2 - الصفحة: 414
وَكَذَا بَعْدَهَا فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ رَبَطَ دَابَّةً اكْتَرَاهَا لِحَمْلٍ أَوْ رُكُوبٍ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا .. لَمْ يَضمَنْ إِلَّا إِذَا انْهَدَمَ عَلَيْهَا إِصْطَبْلٌ فِي وَقْتٍ لَوِ انْتَفَعَ بِهَا لَمْ يُصِبْهَا الْهَدْمُ. وَلَوْ تَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِ أَجِيرٍ بِلَا تَعَدٍّ، كَثَوْبٍ اسْتُؤْجِرَ لِخِيَاطَتِهِ أَوْ صَبْغِهِ .. لَمْ يَضْمَنْ إِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِالْيَدِ؛ بِأَنْ قَعَدَ الْمُسْتَأْجِرُ مَعَهُ أَوْ أَحْضرَهُ مَنْزِلَهُ،
ثمرتها، بخلاف ظرف المبيع فإنه مضمون على الأصحِّ، لأنه يمكن قبض المبيع بدون الظرف، فتمحض قبضه لغرض نفسه.
(وكذا بعدها في الأصحِّ) استصحابًا لما كان؛ كالمودَع، والثاني: يضمن؛ كالمستعير.
(ولو ربط دابة اكتراها لحمل أو ركوب ولم ينتفع بها) وتلفت ( .. لم يضمن) لأنها بيده أمانة، وسواء تلفت في المدة أو بعدها.
وإنما قيد المسألة بالربط .. ليستثني منها، وإلا لو تلفت في مدة الانتفاع .. كان الحكم كذلك.
(إلا إذا انهدم عليها إصطبلٌ في وقت لو انتفع بها لم يُصبها الهَدْم) لأنه لو استعملها خارج الإصطبل في وقت الانهدام .. لسلمت، ولا بدَّ من تقييده بأن تكون العادة في ذلك الوقت جاريةً بالانتفاع بها، كالنهار، للاحتراز عما إذا كان المعهود في تلك الحالة أن تكون تحت سقف؛ كجُنْح الليل في الشتاء، فإنه لا يضمن.
(ولو تلف المال في يد أجير بلا تعدٍّ؛ كثوب استؤجر لخياطته أو صَبغِه .. لم يضمن إن لم ينفرد باليد؛ بأن قعد المستأجر معه، أو أَحضره منزلَه) لأن يد المالك ثابتةٌ على العين حكمًا، والمال غير مسلم إليه حقيقة، وإنما استعان به المالك في شغله؛ كالمستعين بالوكيل.
واحترز بقوله: (بلا تعدٍّ) عما إذا تعدَّى؛ كما لو أسرف الخَبَّاز في الوقود، أو تركه في النار حتى احترق؛ فإنه يضمن لا محالة.
وقوله: (بأن قعد ... ) إلى آخره هو تفسير لقوله: (إن لم ينفرد).
وقوله: (أو صبغه) هو بفتح الصاد؛ كما ضبطه المصنف بخطه؛ لأن المراد به: المصدر لا ما يُصبغ به.
الجزء: 2 - الصفحة: 415
وَكَذَا إِنِ انْفَرَدَ فِي أَظْهَرِ الأَقْوَالِ، وَالثَّالِثُ: يَضْمَنُ الْمُشْتَرِكُ - وَهُوَ مَنِ الْتَزَمَ عَمَلًا فِي ذِمَّتِهِ - لَا الْمُنْفَرِدُ؛ وَهُوَ: مَنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً لِعَمَلٍ. وَلَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إِلَى قَصَّارٍ لِيَقْصُرَهُ، أَوْ خَيَّاطٍ لِيَخِيطَهُ فَفَعَلَ وَلَمْ يَذْكُرْ أُجْرَةً .. فَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَقِيلَ: لَهُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ الْعَمَلِ .. فَلَهُ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَقَدْ يُسْتَحْسَنُ
(وكذا إن انفرد) باليد (في أظهر الأقوال) سواء المشترك والمنفرد؛ لأنه لم تثبت يده لمحض غرضه، وإنما أثبتها لغرضه وغرض المالك؛ فأشبه عامل القراض والمستأجر، فإنهما لا يضمنان؛ إجماعًا، والثاني: يضمن؛ لحديث: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" 202، ولأنه أخذه لمصلحة نفسه؛ كالمستعير والمستام.
(والثالث: يضمن المشترك، وهو: من التزم عملًا في ذمته) كعادة الخيَّاطين والقصَّارين، (لا المنفردُ؛ وهو: من أجر نفسه مدة معينة لعمل) لأن المنفرد منافعه مختصة بالمستأجر في المدة، فيده كيد الوكيل مع المُوكِّل، ولأن استحقاقه الأجرةَ لا يتوقف على العمل، بل على التمكن منه، فلم يكن العمل واقعًا له، بخلاف المشترك؛ فإنه لا يستحق إلا بالعمل.
(ولو دفع ثوبًا إلى قَصَّار ليَقصُره، أو) إلى (خَيَّاط ليخيطه ففعل ولم يذكر أجرةً .. فلا أجرة له) لأنه لم يلتزم له عوضًا؛ فصار كقوله: (أطعمني)، فأطعمه، (وقيل: له) أجرة المثل؛ لاستهلاكه منفعته، (وقيل: إن كان معروفًا بذلك العمل) بالأجرة ( .. فله، وإلا .. فلا) لدلالة العرف على ذلك.
(وقد يُستحسن) لموافقة العادة، وحكاه الروياني في "الحلية" عن الأكثرين، وقال: إنه الاختيار، وقال في "البحر": وبه أُفتي 203، وقال الغزالي: إنه الأظهر، وقال الشيخ عز الدين: إنه الأصحُّ، وأفتى به خلق من المتأخرين، وعلى هذا: فيجب للعامل أجرةُ المثل؛ كما هو ظاهر كلام الرافعي وغيره 204، وقال الشيخ عز الدين: تجب له الأجرةُ
الجزء: 2 - الصفحة: 416
وَلَوْ تَعَدَّى الْمُسْتَأْجِرُ؛ بِأَنْ ضَرَبَ الدَّابَّةَ، أَوْ كَبَحَهَا فَوْقَ الْعَادَةِ، أَوْ أَرْكَبَهَا أَثْقَلَ مِنْهُ، أَوْ أَسْكَنَ حَدَّادًا أَوْ قَصَّارًا .. ضَمِنَ الْعَيْنَ، وَكَذَا لَوِ اكْتَرَى لِحَمْلِ مِئَةِ رَطْلٍ حِنْطَةً فَحَمَلَ مِئَة شَعِيرًا أَوْ عَكَسَ
التي جرت بها العادةُ لذلك العامل وإن زادت على أجرة المثل.
واحترز بقوله: (ولم يذكر أجرة) عما إذا قال: (مجّانًا)، فلا يستحق شيئًا قطعًا، أو ذكر الأجرة، فيستحقها قطعًا.
وعلى الأول الأصحِّ: استثُني: عاملُ المساقاة، إذا عمل ما ليس من أعمالها بإذن المالك .. استَحق الأجرة؛ كما جزما به هناك 205، ولا يستثنى داخل الحَمَّام حيث تجب عليه الأجرة وإن لم يَشرِط شيئًا، فإن الداخل مستوفٍ منفعةَ الحمام بسكونه ونحوه، فإن صاحب المنفعة هو الذي صرفها إلى الغير.
ويستثنى: عامل الزكاة، حيث قال الرافعي: إن شاء الإمام .. بعثه ثم أعطاه الأجرة، وإن شاء .. سَمَّى له؛ لأن الأجرة ثابتة له بنصِّ القرآن، فهي مسماة شرعًا، سماها الإمام حين البعث أم لا.
(ولو تعدى المستأجر؛ بأن ضرب الدابةَ، أو كبحها) أي: جذبها باللجام لتقف (فوق العادة، أو أركبها أثقلَ منه، أو أسكن حدَّادًا أو قصَّارًا) وهما أشد ضررًا مما استأجر له ( .. ضمن العين) أي: دخلت في ضمانه؛ لتعديه.
واحترز بـ (فوق العادة): عما لو ضربها الضرب المعتاد فتلفت .. فإنه لا يضمن، بخلاف ضرب الزوجة؛ لإمكان تأديبها باللفظ.
واستثني: ما لو تعدى في الأرض المستأجرة لزرع الحنطة فزرع الذرة، فإنه لا يصير ضامنًا للأرض غاصبًا لها على الأصحِّ في "زيادة الروضة" 206، بل تلزمه أجرة المثل للذرة، وأجيب: بأنه إنما تعدى في المنفعة لا الرقبة.
(وكذا لو اكترى لحمل مئة رطلٍ حنطةً فحمل مئة شعيرًا، أو عكس) لأن الحنطة
الجزء: 2 - الصفحة: 417
أَوْ لِعَشْرَةِ أَقْفِزَةِ شَعِيرٍ فَحَمَلَ حِنْطَةً دُونَ عَكْسِهِ. وَلَوِ اكْتَرَى لِمِئَةٍ فَحَمَلَ مِئَةً وَعَشَرَةً .. لَزِمَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلزِّيَادَةِ، وَإِنْ تَلِفَتْ بِذَلِكَ .. ضَمِنَهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا مَعَهَا، فَإِنْ كَانَ .. ضمِنَ قِسْطَ الزِّيَادَةِ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفَ الْقِيمَةِ. وَلَوْ سَلَّمَ الْمِئَةَ وَالْعَشَرَةَ إِلَى الْمُؤَجِّرِ، فَحَمَّلَهَا جَاهِلًا
أثقل، فيجتمع ثقلها في موضع واحد، والشعير أخف، فيأخذ من ظهر الدابة أكثر، فالضرر مختلف.
(أو لعشرةِ أقفزةِ شعيرٍ فحمل حنطة) لأنها أثقل (دون عكسه) وهو ما إذا اكترى لحمل عشرة أقفزة حنطة، فحمل شعيرًا؛ لأن قدرهما في الحجم سواء، والشعير أخف.
(ولو اكترى لمئة فحمل مئةً وعشرة .. لزمه أجرة المثل للزيادة) مع المُسمَّى؛ لتعديه بها، وإنما مثل بالعشرة للإشارة إلى أن محلَّ ذلك: إذا كانت الزيادة قدرًا لا يقع التفاوت به بين الكَيْلين، أما لو كانت كذلك؛ كما لو حمل زيادة يتسامح فيها، قال ابن الرفعة: كالمَكُّوك والمَكُّوكين .. فإنه لا أجرة ولا ضمان بسببها 207.
(وإن تلفت بذلك .. ضمنها) ضمان يد (إن لم يكن صاحبُها معها) لأنه صار غاصبًا بحمل الزيادة.
وقوله: (بذلك) غير قيد؛ فلو تلفت بسبب غيره .. ضمنها.
(فإن كان) صاحبها معها ( .. ضمن قسطَ الزيادة) مواخذة له بقدر الجناية، (وفي قول: نصفَ القيمة) لأن تلفها بمضمون وغيره، فقسطت القيمة عليهما؛ كما لو جرحه واحد جراحة وآخر جراحات.
وفرق الأول بتيسر التوزيع هنا، بخلاف الجراحات فإن نكاياتها لا تنضبط.
وأصل القولين: القولان فيما يلزم الجلاد إذا ضرب إحدى وثمانين، وهنا يجيء القيد السابق للضمان وهو كون التلف بسبب الحمل، فإن تلفت بغيره .. لم يضمن.
(ولو سَلَّم المئة والعشرة إلى المؤجر، فحملها جاهلًا) بالزيادة؛ بأن قال له:
الجزء: 2 - الصفحة: 418
ضَمِنَ الْمُكْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ وَزَنَ الْمُؤَجِّرُ وَحَمَلَ .. فَلَا أُجْرَةَ لِلزِّيَادَةِ، وَلَا ضَمَانَ إِنْ تَلِفَتْ. وَلَوْ أَعْطَاهُ ثَوْبًا لِيَخِيطَهُ فَخَاطَهُ قَبَاءً وَقَالَ: (أَمَرْتَنَي بِقَطْعِهِ قَبَاءً)، فَقَال: (بَلْ قَمِيصًا) .. فَالأَظْهَرُ: تَصْدِيقُ الْمَالِكِ بِيَمِينِهِ، وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْخَيَّاطِ أَرْشُ النَّقْصِ.
(هو مئة كما ذكرنا)، فظن صدقه ( .. ضمن المكتري على المذهب) كما لو حمل بنفسه، فيأتي فيه الخلاف السالف، لأن إعداد المحمول، وشدَّ الأعدال، وتسليمها إليه بعد عقد الإجارة .. كالإلجاء إلى الحمل شرعًا، فكان كشهادة شهود القصاص، والطريق الثاني: أنه على القولين في تعارض الغرور والمباشرة.
واحترز بالجاهل: عن العالم، فإنه إذا حمله ولم يقل له المستأجر شيئًا .. فحكمه ما سيأتي في كلامه، لأنه حمل بغير إذن صاحبه.
(ولو وزن المؤجر وحمل .. فلا أجرة للزيادة) لأنه لم يأذن في حملها، (ولا ضمان) على المستأجر (إن تلفت) إذ لا يدَ، ولا تعديَ.
(ولو أعطاه ثوبًا ليخيطه فخاطه قَباءً، وقال: "أمرتني بقَطْعِهِ قَباءً"، فقال: "بل قميصًا"، فالأظهر: تصديق المالك بيمينه)؛ لأن القول قولُه في أصل الإذن، فكذا في صفته، والثاني: يصدق الأجير، لأنهما اتفقا على إذنه في القطع، والظاهر: أنه لا يتجاوز إذنه، والأصل: براءة ذمته.
(ولا أجرة عليه) بعد حلفه، لأنها إنما تجب بالإذن، وقد صدقناه في عدمه.
(وعلى الخياط أرشُ النقص) لأنه إذا انتفى الإذن .. فالأصلُ الضمان، وفي الأرش الواجب وجهان: أحدهما: ما بين قيمته صحيحًا ومقطوعًا، وصححه في "المهمات" تبعًا لجماعة 208، والثاني: ما بين قيمته مقطوعًا قميصًا ومقطوعًا قَباء، واختاره السبكي، وقال: لا يتجه غيره، لأن أصل القطع مأذونٌ فيه، وعلى هذا: إن لم ينقص أو زادت قيمته عن المأذون .. فلا شيء.
الجزء: 2 - الصفحة: 419
فَصْلٌ [فيما يقتضي انفساخ الإجارة والتخيير في فسخها وما لا يقتضيهما]
لَا تَنْفَسِخُ إِجَارَةٌ بِعُذْرٍ؛ كَتَعَذُّرِ وَقُودِ حَمَّامٍ، وَسَفَرٍ، وَمَرَضِ مُسْتَأْجِرِ دَابَّةٍ لِسَفَرٍ. وَلَوِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزِرَاعَةٍ فَزَرَعَ فَهَلَكَ الزَّرْعُ بِجَائِحَةٍ. . فَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ وَلَا حَطُّ شَيْءٍ مِنَ الأُجْرَةِ. وَتنفَسِخُ بِمَوْتِ الدَّابَّةِ وَالأَجِيرِ الْمُعَيَّنَيْنِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ
(فصل: لا تنفسخ إجارةٌ بعذر) من المؤجِّر أو المستأجر (كتعذر وَقود حمام، وسفر، ومرضِ مستأجرِ دابةٍ لسَفَرٍ) لأنه لا خلل في المعقود عليه.
وكلامه قد يفهم: ثبوت الخيار للمعذور، وليس كذلك، فلو قال: (لا تفسخ).
. لكان أولى.
وإنما قيدت العذر بالمؤجر والمستأجر للاحتراز عما لو خرب ما حول الدار المستأجرة، وبطلان السوق الذي فيه الحانوت المستأجَر، فإنه لا يثبت الخيار؛ كما قاله الماوردي والروياني 209، لكن ذكر في "البحر" في موضع آخر أن عدم دخول الناس الحمام المستأجرة بسبب فتنة حادثة أو خراب الناحية.
. عيبٌ يثبت الخيار 210، قال في "المطلب" والتسوية متجه.
وبعض مشايخنا فرق: بأن الحمام مستأجر لدخول الناس إليها، فإذا تعطل.
. كان عيبًا، ولا كذلك الحانوت والدار؛ فإنهما مستأجران للسكنى، وهي ممكنة على كلِّ حال.
انتهى.
وضعف الفرق بأن قضيته: أنه لو حصل قحط وعُدِمَ الحَبُّ أن يثبت لمستأجر الرحى الخيار، ولم يقل به أحد.
(ولو استأجر أرضًا لزراعة فزرع فهلك الزرعُ بجائحة) كسيل أو جراد (. . فليس له الفسخ ولا حطُّ شيء من الأجرة) لأن الجائحة لحقت زرعه لا منفعةَ الأرض؛ كما لو استأجر بزازٌ حانوتًا.
. فاحترق بزه.
(وتنفسخ بموت الدابة والأجيرِ المعيَّنين في المستقبل) لفوات المعقود عليه، وهو
الجزء: 2 - الصفحة: 420
لَا الْمَاضِي فِي الأَظْهَرِ، فَيَسْتَقِرُّ قِسْطُهُ مِنَ الْمُسَمَّى. وَلَا تنفَسِخُ بِمَوْتِ الْعَاقِدَيْنِ وَمُتَوَلِّي الْوَقْفِ.
المنفعة قبل قبضها؛ كما ينفسخ البيع بتلف المبيع قبل القبض، (لا الماضي في الأظهر) لاستقراره بالقبض، والثاني: ينفسخ فيه أيضًا؛ لأن العقد واحد، وقد انفسخ في البعض، فلينفسخ في الباقي، وهذا إذا كان الماضي لمثله أجرة، فإن لم يكن.
. انفسخ في جميع المدة.
واحترز بالمعيَّن: عما في الذمة، فلا تنفسخ بتلفه؛ لأن العقد لم يَرِدْ عليه.
(فيستقر قسطُه من المسمَّى) تفريعًا على الأظهر، فتقوم المنفعة في المدتين الماضية والباقية، ويُوَزَّع المُسمَّى على نسبة القيمة فيهما؛ كما يوزع الثمن على نسبة الأعيان إذا تلف بعضها قبل القبض، فإذا كانت أجرة مثل المدة الباقية ثلث أجرة المدتين.
. رجع من المُسمَّى بثلثه، وإنما لم يوزع المُسمَّى على نسبة المدتين؛ لأن ذلك يختلف؛ إذ قد تزيد أجرة شهر على شهرين فأكثر؛ لكثرة الراغبين فيه دون غيره.
(ولا تنفسخ بموت العاقدين) أو أحدهما، بل إن مات المستأجر.
. خلفه الوارث في الاستيفاء، أو المؤجِّرُ.
. تُرِكَ المال عند المستأجر إلى انقضاء المدة؛ لأن الإجارة عقد لازم، فلا ينفسخ بالموت؛ قياسًا على البيع.
واستثني من عدم الانفساخ: ما لو أوصى بمنفعة داره لزيد مدةَ عُمُرِ زيدٍ فقبل الوصية، وأجرها زيد مدة ثم مات في خلالها.
. انفسخت الإجارة؛ لانتهاء حقِّه بموته.
ورُدَّ الاستثناء: بأن الانفساخ بانتهاء حقِّ المؤجر بالموت لا لموت العاقد.
(ومتولِّي الوقف) أي: ناظره، لأنه ناظر للجميع، ولا يختص نظره ببعض الموقوف عليهم.
نعم؛ لو كان الناظر هو المستحق للوقف وأجَّره بدون أجرة المثل، فإنه يجوز له ذلك، ولو مات في أثناء المدة، قال ابن الرفعة: فيظهر فيه الجزم بالانفساخ، فتستثنى هذه الصورة من إطلاق المصنف.
الجزء: 2 - الصفحة: 421
وَلَوْ أَجَّرَ الْبَطْنُ الأَوَّلُ مُدَّةً وَمَاتَ قَبْلَ تَمَامِهَا، أَوِ الْوَليُّ صَبيًّا مُدَّةً لَا يَبْلُغُ فِيهَا بالسِّنِّ فَبَلَغَ بِالاحْتِلَامِ. . فَالأَصَحُّ: انْفِسَاخُهَا فِي الْوَقْفِ لَا الصَّبِيِّ، وَأَنَّهَا تنفسِخُ بِاَنْهِدَامِ الدَّارِ،
(ولو أجر البطنُ الأولُ مدةً ومات قبل تمامها، أو الوليُّ صبيًّا مدة لا يبلغ فيها بالسن فبلغ بالاحتلام.
. فالأصحُّ: انفساخها في الوقف) لأن المنافع بعد موته لغيره، ولا ولاية له عليه، ولا نيابة عنه (لا الصبيِّ) لأنه ولي حين تصرفه، وقد بناه على المصلحة، فيلزم؛ كما لو زَوَّجه، والثاني: أنها لا تنفسخ في الوقف؛ كما لو أجر ملكه ومات، وتنفسخ في الصبي؛ لأنا تبينا أنه زاد على حدِّ ولايته.
وما صححه في الصبي تبع فيه "المحرر" ونقل الرافعي في "الشرحين" ترجيحَ كلٍّ منهما عن جماعة، ولم يصرح بترجيح 211، زاد في "الروضة" أن الرافعي صحح في "المحرر" الثاني 212؛ أي: وهو الانفساخ، وهو سبق قلم.
واحترز بقوله: (لا يبلغ فيها بالسن) عما إذا كان يبلغ فيها به، فإن المذهب: القطع ببطلان ما زاد على مدة البلوغ، وفي الباقي قولا تفريقِ الصفقة.
ولو أجر الولي مال المجنون فأفاق في أثناء المدة، فهو كبلوغ الصبي بالاحتلام.
وقد استشكل تصوير إجارة البطن الأول؛ لأنه إن شرط له النظر فهو متول، وقد مر أنها لا تنفسخ بموته، وإلا.
. فلا نظر له.
وأجيب بتصويرها فيما إذا شرط الواقف لكل فرد من كلِّ بطن أن ينظر في نصيبه؛ كما ذكره صاحب "الاستقصاء"، وابن الصباغ، وسليم، وغيرهم.
وأجاب به ابنُ الصلاح في "فتاويه"، ثم ذكر ما حاصله: أنه متى كان الناظر مستحقًّا في الوقف.
. انفسخت، وإن لم يكن مستحقًّا.
. استمرت 213.
(وأنها تنفسخ بانهدام الدار) لزوال الاسم وفوات المنفعة، فلو انهدم بعضها.
. لم تنفسخ، بل يثبت الخيار، فإن بادر المؤجر وأصلحها.
. سقط الخيار.
الجزء: 2 - الصفحة: 422
لَا انْقِطَاعِ مَاءِ أَرْضٍ اسْتُؤْجِرَتْ لِزِرَاعَةٍ، بَلْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ. وَغَصْبُ الدَّابَّةِ وَإِبَاقُ الْعَبْدِ يُثْبِتُ الخِيَارَ. وَلَوْ أَكْرَى جِمَالًا وَهَرَبَ وَتَرَكَهَا عنْدَ الْمُكْتَري. . رَاجَعَ الْقَاضيَ ليَمُونَهَا مِنْ مَالِ الْجَمَّالِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا. . اقْتَرَضَ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَثِقَ بِالْمُكْتَرِي. . دَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا. . جَعَلَهُ عِنْدَ ثِقَةٍ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهَا قَدْرَ النَّفَقَةِ، وَلَوْ أَذِنَ لِلْمُكْتَرِي فِي الإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهِ لِيَرْجِعَ. . جَازَ فِي الأَظْهَرِ
(لا انقطاعِ ماء أرض استُؤجرت لزراعة) لبقاء اسم الأرض مع إمكان زراعتها بغير الماء المنقطع، (بل يثبت الخيار) للعيب، وهذا هو المنصوص فيهما، وقيل: لا فسخ فيهما، وقيل: فيهما قولان: أظهرهما في كلِّ مسألة: ما نُصَّ عليه، وهي الطريقة المصححة، فكان ينبغي التعبير بالمذهب.
ومحلُّ ثبوت الخيار: ما إذا لم يبادر المؤجر بسوق ماء إليها، فإن بادر به.
. سقط الخيار.
(وغصبُ الدابة وإباق العبد يُثبت الخيار) لتعذر الاستيفاء، فلو بادر المؤجر إلى الانتزاع من الغاصب وإحضارِ الآبق قبل مضي مدة لمثلها أجرة.
. سقط الخيار.
وصورة المسألة في إجارة العين، فأما في إجارة الذمة.
. فلا خيار، بل على المؤجر الإبدالُ، فإن امتنع.
. استُؤجر عليه.
(ولو أكرى جمالًا وهرب وتركها عند المكتري.
. راجع القاضيَ ليَمونها من مال الجَمَّال، فإن لم يجد له مالًا.
. اقترض عليه) لأنه الممكن.
(فإن وثق) القاضي (بالمكتري.
. دفعه إليه) سواء اقترض منه أو من غيره (وإلا) أي: وإن لم يثق به (. . جعله عند ثقة) لينفقه عليها؛ لتعيُّنه طريقًا.
(وله) أي: للقاضي (أن يبيع منها قدرَ النفقة) عليها وعلى من يخدمها، ومحلُّ البيع منها: إذا تعذر القرض، أو أمكن ولم يرده القاضي، كما نقله ابن الملقن عن القاضي والإمام 214، ولا يجوز بيع جميعها خشية أن تأكل أثمانها.
(ولو أذن للمكتري في الإنفاق من ماله ليرجع.
. جاز في الأظهر) لأنه محلُّ ضرورة؛ كما لو استقرض منه ودفع إليه، بخلاف ما لو هرب وأخذ معه الجمال، فإن
الجزء: 2 - الصفحة: 423
وَمَتَى قَبَضَ الْمُكْتَرِي الدَّابَّةَ أَوِ الدَّارَ وَأَمْسَكَهَا حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الإِجَارَةِ. . اسْتَقَرَّتِ الإِجْرَةُ وَإِنْ لَمْ يَنْتفِعْ، وَكَذَا لَوِ اكْتَرَى دَابَّةً لِرُكُوبٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَقَبَضَهَا وَمَضَتْ مُدَّةُ إِمْكَانِ السَّيْرِ إِلَيْهِ، وَسَوَاءٌ فِيهِ إِجَارَةُ الْعَيْنِ وَالذِّمَّةِ إِذَا سَلَّمَ الدَّابَّةَ الْمَوْصُوفَةَ. وَتَسْتَقِرُّ فِي الإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ بِمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ الْمُسَمَّى فِي الصَّحِيحَةِ.
الحاكم يكتري عليه أو يقترض، ولا يجوز أن يكل أمر الكراء للمستأجر.
والفرق: أنه يصير وكيلًا في حقِّ نفسه، بخلاف النفقة، ذكره ابن الصباغ، هذا إذا كانت إجارةَ ذمة، فإن كانت إجارةَ عين.
. فللمستأجر فسخُ العقد.
والثاني: المنع، لأنه يؤدي إلى أن يكون القول قوله فيما يستحقه على غيره، بل يأخذه القاضي ويدفعه إلى أمين، ثم الأمين يعطيه قدر الحاجة.
وأفهم: أنه لو أنفق بغير إذن الحاكم.
. لم يرجع، ومحله: إذا أمكن، فإن لم يكن حاكم وأنفق وأشهد وشرط الرجوع.
. رجع في الأصحِّ، ولو كان هناك حاكم وعسر إثبات الواقعة عنده.
. فهو كما لو لم يكن حاكم.
(ومتى قبض المكتري الدابةَ أو الدار وأمسكها حتى مضت مدةُ الإجارة.
. استقرت الأجرة وإن لم ينتفع) لتلف المنافع تحت يده فيستقر عليه البدل؛ كالمبيع إذا تلف في يد المشتري، وليس له الانتفاع بعد المدة، فإن فعل.
. لزمه أجرة المثل مع المُسمَّى.
(وكذا لو اكترى دابة لركوبٍ إلى موضع وقَبَضَها، ومضت مدة إمكان السير إليه) لوجود التمكين من المؤجر بأقصى المقدور عليه، فتستقر الأجرة؛ كما لو كان الضبط بالمدة.
(وسواء فيه إجارةُ العين والذمة إذا سَلَّم الدابةَ الموصوفة) لتعين حقِّه بالتسليم، وحصول التمكين.
وقوله: (إذا سلم) متعلق بالذمة خاصة.
(وتستقر في الإجارة الفاسدة أجرةُ المثل بما يستقر به المسمَّى في الصحيحة) سواء انتفع بها أم لا، وسواء أكانت أجرةُ المثل أقلَّ من المُسمَّى أم أكثر؛ لأن المنفعة كالعين، والبيع الفاسد كالصحيح في الضمان، فكذا في الإجارة.
وتستثنى: التخلية، فإنها تكفي لقبض العقار في الإجارة الصحيحة، بخلاف
الجزء: 2 - الصفحة: 424
وَلَوْ أَكْرَى عَيْنًا مُدَّةً وَلَمْ يُسَلِّمْهَا حَتَّى مَضَتِ. . انْفَسَخَتْ، وَلَوْ لَمْ يُقَدِّرْ مُدَّةً وَأَجَّرَ لِرُكُوبٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَلَمْ يُسَلِّمْهَا حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ السَّيْرِ. . فَالأَصَحُّ: أَنَّهَا لَا تنفَسِخُ. وَلَوْ أَجَّرَ عَبْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ. . فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا تنفَسِخُ الإِجَارَةُ، وَأَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْعَبْدِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى سَيِّدِهِ بِأُجْرَةِ مَا بَعْدَ الْعِتْقِ.
الفاسدة، بل لا بدَّ من القبض الحقيقي؛ كما صرح به في "الانتصار"، وقال في "البيان": إنه الذي يقتضيه المذهب 215.
وكذا الوضعُ بين يديه يكفي في الصحيحة دون الفاسدة.
(ولو أكرى عينًا مدةً، ولم يُسلِّمها حتى مضت.
. انفسخت) لفوات المعقود عليه قبل قبضه.
(ولو لم يقدر مدةً وأجر لركوبٍ إلى موضع، ولم يسلمها حتى مضت مدة السير.
. فالأصحُّ: أنها لا تنفسخ) لأنها مَتعلقة بالمنفعة لا بالزمان، ولم يتعذر استيفاؤها، والثاني: تنفسخ؛ كما لو حبسها المكتري.
واحترز بالعين: عن إجارة الذمة إذا لم يسلم ما تُستوفَى منه المنفعة حتى مضت مدة يمكن استيفاؤها.
. فلا فسخ، ولا انفساخ قطعًا؛ لأنه دين تأخر وفاؤه.
(ولو أجر عبده ثم أعتقه.
. فالأصحُّ: أنه لا تنفسخ الإجارة) لأن السيد تبرع بإزالة ملكه، ولم تكن المنافع له وقت العتق، والثاني: تنفسخ؛ كموت البطن الأول، وهو ضعيف؛ كما صرح به في "الروضة"، لا كما اقتضاه إيراد "الكتاب" 216.
(وأنه لا خيار للعبد) في فسخ الإجارة بعد العتق؛ لأن السيد تصرف في خالص ملكه، فلا تنقض، والثاني: له الخيار؛ كالأمة تعتق تحت عبد.
(والأظهر: أنه لا يرجع على سيده بأجرة ما بعد العتق) إلى انقضاء المدة؛ لأنه تصرف في منافعه حين كانت مستَحَقَّة له بعقد لازم، فصار كما لو زوج أمته واستقر مهرها بالدخول ثم أعتقها.
. لا ترجع بشيء لما يستوفيه الزوج بعد العتق، والثاني: يرجع؛ لأن المنافع تُستوفَى منه قهرًا، فصار كما لو أكرهه سيده على العمل، وكما
الجزء: 2 - الصفحة: 425
وَيَصحُّ بَيْعُ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِلْمُكْتَرِي، وَلَا تَنْفَسِخُ الإِجَارَةُ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ بَاعَهَا لِغَيْرِهِ. . جَازَ فِي الأَظْهَرِ
لا يرجع بالأجرة لا يطالبه بنفقة هذه المدة على الأصحِّ، بل نفقته في بيت المال.
(ويصحُّ بيع المستأجَرة) قبل انقضاء المدة (للمكتري) لأنها في يده من غير حائل، فأشبه بيع المغصوب من الغاصب.
(ولا تنفسخ الإجارة في الأصحِّ) لأن الملك لا ينافيها، ولهذا يستأجر ملكه من مستأجره، والثاني: تنفسخ؛ لأنه إذا ملك الرقبة.
. حدثت المنافع على ملكه، فلا يستوفى بالإجارة، وكذا لو اشترى زوجته.
. فإنه ينفسخ النكاح.
(ولو باعها لغيره.
. جاز في الأظهر) سواء أذن المستأجر أم لا؛ لأن ثبوت العقد على المنفعة لا يمنع بيع الرقبة؛ كالأمة المزوَّجة، قال السبكي: ولي مدةٌ أَبْحَثُ هل يصحُّ القبض في مدة الإجارة أم لا؟ لأن التخلية مع يد المستأجر لا تكفي، فلم أجد فيه نقلًا إلى الآن، إلا قول الجرجاني في "الشافي": ويقبض العين ليحصل التسليم، ثم يسترجع منه، ويسلم إلى المستأجر؛ ليستوفي منفعتها إلى آخر المدة، ويُعفَى عن القدر الذي يقع التسليم فيه؛ لأنه يسير، ولا يثبت فيه خيار للمستأجر؛ كما لو انسدت بالوعة الدار.
. فلا خيار؛ لأن زمن فتحها يسير.
وقول الشيخ أبي حامد: إن يد المستأجر على المنفعة ويده على الرقبة أمانة، فلم يمتنع البيع؛ كمن باع تمر نخل، ثم باع رقابها، قال: وإلزام المستأجر برفع يده يحتاج إلى دليل، ونقل أكثر من هذا.
انتهى.
والثاني: المنع؛ لأن يد المستأجر حائلة عن التسليم؛ كالمرهون.
ويستثنى من محلِّ الخلاف: ما إذا هرب الجمال وترك الجمال المستأجرة، فإنه يباع منها بقدر النفقة، كما مرَّ، وكذا البيع الضمني؛ كـ (أعتق عبدك عني على كذا)، فأعتقه عنه، وهو مستأجر؛ فإنه يصحُّ قطعًا؛ لقوة العتق، كذا نقلاه في أواخر (العتق) عن القفال، وأقراه 217.
الجزء: 2 - الصفحة: 426
وَلَا تَنْفَسِخُ.
(ولا تنفسخ) الإجارة كما لا ينفسخ النكاح ببيع الأمة المزوجة، فتبقى في يد المستأجر إلى انقضاء المدة، وللمشتري الخيار إن جهل الإجارة، وكذا إن جهل المدة؛ كما قاله الرافعي في (باب بيع الأصول والثمار).
فإن علم أو أجاز.
. فلا أجرة له لبقية المدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 427
كتابُ إحياء المَوات الأَرْضُ الَّتِي لَمْ تُعَمَّرْ قَطُّ إِنْ كَانَتْ بِبِلَادِ الإِسْلَامِ. . فَلِلْمُسْلِمِ تَمَلُّكُهَا بِالإِحْيَاءِ،
﴿كتاب إحياء الموات﴾
قال الرافعي في "الشرح الصغير": الموات: الأرض التي لا ماء لها، ولا ينتفع بها أحدٌ.
وقال الماوردي والروياني: حدُّ الموات عند الشافعي: ما لم يكن عامرًا ولا حريمًا لعامر، قرب من العامر أو بعد 218.
وفي "البويطي": الموات: كلُّ أرض ليس لها قيمة.
قال الأزهري: فكل شيء من متاع الأرض لا روح له فيه، يقال له: مَوَتان، وما فيه روح: حَيَوان 219.
والأصل في الباب: قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتةً.
. فَهِيَ لَهُ" رواه أبو داوود، وصححه الترمذي وغيره 220.
والملك به مستحب عندنا؛ لحديث: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً.
. فَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ، وَمَا أَكَلَهُ الْعَوَافِي مِنْهَا.
. فَهُوَ صَدَقَةٌ" رواه النسائي 221.
والعوافي: طلاب الرزق.
(الأرض التي لم تُعمَّر قط إن كانت ببلاد الإسلام.
. فللمسلم تملكها بالإحياء) وإن لم يأذن الإمام، ويكفي إذن النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛ كما وردت به الأحاديث المشهورة.
نعم؛ يستحب استئذانه خروجًا من الخلاف، وهذا فيما لم يتعلق به حقٌّ، فلو حمى الإمام قطعة من الموات فجاء شخص فأحياها.
. لم يملكها إلا بإذن الإمام في
الجزء: 2 - الصفحة: 429
وَلَيْسَ هُوَ لِذِمَيٍّ، وَإِنْ كَانَتْ بِبلَادِ كُفَّارٍ. . فَلَهُمْ إِحْيَاؤُهَا، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَذُبُّونَ الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا. وَمًا كَانَ مَعْمُورًا. . فَلِمَالِكِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ وَالْعِمَارَةُ إِسْلَامِيَّةٌ. . فَمَالٌ ضائِعٌ، وَإِنْ كَانَتْ جَاهِلِيَّةً. . فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ. وَلَا يُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ حَرِيمُ مَعْمُورٍ، وَهُوَ مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِتَمَامِ الانْتِفَاعِ
الأصحِّ؛ لما فيه من الاعتراض على الأئمة.
قال الجُوري: وموات الأرض صار ملكًا للشارع ثم ردَّه على أمَّته.
ولا يشترط في نفي العمارة التحقق، بل يكفي عدم تحقق العمارة بألا يرى أثرها، ولا دليل عليها من أصول شجر وجُدُر ونهر، قاله الإمام 222.
(وليس هو لذمي) وإن أذن الإمام؛ لأنه نوع تملك ينافيه كفرُ الحربي، فنافاه كفرُ الذمي؛ كالإرث من المسلم.
(وإن كانت ببلاد كفار.
. فلهم إحياؤها) لأنه من حقوق دارهم، ولا ضرر على المسلم فيه، فملكوه بالإحياء؛ كالصيد.
(وكذا لمسلم إن كانت مما لا يَذُبون المسلمين عنها) أي: يدفعونهم عنها؛ كموات دارنا، فإن كانوا يذبون عنها.
. فليس إحياؤها؛ كالعامر من بلادهم.
(وما كان معمورًا.
. فلمالكه) لأن الإحياء لإحداث الملك، وهي مملوكة.
(فإن لم يُعرف) المالك (والعمارة إسلامية.
. فقال ضائع) فيتخير الإمام بين حفظه إلى ظهور مالكه، أو بيعه وحفظ ثمنه، أو استقراضه على بيت المال.
(وإن كانت جاهلية.
. فالأظهر: أنه يملك بالإحياء) كالركاز، والثاني: المنع؛ لأنها ليست بموات.
(ولا يُملك بالإحياء حريمُ معمور) لأن مالك المعمور يستحق مرافقه، ولهذا سمي حريمًا؛ لتحريم التصرف فيه على غيره.
وقد يفهم كلامه: أن الحريم غير مملوك للمحيي وهو وجه، الأصحُّ: خلافه، لكن لا يباع وحده؛ كما قاله أبو عاصم العبادي.
(وهو) أي: الحريم (ما تَمَسُّ الحاجة إليه لتمام الانتفاع) وإن حصل أصل
الجزء: 2 - الصفحة: 430
فَحَرِيمُ الْقَرْيَةِ: النَّادِي، وَمُرْتَكَضُ الْخَيْلِ، وَمُنَاخُ الإِبِلِ، وَمَطْرَحُ الرَّمَادِ وَنَحْوُهَا، وَحَرِيمُ الْبئْرِ فِي الْمَوَاتِ: مَوْقِفُ النَّازحِ، وَالْحَوْضُ وَالدُّولَابُ، وَمُجْتَمَعُ الْمَاءِ، وَمُتَرَدَّدُ الدَّابَّةِ،
الانتفاع بدونه، وتفصيله: ما يأتي.
وكان الأحسن تقديم بيان الحريم على حكمه؛ لأن الحكم على الشيء فرع تصوره.
(فحريم القرية: النادي) وهو مجتمع القوم للحديث، ولا يُسمَّى المجلس ناديًا إلا والقوم فيه، ويطلق النادي على أهل المجلس أيضًا، ولهذا عبر في "المحرر" و"الشرح" و"الروضة" بمجتمع النادي 223.
(ومرتكض الخيل) وهو بفتح الكاف: مكان سوقها، وقيده الإمام: بما إذا كانوا خيالة 224.
(ومناخ الإبل) وهو الموضع الذي تناخ فيه، وهو بضم الميم كما ضبطه المصنف بخطه.
(ومطرح الرماد) والقمامات (ونحوُها) كمراح الغنم، وملعب الصبيان، ومسيل الماء، وسائر ما يعد من مرافقها، ووجه ذلك: العرف والعمل بذلك خلفًا عن سلف.
(وحريم البئر) المحفورة (في الموات: موقف النازح) وهو القائم على رأس البئر ليستقي إن كان ينزح بالدلاء بيده.
(والحوض والدُّولاب) أي: موضعه؛ كما صرح به في "المحرر" إذا كان الاستقاء به؛ كما قيده في "الشرح" 225.
(ومجتمع الماء) والموضع الذي يطرح فيه ما يخرج من الحوض، (ومتردَّد الدابة) إن كان الاستقاء بها؛ لتوقف الانتفاع بالبئر على هذه الأشياء.
الجزء: 2 - الصفحة: 431
وَحَرِيمُ الدَّارِ فِي الْمَوَاتِ: مَطْرَحُ رَمَادٍ وَكُنَاسَةٍ وَثلجٍ، وَمَمَرٌّ فِي صَوْبِ الْبَابِ، وَحَرِيمُ آبَارِ الْقَنَاةِ: مَا لَوْ حُفِرَ فِيهِ نَقَصَ مَاؤُهَا أَوْ خِيفَ الانْهِيَارُ
وكلُّ ذلك غير محدود، وإنما هو بحسب الحاجة، وقال الروياني: تحريمها قدر عمقها؛ فإن كان عمقها عشرة أذرع أو ألفًا.
. فحريمها كذلك من كلِّ جانب.
وذكرُ المصنف الحوض مع مجتمع الماء.
. فيه تكرار؛ فإن الحوض مكان اجتماع الماء؛ كما صرح به في "المحرر"، فإنه قال: (ومصب الماء والحوض الذي يجتمع فيه الماء إلى أن يرسل)، فإن حمل قول المصنف: (مجتمع الماء) على مصبه ليسلم من التكرار.
. كان مخالفًا لكلام "الروضة" و"أصلها"؛ فإنهما غايرا بينهما، فقالا: (ومصب الماء والموضع الذي يجتمع فيه لسقي الماشية والزرع من حوض ونحوه) 226، وحينئذ: فيكون المصنف قد نقص عن "المحرر" (المصب)، وكرر (الحوض) بغير اسمه.
واحترز بـ (الموات): عن المحفورة في ملكه، وحريم النهر المحفور في الموات يقاس بالبئر.
(وحريم الدار في الموات: مطرح الرماد، وكناسةٍ وثلج) في بلد يَثْلُج به (وممرٌّ في صوب الباب) لتوقف الانتفاع بها على ذلك.
والمراد بـ (صوب الباب): جهته، وليس المراد: امتداده طولًا وقبالته، بل يجوز لغيره إحياء ما يقابل الباب إذا بقي له ممر وإن احتاج إلى انعطاف، كذا قالاه 227، وفيه نظر: إذا تفاحش الانعطاف؛ للإضرار به.
(وحريمُ آبار: القناة ما لو حفر فيه.
. نقص ماؤها أو خيف الانهيار) أي: السقوط، ويختلف ذلك باختلاف الأراضي صلابة ولينًا 228.
الجزء: 2 - الصفحة: 432
وَالدَّارُ الْمَحْفُوفَةُ بِدُورٍ لَا حَرِيمَ لَهَا، وَيَتَصرَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْعَادَةِ، فَإِنْ تَعَدَّى. . ضَمِنَ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ دَارَهُ الْمَحْفُوفَةَ بِمَسَاكِنَ حَمَّامًا وَإِصْطَبْلًا، وَحَانُوتَهُ فِي الْبَزَّازِينَ حَانُوتَ حَدَّادٍ إِذَا احْتَاطَ وَأَحْكَمَ الْجُدْرَانَ. وَيَحِلُّ إِحْيَاءُ مَوَاتِ الْحَرَمِ دُونَ عَرَفَاتٍ فِي الأَصَحِّ.
(والدار المحفوفة بدور لا حريم لها) لأن الأملاك متعارضة، وليس جعل موضع حريمًا لدار بأولى من جعله لأخرى.
(ويتصرف كلُّ واحد) من الملاك (في ملكه على العادة) وإن تضرر به جاره؛ كما لو اتخذ بئرًا أو حَشًّا فاختل به حائط جاره، أو تغير بالنجاسة ماء بئره، ولا ضمان عليه إذا أفضى إلى التلف.
(فإن تعدى.
. ضمن) لمخالفة العادة، والافتيات.
(والأصحُّ: أنه يجوز أن يتخذ داره المحفوفة بمساكن حمَّامًا وإصطبلًا) وفرنًا ومدبغة.
(وحانوتَه في البزَّازين حانوتَ حدَّاد) وقصار (إذا احتاط وأحكم الجدران) إحكامًا يليق بما يقصده؛ لأنه متصرف في خالص ملكه، وفي منعه إضرار به، قال الروياني: ولو كان دَقُّ القصار يمنع ثبوت الحمام.
. لم يمنع من الدَّقِّ، والثاني: المنع؛ للضرر.
وعلى الأول: لو فعل ما الغالب فيه ظهور الخلل في حيطان الجار؛ كدَقٍّ عنيف يزعج الحيطان.
. فالأصحُّ: المنع.
واختار ابن الصلاح تبعًا للفارقي وابن أبي عصرون: المنع من كلِّ مؤذ لم تجر العادةُ به مطلقًا، واختار الروياني: أن الحاكم يجتهد ويمنع ما ظهر فيه قصدُ التعنت، ومنه: إطالة البناء، ومنع الشمس والقمر، واستُحسن.
(ويحل إحياء موات الحرم) 229 كما يملك عامره بالبيع وغيره (دون عرفات في الأصحِّ) لتعلق حقِّ الوقوف بها؛ كالحقوق العامة من المساجد والطرق العامة، والثاني: يجوز كغيرها.
الجزء: 2 - الصفحة: 433
قُلْتُ: وَمُزْدَلِفَةُ وَمِنَىً كَعَرَفَة، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَخْتَلِفُ الإِحْيَاءُ بِحَسَبِ الْغَرَضِ؛ فَإِنْ أَرَادَ: مَسْكَنًا. . اشْتُرِطَ تَحْوِيطُ الْبُقْعَةِ وَسَقْفُ بَعْضِهَا وَتَعْلِيقُ بَابٍ، وَفِي الْبَابِ وَجْهٌ.
فعلى هذا: هل يبقى حقُّ الوقوف أو لا، أو إن ضاق الباقي.
. بقي، وإلا.
. فلا؟ وجوه.
وإذا قلنا: يبقى، فهل يثبت في كلِّ الوقت من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر، فليس للمحيي إزعاجهم فيه أو له إزعاج من حصل له الوقوف؟ قال ابن الرفعة: الأشبه: الأول بل لا يسوغ غيره 230.
وكان الأولى أن يقول: (ولا يجوز في عرفات على الأصحِّ) لئلا يوهم استثناء عرفات من الحرم، والخلاف فيها؛ فإن عرفات من الحلِّ قطعًا، ولا خلاف في الحرم.
(قلت: ومزدلفة ومنى كعرفة، والله أعلم) لوجود المعنى المذكور، وكلامه يفهم: أن هذا الحكم منقول، وأن خلاف عرفة يجري فيه، وبه صرح في "التصحيح"، لكن عبر في "الروضة" بقوله: (ينبغي) 231، وقال ابن الرفعة: ينبغي القطع بالمنع لضيقه، بخلاف عرفات.
(ويختلف الإحياء بحسب الغرض) والرجوع فيه إلى العرف؛ فإن الشرع أطلقه ولا حدَّ له فيه ولا في اللغة، فيرجع فيه إليه، وهو في كلِّ شيء بحسبه، والضابط: التهيئة للمقصود.
(فإن أراد مسكنًا.
. اشترط تحويط البقعة) أي: جعلها أربع حيطان بالأجر أو غيره بحسب العادة، (وسقفُ بعضها) لتوقف اسم الدار عليه (وتعليقُ باب) أي: نصبه؛ لأن العادة في المنازل أن يكون لها أبواب، وما لا باب له.
. لا يتخذ مسكنًا.
(وفي الباب وجه) لأن فقده لا يمنع السكنى، وإنما ينصب لحفظ المتاع، وفي السقف: وجه أيضًا، ولا يشترط السكنى بحال، وقال المَحاملي: الإيواء إليها شرط.
الجزء: 2 - الصفحة: 434
أَوْ زَرِيبَةَ دَوَابَّ. . فَتَحْوِيطٌ لَا سَقْفٌ، وَفِي الْبَابِ الْخِلَافُ. أَوْ مَزْرَعَةً. . فَجَمْعُ التُّرَابِ حَوْلَهَا وَتسوِيَةُ الأَرْضِ وَتَرْتيبُ مَاءٍ لَهَا إِنْ لَمْ يَكْفِهَا الْمَطَرُ، لَا الزِّرَاعَةُ فِي الأَصَحِّ. أَوْ بُسْتَانًا. . فَجَمْعُ التُّرَابِ
(أو زريبة دواب.
. فتحويط) بما جرت به العادة، ولا يكفي نصب سَعَف وأحجار من غير بناء.
و(الزريبة): حظيرة الغنم.
(لا سقف) لأنه العادة (وفي الباب الخلاف) المارُّ في المسكن، قال في "الذخائر": وهنا أولى بالمنع، لأن الراعي يقعد بباب الحظيرة، بخلاف الدور، وشرط صاحب "الإفصاح": أن يَعمل على الحيطان شوكًا 232.
(أو مزرعةً.
. فجمع التراب حولها) لينفصل المُحيا عن غيره، وفي معناه: نصب قصب وحجر وشوك، ولا يحتاج إلى تحويط، لأنه العرف.
(وتسويةُ الأرض) بطمِّ المنخفض، وكسح العالي، وحراثتها إن لم تزرع إلا به، وتليين ترابها، فإن لم يتهيأ ذلك إلا بماء يساق إليها.
. فلا بدَّ منه لتتهيأ للزراعة.
(وترتيبُ ماء لها) بشقِّ ساقية من نهر، أو بحفر بئر أو قناة (إن لم يكفها المطر) المعتاد؛ لأنه لا يحصل المقصودُ بدونه، فإن كفاها.
. فلا يحتاج إلى ترتيب ماء لها على الصحيح، وإذا حفر طريق الماء ولم يبق إلا إجراؤه.
. كفى وإن لم يجر، وإن هيأه ولم يحفر طريقه.
. فوجهان بلا ترجيح في "الروضة" و"أصلها" 233، ورجح في "الشرح الصغير": الاكتفاءَ به.
(لا الزراعةُ في الأصحِّ) لأنه استيفاء منفعة الأرض، وهو خارج عن الإحياء، والثاني: يشترط؛ لأن الدار لا تصير محياة حتى يصير فيها عين مال المحيي، فكذلك المزرعة.
(أو بستانًا.
. فجمع التراب) كالمزرعة، وحكم الكرم: حكم البستان، ولعل المراد: تهيئة تراب أرض البستان وإصلاحه -كما قاله الروياني- لا جمعه حوله، كما
الجزء: 2 - الصفحة: 435
وَالتَّحْوِيطُ حَيْثُ جَرَتِ الْعَادَةُ بهِ وَتَهْيِئَةُ مَاءٍ، وَيُشْتَرَطُ الْغَرْسُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَمَنْ شَرَعَ فِي عَمَلِ إِحْيَاءٍ وَلَمْ يُتِمَّهُ، أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بُقْعَةٍ بِنَصْب أَحْجَارٍ أَوْ غَرَزَ خَشَبًا. . فَمُتَحَجِّرٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ -لكِنِ الأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَأَنَّهُ لَوْ أَحْيَاهُ آخَرُ مَلَكَهُ
توهمه عبارته؛ لأن التحويط يغني عنه.
(والتحويط حيث جرت العادة به) عملًا بها، والرجوع فيما يحوط به إلى العادة، (وتهيئة ماء) على ما سبق في المزرعة.
(ويشترط: الغرس على المذهب) بخلاف الزراعة كما مرَّ، والفرق: أن اسم المزرعة يقع على الأرض قبل الزرع، بخلاف البستان قبل الغرس، ولأن الغراس للدوام، فالتحق ببناء الدار، بخلاف الزرع، والثاني: المنع؛ كالزراعة.
ويكفي غرس البعض؛ كما صححه في "البسيط" تبعًا لإمامه، قال الأَذْرَعي: وينبغي اعتبار ما يُسمَّى معه بستانًا أو كرمًا، ويحتمل أن يعتبر الأغلب، ويبعد الاكتفاء بشجرة أو شجرات.
وهل يشترط أن يثمر الغراس؟ قال البالسي: رأيت في تعليق لبعض فضلاء حلب حكايةَ خلاف فيه، والظاهر: أنه لا يشترط.
(ومن شرع في عمل إحياء ولم يتمه، أو أعلم على بقعةٍ بنَصْب أحجار أو غرز خشبًا.
. فمتحجِّر، وهو أحقُّ به) لحديث: "مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ.
. فَهُوَ لَهُ" رواه أبو داوود 234.
وهذه الأحقية أحقيةُ اختصاص لا ملك على الأصحِّ؛ لأن سببه الإحياءُ ولم يوجد.
(لكن الأصحُّ: أنه لا يصحُّ بيعه) لأن حقَّ التملك لا يباع؛ كحقِّ الشفيع، والثاني: يصحُّ، ونعتمد حقَّ الاختصاص؛ كبيع علو البيت للبناء والسكنى دون أسفله.
(وأنه لو أحياه آخرُ.
. ملكه) لحديث: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً.
. فَهِيَ لَهُ" 235،
الجزء: 2 - الصفحة: 436
- وَلَوْ طَالَتْ مُدَّةُ التَّحَجُّرِ.
. قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: (أَحْيِ أَوِ اتْرُكْ)، فَإِنِ اسْتَمْهَلَ.
. أُمْهِلَ مُدَّةً قَرِيبَةً.
وَلَوْ أَقْطَعَهُ الإِمَامُ مَوَاتًا.
. صَارَ أَحَقَّ بِإِحْيَائِهِ كَالْمُتَحَجِّرِ.
===
ولأنه حقق الملك وإن كان آثمًا؛ كما لو دخل في سوم أخيه واشترى، والثاني: لا يملكه؛ لئلا يبطل حقُّ غيره، ورآه الإمام الأقيس 236، والثالث: إن انضم إلى التحجر إقطاع الإمام.
. منع التملك، وإلا.
. فلا.
ومحلُّ الخلاف: إذا كان أحياها مزرعة، فأما إذا كان له بناء وآلات.
. فلا يجوز له نقلُها والتصرف فيها بغير إذنه، نبه عليه الفارقي، ونقل صاحب "المعين" عن بعض متأخري الأصحاب: أنه يصحُّ بيعه، قال: وربما خالفه الرافعي.
ومحله أيضًا: إذا لم يكن له عذر ولم يعرض عن العمارة، فإن أعرض عنها.
. ملكه المحيي قطعًا، وإن ترك لعذر.
. فلا قطعًا، قاله الجيلي.
قال الرافعي: والخلاف في المسألة شبيه بما إذا عشش الطائر في ملكه، وأخذ الفرخ غيره هل يملكه؟ وكذا لو توحل ظبي في أرضه، أو وقع الثلج فيها ونحو ذلك، ورجح في "الروضة" هنا: أنه يملك؛ يعني: في هذه المسائل، وذكر الرافعي في (باب الصيد): أنه أولى بثبوت الملك من مسألة "الكتاب" 237، لكن رجحا في آخر (الوليمة): أنه لا يملك فيها 238.
(ولو طالت مدةُ التحجر.
. قال له السلطان) أو نائبه: ("أحي أو اترك") لأنه ضيق على الناس في حقٍّ مشترك فمنع منه؛ كما لو وقف في شارع، والرجوع في الطول إلى العرف.
(فإن استمهل.
. أُمهل مدة قريبة) رفقًا به ودفعًا لضرر غيره، والمرجع في تقدير المدة إلى رأي الإمام على الأصحِّ.
ومحل إمهاله: إذا ذكر عذرًا، وقال الروياني: إنه يمهل وإن لم يُبد عذرًا.
(ولو أقطعه الإمام مواتًا.
. صار أحقَّ بإحيائه) بمجرد الإقطاع (كالمتحجِّر) لتظهر
الجزء: 2 - الصفحة: 437
وَلَا يُقْطِعُ إِلَّا قَادِرًا عَلَى الإِحْيَاءِ، وَقَدْرًا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْمُتَحَجِّرُ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ لِلإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ بُقْعَةَ مَوَاتٍ لِرَعْيِ نَعَمِ جِزْيَةٍ وَصَدَقَةٍ وَضَالَّةٍ وَضَعِيفٍ عَنِ النُّجْعَةِ، وَأَنَّ لَهُ نَقْضَ حِمَاهُ لِلْحَاجَةِ،
فائدة الإقطاع، وقد أقطع النبي صلى الله عليه وسلم أرضًا للزبير وغيره 239.
ومعنى إقطاعه: إذنه فيها.
وإذا طالت المدة أو أحياه غيره.
. فالحكم كما مرّ في المتحجر.
(ولا يُقطع إلا قادرًا على الإحياء، وقدرًا يقدر عليه) لأنه منوط بالمصلحة.
(وكذا المتحجِّر) أي: لا يتحجر إلا من يقدر على الإحياء قدرًا يقدر على إحيائه، فإن زاد.
. فالأقوى في "الروضة": أن لغيره إحياء الزائد 240.
(والأظهر: أن للإمام) ونائبه (أن يحمي بقعةَ موات لرعي نعمِ جزيةٍ وصدقة وضالَّةٍ وضعيف عن النُّجْعَة) ويمنع سائر الناس من الرعي فيها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم حمى النقيع -بالنون- لخيل المسلمين رواه ابن حبان 241، وحمى عمرُ السَّرَف، والرَّبَذَة، رواه البخاري 242.
والثاني: المنع؛ لحديث: "لَا حِمَى إِلَّا لله وَلِرَسُولهِ" رواه البخاري 243.
وأجاب الأول: بأن معناه لا حمى إلا مثل ما حمى عليه الصلاة والسلام.
ومحل الجواز: إذا لم يضرَّ بالمسلمين، لكونه قليلًا من كثير بحيث يكفي المسلمين ما بقي وإن كانوا يحتاجون أن يتباعدوا قليلًا، كما قاله الإِصطَخْري في (أدب القضاء)، وإلا.
. لم يجز.
و(النجعة): بضم النون: الذهاب في طلب الرعي.
(وأن له نقضَ حماه للحاجة) رعاية للمصلحة، والثاني: لا؛ لتعيينه لتلك الجهة؛ كالمسجد والمقبرة.
الجزء: 2 - الصفحة: 438
وَلَا يَحْمِي لِنَفْسهِ.
فَصْلٌ [في حكم المنافع المشتركة]
مَنْفَعَةُ الشَّارِعِ: الْمُرُورُ، وَيَجُوزُ الْجُلُوسُ فِيهِ لاسْتِرَاحَةٍ وَمُعَامَلَةٍ وَنَحْوِهِمَا إِذَا لَمْ يُضيِّقْ عَلَى الْمَارَّةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الإِمَامِ، وَلَهُ تَظْلِيلُ مَقْعَدِهِ بِبَارِيَّةٍ وَغَيْرِهَا.
وكلامه يوهم: اختصاص النقض بالحامي، وهو قول، والأظهر: أن له نقض حمى غيره غير حمى النبي صلى الله عليه وسلم بالشرط المذكور، وألحق صاحب "الرونق" بحمى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى الخلفاء الأربعة.
وقوله: (للحاجة): متعلق بـ (نقض) لا بـ (حماه).
(ولا يحمي لنفسه) قطعًا؛ لأن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم، ولم يقع ذلك منه، ولو وقع.
. لكان أيضًا من مصالح المسلمين؛ لأن ما كان مصلحة له.
. فهو مصلحة لهم، قاله في "المطلب".
(فصل: منفعة الشارع) الأصلية (المرور) لأنه وُضع لذلك، وهو مستحق للناس كافةً.
(ويجوز الجلوس فيه لاستراحة ومعامله ونحوهما) 244 كانتظار رفيق وغيره (إذا لم يضيق على المارة، ولا يشترط إذن الإمام) لإطباق الناس عليه من غير نكير، وليس لأحد من الولاة أن يأخذ ممن يرتفق بالجلوس والبيع ونحوه في الشارع عوضًا قطعًا.
وشمل إطلاقه الذمي، وفيه وجهان بلا ترجيح في "الشرح" و"الروضة"، وقال ابن الرفعة: الذي يظهر: ترجيح ثبوته له؛ لأن ضرره لا يتأبد، ورجحه السبكي 245.
(وله تظليل مقعده بباريّة، وغيرها) مما ينقل معه؛ كثوب؛ لجريان العادة به، فإن كان مثبتًا.
. لم يجز؛ كبناء الدَّكَّة.
الجزء: 2 - الصفحة: 439
وَلَوْ سَبَقَ إِلَيْهِ اثنانِ. . أُقْرِعَ، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الإِمَامُ بِرَأْيِهِ. وَلَوْ جَلَسَ لِلْمُعَامَلَةِ ثُمَّ فَارَقَهُ تَارِكًا لِلْحِرْفَةِ أَوْ مُنْتَقِلًا إِلَى غَيْرِهِ. . بَطَلَ حَقُّهُ، وَإِنْ فَارَقَهُ لِيَعُودَ. . لَمْ يَبْطُلْ إِلَّا أَنْ تَطُولَ مُفَارَقَته بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ مُعَامِلُوهُ عَنْهُ وَيَأْلَفُونَ غَيْرَهُ. وَمَنْ أَلِفَ مِنَ الْمَسْجِدِ مَوْضِعًا يُفْتِي فِيهِ، أَوْ يُقْرِئُ الْقُرْآنَ. . كَالْجَالِسِ فِي شَارِعٍ لِمُعَامَلَةٍ،
(ولو سبق إليه) أي: إلى موضع من الشارع (اثنان) وتنازعا (. . أُقرع) بينهما؛ لعدم المزية، (وقيل: يقدِّم الإمام برأيه) أي: باجتهاده؛ كمال بيت المال.
(ولو جلس للمعاملة) أو لصناعة، كخياطة ونحوها (ثم فارقه) أي: موضع جلوسه (تاركًا للحرفة أو منتقلًا إلى غيره.
. بطل حقُّه) لإعراضه عنه.
(وإن فارقه ليعود.
. لم يبطل) لحديث: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ.
. فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" رواه مسلم 246.
(إلا أن تطول مفارقتُه بحيث ينقطع معاملوه عنه ويألَفون غيره) لأن الغرض من الموضع المعين أن يعرف فيعامل، وسواء فارقه بعذر أو بغيره.
واحترز بالمعاملة: عما إذا جلس لاستراحة وشبهها؛ فإن حقَّه يبطل بمفارقته، وكذا الجوال الذي يقعد كلَّ وقت في موضع من السوق ينقطع حقُّه بمفارقته جزمًا.
(ومن ألف من المسجد موضعًا يفتي فيه، أو يقرئ القرآن) 247 أو العلم الشرعي (. . كالجالس في شارع لمعاملة) لأن له غرضًا في ملازمة ذلك الموضع ليألفه الناس، قاله العبادي والغزالي تفقهًا لا نقلًا، وقال الرافعي: إنه الأشبه بمأخذ الباب 248.
وعن الشيخ أبي محمد أنه إذا قام.
. بطل حقُّه، لقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ وإليه ميل صاحب "التقريب"، ونقله الماوردي في "الأحكام السلطانية" عن جمهور الفقهاء، ولم ينقل الأول إلا عن مالك، قال في "الروضة": ومقتضى
الجزء: 2 - الصفحة: 440
وَلَوْ جَلَسَ فِيهِ لِصَلَاةٍ. . لَمْ يَصِرْ أَحَقَّ بهِ فِي غَيْرِهَا، فَلَوْ فَارَقَهُ لِحَاجَةٍ لِيَعُودَ. . لَمْ يَبْطُلِ اخْتِصَاصهُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ فِي الأَصَحًّ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ إِزَارَهُ. وَلَوْ سَبَقَ رَجُلٌ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْ رِبَاطٍ مُسَبَّلٍ، أَوْ فَقِيهٌ إِلَى مَدْرَسَةٍ، أَوْ صُوفِيٌّ إِلَى خَانِقَاهٍ. . لَمْ يُزْعَجْ، وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ بِخُرُوجِهِ لِشِرَاءِ حَاجَةٍ وَنَحْوِهِ.
كلامه: أن الشافعي وأصحابه من الجمهور 249.
(ولو جلس فيه لصلاة.
. لم يصر أحقَّ به في غيرها) لأن بقاع المساجد لا تختلف بخلاف مقاعد الأسواق، وللرافعي فيه احتمال؛ فإنه يختلف بالنسبة إلى القرب من الإمام 250، وأجيب عنه: بأن له طريقًا إلى تحصيله بالسبق.
(فلو فارقه لحاجة ليعود) كإجابة داع ورُعاف وقضاء حاجة (. . لم يبطل اختصاصه في تلك الصلاة في الأصحِّ وإن لم يترك إزارَه) للحديث المارّ: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ.
. فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" 251، والثاني: يبطل؛ كغيرها من الصلوات.
(ولو سبق رجل إلى موضع من رباط مُسبَّل، أو فقية إلى مدرسة، أو صوفيٌّ إلى خانقاهٍ.
. لم يُزعَج، ولم يبطل حقُّه بخروجه لشراء حاجةٍ ونحوه) وإن لم يترك متاعًا ولا نائبًا عنه؛ لعموم الحديث المارِّ.
وأفهم قوله: (لشراء حاجة) التصوير بالخروج لعذر، فالخروج لغيره مبطل، وكون الغيبة قصيرة، فإن طالت.
. بطل حقُّه، وبه صرح الفُوراني وغيره، والرجوع في الطول: إلى العرف.
وأطلق المصنف عدمَ الإزعاج، وفيه تفصيل ذكراه في "الشرح" و"الروضة" وهو: إن عَيَّن الواقف مدةَ المقام.
. فلا يزيد عليها، وكذا لو وقف على المسافرين.
. لا يمكث مدة تزيد على مدة مكث المسافرين، وإن أطلق الواقف.
. نظر إلى الغرض الذي بنيت البقعة له، وعمل بالمعتاد فيه، فلا يُمكَّن من الإقامة برُبط المارة إلا
الجزء: 2 - الصفحة: 441
فَصْلٌ [في بيان حكم الأعيان المشتركة المستفادة من الأرض]
الْمَعْدِنُ الظَّاهِرُ -وَهُوَ: مَا خَرَجَ بِلَا عِلَاجٍ؛ كَنِفْطٍ وَكِبْرِيتٍ وَقَارٍ وَمُومْيَاءَ وَبِرَامٍ وَأَحْجَار رَحَىً- لَا يُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ اخْتِصَاصٌ بِتَحَجُّرٍ وَلَا إِقْطَاعٍ. فَإِنْ ضَاقَ نَيْلُهُ. . قُدِّمَ السَّابِقُ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ،
لمصلحتها، أو لخوف يعرض، أو أمطار متواترة.
وفي المدرسة الموقوفة على طلبة العلم.
. يمكن من الإقامة إلى استتمام غرضه، فإن تَرَك العلم والتحصيل.
. أُزْعج، قالا: وفي الخانقاه: لا يمكن هذا الضبط، ففي الإزعاج إذا طال مقامه ما سبق في الشارع 252.
(فصل: المعدن الظاهر، وهو: ما خرج بلا علاج) أي: عمل (كنِفْط وكِبريت وقار) وهو الزفت (ومُومياء) بضم الميم الأولى، ممدود، وقيل: مقصور، شيء يُلقيه الماء في بعض السواحل، فيَخْمُد ويصير كالقارِ، ويقال: إنها حجارة سود باليمن.
أما المومياء التي تؤخذ من عظام الموتى.
. فنجسة.
(وبِرام) وهو حجر تُعمل منه القدور (وأحجار رحىً.
. لا يُملك بإحياء 253، ولا يثبت فيه اختصاص بتحجر ولا إقطاع) بل هي مشتركة بين الناس مسلمهم وكافرهم؛ كالماء والكلأ، بجامع الحاجة العامة.
(فإن ضاق نيلُه) أي: الموضع المستخرج منه عن أخذهما دفعة (. . قدم السابق بقدر حاجته) لسبقه، قال الإمام: والرجوع في قدر الحاجة إلى العرف، فيأخذ ما تقتضيه عادة أمثاله 254.
الجزء: 2 - الصفحة: 442
فَإِنْ طَلَبَ زِيَادَةً. . فَالأَصَحُّ: إِزْعَاجُهُ فَلَوْ جَاءَا مَعًا. . أُقْرِعَ فِي الأَصَحِّ. وَالْمَعْدِنُ الْبَاطِنُ - وَهُوَ: مَا لَا يَخْرُجُ إِلَّا بِعِلَاجٍ، كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ - لَا يُمْلَكُ بِالْحَفْرِ وَالْعَمَلِ فِي الأَظْهَرِ. وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَظَهَرَ فِيهِ مَعْدِنٌ بَاطِنٌ. . مَلَكَهُ.
(فإن طلب زيادة) على حاجته (. . فالأصحُّ: إزعاجه) لأن عكوفه عليه كالمتحجر الماءِ العِدِّ 255.
والثاني: المنع؛ للحديث المارِّ: "مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِم.
. فَهُوَ لَهُ" 256.
(فلو جاءا معًا.
. أُقرع في الأصحِّ) لعدم المزية، والثاني: يجتهد الإمام، ويقدم من يراه أحوج؛ كمال بيت المال.
وظاهر كلامه: أنه لا فرق بين أن يكون ما يأخذانه للتجارة أو للحاجة، وهو المشهور.
(والمعدن الباطن، وهو: ما لا يخرج إلا بعلاج؛ كذهب وفضة وحديد ونحاس) ورصاص وياقوت، وسائر الجواهر المبثوثة في طبقات الأرض (. . لا يُملك بالحفر والعمل) في موات بقصد التملك (في الأظهر) كالمعدن الظاهر، والثاني: يملك إلى القرار؛ لأنه لا يتوصل إلى منفعته إلا بتعب ومؤنة، فكان كغيره من أراضي الموات.
وفرق الأول 257: بأن الموات يملك بالعمارة، وحفر المعدن تخريب، ولأن الموات إذا ملك.
. لا يحتاج في تحصيل مقصوده إلى مثل العمل الأول، بخلاف المعدن، أما إذا لم يقصد التملك، بل قصد الحفر لينال وينصرف.
. فلا يملك قطعًا.
قاله البَنْدَنيجي، وسكوته عن الإقطاع هنا قد يفهم جوازه، وهو الأظهر.
(ومن أحيا مواتًا فظهر فيه معدن باطن.
. ملكه) لأنه بالإحياء ملك الأرض بجميع أجزائها، بخلاف الركاز؛ فإنه مودع فيها، وهذا إذا لم يعلم أن فيها معدنًا، فإن علم
الجزء: 2 - الصفحة: 443
وَالْمِيَاهُ الْمُبَاحَةُ مِنَ الأَوْدِيَةِ وَالْعُيُونِ فِي الْجبَالِ يَسْتَوِي النَّاسُ فِيهَا، فَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ سَقْيَ أَرَاضيهِمْ مِنْهَا فَضَاقَ. . سُقِيَ الأَعْلَى فَالأَعْلَى وَحَبَسَ كُلُّ وَاحِدٍ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ،
واتخذ عليه دارًا.
. فطريقان: أحدهما: أنه على القولين في تملكه بالإحياء، والثاني: القطع بالملك؛ كما لو لم يعلم.
وأما البقعة المحياة.
. فظاهر المذهب -كما قال الإمام-: أنها لا تملك؛ لأن المعدن لا يتخذ دارًا ولا مزرعة، فالقصد فاسد 258.
والتقييد بالباطن قد يفهم: أنه لو ظهر فيه معدن ظاهر.
. لا يملكه، وليس كذلك، وقد حكى الإمام وغيره الإجماع على أنه يملك 259.
(والمياه المباحة من الأودية والعيونِ في الجبال) وسيول الأمطار (يستوي الناس فيها) لحديث: "النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: الْمَاءِ وَالْكَلإ وَالنَّارِ" رواه أبو داوود 260.
(فإن أراد قوم سقيَ أراضيهم منها فضاق.
. سُقي الأعلى فالأعلى) حتى لو كان زرع الأسفل يهلك إلى أن ينتهي الماء إليه.
. لم يجب على من فوقه إرسالُه إليه؛ كما قاله القاضي أبو الطيب.
(وحبس كلُّ واحد الماءَ حتى يبلغ الكعبين) لأنه صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مَهْزُور ومُذنب: أن الأعلى يرسل إلى الأسفل ويحبس قدر الكعبين، رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين 261.
و(مهزور) هذا -بتقديم الزاي المضمومة على الراء-: واد بالمدينة، و (مذنب): اسم موضع بها أيضًا.
ومحل ما ذكره: إذا لم يسبق أحد إلى الإحياء، فإن سبق ثم جاء غيره وأحيا مواتًا
الجزء: 2 - الصفحة: 444
فَإِنْ كَانَ فِي الأَرْضِ ارْتفَاعٌ وَانْخِفَاضٌ. . أُفْرِدَ كُلُّ طَرَفٍ بِسَقْيٍ، وَمَا أُخِذَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ فِي إِنَاءٍ. . مُلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَحَافِرُ بِئْرٍ بِمَوَاتٍ لِلارْتفَاقِ أَوْلَى بِمَائِهَا حَتَّى يَرْتَحِلَ.
أعلى منه وأقرب إلى فُوَّهة النهر من أرض السابق بالإحياء.
. فالسابق أحقُّ، ذكره القاضي أبو الطيب وغيره، بل صرح كثيرون بأن لهم منعَه من الإحياء؛ لئلا يستدل به عند تقادم الزمان على استحقاقه قبلهم أو معهم، فيضرَّ بهم.
واحترز المصنف بقوله: (ضاق): عما إذا اتسع، فيسقي كلٌّ منهم متى شاء.
(فإن كان في الأرض) الواحدة (ارتفاع وانخفاض.
. أُفرد كلُّ طرف بسقي) إذ لو سقى دفعة.
. لزاد الماء في المنخفض على القدر المستحق.
وطريقه: أن يسقي المنخفض حتى يبلغ الكعبين ثم يسده، ويسقي المرتفع، قال ابن الرفعة: وهذا إذا لم يمكن سقي العالية أولًا حتى يبلغ الكعب ثم يسد عليها ويرسله إلى السافلة، فإن أمكن ذلك.
. تعين فعله، وقال السبكي: الظاهر: أنه لا يتعين البداءة بالأسفل بل لو عكس.
. جاز.
ومرادهم: ألّا يزيد في المنسفلة على الكعبين، وصرح في "الاستقصاء": بالتخيير بين الأمرين.
(وما أُخذ من هذا الماء) يعني: المباح (في إناء.
. مُلك على الصحيح) كالاحتشاش والاحتطاب، والثاني: لا يملك الماء بحال، بل يكون محرزه أولى به من غيره.
واحترز بالإناء: عن الداخل في ملكه بسيل؛ فإنه لا يملكه بدخوله في الأصحِّ.
نعم؛ في معنى الإناء: سوقه إلى بِرْكة له أو حُفْرة في أرضه ونحو ذلك.
(وحافر بئرٍ بموات للارتفاق) كالسقي مدةَ مقامه هنا (أولى بمائها حتى يرتحل) للحديث السالف: "مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ.
. فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" 262، فإذا ارتحل.
. صارت كالنهر، فإن عاد.
. فهو كغيره.
والمراد بكونه أولى بمائها: فيما يحتاج إليه منه لسقيه وماشيته وزرعه، لا مطلقًا،
الجزء: 2 - الصفحة: 445
وَالْمَحْفُورَةُ لِلتَّمَلُّكِ أَوْ فِي مِلْكٍ. . يُمْلَكُ مَاؤُهَا فِي الأَصَحِّ، وَسَوَاءٌ مَلَكَهُ أَمْ لَا. . لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ مَا فَضلَ عَنْ حَاجَتِهِ لِزَرْعٍ، وَيَجِبُ لِمَاشِيَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
فليس له منع ما فضل عنه لشرب وماشية، بخلاف سقي الزرع، وللإمام احتمال في بذل الفاضل للزرع أيضًا 263.
قال في "زيادة الروضة": (والمراد: الفاضل الذي يجب بذلُه لماشية غيره، أما الواجب بذله لعطش آدمي محترم.
. فلا يشرط فيه أن يفضل عن المزارع والماشية) 264.
(والمحفورة) في الموات (للتملك، أو في ملك.
. يملك ماؤها في الأصحِّ) لأنه نماء ملكه؛ كالثمرة واللبن، والثاني: لا يملك؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاثةٌ لا يُمْنَعْنَ: المَاءُ والكَلأُ والنَّارُ" 265.
(وسواء ملكه أم لا.
. لا يلزمه بذلُ ما فَضل عن حاجته لزرع) أما على الملك.
. فكغيره من المملوكات، وأما على مقابله.
. فهو أولى به لسبقه.
(ويجب لماشية على الصحيح) لحرمة الروح بدليل وجوب سقيها، بخلاف الزرع، والثاني: لا؛ كما لا يلزمه بذلُ ماء أحرزه في إنائه، واختاره الإمام ونسبه إلى المحققين، إلا أن يخاف هلاك الماشية فيجب بذله بالقيمة؛ لحرمة الروح 266.
وأطلق المصنف الوجوب، وله شروط: ألا يجد صاحبُ الماشية ماء مباحًا، وأن يكون بقرب الماء كلأ مباح ترعاه المواشي، وإلا.
. لم يجب على المذهب، وأن يكون قبل حوزه في إناء، فلا يجب بذل المحرز على الصحيح.
والمراد بالبذل: تمكين صاحب الماشية من الماء، قاله في "نكت التنبيه".
وقال الماوردي: تمكين الماشية من حضور البئر يشترط فيه: ألا يكون على صاحب الماء ضرر في زرع ولا ماشية، وإلا.
. منعت، فإن أمكن أربابها سوق الماء
الجزء: 2 - الصفحة: 446
وَالْقَنَاةُ الْمُشْتَرَكَةُ يُقْسَمُ مَاؤُهَا بِنَصْبِ خَشَبَةٍ فِي عَرْضِ النَّهْرِ فِيهَا ثُقَبٌ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَفَاوِتَةٌ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ، وَلَهُمُ الْقِسْمَةُ مُهَايَأَةً.
إليها بلا ضرر يلحقه أو نقله.
. لزمه تمكينهم، وإلا.
. فلا 267، ويجب البذل أيضًا للرعاة على الأصحِّ؛ لأنهم أولى من الماشية.
(والقناة المشتركة يُقسم ماؤها) عند الضيق (بنصب خشبة في عرض النهر فيها ثُقَب متساوية أو متفاوتة على قدر الحصص) لأن بذلك يصل الحقُّ إلى مستحقه، ويجوز تساوي الثُّقَب مع تفاوت الحقوق، فيأخذ صاحب الثلث مثلًا ثقبة، والآخر ثقبتين.
ويشترط في الخشبة: أن تكون معتدلة الطرفين والوسط، وتوضع على مستو من الأرض؛ لأنه متى علا أحد الطرفين.
. عاد الماء إلى الموضع الآخر.
وقوله: (ثقب) هو بالثاء المثلثة، كما نقل عن خط المصنف، ويجوز قراءته بالنون أيضًا.
(ولهم) أي: للشركاء (القسمة مهايأةً) فيسقي هذا يومًا، والآخر مثله؛ كقسمة سائر الأملاك المشتركة، وهذا الطريق يتعين إذا لم تمكن القسمة على ما سبق؛ بأن تكون أراضي بعضهم بعيدة من المقسم، قاله الزركشي، وخالفت المهايأة في لبن الحلوب؛ لأنه مجهول 268.
الجزء: 2 - الصفحة: 447
كتابُ الوَقْف شَرْطُ الْوَاقِفِ: صِحَّةُ عِبَارَتهِ، وَأَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ،
﴿كتاب الوقف﴾
الوقف والتحبيس والتسبيل بمعنى، يقال: وقفت كذا، ولا يقال: أوقفت إلا في لغة رديئة وعليها العامة.
وحقيقته شرعًا: تحبيس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، يمتنع التصرف في رقبته، وتُصْرف منافعه إلى وجه من البر تقربًا إلى الله تعالى، كذا حكاه المصنف في "التحرير" عن الأصحاب 269، واعترض: بأن القربة لا تشترط على الصحيح.
والأصلُ في الباب: السنة الصحيحة الشهيرة 270، واتفاق الصحابة عليه قولًا وفعلًا، قال الشافعي في القديم: وقد بلغني أن أكثر من ثمانين رجلًا من الصحابة تصدقوا بصدقات مُحرَّمات 271، والشافعي يُسمِّي الأوقاف: الصدقات المُحرَّمة.
(شرط الواقف: صحة عبارته) فلا يصحُّ من صبي ومجنون، (وأهلية التبرع) فلا يصحُّ من مبذر ومكاتب.
ولو اقتصر على أهلية التبرع.
. لكان أحسن؛ فإنه يلزم منها صحةُ العبارة.
وأفهم صحة وقف الذمي للمسجد، وهو ما قاله البغوي في "فتاويه" وإن لم يعتقده قربة، اعتبارًا باعتقادنا؛ كما يصحُّ منه بيعُ الشحم وإن اعتقد منعَه، وأبدى فيه احتمالًا آخر بعدم الصحة؛ اعتبارًا باعتقاده.
ولم يعتبر المصنف كون الموقوف ملكًا للواقف، أو لمن وقع له الوقف، ومقتضاه: جواز وقف الإمام شيئًا من بيت المال، وهو ما أفتى به كثيرون؛ منهم ابن أبي عصرون والمصنف، وقال في "المطلب": إنه المذهب.
الجزء: 2 - الصفحة: 449
وَالْمَوْقُوفِ: دَوَامُ الانْتِفَاعِ بهِ، لَا مَطْعُومٌ وَرَيْحَانٌ. وَيَصِحُّ وَقْفُ عَقَارٍ وَمَنْقُولٍ وَمُشَاعٍ، لَا عَبْدٍ وَثَوْبٍ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا وَقْفُ حُرٍّ نَفْسَهُ، وَكَذَا مُسْتَوْلَدَةٌ وَكَلْبٌ مُعَلَّمٌ وَأَحَدُ عَبْدَيْهِ فِي الأَصَحِّ.
(و) شرط (الموقوفِ: دوام الانتفاع به لا مطعومٌ) لأن منفعته في استهلاكه.
(وريحان) لسرعة فساده، وهذا في الريحان المحصود، أما المزروع.
. فالظاهر: صحة وقفه للشم؛ كما قاله في "شرح الوسيط"؛ لأنه يبقى مدة، وفيه منفعة أخرى وهي: التنزه.
وتمثيله بالريحان قد يفهم صحةَ وقف المشموم الذي ينتفع به على الدوام؛ كالعود والعنبر ونحوهما، وبه صرح ابن الصلاح والخوارزمي في "الكافي".
(ويصحُّ وقف عقار) بالإجماع (ومنقول) لقوله صلى الله عليه وسلم: "أَمَّا خَالِدٌ: فَقَدِ احْتبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ الله" 272.
والأعتاد: ما يعده الرجل من مركوب وسلاح وآلة الجهاد، قاله الخطابي وغيره 273.
واتفقت الأمة في الأعصار على وقف الحُصر والقناديل والزَّلالي في المساجد من غير نكير.
(ومشاعٍ) لأن عمر رضي الله عنه وقف مئة سهم من خيبر مُشاعًا، رواه الشافعي 274، ولا يسري إلى الباقي؛ لأنها من خواص العتق.
(لا عبد وثوب في الذمة) كالعتق، ولا يشترط رؤية الموقوف على الأصحِّ.
(ولا وقفُ حرٍّ نفسَه) لأن رقبته غيرُ مملوكة، ومالك المنفعة دون الرقبة لا يصحُّ وقفه إياها؛ لأن الرقبة أصل والمنفعة فرع، والفرع يتبع.
(وكذا مستولَدة وكلبٌ معلم وأحد عبديه في الأصحِّ) أما المستولدة.
. فلأنها
الجزء: 2 - الصفحة: 450
وَلَوْ وَقَفَ بِنَاءً أَوْ غِرَاسًا فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ لَهُمَا. . فَالأَصَحُّ: جَوَازُهُ. فَإِنْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ أَوْ جَمْعٍ. . اشْتُرِطَ إِمْكَانُ تَمْلِيكِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ عَلَى جَنِينٍ،
ليست قابلة للنقل إلى الغير، فالتحقت بالحرة، ووجه مقابله: القياس على إجارتها.
وأما الكلب المعلم.
. فلأن رقبته غيرُ مملوكة، ووجه مقابله؛ القياس على جواز إجارته وهبته.
واحترز بالمعلم: عما لا منفعة فيه؛ فلا يصحُّ وقفه قطعًا؛ إذ لا يقتنى.
نعم؛ القابل للتعليم ينبغي طرد الخلاف فيه؛ كما قاله السبكي؛ لأن الأصحَّ: جواز اقتناء الجرو للتعليم.
وأما أحد عبديه.
. فقياسًا على البيع، ووجه مقابله: القياس على العتق، فيطالب بالتعيين، وفرق الأول: بأن العتق أنفذ بدليل سرايته وتعليقه.
(ولو وقف بناءً أو غراسًا في أرض مستأجَرة لهما.
. فالأصحُّ: جوازه) لأنه مملوك يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، والثاني: المنع؛ لأنه معرض للقلع، فكأنه وقف ما لا ينتفع به.
وقوله: (مستأجرة): مثال؛ فإن المستعارة والموصى له بمنفعتها مدة كذلك، ويجوز وقف المغصوب كعتقه، قاله الجُوري.
(فإن وقف على معيّن واحد أو جمعٍ.
. اشترط إمكان تمليكه) في الحال؛ لأن الوقف تمليك المنفعة، وكذا العين على قول.
وخرج بالمعيّن: الفقراء؛ كما ذكره بعد.
ولا بدَّ في الموقوف عليه: أن يكون موجودًا، فلو وقف على ولده ولا ولدَ له.
. لم يصحَّ.
وعبارة "المحرر": (جماعة) بدل: (جمع)، وهي أحسن؛ لشمولها الاثنين 275.
(فلا يصحُّ على جنين) بخلاف الوصية؛ لأنها تتعلق بالمستقبل، والوقف تسليط
الجزء: 2 - الصفحة: 451
وَلَا عَلَى الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ، فَلَوْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ. . فَهُوَ وَقْفٌ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَوْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَى بَهِيمَةٍ. . لَغَا، وَقِيلَ: هُوَ وَقْفٌ عَلَى مَالِكِهَا. وَيَصِحُّ عَلَى ذِمِّيٍّ، لَا مُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ وَنَفْسِهِ فِي الأَصَحِّ.
في الحال، (ولا على العبد لنفسه) لأنه ليس أهلًا للتمليك.
(فلو أطلق الوقف عليه.
. فهو وقف على سيده) كما لو وهب منه، أو أوصى له، فإن شرطنا القبول.
. قبل هو، فلو لم يقبل وقبل سيده.
. لم يكف على الأصحِّ وإن كان الملك له؛ لأن الخطاب.
. لم يجر معه.
(ولو أطلق الوقفَ على بهيمة.
. لغا) لأنها ليست أهلًا للملك بحال؛ كما لا تصحُّ الهبة منها، ولا الوصية.
نعم؛ يستثنى: الوقف على الخيل المسبلة في الثغور؛ فإنه يصحُّ كما جزم به جماعة منهم الدارمي، والدَّبِيلي، وجزم الغزي في "شرحه": بصحة الوقف على حمام مكة.
(وقيل: هو وقف على مالكها) كالعبد، فإن شرطنا القبول.
. قبل صاحبها، وقال ابن الرفعة تبعًا لجماعة: إنه ظاهر المذهب 276.
(ويصحُّ على ذمي) معين ولو كان الواقف مسلمًا؛ كصدقة التطوع، والجماعة المعينون كالواحد.
ويشترط في المعين: ألا يظهر فيه قصد المعصية؛ فلو قال: (وقفت على خادم الكنيسة).
. لم يصحَّ، قاله في "الشامل" وغيره.
ومحلُّ الصحة في المعين: فيما يجوز تمليكه إياه؛ فيمتنع وقف العبد المسلم وكتب العلم عليه.
(لا مرتد وحربي ونفسِه في الأصحِّ) أما الأولان.
. فلأنهما مقتولان ولا بقاء لهما، والوقف صدقة جارية؛ فلا يكون على من لا يبقى؛ كما لا يوقف ما لا بقاء له، كذا وجهه الرافعي وغيره، ونقضه في "البيان" بالزاني المحصن؛ فإنه مأمور بقتله،
الجزء: 2 - الصفحة: 452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والوقف عليه جائز 277، والثاني: يصحُّ عليهما؛ كالذمي.
وأما الثالث.
. فلتعذر تمليك الإنسان ملكه لنفسه، ووجه مقابله: أن استحقاق الشيء وقفًا غيرُ استحقاقه ملكًا، وقد يقصد حبسه ومنع نفسه من التصرف المزيل للملك، وقيل: إن وقفه على نفسه وغيره.
. جاز قياسًا على المسجد والأضحية، وإلا.
. فتبطل حكاه ابن خيران في "اللطيف".
وصور الماوردي المسألة بما إذا قال: (وقفت هذه الأرض أو الشجر على الفقراء)، وشرط أن يأكل من مغل الأرض، أو ثمرة الشجر غنيًّا كان أو فقيرًا، وقطع بالبطلان فيما إذا قال: (وقفت على نفسي) وسكت، وحكى قولين فيما إذا قال: (وقفت على نفسي ثم الفقراء) 278.
وفي "فتاوى القفال": أنه لو وقف أرضًا وشرط أن يأكل منها ما احتاج إليه.
. جاز، ولا يبطل به الوقف، وله أن يأكل منه، بخلاف ما إذا شرط أن يأكله كلَّه إذا احتاج إليه.
وقال مرة: هذا الشرط -أعني: الأول- نافذ.
كذا رَويته عن جميع أشياخي والقضاة، وما رأيت أحدًا أنكر هذا، فهو كالإجماع منهم.
انتهى.
وقد ذكروا للوقف على النفس صورًا من الحيل: منها: ما ذكره أبو علي الفارقي وغيره: أن يقف على أولاد أبيه الذين صفتهم كيت وكيت، ويذكر صفات نفسه، واعتمده ابن الرفعة 279؛ فإنه وقف وقفًا على الأفقه من بني الرفعة، وكان يتناوله، واستبعده السبكي؛ لأن قصد الجهة فيها بعيد وإنما يقصد نفسه، بخلاف الوقف على الفقراء، ولو فرض أن لا فقير سواه.
. فقد تقصد الجهة، ومنها: أن يؤجر ملكه مدة يظن أنه لا يعيش فوقها بأجرة منجمة، ثم يقفه بعد على ما يريد.
. فإنه يصحُّ الوقف ويتصرف هو في الأجرة؛ كما أفتى به ابن الصلاح وغيره 280، والأحوط: أن يستأجره
الجزء: 2 - الصفحة: 453
وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جِهَةِ مَعْصِيَةٍ كَعِمَارَةِ الْكَنَائِسِ. . فَبَاطِلٌ، أَوْ جِهَةِ قُرْبَةٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ. . صَحَّ، أَوْ جِهَةٍ لَا تَظْهَرُ فِيهَا الْقُرْبَةُ كَالأَغْنِيَاءِ. . صَحَّ فِي الأَصَحِّ.
بعد الوقف من المستأجر؛ لينفرد باليد ويأمن خطر الدين على المستأجر، ومنها: أن يرفعه إلى من يراه فيحكم بصحته، وعليه العمل في زماننا.
(وإن وقف على جهة معصية؛ كعمارة الكنائس) وقناديلها وحُصرها وكتب التوراة (. . فباطل) قطعًا؛ لأنه إعانة على معصية، والوقف شرع للتقرب فهما متضادَّان، وسواء وقفه مسلم أو ذمي، فنبطله إذا ترافعوا إلينا، أما ما وقفوه قبل المبعث على كنائسهم القديمة.
. فنقرهم حيث نقر الكنائس.
والمراد بـ (الكنائس): الأماكن المعدّة للعبادة، أما ما ينزله المارة من أهل الذمة.
. فالنصُّ وقول الجمهور: جواز الوصية ببنائها، قال ابن الرفعة: ويشبه أن الوقف كذلك حتى يأتي الخلاف.
انتهى 281.
وفي "البحر": لو وقف على من ينزل الكنائس من المارين والمجتازين من أهل الذمة.
. جاز؛ لأنه وقف عليهم دونها.
(أو جهة قربة؛ كالفقراء والعلماء والمساجد والمدارس.
. صحَّ) لعموم أدلة الوقف.
والمراد بـ (جهة القربة): أن يظهر فيها قصد القربة؛ بدليل المعطوف الآتي، وإلا.
. فالوقف كلُّه قربة.
(أو جهة لا تظهر فيها القربة؛ كالأغنياء.
. صحَّ في الأصحِّ) الخلاف مبني على أن المرعي في الوقف على الموصوفين التمليك؛ كالوصية أو القربة، قال الرافعي: والأشبه بكلام الأكثرين: الأول، قال: والأحسن: توسط لبعض المتأخرين، وهو تصحيح الوقف على الأغنياء، وإبطالُه على اليهود والنصارى وقطاع الطريق وسائر الفساق؛ لتضمنه الإعانة على المعصية.
قال ابن الرفعة: وما استحسنه ببادي الرأي صحيح، وهو خلاف قول الأصحاب
الجزء: 2 - الصفحة: 454
وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظٍ، وَصَرِيحُهُ: (وَقَفْتُ كَذَا) أَوْ (أَرْضِي مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ)، وَالتَّسْبيلُ وَالتَّحْبِيسُ صَرِيحَانِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ: (تَصَدَّقْتُ بِكَذَا صَدَقَةً مُحَرَّمَةً) أَوْ (مَوْقُوفَةً) أَوْ (لَا تُبَاعُ)، أَوْ
كافة؛ فإنه ناظر في الأغنياء لقصد التملك، وفي أهل الذمة لقصد القربة، وهو كإحداث قول بعد اجتماع الأولين على قولين، ولو كان الأمر كما قال في اليهود والنصارى.
. لكان الوقف عليهم معصية، وهو خلاف قول الأصحاب.
(ولا يصحُّ إلا بلفظ) كغيره من التمليكات.
نعم؛ لو بنى مسجدًا في موات.
. كفت النية؛ كما قاله في "الكفاية" تبعًا للماوردي 282؛ لأن الموات لم يدخل في ملك من أحياه مسجدًا، وإنما احتيج إلى اللفظ لإخراج ماكان في ملكه عنه، وأما البناء.
. فصار له حكم المسجد تبعًا، وخالفه الفارقي في ذلك.
ويستثنى أيضًا: ما إذا أخذ شخص من الناس شيئًا ليبني به زاوية أو رباطًا.
. فإنه إذا بنى.
. يصير وقفًا على ما كان يأخذ له، ذكره الشيخ أبو محمد في كتاب "موقف الإمام والمأموم" وكذا الشارع يصير وقفًا بالاستطراق ولا يحتاج إلى لفظ، ذكره الإمام في (الصلح) 283.
ومحلُّ اشتراط اللفظ: في الناطق، أما الأخرس.
. فيصحُّ منه بالإشارة المفهمة، وبالكتابة مع النية.
(وصريحه: "وقفت كذا"، أو "أرضي موقوفة عليه") لأنه موضوع له.
وإنما قال: (موقوفة)؛ لينبه على أنه لا فرق بين الفعل والمشتق منه.
(والتسبيل والتحبيس صريحان على الصحيح) لكثرة استعمالهما واشتهارهما شرعًا وعرفًا، بل قال المتولي: ما نقل عن الصحابة وقف إلّا بهما، والثاني: كنايتان؛ لأنهما لم يشتهرا اشتهارَ الوقف، والثالث: التحبيس صريح، والتسبيل كناية.
(ولو قال: "تصدقت بكذا صدقةً محرمة"، أو "موقوفة"، أو "لا تباع"، أو
الجزء: 2 - الصفحة: 455
(لَا تُوهَبُ). . فَصرِيحٌ فِي الأَصَحِّ. وَقَوْلُهُ: (تَصَدَّقْتُ) فَقَطْ. . لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَإِنْ نَوَى، إِلَّا أَنْ يُضِيفَ إِلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ وَيَنْوِيَ.
"لا توهب".
. فصريح في الأصحِّ) 284 لانصرافه بهذا عن التمليك المحض، وهذا صريح بغيره، وما قبله صريح بنفسه، والثاني: كناية؛ لاحتمال تأكيد ملك المتصدق عليه.
واستشكل السبكي حكاية الخلاف في الثانية مع قطعه أولًا بصراحة: (أرضي موقوفة)، فكيف إذا اجتمع مع غيره يجيء فيه خلاف فضلًا عن قوته؟ ! انتهى، وفيه نظر؛ لأن الخلاف هنا جاء من احتمال تأكيد ملك المتصدق عليه.
(وقوله: "تصدقت" فقط.
. ليس بصريح وإن نوى) لتردد اللفظ بين صدقة الفرض والتطوع والصدقة الموقوفة، (إلا أن يضيف إلى جهة عامة) كـ (تصدقت بهذا على الفقراء) (وينوي) الوقف، فيصير وقفًا على الأصحِّ؛ لأن الكناية مع النية بمنزلة الصريح.
وظاهر كلامه: أنه يصير بالنية صريحًا، وظاهر كلام الرافعي في كتبه، والمصنف في "الروضة": عدم الصراحة، وإنما إضافته إلى الجهة العامة صيرته كنايةً حتى تعملَ فيه النية، وهو الصواب؛ لأنه ليس لنا صريح يفتقر إلى نية 285.
واحترز بالجهة العامة: عن المعين؛ فإنه لا يكون وقفًا على الأصحِّ، بل ينفذ فيما هو صريح فيه، وهو التمليك المحض؛ كما قاله الإمام، وبحث فيه الرافعي 286.
واختار السبكي حصول الوقف في المعين أيضًا مع النية، قال: وممن أطلق ذلك الماوردي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ، قال: وإطلاق الصدقة على المنجزة والوقف إطلاقُ العام على الخاص؛ فقول القائل: (تصدقت) يحتملهما، فكان كناية.
وهذا كلُّه بالنسبة للظاهر، أما في الباطن.
. فيصير وقفًا فيما بينه وبين الله تعالى،
الجزء: 2 - الصفحة: 456
وَالأَصَحُّ: أَنَّ قَوْلَهُ: (حَرَّمْتُهُ) أَوْ (أَبَّدْتُهُ) لَيْسَ بِصَرِيحٍ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: (جَعَلْتُ الْبُقْعَةَ مَسْجِدًا) تَصِيرُ بِهِ مَسْجِدًا، وَأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يُشْتَرَط فِيهِ قَبُولُهُ.
صرح به المرعشي وسليم وصاحب "الشامل" و"التتمة" وغيرهم.
(والأصح: أن قوله: "حرمته" أو "أَبَّدته" ليس بصريح) بل كناية؛ لأنهما لا يستعملان مستقلين، وإنما يؤكد بهما الألفاظ السابقة، والثاني: أنهما صريحان؛ لإفادتهما الغرض؛ كالتحبيس والتسبيل.
(وأن قوله: "جعلت البقعة مسجدًا" تصير به مسجدًا) لأن المسجد لا يكون إلا وقفًا، فأغنى لفظُه عن لفظ الوقف، والثاني: لا تصير؛ لفقد الألفاظ المتقدمة، وقد وصفها بما وصفها الشارع حيث قال: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا" 287.
وهذا قول الأكثرين، والأول لم ينقله الرافعي إلا عن ظاهر لفظ "الوجيز" وقال: إنه الأشبه، ولعله من تفقهه 288.
قال في "الكفاية": ومحلُّ الخلاف: إذا خلا عن نية، فلو قصد بقوله: (جعلتها مسجدًا) الوقف.
. صار مسجدًا قطعًا، جزم به القاضي الحسين 289.
(وأن الوقف على معين يشترط فيه قبوله) لأنه يبعد دخول عين أو منفعة في ملكه قهرًا؛ كالهبة والوصية، وعلى هذا: يشترط كونه على الفور من أهله، وإلا.
. فيقبل الولي، والثاني: لا يشترط، واستحقاقه المنفعة كاستحقاق العتيق منفعة نفسه.
وهذا اختاره جمع من المتقدمين والمتأخرين؛ منهم الشيخ أبو حامد، وابن الصلاح، والمصنف في (باب السرقة)، والسبكي وقال: إنه ظاهر نصوص الشافعي في غير موضع، وما رجحه تبع فيه "المحرر"، ونقله في "زيادة الروضة" عنه مقتصرًا عليه 290.
واحترز بالمعين: عن الجهة العامة؛ كالفقراء، أو جهة تحرير؛ كالمسجد؛ فإنه لا يشترط القبول قطعًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 457
وَلَوْ رَدَّ. . بَطَلَ حَقُّهُ شَرَطْنَا الْقَبُولَ أَمْ لَا. وَلَوْ قَالَ: (وَقَفْتُ هَذَا سَنَةً). . فَبَاطِلٌ
قال الرافعي: ولو قيل: ينوب الحاكم في القبول.
. لم يبع؛ كما ناب عن المسلمين في استيفاء القصاص وغيره 291، وفرق السبكي بينه وبين الاستيفاء: والاستيفاء لا بدَّ فيه من مباشرة، بخلاف هذا، قال: وقد يقال: ندب الشارع إليه وهو بمنزلة الاستيجاب، والوقف بمنزلة الإيجاب فتم العقد.
انتهى.
وحيث شرطنا القبول.
. فلا يشترط القبض على المذهب المشهور، وشذ الجُوري والمرعشي فحكيا قولين في اشتراطه في المعين.
(ولو رد.
. بطل حقه شرطنا القبول أم لا) كالوصية والوكالة، وقال البغوي: لا يرتدّ بردِّه، وجزم به في "الكافي"، وقال ابن الصلاح: إنه متجه 292.
وقوله: (بطل حقه) أي: من الوقف، كما صرح به الجمهور، وقال الماوردي: من الغلة، فعلى الأول: إن كان البطن الأول.
. صار منقطع الأول، فيبطل كلُّه على الصحيح، والثاني: فمنقطع الوسط.
(ولو قال: "وقفت هذا سنة".
. فباطل) أي: الوقف، لفساد الصيغة؛ لأن وضعه التأبيد، وقيل: يصحُّ مؤقتًا، وقيل: مؤبدًا، ويلغو التأقيت.
قال السبكي: قوله: (سنة): فيه تأقيت وسكوت عن المصرف، فلبطلانه سببان، فإن ذكر مصرفًا، بأن قال: (على زيد سنة).
. ففيه تأقيت، وانقطاع آخره، أو (على الفقراء سنة).
. فتأقيت فقط.
وصورة المسألة: ألّا يذكر بعده مصرفًا آخر، فإن قال: (وقفته على زيد سنة، وبعده على الفقراء).
. قال الأَذْرَعي: صحَّ بلا خلاف، لوجود الدوام.
ومن هنا شرع المصنف في الشرائط؛ لأن الأركان فرع منها، وهي: الواقف، والموقوف عليه، والموقوف، والصيغة، وقد عقد في "المحرر" هنا فصلًا 293.
الجزء: 2 - الصفحة: 458
وَلَوْ قَالَ: (وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي) أَوْ (عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ نَسْلِهِ) وَلَمْ يَزِدْ. . فَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ الْوَقْفِ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْمَذْكُورُ. . فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَبْقَى وَقْفًا، وَأَنَّ مَصْرِفَهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ يَوْمَ انْقِرَاضِ الْمَذْكُورِ.
(ولو قال: "وقفت على أولادي"، أو "على زيد ثم نسِله"، ولم يزد.
. فالأظهر: صحة الوقف) لأن مقصود الوقف القربةُ والدوام، فإذا بيّن مصرفه ابتداء.
. سهلت إدامته على سبل الخير، وهذا هو المُسمَّى: منقطع الآخر، والثاني: بطلانه؛ لأنه لم يؤبِّده ولم يرده إلى ما يدوم، فكان كالتأقيت، والثالث: إن كان حيوانًا.
. صحَّ، إذ ربما هلك قبل الموقوف عليه، بخلاف العقار.
(فإذا انقرض المذكور.
. فالأظهر: أنه يبقى وقفًا) لأن وضع الوقف الدوامُ؛ كالعتق، والثاني: يرتفع الوقف، ويعود ملكًا للواقف أو ورثته إن كان قد مات؛ لأن بقاء الوقف بلا مصرف متعذر، وإثبات مصرف لم يذكره الواقف بعيدٌ، فتعين ارتفاعه.
(وأن مصرفه أقرب الناس إلى الواقف يوم انقراض المذكور) لأن أفضل القربات الصدقة على القرابات، فإذا تعذر ردّه إلى واقفه.
. كان أولى الناس به أقربهم إليه.
فإن لم يكن له أقارب.
. قال السبكي: ففي "مختصر البويطي": أن للإمام أن يجعله حبسًا على المسلمين تصرف غلته في مصالحهم، وحكاه صاحب "البحر" عن النصِّ، وقال: إن القاضي الطبري صار إليه ورجحه، والذي ذكره ابن الصباغ وسليم: أنه يصرف إلى الفقراء والمساكين، والقول الثاني: يصرف إلى الفقراء والمساكين؛ لأنه يؤول إليهم الوقف الصحيح في الانتهاء، والثالث: إلى مستحقي الزكاة، والرابع: إلى المصالح العامة مصارف خمس الخمس.
والمعتبر على الأول: قرب الرحم لا استحقاق الإرث على الأصحِّ، فيقدم ابن البنت على ابن العم، وقيل: النظر إلى قرب الجوار من أقاربه، ويختص به فقراء الأقارب على الأظهر.
وهذا الاختصاص هل هو على سبيل الوجوب أو الندب؟ وجهان بلا ترجيح في "الروضة" و"أصلها" 294، قال الأَذْرَعي: والظاهر وقضية كلام الجمهور: الوجوب.
الجزء: 2 - الصفحة: 459
وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الأَوَّلِ؛ كَـ (وَقَفْتُهُ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي). . فَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُهُ، أَوْ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ؛ كَـ (وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ رَجُلٍ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ). . فَالْمَذْهَبُ: صحَّتُهُ. وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى: (وَقَفْتُ). . فالأَظْهَرُ: بُطْلَانُهُ.
(ولو كان الوقف منقطع الأول؛ كـ "وقفته على من سيولد لي") أو (على مسجد سيبنى) (. . فالمذهب: بطلانه) لأن الأول باطل؛ لعدم إمكان الصرف إليه في الحال، والثاني: فرع الباطل.
والطريق الثاني: فيه قولان، ثانيهما: الصحة؛ لأن الأول لمّا بطل.
. صار كالمعدوم، وكان الثاني مبتدأ به، ولم يصحح الشيخان واحدًا من الطريقين 295، وفي "المطلب": أن طريقة القطع صححها الجمهور.
وفي تمثيل المصنف نقص، وكان ينبغي أن يقول: (ثم على الفقراء)، وإلا.
. فهو منقطع الأول والآخر، ولا خلاف في بطلانه؛ كما قاله القاضي الحسين وغيره.
(أو منقطع الوسط؛ كـ "وقفت على أولادي ثم) على (رجلٍ) أي: مبهم 296 (ثم الفقراء".
. فالمذهب: صحته) الخلاف هنا مرتب على منقطع الآخر إن صححناه، فهذا أولى؛ لوجود المصرف في الحال والمآل، وإلا.
. فوجهان: أصحهما: الصحة، وإذا صححناه.
. ففي مصرفه عند توسط الانقطاع الخلافُ المارُّ في منقطع الآخر.
(ولو اقتصر على) قوله: ("وقفت") كذا ولم يذكر مصرفه (. . فالأظهر: بطلانه) لأن الوقف يقتضي التمليك، فإذا لم يعين الملك.
. بطل؛ كقوله: (بعت)، والثاني: يصحُّ وبه قال جمع العراقيين، ومال إليه السبكي؛ كما لو قال: (أوصيت بثلث مالي) ولم يزد.
. فإنه يصحُّ ويصرف إلى الفقراء والمساكين.
واستشكل الرافعي الفرق، وفرق في "الروضة": بأن غالب الوصايا للمساكين، فحمل الإطلاق عليه، بخلاف الوقف، وبأن الوصية مبنية على المساهلة، فتصحُّ
الجزء: 2 - الصفحة: 460
وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ؛ كَقَوْلهِ: (إِذَا جَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ وَقَفْتُ). وَلَوْ وَقَفَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ. . بَطَلَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ بِشَرْطِ أَلَّا يُؤَجَّرَ. . اتُّبِعَ شَرْطُهُ،
بالمجهول والنجس، بخلاف الوقف، وإذا صححنا.
. ففي مصرفه الخلاف في منقطع الآخر 297.
(ولا يجوز تعليقه؛ كقوله: "إذا جاء زيد.
. فقد وقفت") كذا على كذا؛ كالبيع والهبة.
واستثني من هذا: ما لو قال: (وقفت هذه الدار بعد موتي على المساكين).
. فقد أفتى الأستاذ أبو إسحاق بوقوع الوقف بعد الموت؛ كعتق المدبر، وساعده أئمة الزمان.
قال الإمام: وهو تعليق على التحقيق بل زائد عليه؛ فإنه إيقاع تصرف بعد الموت 298، قال الرافعي: وهذا كأنه وصية؛ لقول القفال في "فتاويه": لو عرضها على البيع.
. كان رجوعًا، أي: فعلى هذا لا استثناء.
(ولو وقف بشرط الخيار) كما إذا شرط أن يرجع فيه متى شاء، أو يبيعه ونحوه (. . بطل على الصحيح) لأن الوقف إزالة ملك لله تعالى، كالعتق، أو إلى الموقوف عليه؛ كالهبة، وعلى التقديرين: فيفسد بهذا الشرط، والثاني: يصحُّ الوقف ويبطل الشرط؛ كما لو طلق على أن لا رجعة له.
(والأصحُّ: أنه إذا وقف بشرط ألّا يؤجر.
. اتُّبع شرطه) كسائر الشروط؛ لما فيه من وجوه المصلحة، والثاني: المنع؛ لتضمنه الحجر على مستحق المنفعة، والثالث: إن منع الإجارة مطلقًا.
. فلا، أو الزيادة على سنة.
. اتبع؛ لأنه لائق بمصلحة الوقف.
ويستثنى من إطلاق المصنف: حالة الضرورة؛ كما لو شرط ألّا تؤجر الدار أكثر من سنة، ثم انهدمت وليس لها جهة عمارة إلا بإجارة سنين.
. فإن ابن الصلاح أفتى
الجزء: 2 - الصفحة: 461
وَأَنَّهُ إِذَا شَرَطَ فِي وَقْفِ الْمَسْجِدِ اخْتِصَاصَهُ بِطَائِفَةٍ كَالشَّافِعِيَّةِ. . اخْتَصَّ كَالْمَدْرَسَةِ وَالرِّبَاطِ. وَلَوْ وَقَفَ عَلَى شَخْصَيْنِ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا. . فَالأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: أَنَّ نَصيبَهُ يُصْرَفُ إِلَى الآخَرِ.
بالجواز في عقود مستأنفة وإن شرط الواقف ألا يستأنف؛ لأنه في هذه الحالة يخالف مصلحة الوقف 299.
وأفتى أيضًا: بأن الواقف لو شرط ألّا يؤجر أكثر من ثلاث سنين فأجره الناظر ثلاثًا في عقد وثلاثًا في عقد آخر قبل مضي المدة الأولى.
. أنه لا يصحُّ العقد الثاني؛ اتباعًا لشرط الواقف 300.
(وأنه إذا شرط في وقف المسجد اختصاصه بطائفة؛ كالشافعية.
. اختص) فلا يصلي فيه ولا يعتكف غيرهم؛ اتباعًا لشرطه، وقطعًا للنزاع في إقامة الشعائر، قال القاضي في آخر (كتاب الحرية): وهو مكروه، والثاني: لا يختص؛ لأن جعل البقعة مسجدًا؛ كالتحرير، فلا معنى لاختصاصه بجماعة، وقال الإمام: إنه المذهب 301.
(كالمدرسة والرباط) أي: فإنه يختص فيهما قطعًا؛ كما صرح به المتولي وغيره، ونقل بعضهم فيه إجماعَ المذاهب الأربعة.
(ولو وقف على شخصين ثم الفقراءِ فمات أحدهما.
. فالأصحُّ المنصوص) في "حرملة" (أن نصيبه يصرف إلى الآخر) لأن شرط الانتقال إلى الفقراء انقراضهما جميعًا، ولم يوجد، وإذا امتنع الصرف إليهم.
. فالصرف إلى من ذكره الواقف أولى، والثاني: أنه يصرف للفقراء؛ كما أن نصيبهما إذا انقرضا يكون لهم، قال الرافعي: والقياس: وجه ثالث، وهو ألّا يصرف إلى صاحبه، ولا إلى المساكين، ويقال: صار الوقف في نصيب الميت منقطع الوسط، ثم صرح بعده بقليل بحكايته وجهًا عن صاحب "الإفصاح"، واقتضى كلام "الشرح الصغير" ترجيحه، قال في "الروضة":
الجزء: 2 - الصفحة: 462
فَصْلٌ [في أحكام الوقف اللفظية]
قَوْلُهُ: (وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي) يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْكُلِّ، وَكَذَا لَوْ زَادَ: (مَا تنَاسَلُوا)، أَوْ (بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ)
ومعناه: أن يكون مصرفه مصرف منقطع الوسط لا أنه يجيء خلاف في صحة الوقف 302.
(فصل: قوله: "وقفت على أولادي وأولاد أولادي" يقتضي التسوية بين الكلِّ) في أصل الإعطاء والمقدار، لأن الواو لمطلق الجمع لا للترتيب، قال ابن الرفعة: ومن يقول: الواو للترتيب.
. ينبغي أن يقدم الأولاد، ولم يذكروه 303.
وإدخال (أل) على (كلّ) أجازه الأخفش والفارسي، ومنعه الجمهور.
(وكذا لو زاد: "ما تناسلوا") أي: فيسوي بين الكلِّ، وكأنه قال: (عليهم وعلى أعقابهم ما تناسلوا).
(أو "بطنًا بعد بطن") أي: فإنه يقتضي التسوية أيضًا، فيشارك البطنُ الأسفل البطنَ الأعلى؛ لأنه محتمل، وهذا قاله العبادي والفوراني والبغوي، وجريا عليه 304.
وذهب الجمهور إلى أنه للترتيب، لأن صيغة: (بعد) موضوعة لتأخير الثاني عن الأول، وهو معنى الترتيب، بل الترتيب فيها أصرح من (ثم) و (الفاء) وقد جزم فيهما بالترتيب فـ (بعد) أولى.
وممن أفتى بأنه للترتيب: الشيخ تقي بن رزين، والشيخ تاج الدين الفزاري، وولده الشيخ برهان الدين.
الجزء: 2 - الصفحة: 463
وَلَوْ قَالَ: (عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ مَا تنَاسَلُوا)، أَوْ (عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي الأَعْلَى فَالأَعْلَى) أَوِ (الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ). . فَهُوَ لِلتَّرْتِيبِ. وَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الأَوْلَادِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الأَوْلَادِ فِي الأَصحِّ.
وسكت الشيخان عما لو جمع بينهما فقال: (وقفت على أولادي وأولاد أولادي ما تناسلوا بطنًا بعد بطن)، وفيه وجهان: أحدهما، وبه أفتى أبو طاهر الزيادي والقاضي الحسين: أنه للترتيب، قال السبكي: وهو الصحيح.
والثاني: أنه ليس للترتيب، قاله أبو عاصم العبادي والفوراني.
ولو قال: (نسلًا بعد نسل) موضع قوله: (بطنًا بعد بطن).
. قال السبكي: ينبغي ألّا يكون للترتيب، لأن كلَّ من وجد وإن كان من بطنين فأكثر يُسمَّى نسلًا، فيستحقون ويكونون هم النسل الأول، ومن يوجد بعدهم النسل الثاني، بخلاف البطن؛ فإن العرف فيه دلالة تخصُّ الطبقة الواحدة من النسل.
قال: ولو قال: (وقفت على ذريتي أو نسلي بطنًا بعد بطن).
. فينبغي أن يجيء ما سبق في قوله: (بطنًا بعد بطن)، ولم أره منقولًا.
(ولو قال: "على أولادي ثم أولاد أولادي ثم أولادهم ما تناسلوا"، أو "على أولادي وأولاد أولادي الأعلى فالأعلى"، أو "الأول فالأول".
. فهو للترتيب) لدلالة اللفظ عليه بـ (ثم) في الأولى، ولتصريحه به في الثانية.
وقوله: (الأول فالأول): ضبطه المصنف بكسر (اللام) على البدل، ويجوز الفتح إما على الحال -والألف واللام قيل: زائدة، وقيل: معرفة- وإما على أنه مشبه بالمفعول.
(ولا يدخل أولاد الأولاد في الوقف على الأولاد في الأصحِّ) لأنه لا يقع عليهم اسم الولد حقيقة؛ ولهذا يصحُّ أن يقال: (ما هو ولده، بل ولد ولده)، والثاني: يدخل؛ لقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾.
وقيل: يدخل أولاد البنين للانتساب، لقوله عليه الصلاة والسلام: "أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ" 305 دون أولاد البنات.
الجزء: 2 - الصفحة: 464
وَيَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَالنَّسْلِ وَالْعَقِبِ وَأَوْلَادِ الأَوْلَادِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: (عَلَى مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَيَّ مِنْهُمْ).
ومأخذ الخلاف: أن إطلاق لفظ الولد عليهم حقيقة أو مجاز؟ والأصحُّ: الثاني.
ومحلُّ الخلاف: إذا وجد النوعان، فلو قال: (وقفت على أولادي) وليس له إلا أولاد أولاد.
. حمل عليهم قطعًا نقلاه عن المتولي وأقراه 306.
وقد يقترن باللفظ ما يقتضي عدم دخولهم، كقوله: (على أولادي، فإذا انقرضوا.
. فلأحفادي الثلث مثلًا، والباقي للفقراء) كذا قالاه 307.
ونازع ابن الرفعة في هذا التمثيل، وقال: لعل المراد عند انقراض الأولاد يكون كذلك بعد أن كان لهم شيء غير مقدر، وإنما تظهر القرينة فيما إذا قال: (فإذا انقرض أولادي.
. فعلى أحفادي) 308.
(ويدخل أولاد البنات) قريبهم وبعيدهم (في الوقف على الذرية والنسل والعقب وأولاد الأولاد) أما في الذرية.
. فلقوله تعالى في إبراهيم صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾ وليس هو إلا ولد البنت، والنسلُ والعقب في معناه؛ كما قطعوا به.
و(العقب): هو ولد الرجل الذي يأتي بعده.
وأما أولاد الأولاد.
. فلأن البنات أولاده، فأولادهنَّ أولاد أولاده حقيقة.
(إلا أن يقول: "على من ينتسب إليّ منهم") أي: من أولاد أولادي، فلا يدخل أولاد البنات؛ لأنهم لا ينسبون إليه بل إلى آبائهم، وقيل: يدخلون؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحسن بن علي رضي الله عنهما: "إِنَّ ابْنِيَ هَذَا سَيِّدٌ" أخرجه البخاري 309.
وأجيب: بأنه من خصائصه أن ينتسبوا إليه.
الجزء: 2 - الصفحة: 465
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ وَلَهُ مُعْتِقٌ وَمُعْتَقٌ. . قُسِمَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: يَبْطُلُ. وَالصِّفَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى جُمَلٍ مَعْطُوفَةٍ تُعْتبَرُ فِي الْكُلِّ؛ كَـ (وَقَفْتُ عَلَى مُحْتَاجِي أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي)، وَكَذَا الْمُتَأَخِّرَةُ عَلَيْهَا وَالاسْتِثْنَاءُ إِذَا عُطِفَ بِـ (وَاوٍ)، كَقَوْلهِ: (عَلَى أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي الْمُحْتَاجِينَ)، أَوْ (إِلَّا أَنْ يَفْسُقَ بَعْضُهُمْ).
(ولو وقف على مواليه وله معتِق) بكسر التاء (ومعتَق) بفتحها (. . قسم بينهما) لتناول الاسم لهما، (وقيل: يبطل) لما فيه من الإجمال؛ فإن المولى يشملهما، ولا يمكن حمل اللفظ على العموم؛ لاختلاف معناهما.
وترجيح الأول من زيادته على "المحرر" فإنه قال: (رجح كلًّا مرجحون)، وصححه في "زيادة الروضة"، ونقل ترجيحه في "المهمات" عن النصِّ وجمع من الأصحاب، ولا ترجيح في "الشرح الكبير" 310.
واحترز بقوله: (وله معتقِ ومُعتَق): عما إذا لم يوجد إلا أحدهما.
. فإنه يتعين قطعًا.
(والصفة المتقدمة على جمل معطوفة تعتبر في الكلِّ؛ كـ"وقفت على مُحتاجي أولادي وأحفادي) وهم أولاد الأولاد، (وإخوتي"، وكذا المتأخّرة عليها والاستثناء إذا عطف بـ "واو" كقوله: "على أولادي وأحفادي وإخوتي المحتاجين"، أو "إلا أن يفسق بعضهم") لما تقرر في الأصول من أن الأصل اشتراكُ المعطوف والمعطوف عليه في جميع المتعلقات؛ كالصفة وغيرها، وكذا الاستثناء بجامع عدم الاستقلال.
وما مثل به لا يطابق التصوير؛ فإنه من عطف المفردات لا الجمل إلا أن يقدر لكلِّ واحد عامل، وفيه بعد.
وقد مثل الإمام الاستثناء بقوله: (وقفت على بني فلان داري)، و (حبست على أقاربي ضيعتي)، و (سبلت على خدمي بيتي إلا أن يفسق منهم أحد)، وهو مطابق، وقيد الإمام ما ذكره بقيدين -وحمل إطلاق الأصحاب على ذلك وأقراه- أحدهما: أن يكون العطف بـ (الواو) كما أشار إليه المصنف بالتمثيل، فإن كان بـ (ثم).
. اختصت
الجزء: 2 - الصفحة: 466
فَصْلٌ [في أحكام الوقف المعنوية]
الأَظْهَرُ: أَنَّ الْمِلْكَ فِي رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ يَنْتَقِلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ أَي: يَنْفَكُّ عَنِ اخْتِصَاصِ الآدَمِيِّ، فَلَا يَكُونُ لِلْوَاقِفِ وَلَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
الصفة والاستثناء بالأخيرة، وتبعه على هذا القيد الآمدي في "الإحكام"، وابن الحاجب، وفي "فتاوى القفال" ما يوافقه، لكن قال السبكي: المختار: أنه لا يتقيد بها، بل الضابط: وجود عاطف جامع بالوضع كـ (الواو) و (الفاء) و (ثم)، بخلاف (بل) و (لكن) وغيرهما.
الثاني: ألا يتخلل بين الجملتين كلام طويل، فإن تخلل؛ كـ: (وقفت على أولادي على أن من مات منهم وأعقب.
. فنصيبه بين أولاده للذكر مثل حظِّ الأنثيين، وإلا.
. فنصيبه لمن في درجته، فإذا انقرضوا.
. صرف إلى إخوتي إلا أن يفسق واحد منهم).
. فالاستثناء يختص بالإخوة، ولم يذكر الأصحاب حكم الجمل بغير عطف 311.
قال ابن الملقن: (وإطلاق الإمام فخر الدين يشمله، والظاهر: خلافه؛ لأن بترك العطف لا يكون بينهما ارتباط.
نعم؛ ذكر البيانيون أن ترك العطف قد يكون لكمال الارتباط، فإذا كان في مثل ذلك.
. فالظاهر: مجيء الخلاف فيه) 312 انتهى.
(فصل: الأظهر: أن الملك في رقبة الموقوف ينتقل إلى الله تعالى؛ أي: ينفك عن اختصاص الآدمي) كالعتق (فلا يكون للواقف، ولا للموقوف عليه).
(أي): في كلام المصنف تفسيرية؛ أي: هذا معنى الانتقال إلى الله تعالى، وإلا.
. فجميع الموجودات له في كلِّ الأوقات، والثاني: أنه يبقى الملك للواقف؛
الجزء: 2 - الصفحة: 467
وَمَنَافِعُهُ مِلْكٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ يَسْتَوْفِيهَا بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ بإِعَارَةٍ وَإِجَارَةٍ، وَيَمْلِكُ الأُجْرَةَ وَفَوَائِدَهُ؛ كَثَمَرَةٍ وَصوفٍ وَلَبَنٍ، وَكَذَا الْوَلَدُ فِي الأَصَحِّ، وَالثَّانِي: يَكُونُ وَقْفًا.
لأنه حبس الأصل وسبل الثمرة، وذلك لا يوجب زوال ملكه، والثالث: ينتقل إلى الموقوف عليه؛ كالصدقة.
والخلاف: فيما يقصد به تملك الريع أما لو جعل البقعة مسجدًا، أو مقبرة.
. فينقطع عنها اختصاص الآدميين قطعًا، وهو تحرير محض، قاله الرافعي 313.
(ومنافعه ملك للموقوف عليه) لأن ذلك مقصود الوقف (يستوفيها بنفسه وبغيره بإعارة وإجارة) كسائر الأملاك، وهذا إذا لم يشرط منع الإجارة كما سبق.
ولو وقف دارًا على أن يسكنها معلم الصبيان بالقرية مثلًا.
. فليس له أن يسكنها غيرَه بأجرة ولا غيرها، أفتى به القفال، وأقراه 314.
واستشكل: بأنه لم يزل الناس يتسامحون بإعارة بيت المدرس ونحوه.
وقضية كلام المصنف: أن الموقوف عليه يؤجر، والصحيح: منعه، وإنما يؤجر إذا كان النظر له، أو أذن له الناظر.
(ويملك الأجرة) لأنها من المنافع (وفوائدَه) أي: ويملك فوائد الموقوف (كثمرة وصوف) وشعرٍ ووبر وريش (ولبن) وبيض؛ لأن الوقف أنشئ لذلك، ولا يملك أغصان الشجرة إلا فيما يعتاد قطعه، كشجرة الخِلاف، فأغصانها كثمرة غيرها.
(وكذا الولد في الأصحِّ) كالثمرة (والثاني: يكون وقفًا) تبعًا لأمه؛ كولد الأضحية، وقيل: الخلاف في ولد الفرس والحمار، ويملك ولد النعم قطعًا؛ لأن مطلوبها الدر والنسل.
وقيل: إنه يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف إلا أن يصرح بخلافه، هذا كلُّه فيما إذا أطلق، أو شرط ذلك للموقوف عليه، أما إذا وقف الدابة على ركوب إنسان ولم يشرط له الدَّر والنسل.
. فالأوجه في "الشرح" و"الروضة" وفاقًا للبغوي: أنه
الجزء: 2 - الصفحة: 468
وَلَوْ مَاتَتِ الْبَهِيمَةُ. . اخْتَصَّ بِجِلْدِهَا. وَلَهُ مَهْرُ الْجَارِيَةِ إِذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ إِنْ صَحَّحْنَاهُ، وَهُوَ الأَصَحُّ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمَوْقُوفِ إِذَا أُتْلِفَ، بَلْ يَشْتَرِي بِهَا عَبْدًا لِيَكُونَ وَقْفًا مَكَانَهُ،
للواقف، قال الزركشي: لكن المنقول في "البحر" عن الأصحاب: أن حكمه حكمُ منقطع الآخر، فيطرقه الخلاف 315.
(ولو ماتت البهيمة) الموقوفة (. . اختصَّ بجلدها) لأنه أولى من غيره، وهذا إذا لم يدبغه، فإن دبغه.
. فوجهان، رجح في "التتمة": أنه يعود وقفًا، وأقراه 316.
(وله مهر الجارية إذا وُطئت بشبهة أو نكاح إن صححناه) أي: نكاحها (وهو الأصحُّ) لأنه من جملة الفوائد؛ كالثمرة.
ووجه صحة النكاح: أنه عقد على المنفعة؛ فلا يمتنع بالوقف؛ كالإجارة، ووجه مقابله: نقص قيمتها ومنفعتها به، وربما ماتت من الطلق فتفوت حقّ البطن الثاني، فعلى الأصحِّ: يزوجها من جعلنا رقبتها له؛ فإن جعلناها للموقوف عليه.
. استقل به، أو للواقف.
. زوّجها بإذن الموقوف عليه، وإن جعلناها لله تعالى.
. زوّجها القاضي بإذن الموقوف عليه.
وخرج بالشبهة والنكاح: ما لو زنى بها مطاوعة.
. فإنه لا مهر على الصحيح، وإن أكرهت.
. وجب لها المهر، وهو للموقوف عليه.
(والمذهب: أنه) أي: الموقوف عليه (لا يملك قيمةَ العبد الموقوف إذا أُتلف) أو تلف تحت يد ضامنه لرقبته، سواء أتلفه أجنبي أو الواقف أو الموقوف عليه عدوانًا، أما إذا أتلفه الموقوف عليه بلا تعد.
. فلا ضمان، (بل يشتري بها عبدًا ليكون وقفًا مكانه) 317 مراعاة لغرض الواقف؛ من استمرار الثواب، وتعلق حقِّ البطن الثاني وما بعده به.
والطريق الثاني: التخريج على أقوال ملك الرقبة؛ فإن قلنا: لله تعالى.
. فالحكم
الجزء: 2 - الصفحة: 469
فَإِنْ تَعَذَّرَ .. فَبَعْضُ عَبْدٍ. وَلَوْ جَفَّتِ الشَّجَرَةُ .. لَمْ يَنْقَطِعِ الْوَقْفُ عَلَى المَذْهَبِ، بَلْ
على ما سبق، وإن قلنا: للواقف، أو للموقوف عليه .. فالأصحُّ: كذلك، والثاني: يصرف ملكًا إلى من حكمنا له بملك الرقبة، فإنها بدل ملكه، وينتهي الوقف.
وكلامه قد يفهم: أنه يكون وقفًا بمجرد الشراء، والأصحُّ في "الشرح الصغير" و"زيادة الروضة": أنه لا بدَّ من إنشاء وقف 318، لكن خالف في بدل المرهون، فصحح من "زوائده": أنه رهن في ذمة الجاني 319.
ويمكن أن يفرق: بأن القيمة يصحُّ أن ترهن، ولا يصحُّ أن توقف.
قال في "المطلب": وذكر الماوردي والروياني تفصيلًا في بدل الأضحية يظهر مجيئه هنا، وهو: أنه إن اشترى بعين القيمة أو في الذمة، ونوى أنها أضحية .. لم يحتج إلى إنشاء جعلها أضحية، وإلا .. فلا بدَّ من جعلها أضحية.
انتهى.
وما ذكره الماوردي والروياني في بدل الأضحية جزما به في "الشرح" و"الروضة" 320.
ولا يجوز شراء عبد بقيمة الجارية ولا عكسه، وفي شراء صغير بقيمة كبير وعكسه وجهان.
أقواهما عند المصنف: المنع 321.
وإذا اشتُري عبد وفضل شيء من القيمة .. فالمختار عند المصنف: أنه يشتري به شقص عبد 322، وقال البُلْقيني: إنه الراجح.
(فإن تعذر .. فبعضُ عبد) لأنه أقرب إلى مقصوده، كذا قطعوا به، وحكوا في الأضحية خلافًا، والفرق: أن بعض الحيوان لا يكون أضحية، وبعضه يكون وقفًا.
(ولو جفت الشجرة) أو قلعها الريح ( .. لم ينقطع الوقف على المذهب، بل
الجزء: 2 - الصفحة: 470
يُنْتَفَعُ بِهَا جِذْعًا، وَقِيلَ: تُبَاعُ وَالثَّمَنُ كَقِيمَةِ الْعَبْدِ. وَالأَصَحُّ: جَوَازُ بَيْعِ حُصُرِ الْمَسْجِدِ إِذَا بَلِيَتْ، وَجُذُوعِهِ إِذَا انْكَسَرَتْ وَلَمْ تَصْلُحْ إِلَّا لِلإِحْرَاقِ.
ينتفع بها جِذعًا) بإجارة أو بغيرها؛ إدامةً لعين الوقف، قال ابن الرفعة: وإنما ينتفع بإجارتها جذعًا إن لم يكن في استيفاء منفعة استهلاكه، فإن كان .. فالأصحُّ: أنها تكون للموقوف عليه.
انتهى، وكلام "الروضة" يدل عليه، وفيه نظر 323.
وزمانة الدابة الموقوفة كجفاف الشجرة، قال في "زيادة الروضة": (هذا إذا كانت مأكولة؛ فإنه يصحُّ بيعها للحمها، فإن كانت غير مأكولة .. لم يجئ الخلاف في بيعها؛ لأنه لا يصحُّ بيعها إلا على الوجه الشاذِّ في صحة بيعها اعتمادًا على جلدها) 324.
(وقيل: تباع) لتعذر الانتفاع؛ كما شرطه الواقف (والثمن كقيمة العبد) المتلف على ما سبق، قال الرافعي: (ويجوز أن يُشترى به وَدِيّ يُغرس موضعها) 325.
(والأصحُّ: جواز بيع حُصُر المسجد إذا بَليت، وجذوعِه إذا انكسرت ولم تصلح إلا للإحراق) لئلا تضيع ويضيق المكان بها من غير فائدة، فتحصيل نزر يسير من ثمنها يعود على الوقف .. أولى من ضياعها، ولا يدخل ذلك تحت بيع الوقف؛ لأنها صارت في حكم المعدومة، وعلى هذا: يصرف ثمنها في مصالح المسجد، قال الرافعي: والقياس: أن يشتري بثمن الحصير حصيرًا لا غيرها 326، والثاني: لا تباع؛ لأنها عين الوقف، بل تترك بحالها أبدًا؛ كما لو وقف أرضًا فخربت.
وترجيح الجواز تبعا فيه الإمام 327، والجمهور على المنع، منهم: الشيخ أبو علي السنجي والبغوي، وصاحب "البيان" وغيرهم 328.
ومحل الخلاف: في الحُصُر والجذوع الموقوفة، أما ما اشتراه الناظر أو وهب له
الجزء: 2 - الصفحة: 471
وَلَوِ انْهَدَمَ مَسْجِدٌ وَتَعَذَّرَتْ إِعَادَتُهُ .. لَمْ يُبَعْ بِحَالٍ
فقبله الناظر .. فإنه يباع عند الحاجة قطعًا؛ كما قاله الرافعي؛ لأنه ملك، قال في "الروضة": هذا إذا اشتراه الناظر ولم يقفه، فإن وقفه .. صار وقفًا قطعًا، وتجري عليه أحكام الوقف 329.
وقول المصنف: (إذا انكسرت): يقتضي أنها إذا أشرفت على الانكسار .. لا تباع، وقضية كلام "الروضة"و "أصلها": الجواز؛ فإنهما لمّا صححا بيع الجذع المنكسر .. قالا: إن الخلاف جار في المشرف على الانكسار 330، فلو ذكره المصنف .. لأخذ حكم المنكسر من طريق أولى.
وأفهم تقييده بألا تصلح إلا للإحراق: أنه إذا صلحت لأنْ يُنتفع بها في الوقف أدنى انتفاع .. لا تباع قطعًا، وهو كذلك.
(ولو انهدم مسجد وتعذرت إعادتُه .. لم يبع بحال) كالعبد إذا عتق ثم زمن، وليس كجفاف الشجرة؛ لتوقع العمارة، والانتفاعُ في الحال بالصلاة والاعتكاف في عرصته ممكنٌ.
وكذا لو تعطل المسجد بتفرق الناس عن البلد، أو خراب البلد .. فإنه لا يباع أيضًا بل يترك على حاله إن لم يُخَف من المفسدين أن ينقضوه، فإن خيف .. نُقض وحفظ، وإن رأى الحاكم أن يعمر بِنِقْضه مسجدًا .. جاز، وما كان أقرب إليه .. فهو أولى.
كذا في "الروضة" و"أصلها" 331.
وعلى هذا: إذا كان للمسجد أوقاف .. قال المتولي: صرفت غَلَّته إلى أقرب المساجد إليه، وقال الإمام: تُحفظ لتوقع عوده، وقال الماوردي والروياني: تصرف للفقراء والمساكين، وفي "فتاوى الحناطي": نقل وجه: أنه يصرف إلى المصالح، ووجه: أنه يرجع إلى أقرب الناس إلى الواقف 332.
الجزء: 2 - الصفحة: 472
فصلٌ [في بيان النظر على الوقف وشرطه ووظيفة الناظر]
إِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ .. اتُّبِعَ، وَإِلَّا .. فَالنَّظَرُ لِلْقَاضِي عَلَى الْمَذْهَبِ. وَشَرْطُ النَّاظِرِ: الْعَدَالَةُ وَالْكِفَايَةُ وَالاهْتِدَاءُ إِلَى التَّصَرُّفِ
وتقييد المصنف بالمسجد: قد يخرج الدار الموقوفة عليه، فيجوز بيعها، وهو قضية كلام الرافعي حيث أجرى فيها خلاف الجذع المنكسر، وتابعه "الحاوي الصغير" 333 ورده السبكي نقلًا، ودليلًا 334.
(فصل: إن شرط الواقف النظر لنفسه أو لغيره .. اتبع) لأنه المتقرب بصدقته، فهو أحقُّ من يقوم بإمضائها وصرفها إلى مصارفها، ومن نصبه لذلك .. كان أحقَّ به من غيره، قال الرافعي: وينبغي أن يجيء في قبول المتولي ما في قبول الوكيل والموقوف عليه 335.
(وإلا) أي: وإن لم يشرطه لأحد ( .. فالنظر للقاضي على المذهب) لأنه يتعلق به حقُّ الموقوف عليه ومن بعده، وصاحب النظر العام أولى بالنظر فيه، وقيل: للواقف؛ لأن النظر والتصرف كان إليه، فإذا لم يصرفه عن نفسه .. بقي على ما كان، وقيل: للموقوف عليه؛ لأن النفع والفائدة له.
قال الرافعي: والذي يقتضي كلام المعظم الفتوى به: أن يقال: إن كان الوقف على جهة عامة .. فالتولية للحاكم، وإن كان على شخص معين .. فكذلك إن جعلنا الملك لله تعالى، وإن جعلناه للواقف أو للموقوف عليه 336 .. فالتولية كذلك.
(وشرط الناظر) واقفًا كان أو غيره (العدالة والكفاية والاهتداء إلى التصرف) كما في الوصي والقيم؛ لأنها ولاية على الغير، ولو فسق الناظر ثم صار عدلًا .. عادت
الجزء: 2 - الصفحة: 473
وَوَظِيفَتُهُ: الْعِمَارَةُ وَالإِجَارَةُ وَتَحْصِيلُ الْغَلَّةِ وَقِسْمَتُهَا، فَإِنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ بَعْضَ هَذِهِ الأُمُورِ .. لَمْ يَتَعَدَّهُ. وَلِلْوَاقِفِ عَزْلُ مَنْ وَلَّاهُ وَنَصْبُ غَيْرِهِ، إِلَّا أَنْ يَشْرِطَ نَظَرَهُ حَالَ الْوَقْفِ
ولايته إن كانت بشرط الواقف، وإلا .. فلا، قاله المصنف في "فتاويه" 337.
ولا حاجة لقوله: (والاهتداء) فإن الكفاية تغني عنه؛ لأن من لا يهتدي إلى التصرف لا يوصف بالكفاية، ولهذا لم يذكراه في "الشرحين" و"الروضة" 338.
(ووظيفته) عند الإطلاق (العمارة والإجارة وتحصيل الغَلَّة وقسمتها) على وجهه؛ لأنه المعهود في مثله، وزادا في "الشرح" و"الروضة" حفظَ الأصول والغلات على الاحتياط 339.
وله التولية والعزل؛ كما اعتمده الشيخ تقي الدين السبكي والأَذْرَعي.
وأفتى الشيخ عز الدين: بأن المُدرِّس هو الذي يُنزِّل الفقهاء، ويُقدِّر جامِكيَّاتهم.
(فإن فوض إليه بعض هذه الأمور .. لم يتعده) اتباعًا لشرطه، وإذا ادعى متولي الوقف صرفه إلى مستحقه وهو معين .. فالقول: قول المستحق، وله المطالبة بالحساب، فإن كان غير معين .. فهل للإمام مطالبته بالحساب؟ فيه وجهان، حكاهما القاضي شريح في "أدب القضاء".
(وللواقف عزل من ولاه ونصب غيره) كما يعزل الوكيل (إلا أن يشرِط نظره حال الوقف) فإنه ليس له عزله؛ لأنه مغير شرطه؛ كما ليس لغيره ذلك.
وصور البغوي المسألة بأن يقول: (وقفت وشرطت التفويض له)، ونقل الرافعي عنه أن يقول: (وقفت بشرط أن تكون التولية لفلان) 340.
واعترض: بأنه ليس بمطابق لما قاله البغوي، وأيضًا: هذه الصيغة ينبغي أن تكون مبطلة لأصل الوقف من أجل التعليق؛ فإنه قد يقبل التولية، وقد لا يقبلها.
الجزء: 2 - الصفحة: 474
وَإِذَا أَجَّرَ النَّاظِرُ فَزَادَتِ الأُجْرَةُ فِي الْمُدَّةِ أَوْ ظَهَرَ طَالِبٌ بِالزِّيَادَةِ .. لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ فِي الأَصَحِّ.
وقد استشكل تصوير مسألة "الكتاب" لأنه إن كان فيما إذا كان النظر للواقف ونصب غيره نائبًا عنه .. فجواز عزله له واضح؛ لأنه سفير محض، وإن كان مع السكوت عنه .. فلا ولاية للواقف في هذه الحالة، بل هي للقاضي.
(إذا أجر الناظر) على غيره (فزادت الأجرة في المدة أو ظهر طالب بالزيادة .. لم ينفسخ العقد في الأصحِّ) لأن العقد جرى بالغبطة في وقته، فأشبه ما إذا باع الولي مال الطفل ثم ارتفعت القيم بالأسواق، أو ظهر طالب بالزيادة، والثاني: تنفسخ؛ لتبيُّن وقوعه على خلاف الغبطة في المستقبل، والثالث: إن كانت الإجارة سنة فأقلَّ .. لم يتأثر العقد، وإن كانت أكثر .. فالزيادة مردودة؛ يعني: أنه ينفسخ في الزيادة على السنة.
وقيد الإمام محلَّ الخلاف: بما إذا تغيرت الأجرة بكثرة الطالبين، أما إذا وجدنا زبونًا يزيد على أجرة المثل .. فلا أثر له قطعًا 341.
واحترز بـ (الناظر): عما إذا أجر الموقوف عليه بحقِّ الملك وجوزناه؛ فإن العقد لا يتأثر بالزيادة قطعًا، كما لو أجر الطِّلق، قال الإمام: ولو كان أجّره بدون أجرة المثل؛ لأن له إعارته 342.
الجزء: 2 - الصفحة: 475
كتابُ الهِبَة التَّمْلِيكُ بِلَا عِوَضٍ هِبَةٌ، فَإِنْ مَلَّكَ مُحْتَاجًا لِثَوَابِ الآخِرَةِ .. فَصَدَقَةٌ، فَإِنْ نَقَلَهُ إِلَى مَكَانِ الْمَوْهُوبِ لَهُ إِكْرَامًا .. فَهَدِيَّةٌ. وَشَرْطُ الْهِبَةِ: إِيجَابٌ وَقَبُولٌ لَفْظًا،
﴿كتاب الهبة﴾
أصلها: من هبوب الريح؛ أي: مروره، واستأنسوا لها، بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ قيل: المراد منها: الهبة، وقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ قيل: المراد بها: الهبة والصدقة، وفي "البيهقي" بإسناد ضعيف: "تَهَادُوا تَحَابُّوا"، ورواه البخاري في كتاب "الأدب" 343.
(التمليك بلا عوض هبة، فإن ملّك محتاجًا لثواب الآخرة .. فصدقةٌ، فإن نقله) بنفسه أو بغيره (إلى مكان الموهوب له إكرامًا .. فهدية) فخمتاز الصدقة عن الهبة بقصد ثواب الآخرة، وتمتاز الهدية عن الهبة بالنقل، فكلُّ صدقة وهدية هبة، ولا ينعكس.
ولا حاجة لقوله: (محتاجًا)؛ فإن الصدقة على الغني جائزة، ويثاب عليها إذا قصد القربة.
وقوله: (إكرامًا) قال السبكي: الظاهر: أنه ليس شرطًا، بل الشرط: النقل؛ ولهذا لا يدخل العقار في الهدية، قال الزركشي: وقد يقال: إنه احترز عن الرشوة.
والصدقة أفضل هذه الأنواع.
(وشرط الهبة: إيجاب وقبول لفظًا) لأنه تمليك في الحياة؛ كالبيع.
وفي انعقادها بالمعاطاة الخلاف في البيع، واختار في "شرح المهذب" صحتَها بها، وفي انعقادها بالكناية مع النية الخلاف في البيع، قاله في "الذخائر" و"المطلب"، وفي كلام الرافعي إشارة إليه 344.
ويستثنى من اشتراط القبول: صور؛ منها: الهبة الضمنية؛ كـ (أعتق عبدك عني) فأعتقه .. فإنه يدخل في ملكه هبة، ويعتق عليه، ومنها: لو اشترى حليًّا لولده الصغير
الجزء: 2 - الصفحة: 477
وَلَا يُشْتَرَطَانِ فِي الْهَدِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يَكْفِي الْبَعْثُ مِنْ هَذَا وَالْقَبْضُ مِنْ ذَاكَ
وزينه به .. فإنه يكون تمليكًا له، بخلاف ما لو اشتراه لزوجته .. فإنه لا يصير ملكًا لها، قاله القفال.
والفرق: أن له ولايةً على الصغير، بخلاف الزوجة، كذا استثناها ابن الملقن في "العجالة"، وفي كلام الشيخين ما قد يخالفه حيث قالا: إذا كانت الهبة لمن ليس له أهلية القبول، وكانت من الأب أو الجد .. تولّى الطرفين، وهل يحتاج إلى لفظي الإيجاب والقبول أم يكفي أحدهما؟ وجهان: كما سبق في البيع.
انتهى 345.
فاقتضى كلامهما: أنه إذا لم يأت بواحد من الإيجاب والقبول .. لا يكفي قطعًا.
ومنها: ما لو قال: (اشتر لي بدراهمك خبزًا) فاشتراه وصححناه للسائل .. فإن الدراهم تكون هبة لا قرضًا على أحد الوجهين، قاله ابن الرفعة.
وفي تسميته الإيجاب والقبول شرطًا .. تسامح؛ فإنهما ركنان، وقد مرّ الاعتذار عنه في البيع.
(ولا يُشترطان في الهدية على الصحيح، بل يكفي البعث من هذا) ويكون كالإيجاب، (والقبض من ذاك) ويكون كالقبول، سواء المأكول وغيره، لأنه عادة السلف، وقد أهدت الملوك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الكسوة والدواب والجواري، ولم ينقل إيجاب ولا قبول، والثاني: يشترطان؛ كالبيع والوصية، والصدقةُ في ذلك كالهدية، ويحصل ملك الهدية بوضع المُهَدى بين يديه إذا أعلمه به.
ولو أهدى إلى صبي ووضع بين يديه، أو أخذه الصبي .. لم يملكه، قاله البغوي في "فتاويه".
ويؤخذ من قول المصنف: (البعث من هذا والقبض من ذاك): أنه لو اشترى الحاج شيئًا في سفره بأسامي أصدقائه ومات .. أنه لا يستحقه من اشترى باسمه، وبه صرح القاضي أبو الطيب فقال: إن ورثته بالخيار فيما اشتراه وسماه لأصدقائه.
وأهمل المصنف الكلام على العاقدين، فيشترط في الواهب: أهلية التبرع، وأما
الجزء: 2 - الصفحة: 478
وَلَوْ قَالَ: (أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ فَإِذَا مُتَّ فَهِيَ لِوَرَثَتِكَ) .. فَهِيَ هِبَةٌ، وَلَوِ اقْتَصرَ عَلَى: (أَعْمَرْتُكَ) .. فَكَذَا فِي الْجَدِيدِ، وَلَوْ قَالَ: (إِنْ مُتَّ عَادَتْ إِلَيَّ) .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ
الموهوب له: فقال الماوردي: هو من صحَّ أن يُحكم له بالملك؛ من مكلف وغيره 346.
(ولو قال: "أعمرتك هذه الدار، فإذا متَّ فهي لورثتك" .. فهي هبة) حكمًا، لكنَّه طوَّل العبارة، فيعتبر الإيجاب والقبول، وتلزم بالقبض، فإذا مات .. فالدار لورثته، فإن لم يكونوا .. فلبيت المال، ولا يعود إلى الواهب بحال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى .. فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ" رواه مسلم 347.
وتمثيله بـ (الدار): تبع فيه الشافعي وأكثر الأصحاب، ولا فرق بينها وبين غيرها؛ كما هو ظاهر الحديث.
(ولو اقتصر على: "أعمرتك") ولم يتعرض لما بعد موته ( .. فكذا في الجديد) أي: يصحُّ، وله حكم الهبة؛ لحديث: "العُمْرَى مِيَراثٌ لِأَهْلِهَا" متفق عليه 348.
وليس في جعلها له مدةَ حياته ما ينافي انتقالها إلى ورثته؛ فإن الأملاك كلَّها مقدرة بحياة المالك، وفي قول قديم: إنها تبطل؛ لقول جابر رضي الله عنه: إنما العمرى التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: ("هي لك ولعقبك"، فأمّا إذا قال: "هي لك ما عشت" .. فإنّها ترجع إلى صاحبها) رواه مسلم 349.
ولأنه تمليك مؤقت فيبطل؛ كالبيع.
(ولو قال: "إن متَّ .. عادت إلي") 350 أو إلى ورثتي ( .. فكذا في الأصحِّ)
الجزء: 2 - الصفحة: 479
وَلَوْ قَالَ: (أَرْقَبْتُكَ) أَوْ (جَعَلْتُهَا لَكَ رُقْبَى)؛ أَي: إِنْ مُتَّ قَبْلِي عَادَتْ إِلَيَّ، وَإِنْ مُتُّ قَبْلَكَ اسْتَقَرَّتْ لَكَ .. فَالْمَذْهَبُ: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ.
أي: فيصحُّ الإعمار، ويلغو الشرط؛ لإطلاق الأحاديث الصحيحة، قال الرافعي: وكأنهم عدلوا به عن قياس سائر الشروط الفاسدة 351. انتهى.
ولعل المعنى في ذلك - كما قاله في "البحر" -: أن الشرط المذكور ليس على المعطي بل على ورثته، ولا حقَّ لهم الآن، وإذا لم يكن الشرط مع المعقود معه .. لم يؤثر في العقد.
والثاني: يبطل؛ لشرطه ما ينافي مقتضى الملك، فإن من ملك شيئًا .. صار بعده لورثته، والثالث: يصحُّ ولا يلغو الشرط، حكاه في "التنبيه" 352.
وقد يفهم كلامه: أنه لو قال: (جعلتها لك عمري)، أو (عمر زيد) .. أنه يبطل، وهو الأصحُّ؛ لخروجه عن اللفظ المعتاد.
(ولو قال: "أرقبتك"، أو "جعلتها لك رقبى"؛ أي: إن متَّ قبلي .. عادت إلي، وإن متُّ قبلك .. استقرت لك .. فالمذهب: طرد القولين الجديد والقديم) فعلى الجديد: يصحُّ، ويلغو الشرط؛ لحديث: "لَا تُعْمِرُوا، وَلَا تُرْقِبُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيئًا، أَوْ أُعْمِرَهُ .. فَهُوَ لِوَارِثهِ" رواه أبو داوود والنسائي 353.
والقديم: البطلان، والطريق الثاني: القطع بالبطلان؛ لأن فيها تأقيتًا واشتراطًا ليس في العمرى.
وقوله: (أي: إن مت قبلي): تفسير لمدلول قوله: (أرقبتك، أو جعلتها لك رقبى)، ومقتضاه: أنه لم يصرح بالشرط المذكور، وقطع الماوردي فيما إذا صرح به بالبطلان؛ لمنافاته حكم الملك، لكن صرح الشيخان تبعًا للجمهور بتعميم الخلاف؛ لأنه تصريح بالمعنى 354.
الجزء: 2 - الصفحة: 480
وَمَا جَازَ بَيْعُهُ .. جَازَ هِبَتُهُ، وَمَا لَا كَمَجْهُولٍ وَمَغْصُوبٍ وَضَالٍّ .. فَلَا،
و(العمرى) و (الرقبى): كانا عقدين في الجاهلية، فـ (العمرى): من العمر، و (الرقبى): من المراقبة؛ لأن كلَّ واحد منهما يرقب موت صاحبه.
(وما جاز بيعه .. جاز هبته) من باب أولى؛ لأن باب الهبة أوسع؛ كما سيأتي.
وحذف التاء من (جاز هبته) لمشاكلة (جاز بيعه)، ولأن تأنيث الهبة غير حقيقي.
ويسثثنى من إطلاقه صور؛ منها: المنافع؛ فإنها تباع بالإجارة، وتمتنع هبتُها إذا قلنا: إنها عارية، ومنها: بيع الأوصاف سلمًا في الذمة جائز، ولا يجوز هبته؛ كـ (وهبتك ألف درهم في ذمتي)، ثم يعينه في المجلس ويقبضه، صرح به القاضي الحسين والإمام وغيرهما 355، فلو زاد من الأعيان .. لخرجتا.
(وما لا) يجوز بيعه (كمجهول ومغصوب وضالٍّ) وآبق ( .. فلا) يجوز هبته؛ بجامع أنها تمليك في الحياة.
ويستثنى من المجهول صور؛ منها: إذا لم يعلم الورثة مقدار ما لكلٍّ منهم من الإرث؛ كما لو خلف ولدين أحدهما خنثى، وقد ذكر الرافعي في (الفرائض): أنه لو اصطلح الذين وُقِفَ المال بينهم على تساو أو تفاوت .. جاز، قال الإمام: ولا بدَّ أن يجري بينهما تواهب، وهذا التواهب لا يكون إلا عن جهالة، ولكنها تحتمل للضرورة 356.
ومنها: إذا اختلط حمام البرجين فوهب أحدهما نصيبه للآخر .. فإنه يصحُّ على الأصحِّ وإن كان مجهول القدر والصفة؛ للضرورة، وهكذا إذا اختلطت حنطته بحنطة غيره، أو مائعه بمائع غيره، أو ثمرته بثمرة غيره.
ومنها: ما لو قال: (أنت في حلٍّ مما تأخذ من مالي) أو (تعطي) أو (تأكل) .. فإنه يجوز له الأكل دون الأخذ والإعطاء؛ لأن الأكل إباحة، وهي تصحُّ مجهولة، بخلافهما، قاله العبادي قال: ولو قال رجل: (ادخل كرمي وخذ من العنب ما شئت)، أو (خذ من ثمري ما شئت) .. لا يزيد على عنقود واحد؛ لأنه أقلُّ ما يقع عليه الاسم، واستشكل.
الجزء: 2 - الصفحة: 481
إِلَّا حَبَّتَيْ حِنْطَةٍ وَنَحْوِهَا
وقال القفال في "فتاويه": لو قال: (ادخل بستاني وأبحت لك أن تأخذ من ثماره ما شئت) .. كان إباحة.
(إلا حبتي حنطة ونحوها) من المحقرات؛ فإنه يجوز هبتها قطعًا، ولا يجوز بيعها على الصحيح؛ لأن بذل المال في مقابلته سَفَةٌ، وهذا التعليل مفقود في الهبة، والمانع ليس في دابة؛ كالكلب؛ لأنه يباع مع غيره، وإنما المانع الانفراد، فاغتفر في الهبة؛ إذ لا محذور.
وهذا الاستثناء مما زاده على "المحرر" ولم يذكرا في "الشرحين" و"الروضة" ذلك، بل جزم الرافعي بعكسه في (باب اللقطة) فقال: ما لا يتمول 357؛ كحبة حنطة وزبيبة .. لا تُعَرَّفُ على الظاهر؛ كما لا يجوز بيعه وهبته، وأسقطه من "الروضة"؛ لوقوعه في ضمن بحث 358.
وقال الإمام فيما لا يتمول لقلته: يظهر عندي تصحيح الهبة فيه على معنى إحلال الموهوب له محلَّ الواهب في الاختصاص، لكن لا أقطع به؛ لأن لنا ترددًا في هبة الكلب، والمنع هنا أقوى؛ لأن في الكلب إمكان الانتفاع، ولا يقع فيما لا يتمول ... إلى أن قال: والأظهر: إبطال الهبة 359.
واختار السبكي ما قاله المصنف؛ فإنه تجوز الصدقة بتمرة، وهي نوع من الهبة.
وأورد على حصره صور؛ منها: جلد الأضحية ولحمها؛ لا يجوز بيعه وتجوز هبته، ومنها: جلد الميتة قبل الدباغ على ما قاله في "الروضة" في (باب الآنية)، لكن صحح هنا المنع، وجمع بين كلامي "الروضة" بحمل المذكور هنا على الملك الحقيقي، والذي في (باب الآنية) بمعنى: نقل اليد؛ كما صرحوا به في الكلب 360.
ومنها: الدهن النجس؛ فإن في "زيادة الروضة" في (البيع): أنه ينبغي القطع
الجزء: 2 - الصفحة: 482
وَهِبَةُ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ إِبْرَاءٌ، وَلِغَيْرِهِ بَاطِلةٌ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يُمْلَكُ مَوْهُوبٌ إِلَّا بقَبْضٍ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ،
بصحة الصدقة به للاستصباح ونحوه 361، وهي نوع من الهبة، وقد جزم المتولي: بأنه يجوز نقل اليد فيه بالوصية ونحوها، وحينئذ؛ إن أريد بهبة الدهن النجس التمليك .. فينبغي ألّا يصحَّ، وإن أريد نقل اليد .. فيصحُّ، ومنها: هبة الكلب: تصحُّ وإن امتنع بيعه، نص عليه في "الأم" 362، ومنها: هبة إحدى الضرتين نوبتها للأخرى .. فإنها تصح، ولا يجوز بيع ذلك.
(وهبة الدين للمدين إبراء) لا يحتاج إلى قبول على المذهب، اعتبارًا بالمعنى، وقيل: يحتاج؛ اعتبارًا باللفظ.
(ولغيره باطلة في الأصحِّ) لأنه غيرُ مقدور على تسليمه؛ فإن ما يقبض من الديون عين لا دين، وصحح في أصل "الروضة" القطع به 363، والثاني: يصحُّ، ونُقل عن النصِّ؛ لأن الذمم تجري مجرى الأعيان بدليل صحة البيع والشراء فيها.
(ولا يُملك موهوب إلا بقبض) لأنه روي عن جمع من الصحابة، ونقله الشيخ موفق الدين في "المغني" عن الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم ولا مخالف لهم 364، وكالقرض؛ إذ كلُّ عقد إرفاق يفتقر إلى القبول، وفي قول قديم: يملك بالعقد، وكلام المصنف في (باب الاستبراء) يوهم ترجيحه 365، وفي قول ثالث: إنه موقوف، فإن قبض .. تبينّا أنه ملك بالعقد.
(بإذن الواهب) فلو قبض من غير إذنه .. لم يجز، ولم يملكه قياسًا على الرهن، ويضمنه، ولو أذن ورجع عن الإذن، أو مات أحدهما قبل القبض .. بطل الإذن، وكيفية القبض في المنقول والعقار كما مرّ في البيع.
الجزء: 2 - الصفحة: 483
فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْقَبْضِ .. قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، وَقِيلَ: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ. وَيُسَنُّ لِلْوَالِدِ الْعَدْلُ فِىِ عَطِيَّةِ أَوْلَادِهِ؛ بِأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَقِيلَ: كَقِسْمَةِ الإِرْثِ. وَلِلأَبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَةِ وَلَدِ،
(فلو مات أحدهما) أي: الواهب أو الموهوب له (بين الهبة والقبض .. قام وارثه مقامه) في القبض والإقباض، ولا ينفسخ العقد؛ لأنه مما يؤول إلى اللزوم، فلم ينفسخ بالموت؛ كالبيع في زمن الخيار، (وقيل: ينفسخ العقد) لجوازه؛ كالشركة والوكالة.
والفرق: ما مرّ من مآلها إلى اللزوم، بخلافهما، ويجري الخلاف في الجنون والإغماء.
(ويسن للوالد العدلُ في عطيَّةِ أولاده) وكذا لغيره من سائر الأصول؛ لئلا يفضي بهم الأمر إلى العقوق أو التحاسد، وكلامه يقتضي: أن تركه خلاف الأولى، وجزم الرافعي بالكراهة، وقال ابن حبان: إن تركه حرام 366، هذا إذا استووا في الحاجة أو عدمها، فإن تفاوتوا .. قال في "المطلب": فليس فيه المحذور السالف.
وكذا يستحب للولد إذا وهب لوالديه، قال الدارمي: فإن فضَّل .. فضّل الأم.
وأفهم كلام الأئمة: أن الإخوة ونحوهم لا يجري فيهم هذا الحكم، قال في "المطلب": ويحتمل طرده فيهم؛ لما فيه من الإيحاش.
وقد يفرق: بأن المحذور في الأولاد عدم البر، وهو واجب، قال: ولا شك أن التسوية بينهم مطلوبة، لكن دون طلبها في الأولاد.
(بأن يسوِّيَ بين الذكر والأنثى) لأنه إذا فاضل .. أدى إلى الوحشة والعقوق، (وقيل: كقسمة الإرث) فيضعف حظ الذكر؛ كالميراث.
وفرّق الأول: بأن الوارث راض بما فرض الله تعالى له، بخلاف هذا.
(وللأب الرجوع في هبة ولده) لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً، أَوْ يَهَبَ هِبَةً، فَيَرْجِعَ فِيهَا، إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ" صححه الترمذي وغيره 367.
الجزء: 2 - الصفحة: 484
وَكَذَا لِسَائِرِ الأُصولِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَشَرْطُ رُجُوعِهِ: بَقَاءُ الْمَوْهُوبِ فِي سَلْطَنَةِ الْمُتَّهِبِ؛ فَيَمْتَنِعُ بِبَيْعِهِ وَوَقْفِهِ، لَا بِرَهْنِهِ وَهِبَتِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَتَعْلِيقِ عِتْقِهِ وَتَزْوِيجِهَا وَزِرَاعَتِهَا، وَكَذَا الإِجَارَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
نعم؛ يكره الرجوع إذا كان الولد عفيفًا بارًّا.
ومحل الرجوع: إذا وهب مجَّانًا، فإن شرط الثواب وأثابه الولد .. فلا رجوع في الأصحِّ، وهذا في غير الثواب المعلوم المقدار؛ فإن ذلك بيع على المذهب.
(وكذا لسائر الأصول) كالأم والأجداد والجدات من الجهتين وإن علوا (على المشهور) كما في حصول العتق، ووجوب النفقة، وسقوط القصاص، والثاني: المنع؛ لأن الخبر خاصٌّ بالأب.
واحترز بـ (الأصول): عن الفروع، والحواشي والأجانب؛ فإنه لا رجوع لهم.
وقوله: (في هبة ولده): قد يخرج الهدية وهي كالهبة، وكذا الصدقة على الأظهر في "الشرح" و"الروضة" 368 هنا، لكن جزم الرافعي في "الشرح الكبير" في (باب العارية) بمقابله 369، وصححه في "الشرح الصغير" في البابين؛ لأن القصد من الصدقة ثوابُ الآخرة، وهو موعود به، قال الأَذْرَعي: والمذهب: الأول؛ فإنه المنصوص عليه في "حرملة".
(وشرط رجوعه: بقاء الموهوب في سلطنة المُتَّهِب؛ فيمتنع ببيعه ووقفه) لحقِّ الغير، وكذا لو أعتقه أو كاتبه أو استولد الأمة، ولا بدَّ مع بقاء السلطنة ألّا يتعلق به ما يمنع البيع؛ فإنه لو جنى الموهوب وتعلق الأرش برقبته، أو أفلس المتهب وحجر عليه القاضي .. امتنع الرجوع مع بقاء الملك.
(لا برهنه وهبته قبل القبض) لبقاء السلطنة، بخلاف ما بعد القبض.
(وتعليقِ عتقه، وتزويجها، وزراعتها) لما ذكرناه من بقاء السلطنة، (وكذا الإجارةُ على المذهب) لأن العين باقية بحالها، ومورد الإجارة المنفعة، وهذا ما أجاب به الأكثرون، وحكي عن النص، ومقابله: قول الإمام: إنا إن صححنا بيع
الجزء: 2 - الصفحة: 485
وَلَوْ زَالَ مِلْكُهُ وَعَادَ .. لَمْ يَرْجِعْ فِي الأَصحِّ، وَلَوْ زَادَ .. رَجَعَ فِيهِ بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصلَةِ لَا الْمُنْفَصِلَةِ. وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِـ (رَجَعْتُ فِيمَا وَهَبْتُ)، أَوِ (اسْتَرْجَعْتُهُ)، أَوْ (رَددُتُهُ إِلَى مِلْكِي)، أَوْ (نَقَضْتُ الْهِبَةَ)، لَا بِبَيْعِهِ وَوَقْفِهِ وَهِبَتِهِ وَإِعْتَاقِهِ وَوَطْئِهَا فِي الأَصحِّ.
المأجور .. رجع، وإلا .. فإن جوزنا الرجوع في المرهون .. فكذلك، وإلا .. ففي المأجور تردد 370.
(ولو زال ملكه وعاد .. لم يرجع في الأصحِّ) لأن الملك غيرُ مستفاد من الأب حتى يرجع فيه؛ كما لو وهب له دراهم فاشترى بها سلعة، والثاني: يرجع؛ لوجود العين في يده على صفتها.
وأصل الخلاف: أن الزائل العائد كالذي لم يعد، أو كالذي لم يزل.
ويستثنى من إطلاقه: ما لو ارتد الموهوب له وقلنا: بزوال الملك بالردة، ثم عاد إلى الإسلام .. فالأصحُّ: الرجوع.
وما لو وهب له عصيرًا فتخمر، ثم تخلل .. فله الرجوع على المذهب؛ لأن الملك الثابت في الخلِّ سببه ملك العصير.
(ولو زاد .. رجع فيه بزيادته الممصلة) لأنها تتبع الأصل (لا المنفصلة) كالكسب؛ لحدوثها على ملك المتهب.
(ويحصل الرجوع بـ "رجعت فيما وهبت"، أو "استرجعته"، أو "رددته إلى ملكي"، أو "نقضت الهبة") وما أشبهه؛ كـ (أبطلتها) و (فسختها) لأن ذلك كلَّه يفيد المقصود، وقيل: إن (أبطلتها) و (فسختها) كنايتان، وذكر البَنْدَنيجي تبعًا للشيخ أبي حامد: أن كلَّ ما كان رجوعًا في الفلس .. كان رجوعًا في الهبة، وما لا .. فلا.
(لا ببيعه، ووقفه وهبته وإعتاقه ووطئها في الأصحِّ) لكمال ملك الابن، ونفوذ تصرفه، فلا يزول إلا بصريح الرجوع، والثاني: أنه رجوع، وينفذ التصرف؛ كما أن هذه التصرفات فسخ للبيع في زمن الخيار.
الجزء: 2 - الصفحة: 486
وَلَا رُجُوعَ لِغَيْرِ الأُصُولِ فِي هِبَةٍ مُقَيَّدَةٍ بِنَفْي الثَّوَابِ. وَمَتَى وَهَبَ مُطْلَقًا .. فَلَا ثَوَابَ إِنْ وَهَبَ لِدُونِهِ، وَكَذَا لِأعْلَى مِنْهُ فِي الأَظْهَرِ، وَلِنَظِيرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ،
وفرق الأوّل: بأن الملك هناك ضعيف، بخلاف ما نحن فيه، قال الإمام: ولا خلاف أنه آثم بالوطء وإن قصد به الرجوع؛ لاستحالة إباحة الوطء لشخصين 371. وقال الفارقي: إن قلنا: يحصل به الرجوع .. فهو حلال، وإلا .. فلا. وما أطلقه من الخلاف في الهبة محلُّه في المقبوضة، أما قبل القبض .. فلا يكون رجوعًا قطعًا؛ كما أشار إليه صاحب "الكافي"، وقاله ابن الرفعة بحثًا 372. (ولا رجوع لغير الأصول في هبةٍ مُقيَّدة بنفي الثواب) للحديث المارِّ 373، وكالمتصدق. وقوله: (بنفي الثواب): مقصوده مع التدرج إلى الكلام في الثواب بأن محلَّ ما تقدم الكلام فيه الهبة التي لا يتسلط الأجنبي على الرجوع فيها. (ومتى وهب مطلقًا) أي: لم يقيده بثواب ولا بنفيه ( .. فلا ثواب) أي: لا عوض (إن وهب لدونه) في الرتبة؛ كالملك لرعيته، والأستاذ لغلامه؛ إذ لا يقتضيه لفظ ولا عادة، (وكذا لأعلى منه) كهبة الفقير للغني (في الأظهر) لأنه لو أعاره دارًا .. لا يلزمه شيء، فكذلك إذا وهبه؛ إلحاقًا للأعيان بالمنافع، والثاني: يجب الثواب؛ لاطراد العادة به. وأصلُ الخلاف: أن العادة الجارية هل تجعل كالمشروط؟ وفيه قولان، والهدية في ذلك كالهبة؛ كما قاله المصنف تفقهًا، وجزم به السبكي، ونقله في "الكفاية" عن تصريح البَنْدَنيجي (4). وأما الصدقة .. فلا ثواب فيها مطلقًا، بل ثوابها عند الله. (ولنظيره على المذهب) إذ القصد من مثله الصلة وتأكيد الصداقة، والطريق
(1) نهاية المطلب (8/ 431). (2) كفاية النبيه (12/ 113). (3) (ص 484). (4) روضة الطالبين (5/ 386)، كفاية النبيه (12/ 118).
الجزء: 2 - الصفحة: 487
فَإِنْ وَجَبَ .. فَهُوَ قِيمَةُ الْمَوْهُوبِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يُثِبْهُ .. فَلَهُ الرُّجُوعُ. وَلَوْ وَهَبَ بِشَرْطِ ثَوَابٍ مَعْلُومٍ
الثاني: طرد القولين السابقين؛ لأن الأقران لا يتحمل بعضهم من بعض عادة، بل يعوضون، بل بعضهم ينتظر الثواب من البعض، والثالث: إن قصد الثواب .. استحقه، وإلا .. فقولان.
(فإن وجب) الثواب ( .. فهو قيمة الموهوب في الأصحِّ) لأن العقد إذا اقتضى العوض ولم يسم فيه .. وجبت فيه القيمة؛ كالنكاح، وعلى هذا: فالأصحُّ: اعتبار قيمته وقتَ القبض لا وقت الثواب.
ولا يتعين للثواب جنس من الأموال، بل الخيرة فيه للمتهب قطعًا.
فكان ينبغي للمصنف أن يقول: (قدر قيمة الموهوب) كعبارة "المحرر" (1)؛ لئلا يظن أن الواجب القيمةُ بعينها؛ إذ لو أرادها .. لباعه، وقد يكون الموهوب مثليًّا.
ولا يفهم من قوله: (وجب) تحتم الإثابة، وإجباره عليها؛ كالثمن، بل المتهب بالخيار إذا طلب الواهب القيمة؛ إن شاء .. أثاب، وإن شاء .. ردَّ الموهوب، فإن لم يطلبها .. لم يكن له الردُّ، وليس للواهب استرجاعُ الموهوب إذا طلب الواهب القيمة، ومقابل الأصحِّ أوجه: ما يعد ثوابًا لمثله عادة، وقيل: أقل متمول، وقائله لم يعمل بمقتضى اللفظ، فلم يوجب عوضًا ألبتة، ولا بمقتضى العرف؛ إذ يستقبح أهل العرف دفع أقلِّ متمول عند إهداء الكثير، وقيل: ما يرضى به الواهب؛ لحديث ورد فيه (2).
(فإن لم يُثبه .. فله) أي: للواهب (الرجوع) لحديث: "مَنْ وَهَبَ هِبَةً .. فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا" صححه الحاكم (3).
هذا إذا كان الموهوب بحاله، فإن كان تالفًا .. رجع إلى بدله في الأصحِّ.
(ولو وهب بشرط ثوابٍ معلوم) كـ (وهبتك هذا على أن تثيبني كذا) ( ..
الجزء: 2 - الصفحة: 488
فَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ الْعَقْدِ، ويكُونُ بَيْعًا عَلَى الصحِيحِ، أَوْ مَجْهُولٍ .. فَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُهُ. وَلَوْ بَعَثَ هَدِيَّةً فِي ظَرْفٍ؛ فَإِنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِرَدِّهِ؛ كَقَوْصَرَّةِ تَمْرٍ .. فَهُوَ هَدِيَّةٌ أَيضًا، وَإِلَّا .. فَلَا
فالأظهر: صحة العقد) نظرًا إلى المعنى؛ فإنه معاوضة بمال معلوم فصحَّ؛ كما لو قال: (بعتك)، والثاني: بطلانه؛ نظرًا إلى اللفظ؛ لتناقضه، فإن لفظ الهبة يقتضي التبرع.
(ويكون بيعًا على الصحيح) نظرًا إلى المعنى، فتثبت أحكامه؛ من الشفعة والخيارين وغيرها، والثاني: يكون هبة؛ نظرًا إلى اللفظ، فتثبت فيه أحكامها؛ من اعتبار القبض في اللزوم وغيره، قال الإمام: وهو بعيد جدًّا، ولو صحَّ .. لم يكن في دفع الشفعة حيلة أوقع من هذه؛ لسلامتها من الخطر 374.
(أو مجهولٍ) كـ (وهبتك هذا الفرس بعبد) ( .. فالمذهب: بطلانه) لأنه خالف موجب البيع لجهالة العوض، والهبة بإثباته.
وملخص الخلاف في المسألة: أنّا إن قلنا: إن الهبة لا تقتضي ثوابًا .. فالعقد باطل؛ لتعذر تصحيحه بيعًا وهبة، وإن قلنا: يقتضيه .. صحَّ على المذهب، وبه قطع الجمهور؛ لأنه تصريح بمقتضى العقد.
وقيل: يبطل؛ بناء على أن العوض يلحقه بالبيع، وإذا كان بيعًا .. وجب أن يكون العوض معلومًا، قال الرافعي: (والأولون يقولون: إنما يجعل بيعًا على رأي إذا تعذر جعله هبة، وذلك إذا قلنا: الهبة لا تقتضي الثواب، أما إذا قلنا: تقتضيه .. فاللفظ والمعنى متطابقان، فلا معنى لجعله بيعًا) 375.
(ولو بعث هدية في ظرف؛ فإن لم تجر العادة برده؛ كقَوْصَرَّة تمر .. فهو هدية أيضًا، وإلا .. فلا) تحكيمًا للعادة، ومثله: علب الفاكهة والحلوى ونحوها.
و(القوصرة): بتشديد الراء على الأفصحِ: وعاء التمر، ولا يُسمَّى بذلك إلا وفيها التمر، وإلا .. فهو زِنْبِيل.
الجزء: 2 - الصفحة: 489
وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ إِلَّا فِي أَكْلِ الْهَدِيَّةِ مِنْهُ إِنِ اقْتَضتْهُ الْعَادَةُ.
(ويحرم استعماله) لأنه انتفاع بملك الغير بغير إذنه (إلا في أكل الهدية منه إن اقتصته العادة) وإن لم تقتضه .. لزمه تفريغه عملًا بالعادة.
قالا: وإذا لم يكن الظرف هدية .. كان أمانة في يده 376.
وإذا أكل الهدية منه حيث اقتضته العادة .. قال البغوي: يكون عارية 377.
الجزء: 2 - الصفحة: 490