كتابُ الرِّدَّة
هِيَ: قَطْعُ الإِسْلَامِ بِنِيَّةٍ أَوْ قَوْل كُفْرٍ أَوْ فِعْلٍ، سَوَاءٌ قَالَهُ اسْتِهْزَاء أَوْ عِنَادًا أَوِ اعْتِقَادًا. فَمَنْ نَفَى الصَّانِعَ أَوِ الرُّسُلَ أَوْ كَذَّبَ رَسُولًا أَوْ حَلَّلَ مُحَرَّمًا بِالإِجْمَاعِ كَالزِّنَا وَعَكْسُهُ،
(كتابُ الردة)
هي لغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره، وقيل: الامتناع من أداء الحق، ومنه إطلاق الردة على مانعي الزكاة في زمن الصديق رضي الله عنه، وشرعًا: ما ذكره المصنف، وهي أفحش أنواع الكفر، وأغلظها حكمًا.
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ الآية، وفي الصحيح: "مَنْ بَدَّل دِينَهُ .. فَاقْتُلُوهُ" 1.
(هي: قطع الإسلام بنية أو قول كفر أو فعل، سواء قاله استهزاءًا أو عنادًا أو اعتقادًا) أورد على هذا التعريف: ما لو تردد في أنه يخرج عن الإسلام أو يبقى .. فإنه ردة، ولم يوجد فيه قطع.
وقوله: (بنية) ليس في "المحرر" و"الشرحين" و"الروضة" 2، وذكره؛ ليدخل في الضابط العزم على الكفر في المستقبل؛ فإنه كفر في الحال؛ كما سيأتي.
والفرق بين العناد والاعتقاد: أن المعاند يعتقد الحق، لكن يأبى أن يقوله، بخلاف المعتقد.
(فمن نفى الصانع أو الرسل أو كذب رسولًا) أو سخر منه، أو تنقص به، أو أنكر رسالة واحد من الأنبياء المعروفين، قال الحليمي: أو تمنى في زمن نبينا أو بعده أن لو كان نبيًّا (أو حلل محرمًا بالإجماع، كالزنا) واللواط، وشرب الخمر، قال البَنْدَنيجي: وكذا اعتقاد حل السحر، (وعكسه) أي: حرم حلالًا بالإجماع؛ كالنكاح.
الجزء: 4 - الصفحة: 177
أَوْ نَفَى وُجُوبَ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَعَكْسُهُ، أَوْ عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ غَدًا أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ .. كَفَرَ. وَالْفِعْلُ الْمُكَفِّرُ: مَا تَعَمَّدَهُ اسْتِهْزَاءً صرِيحًا بِالدِّينِ أَوْ جُحُودًا لَهُ؛ كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَاذُورَة، أَوْ سُجُودٍ لِصَنَمٍ أَوْ شَمْسٍ. وَلَا تَصِحُّ رِدَّةُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ
(أو نفى وجوب مجمع عليه) فيه نص، أو هو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك فيها الخواص والعوام؛ كالصلاة، والزكاة، والحج، أو تحريم الخمر، بخلاف من جحد مجمعًا عليه لا يعرفه إلا الخواص؛ كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، (وعكسه) أي: اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع؛ كصلاة سادسة، وصوم شوال.
(أو عزم على الكفر غدًا، أو تردد فيه .. كفر) في الحال في جميع الصور المذكورة، وكذا إذا اعتقد قدم العالم؛ كما تقوله الفلاسفة، أو حدوث الصانع، أو نفى ما هو ثابت للقديم بالإجماع؛ ككونه عالمًا قَديرًا.
أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع؛ كالالوان، أو أثبت له الاتصال والانفصال؛ كما نقلاه عن المتولي، وأقراه 3.
قال في "المهمات" بعد ذكره هذا: (المجسمة ملتزمون بالألوان وبالاتصال والانفصال مع أننا لا نكفرهم على المشهور؛ كما دل عليه كلام الرافعي في "الشهادات"، ووافقه عليه في "الروضة"، لكن جزم النووي في "باب صفة الأئمة" من "شرح المهذب" بتكفيرهم، ذكر ذلك قبيل الكلام على منع اقتداء الرجل بالمرأة) 4.
(والفعل المكفر: ما تعمده استهزاءً صريحًا بالدين، أو جحودًا له؛ كإلقاء مصحف بقاذورة) لأنه صريح في الاستخفاف بكلام الله تعالى، والاستخفاف بالكلام استخفاف بالمتكلم، (أو سجود لصنم أو شمس) وكذا السحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها؛ لأنه أثبت لله شريكًا.
(ولا تصح ردة صبي ومجنون) لأنه لا تكليف عليهما، ولا اعتداد بقولهما
الجزء: 4 - الصفحة: 178
وَمُكْرَهٍ، وَلَوِ ارْتَدَّ فَجُنَّ .. لَمْ يُقْتَلْ فِي جُنُونِهِ. وَالْمَذْهَبُ: صِحَّةُ رِدَّةِ السَّكْرَانِ وَإِسْلَامِهِ، وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالرِّدَّةِ مُطلَقًا، وَقِيلَ: يَجِبُ التَّفْصِيلُ؛ فَعَلَى الأَوَّلِ: لَوْ شَهِدُوا بِرِدَّةٍ فَأَنْكَرَ .. حُكِمَ بِالشَّهَادَةِ، فَلَوْ قَالَ: (كُنْتُ مُكْرَهًا) وَاقْتَضَتْهُ قَرِينَةٌ كَأَسْرِ كُفَّارٍ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِلَّا .. فَلَا،
واعتقادهما، (ومكره) إذا كان قلبه مطمئنًّا بالإيمان؛ كما نطق به التنزيل؛ فإن رضي بقلبه .. فمرتد، ولو تجرد قلبه عند الإكراه على التلفظ عن اعتقاد إيمان وكفر .. ففي كونه مرتدًّا وجهان.
(ولو ارتد فجن .. لم يقتل في جنونه) لأنه ربما عاد إلى الإسلام لو عقل.
نعم؛ لو استتيب قبل جنونه فلم يتب وجن .. لم يحرم قتله.
(والمذهب: صحة ردة السكران) لإجماع الصحابة على مؤاخذته بالقذف، وهو دليل على اعتبار أقواله، (وإسلامه) معاملة لأقواله معاملة الصاحي.
(وتقبل الشهادة بالردة مطلقًا) إذ الظاهر من العدل أنه لا يقدم إلا على بصيرة، (وقيل: يجب التفصيل) لاختلاف المذاهب في التكفير، والحكم بالردة عظيم فيحتاط له، وهذا ما صححه السبكي، وقال في "المهمات": إنه المعروف، ونقله عن جمهور الأصحاب 5، وتصحيح الأول تبعًا فيه الإمام، وهو لم ينقله عن أحد 6.
(فعلى الأول) (والثاني (لو شهدوا بردة، فأنكر) بأن قال: (كذبا)، أو (ما ارتددت) ( .. حكم بالشهادة) ولا يغنيه التكذيب، بل يلزمه أن يأتي بما يصير به الكافر مسلمًا؛ لأن الحجة قامت عليه، والتكذيب والإنكار لا يرفعه؛ كما لو قامت البينة بالزنا فأنكره .. لم يسقط عنه الحد.
(فلو قال: "كنت مكرهًا") فيما وقع مني (واقتضته قرينة؛ كأسر كفار .. صدق بيمينه) للقرينة، وإنما حلف لاحتمال أنه كان مختارًا، (وإلا) أي: وإن لم تكن قرينة ( .. فلا) يقبل قوله، فيحكم ببينونة زوجته قبل الدخول، ويطالب بالنطق بالشهادتين؛ لانتفاء القرينة.
الجزء: 4 - الصفحة: 179
وَلَوْ قَالَا: (لَفَظَ لَفْظَ كُفْرٍ) فَادَّعَى إِكْرَاهًا .. صُدِّقَ مُطْلَقًا. وَلَوْ مَاتَ مَعْرُوفٌ بِالإِسْلَامِ عَنِ ابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: (ارْتَدَّ فَمَاتَ كَافِرًا)؛ فَإِنْ بَيَّنَ سَبَبَ كُفْرِهِ .. لَمْ يَرِثْهُ، وَنَصِيبُهُ فَيْءٌ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَظْهَرِ. وَتَجِبُ استِتَابَةُ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ، وَفِي قَوْلٍ: تُسْتَحَبُّ، وَهِيَ فِي الْحَالِ،
(ولو قالا: "لفظ لفظ كفر"، فادعى إكراهًا .. صدق) بيمينه (مطلقًا) سواء وجدت قرينة أم لا؛ لأنه ليس فيه تكذيب للبينة، بخلاف المسألة قبلها؛ لأن الإكراه ينافي الردة، ولا ينافي التلفظ بكلمة الردة.
(ولو مات معروف بالإسلام عن ابنين مسلمين .. فقال أحدهما: "ارتد فمات كافرًا"، فإن بين سبب كفره) بأن قال: (سجد للصنم)، أو (تكلم بكلام كفر) ( .. لم يرثه ونصيبه فيء) لأن المسلم لا يرث الكافر، (وكذا إن أطلق في الأظهر) تبع في هذا "المحرر"، والأظهر في "أصل الروضة": أنه يستفصل؛ فإن ذكر ما هو كفر .. كان فيئًا، وإن ذكر ما ليس بكفر .. صرف إليه 7، والثاني: يجعل فيئًا؛ لإقراره بكفره، والثالث: يصرف إليه؛ لأنه قد يتوهم ما ليس بكفر كفرًا.
(وتجب استتابة المرتد والمرتدة) لأنهما كانا محترمين بالإسلام، فربما عرضت لهما شبهة، فيسعى في إزالتها، وردهما إلى ما كانا عليه.
وإنما نص على المرتدة لأجل خلاف أبي حنيفة فيها، لكن كان ينبغي أن يعبر - كما في "المحرر" - بقتل المرتد إن لم يتب رجلًا كان أو امرأة 8؛ لأن خلاف أبي حنيفة في قتلها، لا في استتابتها، فإنه قال: لا تقتل المرتدة، بل تحبس وتضرب إلى أن تموت أو تسلم.
(وفي قول: تستحب) كالكافر الأصلي 9، ويستثنى: ما إذا قاتلوا .. فإنا نقتلهم مقبلين ومدبرين، ولا تجب الاستتابة ولا تستحب.
(وهي في الحال) فإن تاب، وإلا .. قتل؛ لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام:
الجزء: 4 - الصفحة: 180
وَفِي قَوْلٍ: ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَصَرَّا .. قُتِلَا، وَإِنْ أَسْلَمَ .. صَحَّ وَتُرِكَ، وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ إِسْلَامُهُ إِنِ ارْتدَّ إِلَى كُفْرٍ خَفِيٍّ كَزَنَادِقَةٍ وَبَاطِنِيَّةٍ. وَوَلَدُ الْمُرْتَدِّ إِنِ انْعَقَدَ قَبْلَهَا، أَوْ بَعْدَهَا وَأَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ .. فَمُسْلِمٌ، أَوْ مُرْتَدَّانِ .. فَمُسْلِمٌ،
"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ .. فَاقْتُلُوهُ" رواه البخاري 10، (وفي قول: ثلاثة أيام) لأثر عمر في ذلك، رواه الشافعي 11.
(فإن أصرا) أي: المرتد والمرتدة ( .. قتلا) للحديث المذكور 12.
(وإن أسلم .. صح وترك) لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وكان الأحسن أن يقول: (أسلما) ليوافق ما قبله، ثم المذهب: قبول توبة كل مرتد، (وقيل: لا يقبل إسلامه إن ارتد إلى كفر خفي؛ كزنادقة وباطنية) لأن التوبة عند الخوف عين الزندقة.
والزنديق: هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر، كما قاله في "أصل الروضة" هنا وفي (الفرائض) و (صفة الأئمة) 13، وقال في (اللعان): إنه الذي لا ينتحل ديناَّ، وذكر في (نكاح المشرك) نحوه 14، قال الأَذْرَعي: وهذا أقرب، فإن الأول هو المنافق، وقد غايروا بينهما، والباطنية: ضرب من الزنادقة 15.
(وولد المرتد إن انعقد قبلها) أي: قبل الردة، (أو بعدها وأحد أبويه مسلم .. فمسلم) قطعًا؛ تغليبًا للإسلام، (أو مرتدان .. فمسلم) لبقاء علقة الإسلام في
الجزء: 4 - الصفحة: 181
وَفِي قَوْلٍ: مُرْتَدٌّ، وَفِي قَوْلٍ: كَافِرٌ أَصْلِيٌّ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: مُرْتَدٌّ، وَنَقَلَ الْعِرَاقِيُّونَ الاتِّفَاقَ عَلَى كُفْرِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَفِي زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ مَالِهِ بِهَا أَقْوَالٌ: أَظْهَرُهَا: إِنْ هَلَكَ مُرْتَدًّا .. بَانَ زَوَالُهُ بِهَا، وَإِنْ أَسْلَمَ .. بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ، وَعَلَى الأَقْوَالِ: يُقْضَى مِنْهُ دَيْنٌ لَزِمَهُ قَبْلَهَا، وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَالأَصَحُّ: يَلْزَمُهُ غُرْمُ إِتْلَافِهِ فِيهَا، وَنَفَقَةُ زَوْجَاتٍ وُقِفَ نِكَاحُهُنَّ وَقَرِيبٍ
الأبوين (وفي قول: مرتد) تبعًا لأبويه (وفي قول: كافر أصلي) لتولده بين كافرين، ولم يباشر الردة حتى يغلظ عليه، (قلت: الأظهر: مرتد، ونقل العراقيون الاتفاق على كفره، والله أعلم) يعني: أنه لا خلاف في كفره، وإنما الخلاف في أنه كافر أصلي أو مرتد، والأظهر: أنه مرتد.
(وفي زوال ملكه عن ماله بها) أي: بالردة (أقوال: أظهرها: إن هلك مرتدًا .. بان زواله بها، وإن أسلم .. بان أنه لم يزل) لأن بطلان أعماله يتوقف على موته مرتدًّا، فكذا ملكه، وكبضع زوجته بعد الدخول، والثاني: يزول ملكه بنفس الردة، وقال الرافعي في (كتاب التدبير): إن بعضهم روى عن الشافعي أنه قال: إنه أشبه الأقوال، وبه أقول 16، قال الأَذْرَعي: فهو المذهب، وبسط ذلك.
(وعلى الأقوال: يقضى منه دين لزمه قبلها) لأنها لا تزيد على الموت (وينفق عليه منه) في مدة الاستتابة، ويجعل حاجته للنفقة؛ كحاجة الميت إلى التجهيز بعد زوال الملك بالموت.
(والأصح: يلزمه غرم إتلافه فيها) أي: في الردة، (ونفقة زوجات وقف نكاحهن وقريب) قياسًا على من حفر بئرًا عدوانًا ومات، ثم حصل بسببها إتلاف يوجب الضمان، فإنه يؤخذ من تركته وإن زال ملكه بالموت، والثاني: المنع؛ لأنه لا مال له.
وظاهر كلامه: أن الخلاف جار على الأقوال، وإنما فرعاه في "الشرح" و"الروضة" على القول بزوال الملك 17، وظاهره: الجزم به على قول البقاء، وهو واضح.
الجزء: 4 - الصفحة: 182
وَإِذَا وَقَفْنَا مِلْكَهُ .. فَتَصَرُّفُهُ إِنِ احْتَمَلَ الْوَقْفَ كَعِتْقٍ وَتَدْبيرٍ وَوَصِيَّةٍ مَوْقُوفٌ؛ إِنْ أَسْلَمَ .. نَفَذَ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَبَيْعُهُ وَرَهْنُهُ وَهِبَتُهُ وَكِتَابتُهُ بَاطِلَةٌ، وَفِي الْقَدِيمِ مَوْقُوفَةٌ، وَعَلَى الأَقْوَالِ: يُجْعَلُ مَالُهُ مَعَ عَدْلٍ، وَأَمَتُهُ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ، وَيُؤَجَّرُ مَالُهُ، ويُؤَدِّي مُكَاتبُهُ النُّجُومَ إِلَى الْقَاضِي.
(وإذا وقفنا ملكه .. فتصرفه إن احتمل الوقف؛ كعتق وتدبير ووصية موقوف؛ إن أسلم .. نفذ، وإلا .. فلا) لأن الوقف لا يضرها.
(وبيعه ورهنه وهبته وكتابته) ونحوها مما لا يقبل الوقف (باطلة) بناءً على بطلان وقف العقود، وهو الجديد، (وفي القديم موقوفة) بناءً على صحة وقف العقود، فإن أسلم .. حكم بصحتها، وإلا .. فلا.
(وعلى الأقوال: يجعل ماله مع عدل، وأمته عند امرأة ثقة، ويؤجر ماله، ويؤدي مكاتبه النجوم إلى القاضي) لأنا وإن قلنا ببقاء ملكه، فقد تعلق به حق المسلمين، فيحتاط فيه.
الجزء: 4 - الصفحة: 183
كتابُ الزِّنا إِيلَاجُ الذَّكَرِ بفَرْجٍ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ خَالٍ عَنِ الشُّبْهَةِ مُشْتَهَىً .. يُوجِبُ الْحَدَّ، وَدُبُرُ ذَكَرٍ وَأُنْثَى كَقُبُلٍ عَلَى الْمَذْهَبِ
﴿كتاب الزنا﴾
هو مقصور، وقد يمد، وهو من أفحش الكبائر، ولم يحل في ملة قط.
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ الآية، ورجمه صلى الله عليه وسلم ماعزًا والغامدية 18، وغير ذلك من الأدلة الشهيرة.
(إيلاج الذكر بفرج محرم لعينه خال عن الشبهة مشتهى .. يوجب الحد) هذا ضابط ما يوجب الحد، وهو الرجم على المحصن، والجلد والتغريب على غيره، وسيذكر المصنف ما احترز عنه قيدًا قيدًا، ولا بد من تقييد الذكر والفرج بالواضح؛ ليخرج الخنثى المشكل، وإطلاقه الذكر لا يقتضي إيلاج جميعه؛ لأن الذكر يطلق على البعض؛ بدليل: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ .. فَلْيَتَوَضَّأْ" 19.
نعم؛ كان ينبغي التقييد بالحشفة، وبقدرها من مقطوعها.
ويشترط: كونه متصلًا؛ ليخرج المبان.
(ودبر ذكر وأنثى كقبل على المذهب) لأنه فرج، وملخص ما يجب على الواطئ بإيلاجه في دبر الذكر طريقان: أحدهما: ثلاثة أقوال، أحدها: أن عقوبته القتل محصنًا كان أو غيره؛ لحديث فيه صحح الحاكم إسناده 20، وعلى هذا: فهل يقتل بالسيف، أو بالرجم، أو بهدم جدارٍ، أو إلقائه من شاهق؟ وجوه صحح في "زوائد الروضة" الأول 21، والقول الثاني: أن الواجب فيه: التعزير؛ كإتيان البهائم،
الجزء: 4 - الصفحة: 185
وَلَا حَدَّ بِمُفَاخَذَةٍ وَوَطْءِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ فِي حَيْضٍ وَصَوْمٍ وَإِحْرَامٍ، وَكَذَا أَمَتُهُ الْمُزَوَّجَةُ وَالْمُعْتَدَّةُ، وَكَذَا مَمْلُوكَتُهُ الْمَحْرَمُ، وَمُكْرَهٌ فِي الأَظْهَرِ، وَكَذَا كُلُّ جهَةٍ أَبَاحَ بِهَا عَالِمٌ كَنِكَاحٍ بِلَا شُهُودٍ عَلَى الصَّحِيحِ،
والثالث -وهو الأظهر-: أنه كالزاني يرجم المحصن، ويجلد غيره ويغرب، والطريق الثاني: إثبات القول الأول والثاني فقط.
وفي الإيلاج في دبر أنثى أجنبية طريقان، أصحهما: أنه كاللواط فتجيء الأقوال.
وفي دبر زوجته وأمته طريقان، أصحهما: القطع بالتعزير فقط، وقيل: في الحد قولان؛ وأما المفعول به؛ فإن كان صغيرًا، أو مجنونًا، أو مكرهًا .. فلا حد عليه ولا مهر له؛ لأن منفعة بضع الرجل غير متقومة، وإن كان مكلفًا طائعًا؛ فإن قلنا: يقتل الفاعل .. قتل المفعول به، وإن قلنا: حده حد الزاني .. جلد المفعول به وغرب، محصنًا كان أو غيره، سواء كان رجلًا أم امرأة؛ لأن المحل لا يتصور فيه إحصان.
(ولا حد بمفاخذة) ومقدمات وطء، لعدم الإيلاج، (ووطء زوجته وأمته في حيض وصوم وإحرام) لأن التحريم ليس لعينه، بل لأمور عارضة بالحيض؛ لملامسة الأذى، ومخامرة النجاسة، والصوم والإحرام؛ لإفساد العبادة، (وكذا أمته المزوجة والمعتدة) لشبهة المحل؛ لأن التحريم عارض، (وكذا مملوكته المحرم) بنسب أو رضاع؛ كأخته من الرضاع أو النسب، وموطوءة ابنه؛ لشبهة الملك، (ومكره في الأظهر) لشبهة الإكراه، والثاني: يجب فيهما، أما في الأولى .. فلأنه وطء لا يستباح بحال، فأشبه اللواط، وأما الثانية .. فلأن انتشار الآلة لا يكون إلا عن شهوة واختيار، ومأخذ الخلاف التردد في تصوير الإكراه في الزنا، والصحيح: تصويره؛ لأن الانتشار تقتضيه الطبيعة عند الملامسة.
(وكذا كل جهة أباح بها عالم؛ كنكاح بلا شهود على الصحيح) كمذهب مالك، أو بلا ولي كمذهب أبي حنيفة، ونكاح المتعة للاختلاف في الصحة، فانتفى الحد للشبهة؛ كما لو وطء في عقد وليه فاسق، وقيل: يجب في النكاح بلا ولي على من يعتقد تحريمه دون غيره، وقيل: يجب على من يعتقد الإباحة أيضًا؛ كما يحد الحنفي
الجزء: 4 - الصفحة: 186
وَلَا بِوَطْءِ مَيْتَةٍ فِي الأَصَحِّ، وَلَا بَهِيمَةٍ فِي الأَظْهَرِ. وَيُحَدُّ فِي مُسْتَأْجَرَةٍ وَمُبِيحَةٍ وَمَحْرَمٍ وَإِنْ كَانَ تزَوَّجَهَا
على شرب النبيذ، وفي قول: يجب في نكاح المتعة؛ لأنه ثبت نسخه قطعًا، وابن عباس رجع عنه؛ كما رواه الترمذي 22.
(ولا بوطء ميتة في الأصح) لأنه مما ينفر الطبع عنه، وما ينفر الطبع عنه لا يحتاج إلى الزجر عنه؛ كشرب البول.
نعم؛ يعزر.
والثاني: يحد؛ لأنه إيلاج في فرج لا شبهة فيه؛ كفرج الحية، والثالث: إن كانت ممن لا يحد بوطئها في الجملة؛ كالزوجة .. فلا حد، وإلا .. فيحد، حكاه في (باب الغسل) من "شرح المهذب"، وقال: إنه يحكى عن النص 23، وصححه في "نكت الوسيط".
وهذه الصورة والتي بعدها محترز قوله: (مشتهى).
(ولا بهيمة في الأظهر) بل يعزر؛ لأن الطباع السليمة تأباه، فلم يحتج إلى زاجر، وروى أبو داوود والنسائي عن ابن عباس: (ليس على الذي يأتي البهيمة حد) 24، والثاني: واجبه: القتل محصنًا كان أو غيره؛ لحديث فيه صحح الحاكم إسناده 25، والثالث: واجبه: حد الزنا، فيفرق فيه بين المحصن وغيره.
(ويحد في مستأجرة) للزنا؛ لانتفاء الملك والعقد، ولأنه عقد باطل فلا يؤثر شبهة؛ كما لو اشترى خمرًا فشربها، (ومبيحة) لوطئها؛ لأن الأبضاع لا تباح بالإباحات، (ومحرم) بنسب أو رضاع أو مصاهرة (وإن كان تزوجها) لأنه وطء صادف محلًّا ليس فيه شبهة، وهو مقطوع بتحريمه، فيتعلق به الحد.
الجزء: 4 - الصفحة: 187
وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ - إِلَّا السَّكْرَانَ - وَعِلْمُ تَحْرِيمِهِ. وَحَدُّ الْمُحْصَنِ: الرَّجْمُ، وَهُوَ: مُكَلَّفٌ حُرٌّ وَلَوْ ذِمِّيٌّ غَيَّبَ حَشَفَتَهُ بِقُبُلٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ لَا فَاسِدٍ فِي الأَظْهَرِ،
(وشرطه: التكليف) فلا حد على صبي ومجنون؛ لارتفاع القلم (إلا السكران) فإنه يحد وإن كان غير مكلف، وهذا الاستثناء زاده على "المحرر"؛ بناءً على اعتقاده أنه غير مكلف، والصحيح: أنه مكلف؛ كما تقدم التنبيه عليه في الطلاق، فلا حاجة لاستثنائه.
(وعلم تحريمه) فلا حد على من جهل تحريم الزنا؛ لقرب عهده بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن المسلمين؛ لرفع الإثم عنه، بخلاف من نشأ بين المسلمين، وادعى الجهل بالتحريم .. فلا يقبل منه، ولو علم التحريم وجهل وجوب الحد .. وجب عليه الحد جزمًا؛ كما صححه في "زيادة الروضة" 26.
(وحد المحصن: الرجم) بالإجماع، ولا يجلد معه خلافًا لابن المنذر.
(وهو) أي: المحصن (مكلف) فالصبي والمجنون ليسا بمحصنين، ولا معنى لاشتراط التكليف في الإحصان بعد اشتراطه في مطلق وجوب الحد، (حر) فالرقيق ليس بمحصن ولو مكاتبًا، ومبعضًا، ومستولدة؛ لأنه على النصف من الحر، والرجم لا نصف له، (ولو ذمي) أي: فليس من شرط الإحصان الإسلام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم رجم رجلًا وامرأة من اليهود زنيا، متفق عليه، زاد أبو داوود: (وكانا قد أحصنا) 27.
(غيب حشفته) أو قدرها من مقطوعها (بقبل في نكاح صحيح) فالواطئ في دبر، أو في ملك يمين ليس بمحصن، ويشترط كون الذكر: أصليًّا عاملًا، فالزائد والأشل لا يحصل به إحصان ولا تحليل، قاله البغوي في "فتاويه".
(لا فاسد في الأظهر) لأنه حرام، فلا يحصل به صفة كمال، والثاني: نعم؛ لأن الفاسد كالصحيح في العدة والنسب، فكذا في الإحصان.
الجزء: 4 - الصفحة: 188
وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ التَّغْيِيبِ حَالَ حُرِّيَّتِهِ وَتكْلِيفِهِ، وَأَنَّ الْكَامِلَ الزَّانِيَ بِنَاقِصٍ مُحْصَنٌ. وَالْبِكْرِ الحُرِّ: مِئَةُ جَلْدَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ إِلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ فَمَا فَوْقَهَا، وَإِذَا عَيَّنَ الإِمَامُ جِهَةً .. فَلَيْسَ لَهُ طَلَبُ غَيْرِهَا فِي الأَصَحِّ، وَيُغَرَّبُ غَرِيبٌ مِنْ بَلَدِ الزِّنَا إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ،
(والأصح: اشتراط التغييب حال حريته وتكليفه) فلا رجم على من وطئ في نكاح صحيح وهو صبي، أو مجنون، أو رقيق، لأن شرطه الإصابة بأكمل الجهات، وهو النكاح الصحيح، فيشترط حصولها من كامل أيضًا، والثاني: لا يشترط ذلك؛ فإنه وطء يحصل به التحليل، فكذا الإحصان.
(وأن الكامل الزاني بناقص محصن) أي: إذا كان أحد الزوجين في حال إصابته كاملًا؛ أي: حرًّا مكلفًا، والآخر ناقصًا؛ كرقيق أو صغير .. حصل الإحصان للكامل وإن لم يحصل للناقص على الأظهر؛ لأنه حر مكلف وطئ في نكاح صحيح، فأشبه ما إذا كانا كاملين، والثاني: لا؛ لأنه وطء لا يصير أحد الواطئين محصنًا به، فكذلك الآخر؛ كالوطئ بالشبهة.
(والبكر) وهو غير المحصن (الحر: مئة جلدة وتغريب عام) أما الجلد .. فللآية، وسمي جلدًا؛ لوصوله إلى الجلد، وأما التغريب .. فلرواية مسلم: "وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ" 28، (إلى مسافة قصر) لأن ما دونها في حكم الحضر، وتتواصل إليه الأخبار فيها، والمقصود: إيحاشه بالبعد عن أهله ووطنه (فما فوقها) إذا رأى الإمام التغريب إليه؛ لأن الصديق غرب إلى فدك، وعمر إلى الشام، وعثمان إلى مصر، وعليًّا إلى البصرة.
(وإذا عين الإمام جهة .. فليس له طلب غيرها في الأصح) لأنه أليق بالزجر والتعنيف، والثاني: له ذلك؛ لحصول مُسمَّى التغريب.
(ويغرب غريب من بلد الزنا) تنكيلًا وإبعادًا عن موضع الفاحشة (إلى غير بلده) لأن القصد إيحاشه وعقوبته، وذلك يأباه عوده إلى وطنه، وكما لا يغرب إلى بلده .. لا يغرب إلى بلد بينه وبين بلده دون مسافة القصر.
الجزء: 4 - الصفحة: 189
فَإِنْ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ .. مُنِعَ فِي الأَصَحِّ. وَلَا تُغَرَّبُ المَرْأَةُ وَحْدَهَا فِي الأَصَحِّ، بَلْ مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ، فَإِنِ امْتَنَعَ .. لَمْ يُجْبَرْ فِي الأَصَحِّ. وَالْعَبْدِ: خَمْسُونَ، وَيُغرَّبُ نِصْفَ سَنَةٍ، وَفِي قَوْلٍ: سَنَةً،
(فإن عاد إلى بلده .. منع في الأصح) معارضة له بنقيض قصده، ومقابل الأصحِّ: احتمال للغزالي لا وجه 29، ثم هذا في غريب له وطن، فإن لم يكن بأن هاجر حربي إلى دار الإسلام ولم يتوطن بلدًا .. يتوقف الإمام حتى يتوطن بلدًا ثم يغربه، كذا نقلاه عن المتولي، وأقراه 30.
(ولا تغرب المرأة وحدها في الأصح، بل مع زوج أو محرم) لأنها إذا غربت وحدها .. لم يؤمن عليها من التهتك، والتاني: تغرب وحدها؛ لأنه سفر واجب فأشبه الهجرة؛ فإنها إذا كانت تخاف الفتنة .. كان عليها أن تسافر وحدها.
وقضية كلامه: أنه لا يكتفى بالنسوة الثقات، والأصحُّ في "الشرحين": الاكتفاء بهن عند أمن الطريق، ولم يرجح في "الروضة" شيئًا؛ لإغفال بعض نسخ "الشرح" الترجيح، قالا: وربما اكتفى بعضهم بالواحدة الثقة، وهو الأصحُّ في "الكفاية" 31.
(ولو بأجرة) لأنه مما يتم به الواجب، وهي في مالها لا في بيت المال على الأصحِّ في "أصل الروضة" 32.
(فإن امتنع) من الخروج بأجرة ( .. لم يجبر في الأصح) كما في الحج، ولأن فيه تعذيب من لم يذنب، والثاني: يجبر؛ للحاجة إليه في إقامة الواجب.
(والعبد: خمسون) لما في "الموطأ" عن عمر رضي الله عنه: (أنه عليه السلام أمر بجلد أمة خمسين) 33، ولا فرق بين الذكر والأنثى، ولأنه ناقص بالرق، فليكن على النصف من الحر؛ كالنكاح والعدة، (ويغرب نصف سنة) لأنه حد يتبعض فأشبه الجلد، (وفي قول: سنة) لأن ما يتعلق بالطبع لا يفرق فيه بين الحر والرقيق؛ كمدة
الجزء: 4 - الصفحة: 190
وَفِي قَوْلٍ: لَا يُغَرَّبُ. وَيَثْبُتُ بِبيِّنَةٍ، أَوْ إِقْرَارٍ مَرَّةً، وَلَوْ أَقَرَّ ثُمَّ رَجَعَ .. سَقَطَ، وَلَوْ قَالَ: لَا تَحُدُّونِي أَوْ هَرَبَ .. فَلَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنَاهَا وَأَرْبَعٌ أَنَّهَا عَذْرَاءُ .. لَمْ تُحَدَّ هِيَ
الإيلاء والعنة، (وفي قول: لا يغرب) لأن فيه تفويتًا لحق السيد.
(ويثبت) حد الزنا (ببينة) لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، (أو إقرار مرة) لأنه عليه السلام علق الرجم بمطلق الاعتراف، حيث قال: "اُغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ .. فَارْجُمْهَا" 34، وترديده صلى الله عليه وسلم ماعزًا .. كان لأنه ارتاب في أمره، فاستثبته؛ ليعرف أنه جنون، أو شربُ خمر، أم لا؟
ويشترط في الإقرار بالزنا: التفسير؛ كالشهادة كما صححه في "الروضة" في (كتاب السرقة)، وقال هنا: إنه الأقوى 35.
(ولو أقر ثم رجع .. سقط) لأنه صلى الله عليه وسلم قال في قصة ماعز: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ" 36، فعرض له بالرجوع، فلو لم يسقط به الحد .. لما كان له معنى.
واحترز بالإقرار: عن البينة؛ فإنه لا أثر لرجوعه.
(ولو قال) المقر: (لا تحدوني أو هرب) عند إرادة إقامة الحد عليه ( .. فلا في الأصح) لأنه صرح بالإقرار، ولم يصرح بالرجوع.
نعم؛ يخلى في الحال ولا يتبع؛ فإن رجع .. فذاك، وإلا .. أقيم عليه؛ لقوله عليه السلام في قصة ماعز: "هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ الله عَلَيْهِ" 37، فإن اتبع فرجم .. فلا ضمان؛ لأنه عليه السلام لم يوجب عليهم في قصة ماعز شيئًا.
والثاني: يسقط؛ لإشعاره بالرجوع.
(ولو شهد أربعة بزناها وأربع) نسوة (أنها عذراء) أي: لم تفتض (لم تحد هي)
الجزء: 4 - الصفحة: 191
وَلَا قَاذِفُهَا، وَلَوْ عَيَّنَ شَاهِدٌ زَاوِيَةً لِزِنَاهُ وَالْبَاقُونَ غَيْرَهَا .. لَمْ يَثْبُتْ. وَيَسْتَوْفِيهِ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ مِنْ حُرٍّ وَمُبَعَّضٍ، وَيُسْتَحَبُّ حُضُورُ الإِمَامِ وَشُهُودِهِ. وَيَحُدُّ الرَّقِيقَ سَيِّدُهُ أَوِ الإِمَامُ، فَإِنْ تَنَازَعَا .. فَالأَصَحُّ: الإِمَامُ،
لشبهة بقاء العذرة (ولا قاذفها) لوجود الشهادة على الزنا، واحتمال عود البكارة؛ لترك المبالغة في الافتضاض، (ولو عين شاهد زاوية لزناه، والباقون غيرها .. لم يثبت) لأنهم لم يتفقوا على زنية واحدة فأشبه ما لو قال بعضهم: زنا بالغداة، وبعضهم: زنا بالعشي.
(ويستوفيه) أي: الحد (الإمام أو نائبه من حر) للاتباع (ومبعض) لأنه لا ولاية للسيد على الحر منه، والحد متعلق بجملته، وكذا من العبد الموقوف؛ بناء على أن الملك فيه لله تعالى، ومستولدة الكافر، وعبد بيت المال، ويستوفيه من الإمام من يلي الحكم من تحت يده؛ كما لو توجهت عليه حكومة، كذا قاله القفال في "فتاويه".
(ويستحب حضور الإمام وشهوده) أي: شهود الزنا، وجماعة من المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولا يجب ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم رجم الغامدية وماعزًا ولم يحضرهما.
(ويحد الرقيق سيده) لحديث: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ .. فَلْيَجْلِدْهَا" رواه مسلم 38، وفي "النسائي" مرفوعًا: "أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" 39، (أو الإمام) أيهما فعله وقع الموقع لمحل ولايته، والأولى للسيد إقامته بنفسه، ولا يفوضه للإمام على الأصحِّ في "زيادة الروضة" 40.
(فإن تنازعا) أي: السيد والإمام في إقامته ( .. فالأصح: الإمام) لأجل ولايته العامة، والثاني: السيد، لغرض إصلاح ملكه، وهما احتمالان للإمام، لا وجهان للأصحاب 41.
الجزء: 4 - الصفحة: 192
وَأَنَّ السَّيِّدَ يُغَرَّبُهُ، وَأَنَّ الْمُكَاتَبَ كَحُرٍّ، وَأَنَّ الْفَاسِقَ وَالْكَافِرَ وَالْمُكَاتَبَ يَحُدُّونَ عَبِيدَهُمْ، وَأَنَّ السَّيِّدَ يُعَزِّرُ وَيَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ بِالْعُقُوبَةِ. وَالرَّجْمُ بِمَدَرٍ وَحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، وَلَا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ،
(وأن السيد يغربه) كما يجلده، ولاندراجه في: "أَقِيمُوا الْحُدُود عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"، والثاني: المنع؛ لقوله عليه السلام في الحديث المار: "فَلْيَجْلِدْهَا" 42، ولم يذكر التغريب، وضُعِّف بأن عمر غرب أمته إلى فَدَك.
(وأن المكاتب كحر) فلا يستوفيه غير الإمام؛ لخروجه عن قبضة السيد، والثاني: أنه كالقن؛ لحديث: "الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ" 43.
(وأن الفاسق، والكافر، والمكاتب يحدون عبيدهم) الخلاف مبني على الخلاف في أن السيد يقيم الحد على عبده بطريق الملك، أو الولاية؟ والأصحُّ: أنه بالملك، فلهذا صحح أن للمذكورين الحد؛ كما لهم الاستصلاح بالفصد والحجامة، ولعموم الحديث السالف.
(وأن السيد يعزر) كما يؤدبه لحق نفسه، والثاني: لا؛ لأنه غير مضبوط، ويفتقر إلى اجتهاد فاختص بالأئمة.
(ويسمع البينة بالعقوبة) لأنه يملك إقامة الحد، فملَك سماع البينة؛ كالإمام، والثاني: المنع؛ لأن منصب سماعها مختص بالحكام، فلا يزاحمهم فيه، بخلاف الضرب في الحد فهو تأديب.
(والرجم بمدر وحجارة معتدلة) فلا يجوز بالصخور المذففة، ولا بحصيات خفيفة؛ لئلا يطول تعذيبه، والمدر: الطين اليابس، (ولا يحفر للرجل) عند رجمه سواء ثبت زناه بالبينة أو الإقرار.
وظاهر كلامه: امتناع الحفر، واستشكله الإسنوي في "التنقيح" بما في "صحيح مسلم" من حديث بريدة: أن ماعزًا حفر له مع أن زناه ثبت بالإقرار 44.
الجزء: 4 - الصفحة: 193
وَالأَصَحُّ: اسْتِحْبَابُهُ لِلْمَرْأَةِ إِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، وَلَا يُؤَخَّرُ لِمَرَضٍ وَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُفْرِطَيْنِ، وَقِيلَ: يُؤَخَّرُ إِنْ ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ. وَيُؤَخَّرُ الْجَلْدُ للِمَرَضِ، فَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ .. جُلِدَ لَا بِسَوْطٍ، بَلْ بِعَثْكَالٍ عَلَيْهِ مِئَةُ غُصْنٍ،
وأجيب: بأنه معارض بما في "مسلم" عن أبي سعيد الخدري: أنه لم يحفر له 45، ولهذا مال المصنف في "شرح مسلم" إلى التخيير مطلقًا 46، واختاره البُلْقيني، وجمع بين الروايتين المذكورتين بأنه حُفر لماعز حفيرة صغيرة، فلما رجم .. هرب منها.
(والأصح: استحبابه للمرأة إن ثبت ببينة) لئلا تنكشف، والظاهر من الشهود عدم الرجوع، فيكون الرجم في الحفرة أسهل، وإن ثبت بالإقرار .. فلا؛ لأنه ربما عنّ لها الرجوع والهرب فلا تتمكن منه إذا كانت في حفرة، والثاني: يحفر لها مطلقًا، واختاره جمع، وصححه البُلْقيني؛ لما في "مسلم": أنه عليه السلام حفر للغامدية وكانت مقرة 47، والثالث: الأمر فيه إلى خيرة الإمام، ولا استحباب؛ لأنه عليه السلام حفر للغامدية، ولم يحفر للجهنية 48، وزناهما ثبت بالإقرار.
(ولا يؤخر) الرجم (لمرض وحر وبرد مفرطين) لأن نفسه مستوفاة، (وقيل: يؤخر إن ثبت بإقرار) لأنه ربما رجع في أثناء الرمي فيُعين ذلك على قتله، وهذا قول منصوص عليه في "الأم"، وصححه القاضي الحسين، وصاحب "التنبيه"، وغيرهما 49.
(ويؤخر الجلد للمرض) المرجو برؤه؛ لأن القصد الردع لا القتل، والحد حينئذ معين على القتل، (فإن لم يرج برؤه .. جلد) ولا يؤخر؛ إذ لا غاية تنتظر (لا بسوط) لئلا يهلك (بل بعثكال) وهو العرجون (عليه مئة غصن) أي: شِمْراخ، ويضرب به مرة واحدة إذا كان حرًّا؛ للنص فيه في "سنن أبي داوود" 50.
الجزء: 4 - الصفحة: 194
فَإِنْ كَانَ خَمْسُونَ ضُرِبَ بِهِ مَرَّتينِ، وَتَمَسُّهُ الأَغْصَانُ أَوْ يَنْكَبِسُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ لِيَنَالَهُ بَعْضُ الأَلَمِ، فَإِنْ بَرِئَ .. أَجْزَأَهُ. وَلَا جَلْدَ فِي حَرٍّ وَبَرْدٍ مُفْرِطَيْنِ، وَإِذَا جَلَدَ الإِمَامُ فِي مَرَضٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ .. فَلَا ضَمَانَ عَلَى النَّصِّ فَيَقْتَضِي أَنَّ التّأْخِيرَ مُسْتَحَبٌّ.
(فإن كان خمسون .. ضرب به مرتين) إن كان حرًّا، ليكون المجموع مئة، فإن كان عبدًا .. ضرب به مرة، ولا يتعين العثكال، بل يضرب به، أو بالنعال، أو بأطراف الثياب؛ كما قاله في "أصل الروضة" 51.
(وتمسه الأغصان) جميعها (أو ينكبس بعضها على بعض ليناله بعض الألم) لئلا تبطل حكمة الحد؛ فإن لم تمسه، ولم ينكبس بعضها على بعض، أو شك فيه .. لم يسقط الحد.
(فإن برئ) بعد أن ضُرب بما ذكرنا ( .. أجزأه) ولا يعاد بخلاف المغصوب إذا حج عنه، ثم اتفق برؤه؛ لأن الحدود مبنية على الدرء، أما إذا برئ قبل ذلك .. حد حد الأصحاء قطعًا.
(ولا جلد في حر وبرد مفرطين) خشية الهلاك، بل يؤخر إلى اعتدال الوقت، وكذا القطع في السرقة، بخلاف القصاص وحد القذف.
(وإذا جلد الإمام في مرض أو حر أو برد .. فلا ضمان على النص) في "الأم" 52؛ لأن التلف حصل من واجب أقيم عليه، لكن نص في "المختصر": على أن ختنه في حر أو برد يضمن بالدية 53، فقيل: قولان فيهما، والمذهب: تقرير النصين، والفرق: أن الجلد ثبت بالنص، والختان بالاجتهاد، فأشبه التعزير، (فيمتضي) هذا النص (أن التأخير مستحب) وهو ما قاله الإمام، لكن صحح في "زيادة الروضة" وجوب التأخير سواء قلنا بالضمان، أم لا 54.
الجزء: 4 - الصفحة: 195
كتابُ حد القذف شَرْطُ حَدِّ الْقَاذِفِ: التَّكْلِيفُ إِلَّا السَّكْرَانَ، وَالاخْتِيَارُ، وَيُعَزَّرُ الْمُمَيزُ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِ وَلَدِه وَإِنْ سَفَلَ؛ فَالْحُرُّ ثَمَانُونَ، وَالرَّقِيقُ أَرْبَعُونَ
﴿كتاب حد القذف﴾
الحد لغة: المنع، وسمي حد القذف وغيره بذلك؛ لأنه يمنع من معاودته، والقذف لغة: الرمي، والمراد به هنا: الرمي بالزنا في معرض التعبير، وهو من الكبائر، وفي الحديث: من السبع الموبقات: قذف المحصنات 55، وقد ذكر المصنف القذف في (باب اللعان).
(شرط حد القاذف: التكليف) فلا يحد الصبي والمجنون؛ لارتفاع القلم عنهما (إلا السكران) فإنه يحد وإن لم يكن مكلفًا، وهذا من زياداته على "المحرر" ولا يحتاج إليه؛ كما ذكرنا في الباب قبله، ولم يذكره في "الروضة" هنا 56.
(والاختيار) فلا يحد المكره على القذف، ولا يعزر؛ لرفع القلم عنه، ولا يحد المكره بكسر الراء أيضًا، والفرق بينه وبين القتل: أنه يمكن جعل يد المكرَه كالآلة له؛ بأن يأخذ يده فيقتل بها، ولا يمكن أن يأخذ لسان غيره فيقذف به.
وكان ينبغي زيادة: الالتزام؛ ليشمل الذمي والمرتد، ويخرج الحربي.
(ويعزر المميز) صبيًّا كان أو مجنونًا؛ للزجر والتأديب، (ولا يحد بقذف ولده وإن سفل) كما لا يجب بقتله القصاص.
نعم؛ يعزر على النص.
(فالحر ثمانون) لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، والدليل على أنه في الحر: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ والعبد لا تقبل شهادته وإن لم يقذف.
(والرقيق أربعون) بالإجماع؛ لأنه يتبعض، فكان الرقيق فيه على النصف؛ كحد الزنا، والمدبر والمكاتب وأم الولد والمبعض .. كالقن.
الجزء: 4 - الصفحة: 197
وَالْمَقْذُوفِ: الإِحْصَانُ، وَسَبَقَ فِي اللِّعَانِ. وَلَوْ شَهِدَ دُونَ أَرْبَعَةٍ بِزِنًا .. حُدُّوا فِي الأَظْهَرِ، وَكَذَا أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَعَبيدٍ وَكَفَرَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى إِقْرَارِهِ .. فَلَا، وَلَوْ تَقَاذَفَا .. فَلَيْسَ تَقَاصًّا، وَلَوِ اسْتَقَلَّ الْمَقْذُوفُ بِالاسْتِيفَاءِ .. لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعَ.
(والمقذوف: الإحصان) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ فقيد إيجاب الثمانين بذلك، (وسبق في اللعان) بيان ما يحصل به الإحصان.
(ولو شهد دون أربعة بزنًا .. حدوا في الأظهر) لأن عمر رضي الله عنه جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا؛ كما ذكره البخاري في "صحيحه"، ولم يخالفه أحد 57، ولئلا تتخذ صورة الشهادة ذريعة إلى الوقيعة في أعراض الناس، والثاني: المنع؛ لأنهم جاؤوا شاهدين لا هاتكين.
(وكذا أربع نسوة، وعبيد، وكفرة) أهل ذمة (على المذهب) لأنهم ليسوا من أهل الشهادة، فلم يقصدوا إلا القذف، والطريق الثاني: طرد القولين، وينزل نقصان الصفة منزلة نقصان العدد، وجعل الإمام موضع الخلاف إذا كانوا في ظاهر الحال بصفة الشهود، ثم بانوا عبيدًا، أو كفارًا 58، ومراده: أن القاضي إذا علم حالهم .. لا يصغي إليهم، فيكون قولهم قذفًا محضًا بلا خلاف، وهو ظاهر؛ لأنه ليس في معرض شهادة.
(ولو شهد واحد على إقراره) بالزنا ( .. فلا) حد قطعًا؛ لأن من قال لغيره: (قد أقررتَ بأنك زنيت)، وهو في معرض القذف والتعيير .. لا حد عليه، فكذا هنا.
(ولو تقاذفا .. فليس تقاصًّا) لأن التقاص إنما يكون عند اتفاق الجنس والصفة، والحدان لا يتفقان في الصفة؛ إذ لا يعلم التساوي؛ لاختلاف القاذف والمقذوف في الخِلقة، وفي القوة والضعف غالبًا.
(ولو استقلَّ المقذوف بالاستيفاء .. لم يقع الموقع) كحدِّ الزنا لو استوفاه أحد
الجزء: 4 - الصفحة: 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الرعية، ويستثنى: ما لو قذف العبد سيده .. فإن له أن يحده؛ كما صرحا به في آخر الباب قبله 59، وما لو كان بعيدًا عن السلطان وقدر على الاستيفاء بنفسه من غير مجاوزة فيه فإنه يجوز، ذكره الماوردي في (باب صول الفحل) 60.
الجزء: 4 - الصفحة: 199
كتابُ قطع السرقة يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهِ فِي الْمَسْرُوقِ أُمُورٌ: كَوْنُهُ رُبُعَ دِينَارٍ
﴿كتاب قطع السرقة﴾
لو قال: (كتاب السرقة) كما فعل في (الزنا) .. لكان أخصر وأعم؛ لتناوله أحكام نفس السرقة.
والسرقة: بفتح السين وكسر الراء، ويجوز إسكان الراء مع فتح السين وكسرها، وهي لغة: أخذ الشيء خفية، ومنه استرق السمع؛ أي: استمع مستخفيًا، وشرعًا: أخذ مال الغير خفية، وإخراجه من حرز.
وأصل ال
باب:
الإجماع، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية، والأخبار الشهيرة فيه.
ولمَّا نظم أبو العلاء المعري البيت الذي شكك به على الشريعة في الفرق بين الدية، والقطع في السرقة، وهو: [من البيسط]
يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ... مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ
أجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله: [من البيسط]
وِقَايَةُ النَّفْسِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصهَا ... وِقَايَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي
وهو جواب بديع مع اختصار، ومعناه: أن اليد لو كانت تودى بما تقطع فيه أو بما يقاربه .. لكثرت الجنايات على الأطراف؛ لسهولة الغرم في مقابلها، فغلظ الغرم؛ حفظًا لها، ولو كانت لا تقطع إلا في سرقة ما تودى به .. لكثرت الجنايات على الأموال، فحفظ ذلك بالتقليل؛ حفظًا لها.
وقال ابن الجوزي لما سئل هذا السؤال: لمَّا كانت أمينة .. كانت ثمينة، فلما خانت .. هانت.
(يشترط لوجوبه في المسروق أمور: كونه ربع دينار) لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" متفق عليه، واللفظ لمسلم 61،
الجزء: 4 - الصفحة: 201
خَالِصًا أَوْ قِيمَتَهُ، وَلَوْ سَرَقَ رُبُعًا سَبيكَةً لَا يُسَاوِي رُبُعًا مَضْرُوبًا .. فَلَا قَطْعَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ سَرَقَ دَنَانِيرَ ظَنَّهَا فُلُوسًا لَا تُسَاوِي رُبُعًا .. قُطِعَ، وَكَذَا ثَوْبٌ رَبٌّ فِي جَيْبِهِ تَمَامُ رُبُعٍ جَهِلَهُ فِي الأَصَحِّ
(خالصًا) لأن الربع المغشوش ليس بربع دينار حقيقة، فلو كان في المغشوش ربع خالصًا .. وجب القطع، (أو قيمته) لأنه صلى الله عليه وسلم قطع في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم 62.
وكانت قيمة الدينار ذلك الوقت اثني عشر درهمًا، والتقويم يكون بالذهب المضروب الخالص، فلو سرق دراهم أو غيرها .. قومت به، وتعتبر في كل زمان ومكان قيمته بالغة ما بلغت، ويعتبر النصاب وقت إخراجه من الحرز.
(ولو سرق ربعًا سبيكة لا يساوي ربعًا مضروبًا .. فلا قطع في الأصح) لأن المذكور في الخبر لفظ الدينار، وهو اسم للمضروب، والثاني: يقطع، ولا حاجة لتقويمه؛ لبلوغ عين الذهب قدر النصاب؛ كما في الزكاة.
وما رجحه تبع فيه "المحرر"، وجرى عليه في "الروضة"، ولم يصرح في "الشرحين" بترجيح 63، قال الأَذْرَعي: والثاني هو قول الجمهور، والخلاف راجع إلى أن الاعتبار بالوزن أو القيمة، ويتفرع عليه ما لو سرق خاتمًا وزنه دون ربع، وقيمته بالصنعة تبلغ ربعًا، وقضية ترجيح ما في "الكتاب": وجوب القطع هنا.
وقد وقع في "الروضة" خلل؛ فإنه رجح عدم وجوب القطع في الصورتين، ثم عقبه بقوله: والخلاف في المسألتين راجع إلى الاعتبار بالوزن أو القيمة 64، وهو لا يستقيم.
(ولو سرق دنانير ظنها فلوسًا لا تساوي ربعًا .. قطع) لأنه قصد سرقة عينها، وهي تساوي ربعًا، (وكذا ثوب رث في جيبه تمام ربع جهله في الأصح) لأنه أخرج نصابًا من حرزه على قصد السرقة، والجهل بجنس المسروق لا يؤثر كالجهل بصفته،
الجزء: 4 - الصفحة: 202
وَلَوْ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ مَرَّتَيْنِ؛ فَإِنْ تَخَلَّلَ عِلْمُ الْمَالِكِ وَإِعَادَةُ الْحِرْزِ .. فَالإِخْرَاجُ الثَّانِي سَرِقَةٌ أُخْرَى، وَإِلَّا .. قُطِعَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ نَقَبَ وِعَاءَ حِنْطَةٍ وَنَحْوِهَا فَانْصَبَّ نِصَابٌ .. قُطِعَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ اشْتَرَكَا فِي إِخْرَاجِ نِصَابَيْنِ .. قُطِعَا، وَإِلَّا .. فَلَا
والثاني: لا يقطع؟ لأنه لم يقصد سرقة نصاب، ويخالف ما لو سرق دنانير ظنها فلوسًا .. فإنه قصد سرقة عينها.
(ولو أخرج نصابًا من حرز مرتين) فصاعدًا؛ بأن أخرج مرةً بعضه ومرةً باقيه لا غير، (فإن تخلل علم المالك وإعادة الحرز .. فالإخراج الثاني سرقة أخرى) فلا قطع؛ لأن كلَّ واحدة منفصلة عن الأخرى ولم تبلغ نصابًا، وكذا لو علم المالك وأهمله .. لا قطع أيضًا؛ لأنه مضيع.
ولو حذف قوله: (علم المالك) .. لم يحتج إليه؛ لأن العبرة بالإعادة، والعلم يلازمها.
(وإلا) أي: وإن لم يتخلل علم المالك وإعادة الحرز ( .. قطع في الأصح) لأنه أخرج نصابًا كاملًا من حرز مثله؛ فأشبه ما إذا أخرجه دفعة واحدة؛ لأن فعل الشخص ينبني على فعله، والثاني: لا قطع؛ لأنه أخذ النصاب من حرز مهتوك.
(ولو نقب وعاء حنطة ونحوها فانصب نصاب .. قطع في الأصح) ولا يشترط في السرقة الأخذ باليد؛ لأنه يعد سارقًا، والثاني: لا يقطع؛ لأنه خرج بسببه لا بمباشرته، والسبب ضعيف فلا يقطع به.
وظاهر إطلاقه: أنه لا فرق بين الانصباب دفعةً واحدة أو تدريجًا، وقال في "الروضة": إن انصب دفعةً .. قطع، أو شيئًا فشيئًا .. فكذلك على المذهب، وقيل: وجهان، ومن صور المسألة: طرّ الجيب والكم 65.
(ولو اشتركا في إخراج نصابين .. قطعا) لأن كل واحدٍ منهما سرق نصابًا، (وإلا) أي: وإن كان ما أخرجاه دون نصابين ( .. فلا) قطع على واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما لم يسرق نصابًا، وليس هذا كالشركة في القتل حيث يجب القصاص عليهما؛ لأن مقصود القصاص وقاية الروح والعضو، فلو سقط .. لأدى إلى
الجزء: 4 - الصفحة: 203
وَلَوْ سَرَقَ خَمْرًا وَخِنْزِيرًا أَوْ كَلْبًا وَجِلْدَ مَيْتَةٍ بِلَا دَبْغٍ .. فَلَا قَطْعَ، فَإِنْ بَلَغَ إِنَاءُ الْخَمْرِ نِصَابًا .. قُطِعَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا قَطْعَ فِي طُنْبُورٍ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: إِنْ بَلَغَ مُكَسَّرُهُ نِصَابًا .. قُطِعَ. قُلْتُ: الثَّانِي أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. الثَّانِي: كَوْنُهُ مِلْكًا لِغَيْرِهِ؛
التواطئ؛ فيفوت مقصوده، ومقصود السرقة: الاستكثار من المال، والتواطؤ لذلك لا يحصله.
(ولو سرق خمرًا وخنزيرًا، أو كلبًا وجلد ميتة، بلا دبغ .. فلا قطع) سواء سرقه مسلم أو ذمي؛ لأنه ليس بمال، وأفهم كلامه: أنه لو دبغ السارق الجلد في الحرز، وصار يساوي نصاب سرقة، ثم أخرجه .. أنه يقطع؛ لأنه سرقه مدبوغًا؛ إذ السرقة شرعا أخذ مال الغير خفية وإخراجه من الحرز، وهو الأصحُّ.
وكان ينبغي أن يقول: (ولو أخرج) بدل (سرق) إذ لو كان سارقًا .. لقطع، وقد نازع الرافعي "الوجيز" في تعبيره بذلك في غير هذه المسألة، ووقع فيه هنا 66.
(فإن بلغ إناء الخمر نصابًا .. قطع على الصحيح) لأنه سرق نصابًا لا شبهة له فيه من حرزه، والثاني: المنع؛ لأن ما فيه مستحق الإزالة؛ فيصير شبهة في دفعه.
(ولا قطع في طنبور ونحوه) لأنه من آلات الملاهي فأشبه الخمر، وكذا كل آلة معصية؛ كصليب وصنم، (وقيل: إن بلغ مكسره نصابًا .. قطع) لأنه سرق نصابًا من حرزه، (قلت: الثاني أصح، والله أعلم) ونقل تصحيحه في "الروضة" عن الأكثرين 67.
ومحل الخلاف: ما إذا قصد السرقة، فأما إذا قصد بإخراجها تيسر إفسادها .. فلا قطع قطعًا؛ كما جزم به في "أصل الروضة" 68، وفي "الشرح الصغير" وجعل ابن داوود محل الخلاف أيضًا: إذا كان لمسلم؛ فإن كان لذمي .. قطع قطعًا.
الشرط (الثاني: كونه ملكا لغيره) فلا قطع على من سرق ملك نفسه من يد غيره؛ كيد المرتهن والمستأجر ونحوهما، وكذا المبيع من يد بائعه في زمن الخيار، ولو
الجزء: 4 - الصفحة: 204
فَلَوْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ، أَوْ نَقَصَ فِيهِ عَنْ نِصَابٍ بِأَكْلٍ وَغَيْرِهِ .. لَمْ يُقْطَعْ، وَكَذَا لَوِ ادَّعَى مِلْكَهُ عَلَى النَّصِّ
سرق ما وهب له بعد القبول وقبل القبض .. لم يقطع على الأصحِّ وإن قلنا: إن الملك موقوف على القبض.
(فلو ملكه بإرث أو غيره) كشراء أو هبة (قبل إخراجه من الحرز، أو نقص فيه عن نصاب بأكل وغيره) كإحراق ( .. لم يقطع) أما في الأولى .. فلأنه ما أخرج إلا ملكه، وأما في الثانية .. فلأنه لم يخرج من الحرز نصابًا.
واحترز بقوله: (قبل إخراجه) عمَّا لو طرأ ذلك بعد إخراجه؛ فإنه لا يسقط القطع.
نعم؛ يستثنى: ما لو طرأ الملك بعد الإخراج وقبل الرفع إلى الحاكم .. فإنه لا يمكن استيفاء القطع؛ بناءً على أن استيفاءه يتوقف على الدعوى بالمسروق والمطالبة به، وهو الصحيح كما سيأتي.
(وكذا لو ادعى) السارق (ملكه على النص) بأن قال: (كان غصبه مني) أو (من مورثي)، أو (كان وديعة عنده) أو (عارية) لأن ما يدعيه محتمل فصار شبهة في القطع، ويروى عن الشافعي أنه سمَّاه: السارق الظريف.
قال القفال في "فتاويه": والفرق بين هذا وبين ما إذا قامت بينة على زناه بامرأة معيَّنة، فقال: (كنت نكحتها حين وطئتها) .. فلا يسقط عنه الحد بهذه الدعوى، سواء كانت حرة أو أمة، وفي الأمة وجه إذا ادَّعى أن مولاها وهبها منه وأقبضها: أن المال يجري فيه التخفيف، كذا نقله ابن الملقن وأقره 69، ونقله الإمام عن النص، وقال: إنه ظاهر المذهب، وأقره الشيخان، لكن نقل الماوردي في دعوى الزوجية اتفاق الأصحاب على أنه لا يحد، وجعله حجة على أبي إسحاق في قوله: في مسألة "الكتاب"، وفي وجه أو قول مخرج أنه لا يسقط القطع بذلك؛ لئلا يتخذ الناس ذلك ذريعة لدفع الحد، وحمل النص على ما إذا أقام بينة بما ادعاه، قال الروياني في
الجزء: 4 - الصفحة: 205
وَلَوْ سَرَقَاه وَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا لَهُ أَوْ لَهُمَا وَكَذَّبَهُ الآخَرُ .. لَمْ يُقْطَعِ الْمُدَّعِي وَقُطِعَ الآخَرُ فِي الأَصحِّ. وَإِنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزِ شَرِيكِهِ مُشْتَرَكًا .. فَلَا قَطْعَ فِي الأَظْهَرِ وَاِنْ قَلَّ نَصِيبُهُ. الثَّالِثُ: عَدَمُ شُبْهَةٍ فِيهِ؛ فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مَالِ أَصْلٍ وَفَرْعٍ
"الحلية": وله وجه عند فساد الزمان، ومحل هذا الوجه أو القول: ما إذا حلف مدعي السرقة على نفي ما ادعاه، فلو لم يحلف وحلف السارق .. فلا قطع قطعًا، ولو أقر المسروق منه: أن المال كان ملك السارق .. فلا قطع قطعًا، ومحله أيضًا في سقوط القطع؛ كما فرضه المصنف، أما المال .. فلا يقبل قوله فيه، بل القول قول المأخوذ منه بيمينه.
ويجري الخلاف فيما لو ادعى أن المسروق ملك ابنه أو ملك سيده، أو أن المسروق منه عبده وهو مجهول النسب، أو أن الحرز ملكه غصبه المسروق منه.
(لو سرقاه وادعاه أحدهما له أو لهما وكذبه الآخر .. لم يقطع المدعي) لاحتمال صدقه (وقطع الآخر في الأصح) لأنه مقرٌّ بسرقة نصاب بلا شبهة، والثاني: لا يقطع؛ لأنه ادعى ما لو صدق فيه .. لسقط القطع؛ فصار كما لو قال المسروق منه: إنه ملكه؛ فيسقط القطع.
(وإن سرق من حرز شريكه مشتركًا .. فلا قطع في الأظهر وإن قلَّ نصيبه) لأن له في كل جزء حقًّا شائعًا؛ فأشبه وطء الجارية المشتركة، والثاني: يقطع إن خلص له من نصيب شريكه نصاب سرقة؛ إذ لا حقَّ له في نصيب الشريك.
(الثالث: عدم شبهة فيه) لحديث: "ادْرَؤُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" صحح الحاكم إسناده 70، (فلا قطع بسرقة مال أصل) وإن علا (وفرع) وإن سفل؛ لما بينهما من البعضية، وفي الحديث: "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ" 71.
وخرج بالأصل والفرع: ما عداهما؛ كالإخوة، وغيرهم فإنه يقطع؛ لانتفاء ما ذكرناه.
الجزء: 4 - الصفحة: 206
وَسَيِّدٍ، وَالأَظْهَرُ: قَطْعُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بالآخَرِ. وَمَنْ سَرَقَ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ؛ إِنْ فُرِزَ لِطَائِفَةٍ لَيْسَ هُوَ مِنْهُمْ .. قُطِعَ، وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فِي الْمَسْرُوقِ كَمَالِ مَصَالِحَ وَكَصَدَقَةٍ وَهُوَ فَقِيرٌ .. فَلَا، وَإِلَّا .. قُطِعَ،
(وسيد) بالإجماع؛ لشبهة استحقاق النفقة، ويده كيد سيده، والمبعض كالقن، وكذا المكاتب على الأصحِّ.
(والأظهر: قطع أحد الزوجين بالآخر) أي: سرقة مال الآخر من حرز؛ لعموم الأدلة، والثاني: لا قطع؛ للشبهة، فإنها تستحق النفقة في ماله، وهو يملك الحجر عليها، ومنعها من التصرف فيه عند مالك، والثالث: وصححه ابن أبي عصرون تبعًا للفارقي: يقطع الزوج دونها؛ لأن لها حقوقًا في ماله بخلافه، قال الأَذْرَعي: وهو أعدلها، والخلاف في الزوجة إذا لم تستحق شيئًا حين السرقة، أما إذا كانت تستحق النفقة والكسوة في تلك الحالة .. فالمتجه كما قاله في "المطلب": أن لا قطع إذا أخذت بقصد الاستيفاء؛ كما في حق رب الدين إذا سرق نصابًا من مال المديون.
(ومن سرق مال بيت المال؛ إن فرز لطائفة ليس هو منهم .. قطع) إذ لا شبهة له فيه قال الإمام: وكذا الفيء المعدُّ للمرتزقة؛ تفريعًا على أنه ملكهم، (وإلا) أي: وإن لم يفرز ( .. فالأصح: أنه إن كان له حق في المسروق، كمال مصالح، وكصدقة وهو فقير .. فلا) للشبهة المذكورة، (وإلا) أي: وإن لم يكن له فيه حق؛ كالغني من الصدقات ( .. قطع) لانتفاء الشبهة، والثاني: يقطع مطلقًا كما في سائر الأموال، والثالث: لا قطع مطلقًا؛ سواء كان غنيًّا أو فقيرًا، سواء سرف من مال الصدقات أو من مال المصالح؛ لأنه مرصد للحاجة.
ومحل منع القطع في مال المصالح: إذا كان مسلمًا، أما الذمي إذا سرق منها نصابًا .. فالصحيح .. قطعه، وقيل: لا يقطع، واختاره البغوي ثم قال: هذا في مال المصالح، أما لو سرق من مال من مات ولم يخلف وارثًا .. فعليه القطع؛ لأن إرثه للمسلمين خاصة وأقراه 72.
الجزء: 4 - الصفحة: 207
وَالْمَذْهَبُ: قَطْعُهُ بِبَابِ مَسْجِدٍ وَجِذْعِهِ لَا حُصُرِهِ وَقَنَادِيلَ تُسْرَجُ. وَالأَصَحُّ: قَطْعُهُ بِمَوْقُوفٍ،
ويستثنى من قطع الغني بالصدقة: ما لو كان غارمًا وأخذه لإصلاح ذات البين أو كان غازيًا.
(والمذهب: قطعه بباب مسجد، وجذعه) ونحوهما من متصلاته؛ كسواريه وسقفه ومنبره؛ لأنه مال يضمن باليد والإتلاف كسائر الأموال، وخرج الإمام وجهًا في الأبواب والسقوف؛ لأنها أجزاء المسجد، والمساجد يشترك فيها المسلمون، ويتعلق بها حقوقهم؛ كمال بيت المال، كذا نقلاه عنه 73، وقد حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة 74.
(لا حصره) المعدة للاستعمال، (وقناديل تسرج) لأن ذلك لمصلحة المسلمين، فله فيه حق؛ كمال بيت المال، وهذا ما قطع به جماعة، بل ادعى القاضي الحسين الإجماع فيه ثم نقل فيما يعد للزينة وجهين، قال ابن الرفعة: ويخرج منه أوجه: ثالثها: التفصيل بين المعدة للزينة وما ينتفع به.
انتهى 75، وقد صرح الإمام بالأوجه الثلاثة؛ كما نقلاه عنه في "الشرح" و"الروضة" 76.
والفرق بين الباب والجذع وما نحن فيه: أن الحصر أعدت لينتفع بها الناس، والقناديل ليستضيؤوا بها، والأبواب والسقوف والجذوع لتحصين المسجد وعمارته لا الانتفاع، وكل هذا في المسلم، أما الذمي إذا سرق الباب أو الحصير أو غيرهما .. فيقطع قطعًا؛ كما في "الروضة" و"أصلها" 77.
(والأصح قطعه بموقوف) كما في أستار الكعبة؛ لأنه مال محرز، وسواء قلنا الملك لله أو للموقوف عليه، والثاني: المنع؛ أما إذا قلنا: إن الملك فيه لله تعالى .. فلأنه ينفك عن ملك الآدميين؛ كالمباحات، وأما على غير هذا القول .. فلضعف الملك.
الجزء: 4 - الصفحة: 208
وَأُمِّ وَلَدٍ سَرَقَهَا نَائِمَةً أَوْ مَجْنُونَةً. الرَّابِعُ: كَوْنُهُ مُحْرَزًا بِمُلَاحَظَةٍ أَوْ حَصَانَةِ مَوْضِعِهِ
ومحل الخلاف: إذا لم يكن له فيه استحقاق ولا شبهة استحقاق؛ فإن كان كمن سرق من وقف على جماعة هو منهم، أو كان أصلًا أو فرعًا لأحد الموقوف عليهم .. فلا قطع قطعًا، وقد علم هذا من قول المصنف أولًا: (الثالث: عدم شبهة فيه).
وصوَّر الماوردي وغيره المسألة: بما إذا كان الوقف على معين 78، فأما الوقف على الجهات العامة أو على وجوه الخير .. فلا قطع فيه؛ لأنه في حكم بيت المال، قال الروياني: وإن كان ذميًّا؛ لأنه تبع للمسلمين في المصالح 79.
واحترز بالموقوف: عمَّا لو سرق من غلة الموقوف .. فيقطع قطعًا.
(وأم ولد سرقها نائمةً أو مجنونةً) لأنها مملوكة مضمونة بالقيمة؛ كالقن، والثاني: لا؛ لنقصان الملك.
واحترز بهذا القيد: عما لو كانت عاقلة يقظانة .. فلا قطع؛ لقدرتها على الامتناع.
وخرج بأم الولد: المكاتب والمبعض؛ فلا قطع بسرقتهما.
(الرابع: كونه محرزًا) فلا قطع بما ليس بمحرز بالإجماع؛ كما حكاه ابن المنذر 80 (بملاحظة أو حصانة موضعه) هذا تفسير للحرز؛ فإن الشرع أطلقه ولم يبينه، فرجع فيه إلى العرف؛ كما في القبض والتفرق وغيرهما؛ فإن السارق حينئذ يكون على خطر من أن يطلع عليه، وتعظم جرأته عند فقد ذلك؛ فعد المالك مضيعًا، ولا شك أن الأشياء تختلف فيختلف حرزها على ما سيأتي.
وتعبيره بـ (أو) يقتضي: الاكتفاء بالحصانة من غير ملاحظة، وليس كذلك، وسيصرح بخلافه في قوله: (وإن كان بحصن .. كفى لحاظٌ معتادٌ) وقال الرافعي: لا يكفي حصانة الموضع عن أصل الملاحظة حتى إن الدار البعيدة عن البلد لا تكون حرزًا وإن تناهت في الحصانة 81.
الجزء: 4 - الصفحة: 209
فَإِنْ كَانَ بِصَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ .. اشْتُرِطَ دَوَامُ لِحَاظٍ، وَإِنْ كَانَ بِحِصْنٍ .. كَفَى لِحَاظٌ مُعْتَادٌ. وَإِصْطَبْلٌ حِرْزُ دَوَابَّ لَا آنِيَةٍ وَثِيَابٍ، وَعَرْصَةُ دَارٍ وَصُفَّتُهَا حِرْزُ آنِيَةٍ وَثِيَابِ بِذْلَةٍ، لَا حُلِيٍّ وَنَقْدٍ. وَلَوْ نَامَ بِصَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ تَوَسَّدَ مَتَاعًا .. فَمُحْرَزٌ، فَلَوِ انْقَلَبَ فَزَالَ عَنْهُ .. فَلَا، وَثَوْبٌ وَمَتَاعٌ وَضَعَهُ بِقُرْبِهِ بِصَحْرَاءَ إِنْ لَاحَظَهُ .. مُحْرَزٌ، وَإِلَّا .. فَلَا
(فإن كان بصحراء أو مسجد .. اشترط دوام لحاظ) بكسر اللام (وإن كان بحصن .. كفى لحاظ معتاد) ولا يشترط دوامه؛ عملًا بالعرف.
(وإصطبل حرز دواب) وإن كانت نفيسة (لا آنية وثياب) لأن إخراج الدواب مما يظهر ويبعد الاجتراء عليه، بخلاف ما يخف ويسهل حمله وإخراجه، واستثنى البُلْقيني من ذلك: آنية الإصطبل؛ كالسطل وثياب الغلام وآلات الدواب من سروج وبراذع ولجم ورحال جمال وقربة السقاء والراوية؛ للعرف.
(وعرصة دار وصفَّتها حرز آنية، وثياب بذلة) كالبسط والأواني (لا حلي ونقد) لأن العادة فيها الإحراز في البيوت المغلقة في الدور، والثياب النفيسة والآنية النفيسة في معنى الحُلِيِّ.
(ولو نام بصحراء أو مسجد على ثوب أو توسد متاعًا .. فمحرز) لقضاء العرف بذلك، فيقطع من أخذ الثوب من تحته، والمتاع من تحت رأسه، وهكذا إذا أخذ العمامة من على رأسه، والمداس من رجله، والخاتم من إصبعه، (فلو انقلب فزال عنه .. فلا) لأنه لم يبق حرزًا، وكذا لو قلبه السارق ثم أخذه.
(وثوب ومتاع وضعه بقربه بصحراء إن لاحظه .. محرز) لقضاء العرف بذلك، ويشترط مع الملاحظة: ألَّا يكون في الموضع ازدحام للطارقين.
نعم؛ إن كثر الملاحظون .. عادل كثرة الطارقين؛ كما نقلاه عن الإمام، وأقراه 82.
(وإلا) أي: وإن لم يلاحظه؛ بأن نام أو ولَّاه ظهره ( .. فلا) قطع؛ لأنه غير محرز.
الجزء: 4 - الصفحة: 210
وَشَرْطُ الْمُلَاحِظِ: قُدْرَتُهُ عَلَى مَنْعِ سَارِقٍ بِقُوَّةٍ أَوِ اسْتِغَاثَةٍ. وَدَارٌ مُنْفَصلَةٌ عَنِ الْعِمَارَةِ إِنْ كَانَ بِهَا قَوِيٌّ يَقظَانُ .. حِرْزٌ مَعَ فَتْحِ الْبَابِ وَإِغلَاقِهِ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَمُتَّصِلةُ حِرْزٌ مَعَ إِغْلَاقِهِ وَحَافِظٍ وَلَوْ نَائِمٌ، وَمَعَ فَتْحِهِ وَنَوْمِهِ غيْرُ حِرْزٍ لَيْلًا، وَكَذَا نَهَارًا فِي الأَصَحِّ،
(وشرط الملاحظ: قدرته على منع سارق بقوة أو استغاثة) فالضعيف الذي لا يبالي السارق به في الموضع البعيد عن العمران ضائعٌ مع ماله.
(ودار منفصله عن العمارة إن كان بها قويٌّ يقظان .. حرزٌ مع فتح الباب وإغلاقه) لاقتضاء العرف ذلك، (وإلا) أي: وإن لم يكن فيها أحد ( .. فلا) تكون محرزة، سواء كان الباب مفتوحًا أم مغلقًا، وكذا إن كان فيها أحد وهو غير قوي، أو قويًّا لكنه نائم والباب مفتوح؛ فإن كان مغلقًا .. فوجهان: أحدهما: إنها ليست محرزة، وهو ظاهر كلام "الكتاب"، و"أصله" 83، والثاني: إنها محرزة، وهو الأدرب في "الشرح الصغير"، والأقوى في "زيادة الروضة" 84.
(ومتصلة) بدور آهلة (حرز مع إغلاقه، وحافظ ولو نائم) سواء الليل والنهار؛ لأن السارق على خطر من اطلاعه، وتنبهه بحركاته، واستغاثته بالجيران، (ومع فتحه) أي: الباب (ونومه) أي: الحافظ (غير حرز ليلًا) لأنه المضيع بالفتح مع النوم.
(وكذا نهارًا في الأصح) كما لو لم يكن فيها أحد والباب مفتوح، والثاني: يكون حرزًا؛ اعتمادًا على نظر الجيران ومراقبتهم.
ومحل الخلاف: في زمن الأمن من النهب وغيره، وإلا .. فالأيام كالليالي؛ كما ذكره في "أصل الروضة" 85، ومحله أيضًا: إذا كان الباب مطروقًا تمر به الجيران؛ قاله الرافعي وأغفلته "الروضة" 86.
الجزء: 4 - الصفحة: 211
وَكَذَا يَقْظَانُ تغفَّلَهُ سَارِقٌ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ خَلَتْ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهَا حِرْزٌ نَهَارًا زَمَنَ أَمْنٍ وَإِغْلَاقِهِ، فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ .. فَلَا. وَخَيْمَةٌ بِصَحْرَاءَ إِنْ لَمْ تُشَدَّ أَطْنَابُهَا وَتُرْخَى أَذْيَالُهَا .. فَهِيَ وَمَا فِيهَا كَمَتَاعٍ بِصَحْرَاءَ، وَإِلَّا .. فَحِرْزٌ بِشَرْطِ حَافِظٍ قَوِيٍّ فِيهَا وَلَوْ نَائِمٌ
(وكذا) إذا كان بها (يقظان تغفله سارق) فليست محرزة (في الأصح) فلا يجب القطع؛ لتقصيره بإهمال المراقبة مع فتح الباب، والثاني: إنها حرز؛ لعسر المراقبة دائمًا.
ومحل الخلاف: ما إذا لم يبالغ في الملاحظة، فإن بالغ فيها بحيث يحصل الإحراز بمثلها في الصحراء، وانتهز السارق الفرصة .. فيقطع قطعًا؛ كما في "أصل الروضة" 87.
(فإن خلت) أي: الدار فلم يكن فيها أحد ( .. فالمذهب: أنها حرز نهارًا زمن أمن وإغلاقه، فإن فقد شرط) من هذه الثلاثة ( .. فلا) يكون حرزًا في وقت الخوف، ولا في الليالي وإن كان الباب مغلقًا، وإن كان مفتوحًا .. لم يكن حرزًا أصلًا، قال الرافعي: هذا هو الظاهر، وهو الجواب في "التهذيب"، ومن جعل الدار المنفصلة عن العمارة حرزًا عند إغلاق الباب .. فأولى أن يجعل المتصلة بها عند الإغلاق حرزًا.
انتهى 88، فعبر المصنف هنا وفي "الروضة" بالمذهب 89؛ لأجل هذا البحث، وهو بحث عجيب من الرافعي؛ فإن الكلام هنا في المغلقة الخالية، والخلاف السابق في المنفصلة محله: إذا كان فيها نائم قوي، ولم يقل أحد إن المنفصلة إذا كانت مغلقة خالية تكون حرزًا، ذكره الأَذْرَعي.
(وخيمة بصحراء إن لم تشد أطنابها وترخى أذيالها .. فهي وما فيها كمتاع بصحراء) وقد مرَّ حكمه، (وإلا) أي: وإن شدت أطنابها وأرخي أذيالها ( .. فحرز بشرط حافظ قوي فيها ولو نائم) لحصول الإحراز عادة.
الجزء: 4 - الصفحة: 212
وَمَاشِيَةٌ بِأَبْنِيَةٍ مُغْلَقَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِالْعِمَارَةِ مُحْرَزَةٌ بِلَا حَافِظٍ، وَبِبَرِّيَّةٍ يُشْتَرَطُ حَافِظ وَلَوْ نَائِمٌ، وَإبِلٌ بِصَحْرَاءَ مُحْرَزَةٌ بِحَافِظٍ يَرَاهَا، وَمَقْطُورَةٌ يُشْتَرَطُ الْتِفَاتُ قَائِدِهَا إِلَيْهَا كُلَّ سَاعَةٍ بِحَيْثُ يَرَاهَا،
وقوله: (فيها) ليس بقيد بل لو كان بقربها .. كان كذلك.
واعتبار شد الأطناب وإرخاء الأذيال إنما هو بالنسبة لما فيها، فأما بالنسبة إليها .. فهي محرزة بدون إرخاء الأذيال؛ كما في "الروضة" و"أصلها" 90، وما اعتبره في كون الحافظ قويًّا عبارة "الروضة" و"أصلها" يقتضي: أنه يشترط: إما القوة وإما إمكان الاستغاثة؛ حيث قالا: قال الأئمة: والشرط: أن يكون هناك من يتقوى به، فأما إذا كان في مفازة بعيدة عن الغوث وهو ممن لا يبالى به .. فلا إحراز 91.
(وماشية بأبنية مغلقة متصلة بالعمارة محرزة بلا حافظ) للعادة.
واحترز بمغلقة: عمَّا لو كان الباب مفتوحًا .. فلا بُدَّ من الحافظ، (وببرية) أي: وإن كانت بأبنية منفردة ببرية، (يشترط حافظ ولو نائم) إذا كان الباب مغلقًا، فإن كان مفتوحًا .. اشترط يقظته، وهذا يفهم من قوله أولًا: (مغلقة).
(وإبل بصحراء) ترعى (محرزة بحافظ يراها) كلها؛ فإن لم ير بعضها؛ لكونه في وهدة أو خلف جبل أو حائط .. فذلك البعض غير محرز.
واقتصاره على الرؤية يقتضي: أنه لا يشترط بلوغها صوته، وهو الأشبه في "الشرح الصغير"، ونسبه في "المطلب" إلى الأكثرين، لكن عبارة "الروضة" و"أصلها" يقتضي: أن المرجح: اشتراط بلوغها صوته.
وحكم الخيل والبغال والحمير وهي ترعى: حكم الإبل، وكذا الغنم إذا كان الراعي على نَشَز من الأرض يراها جميعها .. فهي محرزة إذا بلغها صوته وإن كانت متفرقة 92.
(ومقطورة يشترط التفات قائدها إليها كل ساعة بحيث يراها) جميعها؛ فإن كان
الجزء: 4 - الصفحة: 213
وَأَلَّا يَزِيدَ قِطَارٌ عَلَى تِسْعَةٍ، وَغَيْرُ مَقْطُورَةٍ لَيْسَتْ مُحْرَزَةً فِي الأَصَحِّ،
لا يرى البعض لحائل جبل أو بناء .. فذلك البعض ليس محرزًا، قالا: وقد يستغنى بنظر المارة عن نظره إذا كان يُسيِّرها في السوق مثلًا 93؛ فعلى هذا: تستثنى هذه الصورة من إطلاق "الكتاب".
(وألا يزيد قطار على تسعة) للعادة الغالبة، فإن زاد .. فكغير المقطورة، هذا ما صدَّر به الرافعي كلامه، ثم قال: والأحسن - في "الروضة": والأصح - توسط أورده السَّرَخْسي فقال: في الصحراء لا يتقيد القطار بعدد، وفي العمران يتقيد بالعادة، وهو من سبعة إلى عشرة، فإن زاد .. لم تكن الزيادة محرزة 94، قال في "المطلب": وهو ما أورده القاضي الحسين في "التعليق"، قال الرافعي: ومنهم من أطلق التقطير ولم يقيده بعدد 95، قال الأَذْرَعي: وهم الجمهور، وكذا أطلقه الشافعي في "الأم" و"المختصر" 96.
وقوله (تسعة)، كذا هو في "الشرحين" و"الروضة" 97، وقال ابن الصلاح: إن ذلك وقع في بعض نسخ "الوسيط" وهو تصحيف، والصحيح (سبعة) بالموحدة بعد السين، وعليه العرف، انتهى 98.
واعترضه الأَذْرَعي: بأن المنقول (تسعة) بالمثناة في أوله؛ كما ذكراه، وهو ما ذكره الفوراني في كتابيه، ونقله عن العمراني، وكذا قاله البغوي، والغزالي في "الوجيز" و"الوسيط" 99، ونسبه في "البسيط" إلى الأصحاب.
(وغير مقطورة) بأن كانت تساق أو تقاد (ليست محرزة في الأصح) لأن الإبل لا تسير كذلك غالبًا، والثاني: أن المرسلة كالمقطرة، والمعتبر: أن تقرب منه،
الجزء: 4 - الصفحة: 214
وَكَفَنٌ فِي قَبْير بِبَيْتٍ مُحْرَزٍ مُحْرَزٌ،
ويقع نظره عليها، ولا تعتبر صورة التقطير، وتصحيح الأول تبع فيه "المحرر"؛ فإنه قال: إنه الأشبه 100، ولم يصرحا في "الروضة" و"أصلها" بترجيح، ورجح في "الشرح الصغير": الثاني، وقال: إنه أولى، وقال الأَذْرَعي: إنه المذهب، ونقله عن الأكثرين، وقال في "المهمات": الفتوى على أنها ليست بمحرزة، فقد نصَّ عليه في "الأم" 101.
(وكفن في قبر ببيت محرز محرز) فيقطع بسرقته الكفن منه، لما رواه البيهقي عن البراء يرفعه: "مَنْ نَبَشَ .. قَطَعْنَاهُ" 102، ولأنه سارق وإن اختص باسم النبش فاندرج في الآية.
والمقبرة المحفوفة بالعمارة التي يندر تخلف الطارقين عنها في زمن يتأتى فيه النبش، أو كان عليها حُرَّاس مرتبون .. بمثابة البيت المحرز؛ نقلاه عن الإمام، وأقراه 103، وسواء قلنا: الملك في الكفن لله تعالى أو للميت أو للوارث على الأصحِّ؛ لأجل اختصاص الميت به.
نعم؛ لو سرقه بعض الورثة أو ولد بعضهم .. فلا قطع، وسواء الكفن المشروع، وهو خمسة أثواب أو ثلاثة أو غيره؛ وهو الزائد على ذلك.
وما وقع في "العجالة" هنا من كونه لا يقطع بالزائد على ذلك على الأصحِّ غلط، ومحله: في الصورة التي تليها 104.
الجزء: 4 - الصفحة: 215
وَكَذَا بمَقْبَرَةٍ بطَرَفِ الْعِمَارَةِ فِي الأَصَحِّ، لَا بمَضْيَعَةٍ فِي الأَصَحِّ.
فصلٌ [فيما يمنع القطع وما لا يمنعه]
يُقْطَعُ مُؤَجِّرُ الْحِرْزِ
(وكذا بمقبرة بطرف العمارة في الأصح) لأن القبر في المقابر حرز في العادة؛ كما أن البيت المغلق في العمران حرز وإن لم يكن فيه أحد، والثاني: المنع؛ لأنه ليس دونه
باب
مغلق، ولا عليه حارس؛ فصار كالمتاع الموضوع هناك، وقيد الماوردي الأول بما إذا كان القبر عميقًا، فلو كان قريبًا من وجه الأرض .. فلا قطع، لكن نقل الرافعي آخر الباب عن "فتاوى البغوي" ما يخالفه؛ فإنه قال: لو وضع الميت على وجه الأرض ونضدت الحجارة عليه .. كان كالدفن حتى يجب القطع بسرقة الكفن لا سيما إذا كان لا يمكنهم الحفر 105، قال في "زيادة الروضة": (وينبغي ألّا يقطع إلا أن يتعذر الحفر؛ لأنه ليس بدفن) 106 انتهى.
ومحل القطع: في الكفن المشروع، وهو خمسة أثواب أو ثلاثة؛ فإن كفن في الزائد .. لم يقطع سارقه في الأصحِّ، ويجري الخلاف فيما لو وضع معه مضربة أو وسادة أو غيرهما، وفي الزيادة على ما يستحب تطييب الميت به.
(لا بمضيعة في الأصح) كالدار البعيدة عن العمران؛ لأن السارق يأخذ من غير خطر، والثاني: إن القبر حرز للكفن حيث كان؛ لأن النفوس تهاب الموتى.
(فصل: يقطع مؤجر الحرز) إذا سرق منه مال المستأجر؛ لأن المنافع بعقد الإجارة مستحقة للمستأجر، والإحراز من المنافع، قال الرافعي: وفي هذا التوجيه ما يبيَّن أن التصوير فيما إذا استحقَّ المستأجرُ إيواء المتاع إليه بالإجارة وإحرازه، دون من استأجر أرضًا للزراعة فآوى إليها ماشيةً مثلًا، وجرى عليه في "الروضة" 107؛ فإن
الجزء: 4 - الصفحة: 216
وَكَذَا مُعِيرُهُ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ غَصَبَ حِرْزًا .. لَمْ يُقْطَعْ مَالِكُهُ، وَكَذَا أَجْنَبِيٌّ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ غَصَبَ مَالًا وَأَحْرَزَهُ بِحِرْزِهِ فَسَرَقَ الْمَالِكُ مِنْهُ مَالَ الْغَاصِبِ أَوْ أَجْنَبِيٌّ الْمَغْصُوبَ .. فَلَا قَطْعَ فِي الأَصَحِّ
صح .. فليقيد به إطلاق "الكتاب".
(وكذا معيرهُ) إذا سرق منه مال المستعير (في الأصح) لأنه سرق النصاب من حرز محترم، وإنما يجوز له الدخول إذا رجع، وعليه أن يمهل المستعير بقدر ما ينقل فيه الأمتعة، والثاني: لا يقطع؛ لأن الإعارة لا تلزم، وله الرجوع متى شاء، فلا يحصل الإحراز عنه، والثالث: إن دخل الحرز بنية الرجوع عن العارية .. فلا قطع، وإلا .. فيقطع.
ومحل الخلاف: في العارية الجائزة، فإن كانت لازمة .. امتنع الرجوع فيها فيقطع قطعًا؛ كالمؤجر لا يتمكن من فسخ الإجارة.
(ولو غصب حرزًا .. لم يقطع مالكه) لأن له الدخول والهجوم عليه؛ فلا يكون محرزًا عنه، (وكذا أجنبي في الأصح) لأن الإحراز من المنافع، والغاصب لا يستحقها، والثاني: نعم؛ لأنه لا حقَّ له فيه، وليس له الدخول.
(ولو غصب) أو سرق (مالًا وأحرزه بحرزه فسرق المالك منه مال الغاصب أو أجنبي المغصوب) أو المسروق ( .. فلا قطع في الأصح) أما في المالك .. فلأن له دخول الحرز وهتكه لأخذ ماله، فالذي يأخذه من مال الغاصب أو السارق يأخذه وهو غير محرز عنه، ووجه مقابله: أنه إذا أخذ مال الغاصب أو السارق .. عرفنا أنه هتك الحرز للسرقة لا لأخذ ماله، وأما في الأجنبي .. فلأن المالك لم يرض بإحرازه فيه فكأنه غير محرز، ووجه مقابله: أنه سرق نصابًا من حرز مثله بلا شبهة.
واحترز بقوله: (مال الغاصب) عما إذا سرق مال نفسه وحده .. فلا قطع قطعًا،
وبقوله: (أو أجنبي المغصوب) عما لو أخذ غير المغصوب؛ فإنه يقطع قطعًا؛ كما أشار إليه في "البسيط".
ولو وضع متاعه بدار غيره من غير علمه ورضاه، فسرق هل يقطع سارقه؟ فيه وجهان، حكاهما الحناطي، ورجح القطع؛ لأن الحرز يرجع إلى صون المتاع، وهو موجود هنا.
الجزء: 4 - الصفحة: 217
وَلَا يُقْطَعُ مُخْتَلِسٌ وَمُنْتَهِبٌ وَجَاحِدُ وَدِيعَةٍ. وَلَوْ نَقَبَ وَعَادَ فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى فَسَرَقَ .. قُطِعَ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: هَذَا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْمَالِكُ النَّقْبَ وَلَمْ يَظْهَرْ لِلطَّارِقِينَ، وَإِلَّا .. فَلَا يُقْطَعُ قَطْعًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ نَقَبَ وَأَخْرَجَ غَيْرُهُ .. فَلَا قَطْعَ،
(ولا يقطع مختلس) وهو من يأخذ معتمدًا على الهرب من غير غلبة مع معاينة المالك، (ومنتهب) وهو من يأخذ عيانًا معتمدًا على قوته، (وجاحد وديعة) وعارية؛ لحديث: "لَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ وَالْخَائِنِ قَطْعٌ" صححه الترمذي 108.
ولأن السارق يأخذ خفية، ولا يتأتى منعه؛ فشرع القطع زاجرًا، وهؤلاء يقصدون المال عيانًا فدفعهم بالسلطان ونحوه ممكن، ودخل في تفسيرهم المنتهب: قاطع الطريق؛ فلا بدَّ من لفظ يخرجه.
(ولو نقب وعاد في ليلة أخرى فسرق .. قطع في الأصح) كما لو نقب في أول الليل ثم أخرج المال في آخره، والثاني: لا؛ لأنه إنما يأخذ بعد انهتاك الحرز، فصار كما لو جاء غيره وأخذ المال، (قلت: هذا إذا لم يعلم المالك النقب ولم يظهر للطارقين) بأن كان خفيًّا، (وإلا) أي: وإن علم المالك أو ظهر للطارقين ( .. فلا يقطع قطعًا، والله أعلم) لانهتاك الحرز.
(ولو نقب وأخرج غيره .. فلا قطع) على واحد منهما؛ لأن الناقب لم يسرق، والآخذ أخذ من غير حرز، وأطلق المصنف المسألة، وصورتها: ألا يكون في الدار أحد فإن كان فيها حافظ قريب من النقب، وهو يلاحظ المتاع .. فالمال محرزٌ به؛ فيجب القطع على الآخذ، فإن كان الحافظ نائمًا .. فلا قطع في الأصحِّ؛ كمن نام والباب مفتوح، هذا كله فيما إذا كان المخرج مميزًا، أما لو نقب ثم أمر صبيًّا لا يميز، أو أعجميًّا بالإخراج ففعل .. قال الجمهور: يجب القطع على الآمر، وقيل: على الخلاف في خروج البهيمة التي كانت واقفة.
الجزء: 4 - الصفحة: 218
وَلَوْ تَعَاوَنَا فِي النَّقْبِ وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالإِخْرَاجِ، أَوْ وَضَعَهُ نَاقِبٌ بِقُرْبِ نَقْبه فَأَخْرَجَهُ آخَرُ .. قُطِعَ الْمُخْرِجُ، وَلَوْ وَضَعَهُ بِوَسَطِ نَقْبهِ فَأَخَذَهُ خَارِجٌ وَهُوَ يُسَاوِي نِصَابَيْنِ .. لَمْ يُقْطَعَا فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ رَمَاهُ إِلَى خَارِجِ حِرْزٍ، أَوْ وَضَعَهُ بِمَاءٍ جَارٍ أَوْ ظَهْرِ دَابَّةٍ سَائِرَةٍ، أَوْ عَرَّضَهُ لِرِيحٍ هَابَّةٍ فَأَخْرَجَتْهُ .. قُطِعَ، أَوْ وَاقِفَةٍ فَمَشَتْ بِوَضْعِهِ .. فَلَا فِي الأَصَحِّ
(ولو تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإنجراج، أو وضعه ناقب بقرب نقبه فأخرجه آخر .. قطع المخرج) في الصورتين؛ لأنه السارق.
وقوله: (آخر) يوهم أنه لو كان المخرج في الصورة الثانية غير ناقب .. قطع، وليس كذلك، فلو قال: (الآخر) بالألف واللام .. لزال الإيهام، وتحصل الشركة وإن أخذ هذا لبنات وهذا لبنات على الأصحِّ.
(ولو وضعه بوسط نقبه فأخذه خارج وهو يساوي نصابين .. لم يقطعا في الأظهر) صورة المسألة: أنهما تعاونا في النقب ثم دخل أحدهما ووضع المتاع في بعض النقب فمد الخارج يده وأخرجه؛ وجه الأظهر: أن كلًّا منهما لم يخرجه من تمام الحرز، ووجه مقابله: اشتراكهما في الهتك والإخراج، وعبارة المصنف: توهم تصوير المسألة فيما إذا انفرد أحدهما بالنقب وليس كذلك.
فلو قال: (فأخذ شريكه في النقب) .. لكان أصرح في المقصود.
(ولو رماه إلى خارج حرز أو وضعه بماء جار أو ظهر دابة سائرة) أو واقفة وسيَّرها، (أو عرضه لريح هابة فأخرجته .. قطع) لأن الإخراج في الجميع منسوب إليه.
واحترز بالجاري: عن الراكد، فإذا طرح المتاع فيه فزاد الماء بانفجار أو سيل ونحوهما فأخرجه .. فلا قطع في الأصحِّ؛ لخروجه بسبب حادث.
نعم؛ لو حرَّكه حتى خرج .. كان كالجاري.
واحترز بقوله: (هابة): عمَّا إذا كانت راكدة ووضعه على الطرف فهبت وأخرجته .. فلا قطع على الأصحِّ، كالماء الراكد فيما تقدم.
(أو واقفة فمشت بوضعه .. فلا) قطع (في الأصح) لأن لها اختيارًا في السير، فإذا لم يسقها .. فقد سارت باختيارها، والثاني: يقطع، لأن الخروج حصل بفعله؛
الجزء: 4 - الصفحة: 219
وَلَا يُضْمَنُ حُرٌّ بِيَدٍ، وَلَا يُقْطَعُ سَارِقُهُ، وَلَوْ سَرَقَ صَغِيرًا بِقِلَادَةٍ .. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ نَامَ عَبْدٌ عَلَى بَعِيرٍ فَقَادَهُ وَأَخْرَجَهُ عَنِ الْقَافِلَةِ .. قُطِعَ،
فإن الدابة إذا حُمِّلت .. سارت، والثالث: إن سارت عقب الوضع .. قطع، وإلا .. فلا، وهو نظير المصحح في فتح قفص الطائر.
(ولا يضمن حر بيد ولا يقطع سارقه) وإن كان صغيرًا؛ لأنه ليس بمال.
واحترز بالحر: عن الرقيق، فلو سرق عبدًا صغيرًا لا يميز .. قطع إن كان محرزًا، وإنما يكون محرزًا إذا كان في دار سيده أو بفنائها، فإن بعد عنها أو دخل سكة أخرى .. فليس بمحرز.
والمجنون والأعجمي الذي لا يميز كصغير لا يميز، وإن كان الصغير مميزًا فسرقه نائمًا أو سكرانًا أو مضبوطًا .. فكغير المميز، ولو دعاه وخدعه فتبعه مختارًا .. فليس بسرقة بل هو خيانة.
(ولو سرق صغيرًا) حرًّا (بقلادة .. فكذا في الأصح) لأن للحر يدًا على ما معه، ولهذا لو وجد مع اللقيط مال .. كان له، وصار كمن سرق حملًا، وصاحبه راكبه، والثاني: يقطع؛ لأنه أخذه لأجل الحُلِيِّ، وفي معنى القلادة: ما إذا كان معه مال، ذكره في "المحرر" 109.
ومحل الخلاف: ما إذا كانت القلادة ونحوها من الحلي تليق بالصبي، فإن كانت فوق ما يليق به، وأخذه من حرز الحُلِيِّ .. قطع قطعًا، أو من حرز يصلح للصبي دون القلادة أو الحلي .. لم يقطع قطعًا، قاله في "الكفاية" 110.
(ولو نام عبد على بعير فقاده وأخرجه عن القافلة) إلى مضيعة ( .. قطع) لأنه كان محرزًا بالقافلة، وهو في نفسه مسروق تثبت عليه اليد، ويتعلق به القطع، وصور في "الشرح" و"الروضة" و"المحرر" المسألة بأن يكون على البعير أمتعة 111، وإنما لم يذكره المصنف؛ لأن البعير كاف؛ فإنه مسروق، والقصد أن يكون معه شيء،
الجزء: 4 - الصفحة: 220
أَوْ حُرٌّ .. فَلَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ نَقَلَ مِنْ بَيْتٍ مُغْلَقٍ إِلَى صَحْنِ دَارٍ بَابُهَا مَفْتُوحٌ .. قُطِعَ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَا مُغْلَقَيْنِ .. قُطِعَ. وَبَيْتُ خَانٍ وَصَحْنُهُ كَبَيْتٍ وَدَارٍ فِي الأَصَحِّ
ويستثنى: المكاتب؛ فإنه كالحر؛ لاستقلاله.
(أو حر .. فلا في الأصح) لأن البعير بيده، والخلاف راجع إلى المسألتين؛ فمقابل الأصحِّ: يقطع مطلقًا؛ لأنه أخرج نصابًا من الحرز والمأمن إلى مضيعة، والثالث: لا يقطع مطلقًا، وأطلق المصنف العبد والحر.
ومحل الخلاف فيهما: إذا كانا مستقلين، وهما البالغان العاقلان.
(ولو نقل من بيت مغلق إلى صحن دار بابها مفتوح .. قطع) لأنه أخرجه من حرزه، وجعله في محل الضياع، (وإلا) أي: وإن كان باب البيت مفتوحًا وباب الدار مغلقًا ( .. فلا) قطع؛ لأنه لم يخرجه من تمام الحرز، وكذا إن كانا مفتوحين؛ فإن المال ضائع إذا لم يكن محرزًا باللحاظ.
(وقيل: إن كانا مغلقين .. قطع) لأنه أخرجه من حرزه، والأصح: المنع؛ لأنه لم يخرجه من تمام الحرز، فأشبه ما إذا أخرج من الصندوق المقفل إلى البيت المغلق ولم يخرجه من البيت.
(وبيت خان)، ورباط (وصحنه كبيت ودار) ومدرسة مختصة بواحد (في الأصح) فلو سرق من الحجر أو الصحن ما يحرزه الصحن، وأخرجه من الخان .. قطع، وإن أخرج من البيوت والحجر إلى الصحن .. فوجهان، قضية كلام المصنف تبعًا لـ"المحرر" و"الشرح الصغير": أنه كالإخراج من بيت الدار إلى صحنها 112؛ فيفرق بين أن يكون باب الخان مفتوحًا ومغلقًا، وهو ما رجحه الخراسانيون، والثاني: وبه أجاب العراقيون؛ كما قاله في "البيان": القطع بكل حال، سواء كان باب الخان مغلقًا أو مفتوحًا 113؛ لأن الصحن ليس حرزًا لصاحب البيت، فهو مشترك كالسكة المشتركة، وبه أجاب القاضي الحسين وإبراهيم المَرُّوذي واختاره الأَذْرَعي،
الجزء: 4 - الصفحة: 221
فصلٌ [في شروط السارق الذي يقطع]
لَا يُقْطَعُ صَبيٌّ وَمَجْنُونٌ وَمُكْرَهٌ، وَيُقْطَعُ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ بِمَالِ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ، وَفِي مُعَاهَدٍ أَقْوَالٌ: أَحْسَنُهَا: إِنْ شُرِطَ قَطْعُهُ بِسَرِقَةٍ .. قُطِعَ،
وحكاه البُلْقيني عن نصِّ "الأم" و"المختصر"، وقال: إنه المعتمد في الفتوى، وليس في "الروضة" و"أصلها" تصريح بترجيح، هذا كله إذا كان السارق من غير السكان، فإن كان منهم وسرق من العرصة .. لم يقطع، وإن أخرج من بيت مغلق إلى الصحن .. قطع؛ لأن الصحن لهم كسكة منسدة.
(فصل: لا يقطع صبي، ومجنون، ومكره) بفتح الراء؛ لرفع القلم عنهم، لكن يعزر الصبي؛ كما نص عليه في "الأم" 114، وكذا المجنون الذي له نوع تمييز؛ كما قاله القاضي الحسين، وأما المكره بكسر الراء: فقال القاضي الحسين: هنا أصلان، أحدهما: المكره على القتل، عليه القود، والثاني: المكره على الزنا، لا حد عليه، فألحق به؛ لأن كلًّا منهما حق لله تعالى، وفي قطع السكران الخلاف في طلاقه وغيره.
(ويقطع مسلم وذمي بمال مسلم وذمي) أما قطع المسلم بمال المسلم .. فإجماع، وأما قطعه بمال الذمي .. فهو المشهور؛ لأنه معصوم بذمته، وأما قطع الذمي بمال المسلم والذمي .. فلالتزامه الأحكام، وكذا يقطع المسلم بمال المعاهد، ومن له أمان؛ لأنه أحرز ماله بالأمان فكان كالذمي، كذا جزم به جمع من العراقيين، وقال القاضي، والإمام، والحجة ومن تبعهم: إن قطع المسلم بمال المعاهد مبني على قطع المعاهد بمال المسلم إن قلنا: يقطع .. قطع المسلم أيضًا، وإلا .. فلا، قال الإمام: إذ من المستحيل ألا يقطع بسرقة مال المسلم، ويقطع المسلم بسرقة ماله 115.
(وفي معاهد) ومستأمن (أقوال: أحسنها: إن شرط قطعه بسرقة .. قطع)
الجزء: 4 - الصفحة: 222
وَإِلَّا .. فَلَا. قُلْتُ: الأَظْهَرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: لَا قَطْعَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَتثبُتُ السَّرِقَةُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي الْمَرْدُودَةِ فِي الأَصَحِّ، وَبِإِقْرَارِ السَّارِقِ، وَالْمَذْهَبُ: قَبُولُ رُجُوعِهِ
لالتزامه، (وإلا .. فلا) لعدم التزامه، وقال في "الشرح الصغير": إنه الأقرب، (قلت: الأظهر عند الجمهور: لا قطع) مطلقًا (والله أعلم) لأنه لم يلتزم الأحكام، فأشبه الحربي، والثالث: يقطع مطلقًا كالذمي، واختاره في "المرشد"، وصححه مجلي.
(وتثبت السرقة بيمين المدعي المردودة في الأصح) لأن اليمين المردودة كالإقرار أو كالبينة، والقطع يجب بالأمرين، فأشبه القصاص؛ فإنه يثبت باليمين المردودة، ووجه مقابله: أن القطع في السرقة حق الله تعالى، فأشبه ما لو قال: أكره أمتي على الزنا، وحلف المدعي بعد نكول المدعى عليه .. يثبت المهر دون حد الزنا، وجزما به في "الروضة" و"أصلها" في اليمين من الدعاوى، وجرى عليه "الحاوي الصغير" هنا 116، وقال الأَذْرَعي: إنه المذهب والصواب الذي قطع به جمهور الأصحاب، وليس في "الشرح" هنا ترجيح، ونقل في "زيادة الروضة" الثبوت عن تصحيح "المحرر"، وسكت عليه 117.
ومحل الخلاف: في ثبوت القطع، أما المال .. فيثبت قطعًا.
(وبإقرار السارق) ولا يشترط تكرره خلافًا للإمام أحمد 118، لنا قوله عليه الصلاة والسلام: "مَنْ أَبْدَا لَنَا صَفْحَتَهُ .. نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ" 119، وجه الاحتجاج: أنه لم يفرق بين أن يكرر أو لا، ولا يكفي مطلق الإقرار، بل لا بد من تفصيله؛ كالشهادة.
(والمذهب: قبول رجوعه) بالنسبة إلى القطع فيسقط؛ لأنه حق الله تعالى، كحد الزنا، لا الغرم؛ لأنه حق آدمي، والطريق الثاني: لا يقبل في المال، ويقبل في القطع على الأصحَّ، والثالث: يقبل في القطع لا في المال على الأصحِّ.
الجزء: 4 - الصفحة: 223
وَمَنْ أَقَرَّ بِعُقُوبَةٍ للهِ تَعَالَى .. فَالصَّحِيحُ: أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَرِّضَ لَهُ بِالرُّجُوعِ وَلَا يَقُولُ: (ارْجِعْ). وَلَوْ أَقَرَّ بِلَا دَعْوَى أَنَّهُ سَرَقَ مَالَ زَيْدٍ الْغَائِبِ .. لَمْ يُقْطَعْ فِي الْحَالِ، بَلْ يُنْتَظَرُ حُضورُهُ فِي الأَصَحِّ، أَوْ أَنَّهُ أَكْرَهَ أَمَةَ غَائِبٍ عَلَى زِنًا .. حُدَّ فِي الْحَالِ فِي الأَصَحِّ.
(ومن أقر بعقوبة لله تعالى .. فالصحيح: أن للقاضي أن يعرض له بالرجوع) لأنه عليه السلام قال لماعز: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ نَظَرْتَ" رواه البخاري 120، وقال لمن أقر عنده بالسرقة: "مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ" قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، فأمر به فقطع، رواه أبو داوود وغيره 121.
قالا: والتعريض في الزنا: لعلك فاخذت، أو لمست، أو قبلت، وفي الشرب: لعلك لم تعلم أن ما شربته مسكر، وفي السرقة: لعلك غصبت، أو أخذت من غير حرز، ونحوها 122.
والثاني: لا يفعل ذلك، ونقله الإمام عن الجمهور.
والثالث: إن لم يكن عالمًا بجواز الرجوع عرض له، وإلا .. فلا.
واحترز بالإقرار: عما إذا ثبت زناه بالبينة، وبقوله: (لله تعالى) عن حقوق الآدميين .. فإنه لا يعرض بالرجوع عنها.
(ولا يقول: ارجع) عن الإقرار أو اجحده؛ لأنه يكون أمرًا بالكذب.
(ولو أقر بلا دعوى أنه سرق مال زيد الغائب .. لم يقطع في الحال، بل ينتظر حضوره) ومطالبته (في الأصح) لأنه ربما حضر وأقر أنه كان أباح له المال، أو يقر له بالملك فيسقط الحد وإن كذبه السارق؛ فإنه يسقط بالشبهة، والثاني: يقطع في الحال؛ عملًا بإقراره، والأصل: عدم المسقط؛ كما لو أقر أنه زنى بفلانة .. لا ينتظر حضورها.
(أو أنه أكره أمة غائب على زنًا .. حد في الحال في الأصح) لأن حد الزنا
الجزء: 4 - الصفحة: 224
وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، فَلَوْ شَهِدَ رَجُل وَامْرَأَتَانِ .. ثَبَتَ الْمَالُ وَلَا قَطْعَ، وَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ الشَّاهِدِ شُرُوطَ السَّرِقَةِ
لا يتوقف على طلب، ولو حضر وقال: (كنت أبحتها له) .. لم يسقط الحد بذلك؛ لأن إباحة البضع ملغاة، والثاني: ينتظر حضور المالك؛ لاحتمال أنه يقر أنه كان وقفها عليه، فيسقط الحد، بخلاف ما لو أقر أنه كان باعها منه، أو وهبها له، وأنكر المقر .. فإنه لا يسقط الحد.
والفرق: أن الوقف لا يحتاج إلى القبول، بخلاف البيع والهبة، كذا ذكره في "الروضة" 123.
(ويثبت) القطع (بشهادة رجلين) كسائر العقوبات، وشهادة الزنا هي التي خصت بمزيد العدد، (فلو شهد رجل وامرأتان) أو رجل وحلف معه ( .. ثبت المال ولا قطع) كما لو علق الطلاق والعتق على غصب أو سرقة، فشهد رجل وامرأتان على الغصب، أو السرقة .. ثبت المال دون الطلاق والعتق، كذا ذكر الرافعي هذا التنظير هنا 124، وذكر فيه تفصيلًا في (الشهادات)، وهو أن يكون التعليق قبل ثبوت الغصب والسرقة، فلو ثبت الغصب والسرقة أولأ برجل وامرأتين، وحكم الحاكم به، ثم جرى التعليق فقال لها: (إن كنت غصبت أو سرقت فأنت طالق) .. وقع الطلاق 125.
(ويشترط ذكر الشاهد شروط السرقة) ولا يكفي الإطلاق؛ إذ قد يظن ما ليس بسرقة سرقة، ولاختلاف العلماء فيما يوجب القطع، ويشير إلى عين المشهود عليه إن كان حاضرًا، ويذكر اسمه ويرفع في نسبه بحيث يتميز إن كان غائبًا، كذا قالا 126، واستشكل بأن البينة لا تسمع على غائب في حدود الله تعالى.
ويشترط: أن يبين المسروق والمسروق منه، وكون السرقة من حرز بتعيين الحرز أو صفته.
الجزء: 4 - الصفحة: 225
وَلَوِ اخْتَلَفَ شَاهِدَانِ؛ كَقَوْلِهِ: (سَرَقَ بُكْرَةً)، وَالآخَرِ: (عَشِيَّةً) .. فَبَاطِلَةٌ. وَعَلَى السَّارِقِ رَدُّ مَا سَرَقَ، فَإِنْ تَلِفَ .. ضَمِنَهُ. وَتُقْطَعُ يَمِينُهُ، فَإِنْ سَرَقَ ثَانِيًا بَعْدَ قَطْعِهَا .. فَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَثَالِثًا .. يَدُهُ الْيُسْرَى، وَرَابِعًا .. رِجْلُهُ الْيُمْنَى، وَبَعْدَ ذَلِكَ .. يُعَزَّرُ
(ولو اختلف شاهدان؛ كقوله: "سرق بكرة"، والآخر: "عشية" .. فباطلة) لأنهما شهدا على الفعل، ولم يتفقا عليه.
وقضية قوله: (باطلة) أنه لا يلزمه شيء، لكن في "الشرح" و"الروضة": أن المشهود له لو حلف مع أحدهما .. غرم المال 127.
(وعلى السارق ردُّ ما سرق) لقوله عليه السلام: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدَّيَهُ" 128، (فإن تلف .. ضمنه) جبرًا لما فات.
(وتقطع يمينه) بالإجماع، كما قاله القاضي أبو الطيب، وإنما لم يقطع ذكر الزاني قياسًا على السارق لأوجه؛ أحدها: أن للسارق مثلها، بخلاف الزاني، ثانيها: ما فيه من إبطال النسل، ثالثها: أن اليد تبرأ غالبًا، بخلافه.
(فإن سرق ثانيًا بعد قطعها .. فرجله اليسرى، وثالثًا .. يده اليسرى، ورابعًا .. رجله اليمنى) لما رواه الشافعي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في السارق: "إِنْ سَرَقَ .. فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ .. فاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ .. فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ .. فاقْطَعُوا رِجْلَهُ" 129، وله شواهد كثيرة.
روى البيهقي بإسناد صحيح عن عكرمة عن ابن عباس قال: (شهدت عمر قطع يدًا بعد يدٍ ورجل)، قال البيهقي: (وقد أشار على أبي بكر بذلك أيضًا) 130.
(وبعد ذلك) أي: بعد قطع اليدين والرجلين (يعزر) على الجديد؛ لأن القطع
الجزء: 4 - الصفحة: 226
وَيُغْمَسُ مَحَلُّ قَطْعِهِ بِزَيْتٍ أَوْ دُهْنٍ مُغْلَىً، قِيلَ: هُوَ تتَمَّة لِلْحَدِّ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَقْطُوعِ؛ فَمُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ، وَلِلإِمَامِ إِهْمَالُهُ. وَتُقْطَعُ الْيَدُ مِنْ كُوعٍ، وَالرِّجْلُ مِنْ مَفْصِلِ الْقَدَمِ. وَمَنْ سَرَقَ مِرَارًا بِلَا قَطْعٍ .. كَفَتْ يَمِينُهُ وَإِنْ نَقَصَتْ أَرْبَعَ أَصَابِعَ
ثبت بالكتاب والسنة، ولم يثبت بعد ذلك شيء آخر، والسرقة معصية فتعين التعزير، وعن القديم: أنه يقتل في الخامسة؛ لحديث فيه لكنه ضعيف؛ كما قاله النسائي وغيره 131.
(ويغمس محل قطعه بزيت، أو دهن مُغلىً) لورود الأمر به؛ كما رواه الحاكم وصححه 132، والمعنى فيه: سدُّ أفواه العروق لينقطع الدم، قال الماوردي: وهذا في الحضري، أما البدوي .. فيحسم بالنار؛ لأنه عادتهم 133، (قيل: هو تتمة للحد) فيجب على الإمام فعله؛ لأن فيه مزيد إيلام، وما زال الولاة يفعلونه على كراهة من المقطوعين، ولم يراعوا ذلك في قطع الأطراف قصاصًا.
(والأصح: أنه حق للمقطوع) لأن الغرض المعالجة، ودفع الهلاك عنه بنزف الدم، (فمؤنته عليه، وللإمام إهماله) ولا يجبر المقطوع عليه؛ لأنه نوع مداواة.
وقضية كلامه: أن المؤنة على الوجه الأول لا تكون عليه، وليس كذلك ففي "الروضة" و"أصلها": أنه على الخلاف في مؤنة الجلاد، والأصحُّ في مؤنة الجلاد: أنها على المجلود والسارق 134.
(وتقطع اليد من كوع) بالإجماع (والرجل من مفصل القدم) اتباعًا لعمر رضي الله عنه؛ كما رواه ابن المنذر 135.
(ومن سرق مرارًا بلا قطع .. كفت يمينه) لأن السبب واحد فتداخلت؛ لحصول الحكمة، وهو الزجر، وقياسًا على من زنى أو شرب مرارًا (وإن نقصت أربع أصابع) ولا يعدل إلى الرجل؛ لحصول الإيلام والتنكيل.
الجزء: 4 - الصفحة: 227
قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ ذَهَبَتِ الْخَمْسُ فِي الأَصحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَتُقْطَعُ يَدٌ زَائِدَةٌ إِصْبَعًا فِي الأَصحِّ، فَلَوْ سَرَقَ فَسَقَطَتْ يَمِينُهُ بِآفَةٍ .. سَقَطَ الْقَطْعُ، أَوْ يَسَارُهُ .. فَلَا عَلَى الْمَذْهَبِ.
(قلت: وكذا لو ذهبت الخمس في الأصح، والله أعلم) لما ذكرناه، والثاني: لا تكفي، وتقطع الرجل اليسرى، لانتفاء البطش، وحكاه أبو حامد عن النصِّ، وقال القاضي الحسين: إنه المذهب، والخلاف جار فيما إذا سقط بعض الكف أيضًا وبقي محل القطع.
(وتقطع يد زائدة إصبعًا) فأكثر (في الأصح) لإطلاق الآية؛ فإن إطلاق اليد تتناول ما عليه خمس أو أكثر، والثاني: المنع؛ كالقصاص، فيعدل إلى رجله اليسرى.
وفرق الأول: بأن القصاص مقصوده المساواة، والمقصود هنا الزجر والتنكيل.
(فلو سرق فسقطت يمينه بآفة) أو جناية ( .. سقط القطع) لأن القطع تعلق بعينها فسقط بفواتها؛ كموت المرتد، وكذا لو شلت يمينه بعد السرقة وخشي من قطعها تلف النفس؛ كما في "الكفاية" عن القاضي الحسين 136، (أو) سقطت (يساره) واليمنى موجودة ( .. فلا) يسقط القطع (على المذهب) لبقاء محل القطع، وعن أبي إسحاق أنه يسقط القطع؛ كما في مسألة الجلاد إذا قطع اليسار غلطًا، ورُدَّ: بأن يساره قطعت هناك بعلة السرقة، فلو أبقينا القطع في اليمين .. لذهبت يداه بعلة السرقة، ولم يوجد هذا فيما إذا سقطت بآفة.
الجزء: 4 - الصفحة: 228
بابُ قاطع الطريق هُوَ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ لَهُ شَوْكَةٌ، لَا مُخْتَلِسُونَ يَتَعَرَّضُونَ لآخِرِ قَافِلَةٍ يَعْتَمِدُونَ الْهَرَبَ. وَالَّذِينَ يَغْلِبُونَ شِرْذِمَةً بِقُوَّتِهِمْ قُطَّاعٌ فِي حَقِّهِمْ،
﴿باب قاطع الطريق﴾
سمي بذلك؛ لامتناع الناس من المرور خوفًا منه.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، الآية، نزلت فيهم؛ كما نقله الماوردي عن الفقهاء وجمهور المفسرين 137، وقيل: في العرنيين، وقيل: في المشركين.
(هو مسلم) فالكافر ليس له حكم قاطع الطريق وإن أخاف السبيل، وتعرض للنفس والمال، كذا قالاه 138، قال في "المهمات": ولا وجه لذلك في الذمي، وبسطه 139، (مكلف) ولو عبدًا وامرأة، فالمراهق لا عقوبة عليه وإن ضمن المال والنفس، (له شوكة) أي: قوة وقدرة، وإفراده للصفات يؤخذ منه أنه لا يشترط فيهم العدد، وهو كذلك، فالواحد إذا كان له فضل قوة يغلب بها الجماعة، وتعرض للنفس وللمال مجاهرة .. فهو قاطع طريق، ولا يشترط شهر السلاح، بل تكفي العصي والحجارة.
(لا مختلسون يتعرضون لآخر قافلة يعتمدون الهرب) لانتفاء الشوكة، لأن المعتمد على الشوكة ليس له دافع من الرفقة، فغلظت عقوبته؛ ردعًا له بخلاف المختلس؛ فإنه لا يرجع إلى قوة.
(والذين يغلبون شرذمة بقوتهم قطاع في حقهم) لاعتمادهم على الشوكة بالنسبة
الجزء: 4 - الصفحة: 229
لَا لِقَافِلَةٍ عَظِيمَةٍ، وَحَيْثُ يَلْحَقُ غَوْثٌ لَيْسُوا بِقُطَّاعٍ، وَفَقْدُ الْغَوْثِ يَكُونُ لِلْبُعْدِ أَوْ لِضَعْفٍ، وَقَدْ يَغْلِبُونَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي بَلَدٍ فَهُمْ قُطَّاعٌ
إلى الشرذمة اليسيرة، (لا لقافلة عظيمة) لأنه لا قوة لهم مع القافلة الكبيرة.
واحترز بقوله: (بقوتهم): عما لو كانت الرفقة عددًا يتأتى منهم دفع القاصدين، ومقاومتهم فاستسلموا حتى قتلوا، وأخذت أموالهم؛ فالقاصدون ليسوا بقطاع؛ لأن ما فعلوه لم يصدر عن شوكتهم وقوتهم، بل الرفقة ضيعوا، هكذا أطلقوه، وفيه بحث للرافعي 140.
نعم؛ لو نالت كل طائفة من الأخرى بالقتال.
. فأصحُّ احتمالي الإمام: أنهم قطاع، وبه جزم الغزالي، كذا قاله في "أصل الروضة" 141.
(وحيث يلحق غوث) لو استغاثوا (ليسوا بقطاع) لإمكان الاستغاثة.
نعم؛ هم منتهبون.
(وفقد الغوث يكون للبعد) عن العمران وعساكر السلطان، (أو لضعف) أطلق الضعف، وقيداه في "المحرر" و"الشرح" و"الروضة" بضعف السلطان 142، وإطلاق "الكتاب" أحسن؛ فإنه لو دخل جماعة بالليل دارًا، وشهروا السلاح، ومنعوا أهل الدار من الاستغاثة.
. فقطاع على الصحيح مع قوة السلطان وحضوره.
(وقد يغلبون والحالة هذه في بلد) عند ضعف السلطان أو بعده أو بعد أعوانه، وعدم مقاومة أهل الستر والعفة لهم (فهم قطاع) لوجود الشروط فيهم، ولأنهم إذا وجب عليهم هذا الحد في الصحراء وهي موضع الخوف.
. فلأن تجب في البلد وهي موضع الأمن أولى؛ لعظم جرأتهم.
الجزء: 4 - الصفحة: 230
وَلَوْ عَلِمَ الإِمَامُ قَوْمًا يُخِيفُونَ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا وَلَا نَفْسًا. . عَزَّرَهُمْ بِحَبْسٍ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا أَخَذَ الْقَاطِعُ نِصَابَ السَّرِقَةِ. . قَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى وَرِجْلَهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَادَ. . فَيُسْرَاهُ وَيُمْنَاهُ، وَإِنْ قَتلَ. . قُتِلَ حَتْمًا، وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ مَالًا. . قُتِلَ ثُمَّ صُلِبَ.
(ولو علم الإمام قومًا يخيفون الطريق، ولم يأخذوا مالًا ولا نفسًا) أي: ولم يقتلوا نفسًا (. . عزرهم بحبس وغيره) لخروجهم للحرابة، كما يعزر على مقدمات الزنا والشرب.
(وإذا أخذ القاطع نصاب السرقة.
. قطع يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن عاد.
. فيسراه ويمناه) للآية السالفة، وهي وإن اقتضى ظاهرها التخيير.
. فالمراد بها: الترتيب عندنا؛ اقتداءً بابن عباس رضي الله عنهما 143.
واحترز بالنصاب: عما دونه؛ فإنه لا قطع به على الأصحِّ؛ كالسرقة، وسكت عن اعتبار الحرز ولا بد منه؛ كما نقلاه عن الأصحاب، حتى لو كان المال تسير به الدواب بلا حافظ، أو كانت الجمال مقطورة، ولم تتعهد؛ كما شرط في السرقة.
. لم يجب القطع 144.
ويشترط أيضًا: انتفاء الشبهة في المأخوذ، وكونه ممن يقطع في السرقة.
(وإن قتل) قاطع الطريق عمدًا عدوانًا من يكافئه لأجل أخذ المال؛ كما قيده البَنْدَنيجي، وقال البُلْقيني: إنه مقتضى نص "الأم" (. . قتل) لما سيأتي (حتمًا) فلا يسقط بعفو الولي؛ لأن كل معصية فيها عقوبة في غير المحاربة تجب فيها زيادة عند المحاربة؛ كأخذ المال، ولا زيادة هنا إلا بالحتم.
(وإن قتل وأخذ مالًا.
. قتل ثم صلب) هكذا نزَّل ابن عباس رضي الله عنهما العقوبات المذكورة في الآية على هذه المراتب، والمعنى: أن يقتلوا إن قتلوا، ويقتلوا ويصلبوا إن أخذوا المال وقتلوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال.
وكلمة (أو) للتنويع لا للتخيير؛ كما يقال: الزاني يجلد أو يرجم، وإنما صلب
الجزء: 4 - الصفحة: 231
ثَلَاثًا ثُمَّ يُنْزَلُ، وَقِيلَ: يَبْقَى حَتَّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ، وَفِي قَوْلٍ: يُصْلَبُ قَلِيلًا ثُمَّ يُنْزَلُ فَيُقْتَلُ. وَمَنْ أَعَانَهُمْ وَكَثَّرَ جَمْعَهُمْ. . عُزِّرَ بِحَبْسٍ وَتغرِيبٍ وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ التَّغْرِيبُ إِلَى حَيْثُ يَرَاهُ. وَقَتْلُ الْقَاطِعِ يُغَلَّبُ فِيهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ، وَفِي قَوْلٍ: الْحَدِّ، فَعَلَى الأَوَّلِ: لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ وَذِمِّيٍّ، وَلَوْ مَاتَ. . فَدِيَةٌ، وَلَوْ قَتَلَ جَمْعًا. . قُتِلَ بِوَاحِدٍ، وَلِلْبَاقِينَ دِيَاتٌ،
بعد قتله؛ لأن في صلبه قبله زيادة تعذيب، وهو منهي عنه، ولو مات قبل قتله.
. لم يصلب على الأصحِّ؛ لأنه تابع.
(ثلاثًا) ليشتهر الحال، ويتم النكال (ثم ينزل) لأن الثلاث لها اعتبار في الشرع، وليس لما زاد عليها غاية.
نعم؛ إن خيف تغيره قبل الثلاث.
. أنزل على الأصحِّ.
(وقيل: يبقى حتى يسيل صديده) وهو الودك؛ تغليظًا عليه، (وفي قول: يصلب) حيًّا (قليلًا ثم ينزل فيقتل) لأن الصلب شرع عقوبة له، فيقام عليه وهو حي.
(ومن أعانهم وكثر جمعهم) ولم يزد على ذلك (. . عزر بحبس وتغريب وغيرهما) كسائر المعاصي ولا حد؛ كما لا حد في مقدمات الزنا، (وقيل: يتعين التغريب إلى حيث يراه) الإمام؛ لأن عقوبته في الآية النفي.
(وقتل القاطع يغلب فيه معنى القصاص) لأنه قتل في مقابلة قتل، (وفي قول: الحد) لتحتمه وتعلق استيفائه بالسلطان لا بالولي.
(فعلى الأول: لا يقتل بولده وذمي) وعبد؛ لانتفاء المكافأة، وعلى الثاني: يقتل.
(ولو مات) القاطع (. . فدية) في ماله على القول الأول، وعلى الثاني: لا شيء.
(ولو قتل جمعًا.
. قتل بواحد، وللباقين ديات) كما في القصاص، فلو قتلهم مرتبًا.
. قتل بالأول، ولو عفا وليه.
. لم يسقط؛ لتحتمه حكياه عن البغوي وأقراه 145، وعلى الثاني: يقتل بجميعهم ولا دية.
الجزء: 4 - الصفحة: 232
وَلَوْ عَفَا وَلِيُّهُ بِمَالٍ. . وَجَبَ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ وَيُقْتَلُ حَدًّا، وَلَوْ قَتلَ بمُثَقَّلٍ أَوْ بِقَطْع عُضْوٍ. . فُعِلَ بِهِ مِثْلُهُ. وَلَوْ جَرَحَ فَأنْدَمَلَ. . لَمْ يَتَحَتَّمْ قِصَاصٌ فِي الأًظْهَرِ. وَتسقُطُ عُقُوبَاتٌ تَخُصُّ الْقَاطِعَ بِتَوْبَتِهِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ،
(ولو عفا وليه بمال.
. وجب، وسقط القصاص ويقتل حدًّا) كما لو وجب القصاص على مرتد فعفا عنه وليه، وعلى الثاني: العفو لغو، كذا قالاه في "الشرح" و"الروضة" 146، وقال البُلْقيني: إن المنصوص والذي عليه الجمهور: أنه لا يصح عفو الولي على القولين، لا بمال ولا بغير مال، قال: ولم أر هذا التفريع إلا في كلام الفوراني، وتبعه الإمام والغزالي والرافعي، وهو غير معتمد بل غلط، واستحقاق العافي المال لا في مقابلة حصلت للدافع.
. من أكل المال بالباطل، ولا يصح التشبيه بوجوب القصاص على المرتد حيث يصح العفو على مال وإن كان مقتولًا بالردة؛ لانفكاك أحد السببين عن الآخر، وهما القصاص والردة، ولأنه إذا أسلم.
. لم يقتل، بخلاف من تحتم قتله.
(ولو قتل بمثقل أو بقطع عضو.
. فعل به مثله) تغليبًا للقصاص، وإن غلبنا الحد.
. قتل بالسيف؛ كالمرتد.
(ولو جرح فاندمل.
. لم يتحتم قصاص) في الطرف المجني عليه (في الأظهر) بل يتخير المجروح بين القصاص والعفو على مال أو غيره؛ لأن التحتم حق الله تعالى فاختص بالنفس؛ كالكفارة، والثاني: يتحتم؛ كالنفس، والثالث: يتحتم في اليدين والرجلين؛ لأنهما مما يستحقان في المحاربة دون الأنف والأذن وغيرهما.
وقوله: (فاندمل) من زياداته على "المحرر"، واحترز به: عما إذا سرى إلى النفس.
. فهو كالقتل.
(وتسقط عقوبات تخص القاطع) مما هو حد لله تعالى، وهو انحتام القتل والصلب وقطع الرجل، وكذا اليد في الأصحِّ (بتوبته قبل القدرة عليه) لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾، الآية، أما ما لا يخص القاطع؛ كأصل
الجزء: 4 - الصفحة: 233
لَا بَعْدَهَا عَلَى الْمَذْهَب، وَلَا تَسْقُطُ سَائِرُ الْحُدُودِ بِهَا فِي الأَظْهَرِ.
فَصْلٌ [في اجتماع عقوبات على شخص واحد]
مَنْ لَزِمَهُ قِصَاصٌ وَقَطْعٌ وَحَدُّ قَذْفٍ وَطَالَبُوهُ. . جُلِدَ ثُمَّ قُطِعَ ثُمَّ قُتِلَ، وَيُبَادَرُ بِقَتْلِهِ بَعْدَ قَطْعِهِ لَا قَطْعِهِ بَعْدَ جَلْدِهِ إِنْ غَابَ مُسْتَحِقُّ قَتْلِهِ، وَكَذَا إِنْ حَضرَ وَقَالَ: (عَجِّلُوا الْقَطْعَ) فِي الأَصَحِّ.
القصاص، وضمان المال.
. فلا يسقط، (لا بعدها على المذهب) لمفهوم الآية.
والفرق من جهة المعنى: أنه بعد القدرة متهم لقصد دفع الحد، بخلاف ما قبلها؛ فإنها بعيدة من التهمة قريبة من الحقيقة، وقيل: قولان كالقولين في سقوط حد الزاني، والشارب، والسارق بالتوبة.
(ولا تسقط سائر الحدود) التي لله؛ كالزنا، والسرقة، والشرب (بها في الأظهر) لأنه لو سقط.
. لصار ذلك ذريعة في إبطال حكمة الحد، وسواء في ذلك قاطع الطريق وغيره، قبل القدرة عليه وبعدها، والثاني: السقوط بها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾، وقيس حد الشرب عليهما، بل أولى؛ لأنه أخف، ورجحه البُلْقيني، قال: لأن الشافعي رضي الله عنه جزم به في موضعين في "الأم"، قال الأَذْرَعي: وقد رجحه العراقيون أو أكثرهم، وهم أعلم بالنصوص.
ويرد على المصنف توبة تارك الصلاة؛ فإنها تسقط القتل قطعًا.
(فصل: من لزمه قصاص) في النفس (وقطع) قصاصًا (وحد قذف وطالبوه.
. جلد ثم قطع ثم قتل) لأنه أقرب إلى استيفاء الجميع، (ويبادر بقتله بعد قطعه لا قطعه بعد جلده إن غاب مستحق قتله) لأنه قد يهلك بالموالاة فيفوت قصاص النفس، (وكذا إن حضر وقال: "عجلوا القطع" في الأصح) لأنه قد يهلك بالموالاة، وربما يعفو مستحق القتل فيفوت قصاص النفس، والثاني: يبادر؛ لأن التأخير كان لحقه وقد رضي بالتقديم.
الجزء: 4 - الصفحة: 234
وَإِذَا أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ النَّفْسِ حَقَّهُ. . جُلِدَ، فَإِذَا بَرِئَ. . قُطِعَ، وَلَوْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ طَرَفٍ. . جُلِدَ، وَعَلَى مُسْتَحِقِّ النَّفْسِ الصَّبْرُ حَتَّى يُسْتَوْفَى الطَّرَفُ، فَإِنْ بَادَرَ فَقَتَلَ. . فَلِمُسْتَحِقِّ الطَّرَفِ دِيَتُهُ، وَلَوْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ الْجَلْدِ. . فَالْقِيَاسُ: صَبْرُ الآخَرَيْنِ. وَلَوِ اجْتَمَعَ حُدُودٌ للهِ تَعَالَى. . قُدِّمَ الأَخَفُّ فَالأَخَفُّ، أَوْ عُقُوبَاتٌ للهِ تَعَالَى وَلآدَمِيِّينَ. . قُدِّمَ حَدُّ قَذْفٍ عَلَى زِنًا، وَالأَصَحُّ: تَقْدِيمُهُ عَلَى حَدِّ شرْبٍ،
(وإذا آخر مستحق النفس حقه.
. جلد، فإذا برئ.
. قطع) ولا يوالى بينهما خوف الموت، فيفوت قصاص النفس، (ولو أخر مستحق طرف.
. جلد، وعلى مستحق النفس الصبر حتى يستوفَى الطرف) لئلا يفوت على ذي حق حقه، (فإن بادر) مستحق النفس (فقتل.
. فلمستحق الطرف ديته) في تركة المقتول؛ لفوات محل الاستيفاء، (ولو أخر مستحق الجلد.
. فالقياس: صبر الآخرين) لئلا يفوت على ذي حق حقه، وما ادعاه من القياس مردود بالنسبة إلى القطع؛ لأنه لا يفوت الجلد بالقطع؛ إذ يمكن استيفاؤه بعد البرء من القطع، لا سيما إذا كان الطرف أذنًا، أو أنملة ونحوها.
(ولو اجتمع حدود لله تعالى) بأن شرب، وزنا وهو بكر، وسرق، وارتد (. . قدم) وجوبًا (الأخف فالأخف) سعيًا في إقامة الجميع، وأخفها حد الشرب فيقام، ثم يمهل حتى يبرأ، ثم يجلد للزنا ويمهل، ثم يقطع، فإذا لم يبق إلا القتل.
. قتل ولا يمهل، وهل يقدم قطع السرقة على التغريب؟ قال ابن الرفعة: لم أر لأصحابنا تعرضًا له 147.
(أو عقوبات لله تعالى ولآدميين) بأن انضم إلى هذه العقوبات حد قذف (. . قدم حد قذف على زنا) كذا نص عليه، واختلف في علته، فقيل: لأنه أخف، والأصحُّ: كونه حق آدمي، وستأتي فائدتهما على الإثر.
(والأصح: تقديمه) أي: حد القذف (على حد شرب) لأنه حق آدمي، والثاني: عكسه؛ لأنه أخف.
الجزء: 4 - الصفحة: 235
وَأَنَّ الْقِصَاصَ قَتْلًا وَقَطْعًا يُقَدَّمُ عَلَى الزِّنَا.
(وأن القصاص قتلًا وقطعًا يقدم على الزنا) الخلاف مبني على المعنيين السابقين، ولو اجتمع مع الحدود تعزير.
. قال الماوردي: قدم عليها كلها؛ لخفته، ولأنه حق آدمي 148.
الجزء: 4 - الصفحة: 236
كتابُ الأشربة كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ. . حَرُمَ قَلِيلُهُ، وَحُدَّ شَارِبُهُ، إِلَّا صَبِيًّا وَمَجْنُونًا وَحَرْبِيًّا وَذِمِّيًّا
﴿كتاب الأشربة﴾
شرب الخمر من كبائر المحرمات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، وهو الخمر عند الأكثرين، قال الشاعر: [من الوافر]
شَرِبْتُ الإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي ... كَذَاكَ الإِثْمُ يَغْلِبُ بِالْعُقُولِ 149
وتظافرت الأحاديث على تحريمها، وكذلك الإجماع، ولا التفاتَ إلى ما حكي عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معدي كرب في ذلك؛ كما نبّه عليه الماوردي 150.
(كل شراب أسكر كثيره.
. حرم قليله) لحديث: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ.
. فَهُوَ حَرَامٌ"، متفق عليه 151، وصحح الترمذي: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ.
. فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ" 152.
(وحُدّ شاربه) وإن لم يسكر؛ لحديث: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ.
. فَاجْلِدُوهُ"، رواه الإمام أحمد، وصححه الحاكم 153.
وخرج بالشراب: النبات؛ كالحشيش الذي يتعاطاه السفلة؛ فإنه لا حد فيه وإن حرم؛ كما نقلاه في (باب الأطعمة) عن الروياني 154.
(إلا صبيًّا ومجنونًا) لرفع القلم عنهما، (وحربيًّا) لعدم الالتزام، (وذميًّا) لأنه لم يُلزم بالذمة ما لا يعتقده، إلا الأحكام المتعلقة بالعباد، وكذا المعاهد،
الجزء: 4 - الصفحة: 237
وَمُوجَرًا، وَكَذَا مُكْرَهًا عَلَى شُرْبِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَمَنْ جَهِلَ كَوْنَهَا خَمْرًا. . لَمْ يُحَدَّ، وَلَوْ قَرُبَ إِسْلَامُهُ فَقَالَ: (جَهِلْتُ تَحْرِيمَهَا). . لَمْ يُحَدَّ، أَوْ (جَهِلْتُ الْحَدَّ). . حُدَّ. وَيُحَدُّ بدُرْدِيِّ خَمْرٍ، لَا بِخُبْزٍ عُجِنَ دَقِيقُهُ بِهَا وَمَعْجُونٍ هِيَ فِيهِ، وَكَذَا حُقْنَةٌ وَسَعُوطٌ فِي الَأَصَحِّ، وَمَنْ غَصَّ بِلُقْمَةٍ. . أَسَاغَهَا بِخَمْرٍ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا،
(وموجَرًا) أي: وهو من أوجر المسكر قهرًا؛ إذ لا صنع له.
(وكذا مكرهًا على شربها على المذهب) 155 لحديث: "وُضِعَ عَنْ أُمَّتِيَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" 156، وقيل: وجهان، فإن قلنا: يحد.
. لم يجز تناوله، وإلا.
. جاز.
(ومن جهل كونها خمرًا) أي: شرب شيئًا ظنه مباحًا وكان خمرًا.
. (لم يحد) للعذر.
(ولو قرب إسلامه فقال: "جهلت تحريمها".
. لم يحد) للعذر أيضًا، (أو "جهلت الحد".
. حد) لأن من حقه إذا علم التحريم أن يمتنع.
(ويحد بدُرْديّ خمر) وهو ما يبقى في آخر الإناء من العكر؛ لأنه منه، (لا بخبز عجن دقيقه بها) على الصحيح؛ لأن عين الخمر أكلتها النار، وبقي الخبز نجسًا، (ومعجونٍ هي فيه) لاستهلاكها، (وكذا حقنة وسعوط في الأصح) لأن الحد للزجر، ولا حاجة إليه هنا؛ فإن النفس لا تدعو إليه، والثاني: يحد فيهما؛ كما يحصل بهما الإفطار، والثالث: يحد في الثاني دون الأول.
(ومن غص بلقمة) وخاف الهلاك (. . أساغها) وجوبا (بخمر إن لم يجد غيرها) إنقاذًا للنفس من الهلاك، والسلامة بذلك قطعية، بخلاف التداوي وشربِها للعطش، قال الأصحاب: وهذه رخصة واجبة.
وقوله: (غص): هو بفتح الغين وضمها، والفتح أجود؛ كما قاله المصنف في
الجزء: 4 - الصفحة: 238
وَالأَصَحُّ: تَحْرِيمُهَا لِدَوَاءٍ وَعَطَشٍ. وَحَدُّ الْحُرِّ أَرْبَعُونَ، وَالرَّقِيقِ عِشْرُونَ
"التهذيب"، وضبطه في "المنهاج" بخطه بالفتح 157.
(والأصح: تحريمها لدواء) لأنها داء وليست بدواء؛ كما أخرجه مسلم 158، (وعطش) لأنها لا تزيل العطش بل تزيده؛ لأن طبعها حار يابس؛ كما قاله الأطباء، ومقابل الأصحِّ: أوجه: أحدها: يجوز للتداوي والعطش، والثاني: يجوز للتداوي دون العطش، والثالث: عكسه.
وشربها لدفع الجوع كهو لدفع العطش، وقيل: لا يجوز للجوع وإن جوزناه للعطش؛ لأنها تحرق كبد الجائع.
وحيث جوزنا للتداوي.
. فله شروط: خبر طبيب مسلم أو خبرته في نفسه، وألا يجد ما يقوم مقامها، وأن يكون قليلًا لا يسكر.
وإنما يحرم التداوي بصِرْفها، فأما الترياق المعجون بها ونحوه مما تستهلك فيه.
. فإنه جائز.
وإذا قلنا بالتحريم في الصورتين.
. هل يجب الحد فيه؟ وجهان، رجح في "الشرح الصغير": عدم وجوبه؛ لشبهة الخلاف في حله، وقال في "تصحيح التنبيه": إنه المختار 159، وقال الأَذْرَعي: إنه الأصحُّ الأقوى.
(وحد الحر أربعون) للاتباع 160، (والرقيق عشرون) لأنه حد يتبعض، فينصف على العبد؛ كحد الزنا، والمبعض كالقن؛ كما جزم به الأَذْرَعي والزركشي وغيرهما 161.
الجزء: 4 - الصفحة: 239
بِسَوْطٍ أَوْ أيْدٍ أَوْ نِعَالٍ أَوْ أَطْرَافِ ثِيَابٍ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ سَوْطٌ. وَلَوْ رَأَى الإِمَامُ بُلُوغَهُ ثَمَانِينَ. . جَازَ فِي الأَصَحِّ، وَالزِّيَادَةُ تَعْزِيرَاتٌ، وَقِيلَ: حَدٌّ. وَيُحَدُّ بِإِقْرَارِهِ أَوْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، لَا بِرِيحِ خَمْرٍ وَسُكْرٍ وَقَيْءٍ،
(بسوط أو أيد أو نعال أو أطراف ثياب) 162 لأنه صلى الله عليه وسلم كان يضرب بالجريد والنعال، متفق عليه 163، وفي "البخاري": أنه عليه السلام أُتيَ بسكران، فأمر بضربه، فمنهم من ضربه بيده، ومنهم من ضربه بنعله، ومنهم من ضربه بثوبه 164، قال البغوي في "تعليقه": فيفتل الثوب، ويضرب به حتى يحصل الإيلام، (وقيل: يتعين سوط) لإجماع الصحابة على الضرب به، وكحد الزنا والقذف.
(ولو رأى الإمام بلوغه) في الحر (ثمانين.
. جاز في الأصح) لأن عمر رضي الله عنه رآه، ووافقه الصحابة، متفق عليه 165، ورواه عبد الرزاق مرفوعًا 166، والثاني: لا تجوز الزيادة على الأربعين، لرجوع علي رضي الله عنه إلى أربعين 167.
(والزيادة) على الأربعين (تعزيرات) لأنها لو كانت حدًّا.
. لما جاز تركها وهو جائز، (وقيل: حد) لأن التعزير لا يكون إلا عن جناية محققة.
(ويحد بإقراره أو شهادة رجلين) بأنه شرب خمرًا أو مسكرًا، لا بشهادة رجل وامرأتين، ولا بعلم القاضي، (لا بريح خمر وسكر وقيء) لاحتمال أن يكون شرب غالطًا أو مكرهًا، والحد يُدرأ بالشبهة، وقال ابن أبي هريرة: أحدُّ بالسكر إلا أن يدعي ما يسقط الحد، وعزاه ابن المنذر في "الإشراف" للشافعي 168.
الجزء: 4 - الصفحة: 240
وَيَكْفِي فِي إِقْرَارٍ وَشَهَادَةٍ: (شَرِبَ خَمْرًا)، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ: (وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ مُخْتَارٌ)، وَلَا يُحَدُّ حَالَ سُكْرِهِ، وَسَوْطُ الْحُدُودِ: مَا بَيْنَ قَضِيبٍ وَعَصًا وَرَطْبٍ وَيَابِسٍ،
(ويكفي في إقرار وشهادة: "شَرب خمرًا") لأنه من التصريح بالسبب المقتضي للحد، ولا يشترط التعرض إلى كونه عالمًا مختارًا؛ لأن الأصل عدم الإكراه، والغالب من حال الشارب علمه بما يشربه، (وقيل: يشترط: "وهو عالم به مختار") لاحتمال ما تقدّم، كالشهادة بالزنا.
وفرق الأول: بأن الزنا قد يطلق على ما لا حد فيه، كما في الحديث: "الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ" 169، بخلاف شرب المسكر.
(ولا يحد حال سكره) لأن المقصود منه الردع والزجر والتنكيل، وهو لا يحصل مع السكر، فلو حد.
. ففي الاعتداد به وجهان حكاهما في "الكفاية" عن القاضي الحسين، وصحح البُلْقيني والأَذْرَعي: الاعتداد، ونقل ابن الملقن عن أبي حيان التوحيدي من أصحابنا عن القاضي أبي حامد المروزي: أنه لا خلاف في الاعتداد به 170.
(وسوط الحدود) والتعزيرات: (ما بين قضيب وعصًا، و) بين (رطب ويابس) لأنه عليه السلام أُتي بسوط مكسور، فقال: "فَوْقَ هَذَا"، فأُتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: "دُوْنَ هَذَا"، فأُتي بسوط قد رُكِب به ولان، فأمر به فجلد، رواه مالك مرسلًا، قال ابن الملقن: وروي موصولًا أيضًا 171.
وثمرة السوط: طرفه.
وقوله: (ركب) -بضم الراء وتخفيف الكاف- ومعناه: أنه استعمل في الركوب في سوق الدابة ونحوه، والمعنى في هذا: إيلامه؛ لينزجر مع بقائه.
الجزء: 4 - الصفحة: 241
وَيُفَرِّقُهُ عَلَى الأَعْضَاءِ إِلَّا الْمَقَاتِلَ وَالْوَجْهَ، قِيلَ: وَالرَّأْسَ، وَلَا تشُدُّ يَدُهُ، وَلَا تُجَرَّدُ ثِيَابُهُ، وَيُوَالِي الضَّرْبَ بحَيثُ يَحْصُلُ زَجْرٌ وَتنكِيلٌ.
فَصْلٌ [في التعزير]
يُعَزَّرُ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ لَهَا وَلَا كَفَّارَةَ
(ويفرّقه على الأعضاء) لئلا يعظم ألمه بالموالاة في موضع واحد، (إلا المقاتل) كثغرة النحر والفرج ونحوهما؛ لأن المقصود تأديبه وزجره، لا إهلاكه، (والوجه) لقول علي رضي الله عنه للجلاد: (اتق الوجه) 172، (قيل: والرأس) لأنه موضع شريف، وفيه مقتل، والأصحُّ: المنع؛ لقول أبي بكر رضي الله عنه للجلاد: (اضرب الرأس؛ فإن الشيطان في الرأس) 173، ولأنه مستور بالشعر غالبًا، فلا يخاف من ضربه ما يخاف من ضرب الوجه.
(ولا تشد يده)، بل تترك؛ ليتقي بها إن شاء، ولا يلقى على وجهه ولا يمد، بل يجلد الرجل قائمًا والمرأةُ جالسة.
(ولا تجرد ثيابه) كلُّها، بل يترك عليه قميص أو قميصان، لا ما يمنع الألم؛ من جبة محشوة، وفروة؛ ملاحظةً لمقصود الحد، ويترك على المرأة ما يسترها، وتشد عليها ثيابها.
(ويوالي الضرب بحيث يحصل زجر وتنكيل)، فلا يجوز أن يفرق فيضرب في كل يوم سوطًا أو سوطين، لفوات مقصود الحد.
(فصل: يعزر في كل معصيه لا حد لها ولا كفارة).
واستثني من منطوق الكتاب صور كثيرة: منها: ذوو الهيئات، قال الشافعي: وهم الذين لا يعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة، فلا يعزرون، بل تقال عثرتهم
الجزء: 4 - الصفحة: 242
بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ صَفْعٍ أَوْ تَوْبِيخٍ،
وتستر زلتهم 174، للحديث المشهور: "أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ، إِلَّا الْحُدُودَ" 175، ومنها: إذا رأى من يزني بأهله وهو محصن، فقتله في تلك الحالة.
. فلا تعزير عليه وإن افتات على الإمام؛ لأجل الحمية والغيظ؛ حكاه ابن الرفعة عن ابن داوود، ومنها: الأصل لا يعزر لحق الفرع؛ كما لا يحد بقذفه، صرح به الماوردي 176.
واستثني من مفهومه أيضًا صور كثيرة: منها: الجماع في نهار رمضان، فإنه يجب فيه التعزير مع الكفارة؛ كما نقله البغوي في "شرح السنة" عن إجماع الأمة 177، ومنها: الزيادة على أربعين في الشرب إلى ثمانين تعزير على الصحيح؛ كما مر، ومنها: ما ذكره الشيخ عز الدين في "القواعد الصغرى": أنه لو زنى بأمه في جوف الكعبة في رمضان، وهو صائم معتكف محرم.
. لزمه العتق والبدنة، ويحد للزنا، ويعزر لقطع رحمه وانتهاك حرمة الكعبة 178، ومنها: الصبي والمجنون يعزران إذا فعلا ما يعزر عليه البالغ وإن لم يكن فعلهما معصية، نصّ عليه في الصبي، وذكره القاضي الحسين في المجنون.
(بحبس، أو ضرب، أو صفع، أو توبيخ)، أو نفي؛ كما ذكراه في (باب حد الزنا)، ونص عليه في "الأم"، أو إعراض؛ كما ذكره الماوردي؛ لأنها تفيد الردع والزجر عن الجريمة 179.
وله إشهاره في الناس إذا أدى اجتهاده إليه، ويجوز حلق رأسه دون لحيته، وله الجمع بين الحبس والضرب إن رآه، نص عليه في "الأم"، وصرح به الماوردي،
الجزء: 4 - الصفحة: 243
وَيَجْتَهِدُ الإِمَامُ فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ، وَقِيلَ: إِنْ تَعَلَّقَ بِآدَمِيٍّ. . لَمْ يَكْفِ تَوْبِيخ، فَإِنْ جُلِدَ. . وَجَبَ أَنْ يَنْقُصَ فِي عَبْدٍ عَنْ عِشْرِينَ جَلْدَةً، وَحُرٍّ عَنْ أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: عِشْرِينَ، وَيَسْتَوِي فِي هَذَا جَمِيعُ الْمَعَاصِي فِي الأَصَحِّ.
والقاضي أبو الطيب، والشيخان 180.
وعلى الإمام في إقامة التعزير مراعاة الترتيب والتوبيخ اللائق بالحال في القدر والنوع؛ كما يراعيه في دفع الصائل، ويشترط: أن ينقص مدة الحبس عن سنة، نص عليه في "الأم" في (قتل المؤمن بالكافر)، فقال: ولا يبلغ بحبسه سنة 181.
(ويجتهد الإمام في جنسه وقدره) لأنه غير مقدر، فوكل إلى رأيه يجتهد في سلوك الأصلح؛ لاختلاف ذلك باختلاف مراتب الناس، (وقيل: إن تعلق بآدمي.
. لم يكف توبيخ) لتأكد حق الآدمي، والأصحُّ: الاكتفاء؛ كما في حق الله تعالى.
(فإن جلد.
. وجب أن ينقص في عبد عن عشرين جلدة، وحرٍّ عن أربعين) لأن جناية العبد دون جناية الحر، فتعزير الحر يعتبر بحده، وتعزير العبد يعتبر بحده، (وقيل: عشرين) لأنها حد العبد، فهو داخل في المنع في قوله عليه السلام: "مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ.
. فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ"، رواه البيهقي وقال: المحفوظ إرساله 182.
وقيل: لا يزاد في تعزيرهما على عشرة أسواط، وهو قوي مختار؛ لما في "الصحيحين": "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى" 183، قال صاحب "التقريب": ولو بلغ الخبر للشافعي.
. لقال به.
وأجاب من قال بالأول: إن الخبر منسوخ أو مؤول.
(ويستوي في هذا جميع المعاصي في الأصح)، ويلحق ما هو من مقدمات موجبات الحدود بما ليس من مقدماتها؛ إذ لا دليل على التفرقة، والثاني: لا، بل
الجزء: 4 - الصفحة: 244
وَلَوْ عَفَا مُسْتَحِقُّ حَدٍّ. . فَلَا تَعْزِيرَ لِلإِمَامِ فِي الأَصَحِّ، أَوْ تَعْزِيرٍ. . فَلَهُ فِي الأَصَحِّ.
تقاس كل معصية بما يناسبها مما يوجب الحد، فلا يبلغ بتعزير مقدمات الزنا حدَّ الزنا، وله أن يزيد على حد القذف، ولا يبلغ بتعزير السب حدَّ القذف، وله أن يزيد على حد الشرب، ولا يبلغ بتعزير إدارة كأس الماء على الشرب تشبيهًا بشارب الخمر حدَّ الشرب؛ اعتبارًا لكل نوع بغاية الزاجر المشروع في جنسه، وقرُب هذا من قولهم: إن حكومة الجناية الواردة على عضو تعتبر بأرش ذلك العضو.
(ولو عفا مستحق حد.
. فلا تعزير للإمام في الأصح، أو تعزير.
. فله في الأصح) لأن الحد لازم مقدر لا نظر للإمام فيه، فلا سبيل إلى العدول إلى غيره بعد سقوطه، والتعزير يتعلق أصله بنظره، فجاز ألا يؤثر فيه إسقاط غيره، والثاني: له ذلك مطلقًا، واختاره الشيخ عز الدين 184؛ لأنه لا يخلو عن حق لله تعالى، ولأنه قد يحتاج إلى زجره وزجر غيره عن مثل ذلك، والثالث: لا مطلقًا؛ لأن مستحقه أسقطه 185.
الجزء: 4 - الصفحة: 245
كتابُ الصِّيال وضمان الولاة لَهُ دَفْعُ كُلِّ صائِلٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ أَوْ بُضْعٍ أَوْ مَالٍ، فَإِنْ قَتَلَهُ. . فَلَا ضَمَانَ، وَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ مَالٍ،
﴿كتاب الصيال وضمان الولاة﴾ والختان وإتلاف البهائم
والأصل في الباب: ما سيأتي، وافتتحه في "المحرر" بقوله صلى الله عليه وسلم: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا" الحديث، وهو في "صحيح البخاري" 186، واستأنسوا له أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾، الآية.
(له دفع كل صائل على نفس أو طرف أو بضع أو مال) وإن قل؛ لحديث: "مَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ.
. فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ.
. فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ.
. فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ.
. فَهُوَ شَهِيدٌ"، رواه أبو داوود والترمذي، وصححه 187.
وجه الدلالة: أنه لما جعله شهيدًا.
. دل على أن له القتلَ والقتالَ؛ كما أن من قتله أهلُ الحرب لما كان شهيدًا.
. كان له القتل والقتال.
وفي معنى البضع: من قصد الاستمتاع بأهله فيما دون الفرج.
وسواء في المال كان له أو لغيره، حتى لو رأى من يحرق مال نفسه أو يفرقه عبثًا.
. فله دفعه عنه.
(فإن قتله) في الدفع (. . فلا ضمان) لأنه مأمور بدفعه، وفي الأمر بالقتال والضمان منافاة.
واستثنى الدبيلي في "أدب القضاء": المضطر، فإذا قتله صاحب الطعام دفعًا.
. وجب عليه القود؛ لأن المضطر أبيح له تناول ذلك، فكأنه قتله بغير حق.
(ولا يجب الدفع عن مال) لأنه يجوز إباحته للغير، وهذا في غير ذي الروح، أما
الجزء: 4 - الصفحة: 247
وَيَجِبُ عَنْ بُضعٍ، وَكَذَا نَفْسٌ قَصَدَهَا كَافِرٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، لَا مُسْلِمٌ فِي الأَظْهَرِ. وَالدَّفْعُ عَنْ غَيْرِهِ كَهُوَ عَنْ نفْسِهِ، وَقِيلَ: يَجِبُ قَطْعًا
الحيوان.
. فيجب الدفع عنه إذا قصد إتلافه ما لم يخش على نفسه؛ لحرمة الروح.
(ويجب عن بضع) لأنه لا مجال للإباحة فيه، وسواء بضع أهله وغيرهم، وشرطه: ألا يخاف على نفسه، (وكذا نفس قصدها كافر) لأن الاستسلام لهم ذل في الدين، (أو بهيمة) لأنها مذبوحة؛ لاستبقاء المهجة، فكيف يؤثرها ويستسلم لها؟ !
(لا مسلم في الأظهر) لحديث: "كُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ"، صححه ابن حبان 188، والثاني: يجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وكما يجب على المضطر إحياءُ نفسه بالأكل.
وأجاب الأول: بأن في القتل شهادة، بخلاف ترك الأكل، وحكى القاضي الحسين تصحيح الأول عن الأصحاب، وجريا عليه 189، لكن قال القاضي أبو الطيب: إن الذي قال به سائر الأصحاب الثاني، وإنه المشهور، وقال القاضي: إن أمكنه دفعه بغير قتله.
. وجب، وإلا.
. فلا.
ومحل الخلاف: في المحقون الدم؛ كما قيده القاضي الحسين والإمام 190؛ ليخرج المهدر؛ كالزاني المحصن وقاطع الطريق؛ فإن حكمهما حكم الكافر؛ كما صرح به صاحب "الترغيب".
(والدفع عن غيره كهو عن نفسه)، فحيث تجب هناك تجب هنا، وإلا.
. فلا؛ إذ لا يزيد حق غيره على حق نفسه.
نعم؛ لو صال حربي على حربي.
. لم يجب الدفع على المسلم وإن وجب دفعه عن نفسه.
(وقيل: يجب قطعًا) لأن له الإيثار بحق نفسه دون حق غيره، وقيل: لا يجب
الجزء: 4 - الصفحة: 248
وَلَوْ سَقَطَتْ جَرَّةٌ وَلَمْ تندَفِعْ عَنْهُ إِلَّا بِكَسْرِهَا. . ضَمِنَهَا فِي الأَصَحِّ. وَيُدْفَعُ الصَّائِلُ بالأَخَفِّ، فَإِنْ أَمْكَنَ بِكَلَامٍ أَوِ اسْتِغَاثَةٍ. . حَرُمَ الضَّرْبُ، أَوْ بِضَرْبِ يَدٍ. . حَرُمَ سَوْطٌ، أَوْ بِسَوْطٍ. . حَرُمَ عَصًا، أوْ بِقَطْعِ عُضْوٍ. . حَرُمَ قَتْلٌ،
قطعًا، ونسبه الإمام إلى معظم الأصوليين؛ لأن شهر السلاح يحرك الفتن، وليس ذلك من شأن آحاد الناس، وإنما هو من وظيفة الإمام 191.
ومحل القول بالوجوب: ما إذا لم يخف على نفسه؛ كما جزم به الرافعي هنا، لكن كلامه في "السير" يقتضي جريانه عند الخوف أيضًا 192.
ويستثنى من محل الخلاف: ما إذا كان المقصود نبيًّا.
. فإنه يجب الدفع عنه قطعًا؛ كما قاله الفوراني في (كتاب النكاح) من "العمد".
(ولو سقطت جرة ولم تندفع عنه إلا بكسرها.
. ضمثها في الأصح) لأنه لا قصد لها ولا اختيار حتى يحال عليها، فصار كالمضطر إلى طعام الغير؛ يأكله ويضمن؛ لأنه لمصلحة نفسه، والثاني: لا؛ تنزيلًا لها منزلة البهيمة.
وفرق الأول: بأن البهيمة لها نوع اختيار.
وصحح البُلْقيني الثاني، وقال: إن الأول لم يسبق الرافعيَّ إلى تصحيحه أحدٌ، وبسط ذلك.
(ويدفع الصائل بالأخف، فإن أمكن بكلام أو استغاثة.
. حرم الضرب، أو بضرب يدٍ.
. حرم سوط، أو بسوط.
. حرم عصًا، أو بقطع عضو.
. حرم قتل) لأنه جوز للضرورة، ولا ضرورة في الأغلظ مع إمكان الأسهل، والمعتبر في ذلك: غلبة الظن.
وفائدة هذا الترتيب: أنه متى خالف وعدل إلى رتبة مع إمكان الاكتفاء بما دونها.
. ضمن.
ويستثنى من مراعاة الترتيب صور: إحداها: الفاحشة، فلو رآه أولج في أهله.
.
الجزء: 4 - الصفحة: 249
فَإِنْ أَمْكَنَ هَرَبٌ. . فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُهُ وَتَحْرِيمُ قِتَالٍ. وَلَوْ عُضَّتْ يَدُهُ. . خَلَّصَهَا بِالأَسْهَلِ مِنْ فَكِّ لَحْيَيْهِ
قال الماوردي: فليعجل الدفع بالأعلى، فيجوز أن يبدأ بالقتل 193، وفي هذا القتل وجهان: أحدهما: قتل دفع، فيختص بالرجل دون المرأة، ويستوي فيه البكر والثيب، والثاني: قتل حد، وله أن ينفرد به دون السلطان.
فعلى هذا: له قتلها إن كانت ثيبًا مطاوعة، وتجلد البكر المطاوعة، وأما الرجل.
. ففيه وجهان: أحدهما: يفرق فيه بين البكر والثيب، وأظهرهما: أنه لا فرق.
الثانية: لو كان الصائل يندفع بالضرب والعصا، والمصول عليه لا يجد إلا السيف.
. فالصحيح: أن له الضربَ؛ لأنه لا يمكنه الدفع إلا به، وليس بمقصر في ترك استصحاب السوط.
الثالثة: ما سيأتي في الناظر للحُرَم؛ أنه يرمى بالحصا قبل الإنذار.
وإذا قصد إنسان قطع طرفه وكان لا يمتنع عنه إلا بقتال ربما يؤدي إلى قتل.
. هل يقاتل عليه؟ قال في "الإحياء" قيل: فإن قلتم: نعم.
. فهو محال؛ لأنه هلاك نفس خوفًا من إهلاك طرف، [و] في إهلاكها إهلاكه أيضًا، قلنا: يمنعه ويقاتله؛ إذ ليس الغرض حفظ طرفه، بل حفظ سبيل المنكرات 194.
(فإن أمكن هرب.
. فالمذهب: وجوبه وتحريم قتال)، اختلف نص الشافعي رضي الله عنه في هذه المسألة، وللأصحاب طريقان: أصحهما: على قولين: أظهرهما: أنه يجب الهرب؛ لأن الإنسان مأمور بتخليص نفسه بالأهون فالأهون، والهرب أهون، والثاني: لا يجب؛ لأن إقامته في ذلك الموضع جائزة، فلا يكلف الانصراف، والطريق الثاني: حمل نص الهرب على من تيقن النجاة بالهرب، والآخر على من لا يتيقن.
(ولو عضت يده.
. خلصها بالأسهل من فك لحييه) أي: رفع أحدهما عن الآخر
الجزء: 4 - الصفحة: 250
وَضَرْبِ شِدْقَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ فَسَلَّهَا فَنَدَرَتْ أَسْنَانُهُ. . فَهَدَر. وَمَنْ نَظَرَ إِلَى حُرَمِهِ فِي دَارِهِ مِنْ كَوَّةٍ أَوْ ثَقْبٍ عَمْدًا فَرَمَاهُ بِخَفِيفٍ؛ كَحَصَاةٍ فَأَعْمَاهُ، أَوْ أَصَابَ قُرْبَ عَيْنِهِ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ. . فَهَدَرٌ،
بلا جرح، (وضرب شدقيه، فإن عجز فسلها فندرت أسنانه) أي: سقطت (. . فهدر) لما في "الصحيحين": أن رجلًا عض يد رجل فنزع يده من فيه فوقعت ثناياه، فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ! لَا دِيَةَ لَكَ" 195.
ولأن النفس لا تضمن بالدفع، فالأطراف أولى، سواء كان العاض ظالمًا أو مظلومًا، لأن العض لا يجوز بحال.
واقتضى كلامه شيئين: الأول: التخيير بين الفك والضرب، وليس كذلك؛ فالفك مقدم على الضرب، كما في "أصل الروضة"؛ لأنه أسهل 196، الثاني: الحصر فيما ذكره، وليس كذلك أيضًا؛ فالصحيح في "أصل الروضة": أنه إذا لم يمكنه التخلص إلا ببعج بطنه أو فقء عينيه.
. جاز 197.
(ومن نظر إلى حرمه في داره من كوّة أو ثقب عمدًا فرماه بخفيف، كحصاة، فأعماه، أو أصاب قرب عينه فجرحه فمات.
. فهدر) للحديث الصحيح فيه 198.
وشمل كلامه: ما لو كان الناظر امرأة أو مراهقًا، وهو كذلك، واستشكل في المراهق؛ لأنه غير مكلف، ولا يستوفى منه الحدود، وأجيب: بأن الرمي ليس للتكليف، بل لدفع مفسدة النظر، فلا فرق بين المكلف وغيره ممن تحصل به المفسدة، وشمل أيضًا: غير المراهق، مع أنه لا يجوز رميه ولو كان مميزًا.
وخرج بقوله: (نظر): الأعمى؛ فلا يرميه، لفوات الاطلاع على العورات، ومن استرق السمع؛ فإنه لا يجوز رمي أذنه؛ إذ ليس السمع كالبصر في الاطلاع على العورات.
الجزء: 4 - الصفحة: 251
بِشَرْطِ عَدَمِ مَحْرَمٍ وَزَوْجَةٍ لِلنَّاظِرِ،
والمراد بالحرم: الإناث؛ من زوجات، وإماء، ومحارم.
ويرد على مفهومه: ما لو كان فيها رجل مكشوف العورة ولم يكن هناك حرم.
. فإنه يرميه، فإن لم يكن مكشوف العورة.
. لم يرمه على الأصحِّ.
والمراد بـ (داره): المختصة به ولو بإعارة أو إجارة أو وقف عليه، بخلاف الجالس بأهله في المسجد وإن أغلق بابه.
وقضية كلام المصنف: أن المستعير يرمي المعير إذا نظر، وفي المسألة وجهان في "أصل الروضة" بلا ترجيح 199، ورجح الأَذْرَعي وغيره: أنه يرميه.
واحترز بالكَوّة والثقب: عما لو نظر من الباب المفتوح.
. فلا يرميه؛ لتفريط صاحب الدار بفتحه، ولا بدّ من تقييد الكَوّة بالصغيرة، أما الكبيرة.
. فكالباب المفتوح.
نعم؛ حكم النظر من سطح نفسه والمؤذن من المنارة.
. كالكَوّة على الأصحِّ؛ إذ لا تفريط من صاحب الدار.
وقوله: (عمدًا): خرج به ما إذا كان مخطئًا أو وقع بصره اتفاقًا.
. فإنه لا يرميه إذا علم بذلك صاحب الدار.
وقوله: (بخفيف) خرج به الثقيل؛ كالحجر، والنُّشاب، ويضمن حينئذ بالقصاص أو الدية.
(بشرط عدم محرم وزوجة للناظر)، فإن كان.
. لم يجز رميه، لأن له في النظر شبهةً.
وكان ينبغي أن يقول: (محرم أو زوجة)؛ فإن أحدهما كافٍ.
وأورد على طرده: ما لو كان له هناك متاع.
. فإنه لا يجوز رميه؛ كما جزما به 200، وفيه نظر، وعلى عكسه: ما لو كان له محرم، لكن متجردة.
. فإنه يجوز رميه؛ إذ ليس له النظر إلى ما بين السرة والركبة.
الجزء: 4 - الصفحة: 252
قِيلَ: وَاسْتِتَارِ الْحُرَمِ، قِيلَ: وَإِنْذَارٍ قَبْلَ رَمْيِهِ. وَلَوْ عَزَّرَ وَلِيٌّ وَوَالٍ وَزَوْجٌ وَمُعَلِّمٌ. . فَمَضْمُونٌ، وَلَوْ حَدَّ مُقَدَّرًا. . فَلَا ضَمَانَ. وَلَوْ ضُرِبَ شَارِبٌ بِنِعَالٍ وَثِيَابٍ. . فَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّحِيحِ،
(قيل: و) بشرط عدم (استتار الحرم)، فإن كن متسترات بالثياب أو في منعطف لا يراهن الناظر.
. لم يجز رميه؛ لعدم اطلاعه، والأصحُّ: جواز الرمي مطلقًا؛ حسمًا للباب، وقد يريد ستر حُرَمه عن الناس وإن كن مستترات.
(قيل: و) يشترط في جواز رميه (إنذار قبل رميه) بأن يقول له: (انصرف؛ فإن ههنا عورةً)، فإن لم ينصرف.
. جاز رميه حينئذ؛ طردًا لقاعدة الباب في البداءة بالأخف فالأخف، والأصحُّ: أنه لا يشترط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ.
. فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَؤُوا عَيْنَهُ" متفق عليه 201، ولم يذكر الإنذار.
(ولو عزر ولي ووال وزوج ومعلم.
. فمضمون) إذا سرى التعزير إلى التلف؛ لأنه تبين بالهلاك أنه جاوز الحد المشروع.
نعم؛ لو كان مملوكًا فضربه بإذن السيد.
. فلا ضمان؛ لأنه لو أذن له في قتله فقتله.
. لم يضمنه، قاله البغوي، وأقراه، وحكاه الإمام في (كتاب الرهن) عن العراقيين 202.
واستثنى البُلْقيني من الضمان: ما إذا اعترف بما يقتضي التعزير وطلب بنفسه من الوالي تعزيره فعزره.
. فإنه لا يضمنه؛ لإذنه، وينبغي أن يقيد بما إذا عين له نوع التعزير وقدره.
(ولو حد مقدرًا.
. فلا ضمان) لأن الحق قتله، وسواء جلده في حَرٍّ أو برد، أو في غيرهما؛ كما تقدم في آخر حد الزنا.
ولا معنى لوصف الحد بالتقدير؛ فإن الحد لا يكون إلا مقدرًا.
(ولو ضرب شارب بنعال وثياب) ومات (. . فلا ضمان على الصحيح) المنصوص 203.
الجزء: 4 - الصفحة: 253
وَكَذَا أَرْبَعُونَ سَوْطًا عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ أَكْثَرُ. . وَجَبَ قِسْطُهُ بِالْعَدَدِ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفُ دِيَةٍ، وَيَجْرِيَانِ فِي قَاذِفٍ جُلِدَ أَحَدًا وَثَمَانِينَ. وَلِمُسْتَقِلٍّ قَطْعُ سِلْعَةٍ إِلَّا مَخُوفَةً لَا خَطَرَ فِي تَرْكِهَا، أَوِ الْخَطَرُ فِي قَطْعِهَا
الخلاف مبني على أنه هل يجوز جلده هكذا؟ إن قلنا: نعم -وهو الأصحُّ-.
. لم يضمن، وإلا.
. ضمن؛ لأنه عدل إلى غير الجنس الواجب، كذا قاله الرافعي 204، قال الأَذْرَعي: وكأن المراد: إذا قلنا: لا يكتفى بذلك ويتعين السوط، قال البُلْقيني: ولا يجوز إثبات وجه الضمان عندي؛ لأنه مخالف للسنة الصحيحة، وادعاء نسخه بالجلد باطل، ولو صح.
. لكان عدولًا إلى الأخف، وذلك لا يقتضي الضمان.
(وكذا أربعون سوطًا على المشهور) لأنه جلد يسقط به الحد، فلا يتعلق به ضمان؛ كالحد في الزنا والقذف، والثاني: أنه يضمن؛ لأن تقديره كان بالاجتهاد؛ كذا علله الرافعي 205، واعترض: بأن في "صحيح مسلم" عن علي رضي الله عنه قال: (جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين) 206، فهو ثابت بالنص.
(أو أكثر) من أربعين في صورتي النعال والسياط فمات (. . وجب قسطه بالعدد) نظرًا للزائد فقط، فإذا ضربه أحدًا وأربعين.
. لزمه جزء واحد من أحد وأربعين جزءًا من الدية، ويسقط الباقي، (وفي قول: نصف دية) لأنه مات من مضمون وغير مضمون، وفي قول: تجب جميع الدية.
(ويجريان في قاذف جلد أحدًا وثمانين) فمات، ففي قول: تجب نصف دية، والأظهر: جزء من أحد وثمانين جزءًا.
(ولمستقل) بأمر نفسه، [وهو الحر المكلف وإن كان سفيهًا] 207 (قطع سلعة) من نفسه ولغيره بإذنه؛ لأن فيه مصلحةَ إزالة الشين، والسِّلْعة -بكسر السين-: خُرَاج كالغدد يخرج بين الجلد واللحم، (إلا مخوفة لا خطر في تركها، أو الخطر في قطعها
الجزء: 4 - الصفحة: 254
أَكْثَرُ، وَلِأبٍ وَجَدٍّ قَطْعُهَا مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ مَعَ الْخَطَرِ إِنْ زَادَ خَطَرُ التَّرْكِ، لَا لِسُلْطَانٍ، وَلَهُ وَلِسُلْطَانٍ قَطْعُهَا بِلَا خَطَرٍ، وَفَصْدٌ وَحِجَامَةٌ، فَلَوْ مَاتَ بِجَائِزٍ مِنْ هَذَا. . فَلَا ضَمَانَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ فَعَلَ سُلْطَانٌ بِصَبِيٍّ مَا مُنِعَ. . فَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِهِ،
أكثر) أي: يمتنع القطع في هاتين الصورتين؛ لأنه يؤدي إلى إهلاك النفس.
وأفهم: الجواز فيما إذا لم يكن خطر أصلًا، أو كان الخطر في إبقائها أكثر من القطع، أو استوى الأمران، وفي الأخيرة وجه؛ إذ لا فائدة، ورُدّ: بفائدة إزالة الشين، والرجوعُ في ذلك لأهل الخبرة.
وتآكل بعض الأعضاء حكمُه حكمُ السِّلْعة.
(ولأب وجد قطعها) أي: السلعة (من صبي ومجنون مع الخطر إن زاد خطر الترك) لأنهما يليان ماله، ويصونانه من الضياع، فصيانة بدنه بالمعالجة أولى.
وأفهم: المنع عند استواء خطر القطع والترك، وهو ما صححه الإمام، وأقراه 208، ويحتاج إلى الفرق بينه وبين المستقل؛ حيث جاز في هذه الحالة على الأصحِّ.
(لا لسلطان) لأن القطع يحتاج إلى نظر دقيق وفراغ تام وشفقة كاملة، ولهذا لم يجبر البكر كما يجبرها الأب والجد والوصي.
والقيّمُ في هذا كالسلطان، فلو قال: (لا لغيرهما).
. لكان أحسن.
(وله) أي: للأب والجد، ولا وجه لإفراده الضميرَ، وأعاده في "العجالة" على الولي، ولم يتقدم له ذكر 209، (ولسلطان قطعها) أي: السلعة (بلا خطر) لعدم الضرر، (وفصد وحجامة) عند إشارة الأطباء بذلك؛ لصيانة بدنه.
(فلو مات بجائز من هذا) أي: من قطع سلعة وفصد وحجامة (. . فلا ضمان في الأصح) لأن الضمان يمنعه من المعالجة، فيتضرر الصغير، والثاني: يضمن؛ كما في التعزير إذا أفضى إلى التلف.
(ولو فعل سلطان بصبي ما منع.
. فدية مغلظة في ماله) لتعدّيه، ولا معنى للتقييد
الجزء: 4 - الصفحة: 255
وَمَا وَجَبَ بِخَطَأِ إِمَامٍ فِي حَدٍّ أَوْ حُكْمٍ. . فَعَلَى عَاقِلَتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَلَوْ حَدَّ بِشَاهِدَيْنِ فبَانَا عَبْدَيْنِ أَوْ ذِمِّيَّيْنِ أَوْ مُرَاهِقَيْنِ؛ فَإِنْ قَصَّرَ فِي اخْتِبَارِهِمَا. . فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا. . فَالْقَوْلَانِ،
بالسلطان؛ فإن الأب والجد كذلك؛ كما صرحا به في "الروضة" و"أصلها" 210.
(وما وجب بخطأ إمام في حد أو حكم.
. فعلى عاقلته) كغيره، (وفي قول: في بيت المال) لأن خطأه يكثر؛ لكثرة الوقائع، فإيجابه على العاقلة إجحاف بهم، فكان بيت المال أحق به؛ فإنه لزمه بالحكم بين المسلمين.
ومحل الخلاف: فيما إذا لم يظهر منه تقصير، فإن ظهر؛ كما لو أقام الحد على الحامل وهو عالم به فألقت جنينًا.
. فالغرة على العاقلة قطعًا.
واحترز بقوله: (في حد أو حكم): عن خطئه فيما لا يتعلق بذلك؛ فإنه فيه كآحاد الناس بالإجماع.
ويرد على المصنف: الكفارة؛ فإنها في ماله على الأول قطعًا، وعلى الثاني وجهان في "الروضة" بلا ترجيح 211.
(ولو حد بشاهدين) ومات منه، (فبانا عبدين أو ذميين أو مراهقين؛ فإن قصر في اختبارهما) بأن تركه جملة (. . فالضمان عليه) لا في بيت المال، ولا على عاقلته إن تعمد، فإن لم يتعمد.
. تعلق بالعاقلة لا ببيت المال.
وقضيته: أن المراد بالضمان الدية لا القود، وبه أجاب صاحب "الحاوي الصغير"، لكن قال الإمام بعد جزمه بالضمان: وإنما يتردد الفقيه في وجوب القصاص، والأظهر: الوجوب 212؛ يعني: حيث يكون الجلد يجب بمثله القود، وسكتا عليه.
(وإلا) أي: وإن لم يقصر في اختبارهما، بل بحث وبذل وسعه (. . فالقولان) في أن الضمان على عاقلته، أو في بيت المال، وقد تقدم توجيههما.
الجزء: 4 - الصفحة: 256
فَإِنْ ضَمَّنَا عَاقِلَةً أَوْ بَيْتَ مَالٍ. . فَلَا رُجُوعَ عَلَى الْعَبْدَيْنِ وَالذِّمِّيَّيْنِ فِي الأَصَحِّ، وَمَنْ حَجَمَ أَوْ فَصَدَ بِإِذْنٍ. . لَمْ يَضْمَنْ، وَقَتْلُ جَلَّادٍ وَضَرْبُهُ بِأَمْرِ الإِمَامِ كَمُبَاشَرَةِ الإِمَامِ إِنْ جَهِلَ ظُلْمَهُ وَخَطَأَهُ، وَإِلَّا. . فَالْقِصَاصُ وَالضَّمَانُ عَلَى الْجَلَّادِ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِكرَاهٌ. وَيَجِبُ خِتَانُ الْمَرْأَةِ بِجُزْءٍ مِنَ اللَّحْمِ بِأَعْلَى الْفَرْجِ، وَالرَّجُلِ بِقَطْعِ مَا يُغَطِّي حَشَفته بَعْدَ الْبُلُوغِ،
(فإن ضمنا عاقلة أو بيت مال.
. فلا رجوع على العبدين والذميين في الأصح) لأنهما يزعمان أنهما صادقان، ولم يوجد منهما تعدٍّ فيما أتيا به، والثاني: نعم؛ لأنهما غرّا القاضي، وعلى هذا: يتعلق الغرم بذمة العبدين، وقيل: برقبتهما، والثالث: يثبت الرجوع للعاقلة دون بيت المال.
(ومن حجم أو فصد بإذن) معتبرة (. . لم يضمن) ما تولد منه؛ لأنا لو ضمناهما.
. لأحجما عنهما.
(وقتل جلاد وضربه بأمر الإمام كمباشرة الإمام إن جهل ظلمه وخطأه)، فيتعلق الضمان به لا بالجلاد؛ لأنه آلته، ولو ضمناه.
. لم يتول الجلدَ أحدٌ، قال الإمام: وهذا من النوادر؛ فإنه قاتل باشر مختارًا، ولا يتعلق به في القتل بغير حق حكم 213، (وإلا) أي: وإن علم ظلم الإمام وخطأه (. . فالقصاص والضمان على الجلاد إن لم يكن إكراه) من جهة الإمام؛ لتعدّيه، فإن أكرهه.
. فالضمان عليهما.
(ويجب ختان المرأة بجزء من اللحم بأعلى الفرج، والرجل بقطع ما يغطي حشفته بعد البلوغ).
أما وجوبه.
. فلقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، وكان من ملته الختان، قال الخطابي: وكان واجبًا، وفي "الصحيحين": "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ" 214، وعد منها الختان، ولأنه قطع جزء من البدن لا يستخلف؛ تعبدًا، فكان واجبًا؛ كالقطع في السرقة.
واحترز بالقيد الأول: عن الظفر والشعر، وبالثاني: عن القطع للأكلة.
الجزء: 4 - الصفحة: 257
وَيُنْدَبُ تَعْجِيلُهُ فِي سَابِعِهِ،
وأول من اختتن من الرجال إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ومن النساء هاجر رضي الله عنها 215.
وقيل: الختان سنة، وقيل: واجب للرجال، وسنة للنساء.
وأما كيفيته: فكما ذكره المصنف، وهو في المرأة قطع اللحمة التي فوق أعلى الفرج وفوق ثقبة البول، وتشبه عرف الديك، فإذا قطعت.
. بقي أصلها؛ كالنواة، ويكفي قطع ما يقع عليه الاسم، قال في "التحقيق": وتقليله أفضل 216.
وخرج بالرجل والمرأة: الخنثى المشكل، فلا يجب ختانه، بل لا يجوز على الأصحِّ في "زيادة الروضة"؛ لأن الجرح مع الإشكال ممتنع 217.
والوجوب منوط بالبلوغ؛ لأنه وقت التكليف.
ويستثنى: ما لو كان الشخص ضعيفًا؛ بحيث لو ختن خيف عليه.
. فإنه لا يجب ختانه، فلو مات قبل إمكانه.
. سقط فرضه، ولو خُلِق لشخص ذكران عاملان ولم يتميز الأصلي منهما.
. ختنا جميعًا.
(ويندب تعجيله في سابعه) لما رواه الحاكم: أنه صلى الله عليه وسلم ختن الحسن والحسين يوم السابع من ولادتهما 218، ويكره قبل السابع؛ كما جزم به في "التحقيق" 219.
وقضية إطلاق المصنف: أن هذا في الغلام والجارية، وهو ما نقله في "شرح
الجزء: 4 - الصفحة: 258
فَإِنْ ضَعُفَ عَنِ احْتِمَالِهِ. . أُخِّرَ، وَمَنْ خَتَنَهُ فِي سِنٍّ لَا يَحْتَمِلُهُ. . لَزِمَهُ الْقِصَاصُ إِلَّا وَالِدًا، فَإِنِ احْتَمَلَهُ وَخَتَنَهُ وَلِيٌّ. . فَلَا ضمَانَ فِي الأَصَحِّ، وَأُجْرَتُهُ فِي مَالِ الْمَخْتُونِ.
المهذب" عن الماوردي، وأقره، لكن في "المحرر" قيده بالطفل 220.
ولا يدخل يوم الولادة في العدد على الأصحِّ في "زيادة الروضة"، ونقلاه في "شرح المهذب" و"الكفاية" عن الأكثرين، لكن صحح المصنف في (العقيقة) حسبانه من العدد 221، وقضيته: أن يكون الختان كذلك؛ فإنه يختن في السابع ويعق عنه فيه، قال في "المهمات": والفتوى على أنه لا يحسب؛ فإنه المنصوص في "البويطي" 222.
(فإن ضعف عن احتماله) في السابع (. . آخر) إلى أن يحتمله.
(ومن ختنه في سن لا يحتمله) فمات (. . لزمه القصاص) لتعديه بالجرح، (إلا والدًا) وإن علا؛ للبعضية.
نعم؛ تجب عليه الدية، ويستثنى: السيد أيضًا.
(فإن احتمله وختنه ولي.
. فلا ضمان في الأصح) لأنه لا بدّ منه، والتقديم أسهل من التأخير؛ لأن القطعَ -والبدنُ غض رَخْصٌ، والمقطوعُ قدرٌ يسير-.
. أسهل عليه، والثاني: يضمن؛ لأنه غير واجب في الحال، فلم يبح إلا بشرط سلامة العاقبة.
وخرج بقوله: (ولي): ما لو ختنه أجنبي.
. فإنه يضمن؛ كما نصّ عليه في "الأم"، وبه صرح الماوردي وغيره 223.
(وأجرته) أي: الخاتن (في مال المختون) لأنه لمصلحته، فأشبه تعليم الفاتحة 224.
الجزء: 4 - الصفحة: 259
فَصْلٌ [في حكم إتلاف البهائم]
مَنْ كَانَ مَعَ دَابَّةٍ أَوْ دَوَابَّ. . ضَمِنَ إِتْلَافَهَا نَفْسًا وَمَالًا لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَوْ بَالَتْ أَوْ رَاثَتْ بِطَرِيقٍ فَتَلِفَ بِهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ. . فَلَا ضَمَانَ، وَيَحْتَرِزُ عَمَّا لَا يُعْتَادُ كَرَكْضٍ شَدِيدٍ فِي وَحَلٍ، فَإِنْ خَالَفَ. . ضَمِنَ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ
(فصل: من كان مع دابة أو دواب.
. ضمن إتلافها نفسًا ومالًا ليلًا ونهارًا) لأنها تحت يده وتصرفه، وعليه القيام بحفظها وتعهدها، وسواء كان الذي معها مالكًا أو مستأجرًا أو مودعًا أو مستعيرًا أو غاصبًا، وسواء كان راكبًا أم سائقًا أم قائدًا.
ويستثنى من إطلاقه صور: منها: لو ركب دابة فنخسها إنسان بغير إذنه فرمحت وأتلفت شيئًا.
. فالضمان على الناخس، وقيل: عليهما، ومنها: لو غلبته دابته فاستقبلها إنسان فردها فأتلفت في انصرافها شيئا.
. ضمنه الراد، ومنها: ما لو سقط مركوبه ميتًا على شيء فأتلفه.
. لم يضمنه، قاله البغوي، وأقراه 225.
(ولو بالت أو راثت بطريق فتلف به نفس أو مال.
. فلا ضمان) لأن الطريق لا يخلو من ذلك، ولو ضمن.
. لامتنع المرور من الطريق، ولا سبيل إليه.
وما جزم به من عدم الضمان كذا هو في "الشرح" و"الروضة" هنا، وهو احتمال للإمام 226، والمذهب المنصوص: الضمان؛ لأن الارتفاق مشروط بسلامة العاقبة، وقد حكاه ابن الرفعة عن الأصحاب، وجزما به في "الشرح" و"الروضة" في (جزاء الصيد)، وجزم به في "شرح المهذب" أيضًا 227، قال الأَذْرَعي بعد نقله له عن الجمهور: وما جزما به هنا تبعًا للإمام لا ينكر اتجاهه، ولكن المذهب: نقل.
(ويحترز عما لا يعتاد؛ كركض شديد في وحل، فإن خالف.
. ضمن ما تولد منه) لتسببه فيه.
الجزء: 4 - الصفحة: 260
وَمَنْ حَمَلَ حَطَبًا عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ بَهِيمَةٍ فَحَكَّ بِنَاءً فَسَقَطَ. . ضَمِنَهُ، وَإِنْ دَخَلَ سُوقًا فَتَلِفَ بهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ. . ضَمِنَ إِنْ كَانَ زِحَامٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَتَمَزَّقَ ثَوْبٌ. . فَلَا، إِلَّا ثَوْبَ أَعْمَى وَمُسْتَدْبِرِ الْبَهِيمَةِ فَيَجِبُ تَنْبِيهُهُ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ إِذَا لَمْ يُقَصِّرْ صَاحِبُ الْمَالِ، فَإِنْ قَصَّرَ؛ بِأَنْ وَضَعَهُ بِطَرِيقٍ أَوْ عَرَّضَهُ لِلدَّابَّةِ. . فَلَا، وَإِنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ وَحْدَهَا فَأَتْلفَتْ زَرْعًا أَوْ غَيْرَهُ نَهَارًا. . لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُهَا، أَوْ لَيْلًا. . ضَمِنَ،
(ومن حمل حطبًا على ظهره أو بهيمة فحك بناء فسقط.
. ضمنه) لوجود التلف بفعله.
(وإن دخل سوقًا فتلف به نفس أو مال.
. ضمن إن كان زحام) مطلقًا، سواء كان صاحب الثوب مستقبلًا أو مستدبرًا؛ لإتيانه بما لا يعتاد، (وإن لم يكن) زحام (وتمزق ثوب.
. فلا) إذا كان مستقبل البهيمة؛ لأن التقصير منه؛ إذ عليه الاحتراز (إلا ثوب أعمى ومستدبر البهيمة؛ فيجب تنبيهه) فإن نبهه وأمكنه الاحتراز فلم يحترز.
. فلا ضمان، وإن لم ينبهه.
. ضمن؛ لتقصيره؛ فإن الإعلام معتاد في ذلك.
(وإنما يضمنه) أي: وإنما يضمن صاحب البهيمة ما أتلفته (إذا لم يقصر صاحب المال، فإن قصر؛ بأن وضعه بطريق أو عرّضه للدابة.
. فلا) لأنه المضيع لماله.
(وإن كانت الدابة وحدها فأتلفت زرعًا أو غيره نهارًا.
. لم يضمن صاحبها، أو ليلًا.
. ضمن) للحديث الصحيح فيه 228.
والمعنى فيه: أن العادة الغالبة: أن أصحاب الزروع والبساتين يحفظونها نهارًا، فما تتلفه نهارًا.
. فهو من تقصير صاحب المال، والماشية ترسل نهارًا للرعي، ثم ترد إلى أماكنها، فمن أرسلها ليلًا أو نهارًا وتركها منتشرة بالليل.
. فقد قصر، ولزمه الضمان.
وما أطلقه من التفصيل: موضعُه إذا جرت عادة البلد بإرسال البهائم نهارًا، وحفظِ الزرع ليلًا، فلو انعكس.
. انعكس الحكم على الأصحِّ.
ويستثنى من عدم الضمان نهارًا: ما إذا كانت المراعي متوسطة المزارع، أو كانت
الجزء: 4 - الصفحة: 261
إِلَّا أَلَّا يُفَرِّطَ فِي رَبْطِهَا، أَوْ حَضَرَ صَاحِبُ الزَّرْعِ وَتَهَاوَنَ فِي دَفْعِهَا، وَكَذَا إِنْ كَانَ الزَّرْعُ فِي مَحُوطٍ لَهُ بَابٌ تَرَكَهُ مَفْتُوحًا فِي الأَصَحِّ. وَهِرَّةٌ تُتْلِفُ طَيْرًا أَوْ طَعَامًا إِنْ عُهِدَ ذَلِكَ مِنْهَا. . ضَمِنَ مَالِكُهَا فِي الأَصَحِّ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَإِلَّا. . فَلَا فِي الأَصَحِّ.
البهائم ترعى في حريم السواقي.
. فيجب ضمان ما تفسده إذا أرسلها بلا راعٍ؛ لاعتياد الراعي في مثل ذلك.
(إلا ألا يفرط في ربطها) بأن ربطها وأغلق بابه واحتاط على العادة، ففتح الباب لص، أو انهدم الجدار فخرجت ليلًا.
. فلا ضمان؛ لعدم التقصير منه، (أو حضر صاحب الزرع وتهاون في دفعها)، فلا يضمن صاحبها وإن قصر بإرسالها؛ لأن صاحب الزرع هو المضيع بتهاونه.
(وكذا إن كان الزرع في محوط له باب تركه مفتوحًا في الأصح) لأن التقصير منه بفتح الباب، والثاني: يضمن؛ لأن العادة ربط البهائم وحفظها ليلًا، فإرسالها تقصير.
(وهرة تتلف طيرًا أو طعامًا إن عهد ذلك منها.
. ضمن مالكها في الأصح ليلًا أو نهارًا) كما يضمن مرسل الكلب العقور ما يتلفه؛ لأن مثل هذه ينبغي أن تربط ويكف شرها، وكذا كل حيوان يُولَع بالتعدي، والثاني: لا ضمان، سواء أتلفت ليلًا أو نهارًا؛ لأن العادة أنها لا تربط.
(وإلا) أي: وإن لم يعهد ذلك منها (. . فلا) ضمان (في الأصح) لأن العادة حفظ الطعام عنها لا ربطُها، والثاني: يفرق بين الليل والنهار؛ كما سبق في البهيمة.
الجزء: 4 - الصفحة: 262
كتابُ السِّيَر كَانَ الْجِهَادُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ: عَيْنٍ،
﴿كتاب السير﴾
هو جمع سيرة، وهي الطريقة، وترجمه بذلك؛ لأن أحكامه متلقاة من سير النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾، ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، والسنن الصحيحة طافحة به، وبالحث عليه، وبيان فضله.
(كان الجهاد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض كفاية)، أما كونه فرضًا.
. فبالإجماع، وأما كونه على الكفاية.
. فلقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
. . إلى قوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، فذكر فضل المجاهدين، ووعد القاعدين بالحسنى أيضًا، والعاصي لا يوعد بالحسنى.
وهذا كان بعد الهجرة، أما قبلها.
. فكان ممنوعًا منه، بل كان مأمورًا صلى الله عليه وسلم بالتبليغ والإنذار والصبر على أذى الكفار، ثم بعد الهجرة أذن الله سبحانه في القتال للمسلمين إذا ابتدأهم الكفار، ثم أبيح الابتداء في غير الأشهر الحرم، ثم أمر به مطلقًا 229.
(وقيل: عين) لعموم الآيات السابقة، وقائله قال: كان القاعدون حراسًا للمدينة، وهو نوع من الجهاد، والقائل بالأول قال: الوعيد في الآية إنما كان في حالة قلة المسلمين وكثرة المشركين، أو يحمل على من عيّنه صلى الله عليه وسلم للجهاد؛ فإنه تتعين عليه الإجابة.
وقال الماوردي: كان فرضَ عينٍ على المهاجرين؛ لأنهم انقطعوا لنصرته صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا كان سراياه قبل بدر بالمهاجرين، وفرضَ كفايةٍ على غيرهم؛ لأنهم إنما جاهدوا ببدر فما بعدها 230.
الجزء: 4 - الصفحة: 263
وَأَمَّا بَعْدَهُ. . فَلِلْكُفَّارِ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُونَ ببلَادِهِمْ؛ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا فَعَلَهُ مَنْ فِيهِمْ كِفَايَةٌ. . سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ. وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَات: الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ
وقال السهيلي: كان فرضَ عينٍ في حق الأنصار، وكفايةٍ في حق غيرهم؛ لأنهم بايعوا عليه، قال شاعرهم: [من الرجز]
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدا 231
(وأما بعده.
. فللكفار حالان: أحدهما: يكونون ببلادهم؛ ففرض كفاية) كما دل عليه سير الخلفاء الراشدين، ولو فرض على الأعيان.
. لتعطلت المعايش والمكاسب، وخربت البلاد.
(إذا فعله من فيهم كفاية.
. سقط الحرج عن الباقين) لأن هذا شأن فروض الكفايات.
والكفاية تحصل بشيئين: أحدهما: أن يشحن الإمام الثغور بجماعة يكافئون من بإزائهم من الكفار، والثاني: أن يدخل دار الكفار غازيًا بنفسه، أو يبعث جيشًا يؤمِّر عليهم من يصلح لذلك.
وأقله: مرة واحدة في كل سنة؛ لأن الجزية تجب بدلًا عنه، وهي واجبة في كل سنة فكذلك مبدلها 232، فإن زاد.
. فهو أفضل، ويستحب: أن يبدأ بالقتال من يلي دار الإسلام منهم، إلا أن يكون الخوف من الأبعدين أكثر؛ فإنه يبدأ بهم، هذا ما نصّ عليه الشافعي والأصحاب 233.
واختار الإمام في هذا مسلكَ الأصوليين؛ فإنهم قالوا: الجهاد دعوة قهرية، فتجب إقامته بحسب الإمكان حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، ولا يختص بمرة في السنة، ولا يعطل إذا أمكنت الزيادة، قال: وما ذكره الفقهاء حملوه على العادة الغالبة، وهي أن الأموال والعُدَد لا تتأتى لتجهيز الجنود في السنة أكثر من مرة 234.
(ومن فروض الكفايات: القيام بإقامة الحجج) العلمية والبراهين القاطعة على
الجزء: 4 - الصفحة: 264
وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ فِي الدِّينِ، وَبِعُلُومِ الشَّرْعِ كَتَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ، وَالْفُرُوعِ بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ،
إثبات الصانع سبحانه وتعالى، وما يجب له من الصفات وما يستحيل عليه، وكذا إثبات النبوات، وإثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصدقِه فيما جاء به، (وحلِّ المشكلات في الدين)، كما لا بدّ من إقامة الحجج القهرية بالسيف حتى لا تخلو خِطّة من خِطَط الإسلام عن ذلك، والمراد بالخِطّة: مسافة القصر.
وفرض الكفاية: كل فهم ديني أو دنيوي طلب الشارع حصوله، ولا يطلب تكليف واحد فواحد به، بخلاف فرض العين؛ فإن كل واحد مكلف بتحصيله.
(وبعلوم الشرع؛ كتفسير، وحديث، والفروعِ بحيث يصلح للقضاء) والإفتاء؛ لشدة الحاجة إلى ذلك.
ومن فرض الكفاية: معرفة أصول الفقه، والنحو، واللغة، والتصريف، وأسماء الرواة، والجرح والتعديل، واختلاف العلماء واتفاقهم؛ كما ذكره في "الروضة" 235، وكذا الطب، وتعلم الحساب المحتاج إليه في المعاملة وقسمة الوصايا والمواريث.
وكون علم الفروع فرضَ كفاية: إنما هو في غير القدر المحتاج إليه، أمَّا ما يحتاج إليه في مفروضات الدين؛ كالطهارة، والصلاة، والصيام، وغيرها.
. فتعلمه فرض عين؛ فإنّ من لا يعلم أركان العبادة وشروطها.
. لا يمكنه إقامتها.
وإن كان له مال زكوي.
. لزمه تعلم ظواهر أحكام الزكاة، ومن يتجر.
. يتعين عليه معرفة أحكام التجارات، وكذا ما يحتاج إليه صاحب كل حرفة؛ يتعين عليه تعلمه، والمراد: الأحكام الظاهرة، دون الفروع النادرة والمسائل الدقيقة وما لا تعم به البلوى.
(والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بالإجماع، قالا: والمراد منه: الأمرُ بواجبات الشرع، والنهيُ عن محرماته، لكن تصحيحه في "زيادة الروضة" بعدُ: بأنه يجب على المحتسب الأمر بصلاة العيد وإن قلنا: إنها سنة.
. قد يخالفه، قالا: ولو
الجزء: 4 - الصفحة: 265
وَإِحْيَاءُ الْكَعْبَةِ كُلَّ سَنَةٍ بِالزِّيَارَةِ، وَدَفْعُ ضَرَرِ المُسْلِمِينَ كَكِسْوَةِ عَارٍ وَإِطْعَامِ جَائِعٍ إِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ بِزَكَاةٍ وَبَيْتِ مَالٍ، وَتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ، وَأَدَاؤُهَا، وَالْحِرَفُ، وَالصِّنَائِعُ، وَمَا تَتِمُّ بِهِ الْمَعَايِشُ،
نُصِّب لذلك رجل.
. تعين عليه بحكم الولاية، وهو المحتسب 236.
(وإحياءُ الكعبة كلَّ سنة بالزيارة) لأن ذلك من شعائر الإسلام.
وقضيته: أن الحج لا يتعين في إسقاط الفرض، وعبارة "الروضة" و"أصلها": بالحج، قال الرافعي: كذا أطلقوه، وينبغي أن تكون العمرة كالحج، بل الاعتكاف والصلاة في المسجد الحرام؛ فإن التعظيم وإحياء البقعة يحصل بكل ذلك، وردّه في "زيادة الروضة": بأنه لا يحصل مقصود الحج بما ذكر؛ فإنه مشتمل على الوقوف والرمي والمبيت بمزدلفة ومنى، وإحياء تلك البقاع بالطاعات، وغير ذلك 237.
قال في "المهمات": وهذا غير ملاق لكلام الرافعي؛ فإنه يسلم أنه لا يحصل مقصود الحج، لكن الكلام في إحياءِ الكعبة لا إحياءِ هذه الأماكن.
نعم؛ المتجه في الصلاة والاعتكاف: ما ذكره؛ فإنه ليس فيهما إحياء الكعبة بالكلية ولو كان داخل الكعبة؛ لعدم اختصاص الصلاة والاعتكاف بمسجد معين، وأما العمرة.
. فإلحاقها بالحج قريب، والمتجه: أن الطواف كالعمرة 238.
(ودفعُ ضرر المسلمين) وأهل الذمة على أهل الثروة والقدرة.
. (ككسوة عار وإطعام جائع إذا لم يندفع بزكاة وبيت مال) ونذر وكفارة ووقف؛ صيانة للنفوس، والمراد: إزالة فاقته وسد ضرورته.
(وتحملُ الشهادة، وأداؤها) على ما نفصله في بابه، وكذا إعانة القضاة على استيفاء الحقوق، وكتجهيز الموتى غسلًا وتكفينًا ودفنًا؛ لأن هذه الأمور تتعلق بشعائر الدين، وبها ينتظم أمور المعايش.
(والحرفُ، والصنائعُ، وما تتم به المعايش) كالبيع، والشراء، والحراثة،
الجزء: 4 - الصفحة: 266
وَجَوَابُ سَلَامٍ عَلَى جَمَاعَةٍ -وَيُسَنُّ ابْتِدَاؤُهُ- لَا عَلَى قَاضِي حَاجَةٍ وَآكِلٍ وَفِي حَمَّامٍ، وَلَا جَوَابَ عَلَيهِمْ.
والحجامة؛ لأن قيام الدنيا بهذه الأسباب، وقيام الدين متوقف على أمر الدنيا، ومعلومٌ عجزُ كلِّ فرد من الأفراد عن القيام بكل ما ينوبه من أمر دنياه.
قال الإمام وجماعات: والقيام بفرض الكفاية أفضل من فرض العين؛ لأنه ساع في صيانة الأمة عن الإثم، بخلاف الثاني.
(وجوابُ سلام على جماعة) لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، فإن أجاب واحد منهم.
. سقط الفرض عن الباقين، قال في "البحر": والراد منهم هو المختص بالثواب، وإن أجاب الجميع.
. كانوا مؤدين للفرض 239.
واحترز بالجماعة: عن الواحد، فإن الرد فرض عين عليه.
(ويسن ابتداؤه) لحديث: "إِنَ أَوْلَى النَّاسِ بِاللهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ"، رواه أبو داوود بإسناد حسن 240.
قال القفال في "فتاويه": وابتداء السلام أفضل من الرد، وحكى القاضي فيه خلافًا، وهو سنة على الكفاية، فإذا سلم واحد من الجماعة.
. تأدت السنة، قال القاضي الحسين والشاشي: وليس لنا سنة على الكفاية غيره، ورُدّ بصور؛ منها: التسمية على الأكل، والتشميت، والأضحية، والأذان، والإقامة.
ومحل استحباب الابتداء: في المسلم، أما الذمي.
. فلا يجوز ابتداؤه على الصحيح.
(لا على قاضي حاجة) أي: حاجة البول والغائط، والجماع، لأن مكالمته بعيدة عن الأدب، (وآكل) لشغله به، (وفي حمام) لاشتغاله بالاغتسال، وهو مأوى الشياطين، وليس موضعَ التحية، (ولا جوابَ عليهم) لوضعه السلامَ في غير محله.
واستثنى الإمام من الأكل: ما إذا سلم بعد الابتلاع وقبل وضع لقمة أخرى،
الجزء: 4 - الصفحة: 267
وَلَا جِهَادَ عَلَى صَبِيٍّ، وَمَجْنُونٍ، وَامْرَأَةٍ، وَمَرِيضٍ، وَذِي عَرَجٍ بَيِّنٍ، وَأَقْطَعَ، وَأَشَلَّ، وَعَبْدٍ، وَعَادِمِ أُهْبَةِ قِتَالٍ. وَكُلُّ عُذْرٍ مَنَعَ وُجُوبَ حَجٍّ مَنَعَ الْجهَادَ، إلَّا خَوْفَ طَرِيقٍ مِنْ كُفَّارٍ، وَكَذَا مِنْ لُصُوصٍ مُسْلِمِينَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالدَّيْنُ الْحَالُّ يُحَرِّمُ سَفَرَ جِهَادٍ وَغَيْرِهِ إِلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ،
وقال: إنه لا يتوجه في هذه الحالة الامتناع، وأقراه، وجزم به المصنف في "الأذكار" 241.
(ولا جهادَ على صبي ومجنون) لرفع القلم عنهما، (وامرأةٍ) لما جُبِلت عليه من الضعف، والخنثى كالأنثى، (ومريضٍ) لا يقدر على القتال والركوب، أو يلحقه به مشقة شديدة، وعلى الأعمى، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية، (وذي عرج بيّن) ولو من رجل واحدة، للآية، ولا عبرة بعرج يسير لا يمنع المشي، (وأقطعَ) وفاقد معظم الأصابع، (وأشلَّ) لأنه لا يتمكن من الضرب والاتقاء، (وعبدٍ) ولو مبعضًا ومكاتبًا، رعايةً لحق السيد، وسواء أذن له السيد فيه أو أمره به؛ لأنه ليس من أهله، فلا يلزمه طاعة السيد فيه، وكذا لا يجب على الذمي، (وعادمِ أهبة قتال) من سلاح ومركوب إن كان سفره مسافة قصر، ونفقةِ طريقه ذهابًا وإيابًا إن احتاج إلى السفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾، ويشترط: كون جميع ذلك فاضلًا عن نفقة من تلزمه نفقته وسائرِ ما ذُكر في (الحج).
(وكلُّ عذر منع وجوب حج منع الجهاد، إلا خوفَ طريق من كفار) لأن الغزو مبني على المخاوف، (وكذا من لصوص مسلمين على الصحيح) لأن الخوف يحتمل في هذا السفر، وقتال اللصوص أهم وأولى، والثاني: يمنع؛ كالحج.
(والدين الحال يحرم سفر جهاد وغيره) لأنه متعين عليه، والجهاد على الكفاية، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية، (إلا بإذن غريمه) لرضاه بإسقاط حقه، وكذا لو استناب من يقضي دينه من مال حاضر لا غائب.
وقضية كلامه: أن للغريم منعَه ولو كان معسرًا، وهو قضية إطلاق "الروضة"
الجزء: 4 - الصفحة: 268
وَالْمُؤَجَّلُ لَا، وَقِيلَ: يَمْنَعُ سَفَرًا مَخُوفًا. وَيَحْرُمُ جِهَادٌ إِلَّا بِإِذْنِ أَبَوَيْهِ إِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ، لَا سَفَرُ تَعَلُّمِ فَرْضِ عَيْنٍ، وَكَذَا كِفَايَةٌ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ أَذِنَ أَبَوَاهُ وَالْغَرِيمُ ثُمَّ رَجَعُوا. . وَجَبَ الرُّجُوعُ إِنْ لَمْ يَحْضُرِ الصَّفَّ،
و"أصلها" في (التفليس)، ونقله في "الكفاية" عن الأصحاب، لكن الصحيح في "أصل الروضة" هنا: أنه ليس له منعه، وحكى الرافعي عن ابن كَجّ: أنه المذهب 242.
(والمؤجّلُ لا) يمنع السفر مطلقًا وإن قرب الأجل؛ لأنه لا يتوجه عليه الطلب به إلا بعد حلوله، (وقيل: يمنع سفرًا مخُوفًا) كجهاد وركوب بحر؛ صيانةً لحق الغريم، اللهم؛ إلا أن يقيم كفيلًا بالدين، أما غير المخوف.
. فلا يمنع منه قطعًا.
(ويحرم جهاد) بسفر وغيره (إلا بإذن أبويه إن كانا مسلمين) لأن الجهاد فرض كفاية، وبرَّهما فرض عين، فقدم عليه، وللحديث الصحيح فيه 243، فإن كانا كافرين.
. لم يلزمه استئذانهما؛ لأنهما يمنعانه.
والأجداد والجدات كالأبوين عند عدمهما، وكذا مع وجودهما على الأصحِّ؛ لوجوب برهما، والأبُ الرقيق كالحر على الصحيح.
(لا سفر تعلم فرض عين) لاضطراره إليه 244؛ كالحج، وأولى؛ لأن الحج على التراخي، (وكذا كفاية في الأصح) بأن خرج طالبًا لدرجة الفتوى، وفي الناحية من يستقل بها؛ لأن الحجر على المكلف وحبسه بعيد، وقيل: لهما المنع؛ كالجهاد.
والسفر المباح كالتجارة؛ إن قصر.
. فلا منع منه بحال، وإن طال وغلب الخوف.
. فكالجهاد، وإلا.
. جاز على الصحيح بلا استئذان.
(فإن أذن أبواه والغريم ثم رجعوا.
. وجب الرجوع إن لم يحضر الصف) لأن عدم الإذن عذر يمنع وجوب الحج، فكذا طريانه؛ كالعمى والمرض، وكذا الحكم لو كان أبواه كافرين فأسلما بعد خروجه ولم يأذنا.
الجزء: 4 - الصفحة: 269
فَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِتَالِ. . حَرُمَ الانْصِرَافُ فِي الأَظْهَرِ. الثَّانِي: يَدْخُلُونَ بَلْدَةً لَنَا فَيَلْزَمُ أَهْلَهَا الدَّفع بِالْمُمْكِنِ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَأَهُّبٌ لِقِتَالٍ. . وَجَبَ الْمُمْكِنُ حَتَّى عَلَى فَقِيرٍ وَوَلَدٍ وَمَدِينٍ وَعَبْدٍ بِلَا إِذْنٍ، وَقِيلَ: إِنْ حَصَلَتْ مُقَاوَمَةٌ بِأَحْرَارٍ. . اشْتُرِطَ إِذْنُ سَيِّدِهِ،
ويستثنى: ما لو خاف على نفسه أو ماله.
. فلا يلزمه الانصراف، وإذا أمكنه أن يقيم في قرية في الطريق إلى أن يرجع الجيش ويرجع معهم.
. لزمه الإقامة على الأصحِّ، وما لو خاف انكسار قلوب المسلمين، بل يحرم عليه الرجوع، وما لو كان خروجه بجُعْل من السلطان.
. فلا يرجع، كما حكاه في "الكفاية" عن الماوردي، وحكاه البُلْقيني عن نصّ "الأم" 245.
(فإن شرع في القتال) ثم رجع من سبق ذكره (. . حرم الانصراف في الأظهر) 246 لأن الانصراف يشوش أمر القتال ويكسر القلوب، والثاني: لا يحرم؛ رعايةً لحق الآدمي الذي بناؤه على الضيق.
وعلى الأول: لا يقف موقف طلب الشهادة، بل في آخر الصفوف يحرس، قاله القاضي أبو الطيب.
(الثاني: يدخلون بلدة لنا، فيلزم أهلَها الدفعُ بالممكن، فإن أمكن تأهب لقتال.
. وجب الممكن، حتى على فقير وولد ومدين وعبد بلا إذن)، وينحل الحجر عنهم في هذه الحال؛ لأن دخولهم دارَ الإسلام خطبٌ عظيمٌ لا سبيل إلى إهماله، فلا بدّ من الجد في في فعه بما يمكن، (وقيل: إن حصلت مقاومة بأحرار.
. اشترط إذن سيده) لأَن في الأحرار غنيةً عنهم، والأصحُّ: الأول؛ لتقوى القلوب وتعظمَ الشوكة وتشتد النكاية في الكفار، انتقامًا من هجومهم.
والنساء كالعبيد إن كان فيهن دفاع، وإلا.
. فلا يحضرن، قال الرافعي: ويجوز ألا يحتاج إلى إذن الزوج 247.
الجزء: 4 - الصفحة: 270
وَإِلَّا؛ فَمَنْ قُصِدَ. . دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْمُمْكِنِ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ أُخِذَ قُتِلَ، وَإِنْ جَوَّزَ الأَسْرَ. . فَلَهُ أَنْ يَسْتَسْلِمَ. وَمَنْ هُوَ دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ مِنَ الْبَلْدِ كَأَهْلِهَا، وَمَنْ عَلَى الْمَسَافَةِ. . يَلْزَمُهُمُ الْمُوَافَقَةُ بقَدْرِ الْكِفَايَةِ إِنْ لَمْ يَكْفِ أَهْلُهَا وَمَنْ يَلِيهِمْ، قِيلَ: وَإِنْ كَفَوْا. وَلَوْ أَسَرُوا مُسْلِمًا. . فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ النُّهُوضِ إِلَيْهِمْ لِخَلَاصِهِ إِنْ تَوَقَّعْنَاهُ.
(وإلا) أي: وإن لم يكن تأهب لقتال؛ بأن هجم الكفار بغتة (. . فمن قصد.
. دفع عن نفسه بالممكن) وجوبًا (إن علم أنه إن أخذ قتل)، سواء الحر والعبد، والرجل والمرأة، والسليم وغيره، ولا تكليف على الصبيان والمجانين.
(وإن جوز الأسر.
. فله أن يستسلم) لأن المكافحة حينئذ استعجال للقتل، والأسر يحتمل الخلاص.
هذا في الرجل، أما المرأة إذا علمت امتداد الأيدي إليها بالفاحشة في الحال.
. فعليها الدفع وإن قتلت.
(ومن هو دون مسافة القصر من البلد كأهلها)، فيجب عليهم أن يَطِيرُوا إليهم إذا لم يكن فيهم كفاية، وكذا إن كان فيهم كفاية على الأصحِّ؛ لأن الواقعة عظيمة.
هذا إذا وجدوا الزاد؛ إذ لا استقلال بدونه، ولا يعتبر الركوب.
(ومن على المسافة) فما فوقها (يلزمهم الموافقة بقدر الكفاية إن لم يكف أهلها ومن يليهم) الذين هم على دون مسافة القصر؛ دفعًا عنهم وإنقاذًا لهم.
وأشار بقوله: (بقدر الكفاية): إلى أنه لا يجب على الجميع الخروج، بل إذا صار إليهم قوم فيهم كفاية.
. سقط الحرج عن الباقين.
(قيل: وإن كفوا) لعظم الواقعة، والأصحُّ: المنع، لأنه يؤدي إلى الإيجاب على جميع الأمة، وفيه حرج من غير حاجة.
(ولو أسروا مسلمًا.
. فالأصح: وجوب النهوض إليهم لخلاصه إن توقعناه)، ويكون فرضَ عين؛ كدخولهم الدارَ؛ لأن حرمة دار الإسلام كحرمة المسلمين، فالاستيلاء عليهم أعظم من الاستيلاء على دارهم، والثاني: المنع؛ لأن تحريك الجنود لواحد يقع في الأسر بعيدٌ مخالفٌ لما نقل في السير.
الجزء: 4 - الصفحة: 271
فَصْلٌ [في مكروهات ومحرمات ومندوبات في الجهاد وما يتبعها]
يُكْرَهُ غَزْوٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ أَوْ نَائِبهِ، وَيُسَنُّ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ وَيَأْخُذَ الْبَيْعَةَ بِالثَّبَاتِ، وَلَهُ الاسْتِعَانَةُ بِكُفَّارٍ تؤْمَنُ خِيَانَتُهُمْ، وَيَكُونُونَ بِحَيْثُ لَوِ انْضَمَّتْ فِرْقَتَا الْكُفْرِ. . قَاوَمْنَاهُمْ،
(فصل: يكره غزو بغير إذن الإمام أو نائبه) لأنه على حسب الحاجة، والإمام ونائبه أعرف بها، ولا يحرم؛ لأن أكثر ما فيه التغرير بالنفس، وهو جائز في الجهاد، وفي "المرشد": أن ذلك لا يجوز.
(ويسن إذا بعث سرية أن يؤمّر عليهم ويأخذَ البيعة بالثبات) اقتداءً به صلى الله عليه وسلم؛ كما هو مشهور في الصحيح 248.
(وله الاستعانة بكفار) لأنه عليه السلام استعان بيهود بني قينقاع، ذكره الشافعي 249، (تؤمن خيانتهم، ويكونون بحيث لو انضمت فرقتا الكفر.
. قاومناهم)، وأن يكون في المسلمين قلة وتمسَّ الحاجة إلى الاستعانة، قال الرافعي: وهذا مع شرط مقاومة الفرقتين كالمتنافيين؛ لأنهم إذا قلوا حتى احتاجوا لمقاومة فرقةٍ إلى الاستعانة بالأخرى.
. فكيف يقدرون على مقاومتهما معًا لو التأمتا؟ ! قال في "زيادة الروضة": لا منافاة؛ فالمراد: أن يكون المستعان بهم فرقة يسيرة لا يكثر العدد بهم كثرةً ظاهرةً.
انتهى 250.
قال البُلْقيني: وفيه لين، ثم أجاب: بأن الكفار إذا كانوا مئتين مثلًا، وكان المسلمون مئة وخمسين.
. ففيهم قلة بالنسبة لاستواء العددين، فإذا استعانوا بخمسين كافرًا.
. فقد استوى العددان، ولو انحاز هؤلاء الخمسون إلى العدو فصاروا مئتين وخمسين.
. أمكن المسلمين مقاومتُهم؛ لعدم زيادتهم على الضعف، قال: وأيضًا
الجزء: 4 - الصفحة: 272
وَبِعَبيدٍ بِإِذْنِ السَّادَةِ وَمُرَاهِقِينَ أَقْوِيَاءَ، وَلَهُ بَذْلُ الأُهْبَةِ وَالسِّلَاحِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمِنْ مَالِهِ، وَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ مُسْلِمٍ لِجِهَادٍ، وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ ذِمِّيٍّ لِلإِمَامِ،
ففي كتب جمع من العراقيين: اعتبار الحاجة من غير ذكر القلة، والحاجة قد تكون للخدمة، فلا يتنافى الشرطان.
انتهى.
وشرط في "أصل الروضة" شرطًا آخر: وهو أن يعرف الإمام حسن رأيهم في المسلمين، وشرط الماوردي أيضًا: أن يخالفوا معتقد العدو؛ كاليهود مع النصارى، وأقره في "زيادة الروضة" 251.
(وبعبيد بإذن السادة، ومراهقين أقوياء) لأنه ينتفع بهم في القتال وسقي الماء ومداواة الجرحى، ويستصحب النساء لمثل ذلك، هذا إذا كانوا مسلمين، وفي جواز إحضار نساء أهل الذمة وصبيانهم قولان في "الروضة" و"أصلها" بلا ترجيح 252.
(وله) أي: للإمام (بذل الأهبة والسلاح من بيت المال ومن ماله) ندبًا؛ لينال ثواب الإعانة، وكذا للآحاد بذل ذلك من ماله؛ ففي الحديث: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا.
. فَقَدْ غَزَا" متفق عليه 253.
(ولا يصح استئجار مسلم لجهاد) لما مر في (باب الإجارة) فإن المصنف قد ذكره هناك، فذكره هنا تكرار 254.
(ويصح استئجار ذمي للإمام) لأنه منفعة مقصودة للمسلمين، فجاز للإمام تحصيلها بالإجارة لهم؛ كغيرها من المنافع، والذمي لا يقع عنه، فأشبه استئجار البهيمة، وطريقه الإجارة لا الجعالة على الأصحِّ، ولا يضر كون الأعمال مجهولة؛ فإن المقصود القتال.
وهل تعتبر هنا شروط الاستعانة؟ قال الزركشي: فيه نظر، وقضية كلام الأصحاب: اعتبارها.
انتهى، ولم يظهر لي وجه المنع.
الجزء: 4 - الصفحة: 273
قِيلَ: وَلِغَيْرِهِ. وَيُكْرَهُ لِغَازٍ قَتْلُ قَرِيبٍ، وَمَحْرَمٍ أَشَدُّ. قُلْتُ: إِلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ يَسُبُّ اللهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَحْرُمُ قَتْلُ صَبيٍّ وَمَجْنُونٍ وَامْرَأَةٍ وَخُنْثَى مُشْكِلٍ،
(قيل: ولغيره) من المسلمين؛ كالأذان، والأصحُّ: المنع، والفرق بينه وبين الأذان: أن الجهاد أعظم وقعًا، ويتعلق بإقامته وتأخيره مصالح يحتاج فيها إلى نظر كامل، وأيضًا الذمي مخالف في الدين، وقد يخور في الجيش إذا حضر 255، فليفوض أمره إلى الإمام.
(ويكره لغاز قتل قريب) لأن فيه قطعَ الرحم المأمور بصلتها؛ كذا علله في "المطلب"، وقضيته: أنها كراهة تحريم، وبه جزم الجَاجَرمي في "الإيضاح"، والمشهور: أنها تنزيه، وعُلِّل: بأنه قد تحمله الشفقة على الندم، فيكون ذلك سببًا لضعفه.
(و) قتلُ قريب (محرم أشدّ) لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، أما غير القريب من المحارم.
. فقال المنكت: لم أَرَ من ذكر المنع من قتله، (قلت: إلا أن يسمعه يسب الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم) فلا كراهة حينئذ؛ تقديمًا لحق الله تعالى وحق رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي "الصحيحين": "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ"، زاد مسلم: "وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" 256.
(ويحرم قتل صبي ومجنون وامرأة وخنثى مشكل) للنهي عن قتل الصبيان والنساء في "الصحيحين" 257، وألحق المجنون بالصبي، والخنثى بالمرأة؛ لاحتمال أنوثته.
ويستثنى من إطلاقه صور، إحداها: ما إذا قاتلوا.
. فإنه يجوز قتلهم، وقد
الجزء: 4 - الصفحة: 274
وَيَحِلُّ قَتْلُ رَاهِبٍ وَأَجِيرٍ وَشَيْخٍ وَأَعْمَى وَزَمِنٍ لَا قِتَالَ فِيهِمْ وَلَا رَأْيَ فِي الأَظْهَرِ، فَيُسْتَرَقُّونَ وَتسبَى نِسَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ. وَيَجُوزُ حِصَارُ الْكُفَّارِ فِي الْبِلَادِ وَالْقِلَاع وَإِرْسَالُ الْمَاءِ عَلَيْهِمْ وَرَمْيُهُمْ بِنَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ
استثناها في "المحرر"، فلا وجه لحذفه 258، الثانية: حال الضرورة عند تترس الكفار بهم؛ كما سيأتي، الثالثة: إذا لم يجد المضطر سواهم.
. فله قتلهم وأكلهم على الأصحِّ في (كتاب الأطعمة) 259.
(ويحل قتل راهب وأجير وشيخ وأعمى وزمن لا قتال فيهم ولا رأي في الأظهر) لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ 260، والثاني: المنع؛ لأنهم لا يقاتلون، فأشبهوا النساء والصبيان، فإن قاتلوا.
. قتلوا قطعًا.
وقوله: (لا قتال فيهم): قطعًا ينبغي أن يكون قيدًا في الشيخ ومن بعده؛ فإن الراهب والأجير فيهم قتال، ولا فرق فيهم بين الشيخ والشاب القوي، وكذلك المحترف.
واحترز بقوله: (ولا رأي): عمن له رأي يستعين به الكفار في القتال؛ فإنه يقتل قطعًا.
(فيسترقون، وتسبى نساؤهم) وذراريهم، (و) يغنم (أموالهم)، هذا إذا جوزنا قتلهم، ولهذا أتى المصنف بالفاء؛ لينبه على التفريع، فإن قلنا: بالمنع.
. فالمذهب: أنهم يرقون بنفس الأسر؛ كالنساء والصبيان.
(ويجوز حصار الكفار في البلاد والقلاع، وإرسال الماء عليهم، ورميهم بنار ومنجنيق)، ونحو ذلك؛ من هدم البيوت، وإلقاء الحيات، وقطع المياه عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾، وفي "الصحيحين": أنه صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف 261، وروى البيهقي: أنه نصب عليهم المَنْجَنيق 262، وألحق به
الجزء: 4 - الصفحة: 275
وَتَبْيِيتُهُمْ فِي غَفْلَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ أَسِيرٌ أَوْ تَاجِرٌ. . جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوِ الْتَحَمَ حَرْبٌ فَتَتَرَّسُوا بِنِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ. . جَازَ رَمْيُهُمْ،
ما في معناه؛ لأن أكثر ما في ذلك قتلهم غيلة، وسيأتي جوازه.
(وتبييتهم في غفلة)، وهو الإغارة عليهم ليلًا؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أغار على بني المصطلق، متفق عليه 263.
نعم؛ يكره حيث لا حاجة إليه؛ لأنه لا يأمن ليلًا أن يصيب مسلمًا من الجيش يظنه كافرًا، قاله البُلْقيني، وتبعه الزركشي، وقال: إنه أشار إليه في "الأم".
(فإن كان فيهم مسلم) واحدٌ فأكثرَ (أسير أو تاجر.
. جاز ذلك) أي: ما سبق؛ من التغريق، والتحريق، ورمي المَنْجَنيق، ونحوها (على المذهب) لئلا يتعطل الجهاد بحبس مسلم عندهم، ولأنه قد لا يصيب المسلم.
نعم؛ يكره إذا لم تكن ضرورة؛ تحرزًا من إهلاك المسلم، ولا يحرم على الأظهر، وإن كان ضرورة؛ كخوف ضررهم، أو لم يحصل فتح القلعة إلا به.
. جاز قطعًا.
والطريق الثاني: لا اعتبار بالضرورة، بل إن علم أن ما يرمي به يهلك المسلم.
. لم يجز، وإلا.
. فقولان، والثالث: إن كان عدد المسلمين الذين فيهم مثل المشركين.
. لم يجز، وإن كان أقل.
. جاز؛ لأن الغالب أنه لا يصيب المسلمين، قال الزركشي: وينبغي التحريم حيث لا ضرورة، ويدل له قوله تعالى في تأخير القتال عن أهل مكة عام الحديبية: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ الآية، قال: وكلام الشافعي يقتضيه، وقال البُلْقيني: إن قضية نص "الأم": التحريم، وقضية نص "المختصر": الكراهة، قال: فإطلاق الجواز على المذهب مخالف للنصين جميعًا.
(ولو التحم حرب فتترسوا بنساء وصبيان) منهم (. . جاز رميهم) إذا دعت الضرورة إليه؛ لئلا يُتّخذَ ذلك ذريعةً إلى منع الجهاد وطريقًا إلى الظفر بالمسلمين؛
الجزء: 4 - الصفحة: 276
وَإِنْ دَفَعُوا بِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِم وَلَم تَدْعُ ضَرُورَةٌ إِلَى رَمْيِهِمْ. . فَالأَظْهَرُ: تَرْكُهُمْ. وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ؛ فَإِنْ لَمْ تدْعُ ضرُورَة إِلَى رَمْيِهِمْ. . تَرَكْنَاهُمْ، وَإِلَّا. . جَازَ رَمْيُهُمْ فِي الأَصَحِّ.
لأنا إن كففنا عنهم لأجل التُّرْس.
. فهم لا يكفون عنا، فالاحتياط لنا أولى من الاحتياط لأولادهم ونسائهم.
(وإن دفعوا بهم عن أنفسهم ولم تدع ضرورة إلى رميهم.
. فالأظهر: تركهم) وجوبًا؛ لئلا يؤدي إلى قتلهم من غير ضرورة، وقد صح النهي عن قتل النساء والصبيان 264، وهذا ما صححه في "المحرر"؛ فإنه قال: إنه الأولى، فتبعه في الكتاب 265، والثاني: يجوز رميهم؛ كما يجوز نصب المَنْجَنيق على القلعة وإن كان يصيبهم، وهذا ما صححه في "زيادة الروضة"، ولا ترجيح في "الكبير" 266، قال الزركشي: والمذهب المنقول عن نصه في الجديد: الجواز، وكذا الحكم لو تترسوا بهم في القلعة.
(وإن تترسوا بمسلمين؛ فإن لم تدع ضرورة إلى رميهم.
. تركناهم) ولم يجز رميهم قطعًا؛ صيانةً للمسلمين، والفرق بينهم وبين النساء والصبيان على طريقة المصنف في "الروضة": أن المسلم محقون الدم؛ لحرمة الدين، فلم يجز قتله من غير ضرورة، والذرية حقنوا لحق الغانمين، فجاز قتلهم بغير ضرورة.
(وإلا) أي: وإن دعت ضرورة إلى رميهم؛ بأن تترسوا بهم في حال التحام القتال، وكانوا بحيث لو كففنا عنهم.
. ظفروا بنا (. . جاز رميهم في الأصح) المنصوص بقصد قتال المشركين 267، ويتوقى المسلمين بحسب الإمكان؛ لأن مفسدة الإعراض أكثر من مفسدة الإقدام، ويحتمل هلاك طائفة للدفع عن بيضة الإسلام، والثاني: المنع؛ لأن غايته أن نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يباح بالخوف؛ بدليل صورة الإكراه.
الجزء: 4 - الصفحة: 277
وَيَحْرُمُ الانْصِرَافُ عَنِ الصَّفِّ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى مِثْلَيْنَا إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ يَسْتَنْجِدُ بِهَا، وَيَجُوزُ إِلَى فِئَةٍ بَعِيدَةٍ فِي الأَصَحِّ
قال الرافعي: وأشعر إيراد الغزالي: تخصيص الوجهين بما إذا تترس الكفار بطائفة من المسلمين في صف القتال؛ فإنه أجاب بالمنع فيما إذا تترس كافر بمسلم.
انتهى، وتبعه في "الحاوي الصغير"؛ حيث قال: لا كافر بمسلم 268.
(ويحرم الانصراف عن الصف) ولو غلب على ظنه أنه إذا ثبت قتل في الأصحِّ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾، وفي "الصحيحين": "اجْتَنِبُوا السَّبع الْمُوبِقَاتِ"، وعد منها: الفرار يوم الزحف 269، (إذا لم يزد عدد الكفار على مثلينا) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية، وهو أمر بمعنى الخبر 270، وإلا.
. لوقع خلاف المخبر عنه، وهو محال.
والمعنى في وجوب المصابرة على الضعف؛ كما قاله القاضي الحسين: أن المسلم يقاتل على إحدى الحسنيين؛ إما أن يُقتلَ فيدخل الجنة، أو يَسْلَمَ فيفوز بالأجر والغنيمة، والكافر يقاتل على الفوز بالدنيا.
(إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة يستنجد بها) للآية، والمراد بالتحرف هنا: الانتقال إلى مكان في موضع الحرب أمكن للقتال؛ لكون موقفه الأول ضيقًا أو في عين الشمس ونحو ذلك، والمراد بالتحيز هنا: الذهاب بنيّة الانضمام إلى طائفة من المسلمين؛ ليرجع معهم محاربًا.
(ويجوز) الانصراف للمتحيز (إلى فئة بعيدة في الأصح) لإطلاق الآية، والثاني: يشترط: أن تكون قريبة؛ ليتصور الاستنجاد بها في القتال وإتمامه.
الجزء: 4 - الصفحة: 278
-وَلَا يُشَارِكُ مُتَحَيِّزٌ إِلَى بَعِيدَةٍ الْجَيْشَ فِيمَا غَنِمَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ، وَيُشَارِكُ مُتَحَيِّزٌ إِلَى قَرِيبَةٍ فِي الأَصَحِّ- فَإِنْ زَادَ عَلَى مِثْلَيْنِ. . جَازَ الانْصِرَافُ،
والمراد بالقريبة: التي يتصور الاستنجاد بهم في هذا القتال ولحوق مددهم والقتالُ قائمٌ بعدُ.
وقيد الإمام والغزالي جواز الانصراف: بما إذا لم يكن فيه انكسار المسلمين، وجرى عليه في "الحاوي الصغير"، قال الرافعي: ولم يتعرض له المعظم، قال الأَذْرَعي: وهو ظاهر، لا سيما لو علم المتحيز أنه لو ولى لولى الناس معه؛ لكونه زعيمَ الجيش أو أميرَهم أو من أبطالهم المشهورين 271.
هذا كله في حال القدرة، أما من عجز بمرض أو نحوه، أو لم يبق معه سلاح.
. فله الانصراف بكل حال، ولو أمكنه الرمي بالحجارة.
. لا يقوم مقام السلاح في الأصحِّ، كذا قالاه في الباب الأول عند الكلام في الرجوع عن الإذن، وأرسل الرافعي هنا الوجهين بلا ترجيح، وذهل في "الروضة" عما سبق هناك فصحح من "زوائده" أن الحجارة تقوم مقامه، فوقع في الاختلاف 272.
ويستحب: أن يتولى متحرفًا أو متحيزًا 273.
(ولا يشارك متحيز إلى بعيدة الجيش فيما غنم بعد مفارقته) لأنه ببعده تفوت نصرته، أما ما غنموه قبل مفارقته.
. فيشارك فيه، نص عليه، وبمثله أجاب في المتحرف للقتال 274، (ويشارك متحيز إلى) فئة (قريبة في الأصح) لبقاء نصرته، والثاني: لا؛ لمفارقته.
(فإن زاد على مثلين.
. جاز الانصراف) لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية، وسواء أكان المسلمون رجالة والمشركون فرسانًا، أم بالعكس؛ كما نقله في "زيادة الروضة" عن الماوردي والروياني، ثم قال: وفيه نظر، ويمكن تخريجه على
الجزء: 4 - الصفحة: 279
إِلَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ انْصِرَافُ مِئَةِ بَطَلٍ عَنْ مِئَتَيْنِ وَوَاحِدٍ ضُعَفَاءَ فِي الأَصحِّ. وَتَجُوزُ الْمُبَارَزَةُ، فَإِنْ طَلَبَهَا كَافِرٌ .. اسْتُحِبَّ الْخُرُوجُ، وَإِنَّمَا تَحْسُنُ مِمَّنْ جَرَّبَ نَفْسَهُ وَبِإِذْنِ الإِمَامِ. وَيَجُوزُ إِتْلَافُ بِنَائِهِمْ وَشَجَرِهِمْ لِحَاجَةِ الْقِتَالِ وَالظَّفَرِ بِهِمْ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يُرْجَ حُصُولُهَا لَنَا، فَإِنْ رُجِيَ .. نُدِبَ
الوجهين في المسألة عقبها؛ في أن الاعتبار بالعدد أم بالمعنى 275.
(إلَّا أنه يحرم انصراف مئة بطل عن مئتين وواحد ضعفاءَ في الأصح) اعتبارًا بالمعنى؛ لأنهم يقاومونهم لو ثبتوا، وإنما يراعى العدد عند تقارب الأوصاف، والثاني: المنع؛ لأن اعتبار الأوصاف يعسر، فاعتبر الحكم بالعدد.
ومأخذ الخلاف: أنه هل يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه أو لا؟ والأصحُّ: الجواز، والمعنى الذي شرع القتال لأجله -وهو الغلبة- دائر مع القوة والضعف لا مع العدد، فيتعلق الحكم به، والخلاف جارٍ في عكسه، وهو فرار مئة من ضعفائنا عن مئة وتسعة وتسعين من أبطالهم 276.
(وتجوز المبارزة) للاتباع 277، ولا تكره، ولا تندب، (فإن طلبها كافر .. استحب الخروج) إليه؛ لما في الترك من الضعف للمسلمين والتقوية للكافرين.
(وإنما تحسن) المبارزة (ممن جرب نفسه) فعرف قوته وجرأته، أما الضعيف الذي لا يثق بنفسه .. فتكره له ابتداءً وإجابةً، وقيل: تحرم 278، (وبإذن الإمام) أو أمير الجيش؛ لأنه قد يظن الإنسان نفسه كفؤًا لها، وقد لا يكون، فاختص بنظر الإمام، فإن بارز بغير إذنه .. جاز على الأصحِّ؛ لأن التغرير بالنفس في الجهاد جائز.
(ويجوز إتلاف بنائهم وشجرهم لحاجة القتال والظفر بهم) لأنه صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير، فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية، متفق عليه 279، (وكذا إن لم يرج حصولها لنا) مغايظةً لهم وتشديدًا عليهم، (فإن رجي .. ندب
الجزء: 4 - الصفحة: 280
التَّرْكُ.
وَيَحْرُمُ إِتْلَافُ الْحَيَوَانِ، إِلَّا مَا يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ لِدَفْعِهِمْ أَوْ ظَفَرٍ بِهِمْ، أَوْ غَنِمْنَاهُ وَخِفْنَا رُجُوعَهُ إِلَيْهِمْ وَضَرَرَ.
فَصْلٌ [في حكم الأسر وأموال أهل الحرب]
نِسَاءُ الْكُفَّارِ وَصِبْيَانُهُمْ إِذَا أُسرُوا .. رَقُّوا، وَكَذَا الْعَبِيدُ، وَيَجْتَهِدُ الإِمَامُ فِي الأَحْرَارِ الْكَامِلِينَ، وَيَفْعَلُ الأَحَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ، مِنْ قَتْلٍ وَمَنٍّ وَفِدَاءٍ بِأَسْرَى أَوْ مَالٍ وَاسْتِرْقَاقٍ،
الترك) حفظًا لحق الغانمين.
(ويحرم إتلاف الحيوان) المحترم؛ للنهي عن ذبح الحيوان إلا لمأكلِهِ 280، (إلا ما يقاتلون عليه لدفعهم أو ظفرٍ بهم) لأنها كأداة القتال، (أو غنمناه وخفنا رجوعه إليهم وضرره) فيجوز إتلافها؛ دفعًا لهذه المفسدة 281، أما إذا خفنا الاسترداد فقط .. فلا يجوز عقرها، بل تذبح للأكل.
(فصل: نساء الكفار وصبيانهم) ومجانينهم (إذا أسروا .. رقّوا) بنفس الأسر، فيكون الخمس منهم لأهله والباقي للغانمين، كسائر الغنيمة.
وقضية إطلاق المصنف وغيره: أنه لا فرق بين الكتابية وغيرها، وفي "الأحكام السلطانية": من لا كتاب لها إذا امتنعت من الإسلام .. تقتل عند الشافعي 282، والخنثى كالمرأة، كما صرح به الرافعي في الباب الثاني 283.
(وكذا العبيد) يستمر الرق عليهم؛ لأنهم من جملة الأموال.
(ويجتهد الإمام) أو أمير الجيش (في الأحرار الكاملين، ويفعل) وجوبًا (الأحظ للمسلمين، من قتل ومنّ) مجانًا، (وفداء بأسرى) مسلمين (أو مال، واسترقاق)
الجزء: 4 - الصفحة: 281
فَإِنْ خَفِيَ الأَحَظُّ .. حَبَسَهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَرَقُّ وَثَنِيٌّ، وَكَذَا عَرَبِيٌّ فِي قَوْلٍ. وَلَوْ أَسْلَمَ أَسِيرٌ .. عَصَمَ دَمَهُ وَبَقِيَ الْخِيَارُ فِي الْبَاقِي، وَفِي قَوْلٍ: يَتَعَيَّنُ الرِّقُّ. وَإِسْلَامُ كَافِرٍ قَبْلَ ظَفَرٍ بِهِ يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ وَصغَارَ وَلَدِهِ
للاتباع، والمال المفادى به يقسم كالغنائم، (فإن خفي الأحظ .. حبسهم حتى يظهر) لأنه راجع إلى اجتهاده لا إلى تشهيه، فيؤخر لظهور الصواب.
(وقيل: لا يسترق وثني) كما لا يجوز تقريره بالجزية، والأصحُّ: نعم؛ لأن من جاز أن يمن عليه ويفادى .. جاز أن يسترق كالكتابي، (وكذا عربي في قول) قديم؛ لحديث فيه، لكن واه 284، لا جرم كان الأصح جواز استرقاقه كغيره.
(ولو أسلم أسير .. عصم دمه) لقوله عليه السلام: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ ... " إلى أن قال: "فَإِذَا قَالُوهَا .. عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ... " الحديث، متفق عليه 285، (وبقي الخيار في الباقي) أي: باقي الخصال إذا كان الإسلام قبل اختيار الإمام؛ لأن المخير بين أشياء إذا سقط بعضها لتعذره .. لا يسقط الخيار في الباقي؛ كالعجز عن العتق في الكفارة، (وفي قول: يتعين الرق) بنفس الإسلام؛ لأنه أسير محرم القتل، فأشبه الصبي والمرأة.
وأجاب الأول: بأن الصبي والمرأة لم يكن مخيرًا فيهما في الأصل، بخلاف الأسير.
(وإسلام كافر قبل ظفر به) (وهو أسره؛ كما صرح به الشافعي في "المختصر"، وجرى عليه الدارمي وغيره، لكن قول "الروضة" و"أصلها": قبل أسره والظفر به .. يخالفه 286، (يعصم دمَه ومالَه) للحديث المارّ، قال القاضي الحسين: وإنما يرتفع السيف بكلمتي الشهادة والإقرار بأحكامها، فأما مجرد قولها .. فلا، وفيه نظر، وظاهر الحديث يرد عليه، (وصغارَ ولده) الأحرارَ عن السبي؛ لأنهم يتبعونه في الإسلام، وسواء الذكر والأنثى، والجد والجدة كذلك على الأصحِّ ولو كان الأب
الجزء: 4 - الصفحة: 282
لَا زَوْجَتَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَإِنِ اسْتُرِقَّتِ .. انْقَطَعَ نِكَاحُهُ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بَعْدَ دُخُولٍ .. انْتُظِرَتِ الْعِدَّةُ فَلَعَلَّهَا تَعْتِقُ فِيهَا. وَيَجُوزُ إِرْقَاقُ زَوْجَةِ ذِمِّيٍّ، وَكَذَا عَتِيقُهُ فِي الأَصَحِّ، لَا عَتِيقُ مُسْلِمٍ وَزَوْجَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ
حيًّا، والحمل كالمنفصل، فلا يسترق تبعًا لأمه، والمجنون من الأولاد كالصغير، سواء بلغ مجنونًا أو جن بعد بلوغه على الأصحِّ، أما العاقل البالغ .. فلا يعصمه إسلام الأب؛ لاستقلاله بالإسلام.
(لا زوجتَه على المذهب) المنصوص 287؛ لاستقلالها، ولو كانت حاملًا منه على الأصحِّ، وفي قول مخرج: لا تسترق؛ لئلا يبطل حقه من النكاح؛ كما لو أعتق المسلم عبدًا كافرًا والتحق بدار الحرب .. لا يجوز استرقاقه على المنصوص؛ لئلا يبطل حقه من الولاء.
وفرق الأول: بأن الولاء بعد ثبوته لا يمكن رفعه بحال، بخلاف النكاح.
(فإن استوقت .. انقطع نكاحه في الحال)، سواء قبل الدخول وبعده؛ لأنه زال ملكها عن نفسها، فلأن يزول ملك الزوج عنها من باب أولى؛ ولأنها صارت أمة كتابية، ولا يجوز إمساك الأمة الكتابية للنكاح، (وقيل: إن كان بعد دخول .. انتظرت العدة، فلعلها تعتق فيها) فيدوم النكاح؛ كالردة، والأصحُّ: عدم الفرق؛ لأن حدوث الرق يقطع النكاح، فأشبه الرضاع.
(ويجوز إرقاق زوجة ذمي) إذا كانت حربية، وترق بنفس الأسر من غير ضرب رق عليها، لا كما يوهمه تعبيره، وينقطع نكاحه، (وكذا عتيقه في الأصح) إذا لحق بدار الحرب؛ لأن الذمي لو التحق بدار الحرب .. استرق، فعتيقه أولى، والثاني: لا يسترق؛ لأن مال الذمي معصوم عن الاغتنام.
(لا عتيق مسلم) على المذهب المنصوص 288؛ لأن الولاء بعد ثبوته لا يرتفع؛ كما سبق، (وزوجته) الحربية (على المذهب)، والفرق بينه وبين الذمي: أن المسلم يُتخيَّل الأمان في نكاحه، ولا أمان للذمي.
الجزء: 4 - الصفحة: 283
وَإذَا سُبِيَ زَوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا .. انْفَسَخَ النِّكَاحُ إِنْ كَانَا حُرَّيْنِ، قِيلَ: أَوْ رَقِيقَيْنِ. وَإذَا أُرِقَّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ .. لَمْ يَسْقُطْ
وما صححه في هذه الصورة: تبع فيه "المحرر"، وكلامُ "الشرحين" و"الروضة" يقتضي جواز استرقاقها، فإنهما سويا في جريان الخلاف بينها وبين زوجة الحربي إذا أسلم قبل الأسر من غير زيادة على ذلك، وقال الزركشي: إنه الصواب، وقد نقله في "البحر" و"البيان" عن النص، وجزم به جمهور العراقيين، منهم الجرجاني 289.
(وإذا سبي زوجان أو أحدهما .. انفسخ النكاح إن كانا حرين) لما رواه مسلم: أنهم لما امتنعوا يوم أوطاس من وطء المسبيات؛ لأن لهن أزواجًا .. أنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 290، فحرم المتزوجات إلا المملوكات بالسبي، فدل على ارتفاع النكاح، وإلا .. لما حللن، ولأن الرق إذا حدث زال ملكها عن نفسها، فلأن تزول العصمة بينها وبين الزوج من باب أولى.
ومحل الانفساخ في سبي الزوج: ما إذا كان صغيرًا أو مجنونًا واختار الإمام رقه، أما لو منّ الإمام على البالغ العاقل أو فادى به .. استمرت الزوجية.
ومحله في سبي الزوجة: إذا كان الزوج كافرًا، فإن كان مسلمًا؛ فإن قلنا: لا تسترق زوجة المسلم .. فلا كلام، وإن قلنا: تسترق .. فالأصحُّ: الانفساخ، سواء قبل الدخول أو بعده؛ كما ذكره الإمام 291.
(قيل: أو رقيقين) لأنه حدث سبي يوجب الاسترقاق، فكان كحدوث الرق، والأصحّ: المنع؛ لأن الرق موجود، وإنما انتقل الملك من شخص إلى شخص، ومثله لا يؤثر في النكاح؛ كالبيع، والخلاف جارٍ سواء أسلما أم لا.
(وإذا أرق) الحربي (وعليه دين .. لم يسقط) لأن شغل الذمة قد حصل ولم يوجد
الجزء: 4 - الصفحة: 284
فَيُقْضَى مِنْ مَالِهِ إِنْ غَنِمَ بَعْدَ إِرْقَاقِهِ، وَلَوِ اقْتَرَضَ حَرْبِيٌّ مِنْ حَرْبِيٍّ أَوِ اشْتَرَى مِنْهُ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ قَبِلَا جِزْيَةً .. دَامَ الْحَقُّ،
ما يقتضي السقوط، هذا إذا كان الدين لمسلم، وكذا الذمي على الأصحِّ، فإن كان لحربي .. سقط على الأرجح، ولو كان الدين للسابي .. ففي سقوطه الوجهان فيمن كان له دين على عبد غيره فملكه، وقد اختلف كلام الشيخين في الترجيح من الوجهين في المسألة المبني عليها؛ كما نبه عليه في "المهمات" في الباب الثالث من أبواب الرهن 292.
(فيقضى من ماله إن غنم بعد إرقاقه)، ويقدم الدين على الغنيمة كما يقدم على الوصية وإن حكمنا بزوال ملكه بالرق، كما أن دين المرتد يقضى من ماله وإن حكمنا بزوال ملكه، ولأن الرق كالموت أو الحجر، وهما لا يمنعان تعلق الدين بالمال.
واحترز بقوله: (من ماله): عما إذا لم يكن له مال .. فإنه يبقى في ذمته إلى أن يعتق، وبقوله: (بعد إرقاقه): عما إذا غنم قبله .. فلا يقضى منه؛ لأن الغانمين ملكوه، وكذا ما غنم مع استرقاقه في الأصحِّ؛ فإن حق الغانمين تعلق بعين المال، وحق صاحب الدين في الذمة؛ وما يتعلق بالعين يقدم على المتعلق بالذمة، كما إذا جنى العبد المرهون .. يتقدم حق المجني عليه على المرتهن.
وهل يحل الدين المؤجل بالرق؟ قال الشيخان: فيه وجهان مرتبان على الخلاف في الحلول بالإفلاس، وأولى بالحلول؛ لأنه يشبه الموت من حيث إنه يزيل الملك ويقطع النكاح 293.
(ولو اقترض حربي من حربي أو اشترى منه، ثم أسلما أو قبلا جزية) أو أمانًا معًا أو مرتبًا ( .. دام الحق) إذا كان مما يصح طلبه؛ كما إذا أسلم الزوجان ولم تقبض المهر المُسمَّى .. يبقى استحقاقه، بخلاف ما لا يصح طلبه؛ كالخمر، وكذلك الحكم فيما إذا أسلم أحدهما فقط.
نعم؛ فيما إذا أسلم المديون قول بالسقوط.
الجزء: 4 - الصفحة: 285
وَلَوْ أَتلفَ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَا .. فَلَا ضَمَانَ فِي الأَصَحِّ. وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَهْرًا غَنِيمَةٌ، وَكَذَا مَا أَخَذَهُ وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ سَرِقَةً، أَوْ وُجِدَ كَهَيْئَةِ اللُّقَطَةِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ أَمْكَنَ كَوْمع لِمُسْلِمٍ .. وَجَبَ تَعْرِيفُهُ
(ولو أتلف عليه) أي: أتلف حربي على حربي شيئًا (فأسلما) أو أسلم المتلف ( .. فلا ضمان في الأصح) لأنه لم يلتزم شيئًا، والإسلام يجبّ ما قبله، والإتلاف ليس عقدًا يستدام، بخلاف الاستقراض، والثاني: يجب الضمان؛ لأنه لازم عندهم، فكأنهم تراضوا عليه.
(والمالُ المأخوذ من أهل الحرب قهرًا غنيمة) كما تقدم في بابه، وكان ينبغي أن يقول: (المال الذي أخذناه) ليخرج ما أخذه أهل الذمة منهم؛ فليس بغنيمة، (وكذا ما أخذه واحد أو جمع من دار الحرب سرقة) أو اختلاسًا، (أو وجد كهيئة اللقطة في الأصح) لأن دخوله دار الحرب وتغريره بنفسه يقوم مقام القتال، والثاني: أنه لمن أخذه خاصة؛ لأنه ليس مأخوذًا بقوة الجند ولا بقوة الإسلام حتى يكون فيئًا، ولا بالقتال حتى يكون غنيمة، وادعى الإمام الاتفاق عليه في الأولى، وجزما به في "الروضة" و"أصلها" في آخر (زكاة المعدن والركاز)، والخلاف في الثانية للإمام والغزالي فقط، وعامة الأصحاب على أنه غنيمة 294.
(فإن أمكن كونه لمسلم) بأن كان هناك مسلمون، أو أمكن كونه ضالة بعض الجيش ( .. وجب تعريفه)، فإذا عرَّفه ولم يعرِفْه أحد .. عاد الخلاف في أنه غنيمة أم للآخذ.
وقضيته: وجوب التعريف سنة إلا أن يكون حقيرًا؛ كما في اللقطة، وهو ما في "الروضة" و"أصلها" عن "المهذب" و"التهذيب" 295.
وقال الأَذْرَعي: إنه الظاهر، وعن الشيخ أبي حامد: يعرفه يومًا أو يومين، قالا: ويقرب منه قول الإمام: يكفي بلوغ التعريف في الأجناد إذا لم يكن هناك مسلم
الجزء: 4 - الصفحة: 286
وَلِلْغَانِمِينَ التَّبَسُّطُ فِي الْغَنِيمَةِ؛ بِأَخْذِ الْقُوتِ وَمَا يَصْلُحُ بِهِ وَلَحْمٍ وَشَحْمٍ وَكُلِّ طَعَامٍ يُعْتَادُ أَكْلُهُ عُمُومًا، وَعَلَفِ الدَّوَابِّ تِبْنًا وَشَعِيرًا وَنَحْوَهُمَا، وَذَبْحِ مَأْكُولٍ لِلَحْمِهِ. وَالصَّحِيحُ: جَوَازُ الْفَاكِهَةِ،
سواهم، ولا ينظر إلى احتمال مرور التجار.
انتهى، وما قاله الإمام نقله البُلْقيني عن نص "الأم" في (سير الواقدي)، وقال: إنه المعتمد 296.
(وللغانمين) قبل القسمة (التبسط في الغنيمة؛ بأخذ القوت وما يصلح به) كزيت، وسمن، (ولحم، وشحم، وكل طعام يعتاد أكله عمومًا) (وإن لم يأذن الإمام؛ لحديث ابن عمر: (كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكل منه ولا نرفعه) رواه البخاري 297.
والمعنى فيه: الحاجة الداعية إليه؛ فإن الطعام يعز في دار الحرب؛ فإنهم لا يبيعون من المسلمين، وقد يعسر نقله وتعظم مؤنته وربما يفسد، فجعله الشارع على الإباحة.
واحترز بقوله: (عمومًا): عما يحتاج إليه نادرًا؛ كالسكر والفانيذ والأدوية .. فلا يلحق بالأطعمة المعتادة على الصحيح، فلو احتاج إليه مريض .. أخذ ما يحتاج إليه بالقيمة.
ولو قال: (كلحم وشحم) .. لكان أولى؛ لأنه ليس له أخذ اللحم لبُزَاتِه، وكلابه، ولا الشحم لتوقيح الدوابّ منه على الصحيح المنصوص 298.
(وعلف الدوابّ تبنًا وشعيرًا ونحوهما) لأن الحاجة تدعو إليه؛ كمؤن نفسه، والعَلَف هنا بفتح اللام؛ لأن المراد: ما تأكله، (وذبحِ مأكول للحمه) لأنه مما يؤكل عادة، فهو كاللحم، ويجب ردّ جلد المذبوح إلى المغنم، إلا ما يؤكل مع اللحم.
(والصحيح: جواز الفاكهة) للخبر المار في العنب، ولأنه قد يحتاج إلى ذلك، والثاني: المنع؛ لندرة الحاجة إلى ذلك، قال الإمام: والحلوى كالفاكهة.
الجزء: 4 - الصفحة: 287
وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ قِيمَةُ الْمَذْبُوحِ، وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ الْجَوَازُ بِمُحْتَاجِ إِلَى طَعَامٍ وَعَلَفٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ لَحِقَ الْجَيْشَ بَعْدَ الْحَرْبِ وَالْحِيَازَةِ، وَأَنَّ مَنْ رَجَعَ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ وَمَعَهُ بَقِيَّةٌ .. لَزِمَهُ رَدُّهَا إِلَى الْمَغْنَمِ
(وأنه لا تجب قيمة المذبوح) إذا ذبحه لأجل لحمه، كما لا تجب قيمة الطعام المأخوذ، والثاني: يجب، لأن الترخيص ورد في الطعام، والحيوان ليس بطعام، ولهذا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا، وضعف، بأن القيمة لو وجبت .. لما جاز الذبح، وهذا القائل قد أجازه.
(وأنه لا يختص الجواز بمحتاج إلى طعام وعلف)، بل يجوز وإن كان معه ما يغنيه على الأصحِّ؛ فإن الرخصة وردت من غير تفصيل.
نعم؛ لو ضيق على المحتاجين .. فلقائد الجند منعه؛ كما نقله الإمام عن المحققين 299.
والثاني: يختص؛ لاستغنائه عن أخذ حق الغير، والأخذ هنا من باب الإباحة لا الملك حتى لا يتصرف كيف شاء، بل هو مقصور على انتفاعه؛ كالضيف، ووقع في "الحاوي الصغير": أنه يملكه 300، ولا يعرف لغيره.
(وأنه لا يجوز ذلك لمن لحق الجيش بعد الحرب والحيازة) لأنه معهم كغير الضيف مع الضيف، قال الرافعي: وهو يوافق ما ذكروه؛ من أنه لا حظ للاحق في هذه الحالة في الغنيمة 301، والثاني: يجوز، لمظنة الحاجة وعزة الطعام هناك.
وتقييده المنعَ: بما إذا لحق بعد الحيازة: يقتضي جواز التبسط فيما إذا لحق بعد الحرب وقبل الحيازة، لكن قضية استشهاد الرافعي: المنع أيضًا 302؛ كما لا يشاركهم في الغنيمة إذ ذاك.
(وأن من رجع إلى دار الإسلام ومعه بقية .. لزمه ردها إلى المغنم) أي: الموضع
الجزء: 4 - الصفحة: 288
وَمَوْضِعُ التَّبسُّطِ دَارُهُمْ، وَكَذَا مَا لَمْ يَصِلْ عُمْرَانَ الإِسْلَامِ فِي الأَصَحِّ. وَلِغَانِمٍ رَشِيدٍ وَلَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ الإِعْرَاضُ عَنِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ،
الذي يجمع الغنائم؛ لزوال الحاجة، والمأخوذ متعلق حق الجميع، والثاني: لا؛ لأنه أخذه وهو مباح له، فأشبه الصيد، والثالث: إن كان قليلًا لا يبالى به .. لم يرد، وإلا .. فيرد.
(وموضع التبسط دارهم) أي: دار الحرب؛ لأنه موضع العزة، (وكذا ما لم يصل عمرانَ الإسلام في الأصح) لبقاء الحاجة، والثاني: المنع؛ لأن المظنة دار الحرب، وقد خرجوا عنها، وعكسه: لو وجدوا سوقًا في دار الحرب وتمكنوا فيه من الشراء، قال في "أصل الروضة": طرد الغزالي فيه الوجهين، لانعكاس الدليلين، وقطع الإمام بالجواز وقال: لم أر أحدًا منعه، ونزّلوا دار الحرب في ذلك منزلة السفر في الترخص 303.
(ولغانم رشيد - ولو محجور عليه بفلس - الإعراض عن الغنيمة قبل القسمة) بأن يقول: (أسقطت حقي من الغنيمة) لأن مقصود الجهاد: إعلاء كلمة الله تعالى، والمال تابع، فإذا محض قصده .. فهو أخلص، وإنما كان المفلس كغيره؛ لأن اختيار التملك كابتداء الاكتساب، وهو لا يجب عليه الاكتساب.
والتقييد بالرشد: من زياداته على "المحرر"؛ ليخرج الصبي والمجنون؛ فإنه لا يصح إعراضهما ولا إعراض وليهما عن الرضخ، وكذا السفيه؛ فإنه لا يصح إسقاط حق الملك منه؛ كما قال الإمام: إنه الظاهر، وأقراه، وقالا: لو فكّ حجره قبل القسمة .. صح إعراضه 304.
وقال البُلْقيني: إن المعتمد في المذهب: صحة إعراض السفيه قبل القسمة وقبل اختيار التملك؛ لأنه لم يملك شيئا، وإنما ثبت له حق التملك، ونحن لا نلزمه بذلك، وكذا قال في "المهمات": إنه الراجح 305.
الجزء: 4 - الصفحة: 289
وَالأَصَحُّ: جَوَازُهُ بَعْدَ فَرْزِ الْخُمُسِ وَجَوَازُهُ لِجَمِيعِهِمْ، وَبُطْلَانُهُ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَسَالِبٍ، وَالْمُعْرِضُ كَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ، وَمَنْ مَاتَ .. فَحَقُّهُ لِوَارثهِ، وَلَا تُمْلَكُ إِلَّا بِقِسْمَةٍ، وَلَهُمُ التَّمَلُكُ، وَقِيلَ: يَمْلِكُونَ، وَقِيلَ: إِنْ سَلِمَتْ إِلَى الْقِسْمَةِ .. بَانَ مِلْكُهُمُ، وَإِلَّا ... فَلَا
وكذا لا يصح إعراض العبد عن رضخه، ويصح لسيده؛ لأنه حقه.
واحترز بقوله: (قبل القسمة): عما بعدها؛ لاستقرار الملك.
وكان ينبغي أن يقول: (وقبل اختيار التملك) فإنه لو قال قبل القسمة: (اخترت الغنيمة) .. منع ذلك من صحة الإعراض في الأصحِّ.
(والأصح: جوازه) أي: الإعراض (بعد فرز الخمس) (وقبل قسمة الأخماس الأربعة؛ لأن بالإفراز لا يتعين حق الواحد فالواحد من الغانمين، بل هم على حقوقهم على ما كانوا قبله، والثاني: المنع؛ لأن حقهم تميز عن الجهات العامة، فصار كمال مشترك، (وجوازه) أي: الإعراض (لجميعهم)، ويصرف الجميع إلى مصرف الخمس؛ لأن المعنى المصحح للإعراض يشمل الواحد والجميع عامة، والثاني: لا؛ لأنا لو صححناه .. لصرفنا حقوقهم إلى مصارف الخمس، وليس لتلك المصارف إلا الخمس على ما قال تعالى: ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية.
(وبطلانُه من ذوي القربى) لأنهم يستحقونه بلا عمل، فأشبه الإرث، والثاني: يصح؛ كالغنائم، (وسالبٍ) لأن السلب متعين له؛ كالمتعين بالقسمة، والثاني: يصح؛ كإعراض سائر الغانمين عن الغنيمة، (والمعرضُ كمن لم يحضر)، فيضم نصيبه إلى المغنم، وقيل: يضم إلى الخمس خاصةً.
(ومن مات .. فحقه لوارثه) إن لم يعرض؛ كسائر الحقوق.
(ولا تملك) الغنيمة (إلا بقسمة، ولهم التملك) أي: اختياره بين الحيازة والقسمة؛ لأنهم لو ملكوا بالاستيلاء .. لم يصح إعراضهم؛ كالتحطب ونحوه، (وقيل: يملكون) بالحيازة والاستيلاء التام؛ لأن ملك الكفار قد زال، ويبعد مال لا مالك له، (وقيل: إن سلمت) الغنيمة (إلى القسمة .. بأن ملكهم، وإلا .. فلا) لأن قصد الاستيلاء على المال لا يتحقق إلا بالقسمة؛ لأن المال تابع، والغرض من
الجزء: 4 - الصفحة: 290
وَيُمْلَكُ الْعَقَارُ بِالاسْتِيلَاءِ كَالْمَنْقُولِ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا كَلْبٌ أَوْ كِلَابٌ تَنْفَعُ وَأَرَادَهُ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُنَازَعْ .. أُعْطِيَهُ، وَإِلَّا .. قُسِّمَتْ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا .. أُقْرِعَ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ سَوَادَ الْعِرَاقِ فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِّمَ ثُمَّ بَذَلُوهُ وَوُقِفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ،
الجهاد: إعلاء كلمة الله تعالى، فإذا اقتسموا.
تبينا قصد التملك بالاستيلاء، فيتبين حصول الملك.
(ويملك العقار بالاستيلاء؛ كالمنقول) بجامع المالية، ولأنه صلى الله عليه وسلم قسم خيبر على الغانمين 306.
وعبارة المصنف موهمة؛ فإن المنقول لا يملك بالاستيلاء، بل بالقسمة على الأصحِّ؛ كما مرّ.
فلو قال: (ويملك العقار بما يملك به المنقول) .. لكان وافيًا بالمقصود.
(ولو كان فيها كلب أو كلاب تنفع) لاصطياد أو حراسة (وأراده بعضهم) أي: بعض الغانمين أو بعض أهل الخمس (ولم ينازَع .. أعطيه، وإلا) أي: وإن نوزع ( .. قسمت إن أمكن) بأن وجد عدة كلاب وأمكن قسمتها، والقسمة بالعدد على المذهب، (وإلا) أي: وإن لم يمكن قسمتها ( .. أقرع) بينهم؛ دفعًا للنزاع.
(والصحيح: أن سواد العراق فتح عنوة) لأن عمر رضي الله عنه قسمه في جملة الغنائم؛ كما ثبت ذلك من طرق 307، ولو كان صلحًا .. لم يقسم، والثاني: أنه فتح صلحًا، وأنه رضي الله عنه رده عليهم بخراج يؤدونه كل سنة 308.
وسمي سوادًا: لخضرته بالأشجار والزروع، والخضرة تُرى من البعد سوادًا.
(وقُسّم ثم بذلوه) أي: بذله الغانمون بعد قسمته (ووقف على المسلمين) أي: وقفه عمر رضي الله عنه؛ كما رواه البيهقي والخطيب وغيرهما 309، وآجره من أهله بأجرة منجّمة تؤدى كل سنة، وهو الخراج.
الجزء: 4 - الصفحة: 291
وَخَرَاجُهُ أُجْرَةٌ تُؤَدَّى كُلَّ سَنَةٍ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مِنْ عَبَّادَانَ إِلَى حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ طُولًا، وَمِنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى حُلْوَانَ عَرْضًا. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: أَنَّ الْبَصْرَةَ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي حَدِّ السَّوَادِ .. فَلَيْسَ لَهَا حُكْمُهُ إِلَّا فِي مَوْضِعِ غَرْبِيِّ دِجْلَتِهَا وَمَوْضِعِ شَرْقِيِّهَا،
(وخراجه أجرة تؤدى كل سنة لمصالح المسلمين)، الأهم فالأهم، للفقراء والأغنياء من أهل الفيء وغيرهم، وقيل: لم يقفه، بل باعه لمن هو بيده.
والخراج ثمن منجّم؛ لأنه لم يزل الناس يبيعون أرض السواد ويشترون من غير نكير.
ورد الأول ذلك: بأن عمر رضي الله عنه أنكر على عتبة بن فرقد شراءه أرضًا من أرض السواد، وقال له: ممن اشتريتها؟ قال: من أهلها، فقال: هؤلاء أهلها المسلمون، أبعتموه شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فاذهب فاطلب مالك ممن باعك، رواه البيهقي وغيره 310.
وفي السبب الباعث لعمر رضي الله عنه على استرجاعه منهم خلاف؛ قيل: لأنه خاف أن يشتغلوا بفلاحته عن الجهاد، وقيل: لئلا ينفردوا به وذريتهم عن سائر الناس.
(وهو) يعني: حد السواد (من عَبّادان إلى حديثة الموصل طولًا، ومن القادسية إلى حلوان عرضًا)، وهو بالفراسخ: مئة وستون فرسخًا طولًا، وثمانون عرضًا.
(قلت: الصحيح: أن البصرة وإن كانت داخلة في حدّ السواد .. فليس لها حكمه) لأن أرض البصرة كانت سبخة أحياها عثمان بن أبي العاص وعتبة بن غزوان رضي الله عنهما بعد فتح العراق 311، (إلا في موضع غربي دِجلتها) يُسمَّى نهر الصَّراة، (وموضع شرقيها) يُسمَّى الفرات، هذا ما نقلاه عن صاحب "المهذب"، وقال في "أصل الروضة": إنه الصحيح، وإن إطلاق البغويِّ استثناءَ البصرة فيه تساهلٌ 312.
الجزء: 4 - الصفحة: 292
وَأَنَّ مَا فِي السَّوَادِ مِنَ الدُّورِ وَالْمَسَاكِنِ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَفُتِحَتْ مَكَّةُ صُلْحًا، فَدُورُهَا وَأَرْضُهَا الْمُحْيَاةُ مِلْكٌ يُبَاعُ.
فَصْلٌ [في أمان الكفار]
يَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ
(وأن ما في السواد من الدور والمساكن يجوز بيعه) أي: بيع الأبنية فقط، (والله أعلم) لأن أحدًا لم ينكر شراءها، ولأن وقفها يفضي إلى خرابها؛ كذا قيل، وفيه نظر، والثاني: المنع؛ كالمزارع.
كذا أطلقا الخلاف 313، وينبغي أن يكون محله: في الأبنية التي كانت موجودة يوم ردها عمر رضي الله عنه إلى أهلها، أما ما أحدث بعد ذلك .. فيجوز بيعه قطعًا.
(وفتحت مكة صلحًا) لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾؛ يعني: أهل مكة، فدل على أنهم لم يقاتلوا، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾، فأخبر بكف الفريقين، وهو يمنع من العنوة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم، لم يقتل إلا أناسًا خصهم، ولم يسلب، ولا قسم عقارًا ولا منقولًا، ولو فتحت عنوة .. لكان الأمر بخلاف ذلك، وقولُ من قال: إنها فتحت عنوة محمولٌ على أنه عليه السلام دخلها متأهبًا للقتال خوفًا من غدر أهلها.
(فدورها وأرضها المحياة ملكٌ يباع) لقوله عليه الصلاة والسلام: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ؟ ! " 314؛ يعني: أنه باعها.
وفتحت مصرُ عنوة، وكذا دمشقُ على المرجح عند السبكي، ولا ذكر لها عند الشيخين.
(فصل: يصح من كل مسلمٍ مكلفٍ مختارٍ) (ولو امرأةً، ومحجورًا عليه بفلس أو
الجزء: 4 - الصفحة: 293
أَمَانُ حَرْبِيٍّ وَعَدَدٍ مَحْصُورٍ فَقَطْ، وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ أَسِيرٍ لِمَنْ هُوَ مَعَهُمْ فِي الأَصحِّ، وَيَصِحُّ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ مَقْصُودَهُ، وَبِكِتَابَةٍ وَرِسَالَةٍ. وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الْكَافِرِ بِالأَمَانِ، فَإِنْ رَدَّهُ .. بَطَلَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَقْبَلْ فِي الأَصحِّ،
سفهٍ، ومريضًا، وهرمًا، وفاسقًا، وعبدًا ولو كان لكافر (أمانُ حربيٍّ وعددٍ محصور فقط) لحديث: "إِنَّ ذِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ" متفق عليه 315.
وخرج بالمسلم: الكافر؛ لأنه متهم، وبالمكلف: الصبي والمجنون؛ لأنه عقد وليسا من أهله؛ كسائر العقود لكن لا يقتل من أمّناه إن جهل فساد أمانهما، بل يعرّف أنه لا أمان له ليرجع إلى مأمنه، وبالمختار: المكره؛ لأنه لا قصد له، وبالمحصور: غير المحصور؛ كأهل قرية أو قبيلة؛ لأن هذا هدنة، وهي لا تليق بغير الإمام.
(ولا يصح أمان أسير لمن هو معهم في الأصح) لأنه مقهور في أيديهم فألحق بالمكره، والثاني: يصح؛ لأنه مسلم مكلف مختار أمن أمانًا ليس فيه إضرار.
(ويصح) الأمان (بكل لفظ يفيد مقصوده) صريحًا كان؛ كـ (أجَرْتك)، و (أمنتك)، أو كنايةً؛ كـ (أنت على ما تحب)، أو (كن كيف شئت)، (وبكتابة) لأثرٍ فيه عن عمر رضي الله عنه 316، ولا بدّ من النية؛ لأنها كناية، (ورسالةٍ)، سواء أكان الرسول مسلمًا أم كافرًا؛ لأن بناء الباب على التوسعة في حقن الدم.
(ويشترط) في صحة الأمان: (علم الكافر بالأمان)، فإن لم يعلمه .. فلا أمان له، فتجوز المبادرة إلى قتله ولو من المؤمِّن له، (فإن ردّه .. بطل) لأنه عقد؛ كالهبة.
(وكذا إن لم يقبل في الأصح) كغيره من العقود، والثاني: يكفي السكوت؛ لبناء الباب على التوسعة.
وتعبيره بـ (الأصح): يقتضي أن المسألة ذات وجهين، وليس كذلك، وإنما هو تردد للإمام، والترجيح بحث له 317، والمنقول في "التهذيب" و"تعليق" الشيخ
الجزء: 4 - الصفحة: 294
وَتَكْفِي إِشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ لِلْقَبُولِ، وَيَجبُ أَلَّا تَزِيدَ مُدَّتُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي قَوْلٍ: تَجُوزُ مَا لَمْ تبلُغْ سَنَةً، وَلَا يَجُوزُ أِمَانٌ يَضرّ الْمُسْلِمِينَ كَجَاسُوسٍ. وَلَيْسَ لِلإِمَامِ نَبْذُ الأَمَانِ إِنْ لَمْ يَخَفْ خِيَانَةً، وَلَا يَدْخُلُ فِي الأَمَانِ مَالُهُ وَأَهْلُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَكَذَا مَا مَعَهُ مِنْهُمَا فِي الأَصَحِّ إِلَّا بِشَرْطٍ
إبراهيم المرُّوذي: الاكتفاء بالسكوت، وقال البُلْقيني: إنه قضية النص، وهو ما عليه السلف والخلف 318.
نعم؛ يشترط مع السكوت: ما يشعر بالقبول، وهو الكف عن القتال، صرّح به المرّوذي، وهو ظاهر 319.
(وتكفي إشارة مفهمة للقبول) (ولو من قادر على النطق؛ لبناء الباب على الاتساع.
ولو أسقط قوله: (للقبول) .. لكان أولى؛ ليشمل الإيجاب أيضًا.
(ويجب ألا تزيد مدته على أربعة أشهر، وفي قول: تجوز ما لم تبلغ سنة) لما سيأتي في الهدنة، أما السنة .. فممتنعة قطعًا، فلو زاد على الجائز .. فقولا تفريقِ الصفقة.
(ولا يجوز أمانٌ يضر المسلمين؛ كجاسوس)، وطليعة الكفار؛ لأنه إذا لم يجز تأمينهما بالجزية .. فدونها أولى.
(وليس للإمام نبذ الأمان إن لم يخف خيانة) لأن الأمان لازم من جهة المسلمين، فإن خافها .. نبذه؛ كالهدنة، وأولى.
(ولا يدخل في الأمان ماله وأهله بدار الحرب، وكذا ما معه منهما في الأصح إلا بشرط) لأن اللفظ لا يتناول ذلك، وإنما يتناول نفسه فقط، والثاني: يدخل؛ لاحتياجه إلى ذلك.
وما صححه من عدم دخول ما معه بلا شرط: كذا أطلق تصحيحه في "الروضة" في المسألة الخامسة، وقال في المسألة التاسعة: إذا دخل كافر دارنا بأمان أو ذمة ..
الجزء: 4 - الصفحة: 295
وَالْمُسْلِمُ بِدَارِ كُفْرٍ إِنْ أَمْكَنَهُ إِظْهَارُ دِينِهِ .. اسْتُحِبَّ لَهُ الْهِجْرَةُ، وَإِلَّا .. وَجَبَتْ إِنْ أَطَاقَهَا. وَلَوْ قَدَرَ أَسِيرٌ عَلَى هَرَبٍ .. لَزِمَهُ، وَلَوْ أَطْلَقُوهُ بِلَا شَرْطٍ .. فَلَهُ اغْتِيَالُهُمْ، أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ فِي أَمَانِهِ .. حَرُمَ، فَإِنْ تَبعَهُ قَوْمٌ .. فَلْيَدْفَعْهُمْ وَلَوْ بِقَتْلِهِمْ، وَلَوْ شَرَطُوا أَلَّا يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ .. لَمْ يَجُزِ الْوَفَاءُ. وَلَوْ عَاقَدَ الإِمَامُ عِلْجًا يَدُلُّ عَلَى قَلْعَةٍ وَلَهُ مِنْهَا جَارِيَةٌ .. جَازَ،
فما معه من المال والأولاد في أمان، فإن شرط الأمان فيهما .. فهو تأكيد، والموضعان في "الشرح" كذلك، قال في "المهمات": والراجح: الدخول 320، وحكاه البُلْقيني عن نصّ "البويطي"، وقال الأَذْرَعي: إنه المذهب، وعزاه إلى الجمهور.
(والمسلم بدار كفر إن أمكنه إظهار دينه) لقوته وعشيرته ( .. استحب له الهجرة) خوفًا من الميل إليهم، ولا تجب؛ لقدرته على إظهار دينه، (وإلا .. وجبت إن أطاقها) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا تنقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الكُفَّارُ"، صححه ابن حبان 321، وسواء الرجل والمرأة وإن لم تجد محرمًا.
(ولو قدر أسير على هرب .. لزمه) تخليصًا لنفسه من رق الأسر.
(ولو أطلقوه بلا شرط .. فله اغتيالهم) قتلًا وسبيًا؛ لأنهم لم يستأمنوه، (أو على أنهم في أمانه .. حرم) (وفاءً بما التزمه، وكذا إذا أطلقوه على أنه في أمان منهم ولم يستأمنوه على الأصحِّ، (فإن تبعه قوم) بعدما خرج ( .. فليدفعهم ولو بقتلهم) كما في دفع الصائل.
(ولو شرطوا) عليه (ألا يخرج من دارهم .. لم يجز الوفاء) بالشرط، ولزمه الخروج عند المكنة؛ لأن الإقامة غير جائزة، والتزام ما لا يجوز لا يلزم.
(ولو عاقد الإمام عِلْجًا يدل على قلعة) مسماةٍ معينةٍ خَفِيَ طريقُها، أو ليدلهم على طريق إليها خالٍ من الكفار أو سهل أو كثير الماء والكلأ (وله منها جارية .. جاز) وهي
الجزء: 4 - الصفحة: 296
فَإِنْ فُتِحَتْ بِدِلَالَتِهِ .. أُعْطِيَهَا، أَوْ بغَيْرِهَا .. فَلَا فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ تُفْتَحْ .. فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُعَلِّقِ الْجُعْلَ بالْفَتح .. فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَارِيَةٌ أَوْ مَاتت قَبْلَ الْعَقْدِ .. فَلَا شَيْءَ لَهُ، أَوْ
جعالة بجعل مجهول غير مملوك احتملت للحاجة، وسواء أكانت الجارية معينة أم مبهمة، حرة أم أمة؛ لأن الحرة ترق بالأسر.
واحترز بالعلج -وهو الكافر الغليظ الشديد-: عما لو اتفق ذلك مع مسلم .. فإنه لا يجوز؛ كما نقلاه عن تصحيح الإمام، وجرى عليه في "الحاوي الصغير" 322، لأن فيه أنواعَ غرر، فلا يحتمل مع المسلم، بخلاف الكافر؛ فإن الحاجة تدعو إليه؛ لأنه أعرف بقلاعهم وطرقهم، وقيل: يجوز مع المسلم أيضًا، ونقلاه عن العراقيين، قال الأَذْرَعي: وهو الأصحُّ المختار؛ كشرط النقل في البداءة والرجعة 323.
وبقوله: (وله منها جارية): عما إذا قال الإمام: (وله جارية مما عندي) .. فإنه لا يصح؛ للجهل بالجعل؛ كسائر الجعالات.
(فإن فتحت بدلالته) أي: فتحها من شارطه (أُعطيَها) إن ظفرنا بها، ولا حقّ فيها لغيره؛ لأنه استحقها بالشرط قبل الظفر، (أو بغيرها) أي: بغير دلالته ( .. فلا) شيء له (في الأصح) لأن الفتح لم يستند إلى دلالته 324، والثاني: نعم؛ لاستحقاقه إياها قبل الظفر.
ومنشأ الخلاف: أن الاستحقاق يثبت بنفس الدلالة، أو بالفتح بدلالته.
(وإن لم تفتح .. فلا شيء له) لأنه شرط جارية منها، فتعلقت جعالته بشيئين؛ الدلالة، والفتح، (وقيل: إن لم يعلق الجعل بالفتح .. فله أجرة مثل) لوجود الدلالة، والأصحُّ: المنع؛ لأن تسليمها لا يمكن إلا بالفتح، فالشرط مقيّد بالفتح حقيقة وإن لم يجر لفظًا، أما إذا علق الجعل بالفتح .. فلا شيء له قطعًا.
(فإن لم يكن فيها جارية أو ماتت قبل العقد .. فلا شيء له) لفقد المشروط، (أو
الجزء: 4 - الصفحة: 297
بَعْدَ الظَّفَرِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ .. وَجَبَ بَدَلٌ، أَوْ قَبْلَ ظَفَرٍ .. فَلَا فِي الأَظْهَرِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ .. فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ بَدَلٍ، وَهُوَ أُجْرَةُ مِثْلٍ، وَقِيلَ: قِيمَتُهَا.
بعد الظفر وقبل التسليم) إليه ( .. وجب بدل) لأنها حصلت في قبضة الإمام، فالتلف من ضمانه، (أو قبل ظفر .. فلا في الأظهر) لأن الميتة غير مقدور عليها، فصار كما لو لم تكن فيها، والثاني: يجب له البدل؛ لأن العقد قد تعلق بها وهي حاصلة، ثم تعذر التسليم، فصار كما إذا قال: (من ردّ عبدي .. فله هذه الجارية)، فرده وقد ماتت الجارية .. يلزمه بدلها.
(وإن أسلمت) المعينة الحرة ( .. فالمذهب: وجوب بدل) قطعًا؛ لأنه يمتنع استرقاقها، كغيرها ممن أسلم، والطريق الثاني: طرد الخلاف في موتها.
وفرق الأول: بتعذر التسليم بالموت حسًّا، وههنا هو ممكن حسًّا، ولكن الإسلام حال بينه وبينها، فوجب البدل؛ للحيلولة.
(وهو) أي: البدل (أجرة مثل، وقيل: قيمتها)، الخلاف مبني: على أن الجعل مضمون ضمانَ عقد، أو ضمانَ يد؛ كما في الصداق؟ كذا قاله الإمام، والأظهر من قول الصداق: وجوب مهر المثل، لكن قال الرافعي: الموجود لعامة الأصحاب هنا: قيمة الجارية، قال: ولا يتعذر الفرق على من يحاوله.
انتهى، ووحوب قيمة الجارية نصّ عليه في "الأم"، وقال في "المهمات": إنه المفتى به 325.
الجزء: 4 - الصفحة: 298
كتابُ الِجزْيَة صُورَةُ عَقْدِهَا: (أُقِرُّكُمْ بِدَارِ الإِسْلَامِ أَوْ أَذِنْتُ فِي إِقَامَتِكُمْ بِهَا عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا جِزْيَةً وَتَنْقَادُوا لِحُكْمِ الإِسْلَامِ)، وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ ذِكْرِ قَدْرِهَا، لَا كَفُّ اللِّسَانِ عَنِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِينِهِ، وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ مُؤَقَّتًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيُشْتَرَطُ لَفْظُ قَبُولٍ
﴿كتاب الجزية﴾
هي اسم للمأخوذ من الكفار، مأخوذة من المجازاة؛ لكفنا عنهم، وقيل: من القضاء، قال تعالى: ﴿لَا تْجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾؛ أي: لا تقضي، ويقال: جزيت الدَّين؛ أي: قضيته.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وأخذها صلى الله عليه وسلم من مجوس هَجَرٍ وغيرهم؛ كما رواه أبو داوود 326.
(صورة عقدها: "أقركم بدار الإسلام، أو أذنت في إقامتكم بها) غير الحجاز، (على أن تبذلوا جزية) في كل حول، (وتنقادوا لحكم الإسلام") لأن الجزية مع الانقياد عوض التقرير فيجب التعرض له كالثمن في البيع، والأجرة في الإجارة.
(والأصح: اشتراط ذكر قدرها) أي: الجزية؛ كالثمن والأجرة، والثاني: لا، وينزل المطلق على الأقل، (لا كفُّ اللسان عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ودينه) لدخوله في شرط الانقياد، والثاني: الاشتراط؛ إذ به تحصل المسالمة وترك التعرض من الجانبين.
(ولا يصح العقد مؤقتًا على المذهب).
في صحة العقد مؤقتًا طريقان:
أحدهما: أن فيه قولين: أصحهما: المنع؛ لأنه بدل عن الإسلام، وهو لا يصح مؤقتًا، فكذا عقد الذمة، والثاني: يصح؛ كالهدنة.
والطريق الثاني: القطع بالمنع.
(ويشترط لفظ قبول) كـ (قبلت)، أو (رضيت بذلك) كغيره من العقود،
الجزء: 4 - الصفحة: 299
وَلَوْ وُجِدَ كَافِرٌ بدَارِنَا فَقَالَ: (دَخَلْتُ لِسَمَاعِ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى) أَوْ (رَسُولًا) أَوْ (بِأَمَانِ مُسْلِمٍ) .. صُدِّقَ، وَفِي دَعْوَى الأَمَانِ وَجْهٌ، ويُشْتَرَطُ لِعَقْدِهَا الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَعَلَيْهِ الإِجَابَةُ إِذَا طَلَبُوا، إِلَّا جَاسُوسًا نَخَافُهُ. وَلَا تُعْقَدُ إِلَّا لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَأَوْلَادِ مَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ قَبْلَ النَّسْخِ
وتكفي إشارةُ الأخرس المفهمةُ.
(ولو وجد كافر بدارنا فقال: "دخلت لسماع كلام الله تعالى" أو "رسولًا" أو "بأمان مسلم" .. صدق)، ولا يتعرض إليه، لاحتمال ما يدعيه، وسواء كانت الرسالة مما فيه مصلحة للمسلمين أم لا على الصواب في "زيادة الروضة"، خلافًا للروياني 327، (وفي دعوى الأمان وجه): أنه لا يصدق، لإمكان إقامة البينة عليه.
(ويشترط لعقدها: الإمام أو نائبه) فيها، خصوصًا أو عمومًا؛ لأنها من المصالح العظام، فاختصت بمن له النظر العام.
(وعليه الإجابة إذا طلبوا) لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أمّر أميرًا على جيش .. أوصاه أنهم: "إِنْ أَبَوُا الإسْلَامَ .. سَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ .. فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ" رواه مسلم 328.
(إلا جاسوسًا نخافه) فلا تجب إجابته، بل لا تقبل الجزية منه، للضرر، وكذا لو كان يخاف غائلتهم ويرى أن ذلك مكيدة منهم .. فلا يجيبهم.
(ولا تعقد إلا لليهود والنصارى) من العرب والعجم؛ لأنهم أهل الكتاب، (والمجوسِ) لأنه صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، وقال: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ" رواه البخاري 329.
(وأولادِ من تهوّد أو تنصّر قبل النسخ) أي: قبل نسخ التوراة بالإنجيل 330 في
الجزء: 4 - الصفحة: 300
أَوْ شَكَكْنَا فِي وَقْتِهِ، وَكَذَا زَاعِمُ التَّمَسُّكِ بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَزَبُورِ دَاوُودَ عليهما السلام، وَمَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيٌّ وَالآخَرُ وَثنَيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ
التهوّد، وقبل نسخ الإنجيل بالقرآن في التنصر؛ لأنهم أهل كتاب، ولشرف آبائهم الذين ماتوا على الحق، (أو شككنا في وقته) فلم نعرف أدخلوا قبل النسخ أو بعده؛ تغليبًا لحقن الدم، كالمجوس، وخرج بهذا: من تهوّد أو تنصّر بعد بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم، أو تهود بعد بعثة عيسى صلى الله عليه وسلم؛ فإنها لا تعقد لهم.
ولا معنى لإطلاق اليهود والنصارى، وتقييده في أولادهم، ولو عكس .. لكان أولى، ثم إنه يوهم أن الرجل لو تهود أو تنصر قبل النسخ .. عقد لأولاده مطلقًا، وليس كذلك، بل إنما يعقد لهم إذا لم ينتقلوا عن دين آبائهم بعد البعثة.
(وكذا زاعم التمسك بصحف إبراهيم وزبور داوود عليهما السلام) لأن الله تعالى أنزل عليهما صحفًا، فقال: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾، وتُسمَّى كتبًا؛ كما نصّ عليه الشافعي 331، فاندرجت في قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوْتُوا الكِتَابَ﴾، وفي قول: لا يعقد لهم؛ لأنها مواعظ، فليس لها حرمة الأحكام، ومنهم من قطع بالأول.
(ومن أحد أبويه كتابي والآخر وثني على المذهب) تغليبًا لحقن الدم، وتحرم المناكحة والذبيحة احتياطًا، وسواء أكان الأب وثنيًّا أم الأم، والطريق الثاني: إلحاقه بالنكاح والذبيحة.
وقوله: (على المذهب): عائد إلى هذه المسألة وإلى التي قبلها.
ومحل الخلاف: إذا بلغ ابن الوثني من كتابية ودان بدين أمه، فإن دان بدين أبيه .. لم يقر جزمًا.
وأفهم حصرُه عقدَ الذمة لمن ذكر: أنها لا تعقد لغيرهم، كعبدة الأوثان والملائكة والشمس ومن في معناهم، وهو كذلك، والسامرة والصابئة إن خالفوا اليهود والنصارى في أصل دينهم .. فليسوا منهم، وإلا .. فمنهم؛ كما سلف في (النكاح).
الجزء: 4 - الصفحة: 301
وَلَا جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَةٍ وَخُنْثَى، وَمَنْ فِيهِ رِقٌّ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، فَإِنْ تَقَطَّعَ جُنُونُهُ قَلِيلًا كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ .. لَزِمَتْهُ، أَوْ كَثيرًا كَيَوْمٍ وَيَوْمٍ .. فَالأَصَحُّ: تلُفَّقُ الإِفَاقَةُ، فَإِذَا بَلَغَتْ سَنَةً .. وَجَبَتْ. وَلَوْ بَلَغَ ابْنُ ذِمِّيٍّ وَلَمْ يَبْذُلْ جِزْيَةً .. أُلْحِقَ بِمَأْمَنِهِ، وَإِنْ بَذَلَهَا .. عُقِدَ لَهُ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ كَجِزْيَةِ أَبِيهِ
(ولا جزية على امرأة) لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية، وهذا خطاب الذكور، وكتب عمر رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد: ألا يأخذوا الجزية من النساء والصبيان 332، (وخنثى) لاحتمال كونه أنثى، فلو بانت ذكورته .. أخذ منه ما مضى؛ كما جزم به في "شرح المهذب" في (باب الأحداث)، وحكى الرافعي فيه هنا وجهين، قال في "زيادة الروضة": ينبغي أن يكون الأصح: الأخذ 333.
(ومن فيه رق) ولو مدبرًا ومكاتبًا وأمَّ ولد؛ لأنه مال، والمال لا جزية عليه، ولا تجب على سيده بسببه، (وصبي، ومجنون) مطبقًا؛ لرفع القلم عنهما.
(فإن تقطع جنونه قليلًا؛ كساعة من شهر .. لزمته)، ولا عبرة بهذا الزمن اليسير، (أو كثيرًا؛ كليوم ويوم .. فالأصح: تلفق الإفاقة، فإذا بلغت) أيام الإفاقة (سنة .. وجبت) اعتبارًا للأيام المتفرقة بالأيام المجتمعة، والثاني: لا شيء عليه؛ لنقصانه؛ كالمبعض.
هذا إذا تعاقب الجنون والإفاقة، فلو كان عاقلًا فجن في أثناء الحول .. فكموت الذمي في أثنائه، وإن كان مجنونًا فأفاق في أثنائه .. استقبل الحول من حينئذ.
(ولو بلغ ابن ذمي ولم يبذل جزية .. الحق بمأمنه) (ولا يغتال؛ لأنه كان في أمان أبيه بحكم التبعية، (وإن بذلها .. عقد له) عقد جديد؛ لأن عقد الأب وقع لنفسه دونه.
(وقيل: عليه؛ كجزية أبيه)، ويكتفى بعقد أبيه؛ لأنه لما تبعه في أصل الأمان .. تبعه في الذمة، وصححه جمع، وقال الماوردي: إنه ظاهر مذهب الشافعي 334، ولم يستأنف أحد من الأئمة العقد للأولاد إذا بلغوا.
الجزء: 4 - الصفحة: 302
وَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُهَا عَلَى زَمِنٍ وَشَيخٍ هَرِمٍ وَأَعْمَى وَرَاهِبٍ وَأَجِيرٍ وَفَقِيرٍ عَجِزَ عَنْ كَسْبٍ، فَإِذَا تَمَّتْ سَنَةٌ وَهُوَ مُعْسِرٌ .. ففِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوسِرَ. وَيُمْنَعُ كُلُّ كَافِرٍ مِنِ اسْتِيطَانِ الْحِجَازِ، وَهُوَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَقُرَاهَا،
(والمذهب: وجوبها على زمن، وشيخ هرم، وأعمى، وراهب، وأجير) لأنها كأجرة الدار، فيستوي فيها أرباب الأعذار وغيرهم، والطريق الثاني: البناء على جواز قتلهم؛ إن قلنا: بالجواز .. ضربت عليهم الجزية، وإلا .. فلا؛ إلحاقًا لهم بالنساء والصبيان.
(وفقير عجز عن كسب) لأنه كالغني في الحقن والسكنى، والثاني: لا تجب؛ لأن وجوبها يتعلق بالحول، فلا تجب على الفقير؛ كالزكاة والعقل.
(فإذا تمت سنة وهو معسر .. ففي ذمته حتى يوسر) كما يعامل المعسر، ويطالب إذا أيسر، وكذا الحكم في الحول الثاني وما بعده.
وقضية عطفه الفقيرَ على الزمن ومن بعده: أن الخلاف طريقان، والمذكور في الرافعي وغيره قولان 335.
(ويمنع كل كافر من استيطان الحجاز) لقوله عليه السلام: "أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ" متفق عليه 336.
قال الشافعي: وأراد به الحجاز من جزيرة العرب، ولم يرد جميع الجزيرة؛ لأن عمر رضي الله عنه أجلاهم من الحجاز وأقرّهم في اليمن، مع أنها من جزيرة العرب 337؛ أي: فإن جزيرة العرب من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول، وفي العرض من جُدّة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام.
(وهو) أي: الحجاز (مكة والمدينة واليمامة وقراها)، كذا فسّره الشافعي 338، وسمي حجازًا؛ لأنه حجز بين نجد وتهامة.
الجزء: 4 - الصفحة: 303
وَقِيلَ: لَهُ الإِقَامَةُ فِي طُرُقِهِ الْمُمْتَدَّةِ، وَلَوْ دَخَلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ .. أَخْرَجَهُ وَعَزَّرَهُ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ، فَإِنِ اسْتَأْذَنَ .. أَذِنَ إِنْ كَانَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ كَرِسَالَةٍ وَحَمْلِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَان لِتِجَارَةٍ لَيْسَ فِيهَا كَبيرُ حَاجَةٍ .. لَمْ يَأْذَنْ إِلَّا بِشَرْطِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا يُقِيمُ إِلَّا ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، وَيُمْنَعُ دُخُولَ حَرَمِ مَكَّةَ، فَإِنْ كَانَ رَسُولًا .. خَرَجَ إِلَيْهِ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ يَسْمَعُهُ،
(وقيل: له الإقامة في طرقه الممتدة) بين هذه البلاد التي لم تجر الإقامة فيها عادة؛ لأنها ليست مجتمع الناس وموضع الإقامة، والأصحُّ: المنع؛ لأنها من بلاد الحجاز.
(ولو دخله بغير إذن الإمام .. أخرجه وعزره إن علم أنه ممنوع) لتجرئه ودخول ما ليس له دخوله، فإن جهل ذلك .. أخرج ولم يعزر.
(فإن استأذن) في دخوله ( .. أذن) الإمام أو نائبه في ذلك (إن كان مصلحة للمسلمين؛ كرسالة، وحمل ما يحتاج إليه) أي: ما يحتاج إليه من ميرة أو متاع، وفي معناه: عقد الذمة أو الهدنة؛ للمصلحة.
(فإن كان لتجارة ليس فيها كبير حاجة .. لم يأذن إلا بشرطِ أخذ شيء منها)، وقدره راجع إلى رأي الإمام؛ اقتداءً بعمر رضي الله عنه؛ فإنه كان يأخذ من القبط إذا اتّجروا إلى المدينة عُشْر بعض الأمتعة، كالقُطنية، ويأخذ نصف العشر من الحنطة والشعير، ترغيبًا لهم في حملهما، للحاجة إليهما 339.
(ولا يقيم) في موضع واحد (إلا ثلاثة أيام)، غير يوم الدخول والخروج، اقتداءً بعمر رضي الله عنه 340.
(ويمنع دخول حرم مكة) لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، والمراد: الحرم بإجماع المفسرين، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾؛ أي: انقطاع التجارة عنكم، ومعلوم أن الجلب ليس إلى المسجد نفسه.
(فإن كان رسولًا .. خرج إليه الإمام أو نائبه يسمعه) إذا امتنع من أدائها إلا إليه، وإلا .. بعث إليه من يسمع وينهيها إليه، وكذا إن دخل لتجارة خرج إليه من يشتري
الجزء: 4 - الصفحة: 304
وَإِنْ مَرِضَ فِيهِ .. نُقِلَ.
وَإِنْ خِيفَ مَوْتُهُ، فَإِنْ مَاتَ .. لَمْ يُدْفَنْ فِيهِ، فَإِنْ دُفِنَ .. نُبِشَ وَأُخْرِجَ، وَإِنْ مَرِضَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْحِجَازِ وَعَظُمَتِ الْمَشَقَّةُ فِي نَقْلِهِ .. تُرِكَ، وَإِلَّا .. نُقِلَ، فَإِنْ مَاتَ وَتَعَذَّرَ نَقْلُهُ .. دُفِنَ هُنَاكَ.
فَصْلٌ [في مقدار الجزية]
أَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ لِكُلِّ سَنَةٍ،
منه، وإن جاء كافر ليناظر لمسلم .. خرج إليه من يناظره؛ حسمًا لل
باب.
(وإن مرض فيه .. نقل، وإن خيف موته) من النقل؛ لأنه ظالم بالدخول، وليس لعرق ظالم حق (فإن مات .. لم يدفن فيه، فإن دفن .. نبش وأخرج) لأن بقاء جيفته فيه أشد من دخوله فيه حيًّا، وهذا إذا لم يتقطع، فإن تقطع .. ترك.
وخرج بـ (حرم مكة): حرم المدينة؛ فلا يلحق به فيما ذكرناه، لكن استحسن الروياني: أن يخرج منه إذا لم يتعذر الإخراج ويدفنَ خارجه، وفي "الذخائر": إن بعض أصحابنا الحق المدينة وحرمها بحرم مكة.
(وإن مرض في غيره) أي: في غير الحرم (من الحجاز وعظمت المشقة في نقله .. ترك) لأنه يجوز له الدخول فيه في الجملة، (وإلا) أي: وإن لم تعظم المشقة ( .. نقل) رعايةً لحرمة الدار.
(فإن مات وتعذّر نقله) لحصول التغير لبعد المسافة، وفي معناه التقطع ( .. دفن هناك) للضرورة، فإن لم يتعذر نقله .. لم يدفن.
وهذا كله في الذمي، أما الحربي .. فلا يجب دفنه، بل في وجه: لا يجوز، بل تغرى الكلاب عليه، فإن تأذى الناس بريحه .. وُوري كالجيفة، والمرتد كالحربي.
(فصل: أقل الجزية: دينار لكل سنة) لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ" - أي: محتلم - "دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ" 341،
الجزء: 4 - الصفحة: 305
وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ مُمَاكَسَة حَتَى يَأْخُذَ مِنْ مُتَوَسِّط دِينَارَيْنِ وَغَنِى أَرْبَعَةً، وَلَوْ عُقِدَتْ بِأَكْثَرَ ثُمَّ عَلِمُوا جَوَازَ دِينَارٍ .. لَزِمَهُمْ مَا الْتَزَمُوهُ، فَإِنْ أَبَوْا .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُمْ نَاقِضُونَ.
وَلَوْ أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ أَوْ مَاتَ بَعْدَ سِنِينَ .. أُخِذَتْ جِزْيَتُهُن مِنْ تَرِكَتِهِ مُقَدَّمَةً عَلَى الْوَصَايَا - وَيُسَوَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ دَيْنِ آدَمِّيٍّ عَلَى الْمَذْهَبِ ===
و(المعافر): ثياب تكون باليمن، ومعنى (عدله) أي: بدله، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، ونقل الشيخ أبو حامد فيه الإجماع.
(ويستحب للإمام مماكسة حتى يأخذ من متوسط دينارين وغني أربعة) 342 اقتداءً بعمر رضي الله عنه؛ كما رواه البيهقي عنه 343، ولأن الإمام متصرف للمسلمين، فينبغي أن يحتاط لهم.
وأطلق المصنف تبعًا للرافعي المماكسة، ونقل ابن الرفعة عن الأصحاب: أنه ليس للعاقد إذا قدر على العقد بمئة دينار أن ينقص منها دانقًا.
ويستثنى: السفيه، فليس له أن يماكس وليه، وليس لوليه بذل الزيادة من ماله على الأشبه، بخلاف ما إذا لم يعف مستحق القود إلا بزيادة؛ صيانةً للروح.
(ولو عقدت بأكثر ثم علموا جواز دينار .. لزمهم ما التزموه) كمن اشترى شيئًا بأكثر من ثمن مثله، (فإن أبوا) من بذل الزيادة ( .. فالأصح: أنهم ناقضون) للعهد بذلك؛ كما لو امتنعوا من أداء أصل الجزية، وحينئذ: فيبلغون المأمن أو يقتلون؛ قولان يأتيان آخر الباب، والثاني: لا، ويقنع منهم بالدينار؛ كما يجوز ابتداء العقد به.
(ولو أسلم ذمي أو مات بعد سنين .. أخذت جزيتهن من تركته مقدمةً على الوصايا) والميراث، وتؤخذ من المسلم إذا أسلم، كسائر الديون، (ويسوّى بينها وبين دين آدمي على المذهب)، فإن لم تَفِ التركة .. ضارب الإمام مع الغرماء
الجزء: 4 - الصفحة: 306
- أَوْ فِي خِلَالِ سَنَةٍ .. فَقِسْطٌ، وَفِي قَوْلٍ: لَا شَيْءَ.
وَتُؤْخَذُ بإِهَانَةٍ؛ فَيَجْلِسُ الآخِذُ، وَيَقُومُ الذِّمِّيُّ وَيُطْأَطِئُ رَأْسَهُ وَيَحْنِي ظَهْرَهُ، وَيَضَعُهَا فِي الْمِيزَانِ، وَيَقْبضُ الآخِذُ لِحْيَتَهُ، وَيَضْرِبُ لِهْزِمَتَيْهِ، وَكُلُّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ: وَاجِبٌ، فَعَلَى الأَوَّلِ: لَهُ تَوْكِيلُ مُسْلِمٍ بِالأَدَاءِ، وَحَوَالَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَضْمَنَهَا ===
بالجزية، ومقابل المذهب: أنها على الأقوال الثلاثة في اجتماع حق الله وحق الآدمي: هل يقدم ذا أم ذاك، أم يسوى.
والفرق على الأول: أن الجزية غلب فيها حق الآدمي من جهة أنها أجرة.
(أو) أسلم أو مات (في خلال سنة .. فقسط) كالأجرة، (وفي قول: لا شيء) لأنه مال يراعى فيه الحول، فيسقط بالموت في خلال الحول؛ كالزكاة.
(وتؤخذ) الجزية (بإهانة؛ فيجلس الآخذ، ويقوم الذمي ويطأطئ رأسه ويحني ظهره، ويضعها في الميزان، ويقبض الآخذ لحيته، ويضرب لِهْزِمَتَيْه)، وهي مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن، بكسر اللام والزاي، اعتمد الرافعي في ذلك: أن بعض فسّر (الصغار) في الآية بهذا 344.
واعترض: بأن الذي نصّ عليه الشافعي والأصحاب: أن (الصغار): هو رضاهم بجريان أحكام الإسلام عليهم 345.
وقضية كلام المصنف: أنه يضربه في كل لِهْزِمة ضربة، وقال الرافعي: يشبه أن يكفي الضرب في أحد الجانبين، ولا يراعى الجمع بينهما 346.
(وكله مستحب) لسقوطه بتضعيف الصدقة؛ كما سيأتي، (وقيل: واجب) ليحصل الصغار المذكور، (فعلى الأول) (وهو كونه مستحبًّا) له توكيل مسلم بالأداء، وحوالة عليه، وأن يضمنها) لأن الصغار حاصل بالتزامه المالَ وانقيادِه للأحكام على كره منه، والضمان أولى بالصحة؛ لأنه لا يمنع الطلب من الذمي،
الجزء: 4 - الصفحة: 307
قُلْتُ: هَذِهِ الْهَيْئَةُ بَاطِلَةٌ، وَدَعْوَى اسْتِحْبَابِهَا أَشَدُّ خَطَأً، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ إِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِمْ إِذَا صُولحُوا فِي بَلَدِهِمْ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ زَائِدًا عَلَى أَقَلِّ جِزْيَةٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ مِنْهَا،
وإقامة الصغار عليه، وعلى الثاني -وهو كونه واجبًا-: لا يجوز شيء من ذلك؛ لأجل فوات الواجب به.
وقوله: (مسلم) قد يفهم: صحة توكيل الذمي قطعًا، ونقلًا عن الإمام طرد الخلاف فيه، وأقراه؛ لأن كلًّا منهما معنيٌّ بالصغار في نفسه 347.
(قلت: هذه الهيئة باطلة) لأنه لا أصل لها، وقد صرح الجمهور بأخذها برفق؛ كأخذ الديون، ونصّ عليه في "الأم" فقال: وإن أخذ منهم الجزية .. أخذها بإجمال، ولم يضرب أحدًا منهم، ولم ينله بقول قبيح، والصغار أن يجري عليهم الحكم، لا أن يضربوا ولا يؤذوا 348. انتهى.
قال الزركشي: ولو اطّلع المصنف عليه .. لاستند إليه.
(ودعوى استحبابها أشدُّ خطأً، والله أعلم) فضلًا عن وجوبها.
(ويستحب للإمام إذا أمكنه: أن يشرط عليهم إذا صولحوا في بلدهم ضيافةَ من يمر بهم من المسلمين) من غني وفقير؛ اتباعًا لعمر رضي الله عنه، وروي مرفوعًا لكنه منقطع 349، ولأن فيه مصلحةً؛ لأنهم قد لايبيعون الطعام والعلف للمسلمين، فيتضررون، فإذا شرط عليهم الضيافة .. بادروا إلى البيع؛ خوفًا من نزولهم عندهم.
(زائدًا على أقل جزية)، ولا تجوز منها، لأن الجزية يجب فيها التمليك، والضيافة مبنية على الإباحة، فلم يجز الاكتفاء بها؛ كما لا يجوز التغدية والتعشية في الكفارة، (وقيل: يجوز منها) لأنه ليس عليهم إلا الجزية، وثبت عن عمر رضي الله عنه؛ كما قال في "الذخائر": إنه لم يأخذ منهم مع الضيافة شيئًا آخر، فلعلها بلغت
الجزء: 4 - الصفحة: 308
وَتُجْعَلُ عَلَى غَنِيٍّ وَمُتَوَسِّطٍ، لَا فَقِيرٍ فِي الأَصَحِّ، وَيَذْكُرُ عَدَدَ الضِّيفَانِ رِجَالًا وَفُرْسَانًا، وَجِنْسَ الطَّعَامِ وَالأُدْمِ، وَقَدْرَهُمَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَذَا، وَعَلَفَ الدَّوَابِّ، القدر الواجب، وإلا لو نقص ما أنفقوه في الحول عن دينار عن كل حالم .. وجب الرجوع عليهم بما بقي.
وعلى هذا الوجه: يشترط كون الضيف من أهل الفيء؛ كما صرح به الماوردي والروياني؛ لأنها من الجزية، والجزية مختصة بأهل الفيء 350.
(وتجعل) الضيافة (على غني ومتوسط) لاحتمالهما إياها، (لا فقير في الأصح) لأنها تتكرر فيعجز عنها، والثاني: تجعل عليه؛ كالجزية، والثالث: تجعل على المعتمل دون غيره، واستحسنه الرافعي، وبنى الخلاف على أنها من الجزية؛ فيجعل عليه، وإلا .. فلا 351.
(ويذكر) العاقد عند اشتراط الضيافة (عدد الضيفان رجالًا وفرسانًا) لأنه أقطع للمنازعه وأنفى للغرر، قال صاحب "الحاوي": وهذا إنما يشترط إذا جعلت من الجزية، فإن قلنا بالأصح .. لم يشترط التعرض للعدد، وأقراه 352، فإذن؛ ما في الكتاب مفرّع على الضعيف، (وجنس الطعام والأدم، وقدرهما، ولكل واحد كذا) من الخبز، وكذا من السمن أو الزيت، بحسب العرف؛ لأنه أنفى للغرر.
والمعتبر فيه: طعامهم وأدمهم؛ نفيًا للمشقة عنهم، قال الماوردي: ويشرط عليهم أيضًا: الثمار والفاكهة في زمانها إذا كانوا يأكلونها غالبًا في كل يوم 353.
وقوله: (ولكل واحد كذا): هو بخط المصنف، ولا معنى لإثبات الواو.
(وعلف الدواب) (ولا يحتاج إلى ذكر قدر العلف، إلا الشعير، وإطلاق العلف لا يقتضي الشعير، نصّ عليه، وإنما هو التبن والحشيش 354، قال الزركشي:
الجزء: 4 - الصفحة: 309
وَمَنْزِلَ الضِّيفَانِ؛ مِنْ كَنِيسَةٍ وَفَاضِلِ مَسْكَنٍ، وَمُقَامَهُمْ، وَلَا يُجَاوِزُ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ. وَلَوْ قَالَ قَوْمٌ: (نُؤَدِّي الْجِزْيَةَ بِاسْمِ صَدَقَةٍ لَا جِزْيَةٍ) .. فَلِلإِمَامِ إِجَابَتُهُمْ إِذَا رَأَى، وَيُضَعِّفُ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةَ؛ فَمِنْ خَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ: شَاتَانِ، وَمِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ: بِنْتَا
ويشبه اعتبار عرف ناحيتهم.
وقضية إطلاق المصنف وغيره: أنه يعلف لكل واحد دوابه، لكن قال الشافعي في "الأم" في الضيف الواحد: ويعلف له دابة واحدة تبنًا أو ما يقوم مقامه في مكانه، هذا لفظه 355.
(ومنزل الضيفان؛ من كنيسة وفاضل مسكن) للحاجة، والضيافة تستلزم ذلك، ولا يُخرجون أهل المنازل منها، قال في "الحاوي": ويجب أن يعلوا الأبواب؛ ليدخلها المسلمون ركبانًا 356، (ومقامهم) أي: ويذكر مدة مقامهم.
(ولا يجاوز ثلاثة أيام) لحديث: "الضِّيَافَةُ ثَلَاثةُ أَيَّامٍ، فَمَا زَادَ .. فَهُوَ صَدَقَة" متفق عليه 357.
وفي "الذخائر" عن الأصحاب: أنه يشترط عليهم: تزويد الضيف كفايتَه ليوم وليلة، ولو امتنع من الضيافة اثنان أو ثلاثة .. أجبروا عليها، فإن امتنع الكل .. انتقض عهدهم؛ كالجزية، قاله في "الاستقصاء"، وقال في "الذخائر": إذا امتنع الكل .. قوتلوا، فإن قاتلوا .. انتقض عهدهم 358.
(ولو قال قوم: "نؤدي الجزية باسم صدقة لا جزية" .. فللإمام إجابتهم إذا رأى) لأن عمر رضي الله عنه فعل ذلك بنصارى العرب؛ كما رواه البيهقي وغيره 359، ولم يخالفه أحد، فصار كالإجماع، وسواء العرب والعجم، وقيل: يختص بالعرب؛ لشرفهم، وللأثر.
(ويضعّف عليهم الزكاة؛ فمن خمسة أبعرة: شاتان، ومن خمس وعشرين: بنتا
الجزء: 4 - الصفحة: 310
مَخَاضٍ، وَعِشْرِينَ دِينَارًا: دِينَارٌ، وَمِئَتَيْ دِرْهَمٍ: عَشَرَةٌ وَخُمُسُ الْمُعَشَّرَاتِ، وَلَوْ وَجَبَتْ بِنْتَا مَخَاضٍ مَعَ جُبْرَانٍ .. لَمْ يُضَعِّفِ الْجُبْرَانَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ كَانَ بَعْضَ نِصَابٍ .. لَمْ يَجِبْ قِسْطُهُ فِي الأَظْهَرِ، ثُمَّ الْمَأْخُوذُ جِزْيَةٌ؛ فَلَا تُؤْخَذُ مِنْ مَالِ مَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ.
مخاض، وعشرين دينارًا: دينار، ومئتي درهم عشرة وخمس المعشرات) اقتداءً بعمر رضي الله عنه 360، وتضعيفها غير متعين، بل يجوز تربيعها وتخميسها على ما يراه من المصلحة، قاله الأصحاب، وإنما يقتصر على التضعيف إذا وفى الحاصل بقدر دينار لكل رأس، وإلا .. زاد إلى ثلاثة أضعاف وأكثر، ويجوز الاقتصار على قدر الزكاة أو أقل إذا حصل الوفاء بالدينار.
واقتصاره على الخمس في المعشرات: محمول على المسقي بلا مؤنة، وإلا .. فالواجب حينئذ: العشر.
(ولو وجبت بنتا مخاض مع جبران) كما في ست وثلاثين عند فقد بنت اللبون ( .. لم يضعف الجبران في الأصح)، بل ياخذ مع كل بنت مخاض شاتين أو عشرين درهمًا؛ لأن الجبران تارةً يؤخذ وتارةً يرد، ولو ضعفناه عند الأخذ .. لزم أن يضعف عند الرد، وهو لا يجوز، والثاني: يضعف كما تضعف الصدقة في الأصل، فيأخذ مع كل بنت مخاض أربع شياه أو أربعين درهمًا، فيكون المأخوذ مع بنتي المخاض ثمان شياه أو ثمانين درهمًا.
(ولو كان) المال الزكوي (بعض نصاب) كعشرين شاة ( .. لم يجب قسطه في الأظهر) لأن أثر عمر رضي الله عنه ورد في تضعيف ما يجب على المسلم، لا في إيجاب ما لم يجب فيه شيء على المسلم، والثاني: يجب قسطه؛ رعاية للتضعيف.
(ثم المأخوذ جزية) وإن بدل الاسم، ومصرفه مصرف الفيء، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: هؤلاء حمقى؛ أَبَوا الاسم ورضُوا بالمعنى 361!
(فلا تؤخذ من مال من لا جزية عليه) كصبي، ومجنون، وامرأة.
الجزء: 4 - الصفحة: 311
فَصْلٌ [في أحكام عقد الجزية]
يَلْزَمُنَا الْكَفُّ عَنْهُمْ، وَضَمَانُ مَا نُتْلِفُهُ عَلَيْهِمْ نَفْسًا وَمَالًا، وَدَفْعُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُمْ، وَقِيلَ: إِنِ انْفَرَدُوا بِبَلَدٍ .. لَمْ يَلْزَمْنَا المدَّفْعُ. وَنَمْنَعُهُمْ إِحْدَاثَ كَنِيسَةٍ فِي بَلَدٍ أَحْدَثناهُ أَوْ أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً .. لَا يُحْدِثُونَهَا فِيهِ - وَلَا يُقَرُّونَ عَلَى كَنِيسَةٍ كَانَتْ فِيهِ فِي الأَصحِّ
(فصل: يلزمنا الكفُّ عنهم، وضمانُ ما نتلفه عليهم نفسًا ومالًا، ودفعُ أهل الحرب عنهم) لأنهم إنما بذلوا الجزية لعصمة الدماء والأموال، (وقيل: إن انفردوا ببلد .. لم يلزمنا الدفع) كما لا يلزمهم الذب عنا عند طروق عدو لنا، والأصحُّ: اللزوم إذا أمكن؛ إلحاقًا لهم بأهل الإسلام في العصمة والصيانة.
ومحل الخلاف: عند إطلاق العقد، فإن جرى شرط الذب عنهم .. وجب الوفاء به قطعًا، وفيه احتمال للإمام 362، ولو كانوا مستوطنين بدار الحرب وبذلوا الجزية .. فلا يلزمنا الذب عنهم قطعًا.
(ونمنعهم) وجوبًا (إحداث كنيسةٍ) وبيعةٍ وبيتِ نار مجوسي (في بلد أحدثناه) كبغداد (أو أسلم أهله عليه) كاليمن؛ لأنه معصية، فلا يجوز في دار الإسلام.
هذا إذا بني ذلك للتعبد، فإن بني لنزول المارة .. جاز إن كان لعموم الناس، فإن قَصَروها على أهل دينهم .. فوجهان في "الروضة" و"أصلها" آخرَ الباب بلا ترجيح، وجزم في "البيان" بالجواز 363.
(وما فتح عنوةً) كأصبهان ( .. لا يحدثونها فيه) لأن المسلمين قد ملكوها بالاستيلاء، فيمتنع جعلها كنيسة، (ولا يقرون على كنيسة كانت فيه في الأصح) لما قلناه، والثاني: يقرون؛ لأن المصلحة قد تقتضي ذلك، وليس فيه إحداث ما لم يكن، وصححه الماوردي 364.
الجزء: 4 - الصفحة: 312
- أَوْ صُلْحًا بِشَرْطِ الأَرْضِ لَنَا وَشَرْطِ إِسْكَانِهِمْ وَإِبْقَاءِ الْكَنَائِسِ .. جَازَ - وَإِنْ أُطْلِقَ .. فالصَّحِيحُ: الْمَنع - أَوْ لَهُمْ .. قُرِّرَتْ، وَلَهُمُ الإِحْدَاثُ فِي الأَصَحِّ.
وَيُمْنَعُونَ وُجُوبًا - وَقِيلَ: نَدْبًا - مِنْ رَفْعِ بِنَا؛ عَلَى بِنَاءِ جَارٍ مُسْلِمٍ، ===
(أو) فتح (صلحًا بشرط الأرض لنا وشرط إسكانهم) بخراج (وإبقاء الكنائس .. جاز) لأنه إذا جاز الصلح على أن كل البلد لهم .. فعلى بعضه أولى.
وقوله: (إبقاء): قد يقتضي منع إحداث الكنائس، وبه صرّح الماوردي، لكن المنقول في "الشرح" و"الروضة" عن الروياني وغيره: أنه إذا صالحوا على إحداثها ... جاز أيضًا، ولم يذكرا خلافه 365، قال الزركشي: وهو محمول على ما إذا دعت إليه ضرورة، وإلا .. فلا وجه له.
(وإن أطلق) فلم يذكر الشرط المذكور ( .. فالصحيح: المنع) من إبقائهما، بل تهدم ما فيها من الكنائس؛ لأن إطلاق اللفظ يقتضي صيرورة جميع البلد لنا، والثاني: أنها تبقى، وتكون مستثناة بقرينة الحال؛ فإن شرط إسكانهم هناك يقتضي بقاء مواضع عبادتهم لهم.
(أو لهم) أي: صولحوا بشرط أن الأرض لهم ويؤدون خراجها ( .. قررت) لأنها ملكهم، (ولهم الإحداث في الأصح) لأن الدار لهم، فيتصرفون فيها كيف شاؤوا، والثاني: المنع؛ لأن البلد تحت حكم الإسلام.
وقوله: (لهم): عبارة موهمة، والمراد: عدم المنع؛ فإن الجواز حكم شرعي، ولم يرد الشرع بإحداث الكنائس.
(ويمنعون وجوبًا - وقيل: ندبًا - من رفع بناء على بناء جار مسلم 366 لحديث:
الجزء: 4 - الصفحة: 313
وَالأَصَحُّ: الْمَنع مِنَ الْمُسَاوَاةِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا بِمَحِلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ .. لَمْ يُمْنَعُوا. وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ رُكُوبَ خَيْلٍ، لَا حَمِيرٍ وَبِغَالٍ نَفِيسَةٍ،
"الإسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ" 367، ولأن فيه تعظيمًا لهم ومباهاة، وقد قال تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ولما يخشى منهم الاطلاع على عورة المسلمين، وهذا المنع لحق الله تعالى؛ إعلاءً لدينه، فلا يسقط برضا الجار.
وقوله: (من رفع): قد يفهم: أنه لو ملك دارًا عالية من مسلم .. لم يكلف هدمها، وهو كذلك؛ كما جزم به الرافعي 368.
نعم؛ يمنع من الإشراف على المسلمين وطلوع سطحها بلا تحجير، صرح به الماوردي 369.
(والأصح: المنع من المساواة) لأن المقصود تمييزهم عن المسلمين في المساكن؛ كاللباس والركوب، والحديث يدل على علو الإسلام، ولا علو مع المساواة، والثاني: لا؛ لأنه لم يعل على المسلم.
(وأنهم لو كانوا بمحلة منفصلة) عن المسلمين ( .. لم يمنعوا) من رفع البناء؛ لأن الممنوع المطاولة، وإنما يتحقق ذلك عند وجود بناء، ولانتفاء خوف الاطلاع على عورة المسلمين، والثاني: المنع؛ لأنه استعلاء في دار الإسلام.
(ويمنع الذمي ركوب خيل) لأن فيه عزًّا، وهم أذلاء، ولا فرق بين النفيس وغيره على الأصحِّ، (لا حمير وبغال نفيسة) لأنه لا شرف فيها؛ كذا علله ابن الرفعة 370، وألحق الفوراني والإمام والغزالي البغال النفيسة بالخيل، واختاره الأَذْرَعي وغيره 371؛ فإن التحمل والتعاظم بركوبها أكثر من كثير من الخيل.
الجزء: 4 - الصفحة: 314
وَيَرْكَبُ بِإِكَافٍ وَرِكَابِ خَشَبٍ لَا حَدِيدٍ، وَلَا سَرْجٍ، وَيُلْجَأُ إِلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ، وَلَا يُوَقَّرُ، وَلَا يُصَدَّرُ فِي مَجْلِسٍ، وَيُؤْمَرُ بِالْغِيَارِ وَالزُّنَّارِ فَوْقَ الثِّيَابِ، وَإِذَا دَخَلَ حَمَّامًا فِيهِ مُسْلِمُونَ أَوْ تَجَرَّدَ عَنْ ثِيَابِهِ جُعِلَ فِي عُنُقِهِ خَاتَمُ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ وَنَحْوُهُ،
(ويركب بإكاف وركاب خشب لا حديد، ولا سرج) اتباعًا لكتاب عمر رضي الله عنه، والمعنى فيه ليتميزوا عن المسلمين، ويركبون عرضًا؛ فتجعل رجليه من جانب واحد.
هذا كله في الذكور البالغين، فأما النساء والصِّغار .. فلا يلزمون الصَّغار، كما لا جزية عليهم، قاله ابن كَجٍّ.
(ويلجأ إلى أضيق الطرق) للأمر به في "الصحيحين" 372، وهذا عند ضيق الطريق، فإن خلت عن الزحمة .. فلا حرج، قال في "الحاوي": ولا يمشون إلا أفرادًا متفرقين 373.
(ولا يوقّر، ولا يصدَّر في مجلس) إذا اتفق اجتماعه مع مسلم؛ إهانةً له، وتحرم موادته.
(ويؤمر بالغيار) بأن يخيطوا على ثيابهم الظاهرة ما يخالف لونه لونها، وتكفي العمامة؛ كما قاله الماوردي وغيره، وعليه العمل 374.
هذا إذا اختلطوا بنا، فإن انفردوا بمحلة .. فلهم تركه؛ كما حكاه في "البحر".
(والزنار فوق الثياب) لأن عمر رضي الله عنه صالحهم عليه 375، وهو خيط مستغلظ على أوساطهم خارج الثياب.
(وإذا دخل حمامًا فيه مسلمون أو تجرد عن ثيابه) بين مسلمين ( .. جعل في عنقه خاتم حديد أو رصاص ونحوه) ليعرفوا به، قال الزركشي: والخاتم طوق يكون في
الجزء: 4 - الصفحة: 315
وَيُمْنَعُ مِنْ إِسْمَاعِهِ الْمُسْلِمِينَ شِرْكًا وَقَوْلَهُمْ فِي عُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ، وَمِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَنَاقُوسٍ وَعِيدٍ، وَلَوْ شُرِطَتْ هَذِهِ الأُمُورُ فَخَالَفُوا .. لَمْ يَنْتَقِضِ الْعَهْدُ، وَلَوْ قَاتَلُونَا، أَوِ امْتَنَعُوا مِنَ الْجِزْيَةِ، أَوْ مِنْ إِجْرَاءِ حُكْمِ الإِسْلَامِ .. انْتَقَضَ. وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ، أَوْ دَلَّ أَهْلَ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوَ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ، أَوْ طَعَنَ فِي الإِسْلَامِ أَوِ الْقُرْآنِ، أَوْ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُوءٍ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ شُرِطَ انْتِقاضُ الْعَهْدِ بِهَا .. انْتَقَضَ، وَإِلَّا .. فَلَا
العنق، (ويمنع من إسماعه المسلمين شركًا وقولَهم في عزير والمسيح، ومن إظهار خمر وخنزير وناقوس وعيد) وقراءتِهم التوراةَ والإنجيلَ ولو في كنائسهم؛ لما فيه من المفاسد وإظهار شعار الكفر.
(ولو شرطت هذه الأمور فخالفوا .. لم ينتقض العهد) لأنهم يتدينون بها، ولا يتضرر بها المسلمون، لكن يمنعون ويعزرون؛ مبالغة في إهانتهم وإذلالهم.
(ولو قاتلونا، أو امتنعوا من الجزية، أو من إجراء حكم الإسلام .. انتقض) لمنافاة ذلك لعقد الذمة.
(ولو زنى ذمي بمسلمة أو أصابها بنكاح) أي: باسم نكاح، (أو دل أهل الحرب على عورة للمسلمين، أو فتن مسلمًا عن دينه، أو طعن في الإسلام أو القرآن، أو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء) أو ذكر الله تعالى به ( .. فالأصح: أنه إن شرط انتقاض العهد بها .. انتقض) لمخالفته الشرط، (وإلا .. فلا) لأن هذه الأشياء وإن اقتضى العقد المنع منها لتحريمها .. لا تخل بمقصوده، والثاني: ينتقض مطلقًا؛ لما فيه من الضرر، والثالث: لا ينتقض مطلقًا، وصححه في "أصل الروضة" وجعل في "الشرح الصغير" و"المحرر" الأقرب التفصيل كالكتاب، وليس في "الكبير" ترجيح 376.
وقضية قول المصنف: (فتن مسلمًا عن دينه) 377: انتقاله عن الإسلام، لكن
الجزء: 4 - الصفحة: 316
وَمَنِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ بِقِتَالٍ .. جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ، أَوْ بِغَيْرِهِ .. لَمْ يَجِبْ إِبْلَاغُهُ مَأْمَنَهُ فِي الأَظْهَرِ، بَلْ يَخْتَارُ الإِمَامُ فِيهِ قَتْلًا وَرِقًّا وَمَنًّا وَفِدَاءً، فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الاخْتِيَارِ .. امْتَنَعَ الرِّقُّ. وَإِذَا بَطَلَ أَمَانُ رِجَالٍ .. لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُ نِسَائِهِمْ وَالصِّبْيَانِ فِي الأَصَحِّ، وَإِذَا اخْتَارَ ذِمِّيٌّ نَبْذَ الْعَهْدِ وَاللُّحُوقَ بِدَارِ الْحَرْبِ .. بُلِّغَ الْمَأْمَنَ.
الرافعي ألحق به ما إذا دعاه إلى دينهم 378، وهو يقتضي الاكتفاء بدعاية إليه، فلو اقتصر المصنف على هذا .. لعلم منه الانتقال من باب أولى.
(ومن انتقض عهده بقتال .. جاز دفعه وقتاله) لأنه صار حربًا لنا في دار الإسلام، وحينئذ يتخير الإمام فيمن ظفر به منهم؛ كما يتخير في الأسير.
وتعبيره بالجواز: يقتضي أنه لا يجب، وعبارة "الروضة" تقتضي الوجوب؛ حيث قال: (فلا بدّ من دفعهم، والسعي في استئصالهم) 379.
(أو بغيره) أي: القتال ( .. لم يجب إبلاغه مأمنه في الأظهر، بل يختار الإمام فيه قتلًا ورقًّا ومنًّا وفداءً) لأنه كافر لا أمان له كالحربي، والثاني: يجب؛ لأنه دخل دار الإسلام بأمان، فلم يجز قتله قبل الرد إلى المأمن؛ كما لو دخل بأمان صبي.
وفرق الأول: بأن من دخل بأمان صبي يعتقد لنفسه أمانًا، وهنا فعل باختياره ما أوجب انتقاض الأمان.
(فإن أسلم) هذا المنتقض عهده (قبل الاختيار .. امتنع الرق) (والقتل والفداء، بخلاف الأسير؛ لأنه لم يحصل في يد الإمام بالقهر، وله أمان متقدم، فخف أمره.
(وإذا بطل أمان رجال .. لم يبطل أمان نسائهم والصبيان في الأصح) لأنه قد ثبت لهم الأمان، ولم يوجد منهم خيانة ناقضة، والثاني: يبطل؛ لأنهم دخلوا تبعًا، فيزول بزوال الأصل.
(وإذا اختار ذمي نبذَ العهد واللحوقَ بدار الحرب .. بلغ المأمن) لأنه لم يوجد منه خيانة ولا ما يوجب نقض عهده، فبلغ مكانًا يأمن فيه على نفسه.
الجزء: 4 - الصفحة: 317
بابُ الهدنة عَقْدُهَا لِكُفَّارِ إِقْلِيم يَخْتَصُّ بِالإِمَامِ أَوْ نَائِبهِ فِيهَا، وَلِبَلْدَةٍ يَجُوزُ لِوَالِي الإِقْلِيمِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا يعْقَدُ لِمَصْلَحَةٍ؛ كَضَعْفِنَا بِقِلَّةِ عَدَدٍ وَأُهبَةٍ أَوْ رَجَاءِ إِسْلَامِهِمْ أَوْ بَذْلِ جِزْيَةٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ .. جَازَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
﴿باب الهدنة﴾
هي لغة: المصالحة، وشرعًا: مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدةً معلومة بعوض أو غيره، سواء فيهم من يُقَرّ على دينه ومن لا يُقَرّ، وسميت به: لأنها مشتقة من الهدون، وهو السكون، والصلح يسكن القتال.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ أي: كونوا آمنين فيها أربعة أشهر، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، وقد فعله عليه الصلاة والسلام مع يهود بالمدينة، ومع أهل مكة عام الحديبية 380.
(عقدها لكفار إقليم) كالهند والروم (يختص بالإمام أو نائبه فيها) أي: في عقد الهدنة؛ لما فيه من الخطر، والإمام هو الذي يتولى الأمور العامة، فإن تعاطاه الآحاد .. فسد، لكن يلحقون بالمأمن، قال الماوردي: ولا يقوم إمام البغاة مقام إمام أهل العدل في ذلك 381، (ولبلدة يجوز لوالي الإقليم أيضًا) لاطّلاعه على مصالح ذلك الإقليم، ولقلة المفسدة فيه لو أخطأ.
(وإنما يعقد لمصلحة؛ كضعفنا بقلة عدد وأهبة، أو رجاء إسلامهم أو بذلِ جزية)، فإن لم تكن مصلحة .. لم يجز للإمام أن يهادنهم، بل يقاتلهم إلى أن يسلموا أو يبذلوا الجزية إن كانوا أهل كتاب، قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾.
(فإن لم تكن) مصلحة فيها ( .. جازت أربعةَ أشهر) للآية المارة.
الجزء: 4 - الصفحة: 318
لَا سَنَةً، وَكَذَا دُونَهَا فِي الأَظْهَرِ، وَلِضَعْفٍ تَجُوزُ عَشْرَ سِنِينَ فَقَطْ،
وما جزم به من جواز أربعة أشهر بلا مصلحة .. مخالفٌ لقوله في "الروضة": إنه يشترط أن يكون للمسلمين إلى عقدها حاجة وفيه مصلحة، وصوّبه في "المهمات"، وقد وقع ذلك في "المحرر" 382.
واعتذر عن "المنهاج": بأن قوله: (فإن لم تكن) أي: جزية (جازت أربعة أشهر)، والكلام يعود على أقرب مذكور، وهو الجزية.
(لا سنةً) لما فيه من ترك الجزية، (وكذا دونها) (وفوق أربعة أشهر (في الأظهر) لزيادتها على مدة السياحة، والثاني: تجوز؛ لأنها مدة تقصر عن مدة الجزية، فجاز أن يؤمن فيها بغير عوض كالأربعة أشهر.
هذا كله بالنسبة إلى نفوس المعقود عليهم، أما أموالهم .. فيجوز العقد لها مؤبدًا، وهل يجوز ذلك في الذرية؟ فيه وجهان، قاله الماوردي في (السير) 383.
(ولضعف تجوز عشر سنين فقط) فما دونها بحسب الحاجة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هادن قريشًا في الحديبية على وضع الحرب عشر سنين؛ كما رواه أبو داوود 384، وكان ذلك قبل أن يقوى الإسلام، ولا تجوز الزيادة على العشر ولو احتيج إليها؛ لأن الأصل منع الصلح، وقد ورد التحديد بالعشر، فتبقى الزيادة على الأصل 385.
نعم؛ يجوز والحالة هذه أن يعقد عشرًا، ثم عشرًا، قبل انقضاء الأولى؛ كذا جزم به الفوراني وغيره، قاله ابن الرفعة، و"عبارة الروضة": ولا تجوز الزيادة على العشر، لكن إن انقضت المدة والحاجة باقية .. استؤنف العقد، قال الأَذْرَعي: وهذا صحيح، وأما استئناف عقد إثر عقد؛ كما قاله الفوراني .. فغريب لا أحسب الأصحاب يوافقون عليه أصلًا 386.
الجزء: 4 - الصفحة: 319
وَمَتَى زَادَ عَلَى الْجَائِزِ .. فَقَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَإِطْلَاقُ الْعَقْدِ يُفْسِدُهُ، وَكَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ عَلَى الصَّحِيحِ؛ بِأَنْ شُرِطَ مَنع فَكِّ أَسْرَانَا، أَوْ تَرْكُ مَالِنَا لَهُمْ، أَوْ لِتُعْقَدَ لَهُمْ ذِمَّةٌ بِدُونِ دِينَارٍ، أَوْ بِدَفعِ مَالٍ إِلَيْهِمْ
(ومتى زاد على الجائز) بأن زاد عند القوة على أربعة أشهر، أو عند الضعف على عشر سنين، أو احتاج إلى أربع سنين مثلًا فزاد عليها ( .. فقولا تفريق الصفقة) لأنه جمع في العقد الواحد بين ما يجوز العقد عليه وما لا يجوز، فيبطل في الزائد قطعًا، وفي الباقي القولان على الأصحِّ، وقيل: يصح في الباقي قطعا 387؛ إذ ليس فيه جهالة العوض ولأنه يتسامح في معاقدة الكفار.
(وإطلاق العقد يفسده) لأن الإطلاق يقتضي التأبيد، ولا يجوز مؤبدًا، وقيل: إنه يصح، وينزل عند الضعف على عشر سنين، وعند القوة على أربعة أشهر أو سنة، قولان، وقد جزم الماوردي والروياني بتنزيل الأمان المطلق على أربعة أشهر، واقتصر عليه الشيخان هناك، فيسال عن الفرق بين البابين على ما رجحاه هنا من فساد العقد 388.
(وكذا شرط فاسد على الصحيح؛ بأن شرط منع فك أسرانا) منهم، (أو ترك مالنا) الذي استولوا عليه (لهم، أو لتعقد لهم ذمة بدون دينار، أو بدفع مال إليهم) لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ 389، ومقابل الصحيح: أنه يصح العقد ويلغو الشرط، قال الإمام: والخلاف كالخلاف في أن الوقف هل يفسد بالشرط الفاسد 390؟
ويستثنى من دفع المال إليهم: ما إذا دعت الضرورة إلى دفعه؛ بأن كانوا يعذبون الأسرى ففديناهم، أو أحاطوا بنا وخفنا الاصطلام .. فيجوز الدفع، بل يجب على الأصحِّ في "زوائد الروضة" 391.
الجزء: 4 - الصفحة: 320
وَتَصِحُّ الْهُدْنَةُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا الإِمَامُ مَتَى شَاءَ، وَمَتَى صَحَّتْ .. وَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُمْ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَوْ يَنْقُضُوهَا بِتَصْرِيحٍ، أَوْ قِتَالِنَا، أَوْ مُكَاتبةِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِعَوْرَةٍ لَنَا، أَوْ قَتْلِ مُسْلِمٍ، وَإِذَا انْتَقَضَتْ .. جَازَتِ الإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ وَبَيَاتهمْ. وَلَوْ نَقَضَ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُنْكِرِ الْبَاقُونَ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ .. انْتَقَضَ فيهِمْ أَيْضًا،
(وتصح الهدنة على أن ينقضها الإمام متى شاء) لأنه صلى الله عليه وسلم وادع يهود خيبر، وقال: "أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ"، رواه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنه 392.
قال الشافعي: ولو قال الإمام الآن هذه اللفظة .. لم يجز؛ لأنه عليه السلام يعلم ما عند الله بالوحي، بخلاف غيره 393.
ولا يختص ذلك بمشيئة الإمام، بل لو عقدها على أن لفلانٍ نقضَها متى شاء .. صح أيضًا بشرط كونِ فلانٍ مسلمًا عدلًا ذا رأي.
(ومتى صحت) الهدنة ( .. وجب الكف عنهم حتى تنقضي أو ينقضوها بتصريح، أو قتالنا، أو مكاتبة أهل الحرب بعورة لنا، أو قتل مسلم) أو ذمي، أو أخذ مال، أو سب الرسول عليه السلام، أو إيواء عيون الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾، وقال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾.
(وإذا انتقضت .. جازت الإغارة عليهم وبياتهم) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ الآية، هذا فيما إذا كانوا في بلادهم، فأما من في بلادنا .. فلا يقاتل، ويبلغ المأمن، وسواء علموا أن ما فعلوه ناقض أم لا على الأصحَّ في "أصل الروضة"، قال الرافعي: وينبغي أن يقال: إذا لم يعلموا أنه خيانة .. لا ينتقض العهد، إلا إذا كان المفعول مما لا يشك في مضادته للهدنة؛ كالقتال 394.
(ولو نقض بعضهم ولم ينكر الباقون بقول ولا فعل)، بل ساكنوهم وسكتوا ( .. انتقض فيهم أيضًا) لأن سكوتهم يشعر بالرضا، فجعل نقضًا منهم؛ كما أن هدنة
الجزء: 4 - الصفحة: 321
فَإِنْ أَنْكَرُوا بِاعْتِزَالِهِمْ أَوْ إِعْلَامِ الإِمَامِ بِبَقَائِهِمْ عَلَى الْعَهْدِ .. فَلَا. وَلَوْ خَافَ خِيَانتَهُمْ .. فَلَهُ نَبْذُ عَهْدِهِمْ إِلَيْهِمْ وَيُبَلِّغُهُمُ الْمَأْمَنَ، وَلَا يَنْبُذُ عَقْدَ الذِّمَّةِ بِتُهَمَةٍ. وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ رَدِّ مُسْلِمَةٍ تَأْتِينَا مِنْهُمْ، فَإِنْ شُرِطَ .. فَسَدَ الشَّرْطُ، وَكَذَا الْعَقْدُ فِي الأَصَحِّ،
البعض وسكوت الباقين هدنة في حق الكل، وهذا بخلاف عقد الجزية؛ حيث لا ينتقض إلا بتصريح الجميع؛ لقوته وضعف الهدنة.
(فإن أنكروا باعتزالهم أو إعلام الإمام ببقائهم على العهد .. فلا) ينتقض العهد في حقهم؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، وإنما ذكر مثالين؛ لأن الأولَ للإنكار الفعلي، والثانيَ للقولي.
(ولو خاف خيانتهم) بشيء لو أظهروه انتقض عهدهم، وظهرت أمارة تدل على ذلك ( .. فله نبذ عهدهم إليهم) لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ الآية.
وأفهم: أنه إذا لم يخف الخيانة .. لا يجوز نبذ عهدهم، ومنه يعلم أن عقدها لازم.
(ويبلغهم المأمن) بعد استيفاء ما وجب عليهم من الحقوق؛ وفاء بالعهد.
(ولا ينبذ عقد الذمة بتهمة)، بخلاف الهدنة، والفرق: أن في عقد الذمة يغلب جانبهم، ولهذا تجب الإجابة إليه إذا طلبوا، وفي الهدنة يغلب جانبنا، ولهذا لا تجب الإجابة، وأيضًا فعقد الذمة آكد؛ لأنه مؤبد، وهو عقد معاوضة.
(ولا يجوز شرط رد مسلمة تأتينا منهم)، بخلاف رد الرجل والمرأة الكافرة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾، ولأنه لا يُؤمن أن يصيبها زوجها الكافر، أو أن تُزوَّج من كافر.
ولو أسقط المصنف (تأتينا) .. لكان أحسن؛ لأن حكم من جاءت إلينا كافرة ثم أسلمت .. كذلك.
(فإن شرط .. فسد الشرط) لأنه شرط أحل حرامًا، وسواء كان لها عشيرة أم لا 395، (وكذا العقد في الأصح)، هذا هو الخلاف السابق في قوله: (وكذا شرط فاسد على الصحيح)، إلا أنه ضعّفه هناك وقوّاه هنا، فكرر وناقض.
الجزء: 4 - الصفحة: 322
وَإِنْ شُرِطَ رَدُّ مَنْ جَاءَ، أَوْ لَمْ يَذْكُرْ رَدًّا فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ .. لَمْ يَجِبْ دَفْعُ مَهْرٍ إِلَى زَوْجِهَا فِي الأَظْهَرِ، وَلَا يُرَدُّ صَبِيٌّ وَمَجْنُون، وَكَذَا عَبدٌ وَحُرٌّ لَا عَشِيرَةَ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيُرَدُّ مِنْ لَهُ عَشيرَةٌ طَلَبَتْهُ إِلَيْهَا لَا إِلَى غَيْرِهَا، إِلَّا أَنْ يَقْدِرَ الْمَطْلُوبُ عَلَى قَهْرِ الطَّالِبِ وَالْهَرَبِ مِنْهُ،
(وإن شرط رد من جاء، أو لم يذكر ردًّا)، بل أطلق العقد ولم يتعرض للرد بنفي ولا إثبات (فجاءت امرأة) مسلمة ( .. لم يجب دفع مهر إلى زوجها في الأظهر) لأن البضع ليس بمال يدخل في الأمان، والثاني: يجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾، والمراد منه: الصداق، ولأن البضع متقوم وهو حقه، وقد أحلنا بينه وبينه.
ومنع الأول كونَ المراد في الآية الصداقَ؛ لأنه لو وجب بدل البضع .. لكان مهر المثل لا ما أنفق الزوج، وهو المُسمَّى.
(ولا يرد صبي ومجنون) لضعفهما؛ كالنساء، ولا يجوز الصلح بشرط ردهما.
وقضية كلامه تبعًا للرافعي: أنه لا فرق في الصبي بين أن يصف الإسلام أم لا، وقال ابن الرفعة: الصبي إذا أظهر الإسلام وإن لم نحكم بإسلامه .. كالمرأة، صرّح به الماوردي وغيره، والحق به البَنْدَنيجي والرافعي المجنون 396.
(وكذا عبد وحر لا عشيرة له على المذهب)، الخلاف في رد العبد المسلم وجهان: أصحهما: المنع؛ لأنه جاءنا مسلمًا مراغمًا لهم، والظاهر أنهم يستهينونه ولا عشيرة له تحميه، والثاني: يرد، بخلاف الأمة، لأن المنع في حقها خوف الفاحشة.
وفي رد الحر طريقان: أصحهما: طرد الوجهين في العبد، وثانيهما: القطع بالرد؛ لأن الحرية مظنة القوة والاقتدار.
(ويرد من له عشيرة طلبته إليها) لأن الظاهر أنهم يذبون عنه ويحمونه، وقد ردّ صلى الله عليه وسلم أبا جندل على أبيه سهيل بن عمرو؛ كما رواه البخاري 397، (لا إلى غيرها) لأنهم يعذبونه، (إلا أن يقدر المطلوب على قهر الطالب والهرب منه)،
الجزء: 4 - الصفحة: 323
وَمَعْنَى الرَّدِّ: أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَالِبِهِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الرُّجُوع، وَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، وَلَهُ قَتْلُ الطَّالِب، وَلَنَا التَّعْرِيضُ لَهُ بِهِ لَا التَّصْرِيحُ. وَلَوْ شَرَطَ أَن يَرُدُّوا مَنْ جَاءَهُمْ مُرْتَدًّا مِنَّا .. لَزِمَهُمُ الْوَفَاءُ،
وعلى هذا حمل رد النبي صلى الله عليه وسلم أبا بَصِير؛ فإنه جاء في طلبه رجلان، فقتل أحدَهما في الطريق، وهرب منه الآخر، رواه البخاري 398.
(ومعنى الردّ: أن يخليَ بينه وبين طالبه، ولا يجبرُ على الرجوع) لأنه لا يجوز إجبار المسلم على الإقامة بدار الحرب، وعلى هذا حُمِلَ ردُّه عليه السلام أبا بصير وأبا جندل، ولا تبعد تسمية التخلية ردًّا؛ كما في الوديعة.
(ولا يلزمه) أي: المطلوبَ (الرجوعُ) لأن العهد لم يجرِ معه، ولذلك لم ينكر عليه السلام على أبي بَصِير امتناعه.
(وله قتل الطالب) لقصة أبي بصير، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
(ولنا التعريض له به) لأن عمر رضي الله عنه قال لأبي جندل حين رُدَّ إلى أبيه: (اصبر أبا جندل؛ فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم كدم كلب)، يعرض له بقتل أبيه؛ كما رواه الإمام أحمد في "مسنده" 399، (لا التصريحُ) لأنهم في أمان.
وما جزم به من قتل الطالب والتعريض به: أشار في "المحرر" إلى خلاف فيهما بقوله: (والظاهر)، لكن قال المصنف في "الدقائق": إنه أشار إلى احتمال فيه، ولم يرد إثبات خلاف فيه.
انتهى 400.
واعترض: بأن المنع احتمال للإمام؛ كما ذكره في "الشرح"، وعده وجهًا في كلامه على رقوم "الوجيز" 401.
وقد أكثر المصنف من عدّ احتمالات الإمام والغزالي وجوهًا؛ كما سبق في غير موضع.
(ولو شرط أن يردوا من جاءهم مرتدًّا منّا .. لزمهم الوفاء) عملًا بالتزامهم،
الجزء: 4 - الصفحة: 324
فَإِنْ أَبَوْا .. فَقَدْ نَقَضُوا، وَالأَظْهَرُ: جَوَازُ شَرْطِ أَلَّا يَرُدُّوا.
(فإن أبوا .. فقد نقضوا) العهد؛ لمخالفتهم الشرطَ.
(والأظهر: جواز شرط الا يردوا) من جاء مرتدًّا منّا؛ لأنه عليه السلام شرط في صلح الحديبية: أن من جاءنا منكم .. رددناه، ومن جاءكم منا .. فسحقًا سحقًا 402، والثاني: المنع، ولا بدّ من استرداده؛ لإعلاء الإسلام، وإقامة حكم المرتدين عليه، قال الماوردي: والصحيح عندي: صحة هذا الشرط في الرجال دون النساء؛ كما ذكرنا في شرط ردِّ من جاءنا مسلمًا؛ لأن الأبضاع يحتاط لها، وحاول تنزيل القولين على هذين الحالين؛ كذا نقلاه عنه في "الشرح" و"الروضة"، وأقراه، وجزم به في "الحاوي الصغير" 403، وحينئذ فيجب تقييد إطلاق "الكتاب" به.
الجزء: 4 - الصفحة: 325
كتابُ الصَّيد والذَّبائح ذَكَاةُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ بِذَبْحِهِ فِي حَلْقٍ أَوْ لَبَّةٍ إِنْ قُدِرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا .. فَبِعَقْرٍ مُزْهِقٍ حَيْثُ كَانَ. وَشَرْطُ ذَابِحٍ وَصَائِدٍ حِلُّ مُنَاكَحَتِهِ،
﴿كتاب الصيد والذبائح﴾
أفرد الصيد؛ لأنه مصدر، وجمع الذبائح؛ لأنها تكون بالسكين وبالسهم وبالجوارح.
وأصل الباب: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، وقوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، والمذكى من الطيبات، ومن السنة ما سيأتي، والإجماع قائم على ذلك.
(ذكاة الحيوان المأكول) البري (بذبحه في حلق أو لبة) بفتح اللام (إن قدر عليه) لقول عمر وابن عباس رضي الله عنهم: (الذكاة في الحلق واللبة) رواه الشافعي، وروي مرفوعا بضعف 404، وحكي فيه الإجماع.
وتعريفه الذكاة بالذبح غير مستقيم؛ لأن الذكاة في اللغة: الذبح فإن فيه تعريف الشيء بنفسه، إلا أن يقال: المراد بالذبح: التام المفيد للأكل، وهو ما في الحلق واللبة لا مطلق الذبح، قاله أهل اللغة.
وأورد: الجنين الموجود في بطن الأم؛ فإنه لم يذبح وهو حلال، وأجيب: بأن الكلام في الذكاة استقلالًا، والحل للجنين بطريق التبعية.
(وإلا) أي: وإن لم يقدر عليه (فبعقر مزهق حيث كان) لما سيأتي (وشرط ذابح وصائد حل مناكحته) للمسلمين فتحل ذبيحة الكتابي؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ والمراد بالطعام: الذبائح، وبأهل الكتاب: اليهود والنصارى، فلا تحل ذبائح من عداهم؛ كالمجوس، وعباد الأوثان.
الجزء: 4 - الصفحة: 327
وَتَحِلُّ ذَكَاةُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ، وَلَوْ شَارَكَ مَجُوسِيٌّ مُسْلِمًا فِي ذَبْحٍ أَوِ اصْطِيَادٍ .. حَرُمَ، وَلَوْ أَرْسَلَا كَلْبَيْنِ أَوْ سَهْمَيْنِ؛ فَإِنْ سَبَقَ آلَةُ الْمُسْلِمِ فَقَتلَ أَوْ أَنْهَاهُ إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ .. حَلَّ، وَلَوِ انْعَكَسَ أَوْ جَرَحَاهُ مَعًا أَوْ جُهِلَ أَوْ مُرَتّبًا وَلَمْ يُذَفِّفْ أَحَدُهُمَا .. حَرُمَ. وَيَحِلُّ ذَبْحُ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ، وَكَذَا غَيْرُ مُمَيِّزٍ، وَمَجْنُونٌ وَسَكْرَانُ فِي الأَظْهَرِ
وكان ينبغي أن يزيد في شروط الصائد كونه بصيرًا، فالأعمى لا يحل صيده؛ كما سيأتي.
(وتحل ذكاة أمة كتابية) هذا مستثنى مما قبله؛ فإنها لا تحل مناكحتها وتحل ذبيحتها، والفرق تأثير كل من الرق والكفر في النكاح فيتعاضدان، ولا أثر للرق في الذبح؛ فلهذا جاز ذكاتها.
(ولو شارك مجوسي مسلمًا في ذبح، أو اصطياد .. حرم) تغليبًا للتحريم، ولا بد من تقييد الاصطياد بالذي فيه تذكية، فلو شاركه في اصطياد لا تذكية فيه .. لم يحرم.
(ولو أرسلا كلبين أو سهمين) أو أحدهما سهمًا، والآخر كلبًا (فإن سبق آلة المسلم فقتل أو أنهاه إلى حركة مذبوح .. حل) ولا يقدح فيه ما وجد من المجوسي؛ كما لو ذبح مسلم شاة، ثم قدها المجوسي، فلو أدركه كلب المجوسي، أو سهمه وفيه حياة مستقرة، فقتله .. حرم، وضمنه المجوسي للمسلم؛ لأنه أفسد ملكه بجعله ميتة.
(ولو انعكس) بأن سبق إليه المجوسي، فقتل أو أنهاه إلى حركة المذبوح (أو جرحاه معًا) وحصل الهلاك بهما (أو جهل) فلم يعلم أن كلب المجوسي قتله، أو كلب المسلم (أو مرتبًا ولم يذفف أحدهما .. حرم) تغليبًا للتحريم.
ومسألة ما إذا جهل من زياداته على "المحرر" 405.
(ويحل ذبح صبي مميز) لصحة قصده، (وكذا غير مميز ومجنون وسكران في الأظهر) لأن لهم قصدًا وإرادة في الجملة، وهذا ما رجحه في "المحرر"، وفي
الجزء: 4 - الصفحة: 328
وَتُكْرَهُ ذَكَاةُ أَعْمَى، وَيَحْرُمُ صَيْدُهُ بِرَمْيٍ وَكَلْبٍ فِي الأَصَحِّ. وَتَحِلُّ مَيْتَةٌ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ وَلَوْ صَادَهُمَا مَجُوسِيٌّ،
"زيادة الروضة" ونص عليه في "الأم" 406، والثاني: المنع؛ لفساد قصدهم، ورجحه جمع، واقتضاء كلام "الشرح الصغير" ترجيحه، ولا ترجيح في "الكبير"، وجعل البغوي موضع الخلاف في المجنون والسكران إذا لم يكن له تمييز أصلًا، فإن كان له أدنى تمييز .. حل قطعًا، وعكسه الإمام تبعا للفوراني، وتوسط في "البحر" فقال: الصحيح: إن كان له تمييز .. حل، وإلا .. فلا 407.
(وتكره ذكاة أعمى) لأنه قد يخطئ المذبح، (ويحرم صيده برمي وكلب) (وغيره من الجوارح (في الأصح) لعدم صحة قصده؛ لأنه لا يرى الصيد، فصار كما لو استرسل الكلب بنفسه، والثاني: يحل؛ كذبحه، قال الرافعي: والأشبه: أن الخلاف مخصوص بما إذا دله بصير على أن بحذائه صيدًا فرمى، أو أرسل الكلب عليه بدلالته، فإن لم يكن .. لم يحل قطعًا.
والخلاف المذكور جارٍ في اصطياد الصبي والمجنون، كذا في "الروضة" و"أصلها"، ومقتضاه: استواء الترجيح، لكن صحح في "شرح المهذب" حل اصطيادهما 408.
(وتحل ميتة السمك والجراد) بالإجماع، وسواء مات طافيًا أو راسيًا، خلافًا لأبي حنيفة في الطافي، لنا حديث العنبر، وأنهم وجدوه بشاطئ البحر فأكلوا منه، ثم قدموا بشيء منه على النبي صلى الله عليه وسلم فأكل منه 409.
(ولو صادهما مجوسي) لأن أكثر ما فيه أن يجعل ميتة، وميتتهما حلال، ولا اعتبار بفعله، قال في "زيادة الروضة": ولو ذبح مجوسي سمكة .. حلت أيضًا 410.
الجزء: 4 - الصفحة: 329
وَكَذَا الدُّودُ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ الطَّعَامِ كَخَلٍّ وَفَاكِهَةٍ إِذَا أُكِلَ مَعَهُ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يُقْطَعُ بَعْضُ سَمَكَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ أَوْ بَلَعَ سَمَكَةً حَيَّةً .. حَلَّ فِي الأَصَحِّ. وَإِذَا رَمَى صَيْدًا مُتَوَحِّشًا، أَوْ بَعِيرًا نَدَّ، أَوْ شَاةً شَرَدَتْ بِسَهْمٍ، أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ جَارِحَةً فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ وَمَاتَ فِي الْحَالِ .. حَلَّ،
(وكذا الدود المتولد من الطعام؛ كخل وفاكهة إذا أكل معه في الأصح) لعسر فصله، أما إذا أكل منفردًا .. فيحرم لنجاسته، أو استقذاره، والثاني: يحل مطلقًا؛ لأنه كجزء منه طبعًا وطعمًا والثالث: يحرم مطلقا؛ لأنه ميتة.
وهذه المسألة من زيادة "المنهاج" على "المحرر"، وذكراها في "الشرحين" و"الروضة" في (اباب الطهارة) 411، واللائق ذكرها في (باب الأطعمة).
(ولا يقطع بعض سمكة) حية لما فيه من التعذيب (فإن فعل أو بلع سمكة حية .. حل في الأصح) أما في الأولى .. فلأن المبان كالميتة، وميتة هذا الحيوان حلال، ووجه مقابله: عموم قوله عليه السلام: "مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ .. فَهُوَ مَيِّتٌ" 412، وأما في الثانية: فلأنه ليس فيه أكثر من قتلها وهو جائز، ووجه مقابله: التعذيب من غير حاجة، ولما في جوفها من الرجيع، والخلاف جار في الجراد أيضًا.
(وإذا رمى صيدًا متوحشًا، أو بعيرًا ند) أي: هرب (أو شاة شردت بسهم، أو أرسل عليه جارحة، فأصاب شيئًا من بدنه، ومات في الحال .. حل) ولا يختص بالحلق واللبة، أما في المتوحش .. فإجماع، وأما في الإنسي إذا هرب .. فلحديث رافع بن خديج رضي الله عنه: أن بعيرًا ند فرماه رجل بسهم فحبسه؛ أي: قتله، فقال عليه السلام: "إِن لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ 413 كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا .. فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا" متفق عليه 414، والشاة بالقياس عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 330
وَلَوْ تَرَدَّى بَعِير وَنَحْوُهُ فِي بِئْرٍ وَلَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ حُلْقُومِهِ .. فَكَنَادٍّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: لَا يَحِلُّ بإِرْسَالِ الْكَلْبِ، وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَتَى تيَسَّرَ لُحُوقُهُ بِعَدْوٍ أَوِ اسْتِغَاثَةٍ بِمَنْ يَسْتَقْبِلُهُ .. فَمَقْدُورٌ عَلَيْهِ، وَيَكْفِي فِي النَّادِّ وَالْمُتَرَدِّي جُرْحٌ يُفْضِي إِلَى الزُّهُوقِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مُذَفِّفٌ. وَإِذَا أَرْسَلَ سَهْما أَوْ كَلْبًا أَوْ طَائِرًا عَلَى صَيْدٍ فَأَصَابَهُ وَمَاتَ؛ فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، أَوْ أَدْرَكَهَا وَتَعَذَّرَ ذَبْحُهُ بِلَا تَقْصِيرٍ؛ بِأَنْ سَلَّ السِّكِّينَ فَمَاتَ قَبْلَ إِمْكَانٍ أَوِ امْتَنَعَ بِقُوَّتهِ وَمَاتَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ .. حَلَّ،
(ولو تردى بعير ونحوه في بئر، ولم يمكن قطع حلقومه .. فكناد) في حله بالرمي، وفي "السنن الأربعة" من حديث أبي العُشَراء الدارمي عن أبيه أنه قال: يا رسول الله؛ أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة، فقال عليه السلام: "لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا .. لأَجْزَأَكَ" قال أبو داوود: هذا لا يصح إلا في المتردية والمتوحش 415.
(قلت: الأصح: لا يحل) المتردي (بإرسال الكلب، وصححه الروياني والشاشي، والله أعلم) والفرق بينه وبين السهم: أن الحديد تستباح به الذكاة مع القدرة، بخلاف عقر الكلب، ووجه الحل: القياس على البعير الناد.
(ومتى تيسر لحوقه) أي: الناد أو الصيد (بعدو، أو استغاثة بمن يستقبله .. فمقدور عليه) فلا يحل إلا بالذبح في المذبح.
(ويكفي في الناد والمتردي جرح يفضي إلى الزهوق) كيف كان؛ لما تقدم في الحديث من ذكر الفخذ، وهي ليست محلًّا لجرح يذفف، فدل على أن القصد جراحة تفضي إلى الموت غالبًا، (وقيل: يشترط مذفف) لينزل منزلة قطع الحلقوم والمريء في المقدور عليه.
(وإذا أرسل سهمًا، أو كلبًا، أو طائرًا على صيد فأصابه ومات؛ فإن لم يدرك فيه حياة مستقرة، أو أدركها وتعذر ذبحه بلا تقصير؛ بأن سل السكين فمات قبل إمكان، أو امتنع بقوته ومات قبل القدرة) عليه ( .. حل) كما لو مات ولم يدرك حياته.
نعم؛ يستحب فيما إذا أدرك فيه حياة غير مستقرة إمرار السكين على مذبحه
الجزء: 4 - الصفحة: 331
وَإِنْ مَاتَ لِتَقْصِيرِهِ؛ بِأَلَّا يَكُونَ مَعَهُ سِكِّينٌ أَوْ غُصِبَتْ أَوْ نَشِبَتْ فِي الْغِمْدِ .. حَرُمَ. وَلَوْ رَمَاهُ فَقَدَّهُ نِصْفَيْنِ .. حَلَّا، وَلَوْ أَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا بِجُرْحٍ مُذَفِّفٍ وَمَاتَ .. حَلَّ الْعُضْوُ وَالْبَدَنُ، أَوْ بِغَيْرِ مُذَفِّفٍ ثُمَّ ذَبَحَهُ أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا آخَرَ مُذَفِّفًا .. حَرُمَ الْعُضْوُ وَحَلَّ الْبَاقِي، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذبْحِهِ وَمَاتَ بِالْجُرْحِ .. حَلَّ الْجَمِيعُ،
ليذبحه؛ فإن لم يفعل وتركه حتى مات .. فهو حلال؛ لأنه قدر عليه في حالة لا يحتاج فيها إلى تذكية، ولو اشتغل بطلب المذبح، أو وقع منكسًا فاحتاج إلى قلبه أو اشتغل بتوجيهه إلى القبلة فمات .. حل.
وقول المصنف: (فأصابه ومات) لا يستقيم جعله موردًا للتقسيم؛ فإن منها إدراكه بالحياة المستقرة، والميت لا حياة فيه، وعبارة "المحرر" و"الشرح" و"الروضة": فأصابه، ثم أدرك الصيد حيًّا 416.
(وإن مات لتقصيره؛ بألا يكون معه سكين، أو غصبت، أو نشبت في الغمد) أي: علقت به ( .. حرم) للتقصير؛ لأن حق من يعاني الصيد أن يستصحب الآلة في غمد يوافق، وسقوطها منه وسرقتها تقصير.
(ولو رماه فقده نصفين .. حلا) لحصول الجرح المذفف، وكذا الحكم لو قطعه قطعتين متفاوتتين.
(ولو أبان منه عضوًا) كيد أو رجل (بجرح مذفف) بسيف أو غيره (ومات) في الحال ( .. حل العضو والبدن) لأن محل ذكاة الصيد كل البدن، (أو بغير مذفف ثم ذبحه، أو جرحه جرحًا آخر مذففًا .. حرم العضو) لأنه أبين من حي (وحل الباقي) لوجود الذكاة في الصورة الأولى، وقيام الجرح المذفف مقامها في الصورة الثانية، ومحله في الصورة الثانية: ما إذا لم يثبته 417 بالجراحة الأولى، فإن أثبته 418 بها .. فقد صار مقدورًا عليه، فيتعين ذبحه ولا تجزئ سائر الجراحات.
(فإن لم يتمكن من ذبحه ومات بالجرح) الأول ( .. حل الجميع) لأن الجرح
الجزء: 4 - الصفحة: 332
وَقِيلَ: يَحْرُمُ الْعُضْوُ. وَذَكَاةُ كُلِّ حَيَوَانٍ قَدَرَ عَلَيْهِ: بِقَطْعِ كُلِّ الْحُلْقُومِ -وَهُوَ مَخْرَجُ النَّفَسِ- وَالْمَرِيءِ؛ وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ، وَيُسْتَحَبُّ قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ، وَهُمَا: عِرْقَانِ فِي صَفْحَتَيِ الْعُنُقِ. وَلَوْ ذَبَحَهُ مِنْ قَفَاهُ .. عَصَى، فَإِنْ أَسْرَعَ فَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَبِهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ .. حَلَّ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَكَذَا إِدْخَالُ سِكِّينٍ بِأُذُنِ ثَعْلَبٍ
السابق كالذبح للجملة فيتبعها العضو، (وقيل: يحرم العضو) لأنه أبين من حي، فأشبه ما إذا قطع ألية شاة ثم ذبحها .. لا تحل الألية، وهذا هو المصحح في "الشرحين" و"الروضة"، و"شرح المهذب" 419، وترجيح الأول تبع فيه "المحرر".
(وذكاة كل حيوان قدر عليه: بقطع كلل الحلقوم -وهو مخرج النفس- والمريء؛ وهو مجرى الطعام) والشراب؛ لأن الحياة توجد بهما وتفقد بفقدهما.
وخرج بالقطع: ما لو اختطف رأس عصفور أو غيره بيده أو ببندقة .. فإنه ميتة، وبقوله: (قدر عليه): ما لا يقدر عليه، وقد سلف، وبقوله: (كل الحلقوم): ما إذا قطع البعض وانتهى إلى حركة المذبوح، ثم قطع الباقي .. فلا يحل.
(ويستحب قطع الودجين، وهما: عرقان في صفحتي العنق) لأنه أوحى وأسهل لخروج الروح؛ فهو من الإحسان في الذبح.
(ولو ذبحه من قفاه) أو من صفحة عنقه ( .. عصى) للعدول عن محل الذبح؛ لما فيه من التعذيب.
(فإن أسرع فقطع الحلقوم والمريء وبه حياة مستقرة .. حل) لأن الذكاة صادفته وهو حي؛ كما لو قطع يد الحيوان ثم ذكاه، (وإلا) أي: وإن لم تبق فيه حياة مستقرة، بل وصل إلى حركة المذبوح لما انتهى إلى قطع المريء ( .. فلا) تحل؛ لأنه صار ميتة، فلا يفيد الذبح بعد ذلك.
(وكذا إدخال السكين بأذن ثعلب) ليقطع الحلقوم والمريء داخل الجلد؛ لأجل جلده ففيه التفصيل المذكور في المسألة قبلها، وفعله حرام للتعذيب.
الجزء: 4 - الصفحة: 333
ويُسَنُّ نَحْرُ إِبل وَذَبْحُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ، وَيَجُوزُ عَكْسُهُ، وَأَنْ يَكُونَ الْبَعِيرُ قَائِما مَعْقُولَ رُكْبَةٍ وَالْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ مُضْجَعَةً لِجَنْبِهَا الأَيْسَرِ، وَتترَكُ رِجْلُهَا الْيُمْنَى، وَتشُدُّ بَاقِي الْقَوَائِمِ، وَأَنْ يُحِدَّ شَفْرَتَهُ،
(ويسن نحر إبل) وهو قطع اللبة أسفل العنق، (وذبح بقر وغنم) للاتباع 420، والمعنى في نحر الإبل: أنه أسرع لخروج الروح منها لطول عنقها، قال ابن الرفعة: وقياس هذا إلحاق الزرافة إذا أبحنا أكلها، والنعامة، والإوز والبط، وكل ما طال عنقه بالإبل 421، ولا بد في نحر الإبل من قطع الحلقوم، والمريء؛ كما جزم به في "شرح المهذب" 422.
(ويجوز عكسه) أي: ذبح الإبل ونحر غيرها من غير كراهة؛ لعدم ورود نهي فيه، والخيل كالبقر، وكذا حمار الوحش وبقره.
(وأن يكون البعير قائمًا معقول ركبة) يسرى؛ للاتباع 423.
(والبقرة والشاة مضجعة لجنبها الأيسر) للاتباع في الشاة 424، وقيس البقر عليها، واستحب على اليسار؛ لأنه أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها باليسار.
(وتترك رجلها اليمنى) لتستريح بتحريكها (وتشد باقي القوائم) كيلا تضطرب حالة الذبح، فيتضرر الذابح.
(وأن يحد شفرته) لما في "مسلم": "وَلْيُحِدَّ شَفْرَتَهُ" 425، فلو ذبح بسكين كال .. حل بشرطين: ألا يحصل القطع بقوة الذابح وشدة تحامله، وأن يقطع الحلقوم والمريء قبل انتهائه إلى حركة المذبوح.
الجزء: 4 - الصفحة: 334
وَيُوَجِّهَ لِلْقِبْلَةِ ذَبِيحَتَهُ، وَأَنْ يَقُولَ: (بِاسْمِ اللهِ)، ويُصلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا يَقُولُ: (بِاسْمِ اللهِ، وَاسْمِ مُحَمَّدٍ).
(ويوجه للقبلة ذبيحته) وفي الأضحية ونحوها آكد؛ لأنه عليه السلام وجه كبشه إلى القبلة، والأصح: أنه يوجه مذبحها، والمعنى فيه كونها أفضل الجهات، لا وجهها؛ ليمكنه هو الاستقبال أيضًا، فإنه مندوب.
(وأن يقول: "باسم الله") أو الرحمن أو الرحيم، ويكره تعمد ترك ذلك، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ولا تجب، فلو تركها ولو عمدًا .. حل؛ لأن الله تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وهم لا يذكرونها، خلافًا لأبي حنيفة.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْه﴾ فالمراد: ما ذكر عليه غير اسم الله؛ يعني: ما ذبح للأصنام؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وسياق الآية دال عليه؛ فإنه قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، والحالة التي يكون فيها فسقًا هي الإهلال لغير الله، قال تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، والإجماع على أن من أكل ذبيحة مسلم لم يسم عليها .. ليس بفاسق.
(ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم) لأنه موطن شرع فيه ذكر الله، فشرع ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم؛ كالأذان، والصلاة.
(ولا يقول: "باسم الله واسم محمد") 426 فإن قاله: حرم؛ للتشريك؛ لأن من حق الله تعالى أن يجعل الذبح باسمه، واليمين باسمه، والسجود له لا يشاركه في ذلك مخلوق.
الجزء: 4 - الصفحة: 335
فَصْلٌ [في آلة الذبح والصيد]
يَحِلُّ ذَبْحُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ وَجَرْحُ غَيْرِهِ بكُلِّ مُحَدَّدٍ يَجْرَحُ كَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَذَهَبٍ وَخَشَبٍ وَقَصَبٍ وَحَجَرٍ وَزُجَاجٍ، إِلَّا ظُفْرًا وَسِنًّا وَسَائِرَ الْعِظَامِ، فَلَوْ قَتَلَ بِمُثَقَّلٍ أَوْ ثِقَلِ مُحَدَّدٍ، كَبُنْدُقَةٍ وَسَوْطٍ وَسَهْمٍ بِلَا نَصْلٍ وَلَا حَدٍّ، أَوْ سَهْمٍ وَبُنْدُقَةٍ، أَوْ جَرَحَهُ نَصْلٌ وَأَثَّرَ فِيهِ عُرْضُ السَّهْمِ فِي مُرُورِهِ وَمَاتَ بِهِمَا، أَوِ انْخَنَقَ بِأُحْبُولَةٍ، أَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ فَوَقَعَ بِأَرْضٍ أَوْ جَبَلٍ ثُمَّ سَقَطَ مِنْهُ .. حَرُمَ،
(فصل: يحل ذبح مقدور عليه، وجرح غيره بكل محدد يجرح؛ كحديد، ونحاس، وذهب) وفضة (وخشب، وقصب، وحجر، وزجاج) لأن ذلك أوحى لإزهاق الروح، (إلا ظفرًا وسنًّا وسائر العظام) لقوله عليه السلام: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ، وَسَأُحَدِّثكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ: فَمُدَى الْحَبَشَةِ" متفق عليه 427.
ويستثنى من الظفر والسن: ما قتله الكلب ونحوه بظفره أو نابه؛ فإنه يحل للحاجة.
(فلو قتل بمثقل، أو ثقل محدد؛ كبندقة، وسوط، وسهم بلا نصل ولا حد، أو سهم وبندقة، أو جرحه نصل وأثر فيه عرض السهم في مروره ومات بهما، أو انخنق بأحبولة) منصوبة له (أو أصابه سهم فوقع بأرض أو جبل، ثم سقط منه .. حرم) أما في القتل بالمثقل .. فلأنه موقوذة؛ لأن الموقوذة ما قتل بحجر، أو بما لا حد له، وأما موته بالسهم، والبندقة، وما بعدها .. فلأنه مات بسببين مبيح ومحرم فغلب المحرم؛ لأنه الأصل في الميتات.
الجزء: 4 - الصفحة: 336
وَلَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ بِالْهَوَاءِ فَسَقَطَ بِأَرْضٍ وَمَاتَ .. حَلَّ. وَيَحِلُّ الاصْطِيَادُ بِجَوَارِحِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ؛ كَكَلْبٍ وَفَهْدٍ وَبَازٍ وَشَاهِينٍ بِشَرْطِ كَوْنِهَا مُعَلَّمَةً؛ بِأَنْ تنزَجِرَ جَارِحَةُ السِّبَاعِ بِزَجْرِ صَاحِبِهِ وَتستَرْسِلَ بِإِرْسَالِهِ،
ومسألة الأحبولة داخلة في قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾، وكان ينبغي للمصنف إخراجها من بين صور الموت بسببين.
وأما إذا أصابه سهم فوقع على جبل، ثم سقط منه .. فلأنه لا ندري من أيهما مات.
ولو عبر بدل (أرض) بسطح، كما في "المحرر" و"الشرح" و"الروضة" .. لكان أولى 428؛ لأن المتبادر إلى الفهم منه أنه وقع بأرض، ولم ينتقل عنها، وأن قوله: (ثم سقط منه) يعود للجبل؛ لإفراده الضمير، وقد قال عقبه: إنه (لو أصابه سهم بالهواء فسقط بأرض، ومات .. حل)، فإن حمل كلامه أولًا على أنه وقع بارض عالية ثم سقط منها .. فليس في عبارته ما يدل عليه.
(ولو أصابه سهم بالهواء) أو على شجرة، أو غيرها (فسقط بأرض ومات .. حل) لأن الوقوع على الأرض لا بد منه فعفي عنه؛ كما لو كان الصيد قائمًا فوقع على جنبه لما أصابه السهم، وانصدم بالأرض، وكلامه مقيد بما إذا جرحه السهم في الهواء جرحًا مؤثرًا، فلو لم يجرحه، بل كسر جناحه فوقع فمات، أو جرحه جرحًا لا يؤثر فعطل جناحه فوقع فمات .. لم يحل؛ لعدم مبيح بحال الموت عليه.
(ويحل الاصطياد بجوارح السباع والطير؛ ككلب، وفهد، وباز، وشاهين) لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ أي: وصيد ما علمتم، (بشرط كونها معلمة) فإن لم تكن معلمة .. لم يحل ما قتلته، فإن أدركه وفيه حياة مستقرة .. فلا بد من ذبحه؛ لقوله عليه السلام لأبي ثعلبة الخشني: "مَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ الله عَلَيْهِ .. فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ .. فَكُلْ" متفق عليه 429.
(بأن تنزجر جارحة السباع) أي: يقف (بزجر صاحبه، وتسترسل بإرساله) فإذا
الجزء: 4 - الصفحة: 337
وَتُمْسِكَ الصَّيْدَ وَلَا تَأْكُلَ مِنْهُ، وَيُشْتَرَطُ تَرْكُ الأَكْلِ فِي جَارِحَةِ الطَّيْرِ فِي الأَظْهَرِ، وَيُشْتَرَطُ تَكَرُّرُ هَذِهِ الأُمُورِ بِحَيْثُ يُظَنُّ تأدُّبُ الْجَارِحَةِ، وَلَوْ ظَهَرَ كَوْنُهُ مُعَلَّمًا ثُمَّ أَكَلَ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ .. لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ الصَّيْدُ فِي الأَظْهَرِ، ويُشْتَرَطُ تَعْلِيمٌ جَدِيدٌ،
أغراه على الصيد .. هاج؛ لقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ قال الشافعي: إذا أمرت الكلب فأْتمر، وإذا نهيته فانتهى .. فهو مكلب، حكاه العبادي في "طبقاته" عن رواية يونس.
(وتمسك الصيد، ولا تأكل منه) لحديث: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ الله عَلَيْهِ .. فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ .. فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ" متفق عليه 430.
(ويشترط: ترك الأكل في جارحة الطير في الأظهر) قياسًا على جوارح السباع، والثاني: لا؛ لأن تركه يكون بالضرب، وهي لا تحمله، واقتصاره على هذا الشرط يقتضي أنه لا يشترط فيها غير ذلك، وليس كذلك، فقد اعتبر الرافعي الشرط الثاني، وهو استرسالها بالإرسال 431، قال الإمام: ولا مطمع في انزجار جوارح الطير بعد الطيران 432.
(ويشترط: تكرر هذه الأمور بحيث يظن تأدب الجارحة) والرجوع في عدد ذلك إلى أهل الخبرة بالجوارح، وقيل: يشترط تكرره ثلاث مرات، وقيل: مرتين.
(ولو ظهر كونه معلمًا، ثم أكل من لحم صيد) قبل قتله، أو بعده ( .. لم يحل ذلك الصيد في الأظهر) لأن عدم الأكل شرط في التعلم ابتداءً، فكذا دوامًا، والثاني: يحل، لأن الأصل بقاؤه على التأديب، والأكل يحتمل أن يكون لشدة جوع، أو غيظ على الصيد إذا أتعبه.
وفصل جماعة فقالوا: إن أكل عقب القتل .. فالقولان، وإلا .. فيحل قطعًا.
(ويشترط تعليم جديد) إذا قلنا بالتحريم؛ لفساد التعليم الأول، ولا ينعطف
الجزء: 4 - الصفحة: 338
وَلَا أَثَرَ لِلَعْقِ الدَّمِ، وَمَعَضُّ الْكَلْبِ مِنَ الصَّيْدِ نَجِسٌ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ، وَأَنَّهُ يَكْفِي غَسْلُهُ بِمَاءٍ وَتُرَابٍ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُقَوَّرَ وَيُطْرَحَ. وَلَوْ تَحَامَلَتِ الْجَارِحَةُ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَتْهُ بِثِقَلِهَا .. حَلَّ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ سِكِّينٌ فَسَقَطَ وَانْجَرَحَ بِهِ صَيْدٌ أَوِ احْتكَّتْ بِهِ شَاةٌ وَهُوَ فِي يَدِهِ فَانْقَطَعَ حُلْقُومُهَا وَمَرِيئُهَا أَوِ أسْتَرْسَلَ كَلْبٌ بِنَفْسِهِ فَقَتَلَ .. لَمْ يَحِلَّ، وَكَذَا لَوِ اسْتَرْسَلَ فَأَغْرَاهُ صَاحِبُهُ فَزَادَ عَدْوُهُ فِي الأَصَحِّ،
التحريم على ما اصطاده من قبل خلافًا لأبي حنيفة.
(ولا أثر للعق الدم) لأنه لا يقصد للصائد، والمنع منوط في الحديث بالأكل ولم يوجد.
(ومعض الكلب من الصيد نجس) كغير ما ينجسه الكلب، (والأصح: أنه لا يعفى عنه) كولوغه، والثاني: نعم؛ لعسر الاحتراز.
(وأنه يكفي غسله بماء وتراب) سبعًا كغيره (ولا يجب أن يقور ويطرح) لأنه لم يرد، والثاني: يجب؛ لأن الموضع تشَرَّب لعابه، فلا يتخلله الماء.
(ولو تحاملت الجارحة على صيد .. فقتلته بثقلها .. حل في الأظهر) لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، ولأنه يعز تعليمه ألا يقتل إلا جرحًا، والثاني: لا؛ لأنه آلة فلم يحل بثقله.؛ كالسلاح، ولأن الله تعالى سماها جوارح فينبغي أن تجرح، والأول قال: الجوارح الكواسب.
(ولو كان بيده سكين فسقط وانجرح به صيد، أو احتكت به شاة وهو في يده فانقطع حلقومها ومريئها، أو استرسل كلب بنفسه فقتل .. لم يحل) أما في الأولى والثانية .. فلأن القصد يعتبر في الذبح ولم يوجد، وفي الثالثة: لم يرسل، وقد قيد عليه السلام جواز الأكل بالإرسال، فقال: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ .. فَكُلْ" 433.
(وكذا لو استرسل فأغراه صاحبه فزاد عدوه في الأصح) لاجتماع المحرم والمبيح فغلب المحرم، والثاني: يحل؛ لظهور أثر الإغراء بالعدو، فانقطع به الاسترسال، وصار كأنه جرح بإغراء صاحبه.
الجزء: 4 - الصفحة: 339
وَلَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ بِإِعَانَةِ رِيحٍ .. حَلَّ. وَلَوْ أَرْسَلَ سَهْمًا لاخْتِبَارِ قُوَّتهِ أَوْ إِلَى غَرَضٍ فَاعْتَرَضَ صَيْدٌ فَقَتَلَهُ .. حَرُمَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ رَمَى صَيْدًا ظَنَّهُ حَجَرًا أَوْ سِرْبَ ظِبَاءٍ فَأَصَابَ وَاحِدَة .. حَلَّتْ، وَإِنْ قَصَدَ وَاحِدَة فَأَصَابَ غَيْرَهَا .. حَلَّتْ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ غَابَ عَنْهُ الْكَلْبُ وَالصَّيْدُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيْتًا .. حَرُمَ،
واحترز بقوله: (فزاد عدوه): عما إذا لم يزد .. فإنه يحرم جزمًا، وبقوله: (فأغراه) عما إذا زجره .. فإنه إن وقف ثم أغراه وقتل .. يحل جزما، وإن لم ينزجر ومضى على وجهه .. يحرم جزمًا.
وقوله: (صاحبه) يفهم: أنه لو أغراه أجنبي .. لا يكون الحكم كذلك، وليس كذلك، فقد قال الشافعي في "المختصر": وسواء استشلاه - أي: أرسله - صاحبه، أو غيره 434، قال في "البحر": ولا فرق بين أن يستشليه الأجنبي بإذن صاحبه، أو بغير إذنه إذا كان ممن تحل ذكاته.
(ولو أصابه) أي: الصيد (سهم بإعانة ريح) وكان يقصر عنه لولا الريح ( .. حل) لأن الاحتراز عن هبوبها لا يمكن، فلا يتغير به حكم الإرسال.
(ولو أرسل سهمًا لاختبار قوته، أو إلى غرض فاعترض صيد فقتله .. حرم في الأصح) لانتفاء قصده، والثاني: يحل، لوجود قصد الفعل، وكذا لو أرسله على ما لا يؤكل كذئب، فأصاب صيدًا لم يحل في الأصح.
(ولو رمى صيدًا ظنه حجرًا، أو سرب ظباء فأصاب واحدة .. حلت) أما في الأولى .. فلأنه قتله بفعله ولا اعتبار بظنه، وأما في الثانية .. فلأنه قصدَ السرب، وهذا منه.
(وإن قصد واحدة) من السرب (فأصاب غيرها) من ذلك السرب أو غيره ( .. حلت في الأصح) لوجود قصد الصيد، والثاني: المنع؛ لإصابته غير ما قصده.
(ولو غاب عنه الكلب والصيد) قبل أن يجرحه الكلب (ثم وجده ميتًا .. حرم) لاحتمال موته بسبب آخر، ولا أثر لتضمخه بدمه فربما جرحه الكلب، وأصابته جراحة أخرى.
الجزء: 4 - الصفحة: 340
وَإِنْ جَرَحَهُ وَغَابَ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيْتًا .. حَرُمَ فِي الأَظْهَرِ.
فَصْلٌ [فيما يملك به الصيد وما يذكر معه]
يُمْلَكُ الصَّيْدُ بِضَبْطِهِ بِيَدِهِ، وَبِجُرْحٍ مُذَفِّفٍ، وَبِإِزْمَانٍ وَكَسْرِ جَنَاحٍ، وَبِوُقُوعِهِ فِي شَبَكَةٍ نَصَبَهَا، وَبِإِلْجَائِهِ إِلَى مَضِيقٍ لَا يُفْلِتُ مِنْهُ
(وإن جرحه) الكلب، أو أصابه سهم فجرحه (وغاب، ثم وجده ميتًا ... حرم في الأظهر) لاحتمال موته بسبب آخر، والتحريم يحتاط له، والثاني: يحل، واختاره الغزالي 435، وقال في "الروضة": إنه أصح دليلًا، وثبت فيه أحاديث صحيحة، ولم يثبت في التحريم شيء 436.
واعترضه البُلْقيني بما في "سنن البيهقي" بطرق حسنة في حديث عدي بن حاتم: "إِذَا رَأَيْتَ سَهْمَكَ فِيهِ، وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرًا غَيْرَهُ، وَتَعْلَمُ أَنَّهُ قَتَلَهُ" 437، قال: فهذا تقييد لبقية الروايات المطلقة، وهو دال على التحريم في محل النزاع.
انتهى
ومحل الخلاف: ما إذا لم يكن قد أنهاه بالجرح إلى حركة المذبوح، فإن أنهاه .. حل قطعًا، وما إذا لم يجد فيه غير جرحه، فإن وجد فيه جراحة أخرى، أو وجده في ماء .. حرم قطعًا.
(فصل: يملك الصيد بضبطه بيده) لأنه مباح فيملك بوضع اليد عليه؛ كسائر المباحات، (وبجرح مذفف، وبإزمان وكسر جناح) أو قصه بحيث يعجز عن الطيران والعدو جميعًا، (وبوقوعه في شبكة نصبها) للصيد (وبإلجائه إلى مضيق لا يفلت منه) كبيت ونحوه؛ لأنه صار مقدورًا عليه.
واحترز بقوله: (نصبها): عما لو وقعت الشكبة من يده فتعلق بها صيد .. فإنه لا يملكه على الأصح.
الجزء: 4 - الصفحة: 341
وَلَوْ وَقَعَ صَيْدٌ فِي مِلْكِهِ وَصَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ بِتَوَحُّلٍ وَغَيْرِهِ .. لَمْ يَمْلِكْهُ فِي الأَصَحِّ، وَمَتَى مَلَكَهُ .. لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ بِانْفِلَاتِهِ، وَكَذَا بِإرْسَالِ الْمَالِكِ لَهُ فِي الأَصَحِّ
وكان ينبغي أن يقول: (نصبها له) كـ "المحرر" 438 فإن مجرد نصبها لا يكفي حتى يقصد نصبها للصيد، وكذا إذا أرسل كلبا على صيد فأثبته.
والضابط الجامع لذلك: إبطال الامتناع، وحصول الاستيلاء عليه، هذا إذا لم يكن عليه أثر ملك، كوسم، وقص جناح، وقرط، ونحوه، فإن كان كذلك .. لم يملكه، بل هو ضالة أو لقطة.
(ولو وقع صيد في ملكه وصار مقدورًا عليه بتوحل وغيره .. لم يملكه في الأصح) لأن مثل هذا لا يقصد به الاصطياد، والقصد مرعي في التمليك، والثاني: يملكه كالشبكة.
قال الإمام: ومحل الخلاف: فيما إذا لم يكن سقيُ الأرض مما يقصد به توحل اورب فإن كان .. فكنصب الشبكة، وكلام الروياني يقتضيه، كذا نقلاه في "الشرح" و"الروضة" عنهما وأقراه، لكن حكيا في (إحياء الموات) عن الإمام: أن توحل الصيد في أرضه التي سقاها لا يقتضي الملك وإن قصده، وأقراه، كذا في "المهمات" 439، وقال البُلْقيني: لا تناقض بينهما، فالمذكور في (الإحياء) قصد التملك، والمذكور هنا أن يكون التوحل مما يقصد به في العادة الاصطياد.
(ومتى ملكه .. لم يزل ملكه بانفلاته) كما لو أبق العبد.
نعم؛ لو انفلت من الشبكة المنصوبة لقطعه إياها .. زال ملكه عنه، وعاد إلى الإباحة، وتملكه من يصطاده؛ كما نقله في "أصل الروضة" عن الماوردي، وقال في "شرح المهذب": إنه المذهب 440.
(وكذا بإرسال المالك له في الأصح) لأن رفع اليد عنه لا يقتضي زوال الملك؛ كما لو سيب دابته، بل لا يجوز ذلك؛ لأنه يشبه السوائب، قال القفال: والعوام
الجزء: 4 - الصفحة: 342
وَلَوْ تَحَوَّلَ حَمَامُهُ إِلَى بُرْجِ غَيْرِهِ .. لَزِمَهُ رَدُّهُ، فَإِنِ اخْتَلَطَ وَعَسُرَ التَّمْيِيزُ .. لَمْ يَصِحَّ بَيْعُ أَحَدِهِمَا وَهِبَتُهُ شَيْئًا مِنْهُ لِثَالِثٍ، وَيَجُوزُ لِصَاحِبهِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ بَاعَاهُمَا وَالْعَدَدُ مَعْلُومٌ وَالْقِيمَةُ سَوَاءٌ .. صَحَّ، وَإِلَّا .. فَلَا
يحتسبون به، ويسمونه إعتاقًا، ومن حقه أن يحترز عنه؛ لأن الطائر المخلى يختلط بالطيور المباحة، فيأخذه الآخذ، ويظن أنه قد ملكه، وهو لا يملكه، والثاني: يزول؛ كعتق عبده، والثالث: إن قصد بإرساله التقرب إلى الله تعالى .. زال، وإلا .. فلا.
ومحل كلام المصنف: في غير المحرم، أما لو أحرم وفي ملكه صيد .. فإنه يجب إرساله، ويزول ملكه عنه.
(ولو تحول حمامه إلى برج غيره .. لزمه رده) إن تميز؛ لبقاء ملكه؛ كالضالة، فإن حصل بينهما بيض، أو فرخ .. فهو لمالك الأنثى دون الذكر.
(فإن اختلط وعسر التمييز .. لم يصح بيع أحدهما وهبته شيئًا منه لثالث) لأنه لا يتحقق الملك فيه؛ فإنه كما يحتمل كون ذلك المبيع ملكه يحتمل أن يكون ملكًا للآخر.
(ويجوز لصاحبه في الأصح) للضرورة؛ لأن الشروط ترتفع عند التعذر، ولذلك صحت الجعالة والقراض مع اشتمالهما على الجهالة، والثاني: المنع؛ لعدم تحقق الملك.
وينبغي تخصيص الخلاف بما إذا جهلا العدد والقيمة؛ فإن علماهما .. فيظهر القطع بالصحة، كذا قاله ابن الملقن، والأَذْرَعي وغيرهما 441.
(فإن باعاهما) أي: باعا الحمام المختلط لثالث، ولا يدري أحدهما عين ماله (والعدد معلوم والقيمة سواء .. صح) لصحة التوزيع على أعدادها، وتحتمل الجهالة في المبيع للضرورة، فإن كان للواحد مئة وللآخر مئتان .. كان الثمن أثلاثًا.
(وإلا) أي: وإن كان العدد مجهولًا والقيمة متفاوتة ( .. فلا) يصح؛ لأنه لا يعرف كل واحد ما يستحقه من الثمن، قال الرافعي تبعًا للإمام: (والطريق: أن
الجزء: 4 - الصفحة: 343
وَلَوْ جَرَحَ الصَّيْدَ اثنانِ مُتَعَاقِبَانِ؛ فَإِنْ ذَفَّفَ الثَّانِي أَوْ أَزْمَنَ دُونَ الأَوَّلِ .. فَهُوَ لِلثَّانِي، وَإِنْ ذَفَّفَ الأَوَّلُ .. فَلَهُ، وَإِنْ أَزْمَنَ .. فَلَهُ، ثُمَّ إِنْ ذَفَّفَ الثَّانِي بِقَطْع حُلْقُومٍ وَمَرِيءٍ .. فَهُوَ حَلَالٌ، وَعَلَيْهِ لِلأَوَّلِ مَا نَقَصَ بِالذَّبْحِ، وَإِنْ ذَفَّفَ لَا بِقَطْعِهِمَا أَوْ لَمْ يُذفِّفْ وَمَاتَ بِالْجُرْحَيْنِ .. فَحَرَامٌ، وَيَضْمَنُهُ الثَّانِي لِلأَوَّلِ. وَإِنْ جَرَحَا مَعًا وَذَفَّفَا أَوْ أَزْمَنَا .. فَلَهُمَا، وَإِنْ ذَفَّفَ أَحَدُهُمَا أَوْ أَزْمَنَ دُونَ الآخَرِ .. فَلَهُ، وَإِنْ ذَفَّفَ وَاحِدٌ وَأَزْمَنَ آخَرُ وَجُهِلَ السَّابِقُ .. حَرُمَ عَلَى
يقول كل واحد منهما: "بعتك الحمام الذي في هذا البرج بكذا" فيكون الثمن معلومًا، ويحتمل الجهل في المبيع للضرورة) 442.
(ولو جرح الصيد اثنان متعاقبان؛ فإن ذفف الثاني، أو أزمن دون الأول) أي: لم يوجد منه تذفيف ولا إزمان ( .. فهو للثاني) لأن جرحه هو المؤثر في امتناعه، ولا شيء على الأول بجراحته؛ لأنه كان مباحًا حينئذ.
(وإن ذفف الأول .. فله) لما سبق، وعلى الثانى أرش ما نقص من لحمه وجلده؛ لأنه جنى على ملك الغير، (وإن أزمن) الأول ( .. فله) لإزمانه إياه.
(ثم إن ذفف الثاني بقطع حلقوم ومريء .. فهو حلال، وعليه للأول ما نقص بالذبح) وهو ما بين قيمته زمنًا ومذبوحا، كما لو ذبح شاة غيره بغير إذنه.
(وإن ذفف لا بقطعهما، أو لم يذفف ومات بالجرحين .. فحرام) أما الأولى .. فلأن المقدور عليه لا يحل إلا بذبحه، وأما الثانية .. فلاجتماع المبيح والمحرم؛ كما لو اشترك في الذبح مسلم ومجوسي، (ويضمنه الثاني للأول) لأنه أفسد ملكه، وفيما يضمنه تفصيل يطول ذكره.
(وإن جرحا معًا وذففا أو أزمنا .. فلهما) لاشتراكهما في سبب الملك، ولا مزية لأحدهما على الآخر.
(وإن ذفف أحدهما أو أزمن دون الآخر .. فله) لانفراده بسبب الملك، ولا ضمان على الآخر؛ لوقوع جراحته حين كان مباحًا.
(وإن ذفف واحد) لا بقطع الحلقوم (وأزمن آخر وجهل السابق .. حرم على
الجزء: 4 - الصفحة: 344
المذهب) لاجتماع الحظر والإباحة؛ فإنه يحتمل سبق التذفيف .. فيحل، أو تأخره .. فلا يحل إلا بقطع الحلقوم ولم يوجد، والطريق الثاني: حكاية قولين؛ كما لو جرح الصيد وغاب ثم وجده ميتًا، ومن قال بالأول فرق بأن هناك جرحًا سابقًا يحال عليه الموت 443، وهو معهود في القصاص وغيره، وهنا بخلافه، والاعتبار في الترتيب والمعية بالإصابة لا بابتداء الرمي.
الجزء: 4 - الصفحة: 345