كتاب العِددَ
عِدَّةُ النِّكاحِ ضَرْبَانِ: الأَوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِفُرْقَةِ حَيٍّ بِطَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ، وَإِنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ وَطْءٍ أَوِ اسْتِدْخَالِ مَنِيِّهِ
(كتاب العِدد)
هي جمع عدة، أصلها: من العدد؛ لاشتمالها على عدد من الأقراء والأشهر، وهي في الشرع: اسم لمدة معلومة تتربص فيها المرأة لتعرف براءة رحمها، وذلك يحصل: بوضع حمل، أو مضي أقراء أو أشهر.
والأصل فيها قبل الإجماع: الآيات والأخبار الواردة في ال
باب.
(عدة النكاح ضربان: الأول متعلق بفرقة حي بطلاق أو فسخ)، بعيب أو لعان أو غيرهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، والفسخ في معنى الطلاق.
وخرج بـ (عدة النكاح): المزني بها؛ فلا عدة عليها بالاتفاق، لكن يرد عليه عدة وطء الشبهة.
وضبط في "التتمة" وجوب العدة: بكل وطء لا يوجب الحد على الواطئ، قال: حتى المجنون لو زنى بعاقلة .. تجب عليها العدة، لأن الجنون أبلغ في العذر من الغلط، وكذا المراهق والمكره؛ لأنا جعلناه عذرًا في إسقاط الحد، فصار الماء محترمًا.
(وإنما تجب: بعد وطء) ولو من صبي ومجنون ومكره وخصي، ولو في دبر، فإن طلقت قبله .. لم تجب؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾.
(أو استدخال منيه) أي: مني الزوج؛ لأنه أقرب إلى العلوق من مجرد الإيلاج، ولا عبرة بقول الأطباء: إن المني إذا ضربه الهواء .. لا ينعقد منه الولد؛ لأنه ظن لا ينافي الإمكان.
ونقل الماوردي عن الأصحاب: أن شرط وجوبِ العدة ولحوق النسب باستدخال
الجزء: 3 - الصفحة: 345
وإنْ تُيُقِّنَ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ، لَا بِخَلْوَةٍ فِي الْجَدِيدِ. وَعِدَّة حرَّة ذَاتِ أَقْرَاءٍ ثَلَاثةٌ؛ وَالْقَرْءُ: الطُّهْرُ،
ماء الزوج: أن يوجد الإنزال والاستدخال معًا في الزوجية، فلو أنزل ثم تزوجها فاستدخلت الماء .. لم تجب العدة ولم يلحق الولد، ولو أنزل وهي زوجته ثم أبانها ثم استدخلته .. لم تجب العدة ولم يلحق الولد 1.
ونقل البغوي: اشتراط كون الماء من غير زنًا، أما لو استدخلت ماء الزوج من الزنا .. فلا، ثم أبدى فيه احتمالًا لنفسه بالوجوب، وحكياه عنه في موانع النكاح 2.
(وإن تيقن براءة الرحم)، هذا متعلق بقوله: (بعد وطء) أي: وإن تيقن أن الوطء غير شاغل للرحم؛ كوطء صبي في سن لا يحبل أو طفلة لا تحبل، حتى لو علق الطلاق على براءة الرحم يقينًا وحصلت الصفة؛ بأن مضى لها بعد وضع الحمل ستة أشهر من غير وطء .. وجبت العدة إذا كانت مدخولًا بها؛ لعموم مفهوم قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، فيكفي جريان سبب الشغل، وهو الإيلاج؛ لظهوره، لا الشغل، وهو المني؛ لخفائه.
(لا بخلوة في الجديد) لمفهوم الآية السالفة، والقديم: تجب بها العدة؛ لقول عمر وعلي -رضي الله عنهما-: (إذا أغلق بابًا وأرخى سترًا .. فلها الصداق كاملًا وعليها العدة)، وأجيب: بأنه منقطع؛ كما قاله البيهقي 3.
(وعدة حرة ذات أقراء ثلاثة) من أقراء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
(والقرء: الطهر) كما قاله جمع من علماء الصحابة وفقهاء المدينة؛ لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾؛ أي: في زمن عدتهن؛ كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: فيه، وإذا كان المعنى: في زمن عدتهن .. كان إذنًا في
الجزء: 3 - الصفحة: 346
فَإِنْ طُلِّقَتْ طَاهِرًا .. انْقَضَتْ بالطَّعْنِ فِي حَيْضَةٍ ثَالِثَةٍ، أَوْ حَائِضًا .. فَفِي رَابِعَ، وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ بَعْدَ الطَّعْنِ. وَهَلْ يُحْسَبُ طُهْرُ مَنْ لَمْ تَحِضْ قَرْءًا؟ قَوْلَانِ؛ بنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَرْءَ انْتِقَالٌ مِنْ طُهْرٍ إِلَى حَيْضٍ، أَمْ طُهْرٌ مُحْتَوَشٌ بِدَمَيْنِ؟ وَالثَّانِي: أَظْهَرُ
الطلاق في زمن العدة، ومعلوم أنه في الحيض محرم، فينصرف الإذن إلى زمن الطهر، فيكون هو زمنَ العدة.
(فإن طلقت طاهرًا .. انقضت بالطعن في حيضة ثالثة) لأن بعض الطهر -وإن قل- يصدق عليه اسم قرء، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، وهو شهران وبعض الثالث.
هذا إذا بقي من الطهر بعد وقوع الطلاق بقية، فإن انطبق على آخره إما إتفاقًا، أو قال: (أنت طالق في آخر جزء من أجزاء طهرك) .. لم تعتد به على الأصحِّ.
(أو حائضًا .. ففي رابعة)، وما بقي من الحيض لا يحسب قرءًا قطعًا؛ لأن الطهر الأخير إنما يتبين كماله بالشروع في الحيضة التي بعده، وهي الرابعة.
(وفي قول: يشترط يوم وليلة بعد الطعن) في الحيضة الثالثة في الصورة الأولى، والرابعة في الصورة الثانية؛ لاحتمال كونه دمَ فساد، والأصل: بقاء العدة، فلا تنقضي بالشك.
وسكت المصنف عن حكم الطلاق في النفاس، وقضية كلام "الروضة" و"أصلها" في الحال الثاني في اجتماع عدتين: أن النفاس لا يحسب من العدة 4.
(وهل يحسب طهر من لم تحض قرءًا؟ قولان؛ بناءً على أن القرء انتقال من طهر إلى حيض، أم طهر محتوَش بدمين؟ ) فعلى الأول: يحسب، وعلى الثاني: لا؛ لأنه لم يتصل طرفاه بحيض، (والثاني: أظهر) في المبني، وهو عدم حسبانه قرءًا؛ لأن اللفظ مأخوذ من قولهم: قرأت الماء في الحوض؛ أي: جمعته، فزمن الطهر يجمع الدم في الرحم، وزمن الحيض يجمع شيئًا ويرسل شيئًا إلى أن يدفع الكل، وهنا لا جمع ولا ضم.
الجزء: 3 - الصفحة: 347
وَعِدَّةُ مُسْتَحَاضَةٍ: بِأَقْرَائِهَا الْمَرْدُودَةِ إِلَيْهَا. وَمُتَحَيِّرَةٍ: بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ: بَعْدَ الْيَأْسِ. وَأُمِّ وَلَدٍ وَمُكَاتبًةٍ وَمَنْ فِيهَا رِقٌّ: بِقَرْأَيْنِ، وَإِنْ عَتَقَتْ فِي عِدَّةِ رَجْعِيَّةٍ .. كَمَّلَتْ عِدَّةَ حُرَّةٍ فِي الأَظْهَرِ،
ووجه مقابله: دلالته على البراءة؛ أخذًا من قولهم: قرأ النجم: إذا طلع، وقرأ: إذا غاب.
والأظهر أيضًا في المبني عليه: أن القرء: هو المحتوَش بدمين، قال الرافعي: وفيه مخالفة لما سبق في (الطلاق): من أن الأكثرين أوقعوا الطلاق في الحال إذا قال لمن لم تحض قط: (أنت طالق في كل قرء طلقة)، وهي متعلقة بهذا، ويحتمل أن ترجيحهم في هذه لمعنى يخصها، لا لرجحان القول بأن القرء هو الانتقال.
انتهى 5.
قال البُلْقيني والأَذْرَعي: والمعنى في ذلك: أن القرء اسم للطهر، فوقع الطلاق؛ لصدق الاسم، والاحتواش شرط لانقضاء العدة؛ ليغلب ظن البراءة.
(وعدة مستحاضة: بأقرائها المردودة إليها)، فالمعتادة ترد إلى عادتها، والمميزة إلى التمييز، والمبتدأة إلى الأقل على الأظهر، وعلى القولين: إذا مضت ثلاثة أشهر .. انقضت عدتها؛ لاشتمال كل شهر على حيضة وطهر غالبًا.
(ومتحيرة: بثلاثة أشهر في الحال) لأن للمرأة في كل شهر حيضًا وطهرًا غالبًا، وصبرها إلى سن اليأس فيه مشقة عظيمة.
وتعتبر الأشهر بالأهلة؛ فإن وقع في أثناء الشهر .. اعتبرنا الباقي قرءًا إن كان أكثر من خمسة عشر يومًا، وإلا .. فلا في الأصحِّ، (وقيل: بعد اليأس) لأنها قبله متوقعة للحيض المستقيم.
(وأم ولد ومكاتبة ومن فيها رق: بقرأين) لأن الأمة على النصف من الحرة في القسم والحد، فكذا هنا، إلا أنه لا يمكن تنصيف القرء، فكمل؛ كما في طلاق العبد.
(وإن عتقت في عدة رجعية .. كملت عدة حرة في الأظهر) 6 لأن الرجعية زوجة
الجزء: 3 - الصفحة: 348
أَوْ بَيْنُونَةٍ .. فَأَمَةٍ فِي الأَظْهَرِ. وَحُرَّةٍ لَمْ تَحِضْ أَوْ يئسَتْ: بِثلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ طُلِّقَتْ فِي أَثناءِ شَهْرٍ .. فَبَعْدَهُ هِلَالَانِ وَتكُمِّلُ الْمُنْكَسِرَ ثَلَاثِينَ، فَإِنْ حَاضَتْ فِيهَا .. وَجَبَتِ الأَقْرَاءُ، وَأَمَةٍ: بِشَهْرٍ وَنصْفٍ، وَفِي قَوْلٍ: شَهْرَانِ، وَفِي قَوْلٍ: ثَلَاثة. وَمَنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِعِلَّةٍ كَرَضَاعٍ وَمَرَضٍ .. تَصبِرُ حَتَّى تَحِيضَ، أَوْ تيأَسَ .. فَبِالأَشْهُرِ، أَوْ لَا لِعِلِّةٍ .. فَكَذَا فِي الْجَدِيدِ،
في أكثر الأحكام، (أو بينونةٍ .. فأمةٍ في الأظهر) لأنها كالأجنبية؛ لقطع الميراث وسقوط النفقة، والثاني: تتم عدة حرة؛ اعتبارًا بوجود الكاملة قبل الناقصة، فتنتقل؛ كالدم في الأشهر.
فحصل في المعتقة ثلاثة أقوال؛ كما صرحا به في "الروضة" و"أصلها": أحدها: تتم عدة حرة مطلقًا، والثاني: عدة أمة مطلقًا، والثالث: التفصيل بين البائن والرجعية 7.
(و) عدةً (حرةٍ لم تحض أو يئست: بثلاثة أشهر) بالأهلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: 4].
(فإن طلقت في أثناء شهر .. فبعده هلالان، وتكمل المنكسر) وهو الأول (ثلاثين) ولو كان ناقصًا، (فإن حاضت فيها) أي: في أثناء الأشهر ( .. وجبت الأقراء) بالإجماع، ولا يحسب ما مضى للصغيرة قرءًا على الأصحِّ.
(وأمةٍ) لم تحض أو يئست (بشهر ونصف) لإمكان التبعيض، بخلاف الأقراء، (وفي قول: شهران) لأنهما بدل عن القرأين، (وفي قول: ثلاثة) لعموم قوله تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾.
(ومن انقطع دمها لعلة) تعرف (كرضاع ومرض .. تصبر حتى تحيض) فتعتد بالأقراء، (أو تيأس .. فبالأشهر)، ولا تبالي بطول مدة الانتظار؛ لعدم اليأس.
(أو لا لعلة) معروفة ( .. فكذا في الجديد) كما لو انقطع لعلة؛ لأن الله تعالى لم يجعل الاعتداد بالأشهر إلا للتي لم تحض والآيسة، وهذه ليست واحدة منهما؛ لأنها
الجزء: 3 - الصفحة: 349
وَفِي الْقَدِيمِ: تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي قَوْلٍ: أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ بِالأَشْهُرِ. فَعَلَى الْجَدِيدِ: لَوْ حَاضَتْ بَعْدَ الْيَأْسِ فِي الأَشْهُرِ .. وَجَبَتِ الأَقْرَاءُ، أَوْ بَعْدَهَا .. فَأَقْوَالٌ: أَظْهَرُهَا: إِنْ نَكَحَتْ .. فَلَا شَيْءَ، وَإِلَّا .. فَالأَقْرَاءُ، وَالْمُعْتبَرُ: يَأْسُ عَشِيرَتِهَا،
ترجو عود الدم، فأشبهت من انقطع دمها لعارض معروف.
(وفي القديم: تتربص تسعة أشهر، وفي قول) قديم: (أربع سنين)، وفي قول مخرج على القديم: ستة أشهر.
وحاصل القديم: أنها تتربص مدة الحمل؛ ليعرف فراغ الرحم، لكن غالب مدة الحمل أو أكثره أو أقله.
(ثم تعتد بالأشهر) تعبدًا، وقد اختار البارزي القديم وأفتى به؛ لعظم مشقة الانتظار إلى سن اليأس، لا سيما الشواب، قال: ويتجه ذلك أيضًا فيما إذا انقطع لعلة.
(فعلى الجديد: لو حاضت بعد اليأس في الأشهر .. وجبت الأقراء) للقدرة على الأصل قبل تمام البدل، ويحسب ما مضى قرءًا قطعًا؛ لأنه طهر احتوشه دمان.
(أو بعدها) -أي: بعد تمام الأشهر- ( .. فأقوال؛ أظهرها: إن نكحت .. فلا شيء) لتعلق حق الزوج، والشروع في المقصود؛ كالمتيمم يرى الماء بعد الشروع في الصلاة، (وإلا) أي: وإن لم تكن نكحت ( .. فالأقراء) لأنه بان أنها ليست يائسة، والثاني: تنتقل إلى الأقراء مطلقًا؛ لما ذكرناه من تبين كونها ليست يائسة، والثالث: المنع مطلقًا؛ لانقضاء العدة ظاهرًا؛ كما لو حاضت الصغيرة بعد الأشهر.
(والمعتبر: يأس عشيرتها) أي: أقاربها من الأبوين؛ لتقاربهن طبعًا وخلقًا، ويعتبر الأقرب فالأقرب إليها.
ولو اختلفت عادتهن .. اعتبر بأقل عادة امرأة منهن، وقيل: أكثرهن عادة، قال في "المطلب": وهو الأشبه.
وإذا لم يكن لها قرابة أو تعذر معرفة حالهن .. قال في "الكافي": اعتبر يأس نساء العالم.
الجزء: 3 - الصفحة: 350
وَفِي قَوْلٍ: كُلُّ النِّسَاءِ.
قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فصلٌ [في العدة بوضع الحمل]
عِدَّةُ الْحَامِل بِوَضْعِهِ بِشَرْطِ نِسْبَتِهِ إِلَى ذِي الْعِدَّةِ وَلَوِ احْتِمَالًا كَمَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ، وَانْفِصَالِ كُلِّهِ حَتَّى ثَانِي تَوْءَمَيْنِ،
(وفي قول: كل النساء) للاحتياط وطلب اليقين، قال الإمام: ولا يمكن طوف العالم والتفحص عن سكان الأقاليم، وإنما المراد: ما يبلغنا خبره ويعرف 8، (قلت: ذا القول أظهر، والله أعلم)، وهذا ما رجحه في "أصل الروضة"؛ لقول الرافعي: إن إيراد الأكثرين يقتضي ترجيحه 9.
فعلى هذا: هل ينظر إلى نساء زمانها أو النساء مطلقًا في جميع الأعصار؟ قال الأَذْرَعي: إيراد القاضي والفوراني والمتولي والإمام والغزالي: يقتضي الأول، وكلام كثيرين أو الأكثرين: يقتضي الثاني.
وفي أقصى سن اليأس أوجه: أصحها: اثنان وستون سنة.
(فصل: عدة الحامل بوضعه) لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، (بشرط نسبته إلى ذي العدة) زوجًا كان أو غيره (ولو احتمالًا؛ كمنفي بلعان)، فإذا لاعن الحامل ونفى الحمل ثم وضعته .. انقضت عدتها به وإن كان غير لاحق به؛ لأن نفيه عنه ليس بقطعي؛ لجواز كذبه وصدقها، ولهذا لو استلحقه .. لحقه.
فإن لم يمكن كونه منه؛ كما إذا مات صبي لا يتصور منه الإنزال عن زوجة حامل .. فعدتها بالأشهر؛ كما سيأتي؛ فإن الولد غير لاحق به، وكذا الممسوح ومن وضعته لدون ستة أشهر من العقد.
(وانفصالِ كله حتى ثاني توءمين) لظاهر الآية المذكورة.
الجزء: 3 - الصفحة: 351
وَمَتَى تَخَلَّلَ دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ .. فَتَوْءَمَانِ. وَتنقَضِي بمَيْتٍ لَا عَلَقَةٍ، وَبِمُضغَةٍ فِيهَا صُورَةُ آدَميٍّ خَفِيَّة أَخْبَرَ بِهَا الْقَوَابِلُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ صُورَةٌ وَقُلْنَ: هِيَ أَصْلُ آدَمِيٍّ .. انْقَضتْ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ ظَهَرَ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ حَمْل لِلزَّوْجِ .. اعْتَدَّتْ بوَضْعِهِ. وَلَوِ ارْتَابَتْ فِيهَا .. لَمْ تنكِحْ حَتَّى تزولَ الرِّيبَةُ، أَوْ بَعْدَهَا وَبَعْدَ نِكَاحٍ اسْتَمَرَّ إِلَّا أَنْ تَلِدَ لِدُونِ سِتَّهِ أَشْهُرٍ مِنْ عَقْدِهِ، أَوْ بَعْدَهَا قَبْلَ نِكَاحٍ .. فَلْتَصْبِرْ لِتَزُولَ الرِّيبَةُ،
(ومتى تخلل دون ستة أشهر .. فتوءمان) لأن الستة أقل مدة الحمل، فإن تخلل بينهما ستة أشهر فأكثر .. كانا حملين.
(وتنقضي بميت) لإطلاق الآية، (لا علقة) لأنها لا تسمَّى حملًا.
(و) تنقضي (بمضغة فيها صورة آدمي خفية أخبر بها القوابل) لوجود اسم الولد، (فإن لم تكن صورة) خفية (وقلن) أي: القوابل (هي أصل آدمي)، ولو بقي .. لتخلقت ( .. انقضت على المذهب) لأن براءة الرحم تحصل برؤية الدم، فهذا أولى، هذا هو المنصوص هنا، ونصّ على أنه لا تجب به الغرة، ولا يثبت به الاستيلاد 10، فقيل: قولان في الجميع، وقيل: بتقرير النصين.
والفرق: أن العدة تتعلق ببراءة الرحم وقد حصلت، والأصل براءة الذمة من الغرة، وأمومة الولد إنما ثبتت؛ تبعًا للولد، وهذا لا يُسمَّى ولدًا.
(ولو ظهر في عدة أقراء أو أشهر حمل للزوج .. اعتدت بوضعه) لأنه يدل على البراءة قطعًا، بخلافهما.
(ولو ارتابت فيها) أي: في العدة؛ لثقل وحركة تجدها ولم يظهر الحمل بأمارة ( .. لم تنكح) بعد الأقراء والأشهر (حتى تزول الريبة) بمرور زمان يزعم النساء أنها لا تلد فيه أو غير ذلك؛ لأن العدة قد لزمتها بيقين فلا تخرج عنها إلا بيقين.
(أو بعدها) أي: بعد تمام الأقراء والأشهر (وبعد نكاح استمر) النكاح؛ لحكمنا بانقضاء العدة ظاهرًا وثبوت حق الزوج الثاني، (إلا أن تلد لدون ستة أشهر من عقده) فإنه يحكم ببطلانه؛ لتحقق كونها حاملًا يوم العقد، (أو بعدها قبل نكاح .. فلتصبر لتزول الريبة) للاحتياط.
الجزء: 3 - الصفحة: 352
فَإِنْ نَكَحَتْ .. فَالْمَذْهَبُ: عَدَمُ إِبْطَالِهِ فِي الْحَالِ، فَإِنْ عُلِمَ مُقْتَضِيهِ .. أَبْطَلْنَاهُ. وَلَوْ أَبَانَهَا فَوَلَدَتْ لِأرْبَعِ سِنِينَ .. لَحِقَهُ، أَوْ لِأكْثَرَ .. فَلَا، وَلَوْ طَلَّقَ رَجْعِيًّا .. حُسِبَتِ الْمُدَّةُ مِنَ الطَّلَاقِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنَ انْصِرَامِ الْعِدَّةِ
(فإن نكحت .. فالمذهب: عدم إبطاله في الحال) لما سبق في الاستمرار.
(فإن عُلِم مقتضيه) أي: مقتضي البطلان ( .. أبطلناه) لتبين فساده، هذا أصح الطرق، والطريق الثاني: القطع بالبطلان مع الريبة؛ لأنها لا تدري هل هي حلال للأزواج أم لا، والثالث: قولان؛ كمن باع مال أبيه ظانًّا حياته فبان موته.
(ولو أبانها) بخلع أو غيره ولم ينف الحمل (فولدت لأربع سنين) فما دونها ولى تتزوج بغيره ( .. لحقه) لقيام الإمكان؛ بناءً على أن أكثر مدة الحمل أربع سنين.
ودليله: الاستقراء، وحكي عن مالك وغيره وقوعُه عن جماعة.
وتعتبر هذه المدة: من وقت الفراق؛ كذا أطلقوه، واعترضه منصور التميمي؛ بأنه يلزم منه أن تكون مدة الحمل أكثر من أربع سنين؛ لتقدم العلوق على الطلاق، قال: فينبغي أن يقال: من وقت إمكان العلوق قبل الفراق، قال الرافعي: وهذا قويم، وفي إطلاقهم تساهل، وقال في "الشرح الصغير": إنه الحق 11.
قال ابن الرفعة: وما ذكره منصور فيه تساهل أيضًا؛ لأن الطلاق قد يقع مع الإنزال بالتنجيز اتفاقًا أو بالتعليق، وفي هذه الصورة يصح ما قاله الشافعي والأصحاب دون ما ذكره المعترض، فظهر حينئذ: أن لما قاله الشافعي والأصحاب محملًا صحيحًا، وكذلك لما قاله المعترض، وهو ما عدا ما فرضناه، فلينزل كلام كل من المطلقين على ما يقتضي صحته.
(أو لأكثر .. فلا) لعدم الإمكان، وهذه تقدمت في (باب اللعان) 12.
(ولو طلق رجعيًّا .. حسبت المدة من الطلاق، وفي قول: من انصرام العدة)، هذه العبارة بعيدة عن المراد، ومراده: أنه إذا طلق رجعيًّا ثم ولدت لأربع سنين فأقل .. لحقه، أو لأكثر .. فلا؛ كالبائن، وإنما تخالف البائن في أن ابتداء السنين
الجزء: 3 - الصفحة: 353
وَلَوْ نَكَحَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَوَلَدَتْ لِدُونِ سِتة أَشْهُرٍ .. فَكَأَنَّهَا لَمْ تنكِحْ، وَإِنْ كَانَ لِسِتَّةٍ .. فَالْوَلَدُ لِلثَّانِي. وَلَوْ نَكَحَتْ فِي الْعِدَّةِ فَاسِدًا فَوَلَدَتْ لِلإِمْكَانِ مِنَ الأَوَّلِ .. لَحِقَهُ وَانْقَضَتْ بِوَضْعِهِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلثَّانِي،
يحسب في البائن من الطلاق؛ لانقطاع الفراش، وفي هذه قولان: أصحهما: كذلك؛ لأنها كالبائن في تحريم الوطء، فكذا في أمر الولد، وفي قول: من انصرام العدة؛ لأنها كالمنكوحة في غالب الأحكام؛ من لحوق الطلاق، والإيلاء، والظهار، والإرث، فكذلك في لحوق الولد، وعلى هذا: قيل: تتمادى مدة اللحوق بلا تقدير إن لم تقر بانقضاء العدة؛ لأن الفراش على هذا القول إنما يزول بانقضاء العدة والطهر قد يتباعد سنين.
والأصحُّ: أنه إذا مضت العدة بالأقراء أو الأشهر ثم ولدت لأكثر من أربع سنين .. لم يلحقه؛ لأنا تحققنا أنه لم يكن موجودًا في الأقراء والأشهر، فتبين بانقضائه، وتصير كما لو بانت بالطلاق ثم ولدت لأكثر من أربع سنين.
(ولو نكحت بعد العدة فولدت لدون ستة أشهر) من النكاح الثاني ( .. فكأنها لم تنكح)، ويكون الحكم كما مر؛ وهو إن ولدته لأربع سنين فأقل من طلاق الأول .. لحقه، أو لأكثر .. لم يلحقه، وحيث لحقه فنكاح الثاني باطل؛ لجريانه في العدة، وإذا لم يلحقه .. فأقرب الوجهين: أنا لا نحكم بفساد النكاح الثاني؛ حملًا على أنه من زنًا، قاله الأَذْرَعي، وجزم به في "المطلب"، وجرى عليه المنكت 13.
(وإن كان لستة) فأكثر من إمكان الاجتماع والوطء ( .. فالولد للثاني) وإن أمكن كونه من الأول؛ لأن فراش الثاني موجود، وهو أقوى؛ لصحة نكاحه ظاهرًا.
(ولو نكحت في العدة فاسدًا فولدت للإمكان من الأول) دون الثاني؛ بأن ولدته لدون ستة أشهر من وطء الثاني، ولأربع سنين فأقل من طلاق الأول ( .. لحقه وانقضت) عدة الأول (بوضعه، ثم تعتد للثاني) حيث حصل إصابة شبهة؛ بأن ظن انقضاء العدة، أو أن المعتدة لا يحرم نكاحها، وكان قريب العهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء، فإن لم تحصل إصابة .. لغا العقد.
الجزء: 3 - الصفحة: 354
أَوْ لِلإِمْكَانِ مِنَ الثَّانِي .. لَحِقَهُ، أَوْ مِنْهُمَا .. عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بأَحَدِهِمَا .. فَكَالإمْكَانِ مِنْهُ فَقَطْ.
فصلٌ [في تداخل العدتين]
لَزِمَهَا عِدَّتَا شَخْصٍ مِنْ جِنْسٍ؛ بِأَنْ طَلَّقَ ثُمَّ وَطِئَ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ جَاهِلًا أَوْ عَالِمًا فِي رَجْعِيَّةٍ .. تَدَاخَلَتَا، فَتبتَدِئُ عِدَّةً مِنَ الْوَطْءِ، وَتَدْخُلُ فِيهَا بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ، فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا حَمْلًا وَالأُخْرَئ أَقْرَاء
ولو قال المصنف كـ"المحرر": (ولو نكحت فاسدًا؛ بأن نكحت في العدة) .. لكان صوابًا 14؛ لأن النكاح في العدة لا يكون إلا فاسدًا.
(أو للإمكان من الثاني) دون الأول؛ بأن ولدته لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني، ولأكثر من أربع سنين من طلاق الأول ( .. لحقه) لما سبق.
(أو منهما) بأن ولدته لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني، ولدون أربع سنين من طلاق الأول ( .. عرض على القائف) لما سيأتي في بابه، (فإن ألحقه بأحدهما .. فكالإمكان منه فقط)، فيجيء ما تقدم.
واحترز بقوله: (ألحقه بأحدهما): عما لو ألحقه بهما، أو نفاه عنهما، أو اشتبه الأمر عليه، أو لم يكن قائف .. فينتظر بلوغه وانتسابه بنفسه.
(فصل: لزمها عدتا شخص من جنس؛ بأن طلق ثم وطى في عدة أقراء أو أشهر)، ولم تحبل من هذا الوطء، (جاهلًا) إن كان الطلاق بائنًا؛ بأن ظنها زوجته الأخرى أو نسي الطلاق أو جهل التحريم، (أو عالمًا) أو جاهلًا (في رجعية .. تداخلتا) أي: العدتان، (فتبتدئ عدة من الوطء، وتدخل فيها بقية عدة الطلاق) لأن مقصود عدة الوطء والطلاق واحد، فلا معنى للتعدد، ويكون قدر البقية مشتركًا بين العدتين، والباقي يتمحض للوطء الثاني، فله الرجعة في قدر البقية لا بعدها.
(فإن كانت إحداهما حملًا والأخرى أقراءً) بأن طلقها وهي حامل ثم وطئها قبل
الجزء: 3 - الصفحة: 355
تَدَاخَلَتَا فِي الأَصَحِّ؛ فَتَنْقَضِيَانِ بِوَضْعِهِ، وَيُرَاجِعُ قَبْلَهُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْحَمْلُ مِنَ الْوَطْءِ .. فَلَا. أَوْ لِشَخْصَيْنِ؛ بِأَنْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ زَوْجٍ أَوْ شُبْهَةٍ فَوُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ كَانَتْ زَوْجَةً مُعْتَدَّةً عَنْ شُبْهَةٍ فَطُلِّقَتْ .. فَلَا تَدَاخُلَ، فَإِنْ كَانَ حَمْلٌ .. قَدَّمَتْ عِدَّتَهُ،
الوضع، أو طلقها وهي حائل ثم وطئها في الأقراء وأحبلها ( .. تداخلتا في الأصح) لأنهما من شخص واحد، فأشبها المتجانسين، والثاني: لا؛ لأنهما جنسان، فلا تتداخلان؛ كما لو زنى بكرًا ثم ثيبًا.
(فتنقضيان بوضعه) لأنه ثمرة التداخل، (ويراجع قبله) أي: قبل الوضع، سواء طرأ الوطء على الحمل، أو طرأ الحمل، أما الأول .. فبالاتفاق؛ لأنها في عدة طلاق رجعي، والحمل لا يتبعض، وأما الثاني .. فعلى الأصحِّ؛ لأنها في عدة الطلاق وإن لزمها عدة أخرى.
(وقيل: إن كان الحمل من الوطء .. فلا) رجعة؛ بناء على أن عدة الطلاق قد سقطت، وهي الآن معتدة عن الوطء.
وجميع ما تقدم: فيما إذا كانت لا ترى الدم على الحمل، أو رأته ولم نجعله حيضًا، فإن قلنا: هو حيض .. انقضت به العدة الأخرى في الأصحِّ.
(أو لشخصين؛ بإن كانت في عدة زوج أو شبهة فوطئت بشبهة)، والواطئ غير صاحب العدة، (أو نكاح فاسد، أو كانت زوجة معتدة عن شبهة فطلقت .. فلا تداخل)، وتعتد عن كل منهما عدة كاملة؛ لأثر عمر في ذلك؛ كما رواه الشافعي عن مالك بسنده 15، ولأنهما حقان مقصودان لآدميين، فلم يتداخلا؛ كالدينين.
(فإن كان حمل .. قدمت عدته) في جميع هذه الصور، سواء تقدم سببها أو تأخر؛ كما صرح به في "المحرر" 16؛ لأن عدة الحمل لا تقبل التأخير، فإن كان الحمل للمطلق .. انقضت به عدتها، ثم تعتد للشبهة بالأقراء بعد النفاس.
وله الرجعة قبل الوضع، قال الروياني: إلا في حال اجتماع الواطئ بها؛ لأنها
الجزء: 3 - الصفحة: 356
وَإِلَّا: فَإِنْ سَبَقَ الطَّلَاقُ .. أَتَمَّتْ عِدَّتَهُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَتِ الأُخْرَى، وَلَهُ الرَّجْعَةُ فِي عِدَّتِهِ، فَإِذَا رَاجَعَ .. انْقَطَعَتْ وَشَرَعَتْ فِي عِدَّةِ الشبْهَةِ، وَلَا يَسْتَمْتِعُ بِهَا حَتَّى تَقْضِيَهَا.
وَإِنْ سَبَقَتِ الشُّبْهَةُ .. قَدَّمَتْ عِدَّةَ الطَّلَاقِ، وَقِيلَ: الشُّبْهَةِ.
فصلٌ [في حكم معاشرة المفارق للمعتدة]
عَاشَرَهَا كَزَوْجٍ بِلَا وَطْءٍ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ .. فَأَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: إِنْ كَانَتْ بَائِنًا .. انْقَضَتْ، وَإِلَّا .. فَلَا
حينئذ خارجة عن عدة الأول وفراش لغيره، وأقراه 17.
(وإلا) أي: وإن لم يكن حمل (فإن سبق الطلاق) وطء الشبهة ( .. أتمت عدته) لتقدمها وقوتها؛ لأنها تستند إلى عقد جائز وسبب مسوغ، (ثم استأنفت الأخرى) لعدم التزاحم، (وله الرجعة في عدته) إن كان الطلاق رجعيًّا؛ لأنها زوجة في عدة طلاق رجعي، (فإذا راجع .. انقطعت) عدته (وشرعت في عدة الشبهة، ولا يستمتع بها حتى تقضيها) لأنها معتدة عن غيره، وهل له تجديد النكاح إن كان الطلاق بائنًا؟ وجهان؛ أصحهما: نعم؛ لأنها في عدته.
(وإن سبقت الشبهة .. قدمت عدة الطلاق) لأن سبب عدة الطلاق أقوى؛ لتعلقها بالنكاح، (وقيل: الشبهةِ) لسبقها عدة الوطء.
(فصل: عاشرها) المطلق (كزوج) بالخلوة بها والنوم معها (بلا وطء في عدة أقراء أو أشهر .. فأوجه: أصحها: إن كانت بائنًا .. انقضت، وإلا .. فلا) لأن مخالطة البائن محرمة بلا شبهة، فأشبهت المزني بها، فلا أثر للمخالطة، وفي الرجعية الشبهةُ قائمةٌ، وهو بالمخالطة مستفرش لها، فلا يحسب زمن الافتراش من العدة؛ كما لو نكحت غيره في العدة وهو جاهل بالحال .. لا يحسب زمن افتراشه عن العدة، والثاني: لا تنقضي مطلقًا؛ لأنها بالمعاشرة كالزوجة، والثالث: عكسه؛ لأن هذه المخالطة لا توجب عدة، فلا تمنعها.
الجزء: 3 - الصفحة: 357
وَلَا رَجْعَةَ بَعْدَ الأَقْرَاءِ وَالأَشْهُرِ. قُلْتُ: وَيَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ إِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ،
وما رجحه من التفصيل: نقلاه عن الأئمة، وفي "المحرر": عن المعتبرين 18.
واعترضه الأَذْرَعي وغيره: بإنما هو احتمال للقاضي الحسين، ومن قال به .. فقد تلقاه عنه؛ فإن القاضي قال هنا: إذا طلقها وعاشرها معاشرة الأزواج .. لم يحسب ذلك عن العدة وإن امتدت وطات؛ هكذا قاله الأصحاب، ولم يفصلوا بين الرجعية والبائن، وينبغي عندي: أن يفصل بين الرجعية والبائن، وَوَجّهَهُ.
وخرج بقول المصنف: (بلا وطء): ما إذا وطئ؛ فإنه إن كان الطلاق بائنًا .. لم يمتنع انقضاء العدة؛ فإنه زنًا لا حرمة له، وإن كان رجعيًّا .. امتنع المضي في العدة ما دام يطؤها؛ لأن العدة لبراءة الرحم، وهي مشغولة.
واحترز بقوله: (في عدة أقراء أو أشهر): عن الحمل؛ فإن المعاشرة لا تمنع انقضاء العدة به بحال.
(ولا رجعة بعد الأقراء والأشهر) وإن لم نحكم بانقضاء العدة؛ عملًا بالاحتياط في الجانبين؛ كما لو وطئ الرجعية بعد مضي قرء من وقت الطلاق .. عليها أن تعتد بثلاثة أقراء من وقت الوطء، ولا تجوز الرجعة في القرء الثالث، هذا ما حكاه في "المحرر" عن المعتبرين، وفي "الشرح الصغير" عن الأئمة، لكن في "الكبير" نقله عن البغوي فقط وقال: إن في "فتاوي القفال" ما يوافقه 19.
واعترض: بأن ما نقله عن البغوي إنما هو احتمال له فقط؛ فإنه نقل في "فتاويه" عن الأصحاب: أن له الرجعةَ، فقال: قال الأصحاب: لا نحكم بانقضاء العدة وإن مضت لها أقراء، وله الرجعة، ثم ذكر احتماله بمنع الرجعة، قال في "المهمات": والمعروف الذي به الفتوى: ثبوت الرجعة 20.
(قلت: ويلحقها الطلاق إلى انقضاء العدة) إذا قلنا: بمنع الانقضاء، عملًا بالاحتياط.
الجزء: 3 - الصفحة: 358
وَلَوْ عَاشَرَهَا أَجْنَبِيٌّ .. انْقَضَتْ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ نَكَحَ مُعْتَدَّة بِظَنِّ الصِّحَّةِ وَوَطِئَ .. انْقَطَعَتْ مِنْ حِينِ وَطِئَ، وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ: مِنَ الْعَقْدِ. وَلَوْ رَاجَعَ حَائِلًا ثُمَّ طَلَّقَ .. اسْتأْنَفَتْ، وَفِي الْقَدِيمِ: تبنِي إِنْ لَمْ يَطَأ، أَوْ حَامِلًا .. فَبِالْوَضْعِ، فَلَوْ وَضعَتْ ثُمَّ طَلَّقَ .. اسْتأْنَفَتْ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَطَأْ بَعْدَ الْوَضْعِ .. فَلَا عِدَّةَ
(ولو عاشرها أجنبي .. انقضت، والله أعلم) لأنه لا شبهة له.
نعم؛ لو طلق زوجته الأمة فعاشرها السيد .. فإن فيه الخلافَ السابقَ، حتى لا تنقضي في الرجعية.
(ولو نكح معتدة بظن الصحة ووطئ .. انقطعت من حين وطئ) لأن العقد الفاسد لا حرمة له، فلا تصير المرأة فراشًا إلا بالوطء، (وفي قول أو وجه: من العقد) لإعراضها عن عدة الأول بعقد النكاح.
(ولو راجع حائلًا) ووطئها (ثم طلق .. استأنفت) لاقتضاء الوطء عدة كاملة؛ لقطعه ما مضى من العدة.
(وفي القديم: تبني إن لم يطأ) كما لو أبانها ثم جدد نكاحها وطلقها قبل أن يمسها، والجديد: أنها تستأنف أيضًا؛ لأن الرجعية زوجة.
وخرج بقوله: (راجع ثم طلق): ما إذا طلق الرجعية قبل أن يراجعها، والمذهب: أنها تبني على العدة الأولى؛ لأنهما طلاقان لم يتخللهما وطء ولا رجعة، فصار كما لو طلقها طلقتين معًا، وقيل: القولان.
(أو حاملًا .. فبالوضع) أي: لو راجع المطلقة وهي حامل فطلقها ثانيًا .. انقضت عدتها بوضعه أصابها أو لم يصبها؛ لعموم الآية، (فلو وضعت ثم طلق .. استأنفت) قطعًا إن أصابها، وعلى المذهب: إن لم يصبها؛ لأنه طلاق في نكاح وجد فيه المسيس، فيوجب العدة، والوضع حصل في صلب النكاح، والعدة لا تنقضي بما يوجد في صلب النكاح.
(وقيل: إن لم يطأ بعد الوضع .. فلا عدة)، ونحكم بانقضاء عدتها بالوضع وإن كان في صلب النكاح.
الجزء: 3 - الصفحة: 359
وَلَوْ خَالَعَ مَوْطُوءَةً ثُمَّ نَكَحَهَا ثُمَّ وَطِئَ ثُمَّ طَلَّقَ .. اسْتَأْنَفَتْ وَدَخَلَ فِيهَا الْبَقِيَّةُ.
فصلٌ [في الضرب الثاني من ضربي عدة النكاح]
عِدَّةُ حُرَّةٍ حَائِلٍ لِوَفَاةٍ وَإِنْ لَمْ تُوطَأْ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، وَأَمَةٍ: نِصْفُهَا. وَإِنْ مَاتَ عَنْ رَجْعِيَّةٍ .. انْتَقَلَتْ إِلَى وَفَاةٍ، أَوْ بَائِنٍ .. فَلَا. وَحَامِلٍ: بِوَضْعِهِ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ،
(ولو خالع موطوءة ثم نكحها) في العدة (ثم وطئ ثم طلق) أو خالع ثانيًا ( .. استأنفت) العدة (ودخل فيها البقية) لأنهما من شخص واحد.
واقتضى كلامه: صحة نكاح المختلعة في عدته، وهو المذهب، وخالف فيه المزني، وأن النكاح يقطع العدة الأولى، وهو الأصحُّ.
(فصل: عدة حرة حائل لوفاة وإن لم توطأ: أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها) بالإجماع، ولأنه لو لم تجب على غير المدخول بها .. لاتخذ إنكار الإصابة ذريعة إلى النكاح، ولا منازع محقق، ولأن الموت في تقرير المهر كالوطء، فكذا في العدة.
(وأمة: نصفها) لأنها على النصف من الحرة، وهو ممكن القسمة.
(وإن مات عن رجعية .. انتقلت إلى وفاة) بالإجماع؛ كما حكاه ابن المنذر 21، فتثبت أحكام عدة الوفاة من إحداد وغيره، وتلغى أحكام الرجعية، فتسقط نفقتها، (أو بائن .. فلا) لأنها ليست بزوجة.
(وحامل: بوضعه بشرطه السابق) وهو انفصال كله، وإمكان نسبته إلى الميت؛ للآية، ولقوله -صلى الله عليه وسلم- لسُبَيْعة الأسلمية وقد وضعت بعد موت زوجها بنصف شهر: "قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ" متفق عليه 22.
الجزء: 3 - الصفحة: 360
فَلَوْ مَاتَ صَبِيٌّ عَنْ حَامِلٍ .. فَبِالأَشْهُرِ، وَكَذَا مَمْسُوحٌ؛ إِذْ لَا يَلْحَقُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَلْحَقُ مَجْبُوبًا بَقِيَ أُنْثَيَاهُ فَتَعْتَدُّ بهِ، وَكَذَا مَسْلُولٌ بَقِيَ ذَكَرُهُ بهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتيهِ وَمَاتَ قَبْلَ بَيَانٍ أَوْ تَعْيينٍ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَطَأ .. اعْتَدَّتَا لِوَفَاةٍ، وَكَذَا إِنْ وَطِئَ وَهُمَا ذَوَاتَا أَشْهُرٍ، أَوْ أَقْرَاءٍ وَالَطَّلَاقُ رَجْعِيٌّ، فَإِنْ كَانَ بَائِنًا .. اعْتَدَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ بالأَكْثَرِ مِنْ عِدَّةِ وَفَاةٍ وَثَلَاثَةٍ مِنْ أَقْرَائِهَا، وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ: مِنَ الْمَوْتِ، وَالأَقْرَاءِ: مِنَ الطَّلَاقِ
(فلو مات صبي عن حامل .. فبالأشهر) لا بالوضع؛ لأنه منفي عنه يقينًا.
(وكذا ممسوح؛ إذ لا يلحقه) الولد (على المذهب) لأنه لا ينزل؛ فإن الأنثيين محل المني الذي يتدفق بعد انفصاله من الظهر، ولم يعهد لمثله ولادة، وقيل: يلحقه؛ لأن معدن الماء الصلب، وهو باقٍ، وقضى به ابن حربويه بمصر.
(ويلحق مجبوبًا بقي أنثياه) لبقاء أوعية المني وما فيها من القوة المحيلة للدم، والذكر آلة توصل الماء إلى الرحم بالإيلاج، وقد يصل بغير إيلاج، (فتعتد به) أي: بوضع الحمل؛ كالفحل.
(وكذا مسلول بقي ذكره على المذهب) لأن آلة الجماع باقية، وقد يبالغ في الإيلاج فيلتذ وينزل ماءً رقيقا، وقيل: لا يلحقه، وقيل: إن سلت اليمنى .. لم يلحقه؛ لأنها للمني واليسرى للشعر، وإلا .. لحقه.
(ولو طلق إحدى امرأتيه ومات قبل بيان أو تعيين؛ فإن كان لم يطأ) واحدة منهما ( .. اعتدتا لوفاة) احتياطًا؛ لأن كل واحدة منهما يجوز أن تكون زوجة، فتكون عليها العدة، (وكذا إن وطئ) كلًّا منهما (وهما ذواتا أشهر، أو أقراء والطلاق رجعي) لما سبق.
(فإن كان بائنًا .. اعتدت كل واحدة بالأكثر من عدة وفاة وثلاثة من أقرائها) لأن كل واحدة وجبت عليها عدة، واشتبهت عليها بعدة أخرى، فوجب أن تأتي بذلك فتخرج عما عليها بيقين؛ كمن أشكلت عليه صلاة من صلاتين؛ يلزمه أن يأتي بهما.
(وعدة الوفاة: من الموت، والأقراء: من الطلاق) حتى لو مضى قرء من الطلاق
الجزء: 3 - الصفحة: 361
وَمَنْ غَابَ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ لَيْسَ لِزَوْجَتِهِ نِكَاحٌ حَتَّى يُتَيَقَّنَ مَوْتُهُ أَوْ طَلَاقُهُ، وَفِي الْقَدِيمِ: تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ لِوَفَاةٍ. فَلَوْ حَكَمَ بِالْقَدِيمِ قَاضٍ .. نُقِضَ عَلَى الْجَدِيدِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ نَكَحَتْ بَعْدَ التَّرَبُّصِ وَالْعِدَّةِ فَبَانَ مَيْتًا .. صَحَّ عَلَى الْجَدِيدِ فِي الأَصَحِّ. وَيَجِبُ الإِحْدَادُ عَلَى مُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ، لَا رَجْعِيَّةٍ، وَيُسْتَحَبُّ لِبَائِنٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ،
ثم مات الزوج .. فعليها الأقصى من عدة الوفاة ومن قرأين من أقرائها؛ لبينونة إحداهما بالطلاق.
(ومن غاب وانقطع خبره ليس لزوجته نكاح حتى يتيقن موته أو طلاقه) لأن الأصل بقاء حياته، ولأن ماله لا يورث وأم ولده لا تعتق، فكذلك زوجته.
والمراد باليقين هنا: الطرف الراجح لا القطع، فلو ثبت ذلك بعدلين .. كفى، ولا يفيد إلا الظن.
(وفي القديم: تتربص أربع سنين، ثم تعتد لوفاة) أي: عدة الوفاة؛ اتباعًا لقضاء عمر -رضي الله عنه- 23، واعتبرت هذه المدة؛ لأنها أكثر مدة الحمل.
(فلو حكم بالقديم قاض .. نقض على الجديد في الأصح) لأن المجتهد لا يجوز له تقليد الصحابة في الجديد، والثاني: المنع؛ لشبهة الخلاف.
(ولو نكحت بعد التربص والعدة فبان) وقت الحكم بالفرقة (ميتًا .. صح على الجديد في الأصح) اعتبارًا بما في نفس الأمر، والثاني: المنع؛ لفقد العلم بالصحة حالة العقد.
(ويجب الإحداد على معتدة وفاة) بالإجماع، وسواء في ذلك الكافره والرقيقة والصغيرة والمجنونة وأضدادها، وعلى الولي أن يجنب الصغيرة والمجنونة ما تجتنبه المكلفة على المذهب، (لا رجعية) لبقاء أكثر الأحكام فيها.
(ويستحب لبائن) لئلا تدعو الزينة إلى الفساد، (وفي قول: يجب) كالمتوفى عنها.
وفرق الأول: بأنها مجفوة بالطلاق، فلا يليق بها التفجع، بخلاف المتوفى عنها.
الجزء: 3 - الصفحة: 362
وَهُوَ: تَرْكُ لُبْسِ مَصْبُوغٍ لِزِينَةٍ وَإِنْ خَشُنَ، وَقِيلَ: يَحِلُّ مَا صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ. وَيُبَاحُ غَيْرُ مَصْبُوغٍ مِنْ قُطْنٍ وَصُوفٍ وَكَتَّانٍ،
ولا يجب على الموطوءة بشبهة ونكاح فاسد ومستولدة قطعًا، بل قال الرافعي: إن في الحديث دلالةً على تحريمه عليهن 24.
(وهو) أي: الإحداد (ترك لبس مصبوغ لزينة وإن خشن) لحديث: "وَلَا تلبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ" متفق عليه 25.
وروى النسائي وأبو داوود بإسناد حسن عن أم سلمة مرفوعًا: "الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تلبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ وَلَا الْمُمَشَّقَةَ وَلَا الْحُلِيَّ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَخْتَضِبُ" 26.
وقوله: (لزينة): متعلق بـ (مصبوغ) أي: إن كان المصبوغ مما يقصد للزينة؛ كالأحمر والأصفر، وكذا الأخضر والأزرق الصافيان.
(وقيل: يحل ما صبغ غزله ثم نسج) لقوله عليه الصلاة والسلام: "إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ"، بفتح العين وإسكان الصاد المهملتين، وهو نوع من البرود يصبغ غزله ثم ينسج.
والمذهب: عدم الفرق؛ لأن المحذور حمل النفوس إليها بالزينة، وهو موجود في الحالتين، بل المصبوغ قبل النسج هو الأحسن؛ لأنه لا يصبغ قبل النسج إلا الرفيع، والحديث المذكور محمول على ما يباح من المصبوغ، على أنه في رواية للبيهقي: "وَلَا ثَوْبَ عَصْبٍ"، لكن قال: إنها ليست بمحفوظة 27.
(ويباح غير مصبوغ من قطن وصوف وكتان) لأن تقييده -صلى الله عليه وسلم- الثوبَ بالمصبوغ يفهم: أن غير المصبوغ مباح، ولأن نفاستها من أصل الخلقة لا من زينة دخلت عليها.
الجزء: 3 - الصفحة: 363
وَكَذَا إِبْرَيسَمٌ فِي الأَصَحِّ، وَمَصْبُوغٌ لَا يُقْصَدُ لِزِينَةٍ. وَيَحْرُمُ حَلْيُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَكَذَا لُؤْلُؤ فِي الأَصَحِّ، وَطِيبٌ فِي بَدَنٍ وَثَوْبٍ وَطَعَامٍ وَكُحْلٍ،
(وكذا إبْرَيسم) لم يصبغ (في الأصح) إذ لم يحدث فيه زينة؛ كالكتان، والثاني: يحرم، وهو قوي؛ لأنه أعظم أنواع الزينة، فعلى هذا: لا تلبس العتابي الذي أكثره إبريسم.
ولها لبس الخز قطعًا؛ لاستتار الإبريسم فيه بالصوف، قاله في "البحر"، قال الرافعي: وهذا التوجيه يتفرع على تحريم لبس الإبريسم إذا لم يكن مستترًا 28.
(ومصبوغ لا يقصد لزينة) كالأسود، وكذا الأزرق والأخضر المشبعين الكدرين، لحديث أم سلمة المار 29، بل في "الحاوي" وجه: أنه يلزمها لبس السواد في الإحداد 30.
(ويحرم حلي ذهب وفضة) وإن صغر؛ كالخاتم والقرط؛ لحديث أم سلمة أيضًا 31، ولأنه يزيد في حسنها ويدعو إلى مباشرتها.
والتقييد بالذهب والفضة يفهم: جواز التحلي بغيرهما، ونقلا عن حكاية الروياني المنع أيضًا في النحاس والرصاص المموهين بذهب أو فضة إذا كان لا يعرف إلا بتأمل، أو لم يكن كذلك ولكنها من قوم يتزينون به، وإلا .. فيحل 32.
(وكذا لؤلؤ في الأصح) لأن الزينة ظاهرة فيه، ومقابله: احتمال للإمام لا وجه للأصحاب 33.
(وطيب في بدن وثوب وطعام وكحل) لحديث: "وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا إِذَا طَهَرَتْ نُبْذَةً مِنْ قِسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ" رواه مسلم 34.
الجزء: 3 - الصفحة: 364
وَاكْتِحَالٌ بِإِثْمِدٍ إِلَّا لِحَاجَةٍ كَرَمَدٍ، وَإِسْفِيذَاجٌ، وَدُمَامٌ، وَخِضَابُ حِنَّاءٍ وَنَحْوهِ. وَيَحِلُّ تَجْمِيلُ فِرَاشٍ وَأَثَاثٍ، وَتنظِيفٌ بِغَسْلِ رَأْسٍ، وَقَلْمٍ، وَإِزَالَةِ وَسَخٍ. قُلْتُ: وَيَحِلُّ امْتِشَاطٌ
وإنما حرم الأكل؛ لأنه مس وزيادة.
وضابط الطيب المحرم: كل ما حرم على المحرم، وقد سبق تفصيله في (كتاب الحج).
(واكتحال بإثمد) لحديث أم سلمة المار 35، ولأن فيه زينةً، والإثمد: الأسود، وسواء البيضاء والسوداء، والكحل الأصفر كالإثمد، لا التوتياء؛ إذ لا زينة فيه، ويحرم عليها حشو حاجبها بالكحل؛ فإنه يتزين به فيه.
(إلا لحاجة؛ كرمد)، فيرخص فيه بحسب الحاجة، وتكتحل ليلًا وتمسحه نهارًا، فإن دعت ضرورة إلى الاستعمال نهارًا أيضًا .. جاز.
(و) يحرم (إسفيذاج، ودمام، وخضاب حناء، ونحوه) كالزعفران والورس؛ لما في ذلك من الزينة، والإسفيذاج -بالذال المعجمة- معروف، يعمل من الرصاص، إذا دهن به الوجه .. يربو ويبرق، والدمام -بضم (الدال) المهملة وكسرها-: الحمرة المعروفة.
وإنما يحرم الخضاب إذا كان فيما يظهر؛ كالوجه واليدين، لا فيما تحت الثياب، كذا حكياه عن الروياني، وأقراه 36.
(ويحل تجميل فراش وأثاث) لأن الإحداد في البدن لا في الفرش، ولا بأس بجلوسها على الحرير واستنادها إليه، قال ابن الرفعة: وفي التحافها به نظر، والأشبه: المنع؛ لكونه لبسًا.
(وتنظيف بغسل رأس وقلم وإزالة وسخ) بسدر ونحوه، وإزالة العانة ونتف الإبط؛ لأنه ليس من الزينة.
(قلت: ويحل امتشاط) بلا ترجل بدهن ونحوه، ويجوز بسدر ونحوه؛ للنص
الجزء: 3 - الصفحة: 365
وَحَمَّامٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خُرُوج مُحَرَّمٌ. وَلَوْ تَرَكَتِ الإِحْدَادَ .. عَصَتْ وَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ كَمَا لَوْ فَارَقَتِ الْمَسْكَنَ. وَلَوْ بَلَغَتْهَا الْوَفَاةُ بَعْدَ الْمُدَّةِ .. كَانَتْ مُنْقَضِيَةً. وَلَهَا إِحْدَادٌ عَلَى غَيْرِ زَوْجٍ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، وَتَحْرُمُ الزِّيَادَةُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فيه في سنن أبي داوود 37، وحمل حديث: "وَلَا تَمْتَشِطُ" 38: على مشط بطيب وحناء.
(وحمّام إن لم يكن فيه خروج محرم) لأن ذلك ليس من الزينة في شيء.
(ولو تركت الإحداد .. عصت) المكلفة العالمة بوجوبه؛ لتركها الواجب، ويعصي ولي الصغيرة والمجنونة إذا لم يمنعهما، (وانقضت العدة؛ كما لو فارقت المسكن) بلا عذر .. فإنها تعصي وتنقضي العدة.
(ولو بلغتها الوفاة) أو الطلاق (بعد المدة .. كانت منقضية) لأنها مضي زمان، وقد مضى 39.
(ولها إحداد على غير زوج ثلاثة أيام، وتحرم الزيادة، والله أعلم) لمفهوم قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" متفق عليه 40.
وكلام المصنف قد يفهم: أن الرجل ليس له الإحداد على قريبه ثلاثة أيام، وقال الإمام: التحزن في المدة لا يختص بالنساء، ومنعه ابن الرفعة؛ فإنه شرع للنساء لنقص عقلهن المقتضي عدم الصبر، مع أن الشرع أوجب على النساء الإحداد دون الرجال 41.
ويشترط في تحريم الزيادة عليها: القصد إلى ذلك، فلو تركت ذلك بلا قصد .. لم تأثم؛ كما ذكره في "أصل الروضة" في (الشقاق) 42.
الجزء: 3 - الصفحة: 366
فصلٌ [في سكنى المعتدة وملازمتها مسكن فراقها]
تَجبُ سُكْنَى لِمُعْتَدَّةِ طَلَاقٍ وَلَوْ بَائِنٍ إِلَا نَاشِزَةً، وَلِمُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ فِي الأَظْهَرِ، وَفَسْخٍ عَلَى المَذْهَبِ
(فصل: تجب سكنى لمعتدة طلاق ولو بائن) لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾، وسواء أكانت حائلًا أم بائنًا 43، ولا يسقط هذا الحق بالتراضي؛ لأن فيه حقًّا لله تعالى، (إلا ناشزة) لأنها لا تستحق النفقة والسكنى في صلب النكاح، فبعد البينونة أولى.
(ولمعتدة وفاة في الأظهر) لأمره -صلى الله عليه وسلم- فُرَيعةَ -بـ (الفاء) المضمومة- بنتَ مالك لما قتل زوجها: أن تمكث في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله، فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرًا، صححه الترمذي وغيره 44، والثاني: لا سكنى لها كما لا نفقة لها.
وفرق القاضي حسين: بأن السكنى لصيانة مائه، وهي موجودة بعد الوفاة كالحياة، والنفقةَ لسلطته عليها، وقد انقطعت.
وفرق ابن الصباغ: بأن النفقة حقها فسقطت إلى الميراث، والسكنى حق الله تعالى فلم تسقط.
ويستثنى أيضًا: الناشزة؛ كما صرح به القاضي والمتولي، فكان ينبغي تأخيره استثناءها إلى هنا.
(وفسخٍ على المذهب) لأنها معتدة عن نكاح صحيح بفرقة في الحياة، فأشبهت المطلقة؛ تحصينًا للماء، والطريق الثاني: على قولين؛ كالمعتدة عن الوفاة.
وتصحيحه هنا الوجوبَ: هو قضيةُ كلام "الروضة" و"أصلها"، لكن خالفاه في "الشرح" و"الروضة" في (باب الخيار في النكاح)، فقالا: إن المفسوخ نكاحهما
الجزء: 3 - الصفحة: 367
وَتَسْكُنُ فِي مَسْكَنٍ كَانَتْ فِيهِ عِنْدَ الْفُرْقَةِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ وَغَيْرِهِ إِخْرَاجُهَا، وَلَا لَهَا خُرُوجٌ. قُلْتُ: وَلَهَا الْخُرُوجُ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ، وَكَذَا بَائِنٌ فِي النَّهَارِ لِشِرَاءِ طَعَامٍ وَغَزْلٍ وَنَحْوِهِ،
بعد الدخول لا نفقة لها ولا سكنى إن كانت حائلًا قطعًا، وكذا إن كانت حاملًا على الأصحِّ 45.
(وتسكن في مسكن كانت فيه عند الفرقة) إذا كان يليق بها حال الفرقة وأمكن بقاؤها فيه؛ لكونه ملكًا للزوج أو مستأجرًا معه أو مستعارًا لم يرجع معيره فيه؛ للآية، ولحديث فُرَيعة المار 46.
ويستثنى: ما لو انتقلت في صلب النكاح من مسكن إلى آخر بغير إذن الزوج، ثم طلقها أو مات .. لزمها العود إلى الأول؛ كما سيأتي.
(وليس للزوج وغيره إخراجها، ولا لها خروج) وإن رضي الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾، فلو اتفقا على الخروج .. منعها الحاكم؛ لما فيه من حق الله تعالى.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين البائن والرجعية، وصرح به في "النهاية" 47، قال في "المطلب": ونص عليه في "الأم" في موضعين، قال: لكن في "الحاوي" و"المهذب" وغيرهما من كتب العراقيين: أن للزوج أن يسكن الرجعية حيث شاء؛ لأنها في حكم الزوجات.
انتهى.
وجزم المصنف في تعليقه على "التنبيه" بما قاله الماوردي وغيره، واعتمده في "المهمات"، فاعترض به على الشيخين 48، قال الأَذْرَعي: وهو شاذ.
(قلت: ولها الخروج في عدة وفاة، وكذا بائن في النهار لشراء طعام وغزل ونحوه) دفعًا لحاجتها، وحكمُ المعتدة عن شبهة أو نكاح فاسد حكمُ المتوفى عنها
الجزء: 3 - الصفحة: 368
وَكَذَا لَيْلًا إِلَى دَارِ جَارَةٍ لِغَزْلٍ وَحَدِيثٍ وَنَحْوِهِمَا بِشَرْطِ أَنْ تَرْجعَ وَتبَيتَ فِي بَيْتِهَا، وَتَنتَقِلُ مِنَ الْمَسْكَنِ لِخَوْفٍ مِنْ هَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ عَلَى نَفْسِهَا، أَوْ تَأَذَّت بِالجِيرَانِ، أَوْ هُمْ بِهَا أَذَىً شَدِيدًا، وَاللهُ أَعْلَمُ
زوجها، وحكمُ المفسوخ نكاحها حكمُ المبتوتة، وأما الرجعية .. فزوجة لا تخرج إلا بإذنه، وعليه القيام بمصالحها كالزوجة، واستثنى المتولي: الحامل البائن إذا قلنا: تعجل نفقتها يوما بيوم -وهو الأصحُّ- .. فهي مكفية، فلا تخرج إلا بإذنه أو لضرورة؛ كالرجعية، وأقراه 49.
(وكذا ليلًا إلى دار جارة لغزل وحديث ونحوهما بشرط أن ترجع وتبيت في بيتها) أما المتوفى عنها .. فلحديث مرسل معتضد بقول ابن عمر به 50، وألحقت البائن بها؛ قياسًا.
(وتنتقل من المسكن لخوف من هدم أو غرق، أو على نفسها) تلفًا أو فاحشة؛ للضرورة الداعية إلى ذلك.
وقضية تقييده بالنفس: أنها لو خافت على مالها .. لا تنتقل، وليس كذلك، وعبارة "الروضة": إذا خافت على نفسها أو مالها 51.
(أو تأذت بالجيران، أو هم بها أذىً شديدًا، والله أعلم) إزالة للضرورة، وفسر ابن عباس وغيره قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: بالبذاءة على الأحماء أو غيرهم 52، وفي رواية لمسلم: أن فاطمة بنت قيس كانت تبذو على أحمائها، فنقلها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بيت أم مكتوم 53.
ومحل النقلة عند البذاءة: إذا كان المسكن واسعًا لجميعهم، فإن كان
الجزء: 3 - الصفحة: 369
وَلَوِ انْتَقَلَتْ إِلَى مَسْكَنٍ بِإِذْنِ الزَّوْجِ فَوَجَبَتِ الْعِدَّةُ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِ .. اعْتَدَّتْ فِيهِ عَلَى النَّصِّ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنٍ .. فَفِي الأَوَّل، وَكَذَا لَوْ أَذِنَ ثُمَّ وَجَبَتْ قَبْلَ الْخُرُوجِ. وَلَوْ أَذِنَ فِي انْتِقَال إِلَى بَلَدٍ .. فَكَمَسْكَنٍ، أَوْ سَفَرِ حَجٍّ أَوْ تِجَارَةٍ ثُمَّ وَجَبَتْ فِي الطَّرِيقِ .. فَلَهَا
لا يسعهم .. نقلوا عنها، وكذا لو كان المسكن لها أو كان لأبويها؛ لأنها أحق بدار الأبوين.
واحترز بـ (الجيران): عما لو طلقت في بيت أبويها فبذت على الأبوين أو بذا الأبوان عليها .. فإنه لا ينقل واحد منهم؛ لأن الوحشة لا تطول بينهم.
وأطلق الانتقال عند هذه الضرورات، وهو يفهم: أنها تسكن حيث شاءت، وليس كذلك، بل الذي نقله الرافعي عن إيراد الجمهور: انتقالها إلى أقرب المواضع إلى ذلك المسكن 54.
(ولو انتقلت إلى مسكن) في البلد (بإذن الزوج فوجبت العدة قبل وصولها إليه) بأن مات أو طلق ( .. اعتدت فيه على النص) في "الأم" 55؛ لأنها مأمورة بالمقام فيه ممنوعة من الأول، وقيل: تعتد في الأول؛ استصحابًا له، وقيل: تتخير؛ لتعلقها بكل منهما ولم تكن مستقرة في واحد منهما، وقيل: يعتبر أقرب المنزلين إليها فتعتد فيه، فلو وصلت إليه .. اعتدت فيه قطعًا.
(أو بغير إذن .. ففي الأول) وإن وصلت إلى الثاني؛ لعصيانها بذلك ووجوب عودها إلى الأول.
[نعم؛ إن أذن لها بعد الوصول إليه بالمقام فيه .. كان كالنقلة بإذنه] 56.
(وكذا لو أذن ثم وجبت) العدة (قبل الخروج) وإن بعثت أمتعتها إلى الثاني؛ لأنه المنزل الذي وجبت فيه العدة.
(ولو أذن في انتقال إلى بلد .. فكمسكن) فيما سبق، (أو سفر حج أو تجارة ثم وجبت في الطريق) بعد أن فارقت ما يشترط مفارقته في حق المسافر ( .. فلها
الجزء: 3 - الصفحة: 370
رُجُوع، فَإِنْ مَضَتْ .. أَقَامَتْ لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا، ....................................
رجوع) 57 لأن في قطعها عن السفر مشقةً، لا سيما إذا بعدت عن البلد وخافت الانقطاع عن الرفقة، وفي وجه: إن كان سفر حج .. لم يلزمها العود، وإلا .. لزمها، وقيده في "الذخائر" بحج الفرض، قال في "المطلب": وهذا الوجه هو الذي اقتصر عليه الشافعي في "الأم".
وتقييد المصنف السفرَ بالحج والتجارة: مخرج لسفر النزهة والزيارة، وقد قالا: حيث أوجبنا الانصراف في سفر الحاجة .. فهذا أولى، وإلا .. فوجهان، وقطع صاحب "الشامل": بأنه كسفر الحاجة، وهو قضية كلام العراقيين 58، وعلى هذا: فالتقييد لا مفهوم له.
(فإن مضت .. أقامت لقضاء حاجتها) من غير زيادة، عملًا بحسب الحاجة.
وأفهم: أن الحاجة إذا انقضت قبل ثلاثة أيام .. لم يجز استكمالها، وقال في "زيادة الروضة": إنه الأصحّ، وقطع به في "المحرر" 59، لكن ظاهر كلام "الشرحين" و"الروضة": أن لها أن تقيم بعدها إلى تمام مدة المسافر، وقال البُلْقيني: إنه ظاهر نص "الأم" 60.
هذا إذا لم يقدر لها مدة الإقامة، فلو أذن لها في إقامة مدة معينة؛ كشهر مثلًا .. فهل لها استيفاؤها أم لا تزيد على مدة المسافرين؟ قولان: أظهرهما: الأول؛ كما لو أذن لها في النقلة، وصور الشيخان وغيرهما المسألة: في سفر النزهة، ثم قال في "أصل الروضة": ويجريان فيما لو قدر سفر الحاجة بمدة تزيد على قدر الحاجة؛ لأن الزائد كالنزهة 61.
واحترز بقوله: (ثم وجبت في الطريق): عما إذا وجبت قبل أن تخرج من
الجزء: 3 - الصفحة: 371
ثُمَّ يَجِبُ الرُّجُوعُ لِتَعْتَدَّ الْبَقِيَّةَ فِي الْمَسْكَنِ. وَلَوْ خَرَجَتْ إِلَى غَيْرِ الدَّارِ الْمَأْلُوفَةِ فَطَلَّقَ وَقَالَ: (مَا أَذِنْتُ فِي الْخُرُوجِ) .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَلَوْ قَالَتْ: (نَقَلْتَنِي) فَقَالَ: (بَلْ أَذِنْتُ لِحَاجَةٍ) .. صُدِّقَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَمَنْزِلُ بَدَوِيَّةٍ وَبَيْتُهَا مِنْ شَعْرٍ كَمَنْزِلِ حَضَرِيَّةٍ. وَإِذَا كَانَ الْمَسْكَنُ لَهُ وَيَلِيقُ بِهَا .. تَعَيَّنَ، وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ إِلَّا فِي عِدَّةِ ذَاتِ أَشْهُرٍ فَكَمُسْتَأْجَرٍ،
المسكن .. فإنها لا تخرج قطعًا، أو قبل مفارقة العمران .. فالأصحُّ: وجوب العود إليه؛ لأنها لم تشرع في السفر.
(ثم يجب الرجوع لتعتد البقية في المسكن) لأنه الأصل في ذلك، فإذا وجب ما يمنعه .. وجب العود إليه.
(ولو خرجت إلى غير الدار المألوفة فطلق وقال: "ما أذنت في الخروج")، وقالت: بل أذنت ( .. صدق بيمينه) لأن الأصل عدم الإذن.
(ولو قالت: "نقلتني"، فقال: "بل أذنت لحاجة" .. صدق) بيمينه (على المذهب) لأنه أعلم بقصده وإرادته، وقيل: إن القول قولها؛ لأن الظاهر معها.
فإن وقع هذا النزاع بينها وبين الوارث .. صدقت بيمينها؛ لأن كونها في المنزل الثاني يشهد بصدقها، ويُرجَّح جانبها على جانب الورثة، ولا يرجح على جانب الزوج؛ لتعلق الحق بهما، والوارث أجنبي عنهما.
والطريق الثاني: حكاية قولين فيهما.
(ومنزل بدوية وبيتها من شعر كمنزل حضرية) في لزوم ملازمته في العدة، فلو ارتحل كل الحي .. ارتحلت معهم للضرورة، وإن ارتحل بعضهم .. نظر؛ إن كان أهلها ممن لم يرتحل وفي المقيمين قوة وعدد .. لم يكن لها الارتحال، وإن ارتحل أهلها وفي الباقين قوة وعدد .. فالأصحُّ: أنها تتخير بين أن تقيم وبين أن ترحل؛ لأن مفارقة الأهل عسرة موحشة.
(وإذا كان المسكن له ويليق بها .. تعين) استدامتها فيه، وليس لأحد إخراجها منه بغير عذر من الأعذار السابقة، (ولا يصح بيعه، إلا في عدة ذات أشهر .. فكمستأجر)، فيخرج بيعه على القولين في بيع الدار المستأجرة، والأصحُّ: صحته،
الجزء: 3 - الصفحة: 372
وَقِيلَ: بَاطِلٌ. أَوْ مُسْتَعَارًا .. لَزِمَتْهَا فِيهِ، فَإِنْ رَجَعَ الْمُعِيرُ وَلَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةٍ .. نُقِلَتْ، وَكَذَا مُسْتَأْجَرٌ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ. أَوْ لَهَا .. اسْتَمَرَّتْ وَطَلَبَتِ الأُجْرَةَ. فَإِنْ كَانَ مَسْكَنُ النِّكَاحِ نَفِيسًا .. فَلَهُ النَّقْلُ إِلَى لاَئِقٍ بِهَا، أَوْ خَسِيسًا .. فَلَهَا الِامْتِنَاعُ. وَلَيْسَ لَهُ مُسَاكَنَتُهَا وَمُدَاخَلَتُهَا،
وخالف عدة الأقراء والحمل؛ لعدم انضباط المدة، (وقيل: باطل) قطعًا، ولا يخرج على القولين في بيع المستأجر؛ لأنها قد تموت في العدة فترجع المنفعة للبائع، وذلك غرر، بخلاف المستأجر يموت؛ فإن منفعته لورثته.
(أو مستعارًا .. لزمتها فيه) لأن السكنى ثابتة في المستعار ثبوتَها في المملوك، فشملتها الآية، وليس للزوج نقلها؛ لتعلق حق اللَّه تعالى بذلك، (فإن رجع المعير ولم يرض بأجرة (أي: أجرة المثل ( .. نقلت) وجوبًا؛ للضرورة، (وكذا مستأجر انقضت مدته)، فتنقل منه إن لم يجدد المالك إجارة.
(أو) كان المسكن (لها .. استمرت وطلبت الأجرة)، فإن لم تطلبها ومضت مدة .. فالأصحُّ: القطع بسقوطها، وكذا لو سكنت في منزلها مع الزوج في العصمة على النص 62.
(فإن كان مسكن النكاح نفيسًا .. فله النقل إلى لائق بها (لأن النفيس غير واجب عليه، والمراد: نقلها إلى أقرب موضع من مسكن النكاح؛ حتى لا يطول بروزها في الخروج، نصّ عليه، وصرح به القاضي وغيره.
وهل مراعاة الأقرب واجبة أو مستحبة؟ فيه تردد، وظاهر كلام الأصحاب: الوجوب.
(أو خسيسًا .. فلها الامتناع) لأنه ليس هو حقها.
(وليس له مساكنتها ومداخلتها) أي: يحرم عليه؛ لأنه يودي إلى الخلوة بها، ولأن في مساكنتها إضرارًا بها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾؛ أي: في المسكن.
الجزء: 3 - الصفحة: 373
فَإِنْ كَانَ فِي الدَّارِ مَحْرَمٌ لَهَا مُمَيِّزٌ ذَكَرٌ، أَوْ لَهُ أُنْثَى، أَوْ زَوْجَةٌ أُخْرَى أَوْ أَمَةٌ .. جَازَ. وَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ حُجْرَةٌ فَسَكَنَهَا أَحَدُهُمَا وَالآخَرُ الأُخْرَى، فَإِنِ اتَّحَدَتِ الْمَرَافِقُ كَمَطْبَخٍ وَمُسْتَرَاحٍ .. اشْتُرِطَ مَحْرَمٌ، وَإِلَّا .. فَلَا
(فإن كان في الدار محرم لها مميز ذكر، أو له أنثى، أو زوجة أخرى أو أمة .. جاز) لانتفاء المحذور.
هذا إذا كان في الدار سعة زيادة على سكنى مثلها، وإلا .. وجب تخليته لها، ولا عبرة بالمجنون والصغير الذي لا يميز.
وقضية تعبيره بالمميز: أنه لا يشترط البلوغ، وهو خلاف ما في "الشرح" و"الروضة" نقلًا عن النص، لأن الصبي يخدع كثيرًا ولا تكليف عليه، فلا يلزمه الإنكار، قالا: وعن الشيخ أبي حامد: الاكتفاء بالمراهق 63.
وينبغي: حمل المميز في كلام المصنف على المراهق، وألا يكون مخالفًا للنص ولوجه الشيخ أبي حامد.
وأفهم قوله: (ذكر): أنه لا يكفي أختها ولا عمتها ولا خالتها، وليس كذلك إذا كانت ثقة؛ فقد صحح في "الروضة": أنه يكفي حضور المرأة الأجنبية الثقة، فالمحرم أولى، وحكى الرافعي عن الأصحاب: أنه يجوز أن يخلو رجل بامرأتين ثقتين فأكثر، لا بواحدة وإن كان معه رجل آخر، لأن استحياء المرأة من المرأة أكثر من استحياء الرجل من الرجل، لكن صرح في "شرح المهذب": بتحريم خلوة الرجل بالنسوة 64.
(ولو كان في الدار حجرة فسكنها أحدهما والآخر الأخرى، فإن اتحدت المرافق، كمطبخ ومستراح .. اشترط محرم، وإلا .. فلا) لأن التوارد على المرافق يفضي إلى الخلوة، بخلاف ما إذا تعددت، فإنها تصير كالدارين المتجاورتين، قال في "الكفاية": وصرح القاضي والروياني في اتحاد المرافق: بأنه لا يجوز وإن كان
الجزء: 3 - الصفحة: 374
وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْلَقَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ بَابٍ، وَأَلَّا يَكُونَ مَمَرُّ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى. وَسُفْلٌ وَعُلْوٌ كَدَارٍ وَحُجْرَةٍ.
محرم، قال الأَذْرَعي: وهو الحق الذي نعتقده 65.
(وينبغي: أن يغلق ما بينهما من باب، وألا يكون ممر إحداهما على الأخرى) حذرًا من الوقوع في الخلوة.
و(ينبغي) في كلامه: محمولة على الوجوب؛ لأنهما جزما في "الشرح" و"الروضة": باشتراط الغلق 66.
(وسفل وعلو كدار وحجرة)، فيأتي فيه ما تقدم، قال المَحاملي في "التجريد": والأولى: أن يسكنها العلو حتى لا يمكنه الاطلاع عليها.
الجزء: 3 - الصفحة: 375
بابُ الاسْتِبْرَاء يَجِبُ بِسَبَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِلْكُ أَمَةٍ بشِرَاءٍ أَوْ إِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ سَبْيٍ أَوْ رَدٍّ بِعَيْبٍ أَوْ تَحَالُفٍ أَوْ إِقَالَةٍ، وَسَوَاءٌ بِكْرٌ وَمَنِ أسْتَبْرَأَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ الْبَيع وَمُنْتَقِلَةٌ مِنْ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَغَيْرُهَا. وَيَجِبُ فِي مُكَاتَبَةٍ عُجِّزَتْ،
﴿باب الاستبراء﴾
هو بالمد: طلب براءة الرحم، وهو عبارة عن التربص الواجب بسبب ملك اليمين حدوثًا أو زوالًا.
(يجب بسببين: أحدهما: ملك أمة بشراء أو إرث أو هبة أو سبي أو رد بعيب أو تحالف أو إقالة)، ونحوها من الأسباب المملكة؛ كالوصية والفسخ بفلس المشتري.
وقضيته: أنه لا يجب بغير السببين، وليس كذلك؛ فإنه لو وطئ أمة غيره ظانًّا أنها أمته .. وجب استبراؤها، وليس هنا حدوث ملك ولا زواله.
(وسواء بكر، ومن استبرأها البائع قبل البيع، ومنتقلة من صبي وامرأة، وغيرها) لعموم قوله صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس: "لَا تُوطَأُ حَامِل حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً"، رواه أبو داوود بإسناد صحيح، وصححه الحاكم 67، وقاس الشافعي رضي الله عنه غير المسبية عليها 68.
وفي علة وجوبه جوابان للقاضي الحسين: أحدهما: ملك الرقبة مع فراغ محل الاستمتاع، والثاني: حدوث ملك حل الفرج.
ويظهر ثمرة ذلك: في استبراء المجوسية ونحوها؛ كما سيأتي، فعلى المعنى الأول: يكفي، وعلى الثاني: لا؛ إذ لا حل.
(ويجب في مكاتبة عجزت) أو فَسخَت؛ لزوال ملك الاستمتاع ثم عوده،
الجزء: 3 - الصفحة: 376
وَكَذَا مُرْتَدَّةٌ فِي الأَصَحِّ، لَا مَنْ حَلَّتْ مِنْ صَوْمٍ وَاعْتِكَافٍ وَإِحْرَامٍ، وَفِي الإِحْرَامِ وَجْهُ. وَلَوِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ .. اسْتُحِبَّ، وَقِيلَ: يَجِبُ. وَلَوْ مَلَكَ مُزَوَّجَةً أَوْ مُعْتَدَّةً .. لَمْ يَجِبْ، فَإِنْ زَالَا .. وَجَبَ فِي الأَظْهَرِ
فأشبه: ما لو باعها ثم اشتراها، هذا في الكتابة الصحيحة، أما الفاسدة .. فلا يجب فيها؛ كما قاله الرافعي في بابه 69.
(وكذا مرتدة في الأصح) أي: ارتدت ثم أسلمت، وكذا لو ارتد السيد ثم أسلم؛ لزوال ملك الاستمتاع ثم إعادته، فأشبه تعجيز المكاتبة، والثاني: لا يجب؛ لأن الردة لا تقطع الملك، وإنما تنافي الحل؛ كطروء الحيض.
(لا من حلت من صوم واعتكاف وإحرام) وحيض ونفاس؛ إذ لا خلل في الملك، وإنما التحريم لعارض، ولهذا لا يحرم ما عدا الوطء، (وفي الإحرام وجه) كالردة؛ لأن الإحرام سبب يتأكد التحريم به.
(ولو اشترى زوجته .. استحب) ليتميز ولد الملك من ولد النكاح؛ لأن بالنكاح ينعقد الولد رقيقا ثم يعتق، فلا يكون كفؤًا لحرة أصلية، ولا تصير به أم ولد، وبملك اليمين ينعكس الحكم، (وقيل: يجب) لتجدد الملك، والأصحُّ: أنه لا يجب؛ إذ لا فائدة فيه؛ لأنها انتقلت من حل إلى حل.
وبنى القاضي الحسين الخلاف: على العلتين السابقتين في وجوب الاستبراء؛ إن قلنا: العلة حدوث ملك حل الفرج .. فلا يجب، وإن قلنا: حدوث ملك الرقبة .. فيجب.
(ولو ملك مزوجة، أو معتدة .. لم يجب) في الحال؛ لعدم فائدته؛ فإنها مشغولة بحق غيره.
(فإن زالا) أي: الزوجية والعدة ( .. وجب) الاستبراء (في الأظهر) لزوال المانع ووجوب المقتضي، والثاني: لا يجب، وله وطؤها في الحال؛ اكتفاء بعدة الزوج.
الجزء: 3 - الصفحة: 377
الثَّانِي: زَوَالُ فِرَاشٍ عَنْ أَمَةٍ مَوْطُوءَةٍ أَوْ مُسْتَوْلَدَةٍ بِعِتْقٍ أَوْ مَوْتِ السَّيِّدِ. وَلَوْ مَضَتْ مُدَّةُ اسْتِبْرَاءٍ عَلَى مُسْتَوْلَدَةٍ ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَوْ مَاتَ .. وَجَبَ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: وَلَوِ أسْتبرَأَ أَمَةً مَوْطُوءَةً فَأَعْتَقَهَا .. لَمْ يَجِبْ، وَتَتَزَوَّجُ فِي الْحَالِ، إِذْ لَا تشبِهُ مَنْكُوحَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَحْرُمُ تَزْوِيجُ أَمَةٍ مَوْطُوءَةٍ وَمُسْتَوْلَدَةٍ قَبْلَ اسْتِبْرَاءٍ
ومحل الخلاف: إذا كانت معتدة عن غيره من زوج أو شبهة، أما لو استبرأ معتدة منه .. وجب الاستبراء قطعًا؛ لأنه ملكها وهي محرمة عليه.
(الثاني: زوال فراش عن أمة موطوءة أو مستولدة بعتق) منجز (أو موت السيد) لأنها كانت فراشًا له، وزواله يقتضي التربص، كزوال الفراش عن الحرة.
واحترز بالموطوءة: عما إذا لم توطأ .. فلا استبراء عليها إذا عتقت قطعًا؛ كالمطلقة قبل المسيس.
[(ولو مضت مدة استبراء على مستولدة ثم أعتقها أو مات .. وجب في الأصح)، ولا يعتد بما مضى؛ كما لا يعتد بما تقدم على الطلاق من الأقراء، والثاني: لا يجب، لحصول البراءة] 70.
(قلت: ولو استبرأ أمة موطوءة فأعتقها .. لم يجب، وتتزوج في الحال، إذ لا تشبه منكوحة، والله أعلم) لأن فراشها يزول بالاستبراء اتفاقًا؛ بدليل أنها لو أتت بولد بعده لستة أشهر .. لا يلحقه، وفي المستولدة قولان.
(ويحرم تزويج أمة موطوءة ومستولدة قبل استبراء) لئلا تختلط المياه، ولا ينعقد النكاح قطعًا، ويفارق البيع حيث يجوز قبل الاستبراء، لأن مقصود النكاح استعقاب الحل، والشراء يقصد للوطء وغيره، فعلى المشتري الاحتياط لنفسه.
وأشار بقوله: (موطوءة): إلى أنه لا فرق بين وطء مالكها ووطء من ملكها من جهته ولم يكن استبرأها.
ويستثنى: تزويجها ممن يجب الاستبراء بسبب وطئه، كما إذا زوجها المشتري من البائع الواطئ قبل أن يستبرئها، كما جزم به في "أصل الروضة" 71، ولو اشترى أمة
الجزء: 3 - الصفحة: 378
وَلَوْ أَعْتَقَ مُسْتَوْلَدَتَهُ .. فَلَهُ نِكَاحُهَا بِلَا اسْتِبْرَاءٍ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ أَعْتَقَهَا أَوْ مَاتَ وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ ... فَلَا اسْتِبْرَاءَ. وَهُوَ: بِقَرْءٍ - وَهُوَ حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ فِي الْجَدِيدِ - وَذَاتُ أَشْهُرٍ: بِشَهْرٍ، وَفِي قَوْلٍ: بِثَلَاثَةٍ، وَحَامِلٌ مَسْبِيَّةٌ أَوْ زَالَ عَنْهَا فِرَاشُ سَيِّدٍ: بِوَضْعِهِ،
قد استبرأها البائع فأعتقها .. فله نكاحها قبل الاستبراء، ذكره الماوردي 72.
(ولو أعتق مستولدته .. فله نكاحها بلا استبراء في الأصح) كالمعتدة منه، والثاني: لا؛ لأن الإعتاق يقتضي الاستبراء، فلا يمكن استباحة مبتدأة إلا بعد رعاية حق التعبد.
(ولو أعتقها أو مات وهي مزوجة) أو معتدة ( .. فلا استبراء) لأنها ليست فراشًا له، بل للزوج، فهي كغير الموطوءة.
(وهو: بقرء) في حق ذات الأقراء، (وهو حيضة كاملة في الجديد) لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً" 73، ولا تكفي بقية الحيضة التي وجد السبب في أثنائها.
وفي القديم وحكي عن "الإملاء": أنه الطهر؛ كما في العدة.
وفرق الأول: بأن العدة لإباحة العقد، وهو يستباح في الحيض والطهر، وخصصت بالطهر؛ لأنها وجبت قضاء لحق الزوج، فاختصت بأزمان حقه، وهي الأطهار؛ كما في صلب النكاح، بخلاف الاستبراء لو جعل بالطهر .. لما استبيح الوطء بعده؛ لعارض الحيض.
(وذات أشهر: بشهر) لأنه كقرء في الحرة، فكذا في الأمة، (وفي قول: بثلاثة) لأنها أقل مدة تعرف فيها براءة الرحم، والأمور الجبلية لا تختلف بالرق والحرية.
(وحامل مسبية أو زال عنها فراش سيد: بوضعه) لعموم الحديث المار 74.
الجزء: 3 - الصفحة: 379
وَإِنْ مُلِكَتْ بِشِرَاءٍ .. فَقَدْ سَبَقَ أَنْ لَا اسْتِبْرَاءَ فِي الْحَالِ. قُلْتُ: يَحْصُلُ بِوَضْعِ حَمْلِ زِنًا فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ مَضَى زَمَنُ اسْتِبْرَاءٍ بَعْدَ الْمِلْكِ قَبْلَ الْقَبْضِ .. حُسِبَ إِنْ مَلَكَ بِإِرْثٍ، وَكَذَا شِرَاءٌ فِي الأَصَحِّ، لَا هِبَةٌ
(وإن ملكت بشراء) وكانت حاملًا من زوج أو من وطء شبهة ( .. فقد سبق أن لا استبراء في الحال) عند قوله: (ولو ملك مزوجة أو معتدة .. لم يجب)، فإذا وضعت وزال النكاح أو العدة .. وجب في الأظهر؛ كما سبق 75.
(قلت: يحصل بوضع حمل زنًا في الأصح، والله أعلم) لإطلاق الحديث 76، ولحصول البراءة، بخلاف العدة؛ فمانها مخصوصة بالتأكيد، ولذلك اشترط فيها التكرار.
والثاني: لا؛ كالعدة.
(ولو مضى زمن استبراء بعد الملك قبل القبض .. حسب إن ملك بإرث) لأن الملك به مقبوض حكمًا، ولهذا يصح بيعه.
هذا إذا كانت مقبوضة للمورث، أما لو ابتاعها ثم مات قبل قبضها .. لم يعتد باستبرائها إلا بعد أن يقبضها الوراث؛ كما في بيع الموروث قبل قبضه، قاله في "المطلب"، وفيه نظر؛ لأن الاستبراء الواقع قبل القبض في الشراء محسوب على الأصحِّ؛ كما سيذكره المصنف.
(وكذا شراء) ونحوه من المعاوضات (في الأصح) لأن الملك لازم، فأشبه ما بعد القبض، والثاني: لا؛ لعدم استقرار الملك.
وهذا الخلاف فيما بعد انقضاء الخيار، فلو جرى الاستبراء في زمن خيار الشرط .. لم يعتد به إن قلنا: الملك للبائع، وكذا للمشتري على الأصحِّ؛ لضعف الملك.
وقيل: يعتد بالحمل دون الحيض؛ لقوة الحمل.
ولو قيد المصنف أولًا (الملك) بالتام .. لخرجت هذه الصورة.
(لا هبة) أي: إذا جرى الاستبراء بعد الهبة وقبل القبض .. لم يعتد به؛ لتوقف الملك على القبض على المذهب.
الجزء: 3 - الصفحة: 380
وَلَوِ اشْتَرَى مَجُوسِيَّةً فَحَاضَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ .. لَمْ يَكْفِ. وَيَحْرُمُ الاسْتِمْتَاعُ بِالْمُسْتَبْرَأَةِ إِلَّا مَسْبِيَّةً؛ فَيَحِلُّ غَيْرُ وَطْءٍ، وَقِيلَ: لَا
وعبارة المصنف توهم: أنه أراد أنه لا يحصل الاستبراء في الهبة إذا وقع بعد الملك وقبل القبض، وليس كذلك؛ فإن الملك لا يحصل قبل القبض.
(ولو اشترى مجوسية) أو وثنية أو مرتدة (فحاضت ثم أسلمت) بعد انقضاء الحيض ( .. لم يكف) لأن الاستبراء لاستباحة الاستمتاع، وإنما يعتد بما يستعقب الحل، وكذا لو وجد الإسلام في حال الاستبراء.
(ويحرم الاستمتاع بالمستبرأة) لأنه يدعو إلى الوطء المحرم، وإذا طهرت من الحيض .. حل ما عدا الوطء على الصحيح، وبقي تحريم الوطء إلى الاغتسال، (إلا مسبية؛ فيحل غير وطء) لتخصيص المنع بالوطء في الحديث السالف 77.
والفرق بين المسبية وغيرها: أن المسبية مملوكة بكل حال حائلًا أو حاملًا؛ فإن ولد الحربي لا يمنع جريان الرق، وإنما امتنع الوطء؛ خوفًا من اختلاط المياه صيانة لمائه؛ لئلا يختلط بماء الحربي، لا لحرمة ماء الحربي.
وألحق الماوردي بالمسبية: من لا يمكن أن تحمل وتصير أم ولد، والحاملَ من الزنا، والمشتراةَ وهي مزوجة فطلقها زوجها قبل الدخول وأوجبنا الاستبراء بعد انقضاء العدة.
78.
وقضية إطلاق المصنف: جواز الاستمتاع بما تحت الإزار، وفيه تردد للإمام؛ كالحيض 79.
(وقيل: لا) يحل الاستمتاع بالمسبية أيضًا كغيرها، وهذا ما نصّ عليه في "الأم"، وجرى عليه الجويني في "مختصره"، والغزالي في "خلاصته"، وقال في "المهمات": إنه المعتمد 80.
الجزء: 3 - الصفحة: 381
وَإِذَا قَالَتْ: (حِضتُ) .. صُدِّقَتْ. وَلَوْ مَنَعَتِ السَّيِّدَ فَقَالَ: (أَخْبَرَتْنِي بِتَمَامِ الاسْتِبْرَاءِ) .. صُدِّقَ. وَلَا تَصِيرُ أَمَةٌ فِرَاشًا إِلَّا بِوَطْءٍ، فَإِذَا وَلَدَتْ لِلإِمْكَانِ مِنْ وَطْئِهِ .. لَحِقَهُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِوَطْءٍ وَنَفَى الْوَلَدَ وَادَّعَى اسْتِبْرَاءً .. لَمْ يَلْحَقْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ،
واحترز بـ (الاستمتاع): عن الاستخدام؛ فلا يحرم وإن كانت جميلة؛ لأن الشرع ائتمنه عليها.
وهل يجوز الخلوة بها؟ توقف فيه السبكي، وصرح الجرجاني في "الشافي" بالجواز، وعليه يدل قول الرافعي: إنه لا يحال بينه وبينها 81.
(وإذا قالت) الأمة المتجدد ملكها: ("حضت" .. صدقت) لأن ذلك لا يعلم إلا من جهتها، ولا تحلف؛ لأنها لو نكلت .. لم يقدر السيد على الحلف؛ لأنه لا يطلع عليه.
(ولو منعت السيد) غشيانها (فقال: "أخبرتني بتمام الاستبراء" .. صدق) السيد؛ لأن الاستبراء باب من التقوى، فيفوض إلى أمانته، ولهذا لا يحال بينه وبينها؛ كما صرح به الرافعي، بخلاف المعتدة عن وطء شبهة؛ فإنه يحال بين الزوج وبينها؛ كما صرح به الرافعي، ولها تحليفه على ما ادعاه على الأصحِّ في "زيادة الروضة" 82.
(ولا تصير أمة فراشًا إلا بوطء) لا بمجرد الملك بالإجماع، فلا يلحقه الولد وإن خلا أبها وأمكن كونه منه، بخلاف النكاح؛ لأن مقصوده الاستمتاع والولد، وملكُ اليمين، 83 قد يقصد به التجارة ونحوها، ولهذا يملك من لا ينكحها؛ كأخته.
(فإذا ولدت للإمكان من وطئه .. لحقه) لثبوت الفراش بالوطء.
(ولو أقر بوطء ونفى الولد وادعى استبراء .. لم يلحقه على المذهب) لأن جماعة من الصحابة نفوا أولاد جَوارٍ لهم بذلك، وعن البويطي وغيره تخريجُ قولٍ من الحرة إذا طلقت ومضت ثلاثة أقراء ثم أتت بولد لزمان يمكن أن يكون من النكاح؛ فإنه يلحق به.
الجزء: 3 - الصفحة: 382
فَإِنْ أَنْكَرَتِ الاسْتِبْرَاءَ .. حُلِّفَ أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ تَعَرُّضُهُ لِلاِسْتِبْرَاءِ. وَلَوِ ادَّعَتِ اسْتِيلَادًا فَأَنْكَرَ أَصْلَ الْوَطْءِ وَهُنَاكَ وَلَدٌ .. لَمْ يُحَلَّفْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ قَالَ: (وَطِئْتُ وَعَزَلْتُ) .. لَحِقَهُ فِي الأَصَحِّ.
والفرق: أن الوطء سبب ظاهر والاستبراء ظاهر يعارضه، وإذا تعارضا .. سقط الظهور وبقي الإمكان، والإمكان لا يكتفى به في الأمة، بخلاف الحرة.
ومحل الخلاف: ما إذا أتت به لستة أشهر فأكثر من الاستبراء إلى أربع سنين، فلو أتت به لدون ستة أشهر من الاستبراء .. لحقه، والاستبراء لغو؛ للعلم بكونها كانت حاملًا يومئذ.
(فإن أنكرت الاستبراء .. حلف أن الولد ليس منه) كما في نفي ولد الحرة، (وقيل: يجب تعرضه للاستبراء) لتثبت بذلك دعواه، وقيل: يكفي التعرض للاستبراء فقط، ويكتفى به في نفي النسب.
(ولو ادعت استيلادًا فأنكر أصل الوطء وهناك ولد .. لم يحلف على الصحيح)، والولد منتفٍ عنه، ووجهه المتولي: بأنه لا ولاية لها على الولد حتى تنوب عنه في الدعوى، ولم يسبق منه سبب يقتضي ثبوت النسب، فلا معنى للتحليف، وإنما حلف في الصورة السابقة؛ لأنه سبق منه الإقرار بما يقتضي ثبوت النسب، وهو الوطء، فإذا أنكر .. حلف.
واحترز بقوله: (وهناك ولد): عما إذا لم يكن هناك ولد .. فإنه لا يحلف قطعًا؛ كما قاله الشيخان تبعًا للإمام 84، وقال ابن الرفعة: ينبغي أن يحلف جزمًا إذا عرضت على البيع؛ لأن دعواها حينئذ تنصرف إلى حريتها لا إلى ولدها.
(ولو قال: "وطئت وعزلت" .. لحقه في الأصح) لأن الماء سبّاق لا يدخل تحت الاختيار، والثاني: ينتفي عنه؛ كدعوى الاستبراء، والله أعلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 383
كتابُ الرَّضاع إِنَّمَا يَثْبُتُ بِلَبَنِ امْرَأَةٍ حَيَّةٍ بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ. وَلَوْ حَلَبَتْ فَأُوجِرَ بَعْدَ مَوْتِهَا .. حَرَّمَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ جُبِّنَ أَوْ نُزِعَ مِنْهُ زُبْدٌ .. حَرَّمَ
﴿كتاب الرضاع﴾
هو بفتح الراء وكسرها، اسم لمصِّ الثدي وشرب لبنه.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" متفق عليه 85.
وأجمع العلماء على أصله، وإنما يؤثر الرضاع في تحريم النكاح، وثبوت المحرمية المفيدة لحِلِّ الخلوة والنظر دون أحكام النسب؛ كالميراث والنفقة وغيرهما.
(إنما يثبت بلبن امرأة) فلا يثبت بلبن رجل، وخنثى مشكل إذا لم تظهر أنوثته، وبهيمة؛ لأنه لم يخلق لغذاء الولد فلم يتعلق به التحريم كغيره من المائعات.
نعم؛ يكره للرجل ولولده نكاح من ارتضعت منه، نصَّ عليه في "الأم" و"البويطي" 86، وسواء الخلية والبكر وغيرهما.
(حية) فلا يثبت بلبن ميتة؛ لأنه حرام غير محترم وقياسًا على وطئها؛ فإنه لا يثبت حرمة المصاهرة، (بلغت تسع سنين) فلا يحرم لبن من دونها؛ لأن اللبن فرع الحمل، والحمل لا يتأتى فيما دون التسع فكذا فرعه.
(ولو حلبت فأوجر بعد موتها .. حرم في الأصح) لأنه انفصل عنها وهو حلالٌ محترم، والثاني: لا؛ لبعد إثبات الأمومة بعد الموت وإن ثبتت الأبوة بعد الموت بالاتفاق؛ لأن الأبوة تابعة للأمومة.
(ولو جبن أو نزع منه زبد .. حرم) لحصول عين اللبن في الجوف، والتغذي به.
الجزء: 3 - الصفحة: 385
وَلَوْ خُلِطَ بِمَائِعٍ .. حَرَّمَ إِنْ غَلَبَ، فَإِنْ غُلِبَ وَشَرِبَ الْكُلَّ، قِيلَ: أَوِ الْبَعْضَ .. حَرَّمَ فِي الأَظْهَرِ
(ولو خلط بمائع) أو جامد ( .. حرم إن غلب) على الخليط، لأن المغلوب كالمعدوم، (فإن غلب وشرب الكل، قيل: أو البعض .. حرم في الأظهر) لأن اللبن في الصورة الأولى، وهي: ما إذا شرب الكل .. وصل إلى جوفه، ووجه مقابله: استهلاكه، والخلاف في الثانية، وهي: شرب البعض مفرعٌ على الخلاف في الكل، فإذا قلنا: بالأظهر: أنه يحرم .. ففي شرب البعض وجهان: أصحهما: عدم التحريم؛ لعدم تحقق وصول اللبن إلى جوفه، والثاني: يحرم؛ لأن المائع إذا غيَّره .. فكل قدر يوجد يكون فيه شيءٌ من هذا وشيءٌ من هذا، وإن قلنا بالقول الثاني، وهو عدم التحريم بشرب الكل .. فلا يحرم شرب البعض من باب أولى من غير تفصيل، وحينئذ فمحل الخلاف في البعض: إذا لم يتحقق وصول اللبن؛ مثل: إن وقعت قطرة في حُبِّ ماء وشرب بعضه، فإن تحققنا انتشاره للخليط، وحصول بعضه في المشروب، أو كان الباقي من المخلوط أقل من قدر اللبن .. ثبت التحريم قطعًا، كذا قاله الأَذْرَعي وغيره، وفيه نظر، فإن الخلاف جارٍ فيما لو شرب الكلَّ، فكيف يقطع بالتحريم فيما لو بقي منه أقل من قدر اللبن؟
وغاية أمره: أن يكون كشرب الكل، والذي في "الشرح" و"الروضة": أن الخلاف في البعض مفرع على الخلاف في الكل 87؛ يعني: إذا قلنا بالأظهر: أنه إذا شرب الكل .. حرم جزمًا، وإن شرب البعض .. فوجهان؛ أي: مفرعان على الأظهر، أما إذا قلنا بالقول الثاني، وهو: عدم التحريم بشرب الكل .. فلا يحرم شرب البعض من باب أولى من غير تفصيل.
ويشترط كون اللبن قدرًا يمكن أن يسقى منه خمس دفعات لو انفرد على الأصحِّ.
ومحل الخلاف: ما إذا شرب من المختلط خمس دفعات، أو شرب منه دفعة بعد أن سقي اللبن الصرف أربعًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 386
وَيُحَرِّمُ إِيجَارٌ، وَكَذَا إِسْعَاطٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا حُقْنَةٌ فِي الأَظْهَرِ. وَشَرْطُهُ: رَضِيعٌ حَيٌّ لَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْنِ، وَخَمْسُ رَضَعَاتٍ،
والمراد بالغلبة هنا: ظهور إحدى صفاته إما الطعم أو اللون أو الريح، وقيل: ألا يخرج عن التغذية.
(ويحرم إيجار) وهو: صب اللبن في الحلق؛ لحصول التغذية به؛ كالإرضاع، (وكذا إسعاط)، وهو: صب اللبن في الأنف (على المذهب) لحصول التغذية به، ولهذا يفطر به الصائم، والطريق الثاني: قولان كالحقنة (لا حقنه في الأظهر) لانتفاء التغذية؛ لأنها لإسهال ما انعقد في المعدة، والثاني: نعم؛ كالسعوط، قالا: ويشبه أن الصبَّ في الأذن كالحقنة 88.
(وشرطه: رضيع حي) فلا أثر لوصوله إلى جوف الميت؛ لخروجه عن التغذية ونبات اللحم (لم يبلغ سنتين) بالأهلة، لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ جعل تمام الرضاعة في الحولين، فأشعر بأن الحكمِ بعد الحولين بخلافه، وروى الدارقطني عن ابن عباس يرفعه: "لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا كَان فِى الْحَوْلَيْنِ" 89.
وقضية كلامه: أنه لو تمَّ الحولان في الرضعة الأخيرة لا يحرم، قال الأَذْرَعي: وأصح الوجهين، وهو المذهب في "التهذيب": أنه يحرم 90، قال: لكن نصَّ الشافعي في "الأم" يوافق الأول حيث قال: وإذا لم يتم له الخامسة إلا بعد استكمال سنتين .. لم يحرم 91.
وابتداء الحولين من وقت انفصال الولد بتمامه.
(وخمس رضعات) ونحوهن، كخمس أكلات من جُبْنٍ مثلًا؛ لحديث عائشة رضي الله عنها في "مسلم": (كان فيما أُنزل من القرآن عشْرُ رضعاتٍ معلوماتٍ
الجزء: 3 - الصفحة: 387
وَضَبْطُهُنَّ بِالْعُرْفِ؛ فَلَوْ قَطَعَ إِعْرَاضًا .. تَعَدَّدَ، أَوْ لِلَهْوٍ وَعَادَ فِي الْحَالِ أَوْ تَحَوَّلَ مِنْ ثَدْيٍ إِلَى ثَدْيٍ .. فَلَا. وَلَوْ حُلِبَ مِنْهَا دَفْعَةً وَأُوجرَهُ خَمْسًا أَوْ عَكْسُهُ .. فَرَضْعَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: خَمْسٌ. وَلَوْ شَكَّ: هَلْ خَمْسًا أَمْ أَقَلَّ، أَوْ هَلْ رَضَعَ فِي الْحَوْلَيْنِ أَمْ بَعْدُ؟ فَلَا تَحْرِيمَ، وَفِي الثَّانِيَةِ قَوْلٌ أَوْ وَجْهٌ
يحرِّمن، ثم نُسخنَ بخمسٍ معلوماتٍ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهُنَّ فيما يقرأ من القرآن) 92.
وهذا يدل على قرب النَّسخ حتى إن من لم يبلغه النسخ كان يقرؤها، فلمَّا أخبرت رضي الله عنها أن التحريم بالعشرة منسوخ بالخمس، دلَّ على ثبوت التحريم بالخمس لا بما دونها، ولو وقع التحريم بأقل منها .. بطل أن يكون الخمس ناسخًا وصار منسوخًا كالعشر.
(وضبطهن بالعرف) لأنه لا ضابط له في الشرع ولا في اللغة؛ فيرجع فيه إلى العرف، كالحرز في السرقة وغيره.
(فلو قطع إعراضًا .. تعدد) عملًا بالعرف، وكذا لو قطعت هي عليه ثم عادت على الأصحِّ، (أو للهوٍ وعاد في الحال أو تحول من ثديٍ إلى ثدي .. فلا) تعدد؛ للعرف؛ كما أن من انتقل من طعام إلى آخر، أو أمسك عنه ساعة لسهو ونحوه ثم عاد إليه .. يُعدُّ أكلة واحدة، هذا في المرضعة الواحدة، أما لو تحول من ثدي امرأة إلى ثدي أخرى في الحال .. تعدد في الأصحِّ؛ لأنه قطع باختياره.
(ولو حلب منها دفعة وأوجره خمسًا أو عكسه) أي: حلب منها خمسًا وأوجره دفعة ( .. فرضعة) اعتبارًا في الأولى بحالة الانفصال من الثدي، وفي الثانية بحالة وصوله إلى جوفه دفعة واحدة، (وفي قول: خمس) في الصورتين؛ تنزيلًا في الأولى للإناء منزلة الئدي، ونظرًا في الئانية إلى حالة الانفصال من الضرع.
(ولو شك: هل خمسًا أم أقل، أو هل رضع في الحولين، أم بعد؟ فلا تحريم) إذ الأصل عدمه، (وفي) الصورة (الثانية: قول أو وجه) لأن الأصل بقاء الحولين.
الجزء: 3 - الصفحة: 388
وَتَصِيرُ الْمُرْضعَةُ أُمَّهُ، وَالَّذِي مِنْهُ اللَّبَنُ أَبَاهُ، وَتَسْرِي الْحُرْمَةُ إِلَى أَوْلَادِهِ. وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسُ مُسْتَوْلَدَاتٍ أَوْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَأُمُّ وَلَدٍ فَرَضَعَ طِفْل مِنْ كُلٍّ رَضْعَةً .. صَارَ ابْنَهُ فِي الأَصَحِّ، فَيَحْرُمْنَ لِأنَّهُنَّ مَوْطُوءَاتُ أَبِيهِ. وَلَوْ كَانَ بَدَل الْمُسْتَوْلَدَاتِ بَنَاتٌ أَوْ أَخَوَاتٌ .. فَلَا حُرْمَةَ فِي الأَصَحِّ. وَآبَاءُ الْمُرْضعَةِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَجْدَادٌ لِلرَّضِيعِ، وَأُمَّهَاتُهَا جَدَّاتُهُ، وَأَوْلَادُهَا مِنْ نَسَبٍ وَرَضَاعٍ إِخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ، وَإِخْوَتُهَا وَأَخَوَاتُهَا أَخْوَالُهُ وَخَالَاتُهُ، وَأَبُو ذِي اللَّبَنِ جَدُّهُ، وَأَخُوهُ عَمُّهُ وَكَذَا الْبَاقِي
(وتصير المرضعة أمه) بنصِّ القرآن، (والذي منه اللبن أباه، وتسري الحرمة إلى أولاده) أي: أولاد الرضيع من النسب والرضاع؛ للحديث المار: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" 93.
واحترز بقوله: (إلى أولاده) عن آبائه وإخوته، فلا تسري الحرمة إليهم؛ فلأبيه ولأخيه نكاح المرضعة وبناتها.
(ولو كان لرجل خمس مستولدات أو أربع نسوة وأم ولد في ضع طفل من كل رضعة .. صار ابنه في الأصح) لأن لبن الجميع منه، والثاني: لا يصير؛ لأن الأبوة تابعة للأمومة ولم تحصل (فيحرمن لأنهن موطوءات أبيه) لا لكونهن أمهات له.
(ولو كان بدل المستولدات بنات أو أخوات .. فلا حرمة في الأصح) إذ لو ثبت .. لكان يصير الرجل في صورة البنات: جدًّا لأم، وفي صورة الأخوات: خالًا، ومحالٌ ثبوت جدودة وخؤولة بلا أمومة، بخلاف المسألة قبلها؛ فإن اللبن مشترك بين الرجل والمرضعات، ولا استحالة في ثبوت الأبوة دون الأمومة، وبالعكس بأن يدر لبكر لبن أو لثيب لغير فحل أو عن زنًا وغير ذلك، والثاني: نعم؛ كالمستولدات.
(وآباء المرضعة من نسب أو رضاع أجداد للرضيع) فإن كان أنثى .. حرم عليهم نكاحها كالنسب، (وأمهاتها) من نسب أو رضاع (جداته) فإن كان ذكرًا .. حرم عليهن نكاحه.
(وأولادها من نسب ورضاع إخوثه وأخواته، وإخوتها وأخواتها، أخواله وخالاته، وأبو ذي اللبن جده، وأخوه عمه، وكذا الباقي) مثل أمهاته فهُنَّ جداتُ
الجزء: 3 - الصفحة: 389
وَاللَّبَنُ لِمَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ وَلَدٌ نَزَلَ بِهِ بِنِكَاحٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ لَا زِنًا، وَلَوْ نَفَاهُ بلِعَانٍ .. انْتَفَى اللَّبَنُ. وَلَوْ وُطِئَتْ مَنْكُوحَة بِشُبْهَةٍ، أَوْ وَطِئَ اثْنَانِ بِشُبْهَةٍ فَوَلَدَتْ .. فَالَلَّبَنُ لِمَنْ لَحِقَهُ الْوَلَدُ بِقَائِفٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَلَا تَنْقَطِعُ نِسْبَةُ اللَّبَنِ عَنْ زَوْجٍ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ أَوِ انْقَطَعَ وَعَادَ، فَإِنْ نَكَحَتْ آخَرَ وَوَلَدَتْ مِنْهُ .. فَاللَّبَنُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ لَهُ، وَقَبْلَهَا لِلأَوَّلِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ ظُهُورِ لَبَنِ حَمْلِ الثَّانِي، وَكَذَا إِنْ دَخَلَ، وَفِي قَوْلٍ: لِلثَّانِي، وَفِي قَوْلٍ: لَهُمَا.
الرضيع، وأولاده فهم إخوة الر ضيع وأخواته.
(واللبن لمن نسب إليه ولد نزل به) أي: نزل اللبن عليه (بنكاح أو وطء شبهة) أو ملك يمين كما في الولد؛ اتباعًا للرضاع بالنسب، والنسب فيه ثابت، (لا زنًا) لأنه لا حرمةَ له.
(ولو نفاه بلعان .. انتفى اللبن) كالنسب، فلو استلحق الولد بعد ذلك .. لحقه الرضيع أيضًا.
(ولو وطئت منكوحة بشبهة، أو وطئ اثنان بشبهة فولدت .. فاللبن لمن لحقه الولد بقائف أو غيره) لأن اللبن تابع للولد.
وإنما قال: (أو غيره)؛ لأنه قد يلحقه بغير قائف؛ لانحصار الإمكان في حقه، أو إذا لم يكن قائف فبلغ وانتسب إلى أحدهما ونحوه.
(ولا تنقطع نسبة اللبن عن زوج مات، أو طلق وإن طالت المدة) كعشر سنين فأكثر، (أو انقطع وعاد) لأنه لم يحدث ما يحال اللبن عليه فاستمرت نسبته إليه.
(فإن نكحت آخر وولدت منه .. فاللبن بعد الولادة له) كالولد (وقبلها للأول إن لم يدخل وقت ظهور لبن حمل الثاني) لأن الأصل بقاء الأول ولم يحدث ما يغيره، وسواء أزاد على ما كان أم لا، انقطع ثم عاد أم لا، قالا: ويقال: أقل مدة يحدث فيها اللبن أربعون يومًا 94، (وكذا إن دخل) وقت ظهور لبن حمل الثاني؛ لأن اللبن تبع للولد وغذاء له لا غذاء الحمل، (وفي قول: للثاني) إذا انقطع مدة طويلة ثم عاد؛ لأن الحمل ناسخ، فقطع حكم ما قبله بالولادة، (وفي قول: لهما) معًا، لأن
الجزء: 3 - الصفحة: 390
فَصْلٌ [في حكم الرضاع الطارئ على النكاح تحريمًا وغرمًا]
تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا أُمُّهُ أَوْ أُخْتُهُ أَوْ زَوْجَةٌ أُخْرَى .. انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَلِلصَّغِيرَةِ نِصْفُ مَهْرِهَا، وَلَهُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: كُلُّهُ. وَلَوْ رَضَعَتْ مِنْ نَائِمَةٍ .. فَلَا غُرْمَ
احتمال الأمرين يوجب تساويهما، وألا يختص بأحدهما.
(فصل: تحته صغيرة فأرضعتها أمه أو أخته أو زوجة أخرى .. انفسخ نكاحه) من الصغيرة؛ لأنها صارت أختًا أو بنت أخت، أو بنتًا إذا أرضعتها زوجته بلبنه أو ربيبة إن أرضعتها بلبن غيره، وينفسخ نكاحه من الكبيرة أيضًا؛ لأنها صارت أُمَّ زوجته.
(وللصغيرة) على الزوج (نصف مهرها) المُسمَّى إن كان صحيحًا، وإلا .. فنصف مهر مثل؛ لأنه فراق حصل قبل الدخول لا بسببها فشطر المهر كالطلاق.
(وله على المرضعة نصف مهر مثل) أما الغرم .. فلأنها فوَّتت عليه ملك النكاح، وأما النصف .. فلأنه الذي يغرمه، (وفي قول: كله) لأنه قيمة البضع وإتلاف المتقوم، فوجب كمال قيمته.
وسكت عن مهر الكبيرة، وحكمه: إن كان مدخولًا بها .. فلها المهر، وإلا .. فلا.
(ولو رضعت من نائمة) خمس رضعات ( .. فلا غرم) على النائمة؛ لأنها لم تصنع شيئًا، وكذا لو كانت مستيقظة ساكتة على الأصحِّ في "زيادة الروضة" لعدم الفعل 95.
لكن ما صححه جزم في أول الفصل بعكسه، فقال: إنما يجب الغرم في الصورة السابقة على أم الزوجة ومَنْ في معناها إذا أرضعت أو مكنت الصغيرة من الإرضاع 96، فجزم بأن الفعل لا يشترط بل يكفي التمكين، قال في "المهمات":
الجزء: 3 - الصفحة: 391
وَلَا مَهْرَ لِلْمُرْتَضِعَةِ. وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ كَبيرَةٌ وَصَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْ أُمُّ الْكَبيرَةِ الصَّغِيرَةَ .. انْفَسَخَتِ الصَّغِيرَةُ، وَكَذَا الْكَبيرَةُ فِي الأَظْهَرِ، وَلَهُ نِكَاحُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَحُكْمُ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ وَتغرِيمِهِ الْمُرْضِعَةَ مَاَ سَبَقَ، وَكَذَا الْكَبيرَةُ إِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْطُوءَةً، فَإِنْ كَانَتْ مَوْطُوءَةً .. فَلَهُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ مَهْرُ مِثْل فِي الأَظْهَرِ
وهو الحق، وبسط الكلام عليه 97.
(ولا مهر للمرتضعة) لأن الانفساخ حصل بفعلها، وذلك يسقط المهر قبل الدخول.
(ولو كان تحته كبيرة وصغيرة فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة .. انفسخت الصغيرة) لأنها صارت أختًا للكبيرة، ولا سبيل إلى الجمع بين الأختين، (وكذا الكبيرة في الأظهر) لما مرَّ.
ووجه مقابله: أن الجمع حصل بالصغيرة فأشبه ما لو نكح أختًا على أخت؛ فإن البطلان يختص بالثانية، ونسبه الماوردي للجديد، والأول للقديم 98، (وله نكاح من شاء منهما) من غير جمع؛ لأنهما أختان.
(وحكم مهر الصغيرة) على الزوج (وتغريمه المرضعة ما سبإ) في إرضاع أمه ونحوها لزوجته الصغيرة، (وكذا الكبيرة إن لم تكن موطوءة) حكمها في غرم الزوج مهرها، وتغريمه المرضعة ما سبق في الصغيرة؛ لاشتراكهما في عدم الوطء.
(فإن كانت موطوءة .. فله على المرضعة مهر مثل في الأظهر) كما لو شهدوا على الطلاق بعد الدخول، ثم رجعوا .. يغرمون مهر المثل.
والثاني: لا غرم عليها؛ لأن البضع بعد الدخول لا يتقوم للزوج؛ بدليل ما لو ارتدت وأصرت إلى انقضاء العدة .. لا غرم عليها.
هذا إذا كان المفسد لنكاحها غيرها، أما لو كان تحته كبيرة وصغيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة، وكانت موطوءة .. فالمنقول عن الأئمة، كما قال الرافعي: إنه
الجزء: 3 - الصفحة: 392
وَلَوْ أَرْضَعَتْ بِنْتُ الْكَبيرَةِ الصَّغِيرَةَ .. حَرُمَتِ الْكَبيرَةُ أَبَدًا، وَكَذَا الصَّغِيرَةُ إِنْ كَانَتِ الْكَبيرَةُ مَوْطُوءَةً. وَلَو كَانَ تَحْتة صَغِيرَةٌ وَطَلَّقَهَا فَأَرْضَعَتْهَا امْرَأَةٌ .. صَارَتْ أُمَّ امْرَأَتِهِ. وَلَو نَكَحَتْ مُطَلَّقَتُهُ صَغِيرًا وَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِهِ .. حَرُمَتْ عَلَى الْمُطَلِّقِ وَالصَّغِيرِ أَبَدًا. وَلَوْ زَوَّجِ أُمَّ وَلَدِهِ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ فَأَرْضَعَتْهُ لَبَنَ الشَيِّدِ .. حَرُمَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى السَّيِّدِ. وَلَوْ أَرْضعَتْ مَوْطُوءَتُهُ الأَمَةُ صَغِيرَةً تَحْتة بِلَبَنِهِ أَوْ لَبَنِ غَيْرِهِ .. حَرُمَتَا عَلَيْهِ
لا يرجع على الكبيرة بمهرها؛ لئلا تخلو عن مهر فتصير كالموهوبة، وذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم 99.
(ولو أرضعت بنت الكبيرة الصغيرة .. حرمت الكبيرة أبدًا) لأنها جدة امرأته، (وكذا الصغيرة إن كانت الكبيرة موطوءة) لأنها ربيبته، فإن لم تكن موطوءة .. لم تحرم الصغيرة؛ لأن الربيبة لا تحرم إلا بالدخول.
(ولو كانت تحته صغيرة وطلقها، فأرضعتها امرأة .. صارت أم امرأته) فتحرم عليه، ولا نظر إلى حصول الأمومة قبل النكاح أو بعده؛ إلحاقًا للطارئ بالمقارن؛ كما هو شأن التحريم المؤبد.
(ولو نكحت مطلقته صغيرًا وأرضعته بلبنه .. حرمت على المطلق والصغير أبدًا) أما المطلق .. فلأنها زوجة ابنه، وأما الصغير .. فلأنها أمه، أو زوجة أبيه.
(ولو زوج أم ولده عبده الصغير، فأرضعته لبن السيد .. حرمت عليه) أي: على العبد؛ لأنها أمه، وموطوءة أبيه، (وعلى السيد) لأنها زوجة ابنه، وهذه المسألة مبينة على إجبار العبد الصغير على النكاح، وقد سبق في النكاح أن الأظهر: أنه لا يجبر العبد مطلقًا.
واحترز بقوله: (لبن السيد) عمَّا لو أرضعته بلبن غيره .. فإن النكاح ينفسخ؛ لكونها أمًّا له، ولا تحرم على السيد؛ لأن الصغير لم يصر ابنًا له، فلا تكون هي زوجة الابن.
(ولو أرضعت موطوءته الأمة صغيرة تحته بلبنه أو لبن غيره .. حرمتا عليه) أبدًا،
الجزء: 3 - الصفحة: 393
وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ وَكَبيرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا .. انْفَسَخَتَا وَحَرُمَتِ الْكَبِيرَةُ أَبَدًا، وَكَذَا الصَّغِيرَةُ إِنْ كَانَ الإِرْضَاعُ بِلَبَنِهِ، وَإِلَّا .. فَرَبِيبَةٌ. وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ كَبيرَةٌ وَثَلَاثُ صَغَائِرَ فَأَرْضَعَتْهُنَّ .. حَرُمَتْ أَبَدًا، وَكَذَا الصَّغَائِرُ إِنْ أَرْضَعَتْهُنَّ بِلَبَنِهِ أَوْ لَبَنِ غَيْرِهِ وَهِيَ مَوْطُوءَةٌ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ أَرْضَعَتْهُنَّ مَعًا بِإِيجَارِهِنَّ الْخَامِسَةَ .. أنْفَسَخْنَ وَلَا يَحْرُمْنَ مُؤَبَّدًا، أَوْ مُرَتَّبًا .. لَمْ يَحْرُمْنَ، وَتَنْفَسِخُ الأَولَى
أما الأمة .. فلأنها صارت أم زوجته، وأما الصغيرة .. فلأنها بنته، إن رضعت لبنه، وبنت موطوءته إن رضعت لبن غيره.
(ولو كان تحته صغيرة وكبيرة فأرضعتها) أي: أرضعت الكبيرة الصغيرة ( .. انفسختا) لصيرورة الصغيرة بنتًا للكبيرة، فامتنع الجمع بينهما، وقد تقدمت هذه المسألة أول الفصل وذكرت هناك: لأجل الغرم، وهنا: لتأبد التحريم وعدمه.
(وحرمت الكبيرة أبدًا) لأنها أم زوجته، (وكذا الصغيرة إن كان الإرضاع بلبنه) لأنها بنته.
(وإلا) أي: وإن لم يكن الإرضاع بلبنه ( .. فربيبة) فتحرم مؤبدًا إن كان دخل بالكبيرة، وإلا .. فلا.
(ولو كان تحته كبيرة وثلاث صغائر فأرضعتهن) ( .. حرمت) الكبيرة (أبدًا) لأنها أمَّ زوجاته (وكذا الصغائر إن أرضعتهن بلبنه أو لبن غيره وهي) أي: الكبيرة (موطوءة) لأنهن بناته أو بنات زوجته المدخول بها.
وقوله: (وهي موطوءة) قيدٌ في لبن غيره.
(وإلا) أي: وإن لم يكن اللبن له، ولم تكن موطوءة (فإن أرضعتهن معًا بإيجارهنَّ الخامسة .. انفسخن) لاجتماعهن مع الأم في النكاح، ولثبوت الأخوة بينهن.
(ولا يحرمن) أي: الصغائر (مؤبدًا) بل له نكاح من شاء منهن بلا جمع؛ لأنهن بنات امرأة لم يدخل بها، (أو مرتبًا .. لم يحرمن) الصغائر مؤبدًا (وتنفسخ الأولى) مع الأم؛ لاجتماع الأم والبنت في النكاح، ولا ينفسخ نكاح الثانية بمجرد
الجزء: 3 - الصفحة: 394
وَالثَّالِثَةُ، وَتَنْفَسِخُ الثَّانِيَةُ بِإِرْضَاعِ الثَّالِثَةِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا تَنْفَسِخُ، ويَجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَنْ تَحْتَهُ صَغِيرَتَانِ أَرْضَعَتْهُمَا أَجْنَبيَّةٌ مُرَتَّبًا: أَتَنْفَسخَانِ أَمِ الثَّانِيَةُ؟
فَصْلٌ [في الإقرار والشهادة بالرضاع والاختلاف فيه]
قَالَ: (هِنْدٌ بِنْتِي أَوْ أُخْتِي بِرَضَاعٍ)، أَوْ قَالَتْ: (هُوَ أَخِي) .. حَرُمَ تَنَاكُحُهُمَا.
إرضاعها؛ إذ لا موجب له، (و) ينفسخ نكاح (الثالثة) لصيرورتها أختًا للثانية الباقية في نكاحه.
(وتنفسخ الثانية بإرضاع الثالثة) لأنهما صارتا أختين معًا؛ فأشبه ما لو أرضعتهما معًا، (وفي قول: لا تنفسخ) نكاح الثانية، بل يختص الانفساخ بالثالثة؛ لأن الجمع تمَّ بإرضاعها، فاختص الفساد بها، كما لو نكح أختًا على أخت يختص نكاح الثانية بالفساد، وهذا القول ينسب إلى الجديد، والأول إلى القديم.
قال الشيخان: لكنه الذي عليه عامة الأصحاب؛ فعلى هذا: المسألة مما رجح فيها القديم.
انتهى 100، قال في "المطلب": وقد نصَّ في "الأم" على القولين معًا.
(ويجري القولان فيمن تحته صغيرتان أرضعتهما أجنبية مرتبًا: أتنفسخان أم الثانية؟ ) وقضية ذلك: ترجيح انفساخ النكاحين، ولا خلاف في تحريم المرضعة على التأبيد؛ لأنها صارت أم زوجته.
واحترز بقوله: (مرتبًا) عما إذا أرضعتهما معًا .. فإنه ينفسخ نكاحهما قطعًا؛ لأنهما صارتا أختين معًا.
(فصل: قال: ) رجل ("هند بنتي أو أختي برضاع"، أو قالت) امرأة: ("هو أخي") أو ابني من رضاع ( .. حرم تناكحهما) مؤاخذة للمقر بإقراره.
هذا بشرط الإمكان؛ فإن لم يمكن؛ بأن قال: (فلانة بنتي)، وهي أكبر سنًّا
الجزء: 3 - الصفحة: 395
وَلَوْ قَالَ زَوْجَانِ: (بَيْنَنَا رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ) .. فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَسَقَطَ الْمُسَمَّى، وَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ إِنْ وَطِئَ. وَإِنِ ادَّعَى رَضَاعًا فَأَنْكَرَتِ .. انْفَسَخَ وَلَهَا الْمُسَمَّى إِنْ وطِئَ، وَإِلَّا .. فَنِصْفُهُ، وَإِنِ أدَّعَتْهُ فَأَنْكَرَ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إِنْ زُوِّجَتْ بِرِضَاهَا، وَإِلَّا .. فالأَصَحُّ: تَصْدِيقُهَا وَلَهَا مَهْرُ مِثْلٍ إِنْ وَطِئَ، وَإِلَّا .. فَلَا شَيْءَ. وَيُحَلَّفُ مِنْكِرُ رَضَاعٍ عَلَى نفْيِ عِلْمِهِ، وَمُدَّعِيهِ عَلَى بَتٍّ
منه .. فهو لغو؛ كما ذكره في (باب الإقرار) 101.
(ولو قال زوجان: "بيننا رضاع محرم" .. فرق بينهما) عملًا بقولهما (وسقط المسمَّى) إذ لم يصادف محلًّا، (ووجب مهر مثل إن وطى) لئلا يخلو الوطء عنه.
(وإن ادعى رضاعًا) محرمًا (فأنكرت .. انفسخ) عملًا باعترافه (ولها المُسمَّى إن وطئ) لاستقراره بالدخول، (وإلا) أي: وإن لم يطأ ( .. فنصفه) لورود الفرقة منه.
(وإن ادعته فأنكر .. صدق بيمينه إن زوجت برضاها) ممن عرفته بعينه، لتضمن رضاها به الإقرار بحلها له، فلا يقبل منها نقيضه، (وإلا) أي: وإن زوجت بغير رضاها أو أذنت مطلقًا، ولم تعين الزوج ( .. فالأصح: تصديقها) لاحتمال ما تدعيه، ولم يسبق منها ما يناقضه.
والثاني: يصدق الزوج، لاستدامة النكاح الجاري على الصحة ظاهرًا.
ومحل الأول: ما إذا لم تمكن من وطئها مختارة؛ فإن مكنته لم يقبل قولها.
(ولها مهر مثل إن وطئ) وهي جاهلة بالرضاع ثم علمت وادَّعت؛ لاستقراره وليس لها المُسمَّى؛ لأنها لا تستحقه بزعمها، (وإلا) أي: وإن لم يكن وطئ ( .. فلا شيء) لتبين فساده.
(ويحلَّف منكر رضاع على نفي علمه) لنفيه فعل الغير (ومدعيه على بت) لأنه حلف على إثبات فعل الغير.
الجزء: 3 - الصفحة: 396
وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتينِ، وَبِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ. وَالإِقْرَارُ بِهِ شَرْطُهُ رَجُلَانِ. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ إِنْ لَمْ تَطْلُبْ أُجْرَةً، وَلَا ذَكَرَتْ فِعْلَهَا، وَكَذَا إِنْ ذَكَرَتْهُ فَقَالَتْ: (أَرْضَعْتُهُ) فِي الأَصَحِّ
(ويثبت) الرضاع (بشهادة رجلين) كسائر الحقوق (أو رجل وامرأتين، وبأربع نسوة) لأنه مما تختص النساء بالاطلاع عليه غالبًا، فأشبه الولادة، ولا يثبت بما دون أربع نسوة؛ فإن كلَّ امرأتين بمثابة رجل، وقد كرر المصنف المسألة في (الشهادات) 102.
قال في "التتمة": ومحل قبول شهادتهن: إذا كان النزاع في الارتضاع من الثدي.
أما إذا كان في الشرب، أو الإيجار من ظرف .. فلا تقبل فيه شهادة النساء المتمحضات؛ لأنه لا اختصاص لهن بالاطلاع.
نعم؛ تقبل شهادتهن على أن اللبن الحاصل في الظرف لبن فلانة؛ لأن الرجال لا يطلعون على الحلب غالبًا، وأقره الشيخان 103.
(والإقرار به شرطه: رجلان) لاطلاع الرجال عليه غالبًا.
(وتقبل شهادة المرضعة إن لم تطلب أجرة) لأنها لا تجر بهذه الشهادة نفعًا، ولا تدفع ضررًا، فإن طلبت الأجرة .. لم تقبل؛ لأنها متهمة، (ولا ذكرت فعلها) بل شهدت بأخوة الرضاع بينهما.
ولا نظر إلى ما يتعلق به من ثبوت المحرمية، وجواز الخلوة والمسافرة؛ فإن الشهادة لا تردُّ بمثل هذه الأغراض، الا ترى أنه لو شهد أن فلانًا طلَّق زوجته، أو أعتق أمته .. تقبل وإن استفاد حل المناكحة.
(وكذا إن ذكرته، فقالت: "أرضعته" في الأصح) لِمَا تقدم من أنها لا تجرُّ لها نفعًا، ولا تدفع عنها ضررًا، وفعلها غير مقصود بالإثبات بل الاعتبار بوصول اللبن إلى الجوف، والثاني: المنع؛ كما لو شهدت على ولادتها.
الجزء: 3 - الصفحة: 397
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَكْفِي (بَيْنَهُمَا رَضَاع مُحَرِّمٌ)، بَلْ يَجِبُ ذِكْرُ وَقْتٍ وَعَدَدٍ، وَوُصُولِ اللَّبَنِ جَوْفَهُ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بمُشَاهَدَةِ حَلَبٍ وَإِيجَارٍ وَازْدِرَادٍ، أَوْ قَرَائِنَ؛ كَالْتِقَامِ ثَدْيٍ وَمَصِّهِ وَحَرَكَةِ حَلْقِهِ بِتَجَرُّعٍ وَازْدِرَادٍ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهَا لَبُونٌ.
وفرق الأول: بأن الولادة يتعلق بها حقُّ النفقة والإرث، وسقوط القصاص وغيرها فلم تقبل؛ للتهمة، بخلاف الرضاع.
(والأصح: أنه لا يكفي "بينهما رضاع محرم"، بل يجب ذكر وقت وعدد) كخمس رضعات بعد التسع قبل الحولين؛ لاختلاف المذاهب في شروط الرضاع، والأصل: عدم الحرمة؛ فاشترط التفصيل ليعمل القاضي باجتهاده.
والثاني: يكفي الإطلاق.
قال الرافعي: ويحسن أن يتوسط، فيقبل إطلاق الفقيه الموثوق بمعرفته دون غيره، وينزل الكلامان عليه، أو يُخصّ الخلاف بما إذا لم يكن المطلق فقيهًا، وقد سبق مثله في الإخبار عن نجاسة الماء وغيره، والمانعون من قبول المطلقة ذكروا وجهين في قبولط الشهادة المطلقة على الإقرار بالرضاع 104.
وفي "الشرح" و"الروضة" عن "البحر" وغيره، أنه لو قال: (هي أختي من الرضاع) .. لا يفتقر إلى ذكر الشروط إن كان فقيهًا، وإلا .. فوجهان.
وفرقوا بين الشهادة والإقرار: بأن المقر يحتاط لنفسه، فلا يقر إلا عن تحقيق 105.
(ووصول اللبن جوفه) في كلِّ رضعة؛ كما يشترط ذكر الإيلاج في شهادة الزنا، وقيل: لا يجب؛ لأنه لا يشاهد.
(ويعرف ذلك) أي: وصولط اللبن إلى جوفه (بمشاهدة حلب) بفتح اللام (وإيجار وازدراد، أو قرائن؛ كالتقام ثدي ومصه وحركة حلقه بتجرع وازدراد بعد علمه أنها لبون) أي: ذات لبن عند الإرضاع؛ لأن مشاهدة القرائن قد تفيد اليقين،
الجزء: 3 - الصفحة: 398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبتقدير ألا تفيده فتفيد الظنَّ القويَّ، وذلك تسلُّط على الشهادة.
وأفهم: أنه إذا لم يعلم أنها ذات لبن لا تحل له الشهادة، وهو الأصحُّ؛ لأن الأصل أن لا لبن لها، ووجه مقابلة: الأخذ بظاهر الحال.
الجزء: 3 - الصفحة: 399
كتابُ النَّفقات عَلَى مُوسِرٍ لِزَوْجَتِهِ كُلَّ يَوْمٍ مُدَّا طَعَامٍ، وَمُعْسِرٍ مُدٌّ، وَمُتَوَسِّطٍ مُدٌّ وَنِصْفٌ ..
﴿كتاب النفقات﴾
هي جمع نفقة من الإنفاق، وهو الإخراج.
وأسباب وجوبها: ثلاثة: النكاح والقرابة وملك اليمين، وبدأ بالأول؛ لأنها معاوضة في مقابلة التمكين من الاستمتاع، ولا تسقط بمضي الزمان، فهو أقوى من غيره.
والأصل في الباب: آيات؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ومن السنة أحاديث؛ منها: قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع: "فاتَّقُوا الله فِي النِّسَاءِ" إلى أن قال: "وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" رواه مسلم 106.
وأجمعت الأمة على وجوب نفقة الزوجات في الجملة، وكذلك نفقة الأقارب والمماليك.
(على موسر لزوجته) ولو أمة وكتابية وذمية وعكسهن (كل يوم) بليلته المتأخرة عنه (مدا طعام، ومعسر مد، ومتوسط مد ونصف) احتج الأصحاب لأصل التفاوت بقوله تعالى: (﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية، ولهذا التقدير بأن الله تعالى اعتبر جنس الإطعام في الكفارة بنفقة الأهل فقال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ وذلك يدل على المقاربة والمشابهة، فوجب إلحاقها بالكفارة، ووجدنا الشرع قدَّر الكفاية للمسلمين، وأقل ما أوجب للمسكين الواحد مدّ، وذلك في كفارة اليمين، وأكثر ما أوجب له مدان، وذلك في كفارة الأذى، فاعتبرنا النفقة بهما؛ لأن كلَّ واحد منهما مال يجب بالشرع ويستقر في الذمة، فأوجبنا على الموسر الأكثر، وعلى المعسر الأقل، وجعل المتوسط بينهما، ولأن المدَّ يكتفي به الزهيد، وينتفع به الرغيب، والمدان قدر المتوسع.
الجزء: 3 - الصفحة: 401
وَالْمُدُّ: مِئَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثُ دِرْهَمٍ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: مِئَةٌ وَأَحَدٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمِسْكِينُ الزَّكَاةِ مُعْسِرٌ، وَمَنْ فَوْقَهُ إِنْ كَانَ لَوْ كُلِّفَ مُدَّيْنِ رَجَعَ مِسْكِينًا .. فَمُتَوَسِّط، وَإِلَّا .. فَمُوسِرٌ. وَالْوَاجِبُ: غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ. قُلْتُ: فَإِنِ اخْتَلَفَ .. وَجَبَ لَائِقٌ بِهِ، وَيُعْتبَرُ الْيَسَارُ وَغَيْرُهُ طُلُوعَ الْفَجْرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ويستثنى من الموسر: المكاتب؛ فإنه يلحق بالمعسر وإن كثر ماله، وكذا المبعض على الأصحِّ.
(والمد: مئة وثلاثة وسبعون درهمًا وثلث درهم، قلت: الأصح: مئة وأحد وسبعون وثلاثة أسباع درهم، والله أعلم) اختلاف الترجيح مبني على ما سبق في (زكاة النبات) من الاختلاف في قدر رطل بغداد.
(ومسكين الزكاة معسر، ومن فوقه إن كان لو كلف مدين رجع مسكينًا .. فمتوسط، وإلا .. فموسر) هذا التفسير نقلاه عن الإمام والغزالي، وقالا: إنه أحسن الأوجه، قالا: ولا بد مع ذلك من النظر إلى الرخص والغلاء 107، ووراءه أوجه؛ أحدها: الرجوع فيه إلى العادة، وتختلف باختلاف الأحوال والبلاد، والثاني: أن الموسر من يزيد دخله على خرجه، والمعسر عكسه، والمتوسط من تساوى دخله وخرجه، والثالث: أن النظر إلى الكسب، فمن قدر على نفقة الموسرين في حق نفسه وفي حق من تلزمه نفقته من كسبه لا من أصل ماله .. فهو موسر، ومن لا يقدر على أن ينفق من كسبه .. فمعسر، ومن قدر أن ينفق من كسبه نفقة المتوسطين .. فمتوسط.
(والواجب: غالب قوت البلد) من الحنطة أو غيرها، حتى يجب الأقط في حق أهل البوادي الذين يقتاتونه؛ اعتبارًا بالفطرة والكفارة.
(قلت: فإن اختلف) قوت البلد، ولا غالب فيه ( .. وجب لائق به) أي: بالزوج، فلو كان يأكل فوق اللائق به تكلفًا .. لم نكلفه إخراج ذلك، أو دونه بخلًا أو زهدًا .. وجب اللائق به.
(ويعتبر اليسار وغيره) أي: التوسط والإعسار (طلوع الفجر، والله أعلم)
الجزء: 3 - الصفحة: 402
وَعَلَيْهِ تَمْلِيكُهَا حَبًّا، وَكَذَا طَحْنُهُ وَخَبْزُهُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا بَدَلَ الْحَبِّ .. لَمْ يُجْبَرِ الْمُمْتَنِعُ، فَإِنِ اعْتَاضَتْ .. جَازَ فِي الأَصَحِّ،
اعتبارًا بوقت الوجوب، (وعليه تمليكها حبًّا) لا خبزًا ودقيقًا؛ قياسًا على الكفارة، وزكاة الفطر.
وتعبيره يوهم: اعتبار الإيجاب والقبول، وليس كذلك بل الواجب الدفع؛ كما نقله في "البيان" عن الخراسانيين 108.
(وكذا طحنه وخبزه في الأصح) أي: عليه مؤنتهما ببذل المال أو بأن يتولاهما بنفسه أو بغيره؛ كما صرح به في "المحرر" 109؛ لأن الحب لا يتناول في العادة بدونهما وتكليفها ذلك ليس من المعاشرة بالمعروف، قال الرافعي: فعلى هذا: عليه مؤنة اللحم وما يطبخ به 110، والثاني: لا يجب مطلقًا؛ كالكفارات.
وفرق الأول: بأنها في حبسه فعليه أن يكفيها مؤنتها، بخلاف الكفارة، والثالث: إن كانت من أهل القرى الذين عادتهم الطحن والخبز بأنفسهم .. فلا، وإلا .. فنعم.
وقضية كلام ابن الرفعة: أنه المذهب، فإنه جزم به ثم حكى الأولين 111، وقال الأَذْرَعي: إنه الصحيح؛ لأنه العرف.
(ولو طلب أحدهما بدل الحب) الدقيق أو الخبز أو القيمة ( .. لم يجبر الممتنع) لأنه غير الواجب، والاعتياض شرطه التراضي، (فإن اعتاضت) عن الحب الواجب في الذمة نقدًا، أو غيره من العروض ( .. جاز في الأصح) لأنه طعام مستقرٌّ في الذمة لمعين، فجاز أخذ العوض عنه بالتراضي؛ كالقرض، والثاني: لا؛ كالمسلم فيه وطعام الكفارة.
ومحل الخلاف: إذا اعتاضت من الزوج، أما من غيره .. فلا قطعًا، قاله في "الروضة" 112.
الجزء: 3 - الصفحة: 403
إِلَّا خُبْزًا وَدَقِيقًا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ أَكَلَتْ مَعَهُ كَالْعَادَةِ .. سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ رَشِيدَةٍ وَلَمْ يَأْذَنْ وَلِيُّهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَجِبُ أُدْمُ غَالِبِ الْبَلَدِ كَزَيْتٍ وَسَمْنٍ وَجُبْنٍ وَتَمْرٍ، وَيَخْتَلِفُ بِالْفُصُولِ،
(إلا خبزًا ودقيقًا على المذهب) حذرًا من الربا، وقيل: يجوز رفقًا ومسامحة.
(ولو أكلت معه) مختارة (كالعادة .. سقطت نفقتها في الأصح) تبع فيه "المحرر"، فإنه قال: إنه أولى 113، وقال: في "زيادة الروضة": إنه الصحيح؛ لجريان الناس عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده من غير نزاع ولا إنكار ولا خلاف، ولم ينقل أن امرأة طالبت بنفقةٍ بعده، ولو كانت لا تسقط مع علم النبي صلى الله عليه وسلم بإطباقهم عليه .. لأعلمهم بذلك، ولقضاه من تركة من مات ولم يوفه، وهذا مما لا شك فيه.
انتهى 114، والثاني: لا تسقط، قال الرافعي: وهو الأقيس؛ لأنه لم يؤد الواجب، وتطوَّع بغيره 115، قال مُجَلِّي: ومحل الوجهين، إذا لم ترض بذلك عوضًا، فإن رضيت .. سقطت قطعًا.
(قلت: إلا أن تكون غير رشيدة ولم يأذن وليها، والله أعلم) أي: فلا تسقط قطعًا؛ كما قاله في "الروضة" 116.
وأفهم: أنها بالإذن تصير كالرشيدة، وهو مشكل في الصغيرة؛ لأن قبضها غير معتدٍّ به وإن أذن الولي، اللهم إلا أن يجعل الزوج كالوكيل في شراء الطعام، وإنفاقه عليها.
(ويجب أدم غالب البلد؛ كزيت وسمن وجبن وتمر) لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وليس من المعاشرة بالمعروف: دفع القوت بلا أدم؛ إذ الطعام غالبًا لا ينساغ إلا به.
(ويختلف) الأدم (بالفصول) الأربعة، فيجب في كلِّ فصلٍ ما يليق به، ويعتاده
الجزء: 3 - الصفحة: 404
وَيُقَدِّرُهُ قَاضٍ بِاجْتِهَادِهِ، ويُفَاوِتُ بَيْنَ مُوسِرٍ وَغَيْرِهِ، وَلَحْمٌ يَلِيقُ بِيَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ كَعَادَةِ الْبَلَدِ، وَلَوْ كَانَتْ تَأْكُلُ الْخُبْزَ وَحْدَهُ .. وَجَبَ الأُدْمُ. وَكِسْوَةٌ تَكْفِيهَا؛ فيَجِبُ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَخِمَارٌ وَمُكَعَّبٌ،
الناس، قالا: وقد تغلب الفواكه في أوقاتها؛ فتجب 117.
(ويقدره قاض باجتهاده) عند التنازع فيه؛ إذ لا توقيف.
(ويفاوت بين موسر، وغيره) فينظر إلى جنس الأدم، وما يحتاج إليه المد؛ فيفرضه على المعسر ويضعفه على الموسر، والمتوسط بينهما، ووقع في كلام الشافعي رضي الله عنه تقديره بمكيلة سمنٍ أو زيت 118، قال: الأصحاب: وهو تقريب، ويقال: إن المراد بالمكيلة: الأوقية؛ أي: الحجازية، وهي: أربعون درهمًا لا العراقية؛ كما حكاه الجيلي عن بعضهم.
(ولحمٌ يليق بيساره وإعساره) وتوسطه (كعادة البلد) في أكله، ولا يتقدر بشيء؛ إذ لا مستند، بخلاف تقدير الطعام، قالا: وفي كلام الشافعي أن يطعمها في كل أسبوع رطل لحم، ويوم الجمعة أولى، وقال الأكثرون: وإنما قال الشافعي هذا على عادة أهل مصر؛ لعزة اللحم عندهم يومئذ، وأما حيث يكثر اللحم .. فيزاد بحسب عادة البلد 119، والمراد بإيجاب الرطل: على المعسر، وعلى الموسر رطلان، والمتوسط رطلٌ ونصف.
(ولو كانت تأكل الخبز وحده .. وجب الأدم) لأنه حقها؛ كما لو كانت تأكل بعض الطعام .. فإنها تستحق جميعه.
(وكسوة تكفيها) أي: قدر كفايتها طولًا وقصرًا، وضخامة ونحافة، وتختلف باختلاف البلاد حرًّا وبردًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
(فيجب قميص وسراويل وخمار) وهو ما يغطى به الرأس (ومكعب) وهو مدَاس الرجل؛ لحصول الكفاية بذلك، فإن الخمار يستر الرأس، والقميص يستر ما يلي
الجزء: 3 - الصفحة: 405
وَتزادُ فِي الشِّتَاءِ جُبَّةٌ، وَجِنْسُهَا قُطْنٌ، فَإِنْ جَرَتْ عَادَةُ الْبَلَدِ لِمِثْلِهِ بِكَتَّانٍ أَوْ حَرِيرٍ .. وَجَبَ فِي الأَصَحِّ. وَيَجِبُ مَا تَقْعُدُ عَلَيْهِ كَزِلِّيَّةٍ أَوْ لِبْدٍ أَوْ حَصِيرٍ،
البدن، والسراويل أسافله ويصون العورة، والمُكعَّب يقي قدمها من الحر والبرد.
(وتزاد في الشتاء جبة) محشوة قطنًا؛ لدفع البرد، فإن احتاجت إلى ثنتين لشدة البرد .. وجبتا، قاله الرافعي بحثًا 120، وصرح به الخوارزمي.
(وجنسها) أي: الكسوة (قطن) لأنه لباس أهل الدين، وما زاد عليه ترفهٌ ورعونة.
(فإن جرت عادة البلد لمثله بكتان أو حرير .. وجب في الأصح) اتباعًا للعادة، ويفاوت بين الموسر والمعسر في مراتب ذلك الجنس.
نعم؛ لو جرت العادة بلبس الثياب الرقيقة التي لا تستر، ولا تصح فيها الصلاة .. لم يعطها منها، لكن من الصفيق الذي يقرب منه في الجودة، والثاني: لا يلزمه الحرير ونحوه بل يقتصر على القطن؛ لما تقدم.
(ويجب ما تقعد عليه كزلية أو لبد أو حصير) لاقتضاء العرف ذلك، وقضيته: التخيير، وليس كذلك بل التنويع؛ فالزلية: على الموسر، واللبد: على المتوسط، والحصير: على المعسر، وفيما ذكره نقص عما في "الشرحين" و"الروضة"؛ فإن فيهما: يجب ما تفرشه للقعود عليه، ويختلف ذلك باختلاف حال الزوج، قال المتولي: فعلى الموسر: طنفسة في الشتاء ونطع في الصيف، وعلى المتوسط: زِلِّيَّة، وعلى الفقير: حصير في الصيف ولبد في الشتاء، ويشبه أن تكون الطنفسة، والنطع بعد بسط زلية أو حصير؛ فإن الطنفسة والنطع لا يبسطان وحدهما.
انتهى 121.
والزلية - بكسر الزاي وتشديد اللام -: مضرب صغير، وقيل: بساط صغير، وقيل: إنها الطنفسة، ويخدشه ما ذكراه من كونها تبسط تحتها.
الجزء: 3 - الصفحة: 406
وَكَذَا فِرَاشٌ لِلنَّوْمِ فِي الأَصَحِّ، وَمِخَدَّةٌ وَلِحَافٌ فِي الشِّتَاءِ. وَآلَةُ تَنْظِيفٍ كَمُشْطٍ، وَدُهْنٍ، وَمَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ، وَمَرْتَكٌ وَنَحْوُهُ لِدَفْع صُنَانٍ، لَا كُحْلٌ وَخِضَابٌ، وَمَا يَزِينُ، وَدَوَاءُ مَرَضٍ، وَأُجْرَةُ طَبِيبٍ وَحَاجِمٍ. وَلَهَا طَعَامُ أَيَّامِ الْمَرَضِ
(وكذا فراش للنوم في الأصح) غير ما تفرشه نهارًا للعادة الغالبة، والثاني: لا، وتنام على فراش النهار.
(ومخدة، ولحاف) أو كساء (في الشتاء) في البلاد الباردة على العادة نوعًا وكيفية؛ لحاجة دفع البرد.
(و) يجب لها أيضًا (آلة تنظيف؛ كمشط ودهن وما يغسل به الرأس) من سدر أو خطمي أو طين على حسب العادة؛ لاحتياجها إلى ذلك، والرجوع في قدرها إلى العادة، ويجب لها أيضًا: الأشنان والصابون والقلي، كما صرح به القفال والبغوي.
(ومرتك ونحوه لدفع صنان) إذا لم ينقطع بالماء والتراب؛ لتأذيها بالرائحة الكريهة، وتنفيره عن الاستمتاع.
(لا كحل، وخضاب، وما يزين) أي: لا يجب ذلك، وكذا الطيب والعطر؛ لأنه يراد لزيادة التلذذ وكمال الاستمتاع؛ فهو حق الزوج، وإذا هيأه .. وجب عليهما استعماله، وروى المحب الطبري في "أحكامه" من رواية أبي القاسم عبيد الله بن هارون القطان في مجلس من أماليه بواسط من حديث عائشة رضي الله عنها، أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إِنِّي لأُبْغِضُ الْمَرْأَةَ السَّلْتَاءَ وَالْمَرْهَاءَ" فقلت: يا رسول الله، وما هما؟ قال: "السَّلْتَاءُ: الَّتِي لَا تَخْتَضِبُ، وَالْمَرْهَاءُ: الَّتِي لَا تَكْتَحِلُ" 122 أي: مأخوذ من المره، بفتح (الميم (و (الراء)، وهو البياض.
(ودواء مرض، وأجرة طبيب، وحاجم) وفاصد، وخاتن؛ لأن ذلك لحفظ الأصل، فلا تجب على مستحق المنفعة؛ كعمارة الدار المستأجرة، وخالف مؤنة التنظيف؛ لأنه في معنى غسل الدار وكنسها.
(ولها طعام أيام المرض) 123 لأنها محبوسة عليه، ولها صرفه في الدواء ونحوه.
الجزء: 3 - الصفحة: 407
وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ أُجْرَةِ حَمَّامٍ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَثَمَنِ مَاءِ غُسْلِ جِمَاعِهِ وَنفَاسٍ فِي الأَصَحِّ، لَا حَيْضٍ وَاحْتِلَامٍ فِي الأَصَحِّ. وَلَهَا آلَاتُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَطَبْخٍ، كَقِدْرٍ وَقَصْعَةٍ وَكُوزٍ وَجَرَّةٍ
(والأصح: وجوب أجرة حمام بحسب العادة) إن كانت عادتها دخول الحمام للحاجة إليه؛ عملًا بالعرف، قال الماوردي: ويجب في كل شهر مرة 124، والثاني: لا يجب إلا إذا اشتدَّ البرد وعسر الغسل إلا في الحمام، وهذا كله تفريع على جواز دخول النساء الحمام بلا ضرورة، وهو الأصحُّ في "زيادة الروضة" في (باب عقد الذمة) لكنه يكره 125، وقيل: لا يجوز، واختاره الأَذْرَعي، وبسط الكلام على ذلك في (باب الغسل) من "الغنية".
(وثمن ماء غسل جماعه ونفاس) منه (في الأصح) لأنه بسببه، والثاني: لا يجب؛ لأنه متولد من مستحق.
(لا حيض، واحتلام في الأصح) إذ لا صنع منه، والثاني: يجب؛ لكثرة وقوع الحيض، وفي عدم إيجابه إجحاف بها.
والخلاف في الاحتلام تبع فيه "المحرر" 126، ولم يحكياه في "الشرحين" و"الروضة"، بل قطعا بعدم الوجوب 127، والصواب: ما في "المنهاج" فقد جزم القفال في "فتاويه" بوجوبه على الزوج، وعلله بأنه لحاجتها، قال: بخلاف ما لو زنت أو وطئت بشبهة، وكلام "البحر" في (باب الغسل) يشير إليه، قاله في "المهمات" 128، قال الرافعي: وينظر على هذا القياس في ماء الوضوء إلى أن السبب من جهته كاللمس أم لا 129.
(ولها) على الزوج (آلات أكل وشرب وطبخ؛ كقدر وقصعة وكوز وجرة
الجزء: 3 - الصفحة: 408
وَنَحْوِهَا وَمَسْكَنٌ يَلِيقُ بِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِلْكَهُ. وَعَلَيْهِ لِمَنْ لَا يَلِيقُ بِهَا خِدْمَةُ نَفْسِهَا إِخْدَامُهَا بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ، أَوْ بِالإِنْفَاقِ عَلَى مَنْ صَحِبَتْهَا مِنْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ لِخِدْمَةٍ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مُوسِرٌ وَمُعْسِرٌ وَعَبْدٌ
ونحوها) من المِغرفة وما تغسل فيه ثيابها؛ لأن المعيشة لا تتم بدونه، فكان من المعاشرة بالمعروف، ويكفي كون الآلات من خشب أو حجر أو خزف؛ لحصول المقصود، وفي الظروف النحاسية للشريفة احتمال للإمام 130.
(و) يجب لها على الزوج (مسكن) لأن المطلقة يجب لها ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ فالزوجة أولى (يليق بها) في العادة؛ لأنها لا تملك الانتقال منه؛ فروعي فيه جانبها، بخلاف النفقة والكسوة حيث روعي فيها حال الزوج؛ لأنها تملك إبدالهما.
(ولا يشترط كونه ملكه) بل يجوز في موقوف ومستأجر ومعار؛ لحصول الإيواء، ولو سكنت هي والزوج في منزلها مدة .. سقط فيها حق السكنى، ولا مطالبة لها بأجرة سكنه معها إن كانت أذنت له في ذلك، لأن الإذن المطلق العري عن ذكر عوض ينزل على الإعارة والإباحة، قاله ابن الصلاح.
(وعليه لمن لا يليق بها خدمة نفسها إخدامها) لأنه من المعاشرة بالمعروف، والمعتبر: حالها في بيت أبيها، فلو كانت ممن لا تخدم فيه، ثم صارت عنده ممن تخدم .. لم يلزمه إخدامها، قاله الشيخ أبو حامد، وأقرَّاه 131، وقيد الماوردي الوجوب بسكان الأمصار دون البوادي 132، ولا يجب إخدامها بأكثر من واحدة وإن جلَّ قدرها وكان موسرًا، (بحرة أو أمة أو مستأجرة أو بالإنفاق على من صحبتها؛ من حرة أو أمة لخدمة) لحصول المقصود بجميع ذلك.
(وسواء في هذا) أي: في وجوب الإخدام (موسر ومعسر وعبد) كسائر المؤن، وقيل: لا تجب على المعسر.
الجزء: 3 - الصفحة: 409
فَإِنْ أَخْدَمَهَا بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ بِأُجْرَةٍ .. فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا، أَوْ أَمَتِهِ .. أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِالْمِلْكِ، أَوْ بِمَنْ صَحِبَتْهَا .. لَزمَهُ نَفَقَتُهَا، وَجِنْسُ طَعَامِهَا جنْسُ طَعَامِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ مُدٌّ عَلَى مُعْسِرٍ، وَكَذَا مُتَوَسِّطٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمُوسِرٌ: مُدَّ وَثُلُثٌ، وَلَهَا كِسْوَةٌ تَلِيقُ بِحَالِهَا، وَكَذَا أُدْمٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لَا آلَةُ تنظِيفٍ، فَاِنْ كَثُرَ وَسَخٌ وَتَأَذَّتْ بِقَمْلٍ .. وَجَبَ أَنْ تُرَفَّهَ. وَمَنْ تَخْدُمُ نَفْسَهَا فِي الْعَادَةِ إِنِ احْتَاجَتْ إِلَى خِدْمَة لِمَرَضٍ أَوْ زَمَانَةٍ .. وَجَبَ إِخْدَامُهَا
(فإن أخدمها بحرة أو أمة بأجرة .. فليس عليه غيرها) أي: غير الأجرة، (أو أمته .. أنفق عليها بالملك، أو بمن صحبتها .. لزمه نفقتها) لأنه من المعاشرة بالمعروف.
(وجنس طعامها) أي: الخادمة (جنس طعام الزوجة) إذ من المعروف ألا تتخص عن خادمتها، (وهو) أي: مقداره (مد على معسر) إذ النفس لا تقوم بدونه، فلذلك ساوت المخدومة فيه، (وكذا متوسط في الصحيح) قياسًا على المعسر، والثاني: أنه كالموسر، (وموسر: مد وثلث) لأن نفقة الخادمة على المتوسط مدٌّ، وهو ثلثا نفقة المخدومة، والمد والثلث على الموسر ثلثا نفقة المخدومة.
(ولها) أي: للخادمة (كسوة تليق بحالها) كالنفقة؛ فيجب قميص وسراويل ومقنعة وخف وما تلتحف به؛ لاحتياجها إلى الخروج، بخلاف المخدومة، ويجب لها في الشتاء جبة أو فروة، (وكذا أدم على الصحيح) لأن العيش لا يتم بدونه، وجنسه جنس أدم المخدومة، لكن دون نوعه على الأصحِّ، والثاني: لا يجب، ويكتفى بما فضل عن المخدومة.
(لا آلة تنظيف) لأنها للزينة، واللائق بها تركها؛ لئلا تميل العين إليها، (فإن كثر وسخ وتأذت بقمل .. وجب أن ترفه) بأن يعطيها ما يزيل ذلك، وهذا ما استدركه القفال واستحسنوه.
(ومن تخدم نفسها في العادة إن احتاجت إلى خدمة لمرض أو زمانة .. وجب إخدامها) ولو كانت أمة؛ لأنها لا تستغني عنه فأشبهت من لا يليق بها خدمة نفسها،
الجزء: 3 - الصفحة: 410
وَلَا إِخْدَامَ لِرَقِيقَةٍ، وَفِي الْجَمِيلَةِ وَجْهٌ. وَيَجِبُ فِي الْمَسْكَنِ: إِمْتَاعٌ، وَمَا يُسْتَهْلَكُ كَطَعَامٍ تَمْلِيكٌ، وَتَتَصَرَّفُ فِيهِ، فَلَوْ قَتَّرَتْ بِمَا يَضُرُّهَا .. مَنَعَهَا، وَمَا دَامَ نَفْعُهُ كَكِسْوَةٍ وَظُرُوفِ طَعَامٍ وَمُشْطٍ تَمْلِيكٌ، وَقِيلَ: إِمْتَاعٌ. وَتُعْطَى الْكِسْوَةَ أَوَّلَ شِتَاءٍ وَصَيْفٍ، فَلَوْ تَلِفَتْ فِيهِ بِلَا تَقْصِيرٍ .. لَمْ تُبْدَلْ إِنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ، فَإِنْ مَاتَتْ فِيهِ .. لَمْ تُرَدَّ،
(ولا إخدام لرقيقة) أي: لزوجة رقيقة في حال صحتها؛ لأن العرف أن تخدم نفسها، والمبعضة كالقنة، (وفي الجميلة وجه) لجريان العادة به.
(ويجب في المسكن: إمتاع) لأنه مجرد انتفاع؛ كالخادم.
(وما يستهلك كطعام تمليك) كما في (الكفارة) (وتتصرف فيه) الحرَّةُ بما شاءت؛ من بيع وغيره؛ كسائر أموالها.
(فلو قترت بما يضرها .. منعها) وكذا لو لم يضرها ولكنه ينفرهُ عنها؛ لحق الاستمتاع.
(وما دام نفعه؛ ككسوة) وفرش (وظروف طعام، ومشط تمليك) كالكسوة في الكفارة، وكالنفقة والأدم، (وقيل: إمتاع) كالمسكن والخادم من جهة الانتفاع مع بقاء العين، بخلاف الطعام.
وفرق الأول: بأن الكسوة تدفع إليها، والمسكن لا يدفع، وإنما يسكنها الزوج معه، ويتفرع على الخلاف: جواز كونه مستعارًا ومستأجرًا وغيره، وجواز تصرفها فيه بالبيع وغيره.
(وتعطى الكسوة أول شتاء وصيف) لقضاء العرف بذلك؛ هذا إن وافق النكاح أول الفصل، وإلا .. وجب إعطاؤها كل ستة أشهر من حين الوجوب، ومحله: في كسوة البدن، أما ما يبقى سنة فأكثر؛ كالفرش والبسط .. فيجدد في وقته على ما جرت العادة بتجديده، وكذا جبة الإبريسم، وعليه تطريفها على العادة.
(فلو تلفت فيه) أي: في أثناء الفصل (بلا تقصير .. لم تبدل إن قلنا: تمليك) كالنفقة إذا تلفت في يدها، فإن قلنا: إمتاع .. أُبدلت، ولو أتلفتها أو تمزقت قبل أوان التمزق؛ لكثرة ترددها فيها وتحاملها عليها .. فعلى الخلاف.
(فإن ماتت) أو هو (فيه) أي: في أثناء الفصل ( .. لم ترد) على القول
الجزء: 3 - الصفحة: 411
وَلَوْ لَمْ يَكْسُ مُدَّةً .. فَدَيْنٌ.
فَصْلٌ [في موجب المؤن ومسقطاتها]
الْجَدِيدُ: أَنَّهَا تَجِبُ بِالتَّمْكِينِ لَا الْعَقْدِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. فَإِنْ لَمْ تَعْرِضْ عَلَيْهِ مُدَّةً .. فَلَا نَفَقَةَ فِيهَا، وَإِنْ عَرَضَتْ .. وَجَبَتْ مِنْ بُلُوغِ الْخَبَرِ. فَإِنْ غَابَ .. كَتَبَ الْحَاكِمُ لِحَاكِمِ بَلَدِهِ لِيُعْلِمَهُ فَيَجِيءَ أَوْ يُوَكِّلَ،
بالتمليك؛ كما لو سلم إليها نفقة اليوم، فماتت فيه؛ فإن قلنا: إمتاع .. استرد، (ولو لم يكس مدة .. فدين) إن قلنا: إنها تمليك، فإن قلنا: إمتاع .. فلا.
(فصل: الجديد: أنها) أي: النفقة والكسوة ونحوها (تجب بالتمكين) يومًا بيوم؛ لأنها سلمت ما ملك عليها فاستحقت ما يقابله من الأجرة، وهل التمكين سبب أو شرط؟ فيه وجهان، (لا العقد) لأنه صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله عنها وهي بنت ست، ودخل بها بعد سنتين 133، ولم ينقل أنه أنفق عليها قبل الدخول، ولو كان حقًّا لها .. لساقه إليها، ولو وقع .. لنقل؛ ولأن المهر يجب بالعقد، والعقد لا يوجب عوضين مختلفين، والقديم: أنها تجب بالعقد؛ كالمهر.
(فإن اختلفا فيه) أي: في التمكين؛ فادعته وأنكره ( .. صدق بيمينه) لأن الأصل عدمه، وهذا تفريع على الجديد، وعلى القديم: هي المصدقة؛ لأن الأصل بقاء ما وجب بالعقد، وهذه إحدى فوائد الخلاف.
(فإن لم تعرض عليه مدة .. فلا نفقة فيها) على الجديد؛ لعدم التمكين، ويجب على القديم؛ لوجود الموجب، وهذه فائدة ثانية للخلاف.
(وإن عرضت .. وجبت من بلوغ الخبر) لأنه حينئذ مقصر، (فإن غاب) الزوج قبل عرضها عليه ( .. كتب الحاكم لحاكم بلده) بعد الرفع إليه وثبوت المطالبة (ليعلمه فيجيء أو يوكل) من يتسلمها له أو يحملها إليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 412
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَمَضَى زَمَنُ وُصُولهِ .. فَرَضَهَا الْقَاضِي. وَالْمُعْتبَرُ فِي مَجْنُونَةٍ وَمُرَاهِقَةٍ عَرْضُ وَلِيٌّ. وَتَسْقُطُ بِنُشُوزٍ وَلَوْ بِمَنْعِ لَمْسٍ بِلَا عُذْرٍ. وَعَبَالَةُ زَوْجٍ أَوْ مَرَضٌ يَضُرُّ مَعَهُ الْوَطْءُ عُذْرٌ. وَالْخُرُوجُ مِنْ بَيْتِهِ بِلَا إِذنٍ نشُوزٌ إِلَّا أَنْ يُشْرِفَ عَلَى انْهِدَامٍ. وَسَفَرُهَا بِإِذْنِهِ مَعَهُ أَوْ لِحَاجَتِهِ .. لَا يُسْقِطُ،
(فإن لم يفعل ومضى زمن وصوله) بعد بلوغه ذلك ( .. فرضها القاضي) من حين إمكان وصوله، وجُعل كالمتسلم لها؛ لأن الامتناع منه.
(والمعتبر في مجنونة ومراهمة عرض ولي) لأنه المخاطب بذلك، ولا اعتبار بعرضها إلا أن يتسلمها وينقلها إلى داره.
(وتسقط بنشوز) بعد التمكين والعرض على الجديد، وقبله على القديم؛ لأنها تجب بالتسليم أو تستقر به؛ فتسقط بالمنع؛ كالأجرة إذا امتنع الأجير من تسليم العين حتى مضت المدة، وأشار الإمام إلى الإجماع في ذلك.
(ولو) كان النشوز (بمنع لمس بلا عذر) إلحاقًا لمقدمات الوطء بالوطء، (وعبالة زوج (وهي كبر ذكره بحيث لا تحتمله المرأة، (أو مرض يضر معه الوطء عذر) لقيام المانع.
(والخروج من بيته بلا إذن نشوز) لمخالفتها الواجب عليها، (إلا أن يشرف على انهدام) للضرر الحاصل بالمقام فيه، وكذا إذا كان المنزل لغير الزوج وأخرجها منه صاحبه، أو خرجت منه لطلب حقها عند القاضي من الزوج، أو للحمام ونحوه من حوائجها التي يقتضي العرف خروج مثلها له؛ للعرف في رضا مثله بذلك، أو إلى بيت أبيها لزيارة أو عيادة.
(وسفرها بإذنه معه أو لحاجته) بإذنه أيضًا ولم تكن معه ( .. لا يسقط) لأنها ممكنة في الأولى، وفي غرضه في الثانية؛ فهو المسقط لحقه، وظاهر كلامه أنها لو سافرت معه لا بإذنه: السقوط، وصرحا في (قسم الصدقات) بعدم السقوط؛ لأنها تحت حكمه 134، وقال الأَذْرَعي: يشبه أن يقال: إن منعها فخالفت .. فناشزة، وإن لم يمنع .. فلا، وقال: إنه التحقيق.
الجزء: 3 - الصفحة: 413
وَلِحَاجَتِهَا .. يُسْقِطُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ نَشَزَتْ فَغَابَ فَأَطَاعَتْ .. لَمْ تَجِبْ فِي الأَصَحِّ، وَطَرِيقُهَا: أَنْ يَكْتُبَ الْحَاكِمُ كَمَا سَبَقَ. وَلَوْ خَرَجَتْ فِي غَيْبَتِهِ لِزِيَارَةٍ وَنَحْوِهَا .. لَمْ تَسْقُطْ. وَالأَظْهَرُ: أَنْ لَا نفَقَةَ لِصَغِيرَةٍ، وَأَنَّهَا تَجِبُ لِكَبيرَةٍ عَلَى صَغِير. وَإِحْرَامُهَا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِلَا إِذْنٍ نشُوزٌ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهَا، وَإِنْ مَلَكَ .. فَلَا
(و) سفرها (لحاجتها) بإذنه لا معه (يسقط في الأظهر) لعدم التمكين، والثاني: لا يسقط؛ لوجود إذنه.
(ولو نشزت فغاب فأطاعت) في غيبته ( .. لم تجب في الأصح) لخروجها عن قبضته، فلا بد من تسليم وتسلم، ولا يحصلان مع الغيبة، والثاني: تجب، لزوال المُسقطِ، فيعود الاستحقاق.
(وطريقها) في عود الاستحقاق (أن يكتب الحاكم؛ كما سبق) في ابتداء التسليم، فإذا علم وعاد إليها، أو بعث وكيله فاستأنف تسلمها .. عادت النفقة، وإن مضى زمن إمكان العود ولم يعد ولا بعث وكيله .. عادت النفقة أيضًا.
(ولو خرجت في غيبته لزيارة ونحوها) كعيادة ( .. لم تسقط) إذ لا يُعدُّ ذلك نشوزًا عرفًا.
(والأظهر: أن لا نفقة) ولا توابعها (لصغيرة) لا توطأ، وإن سلمت إليه؛ لانتفاء التمكين، والثاني: تجب؛ لأنها عنده، وفوات الاستمتاع معذورة فيه؛ كالمريضة والرتقاء.
وفرق الأول: بأن المرض يطرأ ويزول، ولا يفوت الأنس وجميع الاستمتاعات، والرتق مانع دائم، ولا يمكن إدامة الحبس عليها مع نفي النفقة.
(وأنها تجب لكبيرة على صغير) لا يمكن وطؤه إذا سلَّمت نفسها أو عرضتها على الولي؛ لأن التسليم المستحق عليها وُجِدَ فاستحقت المقابل؛ كما لو تعذر الاستيفاء على المستأجر بعد تسليم العين، والثاني: لا تجب؛ لأن الزوج معذور في فوات الاستمتاع.
(وإحرامها بحج أو عمرة بلا إذن نشوز إن لم يملك تحليلها) لأنها منعته نفسها بذلك؛ فتكون ناشزة من وقت الإحرام وإن لم تخرج، (وإن ملك .. فلا) لأنها في
الجزء: 3 - الصفحة: 414
حَتَّى تَخْرُجَ فَمُسَافِرَةٌ لِحَاجَتِهَا، أَوْ بِإِذْنٍ .. فَفِي الأَصَحِّ: لَهَا نَفَقَةٌ مَا لَمْ تَخْرُج. وَيَمْنَعُهَا صَوْمَ نَفْلٍ، فَإِنْ أَبَتْ .. فَنَاشِزَةٌ فِي الأَظْهَرِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ قَضَاءً لَا يَتَضيَّقُ كَنَفْلٍ فَيَمْنَعُهَا،
قبضته، وهو قادر على التحلل والاستمتاع؛ فإذا لم يفعل .. فهو المفوت على نفسه، (حتى تخرج؛ فمسافرة لحاجتها) فحينئذ إن خرجت بغير إذنه .. فناشزة، أو بإذنه معه .. استحقت، أو وحدها .. فلا.
(أو بإذن .. ففي الأصح: لها نفقة ما لم تخرج) لأنها في قبضته، وفوات الاستمتاع تولد من إذنه، والثاني: لا تجب؛ لفوات الاستمتاع.
وقوله: (ما لم تخرج) يفهم أنها لو خرجت .. سقطت نفقتها، وهو كذلك إن خرجت وحدها؛ فإن خرج معها .. لم تسقط.
(ويمنعها صوم نفل) إذ ليس بواجب، وحقهُ واجبٌ عليها (فإن أبت .. فناشزة في الأظهر) لامتناعها من التمكين، وإعراضها عنه بما ليس بواجب، وصومها حرام في هذه الحالة؛ كما صرح به في آخر صوم التطوع من "زوائد الروضة" 135، والثاني: لا تكون ناشزة بذلك؛ لأنها في قبضته، ولكل منهما قطعه.
والمراد بنفل الصوم: النفل المطلق؛ كصوم الاثنين، والخميس، أما رواتبه؛ كعرفة، وعاشوراء .. فليس له المنع منه على الصحيح.
(والأصح: أن قضاء لا يتضيق كنفل؛ فيمنعها) لأنه على التراخي، وحقه على الفور، قال: في "الروضة": هذا ما قطع به الأكثرون 136، وقيل: فيها وجهان، فكان ينبغي التعبير بالمذهب، أما ما يتضيق كالفطر تعديًا أو بعذر، ولم يبق من شعبان إلا قدره .. فليس له المنع منه، والنفقة فيه واجبة، ولو أرادت قضاء الصلاة وأراد الاستمتاع بها .. قال الشيخ أبو حامد: تقدم حقه؛ لثبوت القضاء في الذمة، وقال الماوردي: الأصحُّ عندي: تقديم القضاء؛ لأنه مستحق في أول زمن الإمكان، فصار
الجزء: 3 - الصفحة: 415
وَأَنَّهُ لَا مَنْعَ مِنْ تَعْجِيلِ مَكْتُوبَةٍ أَوَّلَ وَقْتٍ، وَسُنَنٍ رَاتِبَةٍ. وَتَجِبُ لِرَجْعِيَّةٍ الْمُؤَنُ إِلَّا مُؤْنَةَ تَنْظِيفٍ، فَلَوْ ظُنَّتْ حَامِلًا فَأَنْفَقَ فَبَانَتْ حَائِلًا .. اسْتَرْجَعَ مَا دَفَعَ بَعْدَ عِدَّتِهَا. وَالْحَائِلُ الْبَائِنُ بِخُلْعٍ أَوْ ثَلَاثٍ لَا نَفَقَةَ وَلَا كِسْوَةَ،
كالوقت شرعًا 137، وقيل: هما مبنيان على أن الصلاة المتروكة تعديًا هل هي على الفور أم لا؟
(وأنه لا منع من تعجيل مكتوبة أول وقت) لحيازة فضيلته (وسنن راتبة) وهي ما لها وقت معين، سواء توابع الفرائض وغيرها؛ كالعيد والكسوفين؛ لتأكدها، والثاني: له المنع؛ كالنفل المطلق.
(وتجب لرجعية المؤن) من نفقة وكسوة وغيرهما؛ لبقاء حبس الزوج وسلطنته، وحكى الماوردي فيه الإجماع 138.
ويستثنى: ما لو قال: (طلقتُ بعد الولادة فلي الرجعة)، وقالت: (بل قبلها وقد انقضت عدتي) .. فالقول قوله في بقاء العدة وثبوت الرجعة، ولا نفقة لها لزعمها؛ كما جزم به الرافعي 139، ومقتضاه: أنه لا نفقة لها وإن راجعها؛ لإنكارها استحقاقها، وكذا لو اختلفا في أصل الطلاق البائن وأنكره الزوج وحلف، قال في "المطلب": وهو ما أورده الرافعي في (كتاب القسم)، وجعله أصلًا مقيسًا عليه، قال: لكن ظاهر نصه في "الأم": الوجوب.
(إلا مؤنة تنظيف) لانتفاء المعنى الذي وجب لأجله.
(فلو ظنت حاملًا فأنفق فبانت حائلًا .. استرجع ما دفع بعد عدتها) لأنه تبيَّن أن ذلك ليس بواجب عليه.
(والحائل البائن بخلع أو ثلاث لا نفقة) لها (ولا كسوة) لزوال الزوجية فأشبهت المتوفى عنها.
واحترز بالبينونة بالخلع أو الثلاث: عن البائن بالفسخ وغيره، والأصحُّ: إن كان
الجزء: 3 - الصفحة: 416
وَتَجِبَانِ لِحَامِلٍ لَهَا، وَفِي قَوْلٍ: لِلْحَمْلِ. فَعَلَى الأَوَّلِ: لَا تَجِبُ لِحَامِلٍ عَنْ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ. قُلْتُ: وَلَا نَفَقَةَ لِمُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَنَفَقَةُ الْعِدَّةِ مُقَدَّرَةٌ كَزَمَنِ النِّكَاحِ، وَقِيلَ: تَجِبُ الْكِفَايَةُ، وَلَا يَجِبُ دَفْعُهَا قَبْلَ ظُهُورِ حَمْل،
بمقارن للعقد .. فلا نفقة؛ كما ذكره الرافعي في (باب الخيار)؛ لأنه رفع للعقد من أصله، وإن كان بسبب عارض؛ كالردة والرضاع .. فتجب؛ كما صححه الرافعي هنا؛ لأنه قطع للنكاح، كذا قاله الزركشي والدميري 140، والذي في "الروضة" و"أصلها": المعتدة عن فرقة فسخ في استحقاقها النفقة إذا كانت حاملًا ... إلى آخره، وذكرا التفصيل في الحامل 141، وقضية كلام الزركشي والدميري: أنه في الحائل.
(وتجبان لحامل) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، ويجب الأدم أيضًا، والمعنى في ذلك: أنها مشغولة بمائه؛ فهو كالمستمتع برحمها؛ إذ النسل مقصود بالنكاح؛ كما أن الوطء مقصود؛ فصار كالاستمتاع في حال الزوجية (لها) بسبب الحمل؛ لأنها تجب مقدرة، ولا تسقط بمضي الزمان، ولو كانت للحمل .. لم تكن كذلك، (وفي قول: للحمل) لوجوبها بوجوده وعدمها بعدمه، وإنما صرفت إلى الأم؛ لكونه يتغذى بغذائها.
(فعلى الأول: لا تجب لحامل عن شبهة أو نكاح فاسد) لأنها لا تستحقها حال التمكين فبعده أولى، وعلى الثاني: تجب؛ كما يلزمه نفقته بعد الانفصال.
(قلت: ولا نفقة لمعتدة وفاة وإن كانت حاملًا، والله أعلم) لحديث: "لَيْسَ لِلْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا نَفَقَةٌ" رواه الدارقطني بإسناد صحيح 142، قال الشافعي: ولا أعلم مخالفًا في ذلك.
(ونفقة العدة مقدرة كزمن النكاح) لأنها من توابعه، (وقيل: تجب الكفاية) لعله قول من يقول: النفقة للحمل؛ لأنها نفقة قريب (ولا يجب دفعها قبل ظهور حمل)
الجزء: 3 - الصفحة: 417
فَإِذَا ظَهَرَ .. وَجَبَتْ يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَقِيلَ: حِينَ تَضَعُ، وَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ عَلَى الْمَذْهَب.
فَصْلٌ [في حكم الإعسار بمؤن الزوجة]
أَعْسَرَ بِهَا؛ فَإِنْ صَبَرَتْ .. صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَإِلَّا .. فَلَهَا الْفَسْخُ عَلَى الأَظْهَرِ. وَالأَصَحُّ: أَنْ لَا فَسْخَ بِمَنْعِ مُوسِرٍ حَضَرَ أَوْ غَابَ
سواء جعلناها للحمل أم للحامل؛ لأنا لم نتحقق سبب الوجوب (فإذا ظهر) الحمل (وجبت يومًا بيوم) للآية السالفة؛ ولأنها لو أخرت إلى الوضع .. لتضررت، (وقيل: حين تضع) لأن الأصل البراءة حتى يتيقن السبب، والخلاف مبني: على أن الحمل يعلم أم لا؟ والأظهر: أنه يعلم.
(ولا تسقط بمضي الزمان على المذهب) وإن قلنا: إنها للحمل؛ لأن الزوجة هي التي تنتفع بها، والطريق الثاني: البناء على الخلاف في أن النفقة لها أو للحمل؟ فإن قلنا بالأول .. لم تسقط؛ كنفقة الزوجة، وإن قلنا بالثاني .. سقطت؛ كنفقة القريب.
(فصل: أعسر بها) أي: بالنفقة (فإن صبرت .. صارت دينًا عليه) وإن لم يفرضها القاضي؛ كسائر الديون المستقرة، (وإلا) أي: وإن لم تصبر ( .. فلها الفسخ على الأظهر) لقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾؛ فإذا عجز عن الأول .. تعين الثاني، والثاني: لا فسخ لها؛ لأنه معسر، والمعسر منظر، ولا فسخ لنفقة مدة ماضية على الأصح 143. (والأصح: أن لا فسخ بمنع موسر حضر أو غاب) لتمكنها من تحصيل حقها بالحاكم وإن كان غائبًا؛ بأن يبعث إلى حكام بلده ليطالبه، والثاني: لها الفسخ؛ لحصول الضرر؛ كالإعسار، هذا إذا لم يكن له مال حاضر؛ فإن كان .. أنفق الحاكم منه قطعًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 418
وَلَوْ حَضَرَ وَغَابَ مَالُهُ؛ فَإِنْ كَانَ بِمَسَافَةِ الْقَصرِ .. فَلَهَا الْفَسْخُ، وَإِلَّا .. فَلَا وَيُؤْمَرُ بِالإِحْضَارِ. وَلَوْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ بِهَا .. لَمْ يَلْزَمْهَا الْقَبُولُ. وَقُدْرَتُهُ عَلَى الْكَسْبِ كَالْمَالِ
وقوله: (موسر) ليس بقيد؛ فإنه لو غاب وجهل حاله في اليسار والإعسار .. فلا فسخ؛ لأن السبب لم يتحقق، قاله الرافعي 144، فلو شهدت البينة أنه غاب معسرًا .. فلا فسخ، كما أفتى به ابن الصلاح، استصحابًا لدوام النكاح، قال: فلو شهدت بإعساره الآن بناءً على الاستصحاب .. جاز لها ذلك إذا لم يعلم زواله، وجاز الفسخ حينئذ 145.
(ولو حضر وغاب ماله؛ فإن كان بمسافة القصر .. فلها الفسخ) ولا يلزمها الصبر؛ للضرر كما في نظيره من فسخ البائع عند غيبة الثمن، (وإلا) أي: وإن كان على دون مسافة القصر ( .. فلا) فسخ (ويؤمر بالإحضار) عاجلًا؛ لأن ما دون مسافة القصر كالحاضر في البلد.
(ولو تبرع رجل بها) أي: بالنفقة على الزوج ( .. لم يلزمها القبول) لما فيه من المنة، ولو سلم المتبرع النفقة إلى الزوج، وسلَّم هو إليها .. فلا فسخ، قاله الخوارزمي، وهو ظاهر 146.
(وقدرته على الكسب كالمال) لأنه ليس عليه أن يدخر للمستقبل، فلو كان يكسب في يوم ما يكفي لثلاثة أيام، ثم لا يكسب يومين أو ثلاثة، ثم يكسب في يوم ما يكفي الأيام الماضية .. فلا خيار؛ لأنه غير معسر، ولا تشق الاستدانة لما يقع من التأخير اليسير.
قال الماوردي والروياني: ولو كان الكسب بأعيان محرمة؛ كالسرقة وبيع الخمر ونحوهما .. فهو كالعدم، وإن كان الفعل الموصل للكسب محرمًا؛ كصُنَّاع آلة
الجزء: 3 - الصفحة: 419
وَإِنَّمَا يُفْسَخُ بِعَجْزِهِ عَنْ نَفَقَةِ مُعْسِرٍ. وَالإِعْسَارُ بِالْكِسْوَةِ كَهُوَ بِالنَّفَقَةِ، وَكَذَا بِالأُدْمِ وَالْمَسْكَنِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: الْمَنْعُ فِي الأُدْمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَفِي إِعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ أَقْوَالٌ، أَظْهَرُهَا: تَفْسَخُ قَبْلَ وَطْءٍ لَا بَعْدَهُ
الملاهي المحرمة؛ فلا يستحق بها المُسمَّى من الأجرة، ولا بد أن يستحق لتفويت عمله أجرًا يصير به موسرًا، فلا خيار لزوجته، وكذلك كسب المنجم والكاهن قد يتوصل إليه بسبب محرم، لكنه أعطي عن طيب نفس فأجري مجرى الهبة، وإن كان محظور السبب، فيباح له إنفاقه، ولا خيار لزوجته.
انتهى 147، واستشكله القمولي وغيره.
(وإنما يفسخ بعجزه عن نفقة معسر) لأن الضرر يتحقق بذلك.
(والإعسار بالكسوة كهو بالنفقة) لأن البدن لا يقوم بدونها، وقيل: لا؛ لأن الحياة تبقى بدونها، وثم من الناس من لا يلبس الثياب.
(وكذا بالأدم والمسكن في الأصح) لأنه يعسر الصبر على الخبز البحت؛ ولأن الإنسان لا بد له من مسكن يقيه من الحر والبرد، ووجه المنع في المسكن: أن النفس تقوم بدونه؛ فإنها لا تعدم مسجدًا أو موضعًا مباحًا، وأجاب الأول: بأن الحوالة على المسجد كالحوالة في النفقة على السؤاله.
(قلت: الأصح: المنع في الأدم، والله أعلم) لقيام البُنية بدونه، بخلاف القوت، وهو ما صححه في "الشرح الصغير"، واقتضى كلام "الكبير": أن الأكثرين عليه 148.
(وفي إعساره بالمهر أقوال، أظهرها: تفسخ قبل وطء) للعجز عن تسليم العوض مع بقاء المعوض؛ كالإفلاس، وهذا الفسخ على الفور؛ كما صرح به الرافعي 149، وكلام "التتمة" يقتضي خلافه، (لا بعده) لتلف المعوض، وصيرورة العوض دينًا في الذمة، والثاني: لا يثبت الفسخ مطلقًا؛ لأن النفس تقوم بدون المهر، وليس هو على قياس الأعواض حتى يفسخ العقد بتعذره، والثالث: يثبت مطلقًا، أما قبل الوطء .. فلما ذكرناه، وأما بعده .. فلأن البضع لا يتلف حقيقة بوطئة فأكثر.
الجزء: 3 - الصفحة: 420
وَلَا فَسْخَ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَ قَاضٍ إِعْسَارُهُ فَيَفْسَخُهُ أَوْ يَأْذَنُ لَهَا فِيهِ. ثُمَّ فِي قَوْلٍ: يُنَجَّزُ الْفَسْخُ، وَالأَظْهَرُ: إِمْهَالُهُ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، وَلَهَا الْفَسْخُ صَبِيحَةَ الرَّابِعِ إِلَّا أَنْ يُسَلِّمَ نَفَقَتَهُ. وَلَوْ مَضَى يَوْمَانِ بِلَا نَفَقَةٍ وَأَنْفَقَ الثَّالِثَ وَعَجَزَ الرَّابعَ. . بَنَتْ، وَقِيلَ: تَسْتَأنِفُ. وَلَهَا الْخُرُوجُ زَمَنَ الْمُهْلَةِ لِتَحْصِيلِ النَّفَقَةِ، وَعَلَيْهَا الرُّجُوعُ لَيْلًا.
وما صححه من الفسخ قبل الدخول محله: إذا لم تقبض منه شيئًا، فإن قبضت بعضه كما هو المعتاد، وأعسر بالباقي.
. فأفتى ابن الصلاح: بأنها لا تفسخ؛ لأنه قد استقَّر للزوج بقبضها بعض المهر من البضع بقسطه، فلو جاز لها الفسخ.
. لعاد إليها بكماله؛ لأنه لا يمكن فيه التشريك لكن أفتى الشيخ شرف الدين البارزي: بأن لها الفسخ وإن قبضت البعض، وصرح به الجوري، قال الأَذْرَعي: وهو الوجه نقلًا ومعنىً، وبسط ذلك.
(ولا فسخ) بإعسار بمهر أو نفقة ونحوهما (حتى يثبت عند قاضٍ إعساره فيفسخه أو يأذن لها فيه) لأنه مجتهدٌ فيه، (ثم في قول: ينجز الفسخ) لأن سببه الإعسار وقد حصل، (والأظهر: إمهاله ثلاثة أيام) لأنه قد يتعسر عليه وجود النفقة لعوارض تخفى ثم تزول، وهذه مدة قريبة يمكن تجزئتها باستقراض وغيره.
(ولها الفسخ صبيحة الرابع) بلا مهلة؛ لتحقق الإعسار، (إلا أن يسلم نفقته) أي: نفقة الرابع، فلا فسخ لما مضى حينئذ؛ لأنه صار دينا في ذمته، وليس لها جعل ما سلمه عما مضى؛ إذ العبرة بقصد المؤدي.
(ولو مضى يومان بلا نفقة وأنفق الثالث وعجز الرابع.
. بنت) لتضررها بالاستئناف، فتصبر يومًا آخر ثم تفسخ في ثالثه 150، (وقيل: تستأنف) الأيام الثلاثة من أولها؛ لأن العجز الأول قد زال.
(ولها الخروج زمنَ المهلة لتحصيل النفقة) لأنه إذا لم يوف ما عليه.
. لا يملك الحجر، (وعليها الرجوع ليلًا) إلى منزل الزوج؛ لأنه وقت الإيواء دون العمل والاكتساب.
الجزء: 3 - الصفحة: 421
وَلَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ أَوْ نَكَحَتْهُ عَالِمَةً بِإِعْسَارِهِ.
. فَلَهَا الْفَسْخُ بَعْدَهُ، وَلَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ بالْمَهْرِ.
. فَلَا.
وَلَا فَسْخَ لِوَليِّ صَغِيرَةٍ وَمَجْنُونَةٍ بِإِعْسَارِهِ بِمَهْرٍ وَنَفَقَةٍ.
وَلَوْ أَعْسَرَ زَوْجُ أَمَةٍ بِالنَّفَقَةِ.
. فَلَهَا الْفَسْخُ، فَإِنْ رَضِيَتْ.
. فَلَا فَسْخَ لِلسَّيِّدِ فِي الأَصَحِّ، وَلَهُ أَنْ يُلْجِئَهَا إِلَيْهِ؛ بأَلَّا يُنْفِقَ عَلَيْهَا وَيَقُولَ: (افْسَخِي أَوْ جُوعِي).
فَصْلٌ [في مؤن الأقارب]
تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْوَالِدِ وَإِنْ عَلَا، وَالْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ،
(ولو رضيت بإعساره أو نكحته عالمة بإعساره.
. فلها الفسخ بعده) أي: بعد ذلك في الصورتين؛ لأن الضرر يتجدد كلَّ يوم واليسر متوقع، (ولو رضيت بإعساره بالمهر.
. فلا) تفسخ بعده؛ لأن الضرر لا يتجدد، والحاصل مرضي به بخلاف النفقة.
(ولا فسخ لولي صغيرة ومجنونة بإعساره بمهر ونفقة) وإن كان فيه مصلحتها؛ لأن الخيار يتعلق بالطبع والشهوة فلا يفوَّض إلى غير مستحقه، وكما لا ينوب عنها في الطلاق.
(ولو أعسر زوج أمةٍ بالنفقة.
. فلها الفسخ) لأنها صاحبة حقٍّ في تناولها؛ كما تفسخ بالجَبِّ والعُنَّة (فإن رضيت.
. فلا فسخ للسيد في الأصح) لأن النفقة في الأصل لها، ثم يتلقاها السيد فيكون الفسخ لها، والثاني: له الفسخ؛ لأن النفقة له ملكًا، وضرر فواتها يعود إليه.
(وله أن يلجئها إليه؛ بألَّا ينفق عليها، ويقول: "افسخي أو جوعي") دفعًا للضرر عنه.
(فصل: تلزمه نفقة الوالد وإن علا، والولد وإن سفل) سواء الوارث وغيره، والذكر والأنثى، أما وجوب نفقة الوالدين.
. فلقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، ومن المعروف: القيام بكفايتهما عند حاجتهما، والأجداد والجدات ملحقون بهما، وأما في الولد.
. فلقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم لهند: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ" 151،
الجزء: 3 - الصفحة: 422
وَإِنِ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا بِشَرْطِ يَسَارِ الْمُنْفِقِ بِفَاضِلٍ عَنْ قُوتهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فِي يَوْمِهِ. وَيُبَاعُ فِيهَا مَا يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ. وَيَلْزَمُ كَسُوبًا كَسْبُهَا فِي الأَصَحِّ. وَلَا تَجِبُ لِمَالِكِ كِفَايَتِهِ وَلَا مُكْتَسِبِهَا. وَتَجِبُ لِفَقِيرٍ غَيْرِ مُكْتَسِبٍ إِنْ كَانَ زَمِنًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا،
وإذا ثبت وجوبها على الأب.
. فعلى الأم أولى؛ لأن بعضيتها محققة، وبعضيته مظنونة، والأحفاد ملحقون بالأولاد إن لم يتناولهم إطلاق ما تقدم، ويشترط: الحرية في المنفق والمنفق عليه.
نعم؛ المبعض تلزمه نفقة قريبة في الأظهر، وينفق نفقةً كاملةً؛ كالحر، وقيل: بحسب حريته؛ ولا يلزم الولد نفقة والده المكاتب على الأصحِّ في "زيادة الروضة" 152.
واقتصاره على الأصل والفرع يفهم: عدم وجوبها لغيرهما من الأقارب، وهو كذلك خلافًا لأبي حنيفة؛ فإنه أوجب نفقة كلِّ ذي محرم.
(وإن اختلف دينهما) لعموم الأدلة، ووجود الموجب، وهو البعضية، وفارق الميراث؛ فإنه مبني على المناصرة وهي مفقودة عند اختلاف الدين.
(بشرط يسار المنفق بفاضل عن قوته وقوت عياله في يومه) لأن المعسر ليس من أهل المساواة، وأطلق العيال، وخصه الرافعي وغيره بالزوجة 153.
(ويباع فيها ما يباع في الدين) من عقار وغيره؛ لأن نفقة القريب مقدمة على الدين، وإذا بيع ذلك في الدين.
. فبيعه فيما هو مقدم عليه أولى.
(ويلزم كسوبًا كسبها في الأصح) إحياء لأصله وبعضه؛ كما يلزمه إحياء نفسه بالكسب، والثاني: لا؛ كما لا يلزمه لقضاء الدين.
وفرق الأول: بأن النفقة قدرها يسير، والدين لا ينضبط قدره.
(ولا تجب لمالك كفايته) لاستغنائه عنها (ولا مكتسبها) لاستغنائه بذلك، ويشترط كون الكسب؛ لائقًا به على أقوى الوجهين.
(وتجب لفقير غير مكتسب إن كان زمنًا أو صغيرًا أو مجنونًا) لعجزه عن كفاية
الجزء: 3 - الصفحة: 423
وَإِلَّا. . فَأَقْوَالٌ، أَحْسَنُهَا: تَجِبُ، وَالثَّالِثُ: لِأصْلٍ لَا فَرْعٍ. قُلْتُ: الثَّالِثُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَهِيَ الْكِفَايَةُ، وَتَسْقُطُ بِفَوَاتِهَا، وَلَا تَصِيرُ دَيْنًا إِلَّا بِفَرْضِ قَاضٍ أَوْ إِذْنِهِ فِي اقْتِرَاضٍ لِغَيْبَةٍ أَوْ مَنْعٍ.
نفسه، وفي معنى الزمن: العاجز بالمرض، والعمى، (وإلا) أي: وإن لم يكن غير المكتسب كذلك (. . فأقوال أحسنها: تجب) مطلقًا للأصل والفرع؛ لأنه يقبح بالإنسان أن يكلف قريبه الكسب مع اتساع ماله، والثاني: المنع مطلقًا؛ لأنه مستغن بكسبه عن أن يحمل غيره كله.
(والثالث) تجب (لأصل لا فرع) لتأكد حرمته، (قلت: الثالث أظهر، والله أعلم) لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ وليس من المعاشرة بالمعروف تكليفهما الكسب مع كبر السن، وهذا هو الأصحُّ في "أصل الروضة"، واقتضاه إيراد "الشرحين" 154.
(وهي الكفاية) لقوله صلى الله عليه وسلم: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ" 155، ولأنها مواساة فيعطيه ما يستقل به، ويتمكن من التردد والتصرف، ويدفع ألم الجوع، ولا يجب الإشباع التام، ويجب الأدم كما يجب القوت، وتجب الكسوة والسكنى على ما يليق بالحال، وإذا احتاج إلى الخدمة.
. وجبت مؤنة الخادم.
(وتسقط بفواتها) بمضي الزمان وإن تعدى المنفق بالمنع؛ لأنها وجبت لدفع الحاجة الناجزة وقد زالت، بخلاف نفقة الزوجة فإنها معاوضة.
(ولا تصير دينًا) في الذمة؛ لما سبق (إلا بفرض قاض أو إذنه في اقتراض لغيبة أو منع) فإنها تصير دينًا في الذمة؛ لتأكد ذلك بفرض القاضي وإذنه فيه، وما ذكره من صيرورتها دينًا بمجرد فرض القاضي، قال في "المهمات": لم أره لغير الغزالي في "الوسيط" و"الوجيز" فتابعه الشيخان، ولم يحكه ابن الرفعة مع اطلاعه إلا عن الرافعي، وهو مردود نقلًا وبحثًا، ثم نقل عن جمع كثير من الأصحاب التصريح بعدم
الجزء: 3 - الصفحة: 424
وَعَلَيْهَا إِرْضَاعُ وَلَدِهَا اللِّبَأَ، ثُمَّ بَعْدَهُ إِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا هِيَ أَوْ أَجْنَبيَّةٌ. . وَجَبَ إِرْضَاعُهُ، فَإِنْ وُجِدَتَا. . لَمْ تُجْبَرِ الأُمُّ، فَإِنْ رَغِبَتْ وَهِيَ مَنْكُوحَةُ أَبِيهِ. . فَلَهُ مَنْعُهَا فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا، وَصَحَّحَهُ الأَكثَرُونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنِ اتّفَقَا وَطَلَبَتْ أُجْرَةَ مِثْلٍ. . أُجيبَتْ، أَوْ فَوْقَهَا. . فَلَا، وَكَذَا إِنْ تَبَرَّعَتْ أَجْنَبِيَّةٌ أَوْ رَضِيَتْ بِأَقَلَّ فِي الأَظْهَرِ. وَمَنِ اسْتَوَى فَرْعَاهُ.
استقرارها بفرض القاضي، وبسط ذلك 156.
(وعليها) أي: الأم (إرضاع ولدها اللبأ) وهو اللبن النازل أوائل الولادة؛ لأن الولد لا يعيش بدونه غالبًا، ومدته يسيرة، (ثم بعده) أي: بعد إرضاعه اللبأ (إن لم يوجد إلا هي أو أجنبية.
. وجب إرضاعه) على الأم في الأولى، وعلى الأجنبية في الثانية؛ إبقاءً للولد.
(فإن وجدتا.
. لم تجبر الأم) لأن الإرضاع في حق الصغير بمنزلة النفقة في حق الكبير، وهي لا تجب على الأم مع يسار الأب.
(فإن رغبت) في إرضاعه مجانًا (وهي منكوحة أبيه.
. فله منعها في الأصح) لأنه يستحق الاستمتاع بها في الأوقات المصروفة إلى الرضاع، لكن يكره له المنع، (قلت: الأصح: ليس له منعها، وصححه الأكثرون، والله أعلم) 157 لأن فيه إضرارًا بالولد؛ لأنها عليه أشفق، ولبنها له أصلح وأوفق.
(فإن اتفقا) على أن الأم ترضعه (وطلبت أجرة مثل.
. أجيبت) وكانت أحق بها؛ لوفور شفقتها، (أو فوقها.
. فلا) يلزمه الإجابة؛ لتضرره، وله استرضاع أجنبية.
(وكذا إن تبرعت أجنبية أو رضيت بأقل) من أجرة المثل (في الأظهر) لأن في تكليفه الأجرة مع المتبرعة والزيادة على ما رضيت به إضرارًا، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾، والثاني: تجاب الأم؛ نظرًا لها وللطفل.
(ومن استوى فرعاه) في القرب والوراثة أو عدمها، والذكورة والأنوثة؛ كابنين
الجزء: 3 - الصفحة: 425
أَنْفَقَا، وَإِلَّا. . فَالأَصَحُّ: أَقْرَبُهُمَا، فَإِنِ اسْتَوَيَا. . فَبِالإِرْثِ فِي الأَصَحِّ، وَالثَّانِي: بِالإِرْثِ ثُمَّ الْقُرْبِ. وَالْوَارِثَانِ يَسْتَوِيَانِ أَمْ يُوَزَّعُ بِحَسَبهِ؟ وَجْهَانِ. وَمَنْ لَهُ أَبَوَانِ. . فَعَلَى الأَبِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِمَا لِبَالِغٍ. أَوْ أَجْدَادٌ وَجَدَّاتٌ، إِنْ أَدْلَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. . فَالأَقْرَبُ،
أو بنتين (. . أنفقا) بالسوية وإن تفاوتا في قدر اليسار، لأن علة إيجاب النفقة تشملهم، (وإلا) أي: وإن لم يستويا فيما ذكرناه (فالأصح: أقربهما) فإنه أولى بالاعتبار.
(فإن استويا.
. فبالإرث في الأصح) لقوته؛ كابن ابن، وابن بنت، فيلزم ابن الابن؛ لقوة قرابته، والثاني: لا أثر للإرث بل القرابة المجردة موجبةٌ للنفقة.
(والثاني: بالإرث ثم القرب) فإن كان أحدهما وارثًا دون الآخر.
. فالنفقة على الوارث، وإن كان غير الوارث أقرب وإن تساويا في الإرث.
. فالأقرب.
(والوارثان يستويان أم يوزع بحسبه؟ ) أي: بحسب الإرث (وجهان) وجه الأول: اشتراكهما في أصل الوراثة، ووجه الثاني: إشعار زيادة الإرث بزيادة قوة القرابة، ولم يرجحا في "الشرحين" و"الروضة" أيضًا واحدًا من الوجهين 158، وهذا هو الموضع الثاني في "المنهاج" بلا ترجيح، كما مر التنبيه عليه في (صلاة الجماعة)، وذكر الرافعي في "شرحيه" في اجتماع الأصول فيما إذا اجتمع أبوه وأمه، والمحتاج كبير أن الأصحَّ: أنها على الأب 159، والثاني: أنها توزع عليهما، قال: وعلى هذا يسوَّى بينهما أو تجعل أثلاثًا بحسب الإرث؟ فيه وجهان، رجح منهما الثاني 160، وقياسه: ترجيح الثاني هنا أيضًا.
(ومن له أبوان.
. فعلى الأب) لقوة الذكورة، (وقيل: عليهما لبالغ) لاستوائهما في القرب والولادة.
(أو أجداد وجدات؛ إن أدلى بعضهم ببعض.
. فالأقرب) أي: فالنفقة على
الجزء: 3 - الصفحة: 426
وَإِلَّا.
. فَبالْقُرْبِ، وَقِيلَ: الإِرْثِ، وَقِيلَ: بِوِلَايَةِ الْمَالِ.
وَمَنْ لَهُ أَصْلٌ وَفَرْعٌ.
. فَفِي الأَصَحِّ: عَلَى الْفَرْعِ وَإِنْ بَعُدَ.
أَوْ مُحْتَاجُونَ.
. يُقَدِّمُ زَوْجَته ثُمَّ الأَقْرَبَ، وَقِيلَ: الْوَارثَ، وَقِيلَ: الْوَليَّ.
فَصْلٌ [في الحضانة]
الْحَضَانَةُ: حِفْظُ مَنْ لَا يَسْتَقِلُّ وَتَرْبِيَتُهُ.
الأقرب؛ لإدلاء الأبعد به، (وإلا) أي: وإن لم يدل بعضهم ببعض (. . فبالقرب، وقيل: الإرث) على ما تقدم في جانب الفروع، (وقيل: بولاية المال) لأنها تشعر بتفويض التربية إليه.
أمثلة: أبو أب وأبو أم، هما سواء على القرب، وعلى أبي الأب على الأخيرين.
أم أم وأم أب، هما سواء على الأولين، وتلزم أم الأب على الثالث لإدلائها بولي.
أبو أم وأم أب، هما سواء على الأول، وتلزم أم الأب على الأخيرين.
(ومن له أصل وفرع.
. ففي الأصح: على الفرع وإن بعد) كأب وابن ابن؛ لأن عصوبته أقوى، وهو أولى بالقيام بشأن أبيه؛ لعظم حرمته، والثاني: أنها على الأب؛ استصحابًا لما كان في الصغر، والثالث: أنها عليهما؛ لاستوائهما في القرب.
(أو محتاجون) من النوعين أو أحدهما مع زوجة، وضاق الموجود عنهم (. . يقدم زوجته) لأن نفقتها آكد؛ لأنها لا تسقط بمضي الزمان، ولا بغناها؛ فالتحقت بالديون (ثم الأقرب) فالأقرب، (وقيل: الوارث، وقيل: الولي) هذا هو الخلاف المار في اجتماع فروع المنفق عليه، وقد مر ما فيه.
(فصل: الحضانة: حفظ من لا يستقل) بأمره؛ لعدم تمييزه، (وتربيته) بما يصلحه ويقيه عما يهلكه.
والحضانة: بفتح الحاء؛ مأخوذة من الحِضن، بكسر الحاء، وهو الجَنْب؛ لأنها تضمه إلى حضنها.
الجزء: 3 - الصفحة: 427
وَالإِنَاثُ أَلْيَقُ بِهَا، وَأَوْلَاهُنَّ: أُمٌ ثُمَّ أُمَّهَاتٌ يُدْلِينَ بِإِنَاثٍ يُقَدَّمُ أَقْرَبُهُنَّ. وَالْجَدِيدُ: يُقَدَّمُ بَعْدَهُنَّ أُمُّ أَبٍ ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا الْمُدْلِيَاتُ بِإِنَاثٍ ثُمَّ أُمُّ أَبِي أَبٍ كَذَلِكَ، ثُمَّ أُمُّ أَبِي جَدٍّ كَذَلِكَ. وَالْقَدِيمُ: الأَخَوَاتُ وَالْخَالَاتُ عَلَيْهِنَّ.
(والإناث أليق بها) لأنهن بها أبصر، وعلى القيام بها أصبر، (وأولاهن) عند التنازع في طلبه (أُمٌّ) لفرط حُنوِّها، هذا إذا كان المحضون حرًّا؛ فإن كان رقيقًا.
. فحضانته لسيدته.
ويستثنى من إطلاقه: ما لو كان للمحضون زوج، وأمكن الاستمتاع.
. فالزوج والزوجة أحقُّ بالكفالة من جميع الأقارب وإن كانا أجنبيين؛ لما بينهما من السكون والمودة، كذا حكياه هنا عن الروياني، وأقراه 161.
(ثم أمهات يدلين بإناث) وارثات؛ لمشاركتهن الأم في الإرث والولادة (يقدم أقربهن) لوفور الشفقة.
(والجديد: يقدم بعدهن أم أب) لمشاركتها أم الأم في المعنى السابق، وإنما قدمت أمهات الأم وإن علون؛ لأن الولادة فيهن محققة، وفي أمهات الأب مظنونة، (ثم أمهاتها المدليات بإناث) وارثات؛ لما سبق، (ثم أم أبي أب كذلك) ثم أمهاتها المدليات بالإناث، (ثم أم أبي جد كذلك) ثم أمهاتها المدليات بالإناث؛ لأن لهن ولادة ووراثة؛ كالأم وأمهاتها.
(والقديم: الأخوات والخالات) يقدمن 162 (عليهن) أما الأخوات.
. فلأنهن اجتمعن في الصلب والبطن أو في أحدهما وشاركنه في النسب؛ فهُنَّ عليه أشفق، وأما الخالات.
. فلقوله: صلى الله عليه وسلم في قضية ابنة حمزة: "الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ" رواه البخاري 163، وأجاب الجديد: بأن النظر هنا إلى الشفقة، وهي في الجدات أغلب.
الجزء: 3 - الصفحة: 428
وَتُقَدَّمُ أُخْتٌ عَلَى خَالَةٍ، وَخَالَةٌ عَلَى بِنْتِ أَخٍ وَأُخْتٍ، وَبِنْتُ أَخٍ وَأُخْتٍ عَلَى عَمَّةٍ، وَأُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ عَلَى أُخْتٍ مِنْ أَحَدِهِمَا. وَالأَصَحُّ: تقدِيمُ أُخْتٍ مِنْ أَبٍ عَلَى أُخْتٍ مِنْ أُمٍّ، وَخَالَةٍ وَعَمَّةٍ لِأبٍ عَلَيْهِمَا لِأمٍّ. وَسُقُوطُ كُلِّ جَدَّةٍ لَا تَرِثُ دُونَ أُنْثَى غَيْرِ مَحْرَمٍ كَبِنْتِ خَالَةٍ.
(وتقدم أخت) من أي جهة كانت (على خالة) لقربها (وخالة على بنت أخ و) بنت (أخت) لأنها كالأم (وبنت أخ و) بنت (أخت على عمة) كما يقدم ابن الأخ في الميراث على العم، (وأخت من أبوين على أخت من أحدهما) لأن شفقتها أتم؛ لاجتماعها معه في الصلب والرحم.
(والأصح: تقديم أخت من أب على أخت من أم) لقوة إرثها؛ لأنها قد تصير عصبة، والثاني: تقدم الأخت من الأم؛ لأنها تدلي بالأم، فتقدم على من تدلي بالأب، (وخالة وعمة لأب عليهما لأم.) لقوة الجهة؛ كالأخت، والثاني: لا؛ لأن التقديم في المسألة قبلها كان لقوتها في الإرث، وهنا لا إرث لواحدة منهما.
(وسقوط كل جدة لا ترث) كأم أبي الأم؛ لأنها تدلي بمن لا حقَّ له في الحضانة؛ فأشبهت الأجانب، والثاني: لا؛ لولادتهن، وشمول أحكام البعضية لهُنَّ لكن يتأخرن عن جميع المذكورات أولًا؛ لضعفهن، قال الشيخان: وفي معنى الجدة الساقطة: كلُّ مَحرم تدلي بذكر لا يرث؛ كبنت ابن البنت، وبنت العم للأم.
انتهى 164.
وكون بنت العم محرمًا ذهولٌ.
(دون أنثى غير محرم؛ كبنت خالة) وبنت عمة، وبنتي الخال والعم، فلا تسقط على الأصحِّ؛ لشفقتها بالقرابة، وهدايتها بالأنوثة، والثاني: لا حق لهن؛ كالجدات الساقطات.
وفرق الأول: بأن الجدات الساقطات تدلين بغير وارث، بخلاف هؤلاء، كذا قاله الرافعي 165، واعترض: بأنه ليس في هؤلاء من تدلي بوارث غير بنت العم العصبة.
الجزء: 3 - الصفحة: 429
وَتَثْبُتُ لِكُلِّ ذَكَرٍ مَحْرَمٍ وَارِثٍ عَلَى تَرْتيبِ الإِرْثِ، وَكَذَا غَيْرُ مَحْرَمٍ كَابْنِ عَمٍّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا تُسَلَّمُ إِلَيْهِ مُشْتَهَاةٌ بَلْ إِلَى ثِقَةٍ يُعَيِّنُهَا. وَإِنْ فُقِدَ الإِرْثُ وَالْمَحْرَمِيَّةُ أَوِ الإِرْثُ. . فَلَا فِي الأَصَحِّ. وَإِنِ اجْتَمَعَ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ. . فَالأُمُّ ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا ثُمَّ الأَبُ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْخَالَةُ وَالأُخْتُ مِنَ الأمِّ. وَيُقَدَّمُ الأَصْلُ عَلَى الْحَاشِيَةِ،
(وتثبت لكل ذكر محرم وارث) كالأب والجد وإن علا، والأخ وابنه والعم؛ لوفور شفقته، وقوة مرتبته بالإرث والمحرمية (على ترتيب الإرث) كما تقرر في بابه.
(وكذا غير محرم؛ كابن عم على الصحيح) لوجود القرابة والإرث والشفقة، والثاني: لا؛ لفقد المحرمية.
وأورد على إطلاقه: المعتق؛ فإنه وارث غير محرم، ولا حضانة له على الصحيح؛ لعدم القرابة التي هي مظنة الشفقة.
(ولا تسلم إليه مشتهاة) حذرًا من الخلوة (بل إلى ثقة يعينها) ولو بأجرة من ماله؛ لأن الحقَّ له في ذلك.
(وإن فقد الإرث والمحرمية) كابن الخال وابن العمة (أو الإرث) مع وجود المحرمية؛ كأب الأم والخال (. . فلا) حضانة لهم (في الأصح) لفقدان الإرث والمحرمية في الأولى، ولضعف قرابته في الثانية؛ لأنه لا يرث بها ولا يلي ولا يعقل، والثاني: نعم؛ لوفور شفقته.
(وإن اجتمع ذكور وإناث.
. فالأم ثم أمهاتها) المدليات بالأمهات؛ لما تقدم، (ثم الأب) لأن مَنْ عداه إن أدلى به.
. فهو مقدم عليه؛ كالإرث، وإن لم يدل به.
. فمن يدلي به مقدمٌ عليه، والمقدم على المقدم مقدم، (وقيل: تقدم عليه الخالة، والأخت من الأم) لإدلائهما بالأم؛ فأشبها أمهاتهما.
ولو حذف قوله: (من الأم) لكان أخصر وأشمل؛ إذ في كلِّ واحدةٍ من الأخوات الثلاث وجه أنها تقدَّمُ على الأب.
(ويقدم الأصل على الحاشية) أي: وتتقدم الأصول على الأقارب الواقعين في حواشي النسب؛ كالأخت والعمة؛ لقوة الأصول، وجزمه بتقديم الأصل على
الجزء: 3 - الصفحة: 430
فَإِنْ فُقِدَ. . فالأَصَحُّ: الأَقْرَبُ، وَإِلَّا. . فَالأُنْثَى، وَإِلَّا. . فَيُقْرَعُ وَلَا حَضَانَةَ لِرَقِيقٍ وَمَجْنُونٍ، وَفَاسِقٍ
الحاشية كذا هو في "المحرر" و"الشرحين" و"الروضة" 166، وهو مخالف لقولهما قبل: (وقيل: تقدم عليه الخالة، والأخت من الأم).
(فإن فقد) الأصل (. . فالأصح) أنه يقدم (الأقرب) فالأقرب؛ كالإرث ذكرًا كان أو أنثى، (وإلا) أي: وإن لم يوجد الأقرب؛ بأن فقد أو استوى جمع في القرب (. . فالأنثى) مقدمة على الأصحِّ؛ لكونها أصبر وأبصر.
(وإلا) أي: فإن استوى اثنان من كل وجه؛ كأخوين أو أختين (. . فيقرع) قطعًا للنزاع، والثاني: أن نساء القرابة وإن بعدن أولى بالحضانة من الذكور وإن كانوا عصبات؛ لأنهن أصلح للحضانة، والثالث: العصبات أولى منهن؛ لقوة نسبهم، وقيامهم بالتأديب، وما صححه تبعًا لأصله من تقديم الأقرب.
. هو ما صححه في "أصل الروضة" 167، ونقل في "الشرحين" تصحيحه عن الروياني، وأقره 168، وهو مخالف لما جزما به من قبلُ من تقديم الخالة على بنات الإخوة والأخوات على الجديد والقديم؛ فكيف يمكن جعله أصح مع مخالفته الجديد والقديم؟ !
(ولا حضانة لرقيق) ولو مبعضًا ومدبرًا ومكاتبًا ومستولدة ولو أذن السيد في الحضانة؛ لأنها ولاية وليس من أهلها.
ويستثنى من إطلاقه: ما لو أسلمت أم ولد الكافر.
. فإن ولدها يتبعها وحضانته لها ما لم تتزوج وإن كانت رقيقة، نقلاه في (كتاب أمهات الأولاد) عن أبي إسحاق المروزي، وأقراه 169.
(ومجنون) ولو تقطع جنونه إلا أن يقلَّ؛ كيوم في سنة؛ لأنه محضون، (وفاسق) لأنها ولاية، وهو لا يلي، واقتصاره على نفي الفسق يقتضي عدم اشتراط
الجزء: 3 - الصفحة: 431
وَكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَنَاكِحَةِ غَيْرِ أَبِي الطفْلِ إِلَّا عَمَّهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَابْنَ أَخِيهِ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ كَانَ رَضِيعًا. . اشْتُرِطَ أَنْ ترْضِعَهُ
العدالة الباطنة حتى يكتفى بالمستور، وهو العدالة الظاهرة حتى يتبين الفسق، وبه صرح الماوردي والروياني 170.
(وكافر على مسلم) بخلاف العكس على الصحيح؛ لأنه لا ولاية لكافر على مسلم، ولأنه قد يفتنه عن الدين، (وناكحة غير أبي الطفل) وإن لم يدخل بها؛ لأن النكاح يشغلها بحق الزوج.
وقوله: (غير أبي الطفل) أي: وإن علا؛ ليدخل الجد، وإلا.
. فيرد على حصره الاستثناء في المسلمة بعدها؛ فلو نكحت الجد أبا الأم.
. بطل حقها؛ كما صرح به البغوي، والمصنف في "فتاويه" و"تحريره" 171، لكن نقل الأَذْرَعي في "القوت" عن جمع من العراقيين بأنه لا يسقط حقها، قال: وهذا هو الأصحُّ المختار، بخلاف ما ذكرته في "الغنية".
ويستثنى من سقوط الحضانة بالنكاح: ما لو خالع زوجته بألف، وحضانة الصغير سنة فتزوجت في أثناء السنة.
. فليس له انتزاعه منها؛ لأن الإجارة عقد لازم، كذا حكياه في آخر (الخلع) عن "فتاوى القاضي الحسين"، وأقراه 172.
(إلا عمه وابن عمه وابن أخيه في الأصح) لأن هؤلاء أصحاب حق في الحضانة، والشفقة تحملهم على رعاية الطفل، فيتعاونان على كفالته بخلاف الأجنبي، والثاني: يبطل حقها؛ لاشتغالها بالزوج، ولا حقَّ له في الحضانة الآن، فأشبه الأجنبي.
ويرد على حصره: ما إذا تزوجت أخته لأمه بأخيه 173 لأبيه، وضابطه: كل من له حق في الحضانة.
(وإن كان) المحضون (رضيعًا.
. اشترط) في استحقاقها الحضانة (أن ترضعه
الجزء: 3 - الصفحة: 432
عَلَى الصَّحِيحِ. فَإِنْ كَمُلَتْ نَاقِصَةٌ أَوْ طَلُقَتْ مَنْكُوحَةٌ. . حَضَنَتْ، وَإِنْ غَابَتِ الأُمُّ أَوِ امْتَنَعَتْ. . فَلِلْجَدَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
على الصحيح) لعسر استئجار مرضعة تترك بيتها، وتنتقل إلى مسكن الأم، والثاني: لا، وعلى الأب أن يستأجر مرضعة ترضعه عند الأم.
وبقي للحضانة موانع آخر؛ منها: المرض الذي لا يرجى زواله؛ كالسل والفالج إذا كان يشغله الألم عن الكفالة، وإن لم يشغله وإنما يؤثر في عسر الحركة والتصرف.
. سقطت الحضانة في حق من يباشرها بنفسه دون من يدبر الأمور، ويباشرها غيره، قال الرافعي: ومنها: العمى، فلا حضانة لأعمى 174، كما أفتى به عبد الملك بن إبراهيم المقدسي الهمداني شارح "المفتاح"، وهو من أقران ابن الصباغ، ومنها: الرشد فلا حضانة لسفيه؛ كما قاله الماوردي والقاضي أبو الطيب، قال الزركشي: ونصَّ عليه في "المختصر"، ومنها: التغفل، فلا حضانة لمغفل؛ كما قاله الجرجاني في "الشافي"، قال الأَذْرَعي: وهو حسن متعين في حق غير المميز، ومنها: الجذام والبرص يسقط الحضانة، كما صرح به الشيخ صلاح العلائي في "قواعده"؛ لحديث: "لَا يُورِدَنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ" 175.
(فإن كملت ناقصة أو طلقت منكوحة.
. حضنت) لزوال المانع، وتستحق المطلقة الحضانة في الحال قبل انقضاء العدة على المذهب.
(وإن غابت الأم أو امتنعت.
. فللجدة) أم الأم (على الصحيح) كما لو ماتت أو جنت، والثاني: تنتقل إلى الأب، والثالث: إلى السلطان؛ لبقاء أهلية الأم؛ كما لو غاب ولي النكاح أو عضل يزوج السلطان لا الأبعد، وإنما تنتقل الحضانة إلى الجدة بعد الأم إذا لم يرض الأب؛ فإن رضي الأب باستمراره عند الأم المزوجة ورضي الزوج بذلك.
. فلا حق لمجدة على الصحيح في "أصل الروضة" 176، وظاهره: بقاء حق الأم، وصححه البغوي والخوارزمي، وجرى عليه في "الكفاية"، واستغربه في
الجزء: 3 - الصفحة: 433
هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ مُمَيِّزٍ، وَالْمُمَيِّزُ إِنِ افْتَرَقَ أَبَوَاهُ. . كَانَ عِنْدَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا جُنُونٌ أَوْ كُفْرٌ أَوْ رِقٌ أَوْ فِسْقٌ أَوْ نَكَحَتْ. . فَالْحَقُّ لِلآخَرِ. وَيُخَيَّرُ بَيْنَ أُمٍّ وَجَدٍّ، وَكَذَا أَخٌ أَوْ عَمٌّ أَوْ أَبٌ مَعَ أُخْتٍ أَوْ خَالَةٍ فِي الأَصَحِّ، فَإِنِ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ الآخَرَ. . حُوِّلَ إِلَيهِ.
"المطلب"؛ إذ كيف يسقط حق الجدة برضا الأب، وقال الأَذْرَعي: الأقيس: عدم السقوط.
(هذا كله في غير مميز، والمميز إن افترق أبواه) مع أهليتهما ومقامهما في بلد واحد (. . كان عند من اختار منهما) لأنه صلى الله عليه وسلم خيَّر غلامًا بين أبيه وأمه، حسنه الترمذي 177، وسواء الغلام والجارية عندنا.
(فإن كان في أحدهما جنون أو كفر أو رق أو فسق أو نكحت.
. فالحق للآخر) لوجود المانع به، فإن زال الخلل.
. أنشئ التخيير.
(ويخير بين أم وجد) وإن علا عند فقد الأب أو عدم أهليته، لأنه بمنزلته، وكذلك الجدة أم الأم مع الأب.
(وكذا أخ أو عم، أو أب مع أخت أو خالة في الأصح) لما رواه الشافعي عن عُمَارة الجَرْمي قال: خيرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمي وعمي، وكنت ابن سبع أو ثمان سنين 178، والثاني: لا بل الأم أحق؛ لقربها وولادتها، كما قبل التمييز.
(فإن اختار أحدهما ثم الآخر.
. حول إليه) لأنه قد يبدو له الأمر على خلاف ما ظنه.
نعم؛ لو كثر التردد بحيث يغلب على الظن أن سببه نقصانه وقلة تمييزه.
. جعل عند الأم كما قبل التمييز، وكذا لو بلغ وهو على نقصانه وخبله، كذا في "الروضة"
الجزء: 3 - الصفحة: 434
فَإِنِ اخْتَارَ الأَبَ ذَكَرٌ. . لَمْ يَمْنَعْهُ زِيَارَةَ أُمِّهِ وَيَمْنَعُ أُنْثَى، وَلَا يَمْنَعُهَا دُخُولًا عَلَيْهِمَا زَائِرَةً، وَالزِّيَارَةُ مَرَّةً فِي أَيَّامٍ، فَإِنْ مَرِضَا. . فالأُمُّ أَوْلَى بِتَمْرِيضِهِمَا؛ فَإِنْ رَضِيَ بِهِ فِي بَيْتِهِ، وَإِلَّا. . فَفِي بَيْتِهَا. وَإِنِ اخْتَارَهَا ذَكَرٌ. . فَعِنْدَهَا لَيْلًا وَعِنْدَ الأَبِ نَهَارًا يُؤَدِّبُهُ وَيُسَلِّمُهُ لِمَكْتَبٍ وَحِرْفَةٍ،
و"أصلها" 179، وقال الإمام: لا وجه عندي في ذلك إلا اتباعه بشرط ألا تتعطل الحضانة بالتردد؛ فإن ذلك لا ينكر في حال الصبي 180، وسبقه إلى ذلك الماوردي فقال: وعلى هذا أبدًا كلما اختار واحدًا بعد واحدٍ.
. حُوِّل إليه 181.
(فإن اختار الأب ذكر.
. لم يمنعه زيارة أمه) وجوبًا؛ كما قاله في "الكفاية"؛ لئلا يكون ساعيًا في العقوق 182، (ويمنع أنثى) من زيارة أمها؛ لئلا تعتاد البروز، ولتألف الصيانة، وفي "فتاوى ابن الصلاح" أن للأم أن تطلب البنت، فتنفذ إلى زيارتها 183.
(ولا يمنعها) أي: الأم (دخولًا عليهما) أي: على الابن والبنت (زائرة) لما تقدم، (والزيارة مرة في أيام) عملًا بالعادة.
(فإن مرضا.
. فالأم أولى بتمريضهما) لأنها أهدى إليه وأصبر عليه، (فإن رضي به في بيته، وإلا.
. ففي بيتها) والأب مخير بين الحالتين، ويجب الاحتراز عن الخلوة عند التمريض في بيته، وعند زيارتها الولد.
(وإن اختارها ذكر.
. فعندها ليلًا، وعند الأب نهارًا يؤدبه ويسلمه لمكتب وحرفة) على ما يليق به، ولا يكله في ذلك إلى أمه؛ لعجز النساء عن القيام بمثل ذلك، ويجب ذلك على الولي أبا كان أو جدًّا، أو وصيًّا أو قيمًا، وأجرة ذلك في مال الصبي؛ فإن لم يكن.
. فعلى من تلزمه نفقته.
الجزء: 3 - الصفحة: 435
أَوْ أُنْثَى. . فَعِنْدَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، وَيَزُورُهَا الأَبُ عَلَى الْعَادَةِ. وَإِنِ اخْتَارَهُمَا. . أُقْرِعَ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ. . فالأُمُّ أَوْلَى، وَقِيلَ: يُقْرَعُ. وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا سَفَرَ حَاجَةٍ. . كَانَ الْوَلَدُ الْمُمَيِّزُ وَغَيْرُهُ مَعَ الْمُقِيمِ حَتَّى يَعُودَ، أَوْ سَفَرَ نُقْلَةٍ. . فَالأَبُ أَوْلَى بشَرْطِ أَمْنِ طَرِيقِهِ وَالْبَلَدِ الْمَقْصُودِ، قِيلَ: وَمَسَافَةِ قَصرٍ. وَمَحَارِمُ الْعَصَبَةِ فِي هَذَا كَالأبِ،
(أو أنثى.
. فعندها ليلًا ونهارًا) طلبًا لسترها (ويزورها الأب على العادة) ولا يطلب إحضارها إليه؛ لتألف التستر والصيانة، قال الماوردي: ويعتبر في دخوله على الأم وجود محرم أو نسوة ثقات 184، (وإن اختارهما.
. أقرع) قطعًا للنزاع.
(وإن لم يختر) واحدًا منهما (. . فالأم أولى) استصحابًا لما كان، (وقيل: يقرع) إذ ليس أحدهما بعد زوال زمن الحضانة أولى من الآخر.
(ولو أراد أحدهما سفر حاجة.
. كان الولد المميز وغيره مع المقيم حتى يعود) لما في السفر من الخطر والضرر، وسواء أطالت المدة أم قصرت.
(أو سفر نُقلة.
. فالأب أولى) سواء انتقل الأب أو الأم أو كُلُّ واحدٍ إلى بلد؛ احتياطًا للنسب؛ فإنه يتحفظ بالآباء، ولمصلحة التأديب والتعليم والصيانة، وسواء أنكحها في بلده أم في الغربة.
(بشرط أمن طريقه والبلد المقصود) إليه؛ فإن كان أحدهما مخوفًا.
. أقرّ عند أمه، وألحق ابن الرفعة بذلك: الحر والبرد الشديدين، (قيل: ومسافة القصر) لأن الانتقال لما دونها كالإقامة في محلة أخرى من البلد المتسع؛ لإمكان مراعاة الولد، وهذا ما اختاره جمهور العراقيين وغيرهم، والأصحُّ عند الشيخين: عدم الفرق 185، وهو قضية إطلاق نص "الأم" و"المختصر" 186؛ لأنه في معنى الانتقال إلى مسافة القصر.
(ومحارم العصبة) كالأخ والعم (في هذا كالأب) في انتزاع الولد عند الانتقال؛
الجزء: 3 - الصفحة: 436
وَكَذَا ابْنُ عَمٍّ لِذَكَرٍ، وَلَا يُعْطَى أُنْثَى، فَإِنْ رَافَقَتْهُ بنْتُهُ.
. سُلِّمَ إِلَيْهَا.
فَصْلٌ [في مؤنة المماليك وتوابعها]
عَلَيْهِ كِفَايَةُ رَقِيقِهِ نَفَقَةً وَكِسْوَةً وَإِنْ كَانَ أَعْمَى زَمِنًا وَمُدَبَّرًا وَمُسْتَوْلَدَةً مِنْ غَالِبِ قُوتِ رَقِيقِ الْبَلَدِ وَأُدْمِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ، وَلَا يَكْفِي سَتْرُ الْعَوْرَةِ.
احتياطًا للنسب، (وكذا ابن عم لذكر) لما سبق (ولا يعطى أنثى) مشتهاة؛ حذرًا من الخلوة المحرمة.
(فإن رافقته بنته) البالغة العاقلة الثقة (. . سلم إليها) لانتفاء ذلك.
وكان ينبغي أن يقول: (سلمت)؛ لأن الضمير عائد على الأنثى.
(فصل: عليه كفاية رقيقه) بلا تقدير (نفقة وكسوة) وسائر مؤنه، وكذا شراء الماء للطهارة أعلى الأصح في زيادة "الروضة"، 187، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ" رواه مسلم 188.
والمعتبر: كفايته في نفسه مع مراعاة رغبته وزهادته وإن زادت على كفاية مثله على الأصحِّ.
ويستثنى من إطلاقه: المكاتب، والأمة المزوجة حيث أوجبنا على الزوج نفقهما أو أعسر الزوج ولم يفسخ، ومنعنا السيد من الفسخ.
(وإن كان أعمى زمنًا) ونحو ذلك من أنواع العجز (ومدبرًا ومستولدة) لبقاء الملك والمنافع (من غالب قوت رقيق البلد وأدمهم وكسوتهم) من قطن أو صوف مما يلبسه رقيق البلد، ويراعى يسار السيد أو إعساره، فيجب اللائق بحاله من رفيع الغالب وخسيسه.
(ولا يكفي ستر العورة) وإن لم يتأذ بحر ولا برد، لما فيه من الإذلال والتحقير،
الجزء: 3 - الصفحة: 437
وَيُسَنُّ أَنْ يُنَاوِلَهُ مِمَّا يَتَنَعَّمُ بهِ مِنْ طَعَامٍ وَأُدْمٍ وَكِسْوَةٍ. وَتسقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ. وَيَبِيعُ الْقَاضِي فِيهَا مَالَهُ، فَإِنْ فُقِدَ الْمَالُ. . أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ أَوْ إِعْتَاقِهِ.
كذا قاله الإمام: تفقهًا، وتابعاه 189، وقيده في "الوسيط" ببلادنا 190، قال في "المطلب": واحتز به عن بلاد السودان وغيرها الذين يقتصرون على ذلك؛ فإنه يجوز الاقتصار فيها على ستر العورة؛ لأنه العرف.
(ويسن أن يناوله مما يتنعم به؛ من طعام وأدم) قال في "المحرر": سيِّما إذا عالج الطعام وولِيَ طبخه 191؛ لحديث: "إِذَا أَتىَ أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُقْعِدْهُ مَعَهُ.
. فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلَاجَهُ" متفق عليه 192.
وليكن ما يناوله لقمة كبيرة تسد مسدًّا لا صغيرة تهيج الشهوة ولا تقضي النهمة.
(وكسوة) لأنها من مكارم الأخلاق.
(وتسقط بمضي الزمان) كنفقة القريب.
(ويبيع القاضي فيها ماله) عند امتناعه وغيبته؛ كنفقة القريب، وهل يبيع شيئًا فشيئًا أم يستدين عليه، فإذا اجتمع عليه شيء صالح باع لأجله؟ وجهان: صحح في "زيادة الروضة"، الثاني 193، فإن لم يمكن بيع بعضه.
. باع جميعه؛ كما حكاه في "الكفاية" عن الماوردي 194.
(فإن فقد المال.
. أمره ببيعه أو إعتاقه) أو إجارته، دفعًا للضرر، فإن لم يفعل.
. باعه الحاكم أو أجره، فإن لم يشتره أحد.
. أنفق عليه من بيت المال، فإن لم يكن فيه مال.
. فهو من محاويج المسلمين؛ فعليهم القيام به.
وأم الولد قيل: يجبر على عتقها أو تزويجها، والأصحُّ في "الروضة": المنع،
الجزء: 3 - الصفحة: 438
وَيُجْبِرُ أَمَتَهُ عَلَى إِرْضَاعِ وَلَدِهَا -وَكَذَا غَيْرُهُ إِنْ فَضَلَ عَنْهُ- وَفَطْمِهِ قَبْلَ حَوْلَيْنِ إِنْ لَمْ يَضُرَّهُ، وَإِرْضَاعِهِ بَعْدَهُمَا إِنْ لَمْ يَضُرَّهَا. وَلِلْحُرَّةِ حَقٌّ فِي التَّرْبِيَةِ. فَلَيْسَ لِأحَدِهِمَا فَطْمُهُ قَبْلَ حَوْلَيْنِ، وَلَهُمَا إِنْ لَمْ يَضُرَّهُ، وَلأحَدِهِمَا بَعْدَ حَوْلَيْنِ، وَلَهُمَا الزِّيَادَةُ. وَلَا يُكَلِّفُ رَقِيقَهُ إِلَّا عَمَلًا يُطِيقُهُ وَتَجُوزُ مُخَارَجَتُهُ بِشَرْطِ رِضَاهُمَا
بل يخليها لتكتسب وتنفق على نفسها؛ فإن تعذرت نفقتها بالكسب.
. ففي بيت المال 195.
(ويجبر أمته على إرضاع ولدها) لأن لبنها ومنافعها له، بخلاف الزوجة؛ فإن الزوج لا يملك ذلك منها، وإرضاع الولد عليه، فلم يكن عليها فعله، (وكذا غيره) معه (إن فضل عنه) لقلة شربه أو لكثرة اللبن؛ لأن منافعها له، فإن لم يفضل.
. فلا إجبار؛ لوجود الضرر.
(وفطمه قبل حولين إن لم يضره، وإرضاعه بعدهما إن لم يضرها) وليس لها الاستقلال بالرضاع ولا بالفطم؛ لأنه لا حقَّ لها في نفسها، بخلاف الحرة.
(وللحرة حق في التربية، فليس لأحدهما) أي: لأحد الأبوين (فطمه قبل حولين) لأنها تمام مدة الرضاع، (ولهما إن لم يضره) لاتفاقهما، وعدم الإضرار بالطفل، (ولأحدهما بعد حولين) لمضي مدة الرضاع (ولهما الزيادة) إذا لم تضره، وفي "فتاوي الحناطي": أنه يستحب قطع الرضاعة عند الحولين إلا لحاجة.
(ولا يكلف رقيقه إلا عملًا يطيقه) أي: يطيق المداومة عليه؛ للحديث المار: "وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ" 196، وفسره الشافعي والأصحاب بذلك، قال في "الأم": وليس المراد: ما يطيقه يومًا أو يومين أو ثلاثة ويعجز في الباقي عنه 197.
(وتجوز مخارجته بشرط رضاهما) فليس لأحدهما إجبار الآخر عليها؛ لأنه عقد معاوضة؛ فاعتبر فيه التراضي، ومخارجة العبد ثابتة عن جمع من الصحابة؛ روى
الجزء: 3 - الصفحة: 439
- وَهِيَ: خَرَاج يُؤَدِّيهِ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ أُسْبُوعٍ - وَعَلَيْهِ عَلْفُ دَوَابِّهِ وَسَقْيُهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ.
. أُجْبِرَ فِي الْمَأْكُولِ عَلَى بَيع أَوْ عَلْفٍ أَوْ ذَبْحٍ، وَفِي غَيْرِهِ عَلَى بَيْعٍ أَوْ عَلْفٍ.
وَلَا يَحْلبُ مَا ضَرَّ وَلَدَهَا.
وَمَا لَا رُوحَ لَهُ كَقَنَاةٍ وَدَارٍ لَا تَجِبُ عِمَارَتُهَا.
===
"البيهقي": أنه كان للزبير ألف مملوك يؤدي إليه الخراج، فلا يُدخل بيتَه من خراجهم شيئًا بَل يتصدق به 198.
(وهي) أي: المخارجة (خراج) معلوم (يؤديه كل يوم أو أسبوع) أو شهر على حسب اتفاقهما، ويشترط: قدرته على كسب مباح، وأن يكون ذلك فاضلًا عن مؤنته إن جعلت في كسبه، فلو قصر كسبه عن قدر خراجه.
. لم يصح، كما صرح به الماوردي وغيره 199.
(وعليه علف دوابه وسقيها) لحرمة الروح، وهذا فيما لم تألف الرعي؛ فإن ألفته.
. فعليه إرسالها للرعي إن كان هناك ما تشرب منه، واكتفت بذلك ولا مانع من ثلج وغيره، وإلا.
. أضاف إليه قدر الكفاية.
و(العلف) - بفتح اللام-: مطعوم الدواب، وبإسكانها المصدر، ويجوز هنا الأمران، وضبطه المصنف بخطه بالإسكان.
(فإن امتنع.
. أجبر في المأكول على بيع أو علف) بإسكان اللام؛ كما ضبطه المصنف بخطه، (أو ذبح، وفي غيره على بيع أو علف) صيانةً لها عن الهلاك؛ فإن لم يفعل.
. ناب الحاكم عنه في ذلك على ما يراه ويقتضيه الحال.
(ولا يحلب ما ضر ولدها) للنهي عنه، كما صححه ابن حبان 200، (وما لا روح له؛ كقناة ودار لا تجب عمارتها) على مالكها المطلق التصرف؛ لأن ذلك تنمية للمال، ولا يجب على الإنسان ذلك.
نعم؛ يكره ترك عمارة الدار وسائر العقار، والأولى: ترك الزيادة، وربما قيل:
الجزء: 3 - الصفحة: 440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تكره الزيادة، وصحَّ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيُؤْجَرُ فِي نَفَقَتِهِ كُلِّهَا إِلَّا فِي هَذَا التُّرابِ"، قال ابن حبان: معناه: إذا أنفق فيها فضلًا عما يحتاج إليه من البناء 201.
الجزء: 3 - الصفحة: 441
بداية المحتاج في شرح المنهاج
تأليف الإمام الفقيه القاضي بدر الدين أبي الفضل محمد بن أبي بكر الأسدي الشافعي ابن قاضي شهبة رحمه الله تعالى (798 هـ - 874 هـ)
عنى به أنور بن أبي بكر الشيخي الداغستاني
بمساهمة اللجنة العلمية بمركز دار المنهاج للدراسات والتحقيق العلمي
[المجلد الرابع]
الجزء: 4
الطَّبْعَةُ الأولى 1432 هـ - 2011 م جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة للناشر
دَارُ المنهَاجِ لِلنّشَرِ والتَّوزيع المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - جدة حَيّ الكندرة - شَارِع أَبِهَا تقاطع شَارِع ابْن زيدون هَاتِف رئيسي: 6326666 - الإدارة: 6300655 المكتبة: 6322471 - فاكس: 6320392 ص. ب: 22943 - جدة: 21416 www.aIminhai.com E - mail: info@aIminhag.com ISBN: 978 - 9953 - 541 - 35 - 8
الجزء: 4 - الصفحة: 2
بدَايَةُ المُحْتَاجِ في شَرْحِ المِنْهَاجِ [4]
الجزء: 4 - الصفحة: 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الجزء: 4 - الصفحة: 4
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدّين
الجزء: 4 - الصفحة: 6
كتابُ الجراح الْفِعْلُ الْمُزْهِقُ ثَلَاثةٌ: عَمْدٌ، وَخَطَأٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ.
﴿كتاب الجراح﴾
هو: جمع جراحة بكسر (الجيم)، والمراد: ما يحصل به الزهوق، أو الإبانة، أو ما لا يُحصِّل واحدًا منهما، ولما كانت الجراحة تارة تبين عضوًا، وتارة تزهق نفسًا إما بالمباشرة أو بالسراية، وتارة لا تفعل ذلك.
. جمعها؛ لاختلاف أنواعها.
وإنما ترجم بـ (الجراح) وإن كان التبويب بـ (الجنايات) أشمل؛ لصدقه على الجناية بالمحدد والمثقل، وعلى غير القتل؛ كالزنا والقذف والشرب والسرقة؛ لأن الجراح أغلب طرق القتل.
والأصل في ابتداء القتل وتحريمه: ما ذكره الله تعالى من قصة ابني آدم هابيل وقابيل، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾.
ومن السنة: أحاديث كثيرة مشهورة سنورد بعضها في محالّها.
والقتل بغير حق أكبر الكبائر بعد الكفر.
وإذا قتل ظلمًا واقتص الوارث، أو عفا على مال أو مجانًا.
. فظواهر الشرع تقتضي سقوط المطالبة في الدار الآخرة؛ كما قاله المصنف في "فتاويه"، وذكر مثله في "شرح مسلم" 202، لكن ظاهر تعبير "الشرح" و"الروضة" يدل على بقاء العقوبة؛ فإنهما قالا: ويتعلق بالقتل المحرم وراء العقوبة الأخروية مؤاخذات في الدنيا 203.
(الفعل المزهق) للروح (ثلاثة: عمد، وخطأ، وشبه عمد) وجه الحصر: أن الجاني إن لم يقصد عين المجني عليه.
. فهو الخطأ، وإن قصده؛ فإن كان بما يقتل غالبًا.
. فهو العمد، وإلا.
. فشبه العمد.
وتقييد الفعل بالإزهاق: يخرج الجناية على الأطراف مع أنها كذلك، ويؤخذ ذلك من قوله بعدُ: (يشترط لقصاص الطرف والجرح ما شُرط للنفس).
الجزء: 4 - الصفحة: 7
وَلَا قِصَاصَ إِلَّا فِي الْعَمْدِ، وَهُوَ: قَصْدُ الْفِعْلِ وَالشَّخْصِ بمَا يَقْتُلُ غَالِبًا؛ جَارِحٍ أَوْ مُثَقَّلٍ. فَإِنْ فُقِدَ قَصْدُ أَحَدِهِمَا؛ بِأَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ فَمَاتَ، أَوْ رَمَى شَجَرَةً فَأَصَابَهُ. . فَخَطَأٌ. وَإِنْ قَصَدَهُمَا بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا. . فشِبْهُ عَمْدٍ، وَمِنْهُ: الضَّرْبُ بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا.
(ولا قصاص إلا في العمد) أما وجوبه فيه عند اجتماع شرائطه.
. فبالإجماع، وأما عدم وجوبه في الخطأ.
. فلقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ولم يتعرض للقصاص، وأما عدم وجوبه في شبه العمد.
. فلحديث: "أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا فِيهِ مِئَةٌ مِنَ الإبِلِ" صححه ابن حبان، وابن القطان، وقالا: لا يضره الاختلاف 204.
(وهو) أي: العمد (قصد الفعل والشخص بما يقتل غالبًا، جارح أو مثقل) وقضية هذا التعبير: اشتراط قصد عين الشخص؛ فلو قصد شخصًا فأصاب غيره.
. فهو خطأ، وكذا لو قصد إصابة أحد رجلين؛ كما في "الروضة" و"أصلها" في أوائل (الجنايات) في الكلام على التضييف بالسم، وفي الكلام على المنجنيق، واعتمده في "المهمات" وقال البُلْقيني: إنه الأرجح المعتمد 205.
لكن صحح في "زياداته" قبيل (الديات) وجوب القصاص 206.
(فإن فقد قصد أحدهما) أي: الفعل أو الشخص (بأن وقع عليه فمات، أو رمى شجرة فأصابه.
. فخطأ) كان حقه أن يقول: (فُقِدَ قَصدُهما، أو قصد أحدهما) فإن المثال الأول فقد فيه قصدهما، والثاني: فقد فيه قصد أحدهما، وهو الشخص، وقصد الشخص دون الفعل متعذر.
(وإن قصدهما) يعني: الفعل والشخص (بما لا يقتل غالبًا.
. فشبه عمد، ومنه: الضرب بسوط أو عصًا) للحديث السابق، ومحله: في السوط والعصا الخفيفين بشرط ألّا يوالي بين الضربات، وألّا يشتد الألم ويبقى إلى الموت، وألّا
الجزء: 4 - الصفحة: 8
فَلَوْ غَرَزَ إِبْرَةٌ بِمَقْتَلٍ. . فَعَمْدٌ، وَكَذَا بِغَيْرِهِ إِنْ تَوَرَّمَ وَتألَّمَ حَتَّى مَاتَ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرٌ وَمَاتَ فِي الْحَالِ. . فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَقِيلَ: عَمْدٌ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ. وَلَوْ غَرَزَ فِيمَا لَا يُؤْلمُ كَجِلْدَةِ عَقِبٍ. . فَلَا شَيْءَ بِحَالٍ.
يكون الضرب في مقتل، أو المضروب صغيرًا أو ضعيفًا، وألّا يكون في شدة حر أو برد معين على الهلاك، فإن كان فيه شيء من ذلك.
. فهو عمد؛ لأنه يقتل غالبًا في هذه الأحوال.
قاله في "الروضة" و"أصلها" 207.
(فلو غرز إبرة بمقتل) كالعين وأصول الأذن والحلق والدماغ (. . فعمد) لخطر الموضع وشدة تأثيره، (وكذا بغيره) أي: بغير المقتل؛ كالإلية والفخذ (إن توزم وتألّم حتى مات) لحصول الهلاك به، وظاهر كلامه: أنه لا بد من اجتماع التورم والتألم.
ومفهومه: أنه لا قصاص في الألم بلا ورم، لكن صحح في "شرح الوسيط" الوجوب، وأما عكسه -وهو الورم بلا ألم-.
. فقد لا يتصور؛ ولهذا اقتصر في "الحاوي الصغير" على الورم؛ للزوم الألم له 208.
(فإن لم يظهر أثر ومات في الحال.
. فشبه عمد) لأن الغالب منه السلامة؛ كالضرب بسوط خفيف، (وقيل: عمد) كما لو طعنه بمِسَلَّة فمات في الحال؛ لأن في البدن مقاتل خفية، فربما صادفها، (وقيل: لا شيء) أي: لا قصاص ولا دية؛ إحالة للموت على سبب آخر.
وما ذكره من التفصيل بين المقتل وغيره إنما هو في حق المعتدل، أما إذا غرز في بدن صغير أو شيخ همٍّ، أو نضو الخلق في أي موضع كان.
. وجب القصاص؛ كما نقلاه عن "الرقم" للعبادي، وأقراه 209.
(ولو غرز) إبرة (فيما لا يؤلم؛ كجلدة عقب.
. فلا شيء بحال) لعلمنا أنه لم
الجزء: 4 - الصفحة: 9
وَلَوْ حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالطَّلَبَ حَتَّى مَاتَ؛ فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ يَمُوتُ مِثْلُهُ فِيهَا غَالِبًا جُوعًا أَوْ عَطَشًا. . فَعَمْدٌ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ جُوع وَعَطَشٌ سَابِقٌ. . فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ جُوع وَعَطَشٍ وَعَلِمَ الْحَابِسُ الْحَالَ. . فَعَمْدٌ،
يمت به، والموت عقبه موافقةُ قدر؛ فهو كما لو ضربه بقلم أو ألقى عليه خرقة فمات في الحال.
(ولو حبسه ومنعه الطعام والشراب والطلب حتى مات) جوعًا أو عطشًا (فإن مضت مدة يموت مثله فيها غالبًا جوعًا أو عطشًا.
. فعمد) لأنه قصد إهلاكه بما يهلك به، وتختلف المدة باختلاف حال المحبوس قوة وضعفًا، والزمان حرًّا وبردًا؛ لأن فقد الماء في الحر ليس كهو في البرد.
واحترز بقوله: (منعه): عما إذا كانا عنده وأمكنه تناولهما فلم يتناولهما؛ خوفًا أو حزنًا، أو أمكنه طلبهما ولو بالسؤال فلم يفعل.
. فلا قصاص ولا ضمان على حابسه؛ لأنه قتل نفسه.
وقوله: (منعه الطعام والشراب)، كذا لو منعه أحدهما فمات بسببه.
نعم؛ لو منعه الماء دون الطعام فلم يأكل خوفًا من العطش فمات.
. فلا قصاص قطعًا ولا دية على الأصح، ولو حبسه وعراه، فمات بالبرد.
. فكمنعه الأكل، قاله القاضي الحسين.
وقوله: (حبسه): قد يفهم أنه لو منعه من غير حبس؛ كما لو أخذ زاده أو ماءه في مفازة، أو عراه، فمات جوعًا أو عطشًا أو بردًا.
. أنه لا ضمان، وهو كذلك؛ لأنه لم يحدث فيه صنعًا 210.
(وإلا) أي: وإن لم تمض هذه المدة ومات (فإن لم يكن به جوع وعطش سابق.
. فشبه عمد) لأنه لا يقتل غالبًا.
(وإن كان بعض جوع وعطش وعلم الحابس الحال.
. فعمد) لظهور قصد الهلاك، والمراد: أنه حبسه مدة إذا أضيفت إلى مدة جوعه أو عطشه السابق.
. بلغت
الجزء: 4 - الصفحة: 10
وَإِلَّا. . فَلَا فِي الأَظْهَرِ. وَيَجِبُ الْقِصَاصُ بِالسَّبَبِ، فَلَوْ شَهِدَا بِقِصَاصٍ فَقُتِلَ دمَّ رَجَعَا وَقَالَا: تَعَمَّدْنَا. . لَزِمَهُمَا الْقِصَاصُ
المدة القاتلة؛ فإن كان مجموع المدتين لا يبلغ ذلك.
. فهو كما لو لم يكن به شيء سابق ذكره المنكت، وقال: قلته تفقهًا، ولا بد منه، وهو مرادهم بلا شك، وتبعه الزركشي 211، قال شيخنا: وهو معلوم من القسم الذي قبله.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم الحابس الحال (. . فلا في الأظهر) لأنه لم يقصد إهلاكه؛ كما لو دفعه دفعًا خفيفًا فسقط على سكين وراءه وهو جاهل بها.
. فإنه لا قصاص، والثاني: يلزمه القصاص؛ كما لو ضرب المريض ضربًا يهلكه ولا يهلك الصحيح وهو جاهل بمرضه.
(ويجب القصاص بالسبب) قياسًا على المباشرة، والسبب هو: الذي يصدق أن يقال: إنه ما قتله، ولكنه أمر به، أو حمل عليه، أو سلك الطريق المقتضي إليه، والمباشرة هي: التي لا يصدق فيها هذا.
وكان الأحسن تقديم هذا على مسألة الحبس؛ فإنها من الأسباب.
(فلو شهدا بقصاص) في نفس أو طرف، أو بردّة، أو سرقة (فقتل) أو قطع بعد حكم الحاكم بشهادتهما (ثم رجعا وقالا: "تعمّدنا") وعلمنا أنه يقتل بشهادتنا (. . لزمهما القصاص) لتوصلهما إلى قتله أو قطعه بسبب يقتل به ويقطع غالبًا، فلو قالا: تعمّدنا، ولكن لم نعلم أنه يقتل بشهادتنا وكان ممن يخفى عليهما؛ لقرب إسلامهما.
. لا يجب عليهما القود، بل يجب دية شبه عمد؛ كما ذكراه في (باب الرجوع عن الشهادة) 212.
وإن لم يخف عليهما ذلك.
. وجب القود.
وقد يرِدُ على مفهوم الكتاب: ما لو قال كل منهما: (تعمدت، ولا أعلم حال صاحبي)، أو اقتصر على: (تعمدت).
. فإنه يلزمهما القصاص؛ كما ذكراه في
الجزء: 4 - الصفحة: 11
إلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ الْوَليُّ بِعِلْمِهِ بِكَذِبِهِمَا. وَلَوْ ضَيَّفَ بِمَسْمُومٍ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَمَاتَ. . وَجَبَ الْقِصَاصُ، أَوْ بَالِغًا عَاقِلًا وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ الطَّعَامِ. . فَدِيَة، وَفِي قَوْلٍ: قِصَاصٌ،
(رجوع الشهود) عن البغوي وغيره 213.
(إلا أن يعترف الولي بعلمه بكذبهما) حين القتل، فلا قصاص -والحالة هذه- عليهما؛ لأنهما لم يلجئاه إلى قتله حسًّا ولا شرعًا؛ فصار قولهما شرطًا محضًا؛ كالمسك مع القاتل، فعلى الولي حينئذ القصاص رجعوا أو لم يرجعوا؛ فلو قال: (عرفت كذبهما بعد القتل).
. لم يسقط القصاص عنهما.
قال البُلْقيني: ويرد على حصره الاستئناء: ما لو اعترف القاضي بعلمه بكذبهما حين الحكم أو القتل دون الولي.
. فالقصاص على القاضي دون الشهود ولو اعترفوا.
وقد ذكر المصنف في (كتاب الشهادات): ما إذا رجع الولي وحده ومع الشهود، وسيأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى.
(ولو ضيَّف بمسموم) يقتل غالبًا وهو عالم به (صبيًّا أو مجنونًا فمات.
. وجب القصاص) سواء قال له: (هو مسموم) أم لا؛ لإلجائهما إليه، ومثله: الأعجمي الذي يعتقد طاعة الأمر، قال الرافعي: ولم يفرقوا بين الصبي المميز وغيره، ولا نظروا إلى أن عمد الصبي عمد أم خطأ، وللنظرين مجال، واعترضه في "المهمات": بأن ابن الصباغ والمتولي فرّقا بين المميز وغيره، قال: وهو مقتضى ما في "التهذيب" و"البيان" 214.
وقال البُلْقيني: الذي نص عليه في "الأم" وصرح به الشيخ أبو حامد عن النص، والماوردي والمَحاملي والسَّرَخْسي وغيرهم: أن إيجاب القصاص إنما هو في غير المميز، أما المميز.
. فكالبالغ.
(أو بالغًا عاقلًا ولم يعلم حال الطعام.
. فدية) شبه عمد، ولا قصاص؛ لأنه تناوله باختياره من غير إلجاء، (وفي قول: قصاص) لأن القتل بالسم في العادة إنما يكون بهذه الطرق، فلو لم يجب القصاص.
. لجعل طريقًا إلى قتل الناس بالسم،
الجزء: 4 - الصفحة: 12
وَفِي قَوْلٍ: لَا شَيْءَ. وَلَوْ دَسَّ سُمًّا فِي طَعَامِ شَخْصٍ الْغَالِبُ أَكْلُهُ مِنْهُ فَأَكَلَهُ جَاهِلًا. . فَعَلَى الأَقْوَالِ. وَلَوْ تَرَكَ الْمَجْرُوحُ عِلَاجَ جُرْحٍ مُهْلِكٍ فَمَاتَ. . وَجَبَ الْقِصَاصُ. وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ لَا يُعَدُّ مُغْرِقًا كَمُنْبَسِطٍ فَمَكَثَ فِيهِ مُضْطَجِعًا حَتَّى هَلَك. . فَهَدَرٌ،
وفيه فساد، وهذا ما رجحه في "الأم" 215، فقال: إنه أشبه القولين، قال الأَذْرَعي: فهو المذهب، (وفي قول: لا شيء) تغليبًا للمباشرة على السبب.
واحترز بقوله: (ولم يعلم): عمّا إذا علم.
. فلا شيء على المضيف جزمًا؛ لأنه أهلك نفسه.
(ولو دسّ سمًّا في طعام شخص الغالب أكله منه فأكله جاهلًا.
. فعلى الأقوال) في المسألة قبلها؛ لما سلف.
(ولو ترك المجروح علاج جرح مُهلك فمات.
. وجب القصاص) على الجارح؛ لأن البرء غير موثوق به لو عالج، والجراحة مهلكة.
واحترز بقوله: (مهلك): عما لو فصده فلم يعصب العرق حتى مات.
. فإنه لا ضمان قطعًا.
(ولو ألقاه في ماء لا يعد مغرقًا، كمنبسط فمكث فيه مضطجعًا) أو مستلقيًا أو جالسًا (حتى هلك.
. فهدر) لأنه المهلك نفسه، هذا إذا لم يكتفه، فإن كتفه وألقاه على هيئة لا يمكنه الخلاص.
. فعليه القصاص، وقيّد في "أصل الروضة" الماء بكونه راكدًا، وعبارة الرافعي تقتضيه 216، خلافًا لما فهمه شيخنا 217.
قال في "المهمات": ولا حاجة لهذا القيد، والصواب: حذفه كما في "المحرر" انتهى 218.
الجزء: 4 - الصفحة: 13
أَوْ مُغْرِقٍ لَا يَخْلُصُ مِنْهُ إِلَّا بِسِبَاحَةٍ؛ فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا أَوْ كَانَ مَكْتُوفًا أَوْ زَمِنًا. . فَعَمْدٌ، وَإِنْ مَنَعَ مِنْهَا عَارِضٌ كَرِيحٍ وَمَوْجٍ. . فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ أَمْكَنَتْهُ فَتَرَكَهَا. . فَلَا دِيَةَ فِي الأَظْهَرِ. أَوْ فِي نَارٍ يُمْكِنُ الْخَلَاصُ فَمَكَثَ. . فَفِي الدِّيَةِ الْقَوْلَانِ. وَلَا قِصَاصَ فِي الصُّورَتيْنِ، وَفِي النَّارِ وَجْهٌ. وَلَوْ أَمْسَكَهُ فَقَتَلَهُ آخَرُ، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَرَدَّاهُ فِيهَا آخَرُ، أَوْ أَلْقَاهُ مِنْ شَاهِقٍ
وظاهر كلام المصنف: أن المنبسط صفة للماء، وجعله في "الروضة" صفة للموضع، فقال: وإن كان الماء راكدًا في موضع منبسط 219، قال الزركشي: إنه لا يلزم من كون الموضع منبسطًا أن يكون الماء كذلك، فتعبيره هنا أوفق للتصوير.
(أو مغرق لا يخلص منه إلا بسباحة؛ فإن لم يحسنها أو كان مكتوفًا أو زمنًا) أو ضعيفًا (. . فعمد) لأنه يهلك مثله، فإن لم يتوقع الخلاص منه بالسباحة كلجّة البحر.
. وجب القصاص، سواء كان يحسن السباحة أم لا.
(وإن منع منها) وهو يحسنها (عارض؛ كريح وموج.
. فشبه عمد) أي: فتجب ديته، ولا قود، (وإن أمكنته) السباحة (فتركها) خوفًا، أو لجاجًا (. . فلا دية في الأظهر) لأنه بتركه السباحة معرض عما ينجيه؛ كما لو حبسه ولم يمنعه الأكل، فلم يأكل، والثاني: تجب؛ لأنه قد يمنعه من السباحة دهشة وعارض باطن.
(أو في نار يمكن الخلاص) لمثله منها (فمكث.
. ففي الدية القولان) في الماء، وقد عرفتهما بتعليلهما، والأظهر: عدم وجوبها، (ولا قصاص في الصورتين) أي: في صورة الإلقاء في الماء، والنار؛ لأنه الذي قتل نفسه.
(وفي النار وجه) بوجوب القصاص؛ كما لو ترك المجروح المداواة، وفي الماء وجه أيضًا.
واحترز بقوله: (يمكن الخلاص): عما إذا لم يمكن؛ لعظمها، أو كونها في وهدة، أو كونه مكتوفًا أو زمنًا أو صغيرًا.
. فإنه يجب القصاص.
(ولو أمسكه فقتله آخر، أو حفر بئرًا فردّاه فيها آخر، أو ألقاه من شاهق) أي:
الجزء: 4 - الصفحة: 14
فَتَلَقَّاهُ آخَرُ فَقَدَّهُ. . فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْمُرْدِي وَالْقَادِّ فَقَطْ. وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ. . وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الأَظْهَرِ،
مكان عال (فتلقاه آخر فقدّه) أي: قطعه نصفين مثلًا (. . فالقصاص على القاتل والمردي والقاد فقط) أي: دون الممسك والحافر والملقي؛ أما الأولى: فلحديث: "إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ حَتى جَاءَ آخَرُ فَقَتَلَهُ.
. قُتِلَ القَاتِلُ، وَحُبِسَ المُمْسِكُ" أخرجه الدارقطني، وصحح ابن القطان إسناده 220، وكما لا قصاص لا دية، بل يعزر؛ لأنه آثم، ولهذا قال في الحديث: "يحبس".
نعم؛ لو كان المقتول عبدًا.
. طولب الممسك بالضمان باليد، والقرار على القاتل، هذا كله إذا كان القاتل مكلفًا، فلو أمسكه وعرضه لمجنون ضارٍ أو سبع فقتله.
. فالقصاص على الممسك؛ لأنه يعد قاتله عرفًا، حكاه ابن كج عن النص، وقال في "المطلب": لا خلاف فيه.
وأما الثانية: فتقديمًا للمباشرة؛ لأن الحفر شرط ولا أثر له مع المباشرة، ولا يخفى أن وجوب القصاص على المردي إذا كانت التردية يحصل منها القتل غالبًا.
وأما الثالثة: فلأن فعله قطع أثر السبب، هذا إذا كان القادّ له اختيار؛ فالمجنون الضاري يُلغى فعله، وكذا لو كان في أسفل البئر حية عادية بطبعها أو نمر ضار، فأهلكه.
. يجب الضمان على المردي، كذا نقله الرافعي عن الإمام، ثم قال: وأطلق البغوي نفي الضمان إذا افترسه سبع قبل وصوله إلى الأرض 221.
قال الزركشي: وكأنه رام إثبات خلاف، والظاهر: ما قاله الإمام؛ فقد حكاه ابن كج عن النص.
(ولو ألقاه في ماء مُغرق) كلجة بحر ولا يقدر على الخلاص منه؛ كما قيده ابن الرفعة 222، وهي عبارة الشافعي رضي الله عنه؛ كما أفاده البُلْقيني (فالتقمه حوت.
. وجب القصاص في الأظهر) لأنه رماه في مهلك، وقد هلك به بسبب إلقائه، ولا نظر
الجزء: 4 - الصفحة: 15
أَوْ غَيْرِ مُغْرِقٍ. . فَلَا. وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى قَتْلٍ. . فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَكَذَا عَلَى الْمُكْرَهِ فِي الأَظْهَرِ،
إلى جهة الهلاك؛ كما لو ألقاه في بئر مهلكة في أسفلها سكاكين لم يعلم بها الملقي فهلك بها، والثاني: المنع؛ لحصوله بغير ما قصد به الإهلاك، بل تجب دية مغلظة، وهذا القول من تخريج الربيع من صورة الإلقاء من شاهق، والأصحاب بين رادٍّ له ومضعف؛ فكان ينبغي التعبير بـ (النص).
وسواء التقمه قبل وصوله إلى الماء أو بعده، في نيل مصر وغيره.
ومحل الخلاف: إذا لم يحصل الالتقام بقصد الملقي، أما لو رفع الحوت رأسه فألقمه إياه.
. فعليه القصاص قطعًا.
ومحله أيضًا: ما إذا لم يعلم بالحوت الذي في اللجة؛ فإن علم به.
. وجب القود قطعًا؛ كما لو ألقاه على أسد في زُبْيَتِه كذا جزم به في "المذاكرة"، وقال صاحب "المعين": أفهمه كلام الأصحاب.
(أو غير مغرق.
. فلا) قصاص قطعًا؛ لأنه لم يقصد إهلاكه، ولم يشعر بسبب الإهلاك، فأشبه ما لو دفعه دفعًا خفيفًا فوقع على سكين ولم يعلم بها الدافع، ولكن يجب في الصورتين دية شبه العمد.
وقضية التعليل: أنه إذا علم أن هناك حوتًا.
. يجب القود، وهو ما صرّح به في "الوسيط"، واقتضاه كلام الرافعي 223.
(ولو أكرهه على قتل) بغير حق (. . فعليه القصاص) لأنه أهلكه بما يقصد به الهلاك غالبًا، فأشبه ما إذا رماه بسهم فقتله، وقيل: لا؛ لأنه متسبب، والمأمور مباشر.
(وكذا على المكرَه) بفتح الراء (في الأظهر) لأنه قتله عمدًا عدوانًا لاستبقاء نفسه، فأشبه ما لو قتله المضطر ليأكله بل أولى؛ لأن المضطر على يقين من التلف إن لم يأكل، بخلاف المكره، والثاني: المنع؛ لحديث: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي: الْخَطَأُ،
الجزء: 4 - الصفحة: 16
فَإِنْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ. . وُزِّعَتْ، فَإِنْ كَافَأَهُ أَحَدُهُمَا فَقَطْ. . فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِ. وَلَوْ أَكْرَهَ بَالِغٌ مُرَاهِقًا. . فَعَلَى الْبَالِغِ الْقِصَاصُ إِنْ قُلْنَا: عَمْدُ الصَّبِيِّ عَمْدٌ، وَهُوَ الأَظْهَرُ.
والنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" 224.
ولأنه كالآلة للمكرِه، فصار كما لو ضربه به، وإطلاقه يقتضي: أنه لا فرق في جريان الخلاف بين كون المكرِه الإمام أو نائبه، أو إمام البغاة، أو المتغلب باللصوصية، وغيرهم، وهو الصحيح.
وقيل: محله في الإمام؛ فإن كان متغلبًا.
. اقتص من المأمور قطعًا.
والفرق: أن الإمام واجب الطاعة في الجملة فأمره وإكراهه يورث شبهة تدرأ القصاص، والأصحُّ: أن الإكراه هنا لا يحصل إلا بالتخويف بالقتل، أو بما يخاف منه التلف كالقطع والضرب الشديد، وقيل: يحصل بما يحصل به الإكراه على الطلاق.
(فإن وجبت الدية) بأن آل الأمر إليها (. . وزِّعت) كالشريكين (فإن كافأه أحدهما فقط) بأن كان المقتول ذميًّا أو عبدًا، وأحدهما كذلك، والآخر مسلم أو حر (. . فالقصاص عليه) دون الآخر؛ لأنهما كالشريكين، وشريك غير المكافئ يلزمه القود؛ كشريك الأب.
(ولو أكره بالغ) عاقل (مراهقًا) أو عكسه (. . فعلى البالغ القصاص إن قلنا: عمد الصبي عمد، وهو الأظهر) لوجود مقتضيه، وهو القتل المحض العدوان، واندفع عن المراهق؛ لعدم التكليف، فإن قلنا: عمده كخطأ البالغ.
. فلا؛ كما لو اشترك المخطئ، والعامد في القتل.
وما أطلقه من أن (عمد الصبي عمد) قيّده في "الروضة" في الكلام على شريك الصبي نقلًا عن القفال وغيره بمن له نوع تمييز، أما من لا تمييز له.
. فعمده خطأ قطعًا 225.
الجزء: 4 - الصفحة: 17
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى رَمْيِ شَاخِصٍ عَلِمَ الْمُكْرِهُ أَنَّهُ رَجُلٌ وَظَنَّهُ الْمُكْرَهُ صَيْدًا. . فالأَصَحُّ: وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُكْرِهِ. أَوْ عَلَى رَمْيِ صَيْدٍ فَأَصَابَ رَجُلًا. . فَلَا قِصَاصَ عَلَى أَحَدٍ. أَوْ عَلَى صُعُودِ شَجَرَةٍ فَزَلقَ وَمَاتَ. . فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَقِيلَ: عَمْدٌ.
(ولو أكره على رمي شاخص علم المكره أنه رجل، وظنّه المكره صيدًا) أو حجرًا (. . فالأصح: وجوب القصاص على المكرِه) أي: بكسر الراء لأنه قتله قاصدًا للقتل بما يقتل غالبًا، دون المكرَه بفتحها؛ لأنه جاهل بالحال، فكان كالآلة للمكرِه؛ كما إذا أمر صبيًّا لا يعقل أو أعجميًّا يعتقد وجوب طاعة الأمر ولا يميز بين المحظور والمباح بقتل إنسان، فقتله.
. فإنه يجب القصاص على الآمر، والثاني: لا تجب عليه؛ لأنه شريك مخطى، وقال البُلْقيني: إنه المعتمد في الفتوى، وحكاه عن "تعليق" القاضي و"التهذيب" و"النهاية" و"البسيط"، قال: والأول مفرع على مرجوح وهو: أن المكرَه كالآلة، والأصحُّ: أنه شريك، وتبعه الزركشي.
(أو على رمي صيد فأصاب رجلًا.
. فلا قصاص على أحد) من المكرِه والمكرَه؛ لأنهما لم يتعمداه، وتجب نصف الدية على عاقلة هذا، ونصفها على عاقلة ذاك إن ضمّنا المكره -بفتح الراء- وهو الأظهر، وجميعها على عاقلة المكره -بكسر الراء- إن لم نضمن المكره بفتح الراء.
(أو على صعود شجرة) أو على نزول بئر (فزلق ومات.
. فشبه عمد) لأنه لا يقصد به القتل غالبًا، وقضيته: وجوب الدية على عاقلة المكره بكسر الراء، وبه جزم في "التهذيب" 226، قال الأَذْرَعي: لكن حكى ابن القطان في "فروعه" نص الشافعي على أنها في ماله، (وقيل: عمد) لأنه تسبب إلى قتله، فأشبه ما لو رماه بسهم، ولا يؤثر خطأ المكره -بفتح الراء- حتى يجعل شريك خاطى؛ لأن خطأه نشأ من إكراهه، وهذا قاله الغزالي 227.
قال ابن السكري في "حواشي الوسيط": والتحقيق: أن صعود الشجرة ونحوه إن
الجزء: 4 - الصفحة: 18
أَوْ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ. . فَلَا قِصَاصَ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ قَالَ: (اقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُكَ) فَقَتَلَهُ. . فَالْمَذْهَبُ: لَا قِصَاصَ،
كان مما لا يسلم منه في العادة غالبًا.
. فيجب به القصاص، وإن كان مما يسلم منه غالبًا فهو شبه عمد.
قال: فإن قيل: إذا كان ذلك مما يغلب فيه العطب وتعاطاه.
. فهو مكره على قتل نفسه، وإكراهه على قتل نفسه غير متصور.
قلنا: المكره على قتل نفسه لا يتخلص من المكره -بكسر الراء- إلا بقتل نفسه، والمكره على صعود شجرة يتخلص بالطلوع وقد يغلبه الأمل، ويسوقه الأجل فيفعل ويتخلص، بخلاف القتل.
(أو على قتل نفسه) بأن قال: (اقتل نفسك، وإلا.
. قتلتك) (. . فلا قصاص في الأظهر) وما جرى ليس بإكراه حقيقة؛ إذ المكرَه من يتخلص بما أمر به عما هو أشد عليه، وهو الذي خوفه المكره، وههنا المأمور به القتل؛ فلا يتخلص بقتل نفسه عن القتل، فصار كأنه مختار له، والثاني: يجب؛ لأنه بالإكراه على القتل والإلجاء إليه قاتل له.
وجعل أبو الفرج الزّاز محل الخلاف: ما إذا خوفه بمثل ذلك القتل؛ فإن خوفه بعقوبة فوق القتل؛ كالإحراق والتمثيل.
. فهو إكراه، وجرى عليه في "الشرح الصغير" فقال: يشبه أن يكون ذلك إكراهًا.
ويستثنى من الكتاب: ما إذا كان المكره -بفتح الراء- غيرَ مميز؛ لصغر أو جنون.
. فإنه يجب القصاص على المكرِه بكسر الراء.
(ولو قال: "اقتلني، وإلا.
. قتلتك"، فقتله.
. فالمذهب: لا قصاص) لأنه أذن له في قتله، والإذن شبهة دارئة للقصاص، وفي قول: يجب؛ لأن القتل لا يباح بالإذن، فأشبه إذن المرأة في الزنا، وهو لا يسقط الحد، وقد حكى الرافعي الطريقين في الإذن المجرد، ثم قال: فإن انضم إلى ذلك إكراه.
. فسقوط القصاص أَوْجَه 228.
الجزء: 4 - الصفحة: 19
وَالأَظْهَرُ: لَا دِيَةَ.
وَلَوْ قَالَ: (اقْتُلْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا).
. فَلَيْسَ بإِكْرَاهٍ.
فَصْلٌ [في اجتماع مباشرتين]
وُجِدَ مِنْ شَخْصَيْنِ مَعًا فِعْلَانِ مُزْهِقَانِ مُذَفِّفَانِ كَحَزٍّ وَقَدٍّ، أَوْ لَا كَقَطْعِ عُضْوَيْنِ. . فَقَاتِلَانِ.
(والأظهر: لا دية) بناء على أنها تثبت للمقتول في آخر جزء من حياته، ثم ينتقل إلى الوارث، وهو الأظهر، ولهذا تنفذ منها وصاياه، وتقضى ديونه، ولو كانت للورثة ابتداء.
. لم يكن كذلك، والثاني: تجب، ولا يؤثر إذنه؛ بناء على أنها تثبت للورثة ابتداءً عقب هلاك المقتول.
ومحل الخلاف: إذا أمكن دفعه بغير القتل، فإن لم يمكن دفعه إلا بالقتل.
. فلا قود ولا دية قطعًا؛ كما أشار إليه في "الشرح" و"الروضة" 229.
لا يقال: إذا أمكن دفعه بغير القتل.
. فقد انتفى الإكراه؛ فينبغي أن يجب القصاص جزمًا؛ لأنا نقول: الإذن بلا إكراه مسقط.
(ولو قال: "اقتل زيدًا أو عمرًا") وإلّا قتلتك (. . فليس بإكراه) لأنه بقتل أحدهما مختار لتعيينه، والمكره هو المحمول على قتل معين لا يجد عنه محيصًا، وقيل: إنه إكراه، لأنه لا يتخلص إلا بقتل أحدهما، فهو ملجأ إليه، فعلى هذا: قال ابن الرفعة: يظهر أن يجيء في القصاص على القاتل قولا المكرَه، وأما المكره -بالكسر-.
. فيظهر تخريجه على الخلاف في قصد عين الشخص هل يشترط في العمدية، وفيه خلاف، فإن شرطناه.
. لم يجب، وإلا.
. وجب.
(فصل: وجد من شخصين معًا فعلان مزهقان مذففان؛ كحز وقد أو لا) أي: غير مذففين (كقطع عضوين) ومات منهما (. . فقاتلان) يجب عليهما القصاص أو الدية؛ لوجود السبب منهما.
واقتضى كلامه: أنه لو كان فعل أحدهما مذففًا دون الآخر أن القاتل صاحب
الجزء: 4 - الصفحة: 20
وَإِنْ أَنْهَاهُ رَجُلٌ إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ؛ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ إِبْصَارٌ وَنُطْقٌ وَحَرَكَةُ اخْتِيَارٍ، ثُمَّ جَنَى آخَرُ. . فالأَوَّلُ قَاتِلٌ، ويُعَزَّرُ الثَّانِي، وَإِنْ جَنَى الثَّانِي قَبْلَ الإِنْهَاءِ إِلَيْهَا؛ فَإِنْ ذَفَّفَ كَحَزٍّ بَعْدَ جُرْحٍ. . فَالثَّانِي قَاتِلٌ، وَعَلَى الأَوَّلِ قِصَاصُ الْعُضْوِ أَوْ مَالٌ بِحَسَبِ الْحَالِ، وَإِلَّا. . فقاتِلَانِ. وَلَوْ قَتَلَ مَرِيضا فِي النَّزْعِ وَعَيْشُهُ عَيْشُ مَذْبُوحٍ. . وَجَبَ الْقِصَاصُ. .
المذفف، قال في "أصل الروضة": وهو قياس ما سنذكره 230.
واحترز بقوله: (معًا): عما إذا ترتب فعلهما، وسنذكره.
(وإن أنهاه رجل إلى حركة مذبوح؛ بأن لم يبق إبصار ونطق وحركة اختيار، ثم جنى آخر.
. فالأول قاتل) لأنه صيّره إلى حالة اليأس التي لا يصح فيها إسلامه ولا ردته، ولا يرث ولا يورث، وينتقل ماله إلى ورثته الموجودين دون من حدث بعدها، (ويعزر الثاني) لهتكه حرمة الميت.
(وإن جنى الثاني قبل الإنهاء إليها؛ فإن ذفّف؛ كحزٍّ بعد جرح.
. فالثاني قاتل) لأن الجرح إنما يقتل بالسراية، وحزّ الرقبة يقطع أثر السراية، وسواء تيقن الهلاك من الجراحة بعد يوم أو أيام أو لا؛ لأن له في الحال حياة مستقرة، وقد عهد عمر رضي الله عنه في هذه الحالة، فعمل بعهده ووصاياه 231.
(وعلى الأول قصاص العضو أو مال بحسب الحال) من تعمده أو خطئه، (وإلا) أي: وإن لم يذفف الثاني؛ كما لو قطع كف شخص، وقطع آخر مرفق ذلك الكف أو جافاه ومات بسرايتهما (. . فقاتلان) لأن القطع الأول قد انتشرت سرايته وآلامه إلى الأعضاء الرئيسة التي هي الكبد والقلب والرأس، وانضم إليها ألم الثاني، ومات من الألمين، ولو شك في الانتهاء إلى حركة المذبوح.
. عمل بقول أهل الخبرة.
(ولو قتل مريضًا في النزع وعيشه عيش مذبوح.
. وجب القصاص) لأن انتهاء المريض إلى تلك الحالة غير مقطوع به، وقد يُظن ذلك ثم يشفى، بخلاف من انتهى إلى حركة المذبوح بجراحة.
وما جزم به قد يخالفه ما في (الفرائض) من "زيادة الروضة" عن الأصحاب: أن
الجزء: 4 - الصفحة: 21
فَصْلٌ [في شروط القود]
قَتلَ مُسْلِمًا ظَنَّ كُفْرَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ. . فَلَا قِصَاصَ، وَلَا دِيَةَ فِي الأَظْهَرِ،
من صار في حالة النزع.
. فله حكم الموتى 232، وما في "الروضة" و"أصلها" من (الوصايا) من أن من وصل إلى ذلك في حيز الأموات 233.
قال الأَذْرَعي: وهذا ما عليه العراقيون، وصرح الشيخ أبو حامد والقاضي الحسين: بأنه لا يجب على قاتله قود ولا دية ولا كفارة؛ لأنه ليس فيه حياة مستقرة، وإنما يتحرك حركة مذبوح، وهو الظاهر المختار؛ لأن القصاص يدرأ بالشبهة كالحدود، وكيف يجب القود على من قد يقطع بموته في الحال ويعد في حيز الموتى وحركة المذبوحين؟ ! انتهى.
وجمع شيخنا بين الكلامين بأن ما في (الفرائض) محمول على من صار إلى تلك الحالة بجراحة، وما في (الوصايا) على ترك الاعتداد بقوله.
(فصل: قتل مسلمًا ظنّ كفره بدار الحرب) أو في صفهم؛ بأن كان عليه زي الكفار، أو رآه يعظم آلهتهم (. . فلا قصاص ولا دية في الأظهر) 234 للعذر، ولأنه أسقط حرمة نفسه بمقامه في دار الحرب التي هي دار الإباحة، والثاني: تجب الدية؛ لأنها تثبت مع الشبهة، وتجب الكفارة قطعًا.
واحترز بقوله: (ظن كفره) عما إذا لم يظنه، وفيه تفصيل ذكره الرافعي في (باب كفارة القتل) عن البغوي فقال: إن عرف مكانه وقصده.
. فكقتله له بدار الإسلام، وإن قصد غيره فأصابه.
. فدية مخففة على العاقلة، وإن لم يعرف مكانه ورمى سهمًا إلى صف الكفار في دار الحرب سواء علم أن في الدار مسلمًا أم لا.
. نظر إن لم يعيِّن شخصًا، أو عيّن كافرًا فأخطأ وأصاب مسلمًا.
. فلا قود ولا دية، وكذا لو قتله في
الجزء: 4 - الصفحة: 22
أَوْ بِدَارِ الإِسْلَامِ. . وَجَبَا، وَفِي الْقِصَاصِ قَوْلٌ. أَوْ مَنْ عَهِدَهُ مُرْتَدًّا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ ظَنَّهُ قَاتِلَ أَبِيهِ فَبَانَ خِلَافُهُ. . فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ الْقِصَاصِ
بيات أو غارة ولم يعرفه، وإن عيّن شخصًا فأصابه فكان مسلمًا.
. فلا قصاص، وفي الدية: قولان 235.
قال البُلْقيني: وصورة مسألة الكتاب: أن يكون القاتل مسلمًا، فلو كان ذميًّا لم يستعن به المسلمون.
. وجب عليه القود على الأرجح المعتمد، وفي نص الشافعي ما يشهد له.
انتهى.
(أو بدار الإسلام.
. وجبا) أي: على البدل؛ لأن الظاهر من حال من هو في دار الإسلام العصمة، (وفي القصاص قول) أنه لا يجب؛ لأنه الذي أبطل حقه بخروجه على زيِّ الكفار، قال الأَذْرَعي: ولم أر ترجيح الأول إلا للرافعي، وفيه وقفة؛ لأن من خرج في دارنا على هيئة الكفار الظاهرة لا يرتاب في أنه منهم، والقصاص يدرأ بالشبهة.
(أو من عهده مرتدًّا أو ذميًّا أو عبدًا أو ظنه قاتل أبيه فبان خلافه.
. فالمذهب: وجوب القصاص) نظرًا إلى ما في نفس الأمر.
واعلم أن الشافعي نصّ في المرتد على الوجوب، وفي الذمي والعبد على المنع 236، فقيل: قولان في الجميع: أحدهما: يجب القصاص؛ لأنه كان من حقه التثبت، والثاني: لا يجب؛ لظنه عدم المكافأة، وقيل: بظاهر النص؛ لأن المرتد يحبس ولا يخلى، فقاتله وهو مخلّىً مقصر، بخلاف العبد والذمي؛ فإنهما يتركان في دار الإسلام، وقيل: يجب القصاص في الجميع قطعًا؛ لأن ظنه لا يبيح القتل.
والمذهب: وجوب القصاص في الجميع؛ كما ذكره المصنف؛ لأن الظن فيه لا يقتضي الإباحة؛ كما لو علم تحريم القتل، وجهل وجوب القصاص.
وأمّا مسألة: إذا ظنه قاتل أبيه فبان خلافه: ففيها قولان: أحدهما: المنع؛ لظنه الإباحة، وأظهرهما: الوجوب؛ إذ كان من حقه التثبت ولم يعهده قاتلًا حتى
الجزء: 4 - الصفحة: 23
وَلَوْ ضَرَبَ مَرِيضًا جَهِلَ مَرَضَهُ ضَرْبًا يَقْتُلُ الْمَرِيضَ. . وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَقِيلَ: لَا. وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ: إِسْلَامٌ أَوْ أَمَانٌ؛
يستصحبه، فكان من حق المصنف التعبير فيها بـ (الأظهر).
وقوله: (عهده) يقتضي أنه إذا ظنه مرتدًّا أو ذميًّا أو عبدًا من غير أن يعهده كذلك وجوب القصاص قطعًا، وهو كذلك.
نعم؛ حكى الإمام فيما إذا ظنه ذميًّا أو عبدًا من غير عهد قولين.
(ولو ضرب مريضًا جهل مرضه ضربًا يقتل المريض.
. وجب القصاص) لوجود القتل بصفة التعدي، وظنّ الصحة لا يبيح الضرب، (وقيل: لا) لأن ما أتى به ليس بمهلك عنده، فلم يتحقق قصد الإهلاك.
واحترز بقوله: (جهل): عما لو علم.
. فيجب القصاص قطعًا.
وبقوله: (يقتل المريض): عما لو كان يقتل الصحيح.
. فيجب قطعًا.
(ويشترط لوجوب القصاص في القتل: إسلام) 237 لقوله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا.
. عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا" أخرجه مسلم 238.
(أو أمان) بعقد ذمة أو عهد، أو أمان مجرد؛ لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾، قال البُلْقيني: ويشترط مع ذلك: ألّا يكون صائلًا، ولا قاطع طريق، ولا يندفع شره إلا بالقتل، وإلّا.
. فهو غير معصوم في تلك الحالة مع أنه مسلم.
وأورد في "المهمات" تبعًا لـ" المطلب" على الحصر في الإيمان والأمان: ضرب الرق على أسير 239، قال البُلْقيني: ولا يرد؛ فإنه صار مالًا مستحقًّا للمسلم، ومال المسلمين في أمان.
وكان الأحسن: أن يعبر المصنف بوجوب الضمان؛ لأن الدية لا تجب أيضًا،
الجزء: 4 - الصفحة: 24
فَيُهْدَرُ الْحَرْبِيُّ وَالْمُرْتَدُّ. وَمَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ كَغَيْرِهِ، وَالزَّانِي الْمُحْصَنُ إِنْ قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ. . قُتِلَ، أَوْ مُسْلِمٌ. . فَلَا فِي الأَصَحِّ.
ولهذا عقبه بقوله: (فيهدر الحربي) لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.
(والمرتد) لحديث: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ.
. فَاقْتُلُوهُ" 240، والمراد: إهداره في حق المسلم لا مطلقًا؛ لما سيأتي أن المرتد يقتل بمثله.
(ومن عليه قصاص كغيره) بالنسبة إلى غير المستحق، فإذا قتله غير المستحق.
. لزمه القصاص؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ فخصّ وليه بقتله، فدلّ على أن غير وليه ممنوع منه، وهذا فيمن لم يتحتم قتله، أما من تحتم قتله؛ كقاطع الطريق.
. فإن الصحيح: أنه يقتل قصاصًا، ولو قتله غير المستحق.
. لا يقتل به إلا إن كان مثله.
(والزاني المحصن إن قتله ذمي) أو معاهد أو مستأمن (. . قتل) أي: إذا كان الزاني مسلمًا؛ لأنه لا تسليط له على المسلم، ولا حق له في الواجب عليه.
(أو مسلم.
. فلا في الأصح) المنصوص في "الأم"؛ لأنه مباح الدم؛ كالمرتد، والثاني: يجب القصاص، لأن الاستيفاء للإمام، فأشبه ما لو قتل من عليه القصاص غيرُ مستحقه.
وصحح المصنف في "تصحيحه" تبعًا للماوردي: أنه إن ثبت زناه بالبينة.
. فلا قود؛ لتحتم قتله، وإن ثبت بالإقرار.
. وجب؛ لأن قتله غير متحتم لاحتمال الرجوع، ولم يذكر ذلك في "الروضة"، ونقل في "المطلب" عن نص "الأم": أنه لا فرق، قال: وصرح به البَنْدَنيجي 241.
ثم محل الخلاف: ما إذا قتله قبل أن يأمر الإمام بقتله، فإن قتله بعد أمره.
. فلا قصاص قطعًا؛ كما نقله في "زيادة الروضة" عن القاضي أبي الطيب وأقره 242.
الجزء: 4 - الصفحة: 25
وَفِي الْقَاتِلِ: بُلُوغٌ وَعَقْلٌ، وَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُهُ عَلَى السَّكْرَانِ. وَلَوْ قَالَ: (كُنْتُ يَوْمَ الْقَتْلِ صَبيًّا أَوْ مَجْنُونًا). . صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إِنْ أَمْكَنَ الصِّبَا وَعُهِدَ الْجُنُونُ. وَلَوْ قَالَ: (أَنَا صَبِيٌّ). . فَلَا قِصَاصَ وَلَا يُحَلَّفُ. وَلَا قِصَاصَ عَلَى حَرْبِيٍّ،
ويرد على المنصف: ما لو قتله مسلم وهو زان محصن مثله.
. فإنه يجب القود على الأصحِّ.
(و) يشترط (في القاتل: بلوغ وعقل) فلا قصاص على صبي ومجنون؛ لحديث: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ" 243، ومن تقطع جنونه.
. أعطي لكل زمن حكمه.
(والمذهب: وجوبه على السكران) الآثم بسكره؛ لأنه مكلف، وزوال عقله لا أمارة عليه، وهو متهم في دعواه؛ ولئلا يؤدي إلى ترك القصاص؛ فإن من رام القتل.
. لا يعجز أن يسكر حتى لا يقتص منه، وقيل: لا تجب؛ لأنه زائل العقل؛ كالمعتوه.
وفي معنى السكران: كل من تعدى بإزالة عقله بدواء أو غيره، أما غير المعتدي؛ كالمكره، ومن شرب دواء فسكر ثم قتل.
. فلا قصاص عليه؛ كما صرح به ابن الرفعة 244، واقتضاه كلامهم.
(ولو قال: "كنت يوم القتل صبيًّا أو مجنونًا") وكذبه ولي المقتول (. . صدِّق بيمينه إن أمكن الصبا، وعُهِدَ الجنون) لأن الأصل بقاؤهما.
(ولو قال: "أنا صبي".
. فلا قصاص ولا يحلف) لأن التحليف لإثبات المحلوف عليه، ولو ثبت صباه.
. لبطلت يمينه، ففي تحليفه إبطال تحليفه، وقيل: يحلف كغيره، وقيل: يحلف إذا بلغ.
(ولا قصاص على حربي) إذا قتل في حرابته ثم أسلم، أو عقدت له ذمة؛ لما تواتر من فعله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم بعده من عدم الإقادة ممن أسلم؛ كوحشي قاتل حمزة رضي الله عنه، ولأنه لا يضمن مال المسلم بالغصب، فلا
الجزء: 4 - الصفحة: 26
وَيَجِبُ عَلَى الْمَعْصُومِ وَالْمُرْتَدِّ. وَمُكَافَأَةٌ؛ فَلَا يُقْتلُ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ، وَيُقْتلُ ذِمِّيٌّ بِهِ، وَبِذِمِّيٍّ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا، فَلَوْ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ. . لَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ. وَلَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا وَأَسْلَمَ الْجَارِحُ ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ. . فَكَذَا
يضمن نفسه بالقتل؛ لعدم التزامه.
(ويجب على المعصوم) بأمان أو هدنة أو ذمة (والمرتد) لالتزامهما أحكام الإسلام.
والمرتد زاده في "الكتاب" على "المحرر"؛ لأجل تعبيره بـ (المعصوم)؛ لئلا يرد على المفهوم؛ فإنه غير معصوم، ومع ذلك يجب عليه القصاص.
(ومكافأة؛ فلا يقتل مسلم بذمي) لقوله صلى الله عليه وسلم: "أَلَا لَا يُقْتلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ" رواه البخاري 245، قال ابن المنذر: وهو ثابت، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر يعارضه، ولأنه لا يقاد المسلم بالكافر فيما دون النفس بالإجماع؛ كما قاله ابن عبد البر، فالنفس بذلك أولى 246.
وأفهم قوله: (بذمي): أنه لو قتل عبد مسلم عبدًا مسلمًا لكافر.
. وجب القصاص، وهو الأصحُّ؛ لتساوي العبدين.
وقيل: لا يجب؛ لئلا يثبت القصاص ابتداء لكافر على مسلم.
(ويقتل ذمي) ومعاهد ومستأمن (به) أي: المسلم لشرفه عليهم (و) يقتل ذمي (بذميٍّ وإن اختلفت ملتهما) كيهودي ونصراني؛ لأن الكفر كله ملة واحدة من حيث إن النسخ شمل الجميع.
(فلو أسلم القاتل.
. لم يسقط القصاص) لتكافئهما حال الجناية، والاعتبار في العقوبات بحال الجناية، ولا نظر إلى ما يحدث بعدها، ألا ترى أن العبد إذا زنى أو قذف ثم عتق.
. يقام عليه حد العبيد؛ قال في "الأم": وليس هذا قتل مؤمن بكافر، بل قتل كافر بكافر إلا أن الموت تأخر عن حال القتل 247.
(ولو جرح ذمي ذميًّا وأسلم الجارح ثم مات المجروح) بالسراية (. . فكذا)
الجزء: 4 - الصفحة: 27
فِي الأَصَحِّ. وَفِي الصُّورَتينِ إِنَّمَا يَقْتَصُّ الإِمَامُ بِطَلَبِ الْوَارِثِ. وَالأَظْهَرُ: قَتْلُ مُرْتَدٍّ بِذِمِّيٍّ وَبِمُرْتَدٍّ، لَا ذِمِّيٍّ بِمُرْتَدٍّ. وَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِمَنْ فِيهِ رِقٌّ،
لا يسقط القصاص (في الأصح) للتكافئ في حالة الجرح المفضي إلى الهلاك، والثاني: يسقط؛ نظرًا لحالة الزهوق.
والخلاف في قصاص النفس، أما لو قطع طرفًا ثم أسلم القاطع ثم سري.
. وجب قصاص الطرف قطعًا.
(وفي الصورتين) وهما إذا طرأ إسلام للقاتل بعد القتل أو بعد الجرح (إنما يقتص الإمام بطلب الوارث) ولا يفوضه إليه تحرزًا من تسليط الكافر على المسلم، اللهم إلا أن يسلم فيفوضه إليه.
(والأظهر: قتل مرتد بذمي) سواء عاد إلى الإسلام أم لا؛ كما قاله في "الأم" 248؛ لاستوائهما في الكفر، فكانا كالذميين، بل المرتد أسوأ حالًا من الذمي؛ إذ لا تحل ذبيحته ولا مناكحته، ولا يقر بجزية، والذمي بخلافه، والثاني: لا؛ لبقاء علقة الإسلام فيه، بدليل قضاء الصوم والصلاة، ويؤيده ما صححه في "الروضة" في (كتاب البيع): أنه لا يباع العبد المرتد للذمي 249.
(و) الأظهر: قتل مرتد (بمرتد) لتساويهما؛ كما لو قتل الذمي ذميًّا، والثاني: لا؛ لأن المرتد مباح الدم.
(لا ذميٍّ بمرتد) لأنه مهدر؛ كالحربي، وقتل معصوم بمهدر بعيد، والثاني: نعم؛ لأن الذمي يقتله عنادًا لا تدينًا، فأشبه ما لو قتل مسلمًا، فعلى هذا: يستوفيه الإمام، وقيل: قريبه المسلم الذي كان يرثه لولا الردة.
(ولا يقتل حرٌّ بمن فيه رق) لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ فاقتضى الحصر ألّا يقتل حرٌّ بعبد، وروى الدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا: "لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ" 250،
الجزء: 4 - الصفحة: 28
وَيُقْتَلُ قِنٌّ وَمُدَبَّرٌ وَمُكَاتَبٌ وَأُمُّ وَلَدٍ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. فَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا ثُمَّ عَتَقَ الْقَاتِلُ أَوْ عَتَقَ بَيْنَ الْجُرْحِ وَالْمَوْتِ. . فَكَحُدُوثِ إِسْلَامٍ. وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ لَوْ قَتلَ مِثْلَهُ. . لَا قِصَاصَ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ تَزِدْ حُرِّيَّةُ الْقَاتِلِ. . وَجَبَ
ولأن حرمة النفس أعظم من حرمة الأطراف، ولا يقطع طرف حرٍّ بطرف عبد اتفاقًا، فأولى ألّا يقتل به.
وحديث: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ.
. قَتَلْنَاهُ" 251، قال ابن المنذر: ليس بثابت، وعلى تقدير صحته فهو منسوخ؛ كما قاله البيهقي في "خلافياته".
(ويقتل قنّ ومدبر ومكاتب وأم ولد بعضهم ببعض) لتساويهم في الملك.
ويستثنى من إطلاقه المكاتب: ما لو قتل المكاتب عبده.
. فلا يقتل به على المذهب وإن كان رقيقًا مثله؛ لأنه سيده، قال في "زيادة الروضة": وإذا أوجبناه.
. استوفاه سيد المكاتب؛ لأنهما عبدان للسيد 252.
(فلو قتل عبد عبدًا ثم عتق القاتل، أو عتق بين الجرح والموت.
. فكحدوث إسلام) أي: فيما إذا قتل ذمي ذميًّا أو جرحه ثم أسلم، وقد تقدم.
(ومن بعضه حرّ لو قتل مثله.
. لا قصاص) قطعًا إن كانت الحرية في القاتل أكثر.
(وقيل: إن لم تزد حرية القاتل.
. وجب) سواء تساويا أو كانت حرية المقتول أكثر؛ لتساويهما في الحرية والرق في الصورة الأولى، وأما في الثانية.
. فلأن المفضول يقتل بالفاضل، والأصحُّ: المنع؛ لأنه لا يقتل بعضه الحر ببعضه الحر، والرقيق بالرقيق، بل يقتل جميعه بجميعه، ولهذا لو كان القتل خطأً أو حصل العفو تفريعًا على وجوب القصاص ووجب نصف الدية، ونصف القيمة مثلًا.
. لا نقول: نصف الدية في مال القاتل، ونصف القيمة في رقبته، بل يجب ربع الدية وربع القيمة في ماله، وربع الدية وربع القيمة في رقبته، وهذا متفق عليه، فلو وقع الاستيفاء شائعًا.
. لزم قتل جزء الحر بجزء من الرقيق، وشبه هذا بما إذا باع شقصًا وسيفًا قيمة
الجزء: 4 - الصفحة: 29
وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ وَحُرٍّ ذِمِّيٍّ، وَلَا بقَتْلِ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ وَلَا لَهُ، وَيُقْتَلُ بِوَالِدِيهِ. وَلَوْ تَدَاعَيَا مَجْهُولًا فَقَتَلَهُ أَحَدُهُمَا؛ فَإِنْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِالآخَرِ .. اقْتَصَّ، وَإِلَّا .. فَلَا
كل واحد عشرة بعبد وثوب قيمة كل واحد عشرة .. فإنا لا نجعل الشقص مثلًا في مقابلة العبد أو الثوب، بل المقابل له النصف من هذا، والنصف من ذاك.
(ولا قصاص بين عبد مسلم وحر ذمي) بأن قتل عبد مسلم حرًّا ذميًّا أو عكسه، وكذا إذا قتل كافر ابنه المسلم أو عكسه؛ لأنه لو وجب القصاص .. لقتلنا الكامل بالناقص، والفضائل لا تتقابل؛ ولهذا لا يقتل المبعض بمثله.
(ولا بقتل ولد وإن سفل) لحديث: "لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ" أخرجه الترمذي، وقال البيهقي في "المعرفة": إسناده صحيح، وصححه الحاكم 253، ولأن الوالد سبب لوجوده؛ فلا يكون الولد سببًا لإعدامه، وشمل كلامه الأب والأم والأجداد والجدات وإن علوا من قبل الأب والأم جميعًا.
(ولا له) أي: كما لا يقتل الوالد بولده لا يقتل له بطريق الأولى؛ كما لو قتل زوجته وله منها ولد أو قتل زوجة ابنه.
(ويقتل بوالديه) لأن سقوط القصاص عن الوالد للنص، وحرمة الولد ليست كذلك، وكذا سائر المحارم يقتل بعضهم ببعض، وقد صرح به في "المحرر" وأسقطه المصنف؛ لأنه مفهوم مما ذكره 254.
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما إذا اشترى المكاتب أباه وتكاتب عليه .. فإنه لا يقتل به على الأصحِّ في "أصل الروضة" 255.
(ولو تداعيا مجهولًا فقتله أحدهما؛ فإن ألحقه القائف بالآخر .. اقتص) الملحق به؛ لثبوت أبوته وانقطاع نسبه عن القاتل، (وإلا .. فلا) أي: وإن لم يلحقه
الجزء: 4 - الصفحة: 30
وَلَوْ قَتلَ أَحَدُ الأَخَوَيْنِ الأَبَ وَالآخَرُ الأُمَّ مَعًا .. فَلِكُلٍّ قِصَاصٌ، ويُقَدَّمُ بِقُرْعَةٍ، فَإِنْ اقْتَصَّ بِهَا، أَوْ مُبَادِرًا .. فَلِوَارِثِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ قَتْلُ الْمُقْتَصِّ إِنْ لَمْ نُوَرِّثْ قَاتِلًا بِحَقٍّ، وَكَذَا إِنْ قَتَلَا مُرَتَّبًا وَلَا زَوْجِيَّةَ، وَإِلَّا .. فَعَلَى الثَّانِي فَقَطْ
بالآخر .. لم يقتص؛ لعدم ثبوت الأبوة.
وأورد عليه: ما لو ألحقه بغيرهما .. فإنه يجب القصاص مع أنه يصدق أنه لم يلحقه بالآخر، وهو صحيح إن قرئ (اقتص) بضم الهمزة، فإن قرئ بكسرها .. فلا يرد 256.
(ولو قتل أحد أخوين) شقيقين مستغرقين (الأب، والآخر الأم معًا .. فلكل قصاص) على أخيه؛ لأنه قتل مورثه، فإن عفى أحدهما .. فللمعفو عنه أن يقتص من العافي، والاعتبار في المعية والترتيب بزهوق الروح لا بالجرح.
(ويقدم) للقصاص (بقرعة)، (فإن اقتص بها) أي: بالقرعة (أو مبادرًا) أي: قبل القرعة ( .. فلوارث المقتص منه فتل المقتص إن لم نورث قاتلًا بحق) (وهو الأصحُّ؛ لثبوته عليه، فإن ورثناه، ولم يكن ثم من يحجبه .. سقط القصاص عنه؛ لأنه ورث القصاص المستحق على نفسه، فإن كان ثم من يحجبه؛ كأن يكون لذلك الأخ ابن .. فلوارث المقتص منه قتل المقتص وإن ورثنا القاتل بحق.
(وكذا إن قتلا مرتبًا، ولا زوجية) بين الأبوين فلكل واحد منهما حق القصاص على الآخر، وقضيته: أنه يقدم بالقرعة لكن رجح في "زوائد الروضة": أنه يبدأ بالقاتل الأول، ونقله الإمام عن الأصحاب 257.
(وإلا) أي: وإن كانت الزوجية باقية بين الأبوين ( .. فعلى الثاني فقط) (وسقط القصاص عن الأول؛ لأنه ورث من استحق قسطًا من قصاصه وهو الآخر، فإذا قتل أحدهما أباه أولًا ثم قتل الثاني أمه .. فلا قصاص على قاتل الأب؛ لأن قصاصه ثبت للأخ وللأم؛ لها ثمنه، وللأخ سبعة أثمانه، فإذا قتل الآخر أمه .. انتقل ما كان للأم إلى قاتل الأب؛ لأن قاتل الأم لا يرث منها، فينتقل إليه ثمن دمه، فيسقط القصاص
الجزء: 4 - الصفحة: 31
وَيُقْتَلُ الْجَمْعُ بِوَاحِدٍ، وَلِلْوَليِّ عَفْوٌ عَنْ بَعْضِهِمْ عَلَى حِصَّتِهِ مِنَ الدِّيَةِ بِاعْتِبَارِ الرُّؤُوسِ. وَلَا يُقْتَلُ شَرِيكُ مُخْطِئٍ وَشِبْهِ الْعَمْدِ،
في الجميع؛ لأنه لا يتبعض، ويجب عليه في ماله لأخيه سبعة أثمان الدية، ويرث جميع دم الأم، وله قتل أخيه الذي هو قاتل الأم، فلو قتل أحدهما الأم أولًا ثم قتل الثاني الأب .. انعكس الحكم، فيجب القصاص على قاتل الأب، ويسقط عن قاتل الأم.
(ويقتل الجمع بواحد) إذا كان فعلُ كلٍّ منهم لو انفرد .. لقَتَل، سواء قتلوه بمثقل أو بمحدد أو بغيرهما؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ أي: بالقصاص، ولأن عمر رضي الله عنه قتل نفرًا خمسة أو سبعة برجل قتلوه غيلة، وقال: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء .. لقتلتهم جميعًا) رواه مالك 258، ولم ينكر عليه فصار إجماعًا، وعن القديم: أنه يقتل واحدًا منهم، ويأخذ حصة الباقين من الدية، ولا يقتل الجميع، ويكفي في الزجر كون كل واحد منهم خائفًا من القتل.
(وللولي عفو عن بعضهم على حصته من الدية باعتبار الرؤوس) سواء كانت جراحة بعضهم أفحش أو أكثر أو لا؛ لأن الجراحات لا تنضبط، وقد تزيد نكاية الجرح الواحد على جراحات كثيرة.
ويستثنى من إطلاقه اعتبار الرؤوس: ما إذا كان الضرب بالسياط أو العصي الخفيفة، وكانت ضربات كل واحد منهم قاتلة لو انفردت .. فالأظهر: أن التوزيع على عدد الضربات لا الرؤوس.
والفرق بينها وبين الجراحات: أنها تلاقي الظاهر ولا يعظم فيها التفاوت، بخلاف الجراحات.
(ولا يقتل شريك مخطئ وشبه عمد) لأن الزهوق حصل بفعلين: أحدهما يوجبه، والآخر ينفيه، فغلب المسقط، كما إذا قتل المبعض رقيقًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 32
ويُقْتَلُ شَرِيكُ الأَبِ، وَعَبْدٌ شَارَكَ حُرًّا فِي عَبْدٍ، وَذِمِّيٌّ شَارَكَ مُسْلِمًا فِي ذِمِّيٍّ، وَكَذَا شَرِيكُ حَرْبِيٍّ وَقَاطِعٍ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا، وَشَرِيكُ النَّفْسِ وَدَافِعِ الصَّائِلِ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً وَمَاتَ بِهِمَا، أَوْ جَرَحَ حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا ثُمَّ أَسْلَمَ وَجَرَحَهُ ثَانِيًا فَمَاتَ .. لَمْ يُقْتَلْ
وعلم من نفيه القتل: أنه لو كان جرح المتعمد مما يقتص فيه لو لم يسر؛ كقطع اليد .. أنه يجب عليه قصاصها، وبه جزم في "أصل الروضة" 259.
(ويقتل شريك الأب، وعبد شارك حرًّا في عبد، وذمي شارك مسلمًا في ذمي) لأن كل واحد من الأجنبي والعبد والذمي لو انفرد .. اقتص منه، فإذا شاركه في العمدية من لا يقتص منه لمعنى فيه .. وجب أيضًا؛ كما لو كانا عامدين فعفا الولي عن أحدهما، وليس شريك الأب كشريك الخاطئ؛ لأن الخطأ شبهة في فعل الخاطئ، والفعلان مصادفان محلًّا واحدًا، وشبهة الأبوة في نفس الأب لا في الفعل، وذات الأب متميزة عن ذات الأجنبي، فلا تؤثر شبهة في حقه.
(وكذا شريك حربي وقاطع قصاصًا أو حدًّا، وشريك النفس) أي: شريك جارح نفسه.
(ودافع الصائل في الأظهر) لحصول الزهوق بفعلين عمدين، وامتناع القصاص على الآخر لمعنى يخصه، فصار كشريك الأب، والثاني: لا يجب، بل عليه نصف الدية؛ لأن من لا يضمن أخف حالًا من الخاطئ الذي فعله مضمون بالدية، فإذا لم نوجب القصاص على شريكه .. فههنا أولى، ويفارق شريك الأب؛ لأن فعله مضمون، بخلافه هنا.
(ولو جرحه) (واحد (جرحين عمدًا وخطأً ومات بهما، أو جرح حربيًّا أو مرتدًّا ثم أسلم) المجروح (وجرحه ثانيًا فمات .. لم يقتل) أما في الأولى .. فلأن الزهوق لم يحصل بالعمد المحض، وأما في الثانية .. فلأن الموت حصل بمضمون وغير مضمون، ويجب في الأولى: نصف دية مغلظة في ماله، ونصف دية مخففة على
الجزء: 4 - الصفحة: 33
وَلَوْ دَاوَى جُرْحَهُ بِسُمٍّ مُذَفِّفٍ .. فَلَا قِصَاصَ عَلَى جَارِحِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ غَالِبًا .. فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ قَتَلَ غَالِبًا وَعَلِمَ حَالَهُ .. فَشَرِيكُ جَارِحِ نَفْسِهِ، وَقِيلَ: شَرِيكُ مُخْطِئٍ. وَلَوْ ضَرَبُوهُ بِسِيَاطٍ فَقَتَلُوهُ وَضَرْبُ كُلِّ وَاحِدٍ غَيْرُ قَاتِلٍ .. فَفِي الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: يَجِبُ إِنْ تَوَاطَؤُوا
عاقلته، ويجب في الثانية: موجب الجراحة الواقعة في حال العصمة من القصاص، أو الدية المغلظة.
(ولو داوى جرحه بسم مذفف) (وهو ما يقتل في الحال ( .. فلا قصاص على جارحه) لأن التذفيف يقطع حكم السراية، فصار كما لو جرحه رجل فذبح هو نفسه.
نعم؛ يجب عليه الجراحة إن اقتضت القصاص، وإلا .. فأرشها.
ولو قال: (فلا ضمان في النفس) .. لكان أحسن؛ ليعلم انتفاء الدية أيضًا.
وعلم من إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يعلم بحال السم أو لا، وبه صرح الماوردي والرودائي 260.
(وإن لم يقتل غالبًا .. فشبه عمد) فلا قصاص في النفس، بل عليه نصف الدية المغلظة، أو القصاص في الطرف إن اقتضته.
(وإن قتل غالبًا وعلم) المجروح (حاله .. فشريك جارح نفسه) فيجب القود على الأظهر؛ تنزيلًا لفعل المجروح منزلة العمد، (وقيل: شريك مخطئ) لأنه قصد التداوي فأخطأ.
واحترز بقوله: (وعلم حاله): عما إذا لم يعلم .. فلا قصاص جزمًا؛ لأنه شريك مخطئ.
(ولو ضربوه بسياط فقتلوه، وضرب كل واحد غير قاتل) لو انفرد ( .. ففي القصاص عليهم أوجه: أصحها: يجب إن تواطؤوا) على أن يضربوه تلك الضربات، ولا يجب إن وقع اتفاقًا، ويخالف الجراحات حيث لا يشترط فيها التواطؤ؛ لأن نفس الجرح يقصد به الإهلاك، بخلاف الضرب بالسوط الخفيف .. لا يظهر فيه قصد
الجزء: 4 - الصفحة: 34
وَمَنْ قَتَلَ جَمْعًا مُرَتَّبًا .. قُتِلَ بِأَوَّلِهِمْ، أَوْ مَعًا .. فَبالْقُرْعَةِ، وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَاتُ.
قُلْتُ: فَلَوْ قَتَلَهُ غَيْرُ الأَوَّلِ .. عَصَى وَوَقَعَ قِصَاصًا، وَلِلأَوَّلِ دِيَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ [في تغير حال المجروح بحرية أو عصمة أو إهدار أو بمقدار للمضمون به]
جَرَحَ حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا أَوْ عَبْدَ نَفْسِهِ فَأَسْلَمَ وَعَتَقَ ثُمَّ مَاتَ بِالْجُرْحِ .. فَلَا ضَمَانَ، وَقِيلَ:
الإهلاك إلا بالموالاة من واحد، والمواطأة من جماعة، والثاني: لا قصاص على واحد منهم؛ لأن فعل كل واحد شبه عمد، قال الإمام: فعلى هذا: تجب الدية قطعًا 261، والثالث: يجب القصاص على الجميع مطلقًا؛ كيلا يصير ذريعة إلى القتل.
واحترز بقوله: (وضرب كل واحد غير قاتل): عما لو كان قاتلًا لو انفرد .. فعليهم القصاص جزمًا، وإذا آل الأمر إلى الدية .. وزّعت على عدد الضربات على الأصحِّ؛ كما سبق.
(ومن قتل جمعًا مرتبًا .. قتل بأولهم) لسبق حقه، فلو عفا الأول قتل بالثاني (أو معًا) بأن هدم عليهم جدارًا أو جرحهم وماتوا جميعًا ( .. فبالقرعة) (وجوبًا؛ قطعًا للنزاع، وقيل: استحبابًا.
(وللباقين الديات) في الصورتين؛ لتعذر القصاص عليهم؛ كما لو مات، ولو أشكل الحال فلم يعلم أقتلهم معًا أو مرتبًا .. جعل كما لو قتلهم معًا؛ فيقرع، (قلت: فلو قتله غير الأول) بأن بادر وأقدم على ذلك ( .. عصى) (ويعزر لإبطال حق غيره (ووقع قصاصًا) لأن حقه متعلق به، بدليل ما لو عفا ولي الأول .. فإنه ينتقل إلى من بعده، (وللأول دية، والله أعلم) لتعذر القصاص بغير اختياره.
(فصل: جرح) مسلم أو ذمي (حربيًّا أو مرتدًّا أو عبد نفسه فأسلم) الحربي والمرتد (وعتق) العبد (ثم مات بالجرح .. فلا ضمان) لأن الجراحة والحالة هذه غير مضمونة، فالسراية كذلك؛ كقطع يد السارق إذا سرى إلى النفس، (وقيل:
الجزء: 4 - الصفحة: 35
تَجِبُ دِيَةٌ. وَلَوْ رَمَاهُمَا فَأَسْلَمَ وَعَتَقَ .. فَلَا قِصَاصَ، وَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ دِيَةِ مُسْلِمٍ مُخَفَّفَةٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَلَوْ ارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ .. فالنَّفْسُ هَدَرٌ، وَيَجِبُ قِصَاصُ الْجُرْحِ فِي الأَظْهَرِ،
تجب دية) مخففة على العاقلة اعتبارًا بحالة استقرار الجناية، والمراد: دية حرٍّ مسلم.
(ولو رماهما) أي: رمى مرتدًا أو حربيًّا، أو رمى السيد عبده (فأسلم وعتق .. فلا قصاص) لعدم المكافأة في أول أجزاء الجناية.
(والمذهب: وجوب دية مسلم) اعتبارًا بحالة الإصابة؛ لأنها حالة اتصال الجناية، والرمي كالمقدمة التي يتسبب بها إلى الجناية، وقيل: لا تجب؛ اعتبارًا بحالة الرمي، وقيل: يجب في المرتد دون الحربي؛ لأن قتل الحربي جائز لكل أحد، بخلاف المرتد؛ فإنه مفوض للإمام.
ويجري الخلاف فيما إذا رمى إلى عبد نفسه ثم عتق قبل الإصابة، وأولى بالضمان؛ لأن العبد معصوم مضمون بالكفارة.
(مخففة على العاقلة) كما لو رمى إلى صيد فأصاب آدميًّا، وهذا ما جزم به في "المحرر"، وحكى في "الشرح" في (الديات) فيه ثلاثة أوجه: دية عمد، دية شبه عمد، دية خطأ 262.
(ولو ارتد المجروح ومات بالسراية .. فالنفس هدر) لا قود، ولا دية، ولا كفارة؛ لأنه لو قتله مباشرة في هذه الحالة .. لم يجب شيء، فبالسراية أولى.
(ويجب قصاص الجرح في الأظهر) إن كان مما يوجب القصاص؛ كالموضحة وقطع الطرف؛ لأن القصاص في الطرف ينفرد عن القصاص في النفس، ويستقر فلا يتغير بما يحدث بعده، ألا ترى أنه لو قطع طرفه وجاء آخر وحزَّ رقبته .. يجب على الأول قصاص الطرف وإن لم يجب عليهما قصاص النفس، والثاني: المنع؛ لأن الجراحة قد صارت نفسًا بسرايتها، والنفس مهدرة، فكذا الطرف؛ كما لو قطع طرف
الجزء: 4 - الصفحة: 36
فَيَسْتَوْفِيهِ قَرِيبُهُ الْمُسْلِمُ، وَقِيلَ: الإِمَامُ، وَإِنْ اقْتَضَى الْجُرْحُ مَالًا .. وَجَبَ أَقَل الأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِهِ وَدِيَةٍ، وَقِيلَ: أَرْشُهُ، وَقِيلَ: هَدَرٌ
إنسان، فمات منه، فعفى وليه عن القصاص .. لم يكن له أن يقتص في الطرف.
(فيستوفيه قريبه المسلم) 263 الذي كان يرثه لولا الردة؛ لأن القصاص للتشفي، وذلك يتعلق بالقريب دون الإمام، فإن كان ناقصًا .. انتظر كماله ليستوفي، (وقيل: الإمام) لأنه لا وارث للمرتد، فيستوفيه الإمام كما يستوفي قصاص من لا وراث له، وادعى ابن كج والماوردي: أن الأكثرين عليه، وأن الإصطخري انفرد بالأول، لكن الأول حكاه الشيخان تبعًا لصاحبي "التهذيب" و"البيان" عن الأكثرين، وحكاه الروياني في "التجربة" عن نص "الأم" 264.
(وإن اقتضى الجرح مالًا) 265 لا قصاصًا؛ كالجائفة والهاشمة ( .. وجب أقل الأمرين من أرشه) أيمما: الجرح (ودية) للنفس، فإن كان الأرش أقل كالجائفة وقطع اليد الواحدة .. لم يزد بالسراية في الردة شيء، وإن كانت دية النفس أقل؛ كما إذا قطع يديه ورجليه فارتد ومات .. لم يجب أكثر منها؛ لأنه لو مات بالسراية مسلمًا .. لم يجب أكثر منها، فههنا أولى، (وقيل: أرشه) أي: أرش الجرح بالغًا ما بلغ، فيجب فيما إذا قطع يديه ورجليه ديتان؛ لأن الأرش إنما يندرج في الدية إذا وجب ضمان النفس بتلك الجراحة، والنفس هنا مهدرة، فلو أدرجنا .. لأهدرنا، فجلعت الردة قاطعة للإدراج قائمة مقام الاندمال، وعلى كل حال: فالواجب فيءٌ لا يأخذ القريب منه شيئًا، (وقيل: هدر) لا يوجب شيئًا؛ لأن الجراحة إذا سرت .. صارت قتلًا، وصارت الأطراف تابعة للنفس، والنفس مهدرة، فكذلك ما يتبعها.
والأصح: وجوب المال؛ لأنه وجب بالجناية أرش، والردة تمنع وجوب شيء بعدها، ولا تسقط ما وجب قبلها، وهذا كما لو قطع أطراف رجل وقتل الرجل
الجزء: 4 - الصفحة: 37
وَلَوِ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ .. فَلَا قِصَاصَ، وَقِيلَ: إِنْ قَصُرَتِ الرِّدَّةُ .. وَجَبَ وَتَجِبُ الدِّيَةُ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفُهَا. وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فَأَسْلَمَ أَوْ حُرٌّ عَبْدًا فَعَتَقَ وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ .. فَلَا قِصَاصَ، وَتَجِبُ دِيَةُ مُسْلِمٍ، وَهِيَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ، فَإِنْ زَادَتْ عَلَى قِيمَتِهِ .. فَالزِّيَادَةُ
نفسه .. فإنه لا يسقط ضمان الأطراف، وهذا كله إذا طرأت الردة بعد الجرح، فلو طرأت بعد الرمي وقبل الإصابة .. فلا ضمان بالاتفاق؛ فإنه مرتد حين تأثر الجناية، وبحث الرافعي في مجيء وجه 266.
(ولو ارتد) المجروح (ثم أسلم فمات بالسراية .. فلا قصاص) لأنه انتهى إلى حالة لو مات فيها .. لم يجب القصاص، فصار شبهة دارئة للقصاص، (وقيل: إن قصرت الردة) بحيث لا يظهر للسراية أثر فيها ( .. وجب) لعدم ظهور أثر السراية فيها (وتجب الدية) تفريعًا على أنه لا قصاص؛ لوقوع الجرح والموت في حال العصمة، وهي في ماله، (وفي قول: نصفها) توزيعًا على العصمة والإهدار، وفي قول ثالث: أنه يجب ثلثاها توزيعًا على الأحوال الثلاث: حالتي العصمة، وحالة الإهدار.
وقضية إطلاقه: جريان الخلاف في قصر المدة وطولها، وهو ما حكاه الإمام، لكن نقل الرافعي عن الأكثرين: أن الخلاف فيما إذا طالت، فإن قصرت .. وجب تكملة الدية قطعًا، أما إذا قلنا: يجب القصاص .. فيجب تمام الدية جزمًا، نبه عليه ابن الرفعة، ورّد ما نقلاه عن الإمام من طرد الخلاف 267.
(ولو جرح مسلم ذمِّيًّا فأسلم، أو حرٌّ عبدًا فعتق ومات بالسراية .. فلا قصاص) لأنه لم يقصد بالجناية من يكافئه، (وتجب دية مسلم) أو حرٍّ لأنه كان مضمونًا في الابتداء، وهو في الانتهاء مسلم أو حر، فوجب اعتباره، وهي مغلظة حالة في ماله.
(وهي لسيد العبد) في صورة العبد إن كانت مثل قيمته أو أقل؛ لأنه قد استحق هذا القدر بالجناية الواقعة في ملكه، (فإن زادت) الدية (على قيمته .. فالزيادة
الجزء: 4 - الصفحة: 38
لِوَرَثتَهِ. وَلَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فَعَتَقَ ثُمَّ مَاتَ بسِرَايَةٍ .. فَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِنَ الدِّيَةِ الْوَاجِبَةِ وَنصْفِ قِيمَتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: الأَقَلُّ مِنَ الدِّيَةِ وَقِيمَتِهِ. وَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ فَعَتَقَ فَجَرَحَهُ آخَرَانِ وَمَاتَ بِسِرَايَتِهِمْ .. فَلَا قِصَاصَ عَلَى الأَوَّلِ إِنْ كَانَ حُرًّا، وَيَجِبُ عَلَى الآخَرَيْنِ
لورثثه) لأنها وجبت بسبب الحرية.
(ولو قطع يد عبد) أو فقأ إحدى عينيه (فعتق ثم مات بسراية) أوجبنا كمال الدية، وحينئذ ( .. فللسيد الأقل من الدية الواجبة ونصف قيمته) (وهو أرش الطرف المزال في ملكه لو اندملت الجراحة؛ لأن السراية لم تحصل في الرق حتى يعتبر فيها حق السيد، فإن كان كل الدية أقل .. فلا واجب غيره، وإن كان نصف القيمة أقل .. فهو أرش الجناية الواقعة في ملكه.
(وفي دول: الأقل من الدية وقيمته) أي: للسيد الأقل من كل الدية وكل القيمة؛ لأن السراية حصلت بجناية مضمونة للسيد، وقد اعتبرنا السراية حيث أوجبنا دية النفس، فلا بد من النظر إليها في حق السيد، فيقدر موته رقيقا وموته حرًّا، ونوجب للسيد أقل العوضين، فإن كانت الدية أقل .. فليس على الجاني غيرها ومن إعتاق السيد جاء النقصان، وإن كانت القيمة أقل .. فالزيادة وجبت بسبب الحرية، فليس للسيد إلا قدر القيمة الذي كان يأخذه لو مات رقيقًا.
(ولو قطع يده فعتق فجرحه آخران ومات بسرايتهم .. فلا قصاص على الأول إن كان حرًّا) لعدم المكافأة حال الجناية (ويجب على الآخرين) في الجرح إن كان مما فيه قصاص؛ لوجود المكافأة، وكذا في النفس على المذهب؛ لأنهما كفئان، وسقوطه عن الأول لمعنى فيه، فأشبه شريك الأب.
وسكت المصنف عن الدية، وتجب دية حرّ موزعة على الجنايات الثلاث كل واحد ثلثها؛ لأن جرحهم صار قتلًا بالسراية.
ولا حق للسيد فيما يجب على الآخرين، وإنما يتعلق بما يؤخذ من الجاني عليه في الرق؛ لأنه الجاني على ملكه، والآخران جنيا على حرّ، وفي ما يستحقه منه القولان في الصورة المذكورة قبلها؛ فعلى الأول: أقل الأمرين من ثلث الدية وأرش الجناية في ملكه، وهو نصف القيمة، وعلى الثاني: أقل الأمرين من ثلث الدية وثلث القيمة،
الجزء: 4 - الصفحة: 39
فَصْلٌ [في شروط القصاص في الأطراف والجراحات والمعاني]
يُشْتَرَطُ لِقِصَاصِ الطَّرَفِ وَالْجُرْحِ مَا شُرِطَ لِلنَّفْسِ. وَلَوْ وَضَعُوا سَيْفًا عَلَى يَدِهِ وَتَحَامَلُوا عَلَيْهِ دَفْعَةً فَأَبَانُوهَا .. قُطِعُوا
وقد وقع هنا لابن الملقن في "شرحيه" وهم فليحذر 268.
(فصل: يشترط لقصاص الطرف والجرح) والمنفعة (ما شرط للنفس) من العمدية، والمكافأة، وكون القاطع مكلفًا ملتزمًا، ومن العصمة في المقطوع والمجروح، وكون الجاني غير أصل المجني عليه ونحو ذلك؛ فلا يجب القصاص فيما إذا وقعت الجراحة خطأً، أو شبه عمد، ومن لا يقتل به .. لا يقطع بطرفه.
نعم؛ يستثنى: جناية المكاتب على عبده الذي تكاتب عليه؛ فإنه لا يقتص منه في النفس، ويقتص في الطرف، لأن الكتابة تبطل بقتله، فيموت على ملك السيد، ولا تبطل بقطع طرفه، وأرشه كسب له فيجب ذلك، ولا نظير لهذه المسألة.
ولا يشترط في قصاص الطرف التساوي في البدل؛ فيقطع العبد بالعبد، والمرأة بالرجل، وبالعكس، والذمي بالمسلم، والعبد بالحر، ولا عكس فيهما.
(ولو وضعوا سيفًا على يده وتحاملوا عليه دفعة فأبانوها .. قطعوا) كما في النفس، ويخالف ما لو سرق رجلان نصابًا واحدًا .. فإنه لا يجب القطع؛ لأنه حق الله، بخلافه.
واحترز بقوله: (فأبانوها) عما لو أبان كل منهم بعض الطرف، أو أبان واحد منهم بعضه، واشترك الباقون في إبانة باقيه، أو تعاونوا على قطع بمنشار وجرّه بعضهم في الذهاب، وآخرون في العود .. فإنه لا قود على واحد منهم في جملة العضو، ولا في بعضه.
الجزء: 4 - الصفحة: 40
وَشِجَاجُ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ عَشْرٌ: حَارِصَةٌ، وَهِيَ مَا شَقَّ الْجِلْدَ قَلِيلًا، وَدَامِيَةٌ تُدْمِيهِ، وَبَاضِعَةٌ تَقْطَعُ اللَّحْمَ، وَمُتَلَاحِمَةٌ تَغُوصُ فِيهِ، وَسِمْحَاقٌ تَبْلُغُ الْجِلْدَةَ الَّتِي بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ، وَمُوضِحَةٌ تُوضِحُ الْعَظْمَ،
قال الرافعي: (ولو تميز فعل الشركاء؛ بأن قطع هذا من جانب، وهذا من جانب حتى التقت الحديدتان، أو قطع أحدهما بعض اليد، وأبانها الآخر .. فلا قصاص على واحد منهما، ويلزم كل واحد منهما حكومة تليق بجنايته، وينبغي أن يبلغ مجموع الحكومتين دية اليد، وعن صاحب "التقريب" حكاية قول: أنه يقطع من كل واحد منهما بقدر ما قطع إن أمكن ضبطه، والمشهور: الأول 269. انتهى.
(وشجاج الرأس والوجه عشر) كما سيأتي، والشجاج بكسر الشين: جمع شجة بفتحها (حارصة) بمهملات (وهي ما شقّ الجلدَ قليلًا) نحو الخدش، مأخوذة من قولهم: حرص القصار الثوب: إذا شقه، (ودامية تدميه) أي: تدمي موضعها من الشق.
وقد يقتضي كلامه: أنه لا يشترط فيها سيلان الدم، وهو ما نقلاه عن الشافعي وأهل اللغة، قال أهل اللغة: فإن سال منها دم .. فهي الدامعة بالعين المهملة 270. وشرط الإمام والغزالي سيلان الدم في الدامية، قال في "أصل الروضة": وهو خلاف الصواب 271.
(وباضعة تقطع اللحم) أي: تشقه شقّأ خفيفًا؛ لأن البضع الشق، (ومتلاحمة تغوص فيه) أي: في اللحم، ولا تبلغ الجلدة التي بين اللحم والعظم، (وسمحاق) بكسر السين (تبلغ الجلدة التي بين اللحم والعظم) سميت بذلك؛ لأن تلك الجلدة تُسمَّى سمحاق الرأس، مأخوذة من سماحيق البطن، وهو الشحم الرقيق.
(وموضحة توضح العظم) أي: تكشفه بحيث يقرع بالمرود وإن كان العظم غير مشاهد لأجل الدم الذي ستره، ولو غرز إبرة في رأسه ووصلت إلى العظم .. فالأصحُّ: أنه إيضاح.
الجزء: 4 - الصفحة: 41
وَهَاشِمَةٌ تَهْشِمُهُ، وَمُنَقِّلَةٌ تَنْقُلُهُ، وَمَأْمُومَةٌ تبلُغُ خَرِيطَةَ الدِّمَاغِ، وَدَامِغَةٌ تَخْرِقُهَا. وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْمُوضِحَةِ فَقَطْ، وَقِيلَ: وَفِيمَا قَبْلَهَا سِوَى الْحَارِصَةِ. وَلَوْ أَوْضَحَ فِي بَاقِي الْبَدَنِ أَوْ قَطَعَ بَعْضَ مَارِنٍ أَوْ أُذُنٍ وَلَمْ يُبِنْهُ .. وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الأَصَحِّ
(وهاشمة تهشمه) أي: تكسر العظم، سواء أوضحته أم لا، (ومُنَقِّلة تنقله) أي: العظم من موضع إلى موضع، (ومأمومة تبلغ خريطة الدماغ) المحيطة به، وهي أمّ الرأس.
(ودامغة تخرقها) أي: تخرق خريطة الدماغ، وتصل الدماغ، وهي مذففة، وجميع هذه الشجاج تفرض في الجبهة كما تفرض في الرأس، ويتصور ما سوى المأمومة والدامغة في الخد وقصبة الأنف واللحي الأسفل.
(ويجب القصاص) من هذه العشرة (في الموضحة فقط) لتيسر ضبطها، واستيفاء مثلها، وأما غيرها .. فلا تؤمن الزيادة والنقصان في طول الجراحة وعرضها، ولا يوثق باستيفاء المثل؛ ولذلك لا يجب القصاص في كسر العظام.
(وقيل: وفيما قبلها سوى الحارصة) (وهي الدامية، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق، لإمكان الوقوف على نسبة المقطوع في الجملة.
واستثناء الحارصة من زيادات الكتاب على "المحرر"، قال في "الدقائق": (ولا بد منه؛ فإن الحارصة لا قصاص فيها قطعًا، وإنما الخلاف في غيرها).
انتهى، وفي "الكفاية": أن كلام جماعة يفهم خلافًا فيها، وقال في "المطلب": إن كلام الشافعي في "المختصر" يقتضي القصاص فيها 272.
(ولو أوضح في باقي البدن، أو قطع بعض مارن أو أذن ولم يبنه .. وجب القصاص في الأصح) أما في الأولى -وهي فيما إذا أوضح في بقية بدنه سوى الرأس والوجه كما إذا أوضح عظم الصدر أو العنق أو الساعد أو الأصابع-: فوجه عدم الوجوب: القياس على الأرش، فإنه لا أرش فيه مقدر، ووجه الوجوب وهو الأصحُّ: تيسر استيفاء
الجزء: 4 - الصفحة: 42
وَيَجِبُ فِي الْقَطْعِ مِنْ مَفْصِلٍ حَتَّى فِي أَصْلِ فَخِذٍ وَمَنْكِبٍ إِنْ أَمْكَنَ بِلَا إِجَافَةٍ، وَإِلَّا .. فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَجِبُ فِي فَقْءِ عَيْنٍ وَقَطْعِ أُذُنٍ وَجَفنٍ وَمَارِنٍ وَشَفَةٍ وَلِسَانٍ وَذَكَرٍ وَأُنْثَيَيْنِ، وَكَذَا أَلْيَانِ وَشُفْرَانِ فِي الأَصَحِّ
المثل؛ لأنه ينتهي إلى عظم يؤمن معه الحيف؛ كالرأس والوجه، ولا يعتبر القصاص بالأرش، ألا ترى أن الإصبع الزائدة يقتص بمثلها وليس لها أرش مقدر؛ وكذلك الساعد بلا كف، وهذا عكس الجائفة؛ فإن لها أرشًا مقدرًا ولا قصاص فيها.
وأما في الثانية -وهي ما إذا قطع بعض مارن أو أذن من غير إبانة-: فوجه وجوب القصاص: تيسر اعتبار المماثلة، ويقدر المقطوع بالجزئية كالثلث والربع ونحوهما، ويستوفي من الجاني مثله، ولا يقدر بالمساحة، بخلافه في الموضحة، ووجه مقابله: القياس على المتلاحمة.
و(المارن): ما لان من الأنف، وفضل عن القصبة.
وقوله: (ولم يبنه): يفهم أنه إذا أبانه .. لا يكون كذلك، وليس كذلك، بل الصحيح: الوجوب.
(ويجب) القصاص (في القطع من مفصل) لانضباطه، وذلك في الأعضاء المنتهية إلى مفاصل أو حدود؛ كالأنامل تنتهي إلى مفاصل وهي عقد الأصابع، والكف ينتهي إلى مفصل وهو الكوع، (حتى في أصل فخذ ومنكب إن أمكن بلا إجافة) أي: فيقتص؛ لإمكان المماثلة.
(وإلا) أي: وإن لم يمكن إلا بإجافة ( .. فلا على الصحيح) لأن الجوائف لا تنضبط ضيقًا وسعة، وتأثيرًا ونكاية؛ ولذلك امتنع فيها القصاص، والثاني: أنه يقتص إذا كان الجاني قد أجاف وقال أهل النظر: يمكن أن يقطع ويجاف مثل تلك الجائفة، ووجهه: أن الجائفة ههنا تابعة غير مقصودة.
(ويجب) القصاص (في فقء عين، وقطع أذن وجفن ومارن وشفة ولسان وذكر وأنثيين) وإن لم يكن مفصل؛ لأن لها نهايات مضبوطة، فهي بمنزلة الأعضاء التي لها مفاصل؛ كاليد والرجل.
(وكذا أليان وشفران في الأصح) لأن لها نهاية ينتهي إليها، والثاني: لا؛ لأنه
الجزء: 4 - الصفحة: 43
وَلَا قِصَاصَ فِي كَسْرِ الْعِظَامِ، وَلَهُ قَطْعُ أَقْرَبِ مَفْصلٍ إِلَى مَوْضِعٍ الْكَسْرِ وَحُكُومَةُ الْبَاقِي. وَلَوْ أَوْضَحَهُ وَهَشَمَ .. أَوْضَحَ وَأَخَذَ خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ. وَلَوْ أَوْضحَ وَنَقَّلَ .. أَوْضَحَ وَلَهُ عَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ. وَلَوْ قَطَعَهُ مِنَ الْكُوعِ .. فَلَيْسَ لَهُ الْتِقَاطُ أَصَابِعِهِ،
لا يمكن الاستيفاء إلا بقطع غيره.
و(الأليان): تثنية ألية، وهما اللحمان الناتئان بين الظهر والفخذ.
و(الشفران) بضم الشين: طرفا ناحيتي الفرج.
(ولا قصاص في كسر العظام) لعدم الوثوق بالمماثلة؛ لأن الكسر لا يدخل تحت الضبط.
(وله قطع أقرب مفصل إلى موضع الكسر، وحكومة الباقي) أما القطع .. فلأن فيه تحصيل استيفاء بعض الحق، والميسور لا يسقط بالمعسور، وأما أخذ الحكومة .. فلأنه لم يأخذ عوضًا عنه؛ فلو قطع ذراعه .. اقتص في الكف وأخذ أرش ما زاد.
(ولو أوضحه وهشم .. أوضح) لإمكان القصاص في الموضحة، فأشبه قطع اليد من وسط الساعد، فإن له أن يقتص في الكف، (وأخذ خمسة أبعرة) لتعذر القصاص في الهشم، وهذا المأخوذ هو أرش ما بين الهاشمة والموضحة.
(ولو أوضح ونقَّل .. أوضح وله عشرة أبعرة) (وهي أرش ما بين الموضحة والمنقلة، وهكذا لو أوضح وأمَّ .. فله أن يوضح ويأخذ ما بين أرش الموضحة والمأمومة، وهو ثمانية وعشرون بعيرًا وثلث؛ فإن في المأمومة ثلث الدية.
(ولو قطعه من الكوع 273 .. فليس له التقاط أصابعه) ويترك الكف؛ لأنه قادر على محل الجناية، ومهما أمكن المماثلة لا يعدل عنها.
وقد يوهم كلامه: أنه لو طلب قطع إصبع واحدة .. مكّن، وليس كذلك، بل قال الإمام: لو طلب قطع أنملة واحدة .. لا تجب قطعًا 274، ومحل منع الالتقاط: إذا كان
الجزء: 4 - الصفحة: 44
فَإِنْ فَعَلَهُ .. عُزِّرَ وَلَا غُرْمَ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ قَطْعَ الْكَفِّ بَعْدَهُ. وَلَوْ كَسَرَ عَضُدَهُ وَأَبَانَهُ .. قُطِعَ مِنَ الْمِرْفَقِ، وَلَهُ حُكُومَةُ الْبَاقِي، فَلَوْ طَلَبَ الْكُوعَ .. مُكِّنَ فِي الأَصَحِّ.
كف المجني عليه كاملة، فلو كانت ناقصة إصبعًا مثلًا .. لم تقطع السليمة بها، وله أن يلتقط أربع أصابع منها؛ كما ذكره المصنف في الباب الآتي.
(فإن فعله) أي: لقط الأصابع (عُزِّر) لعدوله عن المستحق (ولا غرم) لأنه يستحق إتلاف الجملة، فلا يلزمه بإتلاف البعض غرم؛ كما أن مستحق النفس لو قطع يد الجاني .. لا غرم عليه.
(والأصح: أن له قطع الكف بعده) كما أن مستحق النفس لو قطع يد الجاني .. له أن يعود ويحز رقبته، والثاني: المنع؛ لأن فيه زيادة ألم آخر.
(ولو كسر عضده وأبانه .. قُطع من المرفق) لأنه أقرب مفصل إلى محل الجناية.
و(العضد): من مفصل المرفق إلى الكتف.
(وله حكومة الباقي) لتعذر القصاص فيه، وهذه الصورة كانت تعلم من قوله قبلُ: (وله قطع أقرب مفصل إلى موضع الكسر وحكومة الباقي).
(فلو طلب الكوع .. مُكِّن في الأصح) لأنه عاجز عن القطع في محل الجناية، وهو بالعدول تارك بعض حقه فلا يمنع منه، والثاني: المنع؛ لعدوله عمّا هو أقرب إلى محل الجناية، ورجحه في "الشرح الصغير"، وكلام "الكبير" يقتضي ترجيحه، ولم يصرح في "الروضة" بترجيح 275.
وإذا قلنا: ليس له القطع من الكوع فقطع ثم أراد القطع من المرفق .. لم يمكن.
قاله الرافعي 276.
قال الزركشي تبعًا للمنكت: ويحتاج إلى الفرق بينه وبين مسألة التقاط الأصابع؛ فإن له قطع الكف بعده على الأصحِّ؛ كما سبق.
انتهى.
وقد يفرق: بأن هناك يعود إلى محل الجناية، وههنا يعود إلى غير محل الجناية، وجوزنا قطع ما دونه للضرورة، فإذا قطع مرة .. لم يكرره.
الجزء: 4 - الصفحة: 45
وَلَوْ أَوْضَحَهُ فَذَهَبَ ضَوْءُهُ .. أَوْضَحَهُ، فَإِنْ ذَهَبَ الضَّوْءُ وَإِلَّا .. أُذْهِبَ بِأَخَفِّ مُمْكِنٍ؛ كَتَقْرِيبِ حَدِيدَةٍ مُحْمَاةٍ مِنْ حَدَقَتِهِ. وَلَوْ لَطَمَهُ لَطْمَةً تُذْهِبُ ضَوْءَهُ غَالِبًا فَذَهَبَ .. لَطَمَهُ مِثْلَهَا، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ .. أُذْهِبَ. وَالسَّمْعُ كالْبَصَرِ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيهِ بِالسِّرَايَةِ،
(ولو أوضحه فذهب ضوءه) أي: ضوء عينيه ( .. أوضحه) طلبًا للمماثلة.
(فإن ذهب الضوء) فذاك (وإلا) أي: وإن لم يذهب بذلك ( .. أذهب بأخف ممكن 277؛ كتقريب حديدة محماة من حدقته) أو طرح كافور ونحوه ممّا يذهب الضوء، هذا إذا أمكن إذهاب الضوء مع بقاء الحدقة، فإن لم يمكن ذلك إلا بإذهاب الحدقة .. سقط القصاص ووجبت الدية، قاله المتولي وغيره، قال الأَذْرَعي: وهو متعين.
(ولو لطمه لطمة تذهب ضوءه غالبًا فذهب .. لطمه مثلها) طلبًا للمماثلة (فإن لم يذهب) باللطمة ( .. أذهب) بالطريق الممكن مع بقاء الحدقة؛ لإمكان الاستيفاء من غير حيف، وهذا ما نقلاه عن النص، ونسبه في "المهذب" إلى بعض الأصحاب ثم قال: ويحتمل ألا يقتص باللطمة؛ لأنه لا يمكن اعتبار المماثلة فيها؛ ولهذا لو انفردت عن إذهاب الضوء .. لم يجب فيها قصاص، ولا يستوفى به القصاص؛ كما لا يقتص إذا هشمه فذهب ضوءه بالهاشمة، واستحسنه الرافعي، وجعله البغوي وجهًا وصححه 278.
ثم محل القصاص بها: ما إذا ذهب من العينين، فلو ذهب من أحدهما .. لم يلطم؛ لاحتمال أن يذهب منهما، بل يذهب بالمعالجة إن أمكن، وإلا .. فالدية.
قاله ابن الرفعة، وهو قضية قول المصنف وغيره: (تذهب ضوءه فذهب).
(والسمع كالبصر يجب القصاص فيه بالسراية) لأن له محلًّا مضبوطًا، وقيل: لا يجب القصاص فيه؛ لأنه في غير محل الجناية.
الجزء: 4 - الصفحة: 46
وَكَذَا الْبَطْشُ وَالذَّوْقُ وَالشَّمُّ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَطَعَ إِصْبَعًا فَتَأَكَّلَ غَيْرُهَا .. فَلَا قِصَاصَ فِي الْمُتَأَكِّلِ.
(وكذا البطش والذوق، والشم في الأصح) أي: إذا ذهب بالجناية على اليد أو الرجل، أو على الفم أو الأنف؛ لأن لها محالًّا مضبوطة، ولأهل الخبرة طرق في إبطالها، والثاني: المنع: أما في البطش .. فلأنه عسر الإزالة، وأما الباقي .. فلأنها في غير محل الجناية، فلا يمكن القصاص فيها.
وترجيح الأول تبع فيه الرافعي 279، والرافعي لم ينقل عن أحد، وإنما رآه تفقهًا.
نعم؛ نقله في "التتمة" عن القاضي الحسين في البطش، والذي عليه الجمهور ترجيح المنع؛ كما قاله في "المطلب" فقال: وإيجاب القصاص بالسراية في البصر دون ما سواه من المعاني هي الطريقة الراجحة عند الجمهور.
(ولو قطع إصبعًا فتأكل غيرها .. فلا قصاص في المتأكل) لعدم تحقق العمدية.
الجزء: 4 - الصفحة: 47
بابُ كيفيَّة القصاص ومستوفيه والاختلاف فيه
لَا تُقْطَعُ يَسَارٌ بِيَمِينٍ، وَلَا شَفَةٌ سُفْلَى بِعُلْيَا وَلَا عَكْسُهُ، وَلَا أَنْمُلَةٌ بِأُخرَى، وَلَا زَائِدٌ بِزَائِدٍ فِي مَحَلٍّ آخَرَ. وَلَا يَضُرّ تَفَاوُتُ كِبَرٍ وَطُولٍ وَقُوَّةِ بَطْشٍ فِي أَصْلِيٍّ،
(باب: كيفية القصاص ومستوفيه والاختلاف فيه) والعفو عنه
(لا تقطع يسار بيمين) سواء اليد والرجل والجفن والأذن وغيرها.
(ولا شفة سفلى بعليا وعكسه) لاختلاف المنافع، واختلاف تأثير المحال بالجراحات؛ كما لا يقطع الإبهام بالسبابة، والخنصر بالبنصر.
وقوله: (لا يقطع) فيه قصور، ولو قال: (لا يؤخذ) .. لكان أحسن؛ ليدخل فيه فقء إحدى العينين، وإذهاب ضوئها وغير ذلك.
(ولا أنملة بأخرى) أي: لا يقطع أصبع بأنملة أخرى من تلك الإصبع؛ لاختلاف المنافع.
(ولا زائد بزائد في محل آخر) بأن كانت زائدة المجني عليه بجنب الخنصر، وزائدة الجاني بجنب الإبهام؛ كما لا تقطع أصلية بأصلية؛ كالسبابة والوسطى، بل تؤخذ في الزائد الحكومة.
وأفهم كلامه: أنه يقطع الزائد بالزائد عند اتحاد المحل، وهو كذلك، لكن يستثنى: ما لو كانت زائدة الجاني أتمّ؛ بأن كان لإصبعه الزائدة مثلًا ثلاث مفاصل، ولزائدة المجني عليه مفصلان .. فلا قطع بها، نقله الأصحاب عن النص؛ لأن هذا أعظم من تفاوت المحل.
(ولا يضرّ تفاوت كبر وطول ودوَّة بطش في أصليٍّ) قطعًا؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ وكما لا تعتبر مماثلة النفوس في هذه الأمور حتى يؤخذ العالم بالجاهل، والصغير بالكبير، فتقطع اليد الصغيرة بالكبيرة نظرًا إلى الصورة الخلقية؛ فإن المماثلة في ذلك لا تكاد تتفق، فلو اعتبرت .. لتعطلت حكمة القصاص غالبًا.
وما أطلقه من أنه لا يضر التفاوت في الأصل شامل لما إذا كان النقص بآفة سماوية
الجزء: 4 - الصفحة: 48
وَكَذَا زَائِدٌ فِي الأَصَحِّ. وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ الْمُوضِحَةِ طُولًا وَعَرْضًا
أو بجناية، لكن ذكرا بعدُ بنحو ورقتين عن الإمام: أنه لو كان النقص بجناية؛ بأن ضرب رجل يده فنقص بطشها وألزمناه الحكومة، ثم قطع تلك اليد كامل البطش .. أنه لا قصاص، ولا تجب دية كاملة على الأصحِّ، وأقرّاه، لكن حكى الإمام عن الأصحاب في (باب الديات) الوجوب، وبسط الكلام 280، قال الزركشي: وهو الصواب، وحينئذٍ: فإطلاق "الكتاب" صحيح على ذلك.
(وكذا زائد) كالإصبع والسن الزائدتين (في الأصح) كما في الأصلية، والثاني: يضر، ونقله في "البيان" عن أكثر الأصحاب؛ لأن القصاص إنما يجب في العضو الزائد بالاجتهاد، فإن كان عضو الجاني أزيد .. كانت حكومته أكثر؛ فلا يجب أخذه بالذي هو أنقص منه، بخلاف الأصلي؛ فإن القصاص ثبت فيه بالنص، فلا يعتبر التساوي فيه، وهذا هو المنصوص 281. انتهى، قال الأَذْرَعي: فإذًا هو المذهب لا ما رجحاه.
فعلى هذا: إن كانت زائدة الجاني أكبر .. لم يقتص منه، وإن كانت زائدة المجني عليه أكبر .. اقتص، وأخذ حكومة قدر النقصان، قال الشيخان: ثم الخلاف فيما رأى الإمام فيما إذا لم يؤثر تفاوت الحجم في الحكومة، فإن أثر .. فلا قصاص 282، قال الأَذْرَعي: وجرى عليه في "البسيط"، وقال: إنه مقطوع به.
وأطلق المصنف الزائد، وصور الرافعي وصاحب "البيان" مسألة الوجهين بالإصبع والسن الزائدتين، ثم قال الرافعي: ومنهم من خصّ الخلاف بالسن وسكت عنه في الإصبع 283.
(ويعتبر قدر الموضحة طولًا وعرضًا) لأجل المماثلة؛ فلا تقابل ضيقة بواسعة، ولا يقنع بضيقة عن واسعة، بل يوضح من رأس الجاني بقدر ما أوضح من رأس المجني عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 49
وَلَا يَضُرُّ تَفَاوُتُ غِلَظِ لَحْمٍ وَجِلْدٍ. وَلَوْ أَوْضَحَ كُلَّ رَأْسِهِ وَرَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرُ .. اسْتَوْعَبْنَاهُ وَلَا نُتِمُّهُ مِنَ الْوَجْهِ وَالْقَفَا، بَلْ نَأْخُذُ قِسْطَ الْبَاقِي مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ لَوْ وُزِّعَ عَلَى جَمِيعِهَا. وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَكْبَرَ .. أُخِذَ قَدْرُ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ فَقَطْ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الاخْتِيَارَ فِي مَوْضِعِهِ إِلَى الْجَانِي
(ولا يضر تفاوت غلظ لحم وجلد) لأن اسم الموضحة يتعلق بانتهاء الجراحة إلى العظم، والتساوي في قدر العوض قلّ ما يتفق فيقطع النظر عنه؛ كما يقطع النظر عن الصغر والكبر في الأطراف.
(ولو أوضح كل رأسه ورأس الشاج أصغر .. استوعبناه) لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ولا يكتفى به.
(ولا نتمه من الوِجه والقفا) لأنهما غير محل الجناية (بل نأخذ قسط الباقي من أرش الموضحة لو وزِّع على جميعها) لتعيّنه طريقًا، فيمسح رأس المشجوج والشاج؛ فإذا كانت بقدر الثلثين .. أوجبنا عند إيضاح المشجوج جميع رأس الشاج ثلث أرش الموضحة.
والفرق بين الموضحة واليد ونحوها حيث يكتفي فيها بالصغيرة عن الكبيرة: أن المرعي في اليد ونحوها الاسم، وهنا المساحة؛ ولهذا لو كانت يد الجاني أكبر .. قطعت، ولو كان رأسه أكبر .. لا يستوعب قطعًا.
(وإن كان رأس الشاج أكبر .. أُخذ قدر رأس المشجوج فقط) لحصول المساواة.
(والصحيح: أن الاختيار في موضعه إلى الجاني) لأن جميع رأسه محل الجناية، كذا علله الرافعي وحكياه عن الأكثرين 284، والثاني: إلى المجني عليه، ونقله الماوردي عن جمهور الأصحاب 285، قال الأَذْرَعي وغيره: وهو الذي أورده العراقيون والمراوزة خلا الإمام ومن تبعه، ونص عليه في "الأم" نصًّا صريحًا، وهو الصواب نقلًا ومعنى؛ أما النقل .. فما سبق، وأما المعنى .. فما علل به الرافعي بأن جميع رأسه محل الجناية؛ فإنه يقتضي تخيير المشجوج لا الشاج؛ إذ المرعي جانب
الجزء: 4 - الصفحة: 50
وَلَوْ أَوْضَحَ نَاصِيَةً وَنَاصِيَتُهُ أَصْغَرُ .. تُمِّمَ مِنْ بَاقِي الرَّأْسِ. وَلَوْ زَادَ الْمُقْتَصُّ فِي مُوضِحَةٍ عَلَى حَقِّهِ .. لَزِمَهُ قِصَاصُ الزِّيَادَةِ، فَإِنْ كَانَ خَطَأً أَوْ عَفَا عَلَى مَال .. وَجَبَ أَرْشٌ كَامِلٌ، وَقِيلَ: قِسْطٌ
المستحق في القود، وهو الذي جميع رأسه محل الجناية، فأيّ موضع طلبه من رأس الشاج فقد جنى على مثله من رأسه، فلا وجه لمنعه أصلًا؛ إذ لم يطلب أزيد من حقه، وليست هذه كالدين 286؛ لأنه مسترسل في الذمة، والحق هنا متعلق بمحل معين، وفي ثبوت ما رجحه المصنف وجهًا شاذًا نظر.
انتهى.
وفي وجه ثالث: أنه يبتدئ من حيث ابتدأ الجاني، ويذهب في الجهة التي ذهب إلى استكمال قدر جنايته.
(ولو أوضح ناصيةً وناصيتُه) يعني: الجاني (أصغر .. تُمِّم من باقي الرأس) لأن الرأس كله عضو واحد، فلا فرق بين مقدمه -وهو الناصية- ومؤخره، ويخالف ما سبق في الوجه والرأس، فإنهما عضوان.
(ولو زاد المقتص في موضحة على حقه) أي: عمدًا حيث صار له الاستيفاء بنفسه برضا المجني عليه، وإلا .. فالمستحق ليس له استيفاء الطرف بغير رضا المجني عليه ( .. لزمه قصاص الزيادة) (ويكون بعد اندمال الموضحة التي جنى عليهما الجاني، وحكمها حكم موضحة منفردة، وإلا .. فسيأتي أن المستحق لا يمكّن من استيفاء الطرف بنفسه.
(فإن كان خطأ) بأن اضطربت يده (أو عفا على مال .. وجب أرش كامل) لأن حكم الزيادة يخالف حكم الأصل، فالأصل عمد ومستحق، والزيادة خطأ وغير مستحقة، وتغاير الحكم كتعدد الجاني، (وقيل: قسط) للزيادة بعد توزيع الأرش عليهما؛ لاتحاد الجارح والجراحة، وهذا كما ذكرنا أنه يجب القسط فيما إذا كان رأس الشاج أصغر، ومحل الضمان: ما إذا لم تكن الزيادة باضطراب الجاني، فإن كانت باضطرابه .. فلا ضمان، فلو قال: (تولدت باضطرابك) (وأنكر .. ففي
الجزء: 4 - الصفحة: 51
وَلَوْ أَوْضَحَهُ جَمْعٌ .. أَوْضحَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِثْلَهَا، وَقِيلَ: قِسْطُهُ. وَلَا تُقْطَعُ صَحِيحَةٌ بِشَلَّاءَ وَإِنْ رَضِيَ الْجَانِي،
المصدق منهما وجهان بلا ترجيح في "الروضة" 287، ورجح البُلْقيني تصديق المقتص منه، ورجح الأَذْرَعي تصديق الجاني وعلّله بأنه منكر العمدية.
(ولو أوضحه جمع) بأن تحاملوا على الآلة وجرّوها معًا ( .. أوضح من كل واحد مثلها) أي: مثل جميعها؛ كالشركاء في القطع، (وقيل: قسطه) فيوزع عليهم ويوضح من كل واحد قدر حصته، لإمكان التجزئة، كإتلاف المال، بخلاف الطرف.
واعلم: أن هذا وما قبله أبداهما الإمام احتمالين لنفسه، وحكياهما عنه في "الشرح" و"الروضة" بلا ترجيح، ونقلا عن البغوي القطع بالأول 288، قال الزركشي: وهو ما جزم به الماوردي، وصاحب "البيان"، ونص عليه في "الأم"، وقال الإمام: إنه الأقرب، وقال الجاجرمي: الأصحُّ.
وقد يوهم كلام المصنف: ترجيح وجوب دية موضحة كاملة على كل واحد إذا آل الأمر إلى الدية، وهو الأقرب عند الإمام، وقطع البغوي بإيجاب القسط 289، وصوبه البُلْقيني وحكاه عن قطع الماوردي، وقال: إنه مقتضى نص "الأم"؛ فإنه جعله كالنفس، والنفس لا تتعدد ديتها، فكذلك الموضحة، وقال الأَذْرَعي: إنه المذهب.
(ولا تقطع صحيحة بشلاء وإن رضي الجاني) لأن الشلاء مسلوبة المنفعة، فلا يؤخذ بها كاملة، كما لا تؤخذ العين البصيرة بالعمياء وإن رضي الجاني.
وما أطلقه محمول على اليد والرجل، أما الذكر .. فقد صرح به بعد ذلك، وأما الأنف والأذن .. فالأظهر: أنه يؤخذ الصحيح منهما بالمستحشف -وهو الأشل-؛ لبقاء منفعتهما من جمع الصوت والريح، وقد صرح بذلك في "التنبيه"، وأقرّه في
الجزء: 4 - الصفحة: 52
فَلَوْ فَعَلَ .. لَمْ يَقَعْ قِصَاصًا، بَلْ عَلَيْهِ دِيَتُهَا، فَلَوْ سَرَى .. فَعَلَيْهِ قِصَاصُ النَّفْسِ. وَتُقْطَعُ الشَّلَّاءُ بِالصَّحِيحَةِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: (لَا يَنْقَطِعُ الدَّمُ)، وَيَقْنَعُ بِهَا مُسْتَوْفِيهَا
"التصحيح"، وصرح به أيضًا في "أصل الروضة" 290 لكن في الأذن خاصة.
وما ذكره المصنف من منع القطع وإن رضي الجاني محله: عند وقوف القطع، فإن سرى إلى النفس .. فالأظهر عند الأكثرين: قطعها بها، ذكراه في (الطرف الثالث في كيفية المماثلة).
(فلو فعل) أي: خالف وقطع الصحيحة ( .. لم يقع قصاصًا) لأنها غير مستحقة له (بل عليه ديتها، فلو سرى .. فعليه قصاص النفس) لتفويتها بغير حق، هذا إذا لم يأذن الجاني، فإن أذن في قطعها فسرى إلى النفس .. فلا قصاص في النفس، قالا: ثم ينظر فإن قال الجاني: (اقطع يدي) (وأطلق .. جعل المجني عليه مستوفيًا لحقه ولم يلزمه شيء، وإن قال: (اقطعها عوضًا عن يدك أو قصاصًا) .. فوجهان: أحدهما: وبه أجاب البغوي أن على المجني عليه نصف الدية، وعلى الجاني الحكومة؛ لأنه لم يبذلها مجانًا، والثاني: لا شيء على المجني عليه، وكأنّ الجاني أدى الجيد عن الرديء وقبضه المستحق 291.
(وتقطع الشلاء بالصحيحة) لأنها دون حقه (إلا أن يقول أهل الخبرة: "لا ينقطع الدم") بل تنفتح أفواه العروق ولا تنسد بحسم النار ولا غيره؛ فلا تقطع بها وإن رضي الجاني؛ لما فيه من تفويت النفس بالطرف، وللمجني عليه دية يده، فإن قال أهل الخبرة: (تنقطع) .. فله قطعها قصاصًا؛ كقتل الذمي بالمسلم، والعبد بالحر.
(ويقنع بها مستوفيها) (وليس له أن يطلب بسبب الشلل أرشًا؛ لأنهما استويا في الجرم، وإنما اختلفا في الصفة، والصفة المجردة لا تقابل بالمال، وكذلك إذا قتل الذمي بالمسلم، والعبد بالحر .. لم يجب لفضيلة الإسلام والحرية شيء.
الجزء: 4 - الصفحة: 53
وَيُقْطَعُ سَلِيمٌ بِأَعْسَمَ وَأَعْرَجَ، وَلَا أَثَرَ لِخُضْرَةِ أَظْفَارٍ وَسَوَادِهَا، وَالصَّحِيحُ: قَطْعُ ذَاهِبَةِ الأَظْفَارِ بِسَلِيمَتِهَا دُونَ عَكْسِهِ
وتقطع الشلاء بالشلاء في الأصحِّ إن استويا في الشلل، أو كان شلل يد القاطع أكثر ولم يخف نزف الدم.
والمراد بالشلل في اليد والرجل: زوال الحس والحركة، قاله الشيخ أبو محمد، وقال الإمام: لا يشترط زوال الحس بالكلية، وإنما الشلل بطلان العمل، ورجحه ابن الرفعة 292.
(ويقطع سليم باعسم وأعرج) لأنه لا خلل في اليد والرجل.
و (الأعسم) بالعين والسين المهملتين هو: يبس مفصل الرسغ حتى يعوج الكف والقدم، قاله الجوهري 293.
(ولا أثر لخضرة أظفار وسوادها) فتقطع ذات الأظفار البيض بذات الأظفار السود أو الخضر؛ فإن هذه الأحوال علة ومرض في الظفر، والظفر السليم يستوفى بالعليل.
(والصحيح: قطع ذاهبة الأظفار بسليمتها دون عكسه) أما الأولى .. فلأنها بعض حقه، وأما عكسه .. فلأنها نقصان خلقة، فلا يؤخذ الكامل بالناقص.
وقد انتقد كلام المصنف من وجهين:
أحدهما: اقتضاؤه: أن في المسألتين وجهين، وليس كذلك؛ فإن الأولى: لا خلاف فيها، والثانية: فيها احتمال للإمام لا وجه 294.
الجزء: 4 - الصفحة: 54
وَالذَّكَرُ صِحَّةً وَشَلَلًا كالْيَدِ، وَالأَشَلُّ: مُنْقَبضٌ لَا يَنْبَسِطُ وَعَكْسُهُ، وَلَا أَثَرَ لِلاِنْتِشَارِ وَعَدَمِهِ، فَيُقْطَعُ فَحْلٌ بِخَصِيٍّ وَعِنينٍ، وَأَنْفٌ صَحِيحٌ بِأَخْشَمَ، وَأُذُنُ سَمِيعٍ بِأَصَمَّ، لَا عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بِحَدَقَةٍ عَمْيَاءَ، وَلَا لِسَانٌ نَاطِقٌ بِأَخْرَسَ
الثاني: تعبيره بـ (ذاهبة الأظفار) يقتضي زوالها بعد وجودها، والذي صوّره في "الشرح" و"الروضة" فيما إذا لم يخلق له ظفر، وفيه خرج الإمام القصاص 295، وعليه ينطبق التعليل السابق.
(والذّكر صحة وشللًا كاليد) الصحيحة مع الشلاء فيما تقدم جميعه.
(و) الذكر (الأشل: منقبض لا يثبسط، وعكسه) أي: يلزم حالة واحدة من انتشار أو انقباض ولا يتحرك أصلًا، هذه عبارة الجمهور، وقيل: هو الذي لا يتقلص في البرد، ولا يسترسل في الحر، وهو بمعنى الأول.
(ولا أثر للانتشار وعدمه، فيقطع فحل بخصيٍّ وعنين) أما العنين .. فلأنه لا خلل في العضو، وتعذر الانتشار لضعف في القلب أو الدماغ، كذا قال الرافعي: (في القلب)، قال ابن الملقن: ولعله: (في الصلب) كما قاله أبو الطيب 296.
وأما الخصي .. فلأن الخصاء ليس آفة في الذكر؛ لسلامته وقدرته على الإيلاج، فهو آكد من ذكر العنين.
(وأنف صحيح) وهو الشامّ (بأخشم) (وهو الذي لا يشم شيئًا؛ لأن النقص في قوة الشم لا في الجِرْم، والقوة في الدماغ.
(وأذن سميع بأصم) (وكذا بالعكس؛ لأن السمع ليس في جِرْم الأذن، وإنما هي آلة السمع.
(لا عين صحيحة بحدقة عمياء) لأن النظر في العين؛ فهي أكثر من حقه، وفي العكس تؤخذ إن رضي المجني عليه؛ لأنه دون حقه، (ولا لسان ناطق بأخرس) لأنه يأخذ أكثر من حقه؛ إذ الخرس نقص في اللسان، ويجوز العكس برضا المجني عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 55
وَفِي قَلْعِ السِّنِّ قِصَاصٌ، لَا فِي كَسْرِهَا، وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ صَغِيرٍ لَمْ يُثْغَرْ .. فَلَا ضَمَانَ فِي الْحَالِ، فَإِنْ جَاءَ وَقْتُ نَبَاتِهَا؛ بِأَنْ سَقَطَتِ الْبَوَاقِي وَعُدْنَ دُونَهَا، وَقَالَ أَهْلُ الْبَصَرِ: (فَسَدَ الْمَنْبِتُ) .. وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَلَا يُسْتَوْفَى لَهُ فِي صِغَرِهِ
(وفي قلع السِّنِّ قصاص) للآية (لا في كسرها) بناء على ما سبق من أنه لا قصاص في كسر العظام، وفي قول: إنه يقتص إن أمكن أن يكسر من الجاني مثله، وقطع به في "المهذب"، وقال البُلْقيني: إنه المذهب، وصوّر ابن يونس الإمكان: بأن يكسر نصفه طولًا.
(ولو قلع) مثغور (سن صغير لم يثغر .. فلا ضمان في الحال) لأنه لم يتحقق إتلافها؛ لأنها تعود غالبًا فأشبه الشعر.
وقوله: (يثغر) هو بمثناة من تحت مضمومة، ثم مثلثة ساكنة، ثم غين معجمة مفتوحة، ومعناه: لم تسقط أسنانه الرواضع، فإذا نبتت بعد ذلك .. قيل: اتغر بتشديد التاء المثناة من فوق، وإن شئت .. قلت: اثّغر بالمثلثة المشددة، قاله المصنف في "التحرير" 297.
(فإن جاء وقت نباتها؛ بأن سقطت البواقي وعدن دونها، وقال أهل البصر: "فسد المنبت" .. وجب القصاص) لأنه بان بالآخر أنه أفسد المنبت، فيقابل بمثله، أما إذا قالوا: يتوقع نباتها إلى وقت كذا .. توقعناه، فإن مضت ولم تنبت .. وجب القصاص.
(ولا يستوفى له في صغره) بل ينتظر بلوغه فيستوفى، فإن مات قبل البلوغ .. اقتص وارثه في الحال أو أخذ الأرش، وإن مات قبل حصول اليأس وقبل تبين الحال .. فلا قصاص، وفي الأرش وجهان يأتيان في (الديات).
وسكت المصنف عما إذا نبتت لوضوحه؛ فإنه لا قصاص ولا دية.
نعم؛ إن نبتت وبها شين أو نقص .. فعليه الحكومة، فإن لم يكن بها شين ولا نقصان منفعة .. ففي إيجاب الحكومة وجهان.
الجزء: 4 - الصفحة: 56
وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ مَثْغُورٍ فَنَبَتَتْ .. لَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ نَقَصَتْ يَدُهُ إِصْبَعًا فَقَطَعَ كَامِلَة .. قُطِعَ وَعَلَيْهِ أَرْشُ إِصْبَعٍ، وَلَوْ قَطَعَ كَامِلٌ نَاقِصَةً، فَإِنْ شَاءَ الْمَقْطُوعُ .. أَخَذ دِيَةَ أَصَابِعِهِ الأَرْبَعِ، وَإِنْ شَاءَ .. لَقَطَهَا، وَالأَصَحُّ: أَنَّ حُكُومَةَ مَنَابِتِهِنَّ تَجِبُ إِنْ لَقَطَ لَا إِنْ أَخَذَ دِيَتَهُنَّ، وَأَنَّهُ تَجِبُ فِي الْحَالَيْنِ حُكُومَةُ خُمُسِ الْكَفِّ
(ولو قلع) مثغور (سنّ مثغور فنبتت .. لم يسقط القصاص في الأظهر) لأن عودها نادر، والنابت نعمة جديدة، والثاني: يسقط؛ كالصغير إذا عادت سنهُ، وعلى القولين: لا ينتظر العود، بل للمجني عليه أن يقتص أو يأخذ الدية في الحال.
(ولو نقصت يده إصبعًا فقطع كاملة .. قطع وعليه أرش إصبع) لأنه قد قطع منه إصبعًا لم يستوف قصاصها، وله أن يأخذ دية اليد ولا يقطع.
(ولو قطع كامل ناقصة؛ فإن شاء المقطوع .. أخذ دية أصابعه الأربع، وإن شاء .. لقطها) لأنها داخلة في الجناية، ويمكن استيفاء القصاص فيها، وليس للمجني عليه قطع اليد الكاملة، لما فيه من استيفاء الزيادة.
(والأصح: أن حكومة منابتهن تجب إن لقط) أي: إذا لقط الأصابع الأربع .. فقد استبقى كف الجاني مع استيفائه كفه، فهل يجب له حكومة أربعة أخماس الكف التي هي منبت ما استوفاه من الأصابع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تجب وتدخل تحت قصاص الأصابع؛ كما تدخل في ديتها؛ فإنه أحد موجبي الجناية، وأصحهما: الوجوب؛ لأن الحكومة من جنس الدية؛ فلا يبعد دخولها فيها، بخلاف القصاص.
(لا إن أخذ ديتهن) بل تدخل تحت دية الأصابع؛ كما أن حكومة جميع الكف تندرج تحت دية الأصابع، فإن الواجب في لقط الخمس خمسون من الإبل، وفي القطع من الكوع لا يجب إلا ذلك، وإذا كان كذلك .. وجب تبعية البعض للبعض؛ إلحاقًا للبعض بالكل، وقيل: لا تدخل وتختص قوة الاستتباع بالكل.
(وأنه تجب في الحالين) أي: في حالة أخذ الدية، وحالة لقط الأصابع (حكومة خمس الكف) وهي: ما يقابل منبت إصبعه الباقية؛ أما في حالة لقط الأصابع ..
الجزء: 4 - الصفحة: 57
وَلَوْ قَطَعَ كَفًّا بِلَا أَصَابِعَ .. فَلَا قِصَاصَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ كَفُّهُ مِثْلَهَا، وَلَوْ قَطَعَ فَاقِدُ الأَصَابِعِ كَامِلَهَا .. قَطَعَ كَفَّهُ وَأَخَذَ دِيَةَ الأَصَابِعِ.
وَلَوْ شَلَّتْ إِصْبَعَاهُ فَقَطَعَ يَدًا كَامِلَةً؛ فَإِنْ شَاءَ .. لَقَطَ الثَّلَاثَ السَّلِيمَةَ وَأَخَذَ دِيَةَ إِصْبَعَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ .. قَطَعَ يَدَهُ وَقَنِعَ بِهَا.
فَصْلٌ [في اختلاف مستحق الدم والجاني]
قَدَّ مَلْفُوفًا وَزَعَمَ مَوْتَهُ .. صُدِّقَ الْوَليُّ بِيَمِينِهِ فِي الأَظْهَرِ
فجزمًا؛ كما في "الروضة" و"أصلها" 298، وأمّا في أخذ الدية .. فعلى الأصحِّ، وقيل: بالمنع، وكل إصبع تستتبع الكف؛ كما تستتبعها كل الأصابع، ونازع البُلْقيني في إيجاب حكومة خمس الكف وقال: الواجب: خمس الحكومة، لا حكومة الخمس؛ لأن حكومة خمس الكف أقل من خمس الحكومة.
(ولو قطع كفًّا بلا أصابع .. فلا قصاص إلا أن يكون كفه مثلها) لفقد المساواة في الأولى، ووجودها في الثانية، (ولو قطع فاقد الأصابع كاملها .. قطع كفه وأخذ دية الأصابع) ليصل إلى حقه.
(ولو شلّت إصبعاه فقطع يدًا كاملة؛ فإن شاء .. لقط الثلاث السلمية) لأنها مساوية لأصابعه (وأخذ دية إصبعين) لتعذر الوصول إلى تمام حقه.
(وإن شاء .. قطع يده وقنع بها) (وليس له طلب أرش الإصبعين؛ لأنه لو كانت يده شلاء بجملتها .. لا يستحق شيئًا مع قطعها، ففي البعض أولى.
(فصل: قد ملفوفًا) في ثوب نصفين (وزعم موته .. صدق الولي بيمينه في الأظهر) لأن الأصل استمرار الحياة، وأيضًا: فإنه كان مضمونًا، والأصل استمرار تلك الحالة، فأشبه ما إذا قتل مسلمًا وادعى ردته، ووجه مقابله: أن الأصل براءة الذمة، وهو ما عليه الجمهور، وقال الماوردي: نص عليه الشافعي في أكثر كتبه 299، بل قضية كلامه: أن تصديق الولي من تخريج الربيع لا نقله.
الجزء: 4 - الصفحة: 58
وَلَوْ قَطَعَ طَرَفًا وَزَعَمَ نَقْصَهُ .. فَالْمَذْهَبُ: تَصْدِيقُهُ إِنْ أَنْكَرَ أَصْلَ السَّلَامَةِ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ، وَإِلَّا .. فَلَا
وظاهر كلام المصنف: إيجاب القود إذا صدقنا الولي، وهو قضية كلام "الروضة" في (باب القسامة) 300، لكن قال في "زيادة الروضة" هنا: تجب الدية دون القصاص، ذكره المَحاملي والبغوي، وقال المتولي: هو على الخلاف في استحقاقه بالقسامة؛ أي: والأصحُّ: المنع 301.
وتصويره بالملفوف قد يوهم: أنه لو لم يكن ملفوفًا بل كان لابسًا؛ كالحي .. أن المصدق الولي قطعًا، قال الأَذْرَعي: والظاهر: أنه لا فرق؛ ولهذا جعل الشافعي القولين في "الأم" فيما لو هدم عليهم بيتًا وزعم موتهم، والوليُّ حياتهم.
انتهى وقال البُلْقيني: محل الخلاف: فيما إذا عهدت للملفوف حياة، وإلا .. فالمصدق الجاني قطعًا؛ كالسقط.
وظاهر قول المصنف: (بيمينه) الاكتفاء بيمين واحدة، وبه صرح ابن الصباغ، قال البُلْقيني: وليس كذلك، بل لا بد من خمسين يمينًا.
(ولو قطع طرفًا وزعم نقصه) كشلل في اليد والرجل، وخرس في اللسان وأنكره المجني عليه ( .. فالمذهب: تصديقه) أي: الجاني (إن أنكر أصل السلامة في عضو ظاهر) كاليد والرجل واللسان والعين؛ لأن الأصل عدم وجوب القصاص، وأنه لم يفوت ما يدعيه المجني عليه، والمجني عليه متمكن من إقامة البينة على السلامة التي يدعيها؛ لظهور العضو.
(وإلا .. فلا) أي: وإن لم ينكر أصل السلامة، بل وافق على أنه كان سليمًا وادعى حدوث النقص .. فالأظهر: تصديق المجني عليه؛ لأن الأصل استمرار السلامة التي كانت، ووجه مقابله: أن الأصل البراءة عن القصاص.
وإن كان العضو باطنًا .. فالأظهر: تصديق المجني عليه أيضًا؛ لأن الأعضاء
الجزء: 4 - الصفحة: 59
أَوْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَمَاتَ وَزَعَمَ سِرَايَةً، وَالْوَليُّ انْدِمَالًا مُمْكِنًا أَوْ سَبَبًا .. فَالأَصَحُّ: تَصْدِيقُ الْوَليِّ، وَكَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ وَزَعَمَ سَبَبًا وَالْوَليُّ سِرَايَةً
الباطنة لا يطلع عليها، فتعسر إقامة البينة على سلامتها، وسواء أنكر الجاني أصل السلامة أو سلمه وادعى زوالها.
والمراد بالباطن: ما يعتاد ستره مروءة، وقيل: ما يجب، وهو العورة، والظاهر: ما سواه.
وإذا صدقنا الجاني .. احتاج المجني عليه إلى بينة بالسلامة، ثم الأصحُّ: أنه يكفي قول الشهود: كان صحيحًا، ولا يشترط تعرّضهم لوقت الجناية.
(أو) قطع (يديه ورجليه فمات وزعم) الجاني موته (سراية، والولي اندمالًا ممكنًا أو سببًا) كقوله: (قتل نفسه)، أو (قتله آخر) .. فالواجب: ديتان) .. فالأصح: تصديق الولي) بيمينه، وهو ما قطع به الأكثرون؛ لأن الأصل بقاء الديتين الواجبتين، والأصل عدم المسقط.
والثاني: يصدق الجاني؛ لاحتمال ما يقوله، والأصل براءة ذمته، وهذا الوجه خرّجه أبو الطيب ابن سلمة، ولم يحكياه في "الروضة" و"أصلها"، والثالث: إن كان احتمال الاندمال مع إمكانه بعيدًا .. صدِّق الجاني، وإلا .. فا لولي، وادعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه واعترض 302.
ومقابله في الصورة الثانية -وهي ما إذا قال: (مات بسبب آخر) -: وجه فقط، وهو تصديق الجاني؛ لأصل براءة ذمته.
واحترز بقوله: (اندمالًا ممكنًا) عما إذا لم يمكن الاندمال في تلك المدة؛ لقصرها؛ كيوم أو يومين .. فإن القول قول الجاني بلا يمين، وقيل: بيمين، وهو ضعيف.
(وكذا لو قطع يده وزعم) الجاني (سببًا) مات به؛ من قتل أو شرب سمّ مُوَحٍّ حتى لا يلزمه إلا نصف دية، (و) زعم (الولي) موته (سراية) فعليه كل الدية، فالأصحُّ: تصديق الولي؛ لأن الأصل أنه لم يوجد سبب آخر، ووجه مقابله: أن الأصل براءة الذمة.
الجزء: 4 - الصفحة: 60
وَلَوْ أَوْضَحَ مُوضِحَتَيْنِ وَرَفَعَ الْحَاجِزَ وَزَعَمَهُ قَبْلَ انْدِمَالِهِ .. صُدِّقَ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا .. حُلِّفَ الْجَريحُ وَثَبَتَ أَرْشَانِ، وَقِيلَ: وَثَالِثٌ.
فَصْلٌ [في مستحق القود ومستوفيه وما يتعلق بهما]
الصَّحِيحُ: ثبُوتُهُ لِكُلِّ وَارِثٍ، وَيُنْتَظَرُ غَائِبُهُمْ وَكَمَالُ صَبِيِّهِمْ وَمَجْنُونِهِمْ،
(ولو أوضح موضحتين ورفع الحاجز) بينهما، والجميع عمدٌ أو خطأ ونحوه، (وزعمه قبل اندماله) فليس عليه إلا أرش موضحة واحدة، وقال المجني عليه: (بل بعده؛ فعليك أرش ثلاث موضحات ( .. صدق) الجاني بيمينه (إن أمكن) عدم الاندمال، بأن قصر الزمان، (وإلا) أي: وإن لم يمكن، بأن طال الزمان) .. حُلِّف الجريح وثبت أرشان) عملًا بالظاهر في الحالين، (وقيل: وثالث) 303 لأنه ثبت رفع الحاجز باعترافه، وثبت الاندمال بيمين المجني عليه، فقد حصلت موضحة ثالثة، والأصحُّ: لا يثبت ويصدق فيه الجاني؛ لأنه يقول: (رفعت الحاجز حتى لا يلزمني أرشان)، بل يعود الأولان إلى واحد، فإذا لم يقبل قوله في الاتحاد .. وجب ألا يقبل في الثالث الذي لم يثبت موجبه.
قال الغزي: وعبارة المصنف مستدركة؛ لأن قوله: (وإلا) أي: وإن لم يمكن أن يكون رفع الحاجز قبل الاندمال، وحينئذ: فيصدق المجني عليه، ويجب أرش ثالث قطعًا؛ لأنه إذا كان الفرض أن ذلك عند عدم إمكان ذلك قبل الاندمال .. تعين أن يكون بعده انتهى وأصله للأَذْرَعي.
(فصل: الصحيح: ثبوته) يعني: القصاص (لكلّ وارث) على حسب الميراث؛ لأنه حق موروث، فكان على الفرائض؛ كالمال، والثاني: يثبت للعصبة خاصة؛ لأن القصاص لدفع العار، فاختص بهم؛ كولاية النكاح، والثالث: يستحقه الوارثون بالنسب دون السبب؛ لانقطاعه بالموت؛ فلا حاجة إلى التشفي.
(وينتظر غائبهم) إلى أن يحضر أو يراجع (وكمال صبيهم ومجنونهم) لأن
الجزء: 4 - الصفحة: 61
وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ وَلَا يُخَلَّى بِكَفِيلٍ، وَلْيَتَّفِقُوا عَلَى مُسْتَوْفٍ، وَإِلَّا .. فَقُرْعَةٌ يَدْخُلُهَا الْعَاجِزُ وَيَسْتَنِيبُ، وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ
القصاص للتشفي، فحقه التفويض إلى خيرة المستحق، ولا يحصل ذلك باستيفاء الولي.
(ويحبس القاتل) إلى أن يحضر الغائب، ويكمل الصبي والمجنون؛ لأنه استحق قتله، وفيه إتلاف نفس ومنفعة، فإذا تعذر استيفاء نفسه .. أتلفنا منفعته بالحبس، ومحل الحبس: في غير قاطع الطريق، أما فيه .. فالقصاص متحتم بشرطه؛ فلا يؤخر.
(ولا يخلى بكفيل) لأنه قد يهرب فيفوت الحق، ويحبسه الحاكم إذا ثبت عنده القتل من غير توقف على طلب الولي.
قاله الماوردي 304.
(وليتفقوا على مستوف) إذا كان القصاص لجماعة حاضرين مكلفين؛ لأن في اجتماعهم على قتله تعذيبًا له، فلا بد من اتفاقهم على مستوف ولو أجنبيًّا، (وإلا) أي: وإن لم يتفقوا ورام كل منهم الاستيفاء ( .. فقرعة) لعدم المزية، فمن خرجت قرعته .. تولاه بإذن الباقين، فلو منعه غيره .. امتنع؛ لأن حقه من الاستيفاء لا يسقط بخروجها لغيره، بدليل صحة إبرائه منه والعفو عنه على مال، قال الروياني: وهذا الإقراع واجب على المذهب.
قال شيخنا: ومحل الإقراع: ما إذا كان القصاص بجارح أو مثقل يحصل باجتماعهم عليه زيادة تعذيبه، فإن كان بإغراق أو تحريق أو رمي صخرة .. فللورثة الاجتماع عليه ولا حاجة للقرعة.
(يدخلها العاجز) عن الاستيفاء؛ كالشيخ والمرأة؛ لأنه صاحب حق، (ويستنيب) إذا خرجت القرعة له من يصلح للاستيفاء، (وقيل: لا يدخل) لأنه ليس أهلًا للاستيفاء، والقرعة إنما تجري بين المستويين في الأهلية، وهذا هو الأصحُّ عند الأكثرين؛ كما في "أصل الروضة"، ونقل الرافعي في "الشرح الكبير" تصحيحه عن
الجزء: 4 - الصفحة: 62
وَلَوْ بَدَرَ أَحَدُهُمْ بِقَتْلِهِ .. فَالأَظْهَرُ: لَا قِصَاصَ، وَللْبَاقِينَ قِسْطُ الدِّيَةِ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنَ الْمُبَادِرِ، وَإِنْ بَادَرَ بَعْدَ عَفْوِ غَيْرِهِ .. لَزِمَهُ الْقِصَاصُ. وَقِيلَ: لَا إِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَيحْكُمْ قَاضٍ بِهِ
ابن كَجٍّ وأبي الفرج والإمام، ونقل تصحيح مقابله عن البغوي فقط، وصحح في "الشرح الصغير": أنه لا يدخل، وبه قطع بعضهم، ونص عليه في "الأم" 305.
(ولو بدر أحدهم) أي: الورثة (بقتله 306 بغير إذن الباقين ( .. فالأظهر: لا قصاص) لأن له حقًّا في قتله، فصار شبهة دارئة للقصاص، ولأن من علماء المدينة أو أكثرهم من ذهب إلى أنه يجوز لكل منهم الانفراد وإن عفا الباقون، ويقال: إنه رواية عن مالك، واختلاف العلماء شبهة في الإباحة، والثاني: يجب؛ لأنه استوفى أكثر من حقه، فلزمه القصاص فيه؛ كما لو استحق طرفًا فاستوفى نفسًا.
ومحل القولين: ما إذا قتله عالمًا بالتحريم، فإن جهل .. فلا قصاص قطعًا، وكذا فيما إذا كان قبل حكم الحاكم، فإن كان بعد حكمه بالمنع منه .. وجب القود قطعًا، وإن كان بعد حكم الحاكم باستقلاله بالقود .. فلا قود قطعًا، قاله البُلْقيني، قال: وفي كلام الماوردي ما يقتضي طرد وجه فيهما.
(وللباقين قسط الدية) لفوات القصاص بغير اختيارهم (من تركته) أي: تركة الجاني؛ لأن القاتل فيما وراء حقه كالأجنبي، ولو قتله أجنبي .. أخذت الورثة الدية من تركة الجاني لا من الأجنبي، فكذا هنا، (وفي قول: من المبادر) (وهو الأخ المبادر مثلًا؛ لأنه أتلف ما يستحقه هو وأخوه، فلزمه ضمان حق أخيه؛ كما لو كانت لهما وديعة فأتلفها أحدهما.
وفرق الأول: بأن الوديعة غير مضمونة، والنفس هنا مضمونة؛ فإنها لو تلفت بآفة سماوية .. وجبت الدية.
(وإن بادر بعد عفو غيره .. لزمه القصاص) لارتفاع الشبهة؛ لأن حقه يسقط بعفو غيره، (وقيل: لا إن لم يعلم ويحكم قاض به) أي: بالعفو؛ لشبهة اختلاف العلماء
الجزء: 4 - الصفحة: 63
وَلَا يُسْتَوْفَى قِصَاصٌ إِلَّا بِإِذْنِ الإِمَامِ، فَإِنِ اسْتَقَلَّ .. عُزِّرَ، وَيَأْذَنُ لِأهْلٍ فِي نَفْسٍ،
فيه، أما إذا حكم القاضي به وعلمه .. فيلزمه القصاص قطعًا، وإن علم العفو ولم يحكم به .. لزمه أيضًا على المذهب، وإن جهله؛ فإن قلنا: لا قصاص إذا علمه .. فهنا أولى، هذه عبارة "الروضة" 307، ولا يؤخذ منها ترجيح في حالة الجهل بالعفو إذا لم يحكم به، وإطلاق "الكتاب" يقتضي: أن الأصحَّ: وجوب القصاص 308.
(ولا يستوفى قصاص إلا بإذن الإمام) أو نائبه لخطره، وظاهر كلامه: أنه لا يشترط حضوره، بل يكفي إذنه، لكن كلام "الأم" يقتضي حضوره، وبه جزم في "التنبيه" و"البيان" 309.
ويستثنى من اعتبار الإذن صور: إحداها: السيد؛ فإنه يقيم القصاص على عبده؛ كما هو مقتضى تصحيح الشيخين من أنه يقيم عليه حد السرقة والمحاربة، ثم قالا: وأجرى جماعة منهم ابن الصباغ الخلاف المذكور في القتل والقطع قصاصًا 310، ثانيها: إذا كان المستحق مضطرًّا .. فله قتله قصاصًا وأكله، قاله الرافعي في بابه 311، ثالثها: إذا انفرد بحيث لا يرى .. قال الشيخ عز الدين في آخر "قواعده": ينبغي ألَّا يمنع منه ولا سيما إذا عجز عن إثباته 312، رابعها: القاتل في الحرابة لكل من الإمام والولي الانفراد بقتله ذكره الماوردي، وفيه نظر.
(فإن استقل) باستيفائه ( .. عزر) لافتئاته على الإمام، (ويأذن لأهل) في الاستيفاء بنفسه (في نفس) ليكمل التشفي، وخرج بالأهل: الشيخ والزمن والمرأة؛ فإن الإمام يأمره أن يستنيب، ويخرج أيضًا: ما لو قتل ذمي ذميًّا ثم أسلم القاتل .. فإنه لا يمكن الوارث الذمي من الاقتصاص؛ لئلا يتسلط الكافر على المسلم، ومنه يعلم
الجزء: 4 - الصفحة: 64
لَا طَرَفٍ فِي الأَصحِّ، فَإِنْ أَذِنَ فِي ضَرْبِ رَقَبَةٍ فَأَصَابَ غَيْرَهَا عَمْدًا .. عُزِّرَ وَلَمْ يَعْزِلْهُ، وَإِنْ قَالَ: (أَخْطَأْتُ) (وَأَمْكَنَ .. عَزَلَهُ وَلَمْ يُعَزَّرْ. وَأُجْرَةُ الْجَلَّادِ عَلَى الْجَانِي عَلَى الصَّحِيحِ،
امتناع توكيل المسلم ذميًّا في الاستيفاء من المسلم، وبه صرح الرافعي في (كتاب البغاة)، والحق به الشيخ عز الدين عدو الجاني؛ لما يخشى منه من الحيف 313.
وخالف ما نحن فيه الجلد في القذف؛ فإنه لا يفوض إلى المقذوف؛ لأن تفويت النفس مضبوط، والجلدات يختلف موقعها، والتعزير كحد القذف.
(لا طرف في الأصح) لأنه لا يؤمن أن يردد الحديدة، ويزيد في الإيلام، والثاني: يأذن له كالنفس؛ لأن إبانة الطرف مضبوطة.
(فإن أذن) الإمام للولي (في ضرب رقبة فأصاب غيرها عمدًا .. عُزِّر) لتعديه، وتعرف العمدية باعترافه، أو بادعاء الخطأ فيما لا يخطئ بمثله؛ كضرب رجليه أو وسطه، (ولم يعزله) لوجود الأهلية وإن تعدى بفعله؛ كما لو جرحه قبل الارتفاع إلى الحاكم .. لا يمنع من الاستيفاء.
(وإن قال: "أخطأت" وأمكن) الخطأ؛ بأن ضرب كتفه أو رأسه مما يلي الرقبة ( .. عزله) لأن حاله يشعر بعجزه وخوفه، قال الإمام: وينبغي تخصيص هذا بمن لم يعرف مهارته في ضرب الرقاب، فأما الماهر .. فينبغي ألّا يعزل لخطأ اتفق له، وأقرّاه، وكلام الماوردي يفهمه 314، وجزم به صاحب"الكافي"، (ولم يعزر) والحالة هذه، وذلك إذا حلف؛ كما قيداه في "الروضة" و"أصلها" 315.
(وأجرة الجلاد على الجاني على الصحيح) إذا لم ينصب الإمام جلادًا؛ لأن الحق عليه، فيلزمه أجرة الاستيفاء؛ كما يلزم البائع أجرة الكيال، والمشتري أجرة الوزان، والثاني: أنها على المقتص، والواجب عليه التمكين لا التسليم؛ كما أن أجرة نقل الطعام المشترى على المشتري.
الجزء: 4 - الصفحة: 65
وَيَقْتَصُّ عَلَى الْفَوْرِ، وَفِي الْحَرَمِ وَالْحَرِّ وَالْبَردِ وَالْمَرَضِ. وَتُحْبَسُ الْحَامِلُ فِي قِصَاصِ النَّفْسِ أَوِ الطَّرَفِ حَتَّى تُرْضِعَهُ اللِّبَأَ وَيَسْتَغْنِيَ بِغيْرِهَا، أَوْ فِطَامٍ لِحَوْلَيْنِ،
وكلامه قد يفهم: أنه لو قال الجاني: (أنا أقتص من نفسي ولا أؤدي الأجرة) .. لا يقبل منه، وهو الأصحُّ، لفقد التشفي، وقيل: يقبل، كما في قطع السارق.
وفرق الأول: بأن الغرض من القطع التنكيل، وهو يحصل بذلك، بخلاف القصاص؛ فإن الغرض فيه التشفي.
(ويقتص على الفور) قتلًا وقطعًا؛ لأن القصاص موجب الإتلاف فيتعجل؛ كقيم المتلفات (وفي الحرم) لأنه قتل لو وقع في الحرم .. لم يوجب ضمانًا، فلم يمنع منه؛ كقتل الحية والعقرب.
نعم؛ لو التجأ إلى المسجد الحرام أو غيره من المساجد .. لا يقتل فيه على الأصحِّ، بل يخرج ويقتل؛ لأنه تأخير يسير؛ صيانة للمسجد، وقيل: تبسط الأنطاع ويقتل فيه، ولو التجأ إلى الكعبة أو إلى ملك إنسان .. أخرج قطعًا؛ كما قاله في "زيادة الروضة" 316.
(والحرِّ والبرد والمرض) وإن كان مخطرًا، وإطلاقه: يتناول قصاص النفس والطرف، وبه قطع الغزالي والبغوي وغيرهما، ونقل الروياني في "جمع الجوامع": أنه نص في "الأم" على أنه يؤخر قطع الطرف لهذه الأسباب؛ كذا قالاه في "الشرح" و"الروضة" 317، قال الأَذْرَعي: فهو المذهب إلا أن يثبت للشافعي نص يخالفه، وقال البُلْقيني: ما نقله الروياني موجود في "الأم" وهو المعتمد.
قالا: وكذا لا يؤخر الجلد في القذف، بخلاف القطع والجلد في حدود الله تعالى، لبنائها على المساهلة، بخلاف حق الآدمي 318.
(وتحبس الحامل في قصاص النفس، أو الطرف حتى ترضعه اللبأ ويستغني بغيرها، أو فطام لحولين) هذا كالمستثنى من فورية القصاص؛ أما تأخيرها إلى
الجزء: 4 - الصفحة: 66
وَالصَّحِيحُ: تَصْدِيقُهَا فِي حَمْلِهَا بِغَيْرِ مَخِيلَةٍ. وَمَنْ قَتَلَ بِمُحَدَّدٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ تَجْوِيعٍ وَنَحْوِهِ .. اقْتُصَّ بِهِ،
الوضع .. فهو إجماع في النفس، وأما في الطرف .. فلأن فيه إجهاض الجنين وهو متلف له، وأما تأخيرها؛ لإرضاع اللبأ -وهو اللبن أول النتاج- .. فلأن الولد لا يعيش إلا به غالبًا أو محققًا، وأما التأخير للاستغناء بغيرها .. فلأجل حياة الولد أيضًا، فإن لم يوجد ذلك الغير ولو بهيمة .. يحل له تناول لبنها حتى ترضعه حولين؛ كما قاله المصنف.
وأفهم كلام "الكتاب": أن ما ذكره مختص بالقصاص، وهو كذلك؛ فالرجم وسائر حدود الله تعالى لا تحبس فيها على الصحيح، ولا تستوفى وإن وجدت مرضعة، بل ترضعه إلى أن يوجد كافل بعد انقضاء الإرضاع؛ لأنها مبنية على المساهلة والتخفيف.
نعم؛ الجلد في القذف كالقصاص، وسواء في ذلك الحامل من زنًا أو غيره [وسواء وجبت العقوبة قبل الحمل أو بعده، حتى إن المرتدة لو حملت من زنًا أو غيره، 319 بعد الردة لا تقتل حتى تضع.
(والصحيح: تصديقها في حملها بغير مخيلة) مع اليمين؛ كما صرح به الماوردي 320؛ لأنها مؤتمنة على ما في رحمها، وقد رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى قول الغامدية 321، والثاني: المنع؛ لأن الأصل عدمه وهي متهمة.
(ومن قتل بمحدد أو خنق أو تجويع ونحوه) كتغريق أو تحريق أو إلقاء من شاهق أو قتل بمثقل ( .. اقتص به) أي: بمثله؛ فإن المماثلة معتبرة في الاستيفاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، ولأنه صلى الله عليه وسلم رضّ رأس يهودي بين حجرين
الجزء: 4 - الصفحة: 67
أَوْ بِسِحْرٍ .. فَبِسَيْفٍ، وَكَذَا خَمْرٌ وَلِوَاطٌ فِي الأَصَحِّ،
وكان قد قتل جاريته بذلك، متفق عليه 322، وروى البيهقي مرفوعًا: "مَنْ حَرَّقَ .. حرَّقْنَاهُ، وَمَنْ غَرَّقَ .. غَرَّقْنَاهُ" 323.
وحديث النهي عن المثلة محمول على من وجب قتله 324، لا على وجه المكافأة، ولأن مقصود القصاص التشفي، وإنما يكمل إذا قُتل الفاعل بمثل ما قَتَل.
(أو بسحر .. فبسيف) لأن عمل السحر محرم، ولا شيء مباح يشبهه على أنه لا ينضبط ويختلف تأثيره، وفي الحديث: "حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ" رواه الترمذي لكن صحح وقفه.
نعم؛ صححه الحاكم مع الغرابة 325.
(وكذا خمر) بأن أَوْجره به حتى مات، (ولواط) يقتل منه غالبًا؛ بأن لاط بصغير (في الأصح) لأن ما قتل به محرم الفعل، فتعين السيف، والثاني: أنه في الأولى: يوجَر مائعًا؛ كخل أو ماء، وفي الثانية: يدس في دبره خشبة قريبة من الله، ويقتل بها؛ لقربه من فعله، كذا قالاه 326، وقال ابن الرفعة: ظاهر كلام الجمهور: أنها لا تتقيد بآلته، بل تعمل خشبة تقتل مثل القاتل.
هذا إن توقع موته بالخشبة، أما إذا لم يتوقع وكان يموت به المجني عليه؛ لطفولية ونحوها .. فلا؛ لأن فيه ارتكاب محظور بلا فائدة، فتعين السيف، كذا نقلاه عن المتولي وأقراه، وفي كلام الإمام ما يدل عليه 327، وهذا إنما يجيء على ما قالاه من كون الخشبة قريبة من آلته، أما على ما قاله ابن الرفعة .. فلا فرق.
وفي معنى الخمر: ما لو سقاه بولًا على الأصحِّ في "أصل الروضة"، ولو أوجره ماءً نجسًا .. أوجر ماءً طاهرًا 328.
الجزء: 4 - الصفحة: 68
وَلَوْ جُوِّعَ كَتَجْوِيعِهِ فَلَمْ يَمُتْ زِيدَ، وَفِي قَوْلٍ: السَّيْفُ، وَمَنْ عَدَلَ إِلَى سَيْفٍ .. فَلَهُ. وَلَوْ قَطَعَ فَسَرَى .. فَلِلْوَليِّ حَزُّ رَقَبَتِهِ، وَلَهُ الْقَطْعُ ثُمَّ الْحَزُّ، وَإِنْ شَاءَ .. انْتَظَرَ السِّرَايَةَ. وَلَوْ مَاتَ بِجَائِفَةٍ أَوْ كَسْرِ عَضُدٍ .. فَالْحَزُّ. وَفِي قَوْلٍ: كَفِعْلِهِ،
(ولو جوع كتجويعه فلم يمت .. زيد) في التجويع حتى يموت؛ ليكون قتله بالطريق الذي قتل به، ولا يبالى بزيادة الإيلام؛ كما لو ضرب رقبة إنسان ضربة واحدة ولم تنحز رقبته إلا بضربتين، (وفي قول: السيف) لأن المماثلة قد حصلت، ولم يبق إلَّا تفويت الروح؛ فيجب تفويتها بالأسهل، وهذا ما نص عليه في "الأم" و"المختصر" 329، وقال القاضي: إن الشافعي لم يقل بخلافه، ولم يختلف مذهبه فيه، وجرى عليه جمع من الأصحاب، وصوّبه البُلْقيني وغيره.
(ومن عدل إلى سيف) فيما يجوز فيه التماثل ( .. فله) رضي الجاني أم لا؛ لأنه أوحى وأسهل، بل هو أولى؛ للخروج من الخلاف.
(ولو قطع فسرى) إلى النفس ( .. فللولي حزّ رقبته) لأنه أسهل على الجاني من القطع ثم الحز، (وله القطع ثم الحز) طلبًا للمماثلة، (وإن شاء .. انتظر السراية) بعد القطع، وليس للجاني أن يقول: (أمهلوني مدة بقاء المجني عليه بعد جنايتي) لثبوت حق القصاص ناجزًا.
(ولو مات بجائفة أو كسر عضد .. فالحز) لأن المماثلة لا تتحقق في هذه الحالة؛ بدليل عدم إيجاب القصاص في ذلك عند الاندمال، فتعيّن السيف، (وفي قول: كفعله) تحقيقا للمماثلة، وهذا ما عليه الأكثرون؛ كما في "الروضة" و"أصلها"، وصححه المصنف في "تصحيح التنبيه" 330.
وما رجحه المصنف تبع فيه "المحرر"؛ فإنه قال: (فهل يستوفى القصاص بمثل ذلك أو بالسيف؟ فيه قولان: رجح كثيرون الثاني) 331.
الجزء: 4 - الصفحة: 69
فَإِنْ لَمْ يَمُتْ .. لَمْ تُزَدِ الْجَوَائِفُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوِ اقْتَصَّ مَقْطُوعٌ ثُمَّ مَاتَ سِرَايَةً .. فَلِوَليِّهِ حَزٌّ وَلَهُ عَفْوٌ بِنِصْفِ دِيَةٍ،
والظاهر: أنه سبق قلم؛ كما قاله الأَذْرَعي وغيره، وكأنه أراد أن يقول: الأول، فقال: الثاني.
وأفهم كلام الفارقي: أن محل الخلاف عند الإطلاق، أما إذا قال: (أجيفه ثم أقتله إن لم يمت) .. فله ذلك قطعًا، ولو أجافه ثم عفا عنه .. عزر على ما فعل، ولم يجبر على قتله، فإن مات .. بأن بطلان العفو له، قاله البغوي، وأقراه 332.
(فإن لم يمت) بعد أن فعل به كفعله ( .. لم تزد الجوائف في الأظهر) لاختلاف تأثير الجوائف باختلاف محالها؛ فهي كقطع الأطراف المختلفة، والثاني: نعم؛ ليكون إزهاق الروح قصاصًا بطريق إزهاقه عدوانًا، وهو مخرج من مسألة التجويع والإلقاء في النار ونحوهما.
(ولو اقتص مقطوع) عضو فيه نصف الدية من قاطعه (ثم مات) المقطوع الأول (سراية .. فلوليه حزٌّ) لرقبة الجاني في مقابلة نفس مورثه، (وله عفو بنصف دية) والعضو المستوفى مقابل بالنصف.
وقضية إطلاقه: أنه لو قطعت امرأة يد رجل فاقتص منها ثم مات الرجل فعفا وليه على مال .. أن له نصف الدية، وهو وجه، والأصحُّ: أن له ثلاثة أرباع الدية؛ لأنه استحق دية رجل سقط منها ما استوفاه، وهو يد امرأة ربع دية رجل، كذا صححاه في "الشرح" و"الروضة" في أواخر (باب العفو عن القصاص) وهو مقيد لما أطلقاه هنا 333.
قال المنكت: (وقياس ذلك في عكس المسألة: إذا قطع رجل يد امرأة، فاقتصت ثم ماتت سراية، وعفا وليها على مال .. فعلى الأصحِّ: لا شيء له، وعلى الثاني:
الجزء: 4 - الصفحة: 70
وَلَوْ قُطِعَتْ يَدَاهُ فَاقْتَصَّ ثُمَّ مَاتَ .. فَلِوَليِّهِ الْحَزُّ، فَإِنْ عَفَا .. فَلَا شَيْءَ. وَلَوْ مَاتَ جَانٍ مِنْ قَطْعِ قِصَاصٍ .. فَهَدَرٌ، وَإِنْ مَاتَا سِرَايَةً مَعًا أَوْ سَبَقَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ .. فَقَدِ اقْتَصَّ،
نصف ديتها، قال: ولم أر ذلك مسطورًا) 334.
(ولو قُطِعت يداه فاقتص ثم مات) المجني عليه بالسراية ( .. فلوليِّه الحزُّ) بنفس مورثه، (فإن عفا .. فلا شيء) له؛ لأنه استوفى ما يقابل الدية وهو اليدان، فلو قلنا بأخذ الدية .. لجمعنا له بين الدية وبين ما قيمته الدية، وهو لا يجوز، قال الرافعي: وهذه صورة يجب فيها القصاص ولا يستحق الدية بالعفو 335.
ومحله أيضًا: إذا استوت الديتان، أما لو كان الجاني امرأة على رجل .. وجب نصف دية رجل على الأصحِّ.
(ولو مات جان) بالسراية (من قطع قصاص .. فهدر) لأنه مات من قطع مستحق، فلا يتعلق بسرايته ضمان؛ كقطع السارق، (وإن ماتا سراية) بعد الاقتصاص في اليد (معًا أو سبق المجنيّ عليه .. فقد اقتص) أي: حصل قصاص اليد باليد، والسراية بالسراية، ولا شيء على الجاني؛ لأن السراية لمّا كانت كالمباشرة في الجناية .. وجب أن تكون كذلك في الاستيفاء.
قال الرافعي: وهذا هو المشهور، ونسبه ابن كَجٍّ إلى أبي علي الطبري، وحكى عن عامة الأصحاب: أن لولي المجني عليه نصف الدية في تركة الجاني؛ لأن سراية الجاني مهدرة، وسراية المجني عليه مضمونة.
انتهى 336.
وما نقله عن عامة الأصحاب معارض بنقل الماوردي الأول عن الجمهور 337، وصحح البُلْقيني في صورة ما إذا ماتا معًا: أنه لا يقع قصاصًا؛ لأن القصاص إنما يقع بعد وجوبه، فإذا ماتا معًا .. فقد مات الجاني قبل وجوب قصاص نفسه، فالحكم بأنه اقتص منه بعيدٌ.
الجزء: 4 - الصفحة: 71
وَإِنْ تَأَخَّرَ .. فَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ مُسْتَحِقُّ يَمِينٍ: (أَخْرِجْهَا)، فَأَخْرَجَ يَسَارًا وَقَصدَ إِبَاحَتَهَا .. فَمُهْدَرَةٌ، وَإِنْ قَالَ: (جَعَلْتُهَا عَنِ الْيَمِينِ وَظَنَنْتُ إِجْزَاءَهَا) فَكَذَّبَهُ .. فَالأَصَحُّ: لَا قِصَاصَ فِي الْيَسَارِ، وَتَجِبُ دِيَةٌ، وَيَبْقَى قِصَاصُ الْيَمِينِ،
(وإن تأخر) موت المجني عليه عن موت الجاني ( .. فله نصف الدية) في تركة الجاني (في الأصح) إذا استوت الديتان، لأن القصاص لا يسبق الجناية؛ فإن ذلك يكون في معنى السلم في القصاص، وهو لا يتصور، والثاني: لا شيء له، ويحصل القصاص بذلك؛ لأنه مات بسراية فعل المجني عليه، فحصلت المقابلة.
ومحل الخلاف: في قطع يد مثلًا، فإن كانت الصورة في قطع يدين .. فلا شيء جزمًا.
(ولو قال مستحق يمين: "أخرجها"، فأخرج يسارًا وقصد إباحتها) وهو عاقل حرّ عالم بأنها لا تجزئ عن اليمين ( .. فمهدرة) أي: لا قصاص ولا دية وإن علم القاطع بالحال على الأصحِّ، لأن صاحبها بذلها مجانًا.
نعم؛ يعزر العالم، ويبقى قصاص اليمين كما كان، صرح به في "المحرر" 338، واستغنى عنه المصنف بقوله بعدُ: (ويبقى قصاص اليمين) فجعله عائدًا إلى المسألتين، وهو محمول على ما إذا لم يظن القاطع إجزائها، فإن ظن ذلك .. فالأصحُّ: سقوط قصاصها، ويعدل إلى ديتها.
(وإن قال: "جعلتها عن اليمين وظننت إجزاءها"، فكذّبه) القاطع، وقال: (عرفتَ أنها اليسار، وأنها لا تجزئ عن اليمين) ( .. فالأصح: لا قصاص في اليسار) لأنا أقمنا ذلك مقام إذنه في القطع، والثاني: نعم؛ لأنه قطع ما لا يستحقه.
(وتجب دية) لليسار؛ لأن الباذل بذلها على أن تكون عوضًا عن اليمين، والقاطع قطعها على اعتقاد ذلك، فإذا لم يصح العفو وتلف العضو .. وجب بدله؛ كمن اشترى سلعة بثمن فاسد وتلفت عنده.
(ويبقى قصاص اليمين) كما كان على الوجهين؛ لأنه لم يستوفه ولم يعف عنه،
الجزء: 4 - الصفحة: 72
وَكَذَا لَوْ قَال: (دُهِشْتُ فَظَنَنْتُهَا الْيَمِينَ)، وَقَال الْقَاطِعُ: (ظَنَنْتُهَا الْيَمِينَ).
فَصْلٌ [في موجب العمد وفي العفو]
مُوجَبُ الْعَمْدِ الْقَوَدُ، وَالدِّيَةُ بَدَل عِنْدَ سُقُوطِهِ، وَفِي قَوْلٍ: أَحَدُهُمَا مُبْهَمًا،
وما ذكره ليس مطابقًا لما في "المحرر" ولا "الروضة" و"أصلها"، وعبارة "المحرر": (ولو قال: "قصدت إيقاعها عن اليمين وظننتها تجزئ عنها"، وقال القاطع: "عرفت أن المخرج اليسار، وأنها لا تجزئ" .. فلا قصاص في الأصحِّ) 339، ومراده: (عرفتُ) بضم التاء للمتكلم، فظن المصنف أنها بفتح التاء للخطاب، فعبّر عنه بالتكذيب، وليس الصورةُ التي في "المنهاج" مذكورة في "الروضة" في أحوال المسألة؛ كما نبه عليه شيخنا في "نكته"، وبسط ذلك فليراجع.
وقال الأَذْرَعي: قول "المنهاج": (فكذبه) يفهم أنه إذا صدقه .. يجب قصاص اليسار، ولم أر ذلك، ولم يقله في "المحرر"، ولا يمكن القول به على الإطلاق.
(وكذا لو قال: "دهشت فظننتها اليمين"، وقال القاطع: "ظننتها اليمين") أي: فلا قصاص في اليسار على الأصحِّ؛ لأن هذا الاشتباه قريب، وتجب ديتها، ويبقى قصاص اليمين، لما سبق.
(فصل: موجب العمد القود) في النفس والأطراف (والدية بدل عند سقوطه) لتعذر الاستيفاء بموت ونحوه، وليست أصلًا بنفسها؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، وفي الحديث: "مَنْ قُتِلَ عَمْدًا .. فَهُوَ قَوَدٌ" رواه أبو داوود والنسائي وغيرهما بإسناد صحيح 340، ولأنه بدل متلف فتعين جنسه 341؛ كسائر المتلفات، (وفي قول: أحدهما مبهمًا) (وإنما يتعين بالاختبار، لحديث: "مَنْ قُتِلَ
الجزء: 4 - الصفحة: 73
وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لِلْوَليِّ عَفْوٌ عَلَى الدِّيَةِ بِغَيْرِ رِضَا الْجَانِي، وَعَلَى الأَوَّلِ لَوْ أَطْلَقَ الْعَفْوَ. فَالْمَذْهَبُ: لَا دِيَةَ،
لهُ قَتِيلٌ .. فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يُودَى، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ" متفق عليه من حديث أبي هريرة 342.
والتخيير بين شيئين يقتضي اشتراط استوائهما في الرقبة؛ كخصال الكفارة.
ويستثنى من محل الخلاف: كل موضع وجب فيه القود ولا دية فيه؛ كقتل المرتد مرتدًا .. ففيه القود ولا دية في الأصحِّ، وكذا إذا قطع يدي رجل فاقتص منه، ثم مات المجني عليه بالسراية؛ كما سبق 343.
قال المنكت: (إذا قتل الوالد ولده، أو المسلم الذمي .. فهل نقول: الواجب الدية عينًا عكس القاعدة أو هو كغيره، فيجب القود عينًا في الأصح ويعدل إلى الدية؛ لأن الأبوة وشرف الدين مسقط؟ لم أر من تعرض له، وللنظر فيه مجال 344، وحكاه شيخنا عنه وأقره، وهو عجب؛ فقد صرح بذلك الشيخان في "الشرح" و"الروضة" في موضعين في الكلام على (تغليظ الدية في قتل العمد)، وفي الكلام على (العاقلة)، وجزما بالاحتمال الأول، فقالا: وسواء كان العمد موجبًا للقصاص فعفي على الدية أو لم يوجبه؛ كقتل الوالد ولده 345.
(وعلى القولين: للولي عفو على الدية بغير رضا الجاني) لإطلاق الحديث السابق؛ ولأن الجاني محكوم عليه؛ فلا يحتاج إلى رضاه، (وعلى الأول) (وهو الأظهر (لو أطلق العفو) عن القود ولم يتعرض للدية بنفي ولا إثبات ( .. فالمذهب: لا دية) لأن القتل لم يوجب الدية على هذا القول، والعفو إسقاط ثابت لا إثبات معدوم، والثاني: تجب؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: اتباع المال، وذلك يشعر بوجوب المال بالعفو، ولأنه سقط
الجزء: 4 - الصفحة: 74
وَلَوْ عَفَا عَنِ الدِّيَةِ .. لَغَا، وَلَهُ الْعَفْوُ بَعْدَهُ عَلَيْهَا. وَلَوْ عَفَا عَلَى غَيْرِ جِنْسِ الدِّيَةِ .. ثَبَتَ إِنْ قَبِلَ الْجَانِي، وَإِلَّا .. فَلَا، وَلَا يَسْقُطُ الْقَوَدُ فِي الأَصَحِّ. وَلَيْسَ لِمَحْجُورِ فَلَسٍ عَفْوٌ عَنْ مَالٍ إِنْ أَوْجَبْنَا أَحَدَهُمَا، وَإِلَّا؛ فَإِنْ عَفَا عَلَى
القصاص بالعفو، فيعدل إلى بدله؛ كما لو مات الجاني.
وأجاب الأول: بحمل الآية على ما إذا عفا على الدية.
ونفيه الدية يفهم: أنه لو اختار الدية بعد العفو .. لا يثبت، لكن نقل في "أصل الروضة" عن ابن كَجٍّ - وأقرّه - ثبوتها، ويكون اختيارها بعد العفو كالعفو عليها، ثم قال: وحكي عن النص أن هذا الاختيار ينبغي أن يكون عقب العفو، وعن بعض الأصحاب: أنه يجوز فيه التراخي 346.
قال البُلْقيني: وهذا المحكي عن بعض الأصحاب ذكره الماوردي قولًا للشافعي.
(ولو عفا عن الدية .. لغا) العفو؛ لأنه عفو عمّا لم يجب (ولى العفو) عن القصاص (بعده عليها) أي: على الدية؛ لأن الأول كان لاغيًا، وحقه في القود باق.
(ولو عفا على غير جنس الدية .. ثبت) على القولين وإن كان أكثر من الدية (إن قبل الجاني، وإلا .. فلا) أي: وإن لم يقبل الجاني .. لم يثبت المال؛ لأنه اعتياض، فاشترط رضاهما.
(ولا يسقط القود في الأصح) لأنه رضي به على عوض ولم يحصل له، والثاني: يسقط؛ لأنه رضي به حيث أقدم على الصلح وطلب العوض، وإذا قلنا بهذا .. فهل تثبت الدية؟ قال البغوي: هو كما لو عفا مطلقًا، وأقراه 347.
(وليس لمحجور فلس عفو عن مال إن أوجبنا أحدهما) أي: أحد الأمرين؛ للتفويت على الغرماء، (وإلا) أي: وإن قلنا: الواجب: القود عينًا (فإن عفا على
الجزء: 4 - الصفحة: 75
الدِّيَةِ .. ثَبَتَتْ، وَإِنْ أَطْلَقَ .. فَكَمَا سَبَقَ، وَإِنْ عَفَا عَلَى أَنْ لَا مَالَ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَالْمُبَذِّرُ فِي الدِّيَةِ كَمُفْلِسٍ، وَقِيلَ: كَصَبِيٍّ. وَلَوْ تَصَالَحَا عَنِ الْقَوَدِ عَلَى مِئَتَيْ بَعِيرٍ .. لَغَا إِنْ أَوْجَبْنَا أَحَدَهُمَا، وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: الصِّحَّةُ
الدية .. ثبتت) قطعًا كغيره، (وإن أطلق .. فكما سبق) في أن العفو مطلقًا هل يوجب الدية؟ فإن أوجبها .. ثبتت، وإلا .. فلا.
(وإن عفا على أن لا مال .. فالمذهب: أنه لا يجب شيء) لأن العفو مع نفي المال لا يقتضي مالًا؛ فلو كلفنا المفلس أن يعين المال .. كان ذلك تكليفًا بأن يكتسب، وليس على المفلس أن يكتسب.
وأشار بقوله: (فالمذهب) إلى ذكر طريقين، وبيان ذلك: أنا إن قلنا: إن مطلق العفو لا يوجب المال .. فالمقيد بالنفي أولى، وإلا .. فوجهان: أصحهما: هذا، والثاني: الوجوب؛ لأنه لو أطلق العفو .. لوجب المال، فالنفي كالإسقاط لما له حكم الوجوب.
وقد اقتضى كلام المصنف في (باب التفليس): الجزم بالصحة، فإنه قال: (يصح اقتصاصه وإسقاطه)، ومقتضاه: بأنه لا فرق في الإسقاط بين أن يكون مجانًا أو على مال.
(والمبذر في الدية كلمفلس) في حكمه الذي ذكرناه، (وقيل: كصبي) فلا يصح عفوه عن المال بحال، لأنا وإن قلنا: مطلق العفو لا يوجب المال، فإذا تصدى له مال .. لم يجز له تركه؛ كما لو وهب له شيء أو وصي له بشيء فلم يقبل .. فوليّه يقبل عنه، بخلاف المفلس لا يقبل الغرماء عنه ولا الحاكم؛ لأنهم لا يجب لهم إلا ما ثبت في ملكه.
(ولو تصالحا عن القود على مئتي بعبر .. لغا) الصلح (إن أوجبنا أحدهما) يعني: القصاص أو الدية؛ لأنه زيادة على الواجب نازل منزلة الصلح من مئة على مئتين، (وإلا) أي: وإن قلنا بالأصحِّ، وهو: أن الواجب القود عينًا، والدية بدل عند سقوطه ( .. فالأصح: الصحة) لأنه مال يتعلق باختيار المستحق والتزام الجاني، فلا معنى لتقديره، كبدل الخلع، والثاني: لا يصح، لأن الدية هي التي تخلف
الجزء: 4 - الصفحة: 76
وَلَوْ قَالَ رَشِيدٌ: (اقْطَعْنِي) فَفَعَلَ .. فَهَدَرٌ، فَإِنْ سَرَى أَوْ قَالَ: (اقْتُلْنِي) .. فَهَدَرٌ، وَفِي قَوْلٍ: تَجِبُ دِيَةٌ، وَلَوْ قُطِعَ فَعَفَا عَنْ قَوَدِهِ وَأَرْشِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْرِ .. فَلَا شَيْءَ،
القصاص عند سقوطه، فلا يزاد عليها.
(ولو قال رشيد: "اقطعني" ففعل .. فهدر) لا قصاص ولا دية؛ كما لو أذن في إتلاف ماله .. لم يجب الضمان.
وقضية كلامه: أن السفيه ليس كذلك مع أنه لا فرق فيه بين الرشيد والسفيه، والذي لا تأثير لإذنه هو الصبي، وكذا العبد في إسقاط المال، وفي إسقاط القصاص وجهان: رجح البُلْقيني سقوطه.
ولو قال: (حرّ مكلف) .. لوفى بالمقصود، وعبارة "المحرر": (المالك لأمره) 348، وهي معنى عبارة "الكتاب".
(فإن سرى) القطع (أو قال: ) ابتداءً ("اقتلني") ففعل ( .. فهدر، وفي قول: تجب دية) الخلاف مبني على أن الدية تثبت للميت في آخر جزء من حياته ثم يتلقاها الوارث، أو تثبت للوارث ابتداءً عقب هلاك المقتول؛ فإن قلنا بالأول -وهو الأصحُّ- .. لم يجب، وإلا .. وجبت، وحكاية المصنف الخلاف في الدية يقتني القطع بنفي القصاص، وهو أشهر الطريقين، وقيل: بطرد الخلاف فيه.
وقوله: (فهدر) ليس على عمومه؛ فإن الكفارة تجب على الأصحِّ؛ لحق الله تعالى.
(ولو قطع) عضوًا من غيره (فعفا) المجني عليه (عن قوده وأرشه؛ فإن لم يسرِ .. فلا شيء) أي: لا قصاص ولا دية؛ لأن المستحق أسقط الحق بعد ثبوته فيسقط.
وظاهر كلام المصنف: تصوير هذه الحالة بما إذا عفا عن مجموع الأمرين، وكأنه احترز عمّا إذا قال: (عفوت عن هذه الجناية) (ولم يزد .. فإنه عفو عن القود دون الأرش على النص في "الأم".
الجزء: 4 - الصفحة: 77
وَإِنْ سَرَى .. فَلَا قِصَاصَ. وَأَمَّا أَرْشُ الْعُضْوِ: فَإِنْ جَرَى لَفْظُ وَصِيَّةٍ كَـ (أَوْصَيْتُ لَهُ بِأَرْشِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ) .. فَوَصِيَّةٌ لِقَاتِلٍ، أَوْ لَفْظُ إِبْرَاءٍ أَوْ إِسْقَاطٍ، أَوْ عَفْوٍ سَقَطَ، وَقِيلَ: وَصِيَّةٌ. وَتَجِبُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ إِلَى تَمَامِ الدِّيَةِ، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ تَعَرَّضَ فِي عَفْوِهِ لِمَا يَحْدُثُ مِنْهَا .. سَقَطَتْ،
(وإن سرى) إلى النفس ( .. فلا قصاص) كما لا يجب في الطرف؛ لأن السراية تولدت من معْفُوّ عنه، فصارت شبهة دافعة للقصاص، وقيل: يجب في النفس، لأن العفو عن الطرف دون النفس.
(وأما أرش العضو: فإن جرى لفظ وصية، كـ "أوصيت له بأرش هذه الجناية" .. فوصية لقاتل) أي: والأظهر: صحتها؛ كما مر في (الوصية)، فإن خرج الأرش من الثلث .. سقط، وإلا .. نفذت الوصية في قدر الثلث، وإن أبطلناها .. لزمه أرش العضو.
(أو) جرى (لفظ إبراء أو إسقاط أو عفو .. سقط) قطعًا، ولا يأتي القولان في الوصية؛ لأنه إسقاط حق ناجز، والوصية تتعلق بحال الموت، (وقيل: وصية) لقاتل، بدليل الاعتبار من الثلث، فيأتي فيه الخلاف في الوصية للقاتل، وهذا هو المنصوص عليه في "الأم" 349 (وقال البُلْقيني: إنه الحق؛ إذ لا فرق بين أن يوصي للقاتل أو يهبه أو يعفو عن دين له عليه؛ كما لا يفترق حال الوارث في ذلك.
(وتجب الزيادة عليه) أي: على أرش العضو (إلى تمام الدية، وفي قول: إن تعرض في عفوه لما يحدث منها .. سقطت) ما سبق هو في إرش العضو فقط، وأما الزيادة عليه إلى تمام الدية .. فواجبة إن اقتصر على العفو عن موجب الجناية ولم يقل: وما يحدث منها، فإن قال: وما يحدث منها .. نظر؛ إن قاله بلفظ الوصية .. بني على الخلاف في الوصية للقاتل، ويأتي جميع ما سبق في أرش العضو، وإن قاله بلفظ العفو أو الإبراء أو الإسقاط .. ففي تأثيره فيما يحدث قولان: أظهرهما: لا، فيلزمه ضمانه؛ لأن إسقاط الشيء قبل ثبوته غير منتظم، والثاني: نعم، ولا يلزمه ضمان
الجزء: 4 - الصفحة: 78
فَلَوْ سَرَى إِلَى عُضْوٍ آخَرَ وَانْدَمَلَ .. ضَمِنَ دِيَةَ السِّرَايَةِ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ لَهُ قِصَاصُ نَفْسٍ بسِرَايَةِ طَرَفٍ لَوْ عَفَا عَنِ النَّفْسِ .. فَلَا قَطْعَ لَهُ أَوْ عَنِ الطَّرَفِ .. فَلَهُ حَزُّ الرَّقَبَةِ فِي الأَصَحِّ
ما يحدث؛ لأن الجناية على الطرف سبب لفوات النفس، وهما القولان في الإبراء عمّا لم يجب وجرى سبب وجوبه.
ومحل ما ذكره من التفصيل في الأرش: إذا كان دون الدية، أما إذا قطع يديه فعفا عن أرش الجناية وما يحدث منها؛ فإن لم نصحح الوصية .. وجبت الدية بكمالها، وإن صححناها .. سقطت بكمالها إن وفى بها الثلث، سواء صححنا الإبراء عمّا لم يجب أو لم نصححه؛ لأن أرش اليدين دية كاملة؛ فلا يزيد بالسراية شيء.
(فلو سرى إلى عضو آخر واندمل) كما إذا قطع الإصبع فتآكل باقي اليد ثم اندمل ( .. ضمن دية السراية في الأصح) لأنه عفا عن موجب الجناية الحاصلة في الحال، فيقتصر عليه، والثاني: المنع؛ لأنه إذا سقط الضمان بالعفو .. صارت الجناية غير مضمونة، وإذا كانت الجناية غير مضمونة .. كانت السراية أيضًا غير مضمونة؛ كما إذا قال لغيره: (اقطع يدي)، فقطعها وسرى القطع إلى عضو آخر.
وأفهم كلامه: أنه لا قود ولا أرش للعضو المعفو عنه، وهو كذلك، ولا قصاص في المتآكل، وهو كذلك أيضًا؛ بناء على نفي القصاص في الأجسام بالسراية.
ومحل الخلاف الذي ذكره المصنف: ما إذا اقتصر على العفو عن موجب الجناية، فأما إذا قال: (عفوت عن هذه الجناية وما يحدث منها)، فسرى قطع الإصبع إلى قطع الكف؛ فإن لم نوجب ضمان السراية إذا أطلق .. فهنا أولى، وإن أوجبناه .. فيخرج هنا على الإبراء عما لم يجب وجرى سبب وجوبه.
(ومن له قصاص نفس بسراية طرف) بأن كان الجاني قد قطع يد المجني عليه ومات بالسراية (لو عفا عن النفس .. فلا قطع له) لأن المستحق هو القتل، والقطع طريقه وقد عفا عن المستحق له.
(أو عن الطرف .. فله حزّ الرقبة في الأصح) لأن كلًّا منهما مقصود في نفسه؛ كما لو تعدد المستحق، والثاني: المنع؛ لأنه استحق القتل بالقطع الساري وقد تركه.
الجزء: 4 - الصفحة: 79
وَلَوْ قَطَعَهُ ثُمَّ عَفَا عَنِ النَّفْسِ مَجَّانًا، فَإِنْ سَرَى الْقَطْعُ .. بَانَ بُطْلَانُ الْعَفْوِ، وَإِلَّا .. فَيَصِحُّ. وَلَوْ وَكَّلَ ثُمَّ عَفَا فَاقْتَصَّ الْوَكِيلُ جَاهِلًا .. فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ دِيَةٍ، وَأَنَّهَا عَلَيْهِ لَا عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْعَافِي
(ولو قطعه) الولي بسبب القطع الساري (ثم عفا عن النفس مجانًا؛ فإن سرى القطع .. بأن بطلان العفو) لفوات محله.
وقوله: (مجانًا) ليس بقيد، بل العفو على مال كذلك، ويتبين بأنه غير مستحق.
(وإلا) أي: وإن لم يسرِ بل اندمل ( .. فيصح) العفو، ولا يلزم الولي بقطع اليد شيء؛ لأنه حين فعله كان مستحقًّا لجملته التي المقطوع بعضها، فهو مستوف لبعض حقه، وعفوه مُنْصَبٌّ لما وراء ذلك، وكذا الحكم فيما لو قتله بغير القطع وقطع الولي يده متعديًا ثم عفا عنه.
(ولو وكل) في استيفاء القصاص (ثم عفا فاقتص الوكيل جاهلًا .. فلا قصاص عليه) على المذهب؛ لأنه معذور.
وخرج بقوله: (جاهلًا): ما إذا علم بالعفو .. فعليه القصاص قطعًا.
(والأظهر: وجوب دية) مغلظة، وقيل: مخففة؛ لأنه بأن أنه قتله بغير حق، والثاني: المنع؛ لأنه عفا بعد خروج الأمر من يده، فوقع لغوًا.
(وأنها عليه لا على عاقلته) لأنه عامد في فعله، وإنما سقط القصاص؛ للشبهة، فتجب حالّة لا مؤجلة على الأصحِّ من "زوائد الروضة" 350، والثاني: عليهم؛ لأنه فعله جاهلًا بالحال، فكان كالمخطئ.
وقضية عطفه: أن الخلاف قولان، لكنه عبر في "الروضة" بـ (الأصحِّ) 351.
(والأصح: أنه لا يرجع) الوكيل الغارم (بها) أي: بالدية (على العافي) لأنه محسن بالعفو غير مغرر، والثاني: يرجع؛ لأنه غرّه، وهو آلة له، لا سيما إذا كان
الجزء: 4 - الصفحة: 80
وَلَوْ وَجَبَ قِصاصٌ عَلَيْهَا فَنَكَحَهَا عَلَيْهِ .. جَازَ وَسَقَطَ، فَإِنْ فَارَقَ قَبْلَ الْوَطْءِ .. رَجَعَ بِنِصْفِ الأَرْشِ، وَفِي قَوْل كـ: بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ.
قد استأجره للاستيفاء؛ إذ عليه القيام بما استؤجر عليه.
(ولو وجب قصاص عليها) بأن جنت على شخص (فنكحها عليه) هو أو وارثه، ( .. جاز) النكاح والصداق، أما النكاح .. فواضح، وأما الصداق .. فلأن ما جاز الصلح عنه .. جاز جعله صداقًا (وسقط) القصاص؛ لملكها قصاص نفسها.
(فإن فارق قبل الوطء .. رجع بنصف الأرش) لأنه المسمَّى في العقد وفات، (وفي قول: بنصف مهر مثل) هذا الخلاف شبيه بما إذا أصدقها عبدًا فظهر حرًّا هل ترجع عليه بالمهر أو بقيمة العبد؟
الجزء: 4 - الصفحة: 81
كتابُ الدِّيات فِي قَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِئَةُ بَعِيرٍ مُثَلَّثَةٌ فِي الْعَمْدِ: ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً - أَي: حَامِلًا - وَمُخَمَّسَةٌ فِي الْخَطَأِ: عِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَكَذَا بَنَاتُ لَبُونٍ وَبَنُو لَبُونٍ وَحِقَاقٌ وَجِذَاعٌ،
﴿كتاب الديات﴾
هي جمع دية، اسم للمال الواجب بالجناية على الحر في نفس أو طرف، وأصلها: ودية، مشتقة من الودي، وهو: دفع الدية كالزنة من الوزن، والعدة من الوعد، وجمعها باعتبار النفس والأطراف، أو باعتبار الأشخاص.
(في قتل الحر المسلم) الذكر المَحقون الدم (مئة بعير) بالإجماع؛ كما نقله ابن عبد البر 352، فخرج بـ (الحر): العبد، فهو مضمون بالقيمة لا بالدية، وبـ (المسلم): الكافر، وبالذكر: الأنثى، وبالمحقون الدم: الزاني المحصن، وتارك الصلاة، والصائل ونحوهم، وروى ابن قتيبة: أن أول من قضى بأنها مئة أبو سيارة، وقيل: عبد المطلب فجاءت الشريعة مقررة لها.
(مثلثة في العمد: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة؛ أي: حاملًا) لحديث: "مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا .. دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ؛ فَإِنْ شَاؤُوا .. قَتَلُوا، وَإِنْ شَاؤُوا .. أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً" رواه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال: حسن غريب 353.
ولأن العمد كبيرة فناسب التغليظ، والتغليظ بالنسبة إلى السن، لا بالنسبة إلى زيادة في القدر، وسواء في ذلك كان العمد موجبًا للقصاص أو لم يوجبه؛ كقتل الوالد ولده.
(ومخمسة في الخطأ: عشرون بثت مخاض، وكذا بنات لبون وبثو لبون وحقاق وجذاع) لإجماع الصحابة على ذلك؛ كما قاله الماوردي 354.
الجزء: 4 - الصفحة: 83
فَإِنْ قَتَلَ خَطَأً فِي حَرَمِ مَكَّةَ أَوِ الأَشْهُرِ الْحُرُمِ: ذِي الْقَعْدَةِ وَذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ وَرَجَبٍ، أَوْ مَحْرَمًا ذَا رَحِمٍ .. فَمُثَلَّثَةٌ
(فإن قتل خطأ في حرم مكة، أو الأشهر الحرم: ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، ورجب، أو محرمًا ذا رحم .. فمثلثة) لأن الصحابة رضوان الله عليهم غلظوا في هذه الأحوال الثلاث وان اختلفوا في كيفية التغليظ، ولم ينكر ذلك أحد منهم، فكان إجماعًا منهم، وسواء كان المقتول والقاتل في الحرم أو أحدهما، والحق به في "المطلب" ما إذا جرحه، والمجروح في الحرم فخرج إلى الحل ومات فيه.
وخرج بـ (حرم مكة): حرم المدينة، فإنه لا يغلظ بالقتل فيه على الصحيح، لأن صيده غير مضمون على الجديد، ولا يغلظ بالقتل في الإحرام على الأصحِّ، لأن حرمته عارضة، بخلاف المكان، ولم يرد أيضًا من التغليظ ما ورد في القتل في الحرم.
وخرج بـ (الأشهر الحرم): رمضان؛ فإنه لا يغلظ بالقتل فيه وإن كان عظيمًا.
وقوله: (محرمًا ذا رحم) يُخرج صورتين: إحداهما: ما إذا انفردت المحرمية عن الرحم؛ كما في المصاهرة، والرضاع .. فلا يتغلظ بها القتل قطعًا، والثانية: أن تنفرد الرحمية عن المحرم؛ كأولاد الأعمام والأخوال، فلا تغليظ فيهم على الأصحِّ؛ لما بينهما من التفاوت في القرابة.
لكن يرد عليه مالو قتل ابن عم هو أخ من الرضاع، أو قتل بنت عم هي أم زوجته .. فلا تغلظ فيه الدية مع أنه رحم محرم؛ لأن المحرمية ليست من الرحم، فكان حقه تقييد المحرمية بذلك.
وهذا الترتيب الذي ذكره المصنف في عد الأشهر الحرم هو الصواب الذي تظافرت عليه الأحاديث الصحيحة، كما قاله في "شرح مسلم"، وغيره 355، وقال الكوفيون: الأدب في عدها أن يقال: المحرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة في سنة واحدة.
الجزء: 4 - الصفحة: 84
وَالْخَطَأُ وَإِنْ تَثَلَّثَ .. فَعَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةٌ، وَالْعَمْدُ عَلَى الْجَانِي مُعَجَّلَةٌ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ مُثَلَّثَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةٌ. وَلَا يُقْبَلُ مَعِيبٌ وَمَرِيضٌ إِلَّا بِرِضَاهُ. وَيَثْبُتُ حَمْلُ الْخَلِفَةِ بِأَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَالأَصَحُّ: إِجْزَاؤُهَا قَبْلَ خَمْسِ سِنِينَ،
قال ابن دحية الحافظ: وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا نذر صيامها .. فعلى الأول: يبتدئ بذي القعدة، وعلى الثاني: بالمحرم.
(والخطأ وإن تثلث) كما في التغليظ بالأسباب المذكورة ( .. فعلى العاقلة مؤجلة) كما سيأتي في بابه.
(والعمد على الجاني معجلة) تغليظًا؛ كبدل المتلفات (وشبه العمد مثلثة على العاقلة مؤجلة) أما كونها مثلثة .. فلقوله عليه السلام: "عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ" رواه أبو داوود ولم يضعفه 356، وأما كونها على العاقلة ومؤجلة .. فلما سيأتي في بابها إن شاء الله تعالى.
(ولا يقبل معيب ومريض) (وإن كانت إبله كذلك؛ قياسًا على سائر أبدال المتلفات، بخلاف الزكاة؛ لتعلقها بعين المال، والدية بالذمة؛ فيعتبر في المؤدى السلامة كالمسلم فيه.
والمراد بالعيب هنا: الذي يرد به في البيع، بخلاف عيب الكفارة والأضحية حيث اعتبر في كل منهما ما يؤثر مقصوده؛ لعدم ملاحظة البدلية فيهما.
وعطفه المريض على المعيب من عطف الخاص على العام.
(إلا برضاه) أي: برضا المستحق إن كان أهلًا للتبرع؛ لأن له إسقاط الأصل فكذا الصفة.
(ويثبت حمل الخلفة بأهل الخبرة) عند إنكار المستحق؛ فيرجع فيه إلى عدلين منهم.
(والأصح: إجزاؤها قبل خمس سنين) لأنه ليس في الخبرة إلا اعتبار الخلفة، والثاني: المنع؛ لأن الحمل قبل خمس سنين مما يندر، والخلاف إذا لم يرض بأخذها، فإن رضي .. جاز كالبيع.
الجزء: 4 - الصفحة: 85
وَمَنْ لَزِمَتْهُ وَلَهُ إِبلٌ .. فَمِنْهَا - وَقِيلَ: مِنْ غَالِبِ إِبلِ بَلَدِهِ - وَإِلَّا .. فَغَالِبِ بَلَدِهِ، أَوْ قَبِيلَةِ بَدَوِيٍّ، وَإِلَّا .. فَأَقْرَبِ بِلَادٍ، وَلَا يَعْدِل إِلَى نَوْعٍ وَقِيمَةٍ إِلَّا بِتَرَاضٍ،
(ومن لزمته) يعني: الدية من العاقلة أو الجاني (وله إبل .. فمنها) تيسيرًا للأمر عليه، ولا يكلف غيره.
وظاهر قوله: (فمنها) تعيينها، وأنه لا يلزمه قبول غيرها وإن كان من نوعها مثلها أو أشرف منها، وليس كذلك ففي "الروضة": لو دفع نوعا غير ما في يده .. أجبر المستحق على قبوله إذا كان غالب إبل البلد والقبيلة كذلك، وحكاه الرافعي عن "التهذيب" 357.
(وقيل: من غالب إبل بلده) لأنها عوض متلَف، واعتباره بملك المتلِف بعيد.
(وإلا) أي: وإن لم يكن له إبل ( .. فغالب) إبل (بلده، أو قبيلة بدوي) إن كان بدويًّا؛ لأنها بدل متلَف، فوجب فيها البدل الغالب في قيمة المتلفات، (وإلا) أي: وإن لم يكن في البلد أو القبيلة إبل بصفة الإجزاء ( .. فأقرب بلاد) أو قبائل إلى موضع المؤدي، ويلزمه النقل إن قربت المسافة؛ فإن بعدت وعظمت المؤنة والمشقة .. لم يلزمه، وسقطت المطالبة بالإبل.
قالا: وأشار بعضهم إلى ضبط البعيد بمسافة القصر، وقال الإمام: لو زادت مؤنة إحضارها على قيمتها في موضع العزة .. لم يلزمه تحصيلها، وإلا .. فيلزمه 358، قال البُلْقيني: وإجراء هذا على ظاهره متعذر، وتأويله: أنه إذا زادت بمؤنة إحضارها على قيمتها في موضع العزة .. فلا بد من إدخال (الباء) على (مؤنة) ليستقيم المعنى.
(ولا يعدل إلى نوع وقيمة إلا بتراض)، كسائر أبدال المتلفات، فظاهر إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يعدل إلى نوع مثلها أو دونها أو فوقها، وبه صرح الرافعي 359، لكن نص الشافعي رضي الله عنه على الإجبار في الأعلى، وجرى عليه الماوردي،
الجزء: 4 - الصفحة: 86
وَلَوْ عُدِمَتْ .. فَالْقَدِيمُ: أَلْفُ دِينَارٍ أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَالْجَدِيدُ: قِيمَتُهَا
وسليم، والبَنْدَنيجي وغيرهم؛ كما نقله في "المطلب"، وأطلق المصنف جواز العدول إلى القيمة بالتراضي؛ تبعًا للأصحاب، قال صاحب "البيان": وليكن مبنيًّا على جواز الصلح عن إبل الدية، حكاه عنه الشيخان، وأقراه 360، وجزما به قبل ذلك بأربعة أوراق، ومقتضاه: تصحيح المنع، فإن الأصحَّ: منع الصلح عن إبل الدية بلفظ الصلح، وبلفظ البيع جميعًا.
وحمل ابن الرفعة ما أطلقوه هنا من الجواز على ما إذا كانت معلومة القدر والسن والصفات، والمنع على ما إذا كانت مجهولة.
(ولو عدمت) الإبل في الموضع الذي يجب تحصيلها منه، أو وجدت ولكن بأكثر من ثمن المثل ( .. فالقديم: ألف دينار) لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ" صححه ابن حبان والحاكم من حديث عمرو بن حزم 361.
(أو اثنا عشر ألف درهم) لما رواه الأربعة من حديث ابن عباس: (أنه عليه السلام جعل الدية اثني عشر ألفًا)، لكن صوب النسائي وغيره إرساله 362.
وقضية كلامه: تخيير الجاني بين الذهب والدراهم، وهو رأي الإمام، والجمهورُ - كما قاله في "الروضة" -: على أن على أهل الذهب الذهب، وعلى أهل الورق الورق 363.
(والجديد: قيمتها) أي: الإبل بالغة ما بلغت؛ لما رواه أبو داوود، والنسائي، وابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم الإبل على أهل القرى، فإذا غلت .. رفع في قيمتها، وإذا هانت .. نقص من قيمتها) 364.
الجزء: 4 - الصفحة: 87
بِنَقْدِ بَلَدِهِ، وَإِنْ وُجِدَ بَعْضٌ .. أُخِذَ وَقِيمَةَ الْبَاقِي. وَالْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى كَنِصْفِ رَجُلٍ نَفْسًا وَجُرْحًا، وَيَهُودِيٌّ وَنَصْرَانِيٌّ ثُلُثُ مُسْلِمٍ، وَمَجُوسِيٌّ ثُلُثَا عُشْرِ مُسْلِمٍ،
(بنقد بلده) الغالب؛ لأنه بدل متلف، وتراعى صفتها في التغليظ إن كانت مغلظة هذا هو المشهور، وفي "فتاوى القفال": الدنانير في أرش الجناية يجب أن تكون ذهبًا خالصًا دون نقد البلد، بخلاف العوض في العقد؛ لأن تقدير الأرش من الشارع، وقد كان الذهب خالصًا، فينصرف إليه أرش كل جناية.
(وإن وجد بعض) من الإبل ( .. أخذ) الموجود (وقيمة الباقي) كما لو وجب له على إنسان مثل، ووجد بعض المثل .. فإنه يأخذه وقيمة الباقي.
(والمرأة والخنثى كنصف رجل نفسًا وجرحًا) أما النفس .. فاحتج الشافعي فيه بالإجماع، وأما الأطراف والجراحات .. فبالقياس على النفس، وروي عن عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ" كذا رواه الرافعي، قال ابن جماعة: وهو غريب، ورواه البيهقي مرفوعًا من حديث معاذ، وضعفه 365، وأما الخنثى المشكل .. فلأن الزيادة مشكوك فيها، والمحقق النصف.
(ويهودي ونصراني ثلث) دية (مسلم) نفسًا وجرحًا؛ اتباعًا لقضاء عمر وعثمان رضي الله عنهما بذلك 366، هذا فيمن تحل مناكحته، فمن لا يعرف دخول أصوله في ذلك الدين قبل النسخ أو بعده، أو قبل التحريف أو بعده .. ففيه دية مجوسي.
(ومجوسي) له أمان (ثلثا عشر) دية (مسلم) (وهي: ستة أبعرة، وثلثا بعير؛ لأثر عمر رضي الله عنه 367، والمعنى فيه: أن لليهودي والنصراني خمس فضائل: حصول كتاب، ودين كان حقًّا بالإجماع، وتحل مناكحتهم وذبائحهم، ويقرون بالجزية، وليس للمجوسي من هذه الخمسة إلا التقرير بالجزية، فكانت ديته خمس دية اليهود والنصارى.
الجزء: 4 - الصفحة: 88
وَكَذَا وَثنَيٌّ لَهُ أَمَانٌ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الإِسْلَامُ إِنْ تَمَسَّكَ بِدِينٍ لَمْ يُبَدَّلْ .. فَدِيَةُ دِينِهِ، وَإِلَّا .. فَكَمَجُوسيٍّ.
فَصْلٌ [في موجب ما دون النفس من جرح أو نحوه]
فِي مُوضِحَةِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ،
(وكذا وثني له أمان) يجب فيه دية مجوسي؛ لأنه كافر لا يحل لمسلم مناكحة أهل دينه، وكذا عباد الشمس والقمر إذا دخلوا إلينا بأمان؛ كما صرح به في "المحرر" 368، وكذا الزنديق، ودية نسائهم على النصف من دية رجالهم، ويراعى في دياتهم التغليظ والتخفيف.
(والمذهب: أن من لم يبلغه الإسلام إن تمسك بدين لم يبدل) من الدين المبدل ( .. فدية دينه) فإن كان كتابيًّا .. فدية كتابي، وإن كان مجوسيًّا .. فدية مجوسي؛ لأنه متمسك بدين منسوخ فلم يثبت له حكم الإسلام، وقيل: دية مسلم؛ لأنه ولد على الفطرة، ولم يظهر منه عناد، والنسخ لا يثبت قبل بلوغ الخبر.
(وإلا) أي: وإن لم يتمسك بدين لم يبدل، بل بدين مبدل، ولم يبلغه ما يخالفه ( .. فكمجوسي) أي: يجب بقتله دية مجوسي، وقيل: تجب دية أهل دينه، وقيل: لا يجب به شيء؛ لأنه ليس على دين حق، ولا عهد له ولا ذمة.
والسامرة والصابئة: إن كفرهما أهل ملتهما .. فهم كمن لا كتاب له، وإلا .. فكهم.
(فصل: في موضحة الرأس والوجه لحر مسلم) ذكر (خمسة أبعرة) لحديث عمرو بن حزم: "وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ" صححه ابن حبان والحاكم 369. وهذا القدر هو نصف عشر ديته، فتراعى هذه النسبة في حق غيره من المرأة واليهودي وغيرهما، ففي موضحة المرأة: بعيران ونصف، واليهودي: بعير وثلثان، والمجوسي: ثلث بعير.
الجزء: 4 - الصفحة: 89
وَهَاشِمَةٍ مَعَ إِيضاحِ عَشَرَةٌ، وَدُونَهُ خَمْسَةٌ - وَقِيلَ: حُكُومَةٌ - وَمُنَقِّلَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَمَأْمُومَةٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَلَوْ أَوْضحَ فَهَشَمَ آخَرُ، وَنَقَّلَ ثَالِثٌ، وَأَمَّ رَابِعٌ .. فَعَلَى كُلٍّ مِنَ الثَّلَاثَةِ خَمْسَةٌ،
(وهاشمة مع إيضاح عشرة) اتباعًا لزيد بن ثابت ولم يخالَف 370، (ودونه) أي: دون إيضاح (خمسة) لأن العشرة في مقابلة الإيضاح والهشم، وأرش الموضحة خمسة، فتعين أن الخمسة الباقية في مقابلة الهشم فوجبت عند انفراده، (وقيل: حكومة) لأنه كسر عظم بلا إيضاح، فأشبه كسر سائر العظام، فعلى هذا: هل تبلغ الحكومة خمسًا من الإبل؛ فيه تردد للقاضي، وفي "أصل الروضة" عن "الرقم" للعبادي: (أن موضع الوجهين: ما إذا لم يحوج الهشم إلى بط وشق لإخراج العظم، أو تقويمه؛ فإن أحوج إليه .. فالذي أتى به هاشمة تجب فيها عشر من الإبل) 371.
قال البُلْقيني: وله وجه؛ لأن جنايته هي السبب في الإيضاح، ويحتمل أن يقال: هو من فعل المجروح، فلا يضمنه الجاني، وهذا أرجح.
انتهى.
(ومنقلة) مع إيضاح (خمسة عشر) بالإجماع، كما حكاه في "الأم" 372، أما إذا نقل من غير إيضاح .. ففيه الخلاف الذي ذكره فيما إذا هشم ولم يوضح.
(ومأمومة ثلث الدية) لحديث عمرو بن حزم، صححه ابن حبان والحاكم 373، وتجب في الدامغة ما تجب في المأمومة على الأصحِّ، وقيل: يزاد حكومة، وقيل: تمام الدية.
(ولو أوضح فهشم آخر) في محل الإيضاح (ونقل ثالث، وأم رابع .. فعلى كل من الثلاثه خمسة) ما مر فيما إذا اتحد الجاني، فإن تعدد كالمثال المذكور .. فعلى الأول: القصاص، أو خمس من الإبل، وعلى الثاني: خمس من الإبل؛ لأنه الزائد عليها من دية الهاشمة، وعلى الثالث: خمسة؛ لأنه الزائد عليها من وجه المنقلة.
الجزء: 4 - الصفحة: 90
وَالرَّابِعِ تَمَامُ الثُّلُثِ. وَالشِّجَاجُ قَبْلَ الْمُوضِحَةِ إِنْ عُرِفَتْ نِسْبَتُهَا مِنْهَا .. وَجَبَ قِسْطٌ مِنْ أَرْشِهَا، وَإِلَّا .. فَحُكُومَةٌ كَجُرْحِ سَائِرِ الْبَدَنِ. وَفِي جَائِفَةٍ ثُلُثُ دِيَةٍ، وَهِيَ:
(والرابع تمام الثلث) وهو ثمانية عشر بعيرًا وثلث بعير، وهو ما بين المنقلة والمأمومة.
(والشجاج) بكسر الشين (قبل الموضحة) (وهي الحارصة، والدامية، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق (إن عرفت نسبتها منها) بأن كان على رأسه موضحة إذا قيس بها الباضعة مثلًا .. عرف أن المقطوع ئك أو نصف في عمق اللحم ( .. وجب قسط من أرشها) أي: الموضحة بالنسبة؛ فإن شككنا في قدرها من الموضحة .. أوجبنا اليقين، قال الأصحاب: ويعتبر مع ذلك الحكومة، فيجب أكئر الأمرين من الحكومة وما يقتضيه التقسيط؛ لأنه وجد سبب كل واحد منهما، كذا قاله في "أصل الروضة" 374، وهو خلاف ما يقتضيه إطلاق "الكتاب".
(وإلا) أي: وإن لم تعرف نسبتها منها ( .. فحكومة) لا تبلغ أرش موضحة، وهذا التفصيل قال الرافعي: هو قول الأكثرين، قال: ومنهم من أطلق أن الواجب فيها الحكومة؛ أي: لأن التقدير يعتمد التوقيف ولا توقيف 375، قال ابن الملقن: (وهذا ما نسبه الماوردي إلى ظاهر النص، وإلى الجمهور، فاختلف النقل إذن عن الجمهور) 376 (كجرح سائر البدن (فإنه ليس في إيضاح عظامه ولا هشمها ولا نقلها أرش مقدر، بل فيها الحكومة فقط نص عليه 377؛ لأنه لم يرد فيها توقيف، مع أن الجراحات في البدن أكثر منها في الرأس والوجه، فلو كانت مقدرة .. لكان الاعتناء بذكرها أولى، والفرق: أن الخطر فيهما أعظم، وشينهما أفحش.
(وفي جائفة ثلث دية) لثبوت ذلك في حديث عمرو بن حزم 378 (وهي) يعني:
الجزء: 4 - الصفحة: 91
جُرْحٌ يَنْفُذُ إِلَى جَوْفٍ كَبَطْنٍ وَصدْرٍ وَثُغْرَةِ نَحْرٍ وَجَبينٍ وَخَاصرَةٍ، وَلَا يَخْتَلِفُ أَرْشُ مُوضحَةٍ بِكِبَرِهَا. وَلَوْ أَوْضحَ مَوْضِعَيْنِ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ وَجِلْدٌ، قِيلَ: أَوْ أَحَدُهُمَا .. فَمُوضِحَتَانِ،
الجائفة (جرح ينفذ إلى جوف) قوته محيلة للغذاء والدواء (كبطن، وصدر، وثغرة نحر، وجبين وخاصرة) بخلاف جوف الذكر، وداخل الفم والأنف بهشم الخد والقصبة وغيرهما، أو إلى بيضة العين من الجفن، فليس بجائفة في الأصحِّ.
وظاهر كلامه: الاقتصار على ثلث الدية.
ويستثنى منه: ما إذا لذع الحديد كبده أو طحاله، وما إذا نفذت الجراحة من غير الضلع وكسرت الضلع .. فتجب الحكومة مع الئلث، فلو نفذت من نفس الضلع .. دخلت حكومته في دية الجائفة، قاله الماوردي 379، واعتمده البُلْقيني، وكذا لو وضع السكين على الكتف أو الفخذ، وجرها حتى بلغ البطن فأجاف .. فإنه تجب الحكومة مع الثلث أيضًا؛ بخلاف ما لو وضعها على الصدر وجرها حتى أجاف في البطن، أو ثغرة النحر .. فإنه يجب الثلث بلا حكومة؛ لأن جميعه محل الجائفة، قاله في "أصل الروضة" 380.
(ولا يختلف أرش موضحة بكبرها) (ولا بصغرها لاتباع الاسم، والجائفة كذلك، حتى لو غرز فيه إبرة فوصلت الجوف .. فهي جائفة.
(ولو أوضح موضعين بينهما لحم وجلد، قيل: أو أحدهما .. فموضحتان) لتعدد الاسم، فلو عاد الجاني فرفع الحاجز بين موضحتيه قبل الاندمال .. عاد الأرشان إلى واحد على الأصحِّ، وكان كما لو أوضح في الابتداء موضحة واسعة، ولو تآكل الحاجز بينهما .. فكذلك.
وأشار بقوله: (قيل: أو أحدهما) إلى أنه إذا وجد الحاجز باللحم دون الجلد أو
الجزء: 4 - الصفحة: 92
وَلَوِ انْقَسَمَتْ مُوضِحَتُهُ عَمْدًا وَخَطَأً أَوْ شَمِلَتْ رَأْسًا وَوَجْهًا .. فَمُوضِحَتَانِ، وَقِيلَ: مُوضِحَةٌ. وَلَوْ وَسَّعَ مُوضِحَتَهُ .. فَوَاحِدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ غَيْرُهُ .. فَثِنْتَانِ. وَالْجَائِفَةُ كَمُوضِحَةٍ فِي التَّعَدُّدِ،
عكسه .. فقيل: يتعدد أيضًا؛ اتباعًا للصورة، والأصحُّ: عدم التعدد؛ لأنه بإزالة أحدهما أثبت الجناية على الموضع كله.
(ولو انقسمت موضحته عمدًا وخطأً، أو شملت رأسًا ووجهًا .. فموضحتان) أما الأولى .. فلاختلاف الحكم، وأما في الثانية .. فلاختلاف المحل، (وقيل: موضحة) أما في الأولى .. فلاتحاد الصورة والجاني والمحل، وأما في الثانية .. فلأن الجبهة والرأس محل الإيضاح.
(ولو وسع موضحته .. فواحدة على الصحيح) كما لو أوضح أولًا كذلك، والثاني: ثنتان؛ لأن التوسيع إيضاح ثانٍ، وكما لو وسع غيره، (أو غيره .. فثنتان) فيجب على الثاني أرش كامل قطعًا وإن كانت الموضحة واحدة في الصورة؛ لأن فعل غير الجاني لا ينبني على فعل الجاني؛ كما إذا قطع يديه، وحز رقبته آخر قبل الاندمال .. وجبت ديتان.
وقوله: (غيره) هو بفتح الراء، وكسرها؛ كما ضبطه المصنف بخطه، والتقدير فيهما: وسع موضحة غيره، لكن على الكسر أبقي المضاف إليه على حاله، وعلى الفتح حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز فيها الرفع أيضًا على تقدير وسعها غيره.
(والجائفة كموضحة في التعدد) أي: يتعدد الأرش بعددها، حتى لو أجاف ثنتين ثم رفع الحاجز بينهما، أو تآكل ما بينهما، أو رفعه آخر .. فعلى ما سبق في الصور التي ذكرها في الإيضاح.
وقضية إطلاقه: أنه إذا وسعها غيره .. إيجاب جائفتين مطلقًا، وفيه تفصيل ذكره الأصحاب، فقالوا: إن أدخل السكين في جائفة غيره ولم يقطع شيئًا .. فلا ضمان عليه، ويعزر، وإن قطع شيئًا من الظاهر دون الباطن، أو بالعكس .. فعليه حكومة؛ لأنه جرح لم يكمل جائفة، وإن قطع من جانب بعض الظاهر، ومن جانب بعض
الجزء: 4 - الصفحة: 93
وَلَوْ نَفَذَتْ فِي بَطْنٍ وَخَرَجَتْ مِنْ ظَهْرٍ .. فَجَائِفَتَانِ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ أَوْصَلَ جَوْفَهُ سِنَانًا لَهُ طَرَفَانِ .. فَثِنْتَانِ، وَلَا يَسْقُطُ الأَرْشُ بِالْتِحَامِ مُوضِحَةٍ وَجَائِفَةٍ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ فِي الأُذُنَيْنِ دِيَةً لَا حُكُومَةً،
الباطن .. ففي "التتمة": أنه ينظر في ثخانة اللحم والجلد، ويقسط أرش الجناية على المقطوع من الجانبين، وقد يقتضي التقسيط تمام الأرش؛ بأن يقطع نصف الظاهر من جانب، ونصف الباطن من جانب، ولو لم يقطع من أطراف الجائفة شيئًا، ولكن زاد في غورها، أو كان قد ظهر عضو باطن، كالكبد فغرز السكين فيه .. فعليه الحكومة.
(ولو نفذت في بطن وخرجت من ظهر .. فجائفتان في الأصح) لأنه جرحه جراحتين نافذتين إلى الجوف، والثاني: واحدة، لأن الثانية نفذت إلى الظاهر من الباطن، والجائفة عكس ذلك، لكن تجب معها حكومة على الأصحِّ، لأجل النفوذ من الجانب الآخر.
(ولو أوصل جوفه سنانًا له طرفان) والحاجز بينهما سليم ( .. فثنتان) لأن كل طرف منه واصل إلى الجوف، فيصدق اسم الجائفة على كل واحد منهما.
وكان ينبغي أن يقول: (ولو طعن جوفه بسنان له طرفان) لأن عبارته تصدق بما إذا أوصله من منفذ مفتوح.
(ولا يسقط الأرش بالتحام موضحة وجائفة) لأن مبنى الباب على اتباع الاسم وقد وجد، وسواء بقي شين أم لا على الصحيح.
(والمذهب: أن في الأذنين) قطعًا وقلعًا (دية لا حكومة) لحديث عمرو بن حزم: "وفِي الأُذُنِ خَمْسُونَ مِنَ الإبِلِ" رواه الدارقطني والبيهقي 381.
ولأنهما عضوان فيهما جمال ومنفعة، فوجب أن تكمل فيهما الدية كاليدين، وفي وجه أو قول مخرج: تجب فيهما الحكومة كالشعور.
ومحل الاقتصار على الدية: إذا لم يحصل مع استئصالهما إيضاح، فلو أوضح العظم .. وجب مع الدية أرش موضحة.
الجزء: 4 - الصفحة: 94
وَبَعْضٌ بقِسْطِهِ، وَلَوْ أَيْبَسَهُمَا .. فَدِيَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: حُكُومَةٌ، وَلَوْ قَطَعَ يَابِسَتَيْنِ .. فَحُكُومَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: دِيَةٌ. وَفِي كُلِّ عَيْنٍ نِصْفُ دِيَةٍ وَلَوْ عَيْنَ أَحْوَلَ وَأَعْمَشَ وَأَعْوَرَ، وَكَذَا مَنْ بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ لَا يَنْقُصُ الضَّوْءَ،
(وبعض بقسطه) لأن ما وجبت فيه الدية وجب في بعضه بالقسط كالإصبع، ويقدر بالمساحة.
وشمل قوله: (بعض) ما لو قطع إحداهما، وما لو قطع البعض من إحداهما، فلهذا لم يحتج أن يقول: وفي إحداهما نصفها؛ كما قاله في "المحرر" 382.
(ولو أيبسهما) بالجناية عليهما ( .. فدية) كما لو ضرب يده فشلت، (وفي قول: حكومة) لأنه ليست المنفعة في حركة الأذن كالمنفعة في حركة اليد، وإنما منفعتها جمع الصوت، ومنع دخول الماء والهوام، وهي باقية.
(ولو قطع يابستين .. فحكومة، وفي قول: دية) هذا مبني على الخلاف قبلها؛ فإن قلنا هناك: تجب الدية [ .. وجب الحكومة، كقطع اليد الشلاء، وإن قلنا: تجب الحكومة .. وجب هنا الدية] 383، لأن المنفعة المرعية إنما بطلت بالقطع.
(وفي كل عين نصف دية) لحديث عمرو بن حزم، صححه ابن حبان والحاكم 384، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع 385 (ولو عين أحول، وأعمش، وأعور) ونحوها؛ كأخفش، وأجهر، لشمول الخبر، ولبقاء المنفعة، ولا نظر إلى تفاوتها؛ كما لا نظر إلى قوة البطش والمشي، وضعفهما.
وقوله: (وأعور) قد يوهم أن العين العوراء فيها نصف الدية، وليس كذلك، وإنما هو في الأخرى السليمة، واحترز بذلك: عمن يقول: في عين الأعور كل الدية.
(وكذا من بعينه بياض لا ينقص الضوء) في كل عين له نصف دية، ويكون كالثآليل
الجزء: 4 - الصفحة: 95
فَإِنْ نَقَصَ .. فَقِسْطٌ، فَإِنْ لَمْ يَنْضَبطْ .. فَحُكُومَةٌ. وَفِي كُلِّ جَفْنٍ رُبعٌ دِيَةٍ وَلَوْ لِأعْمَى، وَمَارِنٍ دِيَةٌ. وَفِي كُلٍّ مِنْ طَرَفَيْهِ والْحَاجِزِ ثُلُثٌ، وَقِيلَ: فِي الْحَاجِزِ حُكُومَةٌ، وَفِيهِمَا دِيَةٌ
في اليد والرجل، وسواء على بياض الحدقة وسوادها، (فإن نقص) الضوء وأمكن ضبط النقص بالاعتبار بالصحيحة التي لا بياض فيها ( .. فقسط) أي: يجب من الدية بقسط ما بقي، (فإن لم ينضبط .. فحكومة) بخلاف عين الأعمش.
والفرق: أن البياض نقص الضوء الذي كان في أصل الخلقة، وعين الأعمش لم ينقص ضوؤها عما كان في الأصل.
(وفي كل جفن ربع دية) لأن في الكل الدية؛ لأن فيها جمالًا ومنفعة؛ لصيانة العين عما يؤذيها، ففي الواحد ربعها (ولو لأعمى) لأن له بها منفعة وجمالًا وإن كانت منفعة البصير بها أعم.
(ومارن دية) لحديث عمرو بن حزم: "وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ .. الدِّيَةُ" صححه ابن حبان والحاكم 386، وحمل على المارن؛ لما روى الشافعي عن طاووس أنه قال: عندي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: "وَفِي الأَنْفِ إِذَا قُطِعَ مَارِنُهُ .. مِئَةٌ مِنَ الإبِلِ" 387، والمارن: ما لان من الأنف وخلا من العظم، فيشمل الطرفين والحاجز بينهما.
(وفي كل من طرفيه والحاجز ثلث) توزيعًا للدية على المنخرين والحاجز، (وقبل: في الحاجز حكومة، وفيهما دية) لأن الجمال وكمال المنفعة فيهما دون الحاجز، وهذا ما حكياه عن النص، وابن سُريج، وأبي اسحاق، وتصحيح البغوي 388، ولو قطع المارن وبعض القصبة .. اندرجت الحكومة في الدية على الصحيح في "الروضة"، لكن قال في "المهمات": إن الشافعي نص في "الأم" على إيجاب الحكومة، وإن الفتوى عليه 389.
الجزء: 4 - الصفحة: 96
وَكُلِّ شَفَةٍ نِصْفٌ، وَلِسَانٍ وَلَوْ لِألْكَنَ وَأَرَتَّ وَأَلْثَغَ وَطِفْلٍ دِيَةٌ، وَقِيلَ: شَرْطُ الطِّفْلِ ظُهُورُ أَثَرِ نُطْقٍ بِتَحْرِيكِهِ لِبُكَاءٍ وَمَصٍّ، وَلِأخرَسَ حُكُومَةٌ،
(وكل شفة نصف) سواء العليا والسفلى؛ لحديث عمرو بن حزم، صححه ابن حبان والحاكم 390.
وفي بعض نسخ الكتاب: (وهي في عرض الوجه إلى الشدقين، وفي طوله ما يستر اللثة على الأصحِّ)، وكذا قاله في "المحرر" 391، وعن نسخة المصنف أنه ذكرها ثم ضرب عليها.
(ولسان) ناطق (ولو لألكن، وأرت، والثغ، وطفل دية) لإطلاق حديث عمرو بن حزم: "وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ" صححه ابن حبان والحاكم 392.
وقضيته: وجوب الدية ولو كان فاقد الذوق، لكن جزم الماوردي بالحكومة كالأخرس 393.
(وقيل: شرط الطفل ظهور أثر نطق بتحريكه لبكاء ومص) فإن لم يظهر؛ لقطعه ساعة ولادته .. فحكومة؛ لأن سلامته غير متيقنة، والأصل براءة الذمة، قال الرافعي: (وحكى الإمام قطع الأصحاب به، والذي يوجد في كتب عامة الأصحاب: وجوب الدية؛ أخذًا بظاهر السلامة؛ كما تجب الدية في يده ورجله وإن لم يكن بطش في الحال).
انتهى 394، وقد جزم الرافعي في (باب القصاص) بأنه يقطع لسان المتكلم بلسان الرضيع إن ظهر فيه أثر النطق بالتحريك عند البكاء وغيره، وإلا .. لم يقطع، قال: وإن بلغ أوان التكلم ولم يتكلم .. لم يقطع به لسان المتكلم 395.
(ولأخرس حكومة) لأن فيه جمالًا بدون منفعة يحتفل بها؛ إذ أعظم منافعه التعبير عما في القلب وهو مفقود، فأشبه اليد الشلاء، وهذا إذا لم يذهب بقطعه الذوق، أو
الجزء: 4 - الصفحة: 97
وَكُلِّ سِنٍّ لِذَكَرٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ، سَوَاءٌ كَسَرَ الظَّاهِرَ مِنْهَا دُونَ السِّنْخِ أَوْ قَلَعَهَا بِهِ. وَفِي سِنٍّ زَائِدَةٍ حُكُومَةٌ، وَحَرَكَةُ السِّنِّ إِنْ قَلَّتْ .. فَكَصَحِيحَةٍ،
كان ذاهب الذوق، فأما إذا قطع لسان أخرس فذهب ذوقه .. وجبت الدية؛ لذهاب الذوق.
(وكل سن) أصلية (لذكر حر مسلم خمسة أبعرة) لحديث عمرو بن حزم: "وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ" صححه ابن حبان والحاكم 396.
وخرج بالذكر: المرأة؛ ففي سنها بعيران ونصف، وبالحر: العبد؛ فيجب في سنه نصف عشر قيمته، وبالمسلم: الكافر، ففي سنه نصف عشر دية صاحبه.
ولو عبر المصنف بنصف عشر دية صاحبه .. لتناول جميع الصور، واستفيد به التغليظ والتخفيف.
ويستثنى من إطلاقه: ما لو انتهى صغر السن إلى الا يصلح للمضغ .. فليس فيها إلا حكومة.
(سواء كسر الظاهر منها دون السنخ، أو قلعها به) لأنه تابع فأشبه الكف مع الأصابع.
والسنخ: بكسر السين، ثم نون ساكنة، ثم خاء معجمة: أصل السن المستتر باللحم.
وقضيته: أنه لو تحركت السليمة وهي باقية في موضعها، ولكن أذهبت الجناية جميع منافعها .. عدم وجوب الدية، لكن صرح الماوردي بوجوب الدية بذلك 397، وذهاب جميع منافعها مع بقائها مستبعد؛ فإن منفعة الجمال، وحبس الطعام والريق موجودة مع بقائها.
(وفي سن زائدة حكومة) كالإصبع الزائدة، (وحركة السن إن قلت .. فكصحيحة) في وجوب القصاص والأرش.
الجزء: 4 - الصفحة: 98
وَإِنْ بَطَلَتِ الْمَنْفَعَةُ .. فَحُكُومَةٌ، أَوْ نَقَصَتْ .. فَالأَصَحُّ: كَصَحِيحَةٍ. وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ صَبِيٍّ لَمْ يُثْغَرْ فَلَمْ تَعُدْ وَبَانَ فَسَادُ الْمَنْبتِ .. وَجَبَ الأَرْشُ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ .. فَلَا شَيْءَ، وَأَنَّهُ لَوْ قَلَعَ سِنَّ مَثْغُورٍ فَعَادَتْ .. لَا يَسْقُطُ الأَرْشُ، وَلَوْ قُلِعَتِ الأَسْنَانُ .. فَبِحِسَابِهِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَزِيدُ عَلَى دِيَةٍ إِنِ اتَّحَدَ جَانٍ وَجِنَايَةٌ
(وإن بطلت المنفعة .. فحكومة) فقط، للشين، ولعل المراد: منفعة المضغ لا كل منفعة؛ إذ إبطال كل المنافع مع بقائها بعيد كما مر، (أو نقصت .. فالأصح: كصحيحة) فيجب الأرش؛ لبقاء الجمال، وأصل النفع بها في المضمغ، وحفظ الطعام، ورد الريق، ولا أثر لضعفها؛ كضعف البطش والمشي، والثاني: لا، بل الواجب الحكومة؛ لنقصان المنفعة؛ كاليد الشلاء.
وكان ينبغي التعبير: بالأظهر؛ كما في "الروضة" و"أصلها"؛ فإن الخلاف قولان منصوصان في "الأم" 398.
(ولو قلع سن صبي لم يثغر فلم تعد) بعد أوان العود (وبان فساد المنبت .. وجب الأرش) كسن المثغور، فلو عادت .. لم يجب الأرش، بل الحكومة إن بقي شين، وإلا .. فلا، (والأظهر: أنه لو مات قبل البيان) أي: قبل تبين حال طلوعها وعدمه ( .. فلا شيء) لأن الأصل براءة الذمة، والظاهر: أنه لو عاش .. لعادت، والثاني: يجب الأرش؛ لتحقق الجناية، وا لأصل عدم العود، وعلى الأول: تجب الحكومة، خلافًا لما يوهمه كلام "الكتاب".
(وأنه لو قلع سن مثغور فعادت .. لا يسقط الأرش) لأن العائد نعمة جديدة، والثاني: نعم؛ لأن متعلق الأرش فساد المنبت مع القلع، وقد بأن أنه لم يفسد.
(ولو قلعت الأسنان .. فبحسابه) فيجب لكل سن خمس من الإبل؛ للحديث السابق 399، وهي تزيد غالبًا على قدر الدية، فتجب مئة وستون بعيرًا إذا كان كامل الأسنان، وهي اثنان وثلاثون سنًّا، (وفي قول: لا يزيد على دية إن اتحد جان وجناية) لأن الأسنان جنس متعدد من الأجزاء والأطراف فأشبهت الأصابع وسائر الأعضاء.
الجزء: 4 - الصفحة: 99
وَكُلِّ لَحْيٍ نِصْفُ دِيَةٍ، وَلَا يَدْخُلُ أَرْشُ الأَسْنَانِ فِي دِيَةِ اللَّحْيَيْنِ فِي الأَصَحِّ
وفرق الأول: بأنا إنما اعتبرنا الأسنان في أنفسها وإن زاد أرشها على الدية؛ لأنها يختلف نباتها ويتقدم ويتأخر، فاحتيج إلى اعتبارها في أنفسها، بخلاف الأصابع؛ فإنها متساوية متفقة في النبات، فقسطت الدية عليها.
واحترز بقوله: (إن اتحد) عما لو تعدد الجاني؛ بأن قلع عشرين، وقلع آخر الباقي .. لزم الأول مئة، والثاني ستون قطعًا.
وإن تعددت الجناية؛ بأن قلع البعض ثم عاد وقلع الباقي بعد الاندمال؛ أي: بأن برأت اللثة وزال الالم .. لزمه مئة وستون قطعًا، وإن قلع الباقي قبل الاندمال .. فعلى القولين.
وقضية إطلاق المصنف: أنه لو زادت الأسنان على اثنين وثلاثين .. يجب لكل سن خمس من الإبل.
وفي المسألة وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: لا تجب للزائد إلا حكومة، ولم يرجحا شيئًا.
(وكل لحي نصف دية) أي: ففي اللحيين الدية؛ لأن فيهما جمالًا ومنفعة، فوجبت فيهما الدية، وفي أحدهما نصفها؛ كالأذنين.
واللحيان: هما العظمان اللذان ينبت عليهما الأسنان السفلى، ويجتمع مقدمهما في الذقن، ومؤخرهما في الأذن.
(ولا يدخل أرش الأسنان في دية اللحيين في الأصح) إذا كان عليهما الأسنان، بل تجب دية اللحيين وأرش الأسنان؛ لأن كل واحد من العضوين مستقل برأسه، لكل واحد منهما بدل مقدر، فلا يدخل أحدهما في الآخر؛ كالأسنان واللسان، والثاني: يدخل، كما تدخل حكومة الكف في دية الأصابع.
وفرق الأول: بأن اسم اليد يشمل الكف والأصابع، ولا يشمل اسم اللحيين الأسنان؛ ولأن اللحيين كاملان في الخلق قبل الأسنان بدليل الطفل، بخلاف الكف مع الأصابع؛ لأنهما كالعضو الواحد.
الجزء: 4 - الصفحة: 100
وَكُلِّ يَدٍ نِصْفُ دِيَةٍ إِنْ قَطَعَ مِنْ كَفٍّ، وَإِنْ قَطَعَ فَوْقَهُ .. فَحُكُومَةٌ أَيْضًا، وَكُلِّ إِصبَعٍ عَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ، وَأَنْمُلَةٍ ثُلُثُ الْعَشَرَةِ، وَأَنْمُلَةِ إِبْهَامٍ نِصْفُهَا، وَالرِّجْلَانِ كَالْيَدَيْنِ. وَفِي حَلَمَتَيْهَا دِيَتُهَا،
(وكل يد نصف دية إن قطع من كف) لحديث عمرو بن حزم: "وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ" رواه أبو داوود 400، ونقل ابن المنذر فيه الإجماع 401، وإنما حملنا اليد في الخبر على الكف؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وقطع عليه الصلاة والسلام من مفصل الكف، فدل على أنها اليد لغة وشرعًا.
(وإن قطع فوقه) أي: الكف ( .. فحكومة أيضًا) مع دية اليد؛ لأنه تجاوز القدر فيضمن بدله؛ كما لو انفرد بالقطع؛ ولأن ما فوق الكف ليس بتابع، وليس فيه أرش مقدر، بخلاف الكف مع الأصابع؛ لأنهما كالعضو الواحد.
(وكل إصبع) من اليد من صاحب الدية الكاملة (عشرة أبعرة) لحديث عمرو بن حزم، صححه ابن حبان والحاكم 402.
(وأنملة ثلث العشرة) بالإجماع؛ كما نقله ابن المنذر 403، (وأنملة إبهام نصفها) عملًا بالتقسيط.
(والرجلان كاليدين) فيما سبق، ففيهما كمال الدية، وفي أحدهما: نصفها؛ لحديث عمرو بن حزم، صححه ابن حبان والحاكم 404.
وتكمل ديتهما بالتقاط أصابعهما، والقدم كالكف، والساق كالساعد، والفخذ كالعضد، وأناملهما كأنامل أصابع اليدين.
(وفي حلمتيها) وهما رأس ثدييها (ديتها) وفي إحداهما نصفها؛ لما فيهما من منفعة الإرضاع وجمال الثدي؛ كما أن منفعة اليد بالأصابع، وسواء ذهبت منفعة الإرضاع أم بقيت.
الجزء: 4 - الصفحة: 101
وَحَلَمَتَيْهِ حُكُومَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: دِيَةٌ، وَفِي أُنْثَيَيْنِ دِيَةٌ، وَكَذَا ذَكَرٌ وَلَوْ لِصَغِيرٍ وَشَيْخٍ وَعِنِّينٍ. وَحَشَفَةٌ كَذَكَرٍ، وَبَعْضُهَا بِقِسْطِهِ مِنْهَا، وَقِيلَ: مِنَ الذَّكَرِ،
(وحلمتيه حكومة) لأنه ليس فيه منفعة الرضاع، فهو إتلاف جمال فقط، (وفي قول: دية) أي: دية رجل، للقاعدة: أن كل ما وجب فيه الدية من المرأة .. وجبت فيه من الرجل؛ كاليدين، قال الروياني: وليس للرجل ثدي وإنما هي قطعة لحم من صدره.
(وفي أنثيين دية، وكذا ذكر) لحديث عمرو بن حزم: "وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ" صححه ابن حبان والحاكم 405.
(ولو لصغير، وشيخ، وعنين) وخصي، لإطلاق الخبر المذكور، ولأن ذكر الخصي سليم، وهو قادر على الإيلاج، وإنما الفائت الإيلاد، وأيضًا العنة عيب في غير الذكر، لأن الشهوة في القلب، والمني في الصلب، وليس الذكر بمحل لأحدهما، فكان سليمًا من العيب، بخلاف الأشل.
(وحشفة كذكر) فتجب فيها دية، لأن ما عداها من الذكر تابع لها، كالكف مع الأصابع، فمعظم منافع الذكر وهو لذة المباشرة تتعلق بها، وأحكام الوطء تدور عليها، (وبعضها بقسطه منها) لأن الدية تكمل بقطعها، فقسطت على أبعاضها، (وقيل: من الذكر) لأنه المقصود بكمال الدية، فإن كان المقطوع نصفها وهو سدس الذكر .. وجب نصف الدية على الأول، وسدسها على الثاني.
هذا إذا لم يختل مجرى البول، فإن اختل .. فعليه أكثر الأمرين من قسط الدية وحكومة فساد المجرى، نقلاه عن المتولي، وأقراه 406، وقاله البَنْدَنيجي أيضًا، قال الأَذْرَعي: وفي "البيان" عن النص ما يوافقه، ونقله الزركشي عن نص "الأم"، وتعقبه البُلْقيني بأن القطعة من الحشفة التي لها الحصة المعلومة لا تدخل في الحكومة، بل يجب أرشها بالنسبة على ما سبق، وتجب لفساد المجرى حكومة.
الجزء: 4 - الصفحة: 102
وَكَذَا حُكْمُ بَعْضِ مَارِنٍ وَحَلَمَةٍ، وَفِي الأَلْيَيْنِ الدِّيَةُ، وَكَذَا شُفْرَاهَا، وَكَذَا سَلْخُ جِلْدٍ إِنْ بَقِيَ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وَحَزَّ غَيْرُ السَّالِخِ رَقَبَتَهُ.
فَرْعٌ [في موجب إزالة المنافع]
فِي الْعَقْلِ دِيَةٌ،
(وكذا حكم بعض مارن وحلمة) أي: والأصحّ: التوزيع على الحلمة والمارن فقط، ومقابله: على الأنف والثدي.
(وفي الأليين الدية) وفي إحداهما نصفها؛ لما فيهما من الجمال والمنفعة في الركوب، والقعود، وسواء في ذلك الرجل والمرأة، وحدّهما ما أشرف على الظهر والفخذين.
(وكذا شفراها) لما فيهما من الجمال والمنفعة؛ إذ بهما يقع الالتذاذ بالجماع، وهما اللحم المحيط بالفرج إحاطة الشفتين بالفم، وقد عبر الشافعي عنهما بالإسكتين 407، وفرق الأزهري بينهما بأن الإسكتين ناحيتا الفرج، والشفرين طرفا الناحيتين 408.
(وكذا سلخ جلد) تجب فيه الدية؛ لأن في بقائه جمالًا ومنفعة ظاهرة، فهو كالشيء الذي ليس في البدن منه إلا واحدًا؛ كاللسان، والذكر (إن بقي حياة مستقرة وحز غير السالخ رقبته) أو مات بسبب آخر، فإن مات بسبب السلخ، أو حز السالخ رقبته .. فالواجب: دية النفس إن عفا عن القود.
(فرع) في إزالة المنافع، ويشتمل على ثلاثة عشر شيئًا؛ كما تقف عليه.
(في العقل دية) بالإجماع؛ كما حكاه ابن المنذر 409؛ ولأنه أشرف الحواس، ولا يجب القصاص فيه على المذهب؛ لاختلاف الناس في محله هل هو القلب، أو
الجزء: 4 - الصفحة: 103
فَإِنْ زَالَ بِجُرْحٍ لَهُ أَرْشٌ أَوْ حُكُومَةٌ .. وَجَبَا، وَفِي قَوْلٍ: يَدْخُلُ الأَقَلُّ فِي الأَكْثَرِ،
الدماغ، أو مشترك بينهما؟ والأكثرون على الأول، وقيل: مسكنه الدماغ، وتدبيره في القلب.
وأطلق العقل، وقال الماوردي: إنما تجب الدية في العقل الغريزي الذي يتعلق به التكليف، وهو العلم بالمدركات الضرورية، فأما العقل المكتسب الذي هو حسن التقدير، وإصابة التدبير .. فلا دية فيه مع بقاء العقل الغريزي، بل فيه حكومة لا تبلغ بها دية الغريزي 410.
وإنما تجب الدية في العقل إذا قال أهل الخبرة: لا يعود، أما إذا توقعوا عوده .. فإنه يوقف، فإن مات قبل العود .. ففي الدية وجهان؛ كما إذا قلع سن مثغور فمات قبل أن يعود، كذا نقلاه عن المتولي، وأقراه 411.
وقولهما: (سن مثغور) صوابه: غير مثغور، وعبارة "التتمة": سن من لم يثغر.
هذا في زواله بالكلية، فلو زال بعضه؛ فإن أمكن الضبط بالزمان وغيره؛ كأن صار يجن يومًا ويفيق يومًا .. وجب قسط الزائل، فيجب نصف الدية، وإلا .. فحكومة.
(فإن زال) العقل (بجرح له أرش) مقدر؛ كالموضحة، واليد، والرجل (أو حكومة .. وجبا) أي: دية العقل، وأرش الجناية أو حكومتها، ولا يندرج الأرش في دية العقل؛ لأنها جناية أبطلت منفعة غير حالة في محل الجناية، فصار كما لو أوضحه فذهب بصره، (وفي قول: ) قديم (يدخل الأقل في الأكثر) فإن كانت دية العقل أكثر؛ كأن أوضحه فزال عقله .. دخل فيها أرش الموضحة، وإن كان أرش الجناية أكثر؛ بأن قطع يديه ورجليه فزال عقله .. دخل فيه دية العقل؛ لأن ذهابه يعطل منافع سائر الأعضاء، فأشبه ذهاب الروح، كذا علله الرافعي 412.
الجزء: 4 - الصفحة: 104
وَلَوِ ادُّعِيَ زَوَالُهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَظِمْ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ فِي خَلَوَاتِهِ .. فَلَهُ دِيَةٌ بِلَا يَمِينٍ. وَفِي السَّمْعِ دِيَةٌ، وَمِنْ أُذُنٍ نِصْفٌ،
وكان مقتضى التشبيه بالروح: دخول الأرش في دية العقل.
وإن كان الأرش أكثر، حتى لو قطع يديه ورجليه فذهب عقله .. لا تجب إلا دية واحدة؛ كما لو مات.
وأفهم كلام المصنف: أنه لو زال بما لا أرش فيه ولا حكومة؛ كاللطمة .. تجب دية العقل فقط، وهو كذلك.
نعم؛ يعزر على الأصحِّ.
(ولو ادُّعي زواله) وأنكر الجاني ونسبه إلى التجانن (فإن لم ينتظم قوله وفعله في خلواته .. فله دية بلا يمين) لأنه لا تجانن في الخلوات، ولأن يمينه تثبت جنونه، والمجنون لا يحلف.
نعم؛ لو كان الاختلاف فيمن يجن وقتًا ويفيق وقتًا .. حلفناه في زمن إفاقته؛ كما ذكره في "الكفاية" 413، وإن انتظم قوله وفعله .. صدق الجاني بيمينه، وإنما يحلف؛ لاحتمال أنهما صدرا اتفاقًا، أو جريًا على عادته.
وقول المصنف: (ولو ادعي زواله) ينبغي أن يقرأ منيبًا لما لم يسم فاعله؛ أي: ادعى ذلك من له ولاية الدعوى، وهو الولي، لكن في "العجالة" بعد قول المصنف: (ولو ادعى) يعني: المجني عليه 414، ولا يصح ذلك؛ إذ كيف يدعي وهو مجنون؛ لأن المجنون لا تصح دعواه.
(وفي السمع دية) لأنه من أشرف الحواس، فكان كالبصر، بل قيل: إنه أفضل منه؛ لأن به يدرك الفهم، وقيل: عكسه؛ لأن به يدرك الأعمال، ونقل عن أكثر المتكلمين، هذا إذا ذهب، فلو لم يذهب ولكن ارتتق بالجناية داخل الأذن ارتقاقًا لا وصول إلى زواله .. فالأصحُّ: وجوب حكومة لا دية.
(ومن أذن نصف) أي: نصف دية، لا لتعدد السمع، ولكن ضبط النقصان
الجزء: 4 - الصفحة: 105
وَقِيلَ: قِسْطُ النَّقْصِ، وَلَوْ أَزَال أُذُنَيْهِ وَسَمْعَهُ .. فَدِيَتَانِ، وَلَوِ ادَّعَى زَوَالَهُ وَانْزَعَجَ لِلصِّيَاحِ فِي نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ .. فَكَاذِبٌ، وَإِلَّا .. حَلَفَ وَأَخَذَ دِيَةً، وَإِنْ نَقَصَ .. فَقِسْطُهُ إِنْ عُرِفَ،
بالمنفذ أولى وأقرب من ضبطه بغيره، (وقيل: قسط النقص) من الدية فيعتبر ما نقص من السمع بحالة الكمال على ما سيأتي، قال الرافعي: (وقد يقال: تجب فيه حكومة، وذلك؛ لأن السمع واحد، وإنما التعدد في المنفذ، بخلاف ضوء البصر؛ فإن تلك اللطيفة متعددة، ومحلها الحدقة) 415.
(ولو أزال أذنيه وسمعه .. فديتان) لأن محل السمع غير محل القطع، فلم يتداخلا؛ كما لو أوضحه فعمي.
(ولو ادعى زواله، وانزعج للصياح في نوم وغفلة .. فكاذب) لأن ذلك يدل على التصنع، ويجب مع ذلك تحليف الجاني: إن سمعه لَباقٍ؛ لاحتمال أن يكون انزعاجه اتفاقًا، أو بسبب آخر، ولا يكفيه أن يحلف: إن سمعه لم يذهب بجنايته؛ لأن الحلف في ذهاب السمع وبقائه، لا في ذهابه بجناية غيره، ولا يختص الانزعاج بالصياح، بل الرعد وطرح شيء له صوت من علو كذلك، وقيد الماوردي الصياح بصوت مزعج مهول يتضمن إنذارًا وتحذيرًا، قال: ويكرر ذلك من جهات، وفي أوقات الخلوات حتى يتحقق زوال السمع بها 416.
(وإلا) أي: وإن لم يظهر أثر ( .. حلف وأخذ دية) لأن السمع لا يرى، ولا يعلم ذهابه، وليس للبينة فيه مدخل، فتعين المصير إلى ما ذكرناه؛ لأن به يعرف وجوده من عدمه، وإذا ثبت زواله .. قال الماوردي: يراجع عدول الأطباء؛ فإن نفوا عوده .. وجبت الدية في الحال، وإن جوزوا عوده إلى مدة معينة .. انتظرت؛ فإن عاد فيها .. لم تجب الدية، وإلا .. وجبت 417، ولو ادعى ذهاب سمع إحدى أذنيه .. حشيت السليمة، وامتحن في الأخرى على ما سبق.
(وإن نقص) سمعه ( .. فقسطه إن عرف) قدر ما ذهب؛ بأن كان يسمع من
الجزء: 4 - الصفحة: 106
وَإِلَّا .. فَحُكُومَةٌ بِاجْتِهَادِ قَاضٍ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ سَمْعُ قَرْنِهِ فِي صِحَّتِهِ، وَيُضْبَطُ التَّفَاوُتُ. وَإِنْ نَقَصَ مِنْ أُذُنٍ .. سُدَّتْ وَضُبِطَ مُنْتَهَى سَمَاعِ الأُخْرَى ثُمَّ عُكِسَ وَوَجَبَ قِسْطُ التَّفَاوُتِ. وَفِي ضَوْءِ كُلِّ عَيْنٍ نِصفُ دِيَةٍ، فَلَوْ فَقَأَهَا .. لَمْ يَزِدْ، وَإِنِ ادَّعَى زَوَالَهُ .. سُئِلَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ،
موضع فصار يسمع من دونه، وطريق معرفته: أن يحدثه شخص ويتباعد إلى أن يقول: لا أسمع، فيعلي الصوت قليلًا، فإن قال: أسمع .. عرف صدقه، ثم يعمل كذلك من جهة أخرى؛ فإن اتفقت المسافتان .. ظهر صدقه، ثم ينسب ذلك من مسافة سماعه قبل الجناية إن عرفت، ويجب بقدره من الدية.
(وإلا) أي: وإن لم يعرف مقدار الذاهب، ولكن نقص سمعه وثقل ( .. فحكومة باجتهاد قاض) لأنه لا يمكن تقديره، (وقيل: يعتبر سمع قرنه) بفتح القاف وسكون الراء: من له مثل سنه (في صحته، ويضبط التفاوت) (وطريقه؛ بأن يجلس إلى جانب المجني عليه، ويؤمر من يرفع صوته، ويناديهما من مسافة بعيدة لا يسمعه واحد منهما، ثم يقرب المنادي شيئًا فشيئًا إلى أن يقولط السليم: (سمعت)، فيعلم على الموضع، ثم يديم المنادي ذلك الحد من رفع الصوت، ويقرب إلى أن يقول المجني عليه: (سمعت)، فيضبط ما بينهما من التفاوت، وإنما قدر النقصان بالمسافة؛ لأنه لا سبيل إلى إلغاء قول المجني عليه مع وجود الجناية، ولا إلى قبول قوله مع إمكان طريق يغلب على الظن صدقه.
(وإن نقص من أذن .. سدت وضبط منتهى سماع الأخرى، ثم عكس، ووجب قسط التفاوت) أي: يضبط ما بينهما من التفاوت، ويؤخذ قسطه من الدية، فإن لم ينضبط .. فالواجب: الحكومة.
(وفي ضوء كل عين نصف دية) لأن منفعة العين النظر، فذهابه كالشلل في اليد.
(فلو فقأها .. لم يزد) كما لو قطع يده، بخلاف ما لو قطع أذنه فذهب سمعه، والفرق: أن السمع ليس في الأذنين، وإنما مقره الرأس، بخلاف البصر.
(وإن ادعى) المجني عليه (زواله) أي: زوال البصر وأنكر الجاني ( .. سئل أهل الخبرة) فإنهم إذا وقفوا الشخص في مقابلة عين الشمس، ونظروا في عينه ..
الجزء: 4 - الصفحة: 107
أَوْ يُمْتَحَنُ بِتَقْرِيبِ عَقْرَبٍ أَوْ حَدِيدَةٍ مِنْ عَيْنِهِ بَغْتَةً، وَنُظِرَ هَلْ يَنْزَعِجُ؟ وَإِنْ نَقَصَ .. فَكَالسَّمْعِ. وَفِي الشَّمِّ دِيَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي الْكَلَامِ دِيَةٌ،
عرفوا أن الضوء ذاهب أم موجود، بخلاف السمع لا يراجعون فيه؛ إذ لا طريق لهم إليه.
(أو يمتحن بتقريب عقرب أو حديدة من عينه بغتة، ونظر هل ينزعج؟ ) فإن انزعج .. صدق الجاني بيمينه، وإلا .. فالمجني عليه.
وقضية كلامه - تبعًا لـ "المحرر" -: التخيير بين الأول والثاني، وبه قال المتولي، وجعل ذلك في "أصل الروضة" خلافًا فقال: وجهان، أحدهما -وهو نصه في "الأم"-: يراجع أهل الخبرة ... إلى آخره، والثاني: يمتحن بتقريب حديدة ... إلى آخره 418، قال الأَذْرَعي: وقضية كلام الرافعي: ترجيح الأول، وبه أجاب العراقيون، وهو المذهب.
(وإن نقص .. فكالسمع) فإن عرف قدره؛ بأن كان يرى الشيء من مسافة فصار لا يراه إلا من بعضها .. وجب القسط من الدية، وإن لم يعرف .. وجبت حكومة، وإن نقص من عين .. فيمتحن ويجب القسط.
(وفي الشم دية على الصحيح) لأنه من الحواس النافعة، فكملت فيه الدية؛ كالسمع، والثاني: لا، بل حكومة دون الدية؛ لأنه ضعيف النفع، فإن منفعته إدراك الروائح والأنتان أكثر من الطيبات، فيكون التأذي أكثر من التلذذ، وعلى الصحيح: ففي ذهابه من أحد المنخرين نصف الدية، ولو نقص الشم .. وجب بقسطه من الدية إن أمكن معرفته، وإلا .. فالحكومة، ولو أنكر الجاني زواله .. امتحن المجني عليه في غفلاته بذي ريح حاد؛ فإن هش للطيب، وعبس للمنتن .. صدق الجاني بيمينه، وإلا .. فالمجني عليه، ولو قطع أنفه فذهب شمه .. فديتان؛ كما في السمع؛ لأن الشم لا يحل الأنف.
(وفي الكلام دية) لأن اللسان عضو مضمون بالدية، وأعظم منافعه النطق فضمن بها؛ كالبطش في اليد، وإنما تؤخذ الدية إذا قال أهل الخبرة: لا يعود نطقه؛ فإن
الجزء: 4 - الصفحة: 108
وَفِي بَعْضِ الْحُرُوفِ قِسْطُهُ، وَالْمُوَزَّعُ عَلَيْهَا ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَقِيلَ: لَا يُوَزَّعُ عَلَى الشَّفَهِيَّةِ وَالْحَلْقِيَّةِ، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِهَا خِلْقَةً أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ .. فِدِيَةٌ، وَقِيلَ: قِسْطٌ،
أخذت فعاد .. استردت، (وفي بعض الحروف قسطه) فإن الكلام يتركب منها، وسواء ما خف منها على اللسان وما ثقل.
(والموزع عليها ثمانية وعشرون حرفًا في لغة العرب) فلكل سبع ربع الدية، وزافى الماوردي (لا) فيها 419، وأسقطها الجمهور؛ لدخولها في الألف واللام، وجماعة من النحاة عدوها تسعة وعشرين، وزادوا (الهمزة)، ولم يعدوا المركب من الألف واللام.
ويختبر المجني عليه؛ بأن يستنطق بحروف المعجم حرفًا حرفًا، ويحكم له بالدية بقسط ما ذهب منها، قاله سليم وغيره.
واحترز بـ (لغة العرب): عن غيرها؛ فإن كانت لغته غيرها .. وزع على حروف لغته وإن كانت أكثر حروفًا.
(وقيل: لا يوزع على الشفهية) (وهي (الباء)، و (الفاء)، و (الميم)، و (الواو)، (والحلقية) (وهي (الهمزة)، و (الهاء)، و (العين)، و (الغين)، و (الحاء)، و (الخاء)، وإنما التوزيع على الحروف الخارجة من اللسان، وهي ما عداها فتكون ثمانية عشر على هذا؛ لأن منفعة اللسان هي النطق بها، فيكون التوزيع عليها، وتكمل الدية فيها، وأجاب من قال بالأول: بأن الحروف وإن كانت مختلفة المخارج إلا أن الاعتماد في جميعها على اللسان، وبه يستقيم النطق ويكمل.
(ولو عجز عن بعضها) أي: الحروف، كالأرت، والألثغ الذي لا يتكلم إلا بعشرين حرفًا (خلقة أو بآفة سماوية .. فدية) لأنه ناطق، وله كلام مفهوم، إلا أن في منطقه ضعفًا، وضعف منفعة العضو لايقدح في كمال الدية؛ كضعف البطش والبصر، (وقيل: قسط) أي: قسط الدية من جميع الحروف؛ لأن النطق مقدر بالحروف، بخلاف البطش.
الجزء: 4 - الصفحة: 109
أَوْ بِجِنَايَةٍ .. فَالْمَذْهَبُ: لَا تُكُمَّلُ دِيَةٌ، وَلَوْ قَطَعَ نِصْفَ لِسَانِهِ فَذَهَبَ رُبُعُ كَلَامِهِ أَوْ عَكَسَ .. فَنِصْفُ دِيَةٍ. وَفِي الصَّوْتِ دِيَةٌ، فَإِنْ بَطَلَ مَعَهُ حَرَكَةُ لِسَانٍ فَعَجَزَ عَنِ التَّقْطِيعِ وَالتَّرْدِيدِ .. فَدِيَتَانِ، وَقِيلَ: دِيَةٌ
(أو) أي: عجز عن بعضها (بجناية .. فالمذهب: لا تكمل دية) لئلا يتضاعف الغرم في القدر الذي أبطله الجاني الأول.
وتعبيره بالمذهب يقتضي: إثبات طريقين، وليس في "الروضة" و"أصلها" غير خلاف مرتب على الوجهين في المسألة قبلها 420.
(ولو قطع نصف لسانه، فذهب ربع كلامه، أو عكس .. فنصف دية) لأن اللسان مضمون بالدية، وكذا الكلام، ولو لم تؤثر الجناية إلا في أحدهما .. لوجبت الدية، فإذا أثرت فيهما .. وجب أن ينظر إلى الأكثر؛ لأنه لو انفرد .. لوجب قسطه 421.
(وفي الصوت دية) لأن السنة مضت بذلك؛ كما رواه البيهقي عن زيد بن أسلم 422، قال البُلْقيني: ووجوب الدية في الصوت لم يذكره غير الإمام، وهو مردود، ويكاد أن يكون خرقًا للإجماع.
انتهى، وقول زيد بن أسلم: محمول على أنه أراد به الكلام؛ كما ذكره الرافعي وغيره عنه 423، وكلام المتولي مصرح بأنه أراد ذلك.
(فإن بطل معه) أي: الصوت (حركة لسان فعجز عن التقطيع والترديد .. فديتان) لأنهما منفعتان مختلفتان في كل واحدة منهما إذا أفردت بالتفويت كمال الدية، فإذا فوتتا .. وجب ديتان، (وقيل: دية) لأن المقصود الكلام، لكنه يفوت بطريقين: بانقطاع الصوت، وعجز اللسان عن الحركة، وقد يجتمع الطريقان، وقد يوجد
الجزء: 4 - الصفحة: 110
وَفِي الذَّوْقِ دِيَةٌ، وَتُدْرَكُ بِهِ حَلَاوَةٌ وَحُمُوضَةٌ وَمَرَارَةٌ وَمُلُوحَةٌ وَعُذُوبَةٌ، وَتُوَزَّعُ عَلَيْهِنَّ، فَإِنْ نَقَصَ .. فَحُكُومَةٌ. وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْمَضْغِ،
أحدهما خاصة، وما رجحه تبع فيه "المحرر"، والرافعي إنما حكى ترجيحه عن اقتضاء نظم "الوجيز"، لكن في "الروضة" أطلق ترجيحه 424، وقال الأَذْرَعي: لم أر حكاية ما رجحه في "الكتاب" في غير "النهاية"، ولم أر ترجيحه إلا في "الوجيز"، والذي فهمته من كلام الأصحاب تصريحا وتلويحًا الثاني، وهو ما يقتضيه كلامهم قطعًا.
(وفي الذوق دية) لأنه أحد الحواس الخمس فأشبه الشم.
وصور المسألة الجمهور: بأن يجني على لسانه فيفقد لذة ذوقه، والتمييز بين الطعوم الخمسة الآتية، واعترضه ابن الصباغ، بأن الشافعي رضي الله عنه قد نص على أن في لسان الأخرس الحكومة، مع أن الذوق يذهب بذهابه، فدل على أن في الذوق الحكومة، قال ابن الرفعة: وهو حسن.
نعم؛ لو صح ما قاله المتولي: أن محل الذوق طرف الحلق .. لاندفع الإشكال.
(وتدرك به) أي: بالذوق (حلاوة، وحموضة، ومرارة، وملوحة، وعذوبة، وتوزع) الدية (عليهن) فلو أبطل إدراك واحد منها .. وجب خمس الدية، وهكذا.
(فإن نقص) نقصانًا لا يتقدر؛ بأن يحس بمذاق الخمس، لكنه لا يدركها على كمالها ( .. فحكومة) تختلف بقوة النقصان وضعفه، وإذا اختلفا في ذهاب الذوق .. جرب بالأشياء المرة، أو الحامضة الحادة، فإن ظهر منه تعبيس وكراهة .. صدق الجاني بيمينه، وإلا .. فالمجني عليه.
(وتجب الدية في المضغ) لأن المنفعة العظمى للأسنان المضغ، والأسنان مضمونة بالدية، فكذلك منفعتها؛ كالبصر مع العين، والبطش مع اليد.
وصورة ذهاب المضغ: أن يجني على أسنانه فتخدر وتبطل صلاحيتها للمضغ، أو بأن يتصلب مغرس اللحيين فتمتنع حركتهما مجيئًا وذهابًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 111
وَقُوَّةِ إِمْنَاءٍ بِكَسْرِ صُلْبٍ، وَقُوَّةِ حَبَلٍ وَذَهَابِ جِمَاعٍ، وَفِي إِفْضَائِهَا مِنَ الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ دِيَةٌ - وَهُوَ: رَفْعُ مَا بَيْنَ مَدْخَلِ ذَكَرٍ وَدُبُرٍ، وَقِيلَ: ذَكَرٍ وبَوْلٍ -
(وقوة إمناء بكسر صلب) أي: يجب فيه الدية أيضًا؛ لفوات المقصود، وهو النسل، ولو قطع أنثييه فذهب ماؤه .. لزمه ديتان.
(وقوة حبل) أي: إذا أبطل من المرأة قوة الإحبال .. وجب فيه الدية؛ لفوات النسل.
(وذهاب جماع) أي: إذا كسر صلبه فأذهب شهوة جماعه؛ بأن صار لا يلتذ به، ولا رغبة له فيه مع عدم انقطاع مائه وسلامة ذكره .. تجب الدية؛ لأن المجامعة من أصول المنافع، واستبعد الإمام ذهاب الشهوة مع بقاء المني، ثم قال: إن أمكن ذلك .. فيجب أن يقال: إذا ذهب بالجناية شهوة الطعام .. تجب الدية بطريق الأولى إن صح تصويره 425، وصور الماوردي ذهاب المجامعة بذهاب المني، وعدم انتشار الذكر لا لشلل فيه 426.
(وفي إفضائها من الزوج وغيره دية) روي ذلك عن زيد بن ثابت رضي الله عنه 427، وعلله الماوردي بأنه يقطع التناسل؛ لأن النطفة لا تستقر في محل العلودتى لامتزاجها بالبول، فأشبه قطع الذكر 428، (وهو) يعني: الإفضاء (رفع ما بين مدخل ذكر ودبر) أي: فيجعل سبيل الجماع والغائط واحدًا؛ إذ به تفوت المنفعة بالكلية، مأخوذ من الفضاء بمعنى السعة، (وقيل: ذكر وبول) فيجعل سبيل الجماع والبول واحدًا؛ لأن الأصحاب فرضوه بالذكر، وما بين القبل والدبر قوي لا يرفعه الذكر وإن كان الحكم بغيره؛ كالإفضاء به.
وما صححه تبع فيه "المحرر" و"الشرح الصغير" هنا، وصححه في "أصل الروضة" ولم يصرح في "الكبير" هنا بترجيح 429، وجزما في "الشرح" و"الروضة"
الجزء: 4 - الصفحة: 112
فإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْوَطْءُ إِلَّا بِإِفْضَاءٍ .. فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ، وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ اقْتِضَاضَهَا فَأَزَالَ الْبَكَارَةَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ .. فَأَرْشُهَا، أَوْ بِذَكَر لِشُبْهَةٍ أَوْ مُكْرَهَةً .. فَمَهْرُ مِثْلٍ ثَيِّبًا وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَقِيلَ: مَهْرُ بِكْرٍ،
في (باب الخيار في النكاح) بالثاني 430، وصحح المتولي أن كلًّا منهما إفضاء موجب للدية؛ لأن الاستمتاع يحُل بكل منهما؛ فإن أزالهما .. فديتان، قال البُلْقيني: والأصحُّ: هو المذكور هنا.
(فإن لم يمكن الوطء إلا بإفضاء) لكبر في آلة الرجل، أو ضيق في المرأة ( .. فليس للزوج) الوطء؛ لإفضائه إلى الإفضاء المحرم، ولا يلزمها التمكين والحالة هذه.
(ومن لا يستحق اقتضاضها 431 أي: البكر (فأزال البكارة بغير ذكر) كإصبع، وخشبة ( .. فأرشها) أي: البكارة، وهو الحكومة بتقدير الرق؛ كما سيأتي في بابه، وجنس الواجب من الإبل لا من نقد البلد على الأصحِّ؛ لأنها قاعدة الجناية على الحر.
(أو بذكر لشبهة) كظنها زوجته، (أو مكرهة .. فمهر مثل ثيبًا وأرش البكارة) ولا يندرج أرش البكارة في المهر؛ لأن المهر يجب لاستيفاء منفعة البضع، والأرش يجب لإزالة تلك الجلدة، وهماجةتان مختلفتان، (وقيل: مهر بكر) فقط؛ لأن القصد من هذا الفعل الاستمتاع، وإزالة تلك الجلدة يحصل في ضمن الاستمتاع، وهذا ما رجحه في "أصل الروضة" في (باب خيار النقص) 432، وقيل: يلزمه مهر بكر، وأرش بكارة، وجزما به في (البيوع المنهي عنها) فيما إذا وطئ الجارية في الشراء الفاسد 433، واختاره السبكي في (الغصب).
وعلم من قوله: (لشبهة أو مكرهة) أنه عند انتفائهما لا يجب شيء، وهو كذلك
الجزء: 4 - الصفحة: 113
وَمُسْتَحِقُّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنْ أَزَالَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ .. فَأَرْشٌ.
وَفِي الْبَطْشِ دِيَةٌ، وَكَذَا الْمَشْيُ، وَنَقْصِهِمَا حُكُومَةٌ، وَلَوْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ مَشْيُهُ وَجِمَاعُهُ أَوْ وَمَنِيُّهُ .. فَدِيَتَانِ، وَقِيلَ: دِيَةٌ.
فَرْعٌ [في اجتماع جنايات على شخص]
أَزَالَ أَطْرَافًا وَلَطَائِفَ تَقْتَضِي دِيَاتٍ فَمَاتَ سِرَايَةً .. فَدِيَةٌ،
في الحرة، أما الأمة: فيجب الأرش إذا قلنا: يفرد عن المهر، كما ذكروه في (الغصب).
(ومستحقه) أي: الاقتضاض (لا شيء عليه) لأنه إن أزاله بذكره .. فذاك، أو بغيره فقد أتلف حقه، (وقيل: إن أزال بغير ذكر .. فأرش) لعدوله عن طريقة استحقاقه، فأشبه الأجنبي.
(وفي البطش دية) كأن ضرب اليد فزالت القوة، لزوال منفعتها المقصودة، (وكذا المشي) إذا كسر صلبه .. ففات مشيه والرجل سليمة؛ لفوات المنفعة المقصودة منها، (ونقصِهما) أي: البطش والمشي (حكومة) لأجل ما فات.
(ولو كسر صلبه فذهب مشيه وجماعه أو) ذهب مشيه (ومنيه .. فديتان) لأن كل واحد منهما مضمون بالدية عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع، (وقيل: دية) لأنهما منفعة عضو واحد؛ لأن الذي تلف منفعة الظهر، والرجلان والذكر على حالة الصحة.
(فرع: أزال) الجاني (أطرافًا) كالأذنين، والأنف (ولطائف) كالسمع، والبصر، والشم (تقتضي ديات، فمات سراية .. فدية) (واحدة؛ لأنها صارت نفسًا.
وكان ينبغي أن يقول: (فمات سراية منها) كما في "المحرر" 434؛ ليخرج ما إذا مات سراية من بعضها بعد اندمال بعض، وسرى ما لم يندمل .. فلا يدخل المندمل في دية النفس قطعًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 114
وَكَذَا لَوْ حَزَّهُ الْجَانِي قَبْلَ انْدِمَالِهِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ حَزَّ عَمْدًا وَالْجِنَايَاتُ خَطَأً أَوْ عَكْسُهُ .. فَلَا تَدَاخُلَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ حَزَّ غَيْرُهُ .. تَعَدَّدَتْ.
فَصْلٌ [في الجناية التي لا تقدير لأرشها والجناية على الرقيق]
تَجِبُ الْحُكُومَةُ فِيمَا لَا مُقَدَّرَ فِيهِ؛ وَهِيَ جُزْءٌ نِسْبَتُهُ إِلَى دِيَةِ النَّفْسِ - وَقِيلَ: إِلى
وقد تجب في الشخص سبعة وعشرون دية، وهو حي إذا كان رجلًا، وستة وعشرون إذا كان امرأة، يظهر ذلك بالتأمل فيما سبق، كذا قاله ابن الملقن 435، ولم يظهر بلوغها إلى سبعة وعشرين في الرجل، ولا إلى ستة وعشرين في المرأة.
(وكذا لو حزه الجاني قبل اندماله في الأصح) لأن دية النفس وجبت قبل استقرار بدل الأطراف، فيدخل فيها بدل الأطراف؛ كما لو سرت، والثاني: تجب ديات الأطراف مع دية النفس، ولا تداخل؛ كما لو حز بعد الاندمال، وكما لو كان الحاز غيره.
واحترز بقوله: (قبل اندماله): عما بعده؛ فإنه تجب دية الأطراف، وفى ية النفس قطعًا؛ لاستقرار دية الأطراف بالاندماله.
(فإن حز عمدًا والجنايات خطأ أو عكسه .. فلا تداخل في الأصح) بل يستحق بدل الطرف والنفس؛ لاختلافهما واختلاف من تجب عليه، والثاني: يتداخلان؛ كما لو كانا عمدين أو خطأين.
(ولو حز غيره .. تعددت) ولا تداخل قطعًا؛ لأن فعل الإنسان لا ينبني على فعل غيره.
(فصل: تجب الحكومة فيما لا مقدر فيه) ولم تعرف نسبته من المقدر، فإن عرفت نسبته من مقدر .. وجب ذلك.
(وهي) أي: الحكومة (جزء) من الدية (نسبته إلى دية النفس - وقيل: إلى
الجزء: 4 - الصفحة: 115
عُضْوِ الْجِنَايَةِ - نِسْبَةُ نَقْصِهَا مِنْ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ رَقِيقًا بِصِفَاتِهِ. فَإِنْ كَانَتْ لِطَرَفٍ لَهُ مُقَدَّرٌ .. اشْتُرِطَ أَلَّا تبلُغَ مُقَدَّرَهُ، فَإِنْ بَلَغَتْهُ .. نَقَصَ الْقَاضِي شَيْئًا بِاجْتِهَادِهِ، أَوْ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ كَفَخِذٍ .. فَأَلَّا تَبْلُغَ دِيَةَ نَفْسٍ
عضو الجناية - نسبة نقصها من قيمته لو كان رقيقًا بصفاته) أي: يقوم المجني عليه بصفاته التي هو عليها لو كان رقيقًا، وينظر كم نقصت الجناية من قيمته .. فيوجب من الدية بمثل تلك النسبة، فإذا قوم بمئة قبل الجناية، وبعدها بتسعين .. فالتفاوت العشر، فتجب عشر دية النفس، والوجه الثاني: يعتبر قدر النقصان من دية العضو الذي وردت الجناية عليه لا من دية النفس، فلو نقص عشر القيمة بالجناية على اليد .. وجب عشر دية اليد، وبالجناية على الرأس .. تجب عشر دية الموضحة.
وأفهم قوله: (من دية النفس) اعتبار الإبل في الحكومة، وهو كذلك، لكن قضية كلامه: أنه يقوم بالنقد، وعليه جرى الأصحاب، ونص الشافعي رضي الله عنه على التقويم بالإبل، حكاه البُلْقيني، ثم قال: وهو صحيح جار على أصله في الديات: أن الإبل هي الأصل، فلا حاجة للتقويم بالنقد قال: ولم أر من ذكر ذلك من الأصحاب.
(فإن كانت لطرف له مقدر .. اشترط ألا تبلغ مقدره، فإن بلغته .. نقص القاضي شيئًا باجتهاده) لأن العضو مضمون بالأرش لو فات، فلا يجوز أن تكون الجناية عليه مضمونة بما يضمن به العضو نفسه مع بقائه، قال في "الأم": فلا أوجب في الجناية على أنملة دية أنملة بل أنقص عنها 436؛ يعني: كما ينقص التعزير عن الحد، والرضخ عن سهم الغنيمة.
وقضية قوله: (شيئًا): أنه يكفي أقل متمول، وصرح الإمام بأنه لا يكفي، ونقل في "المطلب" عن الماوردي: أن أقله: ما يجوز أن يكون ثمنًا أو صداقًا.
(أو لا تقدير فيه كفخذ) (وكتف وظهر) .. فألا تبلغ دية نفس) فإن بلغتها .. نقص منها، وأفهم جواز بلوغها دية عضو مقدر؛ كاليد، والرجل، وأن يزاد عليه، وهو كذلك، فيجوز أن تبلغ حكومة الساعد والعضد دية الأصابع الخمس وتزيد عليها.
الجزء: 4 - الصفحة: 116
وَيُقَوَّمُ بَعْدَ انْدِمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ نَقْصٌ .. اعْتُبِرَ أَقْرَبُ نَقْصٍ إِلَى الانْدِمَال، وَقِيلَ: يُقَدِّرُهُ قَاضٍ بِاجْتِهَادِهِ، وَقِيلَ: لَا غُرْمَ. وَالْجُرْحُ الْمُقَدَّرُ كَمُوضِحَةٍ يَتبعُهُ الشَّيْنُ حَوَالَيْهِ، وَمَا لَا يَتَقَدَّرُ يُفْرَدُ بِحُكُومَةٍ فِي الأَصَحِّ. وَفِي نَفْسِ الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ، وَفِي غَيْرِهَا مَا
(ويقوم) لمعرفة الحكومة (بعد اندماله) لا قبله؛ لأن الجراحة قد تسري إلى النفس، أو إلى ما يكون واجبه مقدرًا، فيكون ذلك هو الواجب لا الحكومة.
(فإن لم يبق نقص) في الجمال ولا المنفعة، ولا تأثرت به القيمة ( .. اعتبر أقرب نقص إلى الاندمال) لئلا تحبط الجناية على المعصوم، ولو لم يظهر نقمان إلا في حال سيلان الدم .. اعتبرنا القيمة حينئذ، فلو كانت الجراحة خفيفة لا تؤثر في حال سيلان الدم .. ففي "الوسيط": أنا نلحقها باللطمة والضرب؛ للضرورة 437، وفي "التتمة": أن الحاكم يوجب شيئًا بالاجتهاد، ورجحه البُلْقيني.
(وقيل: يقدره قاض باجتهاده) أي: يوجب شيئا قدر ما أوصل إليه من الألم، وينظر إلى خفة الجناية وفحشها في المنظر؛ كيلا تذهب الجناية هدرًا، (وقيل: لا غرم) بل يجب التعزير فقط؛ كما في الضرب والصفع الذي لم يبق له أثر.
(والجرح المقدر كموضحة يتبعه الشين حواليه) ولا يفرد بحكومة؛ لأنه لو استوعب بالإيضاح جميع موضع الشين .. لم يكن فيه إلا أرش موضحة.
ويستثنى من الاستتباع: ما لو أوضح جبينه، وأزال حاجبه .. فعليه الأكثر من أرش موضحة، وحكومة الشين، وإزالة الحاجب، قاله المتولي وأقراه 438.
(وما لا يتقدر) أرشه (يفرد) الشين الذي حوله (بحكومة) ولا يتبع حكومة الجرح بل تجب حكومتان (في الأصح) لأن الاستتباع إنما يكون في المقدر، وحيث لا تقدير لكل حكمه.
(وفي نفس الرقيق قيمته) سواء زادت القيمة على دية الحر أم لا؛ لما تقدم في الغصب، وسواء القن والمدبر والمكاتب وأم الولد، (وفي غيرها) أي: النفس (ما
الجزء: 4 - الصفحة: 117
نَقَصَ إِنْ لَمْ يَتَقَدَّرْ فِي الْحُرِّ، وَإِلَّا .. فَنِسْبَته مِنْ قِيمَتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: مَا نَقَصَ، فَلَوْ قُطِعَ ذَكَرُهُ وَأُنْثَيَاهُ .. فَفِي الأَظْهَرِ: قِيمَتَانِ، وَالثَّانِي: مَا نَقَصَ، فَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ .. فَلَا شَيْءَ.
نقص إن لم يتقدر في الحر) لأنا نشبه الحر في الحكومة بالعبد، ليعرف قدر التفاوت ليرجع به، ففي المشبه به أولى.
(وإلا) أي: وإن تقدر من الحر؛ كالموضحة، وقطع اليد ( .. فنسبته من قيمته) أي: فيجب جزء من قيمته، نسبته إلى القيمة كنسبة الواجب في الحر إلى الدية، رواه البيهقي عن عمر وعلي رضي الله عنهما 439، ولأنه أشبه الحر في أكثر الأحكام؛ بدليل التكاليف، فألحقناه به في التقدير، فعلى هذا في يديه قيمته، وفي إحداهما: نصفها، (وفي قول: ما نقص) من قيمته؛ لأنه مملوك؛ كالبهيمة.
وقد استوفى المصنف في (باب الغصب) حكم الجناية على الرقيق وغيره من الحيوان أحسن من هنا.
(فلو قطع ذكره وأنثياه .. ففي الأظهر: قيمتان) كما يجب فيها من الحر ديتان، (والثاني: ما نقص) من قيمته؛ كالبهيمة (فإن لم يثقص) القيمة بقطع الذكر والأنثيين ( .. فلا شيء) لعدم النقص.
الجزء: 4 - الصفحة: 118
بابُ موجبات الدِّية والعاقلة والكفَّارة
صَاحَ عَلَى صَبِيٍّ لَا يُمَيزُ عَلَى طَرَفِ سَطْحٍ فَوَقَعَ بِذَلِكَ فَمَاتَ .. فَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ: قِصَاصٌ. وَلَوْ كَانَ بِأَرْضٍ، أَوْ صَاحَ عَلَى بَالِغٍ
باب موجبات الدية والعاقلة والكفارة
تقدم الكلام على لفظ الدية في الباب قبله.
والعاقلة: سموا بذلك؛ لأنهم يعقلون الإبل بفناء دار القتيل، وقيل: لأنهم يمنعون عنه، والعقل: المنع، وقيل: لإعطائها العقل الذي هو الدية.
والكفارة: تقدم الكلام عليها في بابها، وأراد بالكفارة كفارة القتل، وكان ينبغي أن يزيد: وجناية العبد والغرة؛ فإنهما من فصول الباب.
(صاح على صبي لا يميز) وكذا ضعيف التمييز؛ كما قاله الإمام 440 على طرف سطح) أو شفير بئر، أو نهر صيحة منكرة (فوقع بذلك فمات) منه ( .. فدية مغلظة على العاقلة) لأنه يتأثر بالصيحة الشديدة كثيرًا، فأحيل الهلاك عليها، ولم يتعرض الجمهور للارتعاد، وتعرض له الإمام والغزالي والرافعي 441، قال الأَذْرَعي: وكأنه ملازم لهذه الحالة.
والمجنون، والمعتوه، والذي يعتريه الوسواس، والنائم، والمرأة الضعيفة .. كالصبي الذي لا يميز.
(وفي قول: قصاص) لأن التأثير بها غالب، والأصحُّ: المنع؛ فإنه لا يهلك غالبًا، قال الرافعي: (وقياس من يوجب القصاص: أن يوجب الدية مغلظة على الجاني) انتهى 442، ونقل ابن الرفعة هذا عن تصريح البَنْدَنيجي.
(ولو كان) الصبي الذي لا يميز (بأرض) ومات من الصيحة (أو صاح على بالغ
الجزء: 4 - الصفحة: 119
بِطَرَفِ سَطْحٍ .. فَلَا دِيَةَ فِي الأَصَحِّ. وَشَهْرُ سِلَاحٍ كَصِيَاحٍ، وَمُرَاهِقٌ مُتَيَقِّظٌ كَبَالِغٍ. وَلَوْ صَاحَ عَلَى صَيْدٍ فَاضْطَرَبَ صَبِيٌّ وَسَقَطَ .. فَدِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَلَوْ طَلَبَ سُلْطَانٌ مَنْ ذُكِرَتْ بِسُوءٍ فَاَجْهَضَتْ .. ضُمِنَ الْجَنِينُ. وَلَوْ وَضَعَ صَبِيًّا فِي مَسْبَعَةٍ فَأَكَلَة سَبُعٌ .. فَلَا ضَمَانَ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ انْتِقَالٌ .. ضَمِنَ
بطرف سطح) فسقط، ومات ( .. فلا دية في الأصح) لندور الموت بذلك والحالة هذه، فيحمل موته على موافقة قدر، والثاني: تجب، أما في الصبي .. فكما لو سقط من سطح، وأما في البالغ .. فلأنه مع الغفلة كالصبي.
(وشهر سلاح) على بصير يراه (كصياح) فيما تقدم، والتهديد الشديد كذلك.
(ومراهق متيقظ كبالغ) فلا دية على الأصحِّ؛ لعدم تأثره بذلك غالبًا.
(ولو صاح على صيد فاضطرب صبي وسقط .. فدية مخففة على العاقلة) لأنه لم يقصده، فهو خطأ.
(ولو طلب سلطان من ذكرت بسوء فأجهضت) أي: ألقت الجنين فزعًا ( .. ضمن الجنين) لأن عليًّا أشار على عمر رضي الله عنهما بذلك في هذه الحالة، فرجعوا إليه؛ كما أخرجه البيهقي، فكان إجماعًا 443.
واحترز بقوله: (أجهضت): عما لو ماتت فزعًا من الطلب .. فلا ضمان؛ لأن مثله لا يفضي إلى الموت، ولو هدد غير الإمام حاملًا وأجهضت فزعًا .. قال الرافعي: فليكن كالإمام؛ لأن إكراهه كإكراهه 444.
نعم؛ إن ماتت بالإجهاض .. ضمن عاقلته ديتها؛ لأن الإجهاض قد يحصل منه موت الأم، قاله البُلْقيني.
(ولو وضع صبيًّا في مسبعة فأكله سبع .. فلا ضمان) لأن الوضع ليس بإهلاك، ولم يوجد منه ما يلجئ السبع إليه، بل الغالب أن السبع ينفر من الإنسان في المكان الواسمع، (وقيل: إن لم يمكنه انتقال) يخلص به ( .. ضمن) لأنه إهلاك عرفًا؛ فإن أمكنه الانتقال فلم ينتقل .. فلا ضمان قطعًا؛ كما لو فتح عِرْقه فلم يعصبه حتى مات.
الجزء: 4 - الصفحة: 120
وَلَوْ تَبِعَ بِسَيْفٍ هَارِبًا مِنْهُ فَرَمَى نَفْسَهُ بِمَاءٍ أَوْ نَارٍ أَوْ مِنْ سَطْحٍ .. فَلَا ضَمَانَ، وَلَوْ وَقَعَ جَاهِلًا لِعَمَىً أَوْ ظُلْمَةٍ .. ضَمِنَ، وَكَذَا لَوِ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ فِي هَرَبِهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ سُلِّمَ صَبِيٌّ إِلَى سَبَّاح لِيُعَلِّمَهُ فَغَرِقَ .. وَجَبَتْ دِيَتُهُ
وخرج بالصبي: البالغ فإنه لا يجب الضمان قطعًا؛ كما قاله في "أصل الروضة" 445 والرافعي إنما ذكره عن مفهوم كلام الغزالي، ثم قال: ويشبه أن يقال: الحكم منوط بالقوة والضعف، لا بالصغر والكبر 446، وهذا الذي بحثه يرشد إليه قول الماوردي، والروياني، والشيخ في "المهذب": لو ربط يدي رجل ورجليه، وألقاه في مسبعة .. فهو شبه عمد 447.
(ولو تبع بسيف هاربًا منه فرمى نفسه بماء أو نار أو من سطح .. فلا ضمان) لأنه باشر إهلاك نفسه قصدًا، والمباشرة مقدمة على السبب، فصار كما لو حفر بئرًا فجاء آخر وردى نفسه فيها.
(ولو وقع) في المهلك المذكور ونحوه (جاهلًا لعمى أو ظلمة .. ضمن) المتبع؛ لأنه لا يقصد إهلاك نفسه، وقد ألجأه المتبع إلى الهرب المفضي إلى المهلك.
(وكذا لو انخسف به سقف في هربه في الأصح) لأنه حمله على الهرب، وألجأه إليه، فأشبه ما إذا وقع في بئر مغطاة، وهذا ما نص عليه في "الأم"، والثاني: لا ضمان؛ لأن المعنى المهلك لم يشعر به واحد منهما، فأشبه ما إذا عرض سبع فافترسه.
ومحل الخلاف: ما إذا كان سبب الانخساف ضعف السقف، ولم يشعر به المطلوب، أما إذا ألقى نفسه عليه من علو فانخسف لثقله .. فالحكم: كما لو ألقى نفسه في ماء أو نار.
(ولو سلم صبي إلى سباح ليعلمه فغرق .. وجبت ديته) لأنه غرق بإهماله، وتكون دية شبه عمد؛ كما لو ضرب الصبي للتأديب فهلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 121
وَيَضْمَنُ بِحَفْرِ بِئْرٍ عُدْوَانًا، لَا فِي مِلْكِهِ وَمَوَاتٍ، وَلَوْ حَفَرَ بِدِهْلِيزِهِ بِئْرًا وَدَعَا رَجُلًا فَسَقَطَ .. فَالأَظْهَرُ: ضَمَانُهُ، أَوْ بِمِلْكِ غَيْرِهِ أَوْ مُشْتَرَكٍ بِلَا إِذْنٍ .. فَمَضْمُونٌ،
واحترز بالصبي: عن البالغ، فإنه إذا سلم نفسه ليعلمه السباحة .. ففي "الوسيط": أنه إن خاض معه اعتمادًا على يده فأهمله .. احتمل أن يجب الضمان 448، والذي ذكره العراقيون، والبغوي: أنه لا ضمان؛ لأنه مستقل، وعليه أن يحتاط لنفسه، قال في "الشرح الصغير": وهو المشهور.
(ويضمن بحفر بئر عدوانًا) بأن حفرها في ملك غيره بغير إذنه، أو في شارع ضيق؛ لتعديه بذلك، ويشترط أن يستمر العدوان إلى السقوط فيها، فلو رضي المالك بإبقائها .. زال الضمان في الأصحِّ، وكذا لو ملك المتعدي تلك البقعة من مالكها.
(لا في ملكه، وموات) للتملك أو للارتفاق، لعدم التعدي، وعلى الموات حمل الحديث الصحيح: "الْبئْرُ جُبَارٌ" 449.
ويستثنى: ما لو حفر بالحرم بئرًا في ملكه، أو في موات .. فإنه يضمن المحب الواقع فيه على الأصحِّ، ذكره الرافعي في (باب محرمات الإحرام)، ونقل الإمام فيه الإجماع 450.
(ولو حفر بدهليزه بئرًا، ودعا رجلًا فسقط .. فالأظهر: ضمانه) لأنه غره، ولم يقصد هو إهلاك نفسه، فإحالته على السبب الظاهر أولى، والثاني: لا؛ لأنه غير ملجأ فهو المباشر لإهلاك نفسه باختياره.
ويشترط في الضمان: ألا يعلمه بالبئر، ولا يرى أثرًا يدل عليها؛ لظلمة، أو تغطية، أو كان أعمى، والمراد بالضمان: إيجاب الدية، أما القصاص .. فلا يجب في الأظهر؛ كما ذكراه في أول (الجراح) 451.
(أو بملك غيره أو مشترك بلا إذن .. فمضمون) لتعديه؛ فإن كان بالإذن .. فهو
الجزء: 4 - الصفحة: 122
أَوْ بِطَرِيقٍ ضَيِّقٍ يَضُرُّ الْمَارَّةَ .. فَكَذَا، أَوْ لَا يَضُرُّ وَأَذِنَ الإِمَامُ .. فَلَا ضَمَانَ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ حَفَرَ لِمَصْلَحَتِهِ .. فالضَّمَانُ، أَوْ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ .. فَلَا فِي الأَظْهَرِ. وَمَسْجِدٌ كَطَرِيقٍ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ جَنَاحٍ إِلَى شَارِعٍ فَمَضْمُونٌ،
كحفره في ملكه، (أو بطريق ضيق يضر المارة .. فكذا) أي: فيجب ضمان ما هلك بها وإن أذن الإمام؛ إذ ليس له أن يأذن فيما يضر (أو لا يضر) لسعة الطريق، أو لانحراف البئر عن الجادة، (وأذن الإمام .. فلا ضمان) جزمًا إن كان لمصلحة عامة، وكذا إن كان لمصلحة الحافر على الأصحِّ.
(وإلا) أي: وإن لم يأذن (فإن حفر لمصلحته .. فالضمان) لافتئاته على الإمام (أو مصلحة عامة .. فلا في الأظهر) لما فيه من المصلحة العامة، وقد تعسر مراجعة الإمام في مثله، والثاني: نعم، والجواز مشروط بسلامة العاقبة.
(ومسجد كطريق) أي: الحفر فيه كهو في الطريق، كما صرح به في "المحرر"، و"الشرح الكبير" 452.
وقضيته: أنه يجوز أن يحفر فيه بئرًا لمصلحة نفسه خاصة بإذن الإمام، قال البُلْقيني: وهذا لا يقوله أحد، قال: وأما الحفر للمصلحة العامة .. فلا يجوز أيضًا؛ لأن الواقف إنما جعل المسجد للصلاة.
انتهى، وفي "زيادة الروضة" في آخر (باب شروط الصلاة) نقلًا عن الصيمري: أنه يكره حفر البئر في المسجد.
انتهى 453، والظاهر: أن ذلك فيما إذا حفره في مصلحة عامة، أما لمصلحة نفسه الخاصة .. فيحرم قطعًا.
(وما تولد من جناح) (وهو الخارج من الخشب (إلى شارع فمضمون) (وإن لم يكن مضرًّا بالمارة، لأن الارتفاق بالشارع إنما يجوز بشرط سلامة العاقبة، ولم يفرقوا بين إذن الإمام وعدمه كما في الحفر.
والفرق - كما ذكره الرافعي -: أن الحاجة إلى الجناح أغلب وأكثر، والحفر في الطريق مما تقل الحاجة إليه، وإذا كثر الجناح .. كثر تولد الهلاك منه، فلا يحتمل
الجزء: 4 - الصفحة: 123
وَيَحِلُّ إِخْرَاجُ الْمَيَازِيبِ إِلَى الشَّارِعِ، وَالتَّالِفُ بِهَا مَضْمُونٌ فِي الْجَدِيدِ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ فِي الْجِدَارِ فَسَقَطَ الْخَارِجُ .. فَكُلُّ الضَّمَانِ، وَإِنْ سَقَطَ كُلُّهُ .. فَنِصْفُهُ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ بَنَى جِدَارَهُ مَائِلًا إِلَى شَارِعٍ .. فَكَجَنَاح، أَوْ مُسْتَوِيًا فَمَالَ وَسَقَطَ .. فَلَا ضَمَانَ،
إهداره 454، والمراد بكونه مضمونًا: على ما سيأتي في الميزاب، فيضمن الكل بالخارج فقط، والنصف بالجميع.
واحترز بالشارع: عن إخراجه إلى ملكه؛ فإنه لا ضمان فيه، وكذا إلى ملك غيره بإذنه، فإن كان بغير إذنه .. ضمن.
(ويحل إخراج الميازيب إلى الشارع) لما فيه من الحاجة الظاهرة، وليكن عاليًا كالجناه.
(والتالف بها مضمون في الجديد) لأنه ارتفاق بالشارع، فيكون جوازه مشروطًا بسلامة العاقبة؛ كالجناح، والقديم: لا ضمان؛ لأنه ضروري لتصريف المياه، بخلاف الجناح؛ فإنه لاتساع المنفعة، ومنع الجديد كونه ضروريًّا؛ إذ يمكنه أن يتخذ لماء السطح بئرًا في داره.
(فإن كان بعضه في الجدار فسقط الخارج) أو بعضه ( .. فكل الضمان) لأن التلف حصل من المضمون وحده، (وإن سقط كله .. فنصفه في الأصح) لأنه هلك بالداخل في ملكه وهو غير مضمون، وبالخارج وهو مضمون، فوزع على النوعين، والثاني: يوزع على الداخل والخارج، فيجب قسط الخارج، ويكون التوزيع بالوزن، وقيل: بالمساحة، وقيل: يضمن جميع الدية؛ لأن الداخل جذبه الخارج.
(وإن بنى جداره مائلًا إلى شارع .. فكجناح) فيضمن ما تلف به على ما مر.
واحترز بقوله: (إلى شارع) عما لو كان مائلًا إلى ملكه .. فلا ضمان؛ لأن له أن يبني في ملكه كيف شاء، لكن يرد عليه ما لو بناه مائلًا إلى ملك غيره بلا إذن .. فإنه كالشارع.
(أو مستويًا فمال) إلى الشارع (وسقط .. فلا ضمان) لأنه بنى في ملكه، والميل
الجزء: 4 - الصفحة: 124
وَقِيلَ: إِنْ أَمْكَنَ هَدْمُهُ وَإِصْلَاحُهُ .. ضَمِنَ، وَلَوْ سَقَطَ بِالطَّرِيقِ فَعَثَرَ بِهِ شَخْصٌ أَوْ تَلِفَ بِهِ مَالٌ .. فَلَا ضَمَانَ فِي الأَصَحِّ. وَلوْ طَرَحَ قُمَامَاتٍ وَقُشُورَ بِطِّيخٍ بِطَرِيقٍ .. فَمَضْمُونٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ تَعَاقَبَ سَبَبَا هَلَاكٍ .. فَعَلَى الأَوَّلِ؛ بِأَنْ حَفرَ وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا عُدْوَانًا فَعَثَرَ بِهِ وَوَقَعَ بِهَا .. فَعَلَى الْوَاضِعِ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ الْوَاضِعُ .. فَالْمَنْقُولُ: تَضْمِينُ الْحَافِرِ،
لم يحصل بفعله، فأشبه ما إذا سقط بلا ميل، (وقيل: إن أمكن هدمه وإصلاحه .. ضمن) لتقصيره بترك النقض والإصلاح، ورجحه جمع، والضمان في هذه المسائل على العاقلة.
(ولو سقط بالطريق، فعثر به شخص، أو تلف به مال .. فلا ضمان في الأصح) لأن الهلاك حصل بغير فعله، وسواء طالبه الوالي أو غيره بالنقض أم لا، والثاني: يضمن؛ لتقصيره.
(ولو طرح قمامات) بضم القاف، وهي الكناسة، (وقشور بطيخ بطريق .. فمضمون على الصحيح) لأن الارتفاق بالطريق مشروط بسلامة العاقبة، والثاني: لا ضمان؛ لاطراد العادة بالمسامحة به مع الحاجة، والثاك: إن القاها في متن الطريق .. ضمن، وإلا .. فلا.
واحترز بالطريق: عما إذا ألقاها في ملكه، أو موات .. فإنه لا ضمان.
(ولو تعاقب سببا هلاك .. فعلى الأول) لأنه المهلك إما بنفسه، وإما بواسطة الثاني، فأشبه التردية مع الحفر (بأن حفر) بئرًا عدوانًا (ووضع آخر حجرًا عدوانًا فعثر به، ووقع بها .. فعلى الواضع) لأن التعثر به هو الذي ألجأه إلى الوقوع في البئر، فكأنه أخذه فرداه فيه.
(فإن لم يتعد الواضع) بأن وضعه في ملكه، وحفر متعد هناك بئرًا فتعثر رجل به، ووقع فيها ( .. فالمنقول: تضمين الحافر) لأنه المتعدي بخلاف الواضع، قال الرافعي: وينبغي أن يقال: لا يضمن؛ كما لو حفر بئرًا عدوانًا، ووضع السيل أو سبع حجرًا فعثر به إنسان، وسقط في البئر .. فهو هدر على الصحيح 455.
الجزء: 4 - الصفحة: 125
وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا وَآخَرَانِ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِمَا .. فالضَّمَانُ أَثْلَاثٌ، وَقِيلَ: نِصْفَانِ، وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِ رَجُلٌ فَدَحْرَجَهُ فَعَثَرَ بِهِ آخَرُ .. ضَمِنَهُ الْمُدَحْرِجُ. وَلَوْ عَثَرَ بِقَاعِدٍ أَوْ نَائِمٍ أَوْ وَاقِفٍ بِالطَّرِيقِ، وَمَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا .. فَلَا ضَمَانَ إِنِ اتَّسَعَ الطَّرِيقُ، وَإِلَّا .. فَالْمَذْهَبُ: إِهْدَارُ قَاعدٍ وَنَائِمِ لَا عَاثِرٍ بِهِمَا، وَضَمَانُ وَاقِفٍ لَا عَائِرٍ بِهِ.
(ولو وضع حجرًا) عدوانًا (وآخران حجرًا، فعثر بهما .. فالضمان أثلاث) (وإن تفاوت فعلهم؛ نظرًا إلى عدد رؤوس الجناة؛ كما لو مات بجراحة ثلاثة، واختلفت الجراحات، (وقيل: نصفان) نصفه يتعلق بالمنفرد، ونصفه على الآخرين؛ لأن الهلاك حصل بالحجرين.
(ولو وضع حجرًا) عدوانًا (فعثر به رجل فدحرجه فعثر به آخر .. ضمنه المدحرج) لأن الحجر إنما حصل هناك بفعله.
(ولو عثر بقاعد أو نائم أو واقف بالطريق، وماتا أو أحدهما .. فلا ضمان إن اتسع الطريق) ظاهر هذا الكلام: أنه يهدر العاثر، والقاعد، والنائم، والواقف، وليس كذلك؛ فإن عاقلة العاثر تضمن دية القاعد، والنائم، والواقف؛ لأنه غير متعد، والعاثر يمكنه التحرز، وإنما يهدر العاثر؛ لأنه قتل نفسه، هكذا ذكراه في "الشرح" و"الروضة" 456، فلو قال: (فلا ضمان على القاعد ومن بعد) .. لاستقام.
(وإلا) أي: وإن ضاق الطريق ( .. فالمذهب: إهدار قاعد ونائم) لأن الطريق للطروق، وهما بالنوم والقعود مقصران (لا عاثر بهما) بل على عاقلتهما ديته (وضمان واقف) لأن الشخص قد يحتاج إلى الوقوف؛ لكلال، أو انتظار رفيق، أو سماع كلام، فالوقوف من مرافق الطريق؛ كالمشي، بخلاف القعود والنوم؛ فإنهما ليسا من مرافقه، ففاعلهما عرض نفسه للهلاك.
(لا عاثر به) لأنه لا حركة منه، فالهلاك حصل بحركة الماشي، والطريق الثاني: وجوب دية كل واحد منهما على عاقلة الآخر مطلقًا، هذا كله إذا لم يوجد من الواقف فعل، فإن وجد؛ بأن انحرف إلى الماشي لما قرب منه فأصابه في انحرافه وماتا .. فهما كماشيين اصطدما، وسيأتي.
الجزء: 4 - الصفحة: 126
فَصْلٌ [في الاصطدام ونحوه مما يوجب الاشتراك في الضمان وما يذكر مع ذلك]
اصْطَدَمَا بِلَا قَصْدٍ .. فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ نِصْفُ دِيَةٍ مُخَفَّفَةٍ، وَإِنْ قَصَدَا .. فَنْصْفُهَا مُغَلَّظَةً، أَوْ أَحَدُهُمَا .. فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ عَلَى كُلٍّ كَفَّارَتَيْنِ، وَإِنْ مَاتَا مَعَ مَرْكُوبَيْهِمَا .. فَكَذَلِكَ، وَفِي تَرِكَةِ كُلٍّ نِصْفُ قِيمَةِ دَابَّةِ الآخَرِ. وَصَبِيَّانِ أَوْ مَجْنُونَانِ كَكَامِلَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ أَرْكَبَهُمَا الْوَلِيُّ .. تَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ،
(فصل: اصطدما) أي: الحران الماشيان (بلا قصد) بأن كانا أعميين، أو في ظلمة ( .. فعلى عاقلة؛ كل نصف دية مخففة) لأن كل واحد هلك بفعله وبفعل صاحبه، فيهدر النصف؛ كما لو جرحه آخر مع جراحة نفسه، وإنما خففت على العاقلة؛ لأنه خطأ محض.
(وإن قصدا) جميعًا الاصطدام ( .. فنصفها مغلظة) على العاقلة، وتكون شبه عمد؛ لأن الغالب أن الاصطدام لا يفضي إلى الموت، فلا يتحقق فيه العمد المحض؛ ولذلك لا يتعلق به القصاص إذا مات أحدهما دون الآخر.
(أو أحدهما) قصد الاصطدام دون الآخر (فلكل حكمه) فيجب على عاقلة قاصد الاصطدام نصف دية مغلظة، وعلى عاقلة الذي لم يقصد نصف دية مخففة.
(والصحيح: أن على كل كفارتين) كفارة لقتل نفسه، وأخرى لقتل صاحبه، والثاني: كفارة فقط، والخلاف مبني على أن الكفارة هل تتجزأ؟ والصحيح: لا، وأن قاتل نفسه هل عليه كفارة؟ والصحيح: نعم.
(وإن ماتا مع مركوبيهما .. فكذلك) في الدية والكفارة.
(وفي تركة كل نصف قيمة دابة الآخر) والباقي هدر؛ لاشتراكهما في إتلاف الدابتين.
(وصبيان أو مجنونان ككاملين) فيما إذا كانا ماشيين أو راكبين كما سبق، (وقيل: إن أركبهما الولي .. تعلق به الضمان) لما في الإركاب من الخطر، والأصحُّ: الأول؛ كما لو ركبا بأنفسهما.
ومحل الخلاف - كما نقلاه عن الإمام وأقراه -: ما إذا أركبهما لزينة، أو لحاجة
الجزء: 4 - الصفحة: 127
وَلَوْ أَرْكَبَهُمَا أَجْنَبِيٌّ .. ضَمِنَهُمَا وَدَابَّتَيْهِمَا. أَوْ حَامِلَانِ وَأَسْقَطَتَا .. فَالدِّيَةُ كَمَا سَبَقَ، وَعَلَى كُلٍّ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ نَصْفُ غُرَّتَيْ جَنِينِهِمَا. أَوْ عَبْدَانِ .. فَهَدَرٌ،
غير مهمة؛ فإن أرهقت إليه حاجة للانتقالط إلى مكان .. فلا ضمان عليه قطعًا، [قالا: ومحله أيضًا: عند ظن السلامة، أما إذا أركبه دابة جموحًا .. ضمن الولي قطعًا] 457.
(ولو أركبهما أجنبي) بغير إذن الولي ( .. ضمنهما ودابتيهما) لتعديه بإركابهما.
وقوله: (ضمنهما) ليس بجيد؛ لأن ضمانهما على عاقلة الأجنبي.
نعم؛ ضمان دابتيهما عليه.
(أو حاملان) اصطدمتا (وأسقطتا .. فالدية كما سبق) فعلى عاقلة كل منهما نصف دية الآخر، ويهدر الباقي؛ لأن التلف بفعلهما، (وعلى كل أربع كفارات على الصحيح) كفارة لنفسها، وكفارة لجنينها، وثالثة: لصاحبتها، ورابعة: لجنينها؛ لأنهما اشتركا في إهلاك أربعة أشخاص.
هذا إذا أوجبنا الكفارة على قاتل نفسه، وقلنا: الكفارة لا تتجزأ؛ فإن لم نوجبها على قاتل نفسه .. وجب ثلاث كفارات، وإن قلنا: بالتجزي .. وجب ثلاثة أنصاف كفارة، وإن أوجبناها على قاتل نفسه، وقلنا: بالتجزئة .. وجب أربعة أنصاف كفارة، وهذا الخلاف هو المقابل للصحيح في كلام المصنف.
(وعلى عاقلة كل نصف غرتي جنينهما) نصف غرة لجنينها، ونصف غرة لجنين الأخرى؛ لأن المرأة إذا جنت على نفسها فألقت جنينًا .. وجبت الغرة على عاقلتها؛ كما لو جنت على حامل أخرى، فإذن لا يهدر من الغرة شيء، بخلاف الدية؛ فإنه يجب نصفها، ويهدر نصفها؛ كما ذكره قبل؛ لأن الجنين أجنبي عنهما، بخلاف أنفسهما، وفي "فتاوى القفال": أنه لو ذهب رجل ليقوم فأخذ غيره بثوبه ليقعد فتمزق؛ فإن لم يجره .. فلا ضمان، وإن جره .. فالنصف عليه، والباقي هدر؛ لأنه كان بفعلين.
(أو) اصطدم (عبدان) وماتا.
(. فهدر) لأن جناية العبد تتعلق برقبته وقد
الجزء: 4 - الصفحة: 128
أَوْ سَفِينَتَانِ .. فَكَدَابَّتَيْنِ، وَالْمَلَّاحَانِ كَرَاكِبَيْنِ إِنْ كَانَتَا لَهُمَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا مَالُ أَجْنَبِيٍّ .. لَزِمَ كُلًّا نِصْفُ ضمَانِهِ، وَإِنْ كَانَتَا لأَجْنَبِيٍّ .. لَزِمَ كُلًّا نِصْفُ قِيمَتِهِمَا. وَلَوْ أَشْرَفَتْ سَفِينَةٌ عَلَى غَرَقٍ .. جَازَ طَرْحُ مَتَاعِهَا، وَيَجِبُ لِرَجَاءِ نَجَاةِ الرَّاكِبِ، فَإِنْ طَرَحَ مَالَ غَيْرِهِ بِلَا إِذْنٍ .. ضَمِنَهُ، وَإِلَّا .. فَلَا
فاتت، وسواء اتفقت قيمتهما أو تفاوتت؛ فإن مات أحدهما .. وجب نصف قيمته متعلقًا برقبة الحي.
واحترز بالعبدين: عما لو تصادم عبد وحر وماتا .. فإنه يجب نصف قيمة العبد في تركة الحر إذا قلنا: قيمة العبد لا تحملها العاقلة، ويتعلق بذلك النصف نصف دية الحر؛ لأن محل تعلقه بالرقبة، فإذا فاتت .. تعلق ببدلها.
(أو) اصطدم (سفينتان) (وغرقتا ( .. فكدابتين) فإما أن يحصل الاصطدام بفعلهما، وإما لا، (والملاحان كراكبين) يموتان بالاصطدام، وقد مر كل ذلك (إن كانتا) أي: السفينتان وما فيهما الهما، فإن كان فيهما مال أجثبي .. لزم كلًّا) من الملاحين (نصف ضمانه، وإن كانتا) أي: السفينتان (لأجنبي) وكانا أجيرين للمالك أو أمينين ( .. لزم كلًّا نصف قيمتهما) لأن مال الأجنبي لا يهدر منه شيء، فعلى كل واحد نصف قيمة كل سفينة.
ومحل هذا التفصيل: ما إذا كان الاصطدام بفعلهما، أو لم يكن، وقصرا في الضبط أو سيرا في ريح شديدة؛ فإن حصل الاصطدام بغلبة الرياح .. فلا ضمان في الأظهر، بخلاف غلبة الدابة؛ فإن الضبط ثم ممكن باللجام.
(ولو أشرفت سفينة على غرق .. جاز طرح متاعها) بقدر ما يحصل النجاة؛ حفظا للروح، (ويجب لرجاء نجاة الراكب) عند خوف الغرق إن لم يفعل، فيجب إلقاء ما لا روح فيه؛ لنجاة ذي الروح المحترمة، فإن احتيج إليه .. ألقي الحيوان لإنقاذ الآدمي، ولا فرق بين الأحرار والعبيد.
(فإن طرح مال غيره بلا إذن .. ضمنه) لأنه أتلف مال غيره بلا إذن، فأشبه ما لو أكل المضطر طعام الغير، (وإلا) أي: وإن طرحه بإذنه، وهو معتبر الإذن ( .. فلا) ضمان للإذن المبيح.
الجزء: 4 - الصفحة: 129
وَلَوْ قَالَ: (أَلْقِ مَتَاعَكَ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ) أَوْ (عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ) .. ضَمِنَ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى: (ألْقِ) .. فَلَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مُلْتَمِسٌ لِخَوْفِ غَرَقٍ، وَلَمْ يَخْتَصَّ نَفْعُ الإِلْقَاءِ بِالْمُلْقِي. وَلَوْ عَادَ حَجَرُ مَنْجَنِيقٍ فَقَتَلَ أَحَدَ رُمَاتِهِ .. هُدِرَ قِسْطُهُ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الْبَاقِينَ
(ولو قال: "ألق متاعك وعلي ضمانه"، أو "على أني ضامن") له ( .. ضمن) المستدعي؛ لأنه استدعى إتلاف مال يعاوض عليه لغرض صحيح، فلزمه؛ كما لو قال: (أعتق عبدك على ألف)، أو (طلق زوجتك)، وليس هذا على حقيقة الضمان وإن سمي بالضمان، وإنما هو بذل مال لمصلحة، فهو كما لو قال: (أطلق هذا الأسير، ولك علي كذا).
وقضية الحكم بضمانه: خروجه عن ملك مالكه، لكن ذكر الرافعي هنا عن حكاية الإمام: أنه لا يخرج عن ملكه، حتى لو لفظه البحر وظفر به .. فهو لمالكه، ويسترد الباذل ماله، وعلى هذا: فهو ضمان حيلولة، وهل للمالك أن يمسك ما أخذه، ويرد بدله؟ فيه خلاف كالقرض.
انتهى 458.
(ولو اقتصر على: "ألق") (ولم يقل: (وعلي ضمانه)، أو (على أني ضامن) ( .. فلا على المذهب) لعدم الالتزام، والطريق الثاني: أنه على الخلاف فيما إذا قال: (اقضِ ديني) فقضاه، والأصحُّ: الرجوع.
وفرق الأول: بأنه بالقضاء برئ قطعًا، والإلقاء لا ينفعه.
(وإنما يضمن ملتمس لخوف غرق) ففي غير الخوف لا ضمان، كما لو قال: (اهدم دارك)، أو (اقتل عبدك) ففعل، (ولم يختص نفع الإلقاء بالملقي) فلو اختص به؛ بأن أشرفت سفينته على الغرق، وفيها متاعه فقال له آخر من الشط: (ألق متاعك، وعلي ضمانه)، فألقاه .. لم يجب شيء؛ لأنه يجب عليه الإلقاء لحفظ نفسه .. فلا يستحق به عوضًا.
(ولو عاد حجر منجنيق فقتل أحد رماته .. هدر قسطه، وعلى عاقلة الباقين
الجزء: 4 - الصفحة: 130
الْبَاقِي، أَوْ غَيْرَهُمْ وَلَمْ يَقْصِدُوهُ .. فَخَطَأٌ، أَوْ قَصَدُوهُ .. فَعَمْدٌ فِي الأَصحِّ إِنْ غَلَبَتِ الإِصَابَةُ.
فَصْلٌ [في العاقلة وكيفية تأجيل ما تحمله]
دِيَةُ الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ تلزَمُ الْعَاقِلَةَ، وَهُمْ عَصَبَتُهُ إِلَّا الأَصْلَ وَالْفَرْعَ،
الباقي) لأنه مات بفعله وفعلهم، فسقط ما قابل فعله؛ لأنه غير مضمون، (أو غيرهم) أي: قتل غير رماته (ولم يقصدوه .. فخطأ) يوجب الدية المخففة، (أو قصدوه .. فعمد في الأصح إن غلبت الإصابة) لانطباقه على حد العمد، والثاني: إنه شبه عمد؛ لأنه لا يتحقق قصد معين بالمنجنيق.
والمنجنيق: بفتح الميم وكسرها، يذكر ويؤنث، وحكي منجنوق بـ (الواو)، ومنجليق بـ (اللام).
(فصل: دية الخطأ وشبه العمد تلزم العاقلة) بالإجماع، كما نقله الإمام 459، لكن حكى الرافعي في أوائل (الديات) وجهًا أنها لا تتحمل شبه العمد 460، وهو شاذ.
وخرج بـ (الخطأ وشبه العمد): دية العمد، فإنها على الجاني، وقد مضت السنة بذلك، كما قاله الزهري 461.
(وهم عصبته) الذين يرثونه بالنسب أو الولاء إذا كانوا ذكورًا مكلفين، قال الشافعي: لا أعلم مخالفًا أن العاقلة العصبة، وهم القرابة من قبل الأب، وعصبات المولى 462.
(إلا الأصل) وإن علا (والفرع) وإن سفل؛ لأنهم أبعاضه، فكما لا يتحمل الجاني لا يتحمل أبعاضه، وقد برأ صلى الله عليه وسلم زوج القاتلة وولدها؛ كما رواه
الجزء: 4 - الصفحة: 131
وَقِيلَ: يَعْقِلُ ابْنٌ هُوَ ابْنُ ابْنِ عَمِّهَا. وَيُقَدَّمُ الأَقْرَبُ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ .. فَمَنْ يَلِيهِ، وَمُدْلٍ بأَبَوَيْنِ - وَالْقَدِيمُ: التَّسْوِيَةُ - ثُمَّ مُعْتِقٌ ثُمَّ عَصَبَتُهُ ثُمَّ مُعْتِقُهُ ثُمَّ عَصَبَتُهُ، وَإِلَّا .. فَمُعْتِقُ أَبِي الْجَانِي ثُمَّ عَصَبَتُهُ ثُمَّ مُعْتِقُ مُعْتِقِ الأَبِ وَعَصَبَتُهُ، وَكَذَا أَبَدًا. وَعَتِيقُهَا يَعْقِلُهُ عَاقِلَتُهَا،
أبو داوود وابن ماجة 463، (وقيل: يعقل ابن هو ابن ابن عمها) أو معتقها؛ كما يلي أمر نكاحها، والأصحُّ: المنع؛ لعموم الأخبار؛ ولأن البعضية موجودة وهي مانعة، بخلاف النكاح فإنها غير مقتضية، ولا مانعة، فإذا وجد المقتضي .. عمل عمله.
(ويقدم الأقرب) من العاقلة في التحمل على الأبعد؛ لأنه حق ثبت بالتعصيب فأشبه الإرث، (فإن بقي شيء) من الواجب في آخر الحول ( .. فمن يليه) أي: فعلى من يلي الأقرب ثم الذين يلونهم، وهكذا.
(و) يقدم (مدل بأبوين) على مدل بأب في الجديد كالإرث (والقديم: التسوية) لأن الأنوثة لا مدخل لها في تحمل العاقلة فلا تصلح للترجيح، (ثم معتق) إذا لم يوجد أحد من عصبات النسب، أو لم يفوا بالواجب؛ لحديث: "الْوَلَاءُ لُحْمَة كَلُحْمَةِ النَّسَبِ" 464.
(ثم عصبته) أي: المعتق من النسب عند فقده، أو مع وجوده إذا بقي من الواجب شيء خلا أصوله وفروعه على الأصحِّ كما سبق في الجاني، (ثم معتقه) أي: معتق المعتق، (ثم عصبته) كالإرث.
(وإلا) أي: وإن لم يوجد من له نعمة الولاء على الجاني، ولا أحد من عصابته ( .. فمعتق أبي الجاني ثم عصبته، ثم معتق معتق الأب، وعصبته) 465 خلا أصولهم وفروعهم، (وكذا أبدًا) أي: وإن لم يوجد من له نعمة الولاء على الأب .. تحمل معتق الجد ثم عصابته كذلك إلى حيث ينتهي.
(وعتيقها) أي: المرأة (يعقله عاقلتها) ولا يضرب عليها؛ لأن المرأة لا تحمل
الجزء: 4 - الصفحة: 132
وَمُعْتِقُونَ كَمُعْتِقٍ، وَكُلُّ شَخْصٍ مِنْ عَصَبَةِ كُلِّ مُعْتِقٍ يَحْمِلُ مَا كَانَ يَحْمِلُهُ ذَلِكَ الْمُعْتِقُ. وَلَا يَعْقِلُ عَتِيقٌ فِي الأَظْهَرِ. فَإِنْ فُقِدَ الْعَاقِلُ أَوْ لَمْ يَفِ .. عَقَلَ بَيْتُ الْمَالِ عَنِ الْمُسْلِمِ،
العقل بالإجماع؛ فيتحمله عنها من يتحمل جنايتها من عصباتها؛ كما يزوج عتيقها من يزوجها؛ إلحاقًا، للعقل بالتزويج؛ لعجزها عن الأمرين.
(ومعتقون كمعتق) في تحمل الدية عن العتيق؛ لأن الولاء لجميعهم لا لكل واحد منهم، فيضرب على جميعهم نصف دينار إن كانوا أغنياء، وربعه إن كانوا متوسطين، فإن اختلف حالهم .. فعلى الغني حصته من النصف، وعلى المتوسط حصته من الربع.
(وكل شخص من عصبة كل معتق يحمل ما كان يحمله ذلك المعتق) في حياته، وهو حصته من الربع أو النصف؛ لأن غايته نزوله منزلة ذلك الشريك، ولا يوزع عليهم ما كان الميت يحمله؛ لأن الولاء لا يتوزع عليهم توزعه على الشركاء؛ لأنهم لا يرثون الولاء بل يرثون به.
وهذا لا يختص بما إذا كان المعتق جماعة كما يوهمه كلامه، بل لو كان المعتق واحدًا، ومات عن إخوة مثلًا .. فيضرب على كل واحد حصته تامة، وهو الذي كان الميت يحمله، وهو نصف دينار أو ربعه.
(ولا يعقل عتيق في الأظهر) لأنه لا يرث، والثاني: يعقل؛ لأنه للنصرة، وهو أولى بذلك، وخالف الإرث فإنه في مقابلة إنعام المعتق، وليس للعتيق على سيده نعمة، وقال البُلْقيني: إن هذا هو المذهب المنصوص في "الأم" و"المختصر" و"البويطي" وإن الأول لا يعرف في شيء من كتبه.
(فإن فقد العاقل، أو لم يف .. عقل بيت المال عن المسلم) لحديث: "أَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارثَ لَهُ، أَعْقِلُ عَنْهُ وَأَرثُهُ" أخرجه أبو داوود والنسائي، وصححه ابن حبان 466.
والمسلم يرثه المسلمون، بخلاف الذمي؛ فإن ماله ينتقل إليهم فيئًا لا إرثًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 133
فَإِنْ فُقِدَ .. فَكُلُّهُ عَلَى الْجَانِي فِي الأَظْهَرِ. وَتُؤَجَّلُ عَلَى الْعَاقِلَةِ دِيَةُ نَفْسٍ كَامِلَةٍ ثَلَاثَ سِنِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثٌ، وَذِمِّيٍّ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثًا، وَامْرَأَةٍ سَنَتَيْنِ فِي الأُولَى ثُلُثٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثًا. وَتَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الْعَبْدَ فِي الأَظْهَرِ، فَفِي كُلِّ سَنةٍ قَدْرُ ثُلُثِ دِيَةٍ، وَقِيلَ: فِي ثَلَاثٍ،
(فإن فقد) بيت المال ( .. فكله على الجاني في الأظهر) بناءً على أنها تلزم الجاني ابتداءً، ثم يتحملها العاقلة، فيجب عليه تمام القسط كل سنة، والثاني: لا؛ بناءً على أنها تجب عليهم ابتداءً.
(وتؤجل على العاقلة دية نفس كاملة) وهي دية الرجل المسلم الحر (ثلاث سنين في كل سنة ثلث) بالإجماع؛ كما حكاه الشافعي والترمذي 467.
واختلفوا في المعنى الذي لأجله كانت في ثلاث سنين، فقيل: لأنها بدل نفس محترمة، وقيل: لأنها دية كاملة، وهو الأصحُّ.
وتظهر فائدة الخلاف في دية النفس الناقصة؛ كالذمي والمرأة كما سيذكره، والتقييد بالعاقلة يخرج بيت المال والجاني مع أنهما كذلك.
(وذمي سنة) بناءً على الأصحِّ؛ فإنها قدر دية المسلم، (وقيل: ثلاثًا) بناءً على أنها بدل نفس.
(وامرأة) مسلمة حرة (سنتين في الأولى ثلث) أي: ثلث الدية الكاملة، والباقي في السنة الثانية، (وقيل: ثلاثًا) أي: في ثلاث سنين؛ لأنها بدل نفس.
(وتحمل العاقلة العبد في الأظهر) لأنه بدل آدمي فأشبه الحر، والثاني: لا، بل هي حالة على الجاني؛ لأنه مضمون بالقيمة فأشبه البهيمة، (ففي كل سنة قدر ثلث دية، وقيل: في ثلاث) فإن كانت قيمته قدر دية حر مسلم .. ضربت في ثلاث سنين لا محالة، وإن كانت قدر ديتين .. ضربت في ست في كل سنة قدر ثلث دية كاملة؛ نظرًا إلى المقدر، وقيل: في ثلاث؛ لأنها بدل نفس، وإن كانت قدر ثلث الدية الكاملة .. ضربت في سنة لا غير.
الجزء: 4 - الصفحة: 134
وَلَوْ قَتلَ رَجُلَيْنِ .. فَفِي ثَلَاثٍ، وَقِيلَ: سِتٍّ، وَالأَطْرَافُ فِي كُلِّ سَنَةٍ قَدْرُ ثُلُثِ دِيَةٍ، وَقِيلَ: كُلُّهَا فِي سَنَةٍ. وَأَجَلُ النَّفْسِ مِنَ الزُّهُوقِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْجِنَايَةِ، وَمَنْ مَاتَ بِبَعْضِ سَنَةٍ .. سَقَطَ
(ولو قتل رجلين) مسلمين ( .. ففي ثلاث) لأن الواجب ديتان مختلفتان، والمستحق مختلف؛ فلا يؤخر حق بعضهم باستحقاق غيره، وهذا كالديون المختلفة إذا اتفق انقضاء آجالها، (وقيل: ست) لأن بدل النفس الواحدة يضرب في ثلاث سنين، ويزاد للأخرى مثلها، ولو قتل ثلاثة واحدًا .. فعلى عاقلة كل واحد ثلث دية مؤجلة عليه في ثلاث سنين، وقيل: في سنة.
(والأطراف) وأرش الجرح، والحكومة (في كل سنة قدر ثلث دية) فإن كانت أكثر من ثلث الدية، ولم تزد على ثلثين .. ففي سنتين، فيؤخذ قدر ثلث الدية في آخر السنة الأولى، والباقي في آخر السنة الثانية، وإن زاد على الثلثين ولم يزد على دية النفس .. ففي ثلاث سنين، وإن زادت على دية النفس .. فنعتبر المقدار، (وقيل: كلها في سنة) بالغة ما بلغت؛ لأنها ليست بدل نفس حتى تؤجل.
(وأجل النفس من الزهوق) أي: ابتداء المدة منه؛ لأنه وقت استقرار الوجوب (وغيرها) أي: وابتداء مدة ما دون النفس (من الجناية) لأنها حالة الوجوب فأنيط الابتداء بها كما أنيط بحالة الزهوق في النفس؛ لأنها حالة وجوب ديتها.
ومحل هذا: إذا لم تسر فإن سرت من عضو إلى عضو؛ بأن قطع إصبعه فسرت إلى كفه .. ففي ابتداء المدة ثلاثة أوجه في "أصل الروضة": أحدها: من سقوط الكف، وهو ما أورده البغوي، وثانيها: من الاندمال، وهو ما أورده الشيخ أبو حامد وأصحابه، وثالثها: ابتداء أرش الإصبع من يوم القطع، وأرش الكف من يوم سقوطها، وهو ما اختاره القفال، والروياني، والإمام، والغزالي، ومال في "الشرح الصغير" إلى ترجيحه 468.
(ومن مات) من العاقلة (ببعض سنة .. سقط) الذي عليه من حصة تلك السنة،
الجزء: 4 - الصفحة: 135
وَلَا يَعْقِلُ فَقِيرٌ وَرَقِيقٌ وَصَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَمُسْلِمٌ عَنْ كَافِرٍ وَعَكْسُهُ، وَيَعْقِلُ يَهُودِيٌّ عَنْ نَصْرَانِيٍّ وَعَكْسُهُ فِي الأَظْهَرِ. وَعَلَى الْغَنِيِّ نِصْفُ دِينَارٍ، وَالْمُتَوَسِّطِ رُبُعٌ
ولا يؤخذ من تركته؛ لأنها مواساة؛ كالزكاة، بخلاف الجزية على الأصحِّ؛ لأنها كالأجرة لدار الإسلام.
(ولا يعقل فقير) ولو مكتسبًا؛ لأن العقل مواساة، والفقير ليس من أهلها؛ كنفقة القريب، بخلاف الجزية؛ لأنها موضوعة لحقن الدم، وإقراره في دار الإسلام فصارت عوضًا.
(ورقيق) ولو مكاتبًا؛ إذ لا ملك له .. فلا مواساة، والمكاتب وإن ملك فملكه ضعيف، وليس من أهل المواساة، ولهذا لا تجب عليه الزكاة.
(وصبي ومجنون) لأن مبناه على النصرة ولا نصرة فيهما، لا بالفعل ولا بالرأي، بخلاف الزمن، والشيخ الهم، والمريض، والبالغ حد الزمانة، والأعمى؛ فإنهم يتحملون على الصحيح؛ لأنهم ينصرون بالقول والرأي.
وقضية إطلاقهم: أنه لا فرق بين الجنون المتقطع والمطبق، قال الأَذْرَعي: وقد يقال: ينظر إلى الأغلب عليه، ويحتمل أن لو كان في العام يومًا واحدًا، وليس هو آخر السنة فلا عبرة به.
(ومسلم عن كافر، وعكسه) لأنه لا موالاة بينهما، ولا توارث فلا مناصرة.
(ويعقل يهودي عن نصراني، وعكسه في الأظهر) كالإرث؛ إذ الكفر ملة واحدة، والثاني: لا؛ لانقطاع الموالاة بينهما.
وسكت عن اشتراط الذكورة في العاقلة؛ اكتفاء بذكر العصوبة أول الباب، فلا تعقل امرأة ولا خنثى.
(وعلى الغني نصف دينار) لأنه أول درجات المواساة في الزكاة، والزيادة إجحاف لا ضابط لها.
(والمتوسط ربع) لأنه واسطة بين الفقير الذي لا شيء عليه، والغني الذي عليه نصف دينار، ولم يجز إلحاقه بأحد الطرفين؛ لأنه إفراط أو تفريط، فتوسط فيه بربع دينار قال الرافعي: ويشبه أن يكون المرعي في وجوب النصف أو الربع قدرهما،
الجزء: 4 - الصفحة: 136
كُلَّ سَنَةٍ مِنَ الثَّلَاثِ، وَقِيلَ: هُوَ وَاجِبُ الثَّلَاثِ، وَيُعْتبَرَانِ آخِرَ الْحَوْلِ، وَمَنْ أَعْسَرَ فِيهِ .. سَقَطَ
لا أنه يلزم العاقلة عين الذهب؛ لأن الإبل هي الواجبة في الدية، وما يؤخذ يصرف في الإبل، وللمستحق ألا يقبل غيرها، ويوضحه: أن المتولي قال: عليه نصف دينار أو ستة دراهم 469، قال البغوي: ويضبط الغني والمتوسط بالعادة، ويختلف باختلاف البلدان والأزمان 470.
ورأى الإمام: أن الأقرب: اعتبار ذلك بالزكاة، فإن ملك عشرين دينارًا آخر الحول .. فغني، وإن ملك دون ذلك فاضلًا عن حاجاته .. فمتوسط، قال: ويشترط: أن يملك شيئًا فوق المأخوذ، وهو الربع، لئلا يصير فقيرًا، وشرطهما: أن يكون ما يملكانه فاضلًا عن مسكن، وثياب، وسائر ما لا يكلف بيعه في الكفارة.
انتهى 471، ومال في "الشرح الصغير" إلى كلام الإمام، واستنبط ابن الرفعة من كلامهم: أن المراد بالفقير هنا: من لا يملك كفايته على الدوام، وصرح به صاحب "البيان" 472.
(كل سنة من الثلاث) لأنها مواساة تتعلق بالحول، فتكررت بتكرره؛ كالزكاة، فجميع ما يلزم الغني في السنين الثلاث دينار ونصف والمتوسط نصف وربع، (وقيل: هو) أي: النصف، أو الربع (واجب الثلاث) لأن الأصل عدم الضرب، فلا يخالفه إلا في هذا القدر، فعلى هذا: يؤدي الغني كل سنة سدس دينار، والمتوسط نصف سدسه.
(ويعتبران) أي: الغني والمتوسط (آخر الحول) لأنه حق مالي متعلق بالحول على جهة المواساة، فاعتبر بآخره، كالزكاة.
(ومن أعسر فيه) أي: في آخر الحول ( .. سقط) أي: لا يلزمه شيء من واجب
الجزء: 4 - الصفحة: 137
فَصْلٌ [في جناية الرقيق]
مَالُ جِنَايَةِ الْعَبْدِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَلِسَيِّدِهِ بَيْعُهُ لَهَا، وَفِدَاؤُهُ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَأَرْشِهَا، وَفِي الْقَدِيمِ: بِأَرْشِهَا، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ مَعَ رَقَبَتِهِ فِي الأَظْهَرِ
ذلك الحول وإن كان موسرًا من قبل، أو أيسر بعده، لخروجه عن أهلية المواساة، ولو كان موسرًا آخر الحول .. لزمه، ولو أعسر بعده .. فهو دين عليه.
(فصل: مال جناية العبد) بأن كانت خطأً، أو عمدًا، وعفي على مال (يتعلق برقبته) بالإجماع، كما حكاه البيهقي 473؛ لأنه لا يمكن إلزام السيد؛ لأنه لم يجن، ففيه إضرار به، ولا أن يكون في ذمة العبد إلى العتق، للإضرار بالمستحق، فجعل التعلق بالرقبة طريقًا وسطًا.
ويستثنى: ما إذا كان العبد غير مميز، أو أعجميًّا يعتقد وجوب طاعة السيد فأمره بها .. فالجاني هو السيد، ولا يتعلق الضمان برقبته على الأصحِّ في "أصل الروضة" في (الرهن)، وفي مسائل الإكراه 474، لكن نص في "الأم" على خلافه، كما قاله البُلْقيني.
(ولسيده بيعه لها) أي: للجناية (وفداؤه) كالمرهون (بالأقل من قيمته وأرشها) لأنه إن كانت قيمته أقل .. فليس عليه إلا تسليمه، فإذا لم يسلمه .. طولب بقيمته، وإن كان الأرش أقل .. فليس للمجني عليه إلا ذلك.
(وفي القديم: بأرشها) بالغًا ما بلغ؛ لأنه لو سلمه ربما بيع بأكثر من قيمته، وعلى الأول: تعتبر القيمة يوم الجناية، وقيل: يوم الفداء.
(ولا يتعلق) مال الجناية (بذمته مع رقبته في الأظهر) لأنه لو تعلق بالذمة .. لما تعلق بالرقبة؛ كديون معاملاته، والثاني: نعم، كالمال الواجب بجناية الحر، وعلى
الجزء: 4 - الصفحة: 138
وَلَوْ فَدَاهُ ثُمَّ جَنَى .. سَلَّمَهُ لِلْبَيع أَوْ فَدَاهُ، وَلَوْ جَنَى ثَانِيًا قَبْلَ الْفِدَاءِ .. بَاعَهُ فِيهِمَا أَوْ فَدَاهُ بالأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَالأَرْشَيْنِ، وَفِي الْقَدِيمِ: بِالأَرْشَيْنِ. وَلَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ وَصَحَّحْنَاهُمَا أَوْ قَتَلَهُ .. فَدَاهُ بِالأَقَلِّ، وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ، وَلَوْ هَرَبَ أَوْ مَاتَ .. بَرِئَ سَيِّدُهُ، إِلَّا إِذَا طُلِبَ فَمَنَعَهُ،
هذا: فالرقبة مرهونة بالحق الثابت في ذمته 475.
(ولو فداه ثم جنى .. سلمه للبيع أو فداه) مرة أخرى وإن تكرر ذلك مرارًا؛ لأنه الآن لم يتعلق به غير هذه الجناية.
(ولو جنى ثانيًا قبل الفداء .. باعه فيهما) أي: في الجنايتين ووزع الثمن على أرش الجنايتين، (أو فداه بالأقل من قيمته والأرشين) على الجديد (وفي القديم: بالأرشين) لما سلف.
ومحل الخلاف: ما إذا لم يمنع من بيعه مختارًا للفداء، فإن منع .. لزمه أن يفدي كلًّا منهما؛ كما لو كان منفردًا، صرح به الرافعي في الكلام على جناية المستولدة 476، وأسقطه من "الروضة"، كذا قاله الزركشي وشيخنا ولم يسقطه في "الروضة" 477، بل ذكر فيها في الموضع المذكور كما في "الرافعي" فقال: (فرع: لو جنى القن فمنع السيد من بيعه، واختار الفداء، ثم جنى ففعل مثل ذلك .. يلزمه لكل جنايةٍ الأقل من أرشها وقيمته).
(ولو أعتقه أو باعه، وصححناهما) أي: العتق والبيع (أو قتله .. فداه) حتمًا؛ لأنه فوت محل حقه، وسبق في (البيع) بيان صحة بيعه وعدمه، وعتقه كعتق المرهون؛ إن كان موسرًا .. نفذ، وإلا .. فلا على الأظهر (بالأقل) أي: بأقل الأمرين؛ لتعذر البيع، وبطلان زيادة راغب، (وقيل: القولان) السابقان (ولو هرب) العبد الجاني (أو مات .. برئ سيده، إلا إذا طلب) ليباع (فمنعه) لتعديه
الجزء: 4 - الصفحة: 139
وَلَوِ اخْتَارَ الْفِدَاءَ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ وَتَسْلِيمَهُ. وَيَفْدِي أُمَّ وَلَدِهِ بِالأَقَلِّ، وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ، وَجِنَايَاتُهَا كَوَاحِدَة فِي الأَظْهَرِ.
بالمنع، ويصير بذلك مختارًا للفداء.
(ولو اختار الفداء .. فالأصح: أن له الرجوع وتسليمه) ليباع؛ لأنه وعد، ولا أثر له، واليأس لم يحصل من بيعه، والثاني: يلزمه؛ عملًا بالتزامه، هذا إذا كان العبد حيًّا؛ فإن مات .. فلا رجوع له قطعًا.
(ويفدي أم ولده) أي: يتعين؛ لأنه بالاستيلاد مانع من بيعها مع بقاء الرق فيها، فأشبه ما إذا جنى القن .. فلم يسلمه للبيع (بالأقل) من قيمتها والأرش؛ كما لو امتنع من بيع الجاني، (وقيل: القولان) السابقان في القن، والأصحّث: الأول؛ لعدم توقع راغب بالزيادة، فإن البيع ممتنع، بخلاف القن.
(وجناياتها كواحدة في الأظهر) فيلزمه للكل فداء واحد؛ لأن الاستيلاد منزَّل منزلة الإتلاف، وإتلاف الشيء لا يوجب إلا قيمة واحدة، ولأنها لو لم تكن مستولدة، وبيعت .. لم يظفر جميع الأولياء إلا بقيمتها فليقدر السيد مشتريًا، والثاني: يلزمه لكل جناية فداء؛ لأنه منع من بيعها عند الجناية الثانية؛ كما في الأولى، ورجحه البُلْقيني، وحكى عن الشافعي أنه قال: إنه أحب القولين إليه.
والثالث: إن فدى الأولى قبل جنايتها الثانية .. لزمه فداء آخر، وإلّا .. فواحد، فعلى الأظهر: يشترك المجني عليهما أو عليهم على قدر جناياتهم، ومن قبض أرشًا .. حوصص فيه؛ كغرماء المفلس إذا اقتسموا، ثم ظهر غريم أو غرماء، وكلما تجددت جناية .. تجدد الاسترداد.
ومحل الخلاف: أن يكون أرش الجناية الأولى كالقيمة، أو أكثر، أو أقل، والباقي من القيمة لا يفي بالجناية الثانية؛ فإن كان أرش الأولى دون القيمة وفداها به، وكان الباقي من قيمتها يفي بالجناية الثانية .. فداها بأرشها قطعًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 140
فَصْلٌ [في الغرة]
فِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ إِنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا بِجِنَايَةٍ فِي حَيَاتِهَا أَوْ مَوْتهَا، وَكَذَا إِنْ ظَهَرَ بِلَا انْفِصَالٍ فِي الأَصَحِّ، وَإِلَّا .. فَلَا، أَوْ حَيًّا وَبَقِيَ زَمَانًا بِلَا أَلَمٍ ثمَّ مَاتَ .. فَلَا ضَمَانَ،
(فصل: في الجنين) الحر المسلم (غرة إن انفصل ميتًا بجناية) تؤثر في الجنين من ضرب وإيجار دواء ونحوهما (في حياتها أو موتها) لحديث أبي هريرة الثابت في "الصحيحين": (اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى أن دية جنينهما غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها) 478.
وسميت النسمة من الرقيق غرة؛ لأنها غرة ما يملكه؛ أي: أفضله، وغرة كل شيء: خياره.
وقوله: (في حياتها أو موتها) متعلق بـ (انفصل) أي: انفصل في حياتها بجناية، أو انفصل بعد موتها بجناية في حياتها.
(وكذا إن ظهر بلا انفصال في الأصح) لتحقق وجوده، والثاني: لا بد من تمام انفصاله، لأن ما لم ينفصل كالعضو منها، وقياسا على انقضاء العدة، وسائر الأحكام.
ويتفرع على الوجهين: ما إذا ضرب بطنها، فخرج رأس الجنين مثلًا، وماتت الأم بذلك، ولم ينفصل أو خرج رأسه ثم جنى عليها فماتت، فعلى الأصحِّ: تجب الغرة؛ لتيقن وجوده، والثاني: لا تجب؛ لعدم الانفصال.
(وإلا) أي: وإن ماتت الأم ولم ينفصل الولد ولم يظهر ( .. فلا) غرة، لأنا لا نتيقن وجود الجنين، فلا نوجب شيئًا بالشك.
(أو حيًّا) أي: أو انفصل حيًّا (وبقي زمانًا بلا ألم، ثم مات .. فلا ضمان) لأن الظاهر: أنه مات بسبب آخر.
الجزء: 4 - الصفحة: 141
وَإِنْ مَاتَ حِينَ خَرَجَ أَوْ دَامَ أَلَمُهُ وَمَاتَ .. فَدِيَةُ نَفْسٍ. وَلَوْ أَلْقَتْ جَنِينَيْنِ .. فَغُرَّتَانِ، أَوْ يَدًا .. فَغُرَّةٌ، وَكَذَا لَحْم قَالَ الْقَوَابِلُ: (فِيهِ صُورَةٌ خَفِيَّة)، قِيلَ: أَوْ قُلْنَ: (لَوْ بَقِيَ .. لَتَصَوَّرَ). وَهِيَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، مُمَيِّزٌ سَلِيمٌ مِنْ عَيْبِ مَبِيعٍ، وَالأَصَحُّ: قَبُولُ كَبِيرٍ لَمْ يَعْجَزْ بِهَرَمٍ، وَيُشْتَرَطُ بُلُوغُهَا نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ،
(وإن مات حين خرج) وتم انفصاله (أو دام المه، ومات) منه ( .. فدية نفس) لأنا تيقنا حياته، وقد هلك بالجناية فأشبه سائر الأحياء.
(ولو ألقت جنينين .. فغرتان) أو ثلاثة فثلاثة؛ لأن الغرة متعلقة باسم الجنين فتعدد بتعدده.
(أو يدًا) أو رجلًا ولم ينفصل ( .. فغرة) لأن العلم حصل بوجود الجنين، والغالب على الظن أن يده بانت بالجناية، واليدان كاليد، وكذا الثلاث والأربع على الأصحِّ.
(وكذا لحم قال القوابل: "فيه صوره خفية") لا يعرفها إلا أهل الخبرة بوجوده، (قيل: أو قلن: "لو بقي .. لتصور") أي: لم تكن فيه صورة ظاهرة ولا خفية فعرفها القوابل، لكن قلن: (إنه أصل آدمي، ولو بقي .. لتصور وتخلق)، فتجب الغرة؛ كما تنقضي به العدة، والمذهب: لا غرة، كما لا تصير أم ولد، وقد سبق إيضاح ذلك في (باب العدد).
(وهي) أي: الغرة الواجبة (عبد أو أمة) كما نطق به الخبر (مميز) فلا يقبل من لا تمييز له؛ لأن الغرة الخيار، وغير المميز ليس بخيار؛ لأنه يحتاج إلى من يكفله، (سليم من عيب مبيع) لأن المعيب ليس من الخيار؛ فإن رضي به .. جاز.
(والأصح: قبول كبير لم يعجز بهرم) لأنه من الخيار ما لم تنقص منافعه، وهذا ما نص عليه في "الأم"، والثاني: لا يقبل بعد عشرين سنة؛ لأنه ينقص ثمنه حينئذ.
(ويشترط بلوغها) أي: بلوغ قيمة الغرة (نصف عشر الدية) أي: دية الأب، وهو خمس من الإبل، روي ذلك عن عمر، وعلي، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، قال الماوردي: ولم يخالفهم فيه أحد، فكان إجماعًا 479.
الجزء: 4 - الصفحة: 142
فَإِنْ فُقِدَتْ .. فَخَمْسَةُ أَبْعِرَة، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ، فَلِلْفَقْدِ قِيمَتُهَا، وَهِيَ لِوَرَثَةِ الْجَنِينِ وَعَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي، وَقِيلَ: إِنْ تَعَمَّدَ .. فَعَلَيْهِ. وَالْجَنِينُ الْيَهُودِيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ قِيلَ: كَمُسْلِمٍ، وَقِيلَ: هَدَرٌ، وَالأَصَحُّ: غُرَّةٌ كَثُلُثِ غُرَّةِ مُسْلِمٍ
(فإن فقدت) الغرة أو وجدت بأكثر من ثمن المثل ( .. فخمسة أبعرة) لأنها مقدرة بالخمس عند وجودها، فعند عدمها يأخذ ما كانت مقدرة به، وإذا انتقل إلى الإبل عند فقد الغرة .. غلظنا إن كانت الجناية شبه عمد؛ بأن يؤخذ حقة ونصف، وجذعة ونصف، وخلفتان، ولم يتكلموا في التغليظ عند وجود الغرة، لكن قال الروياني: ينبغي أن يقال: تجب غرة قيمتها نصف عشر الدية المغلظة، قال الرافعي: وهذا حسن 480.
(وقيل: لا يشترط) إن تبلغ الغرة نصف عشر الدية؛ لإطلاق لفظ العبد والأمة في الخبر (فللفقد قيمتها) على هذا الوجه بالغة ما بلغت؛ كما لو غصب عبدًا فمات.
(وهي) أي: الغرة (لورثة الجنين) لو انفصل حيًّا ثم مات؛ لأنها دية نفس، ولو جنت الحامل بشرب دواء أو غيره .. فلا شيء لها منها؛ لأنها قاتلة.
(وعلى عاقلة الجاني) لحديث أبي هريرة السالف أول الفصل 481، (وقيل: إن تعمد) بأن قصدها بما يلقي غالبًا ( .. فعليه) أي: على الجاني؛ بناءً على أنه يتصور في ذلك العمد المحض، والأصحُّ: أنها على العاقلة؛ بناءً على المذهب من كونه لا يتصور العمد في ذلك، وإنما يكون خطأ أو عمد خطأ؛ لأنه لا يتحقق وجوده وحياته حتى يقصد.
(والجنين اليهودي أو النصراني) الذي لأمه حرمة ذمة، أو عهد، أو رق (قيل: كمسلم) فتجب غرة؛ لأنه لا سبيل إلى الإهدار، ولا إلى تجزئة الغرة، (وقيل: هدر) إذ لا سبيل إلى التسوية بينهما، والتجزئة ممتنعة.
(والأصح: غرة؛ كثلث غرة مسلم) قياسًا على الدية، وقد بسط الأَذْرَعي الكلام في هذه المسألة، وذكر ما ملخصه: أن المذكور في "النهاية" في المسألة ثلاثة
الجزء: 4 - الصفحة: 143
وَالرَّقِيقُ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ يَوْمَ الْجِنَايَةِ - وَقِيلَ: الإِجْهَاضِ -
أوجه: أحدها: أنه لا تجب فيه شيء من الغرة أصلًا، وإنما الواجب فيه عشر دية الأم، والثاني: أنه يجب جزء من الغرة، نسبته من الغرة كنسبة دية أهل الجنين من الدية الكاملة، ففي الجنين النصراني ثلث الغرة، وفي المجوسي جزء منسوب إلى ديته، والثالث: أنه يجب عبد كامل؛ لأن التبعيض محذور، والتسوية بين المسلم والكافر ممتنعة، فيجب عبد نسبة قيمته من دية النصراني مثلًا خمس من الإبل من دية المسلم؛ فالواجب على هذا: غرة كاملة بالشخص ناقصة بالقيمة.
ثم قال: إذا علمت هذا .. علمت أن الوجه الأول في "المنهاج": هو الثالث فيه لا غيره، وأنه ليس لنا وجه محقق أنه تجب فيه غرة كالغرة الواجبة في المسلم من غير فرق؛ كما هو ظاهر عبارة الشيخين، وأنه ليس لنا وجه بالإهدار، وأن القول به وهم قطعًا، ولم أر من صرح بالإهدار غير "المنهاج"، وهو خلاف نصوص الشافعي في كتبه، وخلاف ما عرف من مذهبه ضرورة.
(والرقيق عشر قيمة أمه) قياسًا على الجنين الحر؛ فإن الغرة فيه معتبرة بعشر ما ضمن به الأم، وسواء فيه القنة، والمدبرة، والمكاتبة، والمستولدة، والذكر والأنثى؛ لاستوائهما فيما ورد في النص، وهو الحر (يوم الجناية) عليها؛ لأنه وقت الوجوب.
(وقيل: الإجهاض) لأن الجناية صارت نفسًا اعتبر بدلها وقت استقرارها؛ كالجناية على العبد إذا عتق، والكافر إذا أسلم.
وإطلاقه اعتبار يوم الجناية يقتضي: أنه سواء كانت القيمة فيه أكثر من وقت الإلقاء أو أقل، وبه صرح القاضي حسين وغيره، لكن الرافعي لما حكى أن الأصح: اعتبار يوم الجناية .. علله بأن قيمته حينئذ أكمل غالبًا، قال: فإن فرضت زيادة القيمة مع تواصل الآلام .. اعتبرت تلك الزيادة، قال الرافعي: وحقيقة هذا الوجه النظر إلى أقصى القيم 482، ولهذا عبر في "أصل الروضة" بأن الأصح المنصوص: أنه تعتبر
الجزء: 4 - الصفحة: 144
لِسَيِّدِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً، وَالْجَنِينُ سَلِيمٌ .. قُوِّمَتْ سَلِيمَةً فِي الأَصَحِّ، وَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ فِي الأَظْهَرِ.
القيمة أكثر ما كانت من الجناية إلى الإجهاض 483.
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما إذا انفصل الجنين حيًّا، ومات من أثر الجناية .. فإن فيه قيمته يوم الانفصال وإن نقصت عن عشر قيمة الأم.
(لسيدها) أي: تكون الغرة لسيد الأمة؛ لأنه المالك.
وعبارة "المحرر" كـ "الشرح": للسيد 484؛ يعني: سيد الجنين، وهو الصواب؛ لأن الجنين قد يكون لشخص وُصِّيَ له به، وتكون الأم لآخر، فالبدل لسيده لا لسيدها.
(فإن كانت) الأم (مقطوعة) الأطراف (والجنين سليم .. قومت سليمة في الأصح) كما لو كانت كافرة والجنين مسلم؛ فإنه يقدر فيها الإسلام وتقوم مسلمة، والثاني: لا تقدر فيها السلامة؛ لأن نقصان الأغضاء أمر خلقي، وفي تقدير خلافه بعدٌ، بخلاف صفة الإسلام وغيره، كذا علله الرافعي 485، وهو يفهم أن صورة المسألة في نقص الأم من أصل الخلقة، وهو مخالف لتعبيرهم بالمقطوعة.
وقد يوهم كلام المصنف: أنه لو كان الجنين مقطوعًا، والأم سليمة .. قومت مقطوعة، وليس كذلك، بل تقوم سليمة أيضًا على الأصحِّ؛ لأن نقصان الجنين قد يكون من أثر الجناية، واللائق التغليظ على الجاني لا التخفيف.
فلو قال: (وعكسه) .. لشمل هذه الصورة.
(وتحمله) أي: بدل الجنين (العاقلة في الأظهر) هذا هو الخلاف في أن الرقيق هل تحمله العاقلة؟ وقد سبق.
الجزء: 4 - الصفحة: 145
فَصْلٌ [في كفارة القتل]
تَجِبُ بِالْقَتْلِ كَفَّارَةٌ وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ صَبِيًّا، وَمَجْنُونًا، وَعَبْدًا، وَذِمِّيًّا، وَعَامِدًا، وَمُخْطِئًا، وَمُتْسَبِّبًا بِقَتْلِ مُسْلِمٍ - وَلَوْ بِدَارِ حَرْبٍ - وَذِمِّيٍّ
(فصل: تجب بالقتل كفارة) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
وخرج بـ (القتل): الأطراف، والجراحات، فلا كفارة فيها؛ لعدم الورود.
(وإن كان القاتل صبيًّا ومجنونًا) لأن الكفارة من باب الضمان، ويفارق وقاعهما في رمضان؛ فإنه لا كفارة عليهما؛ لعدم التعدي منهما، والتعدي شرط في وجوب تلك الكفارة، وللولي الإعتاق عنهما من مالهما؛ كما يخرج الزكاة والفطرة منه، فلو أعتق الولي من مال نفسه عنهما .. قال البغوي: إن كان أبًا أو جدًّا .. جاز، وكأنه ملكهما ثم ناب عنهما في الإعتاق، وإن كان وصيًّا أو قيّمًا .. لم يجز حتى يقبل القاضي لهما التمليك، وأقراه 486، ولا يصوم الولي عنهما بحال، فلو صام الصبي في صباه .. أجزأه على الأصحِّ.
(وعبدًا وذميًّا) كما يتعلق بفعلهما القصاص والضمان، ويتصور إعتاق الذمي للمسلم؛ بأن يسلم في ملكه، أو يقول لمسلم: (أعتق عبدك عن كفارتي)، فإنه يصح على الأصحِّ.
(وعامدًا) كالمخطئ، وأولى، لأن الكفارة للجبر، والعامد أحوج إليها، ومثله شبه العمد، (ومخطئًا) بالإجماع.
(ومتسببًا) لأنه كالمباشر في الضمان، فكذا في الكفارة (بقتل مسلم ولو بدار حرب) وإن لم يجب فيه القصاص ولا الدية؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، وسواء ظن كفره، أو تترس به العدو.
(وذمي) لأنه آدمي مضمون، وفي معناه: كل معصوم بأمان أو عهد.
الجزء: 4 - الصفحة: 146
وَجَنِينٍ وَعَبْدِ نَفْسِهِ وَنَفْسِهِ، وَفِي نَفْسِهِ وَجْهٌ، لَا امْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ حَرْبِيَّيْنِ وَبَاغٍ وَصَائِلٍ وَمُقْتَصٍّ مِنْهُ،
(وجنين) لقضاء عمر رضي الله عنه بذلك 487، قال ابن المنذر: ولا أعلم فيه خلافًا.
(وعبد نفسه) لعموم الآية وإن كانت القيمة لا تجب؛ لأنها لو وجبت .. لوجبت عليه له، بخلاف الكفارة، فإنها حق لله تعالى.
(ونفسه) أي: وتجب الكفارة على قاتل نفسه؛ لحق الله تعالى، وتخرج من تركته، ويحرم عليه قتل نفسه، كما يحرم على غيره قتله، (وفي نفسه وجه) أنها لا تجب عليه إذا فعل ذلك؛ كما لا يجب الضمان بالمال.
ويستثنى من إطلاقه وجوب الكفارة بالقتل: الجلاد القاتل بأمر الإمام إذا جرى على يده قتل غير مستحق، وهو جاهل به .. فإنه لا كفارة عليه؛ لأنه سيف الإمام، وآلة سياسته، ذكراه في الاستيفاء من الحامل 488.
(لا امرأة وصبي حربيين) وإن كان يحرم قتلهما؛ لأن المنع من قتلهما ليس لحرمتهما ورعاية مصلحتهما، ولذلك لا يتعلق به ضمان، وإنما هو لمصلحة المسلمين حتى لا يفوتهم الارتفاق بهم.
(وباغ وصائل) قتلا دفعًا؛ لأنهما لا يضمنان فأشبها الحربي، وكذا لا يجب على الباغي بقتله العادل على الأصحِّ.
(ومقتص منه) إذا قتله المستحق للقود؛ لأنه مباح الدم بالنسبة إليه، ولا يجب أيضًا بقتل المرتد، وقاطع الطريق، والزاني المحصن، ولا على من أصاب غيره بالعين، واعترف أنه قتله بالعين؛ كما لا قصاص ولا دية عليه؛ لأن ذلك لا يعد مهلكًا وإن كانت العين حقًّا، والفاعل لذلك التأثير هو الله تعالى، ثم قيل: تنبعث جواهر لطيفة غير مرئية فتخلل المسام، فيخلق الله تعالى الهلاك عندها، وقد أمر صلى الله عليه وسلم العائن أن يتوضأ، وفسره مالك بأن يغسل وجهه ويديه ومرفقيه
الجزء: 4 - الصفحة: 147
وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الشُّرَكَاءِ كَفَّارَةٌ فِي الأَصَحِّ، وَهِيَ كَظِهَارٍ لكِنْ لَا إِطْعَامَ فِي الأَظْهَرِ.
وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره؛ أي: ما يلي جسده من الإزار، وقيل: وركه، وقيل: مذاكيره، قيل: ويصب على رأس الذي أصيب بالعين.
ورجح الماوردي إيجاب ذلك، وبه قال بعض العلماء.
قيل: وينبغي للسلطان: منع من عرف بذلك من مخالطة الناس، ويأمره بلزوم بيته، ويرزقه ما يكفيه إن كان فقيرًا؛ فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي منعه عمر رضي الله عنه من مخالطة الناس، ويندب للعائن أن يدعو له بالبركة، فيقول: (اللهم؛ بارك فيه ولا تضره)، وأن يقول: (لا قوة إلا بالله، ما شاء الله).
(وعلى كل من الشركاء كفارة في الأصح) أما العمد .. فكالقصاص، وأما في غيره .. فلأن فيها معنى العبادة، وهي لا توزع، وفارق الدية؛ لأنها تتبعض، والثاني: على الجميع كفارة واحدة؛ كقتل الصيد.
(وهي كظهار) في الترتيب فيعتق أولًا؛ فإن لم يجد .. فيصوم شهرين متتابعين؛ للآية (لكن لا إطعام) عند العجز عن الصوم (في الأظهر) إذ لا نص فيه، والمتبع في الكفارة النص لا القياس، ولم يذكر الله تعالى في كفارة القتل غير العتق والصيام.
ولا يحمل المطلق على المقيد في الظهار؛ لأن المطلق إنما يحمل على المقيد في الأوصاف دون الأصل؛ بدليل أن اليد المطلقة في التيمم حملت على المقيد بالمرافق في الوضوء؛ لأنه كالوضوء، ولم يحمل إغفال ترك الرأس والرجلين في التيمم على ذكرهما في الوضوء؛ لأنهما أصل، والثاني: تجب، قياسًا على كفارة الظهار.
ومحل عدم جواز الإطعام: في الحياة، فلو مات قبل الصوم .. أخرج من تركته لكل يوم مد لا بطريق البدلية، بل كمن فاته صوم شيء من رمضان، والقول في صفة الرقبة والصيام والإطعام إن أوجبناه .. على ما سبق في (الكفارات).
الجزء: 4 - الصفحة: 148
كتابُ دعوى الدَّم والقسامة يُشْتَرَطُ أَنْ يُفَصِّلَ مَا يَدَّعِيهِ مِنْ عَمْدٍ وَخَطَأٍ وَانْفِرَادٍ وَشرْكَةٍ - فَإِنْ أَطْلَقَ .. اسْتَفْصَلَهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: يُعْرِضُ عَنْهُ - وَأَنْ يُعَيِّنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَوْ قَالَ: (قَتَلَهُ أَحَدُهُمْ) .. لَمْ يُحَلِّفْهُمُ الْقَاضِي فِي الأَصَحِّ،
﴿كتاب دعوى الدم والقسامة﴾ 489
والشهادة على الدم؛ إذ الباب مشتمل على الأمور الثلاثة.
واستفتحه في "المحرر" بحديث: "الْبيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ" 490، وفي إسناده لين 491.
والقسامة بفتح القاف: اسم للأيمان، وقيل: اسم للأولياء، وأول من قضى بها الوليد بن المغيرة في الجاهلية فأقرها الشارع في الإسلام.
(يشترط) لصحة دعوى الدم (أن يفصل ما يدعيه من عمد وخطأ) (وشبه عمد (وانفراد وشركة) وبيان عدد الشركاء إنْ كان المدعى به المال دون القصاص؛ لاختلاف الأحكام بذلك.
وقد يفهم: أنه يكفي قوله: عمدًا أو خطأ، من غير بيان صفته، وليس كذلك.
(فإن أطلق .. استفصله القاضي) ندبًا، وقيل: حتمًا، (وقيل: يعرض عنه) ولا يستفصله؛ لأنه ضرب من التلقين، ومنع الأول كونه تلقينًا، بل التلقين أن يقول له: (قل: قتله عمدًا أو خطأً).
(وأن يعين المدعى عليه، فلو قال: "قتله أحدهم") أي أحد المدعى عليهم ( .. لم يحلفهم القاضي في الأصح) للإبهام، كما لو ادعى دينًا على أحد رجلين، والثاني: يحلفهم، للحاجة، لأن القاتل يخفي القتل، ويعسر على الولي معرفته، ولا ضرر عليهم في يمين صادقة.
الجزء: 4 - الصفحة: 149
وَيَجْرِيَانِ فِي دَعْوَى غَصْبٍ وَسَرِقَةٍ وَإِتْلَافٍ، وَإِنَّمَا تُسْمَعُ مِنْ مُكَلَّفٍ مُلْتَزِمٍ عَلَى مِثْلِهِ. وَلَوِ ادَّعَى انْفِرَادَهُ بِالْقَتْلِ ثُمَّ ادَّعَى عَلَى آخَرَ .. لَمْ تسمَعِ الثَّانِيَةُ، أَوْ عَمْدًا وَوَصَفَهُ بِغَيْرِهِ .. لَمْ يَبْطُلْ أَصْلُ الدَّعْوَى فِي الأَظْهَرِ
(ويجريان في دعوى غصب وسرقة وإتلاف) ونحوها؛ كما إذا ضل ماله .. فيدعي على جمع حاضرين أن أحدهم أخذه؛ إذ السبب ليس لصاحب الحق فيه اختيار، والمباشر له يقصد الكتمان، فأشبه الدم.
وضابط محل الخلاف: أن يكون سبب الدعوى ينفرد به المدعى عليه، فيجهل تعيينه، بخلاف دعوى القرض والبيع وسائر المعاملات؛ لأنها تنشأ باختيار المتعاقدين، وشأنها أن يضبط كل واحد منهما صاحبه.
(وإنما تسمع) الدعوى بالدم وغيره (من مكلف) فلا تسمع من صبي ومجنون؛ لإلغاء عبارتهما (ملتزم) فلا تسمع من حربي؛ لأنه لا يستحق قصاصًا ولا غيره (على مثله) فلا تسمع الدعوى على صبي ولا مجنون ولا حربي.
ودخل في المكلف: المحجور عليه بالسفه والفلس والرق؛ لأن المقصود من الدعوى الإقرار، ولو وجد .. لترتب عليه مقتضاه، فتسمع الدعوى على العبد فيما يقبل إقراره به، وكذا على السفيه بحد القذف والقصاص.
(ولو ادعى انفراده بالقتل ثم ادعى على آخر) أنه شريكه أو منفرد ( .. لم تسمع الثانية) لما فيه من تكذيب الأولى ومناقضتها.
نعم؛ لو صدقه الثاني .. ووخذ بها على الأصحِّ؛ لأن الحق لا يعدوهما، ويحتمل كذبه في الأولى وصدقه في الثانية.
وقد يفهم كلامه: بقاء الدعوى الأولى بحالها، وليس كذلك، فلو لم يقسم على الأولى، ولم يمض حكم .. لم يمكن من العود إليه.
(أو عمدًا، ووصفه بغيره) أي: بالخطأ أو شبه العمد ( .. لم يبطل أصل الدعوى في الأظهر) لأنه قد يظن الخطأ عمدًا، وحينئذ يعتمد تفسيره، ويمضي حكمه، وقال ابن داوود في "شرح المختصر": لا بد من تجديد الدعوى بالخطأ، والثاني: تبطل؛ لأن في دعوى العمد اعترافًا بأنه ليس بمخطئ، فلا يقبل رجوعه عنه.
الجزء: 4 - الصفحة: 150
وَتَثْبُتُ الْقَسَامَةُ فِي الْقَتْلِ بِمَحَلِّ لَوْثٍ، وَهُوَ: قَرِينَةٌ لِصِدْقِ الْمُدَّعِي؛ بِأَنْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحِلَّةٍ أَوْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ لِأعْدَائِهِ، أَوْ تَفَرَّقَ عَنْهُ جَمْعٌ
(وتثبت القسامة في القتل بمحل لوث) لقصة عبد الله بن سهل في "الصحيحين" 492.
(وهو) أي: اللوث (قرينة لصدق المدعي) سمي بذلك؛ لأن أصل اللوث في اللغة: هو القوة، وقيل: الضعف، فكأنه حجة ضعيفة (بأن وجد قتيل في محلة) منفصلة عن البلد الكبيرة، (أو قرية صغيرة لأعدائه) لأن قصة عبد الله بن سهل هكذا كانت، فإن أهل خيبر أعداء الأنصار، ووجوده بقرب المحلة أو القرية كوجوده بها.
ويشترط: ألا يساكن الأعداء غيرهم؛ لاحتمال أن الغير قتله، وهل يشترط: ألا يخالطهم غيرهم حتى لو كانت القرية على قارعة الطريق وكان يطرقها المارة والمجتازون، فلا لوث أو لا يشترط؟ وجهان، أصحهما في "الروضة" و"أصلها": الثاني 493، فإن خيبر يطرقها الأنصار، ولكن حكى في "شرح مسلم" عن الشافعي: الاشتراط، وقال في "المهمات": إنه الصواب الذي عليه الفتوى، فقد نص عليه الشافعي، وذهب إليه جمهور الأصحاب، بل جميعهم إلا الشاذ 494.
(أو تفرق عنه جمع) في دار دخلها عليهم ضيفًا، أو دخلها معهم لحاجة، أو في مسجد، أو طريق، أو ازدحم قوم على بئر، ثم تفرقوا عن قتيل؛ لقوة الظن هنا أيضًا، ولا يشترط هنا كونهم أعداءه.
الجزء: 4 - الصفحة: 151
وَلَوْ تَقَابَلَ صَفَّانِ لِقِتَالٍ وَانْكَشَفُوا عَنْ قَتِيلٍ، فَإِنِ الْتَحَمَ قِتَالٌ .. فَلَوْثٌ فِي حَقِّ الصَّفِّ الآخَرِ، وَإِلَّا .. فِي حَقِّ صَفِّهِ. وَشَهَادَةُ الْعَدْلِ لَوْثٌ، وَكَذَا عَبِيدٌ وَنسَاءٌ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ تَفَرُّقُهُمْ
نعم؛ يشترط كونهم محصورين بحيث يتصور اجتماعهم على القتيل، وإلا .. لم تسمع الدعوى، ولم يقسم.
(ولو تقابل صفان لقتال، وانكشفوا عن قتيل، فإن التحم قتال) أي: اختلط بعضهم ببعض، أو كان سلاح أحد الصفين يصل إلى الآخر برمي أو غيره ( .. فلوث في حق الصف الآخر) لأن الظاهر: أن أهل صفه لا يقتلونه، (وإلا) أي: وإن لم يلتحم، ولا كان يصل السلاح .. فاللوث (في حق صفه) لأن الظاهر: أنهم قتلوه.
(وشهادة العدل) الواحد بأن فلانًا قتله (لوث) لحصول الظن بصدقه، وسواء تقدمت شهادته على الدعوى أو تأخرت؛ كما جزم به في "أصل الروضة" والرافعي أبداه بحثًا، وهو رأي الإمام بعد أن نقل عن الأصحاب: أن سبيلها سبيل سائر الشهادات 495، هذا في قتل العمد، أما قتل الخطأ وشبه العمد .. فلا يكون لوثًا، بل يحلف معه يمينًا واحدة، ويستحق المال، صرح به الماوردي 496.
(وكذا عبيد ونساء) ممن تقبل روايتهم؛ لأنه يثير ظنًّا، (وقيل: يشترط تفرقهم) لاحتمال التواطؤ في حالة الاجتماع، والأصحُّ: المنع، واحتمال التواطؤ، كاحتمال الكذب في شهادة الواحد، وما صححه من عدم اشتراط تفرقهم جرى عليه في "أصل الروضةٌ، واعترض: بأن الرافعي قال: إنه الأقوى، وأراد من جهة البحث لا النقل، وصرح بأن المشهور: أنه لا يكون لوثًا، ونقله في "المطلب" عن النص، وقال: إنه الذي أورده سليم، وحكاه ابن الصباغ عن الأصحاب، قال في "المهمات": فتعين أن تكون الفتوى عليه 497.
وتعبيره بالجمع: يخرج الاثنين، والذي في "الشرح" و"الروضة" عن
الجزء: 4 - الصفحة: 152
وَقَوْلُ فَسَقَةٍ وَصِبْيَانٍ وَكُفَّارٍ لَوْثٌ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ ظَهَرَ لَوْثٌ فَقَالَ أَحَدُ ابْنَيْهِ: (قَتَلَهُ فُلَانٌ) وَكَذَّبَهُ الآخَرُ .. بَطَلَ اللَّوْثُ، وَفِي قَوْلٍ: لَا، وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ بِتكذِيبِ فَاسِقٍ، وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: (قَتَلَهُ زَيْدٌ وَمَجْهُولٌ)، وَقَالَ الآخَرُ: (عَمْرٌو وَمَجْهُولٌ) .. حَلَفَ كُلٌّ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ
"التهذيب": أن شهادة عبدين أو امرأتين كشهادة الجمع، واعتمده في "المهمات"، ونقله عن جزم الماوردي، قال: وحكاه عنه في "البحر" وارتضاه، وجزم به الخوارزمي في "الكافي"، ومحمد بن يحيى في "المحيط" 498.
(وقول فسقة وصبيان وكفار لوث في الأصح) لأن الغالب أن اتفاق الجمع الكثير على الإخبار عن الشيء كيف كان .. لا يكون إلا عن حقيقة، والثاني: لا؛ لأنه لا عمل على قولهم في الشرع، والثالث: لوث من غير الكفار، ومن أقسام اللوث لهج الخاص والعام؛ بأن فلانًا قتل فلانًا، نقلاه عن البغوي وأقراه 499.
(ولو ظهر لوث فقال أحد ابنيه: ) مثلًا ("قتله فلان"، وكذبه الآخر .. بطل اللوث) لأن الله تعالى أجرى العادة بحرص القريب على التشفي من قاتل قريبه، وأنه لا يبرئه، فعارض هذا اللوث مسقط، (وفي قول: لا) يبطل؛ لأن في سائر الدعاوى لا يسقط بتكذيب أحد الوارثين حق الثاني، فيحلف المدعي خمسين يمينًا، ويأخذ حقه من الدية، (وقيل: لا يبطل بتكذيب فاسق) لأن قوله غير معتبر في الشرع، والأصحُّ: أنه لا فرق بينهما، فإن قول الفاسق فيما يسقط حقه مقبول؛ لانتفاء التهمة.
ومحل الخلاف: بالنسبة إلى المدعي، أما بطلانه بالنسبة إلى المكذب .. فلا خلاف فيه، كما صرح به في "البيان" وغيره 500.
(ولو قال أحدهما: "قتله زيد ومجهول"، وقال الآخر: "عمرو ومجهول" .. حلف كل على من عينه) لاحتمال أن الذي أبهم ذكره هو الذي عينه الآخر، وكذلك
الجزء: 4 - الصفحة: 153
وَلَهُ رُبُعُ دِيَةٍ. وَلَوْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اللَّوْثَ فِي حَقِّهِ فَقَالَ: (لَمْ أَكُنْ مَعَ الْمُتَفَرِّقِينَ عَنْهُ) .. صُدِّقَ بِيَمِينهِ. وَلَوْ ظَهَرَ لَوْثٌ بِأَصْلِ قَتْلٍ دُونَ عَمْدٍ وَخَطَأٍ .. فَلَا قَسَامَةَ فِي الأَصحِّ. وَلَا يُقْسَمُ فِي طَرَفٍ وَإِتْلَافِ مَالٍ، إِلَّا فِي عَبْدٍ فِي الأَظْهَرِ. وَهِيَ: أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعِي عَلَى قَتْلٍ ادَّعَاهُ خَمْسِينَ يَمِينًا،
بالعكس، (وله ربع دية) لاعترافه على أن الواجب على من عينه نصف الدية، وحصته منه النصف.
(ولو أنكر المدعى عليه اللوث في حقه، فقال: "لم أكن مع المتفرقين عنه") أي: القتيل ( .. صدق بيمينه) لاحتماله، والأصل براءة ذمته من القتل، وعلى المدعي البينة على قيام الأمارة التي يدعيها.
(ولو ظهر لوث بأصل قتل دون عمد وخطأ .. فلا قسامة في الأصح) لأن مطلق القتل لا يفيد مطالبة القاتل، بل لا بد من ثبوت العمدية، ولا مطالبة العاقلة، بل لا بد أن يثبت كونه خطأً، أو شبه عمد، والثاني: نعم؛ لأنه إذا ظهر القاتل .. خرج الدم عن كونه باطلًا مهدرًا.
(ولا يقسم في طرف وإتلاف مال) لأن النص ورد في النفس، وهي أعظم من غيرها، ولهذا اختصت بالكفارة، فلا يلحق بها ما دونها.
ولو قال المصنف: (ولا يقسم فيما دون النفس) .. لكان أخصر وأعم؛ لشموله الجراحات.
(إلا في عبد في الأظهر) هذا الخلاف مبني على الخلاف في أن بدل العبد تحمله العاقلة أو لا، والأظهر: أنها تحمله، ولا فرق في العبد بين القن والمدبر وأم الولد والمكاتب.
(وهي) أي: القسامة (أن يحلف المدعي على قتل ادعاه خمسين يمينًا) لحديث سهل بن أبي حَثْمة 501، وهو مخصص لعموم حديث: "الْبيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" 502.
الجزء: 4 - الصفحة: 154
وَلَا يُشْتَرَطُ مُوَالَاتُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ تَخَلَّلَهَا جُنُونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ .. بَنَى، وَلَوْ مَاتَ .. لَمْ يَبْنِ وَارِثُهُ عَلَى الصَّحِيحِ
وقد جاء استثناء القسامة أول الباب؛ لأن جانب المدعي قوي باللوث، فتحولت اليمين إليه؛ كما لو أقام شاهدًا في غير القسامة، وسواء النفس الكاملة والناقصة؛ كالمرأة والكافر، فيحلف لكل دية خمسين يمينًا على الأصحِّ؛ لخطر النفس.
وقيل: إن الخمسين تقسط على الدية الكاملة، فيحلف في المرأة خمسة وعشرين يمينًا، وفي اليهودي سبعة عشر، ويقول في يمينه في كل مرة: (لقد قتله هذا)، ويشير إليه، ويرفع في نسبه عند غيبته، أو يعرفه بما يمتاز به من قبيلة أو ضيعة أو لقب 503، ويتعرض لكونه عمدًا أو خطأً أو شبه عمد.
(ولا يشترط موالاتها على المذهب) لأن الأيمان من جنس الحجج، والتفريق في الحجج لا يقدح، كما إذا شهد الشهود متفرقين، وهذا ما عزياه لإيراد الأكثرين 504، وقيل: يشترط؛ لأن للموالاة وقعًا في النفوس، وأثرًا في الزجر والردع، وهذا هو الأشبه في اللعان.
وفرق بينهما: بأن اللعان أولى بالاحتياط؛ لأنه تتعلق به العقوبة البدنية، ويختل به النسب، وتشيع الفاحشة.
(ولو تخللها) أي: الأيمان (جنون أو إغماء .. بنى) إذا أفاق، ولا يجب الاستئناف، أما إذا لم نشترط الموالاة .. فظاهر، وأما إذا اشترطناها .. فلقيام العذر، بخلاف ما لو عزل القاضي، أو مات في أثنائها، فإن القاضي الثاني يستأنف على الأصحِّ، قالا: وحكي عن نص "الأم" أنه يبني، وصححه الروياني 505.
(ولو مات) قبل تمام القسامة ( .. لم يبن وارثه على الصحيح) المنصوص؛ لأن الأيمان كالحجة الواحدة، ولا يجوز أن يستحق أحد شيئًا بيمين غيره، والثاني: = عنهما، والشطر الثاني من الحديث أخرجه البخاري (2514)، ومسلم (1711) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
الجزء: 4 - الصفحة: 155
وَلَوْ كَانَ لِلْقَتِيلِ وَرَثَةٌ وُزِّعَتْ بِحَسَبِ الإِرْثِ وَجُبِرَ الْكَسْرُ، وَفِي قَوْلٍ: يَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ. وَلَوْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا .. حَلَفَ الآخَرُ خَمْسِينَ، وَلَوْ غَابَ .. حَلَفَ الآخَرُ خَمْسِينَ وَأَخَذَ حِصَّتَهُ، وَإِلَّا .. صبَرَ لِلْغَائِبِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِلَا لَوْثٍ وَالْمَرْدُودَةَ عَلَى الْمُدَّعِي أَوْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ لَوْثٍ وَالْيَمِينَ مَعَ شَاهِدٍ .. خَمْسُونَ.
يبني؛ لأنا إذا كنا نبني يمين بعض الورثة على بعض في توزيع الخمسين عليهم .. فبناء الوارث على يمين المورث أولى.
(ولو كان للقتيل ورثة .. وزعت بحسب الإرث) لأن ما يثبت بأيمانهم يقسم عليهم كذلك، (وجبر الكسر) لأن اليمين الواحدة لا تتبعض، فإذا كان الورثة ثلاثة بنين .. حلف كل واحد سبعة عشر، (وفي قول: يحلف كل خمسين) لأن العدد في القسامة كاليمين الواحدة في غيرها.
وفرق الأول: بأن اليمين الواحدة لا يمكن قسمتها، بخلاف أيمان القسامة، وهذا القول مبني على أن الدية تثبت للوارث ابتداءً، والأول مبني على أنها تثبت للمقتول ابتداءً.
(ولو نكل أحدهما .. حلف الآخر خمسين، ولو غاب .. حلف الآخر خمسين، وأخذ حصته) وكذا لو كان صغيرًا؛ لأن الدية لا تستحق بأقل منها، (وإلا) أي: وإن لم يحلف ( .. صبر للغائب) فإذا حضر .. حلف ما يخصه.
(والمذهب: أن يمين المدعى عليه بلا لوث، والمردودة على المدعي أو على المدعى عليه مع لوث واليمين مع شاهد .. خمسون)
أما في الأولى: وهي ما إذا ادعى القتل بغير لوث، وتوجهت اليمين على المدعى عليه؛ فلأنها يمين مسموعة في دعوى القتل؛ لعدم البينة، فوجب أن تغلظ بزيادة العدد؛ كما إذا كان ثَمَّ لوث، فإن التعدد ليس للوث، بل لحرمة الدم، واللوث إنما يفيد البداءة بالمدعي، بدليل أنه لو نكل .. حلف المدعى عليه خمسين يمينًا، ومنهم من قطع به، والطريق الثاني: يحكي قولين: وجه التغليظ 506: ما قلناه، ووجه
الجزء: 4 - الصفحة: 156
وَتَجِبُ بِالْقَسَامَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ دِيَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَفِي الْعَمْدِ عَلَى الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وَفِي الْقَدِيمِ: قِصَاصٌ
مقابله: أنها يمين في جانب المدعى عليه؛ لقطع الخصومة، فلا تغلظ بالعدد؛ كسائر الدعاوى.
وأما في الثانية: وهي ما إذا نكل المدعى عليه فردت اليمين عليه، ولم يكن ثم لوث، فليس فيها طريقة، بل قولان، وهي أولى بالتعدد من الذي قبلها؛ لأن جانب المدعى عليه معتضد بالأصل: وهو البراءة، وجانب المدعي بالعكس؛ لأنه يريد بيمينه إثبات خلاف الأصل.
وأما في الثالثة: فالأصحُّ: القطع فيها بما ذكره؛ لقوله عليه السلام: "فَتُبرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا" 507، جعل أيمان المدعى عليهم بعدد أيمان المدعين.
وأما الرابعة: فليس فيها طريقان أيضًا بل قولان، والأظهر: التعدد، وأطلق الشيخان تعدد اليمين مع الشاهد 508، وينبغي أن يقيد بالعمد، أما قتل الخطأ وشبه العمد .. فيحلف مع الشاهد يمينًا واحدة؛ كما قدمناه عن تصريح الماوردي في الكلام على أن شهادة العدل لوث.
(وتجب بالقسامة في قتل الخطأ وشبه العمد دية على العاقلة) لقيام الحجة بذلك؛ كما لو قامت بينة، (وفي العمد على المقسم عليه) (ولا قصاص؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "إِمَّا أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ" 509، فأطلق إيجاب الدية ولم يفصل، ولو صلحت الأيمان للقصاص .. لذكره، (وفي القديم: قصاص) لقوله عليه السلام: "أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبكُمْ؟ " 510، وأجاب الأول: بأن التقدير: (بدل دم صاحبكم)، وعبر بالدم عن الدية؛ لأنهم يأخذونها بسبب الدم.
الجزء: 4 - الصفحة: 157
وَلَوِ ادَّعَى عَمْدًا بِلَوْثٍ عَلَى ثَلَاثَةٍ حَضَرَ أَحَدُهُمْ .. أَقْسَمَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ وَأَخَذَ ثُلُثَ الدِّيَةِ، فَإِنْ حَضَرَ آخَرُ .. أَقْسَمَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ، وَفِي قَوْلٍ: خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَرَهُ فِي الأَيْمَانِ، وَإِلَّا .. فَيَنْبَغِي الاكْتِفَاءُ بِهَا بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْقَسَامَةِ فِي غَيْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ الأَصَحُّ. وَمَنِ اسْتَحَقَّ بَدَلَ الدَّمِ .. أَقْسَمَ وَلَوْ مُكَاتَبٌ لِقَتْلِ عَبْدِهِ، وَمَنِ ارْتَدَّ .. فَالأَفْضَلُ تَأْخِيرُ أَقْسَامِهِ لِيُسْلِمَ، فَإِنْ أَقْسَمَ فِي الرِّدَّةِ .. صَحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ،
(ولو ادعى عمدًا بلوث على ثلاثة حضر أحدهم .. أقسم عليه خمسين، وأخذ ثلث الدية) من ماله على الجديد، وعلى القديم: له القصاص منه.
(فإن حضر آخر) (وأنكر ( .. أقسم عليه خمسين) لأن الأيمان السابقة لم تتناوله، أما إذا أقر .. فإنه منه بإقراره إن كان القتل عمدًا بشرطه ولا قسامة، (وفي قول: خمسًا وعشرين) كما لو حضرا معًا، فإنه يقسم خمسين عليهما، فيخص الواحد من الخمسين النصف (إن لم يكن ذكره في الأيمان، وإلا .. فينبغي الأتفاء بها) ولا يحلف (بناء على صحة القسامة في غيبة المدعى عليه، وهو الأصح) (وجه الصحة في القسامة في الغيبة: القياس على البينة، ووجه مقابله: ضعف القسامة، وهذا بحث للرافعي 511.
(ومن استحق بدل الدم .. أقسم) فالسيد يقسم في قتل عبده على الأظهر (ولو مكاتب لقتل عبده) لأنه استحق بدله، ويستعين بالقيمة على أداء النجوم، ولا يقسم سيده، بخلاف ما إذا قتل عبد المأذون له، فإن السيد يقسم دون المأذون له؛ لأنه لا حق له، بخلاف المكاتب.
(ومن ارتد .. فالأفضل: تأخير أقسامه ليسلم) لأنه لا يتورع، في حال ردته عن الأيمان الكاذبة، (فإن أقسم في الردة .. صح على المذهب) لأنه عليه السلام اعتد بأيمان اليهود، فدل على أن يمين المشرك صحيحة، والقسامة نوع اكتساب للمال، فلا تمنع منه الردة؛ كالاحتطاب والاصطياد ونحوهما، هذا هو الظاهر المشهور؛ كما قاله الرافعي، وقال المزني: لا تصح القسامة، ولا يثبت شيء 512، وحكاه غيره
الجزء: 4 - الصفحة: 158
وَمَنْ لَا وَارثَ لَهُ .. لَا قَسَامَةَ فِيهِ.
فَصْلٌ [فيما يثبت به موجب القود وموجب المال بسبب الجناية من إقرار وشهادة]
إِنَّمَا يَثْبُتُ مُوجِبُ الْقِصَاصِ بِإِقْرَارٍ أَوْ عَدْلَيْنِ، وَالْمَالِ بِذَلِكَ أَوْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتينِ أَوْ وَيَمِينٍ. وَلَوْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ لِيُقْبَلَ لِلْمَالِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ .. لَمْ يُقْبَلْ فِي الأَصَحِّ
قولًا، ثم قيل: تصحيحها مبني على أقوال الملك، فإن قلنا بالبقاء .. فيصح، أو بالزوال .. فلا، أو بالتوقف .. فنعم في الأصحِّ.
وصورة المسألة: أن يرتد بعد استحقاقه؛ بأن يموت المجروح، ثم يرتد وليه، فأما لو ارتد قبل موته .. فإنه لا يقسم وإن أسلم؛ لأنه لا يرث.
ولو عبر بالأولى كـ "الروضة" و"أصلها" بدل الأفضل .. لكان أولى 513.
(ومن لا وارث له .. لا قسامة فيه) وإن كان هناك لوث؛ لأنه ليس مستحق الدية معينًا، وإنما هي لعامة المسلمين، وتحليفهم غير ممكن، لكن ينصب القاضي من يدعي عليه، ويحلفه، فإن نكل .. فهل يقضي عليه بالنكول؛ فيه خلاف.
(فصل: إنما يثبت موجب القصاص) في نفس أو طرف (بإقرار أو عدلين) لما سيأتي في الشهادات، ويثبت أيضًا بعلم القاضي، ونكول المدعى عليه، وحلف المدعي، ويَرِدُ عليه: السحر، فإنه يوجب القصاص، ومع ذلك لا يثبت بالبينة، بل بالإقرار فقط؛ كما سيأتي، (والمال بذلك، أو برجل وامرأتين أو ويمين) لما سيأتي في بابه أيضًا.
وقوله: (والمال) هو بالجر عطفًا على القصاص.
(ولو عفا) المستحق (عن القصاص ليقبل للمال رجل وامرأتان .. لم يقبل في الأصح) لأنه لا يثبت المال إلا بثبوت القود، والثاني: يقبل؛ لأنه لا قصاص، والمقصود المال.
الجزء: 4 - الصفحة: 159
وَلَوْ شَهِدَ هُوَ وَهُمَا بِهَاشِمَةٍ قَبْلَهَا إِيضَاحٌ .. لَمْ يَجِبْ أَرْشُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَلْيُصَرِّحِ الشَّاهِدُ بِالْمُدَّعَى، فَلَوْ قَالَ: (ضرَبَهُ بِسَيْفٍ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ) .. لَمْ يَثْبُتْ حَتَّى يَقُولَ: (فَمَاتَ مِنْهُ) أَوْ (فَقَتَلَهُ)، وَلَوْ قَالَ: (ضَرَبَ رَأْسَهُ فَأَدْمَاهُ) أَوْ (فَأَسَالَ دَمَهُ) .. ثَبَتَتْ دَامِيَةٌ. وَيُشْتَرَطُ لِمُوضِحَةٍ: (ضَرَبَهُ فَأَوْضَحَ عَظْمَ رَأْسِهِ)، وَقِيلَ: يَكْفِي: (فَأَوْضَحَ رَأْسَهُ)،
(ولو شهد هو وهما) أي: رجل وامرأتان (بهاشمة قبلها إيضاح .. لم يجب أرشها على المذهب) المنصوص؛ كما لا يثبت الإيضاح الموجب للقصاص 514، ونص فيما لو رمى سهمًا إلى زيد فمرق منه إلى غيره: أنه يثبت الخطأ الوارد على الثاني برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين، فقيل: قولان فيهما، والمذهب: تقرير النصين.
والفرق: أن الهشم المشتمل على الإيضاح جناية واحدة، فإذا اشتملت الجناية على ما يوجب القصاص احتيط لها، ولم يثبت إلَّا بحجة كاملة، وفي صورة مروق السهم حصل جنايتان لا تتعلق إحداهما بالأخرى.
(وليصرح الشاهد بالمدعى، فلو قال: "ضربه بسيف، فجرحه فمات" .. لم يثبت) المدعى به، وهو الموت (حتى يقول: "فمات منه") أي: من جراحته (أو "فقتله") لاحتمال أن يكون مات بسبب آخر لا بجراحته.
نعم؛ يثبت الجرح.
(ولو قال: "ضرب رأسه فأدماه" أو "فأسال دمه" .. ثبتت دامية) للتصريح بمقصودها، بخلاف ما لو قال: (فسال دمه) لاحتمال سيلانه بغيره.
(ويشترط لموضحة: "ضربه فأوضح عظم رأسه") لأنه لا شيء يحتمل بعده، (وقيل: يكفي "فأوضح رأسه") لفهم المقصود بذلك، وترجيح الأول تبع فيه "المحرر"، فإنه جعله أقوى 515، لكن ظاهر ما في "الروضة" و"أصلها" ترجيح الثاني، فإنهما قالا: ولو قال: (ضربه بسيف فأوضح رأسه)، أو (اتضح من ضربه)، أو (بجراحته) .. ثبتت الموضحة، وحكى الإمام والغزالي أنه يشترط:
الجزء: 4 - الصفحة: 160
وَيَجِبُ بَيَانُ مَحَلِّهَا وَقَدْرِهَا لِيُمْكِنَ قِصَاصٌ. وَيَثْبُتُ الْقَتْلُ بِالسِّحْرِ بِإِقْرَارٍ لَا بِبيِّنَةٍ. وَلَوْ شَهِدَ لِمُوَرِّثهِ بِجُرْحٍ قَبْلَ الانْدِمَالِ .. لَمْ يُقْبَلْ، وَبَعْدَهُ يُقْبَلُ، وَكَذَا
التعرض لوضوح العظم، ولا يكفي إطلاق الموضحة؛ فإنه من الإيضاح، وليست مخصوصة بإيضاح العظم، وتنزيل ألفاظ الشاهد على الفاظ اصطلح عليها الفقهاء لا وجه له.
نعم؛ لو كان الشاهد فقيهًا، وعلم القاضي أنه لا يطلقها إلَّا على ما يوضح العظم .. ففيه تردد للإمام.
انتهى 516، وحكى البُلْقيني الثاني: عن نص "الأم" و"المختصر" قال: وعليه جرى الجمهور.
(ويجب بيان محلها وقدرها) أي: الموضحة (ليمكن قصاص) فلو شهدوا أنه أوضح عظم رأسه، وعجزوا عن تعيينها .. وجب الأرش في الأصحِّ.
(ويثبت القتل بالسحر بإقرار لاببينة) لأن الشاهد لا يعلم قصد الساحر، ولا يشاهد تأثير السحر، قال في "الكفاية": إلا أن يقول الساحر: (سحرته بنوع كذا)، فيشهد عدلان بأن هذا النوع يقتل غالبًا، أو نادرًا .. فيثبت ما يشهدان به، ويتصور معرفة العدلين بذلك فيما إذا كانا ساحرين وقد تابا، أو فرعنا على القول بجواز تعلم السحر، والأصحُّ: خلافه، وقد يرد على حصره في الإقرار: ما لو ادعى عليه القتل بالسحر .. فأنكر ونكل، فإن قلنا: بالأصح: أن اليمين المردودة كالإقرار .. حلف المدعي استدلالًا بنكوله، فإذا حلف .. ثبت، وإن قلنا: إنها كالبينة قال في "المطلب": فله أن يحلف اعتمادًا على قرينة نكوله أو غيرها، فقد ثبت القتل به لا بالإقرار، وهذا غريب أن يثبت الشيء بما هو بمنزلة البينة وإن لم يثبت بالبينة.
(ولو شهد لمورثه) غير أصل وفرع (بجرح قبل الاندمال .. لم يقبل) لتهمة إرثه؛ لاحتمال أن يسري، فكأنه شهد لنفسه وأطلق الجرح، وقيده الإمام بجرح يمكن أن يفضي إلى الهلاك 517، (وبعده .. يقبل) لانتفاء التهمة حينئذ (وكذا) تقبل شهادته
الجزء: 4 - الصفحة: 161
بِمَالٍ فِي مَرَضِ مَوْتهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ قَتْلٍ يَحْمِلُونَهُ، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى اثْنَيْنِ بِقَتْلِهِ فَشَهِدَا عَلَى الأَوَّلَيْنِ بِقَتْلِهِ؛ فَإِنْ صَدَّقَ الْوَليُّ الأَوَّلَيْنِ .. حُكِمَ بِهِمَا، أَوِ الآخَرَيْنِ أَوِ الْجَمِيعَ أَوْ كَذَّبَ الْجَمِيعَ .. بَطَلَتَا
لمورثه (بمال في مرض موته في الأصح) بخلاف الجرح.
والفرق: أن شهادة المال لم يحصل للشاهد بها نفع حال وجوبه؛ لأن الملك يحصل للمشهود له، وينفذ تصرفه فيه في ملاذه وشهواته، وشهادته بالجرح النفع حال الوجوب له؛ لأن الدية قبل الموت لم تجب، وبعده تجب له.
والثاني: لا تقبل؛ لأنه محجور عليه لحق الورثة، وذلك يوجب التهمة.
(ولا تقبل شهادة العاقلة بفسق شهود قتل يحملونه) (وهو الخطأ وشبه العمد؛ لأنهم يدفعون عن أنفسهم الغرم، هذا فيمن يتحمل، فلو كان الشاهدان من فقراء العاقلة .. فالنص: ردها، أو من أباعدهم وفي الأقربين وفاء بالواجب .. فالنص: قبولها، فقيل: قولان فيهما، والمذهب: تقرير النصين.
والفرق: أن المال غاد ورائح، وكل يحدث نفسه به، ويتمنى الأماني، وموت القريب المقتضي لتحمل البعيد بعيد في الاعتقادات، فلا تتحقق التهمة بمثله.
واحترز بقوله: (يحملونه) عما لو شهدوا بفسق بينة القتل العمد، أو بينة الإقرار بالقتل الخطأ، فإنها مقبولة؛ لعدم التهمة؛ إذ لا تحمل.
وكان الأحسن: أن يقول: (ولا تقبل شهادة العاقلة بفسق شهود ما تحمله) ليدخل القتل وغيره مما تحمله.
(ولو شهد اثنان على اثنين بقتله، فشهدا على الأولين بقتله، فإن صدق الولي الأولين .. حكم بهما) لسلامة شهادتهما عن التهمة، وتسقط شهادة الآخرين؛ لأنهما صارا عدوين للأولين، لكون الأولين شهدا عليهما بالقتل، ولأنهما يدفعان عن أنفسهما القتل، (أو الآخرين، أو الجميع، أو كذب الجميع .. بطلتا) ووجهه في الثالثة: ظاهر، وفي الثانية: أن في تصديق كل منهما تكذيب الأخرى؛ لأن من شهدا بأن القاتل الآخران اقتضت شهادتهما أن لا قاتل غيرهما، وكذلك بالعكس، وفي الأولى: أنه بتكذيب الأولين سقطت شهادتهما، وشهادة الآخرين مردودة وإن وقعت
الجزء: 4 - الصفحة: 162
وَلَوْ أَقَرَّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِعَفْوِ بَعْضٍ .. سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَلَوِ اخْتَلَفَ شَاهِدَانِ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ آلَةٍ أَوْ هَيْئَةٍ .. لَغَتْ، وَقِيلَ: لَوْثٌ.
حسبة؛ لأنهما صارا عدوي الأولين ومتهمين.
إذا تحرر ذلك .. فقد اعترض على تصوير المسألة: بأن الشهادة على القتل لا تسمع إلا بعد تقديم الدعوى على الصحيح، ولا بد في الدعوى من تعيين القاتل، فكيف يُسأل المدعي بعد شهادة الفريقين؟
وأجيب عنه بوجوه: أصحها: أن يدعي الولي القتل على اثنين، ويشهد له بذلك شاهدان، فيبادر المشهود عليهما، ويشهدان على الشاهدين بأنهما القاتلان، وذلك يورث ريبة للحاكم، فيراجع الولي، ويسأله احتياطًا، وينظر هل يستمر على الدعوى، أو يعود إلى تصديق الآخرين، أو الجميع؟
(ولو أدر بعض الورثة بعفو بعض .. سقط القصاص) لأنه لا يتبعض، ولا فرق بين أن يعين العافي أم لا؛ لحصول المقصود مع الإبهام والتعيين.
(ولو اختلف شاهدان في زمان أو مكان أو آلة أو هيئة .. لغت) للتناقض، (وقيل: لوث) لاتفاقهما على أصل القتل، والاختلاف في الصفة ربما يكون غلطًا أو نسيانًا.
والهيئة: من زياداته على "المحرر".
وقوله: (وقيل) صوابه: وفي قول؛ كما صرح به الرافعي 518.
الجزء: 4 - الصفحة: 163
كتابُ البُغاة هُمْ مُخَالِفُو الإِمَامِ بِخُرُوجٍ عَلَيْهِ وَتَرْكِ الانْقِيَادِ أَوْ مَنع حَقٍّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ بِشَرْطِ شَوْكَةٍ لَهُمْ، وَتَأْوِيلٍ، وَمُطَاعٍ فِيهِمْ،
﴿كتاب البغاة﴾
(هم مخالفو الإمام بخروج عليه، وترك الانقياد، أو منع حق توجه عليهم) هذا حد البغاة في الاصطلاح، سموا بذلك؛ لمجاوزتهم الحد؛ كما يقال: بغت المرأة، وقيل: لطلب الاستعلاء، وقيل: للظلم، والبغي: الظلم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ أي: ظلم.
والإجماع قائم على قتالهم، وأطلق المصنف الإمام، وقيداه في "الشرح" و"الروضة" بالعادل، وكذا هو في "الأم" و"المختصر"، لكن في "الكفاية" عن القفال: أنه لا فرق في ذلك بين العادل والجائر، وجزم به في "العجالة" 519.
(بشرط شوكة لهم) أي: قوة وعدد بحيث لا يندفعون إلا بجمع الجيش والقتال لهم، فإن كانوا فرادى وسهل ضبطهم .. فليسوا ببغاة، (وتأويل) لأن من خالف من غير تأويل .. كان معاندًا للحق.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين التأويل المقطوع ببطلانه والمظنون، وقال البُلْقيني: إنه الذي يظهر من كلام الشافعي، وهو الأرجح، وقيداه في "الشرحين" و"الروضة": بالمظنون، فان كان مقطوعًا ببطلانه .. فوجهان: أوفقهما لإطلاق الأكثرين: أنه لا يعتبر 520، كتأويل أهل الردة حيث قالوا: (أمرنا بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاة غيره ليست سكنًا لنا)، قال الأَذْرَعي: وهو قضية قول الجمهور، أن يكون لهم تأويل محتمل.
(ومطاع فيهم) لأن رجال النجدة وإن كثروا لا قوة لهم ولا شوكة إذا لم يصدروا
الجزء: 4 - الصفحة: 165
قِيلَ: وَإِمَامٍ مَنْصُوبٍ. وَلَوْ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ - كَتَرْكِ الْجَمَاعَاتِ وَتَكْفِيرِ ذِي كَبِيرَةٍ - وَلَمْ يُقَاتِلُوا .. تُرِكُوا،
ولم يجتمعوا على رأي.
وقضية كلامه: أن هذا شرط ثالث، وقضية كلام الرافعي: أن المطاع شرط لحصول الشوكة، وليس شرطًا آخر غير الشوكة.
(قيل: وإمام منصوب) وإلا .. فلا يكون بينهم قاض ووال، فتتعطل الأحكام، وهذا ما نقله الرافعي عن الجديد، ونسبه الإمام إلى المعظم، لكن في الرافعي عن الأكثرين: المنع 521، لأن عليًّا رضي الله عنه قاتل أهل الجمل ولا إمام لهم، وأهل صفين قبل نصب إمامهم، قال في "المطلب": وأثر الخلاف في نصبهم الإمام: إنما هو لأجل تنفيذ الأحكام، لا لعدم الضمان، كما أشار إليه الغزالي، وقال الماوردي: هذه الأمور كلها إنما تشترط في جواز قتالهم، واعتبر الجويني أمرين آخرين: أن يمتنعوا من حكم الإمام وأن يظهروا لأنفسهم حكمًا.
(ولو أظهر قوم رأي الخوارج) وهم صنف من المبتدعة (كترك الجماعات، وتكفير ذي كبيرة، ولم يقاتلوا .. تركوا) بناء على الصحيح: أنهم لا يكفرون بذلك، لأن عليًّا رضي الله عنه سمع رجلًا من الخوارج يقول: لا حكم إلا لله ولرسوله، ويعرض بتخطئته في التحكيم، فقال علي رضي الله عنه: (كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدأكم بقتال) 522.
والمراد بتكفير ذي كبيرة: أن اعتقادهم أن من أتى كبيرة من الكبائر .. فقد كفر وحبط عمله، وخلد في النار، وأن دار الإسلام صارت بظهور الكبائر فيها دار كفر وإباحة، فلذلك طعنوا في الأئمة، ولم يصلوا خلفهم، وتجنبوا الجمعة والجماعات، وما أطلقه من تركهم إذا لم يقاتلوا شَرَطَ له في "المحرر" و"الشرح"
الجزء: 4 - الصفحة: 166
وَإِلَّا .. فَقُطَّاعُ طَرِيقٍ. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبُغَاةِ وَقَضَاءُ قَاضِيهِمْ فِيمَا يُقْبَلُ قَضَاءُ قَاضِينَا إِلَّا أَنْ يَسْتَحِلَّ دِمَاءَنَا، وَيُنَفَّذُ كِتَابُهُ بِالْحُكْمِ، وَيُحْكَمُ بِكِتَابِهِ بِسَمَاعِ الْبيِّنَةِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَقَامُوا حَدًّا وَأَخَذُوا زَكَاةً وَجِزْيَةً وَخَرَاجًا وَفَرَّقُوا سَهْمَ الْمُرْتَزِقَةِ عَلَى جُنْدِهِمْ .. صَحَّ، وَفِي الأَخِيرِ وَجْهٌ
و"الروضة": كونهم في قبضة الإمام 523، وقال القاضي الحسين: قال أصحابنا: هذا إذا لم يكن على المسلمين ضرر منهم، وإلا .. فيتعرض لهم حتى يزول ذلك عن المسلمين.
(وإلا) أي: وإن قاتلوا ( .. فقطاع طريق) أي: حكمهم حكم قطاع الطريق.
(وتقبل شهادة البغاة) لأن البغي لا يفسقهم وإن عصيناهم لأجل شبهة التأويل، (وقضاء قاضيهم فيما يقبل قضاء قاضينا) لأن لهم تأويلًا يسوغ فيه الاجتهاد (إلا أن يستحل دماءنا) وأموالنا، فلا ينفذ حينئذ؛ لفسقه، وهذا الاستثناء عائد إلى مسألتي الشاهد والقاضي.
(وينفذ كتابه بالحكم) أي: إذا كتب بما حكم به إلى قاضي أهل العدل .. جاز له قبوله وتنفيذه؛ لأنا نفرع على تنفيذ قضاء قاضيهم، لكن يستحب ألا ينفذه؛ استخفافًا بهم.
(ويحكم بكتابه بسماع البينة في الأصح) أي: إذا كتب بما يثبت عنده، ولم يحكم به فهل يحكم به قاضينا؟ وجهان: أحدهما: لا؛ لما فيه من معونة أهل البغي، وإقامة مناصبهم، والأصحُّ: نعم، لأن الكتاب الوارد له تعلق برعايانا، وإذا نفذنا حكم قاضيهم لمصلحة رعاياهم .. فلأن نراعي مصالح رعايانا أولى.
(ولو أقاموا حدًّا، وأخذوا زكاة وجزية وخراجًا، وفرقوا سهم المرتزقة على جندهم .. صح) لأن في إعادة المطالبة إضرارًا بأهل البلد، (وفي الأخير وجه) لئلا يتقووا به على أهل العدل، والأصحُّ: الصحة؛ لأنهم من جند الإسلام، وإرعاب الكفار حاصل بهم، وفي الجزية أيضًا: وجه، حكاه الرافعي 524، وفي الزكاة:
الجزء: 4 - الصفحة: 167
وَمَا أَتْلَفَهُ بَاغٍ عَلَى عَادِلٍ وَعَكْسُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قِتَالٍ .. ضَمِنَ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَفِي قَوْلٍ: يَضْمَنُ الْبَاغِي. وَالْمُتَأَوِّلُ بِلَا شَوْكَةٍ يَضمَنُ، وَعَكْسُهُ كَبَاغٍ. وَلَا يُقَاتِلُ الْبُغَاةَ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ أَمِينًا فَطِنًا نَاصِحًا يَسْأَلُهُمْ مَا يَنْقِمُونَ، فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلِمَةً أَوْ شُبْهَةً .. أَزَالَهَا،
وجه، حكاه القاضي أنهم إن أعطوها اختيارًا من غير إجبار .. لم يسقط عنهم، قال ابن الرفعة: وقياسه: الطرد في غيرها 525.
(وما أتلفه باغ على عادل وعكسه إن لم يكن في قتال .. ضمن) سواء النفس والمال جريًا على الأصل الممهد في قصاص النفس وغرامات الأموال، (وإلا) أي: وإن كان في قتال ( .. فلا) ضمان، أما فيما يتلفه العادل على الباغي .. فلأنه مأمور بالقتال، فلا يضمن ما يتولد منه، وأما فيما يتلفه الباغي على العادل .. فلأن في الوقائع التي جرت في عصر الصحابة؛ كوقعة الجمل وصفين .. لم يطالب بعضهم بعضًا بضمان نفس ولا مال، (وفي قول: يضمن الباغي) لأنهما فرقتان من المسلمين: محقة ومبطلة، فلا يستويان في سقوط الغرم؛ كقطاع الطريق والمرتدين.
ومحل القولين: فيما أتلف بسبب القتال، وتولد منه هلاك، فإن أتلفوا في القتال ما ليس من ضرورة القتال .. ضمن قطعًا قاله الإمام، وأقراه 526.
(والمتأول بلا شوكة يضمن) مطلقًا وإن أتلف في القتال؛ كقطاع الطريق، ولأنا لو أسقطنا الضمان .. لم تعجز كل شرذمة تريد إتلاف نفس ومال أن تبدي تأويلًا وتفعل من الفساد ما تشاء، وفي ذلك بطلان السياسات، (وعكسه) وهو من له شوكة بلا تأويل (كباغ) ففي ضمانه القولان؛ لأن سقوط الضمان عن الباغي ترغيبهم في الطاعة، ليجتمع الشمل، وهو موجود هنا.
(ولا يقاتل البغاة حتى يبعث إليهم أمينًا فطنًا ناصحًا يسألهم ما ينقمون) أي: يكرهون، كما فعل علي رضي الله عنه حين بعث ابن عباس إلى الخوارج 527، (فإن ذكروا مظلمة أو شبهة .. أزالها) لأن المقصود بقتالهم ردهم إلى الطاعة ودفع شرهم،
الجزء: 4 - الصفحة: 168
فَإِنْ أَصَرُّوا .. نَصَحَهُمْ ثُمَّ آذَنَهُمْ بالْقِتَالِ، فَإِنِ اسْتَمْهَلُوا .. اجْتَهَدَ وَفَعَلَ مَا رَآهُ صَوَابًا. وَلَا يُقَاتِلُ مُدْبِرَهُمْ وَلَا مُثْخَنَهُمْ وَأَسِيرَهُمْ، وَلَا يُطْلَقُ وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا وَامْرَأَةً حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ وَيَتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ،
وظاهر كلام الشيخين: وجوب البعث 528، قال في "المطلب": وهو ظاهر كلام الشافعي، وصرح به الأصحاب، وقال القاضي أبو الطيب: إنه مستحب.
(فإن أصروا) بعد إزالة المظلمة وكشف الشبهة ( .. نصحهم) ووعظهم؛ لأن ذلك أقرب إلى حصول المقصود
(ثم) إن أصروا .. دعاهم إلى المناظرة، فإن لم يجيبوا أو أجابوا فغلبوا وأصروا مكابرين .. (آذنهم بالقتال) أي: أعلمهم به (فإن استمهلوا .. اجتهد) في الإمهال (وفعل ما رآه صوابًا) فإن ظهر له عزمهم على الطاعة، وهم ينتظرون كشف الشبهة أو التأمل .. أنظرهم، أو أنهم يقصدون الاجتماع، أو ينتظرون مددًا .. فلا.
(ولا يقاتل مدبرهم ولا مثخنهم وأسيرهم) لنهي علي رضي الله عنه عن ذلك 529، ولأن قتالهم شرع للدفع عن منع الطاعة، وقد زال.
نعم؛ إن انهزم متحيزًا إلى فئة قريبة .. اتبع، أو بعيدة .. فلا، ولو ولَّوا ظهورهم مجتمعين تحت راية زعيمهم .. اتبعوا، وقوتلوا حتى يرجعوا إلى الطاعة، وقد عبر في "المحرر" في المدبر بالقتال، وفي الأخيرين بالقتل 530، وهي أحسن؛ لأن المثخن والأسير لا يقاتلان.
(ولا يطلق) أسيرهم، بل يحبسه (وإن كان صبيًّا وامرأة حتى تنقضي الحرب ويتفرق جمعهم) لينكف شره.
وأفهم: أنه لا يطلق إلا باجتماع الأمرين: انقضاء الحرب، وتفرق جمعهم، وهذا غاية في الرجل البالغ الذي هو أهل للقتال، أما الصبي غير المراهق والمرأة .. فيطلقان بمجرد انقضاء القتال على الأصحِّ في "أصل الروضة" 531.
الجزء: 4 - الصفحة: 169
إِلَّا أَنْ يُطِيعَ بِاخْتِيَارِهِ. وَيَرُدُّ سِلَاحَهُمْ وَخَيْلَهُمْ إِلَيْهِمْ إِذَا انْقَضَتِ الْحَرْبُ وَأُمِنَتْ غَائِلَتُهُمْ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي قِتَالٍ إِلَّا لِضَرُورَةٍ. وَلَا يُقَاتلونَ بِعَظِيمٍ - كَنَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ - إِلَّا لِضَرُورَةٍ؛ بِأَنْ قَاتَلُوا بِهِ أَوْ أَحَاطُوا بِنَا. وَلَا يُسْتَعَانُ عَلَيْهِمْ بِكَافِرٍ، وَلَا بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ،
(إلا أن يطيع باختياره) بمبايعة الإمام، والرجوع عن البغي إلى الطاعة، فيطلق ولو قبل انقضاء الحرب، وتفرق الجمع، وهذا الاستثناء خاص بالرجل المتأهل للقتال، أما النساء والعبيد والصبيان .. فلا بيعة عليهم.
(ويرد) وجوبًا (سلاحهم وخيلهم إليهم إذا انقضت الحرب وأمنت غائلتهم) بعودهم إلى الطاعة، أو تفرق شملهم، قال الرافعي: وهو وقت إطلاق الأسرى 532.
(ولا يستعمل) خيولهم وأسلحتهم (في قتال) كما لا يجوز الانتفاع بسائر أموالهم (إلا لضرورة) بأن لم يجد أحدنا ما يدفع به عن نفسه إلا سلاحهم، أو ما يركبه - وقد وقعت هزيمة - إلا خيولهم، فإنه يجوز الاستعمال والركوب؛ كما يجوز أكل مال الغير للضرورة.
وذكر الخيل والسلاح مثال، فإن غيرهما من أموالهم كذلك.
(ولا يقاتلون بعظيم؛ كنار ومنجنيق) (وتغريق وإلقاء الحيات ونحوها من المهلكات؛ لأن المقصود من قتالهم ردهم إلى الطاعة، وقد يرجعون فلا يجدون للنجاة سبيلًا، وفي الحديث الصحيح: "لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّهَا" 533، (إلا لضرورة؛ بأن قاتلوا به، أو أحاطوا بنا) واضطررنا إلى الرمي بالنار ونحوها؛ للدفع.
(ولا يستعان عليهم بكافر) لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
(ولا بمن يرى قتلهم مدبرين) كالحنفية؛ لأنهم لا يحترمون قتلهم بعد الانهزام، ولا يحل ذلك عندنا، هذا إذا كان الإمام يرى مذهبنا فيهم؛ كما قيده الإمام 534،
الجزء: 4 - الصفحة: 170
وَلَوِ اسْتَعَانُوا عَلَيْنَا بِأَهْلِ حَرْبٍ وَآمَنُوهُمْ .. لَمْ يَنْفُذْ أَمَانُهُمْ عَلَيْنَا، وَنَفَذَ عَلَيْهِمْ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ أَعَانَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَالِمِينَ بِتَحْرِيمِ قِتَالِنَا .. انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، أَوْ مُكْرَهِينَ .. فَلَا، ..
وإلا .. فلا اعتراض عليه فيما يراه مذهبًا هنا، وفي كل موضع.
ويستثنى: ما إذا دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم، فيجوز بشرطين: أحدهما: أن يكون فيهم جرأة وحسن إقدام، والثاني: أن يتمكن من دفعهم لو اتبعوا أهل البغي بعد الانهزام؛ كما نقلاه عن حكاية ابن الصباغ والروياني وغيرهما عن اتفاق الأصحاب، وزاد الماوردي ثالثًا: وهو أن يثق بوفائهم، والا يتبعوا مدبرًا، ولا يذففوا على جريح 535.
(ولو استعانوا علينا بأهل الحرب وآمنوهم .. لم ينفذ أمانهم علينا) لأن الأمان لترك قتال المسلمين، فلا ينعقد على شرط القتال، فيجوز لنا أن نغنم أموالهم، وأن نسترقهم ونقتلهم إذا وقعوا في الأسر، ونقتل مدبرهم، ونذفف على جريحهم.
نعم؛ لو قالوا: ظَنَنَّا أنه يجوز لنا أن نعين بعض المسلمين على بعض، أو أنهم المحقون، أو أنهم استعانوا بنا في قتال كفار .. بلغوا المأمن وقوتلوا مقاتلة البغاة، ولا يتعرض لمدبرهم على الأصحِّ.
(ونفذ) أمان أهل البغي (عليهم في الأصح) لأنهم أمنوهم، وأمنوا منهم، والثاني: لا ينفذ عليهم؛ كما لا ينفذ علينا.
(ولو أعانهم أهل الذمة) مختارين (عالمين بتحريم قتالنا .. انتقض عهدهم) كما لو انفردوا بالقتال، وصار حكمهم حكم أهل الحرب، (أو مكرهين .. فلا) ولا بد من ثبوت كونهم مكرهين عند الإمام؛ كما قاله المتولي والبَنْدَنيجي 536.
الجزء: 4 - الصفحة: 171
وَكَذَا إِنْ قَالُوا: (ظَنَنَّا جَوَازَهُ) أَوْ (أَنَّهُمْ مُحِقُّونَ) عَلَى الْمَذْهَب، وَيُقَاتَلُونَ كَبُغَاةٍ.
فَصْلٌ [في شروط الإمام الأعظم وبيان طرق الإمامة]
شَرْطُ الإِمَامِ: كَوْنُهُ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا حُرًّا ذَكَرًا قُرَشِيًّا
(وكذا إن قالوا: "ظَنَنَّا جوازه") أي: ظَنَنَّا أنه يجوز لنا إعانة بعض المسلمين على بعض، أو أنهم يستعينون بنا على الكفار، (أو "أنهم محقون") (وأن لنا إعانة المحق، وأمكن صدقهم (على المذهب) إلحاقًا لهذه الأعذار بالإكراه (ويقاتلون) حيث لا ينتقض عهدهم، (كبغاة)؛ أي: كما يقاتل البغاة، أما إذا انتقض عهدهم .. فحكمهم مذكور في الجزية.
(فصل)
لما كان البغي عبارة عن الخروج على الإمام .. احتاج إلى تعريف الإمام، ويجب نصب الإمام، كيلا يبقى الناس فوضى.
(شرط الإمام) الأعظم ( .. كونه مسلمًا) ليراعي مصلحة الإسلام والمسلمين (مكلفًا)، لأن المولى عليه في حضانة غيره، فكيف يلي أمر الأمة؟ .
(حرًّا ذكرًا) ليكمل، ويهاب، ويتفرغ، ويتمكن من مخالطة الرجال (قرشيًّا) لحديث: "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" رواه النسائي بإسناد جيد من رواية أنس 537.
فإن عدم قرشي بالصفات .. فكناني، فإن فقد كناني بالصفات .. فرجل من ولد إسماعيل صلى الله عليه وسلم، فإن فقد .. ففي "التهذيب" أنه يولى من العجم، وفي "التتمة" أنه يولى جرهمي، وجرهم من أصل العرب، فإن فقد .. فرجل من ولد إسحاق صلى الله عليه وسلم 538.
وأفهم كلامه: أنه لا يشترط كونه هاشميًّا، وهو كذلك، فإن الصديق وعمر
الجزء: 4 - الصفحة: 172
مُجْتَهِدًا شُجَاعًا ذَا رَأْيٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ وَنُطْقٍ. وَتَنْعَقِدُ الإِمَامَةُ بالْبَيْعَةِ، وَالأَصَحُّ: بَيْعَةُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ الَّذِينَ يَتَيَسَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ، وَشَرْطُهُمْ صِفَةُ الشُّهُودِ. وَباسْتِخْلَافِ الإِمَامِ،
وعثمان رضي الله عنهم لم يكونوا من بني هاشم.
(مجتهدًا) بحيث لا يحتاج إلى استفتاء غيره في الحوادث، (شجاعًا) ليغزو بنفسه، ويدير الجيوش، ويقهر الأعداء، ويفتح الحصون، (ذا رأي) لأن الرأي ملاك الأمور، فالرأي قبل شجاعة الشجعان، وعبارة "الروضة": ذا رأي وكفاية 539، ولا شك أن الكفاية تجمع الرأي وغيره، (وسمع وبصر ونطق) ليتأتى منه فصل الأمور، ولا يضر ثقل السمع، قال الماوردي: وضعف البصر إن كان يمنع معرفة الأشخاص .. منع انعقاد الإمامة واستدامتها، وعدَّ في "الروضة" من الشروط: العدالة؛ إذ لا يوثق بالفاسق في الشهادة على فلس، فكيف يُولى الأمر العام؟ وسلامته من نقص يمنع استيفاء الحركة وسرعة النهوض 540.
(وتنعقد الإمامة بالبيعة) كما بايع الصحابة الصديق رضي الله عنه وعنهم، (والأصح: بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم) لأنه ينتظم الأمر بهم، ويتبعهم سائر الناس، ولا يشترط على هذا عدد، بل لو تعلق الحل والعقد بواحد مطاع .. كفت بيعته.
(وشرطهم) أي: الذي يبايعون (صفة الشهود) من العدالة وغيرها، مما سيأتي.
وأفهم: أنه لا يشترط حضور شاهدين للبيعة، وهو الأصحُّ في "زيادة الروضة" إن كان المبايعون جمعًا، فإن كان واحدًا .. اشترط 541.
(وباستخلاف الإمام) من بعده؛ كما عهد الصديق رضي الله عنه إلى عمر رضي الله عنه، وانعقد الإجماع على جوازه.
الجزء: 4 - الصفحة: 173
فَلَوْ جَعَلَ الأَمْرَ شُورَى بَيْنَ جَمْعٍ .. فَكَاسْتِخْلَافٍ، فَيَرْتَضُونَ أَحَدَهُمْ. وَبِاسْتِيلَاءِ جَامِعِ الشُّرُوطِ، وَكَذَا فَاسِقٌ وَجَاهِلٌ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: لَوِ ادَّعَى دَفْعَ زَكَاةٍ إِلَى الْبُغَاةِ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، أَوْ جِزْيَةٍ .. فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا خَرَاجٌ فِي الأَصَحِّ،
وصورته: أن يعقد له الخلافة - في حياته - بعده، فإن أوصى له بها .. فوجهان؛ لأنه بالموت يخرج عن الولاية، فلا تصح منه تولية الغير، وفيه بحث للرافعي 542.
(فلو جعل الأمر شورى بين جمع .. فكاستخلافٍ، فيرتضون أحدهم) كما أن عمر رضي الله عنه جعل الأمر شورى بين ستة: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، فاتفقوا بعد موته على عثمان رضي الله عنه.
(وباستيلاء جامع الشروط) بالقهر والشوكة تنعقد الإمامة به أيضًا؛ لينتظم شمل المسلمين، (وكذا فاسق وجاهل في الأصح) لما ذكرناه وإن كان عاصيًا بفعله، ولا يصير الشخص إمامًا بتفرده بشروط الإمامة في وقته، بل لا بد من أحد الطرق، وقيل: يصير من غير عقد، حكاه القمولي، قال: ومن الفقهاء من الحق القاضي بالإمام في ذلك.
(قلت: لو ادعى دفع زكاة إلى البغاة .. صدق بيمينه) لبنائها على المواساة، واليمين مستحبة، وقيل: مستحقة، وصححه في "تصحيح التنبيه" 543، (أو جزية .. فلا على الصحيح) لأن الجزية عوض عن المسكن، فأشبه ما لو ادعى المستأجر دفع الأجرة، والثاني: يصدق؛ كالزكاة.
(وكذا خراج في الأصح) لأنه أجرة أو ثمن، والثاني: يصدق؛ كالزكاة.
الجزء: 4 - الصفحة: 174
وَيُصَدَّقُ فِي حَدٍّ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ، وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الْبَدَنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(ويصدق في) إقامة (حد) عليه (إلا أن يثبت) وجوب الحد (ببينة، ولا أثر له في البدن، والله أعلم) فلا يصدق، فإن ثبت بالإقرار .. صدق؛ لأن المقر بالحد إذا رجع .. يقبل رجوعه، وقد أنكر بما يدعيه بقاء الحد عليه، فيجعل كالرجوع، وكذا إذا كان أثره باقيًا.
ولو ذكر المصنف هذه الزيادة قبل الكلام في أحكام الإمامة .. لكان أنسب.
الجزء: 4 - الصفحة: 175